مشاهدة النسخة كاملة : الإرشاد و التوجيه


يوسف قادري
20-10-2007, 12:45 PM
التوجيه و الإرشاد
http://www.geocities.com/youcef_kadri/orientation.htm

وفق الإجراءات المعمول بها في ميدان التوجيه المدرسي في الجزائر، و بعيدا عن الاكتفاء بمجرد الوصف لما يرد من تصريحات رسمية، من يختار في عملية التوجيه هذه؟ الفرد، هذا الكائن البيو-إجتماعي، أم المجتمع المتمثل في من ينوب عنه من نخب و أصحاب القرار فيه، أم في حدود الإمكان، الفرد و المجتمع في آن واحد؟

...و لكن ربما مفهوم المجتمع يتجاوز مجموع أفراده من نخب و عامة إلى أنساق من التنظيمات أقوى تأثيرا على أفراد المجتمع من تأثير الحاكم على المحكوم.

الخريطة المدرسية مثلا، حين توضع موضع التنفيذ، بعد تخطيط و توقعات مسبقة لما يحتاج إليه الفرد من خبرات في مجتمع يحتاج إلى تلك الخبرات بنسب متفاوتة، هل توفر تلك الخريطة المدرسية للفرد كل الخيارات الواقعية التي يوفرها عالم الشغل في زمن غير ذلك الذي صودق فيه على المخطط موضع التنفيذ؟

إن كان الجواب بلا على أساس أن التوقعات قد تكون خاطئة في حال حدوث ما لم يُتوقع، فهل يمكننا حينئذ أن نقول أن الفرد حر في تقرير مصيره؟ من يختار؟ هو أم المجتمع كمؤسسات، لا تزول بنفس الوتيرة التي تزول فيه الأجيال؟ أم غير ذلك؟

بكل تأكيد، في تلك الحالة، ليس الفرد هو الذي يختار. الذي يختار هو المجتمع المتمثل في من كان ينوب عنه من نخب سياسية، أسست، و إن زالت. المسؤولية هي مسؤولية رجال هم أصحاب القرار الصائب و قد يكون غير ذلك.

إن كان الحال كذلك، ألا يعتبر مجتمع كهذا (مجتمع متمثل في نخبه السياسية متناقضا مع مجموع أفراده؟ ألا تعتبر هذه حالة مرضية تحتاج إلى علاج؟

الغرض من طرح مثل هذه الأسئلة هو إشعار القارئ بمدى خطورة موضوع التوجيه المدرسي و مدى أهمية تقييم الممارسات الفعلية في هذا الميدان في بلدنا.

هل سياسة التوجيه تستجيب فعليا إلى ما تراه النخبة السياسية متطلبات التنمية الاجتماعية، أم هي استجابة لحاجيات الفرد، كل فرد في مجتمع متغي باستمرار، و بالتالي استجابة لحاجيات المجتمع، أم أنها تستجيب إلى متطلبات التنمية الاجتماعية وفق الرؤية الأيديولوجية المسبقة، الصائبة، للنخبة الحاكمة وتستجيب في نفس الوقت (لأنها صائبة) لحاجيات الفرد الاجتماعي بطبعه؟

الفائدة من الإجابة على مثل هذه الإسئلة هي فائدة معنوية، تقييمية، قد تمهد الطريق لممارسات أفضل و أكثر واقعية في حال تبين لنا النقص و التقصير.

المدرسة مؤسس اجتماعية، و هي من أهم المؤسسات الاجتماعية إذا اعتبرنا مدى انتشارها و حجم اليد العاملة المنتسبة إليها، و كذا الميزانية المخصصة لها. و نحن نعلم أن لكل مؤسسة اجتماعية أهداف رسمية أسست من أجل تحقيقها، و إن لم تفعل فقد أنفقت أموالا غير يسيرة، هدرا، و ربما ألحقت ضررا بأعداد غير قليلة من الأفراد المنتسبين إليها.

قلنا أن المدرسة مؤسسة اجتماعية، أما هدفها الرسمي في الجزائر فهو التربية و التعليم إذا اعتبرنا أن الجهاز التنفيذي المشرف عليها على المستوى المركزي هو وزارة التربية و التعليم. و قد لا ينطبق بالضرورة الاسم على المسمى.

يحق لنا إذن أن نتساءل: هل الأهداف الرسمية لهذه المؤسسة تتفق مع ما تقوم به في الواقع و هل تلك الأهداف واقعية؟ أي هل تتماشى مع معطيات الواقع المعيش، أو حتى مع اتجاهات ذلك الواقع؟

لقد برهن العديد من الباحثين في التربية المقارنة أن ما يجري خارج المدرسة هو أكثر أهمية لفهم و تقييم ما يجري داخلها. و تثبت صحة هذا القول إذا اعتبرنا أن المدرسة كهيكل مادي موجود على المستوى المحلي لا يمكنه آداء الوظيفة التي أنشئ من أجلها إلا إذا التحق به أفراد من خارجه، لهم خلفيات ادراكية مختلفة و يخضعون لقانون ينظم العلاقة بينهم لكي يحققوا الأهداف التي جاؤوا من أجلها. كل ذلك إلى عناصر خارجية.

على هذا الأساس، عندما نتكلم عن المدرسة في أي بلد كان، دون تحديد أي مدرسة، فإننا نتكلم عن المنظومة التربوية برمتها، بأهدافها و مقرراتها و اليد العملة فيه و نظام الإنتقال من مرحلة إلى أخرى و سياسات التوجيه إلخ...و كلها عناصر أو متغيرات مرتبطة الواحدة مع الكل، تؤثر و تتأثر.

إذن، الدراسة التقييمية، الموضوعية، لعملية التوجيه المدرسي تتعدى مجرد الإطلاع على النصوص التشريعية و مقارنتها بالممارست الميدانية، ذلك لأن النصوص التشريعية لا تعتبر سلفا معيارا للجودة و هي نفسها تحتاج إلى تقييم.

لا بد إذن أن ننظر إلي المدرسة وفق مقاربة النظام - Approche Systemique- - ، لأن الكلام عن المدرسة هو في الواقع كلام عن المنظومة التربوية ككل، و يستلزم ذلك على نموذج نظري، نموذج مثالي يساعدنا على معانة أبعادها المختلفة، و التي يمكن على ضوئها معالجة قضية التوجيه و الإرشاد معالجة وافية.

المكتب العالمي للتربية بجنيفا، يبرز لنا ستة مكونات أساسية للمنظومة التربوية في البلاد المختلفة هي:
1. الأهداف التربوية و هل تصب في قالب يهدف إلى تنمية المجتمع أم قالب يستجيب لحاجيات الفرد المادية و المعنوية
2. الهيكل و التنظيم و هل يتوفر على المرونة الكافية الكفيلة بالاستجابة إلى خصوصية الفرد الفريدة، في شروط الانتقال فيه في مراحله أو أسلاكه المختلفة،
3. المقررات و المضامين البيداغوجية، و هل هي ذات طابع موسوعي مفروض على الجميع، أم هي ذات طابع متنوع يوفر الأساسيات الضرورية للأفراد، و أين يتم اتخاذ القرار، المصادقة عليه، و تنفيذه، هل هو على المستوى المركزي بعيدا عن خصوصيات الظروف المحلية، و إذن عن الفرد، أم يتم اتخاذ هذا القرار على المستوى الجهوي أو المحلي و إذن قريب من الفرد.
4. تكوين المعلمين و الأساتذة، و ما هي الفئات المنتسبة له، شروط الإلتحاق به...
5. الإدارة و هل هي ممركزة أم غير ممركزة.
6. التمويل و مصادره، و من هي الفئات الاجتماعية التي تساهم في ذلك.

من يختار المسار التعليمي للفرد في الواقع، على ضوء المنظومة التربوية في أبعادها المختلفة المشار إليها، الفرد نفسه وفق استعداداته الفطرية و تطلعاته المكتسبة، أم المجتمع المتنثل في من ينوب عنه من مشرعين و أصحاب القرار بخصوص صياغة الأهداف، هيكلة و تنظيم المدرسة، تحديد المقررات، تكوين المعلمين...؟ قلنا من يختار مصير الفرد؟ الفرد نفسه، المجتمع؟ أم الفرد و المجتمع معا؟

إذا قارننا المنظومة التربوية الجزائرية مع ما يجري في بريطانيا مثلا يتبين لنا مدى ترجيحنا للجانب الاجتماعي الشمولي على حساب الجانب الفردي الفريد في استعداداته و تطلعاته.

فالنبدأ بقضية صياغة الأهداف التربوية في البلدين، الواحد منهما راسخ في تقاليد اللا مركزية مثل بريطانيا و الآخر ورث تقاليد المركزية من فرنسا، ندرك أن الإختلاف في صياغة الأهداف له تفسير معقول مرتبط بتقاليد فلسفية و سياسية و ثقافية تتجاوز بكثير حيز المدرسة كمؤسسة تربوية و تعليمية.

هدف التربية في الجزائر هو حسب ما ورد في منشورات اليونسكو من مكتبها في جنيفيا[1] (http://www.geocities.com/youcef_kadri/orientation.htm?200719#_ftn1) :

- تعريب (المظامين و بالتالي المجتمع حتى و إن كان متعدد الفئات اللغوية)،
- ديموقراطية التعليم (توفير تكافؤ فرص الإستفادة من المنظومة التربوية) و
- تركيز المضامين و الخريطة المدرسية على التخصصات العلمية و التكنزلوجية.

أما هدف التربية في بريطانيا فهو بكل بساطة تنمية الفرد في كل أبعاده.

نلاحظ أن الصياغة تختلف في الشكل و في المظمون. في الشكل، الواحدة طويلة و الأخرى موجزة. أما في المظمون الواحدة تركز علي أهداف إجتماعية و الأخرى تركز على أهداف تخص الفرد. النصوص المشار إليها واضحة بما فيه الكفاية عن أي تعقيب.

من ناحية أخرى، إذا درسنا هيكل المنظومة التربوية و تنظيمها في البلدين و خاصة طريقة الإنتقال من مرحلة إلى أخرى هل تتم بالمعدل العام لمجموعة من المواد فرضت على التلميذ أم من خلال النجاح في مواد تعليمية بعينها تترك المجال مفتوحا أمام الطالب ليركز عليها دون غيرها حتى و إن كان ذلك الغير ضمن المقرر الدراسي، لأنه يدرك أن الإنتقال لا يتم وفق معدل عامد بل وفق نجاح في مواد معدودة اختار التركيز عليها دون غيرها و دون أن يخشى أن الإخفاق في المواد التي لم يركز عليها تؤثر على معدله العام، و بالتالي على نجاحه.

على ضوء هذه المقارنة، نلاحظ بما لا يترك مجالا للشك أن ما يجري في الجزائر، تماشيا مع تقاليد المركزية الفرنسية الموروثة هو ترجيح للجانب الاجتماعي المكتسب على حساب جانب الإتجاهات الفردية الفطرية في ميدان التوجيه المدرسي.

التفسير لهذا الاختلاف يكمن في كون التقاليد العرفية و المبرر لها فلسفيا في كلى من المجتمعين الفرنسي و البريطاني، تختلف في مبادئها العامة و في تفاصيلها على مستوى المدرسة أو غيرها.

تحليل مفهوم المدرسة كمؤسسة اجتماعية، و إن لم يغطي كل أبعادها، كشف لنا عن عوامل و متغيرات فعلية تؤثر على عملية التوجيه. كذلك هو الحال إذا حللنا مفهومي الإرشاد و التوجيه المدرسي نجد أهما مرتبطان بما هو أوسع من المدرسة و يتعداها إلى تقاليد اجتماعية مختلفة.

تقاليد مركزية اتخاذ القرار و التنظيم في فرنسا جعلت هذه الأخيرة تستعمل لفظ التوجيه المدرسي (orientation scolaire et professionnelle) لتشير بذلك إلى عملية توزيع الفئات المتمدرسة في منظومتها التربوية إلى ما توفره الخريطة المدرسي من مقاعد بيداغوجية وفق شروط تنظيمية خاصة، و الذي بقي ميراثا قد لا يكون شرعيا في الجزائر إن كان يتناقض و الخصوصة المعنوية و المادية للمجتمع الجزائري.

مقارنة لتلك التقاليد نجد أن البلاد الأنجلوساكسونية نجد أن المصطلح المتداولة للإشارة إلى عملية توزيع الفئات المتمدرسة على التخصصات المتوفرة، هي الإرشاد (guidance).بدل توجيه.

قد يقول أحدنا أن هذا مشكل دلالاتي لا يعبر بالضرورة عن وجود اختلاف في والواقع معيش خارج المدرسة، وتبقى العبارة المتداولة غير ذات دلالة لوجود ترجيح في عملية التوجيه المدرسي لواحد من جوانب الفرد، الجانب الفطري أم الجانب الاجتماعي المكتسب/المفروض.

الكلمتين مختلفتين و تعبر في الواقع عن مواقف مختلفة بخصوص السؤال المحوري المطروح المطروح ضمن هذه الدراسة.

بالفعل، إذا رجعنا لواحد من قواميس اللغة الإنجليزية: The Oxford dictionary of current English نلاحظ أن الكلمتين غير مترادفتين: - To guide = to show others the way
- To orientate= to place something so as to face a side or a direction = to make someone familiar with a situation= to determine how one stands in relation to ones surroundings
الإرشاد هو تعريف السبيل للآخريف بعد طلب منهم
أما التوجيه في معناه الأولي فهو مستعمل أساسا لغير العاقل و هو أن يوضع شيء ما في وجهة معينة مثلا بناء منزل متجه نحو الشرق. أو إذا استعملت الكلمة بالنسبة للإنسان تعني اساسا توعيته لأنه يجهل مكانه من الكل، و يجهل أنه يجهل
- الإرشاد يشير إلى أن الفرد يعرف أنه لا يعرف، و بالتالي فإنه يطلب المساعدة من مرشد بمحض إرادته

- التوجيه يشير إلى أن الفرد لا يعرف أنه لا يعرف و بالتالي يتدخل من هو أرشد منه ليوجهه.

يمكن القول، في الأخير أن المفهومين، أرشاد و توجيه عندما يستعملان من طرف سلطة سياسية - عن وعي أو عن غير وعي- و تتداول في المجتمع بالضرورة، فإنها تعبر عن موقف ابستيمولوجي واع أو غير ذلك لصاحب القرار. و عندما أقول موقف ابستيمولوجي أعني أن موقف صاحب القرار هذا، و إذن قراراته، مهما ادعى الموضوعية و العقلانية، موفق قابل للنقد لأننا قد نختلف معه في المبادئ الأساسية للمنهج العلمي الذي استند عليه للوصول إلى ما يدعي من معرفة لقوانين الطبيعة و المجتمع . و هذا المنهج هو في جوهره إما استقراء للواقع المادي و المعنوي ثم تعميم مما يبرر سياسة توجيهية بدل سياسة إرشادية، أو أنه استنتاج على ضوء مبادئ و نظرية عامة قد يفندها الواقع المجزء و المتنوع و بالتالي تستلزم التصحيح و إذن حوار و إرشاد.

- صاحب الإستقراءى (التوجيه) يعرف.
- صاحب الإستنتاج (الإرشاد) لا يعرف.
- صاحب الإسقراء أبوي.
- صاحب الإستنتاج أخوي.
- صاحب الإستقراء ديكتاتوري. و إن كان يجهل ذلك
- صاحب الإستنتاج ديموقراطي و هو يعلم ذلك.

و الحكمة تقول أن من يعرف لا يعرف و من لا يعرف يعرف. من يعرف غلق باب الإجتهاد و من لا يعرف فتحه.

إن كنا ندعي أننا نعرف ما يحتاج إليه الفرد كما تثبته نتائجه في الامتحانات، رغباته و ميولاته، الخريطة المدرسية... فإننا لا نعرف أن المواد التي امتحن فيها لم يخترها هو بل فرضت عليه، و أن التقييم في تلك الامتحانات ليس منزها عن الخطأ، و أن الاختبار النفسي ليس نهاية في الدقة، و أن الخريطة المدرسية لا تستجيب بالضرورة لواقع عالم شغل متغير باستمرار و بسرعة كبيرة، و أن الثورة التكنولوجية في ميدان الإعلام الآلي فجرت المدرسة التقليدية بأهدافها و هياكلها و تنظمها و معلميها، وما بقي منها إلا الذهنيات المتحجرة.

و إن عرفنا أننا لا نعرف الواقع معرفة مطلقة و لا نعرف حاجيات الفرد الحقيقية في عالم متغير باستمرار، فإننا نسأل الواقع المتجزئ من خلال أفراد المجتمع المتمدرسون، ماذا يريدون منا كمختصين؟ إن كانت النصيحة فذلك ممكن و هو قابل للحوار و للتفنيد، و إن كان التوجيه، فإننا لا نختار مكانهم الوجهة لأن المسؤولية في تحديد المصير هي مسؤولية الفرد نفسه. و إن ترك ذلك لكل فرد يصبح المجتمع كله، حينئذ، مسؤولا و ناضجا و لا ضرار في الخطأ لأن الخطاء دروس فردية ترشد لما هو أفضل.في مجتمع متغير باستمرار، يتعلم فيه الفرد طريقة إيجاد حلول لمشاكل واردة بدل أن يضيع وقتا ثمينا في تكديس معلومات موسوعية قد لا يحتاج إليها أبدا.

بين اختيار المادة التي نظن أنها ضرورية في مقرر مدرسي و طريقة الحصول على المادة الضرورية نختار الطريقة بدل المادة.

يوسف قادري يوم 19-01-2007



[1] (http://www.geocities.com/youcef_kadri/orientation.htm?200719#_ftnref1) IBE, "International guide to Educational systems, Unesco, Paris 1979