غريب الاثري
03-11-2007, 07:11 PM
من أعلام الجزائر مبارك بن محمد ابراهيمي الهلالي الميلي الجزائري:
( 1316 هـ - 1898م)
هو مبارك بن محمد ابراهيمي الهلالي الميلي الجزائري
مولده : ولد رحمه الله سنة 1316 هـ - 1898 م تقريبا
في دوّار أولاد مبارك من قرى الميلية من أحواز قسنطينة .
نشأته العلمية و أعماله :
نشأ الفتى مبارك بالبادية نشأة القوة و الصلابة و الحرية
و ربّي يتيما ، فبعد وفاة والده محمد توفيت أمه تركية
بنت أحمد بن فرحات حمروش ، فكفله جدّه رابح ثم
عمّاه
التحق الشيخ مبارك بجامع الزيتونة بتونس الذي
تخرج منه أستاذه الأكبر ابن باديس ، و انخرط
في سلك تلاميذه ، و أخذ عن جلّة رجال العلم
و المعرفة ، ممن انتفع بهم أستاذه قبله ، منهم
الشيخ محمد النخلي القيرواني، و الشيخ محمد
الصادق النيفر، و الشيخ محمد الطاهر بن عاشور
والأستاذ محمد القاضي و غيرهم.
و قد كان في هذه السنوات التي قضاها هناك مثالا
للطالب المكبّ المجتهد، و أنموذجا للشابّ الشهم
المهذّب، فرجع من تونس بشهادة التطويع (العالمية)
سنة 1924 م، قال الأستاذ عبد الحفيظ الجنان
رحمه الله [البصائر العدد 27 من سلسلة الثانية] :
"و بعد تحصيله على شهادة التطويع رجع
إلى قسنطينة حاملا معه "مسودة قانون أساسي
" ليحث الطلاب و أهل العلم على إنشاء مطبعة
كبرى تطبع المخطوطات ، و تنشر الجرائد و المجلات
و يحيي الأمته حياة علمية لا نظير لها ووجد أستاذه
عبد الحميد قد بعث بقلمه صيحة مدويّة في أرجاء
الوطن داعية الى الخلاص من ربقة الشرك و التحرير
من أغلال العبودية فأصدر جريدة "المنتقد"
ثم أخرج بعدها "الشهاب الأسبوعي" و ظلّ كذلك
يكافح وحده الى أن رفع مبارك قلمه و انضوى
تحت لواء أستاذه بالأمس و صاحبه في الحال ،
و قال له : ها أنا ذا ، فكان الفتى المقدام والمناظر
الهمام".
و في سنة 1926 م انتقل الى الأغواط بدعوة
من أهلها ، فوجد منهم الإقبال العظيم و التفت
حوله ثلّة من الشباب فنفخ فيهم روح العلم
الصحيح و التفكير الحرّ و قضى في هذه البلدة
سبع سنوات أسّس فيها "مدرسة الشبيبة"
و هي أولى المدارس العصرية النادرة
في ذلك الوقت كما أسّس بعدها "الجمعية
الخيرية" لإسعاف الفقراء و المساكين
و الأيتام فكان لها قدم في ميدان البرّ
و الإحسان.
كما كان له دروس ليلية في الوعظ و الإرشاد
يلقيها بالمسجد على عامة الناس و كان
أيضا يخرج الى مدينة الجلفة شمالا و بوسعادة
شرقا و آفلو غربا لإلقاء مثل تلك الدروس
من حين الى آخر فيدعوهم للإصلاح و التمسّك
بالكتاب و السنّة و نفض غبار الجهل و الكسل
و محاربة البدعة في الدين .
و في سنة 1931 م أسّست "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" فانتخب الشيخ مبارك عضوا في مجلس إدارتها و أمينا لماليتها ، ثم رجع الشيخ بعد السنوات التي قضاها بالأغواط إلى موطن الصبا "ميلة" فأنشأ فيها جامعا عظيما كان خطيبه و الواعظ و المرشد فيه و مدرسة "الحياة" التي أشرف سير التعليم فيها ، و "نادي الإصلاح" الذي يحاضر فيه .
ثم أسندت إليه رحمه الله رئاسة تحرير جريدة البصائر الأسبوعية بعد أن تخلّى عنها الشيخ الطيّب العقبي رحمه الله فقام بالمهمّة و بهذا الواجب أحسن قيام رغم مرض "السكري" الذي أنهك قواه الى أن قررت "جمعية العلماء" السكوت في سنة 1939م فاحتجبت البصار عن الصدور ، و بعد وفاة ابن باديس خلفه في الإشراف على الدراسة العلميّة للطلبة حتّى نهاية العام الدراسيّ لأنّ نائب رئيس " جمعية العلماء " يومئذ الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله كان منفيّا في مدينة "آفلو" من الإدارة الفرنسية الإستعمارية ، و لمذا اشتدّ على الشيخ المرض تحوّلت الدراسة إلى مدينة "تبسة" حيث تكفّل بها الشيخ العربي التبسي رحمه الله .
شيوخه:
و من أشهرهم :
- المصلح الزاهد محمد بن معنصر الشهير بالشيخ الميلي ) ت 1347 هـ ( : مؤدبه الأول ، الذي لقّنه مبادئ القراءة و الكتابة و القرآن الكريم و الضروريّ من الفقه و علّمه بسمته الحسن و هديه الصالح الزهد في الدنيا و الإقبال على الآخرة .
- العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله " ت 1359 هـ / 1940 م" : و قد كان له الأثر البالغ في حياة الشيخ مبارك ، علما و عملا و صلاحا و استقامة و توجّها و سلوكا .
- العلامة الشيخ محمد النخلي القيرواني "ت 1925م " رحمه الله : أحد شيوخ شيخه ابن باديس و أشهر علماء الزيتونة الذين برعوا في العلوم النقلية و العقلية ، تتلمذ عليه الشيخ مبارك لمّا رحل إلى "الجامع الأعظم" بتونس لطلب العلم .
- العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور "ت 1973م "رحمه الله شيخ الجامع الأعظم ، و صاحب الكتب النافعة و التآليف القيّمة .
تلاميذه:
كانت حياة الشيخ مبارك مباركة ، فقد أمضاها في الجهاد و التضحية و التعليم و التربية و الوعظ و الإرشاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الدعوة إلى الإسلام الصحيح و الصدع بالحق و الكتابة و التأليف و التحقيق و التصنيف ، و كانت الأيام التي قضاها بالأغواط هي أخصب أيّامه في الدعوة إلى الله و التعليم ، و كان من ثمارها أن تخرجّ على يديه جماعة من طلبة العلم و حملته و ثلّة من دعاة الإسلام و أنصاره ، و من أبرز هؤلاء :
1- الشيخ أحمد الشطّة بن التهامي " ت 1958م " رحمه الله : تتلمذ على الشيخ مبارك ثم التحق بجامع الزيتونة و تخرّج منها بشهادة التحصيل سنة 1936 م و هو مؤسس مدرسة التربية و التعليم التابعة لجمعية العلماء المسلمين يومئذ بالأغواط و التي تسمّى باسمه الآن و توفّي تحت التعذيب من طرف فرقة الظلّيّين الهمجية النابعة لفرنسا و التي تسمّى بالدوب DOP .
2- الشيخ أبو بكر الحاج عيسى الأغواطي " ت 1407هـ"رحمه الله : و هو من أنبغ طلبة الشيخ مبارك و ممن تتلمذوا على شيخه ابن باديس و شاركه في التدريس ، خرّيج الزيتونة و أحد الأعضاء البارزين في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين و انتخب سنة 1936 م عضوا في الهيئة العليا لها .
3- الأستاذ أحمد بن أبي زيد قصيبة "ت 1994م "رحمه الله : درس على الشيخ مبارك ثم التحق سنة 1933م بجامع الزيتونة لغتمام تحصيله العلميّ لكنّه انقطع سنة 1939م بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية ، و قد شغل عدّة مناصب مهمّة في الجمعية .
أخلاقه :
كان رحمه الله تعالى قويّ الإرادة يغلب على أعماله الجدّ مع الصراحة ، و كان ذا شجاعة أدبية متصلذبا في الحقّ ، دقيق الملاحظة ، و كان يحب العمل الدائم المتواصل ، و كان يكره الكسل و يشتدّ على الكسالى من تلاميذه أو زملائه و كان مع ذلك كريم النفس حسن المعاشرة حليما بشوشا ، محبّا لتلاميذه محترما لأصدقائه ، و كان متواضعا يكره الإلام عن شخصه ، و كثيرا ما يفرّ من مواطن الظهور و لا يحبّ أن يلفت الأنظار إليه .
قال تلميذه أحمد قصيبة رحمه الله "البصائر العدد 26 السلسلة الثانية": "و في سنة 1940م لمّا توفيّ الأستاذ الجليل عبد الحميد بن باديس رحمه الله عيّن خلفا له لإدارة شؤون الجامع الأخضر و الإشراف على الدروس ، فلمّا تربّع ذات يوم على مقعد أستاذه الراحل العظيم ، وجلت نفسه و عظم الأمر لديه و أثّر فيه هول الموقف من تذكّر رئيسه و أستاذه حتّى سالت عبرات سخينة على خدّيه متواضعا و إشفاقا على نفسه أن تغترّ أو تتطاول بتبوّئها ذلك المقعد".
عقيدته:
كان الشيخ مبارك سلفيّا عقيدة و سلوكا و دعوة و عملا ، مقتفيا منهج شيخه العلامة السلفي عبد الحميد ابن باديس رحمه الله تعالى ، متّبعا خطاه سائرا على دربه ، ناسجا على منواله متأثرا به .
و شواهد ذلك كثيرة جدا و منها :
1- تصريحه بذلك في أكثر من مناسبة ، ففي مقال له بعنوان "المصلحون و المرجفون" قال : "من أين فهمتم إنكارنا الولاية الثابة بالكتاب الذي دعوناكم و لا نزال ندعوكم إلى طرح ما يخالفه ؟ و في أيّ جملة رأيتم عدم الإعتراف بالكرامة ، و هي عقيدة السلف و نحن سلفيّون نرجو أن نلقى الله كذلك" "جريدة المنتقد/ العدد 14".
و في رسالته النافعة "الشرك و مظاهره" يقول بملء فيه : "فنحن بالعقيدة السّلفية قائلون" "عدم تسارع المجددين إلى التكفير / الفصل الثاني".
2- تأليفه لرسالة "الشرك و مظاهره" نصرا للعقيدة الصحيحة و ردّا للشرك و مظاهره ، و دحضا للخرافة و البدعة ، و قد أقرّتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، و الميلي أحمد أعلامها البارزين بلسان كاتبها العامّ الشيخ العربي التبسيّ رحمه الله الذي قال : "المجلس الإداري لجمعية العلماء يقرّر أنّ ما اشتملت عليه رسالة الشرك و مظاهره لمؤلّفها الأستاذ مبارك الميلي هو عين السنّة ، و أنّ هذه الرسالة تعدّ من الكتب المؤلّفة في نشر السنة و ردّ البدع".
3- إتباعه لمنهج السلف في إثبات العقيدة بعيدا عن أهل الكلام و الفلسفة و طرائقهم المنحرفة ، قال رحمه الله في رسالة الشرك : "و عني علماء الكلام ببيان عقائد الإسلام ، و سلكوا في التدليل عليها سبيل المنطق اليوناني ، ثم جمد المتأخّرون على هذا الأسلوب ، و حادوا عن بيان القرآن ، فخفي على الناس ما هو شرك أو سبب له.
و قد أنكر العلماء الفحول إيثار أساليب اليونان على بيان القرآن ، و لكنّ شيوع التقليد و ذيوع الجمود أضاذا حجّتهم و برهانهم .
فقد ألّف محمد بن ابراهيم الصنعاني –من أئمة القرن التاسع – رسالة سمّاها "ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان".
و قال الحافظ في "الفتح" : "و قد توسّع من تأخّر عن القرون الثلاثة المفضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين و أتباعهم و لم يقتنعوا بذلك ، حتّى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان ، و جعلوا كلام الفلاسفة أصلا يردّ إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ، و لو كان مستنكرها ثم لم يكتفوا بذلك ، حتّى زعموا أنّ الذي رتّبوه هو أشرف العلوم و اولاها بالتحصيل ، و أنّ من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه ، فهو عاميّ جاهل .
فالسعيد من تمسّك بما كان عليه السلف ، و اجتنب ما أحدثه الخلف ، و إن لم يكن له منه بدّ ، فليكتف منه بقدر الحاجة ، و يجعل الأوّل المقصود بالأصالة و الله الموفّق".
4- إثباته في آخر فصل من فصول رسالة الشرك قصيدة أخيه في الله العلامة الطيّب العقبيّ رحمه الله تعالى المتضمّنة الإعتقاد النقيّ الذي كانا عليه ، و سنوردها في ترجمته رحمه الله.
5- شهادة العدول من العلماء الفحول المقرّبين منه له بلامسة المعتقد و سداد المنهج ، و على رأسهم العلاّمة الأديب محمّد البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى .
ثناء أهل العلم و الفضل عليه :
قال العلامة السلفي الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى : "حياة كلها جدّ و عمل، و حيّ كلّه فكر و علم ، و عمر كلّه دروس و تحصيل ، و شباب كلّه تلقّ و استفادة ،و كهولة كلّها إنتاج و إفادة ، و كهولة كلّها إنتاج و إفادة ، و نفس كلّها ضمير وواجب ، و روح كلّها ذكاء و عقل ، و عقل كلّه رأي و بصيرة ، و بصيرة كلّها نور و إشراق ، و مجموعة خلال سديدة و أعمال مفيدة قلّ أن اجتمعت في رجل من رجال النهضات ، فإذا اجتمعت هيّأت لصاحبها مكانة من قيادة الجيل ، و مهّدت له مقعده من زعامة النهضة .
ذلكم مبارك الميليّ الذي فقدته الجزائر من ثلاث سنين ، فقدت مؤرخها الحريص على تجلية تاريخها المغمور ، و إنارة جوانبه المظلمة ، ووصل عراه المنفصمة.
و فقدته المحافل الإصلاحية ففقدت منه عالما بالسلفية الحقة عاملا بها ، صحيح الإدراك لفقه الكتاب و السنة ، واسع الإطّلاع على النصوص و الفهوم ، دقيق الفهم لها ، و التمييز بينها و التطبيق لكلّيتها .
و فقدته دواوين الكتاب ففقدت كاتبا فحل الأسلوب ، جزل العبارة ، لبقا بتوزيع الألفاظ على المعاني ، طبقة ممتازة في دقّة التصوير و الإحاطة بالأطراف و ضبط الموضوع و الملك لعنانه .
و فقدته مجالس النظر و الرأي ففقدت مِدْرَهًا لا يباري في سوق الحجة و حضور البديهة و سداد الرمية و الصلابة في الحقّ و الوقوف عند حدوده .
و فقدته جمعية العلماء ففقدت ركنا باذخا من أركانها ، لا كلاّ و كلاّ ، بل ناهضا بالعبء ، مضطلعا بما حمّل من واجب ، لا تؤتى الجمعية من الثغر الذي تكل إليه سدّه ، و لا تخشى الخصم الذي تسند إليه مراسه و فقدت بفقده علما كانت تستضيء برأيه في المشكلات ، فلا يري الرأي في معضلة إلاّ جاء مثل فلق الصبح" .
قال : " يشهد كلّ من عرف مباركا و ذاكروه أو ناظره |أو سأله في شيء مما يتذاكر فيه الناس أو يتناظرون أو يسأل فيه جاهله عالمه أو جاذبه الحديث في أحوال الأمم ووقائع التاريخ و عوارض الإجتماع ، أنّه يخاطب منه عالما أيّ عالم ، و |أنّه يناظر منه فحل عراك و جدل حكاك ، و أنّه يساجل منه بحرا لا تخاض لجّته و حبرا لا تدحض حجّته ، و أنّه يرجع منه إلى عقل متين و رأي رصين و دليل لا يضلّ و منطق لا يختلّ ، و قريحة خصبة ، و ذهن لا نختلف في هذا" "البصائر العدد 26".
و قال الأستاذ أحمد توفيق المدني رحمه الله تعالى : " كنت أكنّ لمبارك الميلي العلامة الجليل احتراما عظيما و تقديرا كبيرا ، وحبا جمّا ، إنّه الرجل المثالي الحرّ الأبيّ الذي وضع حياته كلّها - منذ رجع من الزيتونة عالما جليلا – في خدمة دينه و شعبه مدرّسا و محاضرا و مفكّرا عميقا و مرشدا نصوحا .
كان نحلة منتجة لا تراها إلا ساعية وراء رحيق زهرة ، أو واضعة مع جماعتها عسلا شهيا .
هكذا كان منذ عرفته سنه 1925م إلى أن فرّق الحِمام بين جسمينا، و لم يفرّق بين روحينا ، و إنّي لأشعر بوجود مبارك الميلي يملأ الفراغ الذهني و يثبت كيانه في علم الفكر .
رحمك الله يا مبارك ، و طيّب ثراك ، و خلّد ذكراك" . "حياة كفاح 2/209"
و قال الأستاذ أحمد حماني رحمه الله تعالى : " العلامة الجليل مبارك بن محمد الميلي رحمه الله ، أكبر تلاميذ الأستاذ ابن باديس و مدرسته علما و فضلا و كفاءة ، و احمد علماء الجزائر و بناة نهضتها العربية الإصلاحية الأفذاذ ، و أوّل من ألّف للجزائر باللغة العربية و العاطفة الوطنية تاريخا قوميّا وطنيّا نفيسا"."انظر صراع بين السنة و البدعة".
آثاره العلمية:
على الرغم من قصر عمره و حياته التي لم تدم سوى 48 عاما ، و ملازمة المرض له ، و اشتغاله بتأليف الرجال عن تصنيف الكتب "شأنه في ذلك شأن شيخه عبد الحميد ابن باديس رحمه الله" فقد خلّف الشيخ مبارك سفرين نافعين :
1- تاريخ الجزائر في القديم و الحديث : في جزئين و هو كتاب حافل أثنى عليه غير واحد ، منهم أمير البيان شكيب أرسلان ، و الشيخ عبد الحمد ابن باديس حيث بعث برسالة إلى مؤلفه يشكره و يثني على هذا الكتاب الجليل و كذا شيخه محمّد الميلي .
2- رسالة الشرك و مظاهره : و هو كتاب نفيس في بابه ، فريد في موضوعه ، لم ينسج على منواله ، و قد أقرّ المجلس الإداريّ لجمعية العلماء "و ما اشتمل عليه ، و دعا المسلمين الى دراسته و العمل بما فيه ، و حرّر هذا التقرير كاتبها العام العربي التبسي رحمه الله تعالى بقلمه فعدّها في أوّليات الرسائل أو الكتب المؤلّفة في نصر السنن و إماتة البدع ، و تقرّ بها عين السنة و السنّيّين ، و ينشرح لها صدور صدور المؤمنين و تكون نكبة على أولئك الغاشّين للإسلام و المسلمين من جهلة المسلمين و أحمرة المستعمرين الذين يجدون من هذه البدع أكبر عون لهم على استعباد الأمم ...."
كما ترك الشيخ رحمه الله تعالى مجموعة من المقالات القيّمة و البحوث النافعة و التعليقات البديعة في جرائد و مجلاّت جمعية العلماء كالمنتقد و الشهاب و البصار و غيرها ممّا لو جمع لكن مصنّفا جليلا.
و بالإضافة إلى كلّ ذلك هناك "الرسائل الخاصّة" التي كانت
متداولة بينه و بين الشباب و قد أربت على مائتي رسالة فيها الأخويّة الوديّة و فيها العلميّة ذات الوزن في التحقيق و التدقيق ، و فيها الأدبيّة الرائعة و التاريخية التي تشير الى وثائق خاصّة في عهد من العهو و غير ذلك ."أنظر مجلة الثقافة العدد 37".
نموذج من رسائل الشيخ العلمية :
"المعلّم النصوح و المتعلّم البحّاثة الأخ الشيخ
الفضيل الورتلاني (ت1958م) :
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
منذ يومين وقع بصري في خاتمة الجزء الأول "الحاوي للفتاوي" - فتاوى السيوطي – على هذا الحديث : روى الحاكم في "المستدرك" و صحّحه و البيهقي في "شعب الإيمان" عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (لا تنزلوهنّ الغرف و لا تعلموهنّ الكتابة – يعني النساء – و علّموهن الغزل و سورة النور ).
فذكرت أنّك كنت سألتني عنه فلم تجد عندي علما به ، و اليوم لمّا وقفت عليه و رأيت أنّ الحاكم صحّحه ظهر لي أن أبحث عنه ، فإنّ الحاكم على جلالته في علم الحديث لا يعوّل كثيرا على تصحيحه ، حتّى إنّ النقّاد قالوا : لو لم يؤلّف "المستدرك" لكان خيرا له .
طالعت فهرست كتاب "حسن الأسوة فيما ثبت من الله و رسوله في النسوة" لصديق حسن خان ، فلم أجد مبحثا يناسب هذا الحديث و تتبّعت خاتمته التي خصّها لذكر الأحكام الخاصّة بالمرأة فلم أجد هذه المسألة .
و رجعت إلى التفاسير : فوجدت البغويّ قد روى آخر سورة النور هذا الحديث بسنده إلى محمد بن ابراهيم الشامي ّ قال : حدّثنا شعيب بن اسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، فذكره .
هنا رجعت إلى "ميزان الإعتدال" للحافظ الذهبي ، لأتعرّف هل في هذا السند ضعفاء ، فألفيته يذكر في ترجمة محمد بن ابراهيم الشاميّ عن الدارقطني أنّه كذّاب و عن ابن عديّ أن عامّة أحاديثه غير محفوظة ، و عن ابن حبّان أنّه لا تحلّ الرواية عنه إلاّ عند الإعتبار كان يضع الحديث ، ثم خرج له أحاديث منها حديثه عن شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عاشئة فذكره ، كما أورده السيوطيّ إلاّ قوله : "يعني النساء".
و الظاهر أنّ الحاكم رواه من طريق الشاميّ ، لأنّه لو كان متابع في هذا الحديث لم يورده الذهبي في ترجمته ، و لم يصحّ قول ابن عديّ إنّ عامة أحاديثه غير محفوظة .
و لو كان عندنا المستدرك لاسترحنا من هذا الخرص .
و بعدُ فلنكتف بما لدينا و لا نقف ماليس لنا به علم .
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
( ميلة 10 رمضان 1354هـ ).
"الشهاب ج1، م12 غرة محرم 1355هـ أبريل 1936م"
وفاته:
بعد خروج الشيخ مبارك رحمه الله من الأغواط سنة 1933هـ ابتلي بداء العضال و مرض مزمن مضني أنهك قواه و نغّص عليه حياته ألا و هو "الداء السكري" و قد حاول علاجه داخل الجزائر و خارجها إلاّ أنّه عاوده المرض بعد وفاة شيخه ابن باديس فأخذت صحّته في الانهيار حتّى وافاه الأجل يوم 25 صفر سنة 1364 هـ / 9 فبراير 1945 م ، و شيّعت جنازته من الغد في موكب مهيب بحضور آلاف عديدة من محبّيه و أصدقائه و ردوا من سائر الجهات في مقدّمتهم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين يومئذ و دفن في مقبرة الميلة بجانب شيخه الميلي رحمه الله و رثاه جمع من أهل العلم و الفضل .
رحم الله الشيخ مبارك الميلي رحمة واسعة و أسكنه
بمنّه و كرمه فسيح جنانه آمين.
منقول..............
( 1316 هـ - 1898م)
هو مبارك بن محمد ابراهيمي الهلالي الميلي الجزائري
مولده : ولد رحمه الله سنة 1316 هـ - 1898 م تقريبا
في دوّار أولاد مبارك من قرى الميلية من أحواز قسنطينة .
نشأته العلمية و أعماله :
نشأ الفتى مبارك بالبادية نشأة القوة و الصلابة و الحرية
و ربّي يتيما ، فبعد وفاة والده محمد توفيت أمه تركية
بنت أحمد بن فرحات حمروش ، فكفله جدّه رابح ثم
عمّاه
التحق الشيخ مبارك بجامع الزيتونة بتونس الذي
تخرج منه أستاذه الأكبر ابن باديس ، و انخرط
في سلك تلاميذه ، و أخذ عن جلّة رجال العلم
و المعرفة ، ممن انتفع بهم أستاذه قبله ، منهم
الشيخ محمد النخلي القيرواني، و الشيخ محمد
الصادق النيفر، و الشيخ محمد الطاهر بن عاشور
والأستاذ محمد القاضي و غيرهم.
و قد كان في هذه السنوات التي قضاها هناك مثالا
للطالب المكبّ المجتهد، و أنموذجا للشابّ الشهم
المهذّب، فرجع من تونس بشهادة التطويع (العالمية)
سنة 1924 م، قال الأستاذ عبد الحفيظ الجنان
رحمه الله [البصائر العدد 27 من سلسلة الثانية] :
"و بعد تحصيله على شهادة التطويع رجع
إلى قسنطينة حاملا معه "مسودة قانون أساسي
" ليحث الطلاب و أهل العلم على إنشاء مطبعة
كبرى تطبع المخطوطات ، و تنشر الجرائد و المجلات
و يحيي الأمته حياة علمية لا نظير لها ووجد أستاذه
عبد الحميد قد بعث بقلمه صيحة مدويّة في أرجاء
الوطن داعية الى الخلاص من ربقة الشرك و التحرير
من أغلال العبودية فأصدر جريدة "المنتقد"
ثم أخرج بعدها "الشهاب الأسبوعي" و ظلّ كذلك
يكافح وحده الى أن رفع مبارك قلمه و انضوى
تحت لواء أستاذه بالأمس و صاحبه في الحال ،
و قال له : ها أنا ذا ، فكان الفتى المقدام والمناظر
الهمام".
و في سنة 1926 م انتقل الى الأغواط بدعوة
من أهلها ، فوجد منهم الإقبال العظيم و التفت
حوله ثلّة من الشباب فنفخ فيهم روح العلم
الصحيح و التفكير الحرّ و قضى في هذه البلدة
سبع سنوات أسّس فيها "مدرسة الشبيبة"
و هي أولى المدارس العصرية النادرة
في ذلك الوقت كما أسّس بعدها "الجمعية
الخيرية" لإسعاف الفقراء و المساكين
و الأيتام فكان لها قدم في ميدان البرّ
و الإحسان.
كما كان له دروس ليلية في الوعظ و الإرشاد
يلقيها بالمسجد على عامة الناس و كان
أيضا يخرج الى مدينة الجلفة شمالا و بوسعادة
شرقا و آفلو غربا لإلقاء مثل تلك الدروس
من حين الى آخر فيدعوهم للإصلاح و التمسّك
بالكتاب و السنّة و نفض غبار الجهل و الكسل
و محاربة البدعة في الدين .
و في سنة 1931 م أسّست "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" فانتخب الشيخ مبارك عضوا في مجلس إدارتها و أمينا لماليتها ، ثم رجع الشيخ بعد السنوات التي قضاها بالأغواط إلى موطن الصبا "ميلة" فأنشأ فيها جامعا عظيما كان خطيبه و الواعظ و المرشد فيه و مدرسة "الحياة" التي أشرف سير التعليم فيها ، و "نادي الإصلاح" الذي يحاضر فيه .
ثم أسندت إليه رحمه الله رئاسة تحرير جريدة البصائر الأسبوعية بعد أن تخلّى عنها الشيخ الطيّب العقبي رحمه الله فقام بالمهمّة و بهذا الواجب أحسن قيام رغم مرض "السكري" الذي أنهك قواه الى أن قررت "جمعية العلماء" السكوت في سنة 1939م فاحتجبت البصار عن الصدور ، و بعد وفاة ابن باديس خلفه في الإشراف على الدراسة العلميّة للطلبة حتّى نهاية العام الدراسيّ لأنّ نائب رئيس " جمعية العلماء " يومئذ الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله كان منفيّا في مدينة "آفلو" من الإدارة الفرنسية الإستعمارية ، و لمذا اشتدّ على الشيخ المرض تحوّلت الدراسة إلى مدينة "تبسة" حيث تكفّل بها الشيخ العربي التبسي رحمه الله .
شيوخه:
و من أشهرهم :
- المصلح الزاهد محمد بن معنصر الشهير بالشيخ الميلي ) ت 1347 هـ ( : مؤدبه الأول ، الذي لقّنه مبادئ القراءة و الكتابة و القرآن الكريم و الضروريّ من الفقه و علّمه بسمته الحسن و هديه الصالح الزهد في الدنيا و الإقبال على الآخرة .
- العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله " ت 1359 هـ / 1940 م" : و قد كان له الأثر البالغ في حياة الشيخ مبارك ، علما و عملا و صلاحا و استقامة و توجّها و سلوكا .
- العلامة الشيخ محمد النخلي القيرواني "ت 1925م " رحمه الله : أحد شيوخ شيخه ابن باديس و أشهر علماء الزيتونة الذين برعوا في العلوم النقلية و العقلية ، تتلمذ عليه الشيخ مبارك لمّا رحل إلى "الجامع الأعظم" بتونس لطلب العلم .
- العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور "ت 1973م "رحمه الله شيخ الجامع الأعظم ، و صاحب الكتب النافعة و التآليف القيّمة .
تلاميذه:
كانت حياة الشيخ مبارك مباركة ، فقد أمضاها في الجهاد و التضحية و التعليم و التربية و الوعظ و الإرشاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الدعوة إلى الإسلام الصحيح و الصدع بالحق و الكتابة و التأليف و التحقيق و التصنيف ، و كانت الأيام التي قضاها بالأغواط هي أخصب أيّامه في الدعوة إلى الله و التعليم ، و كان من ثمارها أن تخرجّ على يديه جماعة من طلبة العلم و حملته و ثلّة من دعاة الإسلام و أنصاره ، و من أبرز هؤلاء :
1- الشيخ أحمد الشطّة بن التهامي " ت 1958م " رحمه الله : تتلمذ على الشيخ مبارك ثم التحق بجامع الزيتونة و تخرّج منها بشهادة التحصيل سنة 1936 م و هو مؤسس مدرسة التربية و التعليم التابعة لجمعية العلماء المسلمين يومئذ بالأغواط و التي تسمّى باسمه الآن و توفّي تحت التعذيب من طرف فرقة الظلّيّين الهمجية النابعة لفرنسا و التي تسمّى بالدوب DOP .
2- الشيخ أبو بكر الحاج عيسى الأغواطي " ت 1407هـ"رحمه الله : و هو من أنبغ طلبة الشيخ مبارك و ممن تتلمذوا على شيخه ابن باديس و شاركه في التدريس ، خرّيج الزيتونة و أحد الأعضاء البارزين في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين و انتخب سنة 1936 م عضوا في الهيئة العليا لها .
3- الأستاذ أحمد بن أبي زيد قصيبة "ت 1994م "رحمه الله : درس على الشيخ مبارك ثم التحق سنة 1933م بجامع الزيتونة لغتمام تحصيله العلميّ لكنّه انقطع سنة 1939م بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية ، و قد شغل عدّة مناصب مهمّة في الجمعية .
أخلاقه :
كان رحمه الله تعالى قويّ الإرادة يغلب على أعماله الجدّ مع الصراحة ، و كان ذا شجاعة أدبية متصلذبا في الحقّ ، دقيق الملاحظة ، و كان يحب العمل الدائم المتواصل ، و كان يكره الكسل و يشتدّ على الكسالى من تلاميذه أو زملائه و كان مع ذلك كريم النفس حسن المعاشرة حليما بشوشا ، محبّا لتلاميذه محترما لأصدقائه ، و كان متواضعا يكره الإلام عن شخصه ، و كثيرا ما يفرّ من مواطن الظهور و لا يحبّ أن يلفت الأنظار إليه .
قال تلميذه أحمد قصيبة رحمه الله "البصائر العدد 26 السلسلة الثانية": "و في سنة 1940م لمّا توفيّ الأستاذ الجليل عبد الحميد بن باديس رحمه الله عيّن خلفا له لإدارة شؤون الجامع الأخضر و الإشراف على الدروس ، فلمّا تربّع ذات يوم على مقعد أستاذه الراحل العظيم ، وجلت نفسه و عظم الأمر لديه و أثّر فيه هول الموقف من تذكّر رئيسه و أستاذه حتّى سالت عبرات سخينة على خدّيه متواضعا و إشفاقا على نفسه أن تغترّ أو تتطاول بتبوّئها ذلك المقعد".
عقيدته:
كان الشيخ مبارك سلفيّا عقيدة و سلوكا و دعوة و عملا ، مقتفيا منهج شيخه العلامة السلفي عبد الحميد ابن باديس رحمه الله تعالى ، متّبعا خطاه سائرا على دربه ، ناسجا على منواله متأثرا به .
و شواهد ذلك كثيرة جدا و منها :
1- تصريحه بذلك في أكثر من مناسبة ، ففي مقال له بعنوان "المصلحون و المرجفون" قال : "من أين فهمتم إنكارنا الولاية الثابة بالكتاب الذي دعوناكم و لا نزال ندعوكم إلى طرح ما يخالفه ؟ و في أيّ جملة رأيتم عدم الإعتراف بالكرامة ، و هي عقيدة السلف و نحن سلفيّون نرجو أن نلقى الله كذلك" "جريدة المنتقد/ العدد 14".
و في رسالته النافعة "الشرك و مظاهره" يقول بملء فيه : "فنحن بالعقيدة السّلفية قائلون" "عدم تسارع المجددين إلى التكفير / الفصل الثاني".
2- تأليفه لرسالة "الشرك و مظاهره" نصرا للعقيدة الصحيحة و ردّا للشرك و مظاهره ، و دحضا للخرافة و البدعة ، و قد أقرّتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، و الميلي أحمد أعلامها البارزين بلسان كاتبها العامّ الشيخ العربي التبسيّ رحمه الله الذي قال : "المجلس الإداري لجمعية العلماء يقرّر أنّ ما اشتملت عليه رسالة الشرك و مظاهره لمؤلّفها الأستاذ مبارك الميلي هو عين السنّة ، و أنّ هذه الرسالة تعدّ من الكتب المؤلّفة في نشر السنة و ردّ البدع".
3- إتباعه لمنهج السلف في إثبات العقيدة بعيدا عن أهل الكلام و الفلسفة و طرائقهم المنحرفة ، قال رحمه الله في رسالة الشرك : "و عني علماء الكلام ببيان عقائد الإسلام ، و سلكوا في التدليل عليها سبيل المنطق اليوناني ، ثم جمد المتأخّرون على هذا الأسلوب ، و حادوا عن بيان القرآن ، فخفي على الناس ما هو شرك أو سبب له.
و قد أنكر العلماء الفحول إيثار أساليب اليونان على بيان القرآن ، و لكنّ شيوع التقليد و ذيوع الجمود أضاذا حجّتهم و برهانهم .
فقد ألّف محمد بن ابراهيم الصنعاني –من أئمة القرن التاسع – رسالة سمّاها "ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان".
و قال الحافظ في "الفتح" : "و قد توسّع من تأخّر عن القرون الثلاثة المفضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين و أتباعهم و لم يقتنعوا بذلك ، حتّى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان ، و جعلوا كلام الفلاسفة أصلا يردّ إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ، و لو كان مستنكرها ثم لم يكتفوا بذلك ، حتّى زعموا أنّ الذي رتّبوه هو أشرف العلوم و اولاها بالتحصيل ، و أنّ من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه ، فهو عاميّ جاهل .
فالسعيد من تمسّك بما كان عليه السلف ، و اجتنب ما أحدثه الخلف ، و إن لم يكن له منه بدّ ، فليكتف منه بقدر الحاجة ، و يجعل الأوّل المقصود بالأصالة و الله الموفّق".
4- إثباته في آخر فصل من فصول رسالة الشرك قصيدة أخيه في الله العلامة الطيّب العقبيّ رحمه الله تعالى المتضمّنة الإعتقاد النقيّ الذي كانا عليه ، و سنوردها في ترجمته رحمه الله.
5- شهادة العدول من العلماء الفحول المقرّبين منه له بلامسة المعتقد و سداد المنهج ، و على رأسهم العلاّمة الأديب محمّد البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى .
ثناء أهل العلم و الفضل عليه :
قال العلامة السلفي الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى : "حياة كلها جدّ و عمل، و حيّ كلّه فكر و علم ، و عمر كلّه دروس و تحصيل ، و شباب كلّه تلقّ و استفادة ،و كهولة كلّها إنتاج و إفادة ، و كهولة كلّها إنتاج و إفادة ، و نفس كلّها ضمير وواجب ، و روح كلّها ذكاء و عقل ، و عقل كلّه رأي و بصيرة ، و بصيرة كلّها نور و إشراق ، و مجموعة خلال سديدة و أعمال مفيدة قلّ أن اجتمعت في رجل من رجال النهضات ، فإذا اجتمعت هيّأت لصاحبها مكانة من قيادة الجيل ، و مهّدت له مقعده من زعامة النهضة .
ذلكم مبارك الميليّ الذي فقدته الجزائر من ثلاث سنين ، فقدت مؤرخها الحريص على تجلية تاريخها المغمور ، و إنارة جوانبه المظلمة ، ووصل عراه المنفصمة.
و فقدته المحافل الإصلاحية ففقدت منه عالما بالسلفية الحقة عاملا بها ، صحيح الإدراك لفقه الكتاب و السنة ، واسع الإطّلاع على النصوص و الفهوم ، دقيق الفهم لها ، و التمييز بينها و التطبيق لكلّيتها .
و فقدته دواوين الكتاب ففقدت كاتبا فحل الأسلوب ، جزل العبارة ، لبقا بتوزيع الألفاظ على المعاني ، طبقة ممتازة في دقّة التصوير و الإحاطة بالأطراف و ضبط الموضوع و الملك لعنانه .
و فقدته مجالس النظر و الرأي ففقدت مِدْرَهًا لا يباري في سوق الحجة و حضور البديهة و سداد الرمية و الصلابة في الحقّ و الوقوف عند حدوده .
و فقدته جمعية العلماء ففقدت ركنا باذخا من أركانها ، لا كلاّ و كلاّ ، بل ناهضا بالعبء ، مضطلعا بما حمّل من واجب ، لا تؤتى الجمعية من الثغر الذي تكل إليه سدّه ، و لا تخشى الخصم الذي تسند إليه مراسه و فقدت بفقده علما كانت تستضيء برأيه في المشكلات ، فلا يري الرأي في معضلة إلاّ جاء مثل فلق الصبح" .
قال : " يشهد كلّ من عرف مباركا و ذاكروه أو ناظره |أو سأله في شيء مما يتذاكر فيه الناس أو يتناظرون أو يسأل فيه جاهله عالمه أو جاذبه الحديث في أحوال الأمم ووقائع التاريخ و عوارض الإجتماع ، أنّه يخاطب منه عالما أيّ عالم ، و |أنّه يناظر منه فحل عراك و جدل حكاك ، و أنّه يساجل منه بحرا لا تخاض لجّته و حبرا لا تدحض حجّته ، و أنّه يرجع منه إلى عقل متين و رأي رصين و دليل لا يضلّ و منطق لا يختلّ ، و قريحة خصبة ، و ذهن لا نختلف في هذا" "البصائر العدد 26".
و قال الأستاذ أحمد توفيق المدني رحمه الله تعالى : " كنت أكنّ لمبارك الميلي العلامة الجليل احتراما عظيما و تقديرا كبيرا ، وحبا جمّا ، إنّه الرجل المثالي الحرّ الأبيّ الذي وضع حياته كلّها - منذ رجع من الزيتونة عالما جليلا – في خدمة دينه و شعبه مدرّسا و محاضرا و مفكّرا عميقا و مرشدا نصوحا .
كان نحلة منتجة لا تراها إلا ساعية وراء رحيق زهرة ، أو واضعة مع جماعتها عسلا شهيا .
هكذا كان منذ عرفته سنه 1925م إلى أن فرّق الحِمام بين جسمينا، و لم يفرّق بين روحينا ، و إنّي لأشعر بوجود مبارك الميلي يملأ الفراغ الذهني و يثبت كيانه في علم الفكر .
رحمك الله يا مبارك ، و طيّب ثراك ، و خلّد ذكراك" . "حياة كفاح 2/209"
و قال الأستاذ أحمد حماني رحمه الله تعالى : " العلامة الجليل مبارك بن محمد الميلي رحمه الله ، أكبر تلاميذ الأستاذ ابن باديس و مدرسته علما و فضلا و كفاءة ، و احمد علماء الجزائر و بناة نهضتها العربية الإصلاحية الأفذاذ ، و أوّل من ألّف للجزائر باللغة العربية و العاطفة الوطنية تاريخا قوميّا وطنيّا نفيسا"."انظر صراع بين السنة و البدعة".
آثاره العلمية:
على الرغم من قصر عمره و حياته التي لم تدم سوى 48 عاما ، و ملازمة المرض له ، و اشتغاله بتأليف الرجال عن تصنيف الكتب "شأنه في ذلك شأن شيخه عبد الحميد ابن باديس رحمه الله" فقد خلّف الشيخ مبارك سفرين نافعين :
1- تاريخ الجزائر في القديم و الحديث : في جزئين و هو كتاب حافل أثنى عليه غير واحد ، منهم أمير البيان شكيب أرسلان ، و الشيخ عبد الحمد ابن باديس حيث بعث برسالة إلى مؤلفه يشكره و يثني على هذا الكتاب الجليل و كذا شيخه محمّد الميلي .
2- رسالة الشرك و مظاهره : و هو كتاب نفيس في بابه ، فريد في موضوعه ، لم ينسج على منواله ، و قد أقرّ المجلس الإداريّ لجمعية العلماء "و ما اشتمل عليه ، و دعا المسلمين الى دراسته و العمل بما فيه ، و حرّر هذا التقرير كاتبها العام العربي التبسي رحمه الله تعالى بقلمه فعدّها في أوّليات الرسائل أو الكتب المؤلّفة في نصر السنن و إماتة البدع ، و تقرّ بها عين السنة و السنّيّين ، و ينشرح لها صدور صدور المؤمنين و تكون نكبة على أولئك الغاشّين للإسلام و المسلمين من جهلة المسلمين و أحمرة المستعمرين الذين يجدون من هذه البدع أكبر عون لهم على استعباد الأمم ...."
كما ترك الشيخ رحمه الله تعالى مجموعة من المقالات القيّمة و البحوث النافعة و التعليقات البديعة في جرائد و مجلاّت جمعية العلماء كالمنتقد و الشهاب و البصار و غيرها ممّا لو جمع لكن مصنّفا جليلا.
و بالإضافة إلى كلّ ذلك هناك "الرسائل الخاصّة" التي كانت
متداولة بينه و بين الشباب و قد أربت على مائتي رسالة فيها الأخويّة الوديّة و فيها العلميّة ذات الوزن في التحقيق و التدقيق ، و فيها الأدبيّة الرائعة و التاريخية التي تشير الى وثائق خاصّة في عهد من العهو و غير ذلك ."أنظر مجلة الثقافة العدد 37".
نموذج من رسائل الشيخ العلمية :
"المعلّم النصوح و المتعلّم البحّاثة الأخ الشيخ
الفضيل الورتلاني (ت1958م) :
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
منذ يومين وقع بصري في خاتمة الجزء الأول "الحاوي للفتاوي" - فتاوى السيوطي – على هذا الحديث : روى الحاكم في "المستدرك" و صحّحه و البيهقي في "شعب الإيمان" عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (لا تنزلوهنّ الغرف و لا تعلموهنّ الكتابة – يعني النساء – و علّموهن الغزل و سورة النور ).
فذكرت أنّك كنت سألتني عنه فلم تجد عندي علما به ، و اليوم لمّا وقفت عليه و رأيت أنّ الحاكم صحّحه ظهر لي أن أبحث عنه ، فإنّ الحاكم على جلالته في علم الحديث لا يعوّل كثيرا على تصحيحه ، حتّى إنّ النقّاد قالوا : لو لم يؤلّف "المستدرك" لكان خيرا له .
طالعت فهرست كتاب "حسن الأسوة فيما ثبت من الله و رسوله في النسوة" لصديق حسن خان ، فلم أجد مبحثا يناسب هذا الحديث و تتبّعت خاتمته التي خصّها لذكر الأحكام الخاصّة بالمرأة فلم أجد هذه المسألة .
و رجعت إلى التفاسير : فوجدت البغويّ قد روى آخر سورة النور هذا الحديث بسنده إلى محمد بن ابراهيم الشامي ّ قال : حدّثنا شعيب بن اسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، فذكره .
هنا رجعت إلى "ميزان الإعتدال" للحافظ الذهبي ، لأتعرّف هل في هذا السند ضعفاء ، فألفيته يذكر في ترجمة محمد بن ابراهيم الشاميّ عن الدارقطني أنّه كذّاب و عن ابن عديّ أن عامّة أحاديثه غير محفوظة ، و عن ابن حبّان أنّه لا تحلّ الرواية عنه إلاّ عند الإعتبار كان يضع الحديث ، ثم خرج له أحاديث منها حديثه عن شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عاشئة فذكره ، كما أورده السيوطيّ إلاّ قوله : "يعني النساء".
و الظاهر أنّ الحاكم رواه من طريق الشاميّ ، لأنّه لو كان متابع في هذا الحديث لم يورده الذهبي في ترجمته ، و لم يصحّ قول ابن عديّ إنّ عامة أحاديثه غير محفوظة .
و لو كان عندنا المستدرك لاسترحنا من هذا الخرص .
و بعدُ فلنكتف بما لدينا و لا نقف ماليس لنا به علم .
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
( ميلة 10 رمضان 1354هـ ).
"الشهاب ج1، م12 غرة محرم 1355هـ أبريل 1936م"
وفاته:
بعد خروج الشيخ مبارك رحمه الله من الأغواط سنة 1933هـ ابتلي بداء العضال و مرض مزمن مضني أنهك قواه و نغّص عليه حياته ألا و هو "الداء السكري" و قد حاول علاجه داخل الجزائر و خارجها إلاّ أنّه عاوده المرض بعد وفاة شيخه ابن باديس فأخذت صحّته في الانهيار حتّى وافاه الأجل يوم 25 صفر سنة 1364 هـ / 9 فبراير 1945 م ، و شيّعت جنازته من الغد في موكب مهيب بحضور آلاف عديدة من محبّيه و أصدقائه و ردوا من سائر الجهات في مقدّمتهم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين يومئذ و دفن في مقبرة الميلة بجانب شيخه الميلي رحمه الله و رثاه جمع من أهل العلم و الفضل .
رحم الله الشيخ مبارك الميلي رحمة واسعة و أسكنه
بمنّه و كرمه فسيح جنانه آمين.
منقول..............