المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مكتبتي


بنالعياط
23-09-2012, 01:29 PM
كل منا يعرف بمكتبته ..
إشهارا للكتاب و المؤلف..



****
****
تعال نطالع معا:

[ تاريخ الطبري - الطبري ]
الكتاب : تاريخ الأمم والملوك
المؤلف : محمد بن جرير الطبري أبو جعفر
الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة الأولى ، 1407
عدد الأجزاء : 5
تاريخ الطبري
(1/1)
****
****


الدينية :



**تفسير الجلالين :

لجلال الدين محمد بن أحمد المحلي ..
و جلال الدين عبد الرحمن أبي بكر السيوطي

**زاد الخطيب:

عبدالخالق محمد الشامي

**فقه السنة :3أجزء

السيد السابق

**تمام المنة : في التعليق على فقه السنة.

محمد نصر الدين الاباني

**الله:

سعيد حوى

**الرسول (ص)

سعيد حوى

**الاسلام:

سعيد حوى

**وصايا الرسول :3 كتب

طه عبد الله العفيفي

**الاعراب المحيط من تفسير البحر المحيط:5كتب

أبي حيان الاندلوسي_متوفي 754هـجرية
تأليف د. ياسين جاسم

**معالم التنزيل _ التفسير و التأويل: 5كتب

تأليف أبي محمدالحسن بن مسعود الفراء البغوي _متوفي510هـ

**صحيح البخاري:5كتب

تأليف الامام الحافظ أبي عبد الله بن إسماعيل البخاري _المتوفي 256هـ
مراجعة :الشيخ محمد علي قطب و الشيخ هشام البخاري

**صحيح مسلم :10كتب

الامام أبي زكريا يحي بن شريف النوي
تحقيق وتعليق محمد البيومي

**سنن النسائ:5كتب

بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي_ ت911هـ
و حاشيه الامام السندي_ت1138هـ

**الجامع الكبير --سنن الترميذي:6كتب

تأليف الامام الحافظ اب عيسى محمد عيسى بن سورة الترمذي
ولد:209__وت_279هـ
حققه_ شعيب الارنؤوط و عبد الله حرز الله

**السنن النسائ :5كتب

الامام الحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني 209_273هـ

حققه شعيب الارنؤوط و محمد كامل قرة بللي

**روح الدين الاسلامي

تأليف عفيف عبد الفتاح طبارة

**قصص القرآن

في مواجة الادب الرواية و المسرح
احمد موسى صالح

**مصرف التنمية الاسلامي


الدكتور رفيق المصري

**فتاوي معاصرة

د.يوسف القرضاوي

**دلائل النبوة :2كتاب

تأليف الحافظ المستغفري : أبي العباس جعفر بن محمد المستغفري
ولد350_وت432هـ

**فكر الخوارج و الشعية

د. علب محمد الصلابي

**حقيقة الخلاف بين الصحابة
في معركة الجمل و صفين

د. علب محمد الصلابي

**أبو بكر الصديق

تأليف محمد رضا.

**مع الانبياء في القرآن الالكريم

تأليف عبد العفيف طباره

**الخطايا_في نظر الاسلام

تأليف عبد العفيف طباره
.....؟

**
**
التاريخ


**تاريخ الكعبة

د.علي حسني الخربوطلي

**خطاب الرئس بومدين: جزء الاول
من 1965إلى1970

**خطاب الرئس بومدينجزء5
من 1973إلى1974

**عبد القادر الجزائري

برونو إتيين- ترجمة المهندس مشال خوري

**العقود اللؤلؤية
في تاريخ الدولة الرسولية
تأليف الشيخ علب بن الحسن الخزرجي

**....؟


**اللغة و الآدب


**البصران و العرجان و العميان و الحولان
تأليف أبي عثمان عمرو بحر الجاحظ 150هـ255هـ

**النثر الجزائري الحديث

د.محمد مصّايف

**إتحاف المنصفين و الادباء
في الاحتراس من الوباء

تأليف حمدانخواجة

**الفن ومذاهبه
في الشعر العربي

د.شوقي صيف

**شعراء الجزائر
دوان أبو الحسن غلي بن صالح

**البعد الفني و الفكري
عند الشاعر مصطفي الغماري

د.يحياوي الطاهر

**ظاهرة الاعراب في النح العربي
و تطبيقها في القرآن العظيم

د.أحمد سلمان اليقوت

**كتاب الاغاني 25كتاب

لابي فرج الاصفهاني

د. حسان عباس
د.إبراهيم السعافين
إ.بكر عباس


**الكامل
في النحو و الصرف و الاعراب

أحمد قبش

**شرح شعر زهير بن أبي سلم

د.فخر الدين قباوة

**جامع الدروس العربية 3أجزاء

تأليف الشيخ مصطفي الغلاييني



****القصة ***


**أين عمري

أحسان عبد القدوس

**ميرامار

**الجريمة

نجيب محفوط

**الشهداء
يعودون هذ الاسبوع

**الزلزال

**الهارب

**الطعنات

الطاهر وطار

**خطاء القضاء

**جريمة فوق السحاب

أجاثا كريستي

**موسم الهجرة لشمال

طيب صالح

**البُزات

مرزاق بقطاش

**أمداغ
مجموعة قصص

محمد الاخضر السائحي

**بان الصبح

عبد الحميد بن هدوقة

**يوغورط

عبدالرحمن ماضوي

**ناموسة

شريف شتائلية

**من وراء القضبان

عبدالرحمن إبراهيم عقون




****

يتبع

djazayri
23-09-2012, 09:21 PM
ماشاء الله، ويقولك الجزائري لا يقرأ !

علي قوادري
23-09-2012, 09:43 PM
ماشاء الله كتب قيمة جدا

بنالعياط
23-09-2012, 09:48 PM
ماشاء الله، ويقولك الجزائري لا يقرأ !




نعم هم قليلون ..
ومنهم من تعلم من الكتاب كحالي..
و على فكرة انامن عشاق الكتاب ..
و هذي المكتبة الثالثة التي أبدءها من سفر بعد كل هجرة و ترحال..
..
..
صحيح الجزائري أو المسلم ما يقرأ إلا قليلا..
و يفضل الدمينوو على المطالة ...

باركالله فيك أخي العزيز

بنالعياط
23-09-2012, 09:50 PM
ماشاء الله كتب قيمة جدا

شكرا أخي قوادري

إخلاص
23-09-2012, 09:56 PM
ما شاء الله عليك أخي
لذيك مكتبة ثريّة:11:
نفعك الله بهذه الكتب
لي عودة مع مكتبتي:11:
تحيّة تليق

بنالعياط
23-09-2012, 11:15 PM
ما شاء الله عليك أخي
لذيك مكتبة ثريّة:11:
نفعك الله بهذه الكتب
لي عودة مع مكتبتي:11:
تحيّة تليق



زيارة ميمونة أختنا العزيزة ..

نحن هنا تبادل الكتب أسهل من الجزائر و طرق شحنه رخيصة ومضمونه

اللهم آمين و أسعدك الله دنيا و دين

بنالعياط
25-09-2012, 07:55 PM
http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة



[ تاريخ الطبري - الطبري ]
الكتاب : تاريخ الأمم والملوك
المؤلف : محمد بن جرير الطبري أبو جعفر
الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة الأولى ، 1407
عدد الأجزاء : 5
تاريخ الطبري
(1/1)
________________________________________
خطبة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الأول قبل كل أول والآخر بعد كل آخر والدائم بلا زوال والقائم على كل شيء بغير انتقال والخالق خلقه من غير أصل ولا مثال فهو الفرد الواحد من غير عدد وهو الباقي بعد كل أحد إلى غير نهاية ولا أمد له الكبرياء والعظمة والبهاء والعزة والسلطان والقدرة تعالى عن أن يكون له شريك في سلطانه أو في وحدانيته نديد أو في تدبيره معين أو ظهير أو أن يكون له ولد أو صاحبة أو كفء أحد لا تحيط به الأوهام ولا تحويه الأقطار ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير
أحمده على آلائه وأشكره على نعمائه حمد من أفرده بالحمد وشكر من رجا بالشكر منه المزيد وأستهديه من القول والعمل لما يقربني منه ويرضيه وأومن به إيمان مخلص له التوحيد ومفرد له التمجيد
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده النجيب ورسوله الأمين اصطفاه لرسالته وابتعثه بوحيه داعيا خلقه إلى عبادته فصدع بأمره وجاهد في سبيله ونصح لأمته وعبده حتى أتاه اليقين من عنده غير مقصر في بلاغ ولا وان في جهاد صلى الله عليه أفضل صلاة وأزكاها وسلم
أما بعد فإن الله جل جلاله وتقدست أسماؤه خلق خلقه من غير ضرورة كانت به إلى خلقهم وأنشأهم من غير حاجة كانت به إلى إنشائهم بل خلق من خصه منهم بأمره ونهيه وامتحنه بعبادته ليعبدوه فيجود عليهم بنعمه وليحمدوه على نعمه فيزيدهم من فضله ومننه ويسبغ عليهم فضله وطوله كما قال عز و جل وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ( 1 ) فلم يزده خلقه إياهم إذ خلقهم في سلطانه على ما لم يزل قبل خلقه إياهم مثقال ذرة ولا هو إن أفناهم وأعدمهم ينقصه إفناؤه إياهم ميزان شعرة لأنه لا تغيره الأحوال ولا يدخله الملال ولا ينقص سلطانه الأيام والليال لأنه خالق الدهور والأزمان فعم جميعهم في العاجل فضله وجوده وشملهم كرمه وطوله فجعل لهم أسماعا وأبصارا وأفئدة وخصهم بعقول يصلون بها إلى التمييز بين الحق والباطل ويعرفون بها المنافع والمضار وجعل لهم الأرض بساطا ليسلكوا منها سبلا فجاجا والسماء سقفا محفوظا وبناء مسموكا وأنزل لهم منها الغيث بالإدرار والأرزاق بالمقدار وأجرى لهم فيها قمر الليل وشمس النهار يتعاقبان بمصالهم دائبين فجعل لهم الليل لباسا والنهار معاشا وخالف منا منه عليهم
(1/11)
________________________________________
وتطولا بين قمر الليل وشمس النهار فمحا آية الليل وجعل آية النهار مبصرة كما قال جل جلاله وتقدست أسماؤه وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا ( 1 )
وليصلوا بذلك إلى العلم بأوقات فروضهم التي فرضها عليهم في ساعات الليل والنهار والشهور والسنين من الصلوات والزكوات والحج والصيام وغير ذلك من فروضهم وحين حل ديونهم وحقوقهم كما قال عز و جل يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ( 2 ) وقال هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون ( 3 ) إنعاما منه بكل ذلك على خلقه وتفضلا منه به عليهم وتطولا فشكره على نعمه التي أنعمها عليهم من خلقه خلق عظيم فزاد كثيرا منهم من آلائه وأياديه على ما ابتدأهم به من فضله وطوله كما وعدهم جل جلاله بقوله وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ( 4 ) وجمع لهم إلى الزيادة التي زادهم في عاجل دنياهم الفوز بالنعيم المقيم والخلود في جنات النعيم في آجل آخرتهم وأخر لكثير منهم الزيادة التي وعدهم فمدهم إلى حين مصيرهم إليه ووقت قدومهم عليه توفيرا منه كرامته عليهم يوم تبلى السرائر وكفر نعمه خلق منهم عظيم فجحدوا آلاءه وعبدوا سواه فسلب كثيرا منهم ما ابتدأهم به من الفضل والإحسان وأحل بهم النقمة المهلكة في العاجل وذخر لهم العقوبة المخزية في الآجل ومتع كثيرا منهم بنعمه أيام حياتهم استدراجا منه لهم وتوقيرا منه عليهم أوزارهم ليستحقوا من عقوبته في الآجل ما قد أعد لهم
نعوذ بالله من عمل يقرب من سخطه ونسأله التوفيق لما يدني من رضاه ومحبته
قال أبو جعفر وأنا ذاكر في كتابي هذا من ملوك كل زمان من لدن ابتدأ ربنا جل جلاله خلق خلقه إلى حال فنائهم من انتهى إلينا خبره ممن ابتدأه الله تعالى بآلائه ونعمه فشكر نعمه من رسول له مرسل أو ملك مسلط أو خليفة مستخلف فزاده إلى ما ابتدأه به من نعمه في العاجل نعما وإلى ما تفضل به عليه فضلا ومن أخر ذلك له منهم وجعله له عنده ذخرا ومن كفر منهم نعمه فسلبه ما ابتدأه به من نعمه وعجل له نقمه ومن كفر منهم نعمه فمتعه بما أنعم به عليه إلى حين وفاته وهلاكه مقرونا ذكر كل من أنا ذاكره منهم في كتابي هذا بذكر زمانه وجمل ما كان من حوادث الأمور في عصره وأيامه إذ كان الاستقصاء في ذلك يقصر عنه العمر وتطول به الكتب مع ذكري مع ذلك مبلغ مدة أكله وحين أجله بعد تقديمي أمام ذلك ما تقديمه بنا أولى والإبتداء به قبله أحجى من البيان عن الزمان ما هو وكم قدر جميعه وابتداء أوله وانتهاء آخره وهل كان قبل خلق الله تعالى إياه شيء غيره وهل هو فان وهل بعد فنائه شيء غير وجه المسبح الخلاق تعالى ذكره وما الذي كان قبل خلق الله إياه وما هو كائن بعد فنائه وانقضائه وكيف كان ابتداء خلق الله تعالى إياه وكيف يكون فناؤه والدلالة على أن لا قديم إلا الله الواحد القهار الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى بوجيز من الدلالة غير طويل إذ لم نقصد بكتابنا هذا قصد الإحتجاج لذلك بل لما ذكرنا من
(1/12)
________________________________________
تاريخ الملوك الماضين وجمل من أخبارهم وأزمان الرسل والأنبياء ومقادير أعمارهم وأيام الخلفاء السالفين وبعض سيرهم ومبالغ ولاياتهم والكائن الذي كان من الأحداث في أعصارهم ثم أنا متبع آخر ذلك كله إن شاء الله وأيد منه بعون وقوة ذكر صحابة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وأسمائهم وكناهم ومبالغ أنسابهم ومبالغ أعمارهم ووقت وفاة كل إنسان منهم والموضع الذي كانت به وفاته ثم متبعهم ذكر من كان بعدهم من التابعين لهم بإحسان على نحو ما شرطنا من ذكرهم ثم ملحق بهم ذكر من كان بعدهم من الخلف لهم كذلك وزائد في أمورهم للإنانة عمن حمدت منهم روايته وتقبلت أخباره ومن رفضت منهم روايته ونبذت أخباره ومن وهن منهم نقله وضعف خبره وما السبب الذي من أجله نبذ منهم خبره والعلة التي من أجلها وهن من وهن منهم نقله
وإلى الله عز و جل أنا راغب في العون على ما أقصده وأنويه والتوفيق لما ألتمسه وأبغيه فإنه ولي الحول والقوة وصلى الله على محمد نبيه وآله وسلم تسليما
وليعلم الناظر في كتابنا هذا أن اعتمادي في كل ما أحضرت ذكره فيه مما شرطت أني راسمه فيه إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها فيه دون ما أدرك بحجج العقول واستنبط بفكر النفوس إلا اليسير القليل منه إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضين وما هو كائن من أنباء الحادثين غير واصل إلى من لم يشاهدهم ولم يدرك زمانهم إلا بإخبار المخبرين ونقل الناقلين دون الاستخراج بالعقول والاستنباط بفكر النفوس فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة ولا معنى في الحقيقة فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا

أبو محمود
25-09-2012, 08:01 PM
http://sphotos-e.ak.fbcdn.net/hphotos-ak-prn1/s480x480/548286_10151034180577623_2093325386_n.jpg
السلام عليكم
واش رأي اخي بنا العياط في مكتبتي من بقايا محرك طائرة سخوري ههههههههههههههههههههه

بنالعياط
25-09-2012, 08:40 PM
(1/13)
________________________________________
القول في الزمان ما هو
قال أبو جعفر فالزمان هو ساعات الليل والنهار وقد يقال ذلك للطويل من المدة والقصير منها والعرب تقول أتيتك زمان الحجاج أمير وزمن الحجاج أمير تعني به إذ الحجاج أمير وتقول أتيتك زمان الصرام وزمن الصرام تعني به وقت الصرام ويقولون أيضا أتيتك أزمان الحجاج أمير فيجمعون الزمان يريدون بذلك أن يجعلوا كل وقت من أوقات إمارته زمانا من الأزمنة كما قال الراجز ... جاء الشتاء وقميصي أخلاق ... شراذم يضحك منه التواق ...
فجعل القميص أخلاقا يريد بذلك وصف كل قطعة منه بالإخلاق كما يقولون أرض سباسب ونحو ذلك ومن قولهم للزمان زمن قول أعشى بني قيس بن ثعلبة
... وكنت امرأ زمنا بالعراق ... عفيف المناخ طويل التغن ...
يريد بقوله زمنا زمانا فالزمان اسم لما ذكرت من ساعات الليل والنهار على ما قد بينت ووصفت
(1/14)
________________________________________
القول في كم قدر جميع الزمان من ابتدائه إلى انتهائه وأوله إلى آخره
اختلف السلف قبلنا من أهل العلم في ذلك فقال بعضهم قدر جميع ذلك سبعة آلاف سنة
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا يحيى بن يعقوب عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة فقد مضى ستة آلاف سنة ومائتا سنة وليأتين عليها مئون من سنين ليس عليها موحد وقال آخرون قدر جميع ذلك ستة آلاف سنة ذكر من قال ذلك
حدثنا أبو هشام قال حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان عن الأعمش عن أبي صالح قال قال كعب الدنيا ستة آلاف سنة
حدثنا محمد بن سهل بن عسكر قال حدثنا إسمعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول قد خلا من الدنيا خمسة آلاف سنة وستمائة سنة وإني لأعرف كل زمان منها ما كان فيه من الملوك والأنبياء قلت لوهب بن منبه كم الدنيا قال ستة آلاف سنة قال أبو جعفر والصواب من القول في ذلك ما دل على صحته الخبر الوارد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وذلك ما حدثنا به محمد بن بشار وعلي بن سهل قالا حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول أجلكم في أجل من كان قبلكم من صلاة العصر إلى مغرب الشمس
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول ألا إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس
حدثنا الحسن بن عرفة قال حدثني عمار بن محمد ابن اخت سفيان الثوري أبو اليقظان عن ليث بن أبي سليم عن مغيرة بن حكيم عن عبدالله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما بقي لأمتي من الدنيا إلا كمقدار الشمس إذا صليت العصر
حدثني محمد بن عوف قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا شريك قال سمعت سلمة بن كهيل عن
(1/15)
________________________________________
مجاهد عن ابن عمر قال كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه و سلم والشمس مرتفعة على قعيقعان بعد العصر فقال ما أعماركم في أعمار من مضى إلا كما بقي من هذا النهار فيما مضى منه
حدثنا ابن بشار ومحمد بن المثنى قال ابن بشار حدثني خلف بن موسى وقال ابن المثنى حدثنا خلف بن موسى قال حدثني أبي عن قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم خطب أصحابه يوما وقد كادت الشمس أن تغيب ولم يبق منها إلا شق يسير فقال والذي نفس محمد بيده ما بقي من دنياكم فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه وما ترون من الشمس إلا اليسير
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا ابن عيينة عن علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال قال النبي صلى الله عليه و سلم عند غروب الشمس إنما مثل ما بقي من الدنيا فيما مضى منها كبقية يومكم هذا فيما مضى منه
حدثنا هناد بن السري وأبو هشام الرفاعي قالا حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي صالح عن ابي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى
حدثنا أبو كريب حدثنا يحيى بن آدم عن أبي بكر عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي بنحوه
حدثنا هناد قال حدثنا أبو الأحوص وأبو معاوية عن الأعمش عن أبي خالد الوالبي عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثت أنا والساعة كهاتين
حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثام بن علي عن الأعمش عن أبي خالد الوالبي عن جابر بن سمرة قال كأني أنظر إلى إصبعي رسول الله صلى الله عليه و سلم وأشار بالمسبحة والتي تليها وهو يقول بعثت أنا والساعة كهذه من هذه
حدثنا ابن حميد قال حدثني يحيى بن واضح قال حدثنا فطر عن أبي خالد الوالبي عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثت من الساعة كهاتين وجمع بين إصبعيه السبابة والوسطى
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة قال سمعت قتادة يحدث قال حدثنا أنس بن مالك قال قال رسول الله ص بعثت أنا والساعة كهاتين قال شعبة سمعت قتادة يقول في قصصه كفضل إحداهما على الأخرى قال لا أدري أذكره عن أنس أو قاله قتادة
حدثنا خلاد بن أسلم قال حدثنا النضر بن شميل قال حدثنا شعبة عن قتادة قال حدثنا أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثت أنا والساعة كهاتين
حدثنا مجاهد بن موسى قال حدثنا يزيد قال حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم مثله وزاد في حديثه وأشار بالوسطى والسبابة
حدثنا محمد بن عبدالله بن عبدالحكم قال حدثنا أيوب بن سويد عن الأوزاعي قال حدثنا إسمعيل بن عبيدالله قال قدم أنس بن مالك على الوليد بن عبدالملك فقال له الوليد ماذا سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يذكر به الساعة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول أنتم والساعة كهاتين وأشار بإصبعيه
حدثني العباس بن الوليد قال أخبرني أبي قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني إسمعيل بن
(1/16)
________________________________________
عبيد الله قال قدم أنس بن مالك على الوليد بن عبدالملك فقال له الوليد ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه و سلم يذكر به الساعة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول أنتم والساعة كتين
حدثني ابن عبدالرحيم البرقي قال حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن الأوزاعي قال حدثني إسمعيل بن عبيدالله قال قدم أنس بن مالك على الوليد بن عبدالملك فذكر مثله
حدثني محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه قال حدثني معبد حدث أنس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال بعثت أنا والساعة كهاتين وقال بإصبعيه هكذا
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا شعبة عن أبي التياح عن أنس قال قال رسول الله ص بعثت أنا والساعة كهاتين السبابة والوسطى قال أبو موسى وأشار وهب بالسبابة والوسطى
حدثني عبدالله بن أبي زياد قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا شعبة عن أبي التياح وقتادة عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثت أنا والساعة كهاتين وقرن بين إصبعيه
حدثني محمد بن عبدالله بن بزيع قال حدثنا الفضيل بن سليمان حدثنا أبو حازم قال حدثنا سهل بن سعد قال رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم قال بإصبعيه هكذا الوسطى والتي تلي الإبهام بعثت أنا والساعة كهاتين
حدثنا محمد بن يزيد الأدمي قال حدثنا أبو ضمرة عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال بعثت والساعة كهاتين وضم بين إصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام وقال ما مثلي ومثل الساعة إلا كفرسي رهان ثم قال ما مثلي ومثل الساعة إلا كمثل رجل بعثه قوم طليعة فلما خشي أن يسبق ألاح بثوبه أتيتم أتيتم أنا ذاك أنا ذاك
حدثنا أبو كريب قال حدثنا خالد عن محمد بن جعفر عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثت أنا والساعة كهاتين وجمع بين إصبعيه حدثنا أبو كريب قال حدثنا خالد قال حدثنا سلمان بن بلال قال حدثني أبو حازم عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثت أنا والساعة هكذا وقرن بين إصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام
حدثني ابن عبدالرحيم البرقي قال حدثنا ابن أبي مريم قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثني أبو حازم عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثت أنا والساعة كهاتين وجمع بين إصبعيه
حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو نعيم عن بشير بن المهاجر قال حدثني عبدالله بن بريدة عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول بعثت أنا والساعة جميعا إن كادت لتسبقني
حدثني محمد بن عمر بن هياج قال حدثنا يحيى بن عبدالرحمن قال حدثني عبيدة بن الأسود عن مجالد عن قيس بن أبي حازم عن المستورد بن شداد الفهري عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال بعثت في نفس الساعة سبقتها كما يبقت هذه هذه لإصبعية السبابة والوسطى ووصف لنا أبو عبدالله وجمعهما
(1/17)
________________________________________
حدثني أحمد بن محمد بن حبيب قال حدثنا أبو نصر قال حدثنا المسعودي عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن أبي جبيرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثت مع الساعة كهاتين وأشار بإصبعيه الوسطى والسبابة كفضل هذه على هذه
حدثنا تميم بن المنتصر قال أخبرنا يزيد قال أخبرنا إسماعيل عن شبيل بن عوف عن أبي جبيرة عن أشياخ من الأنصار قالوا سمعنا رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول جئت أنا والساعة هكذا قال الطبري وأرانا تميم وضم السبابة والوسطى وقال لنا أشار يزيد بإصبعيه السبابة والوسطى وضمهما وقال سبقتها كما سبقت هذه هذه في نفس من الساعة أو في نفس الساعة
فمعلوم إذ كان اليوم أوله طلوع الفجر وآخره غروب الشمس وكان صحيحا عن نبينا صلى الله عليه و سلم ما رويناه عنه قبل أنه قال بعد ما صلى العصر ما بقي من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه وأنه قال لأصحابه بعثت أنا والساعة كهاتين وجمع بين السبابة والوسطى سبقتها بقدر هذه من هذه يعني الوسطى من السبابة وكان قدر ما بين أوسط أوقات الصلاة العصر وذلك إذا صار ظل كل شيء مثليه على التحري إنما يكون قدر نصف سبع اليوم يزيد قليلا أو ينقص قليلا وكذلك فضل ما بين الوسطى والسبابة إنما يكون نحوا من ذلك وقريبا منه
وكان صحيحا مع ذلك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ما حدثني أحمد بن عبدالرحمن بن وهب قال حدثن عمي عبدالله بن وهب قال حدثني معاوية بن صالح عن عبدالرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه جبير بن نفير أنه سمع أبا ثعلبة الخشني صاحب النبي صلى الله عليه و سلم يقول إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم وكان معنى قول النبي ذلك أن لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم الذي مقداره ألف سنة
كان بينا أن أولى القولين اللذين ذكرت في مبلغ قدر مدة جميع الزمان اللذين أحدهما عن ابن عباس والآخر منهما عن كعب بالصواب وأشبههما بما دلت عليه الأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قول ابن عباس الذي روينا عنه أنه قال الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة
وإذ كان ذلك كذلك وكان الخبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم صحيحا أنه أخبر عن الباقي من ذلك في حياته أنه نصف يوم وذلك خمسمائة عام إذ كان ذلك نصف يوم من الأيام التي قدر اليوم الواحد منها ألف عام
كان معلوما أن الماضي من الدنيا إلى وقت قول النبي صلى الله عليه و سلم ما رويناه عن أبي ثعلبة الخشني عنه كان قدر ستة آلاف سنة وخمسمائة سنة أو نحوا من ذلك وقريبا منه والله أعلم
فهذا الذي قلنا في قدر مدة أزمان الدنيا من مبدأ أولها إلى منتهى آخرها من أثبت ما قيل في ذلك عندنا من القول للشواهد الدالة التي بيناها على صحة ذلك
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم خبر يدل على صحة قول من قال إن الدنيا كلها ستة آلاف سنة لو كان صحيحا سنده لم نعد القول به إلى غيره وذلك ما حدثني به محمد بن سنان القزاز قال حدثنا عبدالصمد بن عبدالوارث حدثنا زبان عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال الحقب ثمانون عاما اليوم منها سدس الدنيا
فبين في هذ الخبر أن الدنيا كلها ستة آلاف سنة وذلك أن اليوم الذي هو من أيام الآخرة إذا كان مقداره
(1/18)
________________________________________
ألف سنة من سني الدنيا وكان اليوم الواحد من ذلك سدس الدنيا كان معلوما بذلك أن جميعها ستة أيام من أيام الآخرة وذلك ستة آلاف سنة
وقد زعم اليهود أن جميع ما ثبت عندهم على ما في التوراة مما هو فيها من لدن خلق الله آدم إلى وقت الهجرة وذلك في التوراة التي هي في أيديهم اليوم أربعة آلاف سنة وستمائة سنة واثنتان وأربعون سنة وقد ذكروا تفصيل ذلك بولادة رجل رجل ونبي نبي وموته من عهد آدم إلى هجرة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وسأذكر تفصيلهم ذلك إن شاء الله وتفصيل غيرهم ممن فصله من علماء أهل الكتب وغيرهم من أهل العلم بالسير وأخبار الناس إذا انتهيت إليه إن شاء الله وأما اليونانية من النصارى فإنها تزعم أن الذي ادعته اليهود من ذلك باطل وأن الصحيح من القول في قدر مدة أيام الدنيا من لدن خلق الله آدم إلى وقت هجرة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم على سياق ما عندهم في التوراة التي هي في أيديهم خمسة آلاف سنة وتسعمائة سنة واثنتان وتسعون سنة وأشهر وذكروا تفصيل ما ادعوه من ذلك بولادة نبي نبي وملك مالك ووفاته من عهد آدم إلى وقت هجرة رسول الله صلى الله عليه و سلم وزعموا أن اليهود إنما نقصوا ما نقصوا من عدد سني ما بين تاريخهم وتاريخ النصارى دفعا منهم لنبوة عيسى بن مريم عليه السلام إذ كانت صفته ووقت مبعثه مثبتة في التوراة وقالوا لم يأت الوقت الذي وقت لنا في التوراة أن الذي صفته صفة عيسى يكون فيه وهم ينتظرون بزعمهم خروجه ووقته
وأحسب أن الذي ينتظرونه ويدعون أن صفته في التوراة مثبتة هو الدجال الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه و سلم لأمته وذكر لهم أن عامة أتباعه اليهود فإن كان ذلك هو عبدالله بن صياد فهو من نسل اليهود
وأما المجوس فإنهم يزعمون أن قدر مدة الزمان من لدن ملك جيومرت إلى وقت هجرة نبينا صلى الله عليه و سلم ثلاثة ألاف سنة ومائة سنة وتسع وثلاثون سنة وهم لا يذكرون مع ذلك نسبا يعرف فوق جيومرت ويزعمون أنه آدم أبو البشر صلى الله عليه و سلم وعلى جميع أنبياء الله ورسله
ثم أهل الأخبار بعد في أمره مختلفون فمن قائل منهم فيه مثل قول المجوس ومن قائل منهم إنه تسمى بآدم بعد أن ملك الأقاليم السبعة وأنه إنما هو جامر بن يافث بن نوح كان بنوح عليه السلام برا ولخدمته ملازما وعليه حدبا شفيقا فدعا الله له ولذريته نوح لذلك من بره به وخدمته له بطول العمر والتمكين في البلاد والنصر على من ناوأه وإياهم واتصال الملك له ولذريته ودوامه له ولهم فاستجيب له فيه فأعطى جيومرت ذلك وولده فهو أبو الفرس ولم يزل الملك فيه وفي ولده إلى أن زال عنهم بدخول المسلمين مدائن كسرى وغلبة أهل الإسلام إياهم على ملكهم
ومن قائل غير ذلك وسنذكر إن شاء الله ما انتهى إلينا من القول فيه إذا انتهينا إلى ذكرنا تأريخ الملوك ومبالغ أعمارهم وأنسابهم اسباب ملكهم
(1/19)

بنالعياط
25-09-2012, 08:45 PM
http://sphotos-e.ak.fbcdn.net/hphotos-ak-prn1/s480x480/548286_10151034180577623_2093325386_n.jpg
السلام عليكم
واش رأي اخي بنا العياط في مكتبتي من بقايا محرك طائرة سخوري ههههههههههههههههههههه

أهلا أخي العزيز ..
جميلة جدا و عصرية .
سلفني سخوري ونبرشطي لك بعض الكتب الاثرية

بنالعياط
25-09-2012, 09:06 PM
القول في الدلالة على حدوث الأوقات والأزمان والليل والنهار
قد قلنا قبل إن الزمان إنما هو اسم لساعات الليل والنهار وساعات الليل والنهار إنما هي مقادير من جري الشمس والقمر في الفلك كما قال الله عز و جل وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ( 1 )
فإذا كان الزمان ما ذكرنا من ساعات الليل والنهار وكانت ساعات الليل والنهار إنما هي قطع الشمس والقمر درجات الفلك كان بيقين معلوما أن الزمان محدث والليل والنهار محدثنان وأن محدث ذلك الله الذي تفرد بإحداث جميع خلقه كما قال وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فالك يسبحون ( 2 )
ومن جهل حدوث ذلك من خلق الله فإنه لن يجهل اختلاف أحوال الليل والنهار بأن أحدهما يرد على الخلق وهو الليل بسواد وظلمة وأن الآخر منهما يرد عليهم بنور وضياء ونسخ لسواد الليل وظلمته وهو النهار
فإذا كان ذلك كذلك وكان من المحال اجتماعهما مع اختلاف أحوالهما في وقت واحد في جزء واحد كان معلوما يقينا أنه لا بد من أن يكون أحدهما كان قبل الآخر منها وأيهما كان منهما قبل صاحبه فإن الآخر منهما كان لا شك بعده وذلك إبانة ودليل على حدوثهما وأنهما خلقان لخالقهما
ومن الدلالة أيضا على حدوث الأيام والليالي أنه لا يوم إلا وهو بعد يوم كان قبله وقبل يوم كائن بعده فمعلوم أن ما لم يكن ثم كان أنه محدث مخلوق وأن له خالقا ومحدثا
وأخرى أن الأيام والليالي معدودة وما عد من الأشياء فغير خارج من أحد العددين شعف أو وتر فإن يكن شفعا فإن أولها اثنان وذلك تصحيح القول بأن لها ابتداء وأولا وإن كان وترا فإن أولها واحد وذلك دليل على أن لها ابتداء وأولا وما كان له ابتداء فإنه لا بد له من مبتدىء هو خالقه
(1/20)
________________________________________
القول في هل كان الله عز و جل خلق قبل خلقه الزمان والليل والنهار شيئا غير ذلك من الخلق
قد قلنا قبل إن الزمان إنما هو ساعات الليل والنهار وإن الساعات إنما هي قطع الشمس والقمر درجات الفلك
فإذا كان ذلك كذلك وكان صحيحا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ما حدثنا هناد بن السري قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي سعد البقال عن عكرمة عن ابن عباس قال هناد وقرأت سائر الحديث [ على أبي بكر ] أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه و سلم فسألته عن خلق السموات والأرض فقال خلق الله الأرض يوم الأحد والإثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من منافع وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب فهذه أربعة ثم قال قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ( 1 ) لمن سأل قال وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه فخلق في أول ساعة من هذه الثلاث الساعات الآجال من يحيا ومن يموت وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس وفي الثالثة آدم وأسكنه الجنة وأمر إبليس بالسجود له وأخرجه منها في آخر ساعة ثم قالت اليهود ثم ماذا يا محمد قال ثم استوى على العرش قالوا قد أصبت لو أتممت قالوا ثم استراح فغضب النبي صلى الله عليه و سلم غضبا شديدا فنزل ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون ( 2 )
حدثني القاسم بن بشر بن معروف والحسين بن علي الصدائي قالا حدثنا حجاج قال قال ابن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبدالله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم بيدي فقال خلق الله التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الأثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة آخر خلق خلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل
(1/21)
________________________________________
حدثنا محمد بن عبدالله بن بزيع قال حدثنا الفضيل بن سليمان حدثني محمد بن زيد قال حدثني أبو سلمة بن عبدالرحمن بن عوف قال أخبرني ابن سلام وأبو هريرة فذكرا عن النبي صلى الله عليه و سلم الساعة التي في يوم الجمعة وذكرا أنه قالها قال عبدالله بن سلام أنا أعلم أي ساعة هي بدأ الله في خلق السموات والأرض يوم الأحد وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة فهي في آخر ساعة من يوم الجمعة
حدثني المثنى قال حدثنا الحجاج حدثنا حماد عن عطاء بن السائب عن عكرمة أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم ما يوم الأحد فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم خلق الله فيه الأرض وبسطها قالوا فالإثنين قال خلق الله فيه آدم قالوا فالثلاثاء قال خلق فيه الجبال والمال وكذا وكذا وما شاء الله قالوا فيوم الأربعاء قال الأقوات قالوا فيوم ا لخميس قال خلق السموات قالوا فيوم الجمعة قال خلق الله في ساعتين الليل والنهار ثم قالوا السبت وذكروا الراحة قال سبحان الله فأنزل الله ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب
فقد بين هذا الخبران اللذان رويناهما عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أن الشمس والقمر خلقا بعد خلق الله أشياء كثيرة من خلقه وذلك أن حديث ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ورد بأن الله خلق الشمس والقمر يوم الجمعة
فإن كان ذلك كذلك فقد كانت الأرض والسماء وما فيهما سوى الملائكة وآدم مخلوقة قبل خلق الله الشمس والقمر وكان ذلك كله ولا ليل ولا نهار إذ كان الليل والنهار إنما هو اسم لساعات معلومة من قطع الشمس والقمر درج الفلك
وإذا كان صحيحا أن الأرض والسماء وما فيهما سوى ما ذكرنا قد كانت ولا شمس ولا قمر كان معلوما أن ذلك كله كان ولا ليل ولا نهار وكذلك حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم لأنه أخبر عنه أنه قال خلق الله النور يوم الأربعاء يعني بالنور الشمس إن شاء الله فإن قال لنا قائل قد زعمت أن اليوم إنما هو اسم لميقات ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس ثم زعمت الآن أن الله خلق الشمس والقمر بعد أيام من أول ابتدائه خلق الأشياء التي خلقها فأثبت مواقيت وسميتها بالأيام ولا شمس ولا قمر وهذا إن لم تأت ببرهان على صحته فهو كلام ينقض بعضه بعضا
قيل إن الله سمى ما ذكرته أياما فسميته بالاسم الذي سماه به وكان وجه تسميته ذلك أياما ولا شمس ولا قمر نظير قوله عز و جل ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ( 1 ) ولا بكرة ولا عشي هنالك إذ كان لا ليل في الآخرة ولا شمس ولا قمر كما قال جل وعز ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ( 2 )
فسمى تعالى ذكره يوم القيامة يوما عقيما إذ كان يوما لا ليل بعد مجيئه وإنما أريد بتسمية ما سمى أياما قبل خلق الشمس والقمر قدر مدة ألف عام من أعوام الدنيا التي العام منها اثنا عشر شهرا من شهور أهل الدنيا التي تعد ساعاتها وأيامها بقطع ا لشمس والقمر درج الفلك كما سمى بكرة وعشيا لما يرزقه أهل الجنة في قدر المدة التي كانوا يعرفون ذلك من الزمان في الدنيا بالشمس ومجراها في الفلق و لا شمس عندهم ولا ليل
(1/22)
________________________________________
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال السلف من أهل العلم
ذكر بعض من حضرنا ذكره ممن قال ذلك
حدثني القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني الحجاج عن ابن جريج عن مجاهد أنه قال يقضي الله عز و جل أمر كل شيء ألف سنة إلى الملائكة ثم كذلك حتى يمضي ألف سنة ثم يقضي أمر كل شيء ألفا ثم كذلك أبدا قال في يوم كان مقداره ألف سنة ( 1 ) قال اليوم أن يقول لما يقضي إلى الملائكة ألف سنة كن فيكون ولكن سماه يوما سماه كما شاء كل ذلك عن مجاهد قال وقوله تعالى وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ( 2 ) قال هو هو سواء
وبنحو الذي ورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من الخبر بأن الله جل جلاله خلق الشمس والقمر بعد خلقه السموات والأرض وأشياء غير ذلك ورد الخبر عن جماعة من السلف أنهم قالوه
ذكر الخبر عمن قال ذلك منهم
حدثنا أبو هشام الرفاعي حدثنا ابن يمان حدثنا سفيان عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن مجاهد عن ابن عباس فقال لها وللأرض ائتيا وطوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ( 3 ) قال قال الله عز و جل للسموات أطلعي شمسي وقمري وأطلعي نجومي وقال للأرض شققي أنهارك وأخرجي ثمارك فقالتا أتينا طائعين
حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة وأوحى في كل سماء أمرها ( 4 ) خلق فيها شمسها وقمرها ونجونها وصلاحها
فقد بينت هذه الأخبار التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وعمن ذكرناها عنه أن الله عز و جل خلق السموات والأرض قبل خلقه الزمان والأيام والليالي وقبل الشمس والقمر والله أعلم
(1/23

بنالعياط
25-09-2012, 09:22 PM
القول في الإبانة عن فناء الزمان والليل والنهار وأن لا شيء يبقى غير الله تعالى ذكره
والدلالة على صحة ذلك قول الله تعالى ذكره كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ( 1 ) وقوله تعالى لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه ( 2 ) فإن كان كل شيء هالك غير وجهه كما جل وعز وكان الليل والنهار ظلمة أو نورا خلقهما لمصالح خلقه فلا شك أنهما فانيان هالكان كما أخبر وكما قال إذا الشمس كورت ( 3 ) يعني بذلك أنها عميت فذهب ضوءها وذلك عند قيام الساعة وهذا ما لا يحتاج إلى الإكثار فيه إذ كان مما يدين بالإقرار به جميع أهل التوحيد من أهل الإسلام وأهل التوراة والإنجيل والمجوس وإنما ينكره قوم من غير أهل التوحيد لم نقصد بهذا الكتاب قصد الإبانة عن خطأ قولهم فكل الذين ذكرنا عنهم أنهم مقرون بفناء جميع العالم حتى لا يبقى غير القديم الواحد مقرون بأن الله عز و جل محييهم بعد فنائهم وباعثهم بعد هلاكهم خلا قوم من عبدة الأوثان فإنهم يقرون بالفناء وينكرون البعث
(1/24)
________________________________________
القول في الدلالة على أن الله عز و جل القديم الأول قبل شيء وأنه هو المحدث كل شيء بقدرته تعالى ذكره
فمن الدلالة على ذلك أنه لا شيء في العالم مشاهد إلا جسم أو قائم بجسم وأنه لا جسم إلا مفترق أو مجتمع وأنه لا مفترق منه إلا وهو موهوم فيه الائتلاف إلى غيره من أشكاله ولا مجتمع منه إلا وهو موهوم فيه الافتراق وأنه متى عدم أحدهما عدم الآخر معه وأنه إذا اجتمع الجزءان منه بعد الافتراق فمعلوم أن اجتماعهما حادث فيهما بعد أن لم يكن وأن الافتراق إذا حدث فيهما بعد الاجتماع فمعلوم أن الافتراق فيهما حادث بعد أن لم يكن
وإذا كان الأمر فيما في العالم من شيء كذلك وكان حكم ما لم يشاهد وما هو من جنس ما شاهدنا في معنى جسم أو قائم بجسم وكان ما لم يخل من الحدث لا شك أنه محدث بتأليف مؤلف له إن كان مجتمعا وتفريق مفرق له إن كان مفترقا وكان معلوما بذلك أن جامع ذلك إن كان مجتمعا ومفرقه إن كان مفترقا من لا يشبهه ومن لا يجوز عليه الاجتماع والافتراق وهو الواحد القادر الجامع بين المختلفات الذي لا يشبهه شيء وهو على كل شيء قدير فبين بما وصفنا أن بارىء الأشياء ومحدثها كان قبل كل شيء وأن الليل والنهار والزمان والساعات محدثنات وأن محدثها الذي يدبرها ويصرفها قبلها إذ كان من المحال أن يكون شيء يحدث شيئا إلا ومحدثه قبله وأن في قوله تعالى ذكره أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت ( 1 ) لأبلغ الحجج وأدل الدلائل لمن فكر بعقل واعتبر بفهم على قدم بارئها وحدوث كل ما جانسها وأن لها خالقا لا يشبهها
وذلك أن كل ما ذكر ربنا تبارك وتعالى في هذه الآية من الجبال والأرض والإبل فإن ابن آدم يعالجه ويدبره بتحويل وتصريف وحفر ونحت وهدم غير ممتنع عليه شيء من ذلك ثم إن ابن آدم مع ذلك غير قادر على إيجاد تصريفه وتقليبه لم يوجده من هو مثله ولا هو أوجد نفسه وأن الذي أنشأه وأوجد عينه هو الذي لا يعجزه شيء أراده ولا يمتنع عليه إحداث شيء شاء إحداثه وهو الله الواحد القهار
فإن قال قائل فما تنكر أن تكون الأشياء التي ذكرت من فعل قديمين
قيل أنكرنا ذلك لوجودنا اتصال التدبير وتمام الخلق فقلنا لو كان المدبر اثنين لم يخلوا من اتفاق أو
(1/25)
________________________________________
اختلاف فإن كانا متفقين فمعناهما واحد وإنما جعل الواحد اثنين من قال بالإثنين وإن كانا مختلفين كان محالا وجود الخلق على التمام والتدبير على الاتصال لأن المختلفين فعل كل واحد منهما خلاف فعل صاحبه بأن أحدهما إذا أحيا أمات الآخر وإذا أوجد أحدهما أفنى الآخر فكان محالا وجود شيء من الخلق على ما وجد عليه من التمام والاتصال وفي قول الله عز و جل ذكره لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون ( 1 ) وقوله عز و جل ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون ( 2 ) أبلغ حجة وأوجز بيان وأدل دليل على بطول ما قاله المبطلون من أهل الشرك بالله وذلك أن السموات والأرض لو كان فيهما إله غير الله لم يخل أمرهما مما وصفت من اتفاق واختلاف وفي القول باتفاقهما فساد القول بالتثنية وإقرار بالتوحيد وإحالة في الكلام بأن قائله سمى الواحد اثنين وفي القول باختلافهما القول بفساد السموات والأرض كما قال ربنا جل وعز لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا لأن أحدهما كان إذا أحدث شيئا وخلقه كان من شأن الآخر إعدامه وإبطاله وذلك أن كل مختلفين فأفعالهما مختلفة كالنار التي تسخن والثلج الذي يبرد ما أسخنته النار
وأخرى أن ذلك لو كان كما قاله المشركون بالله لم يخل كل واحد من الاثني اللذين أثبتوهما قديمين من أن يكونا قويين أو عاجزين فإن كان عاجزين فالعاجز مقهو وغير كائن إلها وإن كانا قويين فإن كل واحد منهما بعجزه عن صاحبه عاجز والعاجز لا يكون إلها وإن كان كل واحد منهما قويا على صاحبه فهو بقوة صاحبه عليه عاجز تعالى ذكره عما يشرك المشركون
فتبين إذا أن القديم بارىء الأشياء وصانعها هو الواحد الذي كان قبل كل شيء وهو الكائن بعد كل شيء والأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء وأنه كان ولا وقت ولا زمان ولا ليل ولا نهار ولا ظلمة ولا نور إلا نور وجهه الكريم ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا نجوم وأن كل شيء سواه محدث مدبر مصنوع انفرد بخلق جميعه بغير شريك ولا معين ولا ظهير سبحانه من قادر قاهر
وقد حدثني علي بن سهل الرملي قال حدثنا زيد بن أبي الزرقاء عن جعفر عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال إنكم تسألون بعدي عن كل شيء حتى يقول القائل هذا الله خلق كل شيء فمن ذا خلقه
حدثني علي حدثنا زيد عن جعفر قال قال يزيد بن الأصم حدثني نجبة بن صبيغ قال كنت عند أبي هريرة فسألوه عن هذا فكبر وقال ما حدثني خليلي بشيء إلا قد رأيته أو أنا أنتظره قال جعفر فبلغني أنه قال إذا سألكم الناس عن هذا فقولوا الله خالق كل شيء والله كان قبل كل شيء والله كائن بعد كل شيء
فإذا كان معلوما أن خالق الأشياء وبارئها كان ولا شيء غيره وأنه أحدث الأشياء فدبرها وأنه قد خلق
(1/26)
________________________________________
صنوفا من خلقه قبل خلق الأزمنة والأوقات وقبل خلق الشمس والقمر اللذين يجريهما في أفلاكهما وبهما عرفت الأوقات والساعات وأرخت التأريخات وفصل بين الليل والنهار فلنقل فيم ذلك الخلق الذي خلق قبل ذلك وما كان أوله
(1/27)

بنالعياط
25-09-2012, 09:37 PM
القول في ابتداء الخلق ما كان أوله
صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بما حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال حدثني معاوية بن صالح وحدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني قال حدثنا أبي قال حدثنا الليث بن سعد عن معاوية بن صالح عن أيوب بن زياد قال حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال أخبرني أبي قال قال أبي عبادة بن الصامت يا بني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن
حدثني أحمد بن محمد بن حبيب قال حدثنا علي بن الحسن بن شقيق قال أخبرنا عبدالله بن المبارك قال اخبرنا رباح بن زيد عن عمر بن حبيب عن القاسم بن أبي بزة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إن أول شيء خلق الله القلم وأمره أن يكتب كل شيء
حدثني موسى بن سهل الرملي حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك أخبرنا رباح بن زيد عن عمر بن حبيب عن القاسم بن أبي بزة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بنحوه
حدثني محمد بن معاوية الأنماطي حدثنا عباد بن العوام حدثنا عبدالواحد بن سليم قال سمعت عطاء قال سألت الوليد بن عبادة بن الصامت كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت قال دعاني فقال أي بني اتق الله واعلم أنك لن تتقي الله ولن تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده والقدر خيره وشره إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إن أول ما خلق الله عز و جل خلق القلم فقال له اكتب قال يا رب وما أكتب قال اكتب القدر قال فجرى القلم في تلك الساعة بما كان وبما هو كائن إلى الأبد
وقد اختلف أهل السلف قبلنا في ذلك فنذكر أقوالهم ثم نتبع البيان عن ذلك إن شاء الله تعالى فقال بعضهم في ذلك بنحو الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فيه
ذكر من قال ذلك حدثني واصل بن عبد الأعلى الأسدي قال حدثنا محمد بن فضيل عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال أول ما خلق الله من شيء القلم فقال له اكتب فقال وما أكتب يا رب قال اكتب القدر قال فجرى القلم بما هو كائن من ذلك إلى قيام الساعة ثم رفع بخار الماء ففتق منه السموات
حدثنا واصل بن عبد الأعلى قال حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس نحوه
(1/28)
________________________________________
حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن سليمان عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال اول ما خلق الله من شيء القلم فجرى بما هو كائن
حدثنا تميم بن المنتصر أخبرنا إسحاق عن شريك عن الأعمش عن أبي ظبيان أو مجاهد عن ابن عباس بنحوه
حدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا ابن ثور قال حدثنا معمر حدثنا الأعمش أن ابن عباس قال إن اول شيء خلق القلم
حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن عطاء عن أبي الضحا مسلم بن صبيح عن ابن عباس قال إن أول شيء خلق ربي عز و جل القلم فقال له اكتب فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة
وقال آخرون بل أول شيء خلق الله عز و جل من خلقه النور والظلمة
ذكر من قال ذلك
حدثنا بان حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل قال قال ابن اسحاق كان أول ما خلق الله عز و جل النور والظلمة ثم ميز بينهما فجعل الظلمة ليلا أسود مظلما وجعل النور نهارا مضيئا مبصرا
قال أبو جعفر وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول ابن عباس للخبر الذي ذكرت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل أنه قال أول شيء خلق الله القلم
فإن قال لنا قائل فإنك قلت أولى القولين اللذين أحدهما أن أول شيء خلق الله من خلقه القلم والآخر أنه النور والظلمة قول من مقال إن أول شيء خلق الله من خلقه القلم فما وجه الرواية عن ابن عباس التي حدثكموها ابن بشار قال حدثنا عبدالرحمن حدثنا سفيان عن أبي هاشم عن مجاهد قال قلت لابن عباس إن ناسا يكذبون بالقدر فقال إنهم يكذبون بكتاب الله لآخذن بشعر أحدهم فلأنفضن به إن الله تعالى ذكره كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا فكان أول ما خلق الله القلم فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة وإنما يجري الناس علىأمر قد فرغ منه
وعن ابن إسحاق التي حدثكموها ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال يقول الله عز و جل وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ( 1 ) فكان كما وصف نفسه عز و جل إذ ليس إلا الماء عليه العرش وعلى العرش ذو الجلال والإكرام فكان أول ما خلق الله النور والظلمة
قيل أما قول ابن عباس إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء قبل أن يخلق شيئا فكان أول ما خلق الله القلم إن كان صحيحا عنه أنه قاله فهو خبر منه أن الله خلق القلم بعد خلقه عرشه وقد روى عن أبي هاشم هذا الخبر شعبة ولم يقل فيه ما قال سفيان من أن الله عز و جل كان على عرشه فكان أول ما خلق القلم بل روى ذلك كالذي رواه سائر من ذكرنا من الرواة عن ابن عباس أنه قال أول ما خلق الله عز و جل القلم
(1/29)
________________________________________
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن المثنى قال حدثني عبدالصمد قال حدثنا شعبة قال حدثنا أبو هاشم سمع مجاهدا قال سمعت عبدالله لا يدري ابن عمر أو ابن عباس قال إن أول ما خلق الله القلم فقال له أجر فجرى القلم بما هو كائن وإنما يعمل الناس اليوم فيما قد فرغ منه
وكذلك قول ابن إسحاق الذي ذكرناه عنه معناه أن الله خلق النور والظلمة بعد خلقه عرشه والماء الذي عليه عرشه وقول رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي رويناه عنه أولى قول في ذلك بالصواب لأنه كان أعلم قائل في ذلك قولا بحقيقته وصحته وقد روينا عنه عليه السلام أنه قال أول شيء خلقه الله عز و جل القلم من غير استثناء منه شيئا من الأشياء أنه تقدم خلق الله إياه خلق القلم بل عم بقوله صلى الله عليه و سلم إن أول شيء خلقه الله القلم كل شيء وأن القلم مخلوق قبله من غير استثنائه من ذلك عرشا ولا ماء ولا شيئا غير ذلك
فالرواية التي رويناها عن أبي ظبيان وأبي الضحا عن ابن عباس أولى بالصحة عن ابن عباس من خبر مجاهد عنه الذي رواه عنه أبو هاشم إذ كان أبو هاشم قد اختلف في رواية ذلك عنه شعبة وسفيان على ما قد ذكرت من اختلافهما فيها
وأما ابن إسحاق فإنه لم يسند قوله الذي قاله في ذلك إلى أحد وذلك من الأمور التي لا يدرك علمها إلا بخبر من الله عز و جل أو خبر من رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد ذكرت الرواية فيه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
(1/30

بنالعياط
25-09-2012, 10:13 PM
القول في الذي ثنى خلق القلم
ثم إن الله جل جلاله خلق بعد القلم وبعد أن أمره فكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة سحابا رقيقا وهو الغمام الذي ذكره جل وعز ذكره في محكم كتابه فقال هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ( 1 ) وذلك قبل ان يخلق عرشه وبذلك ورد الخبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
حدثنا ابن وكيع ومحمد بن هارون القطان قالا حدثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن حدس عن عمه أبي رزين قال قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه قال كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء
حدثني المثنى بن إبراهيم قال حدثنا الحجاج قال حدثنا حماد عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن حدس عن عمه أبي رزين العقيلي قال قلت يا رسول الله أين كان ربنا عز و جل قبل أن يخلق السموات والأرض قال في عماء فوقه هواء وتحته هواء ثم خلق علشه على ال ماء
حدثنا خلاد بن أسلم حدثنا النضر بن شميل قال حدثنا المسعودي أخبرنا جامع بن شداد عن صفوان بن محرز عن ابن حصين وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قال أتى قوم رسول الله صلى الله عليه و سلم فدخلوا عليه فجعل يبشرهم ويقولون أعطنا حتى ساء ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم خرجوا من عنده وجاء قوم آخرون فدخلوا عليه فقالوا جئنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه و سلم ونتفقه في الدين ونسأله عن بدء هذا الأمر قال فأقبلوا البشرى إذ لم يقبلها أولئك الذين خرجوا قالوا قبلنا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم كان الله لا شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر قبل كل شيء ثم خلق سبع سموات ثم أتاني آت فقال تلك ناقتك قد ذهبت فخرجت ينقطع دونها السراب ولوددت أني تركتها
حدثني أبو كريب حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن جامع بن شداد عن صفوان بن محرز عن عمران بن الحصين قال قال رسول الله ص اقبلوا البشرى يا بني تميم فقالوا قد بشرتنا فأعطنا فقال اقبلوا البشرى يا أهل اليمن فقالوا قد قبلنا فأخبرنا عن هذا الأمر كيف كان فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم كان الله عز و جل على العرش وكان قبل كل شيء وكتب في اللوح كل شيء يكون قال فأتاني آت
(1/31)
________________________________________
فقال يا عمران هذه ناقتك قد حلت عقالها فقمت فإذا السراب ينقطع بيني وبينها فلا أدري ما كان بعد ذلك
ثم اختلف في الذي خلق تعالى ذكره بعد العماء فقال بعضهم خلق بعد ذلك عرشه
ذكر من قال ذلك
حدثني محمد بن سنان حدثنا أبو سلمة قال حدثنا حيان بن عبيدالله عن الضحاك بن مزاحم قال قال ابن عباس إن الله عز و جل خلق العرش أول ما خلق فاستو ى عليه
وقال آخرون خلق الله عز و جل الماء قبل العرش ثم خلق عرشه فوضعه على الماء
ذكر من قال ذلك
حدثنا موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط بن نصر عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن عبدالله بن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قالوا إن الله عز و جل كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء
حدثني محمد بن سهل بن عسكر قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل قال سمعت وهب بن منبه يقول إن العرش كان قبل أن يخلق السموات والأرض على الماء فلما أراد أن يخلق السموات والأرض قبض من صفاة الماء قبضة ثم فتح القبضة فارتفعت دخانا ثم قضاهن سبع سموات في يومين ودحا الأرض في يومين وفرغ من الخلق اليوم السابع
وقد قيل إن الذي خلق ربنا عز و جل بعد القلم الكرسي ثم خلق بعد الكرسي العرش ثم بعد ذلك خلق الهواء والظلمات ثم خلق الماء فوضع عرشه عليه
قال أبو جعفر وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال إن الله تبارك وتعالى خلق الماء قبل العرش لصحة الخبر الذي ذكرت قبل عن أبي رزين العقيلي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال حين سئل أين كان ربنا عز و جل قبل أن يخلق خلقه قال كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء فأخبر صلى الله عليه و سلم أن الله خلق عرشه على الماء ومحال إذ كان خلقه على الماء أن يكون خلقه عليه والذي خلقه عليه غير موجود إما قبله أو معه فإذا كان ذلك كذلك فالعرش لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون خلق بعد خلق الله الماء وإما أن يكون خلق هو والماء معا فأما أن يكون خلقه قبل خلق الماء فذلك غير جائز صحته على ما روي عن أبي رزين عن النبي صلى الله عليه و سلم
وقد قيل إن الماء كان على متن الريح حين خلق عرشه عليه فإن كان ذلك كذلك فقد كان الماء والريح خلقا قبل العرش
ذكر من قال كان الماء على متن الريح
حدثني ابن وكيع قال حدثنا أبي عن سفيان عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن
(1/32)
________________________________________
جبير قال سئل ابن عباس عن قوله عز و جل وكان عرشه على الماء ( 1 ) على أي شيء كان الماء قال على متن الريح
حدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن الأعمش عن سعيد بن جبير قال سئل ابن عباس عن قوله عز و جل وكان عرشه على الماء على أي شيء كان الماء قال على متن الريح
حدثنا القاسم بن الحسن حدثنا الحسين بن داود حدثني حجاج عن ابن جريج عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله
قال والسموات والأرض وكلما فيهن من شيء يحيط بها البحار ويحيط بذلك كله الهيكل ويحيط بالهيكل فيما قيل الكرسي
ذكر من قال ذلك
حدثني محمد بن سهل بن عسكر حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبد الصمد أنه سمع وهبا يقول وذكر من عظمته فقال إن السموات والأرض والبحار لفي الهيكل وإن الهيكل لفي الكرسي وإن قدميه عز و جل لعلى الكرسي وهو يحمل الكرسي وقد عاد الكرسي كالنعل في قدميه
وسئل وهب ما الهيكل قال شيء من أطراف السموات محدق بالأرضين والبحار كأطناب الفسطاط وسئل وهب عن الأرضين كيف هي قال هي سبع أرضين ممهدة جزائر بين كل أرضين بحر والبحر محيط بذلك كله والهيكل من وراء البحر
وقد قيل إنه كان بين خلقه القلم وخلقه سائر خلقه ألف عام
ذكر من قال ذلك
حدثنا القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين بن داود قال حدثنا مبشر الحلبي عن أرطاة بن المنذر قال سمعت ضمرة يقول إن الله خلق القلم فكتب به ما هو خالق وما هو كائن من خلقه ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجده ألف عام قبل أن يخلق شيئا من الخلق فلما أراد جل جلاله خلق السموات والأرض خلق فيما ذكر أباما ستة فسمى كل يوم منهن باسم غير الذي سمى به الآخر
وقيل إن اسم أحد تلك الأيام الستة أبجد واسم الآخر منهن هوز واسم الثالث منهن حطي واسم الرابع منهن كلمن واسم الخامس منهن سعفص واسم السادس منهن قرشت
ذكر من قال ذلك
حدثني الحضرمي قال حدثنا مصرف بن عمر واليامي حدثنا حفص بن غياث عن العلاء بن المسيب عن رجل من كندة قال سمعت الضحاك بن مزاحم يقول خلق الله السموات والأرض في ستةأيام ليس منها يوم إلا له اسم أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت
(1/33)
________________________________________
وقد حدث به عن حفص غير مصرف وقال عنه عن العلاء بن المسيب قال حدثني شيخ من كندة قال لقيت الضحاك بن مزاحم فحدثني قال سمعت زيد بن أرقم قال إن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام لك يوم منها اسم أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت
وقال آخرون بل خلق الله واحدا فسمان الأحد وخلق ثانيا فسماه الأثنين وخلق ثالثا فسماه الثلاثاء ورابعا فسماه الأربعاء وخامسا فسماه الخميس
ذكر من قال ذلك
حدثنا تميم بن المنتصر قال أخبرنا إسحاق عن شريك عن غالب بن غلاب عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال إن الله خلق يوما واحدا سماه الآحد ثم خلق ثانيا فسماه الأثنين ثم خلق ثالثا فسماه الثلاثاء ثم خلق رابعا فسماه الأربعاء ثم خلق خامسا فسماه الخميس
وهذان القولان غير مختلفين إذ كان جائزا أن تكون أسماءذلك بلسان العرب على ما قاله عطاء وبلسان آخرين على ما قاله الضحاك بن مزاحم
وقد قيل إن الأيام سبعة لا ستة
ذكر من قال ذلك
حدثني محمد بن سهل بن عسكر حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم حدثني عبدالصمد بن معقل قال سمعت وهب من منبه يقول الأيام سبعة وكلا القولين اللذين روينا أحدهما عن الضحاك وعطاء من أن الله خلق الأيام الستة والآخر منهما عن وهب بن منبه من أن الأيام سبعة صحيح مؤتلف غير مختلف وذلك أن معنى قول عطاء والضحاك في ذلك كان أن الأيام التي خلق الله فيهن الخلق من حين ابتدائه في خلق السماء والأرض وما فيهن إلى أن فرغ من جميعه ستة أيام كما قال جل ثناؤه وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ( 1 ) وأن معنى قول وهب بن منبه في ذلك كان أن عدد الأيام التي هي أيام الجمعة سبعة أيام لا ستة واختلف السلف في اليوم الذي ابتدأ الله عز و جل فيه في خلق السموات والأرض قال بعضهم ابتدأ في ذلك يوم الأحد
ذكر من قال ذلك
حدثنا إسحاق بن شاهين حدثنا خالد بن عبدالله عن الشيباني عن عون بن عبدالله بن عتبة عن أخيه عبيد الله بن عبدالله بن عتبة قال قال عبدالله بن سلام إن الله تبارك وتعالى ابتدأ الخلق فخلق الأرض يوم الأحد ويوم الإثنين
حدثني المثنى بن إبراهيم حدثني عبدالله بن صالح حدثني أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد عن عبدالله بن سلام أنه قال إن الله عز و جل بدأ الخلق يوم الأحد فخلق الأرضين في الأحد والإثنين
(1/34)
________________________________________
حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن كعب قال بدأ الله خلق السموات والأرض يوم الأحد والإثنين
حدثني محمد بن أبي منصور الآملي حدثنا علي بن الهيثم عن المسيب بن شريك عن أبي روق عن الضحاك في قوله تعالى وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام قال من أيام الآخرة كل يوم مقداره ألف سنة ابتدأ الخلق يوم الأحد
حدثني المثنى حدثنا الحجاج حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن مجاهد قال بدأ الخلق يوم الأحد وقال آخرون اليوم الذي ابتدأ الله فيه في ذلك يوم السبت
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل قال حدثني محمد بن أبي إسحاق قال يقول أهل التوراة ابتدأ الله الخلق يوم الإحد وقال أهل الإنجيل ابتدأ الله الخلق يوم الإثنين ونقول نحن المسلمون فيما انتهى إلينا من رسول الله صلى الله عليه و سلم ابتدأ الله الخلق يوم السبت
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي قال كل فريق من هذين الفريقين اللذين قال أحدهما ابتدأ الله الخلق في يوم الأحد وقال الآخر منهما ابتدأ في يوم السبت وقد مضى ذكرنا الخبرين غير أنا نعيد من ذلك في هذا الموضع بعض ما فيه من الدلالة على صحة قول كل فريق منهما
فأما الخبر عنه بتحقيق ما قال القائلون كان ابتداء الخلق يوم الأحد فما حدثنا به هناد بن السري قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي سعد البقال عن عكرمة عن ابن عباس قال هناد وقرأت سائر الحديث أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه و سلم فسألته عن خلق السموات والأرض فقال خلق الله الأرض يوم الآحد والأثنين
وأما الخبر عنه بتحقيق ما قاله القائلون من أن ابتداء الخلق كان يوم السبت فما حدثني القاسم بن بشر بن معروف والحسين بن علي الصدائي قالا حدثنا حجاج قال ابن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبدالله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم تعالى عليه بيدي فقال خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال يوم الأحد
وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال اليوم الذي ابتدأ الله تعالى ذكره فيه خلق السموات والأرض يوم الأحد لإجماع السلف من أهل العلم على ذلك
فأما ما قال ابن إسحاق في ذلك فإنه إنما استدل بزعمه على أن ذلك كذلك لأن الله عز ذكره فرغ من خلق جميع خلقه يوم الجمعة وذلك اليوم السابع وفيه استوى على العرش وجعل ذلك اليوم عيدا للمسلمين ودليله على ما زعم أنه استدل به على صحة قوله فيما حكينا عنه من ذلك هو الدليل على خطئه فيه وذلك أن الله تعالى أخبر عباده في غير موضع من محكم تنزيله أنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام فقال الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش مالكم من
(1/35)
________________________________________
دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون ( 1 ) وقال تعالى ذكره قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفطا ذلك تقدير العزيز العليم ( 2 )
ولا خلاف بين جميع أهل العلم أن اليومين اللذين ذكرهما الله تبارك وتعالى في قوله فقضاهن سبع سموات في يومين داخلان في الأيام الستة اللاتي ذكرهن قبل ذلك فمعلوم إذ كان الله عز و جل إنما خلق السموات والأرضين وما فيهن في ستة أيام وكانت الأخبار مع ذلك متظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بأن آخر ما خلق الله من خلقه آدم وأن خلقه إياه كان في يوم الجمعة أن يوم الجمعة الذي فرغ فيه من خلق خلقه داخل في الأيام الستة التي أخبر الله تعالى ذكره أنه خلق خلقه فيهن لأن ذلك لو لم يكن داخلا في الأيام الستة كان إنما خلق خلقه في سبعة أيام لا في ستة وذلك خلاف ما جاء به التنزيل فتبين إذا إذ كان الأمر كالذي وصفنا في ذلك أن أول الأيام التي ابتدأ الله فيها خلق السموات والأرض وما فيهن من خلقه يوم الأحد إذ كان الآخر يوم الجمعة وذلك ستة أيام كما قال ربنا جل جلاله
فأما الأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وعن أصحابه بأن الفراغ من الخلق كان يوم الجمعة فسنذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى
(1/36)

بنالعياط
26-09-2012, 10:37 AM
القول فيما خلق الله في كل يوم من الأيام الستة التي ذكر الله في كتابه أنه خلق فيهن السموات والأرض وما بينهما
اختلف السلف من أهل العلم في ذلك
فقال بعضهم ما حدثني به المثنى بن إبراهيم قال حدثنا عبدالله بن صالح حدثني أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد عن عبدالله بن سلام أنه قال إن الله بدأ الخلق يوم الأحد فخلق الأرضين في الأحد والإثنين وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء وخلق السموات في الخميس والجمعة وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة فخلق فيها آدم على عجل فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة
حدثني موسى بن هارون حدثنا عمرو بن حماد حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قالوا جعل يعنون ربنا تبارك وتعالى سبع أرضين في يومين الأحد والإثنين وجعل فيها رواسي أن تميد بكم وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين في الثلاثاء والأربعاء ثم استوى إلى السماء وهي دخان فجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين الخميس والجمعة
حدثنا تميم بن المنتصر قال أخبرنا إسحاق عن شريك عن غالب بن غلاب عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال خلق الله الأرض في يومين الأحد والإثنين
ففي قول هؤلاء خلقت الأرض قبل السماء لأنها خلقت عندهم في الأحد والإثنين وقال آخرون خلق الله عز و جل الأرض قبل السماء بأقواتها من غير أن يدحوها ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات ثم دحا الأرض بعد ذلك
ذكر من قال ذلك
حدثني علي بن داود قال حدثنا أبو صالح قال حدثني معاوية عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله عز و جل حيث ذكر خلق الأرض قبل السماء ثم ذكر السماء قبل الأرض وذلك أن الله خلق الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات ثم دحا الأرض بعذ ذلك فذلك قوله تعالى والأرض بعد ذلك دحاها
حدثني محمد بن سعد قال حدثني أبي قال حدثني عمي قال حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها ( 1 ) يعني أنه خلق
(1/37)
________________________________________
السموات والأرض فلما فرغ من السماء قبل أن يخلق أقوات الأرض بث أقوات الأرض فيها بعد خلق السماء وأرسى الجبال يعني ذلك دحوها ولم يتكن تصلح أقوات الأرض ونباتها إلا بالليل والنهار فذلك قوله عز و جل والأرض بعد ذلك دحاها ألم تسمع أنه قال أخرج منها ماءها ومرعاها
قال أبو جعفر والصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله الذين قالوا إن الله خلق الآرض يوم الأحد وخلق السماء يوم الخميس وخلق النجوم والشمس والقمر يوم الجمعة لصحة الخبر الذي ذكرنا قبل عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بذلك وغير مستحيل ما روينا في ذلك عن ابن عباس من القول وهو أن يكون الله تعالى ذكره خلق الأرض ولم يدحها ثم خلق السموات فسواهن ثم دحا الأرض بعد ذلك فأخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها بل ذلك عندي هو الصواب من ا لقول في ذلك وذلك أن معنى الدحو غير معنى الخلق وقد قال الله عز و جل أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها سواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعذ ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها ( 1 )
فإن قال قائل فإنك قد علمت أن جماعة من أهل التأويل قد وجعت قول الله والأرض بعد ذلك دحاها إلى معنى مع ذلك دحاها فما برهانك على صحة ما قلت من أن ذلك بمعنى بعد التي هي خلاف قبل
قيل المعروف من معنى بعد في كلام العرب هو الذي قلنا من أنها بخلاف معنى قبل لا بمعنى مع وإنما توجه معاني الكلام إلى الأغلب عليه من معانيه المعروفة في أهله لا إلى غير ذلك
وقد قيل إن الله خلق البيت العتيق على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام ثم دحيت الأرض من تحته
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا يعقوب القمي عن جعفر عن عكرمة عن ابن عباس قال وضع البيت على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام ثم دحيت الأرض من تحت البيت
حدثنا ابن حميد قال حدثنا مهران عن سفيان عن الأعمش عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن عبدالله بن عمر قال خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة ومنه دحيت الأرض وإذا كان الأمر كذلك كان خلق الأرض قبل خلق السموات ودحو الأرض وهو بسطها بأقواتها ومراعيها ونباتها بعد خلق السموات كما ذكرنا عن ابن عباس
وقد حدثنا ابن حميد قال حدثني مهران عن أبي سنان عن أبي بكر قال جاء اليهود إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا يا محمد أخبرنا ما خلق الله من الخلق في هذه الأيام الستة فقال خلق الأرض يوم الأحد والإثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمرانها وخرابها يوم الأربعاء وخلق السموات والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات بقين من يوم الجمعة وخلق في أول الثلاث ساعات الآجال وفي
(1/38)
________________________________________
الثانية الآفة وفي الثالثة آدم قالوا صدقت إن أتممت فعرف النبي صلى الله عليه و سلم ما يريدون فغضب فأنزل الله تعالى وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون ( 1 )
فإن قال قائل فإن كان الأمر كما وصفت من أن الله تعالى خلق الآرض قبل السماء فما معنى قول ابن عباس الذي حدثكموه واصل بن عبد الأعلى الأسدي قال حدثنا محمد بن فضيل عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال أول ما خلق الله تعالى من شيء القلم قال له اكتب فقال وما أكتب يا رب قال اكتب القدر قال فجرى القلم بما هو كائن من ذلك إلى قيام الساعة ثم رفع بخار الماء ففتق منه السموات ثم خلق النون فدحيت الأرض على ظهره فاضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال فإنها لتفخر على الأرض
حدثني واصل قال حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس نحوه
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن سليمان عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال اول ما خلق الله تعالى القلم فجرى بما هو كائن ثم رفع بخار الماء فخلقت منه السموات ثم خلق النون فبسطت الآرض على ظهر النون فتحرك النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال فإن الجبال لتفخر على الأرض قال وقرأ ن والقلم وما يسطرون ( 2 )
حدثني تميم بن المنتصر قال أخبرنا إسحاق عن شريك عن الأعمش عن أبي ظبيان أو مجاهد عن ابن عباس بنحوه إلا أنه قال ففتقت منه ال سموات
حدثنا ابن بشار قال حدثنا يحيى قال حدثنا سفيان قال حدثني سليمان عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال اول ما خلق الله تعالى القلم فقال اكتب فقال ما أكتب قال اكتب القدر قال فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة ثم خلق النون ورفع بخار الماء ففتقت منه السماء وبسطت الأرض على ظهر النون فاضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال قال فإنها لتفخر على الأرض
حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى مسلم بن صبيح عن ابن عباس قال أول شيء خلق الله تعالى القلم قال له اكتب فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة ثم خلق النون فوق الماء ثم كبس الأرض عليه
قيل ذلك صحيح على ما روي عنه وعن غيره من معنى ذلك مشروحا مفسرا غير مخالف شيئا مما رويناه عنه في ذلك
فإن قال وما الذي روي عنه وعن غيره من شرح ذلك الدال على صحة كل ما رويت لنا في هذا المعنى عنه
قيل له حدثني موسى بن هارون الهمداني وغيره قالوا حدثنا عمرو بن حماد حدثنا أسباط بن نصر عن السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن عبدالله بن مسعود وعن
(1/39)
________________________________________
ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات ( 1 ) قال إن الله تعالى كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الأحد والإثنين فخلق الأرض على حوت والحوت هو النون الذي ذكر الله عز و جل في القرآن ن والقلم والحوت في الماء والماء على ظهر صفاة والصفاة على ظهر ملك والملك على صخرة والصخرة على الريح وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض فتحرك الحوت فاضطرب فتزلزلت الأرض فأرسى عليها الجبال فقرت فالجبال تفخر علىالأرض فذلك قوله تعالى وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ( 2 ) قال
أبو جعفر فقد أنبأ قول هؤلاء الذين ذكرت إن الله تعالى أخرج من الماء دخانا حين أراد أن يخلق السموات والأرض فسما عليه يعنون بقولهم فسما عليه علا على الماء وكل شيء كان فوق شيء عاليا عليه فهو له سماء ثم أيبس بعد ذلك الماء فجعله أرضا واحدة

بنالعياط
26-09-2012, 11:27 AM
أن الله خلق السماء غير مسواة قبل الأرض ثم خلق الأرض
وإن كان الأمر كما قال هؤلاء فغير محال أن يكون الله تعالى أثار من الماء دخانا فعلاه على الماء فكان له سماء ثم أيبس الماء فصار الدخان الذي سما عليه أرضا ولم يدحها ولم يقدر فيها أقواتها ولم يخرج منها ماءها ومرعاها حتى استوى إلى السماء التي هي الدخان الثائر من الماء العالي عليه فسواهن سبع سموات ثم دحا الأرض التي كانت ماء فيبسه ففتقه فجعلها سبع أرضين وقدر فيها أقواتها و أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها كما قال عز و جل فيكون كل الذي روي عن ابن عباس في ذلك على ما رويناه صحيحا معناه
وأما يوم الإثنين فقد ذكرنا اختلاف العلماء فيما خلق فيه وما روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل
وأما ما خلق في يوم الثلاثاء والأربعاء فقد ذكرنا أيضا بعض ما روي فيه ونذكر في هذا الموضع بعض ما لم نذكر منه قبل
فالذي صح عندنا أنه خلق فيهما ما حدثني به موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن عبدالله بن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وخلق الجبال فيها يعني في الأرض وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين في الثلاثاء والأربعاء وذلك حين يقول الله عز و جل قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ( 3 ) يقول من سأل فهكذا الأمر ثم استوى إلى
(1/40)
________________________________________
السماء وهي دخان وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس فجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين في الخميس والجمعة
حدثني المثنى قال حدثنا أبو صالح قال حدثني أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد عن عبدالله بن سلام قال إن الله تعالى خلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء
حدثني تميم بن المنتصر قال أخبرنا إسحاق عن شريك عن غالب بن غلاب عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال إن الله تعالى خلق الجبال يوم الثلاثاء فذلك قول الناس هو يوم ثقيل
قال أبو جعفر والصواب من القول في ذلك عندنا ما رويناه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال إن الله تعالى خلق يوم الثلاثاء الجبال وما فيهن من المنافع وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب
حدثنا بذلك هناد قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي سعد البقال عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم
وقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أن الله خلق الجبال يوم الأحد والشجر يوم الإثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء والنور يوم الأربعاء حدثني به القاسم بن بشر بن معروف والحسين بن علي الصدائي قالا حدثنا حجاج قال ابن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبدالله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم
والخبر الأول أصح مخرجا وأولى بالحق لأنه قول أكثر السلف
وأما يوم الخميس فإنه خلق فيه السموات ففتقت بعد أن كانت رتقا كما حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن عبدالله بن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم ثم استوى إلى السماء وهي دخان ( 1 ) وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس وجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين في الخميس والجمعة وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض وأوحى في كل سماء أمرها ( 1 ) قال خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد وما لم يعلم ثم زين السماء الدنيا بالكواكب فجعلها زينة وحفظا تحفظ من الشياطين فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش فذلك حين يقول خلق السموات والأرض في ستة أيام ( 2 ) ويقول كانتا رتقا ففتقناهما ( 3 )
حدثني المثنى حدثنا أبو صالح قال حدثني أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد عن عبدالله بن سلام قال إن الله تعالى خلق السموات في الخميس والجمعة وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة فخلق فيها آدم على عجل فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة
(1/41)
________________________________________
حدثني تميم بن المنتصر قال أخبرنا إسحاق عن شريك عن غالب بن غلاب عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال إن الله تعالى خلق مواضع الأنهار والشجر يوم الأربعاء وخلق الطير والوحوش والهوام والسباع يوم الخميس وخلق الإنسان يوم الجمعة ففرع من خلق كل شيء يوم الجمعة
وهذا الذي قاله من ذكرنا قوله من أن الله عز و جل خلق السموات والملائكة وآدم في يوم الخميس والجمعة هو الصحيح عندنا للخبر الذي حدثنا به هناد بن السري قال حدثنا أبو بكر بن عباش عن أبي سعد البقال عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال هناد وقرأت سائر الحديث قال وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه فخلق في أول ساعة من هذه الثلاث ساعات الآجال من يحيا ومن يموت وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس وفي الثالثة آدم وأسكنة الجنة وأمر إبليس بالسجود وأخرجه منها في آخر ساعة
حدثني القاسم بن بشر بن معروف والحسين بن علي الصدائي قالا حدثنا حجاج قال ابن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبدالله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم بيدي فقال وبث فيها يعني في الأرض الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة آخر خلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل
فإذا كان الله تعالى ذكره خلق الخلق من لدن ابتداء خلق السموات والأرض إلى حين فراغه من خلق جميعهم في ستةأيام وكان كل يوم من الأيام الستة التي خلقهم فيها مقداره ألف سنة من أيام الدنيا وكان بين ابتدائه في خلق ذلك وخلق القلم الذي أمره بكتابة كل ما هو كائن إلى قيام الساعة ألف عام وذلك يوم من أيام الآخرة التي قدر اليوم الواحد منها ألف عام من أيام الدنيا كان معلوما أن قدر مدة ما بين أول ابتداء ربنا عز و جل في خلق ما خلق من خلقه إلى الفراغ من آخرهم سبعة آلاف عام يزيد إن شاء الله شيئا أو ينقص شيئا على ما قد روينا من الآثار والأخبار التي ذكرناها وتركنا ذكر كثير منها كراهة إطالة الكتاب بذكرها
وإذا كان ذلك كذلك وكان صحيحا أن مدة ما بين فراغ ربنا تعالى ذكره من خلق جميع خلقه إلى وقت فناء جميعهم بما قد دللنا قبل واستشهدنا من الشواهد وبما سنشرح فيما بعد سبعة آلاف سنة تزيد قليلا أو تنقص قليلا كان معلوما بذلك أن مدة ما بين أول خلق خلقه الله تعالى إلى قيام الساعة وفناء جميع العالم أربعة عشر ألف عام من أعوام الدنيا وذلك أربعة عشر يوما من أيام الآخرة سبعة أيام من ذلك وهي سبعة آلاف عام من أعوام الدنيا مدة ما بين أول ابتداء الله جل وتقدس في خلق أول خلقه إلى فراغه من خلق آخرهم وهو آدم أبو البشر صلوات الله عليه وسبعة أيام أخر وهي سبعة آلاف عام من أعوام الدنيا من ذلك مدة ما بين فراغه جل تناؤه من خلق آخر خلقه وهو آدم إلى فناء آخرهم وقيام الساعة وعود الأمر إلى ما كان عليه قبل أن يكون شيء غير القديم البارىء الذي له الخلق والأمر الذي كان قبل كل شيء فلا شيء كان قبله والكائن بعد كل شيء فلا شيء يبقى غير وجهه الكريم
فإن قال قائل وما دليلك على أن الأيام الستة التي خلق الله فيهن خلقه كان قدر كل يوم منهن قدر ألف عام من أعوام الدنيا دون أن يكون ذلك كأيام أهل الدنيا التي يتعارفونها بينيهم وإنما قال الله عز و جل في كتابه
(1/42)
________________________________________
الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ( 1 ) فلم يعلمنا أن ذلك كما ذكرت بل أخبرنا أنه خلق ذلك في ستة أيام والأيام المعروفة عند المخاطبين بهذه المخاطبة هي أيامهم التي أول اليوم منها طلوع الفجر إلى غروب الشمس ومن قولك إن خطاب الله عباده بما خاطبهم به في تنزيله إنما هو موجه إلى الأشهر والأغلب عليه من معانيه وقد وجهت خبر الله في كتابه عن خلقه السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام إلى غير المعروف من معاني الأيام وأمر الله عز و جل إذا أراد شيئا أن يكونه أنفذ وأمضى من أن يوصف بأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام مقدارهن ستآلاف عام من أعوام الدنيا وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وذلك كما قال ربنا تبارك وتعالى وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ( 2 )
قيل له قد قلنا فيما تقدم من كتابنا هذا إنا إنما نعتمد في معظم ما نرسمه في كتابنا هذا على الآثار والأخبار عن نبينا صلى الله عليه و سلم وعن السلف الصالحين قبلنا دون الاستخراج بالعقول والفكر إذ أكثره خبر عما مضى من الأمور وعما هو كائن من الأحداث وذلك غير مدرك علمه بالاستنباط الاستخراج بالعقول
فإن قال فهل من حجة على صحة ذلك من جهة الخبر
قيل ذلك ما لا نعلم قائلا من أئمة الدين قال خلافه
فإن قال فهل من رواية عن أحد منهم بذلك
قيل علم ذلك عند أهل العلم من السلف كان أشهر من أن يحتاج فيه إلى رواية منسوبة إلى شخص منهم بعينه وقد روي ذلك عن جماعة منهم مسمين بأعيانهم
فإن قال فاذكرهم لنا
قيل حدثنا ابن حميد قال حدثنا حكام عن عنبسة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال خلق الله السموات والأرض في ست أيام فكل يوم من هذه الآيام كألف سنة مما تعدون أنتم
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي عن إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ( 3 ) قال الستة الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض
حدثنا عبدة حدثني الحسين بن الفرج قال سمعت أبا معاذ يقول أخبرنا عبيد قال سمعت الضحاك يقول في قوله في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون يعني هذا اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيهن السموات والأرض وما بينهما
حدثني المثنى حدثنا علي عن المسيب بن شريك عن أبي روق عن الضحاك وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ( 4 ) قال من أيام الآخرة كل يوم كان مقداره ألف سنة ابتدأ في الخلق يوم الأحد واجتمع الخلق يوم الجمعة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن كعب قال بدأ الله خلق
(1/43)
________________________________________
السموات والأرض يوم الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وفرغ منها يوم الجمعة قال فجعل مكان كل يوم ألف سنة
حدثني المثنى قال حدثنا الحجاج حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن مجاهد قال يوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدون
فهذا هذا وبعد فلا وجه لقول قائل وكيف يوصف الله تعالى ذكره بأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام قدر مدتها من أيام الدنيا ستة ألاف سنة وإمنا أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون لأنه لا شيء يتوهمه متوهم في قول قائل ذلك إلا وهو موجود في قول قائل خلق ذلك كله في ستة أيام مدتها ستة أيام من أيام الدنيا لأن أمره جل جلاله إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون
(1/44)

بنالعياط
26-09-2012, 12:36 PM
القول في الليل والنهار أيهما خلق قبل صاحبه
وفي بدء خلق الشمس والقمر وصفتهما إذ كانت الأزمنة بهما تعرف
قد قلنا في خلق الله عز ذكره ما خلق من الأشياء قبل خلقه الأوقات والأزمنة وبينا أن الأوقات والأزمنة إنما هي ساعات الليل والنهار وأن ذلك إنما هو قطع الشمس والقمر درجات الفلك فلنقل الآن بأي ذلك كان الابتداء بالليل أم بالنهار إذ كان الاختلاف في ذلك موجودا بين ذوي النظر فيه بأن بعضهم يقول فيه خلق الله الليل قبل النهار ويستشهد على حقيقة قوله ذلك بأن الشمس إذا غابت وذهب ضوءها الذي هو نهار هجم الليل بظلامه فكان معلوما بذلك أن الضياء هو المتورد على الليل وأن الليل إن لم يبطله النهار المتمورد عليه هو الثابت فكان بذلك من أمرهما دلالة علىأن الليل هو الأول خلقا وأن الشمس هو الآخر منهما خلقا وهذا قول يروى عن ابن عباس
حدثنا ابن بشار حدثنا عبدالرحمن عن سفيان عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس قال سئل هل الليل كان قبل النهار قال أرأيتم حين كانت السموات والأرض رتقا هل كان بينهما إلا ظلمة ذلك لتعلموا أن الليل كان قبل النهار
حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبدالرزاق أخبرنا الثوري عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس قال إن الليل قبل النهار ثم قال كانتا رتقا ففتقناهما
حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبدالله اليزني قال لم يكن عقبة بن عامر إذا رأى الهلال هلال رمضان يقوم تلك الليلة حتى يصوم يومها ثم يقوم بعد ذلك فذكرت ذلك لابن حجيرة فقال الليل قبل النهار أم النهار قبل الليل
وقال آخرون كان النهار قبل الليل واستشهدوا لصحة قولهم هذا بأن الله عز ذكره كان ولا ليل ولا نهار ولا شيء غيره وأن نوره كان يضيء به كل شيء خلقه بعد ما خلقه حتى خلق الليل
ذكر من قال ذلك
حدثني علي بن سهل حدثنا الحسن بن بلال قال حدثنا حماد بن سلمة عن الزبير أبي عبدالسلام عن أيوب بن عبدالله الفهري إن ابن مسعود قال إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور السموات من نور
(1/45)
________________________________________
وجهه وإن مقدار كل يوم من أيامكم هذه عند اثنتا عشرة ساعة
قال أبو جعفر وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال كان الليل قبل النهار لأن النهار هو ما ذكرت من ضوء الشمس وإنما خلق الله الشمس وأجراها في الفلك بعد ما دحا الأرض فبسطها كما قال عز و جل أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها ( 1 ) فإذا كانت الشمس خلقت بعد ما سمكت السماء وأغطش ليلها فمعلوم أنها كانت قبل أن تخلق الشمس وقبل أن يخرج الله من السماء ضحاها مظلمة لا مضيئة وبعد فإن في مشاهدتنا من أمر الليل والنهار ما نشاهده دليلا بينا على أن النهار هو الهاجم عل الليل لأن الشمس متى غابت فذهب ضوءها ليلا أو نهارا أظلم الجو فكان معلوما بذلك أن النهار هو الهاجم على الليل بضوئه ونوره والله أعلم
فأما القول في بدء خلقهما فإن الخبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بوقت خلق الله الشمس والقمر مختلف
فأما ابن عباس فروي عنه أنه قال خلق الله يوم الجمعة الشمس والقمر والنجوم والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه حدثنا بذلك هناد بن السري قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي سعد البقال عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم
وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال خلق الله النور يوم الأربعاء حدثني بذلك القاسم بن بشر والحسين بن علي قالا حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج عن إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم
وأي ذلك كان فقد خلق الله قبل خلقه إياهما خلقا كثيرا غيرهما ثم خلقهما عز و جل لما هو أعلم به من مصلحة خلقه فجعلهما دائبي الجري ثم فصل بينهما فجعل إحداهما آية الليل والأخرى أية النهار فمحا آية الليل وجعل آية النهار مبصرة وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في سبب اختلا حالتي آية الليل وآية النهار أخبار أنا ذاكر منها بعض ما حضرني ذكره وعن جماعة من السلف أيضا نحو ذلك
فمما روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك ما حدثني محمد بن أبي منصور الآملي حدثنا خلف بن واصل قال حدثنا عمر بن صبح أبو نعيم البلخي عن مقاتل بن حيان عن عبدالرحمن بن أبزى عن أبي ذر الغفاري قال كنت آخذ بيد رسول الله صلى الله عليه و سلم ونحن نتماشى جميعا نحو المغرب وقد طفلت الشمس فما زلنا ننظر إليها حتى غابت قال قلت يا رسول الله اين تغرب قال تغرب في السماء ثم ترفع من سماء إلى سماء حتى ترفع إلى السماء السابعة العليا حتى تكون تحت العرش فتخر ساجدة فتسجد معها الملائكة الموكلون بها ثم تقول يا رب من أين تأمرني أن أطلع أمن مغربي أم من مطلعي قال فذلك قوله عز و جل والشمس تجري لمستقر لها حيث تحبس تحت العرش ذلك تقدير العزيز العليم ( 2 ) قال يعني ب ذلك صنع الرب العزيز في ملكه العليم بخلقه قال فيأتيها جبرئيل بحلة ضوء من نور العرش على
(1/46)
________________________________________
مقادير ساعات النهار في طوله في الصيف أو قصره في الشتاء أو ما بين ذلك في الخريف والربيع قال فتلبس تلك الحلة كما يلبس أحدكم ثيابه ثم تنطلق بها في جو السماء حتى تطلع من مطلعها قال النبي صلى الله عليه و سلم فكأنها قد حبست مقدار ثلاث ليال ثم لا تكسى ضوءا وتؤمر أن تطلع من مغربها فذلك قوله عز و جل إذا الشمس كورت ( 1 ) قال والقمر كذلك في مطلعه ومجراه في أفق السماء ومغربه وارتفاعه إلى السماء السابعة العليا ومحبسه تحت العرش وسجوده واستئذانه ولكن جبرائيل عليه السلام يأتيه بالحلة من نور الكرسي قال فذلك قوله عز و جل جعل الشمس ضياء والقمر نورا ( 2 ) قال أبو ذر ثم عدلت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فصلينا المغرب فهذا الخبر عن رسول الله ينبىء أن سبب اختلاف حالة الشمس والقمر إنما هو أن ضوء الشمس من كسوة كسيتها من ضوء العرش وأن نور القمر من كسوة كسيها من نور الكرسي فأما الخبر الآخر الذي يدل على غير هذا المعنى فما حدثني محمد بن أبي منصور قال حدثنا خلف بن واصل قال حدثنا أبو نعيم عن مقاتل بن حيان عن عكرمة قال بينا ابن عباس ذا ت يوم جالس إذ جاءه رجل فقال يابن عباس سمعت العجب من كعب الحبر يذكر في الشمس والقمر قال وكان متكئا فاحتفز ثم قال وما ذاك قال زعم أنه يجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم قال عكرمة فطارت من ابن عباس شقة ووقعت أخرى غضبا ثم قال كذب كعب كذب كعب كذب كعب ثلاث مرات بل هذه يهودية يريد إدخالها في الإسلام الله أجل وأكرم من أن يعذب على طاعته ألم تسمع لقول الله تبارك وتعالى وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ( 3 ) إنما يعني دؤوبهما في الطاعة فكيف يعذب عبدين يثنى عليهما أنهما دائبان في طاعته قاتل الله هذا الخبر وقبح حبريته ما أجرأه على الله وأعظم ريته على هذين العبدين المطيعين لله قال ثم استرجع مرارا وأخذ عويدا من الأرض فجعل ينكته في الأرض فظل كذلك ما شاء الله ثم إنه رفع رأسه ورمى بالعويد قال ألا أحدثكم بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول في الشمس والقمر وبدء خلقهما ومصير أمرهما فقلنا بلى رحمك الله فقال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم سئل عن ذلك فقال إن الله تبارك وتعالى لم أبرم خلقه إحكاما فلم يبق من خلقه غير آدم خلق شمسين من نور عرشه فأما ما كان في سابق علمه أنه يدعها شمسا فإنه خلقها مثل الدنيا ما بين مشارقها ومغاربها وأما ما كان في سابق علمه أنه يطمسها ويحولها قمرا فإنه دون الشمس في العظم ولكن إنما يرى صغرهما من شدة ارتفاع السماء وبعدها من الأرض
قال فلو ترك الله الشمسين كما كان خلقهما في بدء الأمر لم يكن يعرف الليل من النهار ولا النهار من الليل وكان لا يدري الأجير إلى متى يعمل ومتى يأخذ أجره ولا يدري الصائم إلى متى يصوم ولا تدري المرأة كيف تعتد ولا يدري المسلمون متى وقت الحج ولا يدري الديان متى تحل ديونهم ولا يدري الناس متى ينصرفون لمعايشهم ومتى يسكنون لراحة أجسادهم وكان الرب عز و جل أنظر لعباده وأرحم بهم فأرسل جبرئيل عليه السلام فأمر جناحه على وجه القمر وهو يومئذ شمس ثلاث مرات فطمس عنه ا لضوء وبقي
(1/47)
________________________________________
فيه النور فذلك قوله عز و جل وجعلنا الليل والنهارآيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ( 1 ) قال فالسواد الذي ترونه في القمر شبه الخطوط فيه فهو أثر المحو ثم خلق الله للشمس عجلة من ضوء نورالعرش لها ثلاثمائة وستون عروة ووكل بالشمس وعجلتها ثلاثمائة وستين ملكا من الملائكة من أهل السماء الدنيا قد تعلق كل ملك منهم بعروة من تلك العرا ووكل بالقمر وعجلته ثلاثمائة وستين ملكا من الملائكة من أهل السماء قد تعلق بكل عروة من تلك العرا ملك منهم
ثم قال وخلق الله لهما مشارق ومغارب في قطري الأرض وكنفي السماء ثمانين ومائة عين في المغرب طينة سوداء فذلك قوله عز و جل وجدها تغرب في عين حمئة ( 2 ) إنما يعني حمأة سوداء من طين وثمانين ومائة عين في المشرق مثل ذلك طينة سوداء تفور غليا كغلي القدر إذا ما اشتد غليها قال فكل يوم وكل ليلة لها مطلع جديد ومغرب جديد ما بين أولها مطلعا وآخرها مغربا أطول ما يكون النهار في الصيف إلى آخرهان مطلعا وأولها مغربا أقصر ما يكون النهار في الشتاء فذلك قوله تعالى رب المشرقين ورب المغربين ( 3 ) يعني آخرها ها هنا وآخرها ثم وترك ما بين ذلك من المشارق والمغارب ثم جمعهما فقال برب المشارق والمغارب ( 4 ) فذكر عدة تلك العيون كلها
قال وخلق الله بحرا فجرى دون السماء مقدار ثلاث فراسخ وهو موج مكفوف قائم في الهواء بأمر الله عز و جل لا يقطر منه قطرة والبحار كلها ساكنة وذلك البحر جار في سرعة السهم ثم انطلاقه في الهواء مستويا كأنه حبل ممدود ما بين المشرق والمغرب فتجري ال الشمس والقمر والخنس في لجة غمر ذلم البحر فذلك قوله تعالى كل في فلك يسبحون ( 5 ) والفلك دوران العجلة في لجة غمر ذلك البحر والذي نفس محمد بيده لو بدت الشمس من ذلك البحر لأحرقت كل شيء في الأرض حتى الصخور والحجارة ولو بدا القمر من ذلك لافتتن أهل الأرض حتى يعبدوه من دون الله إلا من شاء الله أن يعصم من أوليائه
قال ابن عباس فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأبي أنت وأمي يا رسول الله ذكرت مجرى الخنس مع الشمس والقمر وقد أقسم الله بالخنس في القرآن إلى ما كان من ذكرك فما الخنس قال يا علي هن خمسة كواكب البرجيس وزحل وعطارد وبهرام والزهرة فهذه الكواكب الخمسة الطالعات الجاريات مثل الشمس والقمر العاديات معهما فأما سائر الكواكب فمعلقات من السماء كتعليق القناديل من المساجد وهي تحوم مع السماء دورانا بالتسبيح والتقديس والصلاة لله قال النبي صلى الله عليه و سلم فإن أحببتم أن تستبينوا ذلك فانظروا إلى دوران الفلك مرة ها هنا ومرة ها هنا فذلك دوران السماء ودوران الكواكب معها كلها سوى هذه الخمسة ودورانها اليوم كما ترون وتلك صلاتها ودورانها إلى يوم القيامة في سرعة دوران الرحا من أهوال يوم القيامة وزلازلة فذلك قوله عز و جل يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا فويل يومئذ للمكذبين ( 6 )
قال فإذا طلعت الشمس فإنها تطلع من بعض العيون على عجلتها ومعها ثلاثمائة وستون ملكا
(1/48)
________________________________________
ناشري أجنحتهم يجرونها في الفلك بالتسبيح والتقديس والصلاة لله على قدر ساعات الليل وساعات النهار ليلا كان أو نهارا فإذا أحب الله أن يبتلي الشمس والقمر فيري العباد آية من الآيات فيستعتبهم رجوعا عن معصيته وإقبالا على طاعته خرت الشمس من العجلة فتقع في غمر ذلك البحر وهو الفلك فإذا أحب الله أن يعظم الآية ويشدد تخويف العباد وقعت الشمس كلها فلا يبقى منها على العجلة شيء فذلك حين يظلم النهار وتبدو النجوم وهو المنتهى من كسوفها فإذا أراد أن يجعل آية دون آية وقع منها النصف أو الثلث أو الثلثان في الماء ويبقى سائر ذلك على العجلة فهو كسوف دون كسوف وبلاء للشمس أو للقمر وتخويف للعباد واستعتاب من الرب عز و جل فأي ذلك كان صارت الملائكة الموكلون بعجلتها فرقتين فرقة منها يقبلون على الشمس فيجرونها نحو العجلة والفرقة الأخرى يقبلون على العجلة فيجونها نحو الشمس وهم في ذلك يقرونها في الفلك بالتسبيح والتقديس والصلاة لله على قدر ساعات النهار أوساعات الليل ليلا كان أو نهارا في الصيف كان ذلك أو في الشتاء او ما بين ذلك في الخريف والربيع لكيلا يزيد في طولهما شيء ولكن قد ألهمهم الله علم ذلك وجعل لهم تلك القوة والذي ترون من خروج الشمس أو القمر بعد الكسوف قليلا قليلا من غمر ذلك البحر الذي يعلوهما فإذا أخرجوها كلها اجتمعت الملائكة كلهم فاحتملوها حتى يضعوها على العجلة يحمدون الله على ما قواهم لذلك ويتعلقون بعرا العجلة ويجرونها في الفلك بالتسببيح والتقديس والصلاة لله حتى يبلغوا بها المغرب فإذا بلغوا بها المغرب أدخلوها تلك العين فتسقط من أفق السماء في العين
ثم قال النبي صلى الله عليه و سلم وعجب من خلق الله وللعجب من القدرة فيما لم نر أعجب من ذلك وذلك قول جبرئيل عليه السلام لسارة أتعجبين من أمر الله ( 1 ) وذلك أن الله عز و جل خلق مدينتين أحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب أهل المدينة التي بالمشرق من بقايا عاد من نسل مؤمنيهم وأهل التي بالمغرب من بقايا ثمود من نسل الذين آمنوا بصالح اسم التي بالمشرق بالسريانية مرقيسيا وبالعربية جابلق واسم التي بالمغرب السريانية برجيسيا وبالعربية جابرس ولكل مدينة منهما عشرة آلاف باب ما بين كل بابين فرسخ ينوب كل يوم على كل باب من أبواب هاتين المدينتين عشرة آلاف رجل من الحراسة عليهم السلاح لا تنوبهم الحراسة بعد ذلك إلى يوم ينفخ في الصور فوالذي نفس محمد بيده لولا كثرة هؤلاء القوم وضجيج أصواتهم لسمع الناس من جميع أهل الدنيا هدة وقعة الشمس حين تطلع وحين تغرب ومن ورائهم ثلاث أمم منسك وتافيل وتاريس ومن دونهم يأجوج ومأجوج وإن جبرئيل عليه السلام انطلق بي إليهم ليلة أسري بي في المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فدعوت يأجوج ومأجوج إلى عبادة الله عز و جل فأبوا أن يجيبوني ثم انطلق بي إلى أهل المدينتين فدعوتهم إلى دين الله عز و جل وإلى عبادته فأجابوا وأنا بوا فهم في الدين إخواننا من أحسن منهم فهو مع محسنكم ومن أساء منهم فأولئك مع المسيئين منكم ثم انطلق بي إلى الأمم الثلاث فدعوتهم إلى دين الله وإلى عبادته فأنكروا ما دعوتهم إليه فكفروا بالله عز و جل وكذبوا رسله فهم مع يأجوج ومأجوج وسائر من عصى الله في النار فإذا ما غربت الشمس رفع بها من سماء إلى سماء في سرعة طيران الملائكة
(1/49)
________________________________________
حتى يبلغ بها إلى السماء السابعة العليا حتى تكون تحت العرش فتخر ساجدة وتسجد معها الملائكة الموكلون بها فيحدر بها من سماء إلى سماء فإذا وصلت إلى هذه السماء فذلك حين ينفجر الفجر فإذا انحدرت من بعض تلك العيون فذاك حين يضيء الصبح فإذا وصلت إلى هذا الوجه من السماء فذاك حين يضيء النهار
قال وجعل الله عند المشرق حجابا من الظلمة على البحر السابع مقدار عدة الليالي منذ يوم خلق الله الدنيا إلى يوم تصرم فإذا كان عند الغروب أقبل ملك قد وكل بالليل فيقبض قبضة من ظلمة ذلك الحجاب ثم يستقبل المغرب فلا يزال يرسل من الظلمة من خلل أصابته قليلا قليلا وهو يراعي الشفق فإذا غاب الشفق أرسل الظلمة كلها ثم ينشر جناحيه فيبلغان قطري الأرض وكنفي السماء ويجاوزان ما شاء الله عز و جل خارجا في الهواء فيسوق ظلمة الليل بجناحيه بالتسبيخ والتقديس والصلاة لله حتى يبلغ المغرب فإذا بلغ المغرب انفجر الصبح من المشرق فضم جناحيه ثم يضم الظلمة بعضها إلى بعض بكفيه ثم يقبض عليها بكف واحدة نحو قبضته إذا تناولها من الحجاب بالمشرق فيضعها عند المغرب على البحر السابع من هناك ظلمة الليل فإذا ما نقل ذلك الحجاب من المشرق إلى المغرب نفخ في الصور وانقضت الدنيا فضوء النهار من قبل المشرق وظلمة الليل من قبل ذلك الحجاب فلا تزال الشمس والقمر كذلك من مطالعهما إلى مغاربهما إلى ارتفاعهما إلى السماء السابعة العليا إلى محبسهما تحت العرش حتى يأتي الوقت الذي ضرب الله لتوبة العباد فتكثر المعاصي في الأرض ويذهب المعروف فلا يأمر به أحد ويفشو المنكر فلا ينهى عنه أحد
فإذا كان ذلك حبست الشمس مقدار ليلة تحت العرش فكلما سجدت واستأذنت من أين تطلع لم يحر إليها جواب حتى يوافيها القمر ويسجد معها ويستأذن من أين يطلع فلا يحار إليه جواب حتى يحبسهما مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر فلا يعرف طول تلك الليلة إلا المتهجدون في الأرض وهم حينئذ عصابة قليلة في كل بلدة من بلاد المسلمين في هوان من الناس وذلة من أنفسهم فينام أحدهم تلك الليلة قدر ما كان ينام قبلها من الليالي ثم يقوم فيتوضأ ويدخل مصلاة فيصلي ورده كما كان يصلي قبل ذلك ثم يخرج فلا يرى الصبح فينكر ذلك ويظن فيه الظنون من الشر ثم يقول فلعلي خففت قراءتي أوقصرت صلاتي أو قمت قبل حيني
قال ثم يعود أيضا فيصلي ورده كمثل ورده الليلة الثانية ثم يخرج فلا يرى الصبح فيزيده ذلك إنكارا ويخالطه الخوف ويظن في ذلك الظنون من الشر ثم يقول فلعلي خففت قراءتي أو قصرت صلاتي أو قمت من أول الليل ثم يعود أيضا الثالثة وهو وجل مشفق لما يتوقع من هول تلك الليلة فيصلي أيضا مثل ورده الليلة الثالثة ثم يخرج فإذا هو بالليل مكانه والنجوم قد استدارت وصارت إلى مكانها من أول الليل فيشفق عند ذلك شفقة الخائف العارف بما كان يتوقع من هول تلك الليلة فيستلحمه الخوف ويستخفه البكاء ثم ينادي بعضهم بعضا وقبل ذلك كانوا يتعارفون ويتواصلون فيجتمع المتهجدون من أهل كل بلدة إلى مسجد من مساحدها ويجأرون إلى الله عز و جل بالبكاء والصراخ بقية تلك الليلة والغافلون في غفلتهم حتى إذا ما تم لهما مقدار ثلاث ليال للشمس وللقمر ليلتين أتاهما جبرئيل فيقول
(1/50)
________________________________________
إن الرب عز و جل يأمركما أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعا منها وأنه لا ضوء لكما عندنا ولا نور قال فيبكيان عند ذلك بكاء يسمعه أهل سبع سموات من دونهما وأهل سرادقات العرش وحملة العرش من فوقهما فيبكون لبكائهما مع ما يخالطهم من خوف الموت وخوف يوم القيامة
قال فبينا الناس ينتظرون طلوعهما من المشرق إذا هما قد طلعا خلف أقفيتهم من المغرب أسودين مكورين كالغرارتين ولا ضوء للشمس ولا نور للقمر مثلهما في كسوفهما قبل ذلك فيتصايح أهل الدنيا وتذهل الأمهات عن أولادها والأحبة عن ثمرة قلوبها فتشتغل كل نفس بما أتاها قال فأما الصالحون والأبرار فإنه ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب ذلك لهم عبادة وأما الفاسقون والفجار فإنه لا ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب ذلك عليهم خسارة قال فيرتفعان مثل البعيرين القرينين ينازع كل واحد منهما صاحبه استباقا حتى إذا بلغا سرة السماء وهو منصفها أتاهما جبرئيل فأخذ بقرونهما ثم ردهما إلى المغرب فلا يغربهما في مغاربهما من تلك العيون ولكن يغربهما في باب التوبة
فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنا وأهلي فداؤك يا رسول الله فما باب التوبة قال يا عمر خلق الله عز و جل بابا للتوبة خلف المغرب مصراعين من ذهب مكللا بالدر والجوهر ما بين المصراع إلى المصراع الآخر مسيرة أربعين عاما للراكب المسرع فذلك الباب مفتوح منذ خلق الله خلقه إلى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس والقمر من مغاربهما ولم يتب عبد من عباد الله توبة نصوحا من لدن آدم إلى صبيحة تلك الليلة إلا ولجت تلك التوبة في ذلك الباب ثم ترفع إلى الله عز و جل
قال معاذ بن جبل بأبي أنت وأمي يا رسول الله وما التوبة النصوح قال أن يندم المذنب على الذنب الذي أصابه فيعتذر إلى الله ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع قال فيرد جبرئيل بالمصراعين فيلأم بينهما ويصيرهما كأنه لم يكن فيما بينهما صدع قط فإذا أغلق باب التوبة لم يقبل بعد ذلك توبة ولم ينفع بعد ذلك حسنة يعملها في الإسلام إلا من كان قبل ذلك محسنا فإنه يجري لهم وعليهم بعد ذلك ما كان يجري قبل ذلك قال فذلك قوله عز و جل يوم يأتي بعض أيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ( 1 )
فقال أبي بن كعب بأبي أنت وأمي يا رسول الله فكيف بالشمس والقمر بعد ذلك وكيف بالناس والدنيا فقال يا أبي إن الشمس والقمر بعد ذلك يكسيان النور والضوء ويطلعان على الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك وأما الناس فإنهم نظروا إلى ما نظروا إليه من فظاعة الآية فيلحون على الدنيا حتى يجروا فيها الأنهار ويغرسوا فيها الشجر ويبنوا فيها البنيان وأما الدنيا فإنه لو أنتج رجل مهرا لم يركبه من لدن طلوع الشمس من مغربها إلى يوم ينفخ في الصور
فقال حذيفة بن اليمان أنا واهلي فداؤك يا رسول الله فكيف هم عند النفخ في الصور فقال يا حذيفة والذي نفس محمد بيده لتقومن الساعة ولينفخن في الصور والرجل قد لط حوضه فلا يسقى منه ولتقومن الساعة والثوب بين الرجلين فلا يطويانه ولا يتبايعانه ولتقومن الساعة والرجل قد رفع لقمته إلى فيه
(1/51)
________________________________________
فلا يطعمها ولتقومن الساعة والرجل قد انصرف بلبن لقحته من تحتها فلا يشربه ثم تلا رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه الآية وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون ( 1 )
فإذا نفخ في الصور وقامت الساعة وميز الله بين أهل الجنة وأهل النار ولما يدخلوهما بعد إذ يدعو الله عز و جل بالشمس والقمر فيجاء بهما أسودين مكورين قد وقعا في زلزال وبلبال ترعد فرائصهما من هول ذلك اليوم ومخافة الرحمن حتى إذا كانا حيال العرش خرا لله ساجدين فيقولان إلهنا قد علمت طاعتنا ودؤوبنا في عبادتك وسرعتنا للمضي في أمرك أيام الدنيا فلا تعذبنا بعبادة المشركين إيانا فإنا لم ندع إلى عبادتنا ولم نذهل عن عبادتك قال فيقول الرب تبارك وتعالى صدقتما وإني قضيت على نفسي أن أبدىء وأعيد وإني معيدكما فيما بدأتكما منه فارجعا إلى ما خلقتما منه قالا إلهنا ومم خلقتنا قال خلقتكما من نور عرشي فارجعا إليه قال فيلتمع من كل واحدة منهما برقة تكاد تخطف الأبصار نورا فتختلط بنور العرش فذلك قوله عز و جل يبدىء ويعيد ( 2 )
قال عكرمة فقمت مع النفر الذين حدثوا به حتى أتينا كعبا فأخبرناه بما كان من وجد ابن عباس من حديثه وبما حدث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فقام كعب معنا حتى أتينا ابن عباس فقال قد بلغني ما كان من وجدك من حديثي وأستغفر الله وأتوب إليه وإني إنما حدثت عن كتاب دارس قد تداولته الأيدي ولا أدري ما كان فيه من تبديل اليهود وإنك حدثت عن كتاب جديد حديث العهد بالرحمن عز و جل وعن سيد الأنبياء وخير النبيين فأنا أحب أن تحدثني الحديث فأحفظه عنك فإذا حدثت به كان مكان حديثي الأول
قال عكرمة فأعاد عليه ابن عباس الحديث وأنا أستقريه في قلبي بابا بابا فما زاد شيئا ولا نقص ولا قدم شيئا ولا أخر فزادني ذلك في ابن عباس رغبة وللحديث حفظا
ومما روي عن ا لسلف في ذلك ما حدثناه ابن حميد قال حدثنا جرير عن عبدالعزيز بن رفيع عن أبي الطفيل قال قال ابن الكواء لعلي عليه السلام يا أمير المؤمنين ما هذه اللطخة التي في القمر فقال ويحيك أما تقرأ القرآن فمحونا آية الليل ( 3 ) فهذه محوه
حدثنا أبو كريب قال حدثنا طلق عن زائدة عن عاصم عن علي بن ربيعة قال سأل ابن الكواء عليا عليه السلام فقال ما هذا السواد في القمر فقال علي فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ( 4 ) هو المحو
حدثنا ابن بشار قال حدثنا عبدالرحمن قال حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبيد بن عمير قال كنت عند علي عليه السلام فسأله ابن الكواء عن السواد الذي في القمر فقال ذاك آية الليل محيت
حدثنا ابن أبي الشوارب قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا عمران بن حدير عن رفيع أبي كثيرة قال قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه سلوا عما شئتم فقام ابن الكواء فقال ما السواد الذي
(1/52)
________________________________________
في القمر فقال قاتلك الله هلا سألت عن أمر دينك وآخرتك ثم قال ذاك محو الليل
حدثنا زكرياء بن يحيى بن أبان المصري قال حدثنا ابن عفير قال حدثنا ابن لهيعة عن حيي بن عبدالله عن أبي عبدالرحمن عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رجلا قال لعلي رضي الله عنه ما السواد الذي في القمر قال إن الله يقول وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ( 1 )
حدثني محمد بن سعد قال حدثني أبي قال حدثني عمي قال حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل قال هو السواد بالليل
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا حجاج عن ابن جريج قال قال ابن عباس كان القمر يضيء كما تضيء الشمس والقمر آية الليل والشمس آية النهار فمحونا آية الليل السواد الذي في القمر
حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن أبي زائدة قال ذكر ابن جريج عن مجاهد في قوله تعالى وجعلنا الليل والنهار آيتين قال الشمس آية النهار والقمر آية الليل فمحونا آية الليل قال السواد الذي في القمر كذلك خلقه الله
حدثنا القاسم قال حدثني الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد وجعلنا الليل والنهار آيتين قال ليلا ونهارا كذلك خلقهما الله عز و جل
قال ابن جريج وأخبرنا عبدالله بن كثير قال فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة قال ظلمة الليل وسدف النهار
حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة وقوله عز و جل وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل كنا نحدث أن محو آية الليل سواد القمر الذي فيه وجعلنا آية النهار مبصرة منيرة وخلق الشمس أنور من القمر وأعظم
حدثنا محمد بن عمر قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى وحدثني الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وجعلنا الليل والنهار آيتين قال ليلا ونهارا كذلك جعلهما الله عز و جل
قال أبو جعفر والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال إن الله تعالى ذكره خلق شمس النهار وقمر الليل آيتين فجعل آية النهار التي هي الشمس مبصرة يبصر بها ومحا آية الليل التي هي القمر بالسواد الذي فيه
وجائز أن يكون الله تعالى ذكره خلقهما شمسين من نور عرشه ثم محا نور القمر بالليل على نحو ما قاله من ذكرنا قوله فكان ذلك سبب اختلاف حالتيهما
(1/53)
________________________________________
وجائز أن يكون إضاءة الشمس للكسوة التي تكساها من ضوء العرش ونور القمر من الكسوة التي يكساها من نور الكرسي
ولو صح سند أحد الخبرين اللذين ذكرتهما لقلنا به ولكن في أسانيدهما نظرا فلم نستجز قطع القول بتصحيح ما فيهما من الخبر عن سبب اختلاف حال الشمس والقمر غير أنا بيقين نعلم أن الله عز و جل خالف بين صفتيهما في الإضاءة لما كان أعلم به من صلاح خلقه باختلاف أمريهما فخالف بينهما فجعل أحدهما مضيئا مبصرا به والآخر ممحو الضوء
وإنما ذكرنا قدر ما ذكرنا من أمر الشمس والقمر في كتابنا هذا وإن كنا قد أعرضنا عن ذكر كثير من أمرهما وأخبارهما مع إعراضنا عن ذكر بدء خلق الله السموات والأرض وصفة ذلك وسائر ما تركنا ذكره من جميع خلق الله في هذا الكتاب لأن قصدنا في كتابنا هذا ذكر ما قدمنا الخبر عنه أنا ذاكروه فيه من ذكر الأزمنة وتأريخ الملوك والأنبياء والرسل على ما قد شرطنا في أول هذا الكتاب وكانت التأريخات والأزمنة إنما توقت بالليالي والأيام التي إنما هي مقادير ساعات جري الشمس والقمر في افلاكهما على ما قد ذكرنا في الأخبار التي رويناها عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان ما كان قبل خلق الله عز ذكره إياهما من خلقه في غير أوقات ولا ساعات ولا ليل ولا نهار
وإذ كنا قد بينا مقدار مدة ما بين أول ابتداء الله عز و جل في إنشاء ما أراد إنشاءه من خلقه إلى حين فراغه من إنشاء جميعهم من سني الدنيا ومدة أزمانها بالشواهد التي استشهدنا بها من الآثار والأخبار وأتينا على القول في مدة ما بعد أن فرغ من خلق جميعه إلى فناء الجميع بالأدلة التي دللنا بها على صحة ذلك من الأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وعن الصحابة وغيرهم من علماء الأمة وكان الغرض في كتابنا هذا ذكر ما قد بينا أنا ذاكروه من تأريخ الملوك الجبابرة العاصية ربها عز و جل والمطيعة ربها منهم وأزمان الرسل والأنبياء وكنا قد أتينا على ذكر ما به تصح التأريخات وتعرف به الأوقات والساعات وذلك الشمس والقمر اللذان بأحدهما تدرك معرفة ساعات الليل وأوقاته وبالآخر تدلاك علم ساعات النهار وأوقاته فلنقل الآن في أول من أعطاه الله ملكا وأنعم عليه فكفر نعمته وجحد ربوبيته وعتا على ربه واستكبر فسلبه الله نعمته وأخزاه وأذله ثم نتبعه ذكر من استن في ذلك سنته واقتفى فيه أثره فأحل الله به نقمته وجعله من شيعته وألحقه به في الخزي والذل ونذكر من كان بإزائه أو بعده من الملوك المطيعة ربها المحمودة آثارها أو من الرسل والأنبياء إن شاء الله عز و جل
فأولهم وإمامهم في ذلك ورئيسهم وقائدهم فيه إبليس لعنه الله
وكان الله عز و جل قد أحسن خلقه وشرفه وكرمه وملكه على سماء الدنيا والأرض فيما ذكر وجعله مع ذلك من خزان الجنة فاستكبر على ربه وادعى الربوبية ودعا من كان تحت يده فيما ذكر إلى عبادته فمسخه الله تعالى شيطانا رجيما وشوه خلقه وسلبه ما كان حوله ولعنه وطرده عن سمواته في العاجل ثم جعل مسكنه ومسكن أتباعه وشيعته في الآخرة نار جهنم نعوذ بالله من غضبه ومن عمل يقرب من غضبه ومن الحور بعد الكور
ونبدأ بذكر جمل من الأخبار الواردة عن السلف بما كان الله عز و جل أعطاه من الكرامة قبل استكباره
(1/54)
________________________________________
عليه وادعائه ما لم يكن له ادعاؤه ثم نتبع ذلك ما كان من الأحداث في أيام سلطانه وملكه إلى حين زوال ذلك عنه والسبب الذي به زال عنه ما كان فيه من نعمة الله عليه وجميل آلائه وغير ذلك من أموره إن شاء الله مختصرا
(1/55)

amine2009
26-09-2012, 12:38 PM
الله يبارك

مكتبة شاملة و فيها كتب عديدة

ان شاء الله ندير مكتبة مثلك

بنالعياط
26-09-2012, 12:45 PM
ذكر الأخبار الواردة بأن إبليس كان له ملك السماء الدنيا والأرض وما بين ذلك
حدثنا القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين بن داود قال حدثني حجاج عن ابن جريج قال قال ابن عباس كان إبليس من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة وكان خازنا على الجنان وكان له سلطان الدنيا وكان له سلطان الأرض
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج عن صالح مولى التوءمة وشريك بن أبي نمر أحدهما أو كلاهما عن ابن عباس قال إن من الملائكة قبيلة من الجن وكان إبليس منها وكان يسوس ما بين السماء والأرض
حدثنا موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم جعل إبليس على سماء الدنيا وكان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجن وإنما سموا الجن لأنهم خران الجنة وكان إبليس مع ملكه خازنا
حدثني عبدان المروزي حدثني الحسين بن الفرج قال سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال أخبرنا عبيدالله بن سليمان قال سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله عز و جل فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ( 1 ) قال كان ابن عباس يقول إن إبليس كان من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة وكان خازنا على الجنان وكان له سلطان سماء الدنيا وكان له سلطان الأرض
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا المبارك بن مجاهد أبو الأزهر عن شريك بن عبدالله بن أبي نمر عن صالح مولى التوءمة عن ابن عباس قال إن من الملائكة قبيلا يقال لهم الجن فكان إبليس منهم وكان يسوس ما بين السماء والأرض فعصى فمسخه الله شيطانا رجيما
(1/56)

بنالعياط
26-09-2012, 12:48 PM
الله يبارك

مكتبة شاملة و فيها كتب عديدة

ان شاء الله ندير مكتبة مثلك

اللهم تقبل دعوة كل مؤمن يارب
شكرا ..جزاك الله مثلها

بنالعياط
26-09-2012, 12:59 PM
ذكر الأخبار الواردة بأن إبليس كان له ملك السماء الدنيا والأرض وما بين ذلك
حدثنا القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين بن داود قال حدثني حجاج عن ابن جريج قال قال ابن عباس كان إبليس من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة وكان خازنا على الجنان وكان له سلطان الدنيا وكان له سلطان الأرض
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج عن صالح مولى التوءمة وشريك بن أبي نمر أحدهما أو كلاهما عن ابن عباس قال إن من الملائكة قبيلة من الجن وكان إبليس منها وكان يسوس ما بين السماء والأرض
حدثنا موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم جعل إبليس على سماء الدنيا وكان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجن وإنما سموا الجن لأنهم خران الجنة وكان إبليس مع ملكه خازنا
حدثني عبدان المروزي حدثني الحسين بن الفرج قال سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال أخبرنا عبيدالله بن سليمان قال سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله عز و جل فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ( 1 ) قال كان ابن عباس يقول إن إبليس كان من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة وكان خازنا على الجنان وكان له سلطان سماء الدنيا وكان له سلطان الأرض
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا المبارك بن مجاهد أبو الأزهر عن شريك بن عبدالله بن أبي نمر عن صالح مولى التوءمة عن ابن عباس قال إن من الملائكة قبيلا يقال لهم الجن فكان إبليس منهم وكان يسوس ما بين السماء والأرض فعصى فمسخه الله شيطانا رجيما
(1/56)
________________________________________
ذكر الخبر عن غمط عدو الله نعمة ربه واستكباره عليه وادعائه الربوبية
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج ومن يقل منهم إني إله من دونه ( 1 ) قال قال ابن جريج من يقل من الملائكة إني إله من دونه فلم يقله إلا إبليس دعا إلى عباده نفسه فنزلت هذه الآية في إبليس
حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين وإنما كانت هذه الآية خاصة لعدو الله إبليس لما قال ما قال لعنه الله وجعله رجيما فقال فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين ( 1 )
حدثنا محمد بن عبدالأعلى قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ( 1 ) قال هي خاصة لإبليس
(1/57)

بنالعياط
26-09-2012, 01:03 PM
القول في الأحداث التي كانت في أيام ملك إبليس وسلطانه والسبب الذي به هلك وادعى الربوبية
فمن الأحداث التي كانت في ملك عدو الله إذا كان لله مطيعا ما ذكر لنا عن ابن عباس في الخبر الذي حدثناه أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس قال كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة قال وكان اسمه الحارث قال وكان خازنا من خزان الجنة قال وخلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحي قال وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا ألهبت قال وخلق الإنسان من طين فأول من سكن الأرض الجن فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضا قال فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة وهم هذا الحي الذين يقال لهم الجن فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال فلما فعل إبليس ذلك اغتر في نفسه وقال قد صنعت شيئا لم يصنعه أحد قال فاطلع الله على ذلك من قلبه ولم تطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه
حدثني المثنى قال حدثنا إسحاق بن الحجاج قال حدثنا عبدالله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع بن أنس قال إن الله خلق الملائكة يوم الأربعاء وخلق الجن يوم الخميس وخلق آدم يوم الجمعة قال فكفر قوم من الجن فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقتلهم فكانت الدماء وكان الفساد في الأرض
(1/58)

بنالعياط
26-09-2012, 01:16 PM
ذكر السبب الذي به هلك عدو الله
وسولت له نفسه من أجله الاستكبار على ربه عز و جل
اختلف السلف من الصحابة والتابعين في ذلك وقد ذكرنا أحد الأقوال التي رويت في ذلك عن ابن عباس وذلك ما ذكر الضحاك عنه أنه لما قتل الجن الذين عصوا الله وأفسدوا في الأرض وشردهم أعجبته نفسه ورأى في نفسه أن له بذلك من الفضيلة ما ليس لغيره والقول الثاني من الأقوال المروية في ذلك عن ابن عباس أنه كان ملك سماء الدنيا وسائسها وسائس ما بينها وبين الأرض وخازن الجنة مع اجتهاده في العبادة فأعجب بنفسه ورأى أن له بذلك الفضل فاستكبر على ربه عز و جل
ذكر الرواية عنه بذلك
حدثنا موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قال لما فرغ الله عز و جل من خلق ما أحب استوى على العرش فجعل إبليس على ملك سماء الدنيا وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن وإنما سموا الجن لأنهم خزان الجنة وكان إبليس مع ملكه خازنا فوقع في صدره كبر وقال ما أعطاني الله هذا إلا لمزية هكذا حدثني موسى بن هارون
وحدثني به أحمد بن أبي خيثمة عن عمرو بن حماد قال لمزية لي على الملائكة فلما وقع ذلك الكبر في نفسه اطلع الله عز و جل على ذلك منه فقال الله للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ( 1 )
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق عن خلاد بن عطاء عن طاوس عن ابن عباس قال كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل وكان من سكان الأرض وكان من أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما فذلك الذي دعاه إلى الكبر وكان من حي يسمون جنا
وحدثنا به ابن حميد مرة أخرى قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن خلاد بن عطاء عن طاوس أو مجاهد أبي الحجاج عن ابن عباس وغيره بنحوه إلا أنه قال كان ملكا من الملائكة اسمه عزازيل وكان من سكان الأرض وعمارها وكان سكان الأرض فيهم يسمون الجن من بين الملائكة
(1/59)
________________________________________
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا شيبان قال حدثنا سلام بن مسكين عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا
والقول الثالث من الأقوال المروية عنه أنه كان يقول السبب في ذلك أنه كان من بقايا خلق خلقهم الله عز و جل فأمرهم بأمر فأبوا طاعته
ذكر الرواية عنه بذلك
حدثني محمد بن سنان القزاز قال حدثنا أبو عاصم عن شبيب عن عكرمة عن ابن عباس قال إن الله خلق خلقا فقال اسجدوا لآدم فقالوا لا نفعل قال فبعث الله عليهم نارا تحرقهم ثم خلق خلقا آخر فقال إني خالق بشرا من طين فاسجدوا لآدم فأبوا فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم قال ثم خلق هؤلاء فقال ألا تسجدوا لآدم قالوا نعم قال وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم
وقال آخرون بل السبب في ذلك أنه كان من بقايا الجن الذين كانوا في الأرض فسفكوا فيها الدماء وأفسدوا فيها وعصوا ربهم فقاتلتهم الملائكة
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا أبو سعيد اليحمدي إسماعيل بن إبراهيم قال حدثني سوار بن الجعد اليحمدي عن شهر بن حوشب قوله كان من الجن ( 1 ) قال كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء
حدثني علي بن الحسن قال حدثني أبو نصر أحمد بن محمد الخلال قال حدثني سنيد بن داود قال حدثنا هشيم قال أخبرنا عبدالرحمن بن يحيى عن موسى بن نمير وعثمان بن سعيد بن كامل عن سعد بن مسعود قال كانت الملائكة تقاتل الجن فسبي إبليس وكان صغيرا وكان مع الملائكة يتعبد معهم فلما أمروا أن يسجدوا لآدم سجدوا وأبى إبليس فلذلك قال الله عزوجل إلا إبليس كان من الجن ( 1 )
قال أبو جعفر وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال كما قال الله عز و جل وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ( 2 ) وجائز أن يكون فسوقه عن أمر ربه كان من أجل أنه كان من الجن وجائز أن يكون من أجل إعجابه بنفسه لشدة اجتهاده كان في عبادة ربه وكثرة علمه وما كان أوتي من ملك السماء الدنيا والأرض وخزن الجنان وجائز أن يكون كان لغير ذلك من الأمور ولا يدرك علم ذلك إلا بخبر تقوم به الحجة ولا خبر في ذلك عندنا كذلك والاختلاف في أمره على ما حكينا ورويناه
وقد قيل إن سبب هلاكه كان من أجل أن الأرض كان فيها قبل آدم الجن فبعث الله إبليس قاضيا يقضي بينهم فلم يزل يقضي بينهم بالحق ألف سنة حتى سمي حكما وسماه الله به وأوحى إليه اسمه فعند
(1/60)
________________________________________
ذلك دخله الكبر فتعظم وتكبر وألقى بين الذين كان الله بعثه إليهم حكما البأس والعداوة والبغضاء فاقتتلوا عند ذلك في الأرض ألفي سنة فيما زعموا حتى إن خيولهم تخوض في دمائهم قالوا وذلك قول الله تبارك وتعالى أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد ( 1 ) وقول الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ( 2 ) فبعث الله تعالى عند ذلك نارا فأحرقهم قالوا فلما رأى إبليس ما نزل بقومه من العذاب عرج إلى السماء فأقام عند الملائكة يعبد الله في السماء مجتهدا لم يعبده بشيء من خلقه مثل عبادته فلم يزل مجتهدا في العبادة حتى خلق الله آدم فكان من أمره ومعصيته ربه ما كان
(1/61)

بنالعياط
26-09-2012, 02:11 PM
القول في خلق آدم عليه السلام
وكان مما حدث في أيام سلطانه وملكه خلق الله تعالى ذكره أبانا آدم أبا البشر وذلك لما أراد جل جلاله أن يطلع ملائكته على ما قد علم من انطواء إبليس على الكبر ولم يعلمه الملائكة وأراد إظهار أمره لهم حين دنا أمره للبوار وملكه وسلطانه للزوال فقال عز ذكره لما أراد ذلك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة فأجابوه بأن قالوا له أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ( 1 ) فروي عن ابن عباس أن الملائكة قالت ذلك كذلك للذين قد كانوا عهدوا من أمر الجن الذين كانوا سكان الأرض قبل ذلك فقالوا لربهم جل ثناؤه لما قال لهم إني جاعل في الأرض خليفة ( 1 ) أتجعل فيها من يكون فيها مثل الجن الذين كانوا فيها فكانوا يسفكون فيها الدماء ويفسدون فيها ويعصونك ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك فقال الرب تعالى ذكره لهم إني أعلم مالا تعلمون ( 1 ) يقول أعلم مالا تعلمون من انطواء إبليس على التكبر وعزمه على خلافه أمري وتسويل نفسه له الباطل واغتراره وأنا مبد ذلك لكم منه لتروا ذلك منه عيانا
وقيل أقوال كثيرة في ذلك قد حكينا منها جملا في كتابنا المسمى جامع البيان عن تأويل آي القرآن فكرهنا إطالة الكتاب بذكر ذلك في هذا الموضع
فلما أراد الله عز و جل أن يخلق آدم عليه السلام أمر بتربته أن تؤخذ من الأرض كما حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس قال ثم أمر يعني الرب تبارك وتعالى بترجة آدم فرفعت فخلق الله آدم من طين لازب واللازب اللزج الطيب من حمإ مسنون منتن قال وإنما كان حمأ مسنونا بعد التراب قال فخلق منه آدم بيده
حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن ابي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قال قالت الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون يعني من شأن إبليس فبعث الله جبرئيل عليه السلام إلى الأرض ليأتيه بطين منها فقالت الأرض إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني شيئا وتشينني فرجع ولم يأخذ وقال يا رب إنها عاذت بك فأعذتها فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها فرجع فقال كما قال جبرئيل فبعث ملك الموت
(1/62)
________________________________________
فعاذت منه فقال وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره فأخذه من وجه الأرض وخلط فلم يأخذ من مكان واحد وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء فلذلك خرج بنو آدم مختلفين فصعد به فبل التراب حتى عاد طينا لازبا واللازب هو الذي يلتزق بعضه ببعض ثم ترك حتى تغير وأنتن وذلك حين يقول من حمإ مسنون ( 1 ) قال منتن
حدثنا ابن حميد قال حدثنا يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال بعث رب العزة وجل إبليس فأخذ من أديم الأرض ومن عذبها وملحها فخلق منه آدم ومن ثم سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض ومن ثم قال إبليس أأسجد لمن خلقت طينا ( 2 ) أي هذه الطينة أنا جئت بها
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا أبو داود قال حدثنا شعبة عن أبي حصين عن سعيد بن جبير قال إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض
حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي قال حدثنا أبو أحمد قال حدثنا مسعر عن أبي حصين عن سعيد بن جبير قال خلق آدم من أديم الأرض فسمي آدم
حدثني أحمد بن إسحاق قال حدثنا أبو أحمد قال حدثنا عمرو بن ثابت عن أبيه عن جده عن علي رضي الله عنه قال إن آدم خلق من أديم الأرض فيه الطيب والصالح والرديء فكل ذلك أنت راء في ولده الصالح والرديء
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية عن عوف وحدثنا محمد بن بشار وعمر بن شبة قالا حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا عوف وحدثنا ابن بشار قال حدثنا ابن أبي عدي ومحمد بن جعفر وعبدالوهاب الثقفي قالوا حدثنا عوف وحدثني محمد بن عمارة الأسدي قال حدثنا إسماعيل بن أبان قال حدثنا عنبسة عن عوف الأعرابي عن قسامة بن زهير عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض جاء منهم الأحمر والأسود والأبيض وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب ثم بلت طينته حتى صارت طينا لازبا ثم تركت حتى صارت حمأ مسنونا ثم تركت حتى صارت صلصالا كما قال الله تعالى ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون ( 3 )
وحدثنا ابن بشار قال حدثنا يحيى بن سعيد وعبدالرحمن بن مهدي قالا حدثنا سفيان عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال خلق آدم من ثلاثة من صلصال ومن حمإ ومن طين لازب فأما اللازب فالجيد وأما الحمأ فالحمئة وأما الصلصال فالتراب المدقق ويعني تعالى ذكره بقوله من صلصال من طين يابس له صلصلة والصلصلة الصوت
(1/63)
________________________________________
وذكر أن الله تعالى ذكره لما خمر طينة آدم تركها أربعين ليلة وقيل أربعين عاما جسدا ملقى
ذكر من قال ذلك
حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس قال أمر الله تبارك وتعالى بتربة آدم فرفعت فخلق آدم من طين لازب من حمإ مسنون قال وإنما كان حمأ مسنونا بعد التراب قال فخلق منه آدم بيده قال فمكث أربعين ليلة جسدا ملقى فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيصلصل فيصوت قال فهو قول الله تبارك وتعالى من صلصال كالفخار ( 2 ) يقول كالشيء المنفرج الذي ليس بمصمت قال ثم يدخل في فيه ويخرج من دبره ويدخل في دبره ويخرج من فيه ثم يقول لست شيئا للصلصلة ولشيء ما خلقت ولئن سلطت عليك لأهلكنك ولئن سلطت علي لأعصينك
حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قال الله للملائكة إني خالق بشر من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ( 2 ) فخلقه الله عز و جل بيديه لكيلا يتكبر إبليس عنه ليقول حين يتكبر تتكبر عما عملت بيدي ولم أتكبر أنا عنه فخلقه بشرا فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه وكان أشدهم فزعا إبليس فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار تكون له صلصلة فذلك حين يقول من صلصال كالفخار ويقول لأمر ما خلقت ودخل من فيه وخرج من دبره فقال للملائكة لا ترهبوا من هذا فإن ربكم صمد وهذا أجوف لئن سلطت عليه لأهلكنه
وحدثنا عن الحسن بن بلال قال حدثنا حماد بن سلمة عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال خمر الله تعالى طينة آدم عليه السلام أربعين يوما ثم جمعه بيديه فخرج طيبه بيمينه وخبيثه بشماله ثم مسح يديه إحداهما على الأخرى فخلط بعضه ببعض فمن ثم يخرج الطيب من الخبيث والخبيث من الطيب
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال يقال والله أعلم خلق الله آدم ثم وضعه ينظر إليه أربعين يوما قبل أن ينفخ فيه الروح حتى عاد صلصالا كالفخار ولم تمسه نار قال فلما مضى له من المدة ما مضى وهو طين صلصال كالفخار وأراد عز و جل أن ينفخ فيه الروح تقدم إلى الملائكة فقال لهم إذا نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
فلما نفخ فيه الروح أتته الروح من قبل رأسه فيما ذكر عن السلف قبلنا أنهم قالوه
ذكر من قال ذلك
حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب
(1/64)
________________________________________
النبي صلى الله عليه و سلم فلما بلغ الحين الذي أراد الله عز و جل أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس فقالت الملائكة قل الحمد لله فقال الحمد لله فقال الله عز و جل له رحمك ربك فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فذلك حين يقول خلق الإنسان من عجل ( 1 ) فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين ( 2 ) أبى واستكبر وكان من الكافرين ( 3 ) فقال الله له ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ( 4 ) لما خلقت بيدي قال أنا خير منه لم أكن لأسجد لبشر خلقته من طين قال الله له فاهبط منها فما يكون لك يعني ما ينبغي لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين ( 5 ) والصغار الذل
حدثنا ابو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس قال فلما نفخ الله عز و جل فيه يعني ابن آدم من روحه أتت النفخة من قبل رأسه فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحما ودما فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من حسنه فذهب لينهض فلم يقدر فهو قول الله عز و جل خلق الإنسان من عجل ( 6 ) قال ضجرا لا صبر له على سراء ولا ضراء قال فلما تمت النفخة في جسده عطس فقال الحمد لله رب العالمين بإلهام الله فقال يرحمك الله يا آدم ثم قال للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات اسجدوا لآدم فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر لما كان حدث به نفسه من كبره واغتراره فقال لا أسجد وأنا خير منه وأكبر سنا وأقوى خلقا خلقتني من نار وخلقته من طين ( 7 ) يقول إن النار أقوى من الطين قال فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله تعالى أيئسه من الخير كله وجعله شيطانا رجيما عقوبة لمعصيته
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال فيقال والله أعلم إنه لما انتهى الروح إلى رأسه عطس الحمد لله قال فقال له ربه يرحمك ربك ووقعت الملائكة حين استوى سجودا له حفظا لعهد الله الذي عهد إليهم وطاعة لأمره الذي أمرهم به وقام عدو الله إبليس من بينهم فلما يسجد متكبرا متعظما بغيا وحسدا فقال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي إلى قوله لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ( 8 ) قال فلما فرغ الله تعالى من إبليس ومعاتبته وأبى إلا المعصية أوقع الله تعالى عليه اللعنة وأخرجه من الجنة
حدثني محمد بن خلف قال حدثنا آدم بن أبي إياس قال حدثنا أبو خالد سليمان بن حيان قال حدثني محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام قال أبو خالد وحدثني الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ابو خالد وحدثني داود بن أبي هند
(1/65)
________________________________________
عن الشعبي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال أبو خالد وحدثني ابن أبي ذباب الدوسي قال حدثني سعيد المقبري ويزيد بن هرمز عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال خلق الله عز و جل آدم بيده ونفخ فيه من روحه وأمر الملأ من الملائكة فسجدوا له فجلس فعطس فقال الحمد لله فقال له ربه يرحمك ربك إيت أولئك الملأ من الملائكة فقل لهم السلام عليكم فأتاهم فقال السلام عليكم فقالوا له وعليك السلام ورحمة الله ثم رجع إلى ربه عز و جل فقال له هذه تحيتك وتحية ذريتك بينهم فلما أظهر إبليس من نفسه ما كان له مخفيا فيها من الكبر والمعصية لربه وكانت الملائكة قد قالت لربها عز و جل حين قال لهم إني جاعل في الأرض خليفة أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك فقال لهم ربهم إني أعلم مالا تعلمون تبين لهم ما كان عنهم مستترا وعلموا أن فيهم من منه المعصية لله عز وحل والخلاف لأمره ثم علم الله عز و جل آدم الأسماء كلها واختلف السلف من أهل العلم قبلنا في الأسماء التي علمها آدم أخاصا من الأسماء علم أم عاما فقال بعضهم علم اسم كل شيء
ذكر من قال ذلك
حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس قال علم الله تعالى آدم الأسماء كلها وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وحمار وأشباه ذلك من الأمم وغيرها
حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي قال حدثنا أبو أحمد حدثنا شريك عن عاصم بن كليب عن الحسن بن سعد عن ابن عباس في قوله وعلم آدم الأسماء كلها ( 1 ) قال علمه اسم كل شيء حتى الفسوة والفسية
حدثني علي بن الحسن حدثنا مسلم الجرمي قال حدثنا محمد بن مصعب عن قيس بن الربيع عن عاصم بن كليب عن سعيد بن معبد عن ابن عباس في قول الله عز و جل وعلم آدم الأسماء كلها قال علمه اسم كل شيء حتى الهنة والهنية والفسوة والضرطة
حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى بن ميمون عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله عز و جل وعلم آدم الأسماء كلها قال ما خلق الله تعالى كله
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي عن سفيان عن خصيف عن مجاهد وعلم آدم الأسماء كلها قال علمه اسم كل شيء
حدثنا سفيان قال حدثنا أبي عن شريك عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال علمه اسم كل شيء حتى البعير والبقرة والشاة
حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله عز و جل وعلم آدم الأسماء كلها قال علمه اسم كل شيء هذا جبل وهذا بحر وهذا كذا وهذا كذا
(1/66)
________________________________________
لكل شيء ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ( 1 )
حدثنا بشر بن معاذ حدثنا يزي بن زريع عن سعيد عن قتادة قوله عز و جل وعلم آدم الأسماء كلها حتى بلغ إنك أنت العليم الحكيم ( 2 ) قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فأنبأ كل صنف من الخق باسمه وألجأه إلى جنسه
حدثنا القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين بن داود قال حدثنا حجاج عن جرير بن حازم ومبارك عن الحسن وأبي بكر عن الحسن وقتادة قالا علمه اسم كل شيء هذه الخيل وهذه البغال والإبل الجن والوحش وجعل يسمي كل شيء برسمه
وقال آخرون بل إنما علم اسما خاصا من الأسماء قالوا والذي علمه أسماء الملائكة
ذكر من قال ذلك
حدثني عبدة المروزي قال حدثنا عمار بن الحسن قال حدثنا عبدالله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع قوله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها قال أسماء الملائكة وقال آخرون مثل قول هؤلاء في أن الذي علم آدم من الأسماء اسما خاصا من الأشياء غير أنهم قالوا الذي علم من ذلك أسماء ذريته
ذكر من قال ذلك
حدثني يونس قال حدثنا ابن وهب قال ابن زيد في قوله عز و جل وعلم آدم الأسماء كلها قال أسماء ذريته فلما علم الله آدم الأسماء كلها عرض الله عز و جل أهل الأسماء على الملائكة فقال لهم أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ( 3 ) وإنما قال ذلك عز و جل للملائكة فيما ذكر لقولهم إذ قال لهم إني جاعل في الأرض خليفة أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ( 4 ) فعرض بعد أن خلق آدم عليه السلام ونفخ فيه الروح وعلمه أسماء كل شيء مما خلق من الخلق عليهم فقال لهم أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أني إن جعلت منكم خليفتي في الأرض أطعتموني وسبحتموني وقدستموني ولم تعصوني وإن جعلته من غيركم أفسد فيها وسفك فإنكم إن لم تعلموا ما أسماؤهم وأنتم مشاهدوهم ومعاينوهم فأنتم بألا تعلموا ما يكون من أمركم إن جعلت خليفتي في الأرض منكم أو من غيركم إن جعلته من غيركم فهم عن أبصاركم غيب لا ترونهم ولا تعاينونهم ولم تخبروا بما هو كائن منكم ومنهم أحرى
وهذا قول روي عن جماعة من السلف
ذكر بعض من روي ذلك عنه
حدثني موسى بن هارون قال حدثني عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر
(1/67)
________________________________________
ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن عبدالله بن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء
حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس إن كنتم صادقين إن كنتم تعلمون لم أجعل في الأرض خليفة
وقد قيل إن الله جل جلاله قال ذلك للملائكة لأنه جل جلاله لما ابتدأ في خلق آدم قالوا فيما بينهم ليخلق ربنا ما شاء أن يخلق فلن يخلق خلقا غلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه فلما خلق آدم عليه السلام وعلمه أسماء كل شيء عرض الأشياء التي علم آدم أسماءها عليهم فقال لهم أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين في قيلكم إن الله لم يخلق خلقا إلا كنتم أعلم منه وأكرم عليه منه
ذكر من قال ذلك
حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة فأستشار الملائكة في خلق آدم عليه السلام فقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء وقد علمت الملائكة من علم الله أنه لا شيء أكره إلى الله عز و جل من سفك الدماء والفساد في الأرض ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون فكان في علم الله عز و جل أنه سيكون من تلك الخليفة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة
قال وذكر لنا أن ابن عباس كان يقول إن الله تعالى لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة ما الله تعالى بخالق خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم منا فابتلوا بخلق آدم عليه السلام وكل خلق مبتلى كما ابتليت السموات والأرض بالطاعة فقال الله تعالى ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ( 1 )
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين بن داود قال حدثني حجاج عن جرير بن حازم ومبارك عن الحسن وأبي بكر عن الحسن وقتادة قالا قال الله عز و جل للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قال لهم إني فاعل فعرضوا برأيهم فعلمهم علما وطوى منهم علما علمه لا يعلمونه فقالوا بالعلم الذي علمهم أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء وقد كانت الملائكة علمت من علم الله تعالى أنه لا ذنب عند الله تعالى أعظم من سفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون فلما أخذ تعالى في خلق آدم عليه السلام همست الملائكة فيما بينهم فقالوا ليخلق ربنا عز و جل ما شاء أن يخلق فلن يخلق خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه فلما خلقه ونفخ فيه من روحه أمرهم أن يسجدوا له لما قالوا ففضله عليهم فعلموا أنهم ليسوا بخير منه فقالوا إن لم نكن خيرا منه فنحن أعلم منه لأنا كنا قبله وخلقت الأمم قبله فلما أعجبوا بعلمهم ابتلوا فعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أني لم أخلق خلقا إلا كنتم أعلم منه فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالا ففزع القوم إلى التوبة وإليها يفزع كل مؤمن فقالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات
(1/68)
________________________________________
والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ( 1 ) لقولهم ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم منا قال علمه اسم كل شيء هذه الخيل وهذه البغال والإبل والجن والوحش وجعل يسمي كل شيء باسمه وعرضت عليه أمة أمة قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون قال أما أبدوا فقولهم أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء وأما ما كتموا فقولهم بعضهم لبعض نحن خير منه وأعلم
حدثنا عمار بن الحسن قال حدثنا عبدالله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع بن أنس ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين إلى قوله إنك أنت العليم الحكيم قال وذلك حين قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء إلى قوله ونقدس لك قال فلما عرفوا أنه جاعل في الأرض خليفة قالوا بينهم لن يخلق الله تعالى خلقا إلا كنا نحن أعلم منه وأكرم عليه فأراد الله تعالى أن يخبرهم أنه قد فضل عليهم آدم وعلمه الأسماء كلها وقال للملائكة أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين إلى وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون فكان الذي أبدوا حين قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء وكان الذي كتموا بينهم قولهم لن يخلق ربنا خلقا إلا كنا نحن أعلم منه وأكرم فعرفوا أن الله عز و جل فضل عليهم آدم في العلم والكرم
فلما ظهر للملائكة من استكبار إبليس ما ظهر ومن خلافه أمر ربه ما كان مستترا عنهم من ذلك عاتبه ربه على ما أظهر من معصيته إياه بتركه السجود لآدم فأصر على معصيته وأقام على غيه وطغيانه لعنه الله فأخرجه من الجنة وطرده منها وسلبه ما كان آتاه من ملك السماء الدنيا والأرض وعزله عن خزن الجنة فقال له جل جلاله فاخرج منها يعني من الجنة فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين ( 2 ) وهو بعد في السماء لم يهبط إلى الأرض وأسكن الله عز و جل حينئذ آدم جنته كما حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخرج إبليس من الجنة حين لعن وأكسن آدم الجنة فكان يمشي فيها وحشيا ليس له زوج يسكن إليها فنام نومة فاستيقظ فإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه فسألها من أنت قالت امرأة قال ولم خلقت قالت لتسكن إلي قالت له الملائكة ينظرون ما بلغ علمه ما اسمها يا آدم قال حواء قالوا لم سميت حواء قال لأنها خلقت من شيء حي فقال الله تعالى يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ( 3 )
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال لما فرغ الله تعالى من معاتبة إبليس أقبل على آدم عليه السلام وقد علمه الأسماء كلها فقال يا آدم أنبئهم بأسمائهم إلى وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ( 4 ) قال ثم ألقى السنة على آدم فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من
(1/69)
________________________________________
أهل العلم عن عبدالله بن العباس وغيره ثم أخذ ضلعا من أضلاعه من شقه الأيسر ولأم مكانها لحما وآدم عليه السلام نائم لم يهب من نومته حتى خلق الله تعالى من ضلعه تلك زوجه حواء فسواها امرأة ليسكن إليها فلما كشف عنه السنة وهب من نومته رآها إلى جنبه فقال فيما يزعمون والله أعلم لحمي ودمي وزوجتي فسكن إليها فلما زوجه الله عز و جل وجعل له سكنا من نفسه قال له قبلا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين
حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله عز و جل وخلق منها زوجها ( 1 ) قال حواء من قصيري آدم وهو نائم فاستيقظ فقال أثا بالنبطية امرأة
حدثنا المثنى قال حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله
حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة وخلق منها زوجها يعني حواء خلقت من آدم من ضلع من أضلاعه
(1/70)

دائمة الذكر
26-09-2012, 02:32 PM
ماشاء الله استاذ مكتبتك ثرية و راااااااائعة

اعجبني كتاب البصران و العرجان و العميان و الحولان

فهو نادر قراته ذات مرة وهو يتحدث عن عظماء في التاريخ أو أشخاص بارزين لكنهم كانوا أصحاب شأن وعلا صوتهم وتحدث التاريخ بقصصهم لكننا نجهل أنهم كانوا من أصحاب العاهاء أو العيوب الظاهرة ( في ظن الناس أنها عيوب )
فما رايك لو تعيرني اياه:10:

ما تخافش نتهلى فيه اعلم انك كتبك غالية على قلبك

انا في المتابعة....اكمل

بنالعياط
26-09-2012, 04:19 PM
ماشاء الله استاذ مكتبتك ثرية و راااااااائعة

اعجبني كتاب البصران و العرجان و العميان و الحولان

فهو نادر قراته ذات مرة وهو يتحدث عن عظماء في التاريخ أو أشخاص بارزين لكنهم كانوا أصحاب شأن وعلا صوتهم وتحدث التاريخ بقصصهم لكننا نجهل أنهم كانوا من أصحاب العاهاء أو العيوب الظاهرة ( في ظن الناس أنها عيوب )
فما رايك لو تعيرني اياه:10:

ما تخافش نتهلى فيه اعلم انك كتبك غالية على قلبك

انا في المتابعة....اكمل

أهلا وسهلا ولا مشكلة ...
لكن كيف يصلك من شمال فرنسا...
وأنا أعلم أن الرسالة يتطلب ووصولها شهرين من الجزائر لفرنسا
إن لم تري مانعاأبعثي عنونك على الخاص وأبعثه لك ..

أو مع صهري نازل 2 أك باالسيارة على العا صمة ..
كنت أتطلع لمن يشتري لي كتبا من المعرض و يبعثهم لي ..
و على حسب ظني أنت بعيدة عن العاصمة

بنالعياط
26-09-2012, 04:22 PM
القول في ذكر امتحان الله تعالى أبانا آدم عليه السلام
وابتلائه إياه بما امتحنه به من طاعته وذكر ركوب آم معصية ربه بعد الذي كان أعطاه من كرامته وشريف المنزلة عنده ومكنه في جنته من رغد العيش وهنيئه وما أزال ذلك عنه فصار من نعيم الجنة ولذيذ رغد العيش إلى نكد عيش أهل الأرض وعلاج الحراثة والعمل بالمساحي والزراعة فيها
فلما أسكن الله عز و جل آدم عليه السلام وزوجه أطلق لهما أن يأكلا كل ما شاء أكله من كل ما فيها من ثمارها غير ثمر شجرة واحدة ابتلاء منه لهما بذلك وليمضي قضاء الله فيهما وفي ذريتهما كما قال عز و جل وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ( 1 ) فوسوس لهما الشيطان حتى زين لهما أكل ما نهاهما ربهما عن أكله من ثمر تلك الشجرة وحسن لهما معصية الله في ذلك حتى أكلا منها فبدت لهما من سوآتهما ما كان موارى عنهما منها
فكان وصول عدو الله إبليس إلى تزيين ذلك لهما ما ذكر في الخبر الذي حدثني موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قال لما قال الله عز و جل لآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين أراد إبليس أن يدخل عليهما الجنة فمنعن الخزنة فأتى الحية وهي دابة لها أربع قوائم كأنها البعير وهي كأحسن الدواب فكلمها أن تدخله في فمها حتى تدخل به إلى آدم فأدخلته في فمها فمرت الحية على الخزنة فدخلت وهم لا يعلمون لما أراد الله عز و جل من الأمر فكلمه من فمها ولم يبال كلامه فخرج إليه فقال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ( 2 ) يقول هل أدلك على شجرة إن أكلت منها كنت ملكا مثل الله تبارك وتعالى أو تكونا من الخالدين فلا تموتان أبدا وحلف لهما بالله إني لكما لمن الناصحين وإنما أراد بذلك أن يبدي لهما ما توارى عنهما من سوءاتهما بهتك لباسهما وكان قد علم أن لهما سوءة لما كان يقرأ من كتب الملائكة ولم يكن آدم يعلم ذلك وكان لباسهما الظفر فأبى آدم أن يأكل منها فتقدمت حواء فأكلت ثم قالت يا آدم كل فإني قد أكلت فلم يضرني فلما أكل بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة
(1/71)
________________________________________
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن ليث بن أبي سليم عن طاوس اليماني عن ابن عباس قال إن عدو الله إبليس عرض نفسه على دواب الأرض أيها تحمله حتى تدخل به الجنة حتى يكلم آدم وزوجه فكل الدواب أبى ذلك عليه حتى كلم الحية فقال لها أمنعك من بني آدم فأنت في ذمتي إن أنت أدخلتني الجنة فجعلته بين نابين من أنيابها ثم دخلت به فكلمهما من فمها وكانت كاسية تمشي على أربع قوائم فأعراها الله تعالى وجعلها تمشي على بطنها قال يقول ابن عباس اقتلوها حيث وجدتموها وأخفروا ذمة عدو الله فيها
حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا عمر بن عبدالرحمن بن مهرب قال سمعت وهب بن منبه يقول لما أسكن الله تعالى آدم وزوجته الجنة ونهاه عن الشجرة وكانت شجرة غصونها متشعب بعضها في بعض وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم وهي الثمرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته فلما أراد إبليس أن يستزلهما دخل في جوف الحية وكان للحية أربع قوائم كأنها بختية من أحسن دابة خلقها الله تعالى فلما دخلت الحية الجنة خرج من جوفها إبليس فأخذ من الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته فجاء بها إلى حواء فقال انظري إلى هذه الشجرة ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها فأخذت حواء فأكلت منها ثم ذهبت بها إلى آدم فقالت أنظر إلى هذه الشجرة ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها فأكل منها آدم فبدت لهما سوآتهما فدخل آدم في جوف الشجرة فناداه ربه يا آدم أين أنت قال أنا هذا يا رب قال ألا تخرج قال أستحي منك يا رب قال ملعونة الأرض التي خلقت منها لعنة حتى يتحول ثمارها شوكا قال ولم يكن في الجنة ولا في الأرض شجرة كانت أفضل من الطلح والسدر ثم قال يا حواء أنت التي غررت عبدي فإنك لا تحملين حملا إلا حملته كرها فإذا أردت أن تضعي ما في بطنك أشرفت على الموت مرارا وقال للحية أنت التي دخل الملعون في بطنك حتى غر عبدي ملعونة أنت لعنة حتى تتحول قوائمك في بطنك ولا يكن لك رزق إلا التراب أنت عدوة بني آدم وهم أعداؤك حيث لقيت أحدا منهم أخذت بعقبه وحيث لقيك شدخ رأسك
قيل لوهب وما كانت الملائكة تأكل قال يفعل الله ما يشاء
حدثنا القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين بن داود قال حدثني حجاج عن أبي معشر عن محمد بن قيس قال نهى الله تعالى آدم وحواء أن يأكلا من شجرة في الجنة ويأكلا منها رغدا حيث شاءا فجاء الشيطان فدخل في جوف الحية فكلم حواء ووسوس إلى آدم فقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ( 1 ) قال فقطعت حواء الشجرة فدميت الشجرة وسقط عنهما رياشهما الذي كان عليهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ( 1 ) لم أكلتها وقد نهيتك عنها قال يا رب أطعمتني حواء قال لحواء لم أطعمته قالت أمرتني الحية قال للحية لم أمرتها قالت أمرني إبليس قال ملعون مدحور أما أنت يا حواء فكما أدميت الشجرة تدمين في كل هلال وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك فتمشين جريا على وجهك وسيشدخ رأسك من لقيك بالحجر اهبطوا بعضكم
(1/72)
________________________________________
لبعض عدو
حدثت عن عمار بن الحسن قا حدثنا عبدالله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع قال حدثني محدث أن الشيطان دخل الجنة في صورة دابة ذات قوائم فكان يرى أنه البعير قال فلعن فسقطت قوائمه فصار حية
حدثت عن عمار قال حدثنا عبدالله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع قال وحدثني أبو العالية قال إن من الإبل ما كان أولها من الجن قال فأبيحت له الجنة كلها يعني آدم إلا الشجرة وقيل لهما لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ( 1 ) قال فأتى الشيطان حواء فبدأ بها فقال نهيتما عن شيء قالت نعم عن هذه الشجرة فقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ( 2 ) قال فبدت حواء فأكلت منها ثم أمرت آدم فأكل منها قال وكانت شجرة من أكل منها أحدث قال ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث قال فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه ( 3 ) قال فأخرج آدم من الجنة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم أن آدم عليه السلام حين دخل الجنة ورأى ما فيها من الكرامة وما أعطاه الله منها قال لو أنا خلدنا فاغتمز فيها منه الشيطان لما سمعها منه فأتاه من قبل الخلد
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال حدثت أن أول ما ابتدأهما به من كيده إياهما أنه ناح عليهما نياحة أحزنتهما حين سمعاها فقالا له ما يبكيك قال أبكي عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة والكرامة فوقع ذلك في أنفسهما ثم أتاهما فوسوس إليهما فقال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما من الناصحين أي تكونان ملكين أو تخلدان أي إن لم تكونا ملكين في نعمة الجنة فلا تموتان يقول الله عز و جل فدلاهما بغرور
حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله سبحانه وتعالى فوسوس وسوس الشيطان إلى حواء في الشجرة حتى أتى بها إليها ثم حسنها في عين آدم قال فدعاها آدم لحاجته قالت لا إلا أن تأتي ها هنا فلما أتى قالت لا إلا أن تأكل من هذه الشجرة قال فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما قال وذهب آدم هاربا في الجنة فناداه ربه يا آدم أمني تفر قال لا يا رب ولكن حياء منك قال يا آدم أني أتيت قال من قبل حواء يا رب فقال الله عز و جل فإن لها علي أن أدميها في كل شهر مرة كما أدمت هذه الشجرة وأن أجعلها سفيهة وقد كنت خلقتها حليمة وأن أجعلها تحمل كرها وتضع كرها وقد كنت جعلها تحمل يسرا وتضع يسرا قال ابن زيد ولولا البلية التي أصابت حواء لكان نساء أهل الدنيا لا يحضن ولكن حليمات ولكن يحملن يسرا ويضعن يسرا
(1/73)
________________________________________
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبدالله بن قسيط عن سعيد بن المسيب قال سمعته يحلف بالله ما يستثني ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل ولكن حواء سقته الخمر حتى إذا سكر قادته إليها فأكل منها فلما واقع آدم وحواء الخطيئة أخرجهما الله تعالى من الجنة وسلبهما ما كان فيه من النعمة والكرامة وأهبطهما وعدوهما إبليس والحية إلى الأرض فقال لهم ربهم اهبطوا بعضكم لبعض عدو
وكالذي قلنا في ذلك قال السلف من أهل العلم
حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال حدثنا عبدالرحمن بن مهدي عن إسرائيل عن إسماعيل السدي قال حدثني من سمع ابن عباس يقول اهبطوا بعضكم لبعض عدو ( 1 ) قال آدم وحواء وإبليس والحية
حدثنا سفيان بن وكيع وموسى بن هارون قالا حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم اهبطوا بعضكم لبعض عدو فلعن الحية فقطع قوائمها وتركها تمشي على بطنها وجعل رزقها من التراب وأهبط إلى الأرض آدم وحواء وإبليس والحية
حدثني محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى بن ميمون عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله عز و جل اهبطوا بعضكم لبعض عدو قال آدم وحواء وإبليس والحية
(1/74)
________________________________________
القول في قدر مكث آدم في الجنة ووقت خلق الله عز و جل إياه ووقت إهباطه إياه من السماء إلى الأرض
قد تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بأن الله عز و جل خلق آدم عليه السلام يوم الجمعة وأنه أخرجه فيه من الجنة وأهبطه إلى الأرض فيه وأنه فيه تاب عليه وفيه قبضه
ذكر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بذلك
حدثني عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالحكم قال حدثنا علي بن معبد قال حدثنا عبيدالله بن عمرو عن عبدالله بن محمد بن عقيل عن عمرو بن شرحبيل عن سعيد بن سعد بن عبادة عن سعد بن عبادة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إن في يوم الجمعة خمس خلال فيه خلق آدم وفيه أهبط إلى ا لأرض وفيه توفى الله آدم وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها ربه شيئا إلا أعطاه الله إياه ما لم يسأل إثما أو قطيعة وفيه تقوم الساعة وما من ملك مقرب ولا سماء ولا جبل ولا أرض ولا ريح إلا مشفق من يوم الجمعة
حدثني محمد بن بشار ومحمد بن معمر قالا حدثنا أبو عامر حدثنا زهير بن محمد عن عبدالله بن محمد بن عقيل عن عبدالرحمن بن يزيدالأنصاري عن أبي لبابة بن عبدالمنذر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال سيد الأيام يوم الجمعة وأعظمها وأعظم عند الله من يوم الفطر ويوم النحر وفيه خمس خلال خلق الله تعالى فيه آدم وأهبطه فيه إلى الأرض وفيه توفى الله تعالى آدم وفيه ساعة لا يسأل الله العبد شيئا إلا أعطاه إياه ما لم يكن حراما وفيه تقوم الساعة ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا جبال ولا رياح ولا بحر إلا وهو مشفق من يوم الجمعة أن تقوم فيه الساعة واللفظ لحديث ابن بشار
حدثنا محمد بن معمر قال حدثنا أبو عامر حدثنا زهير بن محمد عن عبدالله بن محمد بن عقيل عن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة عن أبيه عن جده عن سعد بن عبادة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله أخبرنا عن يوم الجمعة ماذا فيه من الخير فقال فيه خلق آدم وفيه أهبط آدم وفيه توفي آدم وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئا إلا أعطاه الله إياه ما لم يسأل مأثما أو قطيعة وفيه تقوم الساعة ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا جبال ولا ريح إلا هن يشفقن من يوم الجمعة
حدثني عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالحكم قال حدثنا أبو زرعة قال أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبدالرحمن الأعرج أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه و سلم خير يوم طلعت الشمس عليه يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وأخرج منها
(1/75)
________________________________________
حدثني بحر بن نصر قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني ابن أبي الزناد عن أبيه عن موسى بن أبي عثمان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم سيد الأيام يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة
حدثنا الربيع بن سليمان قال حدثنا شعيب بن الليث قال حدثنا الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبدالرحمن بن هرمز أنه قال سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لم تطلع الشمس على يوم مثل يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أخرج من الجنة وفيه أعيد فيها
حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن منصور ومغيرة عن زياد بن كليب أبن معشر عن إبراهيم عن القرثع الضبي وكان القرثع من القراء الأولين قال قال سلمان قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم يا سلمان أتدري ما يوم الجمعة قلت الله ورسوله أعلم بقولها ثلاثا يا سلمان أتدري ما يوم الجمعة فيه جمع أبوك أو أبوكم
حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال حدثنا عبيدالله بن موسى قال أخبرنا شيبان عن يحيى عن أبي سلمة أنه سمع أبا هريرة يحدث أنه سمع كعبا يقول خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم عليه السلام وفيه دخل الجنة وفيه اخرج منها وفيه تقوم الساعة
حدثني الحسين بن يزيد الأدمي قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا زكرياء بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير قال إن أول يوم طلعت فيه شمسه يوم الجمعة وهو أفضل الأيام فيه خلق الله تعالى ذكره آدم خلقه على مثل صورته فلما فرغ عطس آدم فألقى الله تعالى عليه الحمد فقال الله يرحمك ربك
حدثنا أبو كريب قال حدثنا إسحاق بن منصور عن أبي كدينة عن مغيرة عن زياد عن إبراهيم عن علقمة عن القرثع عن سلمان قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أتدري ما يوم الجمعة هو يوم جمع فيه أبوك أو أبوكم آدم عليه السلام
حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد عن أبي الأحوص عن مغيرة عن إبراهيم عن علقمة قال قال سلمان قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم يا سلمان أتدري ما يوم الجمعة مرتين أو ثلاثا قال هو اليوم الذي جمع فيه أبوكم آدم أو جمع فيه أبوكم
حدثنا أبو كريب قال حدثنا حسن بن عطية قال حدثنا قيس عن الأعمش عن إبراهيم عن القرثع عن سلمان قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أتدري ما الجمعة أو قال كذا فيها جمع أبوكم آدم
حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال سمعت أبي يقول أخبرنا أبو حمزة عن منصور عن إبراهيم عن القرثع عن سلمان قال قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم أتدري ما يوم الجمعة قلت لا قال فيه جمع أبوك
(1/76)

بنالعياط
26-09-2012, 04:37 PM
ذكر الوقت الذي فيه خلق آدم عليه السلام
من يوم الجمعة والوقت الذي أهبط إلى الأرض
اختلف في ذلك فروي عن عبدالله بن سلام وغيره في ذلك ما حدثنا ابو كريب قال حدثنا ابن إدريس قال أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أسكن الجنة وفيه أهبط وفيه تقوم الساعة وفيه ساعة يقللها لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى فيها خيرا إلا آتاه الله إياه فقال عبدالله بن سلام قد علمت أي ساعة هي هي آخر ساعات النهار من يوم الجمعة قال الله عز و جل خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون ( 1 )
حدثنا أبو كريب قال حدثنا المحاربي وعبدة بن سليمان وأسد بن عمرو عن محمد بن عمرو قال حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم نحوه وذكر فيه كلام عبدالله بن سلام بنحوه
حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى عن ابن أبي نجيع عن مجاهد في قوله عز و جل خلق الإنسان من عجل قال قول آدم حين خلق بعد كل شيء آخر النهار من يوم الجمعة خلق الخلق فلما أحيا الروح عينيه ولسانه ورأسه ولم يبلغ أسفله قال يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس
حدثني الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا حجاج عن ابن جريج قال قال مجاهد خلق الإنسان من عجل قال آدم حين خلق بعد كل شيء ثم ذكره نحوه غير أنه قال في حديثه استعجل بخلقي قد غربت الشمس
حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله خلق الإنسان من عجل قال على عجل خلق آدم آخر ذلك اليوم من ذينك اليومين يريد يوم الجمعة وخلقه على عجلة وجعله عجولا وقد زعم بعضهم أن الله عز و جل أسكن آدم وزوجته الفردوس لساعتين مضتا من نهار يوم الجمعة وقيل لثلاث ساعات مضين منه وأهبطه إلى الأرض لسبع ساعات مضين من ذلك اليوم فكان مقدار مكثهما
(1/77)
________________________________________
في الجنة خمس ساعات منه وقيل كان ذلك ثلاث ساعات وقال بعضهم أخرج آدم عليه السلام من الجنة الساعة التاسعة أو العاشرة
ذكر من قال ذلك
قال أبو جعفر قرأت على عبدان بن محمد المروزي قال حدثنا عمار بن الحسن قال حدثنا عبدالله بن ابي جعفر عن أبيه عن الربيع عن أنس عن أبي العالية قال أخرج آدم من الجنة للساعة التاسعة أو العاشرة فقال لي نعم لخمسة أيام مضين من نيسان
فإن كان قائل هذا القول أراد الله أن تبارك وتعالى أسكن آدم وزوجته الفردوس لساعتين مضتا من نهار يوم الجمعة من أيام أهل الدنيا التي هي على ما هي به اليوم فلم يبعد قوله من الصواب في ذلك لأن الأخبار إذا كانت واردة عن السلف من أهل العلم بأن آدم خلق في آخر ساعة من اليوم السادس من الأيام التي مقدار اليوم الواحد منها ألف سنة من سنيننا فمعلوم أن الساعة الواحدة من ساعات ذلك اليوم ثلاثة وثمانون عاما من أعوامنا وقد ذكرنا أن آدم بعد أن خمر ربنا عز و جل طينته بقي قبل أن ينفخ فيه الروح أربعين عاما وذلك لا شك أنه عنى به من أعوامنا وسنيننا ثم من بعد أن نفخ فيه الروح إلى أن تناهى أمره وأسكن الفردوس وأهبط إلى الأرض غير مستنكر أن يكون كان مقداره من سنيننا قدر خمس وثلاثين سنة فإن كان أراد أنه أسكن الفردوس لساعتين مضتا من نهار يوم الجمعة من الأيام التي مقدار اليوم الواحد منها ألف سنة من سنيننا فقد قال غير الحق وذلك أن جميع من حفظ له قول في ذلك من أهل العلم فإنه كان يقول إن آدم نفخ فيه الروح في آخر النهار من يوم الجمعة قبل غروب الشمس من ذلك اليوم ثم الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه و سلم متظاهرة بان الله تبارك وتعالى أسكنه الجنة فيه وفيه أهبطه إلى الأرض فإن كان ذلك صحيحا فمعلوم أن آخر ساعة من نهار يوم من أيام الأخرة ومن الأيام التي اليوم الواحد منها مقداره ألف سنة من سنيننا إنما هي ساعة بعد مضي إحدى عشرة ساعة وذلك ساعة اثنتي عشرة ساعة وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر من سنيننا فآدم صلوات الله عليه إذ كان الأمر كذلك إنما خلق لمضي إحدى عشرة ساعة من نهار يوم الجمعة من الأيام التي اليوم الواحد منها ألف سنة من سنيننا فمكث جسدا ملقى لم ينفخ فيه الروح أربعين عاما من أعوامنا ثم نفخ فيه الروح فكان مكثه في السماء بعد ذلك ومقامه في الجنة إلى أن أصاب الخطيئة وأهبط إلى الأرض ثلاثا وأربعين سنة من سنيننا وأربعة أشهر وذلك ساعة من ساعات يوم من الأيام الستة التي خلق الله تعالى فيها الخلق
وقد حدثني الحارث بن محمد قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا هشام بن محمد قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال خرج آدم من الجنة بين الصلاتين صلاة الظهر وصلاة العصر فأنزل إلى الأرض وكان مكثه في الجنة نصف يوم من أيام الآخرة وهو خمسمائة سنة من يوم كان مقداره اثنتي عشرة ساعة واليوم ألف سنة مما يعد أهل الدنيا وهذا أيضا قول خلاف ما وردت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وعن السلف من علمائنا
(1/78)

دائمة الذكر
26-09-2012, 05:21 PM
أهلا وسهلا ولا مشكلة ...
لكن كيف يصلك من شمال فرنسا...
وأنا أعلم أن الرسالة يتطلب ووصولها شهرين من الجزائر لفرنسا
إن لم تري مانعاأبعثي عنونك على الخاص وأبعثه لك ..

أو مع صهري نازل 2 أك باالسيارة على العا صمة ..
كنت أتطلع لمن يشتري لي كتبا من المعرض و يبعثهم لي ..
و على حسب ظني أنت بعيدة عن العاصمة

شكرا استاذ

اذا احتجت اي عنوانين ساشتريها لك و ارسلها لك

انا بعيد ة عن العاصمنة ب 280 كم

بعد ايام باذن الله ساذهب مع عائلتي طبعا حسب ضروف عمل زوجي

اتمنى ان اجد كتبا لعدنان ابراهيم:8:

و انا ابحث عن كتاب النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية

للمؤرخ حسين مروة

بنالعياط
26-09-2012, 05:35 PM
القول في الموضع الذي أهبط آدم وحواء إليه من الأرض حين أهبطا إليها
ثم إن الله عز و جل أهبط آدم قبل غروب الشمس من اليوم الذي خلقه فيه وذلك يوم الجمعة من السماء مع زوجته وأنزل آدم فيما قال علماء سلف أمة نبينا صلى الله عليه و سلم بالهند
ذكر من حضرنا ذكره ممن قال ذلك منهم
220 - حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة قال أهبط الله عز و جل آدم إلى الأرض وكان مهبطه بأرض الهند
حدثنا عمرو بن علي قال حدثنا عمران بن عيينة قال أخبرنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال إن أول ما أهبط الله تعالى آدم أهبطه بدهنا أرض الهند
حدثت عن عمار قال حدثنا عبدالله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال أهبط آدم إلى الهند
حدثني ابن سنان قال حدثنا الحجاج قال حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال قال علي بن أبي طالب عليه السلام أطيب أرض في الأرض ريحا أرض الهند أهبط بها آدم فعلق شجرها من ريح الجنة
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا هشام بن محمد عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال أهبط آدم بالهند وحواء بجدة فجاء في طلبها حتى اجتمعا فازدلفت إليه حواء فلذلك سميت المزدلفة وتعارفا بعرفات فلذلك سميت عرفات واجتمعا بجمع فلذلك سميت جمعا قال وأهبط آدم على جبل بالهند يقال له بوذ
حدثنا أبو همام قال حدثني أبي قال حدثنا زياد بن خيثمة عن أبي يحيى بائع القت قال قال لي مجاهد لقد حدثنا عبدالله بن عباس أن آدم نزل حين نزل بالهند
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال وأما أهل التوراة فإنهم قالوا أهبط آدم بالهند على جبل يقال له واسم عند واد يقال له بهيل بين الدهنج والمندل بلدين بأرض الهند قالوا وأهبطت حواء بجدة من أرض مكة
(1/79)
________________________________________
وقال آخرون بل أهبط آدم بسرنديب على جبل يدعى بوذ وحواء بجدة من أرض مكة وإبليس بميسان والحية بأصبهان وقد قيل أهبطت الحية بالبرية وإبليس بساحل بحر الأبلة
وهذا مما لا يوصل إلى علم صحته إلا بخبر يجيء مجيء الحجة ولا يعلم خبر في ذلك ورد كذلك غير ما ورد من خبر هبوط آدم بأرض الهند فإن ذلك مما لا يدفع صحته علماء الإسلام وأهل التوراة والإنجيل والحجة قد ثبتت بأخبار بعض هؤلاء
وذكر أن الجبل الذي أهبط عليه آدم عليه السلام ذروته من أقرب ذرا جبال الأرض إلى السماء وأن آدم حين أهبط عليه كانت رجلاه عليه ورأسه في السماء يسمع دعاء الملائكة وتسبيحهم فكان آدم يأنس بذلك وكانت الملائكة تهابه فنقص من طول آدم لذلك
ذكر من قال ذلك
حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا هشام بن حسان عن سوار ختن عطاء عن عطاء بن أبي رباح قال لما أهبط الله عز و جل آدم من الجنة كان رجلاه في الأرض ورأسه في السماء يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم يأنس إليهم فهابته الملائكة حتى شكت إلى الله تعالى في دعائها وفي صلاتها فخفضه إلى الأرض فلا فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا ذلك إلى الله عز و جل في دعائه وفي صلاته فوجه إلى مكة فصار موضع قدمه قرية وخطوته مفازة حتى انتهى إلى مكة وأنزل الله تعالى ياقوتة من ياقوت الجنة فكانت على موضع البيت الآن فلم يزل يطوفه به حتى أنزل الله تعالى الطوفان فرفعت تلك الياقوتة حتى بعث الله تعالى إبراهيم الخليل عليه السلام فبناه فذلك قوله تعالى وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ( 1 )
حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة قال وضع الله تعالى البيت مع آدم فكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض فكانت الملائكة تهابه فنقص إلى ستين ذراعا فحزن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم فشكا ذلك إلى الله فقال الله يا آدم إني أهبطت لك بيتا تطوف به كما يطاف حول عرشي وتصلي عنده كما يصلي عند عرشي فانطلق إليه آدم عليه السلام فخرج ومد له في خطوه فكان بين كل خطوة مفازة فلم تزل تلك المفاوز بعد ذلك فأتى آدم عليه السلام البيت فطاف به ومن بعده من الأنبياء
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا هشام بن محمد قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال لما حط من طول آدم عليه السلام إلى ستين ذراعا أنشأ يقول رب كنت جارك في دارك ليس لي رب غيرك ولا رقيب دونك آكل فيها رغدا وأسكن حيث أحببت فأهبطتني إلى هذا الجبل المقدس فكنت أسمع أصوات الملائكة وأراهم كيف يحفون بعرشك وأجد ريح الجنة وطيبها ثم أهبطتني إلى الأرض وحططتني إلى ستين ذراعا فقد انقطع عني الصوت والنظر وذهب عني ريح الجنة فأجابه الله عز و جل لمعصيتك يا آدم فعلت ذلك بك فلم رأى الله تعالى عري آدم وحواء أمره أن يذبح كبشا
(1/80)
________________________________________
من الضأن من الثمانية الأزواج التي أنزل من الجنة فأخذ كبشا فذبحه ثم أخذ صوفه فغزلته حواء ونسجه هو وحواء فنسج آدم جبة لنفسه وجعل لحواء درعا وخمارا فلبسا ذلك وأوحى الله تعالى إلى آدم أن لي حرما بحيال عرشي فانطلق فابن لي فيه بيتا ثم حف كما رأيت ملائكتي يحفون بعرشي فهنالك أستجيب لك ولولدك من كان منهم في طاعتي فقال آدم أي رب فكيف لي بذلك لست أقوى عليه ولا أهتدي له فقيض الله له ملكا فانطلق به نحو مكة فكان آدم إذا مر بروضة ومكان يعجبه قال للملك انزل بنا ها هنا فيقول له الملك مكانك حتى قدم مكة فكان كل مكان نزل به صار عمرانا وكل مكان تعداه صار مفاوز وقفارا فبنى البيت من خمسة أجبل من طور سيناء وطور زيتون ولبنان والجودي وبنى قواعده من حراء فلما فرغ من بنائه خرج به الملك إلى عرفات فأراه المناسك كلها التي تفعلها الناس اليوم ثم قدم به مكة فطاف بالبيت أسبوعا ثم رجع إلى أرض الهند فمات على بوذ
حدثنا أبو همام قال حدثني ابي قال حدثني زياد بن خيثمة عن أبي يحيى بائع القت قال قال لي مجاهد لقد حدثني عبدالله بن عباس أن آدم عليه السلام نزل حين نزل بالهند ولقد حج منها أربعين حجة على رجليه فقلت له يا أبا الحجاج ألا كان يركب قال فأي شيء كان يحمله فوالله إن خطوه مسيرة ثلاثة أيام وإن كان رأسه ليبلغ السماء فاشتكت الملائكة نفسه فهمزه الرحمن همزة فتطأطأ مقدار أربعين سنة
حدثني صالح بن حرب أبو معمر مولى بني هاشم قال حدثنا ثمامة بن عبيدة السلمي قال أخبرنا أبو الزبير قال قال نافع سمعت ابن عمر يقول إن الله تعالى أوحى إلى آدم عليه السلام وهو ببلاد الهند أن حج هذا البيت فحج آدم من بلاد الهند فكان كلما وضع قدمه صار قرية وما بين خطوتيه مفازة حتى انتهى إلى البيت فطاف به وقضى المناسك كلها ثم أراد الرجوع إلى بلادالهند فمضى حتى إذا كان بمأزمي عرفات تلقته الملائكة فقالوا بر حجك يا آدم فدخله من ذلك عجب فلما رأت الملائكة ذلك منه قالوا يا آدم إنا قد حججنا هذا البيت قبل أن تخلق بألفي سنة قال فتقاصرت إلى آدم نفسه
وذكر أن آدم عليه السلام أهبط إلى الأرض وعلى رأسه إكليل من شجر الجنة فلما صار إلى الأرض ويبس الإكليل تحات ورقه فنبت منه أنواع الطيب
وقال بعضهم بل كان ذلك ما أخبر الله عنهما أنهما جعلا يخصفان عليهما من ورق الجنة فلما يبس ذلك الورق الذي خصفاه عليهما تحات فنبت من ذلك الورق أنواع الطيب والله أعلم
وقال آخرون بل لما علم آدم أن الله عز و جل مهبطه إلى الأرض جعل لا يمر بشجرة من شجر الجنة إلا أخذ غصنا من أغصانها فهبط إلى الأرض وتلك الأغصان معه فلما يبس ورقها تحات فكان ذلك أصل الطيب
ذكر من قال ذلك
232 - حدثنا أبو همام قال حدثنا أبي قال حدثنا زياد بن خيثمة عن أبي يحيى بائع القت قال قال لي مجاهد لقد حدثني عبدالله بن عباس أن آدم حين خرج من الجنة كان لا يمر بشيء إلا عبث به فقيل
(1/81)
________________________________________
للملائكة دعوه فليتزود منها ما شاء فنزل حين نزل بالهند وإن هذا الطيب الذي يجاء به من الهند مما خرج به آدم من الجنة

بنالعياط
26-09-2012, 06:08 PM
شكرا استاذ

اذا احتجت اي عنوانين ساشتريها لك و ارسلها لك

انا بعيد ة عن العاصمنة ب 280 كم

بعد ايام باذن الله ساذهب مع عائلتي طبعا حسب ضروف عمل زوجي

اتمنى ان اجد كتبا لعدنان ابراهيم:8:

و انا ابحث عن كتاب النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية

للمؤرخ حسين مروة


جزاك الله كل خير ..
إني أنزل للبلاد 3أو2 في السانة ولم يساعفني الحظ لأتقي مع المعرض ..
اعلم أن الكتاب في الجزائر باهض الثمن و الحديثة قليلة و غير موجودة..
و إقتناءها من مصر والسعودية أوفق بكثير..
....لكن يبقى المعرض لذوق و الاختيار و الوفرةو الجديد..
أما عن الشيخ عدنان إني سمعت أنه أحيط بكوكبة من الاصدقاء و عشاقه ليبدأ في طباهة عدة كتبعن قريب و تدوين كل مقالاته في كتب ليسهل تناقلها...
..
..
متأسف ..و متمخض و متحصر على حالة البريد الجزائري..
بعث أخيرا بطقات قبلي 20يوم نزلت قبلها 15يوم...
و الكولي من السعودية 12يوم

بنالعياط
26-09-2012, 07:12 PM
ذكر من قال إنما صار الطيب بالهند لأن آدم حين أهبط إليها علق بأشجارها طيب ريحه
حدثني الحارث بن محمد قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا هشام بن محمد قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال نزل آدم عليه السلام معه ريح الجنة فعلق بشجرها وأوديتها وامتلأ ما هناك طيبا فمن ثم يؤتى بالطيب من ريح الجنة
وقالوا أنزل معه من طيب الجنة
وقال أنزل معه الحجر الأسود وكان أشد بياضا من الثلج وعصا موسى وكانت من آس الجنة طولها عشرة أذرع عل طول موسى ومر ولبان ثم أنزل عليه بعد ذلك العلاة والمطرقة والكلبتان فنظر آدم حين أهبط على الجبل إلى قضيب من حديد نابت على الجبل قال هذا من هذا فجعل يكسر أشجارا قد عتقت ويبست بالمطرقة ثم أوقد على ذلك الغصن حتى ذاب فكان أول شيء ضربه مدية فكان يعمل بها ثم ضرب التنور وهو الذي ورثه نوح وهو الذي فار بالعذاب بالهند وكان آدم حين هبط يمسح رأسه السماء فمن ثم صلع وأورث ولده الصلع ونفرت من طوله دواب البر فصارت وحشا من يومئذ وكان آدم عليه السلام وهو على ذلك الجبل قائم يسمع أصوات الملائكة ويجد ريح الجنة فحط من طوله ذلك إلى ستين
(1/82)
________________________________________
ذراعا فكان ذلك طوله إلى أن مات ولم يجمع حسن آدم عليه السلام لأحد من ولده إلا ليوسف عليه السلام
وقيل إن من الثمار التي زود الله عز و جل آدم عليه السلام حين أهبط إلى الأرض ثلاثين نوعا عشرة منها في القشور وعشرة لها نوى وعشرة لا قشور لها ولا نوى فأما التي في القشور منها فالجوز واللوز والفستق والبندق والخشخاش والبلوط والشاهبلوط والرانج والرمان والموز وأما التي لها نوى منها فالخوخ والمشمش والإجاص والرطب والغبيراء والنبق والزعرور والعناب والمقل والشاهلوج وأما التي لا قشور لها ولا نوى فالتفاح والسفرجل والكمثرى والعنب والتوت والتين والأترج والخرنوب والخيار والبطيخ
وقيل كان مما أخرج آدم معه من الجنة صرة من حنطة وقيل إن الحنطة جاءه بها جبرئيل عليه السلام بعد أن جاع آدم واستطعم ربه فبعث الله إليه مع جبرئيل عليه السلام بسبع حبات من حنطة فوضعها في يد آدم عليه السلام فقال آدم لجبرئيل ما هذا فقال له جبرئيل هذا الذي أخرجك من الجنة وكان وزن الحبة منها مائة ألف درهم وثمانمائة درهم فقال آدم ما أصنع بهذا قال انثره في الأرض ففعل فأنبته الله عز و جل من ساعته فجرت سنة في ولده البذر في الأرض ثم أمره فحصده ثم أمره فجمعه وفركه بيده ثم أمره أن يذريه ثم أتاه بحجرين فوضع أحدهما على الآخر فطحنه ثم أمره أن يعجنه ثم أمره أن يخبزه ملة وجمع له جبرئيل عليه السلام الحجر والحديد فقدحه فخرجت منه النار فهو أول من خبز الملة
وهذا القول الذي حكيناه عن قائل هذا القول خلاف ما جاءت به الروايات عن سلف أمة نبينا صلى الله عليه و سلم وذلك أن المثنى بن إبراهيم حدثني أن إسحاق حدثه قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا سفيان بن عيينة وابن المبارك عن الحسن بن عمارة عن المنهال بن عمرو وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته السنبلة فلما أكلا منها بدت لهما سوءاتهما وكان الذي وارى عنهما من سوءاتهما أظفارهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ورق التين يلصقان بعضها إلى بعض فانطلق آدم موليا في الجنة فأخذت برأسه شجرة من الجنة فناداه يا آدم أمني تفر قال لا ولكني استحيتك يا رب قال أما كان لك فيما منحتك من الجنة وأبحتك منها مندوحة عما حرمت عليك قال بلى يا رب ولكن وعزتك ما حسبت أن أحدا يحلف بك كاذبا قال وهو قول الله تبارك وتعالى وقاسمهما إني لكما من الناصحين ( 1 ) قال فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض فلا تنال العيش إلا كدا قال فأهبط من الجنة وكانا يأكلان فيها رغدا فأهبط إلى غير رغد من طعام وشراب فعلم صنعة الحديد وأمر بالحرث فحرث وزرع ثم سقى حتى إذا بلغ حصده ثم داسه ثم ذراه ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه ثم أكله فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء الله أن يبلغ
حدثنا ابن حميد قال حدثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد قال أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه فهو الذي قال الله عز و جل فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى فكان ذلك شقاؤه
(1/83)
________________________________________
فهذا الذي قاله هؤلاء هو أولى بالصواب وأشبه بما دل عليه كتاب ربنا عز و جل وذلك أن الله ذكره لما تقدم إلى آدم وزوجته حواء بالنهي عن طاعة عدوهما قال لآدم يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ( 1 ) فكان معلوما أن الشقاء الذي أعلمه أنه يكون إن أطاع عدوه إبليس هو مشقة الوصول إلى ما يزيل الجوع والعري عنه وذلك هي الأسباب التي بها يصل أولاده إلى الغذاء من حراثة وبذر وعلاج وسقي وغير ذلك من الأسباب الشاقة المؤلمة ولو كان جبرئيل أتاه بالغذاء الذي يصل إليه ببذره دون سائر المؤن غيره لم يكن هناك من الشقاء الذي توعده به ربه على طاعة الشيطان ومعصية الرحمن كبير خطب ولكن الأمر كان والله أعلم على ما روينا عن ابن عباس وغيره
وقد قيل إن آدم عليه السلام نزل معه السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحي بن واضح قال حدثنا الحسين عن علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس قال ثلاثة اشياء نزلت مع آدم عليه السلام السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة
ثم إن الله عز ذكره فيما ذكر أنزل آدم من الجبل الذي أهبطه عليه إلى سفحه وملكه الأرض كلها وجميع ما عليها من الجن والبهائم والدواب والوحش والطير وغير ذلك وأن آدم عليه السلام لما نزل من رأس ذلك الجبل وفقد كلام أهل السماء وغابت عنه أصوات الملائكة ونظر إلى سعة الأرض وبسطتها ولم ير فيها أحدا غيره استوحش فقال يا رب أما لأرضك هذه عامر يسبحك غيري
فأجيب بما حدثني المثنى بن إبراهيم قا أخبرنا إسحاق بن الحجاج قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول إن آدم لما أهبط إلى الأرض فرأى سعتها ولم ير فيها أحدا غيره قال يا رب أما لأرضك هذه عامر يسبح بحمدك ويقدس لك غيري قال الله إني سأجعل فيها من ولدك من يسبح بحمدي ويقدسني وسأجعل فيها بيوتا ترفع لذكري ويسبح فيها خلقي ويذكر فيها اسمي وسأجعل من تلك البيوت بيتا أخصه بكرامتي وأوثره باسمي وأسميه بيتي أنطقه بعظمتي وعليه وضعت جلالي ثم أنا مع ذلك في كل شيء ومع كل شيء أجعل ذلك البيت حرما آمنا يحرم بحرمته من حوله ومن تحته ومن فوقه فمن حرمه بحرمتي استوجب بذلك كرامتي ومن أخاف أهله فيه فقد أخفر ذمتي وأباح حرمتي أجعله أول بيت وضع للناس ببطن مكة مباركا يأتونه شعثا غبرا على كل ضامر من كل فج عميق يرجون بالتلبية رجيجا ويثجون بالبكاء ثجيجا ويعجون بالتكبير عجيجا فمن اعتمده ولا يريد غيره فقد وفد إلي وزارني وضافني وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه وأن يسعف كلا بحاجته تعمره يا آدم ما كنت حيا ثم تعمره الأمم والقرون والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة وقرنا بعد قرن
ثم أمر آدم عليه السلام فيما ذكر أن يأتي البيت الحرام الذي أهبط له إلى الأرض فيطوف به كما كان يرى الملائكة تطوف حول عرش الله وكان ذلك ياقوتة واحدة أو درة واحدة كما حدثني الحسن بن يحيى
(1/84)
________________________________________
قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن أبان أن البيت أهبط ياقوتة واحدة أو درة واحدة حتى إذا أغرق الله قوم نوح رفعه وبقي أساسه فبوأه الله عز و جل لإبراهيم فبناه وقد ذكرت الأخبار الواردة بذلك فيما مضى قبل
فذكر أن آدم عليه السلام بكى واشتد بكاؤه على خطيئته وندم عليها وسأل الله عز و جل قبول توبته وغفران خطيئته فقال في مسألته إياه ما سأل من ذلك كما حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن عطية عن قيس عن ابن أبي ليلى عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ( 1 ) قال أي رب ألم تخلقني بيدك قال بلى قال أي رب ألم تنفخ في من روحك قال بلى قال أي رب ألم تسكني جنتك قال بلى قال أي رب ألم تسبق رحمتك غضبك قال بلى قال أرأيت إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة قال بلى قال فهو قوله تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات
حدثني بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة قوله تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات ذكر لنا أنه قال يا رب أرأيت إن أنا تبت وأصلحت قال إذا أرجعك إلى الجنة قال وقال الحسن إنهما قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ( 2 )
حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال حدثنا أبو أحمد قال حدثنا سفيان وقيس عن خصيف عن مجاهد في قوله عز و جل فتلقى آدم من ربه كلمات قال قوله ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا هشام بن محمد قال أخبرنا أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال أنزل آدم معه حين أهبط من الجنة الحجر الأسود وكان أشد بياضا من الثلج وبكى آدم وحواء على ما فاتهما يعني من نعيم الجنة مائتي سنة ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوما ثم أكلا وشربا وهما يومئذ على بوذ الجبل الذي أهبط عليه آدم ولم يقرب حواء مائة سنة
حدثنا أبو همام قال حدثني أبي قال حدثني زياد بن خيثمة عن أبي يحيى بائع القت قال قال لي مجاهد ونحن جلوس في المسجد هل ترى هذا قلت يا أبا الحجاج الحجر قال كذلك تقول قلت أو ليس حجرا قال فوالله لحدثني عبدالله بن عباس أنها ياقوتة بيضاء خرج بها آدم من الجنة كان يمسح بها دموعه وأن آدم لم ترقأ دموعه منذ خرج من الجنة حتى رجع إليها ألفي سنة وما قدر منه إبليس على شيء فقلت له يا أبا الحجاج فمن أي شيء اسود قال كان الحيض يلمسنه في الجاهلية فخرج آدم عليه السلام من الهند يؤم البيت الذي أمره الله عز و جل بالمصير إليه حتى أتاه فطاف به ونسك المناسك فذكر انه التقى هو وحواء بعرفات فتعارفا بها ثم ازدلف إليها بالمزدلفة ثم رجع إلى الهند مع حواء فاتخذا مغارة يأويان إليها في ليلهما ونهارهما وأرسل الله إليهما ملكا يعلمهما ما يلبسانه ويستتران به فزعموا أن ذلك كان من جلود الضأن
(1/85)
________________________________________
والأنعام والسباع وقال بعضهم إنما كان ذلك لباس أولادهما فأما آدم وحواء فإن لباسهما كان ما كانا خصفا على أنفسهما من ورق الجنة ثم إن الله عز ذكره مسح ظهر آدم عليه السلام بنعمان من عرفة وأخرج ذريته فنثرهم بين يديه كالذر فأخذ مواثيقهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى كما قال عز و جل وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفهسم ألست بربكم قالوا بلى ( 1 )
وقد حدثني أحمد بن محمد الطوسي قال حدثنا الحسين بن محمد قال حدثنا جرير بن حازم عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعني عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلا وقال ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إلى قوله بما فعل المبطلون ( 1 )
حدثني عمران بن موسى القزاز حدثنا عبدالوارث بن سعيد قال حدثنا كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى قال مسح ربنا ظهر آدم فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة بنعمان هذه وأشار بيده فأخذ مواثيقهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى
حدثنا ابن وكيع ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا ابن علية عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عز و جل وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى قال مسح ظهر آدم فخرج كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة بنعمان هذا الذي وراء عرفة وأخذ ميثاقهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا واللفظ لحديث يعقوب
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمران بن عيينة عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أهبط آدم حين أهبط فمسح الله ظهره فأخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ثم قال ألست بربكم قالوا بلى ثم تلى وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم فجف القلم من يومئذ بما هو كائن إلى يوم القيامة
حدثنا أبو كريب قال حدثنا يحيى بن عيسى عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم قال لما خلق الله عز و جل آدم عليه السلام أخذ ذريته من ظهره مثل الذر فقبض قبضتين فقال لأصحاب اليمين ادخلوا الجنة بسلام وقال للآخرين ادخلوا النار ولا أبالي
حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال حدثنا روح بن عبادة وسعد بن عبدالحميد بن جعفر عن مالك بن أنس عن زيد بن أبي أنيسة عن عبدالحميد بن عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب رضي ا لله عنه سئل عن هذه الآية وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم فقال عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إن الله خلق آدم ثم مسح على ظهره بيمينه
(1/86)
________________________________________
واستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح على ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل قال إن الله تبارك وتعالى إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من عمل أهل الجنة فيدخله الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من عمل أهل النار فيدخله النار
وقيل إنه أخذ ذرية آدم عليه السلام من ظهره بدحنا
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا حكام قال حدثنا عمرو بن قيس عن عطاء عن سعيد عن ابن عباس وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم قال لما خلق الله عز و جل آدم مسح ظهره بدحنا فأخرج من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة فقال ألست بربكم قالوا بلى قال فيرون يومئذ جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة
وقال بعضهم أخرج الله ذرية آدم من صلبه في السماء قبل أن يهبطه إلى الأرض وبعد أن أخرجه من الجنة
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط عن السدي وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى قال أخرج الله آدم من الجنة ولم يهبطه من السماء ثم إنه مسح من آدم صفحة ظهره اليمنى فأخرج منه ذرية كهيئة الذر بيضاء مثل اللؤلؤ فقال لهم ادخلوا الجنة برحمتي ومسح صفة ظهره اليسرى فأخرج منه كهيئة الذر سودا فقال ادخلوا النار ولا أبالي فذلك حين يقول أصحاب اليمين و أصحاب الشمال ثم أخذ الميثاق فقال ألست بربكم قالوا بلى فأعطاه طائفة طائعين وطائفة على وجه التقية
(1/87)

بنالعياط
26-09-2012, 08:21 PM
ذكر الأحداث التي كانت في عهد آدم عليه السلام بعد أن أهبط إلى الأرض
فكان أول ذلك قتل قابيل بن آدم أخاه هابيل وأهل العلم يختلفون في اسم قابيل فيقول بعضهم هو قين بن آدم ويقول بعضهم هو قايين بن آدم ويقول بعضهم هو قاين ويقول بعضهم هو قابيل
واختلفوا أيضا في السبب الذي من أجله قتله
فقال بعضهم في ذلك ما حدثني به موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قال كان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر حتى ولد له ابنان يقال لهما قابيل وهابيل وكان قابيل صاحب زرع وكان هابيل صاحب ضرع وكان قابيل أكبرهما وكانت له أخت أحسن من أخت هابيل وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه وقال هي أختي ولدت معي وهي أحسن من أختك وأنا أحق أن أتزوجها فأمره أبوه أن يزوجها هابيل فأبى وإنهما قربا قربانا إلى الله أيهما أحق بالجارية وكان آدم يومئذ قد غاب عنهما وأتى مكة ينظر إليها قال الله لآدم يا آدم هل تعلم أن لي بيتا في الأرض قال اللهم لا قال فإن لي بيتا بمكة فأته فقال آدم للسماء احفظي ولدي بالأمانة فأبت وقال للأرض فأبت وقال للجبال فأبت فقال لقابيل فقال نعم تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك فلما انطلق آدم قربا قربانا وكان قابيل يفخر عليه فيقول أنا أحق بها منك هي أختي وأنا أكبر منك وأنا وصي والدي فلما قربا قرب هابيل جذعة سمينة وقرب قابيل حزمة سنبل فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها فأكلها فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل فغضب وقال لأقتلنك حتى لا تنكح أختي فقال هابيل إنما يتقبل الله من المتقين لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إلى قوله فطوعت له نفسه قتل أخيه ( 1 ) فطلبه ليقتله فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال فأتاه يوما من الأيام وهو يرعى غنمه في جبل وهو نائم فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات وتركه بالعراء لا يعلم كيف يدفن فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه فحفر له ثم حثا عليه فلما رآه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي ( 1 ) فهوقوله عز و جل فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه ( 1 ) فرجع آدم فوجد ابنه قد قتل أخاه فذلك
(1/88)
________________________________________
حين يقول الله عز و جل إنا عرضا الأمانة على السموات والأرض والجبال إلى آخر الآية إنه كان ظلوما جهولا ( 1 ) يعني قابيل حين حمل أمانة آدم ثم لم يحفظ له أهله
وقال آخرون كان السبب في ذلك أن آدم كان يولد له من حواء في كل بطن ذكر وأنثى فإذا بلغ الذكر منهما زوج منه ولده الأنثى التي ولدت مع أخيه الذي ولد في البطن الآخر قبله أو بعده
فرغب قابيل بتوءمته عن هابيل
كما حدثني القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج قال أخبرني عبدالله بن عثمان بن خثيم قال أقبلت مع سعيد بن جبير أرمي الجمرة وهو متقنع متوكئ على يدي حتى إذا وازينا بمنزل سمرة الصواف وقف يحدثني عن ابن عباس قال نهي أن تنكح المرأة أخاها توءمها وينكحها غيره من إخوتها وكان يولد في كل بطن رجل وامرأة فولدت امرأة وسيمة وولدت امرأة قبيحة فقال أخو الدميمة أنكحني أختك وأنكحك أختي قال لا أنا أحق بأختي فقربا قربانا فتقبل من صاحب الكبش ولم يتقبل من صاحب الزرع فقتله فلم يزل ذلك الكبش محبوسا عند الله عز و جل حتى أخرجه فداء إسحاق فذبحه على هذا الصفا في ثبير عند منزل سمرة الصواف وهو على يمينك حين ترمي الجمار
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم من أهل الكتاب الأول أن آدم عليه السلام كان يغشى حواء في الجنة قبل أن تصيب الخطيئة فحملت له بقين بن آدم وتؤمته فلم تجد عليهما وحما ولا وصبا ولم تجد عليهما طلقا حين ولدتهما ولم تر معهما دما لطهر الجنة فلما أكلا من الشجرة وأصابا المعصية وهبطا إلى الأرض واطمأنا بها تغشاها فحملت بهابيل وتوءمته فوجدت عليهما الوحم والوصب ووجدت حين ولدتهما الطلق ورأت معهما الدم وكانت حواء فيما يذكرون لا تحمل إلا توءما ذكرا وأنثى فولدت حواء لآدم أربعين ولدا لصلبه من ذكر وأنثى في عشرين بطنا وكان الرجل منهم أي أخواته شاء تزوج إلا توءمته التي تولد معه فإنها لا تحل له وذلك أنه لم يكن نساء يومئذ إلا أخواتهم وأمهم حواء
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول أن آدم أمر ابنه قينا أن ينكح توأمته هابيل وأمر هابيل أن ينكح أخته توءمته قينا فسلم لذلك هابيل ورضي وأبى ذلك قين وكره تكرما عن أخت هابيل رغب بأخته عن هابيل وقال نحن ولادة الجنة وهما من ولادة الأرض وأنا أحق بأختي ويقول بعض أهل العلم من أهل الكتاب الأول بل كانت أخت قين من أحسن الناس فضن بها عن أخيه وأرادها لنفسه والله أعلم أي ذلك كان فقال له أبوه يا بني إنها لا تحل لك فأبى قين أن يقبل ذلك من قول أبيه فقال له أبوه يا بني فقرب قربانا ويقرب أخوك هابيل قربانا فأيكما قبل الله قربانه فهو احق بها وكان قين على بذر الأرض وكان هابيل على رعاية الماشية فقرب قين قمحا وقرب هابيل أبكارا من أبكار غنمه وبعضهم يقول قرب بقرة فأرسل الله عز و جل نارا بيضاء فأكلت قربان
(1/89)
________________________________________
هابيل وتركت قربان قين وبذلك كان يقبل القربان إذا قبله الله عز و جل فلما قبل الله قربان هابيك وكان في ذلك القضاء له بأخت قين غضب قين وغلب عليه الكبر واستحوذ عليه الشيطان فاتبع أخاه هابيل وهو في ماشيته فقتله فهما اللذان قص الله خبرهما في القرآن على محمد صلى الله عليه و سلم فقال واتل عليهم يعني أهل الكتاب نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ( 1 ) إلى آخر القصة قال فلما قتله سقط في يديه ولم يدر كيف يواريه وذلك أنه كان فيما يزعمون أول قتيل من بني آدم فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي إلى قوله قوله ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون ( 1 )
قال ويزعم أهل التوراة أن قينا احين قتل أخاه هابيل قال الله له أين أخوك هابي قال ما أدري ما كنت عليه رقيبا فقال الله له إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض الآن أنت ملعون من الأرض التي فتحت فاها فتلقت دم أخيك من يدك فإذا أنت عملت في الأرض فإنها لا تعود تعطيك حرثها حتى تكون فزعا تائها في الأرض فقال قين عظمت خطيئتي من أن تغفرها قد أخرجتني اليوم عن وجه الأرض وأتوارى من قدامك وأكون فزعا تائها في الأرض وكل من لقيني قتلني فقال الله عز و جل ليس ذلك كذلك فلا يكون كل من قتل قتيلا يجزى بواحد سبعة ولكن من قتل قينا يجزي سبعة وجعل الله في قين آية لئلا يقتله كل من وجده وخرج قين من قدام الله عز و جل من شرقي عدن الجنة
وقال آخرون في ذلك إنما كان قتل القاتل منهما أخاه أن الله عز و جل أمرهما بتقريب قربان فتقبل قربان أحدهما ولم يتقبل من الآخر فبغاه الذي لم يتقبل قربانه فقتله
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن بشار قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا عوف عن أبي المغيرة عن عبدالله بن عمرو قال إن ابني آدم اللذين قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر كان أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم وأنهما أمرا أن يقربا قربانا وأن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه وأن صاحب الحرث قرب شر حرثه الكوز والزوان غير طيبة بها نفسه وأن الله عز و جل تقبل قربان صاحب الغنم ولم يتقبل قربان صاحب الحرث وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه وقال أيم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج أن ينبسط إلى أخيه
وقال آخرون بما حدثني به محمد بن سعد قال حدثني أبي قال حدثني عمي قال حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قال كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه وإنما كان القربان يقربه الرجل فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا لو قربنا قربانا وكان الرجل إذا قرب قربانا فرضيه الله عز و جل أرسل إليه نارا فأكلته وإن لم يكن رضيه الله خبت النار فقربا قربانا وكان أحدهما راعيا والآخر حراثا وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنها وقرب الآخر بعض زرعه فجاءت النار فنزلت بينهما فأكلت الشاة وتركت الزرع وإن ابن آدم قال لأخيه أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قربانا فتقبل منك ورد علي قرباني فلا
(1/90)
________________________________________
والله لا ينظر الناس إلي وإليك وأنت خير مني فقال لأقتلنك فقال له أخوه ما ذنبي إنما يتقبل الله من المتقين
وقال آخرون لم تكن قصة هذين الرجلين في عهد آدم ولا كان القربان في عصره وقالوا إنما كان هذان رجلين من بني إسرائيل وقالوا إن أول ميت مات في الأرض آدم عليه السلام لم يمت قبله أحد
ذكر من قال ذلك
حدثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا سهل بن يوسف عن عمرو عن الحسن قال كان الرجلان اللذان في القرآن قال الله عز و جل فيهما واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق من بني إسرائيل ولم يكونا ابني آدم لصلبه وإنما كان القربان في بني إسرائيل وكان آدم أول من مات
وقال بعضهم إن آدم غشي حواء بعد مهبطهما إلى الأرض بمائة سنة فولدت له قابيل وتوءمته قليما في بطن واحد ثم هابيل وتوءمته في بطن واحد فلما شبوا أراد آدم عليه السلام أن يزوج أخت قابيل التي ولدت معه في بطن واحد من هابيل فامتنع من ذلك قابيل وقربا بهذا السبب قربانا فتقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل فحسده قابيل فقتله عند عقبة حرى ثم نزل قابيل من الجبل آخذا بيد أخته قليما فهرب بها إلى عدن من أرض اليمن
حدثني بذلك الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال لما قتل قابيل أخاه هابيل أخذ بيد أخته ثم هبط بها من جبل بوذ إلى الحضيض فقال آدم لقابيل اذهب فلا تزال مرعوبا لا تأمن من تراه فكان لا يمر به أحد من ولده إلا رماه فأقبل ابن لقابيل أعمى ومعه ابن له فقال للأعمى ابنه هذا أبوك قابيل فرمى الأعمى أباه قابيل فقتله فقال ابن الأعمى قتلت يا أبتاه أباك فرفع الأعمى يده فلطم ابنه فمات ابنه فقال الأعمى ويل لي قتلت أبي برميتي وقتلت ابني بلطمتي
وذكر في التوراة أن هابيل قتل وله عشرون سنة وأن قابيل كان له يوم قتله خمس وعشرون سنة
والصحيح من القول عندنا أن الذي ذكر الله في كتابه أنه قتل أخاه من ابني آدم لصلبه لنقل الحجة أن ذلك كذلك وأن هناد بن السري حدثنا قال حدثنا أبو معاوية وكيع جميعا عن الأعمش وحدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير وحدثنا ابن وكيع قال حدثنا جرير وأبو معاوية عن الأعمش عن عبدالله بن مرة عن مسروق عن عبدالله قال قال النبي صلى الله عليه و سلم ما من نفس تقتل ظلما إلا كان ابن آدم الأول كفل منها وذلك لأنه أول من سن القتل
حدثنا ابن بشار قال حدثنا عبدالرحمن بن مهدي وحدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي
جميعا عن سفيان عن الأعمش عن عبدالله بن مرة عن مسروق عن عبدالله عن النبي صلى الله عليه و سلم نحوه
فقد بين هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم صحة قول من قال إن اللذين قص الله في كتابه قصتهما من ابني آدم كانا ابنيه لصلبه لأنه لا شك أنهما لو كانا من بني إسرائيل كما روي عن الحسن لم يكن الذي وصف مهما بأنه قتل أخاه أول من سن القتل إذ ان القتل في بني آدم قد كان قبل إسرائيل وولده
(1/91)
________________________________________
فإن قال قائل فما برهانك على أنها ولدا آدم لصلبه وأن لم يكونا من بني إسرائيل
قيل لا خلاف بين سلف علماء أمتنا في ذلك إذا فسد قول من قال كانا من بني إسرائيل
وذكر أن قابيل لما قتل أخاه هابيل بكاه آدم عليه السلام فقال فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن غياث بن إبراهيم عن أبي إسحاق الهمداني قال قال علي بن ابي طالب كرم الله وجهه لما قتل ابن آدم أخاه بكاه آدم فقال ... تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح ... تغير كل ذي طعم ولون ... وقل بشاشة الوجه المليح ...
قال فأجيب آدم عليه السلام
... أبا هابيل قد قتلا جميعا ... وصار الحي كالميت الذبيح ... وجاء بشرة قد كان منها ... على خوف فجاء بها يصيح ...
وذكر أن حواء ولدت لآدم عليه السلام عشرين ومائة بطن أولهم قابيل وتوءمته قليما وآخرهم عبدالمغيث وتوءمته أمة المغيث
وأما ابن إسحاق فذكر عنه ما قد ذكرت قبل وهو أن جميع ما ولدته حواء لآدم لصلبه أربعون من ذكر وأنثى في عشرين بطنا وقال قد بلغنا أسماء بعضهم ولم يبلغنا بعض
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال فكان من بلغنا اسمه خمسة عشر رجلا وأربع نسوة منهم قين وتوءمته وهابيل وليوذا وأشوث بنت آدم وتوءمها وشيث وتوءمتته وحزورة وتوءمها على ثلاثين ومائة سنة من عمره ثم أباد بن آدم وتوءمته ثم بالغ بن آدم وتوءمته ثم أثاثي بن آدم وتوءمته ثم توبة بن آدم وتوءمته ثم بنان بن آدم وتوءمته ثم شبوبة بن آدم وتوءمته ثم حيان بن آدم وتوءمته ثم ضرابيس بن آدم وتوءمته ثم هدز بن آدم وتوءمته ثم يحود بن آدم وتوءمته ثم سندل بن آدم وتوءمته ثم بارق بن آدم وتوءمته كل رجل منهم تولد معه امرأة في بطنه الذي يحمل به فيه
وقد زعم أكثر علماء الفرس أن جيومرت هو آدم وزعم بعضهم أنه ابن آدم لصلبه من حواء
وقال فيه غيرهم أقوالا كثيرة يطول بذكر أقوالهم الكتاب وتركنا ذكر ذلك إذ كان قصدنا في كتابنا هذا ذكر الملوك وأيامهم وما قد شرطنا في كتابنا هذا أنا ذاكروه فيه ولم يكن ذكر اختلاف المختلفين في نسب ملك من جنس ما أنشأنا له صنعة الكتاب فإن ذكرنا من ذلك شيئا فلتعريف من ذكرنا ليعرفه من لم يكن به عارفا فأما ذكر الاختلاف في نسبه فإنه غير المقصود به في كتابنا هذا
وقد خالف علماء الفرس فيما قالوا من ذلك أخرون من غيرهم ممن زعم أنه آدم ووافق علماء الفرس على اسمه وخالفه في عينه وصفته فزعم أن جيومرت الذي زعمت الفرس انه آدم عليه السلام إنما هو جامر بن يافث بن نوح وأنه كان معمرا سيدا نزل جبل دنباوند من جبال طبرستان من أرض المشرق وتملك بها
(1/92)
________________________________________
وبفارس ثم عظم أمره وأمر ولده حى ملكوا بابل وملكوا في بعض الأوقات الأقاليم كلها وأن جيومرت منع من البلاد ما صار إليه وابتنى المدن والحصون وعمرها وأعد السلاح واتخذ الخيل وأنه تجبر في آخر عمره وتسمى بآدم وقال من سماني بغير هذا الاسم ضربت عنقه وأنه تزوج ثلاثين امرأة فكثر منهن نسله وأن ماري ابنه وماريانة أخته ممن كان ولد له في آخر عمره فأعجب بهما وقدمهما صار الملوك بذلك السبب من نسلهما وأن ملكه اتسع وعظم
وإنما ذكرت من أمر جيومرت في هذا الموضع ما ذكرت لأنه لا تدافع بين علماء الأمم أن جيومرت هو أبو الفرس من العجم وإنما اختلفوا فيه هل هو آدم أبو البشر على ما قاله الذين ذكرنا قولهم أم هو غيره ثم مع ذلك فلأن ملكه وملك أولاده لم يزل منتظما على سياق متسقا بأرض المشرق وجبالها إلى أن قتل يزدجرد بن شهريار من ولد ولده بمرو أبعده الله أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه فتأريخ ما مضى من سني العالم على أعمار ملوكهم أسهل بيانا وأوضح منارا منه على أعمار ملوك غيرهم من الأمم إذ لا تعلم أمة من الأمم الذين ينتسبون إلى آدم عليه السلام دامت لها المملكة واتصل لهم الملك وكانت لهم ملوك تجمعهم ورؤوس تحامي عنهم من ناوأهم وتغالب بهم من عازهم وتدفع ظالمهم عن مظلومهم وتحملهم من الأمور على ما فيه حظهم على اتصال ودوام ونظام يأخذ ذلك آخرهم عن أولهم وغابرهم عن سالفهم سواهم فالتأريخ على أعمار ملوكهم أصح مخرجا وأحسن وضوحا
وأنا ذاكر ما انتهى إلينا من القول في عمر آدم عليه السلام وأعمار من كان بعده من ولده الذين خلفوه في النبوة والملك على قول من خالف قول الفرس الذين زعموا أنه جيومرت وعلى قول من قال إنه هو جيومرت أبو الفرس وذاكر ما اختلفوا فيه من أمرهم إلى الحال التي اجتمعوا عليها فاتفقوا على من ملك منهم في زمان بعينه أنه كان هو الملك في ذلك الزمان إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم سائق ذلك كذلك إلى زماننا هذا
ونرجع الآن إلى الزيادة في الإبانة عن خطأ قول من قال إن أول ميت كان في أول الأرض آدم وإنكاره الذين قص الله نبأهما في قوله واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا ( 1 ) أن يكون من صلب آدم من أجل ذلك
فحدثنا محمد بن بشار قال حدثنا عبدالصمد بن عبدالوارث قال حدثنا عمر بن إبراهيم عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي عليه السلام قال كانت حواء لا يعيش لها ولد فنذرت لئن عاش لها ولد لتسمينه عبدالحارث فعاش لها ولد فسمته عبدالحارث وإنما كان ذلك عن وحي الشيطان
وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال كانت حواء تلد لآدم فتعبدهم الله عز و جل وتسميهم عبدالله وعبيدالله ونحو ذلك فيصيبهم الموت فأتاها إبليس وآدم عليه السلام فقال إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه به لعاش فولدت
(1/93)
________________________________________
له ذكرا فسمياه عبدالحارث ففيه أنزل الله عز ذكره يقول الله عز و جل هو الذي خلقكم من نفس واحدة إلى قوله جعلا له شركاء فيما آتاهما ( 2 ) إلى آخر الآية
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا ابن فضيل عن سالم بن ابي حفصة عن سعيد بن جبير فلما أثقلت دعوا الله ربهما إلى قوله فتعالى الله عما يشركون ( 1 )
قال ولما حملت حواء في أول ولد ولدته حين أثقلت أتاها إبليس قبل أن تلد فقال يا حواء ما هذا في بطنك فقالت ما أدري من فقال أين يخرج من أنفك أو من عينك أو من أذنك قالت لا أدري قال أرأيت إن خرج سليما أمطيعتي أنت فيما أمرك به قالت نعم قال سميه عبدالحارث وقد كان يسمى إبليس لعنه الله الحارث فقالت نعم ثم قالت بعد ذلك لآدم أتاني آت في النوم فقال لي كذا وكذا فقال إن ذاك الشيطان فاحذريه فإنه عدونا الذي أخرجنا من الجنة ثم أتاها إبليس لعنه الله فأعاد عليها فقالت نعم فلما وضعته أخرجه الله سليما فسمته عبدالحارث فهو قوله جعلا له شركاء فيما آتاهما إلى قوله فتعالى الله عما يشركون ( 1 )
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا جرير وابن فضيل عن عبدالملك عن سعيد بن جبير قال قيل له أشرك آدم قال أعوذ بالله أن أزعم أن آدم عليه السلام أشرك ولكن حواء لما أثقلت أتاها إبليس قال لها من أين يخرج هذا من أنفك او من عينك أو من فيك فقنطها ثم قال أرأيت إن خرج سويا قال ابن وكيع زاد ابن فضيل لم يضرك ولم يقتلك أتطيعينني قالت نعم قال فسميه عبدالحارث ففعلت زاد جرير فإنما كان شركه في الاسم
حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي فولدت يعني حواء غلاما فأتاها إبليس فقال سموه عبدي وإلا قتلته قال له آدم قد أطعتك وأخرجتني من الجنة فأبى أن يطيعه فسماه عبدالرحمن فسلط عليه إبليس لعنه الله فقتله فحملت بآخر فلما ولدته قال سميه عبدي وإلا قتلته قال له آدم عليه السلام قد أطعتك فأخرجتني من الجنة فأبى فسماه صالحا فقتله فلما كان الثالث قال لهما فإذ غلبتموني فسموه عبدالحارث وكان اسم إبليس الحارث وإنما سمي إبليس حين أبلس ( تحير ) فذلك حين يقول الله عز و جل جعلا له شركاء فيما آتاهما يعني في الأسماء
فهؤلاء الذين ذكرت الرواية عنهم بما ذكرت من أنه مات لآدم وحواء أولاد قبلهما ومن لم نذكر أقوالهم ممن عددهم أكثر من عدد من ذكرت قوله والرواية عنه قالوا خلاف قول الحسن الذي روي عنه أنه قال أول من مات آدم عليه السلام
وكان آدم مع ما كان الله عز و جل قد أعطاه من ملك الأرض والسلطان فيها قد نبأه وجعله رسولا إلى ولده وأنزل عليه إحدى وعشرين صحيفة كتبها آدم عليه السلام بخطه علمه إياها جبرئيل عليه السلام
وقد حدثنا أحمد بن عبدالرحمن بن وهب قال حدثنا عمي قال حدثني الماضي بن محمد عن أبي سليمان عن القاسم بن محمد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري قال دخلت المسجد فإذا
(1/94)
________________________________________
رسول الله صلى الله عليه و سلم جالس وحده فجلست إليه فقال لي يا أبا ذر إن للمسجد تحية وإن تحيته ركعتان فقم فاركعهما فلما ركعتهما جلست إليه فقلت يا رسول الله إنك أمرتني بالصلاة فما الصلاة قال خير موضوع استكثر أو استقل ثم ذكر قصة طويلة قال فيها قلت يا رسول الله كم الأنبياء قال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا قال قلت يا رسول الله كم المرسل من ذلك قال ثلثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا يعني كثير طيبا قال قلت يا رسول الله من كان أولهم قال آدم قال قلت يا رسول الله وآدم نبي مرسل قال نعم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه ثم سواه قبلا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن جعفر بن الزبير عن القاسم بن عبدالرحمن عن أبي أمامة عن أبي ذر قال قلت يا نبي الله أنبيا كان آدم قال نعم كان نبيا كلمه الله قبلا
وقيل إنه كان مما أنزل الله تعالى على آدم تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وحروف المعجم في إحدى وعشرين ورقة
(1/95)

بنالعياط
26-09-2012, 08:37 PM
ذكر ولادة حواء شيثا
ولما مضى لآدم صلى الله عليه و سلم من عمره مائة وثلاثون سنة وذلك بعد قتل قابيل هابيل بخمس سنين ولدت له حواء ابنه شيثا فذكر أهل التوراة أن شيثا ولد فردا بغير توءم وتفسير شيث عندهم هبة الله ومعناه أنه خلف من هابيل
حدثني الحارث بن محمد قال حدثني ابن سعد قال أخبرنا هشام قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال ولدت حواء لآدم شيثا وأخته عزورا فسمي هبة الله اشتق له من هابيل قال له جبرئيل حين ولدته هذا هبة الله بدل هابيل وهو بالعربية شث وبالسريانية شاث وبالعبرانية شيث وإليه أوصى آدم وكان آدم يوم ولد له شيث ابن ثلاثين ومائة سنة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال لما حضرت آدم الوفاة فيما يذكرون والله أعلم دعا ابنه شيتا فعهد إليه عهده وعلمه ساعات الليل والنهار وأعلمه عبادة الخلق في كل ساعة منهن فأخبره أن لكل ساعة صنفا من الخلق فيها عبادته وقال له يا بني إن الطوفان سيكون في الأرض يلبث فيها سبع سنين وكتب وصيته فكان شيث فيما ذكر وصي أبيه آدم عليه السلام وصارت الرياسة من بعد وفاة آدم لشيث فأنزل الله عليه فيما روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم خمسين صحيفة
حدثنا أحمد بن عبدالرحمن بن وهب قال حدثنا عمي قال حدثنا الماضي بن محمد عن أبي سليمان عن القاسم بن محمد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري قال قلت يا رسول الله كم كتاب أنزله الله عز و جل قال مائة كتاب وأربعة كتب أنزل الله على شيت خمسين صحيفة
وإلى شيث أنساب بني آدم كلهم اليوم وذلك أن نسل سائر ولد آدم غير نسل شيث انقرضوا وبادوا فلم يبق منهم أحد فأنساب الناس كلهم اليوم إلى شيث عليه السلام
وأما الفرس الذين قالوا إن جيومرت هو آدم فإنهم قالوا ولد لجيومرت ابنه ميشى وتزوج ميشى أخته ميشانه فولدت له سيامك بن ميشى وسيامى ابنة ميشى فولد لسيامك بن ميشى بن جيومرت أفرواك وديس وبراسب وأجوب وأوراش بنو سيامك وأفرى ودذى وبرى وأوراشىبنات سيامك أمهم جميعا سيامى بنت ميشى وهي أخت ابيهم
وذكروا أن الأرض كلها سبعة أقاليم فأرض بابل وما يوصل إليه مما يأتيه الناس برا أو بحرا فهو إقليم
(1/96)
________________________________________
واحد وسكانه نسل ولد أفرواك بن سيامك وأعقابهم وأما الأقاليم الستة الباقية التي لا يوصل إليها اليوم برا أو بحرا فنسل سائر ولد سيامك من بنيه وبناته
فولد لأفرواك بن سيامك من أفرى بنت سيامك هو شنك بيشداذ الملك وهو الذي خلف جده جيومرت في الملك وأول من جمع له ملك الأقاليم السبعة وسنذكر أخباره إن شاء الله إذا انتهينا إليه وكان بعضهم يزعم أن أوشهنج هذا هو ابن آدم لصلبه من حواء
وأما هشام الكلبي فإنه فيما حدثت عنه قال بلغنا والله أعلم أول ملك ملك الأرض أوشهنق بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح قال والفرس تدعيه وتزعم أنه كان بعد وفاة آدم بمائتي سنة قال وإنما كان هذا الملك فيما بلغنا بعد نوح بمائتي سنة فصيره أهل فارس بعد آدم بمائتي سنة ولم يعرفوا ما كان قبل نوح
وهذا الذي قاله هشام قول لا وجه له لأن هوشهنك الملك في أهل المعرفة بأنساب الفرس أشهر من الحجاج بن يوسف في أهل الإسلام وكل قوم فهم بآبائهم وأنسابهم ومآثرهم أعلم من غيرهم وإنما يرجع في كل أمر التبس إلى أهله وقد
زعم بعض نسابة الفرس أن أوشهنج بيشداذ الملك هذا هو مهلائيل وأن أباه فرواك هو قينان أبو مهلائيل وأن سيامك هو أنوش أبو قينان وأن ميشى هو شيث أبو أنوش وأن جيومرت هو آدم صلى الله عليه و سلم
فإن كان الأمر كما قال فلا شك أن أوشهنج كان في زمان آدم رجلا وذلك أن مهلائيل فيما ذكر في الكتاب الأول كانت ولادة أمه دينة ابنة براكيل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم إياه بعد ما مضى من عمر آدم صلى الله عليه و سلم ثلثمائة سنة وخمس وتسعون سنة فقد كان له حين وفاة آدم ستمائة سنة وخمس سنين على حساب ما روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في عمر آدم أنه كان عمره ألف سنة
وقد زعمت علماء الفرس أن ملك أوشهنج هذا كان أربعين سنة فإن كان الأمر في هذا الملك كالذي قاله النسابة الذي ذكرت عنه ما ذكرت فلم يبعد ما قال إن ملكه كان بعد وفاة آدم صلى الله عليه و سلم بمائتي سنة
(1/97)

بنالعياط
26-09-2012, 09:13 PM
ذكر وفاة آدم عليه السلام
اختلف في مدة عمره وابن كم كان يوم قبضه الله عز و جل إليه
فأما الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنها واردة بما حدثني محمد بن خلف العسقلاني قال حدثنا آدم بن أبي إياس قال حدثنا أبو خالد سليمان بن حيان قال حدثني محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال أبو خالد وحدثني الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال أبو خالد وحدثني داود بن أبي هند عن الشعبي عن أبي هريرة ن النبي صلى الله عليه و سلم قال أبو خالد وحدثني ابن أبي ذباب الدوسي قال حدثنا سعيد المقبري ويزيد بن هرمز عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال خلق الله آدم بيده ونفخ فيه من روحه وأمر الملائكة فسجدوا له فجلس فعطس فقال الحمد لله فقال له ربه يرحمك ربك إيت أولئك الملأ من الملائكة فقل لهم السلام عليكم فأتاهم فقال لهم السلام عليكم قالوا له وعليك السلام ورحمة الله ثم رجع إلى ربه فقال له هذه تحيتك وتحية ذريتك بينهم ثم قبض له يديه فقال له خذ واختر قال اخترت يمين ربي وكلتا يديه يمين ففتحها له فإذا فيها صورة آدم وذريته كلهم فإذا كل رجل مكتوب عنده أجله وإذا آدم قد كتب له عمر ألف سنة وإذا قوم عليهم النور فقال يا رب من هؤلاء الذين عليهم النور فقال هؤلاء الأنبياء والرسل الذين أرسل إلى عبادي وإذا فيهم رجل هو أضوءهم نورا ولم يكتب له من العمر إلا أربعون سنة فقال يا رب ما بال هذا من أضوئهم نورا ولم يكتب له من العمر إلا أربعون سنة فقال ذاك ما كتب له فقال يا رب انقص له من عمري ستين سنة فقال رسول اله صلى الله عليه و سلم فلما أسكنه الله الجنة ثم أهبط إلى الأرض كان يعد أيامه فلما أتاه ملك الموت ليقبضه قال له آدم عجلت علي يا ملك الموت فقال ما فعلت فقال قد بقي من عمري ستون سنة فقال له ملك الموت ما بقي من عمرك شيء قد سألت ربك أن يكتبه لابنك داود فقال ما فعلت فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فنسي آدم فنسيت ذريته وجحد آدم فجحدت ذريته فيومئذ وضع الله الكتاب وأمر بالشهود
حدثني ابن سنان قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يونس بن مهران عن ابن عباس قال لما نزلت آية الدين قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن أول من جحد آدم عليه السلام ثلاث مرات وإن الله تبارك وتعالى لما خلقه مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذار إلى يوم القيامة فجعل يعرضهم على آدم فرأى فيهم رجلا يزهر فقال أي رب أي نبي هذا قال هذا ابنك داود قال أي رب كم عمره قال ستون سنة قال أي رب زده في عمره قال لا إلا أن تزيده أنت من عمرك وكان
(1/98)
________________________________________
عمر آدم ألف سنة فوهب له من عمره أربعين عاما فكتب الله عليه بذلك كتابا وأشهد عليه الملائكة فلما احتضر آدم أتته الملائكة لتقبض روحه قال إنه قد بقي من عمري أربعون سنة قالوا إنك قد وهبتها لابنك داود قال ما فعلت ولا وهبت له شيئا فأنزل الله عليه الكتاب وأقام عليه الملائكة شهودا فأكمل لآدم ألف سنة وأكمل لداود مائة سنة
حدثني محمد بن سعد قال حدثني أبي قال حدثني عمي قال حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله عز و جل وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم إلى قوله قالوا بلى شهدنا ( 1 ) قال ابن عباس إن الله عز و جل لما خلق آدم مسح ظهره وأخرج ذريته كلهم كهيئة الذر فأنطقهم فتكلموا وأشهدهم على أنفسهم وجعل مع بعضهم النور وأنه قال لآدم هؤلاء ذريتك أخذ عليهم الميثاق أني أنا ربهم لئلا يشركوا بي شيئا وعلي رزقهم قال آدم فمن هذا الذي معه النور قال هو داود قال يا رب كم كتبت له من الأجل قال ستين سنة قال كم كتبت لي قال ألف سنة وقد كتبت لكل إنسان منهم كم يعمر وكم يلبث قال يا رب زده قا هذا الكتاب موضوع فأعطه إن شئت من عمرك قال نعم وقد جف القلم عن سائر بني آدم فكتب له من أجل آدم أربعين سنة فصار أجله مائة سنة فلما عمر تسعمائة سنة وستين سنة جاءه ملك الموت فلما أن رآه آدم قال مالك قال له قد استوفيت أجلك قال له آدم إنما عمرت تسعمائة سنة وستين سنة وبقي لي أربعون سنة فلما قال ذلك للملك قال الملك قد أخبرني بها ربي قال فارجع إلى ربك فسله فرجع الملك إلى ربه فقال مالك قال يا رب رجعت إليك لما كنت أعلم من تكرمتك إياه قال الله عز و جل ارجع فأخبره أنه قد أعطى ابنه داود أربعين سنة
حدثنا ابن بشار قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير في هذه الآية وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قال أخرجهم من ظهر آدم وجعل لآدم عمر ألف سنة قال فعرضوا على آدم فرأى رجلا من ذريته له نور فأعجبه فسأله عنه فقال هو داود وقد جعل عمره ستين سنة فجعل له من عمره أربعين سنة فلما احتضر آدم عليه السلام جعل يخاصمهم في الأربعين السنة فقيل له إنك قد أعطيتها داود قال فجعل يخاصمهم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد في قوله عز و جل وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم قال أخرج ذريته من ظهره في صورة كهيئة الذر فعرضهم على آدم بأسمائهم وأسماء آبائهم وآجالهم قال فعرض عليه روح داود في نور ساطع فقال من هذا قال هذا من ذريتك نبي خلقته قال كم عمره قال ستون سنة قال زيدوه من عمري أربعين سنة قال والأقلام رطبة تجري وأثبتت لداود عليه السلام الأربعون وكان عمر آدم ألف سنة فلما استكملها إلا الأربعين سنة بعث إليه ملك الموت قال يا آدم أمرت أن أقبضك قال ألم يبق من عمري أربعون سنة قال فرجع ملك الموت
(1/99)
________________________________________
إلى ربه عز و جل فقال إن آدم يدعي من عمره أربعين سنة قال أخبر آدم أنه جعلها لابنه داود والأقلام رطبة وأثبتت لداود الأربعون
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبو داود عن يعقوب عن جعفر عن سعيد بنحوه
وذكر أن آدم عليه السلام مرض قبل موته أحد عشر يوما وأوصى إلى ابنه شيث عليه السلام وكتب وصيته ثم دفع كتاب وصيته إلى شيث وأمره أن يخفيه من قابيل وولده لأن قابيل قد كان قتل هابيل حسدا منه حين خصه آدم بالعلم فاستخفى شيث وولده بما عندهم من العلم ولم يكن عند قابيل وولده علم ينتفعون به
ويزعم أهل التوراة أن عمر آدم عليه السلام كله كان تسعمائة سنة وثلاثين سنة
حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام بن محمد قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال كان عمر آدم تسعمائة سنة وستا وثلاثين سنة والله أعلم
والأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم والعلماء من سلفنا ما قد ذكرت ورسول الله صلى الله عليه و سلم كان أعلم الخلق بذلك
وقد ذكرت الأخبار الواردة عنه أنه قال كان عمره ألف سنة وأنه بعد ما جعل لابنه داود من ذلك ما جعل له أكمل الله له عدة ما كان أعطاه من العمر قبل أن يهب لداود ما وهب له من ذلك ولعل ما كان جعل من ذلك آدم عليه السلام لداود عليه السلام لم يحسب في عمر آدم في التوراة فقيل كان عمره تسعمائة وثلاثين سنة
فإن قال قائل فإن الأمر وإن كان كذلك فإن آدم إنما كان جعل لابنه داود من عمره أربعين سنة فكان ينبغي أن يكون في التوراة تسعمائة سنة وستون ليوافق ذلك ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
قيل قد روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك أن الذي كان جعل آدم لابنه داود من عمره ستون سنة وذلك في رواية لأبي هريرة عنه وقد ذكرناها قبل فإن يكن ذلك كذلك فالذي زعموا أنه في التوراة من الخبر عن مدة حياة آدم عليه السلام موافق لما روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق أنه قال لما كتب آدم الوصية مات صلوات الله عليه واجتمعت عليه الملائكة من أجل أنه كان صفي الرحمن فقبرته الملائكة وشيث وإخوته في مشارق الفردوس عند قرية هي أول قرية كانت في الأرض وكسفت عليه الشمس والقمر سبعة أيام ولياليهن فلما اجتمعت عليه الملائكة وجمع الوصية جعلها في معراج ومعها القرن الذي أخرج أبونا آدم من الفردوس لكيلا يغفل عن ذكر الله عز و جل
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن يحيى بن عباد عن أبيه قال سمعته يقول بلغني أن آدم عليه السلام حين مات بعث الله إليه بكفنه وحنوطه من الجنة ثم وليت الملائكة قبره ودفنه حتى غيبوه
حدثنا علي بن حرب قال حدثنا روح بن أسلم قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن
(1/100)
________________________________________
الحسن عن النبي صلى الله عليه و سلم قال لما توفي آدم غسلته الملائكة بالماء وترا وألحدوا له وقالت هذه سنة آدم في ولده
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن الحسن بن ذكوان عن الحسن بن أبي الحسن عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن أباكم آدم كان كالنخلة السحوق ستين ذراعا كثير الشعر موارى العورة وأنه لما أصاب الخطيئة بدت له سوءته فخرج هاربا في الجنة فتلقاه شجرة فأخذت بناصيته وناداه ربه أفرارا مني يا آدم قال لا والله يا رب ولكن حياء منك مما قد جنيت فأهبطه الله إلى الأرض فلما حضرته الوفاة بعث الله إليه بحنوطه وكفنه من الجنة فلما رأت حواء الملائكة ذهبت لتدخل دونهم إليه فقال خلي عني وعن رسل ربي فإني ما لقيت ما لقيت إلا منك ولا أصابني ما أصابني إلا فيك فلما قبض غسلوه بالسدر والماء وترا وكفنوه في وتر من الثياب ثم لحدوا له فدفنوه ثم قالوا هذه سنة ولد آدم من بعده
حدثني أحمد بن المقدام قال حدثنا المعتمر بن سليمان قال قال أبي وزعم قتادة عن صاحب له حدث عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم كان آدم رجلا طوالأ كأنه نخلة سحوق
حدثنا الحارث بن محمد قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام بن محمد قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال لما مات آدم عليه السلام قال شيث لجبرئيل صلى الله عليهما صل على آدم قال تقدم أنت فصل على أبيك وكبر عليه ثلاثين تكبيرة فأما خمس فهي الصلاة وأما خمس وعشرون فتفضيلا لآدم صلى الله عليه و سلم
وقد اختلف في موضع قبر آدم عليه السلام فقال ابن إسحاق ما قد مضى ذكره وأما غيره فإنه قال دفن بمكة في غار أبي قبيس وهو غار يقال له غار الكنز
وروي عن ابن عباس في ذلك ما حدثني به الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا هشام قال أخبرنا أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال لما خرج نوح من السفينة دفن آدم عليه السلام ببيت المقدس
وكانت وفاته يوم الجمعة وقد مضى ذكرنا الرواية بذلك فكرهنا إعادته
وروي عن ابن عباس في ذلك ما حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام بن محمد قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال مات آدم عليه السلام على بوذ قال أبو جعفر يعني الجبل الذي أهبط عليه وذكر أن حواء عاشت بعده سنة ثم ماتت رحمهما الله فدفنت مع زوجها في الغار الذي ذكرت وأنهما لم يزالا مدفونين في ذلك المكان حتى كان الطوفان فاستخرجهما نوح وجعلهما في تابوت ثم حملهما معه في السفينة فلما غاضت الأرض الماء ردهما إلى مكانهما الذي كانا فيه قبل الطوفان وكانت حواء قد غزلت فيما ذكر ونسجت وعجنت وخبزت وعملت أعمال النساء كلها
ونرجع الآن إلى قصة قابيل وخبره وأخبار ولده شيث وخبر ولده إذ كنا قد أتينا من ذكر آدم وعدوه إبليس وذكر أخبارهما وما صنع الله بإبليس إذ تجبر وتعظم وطغى على ربه عز و جل فأشر وبطر نعمته التي أنعمها الله عليه وتمادى في جهله وغيه وسأل ربه النظرة فأنظره إلى يوم الوقت المعلوم وما صنع الله بآدم صلوات الله عليه إذ خطىء ونسي عهد الله من تعجيل عقوبته له على خطيئته ثم تغمده إياه بفضله
(1/101)
________________________________________
ورحمته إذ تاب إليه من زلته فتاب عليه وهداه وأنقذه من الضلالة والردى حتى نأتي على ذكر من سلك سبيل كل واحد منهما من تباع آدم عليه السلام على منهاجه وشيعة إبليس والمقتدين به في ضلالته إن شاء الله وما كان من صنع الله تبارك وتعالى بكل فريق منهم
فأما شيث عليه السلام فقد ذكرنا بعض أمره وأنه كان وصي أبيه آدم عليه السلام في مخلفيه بعد مضيه لسبيله وما أنزل الله عليه من الصحف
وقيل إنه لم يزل مقيما بمكة يحج ويعتمر إلى أن مات وإنه كان جمع ما أنزل الله عز و جل عليه من الصحف إلى صحف أبيه آدم عليه السلام وعمل بما فيها وأنه بنى الكعبة بالحجارة والطين
وأما السلف من علمائنا فإنهم قالوا لم تزل القبة التي جعل الله لآدم في مكان البيت إلى أيام الطوفان وإنما رفعها الله عز و جل حين أرسل الطوفان وقيل إن شيئا لما مرض أوصى ابنه أنوش ومات فدفن مع أبويه في غار أبي قبيس وكان مولده لمضي مائتي سنة وخمس وثلاثين سنة من عمر آدم عليه السلام وكانت وفاته وقد أتت له تسعمائة سنة واثنتا عشرة سنة وولد لشيث أنوش بعد أن مضى من عمره ستمائة وخمس سنين فيما يزعم أهل التوراة
وأما ابن إسحاق فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عنه نكح شيث بن آدم أخته حزورة ابنة آدم فولدت له يانش بن شيث ونعمة ابنة شيث وشيث يومئذ ابن مائة سنة وخمس سنين فعاش بعد ما ولد له يانش ثمانمائة سنة وسبع سنين
وقام أنوش بعد مضي أبيه شيث لسبيله بسياسة الملك وتدبير من تحت يديه من رعيته مقام أبيه شيث ولم يزل فيما ذكر على منهاج أبيه لا يوقف منه على تغيير ولا تبديل وكان جميع عمر أنوش فيما ذكر أهل التوراة تسعمائة سنة وخس سنين
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثني هشام قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال ولد شيث انوش ونفرا كثيرا وإليه أوصى شيث ثم ولد لأنوش بن شيث بن آدم ابنه قينان من أخته نعمة ابنة شيث بعد مضي تسعين سنة من عمر أنوش ومن عمر آدم ثلثمائة سنة وخمس وعشرين سنة
وأما ابن إسحاق فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق نكح يانش بن شيث أخته نعمة ابنه شيث فولدت له قينان ويانش يومئذ ابن تسعين سنة فعاش يانش بعد ما ولد له قينان ثمانمائة سنة وخمس عشرة سنة وولد له بنون وبنات فكان كل ما عاش يانش تسعمائة سنة وخمس سنين ثم نكح قينان بن يانش وهو ابن سبعين سنة دينة ابنة براكيل بن محويل بن خنوح بن قين بن آدم فولدت له مهلائيل بن قينان فعاش قينان بعدما ولد له مهلائيل ثمانمائة سنة وأربعين سنة فكان كل ما عاش قينان تسعمائة سنة وعشر سنين
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال ولد أنوش قينان ونفرا كثيرا وإليه الوصية فولد قينان مهلائيل ونفرا معه وإليه الوصية
(1/102)
________________________________________
فولد مهلائيل يرد وهو اليارد ونفرا معه وإليه الوصية فولد يرد أخنوخ وهو إدريس النبي صلى الله عليه و سلم ونفرا معه فولد أخنوخ متوشلخ ونفرا معه وإليه الوصية فولد متوشلخ لمك ونفرا معه وإليه الوصية
وأما التوراة فما ذكره أهل الكتاب أنه فيها أن مولد مهلائيل بعد أن مضت من عمر آدم ثلاثمائة سنة وخس وتسعون سنة ومن عمر قينان سبعون سنة
ونكح مهلائيل بن قينان وهو ابن خمس وستين سنة فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق خالته سمعن ابنة براكيل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم فولدت له يرد بن مهلائيل فعاش مهلائيل بعد ما ولد له يرد ثمانمائة سنة وثلاثين سنة فولد له بنون وبنات فكان كل ما عاش مهلائيل ثمانمائة سنة وخمسا وتسعين سنة ثم مات
وأما في التوراة فإنه ذكر أن فيها أن يرد ولد لمهلائيل بعدما مضى من عمر آدم أربعمائة سنة وستون سنة وأنه كان على منهاج أبيه قينان غير أن الأحداث بدت في زمانه
(1/103)

بنالعياط
26-09-2012, 10:12 PM
ذكر الأحداث التي كانت في أيام بني آدم من لدن ملك شيث بن آدم إلى أيا
يرد
ذكر أن قابيل لما قتل هابيل وهرب من أبيه آدم إلى اليمن أتاه إبليس فقال له إن هابيل إنما قبل قربانه وأكلته النار لأنه كان يخدم النار ويعبدها فانصب أنت أيضا نارا تكون لك ولعقبك فبنى بيت نار فهو أول من نصب النار وعبدها
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال إن قينا نكح اخته أشوث بنت آدم فولدت له رجلا وامرأة خنوخ بن قين وعذب بنت قين فنكح خنوخ بن قين أخته عذب بنت قين فولدت له ثلاثة نفر وامرأة عيرد بن خنوخ ومحويل بن خنوخ وأنوشيل بن خنوخ وموليث بنت خنوخ فنكح أنوشيل بن خنوخ موليث ابنة خنوخ فولدت لأنوشيل رجا اسمه لامك فنكح لامك امرأتين اسم إحداهما عدي واسم الأخرى صلى فولدت له عدى تولين بن لامك فكان أول من سكن القباب واقتنى المال وتوبيش وكان أول من ضرب بالونج والصنج وولدت رجا اسمه توبلقين فكان أول من عمل النحاس والحديد وكان أولادهم جبابرة وفراعنة وكانوا قد أعطوا بسطة في الخلق كان الرجل فيما يزعمون يكون ثلاثين ذراعا قال ثم انقرض ولد قين ولم يتركوا عقبا إلا قليلا وذرية آدم كلهم جهلت أنسابهم وانقطع نسلهم إلا ما كان من شيث بن آدم فمنه كان النسل وأنساب الناس اليوم كلهم إليه دون أبيه آدم فهو أبو البشر إلا ما كان من أبيه وإخوته ممن لم يترك عقبا
قال ويقول أهل التوراة بل نكح قين أشوث فولدت له خنوخ فولد لخنوخ عيرد فولد عيرد محويل فولد محويل أنوشيل فولد أنوشيل لامك فنكح لامك عدى وصلى فولدتا له من سميت والله أعلم
فلم يذكر ابن إسحاق من أمر قابيل وعقبه إلا ما حكيت
وأما غيره من أهل العلم بالتوراة فإنه ذكر أن الذي اتخذ الملاهي من ولد قايين رجل يقال له توبال اتخذ في زمان مهلائيل بن قينان آلات اللهو من المزامير والطبول والعيدان والطنابير والمعازف فانهمك ولد قايين في اللهو وتناهى خبرهم إلى من بالجبل من نسل شيث فهم منهم مائة رجل بالنزول إليهم وبمخالفة ما أوصاهم به آباؤهم وبلغ ذلك يارد فوعظهم ونهاهم فأبوا إلا تماديا ونزلوا إلى ولد قايين فأعجبوا بما رأوا منهم فلما أرادوا الرجوع حيل بينهم وبين ذلك لدعوة سبقت من آبائهم فلما أبطئوا بمواضعهم ظن من كان في نفسه زيغ ممن كان بالجبل أنهم أقاموا اعتباطا فتسللوا ينزلون عن الجبل ورأوا اللهو فأعجبهم ووافقوا
(1/104)
________________________________________
نساء من ولد قايين متسرعات إليهم وصرن معهم وانهمكوا في الطغيان وفشت الفاحشة وشرب الخمر
قال أبو جعفر وهذا القول غير بعيد من الحق وذلك أنه قول قد روي عن جماعة من سلف علماء أمة نبينا صلى الله عليه و سلم نحو منه وإن لم يكونوا بينوا زمان من حدث ذلك في ملكه سوى ذكرهم أن ذلك كان فيما بين آدم ونوح صلى الله عليهما وسلم
ذكر من روي ذلك عنه
حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا داود يعني ابن أبي الفرات قال حدثنا علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس أنه تلا هذه الآية ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ( 1 ) قال كانت فيما بين نوح وإدريس وكانت ألف سنة وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل وكان رجال الجبل صباحا وفي النساء دمامة وكان نساء السهل صباحا وفي الرجال دمامة وإن إبليس أتى رجلا من أهل السهل في وصورة غلام فآجر نفسه منه وكان يخدمه واتخذ إبليس لعنه الله شيئا مثل الذي يزمر فيه الرعاء فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله فبلغ ذلك من حولهم فانتابوهم يسمعون إليه واتخذوا عيدا يجتمعون إليه في السنة فتتبرج النساء للرجال قال وينزل الرجال لهن وإن رجلا من أهل الجبل هجم عليهم وهم في عيدهم ذلك فرأى النساء وصباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فتحولوا إليهم فنزلوا عليهين فظهرت الفاحشة فيهن فهو قول الله عز و جل ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ( 1 )
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا ابن أبي غنية عن أبيه عن الحكم ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى قال كان بين آدم ونوح ثمانمائة سنة وكان نساؤهم أقبح ما يكون من النساء ورجالهم حسان فكانت المرأة تريد الرجل على نفسها فأنزلت هذه الآية ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ( 1 )
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا ببوذ
ورأى آدم فيهم الزنا وشرب الخمر والفساد فأوصى ألا يناكح بنو شيث بني قابيل فجعل بنو شيث آدم في مغارة وجعلوا عليه حافظا لا يقربه أحد من بني قابيل وكان الذين يأتونه ويستغفر لهم من بني شيث فقال مائة من بني شيث صباح لو نظرنا إلى ما فعل بنو عمنا يعنون بني قابيل فهبطت المائة إلى نساء صباح من بني قابيل فاحتبس النساء الرجال ثم مكثوا ما شاء الله ثم قال مائة آخرون لو نظرنا ما فعل إخوتنا فهبطوا من الجبل إليهم فاحتبسهم النساء ثم هبط بنو شيث كلهم فجاءت المعصية وتناكحوا واختلطوا وكثر بنو قابيل حتى ملأوا الأرض وهم الذين غرقوا أيام نوح
وأما نسابو الفرس فقد ذكرت ما قالوا في مهلائيل بن قينان وأنه هو أوشهنج الذي ملك الأقاليم السبعة وبينت قول من خالفهم في ذلك نسابي العرب
فإن كان الأمر فيه كالذي قاله نسابو الفرس فإني حدثت عن هشام بن محمد بن السائب أنه هو أول
(1/105)
________________________________________
من قطع الشجر وبنى البناء وأول من استخرج المعادن وفطن الناس لها وأمر أهل زمانه باتخاذ المساجد وبنى مدينتين كانتا أول ما بني على ظهر الأرض من المدائن وهما مدينة بابل التي بسواد الكوفة ومدينة السوس وكان ملكه أربعين سنة
وأما غيره فإنه قال هو أول من استنبط الحديد في ملكه فاتخذ منه الأدوات للصناعات وقدر المياه في مواضع المناقع وحض الناس على الحراثة والزراعة والحصاد واعتمال الأعمال وأمر بقتل السباع الضارية واتخاذ الملابس من جلودها والمفارش وبذبح البقر والغنم والأكل من لحومها وأن ملكه كان أربعين سنة وأنه بنى مدينة الري قالوا وهي أول مدينة بنيت بعد مدينة جيومرت التي كان يسكنها بدنباوند من طبرستان
وقالت الفرس إن أوشهنج هذا ولد ملكا وكان فاضلا محمودا في سيرته وسياسة رعيته وذكروا أنه أول من وضع الأحكام والحدود وكان ملقبا بذلك يدعى فيشداذ ومعناه بالفارسية أول من حكم بالعدل وذلك أن فاش معناه أول وأن داذ عدل وقضاء وذكروا أنه نزل الهند وتنقل في البلاد فلما استقام أمره واستوثق له الملك عقد على رأسه تاجا وخطب خطبة فقال في خطبته إنه ورث الملك عن جده جيومرت وإنه عذاب ونقمة على مردة الإنس والشياطين وذكروا أنه قهر إبليس وجنوده ومنعهم الاختلاط بالناس وكتب عليهم كتابا في طرس أبيض أخذ عليهم في المواثيق ألا يعرضوا لأحد من الإنس وتوعدهم على ذلك وقتل مردتهم وجماعة من الغيلان فهربوا من خوفه إلى المفاوز والجبال والأودية وأنه ملك الأقاليم كلها وأنه كان بين موت جيومرت إلى مولد أوشهنج وملكه مائتا وثلاث وعشرون سنة
وذكروا أن إبليس وجنوده فرحوا بموت أوشهنج وذلك أنهم دخلوا بموته مساكن بني آدم ونزلوا إليهم من الجبال والأودية
ونرجع الآن إلى ذكر يرد وبعضهم يقول هو يارد فولد يرد لمهلائيل من خالته سمعن ابنة براكيل بن محويل بن خنوخ بن قين بعد ما مضى من عمر آدم أربعمائة وستون سنة فكان وصي أبيه وخليفته فيما كان والد مهلائيل أوصى إلى مهلائيل واستخلفه عليه بعد وفاته وكانت ولادة أمه إياه بعد ما مضى من عمر أبيه مهلائيل فيما ذكروا خمس وستون سنة فقام من بعد مهلك أبيه من وصية أجداده وآبائه بما كانوا يقومون به أيام حياتهم
ثم نكح يرد فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق وهو ابن مائة سنة واثنتين وستين سنة بركنا ابنة الدرمسيل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم فولدت له أخنوخ بن يرد وأخنوخ إدريس النبي وكان أول بني آدم أعطي النبوة فيما زعم ابن إسحاق وخط بالقلم فعاش يرد بعد ما ولد له أخنوخ ثمانمائة سنة وولد بنون وبنات فكان كل ما عاش يرد تسعمائة سنة واثنتين وستين سنة ثم مات
وقال غيره من أهل التوراة ولد ليرد أخنوخ وهو إدريس فنبأه الله عز و جل وقد مضى من عمر آدم ستمائة سنة واثنتان وعشرون سنة وأنزل عليه ثلاثون صحيفة وهو أول من خط بعد آدم وجاهد في سبيل الله وقطع الثياب وخاطها وأول من سبى من ولد قابيل فاسترق منهم وكان وصي والده يرد فيما كان آباؤه أوصوا به إليه وفيما أوصى به بعضهم بعضا وذلك كله من فعله في حياة آدم
قال وتوفي آدم عليه السلام بعد أن مضى من عمر أخنوخ ثلاثمائة سنة وثماني ستين تتمة تسعمائة
(1/106)
________________________________________
وثلاثين سنة التي ذكرنا أنها عمر آدم قال ودعا أخنوخ قومه ووعظهم وأمرهم بطاعة الله عز و جل ومعصية الشيطان وألا يلابسوا ولد قابيل فلم يقبلوا منه وكانت العصابة بعد العصابة من ولد شيث تنزل إلى ولد قابين
قال وفي التوراة إن الله تبارك وتعالى رفع إدريس بعد ثلاثمائة سنة وخمس وستين سنة مضت من عمره وبعد خمسمائة سنة وسبع وعشرين سنة مضت من عمر أبيه فعاش أبوه بعد ارتفاعه أربعمائة وخمسا وثلاثين سنة تمام تسعمائة واثنتين وستين سنة وكان عمر يارد تسعمائة واثنتين وستين سنة وولد أخنوخ وقد مضت من عمر يارد مائة واثنتان وستون سنة
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال اخبرني هشام قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال في زمان يرد عملت الأصنام ورجع من رجع عن الإسلام
وقد حدثنا أحمد بن عبدالرحمن بن وهب قال حدثني عمي قال حدثني الماضي بن محمد عن أبي سليمان عن القاسم بن محمد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري قال قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم يا أبا ذر أربعة يعني من الرسل سريانيون آدم وشيث ونوح وأخنوخ وهو أول من خط بالقلم وأنزل الله تعالى على أخنوخ ثلاثين صحيفة
وقد زعم بعضهم أن الله بعث إدريس إلى جميع أهل الأرض في زمانه وجمع له علم الماضين وأن الله عز و جل زاده مع ذلك ثلاثين صحيفة قال فذلك قول الله عز و جل إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ( 1 )
وقال يعني بالصحف الأولى الصحف التي أنزلت على ابن آدم هبة الله وإدريس عليهما السلام
وقال بعضهم ملك بيوراسب في عهد إدريس وقد كان وقع إليه كلام من كلام آدم صلوات الله عليه فاتخذه في ذلك الزمان سحرا وكان بيوراسب يعمل به وكان إذا أراد شيئا من جميع مملكته أو أعجبته دابة أو امرأة نفخ بقصية كانت له من ذهب وكان يجيء إليه كل شيء يريده فمن ثم تنفخ اليهود في الشبورات
وأما الفرس فإنهم قالوا ملك بعد موت أوشهنج طهمورث بن ويونجهان بن خبانداذ بن خيايذار بن أوشهنج
وقد اختلف في نسب طهمورث إلى أوشهنج فنسبه بعضهم النسبة الذي ذكرت وقال بعض نسابه الفرس هو طهمورث بن أيونكهان بن أنكهد بن أسكهد بن أوشهنج
وقل هشام بن محمد الكلبي فيما حدثت عنه ذكر أهل العلم أن اول ملوك بابل طهمورث قال وبلغنا والله أعلم أن الله أعطاه من القوة ما خضع له إبليس وشياطينه وأنه كان مطيعا لله وكان ملكه أربعين سنة
وأما الفرس فإنها تزعم أن طهمورث ملك الأقاليم كلها وعقد على رأسه تاجا وقال يوم ملك نحن دافعون بعون الله عن خليقته المردة الفسدة وكان محمودا في ملكه حدبا على رعيته وأنه ابتنى سابور من
(1/107)
________________________________________
فارس ونزلها وتنقل في البلدان وأنه وثب بإبليس حتى ركبه فطاف عليه في أداني الأرض وأقاصيها وأفزعه ومردة أصحابه حتى تطايروا وتفرقوا وأنه أول من اتخذ الصوف والشعر للباس والفرش وأول من اتخذ زينة الملوك من الخيل والبغال والحمير وأمر باتخاذ الكلاب لحفظ المواشي وحراستها من السباع والجوارح للصيد وكتب بالفارسية وأن بيوراسب ظهر في أول سنة من ملكه ودعا إلى ملة الصابئين
ثم رجعنا إلى ذكر أخنوخ وهو إدريس عليه السلام
ثم نكح فيما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق أخنوخ بن يرد هدانة ويقال أدانة ابنة باويل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم وهو ابن خمس وستين سنة فولدت له متوشلخ بن أخنوخ فعاش بعدما ولد له متوشلخ ثلاثمائة سنة وولد له بنون وبنات فكان كل ما عاش أخنوخ ثلاثمائة سنة وخسما وستين سنة ثم مات
وأما غيره من أهل التوراة فإنه قال فيما ذكر عن التوراة ولد لأخنوخ بعد ستمائة سنة وسبع وثمانين سنة خلت من عمر آدم متوشلخ فاستخلفه أخنوخ على أمر الله وأوصاه وأهل بيته قبل أن يرفع وأعلمهم أن الله عزوجل سيعذب ولد قايين ومن خالطهم ومال إليهم ونهاهم عن مخالطتهم وذكر أنه كان أول من ركب الخيل لأنه اقتفى رسم أبيه في الجهاد وسلك في أيامه في العمل بطاعة الله طريق آبائه وكان عمر أخنوخ إلى أن رفع ثلثمائة سنة وخمسا وستين سنة وولد له متوشلخ بعد ما مضى من عمره خمس وستون سنة ثم
نكح فيما حدثني ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق متوشلخ بن أخنوخ عربا ابنة عزرائيل بن أنوشيل بن خنوخ بن قين بن آدم وهو ابن مائة سنة وسبع وثلاثين سنة فولدت له لمك بن متوشلخ فعاش بعد ما ولد له لمك سبعمائة سنة فولد له بنون وبنات وكان كل ما عاش متوشلخ تسعمائة سنة وتسع عشرة سنة ثم مات ونكح لمك بن متوشلخ بن أخنوخ بتنوس ابنة براكيل بن محويل بن خنوح بن قين بن آدم عليه السلام وهو ابن مائة سنة وسبع وثمانين سنة فولدت له نوحا النبي صلى الله عليه و سلم فعاش لمك بعد ما ولد له نوح خمسمائة سنة وخمسا وتسعين سنة وولد له بنون وبنات فكان كل ما عاش سبعمائة سنة وثمانين سنة ثم مات ونكح نوح بن لمك عمذرة ابنة براكيل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم وهو ابن خمسمائة سنة فولدت له بنيه سام وحام ويافث بني نوح
وقال أهل التوراة ولد لمتوشلخ بعد ثمانمائة سنة وأربع وسبعين سنة من عمر آدم لمك فأقام على ما كان عليه آباؤه من طاعة الله وحفظ عهوده قالوا فلما حضرت متوشلخ الوفاة استخلف لمك على أمره وأوصاه بمثل ما كان آباؤه يوصون به قالوا وكان لمك يعظ قومه وينهاهم عن النزول إلى ولد قايين فلا يتعظون حتى نزل جميع من كان في الجبل إلى ولد قايين وقيل إنه كان لمتوشلخ ابن آخر غير لمك يقال له صابىء وقيل إن الصابئين به سموا صابئين وكان عمر متوشلخ تسعمائة وستين سنة وكان مولد لمك بعد أن مضى من عمر متوشلخ مائة وسبع وثمانون سنة ثم ولد لمك نوحا بعد وفاة آدم بمائة سنة وست وعشرين سنة وذلك لألف سنة وست وخمسين سنة مضت من يوم أهبط الله عز و جل آدم إلى مولد نوح عليه السلام فلما أدرك نوح قال له لمك قد علمت أنه لم يبق في هذا الموضع غيرنا فلا تستوحش ولا تتبع الأمة الخاطئة فكان نوح يدعو إلى ربه ويعظ قومه فيستخفون به فأوحى الله عز و جل إليه أنه قد أمهلهم فأنظرهم ليراجعوا ويتوبوا مدة فانقضت
(1/108)
________________________________________
المدة قبل أن يتوبوا وينيبوا
وقال آخرون غير من ذكرت قوله كان نوح في عهد بيوراسب وكان قومه يعبدون الأصنام فدعاهم إلى الله جل وعز تسعمائة وستة وخمسين سنة كلما مضى قرن تبعهم قرن على ملة واحدة من الكفر حتى أنزل الله عليهم العذاب فأفناهم
حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثني هشام قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال ولد متوشلخ لمك ونفرا معه وإليه الوصية فولد لمك نوحا وكان للمك يوم ولد نوح اثنتان وثمانون سنة ولم يكن أحد في ذلك الزمان ينهى عن منكر فبعث الله إليهم نوحا وهو ابن أربعمائة سنة وثمانين سنة ثم دعاهم في نبوته مائة وعشرين سنة ثم أمره بصنعة السفينة فصنعها وركبها وهو ابن ستمائة سنة وغرق من غرق ثم مكث بعد السفينة ثلاثمائة سنة وخمسين سنة
وأما علماء الفرس فإنهم قالوا ملك بعد طهمورث جم الشيذ والشيذ معناه عندهم الشعاع لقبوه بذلك فيما زعموا لجماله وهو جم بن ويونجهان وهو أخو طمهورث وقيل إنه ملك الأقاليم السبعة كلها وسخر له ما فيها من الجن والإنس وعقد على رأسه التاج وقال حين قعد في ملكه إن الله تبارك وتعالى قد أكمل بهاءنا وأحسن تأييدنا وسنوسع رعيتنا خيرا وإنه ابتدع صنعة السيوف والسلاح ودل على صنعة الإبريسم والقز وغيره مما يغزل وأمر بنسج الثياب وصبغها ونحت السروج والأكف وتذليل الدواب بها
وذكر بعضهم إنه توارى بعد ما مضى من ملكه ستمائة سنة وست عشرة سنة وستة أشهر فخلت البلاد منه سنة وأنه أمر لمضي سنة من ملكه إلى سنة خمس منه بصنعة السيوف والدروع والبيض وسائر صنوف الأسلحة وآلة الصناع من الحديد ومن سنة خمسين من ملكه إلى سنة مائة بغزل الإبريسم والقز والقطن والكتان وكل ما يستطاع غزله وحياكة ذلك وصبغته ألوانا وتقطيعه أنواعا ولبسه ومن سنة مائة إلى سنة خمسين ومائة صنف الناس أربع طبقات طبقة مقاتلة وطبقة فقهاء وطبقة كتابا وصناعا وحراثين واتخذ طبقة منهم خدما وأمر كل طبقة من تلك الطبقات بلزوم العمل الذي ألزمها إياه ومن سنة مائة وخمسين إلى سنة خمسين ومائتين حارب الشياطين والجن وأثخنهم وأذلهم وسخروا له وانقادوا لأمره ومن سنة خمسين ومائتين إلى سنة ست عشرة وثلاثمائة وكل الشياطين بقطع الحجارة والصخور من الجبال وعمل الرخام والجص والكلس والبناء بذلك وبالطين البنيان والحمامات وصنعة النورة والنقل من البحار والجبال والمعادن والفلوات كل ما ينتفع به الناس والذهب والفضة وسائر ما يذاب من الجواهر وأنواع الطيب والأدوية فنفذوا في كل ذلك لأمره ثم أمر فصنعت له عجلة من زجاج فصفد فيها الشياطين وركبها وأقبل عليها في الهواء من بلده من دنباوند إلى بابل في يوم واحد وذلك يوم هرمز أز فروردين ماه فاتخذ الناس للأعجوبة التي رأوا من إجرائه ما أجري على تلك الحال نوروز وأمرهم باتخاذ ذلك اليوم وخمسة أيام بعده عيدا والتنعم والتلذذ فيها وكتب إلى الناس اليوم السادس وهو خرداذروز يخبرهم أنه قد سار فيهم بسيرة ارتضاها الله فكان من جزائه إياه عليها أن جنبهم الحر والبرد والأسقام والهرم والحسد فمكث الناس ثلاثمائة سنة بعد الثلاثمائة والست عشرة سنة التي خلت من ملكه لا يصيبهم شيء مما ذكر أن الله عز و جل جنبهم إياه
ثم إن جما بطر بعد ذلك نعمة الله عنده وجمع الإنس والجن فأخبرهم أنه وليهم ومالكهم والدافع بقوته
(1/109)
________________________________________
عنهم الأسقام والهرم والموت وجحد إحسان الله عز و جل إليه وتمادى في غيه فلم يحر أحد ممن حضره له جوابا وفقد مكانه بهاءه وعزه وتخلت عنه الملائكة الذين كان الله أمرهم بسياسة أمره فأحس بذلك بيوارسب الذي يسمى الضحاك فابتدر إلى جم لينتهسه فهرب منه ثم ظفر به بيوارسب بعد ذلك فامتلخ أمعاءه واسترطها ونشره بمنشار
وقال بعض علماء الفرس إن جما لم يزل محمود السيرة إلى أن بقي من ملكه مائة سنة فخلط حينئذ وادعى الربوبية فلما فعل ذلك اضطرب عليه أمره ووثب عليه أخوه اسفتور وطلبه ليقتله فتوارى عنه وكان في تواريه ملكا ينتقل من موضع إلى موضع ثم خرج عليه بيوارسب فغلبه على ملكه ونشره بالمنشار
وزعم بعضهم أن ملك جم كان سبعمائة سنة وست عشرة سنة وأربعة أشهر وعشرين يوما
وقد ذكرت عن وهب بن منبه عن ملك من ملوك الماضين قصة شبيهة بقصة جم شاذ الملك ولولا أن تاريخه خلاف تاريخ جم لقلت إنها قصة جم
وذلك ما حدثني محمد بن سهل بن عسكر قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل عن وهب بن منبه أنه قال إن رجلا ملك وهو فتى شاب فقال إني لأجد للملك لذة وطعما فلا أدري أكذلك كل الناس أم أنا وجدته من بينهم فقيل له بل الملك كذلك فقال ما الذي يقيمه لي فقيل له يقيمه لك أن تطيع الله فلا تعصيه فدعا ناسا من خيار من كان في ملكه فقال لهم كونوا يحضرتي في مجلسي فما رأيتم أنه طاعة لله عز و جل فأمروني أن أعمل به وما رأيتم أنه معصية لله فازجروني عنه أنزجر ففعل ذلك هو وهم واستقام له ملكه بذلك أربعمائة سنة مطيعا لله عز و جل ثم إن إبليس انتبه لذلك فقال تركت رجلا يعبد الله ملكا أربعمائة سنة فجاء فدخل عليه فتمثل له برجل ففزع منه الملك فقال من أنت قال إبليس لا ترع ولكن أخبرني من أنت قال الملك أنا رجل من بني آدم فقال له إبليس لو كنت من بني آدم لقد مت كما يموت بنو آدم ألم تر كم قد مات من الناس وذهب من القرون لو كنت منهم لقد مت كما ماتوا ولكنك إله فادع الناس إلى عبادتك فدخل ذلك في قلبه ثم صعد المنبر فخطب الناس فقال أيها الناس إني قد كنت أخفيت عنكم أمرا بان لي إظهاره لكم تعلمون أني ملكتكم منذ أربعمائة سنة ولو كنت من بني آدم لقد مت كما ماتوا ولكني إله فاعبدوني فأرعش مكانه وأوحى الله إلى بعض من كان معه فقال أخبره أني قد استقمت له ما استقام لي فإذا تحول عن طاعتي إلى معصيتي فلم يستقم لي فبعزتي حلفت لأسلطن عليه بخت ناصر فليضربن عنقه وليأخذن ما في خزائنه وكان في ذلك الزمان لا يسخط الله على أحد إلا سلط عليه بخت ناصر فلم يتحول الملك عن قوله حتى سلط الله عليه بخت ناصر فضرب عنقه وأوقر من خزائنه سبعين سفينة ذهبا
قال أبو جعفر ولكن بين بخت ناصر وجم دهر طويل إلا أن يكون الضحاك كان يدعى في ذلك الزمان ناصر
وأما هشام بن الكلبي فإني حدثت عنه أنه قال ملك بعد طهمورث جم وكان أصبح أهل زمانه وجها وأعظمهم جسما قال فذكروا أنه غبر ستمائة سنة وتسع عشرة سنة مطيعا لله مستعليا أمره مستوثقة له البلاد ثم إنه طغى وبغى فسلط الله عليه الضحاك فسار إليه في مائتي ألف فهرب جم منه مائة سنة ثم
(1/110)
________________________________________
إن الضحاك ظفر به فنشره بمنشار قال فكان جميع ملك جم منذ ملك إلى أن قتل سبعمائة وتسع عشرة سنة
وقد روي عن جماعة من السلف أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على ملة الحق وأن الكفر بالله إنما حدث في القرن الذين بعث إليهم نوح عليه السلام وقالوا إن أول نبي أرسله الله إلى قوم بالإنذار والدعاء إلى توحيده نوح عليه السلام
ذكر من قال ذلك
حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا أبو داود قال حدثنا همام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال كان بين نوح وآدم عليهما السلام عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين قال وكذلك هي في قراءة عبدالله كان الناس أمة واحدة فاختلفوا ( 1 )
حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة قوله عز و جل كان الناس أمة واحدة قال كانوا على الهدى جميعا فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين فكان أول نبي بعث نوح عليه السلام
(1/111)

بنالعياط
27-09-2012, 12:09 PM
ذكر الأحداث التي كانت في عهد نوح عليه السلام
قد ذكرنا اختلاف المختلفين في ديانة القوم الذين أرسل إليهم نوح عليه السلام وأن منهم من يقول كانوا قد أجمعوا على العمل بما يكرهه الله من ركوب الفواحش وشرب الخمور والاشتغال بالملاهي عن طاعة الله عز و جل وأن منهم من يقول كانوا أهل طاعة بيوراسب وكان بيوراسب أول من أظهر القول بقول الصابئين وتبعه على ذلك الذين ارسل إليهم نوح عليه السلام وسأذكر إن شاء الله خبر بيوراسب فيما بعد
فأما كتاب الله فإنه ينبئ عنهم أنهم كانوا أهل أوثان وذلك أن الله عز و جل يقول مخبرا عن نوح قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ومكروا مكرا كبارا وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا ( 1 ) فبعث الله إليهم نوحا مخوفهم بأسه ومحذرهم سطوته وداعيا لهم إلى التوبة والمراجعة إلى الحق والعمل بما أمر الله به رسله وأنزله في صحف آدم وشيث وأخنوخ ونوح يوم ابتعثه الله نبيا إليهم فيما ذكر ابن خمسين سنة
وقيل أيضا ما حدثنا به نصر بن علي الجهضمي قال حدثنا نوح بن قيس قال حدثنا عون بن أبي شداد قال إن الله تبارك وتعالى أرسل نوحا إلى قومه وهو ابن خمسين وثلاثمائة سنة فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاثمائة سنة
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا هشام قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال بعث الله نوحا إليهم وهو ابن أربعمائة سنة وثمانين سنة ثم دعاهم في نبوته مائة وعشرين سنة وركب السفينة وهو ابن ستمائة سنة ثم مكث بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين سنة
قال أبو جعفر فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما كما قال الله عز و جل يدعوهم إلى الله سرا وجهرا يمضي قرن بعد قرن فلا يستجيبون له حتى مضى قرون ثلاثة على ذلك من حاله وحالهم فلما أراد الله عز و جل إهلاكهم دعا عليهم نوح عليه السلام فقال رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا فأمره الله تعالى ذكره أن يغرس شجرة فغرسها فعظمت وذهبت كل مذهب ثم أمره بقطعها من بعد ما غرسها بأربعين سنة فيتخذ منها سفينة كما قال الله له واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ( 2 ) فقطعها
(1/112)
________________________________________
وجعل يعملها
وحدثنا صالح بن مسمار المروزي والمثنى بن إبراهيم قالا حدثنا ابن أبي مريم قال حدثنا موسى بن يعقوب قال حدثني فائد مولى عبيدالله بن علي بن أبي رافع أن إبراهيم بن عبدالرحمن بن أبي ربيعة أخبره أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لو رحم الله أحدا من قوم نوح لرحم أم الصبي قال رسول الله صلى الله عليه و سلم كان نوح مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله عز و جل حتى كان آخر زمانه غرس شجرة فعظمت وذهبت كل مذهب ثم قطعها ثم جعل يعمل سفينة فيمرون فيسألونه فيقول أعملها سفينة فيسخرون منه ويقولون تعمل سفينة في البر فكيف تجري فيقول سوف تعلمون فلما فرغ منها وفار التنور وكثر الماء في السكك خشيت أم الصبي عليه وكانت تحبه حبا شديدا فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثي الجبل فلما بلغها الماء خرجت حتى استوت على الجبل فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيدها حتى ذهب به الماء فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي
حدثني ابن أبي منصور قال حدثنا علي بن الهيثم عن المسيب بن شريك عن أبي روق عن الضحاك قال قال سلمان الفارسي عمل نوح السفينة أربعمائة سنة وأنبت الساج أربعين سنة حتى كان طوله ثلاثمائة ذراع والذراع إلى المنكب
فعمل نوح بوحي الله إليه وتعليمه إياه عملها فكانت إن شاء الله كما حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أن طول السفينة ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعا وطولها في السماء ثلاثون ذراعا وبابها في عرضها
حدثني الحارث قال حدثنا عبدالعزيز قال حدثنا مبارك عن الحسن قال كان طول سفينة نوح ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن مفضل بن فضالة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال قال الحواريون لعيسى بن مريم لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدثنا عنها فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب بكفه فقال أتدرون ما هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال هذا قبر حام بن نوح قال فضرب الكثيب بعصاه وقال قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه وقد شاب فقال له عيسى عليه السلام هكذا هلكت قال لا ولكني مت وأنا شاب ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت قال حدثنا عن سفينة نوح قال كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاث طبقات فطبقة فيها الدواب والوحش وطبقة فيها الإنس وطبقة فيها الطير فلما كثر أرواث الدواب أوحى الله إلى نوح أن اغمز ذنب الفيل فغمز فوقع فيه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث فلما وقع الفأر بخرز السفينة يقرضه أوحى الله إلى نوح أن اضرب بين عيني الأسد فخرج من منخره سنور وسنورة فأقبلا على الفأر فقال له عيسى كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت قال بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف فلذلك لا يألف البيوت قال ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها فعلم أن البلاد قد غرقت قال فطوقها الخضرة التي في عنقها دعا لها أن تكون في أنس وأمان فمن ثم تألف
(1/113)
________________________________________
البيوت قال فقالت الحواريون يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلنا فيجلس معنا ويحدثنا قال كيف يتبعكم من لا رزق له قال فقال له عد بإذن الله فعاد ترابا
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال نجر نوح السفينة بجبل بوذ من ثم تبدى الطوفان قال وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع بذراع جد أبي نوح وعرضها خمسين ذراعا وطولها في السماء ثلاثين ذراعا وخرج منها من الماء ستة أذرع وكانت مطبقة وجعل لها ثلاثة أبواب بعضها أسفل من بعض
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عمن لا يتهم عن عبيد بن عمير الليثي أنه كان يحدث أنه بلغه أنهم كانوا يبطشون به يعني قوم نوح بنوح فيخنقونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون
قال ابن إسحاق حتى إذا تمادوا في المعصية وعظمت في الأرض منهم الخطيئة وتطاول عليه وعليهم الشأن واشتد عليه منهم البلاء وانتظر النجل بعد النجل فلا يأتي قرن إلا كان أخبث من الذي قبله حتى إن كان الآخر منهم ليقول قد كان هذا مع آبائنا ومع أجدادنا هكذا مجنونا لا يقبلون منه شيئا حتى شكا ذلك من أمرهم نوح إلى الله عز و جل فقال كما قص الله عز و جل علينا في كتابه رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا إلى آخر القصة حتى قال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ( 1 ) إلى آخر القصة فلما شكا ذلك منهم نوح إلى الله عز و جل واستنصره عليهم أوحى الله إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ( 2 ) فأقبل نوح على عمل الفلك ولها عن قومه وجعل يقطع الخشب ويضرب الحديد ويهيئ عدة الفلك من القار وغيره مما لا يصلحه إلا هو وجعل قومه يمرون به وهو في ذلك من عمله فيسخرون منه ويستهزئون به فيقول إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ( 3 ) قال ويقولون فيما بلغني يا نوح قد صرت نجارا بعد النبوة قال وأعقم الله أرحام النساء فلا يولد لهم
قال ويزعم أهل التوراة أن الله عز و جل أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج وأن يصنعه أزور وأن يطليه بالقار من داخله وخارجه وأن يجعل طوله ثمانين ذراعا وعرضه خمسين ذراعا وطوله في السماء ثلاثين ذراعا وأن يجعله ثلاثة أطباق سفلا ووسطا وعلوا وأن يجعل فيه كوا ففعل نوح كما أمره عز و جل حتى إذا فرغ منه وقد عهد الله إليه إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل ( 4 ) وقد جعل التنور آية فيما بينه وبينه فقال إذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين واركب فلما فار التنور حمل نوح في الفلك من أمره الله تعالى به وكانوا قليلا كما قال وحمل فيها من كل زوجين اثنين مما فيه الروح والشجر ذكرا وأنثى فحمل فيه بنيه الثلاثة سام وحام ويافث ونساءهم وستة أناس ممن كان آمن به فكانوا عشرة نفر نوح وبنوه وأزواجهم ثم
(1/114)
________________________________________
أدخل ما أمره الله به من الدواب وتخلف عنه ابنه يام وكان كافرا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن الحسن بن دينار عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال سمعته يقول كان أول ما حمل نوح في الفلك من الدواب الذرة وآخر ما حمل الحمار فلما أدخل الحمار ودخل صدره تعلق إبليس لعنه الله بذنبه فلم تستقل رجلاه فجعل نوح يقول ويحك ادخل فينهض فلا يستطيع حتى قال نوح ويحك ادخل وإن كان الشيطان معك قال كلمة زلت عن لسانه فلما قالها نوح خلىالشيطان سبيله فدخل ودخل الشيطان معه فقال له نوح ما أدخلك علي يا عدو الله قال ألم تقل ادخل وإن كان الشيطان معك قال اخرج عني يا عدو الله فقال مالك بد من أن تحملني فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك فلما اطمأن نوح في الفلك وأدخل فيه كل من آمن به وكان ذلك في الشهر من السنة التي دخل فيها نوح بعد ستمائة سنة من عمره لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر فلما دخل وحمل معه من حمل تحرم ينابيع الغوط الأكبر وفتحت أبواب السماء كما قال الله لنبيه صلى الله عليه و سلم ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر ) ( 1 ) فدخل نوح ومن معه الفلك وغطاه عليه وعلى من معه بطبقة فكان بين أن أرسل الله الماء وبين أن احتمل الماء الفلك أربعون يوما وأربعون ليلة ثم احتمل الماء كما يزعم أهل التوراة وكثر واشتد وارتفع يقول الله عز و جل لنبيه محمد صلى الله عليه و سلم وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر ( 1 ) والدسر المسامير مسامير الحديد فجعلت الفلك تجري به وبمن معه في موج كالجبال ونادى نوح ابنه الذي هلك فيمن هلك وكان في معزل حين رأى نوح من صدق موعود ربه ما رأى فقال يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين وكان شقيا قد أضمر كفرا قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء وكان عهد الجبال وهي حرز من الأمطار إذا كانت فظن أن ذلك كما كان يكون قال نوح لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين وكثر الماء وطغى وارتفع فوق الجبال كما يزعم أهل التوراة خمسة عشر ذراعا فباد ما على وجه الأرض من الخلق من كل شيء فيه الروح أو شجر فلم يبق شيء من الخلائق إلا نوح ومن معه في الفلك وإلا عوج بن عنق فيما يزعم أهل الكتاب فكان بين أن أرسل الله الطوفان وبين أن غاض الماء ستة أشهر وعشر ليال
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال أرسل الله المطر أربعين يوما وأربعين ليلة فأقبلت الوحوش حين أصابها المطر والدواب والطير كلها إلى نوح وسخرت له فحمل منها كما أمره الله عز و جل من كل زوجين اثنين وحمل معه جسد آدم فجعله حاجزا بين النساء والرجال فركبوا فيها لعشر ليال مضين من رجب وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرم فلذلك صام من صام يوم عاشوراء وأخرج الماء نصفين فذلك قول الله عز و جل ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر يقول منصب وفجرنا الأرض عيونا يقول شققنا الأرض فالتقى الماء على أمر قد قدر فصار الماء نصفين نصف من السماء ونصف من الأرض
(1/115)
________________________________________
وارتفع الماء على أطول جبل في الأرض خمسة عشر ذراعا فسارت بهم السفينة فطافت بهم الأرض كلها في ستة أشهر لا تستقر على شيء حتى أتت الحرم فلم تدخله ودارت بالحرم أسبوعا ورفع البيت الذي بناه آدم عليه السلام رفع من الغرق وهو البيت المعمور والحجر الأسود على أبي قبيس فلما دارت بالحرم ذهبت في الأرض تسير بهم حتى انتهت إلى الجودي وهو جبل بالحضيض من أرض الموصل فاستقرت بعد ستة أشهر لتمام السبع فقيل بعد السبعة الأشهر بعدا للقوم الظالمين ( 1 ) فلما استقرت على الجودي قيل يا أرض ابلعي ماءك يقول أنشفي ماءك الذي خرج منك ويا سماء أقلعي يقول احبسي ماءك وغيض الماء ( 1 ) نشفته الأرض فصار ما نزل من السماء هذه البحور التي ترون في الأرض فآخر ما بقي من الطوفان في الأرض ماء بحسمى بقي في الأرض أربعين سنة بعد الطوفان ثم ذهب
وكان التنور الذي جعل الله تعالى ذكره آية ما بينه وبين نوح فوران الماء منه تنورا كان لحواء حجارة وصار إلى نوح
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا هشيم عن أبي محمد عن الحسن قال كان تنورا من حجارة كان لحواء حتى صار إلى نوح قال فقيل له إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك
وقد اختلف في المكان الذي كان به التنور الذي جعل الله فوران مائه آية ما بينه وبين نوح فقال بعضهم كان بالهند
ذكر من قال ذلك
حدثنا أبو كريب قال حدثنا عبدالحميد الحماني عن النضر أبي عمر الخزاز عن عكرمة عن ابن عباس في وفار التنور ( 2 ) قال فار بالهند
وقال آخرون كان ذلك بناحية الكوفة
ذكر من قال ذلك
حدثني الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا خلف بن خليفة عن ليث عن مجاهد قال نبع الماء في التنور فعلمت به امرأته فأخبرته قال وكان ذلك في ناحية الكوفة
حدثني الحارث قال حدثنا القاسم قال حدثنا علي بن ثابت عن السري بن إسماعيل عن الشعبي أنه كان يحلف بالله ما فار التنور إلا من ناحية الكوفة
واختلف في عدد من ركب الفلك من بني آدم فقال بعضهم كانوا ثمانين نفسا
ذكر من قال ذلك
(1/116)
________________________________________
حدثني موسى بن عبدالرحمن المسروقي قال حدثنا زيد بن الحباب قال حدثني حسين بن واقد الخراساني قال حدثنا أبو نهيك قال سمعت ابن عباس يقول كان في سفينة نوح ثمانين رجلا أحدهم جرهم
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج قال قال ابن جريج قال ابن عباس حمل نوح معه في السفينة ثمانين إنسانا
حدثني الحارث قال حدثنا عبدالعزيز قال قال سفيان كان بعضهم يقول كانوا ثمانين يعني القليل الذين قال الله عز و جل وما آمن معه إلا قليل ( 1 )
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال حمل نوح في السفينة بنيه سام وحام ويافث وكنائنه نساء بنيه هؤلاء وثلاثة وسبعين من بني شيث ممن آمن به فكانوا ثمانين في السفينة
وقال بعضهم بل كانوا ثمانية أنفس
ذكر من قال ذلك
حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أنه لم يتم في السفينة إلا نوح وامرأته وثلاثة بنيه ونساؤهم فجميعهم ثمانية
حدثنا ابن وكيع والحسن بن عرفة قالا حدثنا يحيى بن عبدالملك بن أبي غنية عن أبيه عن الحكم وما آمن معه إلا قليل قال نوح وثلاثة بنيه وأربع كنائنه
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج قال قال ابن جريج حدثت أن نوحا حمل معه بنيه الثلاثة وثلاث نسوة لبنيه وامرأة نوح فهم ثمانية بأزواجهم وأسماء بنيه يافث وحام وسام فأصاب حام امرأته في السفينة فدعا نوح أن تغير نطفته فجاء بالسودان
وقال آخرون بل كانوا سبعة أنفس
ذكر من قال ذلك
حدثني الحارث قال حدثني عبدالعزيز قال حدثنا سفيان عن الأعمش وما آمن معه إلا قليل قال كانوا سبعة نوح وثلاث كنائن وثلاثة بنين له وقال آخرون كانوا عشرة سوى نسائهم
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال حمل بنيه الثلاثة سام وحام ويافث ونساءهم وستة أناسي ممن كان آمن به فكانوا عشرة نفر بنوح وبنيه وأزواجهم وأرسل الله تبارك وتعالى الطوفان لمضي ستمائة سنة من عمر نوح فيما ذكره أهل العلم من أهل الكتاب وغيرهم ولتتمة ألفي سنة
(1/117)
________________________________________
ومائتي سنة وست وخمسين سنة من لدن اهبط آدم إلى الأرض
وقيل إن الله عز و جل أرسل الطوفان لثلاث عشرة خلت من آب وإن نوحا أقام في الفلك إلى أن غاض الماء واستوت الفلك على جبل الجودي بقردى في اليوم السابع عشر من الشهر السادس فلما خرج نوح منها اتخذ بناحية قردى من أرض الجزيرة موضعا وابتنى هناك قرية سماها ثمانين لأنه كان بنى فيها بيتا لكل إنسان ممن آمن معه وهم ثمانون فهي إلى اليوم تسمى سوق ثمانين
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثني هشام بن محمد قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال هبط نوح عليه السلام إلى قرية فبنى كل رجل منهم بيتا فسميت سوق ثمانين فغرق بنو قابيل كلهم وما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإسلام
قال أبو جعفر فصار هو وأهله فيه فأوحى الله إليه أنه لا يعيد الطوفان إلى الأرض أبدا
وقد حدثني عباد بن يعقوب الأسدي قال حدثنا المحاربي عن عثمان بن مطر عن عبدالعزيز بن عبد الغفور عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في أول يوم من رجب ركب نوح السفينة فصام هو وجميع من معه وجرت بهم السفينة ستة أشهر فانتهى ذلك إلى المحرم فأرست السفينة على الجودي يوم عاشوراء فصام نوح وأمر جميع من معه من الوحش والدواب فصاموا شكرا لله عز و جل
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج قال كانت السفينة أعلاها الطير ووسطها الناس وأسفلها السباع وكان طولها في السماء ثلاثين ذراعا ودفعت من عين وردة يوم الجمعة لعشر ليال مضين من رجب وأرست على الجودي يوم عاشوراء ومرت بالبيت فطافت به سبعا وقد رفعه الله من الغرق ثم جاءت اليمن ثم رجعت
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا الحجاج عن أبي جعفر الرازي عن قتادة قال هبط نوح من السفينة يوم العاشر من المحرم فقال لمن معه من كان منكم صائما فليتم صومه ومن كان منكم مفطرا فليصم
حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أنها يعني الفلك استقلت بهم في عشر خلون من رجب فكانت في الماء خمسين ومائة يوم واستقرت على الجودي شهرا وأهبط بهم في عشر خلون من المحرم يوم عاشوراء
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن أبي معشر عن محمد بن قيس قال ما كان زمان نوح شبر من الأرض إلا إنسان يدعيه
ثم عاش نوح بعد الطوفان فيما حدثني نصر بن علي الجهضمي قال أخبرنا نوح بن قيس قال حدثنا عون بن أبي شداد قال عاش يعني نوحا بعد ذلك يعني بعد الألف سنة إلا خمسين عاما التي لبثها في قومه ثلاثمائة وخمسين سنة
وأما ابن اسحاق فإن ابن حميد حدثنا قال حدثنا سلمة عنه قال وعمر نوح فيما يزعم أهل التوراة بعد أن أهبط من الفلك ثلاثمائة سنة وثمانيا وأربعين سنة قال فكان جميع عمر نوح ألف سنة إلا
(1/118)
________________________________________
خمسين عاما ثم قبضه الله عز و جل إليه
وقيل إن ساما ولد لنوح قبل الطوفان بثمان وتسعين سنة وقال بعض أهل التوراة لم يكن التناسل ولا ولد لنوح ولد إلا بعد الطوفان وبعد خروج نوح من الفلك قالوا إنما الذين كانوا معه في الفلك قوم كانوا آمنوا به واتبعوه غير أنهم بادوا وهلكوا فلم يبق لهم عقب وإنما الذين هم اليوم في الدنيا من بني آدم ولد نوح وذريته دون سائر ولد آدم كما قال الله عز و جل وجعلنا ذريته هم الباقين ( 1 )
وقيل إنه كان لنوح قبل الطوفان ابنان هلكا جميعا كان أحدهما يقال له كنعان قالوا وهو الذي غرق في الطوفان والآخر منهما يقال له عابر مات قبل الطوفان
حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال ولد لنوح سام وفي ولده بياض وأدمه وحام وفي ولده سواد وبياض قليل ويافث وفيهم الشقرة والحمرة وكنعان وهو الذي غرق والعرب تسميه يام وذلك قول العرب إنما هام عمنا يام وأم هؤلاء واحدة
فأما المجوس فإنهم لا يعرفون الطوفان ويقولون لم يزل الملك فينا من عهد جيومرت وقالوا جيومرت هو آدم يتوارثه أخر عن أول إلى عهد فيروز بن يزدجرد بن شهريار قالوا ولو كان لذلك صحة كان نسب القوم قد انقطع وملك القوم قد اضمحل وكان بعضهم يقر بالطوفان ويزعم أنه كان في إقليم بابل وما قرب منه وأن مساكن ولد جيومرت كانت بالمشرق فلم يصل ذلك إليهم
قال أبو جعفر وقد أخبر الله تعالى ذكره من الخبر عن الطوفان بخلاف ما قالوا فقال وقوله الحق ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه وأهله من الكرب العظيم وجعلنا ذريته هم الباقين ( 2 ) فأخبر عز ذكره أن ذرية نوح هم الباقون دون غيرهم
وقد ذكرت اختلاف الناس في جيومرت ومن يخالف الفرس في عينه ومن هو ومن نسبه إلى نوح عليه السلام
حدثنا ابن بشار قال حدثنا ابن عثمة قال حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه و سلم في قوله وجعلنا ذريته هم الباقين قال سام وحام ويافث
حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة في قوله وجعلنا ذريته هم الباقين قال فالناس كلهم من ذرية نوح
حدثني علي بن داود قال حدثنا أبو صالح قال حدثني معاوية عن علي عن أبن عباس في قوله تعالى وجعلنا ذريته هم الباقين يقول لم يبق إلا ذرية نوح
(1/119)
________________________________________
وروي عن علي بن مجاهد عن ابن إسحاق عن الزهري وعن محمد بن صالح عن الشعبي قالا لما هبط آدم من الجنة وانتشر ولده أرخ بنوه من هبوط آدم فكان ذلك التاريخ حتى بعث الله نوحا فأرخوا ببعث نوح حتى كان الغرق فهلك من هلك ممن كان على وجه الأرض فلما هبط نوح وذريته وكل من كان في السفينة إلى الأرض قسم الأرض بين ولده أثلاثا فجعل لسام وسطا من الأرض ففيها بيت المقدس والنيل والفرات ودجلة وسيحان وجيحان وفيشون وذلك ما بين فيشون إلى شرقي النيل وما بين منخر ريح الجنوب إلى منخر الشمال وجعل لحام قسمه غربي النيل فما وراءه إلى منخر ريح الدبور وجعل قسم يافث في فيشون فما وراءه إلى منخر ريح الصبا فكان التاريخ من الطوفان إلى نار إبراهيم ومن نار إبراهيم إلى مبعث يوسف ومن مبعث يوسف إلى مبعث موسى ومن مبعث موسى إلى ملك سليمان ومن ملك سليمان إلى مبعث عيسى بن مريم ومن مبعث عيسى بن مريم إلى أن بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم
وهذا الذي ذكر عن الشعبي من التاريخ ينبغي أن يكون على تاريخ اليهود فأما أهل الإسلام فإنهم لم يؤرخوا إلا من الهجرة ولم يكونوا يؤرخون بشيء من قبل ذلك غير أن قريشا كانوا فيما ذكر يؤرخون قبل الإسلام بعام الفيل وكان سائر العرب يؤرخون بأيامهم المذكورة كتاريخهم بيوم جبلة وبالكلاب الأول والكلاب الثاني
كانت النصارى تؤرخ بعهد الإسكندر ذي القرنين وأحسبهم على ذلك من التاريخ إلى اليوم
وأما الفرس فإنهم كانوا يؤرخون بملوكهم وهم اليوم فيما أعلم يؤرخون بعهد يزدجرد بن شهريار لأنه كان آخر من كان من ملوكهم له ملك بابل والمشرق
(1/120)

بنالعياط
27-09-2012, 03:10 PM
ذكر الأحداث التي كانت في عهد نوح عليه السلام
قد ذكرنا اختلاف المختلفين في ديانة القوم الذين أرسل إليهم نوح عليه السلام وأن منهم من يقول كانوا قد أجمعوا على العمل بما يكرهه الله من ركوب الفواحش وشرب الخمور والاشتغال بالملاهي عن طاعة الله عز و جل وأن منهم من يقول كانوا أهل طاعة بيوراسب وكان بيوراسب أول من أظهر القول بقول الصابئين وتبعه على ذلك الذين ارسل إليهم نوح عليه السلام وسأذكر إن شاء الله خبر بيوراسب فيما بعد
فأما كتاب الله فإنه ينبئ عنهم أنهم كانوا أهل أوثان وذلك أن الله عز و جل يقول مخبرا عن نوح قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ومكروا مكرا كبارا وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا ( 1 ) فبعث الله إليهم نوحا مخوفهم بأسه ومحذرهم سطوته وداعيا لهم إلى التوبة والمراجعة إلى الحق والعمل بما أمر الله به رسله وأنزله في صحف آدم وشيث وأخنوخ ونوح يوم ابتعثه الله نبيا إليهم فيما ذكر ابن خمسين سنة
وقيل أيضا ما حدثنا به نصر بن علي الجهضمي قال حدثنا نوح بن قيس قال حدثنا عون بن أبي شداد قال إن الله تبارك وتعالى أرسل نوحا إلى قومه وهو ابن خمسين وثلاثمائة سنة فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاثمائة سنة
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا هشام قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال بعث الله نوحا إليهم وهو ابن أربعمائة سنة وثمانين سنة ثم دعاهم في نبوته مائة وعشرين سنة وركب السفينة وهو ابن ستمائة سنة ثم مكث بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين سنة
قال أبو جعفر فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما كما قال الله عز و جل يدعوهم إلى الله سرا وجهرا يمضي قرن بعد قرن فلا يستجيبون له حتى مضى قرون ثلاثة على ذلك من حاله وحالهم فلما أراد الله عز و جل إهلاكهم دعا عليهم نوح عليه السلام فقال رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا فأمره الله تعالى ذكره أن يغرس شجرة فغرسها فعظمت وذهبت كل مذهب ثم أمره بقطعها من بعد ما غرسها بأربعين سنة فيتخذ منها سفينة كما قال الله له واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ( 2 ) فقطعها


وجعل يعملها
وحدثنا صالح بن مسمار المروزي والمثنى بن إبراهيم قالا حدثنا ابن أبي مريم قال حدثنا موسى بن يعقوب قال حدثني فائد مولى عبيدالله بن علي بن أبي رافع أن إبراهيم بن عبدالرحمن بن أبي ربيعة أخبره أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لو رحم الله أحدا من قوم نوح لرحم أم الصبي قال رسول الله صلى الله عليه و سلم كان نوح مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله عز و جل حتى كان آخر زمانه غرس شجرة فعظمت وذهبت كل مذهب ثم قطعها ثم جعل يعمل سفينة فيمرون فيسألونه فيقول أعملها سفينة فيسخرون منه ويقولون تعمل سفينة في البر فكيف تجري فيقول سوف تعلمون فلما فرغ منها وفار التنور وكثر الماء في السكك خشيت أم الصبي عليه وكانت تحبه حبا شديدا فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثي الجبل فلما بلغها الماء خرجت حتى استوت على الجبل فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيدها حتى ذهب به الماء فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي
حدثني ابن أبي منصور قال حدثنا علي بن الهيثم عن المسيب بن شريك عن أبي روق عن الضحاك قال قال سلمان الفارسي عمل نوح السفينة أربعمائة سنة وأنبت الساج أربعين سنة حتى كان طوله ثلاثمائة ذراع والذراع إلى المنكب
فعمل نوح بوحي الله إليه وتعليمه إياه عملها فكانت إن شاء الله كما حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أن طول السفينة ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعا وطولها في السماء ثلاثون ذراعا وبابها في عرضها
حدثني الحارث قال حدثنا عبدالعزيز قال حدثنا مبارك عن الحسن قال كان طول سفينة نوح ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن مفضل بن فضالة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال قال الحواريون لعيسى بن مريم لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدثنا عنها فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب بكفه فقال أتدرون ما هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال هذا قبر حام بن نوح قال فضرب الكثيب بعصاه وقال قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه وقد شاب فقال له عيسى عليه السلام هكذا هلكت قال لا ولكني مت وأنا شاب ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت قال حدثنا عن سفينة نوح قال كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاث طبقات فطبقة فيها الدواب والوحش وطبقة فيها الإنس وطبقة فيها الطير فلما كثر أرواث الدواب أوحى الله إلى نوح أن اغمز ذنب الفيل فغمز فوقع فيه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث فلما وقع الفأر بخرز السفينة يقرضه أوحى الله إلى نوح أن اضرب بين عيني الأسد فخرج من منخره سنور وسنورة فأقبلا على الفأر فقال له عيسى كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت قال بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف فلذلك لا يألف البيوت قال ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها فعلم أن البلاد قد غرقت قال فطوقها الخضرة التي في عنقها دعا لها أن تكون في أنس وأمان فمن ثم تألف
(1/113)
________________________________________
البيوت قال فقالت الحواريون يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلنا فيجلس معنا ويحدثنا قال كيف يتبعكم من لا رزق له قال فقال له عد بإذن الله فعاد ترابا
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال نجر نوح السفينة بجبل بوذ من ثم تبدى الطوفان قال وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع بذراع جد أبي نوح وعرضها خمسين ذراعا وطولها في السماء ثلاثين ذراعا وخرج منها من الماء ستة أذرع وكانت مطبقة وجعل لها ثلاثة أبواب بعضها أسفل من بعض
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عمن لا يتهم عن عبيد بن عمير الليثي أنه كان يحدث أنه بلغه أنهم كانوا يبطشون به يعني قوم نوح بنوح فيخنقونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون
قال ابن إسحاق حتى إذا تمادوا في المعصية وعظمت في الأرض منهم الخطيئة وتطاول عليه وعليهم الشأن واشتد عليه منهم البلاء وانتظر النجل بعد النجل فلا يأتي قرن إلا كان أخبث من الذي قبله حتى إن كان الآخر منهم ليقول قد كان هذا مع آبائنا ومع أجدادنا هكذا مجنونا لا يقبلون منه شيئا حتى شكا ذلك من أمرهم نوح إلى الله عز و جل فقال كما قص الله عز و جل علينا في كتابه رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا إلى آخر القصة حتى قال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ( 1 ) إلى آخر القصة فلما شكا ذلك منهم نوح إلى الله عز و جل واستنصره عليهم أوحى الله إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ( 2 ) فأقبل نوح على عمل الفلك ولها عن قومه وجعل يقطع الخشب ويضرب الحديد ويهيئ عدة الفلك من القار وغيره مما لا يصلحه إلا هو وجعل قومه يمرون به وهو في ذلك من عمله فيسخرون منه ويستهزئون به فيقول إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ( 3 ) قال ويقولون فيما بلغني يا نوح قد صرت نجارا بعد النبوة قال وأعقم الله أرحام النساء فلا يولد لهم
قال ويزعم أهل التوراة أن الله عز و جل أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج وأن يصنعه أزور وأن يطليه بالقار من داخله وخارجه وأن يجعل طوله ثمانين ذراعا وعرضه خمسين ذراعا وطوله في السماء ثلاثين ذراعا وأن يجعله ثلاثة أطباق سفلا ووسطا وعلوا وأن يجعل فيه كوا ففعل نوح كما أمره عز و جل حتى إذا فرغ منه وقد عهد الله إليه إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل ( 4 ) وقد جعل التنور آية فيما بينه وبينه فقال إذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين واركب فلما فار التنور حمل نوح في الفلك من أمره الله تعالى به وكانوا قليلا كما قال وحمل فيها من كل زوجين اثنين مما فيه الروح والشجر ذكرا وأنثى فحمل فيه بنيه الثلاثة سام وحام ويافث ونساءهم وستة أناس ممن كان آمن به فكانوا عشرة نفر نوح وبنوه وأزواجهم ثم
(1/114)
________________________________________
أدخل ما أمره الله به من الدواب وتخلف عنه ابنه يام وكان كافرا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن الحسن بن دينار عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال سمعته يقول كان أول ما حمل نوح في الفلك من الدواب الذرة وآخر ما حمل الحمار فلما أدخل الحمار ودخل صدره تعلق إبليس لعنه الله بذنبه فلم تستقل رجلاه فجعل نوح يقول ويحك ادخل فينهض فلا يستطيع حتى قال نوح ويحك ادخل وإن كان الشيطان معك قال كلمة زلت عن لسانه فلما قالها نوح خلىالشيطان سبيله فدخل ودخل الشيطان معه فقال له نوح ما أدخلك علي يا عدو الله قال ألم تقل ادخل وإن كان الشيطان معك قال اخرج عني يا عدو الله فقال مالك بد من أن تحملني فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك فلما اطمأن نوح في الفلك وأدخل فيه كل من آمن به وكان ذلك في الشهر من السنة التي دخل فيها نوح بعد ستمائة سنة من عمره لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر فلما دخل وحمل معه من حمل تحرم ينابيع الغوط الأكبر وفتحت أبواب السماء كما قال الله لنبيه صلى الله عليه و سلم ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر ) ( 1 ) فدخل نوح ومن معه الفلك وغطاه عليه وعلى من معه بطبقة فكان بين أن أرسل الله الماء وبين أن احتمل الماء الفلك أربعون يوما وأربعون ليلة ثم احتمل الماء كما يزعم أهل التوراة وكثر واشتد وارتفع يقول الله عز و جل لنبيه محمد صلى الله عليه و سلم وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر ( 1 ) والدسر المسامير مسامير الحديد فجعلت الفلك تجري به وبمن معه في موج كالجبال ونادى نوح ابنه الذي هلك فيمن هلك وكان في معزل حين رأى نوح من صدق موعود ربه ما رأى فقال يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين وكان شقيا قد أضمر كفرا قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء وكان عهد الجبال وهي حرز من الأمطار إذا كانت فظن أن ذلك كما كان يكون قال نوح لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين وكثر الماء وطغى وارتفع فوق الجبال كما يزعم أهل التوراة خمسة عشر ذراعا فباد ما على وجه الأرض من الخلق من كل شيء فيه الروح أو شجر فلم يبق شيء من الخلائق إلا نوح ومن معه في الفلك وإلا عوج بن عنق فيما يزعم أهل الكتاب فكان بين أن أرسل الله الطوفان وبين أن غاض الماء ستة أشهر وعشر ليال
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال أرسل الله المطر أربعين يوما وأربعين ليلة فأقبلت الوحوش حين أصابها المطر والدواب والطير كلها إلى نوح وسخرت له فحمل منها كما أمره الله عز و جل من كل زوجين اثنين وحمل معه جسد آدم فجعله حاجزا بين النساء والرجال فركبوا فيها لعشر ليال مضين من رجب وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرم فلذلك صام من صام يوم عاشوراء وأخرج الماء نصفين فذلك قول الله عز و جل ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر يقول منصب وفجرنا الأرض عيونا يقول شققنا الأرض فالتقى الماء على أمر قد قدر فصار الماء نصفين نصف من السماء ونصف من الأرض
(1/115)
________________________________________
وارتفع الماء على أطول جبل في الأرض خمسة عشر ذراعا فسارت بهم السفينة فطافت بهم الأرض كلها في ستة أشهر لا تستقر على شيء حتى أتت الحرم فلم تدخله ودارت بالحرم أسبوعا ورفع البيت الذي بناه آدم عليه السلام رفع من الغرق وهو البيت المعمور والحجر الأسود على أبي قبيس فلما دارت بالحرم ذهبت في الأرض تسير بهم حتى انتهت إلى الجودي وهو جبل بالحضيض من أرض الموصل فاستقرت بعد ستة أشهر لتمام السبع فقيل بعد السبعة الأشهر بعدا للقوم الظالمين ( 1 ) فلما استقرت على الجودي قيل يا أرض ابلعي ماءك يقول أنشفي ماءك الذي خرج منك ويا سماء أقلعي يقول احبسي ماءك وغيض الماء ( 1 ) نشفته الأرض فصار ما نزل من السماء هذه البحور التي ترون في الأرض فآخر ما بقي من الطوفان في الأرض ماء بحسمى بقي في الأرض أربعين سنة بعد الطوفان ثم ذهب
وكان التنور الذي جعل الله تعالى ذكره آية ما بينه وبين نوح فوران الماء منه تنورا كان لحواء حجارة وصار إلى نوح
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا هشيم عن أبي محمد عن الحسن قال كان تنورا من حجارة كان لحواء حتى صار إلى نوح قال فقيل له إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك
وقد اختلف في المكان الذي كان به التنور الذي جعل الله فوران مائه آية ما بينه وبين نوح فقال بعضهم كان بالهند
ذكر من قال ذلك
حدثنا أبو كريب قال حدثنا عبدالحميد الحماني عن النضر أبي عمر الخزاز عن عكرمة عن ابن عباس في وفار التنور ( 2 ) قال فار بالهند
وقال آخرون كان ذلك بناحية الكوفة
ذكر من قال ذلك
حدثني الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا خلف بن خليفة عن ليث عن مجاهد قال نبع الماء في التنور فعلمت به امرأته فأخبرته قال وكان ذلك في ناحية الكوفة
حدثني الحارث قال حدثنا القاسم قال حدثنا علي بن ثابت عن السري بن إسماعيل عن الشعبي أنه كان يحلف بالله ما فار التنور إلا من ناحية الكوفة
واختلف في عدد من ركب الفلك من بني آدم فقال بعضهم كانوا ثمانين نفسا
ذكر من قال ذلك
(1/116)
________________________________________
حدثني موسى بن عبدالرحمن المسروقي قال حدثنا زيد بن الحباب قال حدثني حسين بن واقد الخراساني قال حدثنا أبو نهيك قال سمعت ابن عباس يقول كان في سفينة نوح ثمانين رجلا أحدهم جرهم
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج قال قال ابن جريج قال ابن عباس حمل نوح معه في السفينة ثمانين إنسانا
حدثني الحارث قال حدثنا عبدالعزيز قال قال سفيان كان بعضهم يقول كانوا ثمانين يعني القليل الذين قال الله عز و جل وما آمن معه إلا قليل ( 1 )
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال حمل نوح في السفينة بنيه سام وحام ويافث وكنائنه نساء بنيه هؤلاء وثلاثة وسبعين من بني شيث ممن آمن به فكانوا ثمانين في السفينة
وقال بعضهم بل كانوا ثمانية أنفس
ذكر من قال ذلك
حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أنه لم يتم في السفينة إلا نوح وامرأته وثلاثة بنيه ونساؤهم فجميعهم ثمانية
حدثنا ابن وكيع والحسن بن عرفة قالا حدثنا يحيى بن عبدالملك بن أبي غنية عن أبيه عن الحكم وما آمن معه إلا قليل قال نوح وثلاثة بنيه وأربع كنائنه
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج قال قال ابن جريج حدثت أن نوحا حمل معه بنيه الثلاثة وثلاث نسوة لبنيه وامرأة نوح فهم ثمانية بأزواجهم وأسماء بنيه يافث وحام وسام فأصاب حام امرأته في السفينة فدعا نوح أن تغير نطفته فجاء بالسودان
وقال آخرون بل كانوا سبعة أنفس
ذكر من قال ذلك
حدثني الحارث قال حدثني عبدالعزيز قال حدثنا سفيان عن الأعمش وما آمن معه إلا قليل قال كانوا سبعة نوح وثلاث كنائن وثلاثة بنين له وقال آخرون كانوا عشرة سوى نسائهم
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال حمل بنيه الثلاثة سام وحام ويافث ونساءهم وستة أناسي ممن كان آمن به فكانوا عشرة نفر بنوح وبنيه وأزواجهم وأرسل الله تبارك وتعالى الطوفان لمضي ستمائة سنة من عمر نوح فيما ذكره أهل العلم من أهل الكتاب وغيرهم ولتتمة ألفي سنة
(1/117)
________________________________________
ومائتي سنة وست وخمسين سنة من لدن اهبط آدم إلى الأرض
وقيل إن الله عز و جل أرسل الطوفان لثلاث عشرة خلت من آب وإن نوحا أقام في الفلك إلى أن غاض الماء واستوت الفلك على جبل الجودي بقردى في اليوم السابع عشر من الشهر السادس فلما خرج نوح منها اتخذ بناحية قردى من أرض الجزيرة موضعا وابتنى هناك قرية سماها ثمانين لأنه كان بنى فيها بيتا لكل إنسان ممن آمن معه وهم ثمانون فهي إلى اليوم تسمى سوق ثمانين
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثني هشام بن محمد قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال هبط نوح عليه السلام إلى قرية فبنى كل رجل منهم بيتا فسميت سوق ثمانين فغرق بنو قابيل كلهم وما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإسلام
قال أبو جعفر فصار هو وأهله فيه فأوحى الله إليه أنه لا يعيد الطوفان إلى الأرض أبدا
وقد حدثني عباد بن يعقوب الأسدي قال حدثنا المحاربي عن عثمان بن مطر عن عبدالعزيز بن عبد الغفور عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في أول يوم من رجب ركب نوح السفينة فصام هو وجميع من معه وجرت بهم السفينة ستة أشهر فانتهى ذلك إلى المحرم فأرست السفينة على الجودي يوم عاشوراء فصام نوح وأمر جميع من معه من الوحش والدواب فصاموا شكرا لله عز و جل
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج قال كانت السفينة أعلاها الطير ووسطها الناس وأسفلها السباع وكان طولها في السماء ثلاثين ذراعا ودفعت من عين وردة يوم الجمعة لعشر ليال مضين من رجب وأرست على الجودي يوم عاشوراء ومرت بالبيت فطافت به سبعا وقد رفعه الله من الغرق ثم جاءت اليمن ثم رجعت
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا الحجاج عن أبي جعفر الرازي عن قتادة قال هبط نوح من السفينة يوم العاشر من المحرم فقال لمن معه من كان منكم صائما فليتم صومه ومن كان منكم مفطرا فليصم
حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أنها يعني الفلك استقلت بهم في عشر خلون من رجب فكانت في الماء خمسين ومائة يوم واستقرت على الجودي شهرا وأهبط بهم في عشر خلون من المحرم يوم عاشوراء
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن أبي معشر عن محمد بن قيس قال ما كان زمان نوح شبر من الأرض إلا إنسان يدعيه
ثم عاش نوح بعد الطوفان فيما حدثني نصر بن علي الجهضمي قال أخبرنا نوح بن قيس قال حدثنا عون بن أبي شداد قال عاش يعني نوحا بعد ذلك يعني بعد الألف سنة إلا خمسين عاما التي لبثها في قومه ثلاثمائة وخمسين سنة
وأما ابن اسحاق فإن ابن حميد حدثنا قال حدثنا سلمة عنه قال وعمر نوح فيما يزعم أهل التوراة بعد أن أهبط من الفلك ثلاثمائة سنة وثمانيا وأربعين سنة قال فكان جميع عمر نوح ألف سنة إلا
(1/118)
________________________________________
خمسين عاما ثم قبضه الله عز و جل إليه
وقيل إن ساما ولد لنوح قبل الطوفان بثمان وتسعين سنة وقال بعض أهل التوراة لم يكن التناسل ولا ولد لنوح ولد إلا بعد الطوفان وبعد خروج نوح من الفلك قالوا إنما الذين كانوا معه في الفلك قوم كانوا آمنوا به واتبعوه غير أنهم بادوا وهلكوا فلم يبق لهم عقب وإنما الذين هم اليوم في الدنيا من بني آدم ولد نوح وذريته دون سائر ولد آدم كما قال الله عز و جل وجعلنا ذريته هم الباقين ( 1 )
وقيل إنه كان لنوح قبل الطوفان ابنان هلكا جميعا كان أحدهما يقال له كنعان قالوا وهو الذي غرق في الطوفان والآخر منهما يقال له عابر مات قبل الطوفان
حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال ولد لنوح سام وفي ولده بياض وأدمه وحام وفي ولده سواد وبياض قليل ويافث وفيهم الشقرة والحمرة وكنعان وهو الذي غرق والعرب تسميه يام وذلك قول العرب إنما هام عمنا يام وأم هؤلاء واحدة
فأما المجوس فإنهم لا يعرفون الطوفان ويقولون لم يزل الملك فينا من عهد جيومرت وقالوا جيومرت هو آدم يتوارثه أخر عن أول إلى عهد فيروز بن يزدجرد بن شهريار قالوا ولو كان لذلك صحة كان نسب القوم قد انقطع وملك القوم قد اضمحل وكان بعضهم يقر بالطوفان ويزعم أنه كان في إقليم بابل وما قرب منه وأن مساكن ولد جيومرت كانت بالمشرق فلم يصل ذلك إليهم
قال أبو جعفر وقد أخبر الله تعالى ذكره من الخبر عن الطوفان بخلاف ما قالوا فقال وقوله الحق ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه وأهله من الكرب العظيم وجعلنا ذريته هم الباقين ( 2 ) فأخبر عز ذكره أن ذرية نوح هم الباقون دون غيرهم
وقد ذكرت اختلاف الناس في جيومرت ومن يخالف الفرس في عينه ومن هو ومن نسبه إلى نوح عليه السلام
حدثنا ابن بشار قال حدثنا ابن عثمة قال حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه و سلم في قوله وجعلنا ذريته هم الباقين قال سام وحام ويافث
حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة في قوله وجعلنا ذريته هم الباقين قال فالناس كلهم من ذرية نوح
حدثني علي بن داود قال حدثنا أبو صالح قال حدثني معاوية عن علي عن أبن عباس في قوله تعالى وجعلنا ذريته هم الباقين يقول لم يبق إلا ذرية نوح
(1/119)
________________________________________
وروي عن علي بن مجاهد عن ابن إسحاق عن الزهري وعن محمد بن صالح عن الشعبي قالا لما هبط آدم من الجنة وانتشر ولده أرخ بنوه من هبوط آدم فكان ذلك التاريخ حتى بعث الله نوحا فأرخوا ببعث نوح حتى كان الغرق فهلك من هلك ممن كان على وجه الأرض فلما هبط نوح وذريته وكل من كان في السفينة إلى الأرض قسم الأرض بين ولده أثلاثا فجعل لسام وسطا من الأرض ففيها بيت المقدس والنيل والفرات ودجلة وسيحان وجيحان وفيشون وذلك ما بين فيشون إلى شرقي النيل وما بين منخر ريح الجنوب إلى منخر الشمال وجعل لحام قسمه غربي النيل فما وراءه إلى منخر ريح الدبور وجعل قسم يافث في فيشون فما وراءه إلى منخر ريح الصبا فكان التاريخ من الطوفان إلى نار إبراهيم ومن نار إبراهيم إلى مبعث يوسف ومن مبعث يوسف إلى مبعث موسى ومن مبعث موسى إلى ملك سليمان ومن ملك سليمان إلى مبعث عيسى بن مريم ومن مبعث عيسى بن مريم إلى أن بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم
وهذا الذي ذكر عن الشعبي من التاريخ ينبغي أن يكون على تاريخ اليهود فأما أهل الإسلام فإنهم لم يؤرخوا إلا من الهجرة ولم يكونوا يؤرخون بشيء من قبل ذلك غير أن قريشا كانوا فيما ذكر يؤرخون قبل الإسلام بعام الفيل وكان سائر العرب يؤرخون بأيامهم المذكورة كتاريخهم بيوم جبلة وبالكلاب الأول والكلاب الثاني
كانت النصارى تؤرخ بعهد الإسكندر ذي القرنين وأحسبهم على ذلك من التاريخ إلى اليوم
وأما الفرس فإنهم كانوا يؤرخون بملوكهم وهم اليوم فيما أعلم يؤرخون بعهد يزدجرد بن شهريار لأنه كان آخر من كان من ملوكهم له ملك بابل والمشرق
(1/120)
________________________________________
ذكر بيوراسب وهو الازدهاق
والعرب تسميه الضحاك فتجعل الحرف الذي بين السين والزاي في الفارسية ضادا والهاء حاء والقاف كافا وإياه عنى حبيب بن أوس بقوله ... ما نال ما قد نال فرعون ولا ... هامان في الدنيا ولا قارون ... بل كان كالضحاك في سطواته ... بالعالمين وأنت أفريدون ...
وهو الذي افتخر بادعائه أنه منهم الحسن بن هانىء في قوله
... وكان منا الضحاك يعبده ال ... خابل والجن مساربها ...
قال واليمن تدعيه
حدثت عن هشام بن محمد بن السائب فيما ذكر من أمر الضحاك هذا قال والعجم تدعي الضحاك وتزعم أن جما كان زوج اخته من بعض أشراف أهل بيته وملكه على اليمن فولدت له الضحاك
قال واليمن تدعيه وتزعم أنه من أنفسها وأنه الضحاك بن علوان بن عبيد بن عويج وأنه ملك على مصر أخاه سنان بن علوان بن عبيد بن عويج وهو أول الفراعنة وأنه كان ملك مصر حين قدمها إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام
وأما الفرس فإنها تنسب الازدهاق هذا غير النسبة التي ذكر هشام عن أهل اليمن وتذكر أنه بيوراسب بن ارونداسب بن زينكاو بن ويروشك بن تاز خرواك بن سيامك بن مشا بن جيومرت
ومنهم من ينسبه هذه النسبة غير أنه يخالف النطق بأسماء آبائه فيقول هو الضحاك بن أندرماسب بن زنجدار بن وندريسج بن ثاج بن فرياك بن ساهمك بن تاذي بن جيومرت
والمجوس تزعم أن ثاج هذا هو أبو العرب ويزعمون أن أم الضحاك كانت ودك بنت ويونجهان وأنه قتل أباه تقربا بقتله إلى الشياطين وأنه كان كثير المقام ببابل وكان له ابنان يقال لأحدهما سرهوار وللآخر نفوار
وقد ذكر عن الشعبي أنه كان يقول هو قرشت مسخه الله ازدهاق
ذكر الرواية عنه بذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن يحيى بن العلاء عن القاسم بن سلمان عن الشعبي قال أبجد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت كانوا ملوكا جبابرة فتفكر قرشت
(1/121)
________________________________________
يوما فقال تبارك الله أحسن الخالقين فمسخه الله فجعله أجدهاق وله سبعة أرؤس فهو الذي بدنباوند وجميع أهل الأخبار من العرب والعجم تزعم أنه ملك الأقاليم كلها وأنه كان ساحرا فاجرا
وحدثت عن هشام بن محمد قال ملك الضحاك بعد جم فيما يزعمون والله أعلم ألف سنة ونزل السواد في قرية يقال لها نرس في ناحية طريق الكوفة وملك الأرض كلها وسار بالجور والعسف وبسط يده في القتل وكان أول من سن الصلب والقطع وأول من وضع العشور وضرب الدراهم وأول من تغنى وغني له قال ويقال إنه خرج في منكبه سلعتان فكانتا تضربان عليه فيشتد عليه الوجع حتى يطليهما بدماغ إنسان فكان يقتل لذلك في كل يوم رجلين ويطلي سلعتيه بدماغيهما فإذا فعل ذلك سكن ما يجد فخرج عليه رجل من أهل بابل فاعتقد لواء واجتمع إليه بشر كثير فلما بلغ الضحاك خبره راعه فبعث إليه ما أمرك وما تريد قال ألست تزعم أنك ملك الدنيا وأن الدنيا لك قال بلى قال فليكن كلبك على الدنيا ولا يكونن علينا خاصة فإنك إنما تقتلنا دون الناس فأجابه الضحاك إلى ذلك وأمر بالرجلين اللذين كان يقتلهما في كل يوم أن يقسما على الناس جميعا ولا يخص بهما مكان دون مكان
قال فبلغنا أن أهل أصبهان من ولد ذلك الرجل الذي رفع اللواء وأن ذلك اللواء لم يزل محفوظا عند ملوك فارس في خزائنهم وكان فيما بلغنا جلد أسد فألبسه ملوك فارس الذهب والديباج تيمنا به
قال وبلغنا أن الضحاك هو نمرود وأن إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه ولد في زمانه وأنه صاحبه الذي أراد إحراقه
قال وبلغنا أن أفريدون هو من نسل جم الملك الذي كان من قبل الضحاك ويزعمون أنه التاسع من ولده وكان مولده بدنباوند خرج حتى ورد منزل الضحاك وهو عنه غائب بالهند فحوى على منزله وما فيه فبلغ الضحاك ذلك فأقبل وقد سلبه الله قوته وذهبت دولته فوثب به أفريدون فأوثقه وصيره بجبال دنباوند فالعجم تزعم أنه إلى اليوم موثق في الحديد يعذب هناك
وذكر غير هشام أن الضحاك لم يكن غائبا عن مسكنه ولكن أفريدون بن أثفيان جاء إلى مسكن له في حصن يدعى زرنج ماه مهروز مهر فنكح امرأتين له تسمى إحداهما أروناز والأخرى سنوار فوهل بيوراسب لما عاين ذلك وخر مدلها لا يعقل فضرب أفريدون هامته بجرز له ملتوي الرأس فزاده ذلك وهلا وعزوب عقل ثم توجه به أفريدون إلى جبل دنباوند وشده هنالك وثاقا وأمر الناس باتخاذ مهرماه مهرروز وهو المهرجان اليوم الذي أوثق فيه بيوراسب عيدا وعلا أفريدون سرير الملك
وذكر عن الضحاك أنه قال يوم ملك وعقد عليه التاج نحن ملوك الدنيا المالكون لما فيها
والفرس تزعم أن الملك لم يكن إلا للبطن الذي منه أوشهنج وجم وطهمورث وأن الضحاك كان غاصبا وأنه غصب أهل الأرض بسحره وخبثه وهول عليهم بالحيتين اللتين كانتا على منكبيه وأنه بنى بأرض بابل مدينة سماها حوب وجعل النبط أصحابه وبطانته فلقي الناس منه كل جهد وذبح الصبيان
ويقول كثير من أهل الكتب إن الذي كان على منكبيه كان لحمتين طويلتين ناتئتين على منكبيه كل واحدة منهما كرأس الثعبان وأنه كان بخبثه ومكره يسترهما بالثياب ويذكر على طريق التهويل أنهما حيتان يقتضيانه الطعام وكانتا تتحركان تحت ثوبه إذا جاع كما يتحرم العضو من الإنسان عند التهابه بالجوع
(1/122)
________________________________________
والغضب ومن الناس من يقول كان ذلك حيتين وقد ذكرت ما روي عن الشعبي في ذلك والله أعلم بحقيقته وصحته
وذكر بعض أهل العلم بأنساب الفرس وأمورهم أن الناس لم يزالوا من بيوراسب هذا في جهد شديد حتى إذا أراد الله إهلاكه وثب به رجل من العامة من أهل أصبهان يقال له كابي بسبب ابنين كانا له أخذهما رسل بيوراسب بسبب الحيتين اللتين كانتا على منكبيه وقيل إنه لما بلغ الجزع من كابي هذا على ولده أخذ عصا كانت بيده فعلق بأطرافها جرابا كان معه ثم نصب ذلك العلم ودعا الناس إلى مجاهدة بيوراسب ومحاربته فأسرع إلى إجابته خلق كثير لما كانوا فيه معه من البلاء وفنون الجور فلما غلب كابي تفاءل الناس بذلك العلم فعظموا أمره وزادوا فيه حتى صار عند ملوك العجم علمهم الأكبر الذي يتبركون به وسموه درفش كابيان فكانوا لا يسيرونه إلا في الأمور العظام ولا يرفع إلا لأولاد الملوك إذا وجهوا في الأمور العظام
وكان من خبر كابي أنه شخص عن أصبهان بمن تبعه والتف إليه في طريقه فلما قرب من الضحاك وأشرف عليه قذف في قلب الضحاك منه الرعب فهرب عن منازله وخلى مكانه وانفتح للأعاجم فيه ما أرادوا فاجتمعوا إلى كابي وتناظروا فأعلمهم كابي أنه لا يتعرض للملك لأنه ليس من أهله وأمرهم أن يملكوا بعض ولد جم لأنه ابن الملك الأكبر أوشهنق بن فرواك الذي رسم الملك وسبق إلى القيام به وكان أفريدون بن أثفيان مستخفيا في بعض النواحي من الضحاك فوافى كابي ومن كان معه فاستبشر القوم بموافاته وذلك أنه كان مرشحا للملك برواية كانت لهم في ذلك فملكوه وصار كابي والوجوه لأ فريدون أعوانا على أمره فلما ملك وأحكم ما احتاج إليه من أمر الملك واحتوى على منازل الضحاك أتبعه فأسره بدنباوند في جبالها
وبعض المجوس تزعم أنه جعله أسيرا حبيسا في تلك الجبال موكلا به قوم من الجن
ومنهم من يقول إنه قتله وزعموا أنه لم يسمع من أمور الضحاك شيء يستحسن غير شيء واحد وهو أن بليته لما اشتدت ودام جوره وطالت أيامه عظم على الناس ما لقوا منه فتراسل الوجوه في أمره فأجمعوا على المصير إلى بابه فوافى بابه الوجوه والعظماء من الكور والنواحي فتناظروا في الدخول عليه والتظلم إليه والتأني لاستعطافه فاتفقوا على أن يقدموا للخطاب عنهم كابي الأصبهاني فلما صاروا إلى بابه أعلم بمكانهم فأذن لهم فدخلوا وكابي متقدم لهم فمثل بين يديه وأمسك عن السلام ثم قال أيها الملك أي السلام أسلم عليك أسلام من يملك هذه الأقاليم كلها أم سلام من يملك هذا الإقليم الواحد يعني بابل فقال له الضحاك بل سلام من يملك هذه الأقاليم كلها لأني ملك الأرض فقال له الأصبهاني فإذا كنت تملك الأقاليم كلها وكانت يدك تنالها أجمع فما بالنا قد خصصنا بمؤنتك وتحاملك وإساءتك من بين أهل الأقاليم وكيف لم تقسم أمر كذا وكذا بيننا وبين الأقاليم وعدد عليه أشياء كان يمكنه تخفيفها عنهم وجرد له الصدق والقول في ذلك فقدح في قلب الضحاك قوله وعمل فيه حتى انخزل وأقر بالإساءة وتألف القوم ووعدهم ما يحبون وأمرهم بالانصراف لينزلوا ويتدعوا ثم يعودوا ليقضي حوائجهم ثم ينصرفوا إلى بلادهم
وزعموا أن أمه ودك كانت شرا منه وأردى وأنها كانت في وقت معاتبة القوم إياه بالقرب منه تتعرف ما يقولونه فتغتاظ وتنكره فلما خرج القوم دخلت مستشيطة منكرة على الضحاك احتماله القوم وقالت له قد
(1/123)
________________________________________
بلغني كل ما كان وجرأة هؤلاء القوم عليك حتى قرعوك بكذا وأسمعوك كذا أفلا دمرت عليهم ودمدمتهم أو قطعت أيديهم
فلما أكثرت على الضحاك قال لها مع عتوه يا هذه إنك لم تفكري في شيء إلا وقد سبقت إليه إلا أن القوم بدهوني بالحق وقرعوني به فلما هممت بالسطوة بهم والوثوب عليهم تخيل الحق فمثل بيني وبينهم بمنزلة الجبل فما أمكنني فيهم شيء ثم سكتها وأخرجها ثم جلس لأهل النواحي بعد أيام فوفى لهم بما وعدهم وردهم وقد لان لهم وقضى أكثر حوائجهم ولا يعرف للضحاك فيما ذكر فعلة استحسنت منه غير هذه
وقد ذكر أن عمر الأجدهاق هذا كان ألف سنة وأن ملكه منها كان ستمائة سنة وأنه كان في باقي عمره شبيها بالملك لقدرته ونفوذ أمره وقال بعضهم إنه ملك ألف سنة وكان عمره ألف سنة ومائة سنة إلى أن خرج عليه أفريدون فقهره وقتله
وقال بعض علماء الفرس لا نعلم أحدا كان أطول عمرا ممن لم يذكر عمره في التوراة من الضحاك هذا ومن جامر بن يافث بن نوح أبي الفرس فإنه ذكر أن عمره كان ألف سنة
وإنما ذكرنا خبر بيوراسب في هذا الموضع لأن بعضهم زعم أن نوحا عليه السلام كان في زمانه وأنه إنما كان أرسل إليه وإلى من كان في مملكته ممن دان بطاعته واتبعه على ما كان عليه من العتو والتمرد على الله فذكرنا إحسان الله وأياديه عند نوح عليه السلام بطاعته ربه وصبره على ما لقي منه من الأذى والمكروه في عاجل الدنيا بأن نجاه ومن آمن معه واتبعه من قومه وجعل ذريته هم الباقين في الدنيا وأبقى له ذكره بالثناء الجميل مع ما ذخر له عنده في الآجل من النعيم المقيم والعيش الهنيء وإهلاكه الآخرين بمعصيتهم إياه وتمردهم عليه وخلافهم أمره فسلبهم ما كانوا فيه من النعيم وجعلهم عبرة وعظة للغابرين مع ما ذخر لهم عنده في الآجل من العذاب الأليم
ونرجع الآن إلى ذكر نوح عليه السلام والخبر عنه وعن ذريته إذ كانوا هم الباقين اليوم كما أخبر الله عنهم وكان الآخرون الذين بعث نوح إليهم خلا ولده ونسله قد بادوا وذريتهم فلم يبق منهم ولا من أعقابهم أحد
قد ذكرنا قبل عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال في قول الله عز و جل وجعلنا ذريته هم الباقين إنهم سام وحام ويافث
حدثني محمد بن سهل بن عسكر قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثنا عبدالصمد بن معقل قال سمعت وهب بن منبه يقول إن سام بن نوح أبو العرب وفارس والروم وإن حام أبو السودان وأن يافث أبو الترك وأبو يأجوج ومأجوج وهو بنو عم الترك
وقيل كانت زوجة يافث أربسيسة بنت مرازيل بن الدرمسيل بن محويل ين خنوخ بن قين بن آدم عليه السلام فولدت له سبعة نفر وامرأة
فممن ولدت له من الذكور جومر بن يافث وهو فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن
(1/124)
________________________________________
إسحاق أبو يأجوج ومأجوج ومارح بن يافث ووائل بن يافث وحوان بن يافث وتوبيل بن يافث وهوشل بن يافث وترس بن يافث وشبكة بنت يافث قال فمن بني يافث كانت يأجوج ومأجوج والصقالبة والترك فيما يزعمون وكانت امرأة حام بن نوح نحلب بنت مارب بن الدرمسيل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم فولدت له ثلاثة نفر كوش بن حام بن نوح وقوط بن حام بن نوح وكنعان بن حام فنكح كوش بن حام بن نوح قرنبيل ابنة بتاويل بن ترس بن يافث فولدت له الحبشة والسند والهند فيما يزعمون ونكح قوط بن حام بن نوح بخت ابنة بتاويل بن ترس بن يافث بن نوح فولدت له القبط قبط مصر فيما يزعمون ونكح كنعان بن حازم بن نوح أرتيل ابنة بتاويل بن ترس بن يافث بن نوح فولدت له الأساود نوبة وفزان والزنج والزغاوة وأجناس السودان كلها
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق في الحديث قال ويزعم أهل التوراة أن ذلك لم يكن إلا دعوة دعاها نوح على ابنه حام وذلك أن نوحا نام فانكشف عن عورته فرآها حام فلم يغطها ورآها سام ويافث فألقيا عليها ثوبا فواريا عورته فلما هب من نومته علم ما صنع حام وسام ويافث فقال ملعون كنعان بن حام عبيدا يكونون إخوته وقال يبارك الله ربي في سام ويكون حام عبد أخويه ويقرض الله يافث ويحل في مساكن حام ويكون كنعان عبدا لهم قال وكانت امرأة سام بن نوح صليب ابنى بتاويل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم فولدت له نفرا أرفخشد بن سام وأشوذ بن سام ولاوذ بن سام وعويلم بن سام وكان لسام إرم بن سام قال ولا أدري إرم لأم أرفخشد وإخوته أم لا
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام بن محمد قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال لما ضاقت بولد نوح سوق ثمانين تحولوا إلى بابل فبنوها وهي بين الفرات والصراة وكانت اثني عشر فرسخا في اثني عشر فرسخا وكان بابها موضع دوران اليوم فوق جسر الكوفة يسرة إذا عبرت فكثروا بها حتى بلغوا مائة ألف وهم على الإسلام
ورجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق فنكح لاوذ بن سام بن نوح شبكة ابنة يافث بن نوح فولدت له فارس وجرجان وأجناس فارس وولد للاوذ مع الفرس طسم وعمليق ولا أدري أهو لأم الفرس أم لا فعمليق أبو العماليق كلهم أمم تفرقت في البلاد وكان أهل المشرق وأهل عمان وأهل الحجاز وأهل الشام وأهل مصر منهم ومنهم كانت الجبابرة بالشام الذين يقال لهم الكنعانيون ومنهم كانت الفراعنة بمصر وكان أهل البحرين وأهل عمان منهم أمة يسمون جاسم وكان ساكني المدينة منهم بنو هف وسعد بن هزان وبنو مطر وبنو الأزرق وأهل نجد منهم بديل وراحل وغفار وأهل تيماء منهم وكان ملك الحجاز منهم بتيماء اسمه الأرقم وكانوا ساكني نجد مع ذلك وكان ساكني الطائف بنو عبد بن ضخم حي من عبس الأول
قال وكان بنو أميم بن لاوذ بن سام بن نوح أهل وبار بأرض الرمل رمل عالج وكانوا قد كثروا بها وربلوا فأصابتهم من ا لله عز و جل نقمة من معصية أصابوها فهلكوا وبقيت منهم بقية وهم الذين يقال لهم النسناس
قال وكان طسم بن لاوذ ساكن اليمامة وما حولها قد كثروا بها وربلوا إلى البحرين فكانت طسم
(1/125)
________________________________________
والعماليق وأميم وجاسم قوما عربا لسانهم الذي جبلوا عليه لسان عربي وكانت فارس من أهل المشرق ببلاد فارس يتكلمون بهذا اللسان الفارسي
قال وولد إرم بن سام بن نوح عوص بن إرم وغاثر بن إرم وحويل بن إرم فولد عوص بن إرم غاثر بن عوص وعاد بن عوص وعبيل بن عوص وولد غاثر بن إرم ثمود بن غاثر وجديس بن غاثر وكانوا قوما عربا يتكلمون بهذا اللسان المضري فكانت العرب تقول لهذه الأمم العرب العاربة لأنه لسانهم الذي جبلوا عليه ويقولون لبني إسماعيل بن إبراهيم العرب المتعربة لإنهم إنما تكلموا بلسان هذه الأمم حين سكنوا بين أظهرهم فعاد وثمود والعماليق وأميم وجاسم وجديس وطسم هم العرب فكانت عاد بهذه الرمل إلى حضرموت واليمن كله وكانت ثمود بالحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله ولحقت جديس بطسم فكانوا معهم باليمامة وما حولها إلى البحرين واسم اليمامة إذ ذاك جو وسكنت جاسم عمان فكانوا بها
وقال غير ابن إسحاق إن نوحا دعا لسام بأن يكون الأنبياء والرسل من ولده ودعا ليافث بأن يكون الملوك من ولده وبدأ بالدعاء ليافث وقدمه في ذلك على سام ودعا على حام بأن يتغير لونه ويكون ولده عبيدا لولد سام ويافث
قال وذكر في الكتب أنه رق على حام بعد ذلك فدعا له بأن يرزق الرأفة من إخوته ودعا من ولد ولده لكوش بن حام ولجامر بن يافث بن نوح وذلك أن عدة من ولد الولد لحقوا نوحا فخدموه كما خدمه ولده لصلبه فدعا لعدة منهم
قال فولد لسام عابر وعليم وأشوذ وأرفخشد ولاوذ وإرم وكان مقامه بمكة
قال فمن ولد أرفخشد الأنبياء والرسل وخيار الناس والعرب كلها والفراعنة بمصر ومن ولد يافث بن نوح ملوك الأعاجم كلها من الترك والخزر وغيرهم والفرس الذي آخر من ملك منهم يزدجرد بن شهريار بن أبرويز ونسبه ينتهي إلى جيومرت بن يافث بن نوح
قال ويقال إن قوما من ولد لاوذ بن سام بن نوح وغيره من إخوته نزعوا إلى جامر هذا فأدخلهم جامر في نعمته وملكه وأن منهم ما ذي بن يافث وهو الذي تنسب السيوف الماذية إليه قال وهو الذي يقال إن كيرش الماذوي قاتل بلشصر بن أولمرودخ بن بختنصر من ولده
قال ومن ولد حام بن نوح النوبة والحبشة وفزان والهند والسند وأهل السواحل في المشرق والمغرب
قال ومنهم نمرود وهو نمرود بن كوش بن حام
قال وولد لأرفخشد بن سام ابنه قينان ولا ذكر له في التوراة وهو الذي قيل إنه لم يستحق أن يذكر في الكتب المنزلة لأنه كان ساحرا وسمى نفسه إلها فسيقت المواليد في التوراة على أرفخشد بن سام ثم على شالخ بن قينان بن أرفخشد من غير أن يذكر قينان في النسب لما ذكر من ذلك
قال وقيل في شالخ إنه شالخ بن أرفخشد من ولد لقينان وولد لشالخ عابر وولد لعابر ابنان
(1/126)
________________________________________
أحدهما فالغ ومعناه بالعربية قاسم وإنما سمي بذلك لأن الأرض قسمت والألسن تبلبلت في أيامه وسمي الآخر قحطان فولد لقحطان يعرب ويقطان ابنا قحطان بن عابر بن شالخ فنزلا أرض اليمن وكان قحطان أول من ملك اليمن وأول من سلم عليه ب أبيت اللعن كما كان يقال للملوك وولد لفالغ بن عابر أرغوا وولد لأرغوا ساروغ وولد لساروغ ناحورا وولد لناحوارا تارخ واسمه بالعربية آزر وولد لتارخ إبراهيم صلوات الله عليه وولد لأرفخشد أيضا نمرود بن أرفخشد وكان منزله بناحية الحجر وولد للاوذ بن سام طسم وجديس وكان منزلهما اليمامة وولد للاوذ أيضا عمليق بن لاوذ وكان منزله الحرم وأكناف مكة ولحق بعض ولده بالشام فمنهم كانت العماليق ومن العماليق الفراعنة بمصر وولد للاوذ أيضا أميم بن لاوذ بن سام وكان كثير الولد فنزع بعضهم إلى جامر بن يافث بالمشرق وولد لإرم بن سام عوص بن إرم وكان منزله الأحقاف وولد لعوص عاد بن عوص
وأما حام بن نوح فولد له كوش ومصرايم وقوط وكنعان فمن ولد كوش نمرود المتجبر الذي يكان ببابل وهو نمرود بن كوش بن حام وصارت بقية ولد حام بالسواحل من المشرق والمغرب والنوبة والحبشة وفزان
قال ويقال إن مصرايم ولد القبط والبربر وإن قوطا صار إلى أرض السند والهند فنزلهما وإن أهلها من ولده
وأما يافث بن نوح فولد له جامر وموعج وموادي وبوان وثوبال وماشح وتيرش ومن ولد جامر ملوك فارس ومن ولد تيرش الترك والخزر ومن ولد ماشج الأشبان ومن ولد موعج يأجوج ومأجوج وهم في شرقي أرض الترك والخزر ومن ولد بواهن الصقالبة وبرجان والأشبان كانوا في القديم بأرض الروم قبل أن يقع بها من وقع من ولد العيص وغيرهم وقصد كل فريق من هؤلاء الثلاثة سام وحام ويافث أرضا فسكنوها ودفعوا غيرهم عنها
حدثني الحارث بن محمد قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال اوحى الله إلى موسى عليه السلام إنك يا موسى وقومك وأهل الجزيرة وأهل العال من ولد سام بن نوح وقال ابن عباس والعرب والفرس والنبط والهند والسند من ولد سام بن نوح
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه قال الهند والسند بنو توقير بن يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ومكران بن البند وجرهم اسمه هذرم بن عابر بن سبأ بن يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح وحضرموت بن يقطن بن عابر بن شالخ ويقطن هو قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح في قول من نسبه إلى غير إسماعيل والفرس بنو فارس بن تيرش بن ناسور بن نوح والنبط بنو نبيط بن ماش بن إرخ بن سام بن نوح وأهل الجزيرة والعال من ولد ماش بن إرم بن سام بن نوح وعمليق وهو غريب وطسم وأميم بنو لوذ بن سام بن نوح وعمليق هو أبو العمالقة ومنهم البربر وهو بنو ثميلا بن مارب بن فاران بن عمرو بن عمليق بن لوذ بن سام بن نوح ما خلا صنهاجة وكتامة فإنهما بنو فريقيش بن قيس بن صيفي بن سبأ
(1/127)
________________________________________
ويقال إن عمليق أول من تكلم بالعربية حين ظعنوا من بابل فكان يقال لهم ولجرهم العرب العاربة وثمود وجديس ابنا عابر بن إرم بن سام بن نوح وعاد وعبيل ابنا عوص بن إرم بن سام بن نوح والروم بنو لنطى بن يونان بن يافث بن نوح ونمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح وهو صاحب بابل وهو صاحب إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه
قال وكان يقال لعاد في دهرهم عاد إرم فلما هلكت عاد قيل لثمود إرم فلا هلكت ثمود قيل لسائر بني إرم إرمان فهم النبط فكل هؤلاء كان على الإسلام وهم ببابل حتى ملكهم نمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح فدعاهم إلى عبادة الأوثان ففعلوا فأمسوا وكلامهم السريانية ثم أصبحوا وقد بلبل الله ألسنتهم فجعل لا يعرف بعضهم كلام بعض فصار لبني سام ثمانية عشر لسانا ولبني حام ثمانية عشر لسانا ولبني يافث ستة وثلاثون لسانا ففهم الله العربية عادا وعبيل وثمود وجديس وعمليق وطسم وأميم وبني يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح
وكان الذي عقد لهم الألوية ببابل بوناظر بن نوح وكان نوح فيما حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرني هشام قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس تزوج امرأة من بني قابيل فولدت له غلاما فسماه بوناظر فولده بمدينة بالمشرق يقال لها معلون شمسا فنزل بنو سام المجدل سرة الأرض وهو ما بين ساتيدما إلى البحر وما بين اليمن إلى الشام وجعل الله النبوة والكتاب والجمال والأدمة والبياض فيهم ونزل بنو حام مجرى الجنوب والدبور ويقال لتلك الناحية الداروم وجعل الله فيهم أدمة وبياضا قليلا وأعمر بلادهم وسماءهم ورفع عنهم الطاعون وجعل في أرضهم الأثل والأراك والعشر والغار والنخل وجرت الشمس والقمر في سمائهم ونزل بنو يافث الصفون مجرى الشمال والصبا وفيهم الحمرة والشقرة وأخلى الله أرضهم فاشتد بردها وأخلى سماءهم فليس يجري فوهم شيء من النجوم السبعة الجارية لأنهم صاروا تحت بنات نعش والجدي والفرقدين فابتلوا بالطاعون ثم لحقت عاد بالشحر فعليه هلكوا بواد يقال له مغيث فلحقتهم بعد مهرة بالشحر ولحقت عبيل بموضع يثرب ولحقت العماليق بصنعاء قبل أن تسمى صنعاء ثم انحدر بعضهم إلى يثرب فأخرجوا منها عبيل فنزلوا موضع الجحفة فأقبل السيل فاجتحفهم فذهب بهم فسميت الجحفة ولحقت ثمود بالحجر وما يليه فهلكوا ثم ولحقت طسم وجديس باليمامة فهلكوا ولحقت أميم بأرض أبار فهلكوا بها وهي بين اليمامة والشحر ولا يصل إليها اليوم أحد غلبت عليها الجن وإنما سميت أبار بأبار بن أميم ولحقت بنو يقطن بن عابر باليمن فسميت اليمن حيث تيامنوا إليها ولحق قوم من بني كنعان بالشأم فسميت الشأم حيث تشاءموا إليها وكانت الشأم يقال لها أرض بني كنعان ثم جاءت بنو إسرائيل فقتلوهم بها ونفوهم عنها فكانت الشأم لبني إسرائيل وثم وثبت الروم على بني إسرائيل فقتلوهم وأجلوهم إلى العراق إلا قليلا منهم ثم جاءت العرب فغلبوا على الشأم وكان فالغ وهو فالغ بن عابر بن أرفخشد بن سام بن نوح هو الذي قسم الأرض بين بني نوح كما سمينا
وأما الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وعن علماء سلفنا في أنساب الأمم التي هي في الأرض اليوم فعلى ما حدثني أحمد بن بشير بن أبي عبدالله الوراق قال حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة عن
(1/128)
________________________________________
الحسن عن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم سام أبو العرب ويافث أبو الروم وحام أبو الحبش
حدثني القاسم بن بشر بن معروف قال حدثنا روح قال حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ولد نوح ثلاثة سام وحام ويافث فسام أبو العرب وحام أبو الزنج ويافث أبو الروم
حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا عباد بن العوام عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم سام أبو العرب ويافث أبو الروم وحام أبو الحبش
حدثني عبدالله بن أبي زياد قال حدثني روح قال حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ولد نوح سام وحام ويافث قال عبدالله قال روح أحفظ يافث وسمعت مرة يافت
وقد روي هذا الحديث عن عبدالأعلى بن عبدالأعلى عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة وعمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه و سلم
حدثني عمران بن بكار الكلاعي قال حدثنا أبو اليمان قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد قال سمعت سعيد بن المسيب يقول ولد نوح ثلاثة وولد كل واحد ثلاثة سام وحام ويافث فولد سام العرب وفارس والروم وفي كل هؤلاء خير وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج وليس في واحد من هؤلاء خير وولد حام القبط والسودان والبربر
وروي عن ضمرة بن ربيعة عن ابن عطاء عن أبيه قال ولد حام كل أسود جعد الشعر وولد يافث كل عظيم الوجه صغير العينين وولد سام كل حسن الوجه حسن الشعر قال ودعا نوح على حام ألا يعدو شعر ولده آذانهم وحيثما لقي ولده ولد سام استعبدوهم
وزعم أهل التوراة أن سام ولد لنوح بعد أن مضى من عمره خمسمائة سنة ثم ولد لسام أرفخشد بعد أن مضى من عمر سام مائة سنة وسنتان فكان جميع عمر سام فيما زعموا ستمائة سنة ثم ولد لأرفخشد قينان وكان عمر أرفخشد أربعمائة سنة وثمانيا وثلاثين سنة وولد قينان لأرفخشد بعد أن مضى من عمره خمس وثلاثون سنة ثم ولد لقينان شالخ بعد أن مضى من عمره تسع وثلاثون سنة ولم يذكر مدة عمر قينان في الكتب فيما ذكر لما ذكرنا من أمره قبل ثم ولد لشالخ عابر بعد أن مضى من عمره ثلاثون سنة وكان عمر شالخ كله أربعمائة سنة وثلاثا وثلاثين سنة
ثم ولد لعابر فالغ وأخوه قحطان وكان مولد فالغ بعد الطوفان بمائة وأربعين سنة فلما كثر الناس بعد ذلك مع قرب عهدهم بالطوفان هموا ببناء مدينة تجمعهم فلا يتفرقون أو صرح عال يحرزهم من الطوفان إن كان مرة أخرى فلا يغرقون فأراد الله عز و جل أن يوهن أمرهم ويخلف ظنهم ويعلمهم أن الحول والقوة له فبدد شملهم وشتت جمعهم وفرق ألسنتهم وكان عمر عابر أربعمائة سنة وأربعا وسبعين سنة
ثم ولد لفالغ أرغوا وكان عمر فالغ مائتين وتسعا وثلاثين سنة وولد أرغوا لفالغ وقد مضى من عمره ثلاثون سنة ثم ولد لأرغوا ساروغ وكان عمر أرغوا مائتين وتسعا وثلاثين سنة وولد له ساروغ بعد ما مضى
(1/129)
________________________________________
من عمره اثنتان وثلاثون سنة ثم ولد لساروغ ناحور وكان عمر ساروغ مائتين وثلاثين سنة وولد له ناحور وقد مضى من عمره ثلاثون سنة
ثم ولد لناحور تارخ أبو إبراهيم صلوات الله عليه وكان هذا الاسم اسمه الذي سماه أبوه فلما صار مع نمرود قيما على خزانة آلهته سماه آزر وقد قيل إن آزر ليس باسم أبيه وإنما هو اسم صنم فهذا قول يروى عن مجاهد وقد قيل إنه عيب عابه به بمعنى معوج بعد ما مضى من عمر ناحور سبع وعشرون سنة وكان عمر ناحور كله مائتين وثمانيا وأربعين سنة
وولد لتارخ إبراهيم وكان بين الطوفان ومولد إبراهيم ألف سنة وتسع وسبعون سنة وكان بعض أهل الكتاب يقول كان بين الطوفان ومولد إبراهيم ألف سنة ومائتا سنة وثلاث وستون سنة وذلك بعد خلق آدم بثلاثة آلاف وثلثمائة سنة وسبع وثلاثين سنة
وولد لقحطان بن عابر يعرب فولد يعرب يشجب بن يعرب فولد يشجب سبأ بن يشجب فولد سبأ حمير بن سبأ وكهلان بن سبأ وعمرو بن سبأ والأشعر بن سبأ وأنمار بن سبأ ومر بن سبأ وعاملة بن سبأ فولد عمرو بن سبأ عدي بن عمرو فولد عدي لخم بن عدي وجذام بن عدي
وقد زعم بعض نسابي الفرس أن نوحا هو أفريدون الذي قهر الازدهاق وسلبه ملكه وزعم بعضهم أن أفريدون هو ذو القرنين صاحب إبراهيم عليه السلام الذي قضى له ببئر السبع الذي ذكر الله في كتابه وقال بعضهم هو سليمان بن داود
وإنما ذكرته في هذا الموضع لما ذكرت فيه من قول من قال إنه نوح وإن قصته شبيهة بقصة نوح في أولاد له ثلاثة وعدله وحسن سيرته وهلاك الضحاك على يده وأنه قيل إن هلاك الضحاك كان على يد نوح وأن نوحا إنما كان أرسل في قول من ذكرت عنه أنه قال كان هلاك الضحاك على يدي نوح حين أرسل إلى قومه وهم كانوا قوم الضحاك فأما الفرس فإنهم ينسبونه النسبة التي أنا ذاكرها وذلك أنهم يزعمون أن أفريدون من ولد جم شاذ الملك الذي قتله الازدهاق على ما قد بينا من أمره قبل وأن بينه وبين جم عشرة آباء
وقد حدثت عن هشام بن محمد بن السائب قال بلغنا أن أفريدون وهو من نسل جم الملك الذي كان من قبل الضحاك قال ويزعمون أنه التاسع من ولده وكان مولده بدنباوند خرج حتى ورد منزل الضحاك فأخذه وأوثقه وملك مائتي سنة ورد المظالم وأمر الناس بعبادة الله والإنصاف والإحسان ونظر إلى ما كان الضحاك غصب الناس من الأرضين وغيرها فرد ذلك كله على أهله إلا ما لم يجد له أهلا فإنه وقفه على المساكين والعامة قال ويقال إنه أول من سمى الصوافي وأول من نظر في الطب والنجوم وإنه كان له ثلاثة بنين اسم الأكبر سلم والثاني طوج والثالث إيرج وأن أفريدون تخوف ألا يتفق بنوه وأن يبغي بعضهم على بعض فقسم ملكه بينهم ثلاثا وجعل ذلك في سهام كتب أسماءهم عليها وأمر كل واحد منهم فأخذ سهما فصارت الروم وناحية المغرب لسلم وصارت الترك والصين لطوج وصارت للثالث وهو إيرج العراق والهند فدفع التاج والسرير إليه ومات أفريدون فوثب
(1/130)
________________________________________
بإيرج أخواه فقتلاه وملكا الأرض بينهما ثلثمائة
سنة قال والفرس تزعم أن لأفريدون عشرة آباء كلهم يسمى أثفيان باسم واحد قالوا وإنما فعلوا ذلك خوفا من الضحاك على أولادهم لرواية كانت عندهم بأن بعضهم يغلب الضحاك على ملكه ويدرك منه ثأر جم وكانوا يعرفون ويميزون بألقاب لقبوها فكان يقال للواحد منهم أثفيان صاحب البقر الحمر وأثفيان صاحب البقر البلق وأثفيان صاحب البقر الكدر وهو أفريدون بن أثفيان بوكاو وتفسيره صاحب البقر الكثير بن أثفيان نيككاو وتفسيره صاحب البقر الجياد بن أثفيان سيركاو وتفسيره صاحب البقر السمان العظام بن أثفيان بوركاو وتفسيره صاحب البقر التي بلون حمير الوحش بن أثفيان أخشين كاو وتفسيره صاحب البقر الصفر بن أثفيان سياه كاو وتفسيره صاحب البقر السود بن أثفيان اسبيذكاو وتفسيره صاحب البقر البيض بن أثفيان كيركاو وتفسيره صاحب البقر الرمادية بن أثفيان رمين وتفسيره كل ضرب من الألوان والقطعان بن أثفيان بنفروسن بن جم الشاذ
وقيل إن أفريدون أول من سمي بالكيية فقيل له كي أفريدون وتفسير الكيية أنها بمعنى التنزيه كما يقال روحاني يعنون به أن أمره أمر مخلص منزه يتصل بالروحانية وقيل إن معنى كي أي طالب الدخل ويزعم بعضهم أن كي من البهاء وأن البهاء تغشى أفريدون حين قتل الضحاك
وتذكر العجم من الفرس أنه كان رجلا جسيما وسيما بهيا مجربا وأن أكثر قتاله كان بالجرز وأن جرزه كان رأسه كرأس الثور وأن ملك ابنه إيرج العراق ونواحيها كان في حياته وأن أيام إيرج داخلة في ملك أفريدون وأنه ملك الأقاليم كلها وتنقل في البلدان وأنه لما جلس على سريره يوم الملك قال نحن القاهرون بعون الله وتأييده للضحاك القامعون للشيطان وأحزابه ثم وعظ الناس فأمرهم بالتناصف وتعاطي الحق وبذل الخير بينهم وحثهم على الشكر والتمسك به ورتب سبعة من القوهياريين وتفسير ذلك محولو الجبال سبع مراتب وصير إلى كل واحد منهم ناحية من دنباوند وغيرها على شبيه بالتمليك قالوا فلما ظفر بالضحاك قال له الضحاك لا تقتلني بجدك جم فقال له أفريدون منكرا لقوله لقد سمت بك همتك وعظمت في نفسك حين قدرتها لهذا وطمعت لها فيه وأعلمه أن جده كان أعظم قدرا من أن يكون مثله كفئا له في القود وأعلمه أنه يقتله بثور كان في دار جده وقيل إن أفريدون أول من ذلل الفيلة وامتطاها ونتج البغال واتخذ الإوز والحمام وعالج الدرياق وقائل الأعداء فقتلهم ونفاهم وأنه قسم الأرض بين أولاده الثلاثة طوج وسلم وإيرج فملك طوجا ناحية الترك والخزر والصين فكانوا يسمونها صين بغا وجمع إليها النواحي التي اتصلت بها وملك سلما ابنه الثاني الروم والصقالبة والبرجان وما في حدود ذلك وجعل وسط الأرض وعامرها وهو إقليم بابل وكانوا يسمونها خنارث بعد أن جمع إلى ذلك ما اتصل به من السند والهند والحجاز وغيرها لأيرج وهو الأصغر من بنيه الثلاثة وكان أحبهم إليه وبهذا السبب سمي إقليم بابل إيرانشهر وبه أيضا نشبت العداوة بين ولد أفريدون وأولادهم بعد وصار ملوك خنارث والترك والروم إلى المحاربة ومطالبة بعضهم بعضا بالدماء والترات
وقيل إن طوجا وسلما لما علما أن أباهما قد خص إيرج وقدمه عليهما أظهرا له البغضاء ولم يزل التحاسد ينمي بينهم إلى أن وثب طوج وسلم على أخيهما إيرج فقتلاه متعاونين عليه وأن طوجا رماه بوهق
(1/131)
________________________________________
فخنقه فمن أجل ذلك استعملت الترك الوهق وكان لإيرج ابنان يقال لهما وندان وأسطوبة وابنة يقال لها خوزك ويقال خوشك فقتل سلم وطوج الابنين مع أبيهما وبقيت الابنة
وقيل إن اليوم الذي غلب فيه أفريدون الضحاك كان روزمهر من مهرماه فاتخذ الناس ذلك اليوم عيدا لارتفاع بلية الضحاك عن الناس وسماه المهرجان فقيل إن أفريدون كان جبارا عادلا في ملكه وكان طوله تسعة أرماح كل رمح ثلاثة أبواع وعرض حجرته ثلاثة أرماح وعرض صدره أربعة أرماح وأنه كان يتبع من كان بقي بالسودان من آل نمرود والنبط وقصدهم حتى أتى على وجوههم ومحا أعلامهم وآثارهم وكان ملكه خمسمائة سنة
(1/132)

بنالعياط
27-09-2012, 03:19 PM
________________________________________
ذكر الأحداث التي كانت بين نوح وإبراهيم خليل الرحمن عليهما السلام
قد ذكرنا قبل ما كان من أمر نوح عليه السلام وأمر ولده واقتسامهم الأرض بعده ومساكن كل فريق منهم وأي ناحية سكن من البلاد وكان ممن طغا وعتا على الله عز و جل بعد نوح فأرسل الله إليهم رسولا فكذبوه وتمادوا في غيهم فأهلكهم الله هذان الحيان من إرم بن سام بن نوح أحدهما عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح وهي عاد الأولى والثاني ثمود بن جاثر بن إرم بن سام بن نوح وهم كانوا العرب العاربة
فأما عاد فإن الله عز و جل أرسل إليهم هود بن عبدالله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح ومن أهل الأنساب من يزعم أن هودا هو عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح وكانوا أهل أوثان ثلاثة يعبدونها يقال لإحداها صداء وللآخر صمود وللثالث الهباء فدعاهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة دون غيره وترك ظلم الناس فكذبوه وقالوا من أشد منا قوة فلم يؤمن بهود منهم إلا قليل فوعظهم هود إذ تمادوا في طغيانهم فقال لهم أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم فكان جوابهم له أن قالوا سواء أوعظت أم لم تكن من الواعظين ( 1 ) وقالوا له يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ( 2 ) فحبس الله عنهم فيما ذكر القطر سنين ثلاثا حتى جهدوا فأوفدوا وفدا ليستسقوا لهم
فكان من قصتهم ما حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو بكر بن عياش قال حدثنا عاصم عن أبي وائل عن الحارث بن حسان البكري قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه و سلم فمررت بامرأة بالربذة فقالت هل أنت حاملي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم قلت نعم فحملتها حتى قدمت المدينة فدخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه و سلم على المنبر وإذا بلال متقلد السيف وإذا رايات سود قال قلت ما هذا قالوا عمرو بن العاص قدم من غزوته فلما نزل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن منبره أتيته فاستأذنته فأذن لي فقلت يا رسول الله إن بالباب امرأة من بني تميم قد سألتني أن أحملها إليك قال يا بلال ائذن لها قال فدخلت فلما جلست قال لي رسول الله
(1/133)
________________________________________
صلى الله عليه و سلم هل كان بينكم وبين تميم شيء قلت نعم وكانت الدبرة عليهم فإن رأيت أن تجعل الدهناء بيننا وبينهم فعلت قال تقول المرأة فأين تضطر مضرك يا رسول الله قال قلت مثلي مثل معزى حملت حتفا قال قلت أو حملتك تكونين علي خصما أعوذ بالله أن أكون كوفد عاد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم وما وفد عاد قال قلت على الخبير سقطت إن عادا قحطت فبعثت من يستسقي لها فمروا على بكر بن معاوية بمكة يسقيهم الخمر وتغنيهم الجرادتان شهرا ثم بعثوا رجلا من عنده حتى أتى جبار مهرة فدعا فجاءت سحابات قال وكلما جاءت قال اذهبي إلى كذا حتى جاءت سحابة فنودي منها خذها رمادا رمددا لا تدع من عاد أحدا قال فسمعه وكتمهم حتى جاءهم العذاب
قال أبو كريب قال أبو بكر بعد ذاك في حديث عاد قال فأقبل الذي أتاهم فأتى جبال مهرة فصعد فقال اللهم إني لم أجئك لأسير فأفاديه ولا لمريض أشفيه فأسق عادا ما كنت مسقيه قال فرفعت له سحابات قال فنودي منها اختر فجعل يقول اذهبي إلى بني فلان اذهبي إلى بني فلان قال فمرت آخرها سحابة سوداء فقال اذهبي إلى عاد قال فنودي منها خذها رمادا رمددا لا تدع من عاد أحدا قال وكتمهم والقوم عند بكر بن معاوية يشربون قال وكره بكر بن معاوية أن يقول لهم من أجل أنهم عنده وأنهم في طعامه قال فأخذ في الغناء وذكرهم
حدثنا أبو كريب قال حدثنا زيد بن حباب قال حدثنا سلام أبو المنذر النحوي قال حدثنا عاصم عن أبي وائل عن الحارث بن يزيد البكري قال خرجت لأشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فمررت بالربذة فإذا عجوز منقطع بها من بني تميم فقالت يا عبدالله إن لي إلى رسول الله حاجة فهل أنت مبلغي إليه قال فحملتها فقدمت المدينة قال أبو جعفر أظنه أنا قال فإذا رايات سود قال قلت ما شأن الناس قالوا يريد أن يبعث بعمرو بن العاص وجها قال فجلست حتى فرغ قال فدخل منزله أو قال رحله فاستأذنت عليه فأذن لي قال فدخلت فقعدت فقال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم هل كان بينكم وبين تميم شيء قال قلت نعم وكانت الدبرة عليهم وقد مررت بالربذة فإذا عجوز منهم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك وها هي بالباب فأذن لها رسول الله صلى الله عليه و سلم فدخلت فقلت يا رسول الله اجعل بيننا وبين تميم الدهناء حاجزا فحميت العجوز واستوفزت وقالت فأين تضطر مضرك يا رسول الله قال قلت أنا كما قالوا معزى حملت حتفا حملت هذه ولا أشعر أنها كائنة لي خصما أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد قال وما وافد عاد قلت على الخبير سقطت قال وهو يستطعمني الحديث قلت إن عادا قحطوا فبعثوا قيلا وافدا فنزل على بكر فسقاه الخمر شهرا وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان فخرج إلى جبال مهرة فنادى إني لم أجئ لمريض فأداويه ولا لأسير فأفاديه اللهم أسق عادا ما كنت تسقيه فمرت به سحابات سود فنودي منها خذها رمادا رمددا لا تبقي من عاد أحدا قال فكانت المرأة تقول لا تكن كوافد عاد فما بلغني أنه أرسل عليهم من الريح يا رسول الله إلا قدر ما يجري في خاتمي قال أبو وائل وكذلك بلغني
وأما ابن إسحق فإنه قال كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه أن عادا لما أصابهم من القحط ما أصابهم قالوا جهزوا منكم وفدا إلى مكة فيستسقوا لكم فبعثوا قيل بن عتر ولقيم بن هزال بن هزيل بن عتيل بن صد بن عاد الأكبر ومرثد بن سعد بن عفير وكان مسلما يكتم إسلامه وجلهمة بن الخبيري خال
(1/134)
________________________________________
معاوية بن بكر أخا أمه ثم بعثوا لقمان بن عاد بن فلان بن صد بن عاد الأكبر فانطلق كل رجل من هؤلاء القوم معه رهط من قومه حتى بلغ عدة وفدهم سبعين رجلا فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجا من الحرم فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وصهره وكانت هزيلة ابنة بكر أخت معاوية بن بكر لأبيه وأمه كلهدة ابنة الخيبري عند لقيم بن هزال بن عتيل بن صد بن عاد الأكبر فولدت له عبيد بن لقيم بن هزال وعمرو بن لقيم بن هزال وعامر بن لقيم بن هزال وعمير بن لقيم بن هزال فكانوا في أخوالهم بمكة عند آل معاوية بن بكر وهم عاد الأخيرة التي بقيت من عاد الأولى فلما نزل وفد عاد على معاوية بن بكر أقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتان لمعاوية بن بكر وكان مسيرهم شهرا ومقامهم شهرا فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم وقد بعثهم قومهم يتغوثون بهم من البلاء الذي أصابهم شق ذلك عليه فقال هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء مقيمون عندي وهم ضيفي نازلون علي والله ما أدري كيف أصنع بهم أستحي أن آمرهم بالخروج إلى ما بعثوا إليه فيظنوا أنه ضيق مني بمقامهم عندي وقد هلك من وراءهم من قومهم جهدا وعطشا أو كما قال
فشكا ذلك من أمرهم إلى قينتيه الجرادتين فقالتا قل شعرا نغنيهم به لا يدرون من قاله لعل ذلك أن يحركهم فقال معاوية بن بكر حين أشارتا عليه بذلك ... ألا يا قيل ويحك قم فهينم ... لعل الله يسقينا غماما ... فيسقي أرض عاد إن عادا ... قد أمسوا لا يبينون الكلاما ... من العطش الشديد فليس نرجو ... به الشيخ الكبير ولا الغلاما ... وقد كانت نساؤهم بخير ... فقد أمست نساؤهم عيامى ... وإن الوحش تأتيهم جهارا ... ولا تخشى لعادي سهاما ... وأنتم ها هنا فيما اشتهيتم ... نهاركم وليلكم التماما ... فقبح وفدكم من وفد قوم ... ولا لقوا التحية والسلاما ...
فلما قال معاوية ذلك الشعر غنتهم به الجرادتان فلما سمع القوم ما غنتا به قال بعضهم لبعض يا قوم إنما بعثكم قومكم يتغوثون بكم من هذا البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم فادخلوا هذا الحرم فاستسقوا لقومكم فقال مرثد بن سعد بن عفير إنكم والله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم وأنبتم إليه سقيتم فأظهر إسلامه عند ذلك فقال لهم جلهمة بن الخيبري خال معاوية بن بكر حين سمع قوله وعرف أنه قد تبع دين هود وآمن به ... أبا سعد فإنك من قبيل ... ذوي كرم وأمك من ثمود ... فإنا لن نطيعك ما بقينا ... ولسنا فاعلين لما تريد ... أتأمرنا لنترك آل رفد ... وزمل وآل صد والعبود ... ونترك دين آباء كرام ... ذوي رأي ونتبع دين هود ...
ورفد وزمل وصد قبائل من عاد والعبود منهم ثم قال لمعاوية بن بكر وأبيه بكر احبسا عنا مرثد بن سعد فلا يقدمن معنا مكة فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا ثم خرجوا إلى مكة يستسقون بها لعاد فلما ولو
(1/135)
________________________________________
إلى مكة خرج مرثد بن سعد من منزل معاوية حتى أدركهم بها قبل أن يدعوا الله بشيء مما خرجوا له فلما انتهى إليهم قام يدعو الله وبها وفد عاد قد اجتمعوا يدعون فقال اللهم أعطني سؤلي وحدي ولا تدخلني في شيء مما يدعوك به وفد عاد وكان قيل بن عتر رأس وفد عاد وقال وفد عاد اللهم أعط قيلا ما سألك واجعل سؤلنا مع سؤله وقد كان تخلف عن وفد عاد لقمان بن عاد وكان سيد عاد حتى إذا فرغوا من دعوتهم قال اللهم إني جئتك وحدي في حاجتي فأعطني سؤلي وقال قيل بن عتر حين دعا يا إلهنا إن كان هود صادقا فاسقنا فإنا قد هلكنا فأنشأ الله سحائب ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء ثم ناداه مناد من السحاب يا قيل اختر لنفسك وقومك من هذا السحاب فقال قد اخترت السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماء فناداه مناد اخترت رمادا رمددا لا تبقي من عاد أحدا لا والدا تترك ولا ولدا إلا جعلته همدا إلا بني اللوذية المهدى وبنو اللوذية بنو لقيم بن هزال بن هزيل بن هزيلة ابنة بكر كانوا سكانا بمكة مع أخوالهم لم يكونوا مع عاد بأرضهم فهم عاد الآخرة ومن كان من نسلهم الذي بقوا من عاد
وساق الله السحابة السوداء فيما يذكرون التي اختار قيل بن عتر بما فيها من النقمة إلى عاد حتى خرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث ولما رأوها استبشروا بها وقالوا هذا عارض ممطرنا يقول الله عز و جل بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها ( 1 ) أي كل شيء أمرت به فكان أول من أبصر ما فيها أنها ريح فيما يذكرون امرأة من عاد يقال لها مهدد لما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت فلما أفاقت قالوا ماذا رأيت يا مهدد قالت رأيت ريحا فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما كما قال الله والحسوم الدائمة فلم تدع من عاد أحدا إلا هلك
فاعتزل هود فيما ذكر ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه ومن معه منها إلا ما تلين عليه الجلود وتلتذ الأنفس وإنها لتمر من عاد بالظعن ما بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة وخرج وفد عاد من مكة حتى مروا بمعاوية بن بكر وأبيه فنزلوا عليه فبيناهم عنده إذ أقبل رجل على ناقة له في مقمرة مسي ثالثة من مصاب عاد فأخبرهم الخبر فقالوا فأين فارقت هودا وأصحابه قال فارقتهم بساحل البحر فكأنهم شكوا فيما حدثهم فقالت هزيلة ابنة بكر صدق ورب مكة ومثوب بن يعفر بن أخي معاوية بن بكر معهم وقد كان قيل فيما يزعمون والله أعلم لمرثد بن سعد ولقمان بن عاد وقيل بن عتر حين دعوا بمكة قد أعطيتم مناكم فاختاروا لأنفسكم إلا أنه لا سبيل إلى الخلد فإنه لا بد من الموت فقال مرثد بن سعد يا رب أعطني برا وصدأ فأعطي ذلك وقال لقمان بن عاد أعطني عمرا فقيل له اختر لنفسك إلا إنه لا سبيل إلى الخلد بقاء أيعار ضأن عفر في جبل وعر لا يلقى به إلا القطر أم سبعة أنسر إذا مضى نسر حلوت إلى نسر فاختار لقمان لنفسه النسور فعمر فيما يزعمون عمر سعبة أنسر يأخذ الفرخ حين يخرج من بيضته فيأخذ الذكر منها لقوته حتى إذا مات أخذ غيره فلم يزل يفعل ذلك حتى أتى على السابع وكان كل نسر فيما زعموا يعيش ثمانين سنة فلما لم يبق غير السابع قال ابن أخ للقمان أي عم ما بقي من عمرك إلا عمر هذا النسر فقال له لقمان أي ابن أخي هذا لبد ولبد بلسانهم الدهر فلما أدرك نسر لقمان
(1/136)
________________________________________
وانقضى عمره طارت النسور غداة من رأس الجبل ولم ينهض فيها لبد وكانت نسور لقمان تلك لا تغيب عنه إنما هي بعينه فلما لم ير لقمان لبدا نهض مع النسور نهض إلى الجبل لينظر ما فعل لبد فوجد لقمان في نفسه وهنا لم يكن يجده قبل ذلك فلما انتهى إلى الجبل رأى نسره لبدا واقعا من بين النسور فناداه انهض لبد فذهب لبد لينهض فلم يستطع عريت قوادمه وقد سقطت فماتا جميعا
وقيل لقيل بن عتر حين سمع ما قال له في السحاب اختر لنفسك كما اختار صاحباك فقال أختار أن يصيبني ما أصاب قومي فقيل إنه الهلاك قال لا أبالي لا حاجة لي في البقاء بعدهم فأصابه ما أصاب عادا من العذاب فهلك فقال مرثد بن سعد بن عفير حين سمع من قول الراكب الذي أخبر عن عاد بما أخبر من الهلاك ... عصت عاد رسولهم فأمسوا ... عطاشا ما تبلهم السماء ... وسير وفدهم شهرا ليسقوا ... فأردفهم مع العطش العماء ... بكفرهم بربهم جهارا ... على آثار عادهم العفاء ... ألا نزع الإله حلوم عاد ... فإن قلوبهم قفر هواء ... من الخبر المبين أن يعوه ... وما تغني النصيحة والشفاء ... فنفسي وابنتاي وأم ولدي ... لنفس نبينا هود فداء ... أتانا والقلوب مصمدات ... على ظلم وقد ذهب الضياء ... لنا صنم يقال له صمود ... يقابله صداء والهباء ... فأبصره الذين له أنابوا ... وأدرك من يكذبه الشقاء ... فإني سوف ألحق آل هود ... وإخوته إذا جن المساء ...
وقيل إن رئيسهم وكبيرهم في ذلك الزمان الخلجان
حدثني العباس بن الوليد قال حدثنا أبي عن إسماعيل بن عياش عن محمد بن إسحاق قال لما خرجت الريح على عاد من الوادي قال سبعة رهط منهم أحدهم الخلجان تعالوا حتى نقوم على شفير الوادي فنردها فجعلت الريح تدخل تحت الواحد منهم فتحمله ثم ترمي به فتندق عنقه فتتركهم كما قال الله عز و جل صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية ( 1 ) حتى لم يبق منهم إلا الخلجان فمال إلى الجبل فأخذ بجانب منه فهزه فاهتز في يده ثم أنشأ يقول ... لم يبق إلا الخلجان نفسه ... نالك من يوم دهاني أمسه ... بثابت الوطء شديد وطسه ... لو لم يجئني جئته أجسه ...
فقال له هود ويحك يا خلجان أسلم تسلم فقال له وما لي عند ربك إن أسلمت قال الجنة قال فما هؤلاء الذين أراهم في هذا السحاب كأنهم البخت قال هود تلك ملائكة ربي قال فإن أسلمت أيعيذني ربك منهم قال ويلك هل رأيت ملكا يعيذ من جنده قال لو فعل ما رضيت قال ثم جاءت الريح
(1/137)
________________________________________
فألحقته بأصحابه أو كلاما هذا معناه
قال أبو جعفر فأهلك الله الخلجان وأفنى عادا خلا من بقي منهم ثم بادوا بعد ونجى الله هودا ومن آمن به وقيل كان عمر هود مائة سنة وخمسين سنة
حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط عن السدي قال وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ( 1 ) إن عادا أتاهم هود فوعظهم وذكرهم بما قص الله في القرآن فكذبوه وكفروا وسألوه أن يأتيهم العذاب فقال لهم إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ( 2 ) وإن عادا أصابهم حين كفروا قحط من المطر حتى جهدوا لذلك جهدا شديدا وذلك أن هودا دعا عليهم فبعث الله عليهم الريح العقيم وهي الريح التي لا تلقح الشجر فلما نظروا إليها قالوا هذا عارض ممطرنا فلما دنت منهم نظروا إلى الإبل والرجال تطير بهم الريح بين السماء والأرض فلما رأوها تبادروا إلى البيوت حتى دخلوا البيوت دخلت عليهم فأهلكتهم فيها ثم أخرجتهم من البيوت فأصابتهم في يوم نحس والنحس هو الشؤم مستمر ( 3 ) استمر عليهم بالعذاب سبع ليال وثمانية أيام حسوما ( 4 ) حسمت كل شيء مرت به حتى أخرجتهم من البيوت قال الله تبارك وتعالى تنزع الناس عن البيوت كأنهم أعجاز نخل منقعر ( 5 ) انقعر من أصوله خاوية ( 6 ) خوت فسقطت فلما أهلكهم الله أرسل عليهم طيرا سودا فنقلتهم إلى البحر فألقتهم فيه فذلك قوله عز و جل فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ( 7 ) ولم تخرج الريح قط إلا بمكيال إلا يومئذ فإنها عتت على الخزنة فغلبتهم فلم يعلموا كم كان مكيالها فذلك قوله فأهلكوا بريح صرصر عاتية ( 8 ) والصرصر ذات الصوت الشديد
حدثني محمد بن سهل بن عسكر قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد أنه سمع وهبا إن عادا لما عذبهم الله بالريح التي عذبوا بها كانت تقلع الشجرة العظيمة بعروقها وتهدم عليهم بيوتهم فمن لم يكن في بيت هبت به الريح حتى تقطعه الجبال فهلكوا بذلك كلهم
وأما ثمود فإنهم عتوا على ربهم وكفروا به وأفسدوا في الأرض فبعث الله إليهم صالح بن عبيد بن أسف بن ماسخ بن عبيد بن خادر بن ثمود بن جاثر بن إرم بن سام بن نوح رسولا يدعوهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة
وقيل صالح هو صالح بن أسف بن كماشج بن إرم بن ثمود بن جاثر بن إرم بن سام بن نوح
(1/138)
________________________________________
فكان من جوابهم له أن قالوا له يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب ( 1 ) وكان الله عز و جل قد مد لهم في الأعمار وكانوا يسكنون الحجر إلى وادي القرى بين الحجاز والشام ولم يزل صالح يدعوهم إلى الله على تمردهم وطغيانهم فلا يزيدهم دعاؤه إياهم إلى الله إلا مباعدة من الإجابة فلما طال ذلك من أمرهم وأمر صالح قالوا له إن كنت صادقا فأتنا بآية
فكان من أمرهم وأمره ما حدثنا الحسن بن يحيى قال حدثنا عبدالرزاق قال أخبرنا إسرائيل عن عبدالعزيز بن رفيع عن أبي الطفيل قال قالت ثمود لصالح ائتنا بآية إن كنت من الصادقين قال فقال لهم صالح اخرجوا إلى هضبة من الأرض فإذا هي تتمخض كما تتمخض الحامل ثم تفرجت فخرجت من وسطها الناقة فقال صالح عليه السلام هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ( 2 ) لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ( 3 ) فلما ملوها عقروها فقال لهم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب ( 4 ) قال عبدالعزيز وحدثني رجل آخر أن صالحا قال لهم إن آية العذاب أن تصبحوا غدا حمرا واليوم الثاني صفرا واليوم الثالث سودا فصبحهم العذاب فلما رأوا ذلك تحنطوا واستعدوا
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن أبي بكر بن عبدالله عن شهر بن حوشب عن عمرو بن خارجة قال قلنا له حدثنا حديث ثمود قال أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ثمود كانت ثمود قوم صالح عمرهم الله عز و جل في الدنيا فأطال أعمارهم حتى يجعل أحدهم يبني المسكن من المدر فيتهدم والرجل منهم حي فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتا فرهين فنحتوها وجابوها وجوفوها وكانوا في سعة من معايشهم فقالوا يا صالح ادع لنا ربك يخرج لنا آية نعلم أنك رسول الله فدعا صالح ربه فأخرج لهم الناقة فكان شربها يوما وشربهم يوما معلوما فإذا كان يوم شربها خلوا عنها وعن الماء وحلبوها لبنا وملأوا كل إناء ووعاء وسقاء فإذا كان يوم شربهم صرفوها عن الماء ولم تشرب منه شيئا فملأوا كل إناء ووعاء وسقاء فأوحى الله عز و جل إلى صالح أن قومك سيعقرون ناقتك فقال لهم فقالوا ما كنا لنفعل قال إلا تعقروها أنتم أوشك أن يولد فيكم مولود يعقرها قالوا ما علامة ذلك المولود فوالله لا نجده إلا قتلناه قال فإنه غلام أشقر أزرق أصهب أحمر قال فكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان لأحدهما ابن يرغب له عن المناكح وللآخر ابنة لا يجد لها كفئا فجمع بينهما مجلس فقال أحدهما لصاحبه ما يمنعك أن تزوج ابنك قال لا أجد له كفئا قال فإن ابنتي كفء له وأنا أزوجك فزوجه فولد منهما ذلك المولود
وكان في المدينة ثمانية رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون فلما قال لهم صالح إنما يعقرها مولود فيكم اختاروا ثماني نسوة قوابل من القرية وجعلوا معهن شرطا كانوا يطوفون في القرية فإذا وجدوا المرأة تمخض نظروا ما ولدها فإن كان غلاما قتلنه وإن كانت جارية أعرضن عنها فلما وجدوا ذلك المولود صرخ
(1/139)
________________________________________
النسوة وقلن هذا الذي يريد رسول الله صالح فأراد الشرط أن يأخذوها فحال جداه بينه وبينهم وقالوا إن أراد صالح هذا قتلناه وكان شر مولود وكان يشب في اليوم شباب غيره في الجمعة ويشب في الجمعة شباب غيره في الشهر ويشب في الشهر شباب غيره في السنة فاجتمع الثمانية الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون وفيهم الشيخان فقالوا استعمل علينا هذا الغلام لمنزلته وشرف جديه فصاروا تسعة وكان صالح عليه السلام لا ينام معهم في القرية بل كان في مسجد يقال له مسجد صالح فيه يبيت بالليل فإذا أصبح أتاهم فوعظهم وذكرهم فإذا أمسى خرج إلى مسجده فبات فيه
قال حجاج قال ابن جريج لما قال لهم صالح عليه السلام إنه سيولد غلام يكون هلاكهم على يديه قالوا فكيف تأمرنا قال آمركم بقتلهم فقتلوهم إلا واحدا قال فلما بلغ ذلك المولود قالوا لو كنا لم نقتل أولادنا لكان لكل واحد منا مثل هذا هذا عمل صالح فأنمروا بينهم بقتله وقالوا نخرج مسافرين والناس يروننا علانية ثم نرجع من ليلة كذا وكذا فنرصده عند مصلاه فنقتله فلا يحسب الناس إلا أنا مسافرون كما نحن فأقبلوا حتى دخلوا تحت صخرة يرصدونه فأنزل الله عز و جل عليهم الصخرة فرضختهم فأصبحوا رضخا فانطلق رجال ممن قد اطلع على ذلك منهم فإذا هم رضخ فرجعوا يصيحون في القرية أي عباد الله أما رضي صالح أن أمرهم أن يقتلوا أولادهم حتى قتلهم فاجتمع أهل القرية على عقر الناقة أجمعون فأحجموا عنها إلا ذلك ابن العاشر
قال أبو جعفر ثم رجع الحديث إلى حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فأرادوا أن يمكروا بصالح فمشوا حتى أتوا على سرب على طريق صالح فاختبأ فيه ثمانية وقالوا إذا خرج علينا قتلناه وأتينا أهله فبيتناهم فأمر الله عز و جل الأرض فاستوت عليهم قال فاجتمعوا ومشوا إلى الناقة وهي على حوضها قائمة فقال الشقي لأحدهم ائتها فاعقرها فأتاها فتعاظمه ذلك فأضرب عن ذلك فبعث آخر فأعظم ذلك فجعل لا يبعث أحدا إلا تعاظمه أمرها حتى مشى إليها وتطاول فضرب عرقوبيها فوقعت تركض فأتى رجل منهم صالحا فقال أدرك الناقة فقد عقرت فأقبل فخرجوا يتلقونه ويعتذرون إليه يا نبي الله إنما عقرها فلان إنه لا ذنب لنا قال انظروا هل تدركون فصيلها فإن أدركتموه فعسى الله أن يرفع عنكم العذاب فخرجوا يطلبونه فلما رأى الفصيل أمه تضطرب أتى جبلا يقال له القارة قصيرا فصعده وذهبوا ليأخذوه فأوحى الله عز و جل إلى الجبل فطال في السماء حتى ما تناله الطير قال ودخل صالح القرية فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه ثم استقبل صالحا فرغا رغوة ثم رغا أخرى ثم رغا أخرى فقال صالح لكل رغوة أجل يوم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب إلا أن آية العذاب أن اليوم الأول تصبح وجوهكم مصفرة واليوم الثاني محمرة واليوم الثالث مسودة فلما أصبحوا إذا وجوههم كأنما طليت بالخلوق صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يوم من الأجل وحضركم العذاب فلما أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوههم محمرة كأنما خضبت بالدماء فصاحوا وضجوا وبكوا وعرفوا أنه العذاب فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يومان من الأجل وحضركم العذاب فلما أصبحوا اليوم الثالث فإذا وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار فصاحوا جميعا ألا قد حضركم العذاب فتكفنوا وتحنطوا وكان حنوطهم الصبر والمقر وكانت أكفانهم الأنطاع ثم ألقوا أنفسهم إلى الأرض فجعلوا يقلبون أبصارهم إلى السماء مرة وإلى الأرض مرة لا يدرون من حيث يأتيهم العذاب من فوقهم من السماء أو من تحت أرجلهم من
(1/140)
________________________________________
الأرض خشعا وفرقا فلما أصبحوا اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء له صوت في الأرض فتقطعت قلوبهم في صدورهم فأصبحوا في ديارهم جاثمين
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا حجاج عن ابن جريج قال حدثت أنه لما أخذتهم الصيحة أهلك الله من بين المشارق والمغارب منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله منعه حرم الله من عذاب الله قيل ومن هو يا رسول الله قال أبو رغال وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم حين أتى على قرية ثمود لأصحابه لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائهم وأراهم مرتقى الفصيل حين ارتقى في القارة
قال ابن جريج وأخبرني موسى بن عقبة عن عبدالله بن دينار عن ابن عمران أن النبي صلى الله عليه و سلم حين أتى على قرية ثمود قال لا تدخلن على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم ما أصابهم
قال ابن جريج قال جابر بن عبدالله إن النبي صلى الله عليه و سلم لما أتى على الحجر حمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فلا تسألوا رسولكم الآيات هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية فبعث الله لهم الناقة فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فتشرب ماءهم يوم وردها
حدثني إسماعيل بن المتوكل الأشجعي قال حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا عبدالله بن واقد عن عبدالله بن عثمان بن خثيم قال حدثنا أبو الطفيل قال لما غزا رسول الله صلى الله عليه و سلم غزاة تبوك نزل الحجر فقال أيها الناس لا تسألوا نبيكم الآيات هؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث لهم آية فبعث الله تعالى ذكره لهم الناقة آية فكانت تلج عليهم يوم وردها من هذا الفج فتشرب ماءهم ويوم وردهم كانوا يتزودون منه ثم يحلبونها مثل ما كانوا يتزودون من مائهم قبل ذلك لبنا ثم تخرج من ذلك الفج فعتوا عن أمر ربهم وعقروها فوعدهم الله العذاب بعد ثلاثة أيام وكان وعدا من الله غير مكذوب فأهلك الله من كان منهم في مشارق الأرض ومغاربها إلا رجلا واحدا كان في حرم الله فمنعه حرم الله من عذاب الله قالوا ومن ذلك الرجل يا رسول الله قال أبو رغال
فأما أهل التوراة فإنهم يزعمون أن لا ذكر لعاد ولا ثمود ولا لهود وصالح في التوراة وأمرهم عند العرب في الشهرة في الجاهلية والإسلام كشهرة إبراهيم وقومه
قال ولولا كراهة إطالة الكتاب بما ليس من جنسه لذكرت من شعر شعراء الجاهلية الذي قيل في عاد وثمود وأمورهم بعض ما قيل ما يعلم به من ظن خلاف ما قلنا في شهرة أمرهم في العرب صحة ذلك
ومن أهل العلم من يزعم أن صالحا عليه السلام توفي بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة وأنه أقام في قومه عشرين سنة
قال أبو جعفر نرجع الآن إلى
(1/141)

بنالعياط
27-09-2012, 05:07 PM
ذكر إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام وذكر من كان في عصره من ملوك العجم
إذ كنا قد ذكرنا من بينه وبين نوح من الآباء وتأريخ السنين التي مضت قبل ذلك وهو إبراهيم بن تارخ بن ناحور بن ساروغ بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح
واختلفوا في الموضع الذي كان منه والموضع الذي ولد فيه فقال بعضهم كان مولده بالسوس من أرض الأهواز وقال بعضهم كان مولده ببابل من أرض السواد وقال بعضهم كان بالسواد بناحية كوثى وقال بعضهم كان مولده بالوركاء بناحية الزوابي وحدود كسكر ثم نقله أبوه إلى الموضع الذي كان به نمرود من ناحية كوثى وقال بعضهم كان مولده بحران ولكن أباه تارخ نقله إلى أرض بابل وقال عامة السلف من أهل العلم كان مولد إبراهيم عليه السلام في عهد نمرود بن كوش ويقول عامة أهل الأخبار كان نمرود عاملا للإزدهاق الذي زعم بعض من زعم أن نوحا عليه السلام كان مبعوثا إليه على أرض بابل وما حولها وأما جماعة من سلف العلماء فإنهم يقولون كان ملكا برأسه واسمه الذي هو اسمه فيما قيل زرهى بن طهماسلفان
وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق فيما ذكر لنا والله أعلم أن آزر كان رجلا من أهل كوثى من قرية بالسواد سواد الكوفة وكان إذ ذاك ملك المشرق لنمرود الخاطئ وكان يقال له الهاصر وكان ملكه فيما يزعمون قد أحاط بمشارق الأرض ومغاربها وكان ببابل قال وكان ملكه وملك قومه بالمشرق قبل ملك فارس
قال ويقال لم يجتمع ملك الأرض ولم يجتمع الناس على ملك واحد إلا على ثلاثة ملوك نمرود بن أرغوا وذي القرنين وسليمان بن داود
وقال بعضهم نمرود هو الضحاك نفسه
حدثت عن هشام بن محمد قال بلغنا والله أعلم أن الضحاك هو نمرود وأن إبراهيم خليل الرحمن ولد في زمانه وأنه صاحبه الذي أراد إحراقه
حدثني موسىبن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي صالح وعن أبي مالك عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم إن أول ملك ملك في الأرض شرقها وغربها نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح وكانت
(1/142)
________________________________________
الملوك الذين ملكوا الأرض كلها أربعة نمرود وسليمان بن داود وذو القرنين وبخت نصر مؤمنان وكافران
وقال ابن إسحاق فيما حدثني ابن حميد حدثنا سلمة عن ابن إسحاق فلما أراد الله عز و جل أن يبعث إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن حجة على قومه ورسولا إلى عباده ولم يكن فيما بين نوح وإبراهيم عليهما السلام من نبي قبله إلا هود وصالح فلما تقارب زمان إبراهيم الذي أراد الله تعالى ذكره ما أراد أتى أصحاب النجوم نمرود فقالوا له تعلم أنا نجد في علمنا أن غلاما يولد في قريتك هذه يقال له إبراهيم يفارق دينكم ويكسر أوثانكم في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا فلما دخلت السنة التي وصف أصحاب النجوم لنمرود بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقريته فحبسها عنده إلا ما كان من أم إبراهيم امرأة آزر فإنه لم يعلم بحبلها وذلك أنها كانت جارية حدثة فيما يذكر لم يعرف الحبل في بطنها فجعل لا تلد امرأة غلاما في ذلك الشهر من تلك السنة إلا أمر به فذبح فلما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبا منها فولدت فيها إبراهيم عليه السلام وأصلحت من شأنه ما يصنع بالمولود ثم سدت عليه المغارة ثم رجعت إلى بيتها ثم كانت تطالعه في المغارة لتنظر ما فعل فتجده حيا يمص إبهامه يزعمون والله أعلم أن الله جعل رزق إبراهيم عليه السلام فيها ما يجيئه من مصه وكان آزر فيما يزعمون قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل فقالت ولدت غلاما فمات فصدقها فسكت عنها وكان اليوم فيما يذكرون على إبراهيم في الشباب كالشهر والشهر كالسنة ولم يمكث إبراهيم عليه السلام في المغارة إلا خمسة عشر شهرا حتى قال لأمه أخرجيني أنظر فأخرجته عشاء فنظر وتفكر في خلق السموات والأرض وقال إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربي مالي إلى غيره ثم نظر في السماء ورأى كوكبا فقال هذا ربي ثم اتبعه ينظر إليه ببصره حتى غاب فلما أفل قال لا أحب الآفلين ثم اطلع للقمر فرآه بازغا فقال هذا ربي ثم اتبعه ببصره حتى غاب فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما دخل عليه النهار وطلعت الشمس رأى عظم الشمس ورأى شيئا هو أعظم نورا من كل شيء رآه قبل ذلك فقال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ( 1 )
ثم رجع إبراهيم إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته وعرف ربه وبرئ من دين قومه إلا أنه لم يبادهم بذلك فأخبره أنه ابنه فأخبرته أم إبراهيم عليه السلام أنه ابنه فأخبرته بما كانت صنعت في شأنه فسر بذلك آزر وفرح فرحا شديدا وكان آزر يصنع أصنام قومه التي يعبدون ثم يعطيها إبراهيم يبيعها فيذهب بها إبراهيم عليه السلام فيما يذكرون فيقول من يشتري ما يضره ولا ينفعه فلا يشتريها منه أحد فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر فصوب فيه رؤوسها وقال اشربي استهزاء بقومه وبما هم عليه من الضلالة حتى فشا عيبه إياها واستهزاؤه بها في قومه وأهل قريته من غير أن يكون ذلك بلغ نمرود الملك ثم إنه لما بدا لإبراهيم أن يبادي قومه بخلاف ما هم عليه وبأمر الله والدعاء إليه نظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم يقول الله عز و جل فتولوا عنه مدبرين ( 2 ) وقوله إني سقيم ( 2 ) أي طعين أو لسقم كانوا يهربون منه إذا
(1/143)
________________________________________
سمعوا به وإنما يريد إبراهيم أن يخرجوا عنه ليبلغ من أصنامهم الذي يريد فلما خرجوا عنه خالف إلى أصنامهم التي كانوا يعبدون من دون الله فقرب لها طعاما ثم قال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون تعبيرا في شأنها واستهزاء بها
وقال في ذلك غير ابن إسحاق ما حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي صالح وعن أبي مالك عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم كان من شأن إبراهيم عليه السلام أنه طلع كوكب على نمرود فذهب بضوء الشمس والقمر ففزع من ذلك فزعا شديدا فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة فسألهم عنه فقالوا يخرج من ملكك رجل يكون على وجهه هلاكك وهلاك ملكك وكان مسكنه ببابل الكوفة فخرج من قريته إلى قرية أخرى فأخرج الرجال وترك النساء وأمر ألا يولد مولود ذكر إلا ذبحه فذبح أولادهم ثم إنه بدت له حاجة في المدينة لم يأمن عليها إلا آزر أبا إبراهيم فدعاه فأرسله فقال له أنظر لا تواقع أهلك فقال له آزر أنا أضن بديني من ذلك فلما دخل القرية نظر إلى أهله فلم يملك نفسه أن وقع عليها فقربها إلى قرية بين الكوفة والبصرة يقال لها أور فجعلها في سرب فكان يتعاهدها بالطعام والشراب ومايصلحها وإن الملك لما طال عليه الأمر قال قول سحرة كذابين ارجعوا إلى بلدكم فرجعوا وولد إبراهيم فكان في كل يوم يمر كأنه جمعة والجمعة كالشهر والشهر كالسنة من سرعة شبابه ونسي الملك ذلك وكبر إبراهيم ولا يرى أن أحدا من الخلق غيره وغير أبيه وأمه فقال أبو إبراهيم لأصحابه إن لي ابنا قد خبأته أفتخافون عليه الملك إن أنا جئت به قالوا لا فأت به فانطلق فأخرجه فلما خرج الغلام من السرب نظر إلى الدواب والبهائم والخلق فجعل يسأل أباه ما هذا فيخبره عن البعير أنه بعير وعن البقرة أنها بقرة وعن الفرس أنه فرس وعن الشاة أنها شاة فقال ما لهؤلاء الخلق بد من أن يكون لهم رب وكان خروجه حين خرج من السرب بعد غروب الشمس فرفع رأسه إلى السماء فإذا هو بالكوكب وهو المشتري فقال هذا ربي فلم يلبث أن غاب فقال أحب الآفلين أي لا أحب ربا يغيب قال ابن عباس وخرج في آخر الشهر فلذلك لم ير القمر قبل الكواكب فلما كان آخر الليل رأى القمر بازغا قد طلع فقال هذا ربي فلما أفل يقول غاب قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما أصبح ورأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما غابت قال الله له أسلم قال قد أسلمت لرب العالمين ثم أتى قومه فدعاهم فقال ياقوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا ( 1 ) يقول مخلصا فجعل يدعو قومه وينذرهم
وكان أبوه يصنع الأصنام فيعطيها ولده فيبيعونها وكان يعطيه فينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه فيرجع إخوته وقد باعوا أصنامهم ويرجع إبراهيم بأصنامه كما هي ثم دعا أباه فقال يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغي عنك شيئا ( 2 ) قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا ( 3 ) قال أبدا ثم قال له أبوه يا إبراهيم إن لنا عيدا لو قد خرجت معنا لأعجبك ديننا
(1/144)
________________________________________
فلما كان يوم العيد فخرجوا إليه خرج معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال إني سقيم يقول أشتكي رجلي فتوطئوا رجليه وهو صريع فلما مضوا نادى في آخرهم وقد بقي ضعفي الناس تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ( 1 ) فسمعوها منه ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة فإذا هو في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى جنب بعض كل صنم يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو وإذا هم قد صنعوا طعاما فوضعوه بين يدي الآلهة قالوا إذا كان حين نرجع رجعنا وقد باركت الآلهة في طعامنا فأكلنا فلما نظر إليهم إبراهيم عليه السلام وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال ألا تأكلون فلما لم تجبه قال مالكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين فأخذ حديدة فبقر كل صنم في حافتيه ثم علق الفأس في عنق الصنم الأكبر ثم خرج فلما جاء القوم إلى طعامهم ونظروا إلى آلهتهم قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ( 2 )
قال أبو جعفر رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق
ثم أقبل عليهم كما قال الله عز و جل ضربا باليمين ( 3 ) ثم جعل يكسرهن بفأس في يده حتى إذا بقي أعظم صنم منها ربط الفأس بيده ثم تركهن فلما رجع قومه رأوا ما صنع بأصنامهم فراعهم ذلك فأعظموه وقالوا من فعل بآلهتنا إنه لمن الظالمين ثم ذكروا فقالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم يعنون فتى يسبها ويعيبها ويستهزىء بها لم نسمع أحدا يقول ذلك غيره وهو الذي نظن هذا بها وبلغ ذلك نمرود وأشراف قومه فقالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون ( 4 ) أي ما يصنع به
فكان جماعة من أهل التأويل منهم قتادة والسدي يقولون في ذلك لعلهم يشهدون عليه أنه هو الذي فعل ذلك وقالوا كرهوا أن يأخذوه بغير بينة
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق
قال فلما أتى به فاجتمع له قومه عند ملكهم نمرود قالوا أانت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون ( 5 ) غضب من أن يعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر منها فكسرهن فارعووا ورجعوا عنه فيما ادعوا عليه من كسرهن إلى أنفسهم فيما بينهم فقالوا لقد ظلمناه وما نراه إلا كما قال ثم قالوا وعرفوا أنها لا تضر ولا تنفع ولا تبطش لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ( 6 ) أي لا يتكلمون فيخبرونا من صنع هذا بها وما تبطش بالأيدي فنصدقك يقول الله عز و جل ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون أي نكسوا على رؤوسهم في الحجة عليهم لإبراهيم حين جادلهم فقال عند ذلك إبراهيم حين ظهرت الحجة عليهم بقولهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ( 7 )
(1/145)
________________________________________
قال وحاجه قومه عند ذلك في الله جل ثناؤه يستوصفونه إياه ويخبرونه أن آلهتهم خير مما يعبد فقال أتحاجوني في الله وقد هدان إلى قوله فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ( 1 ) يضرب لهم الأمثال ويصرف لهم العبر ليعلموا أن الله هو أحق ان يخاف ويعبد مما يعبدون من دونه
قال أبو جعفر ثم إن نمرود فيما يذكرون قال لإبراهيم أرأيت إلهك هذا الذي تعبد وتدعو إلى عبادته وتذكره من قدرته التي تعظمه بها على غيره ما هو قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت فقال نمرود فأنا أحيي وأميت فقال له إبراهيم كيف تحيي وتميت قال أخذ الرجلين قد استوجبا القتل في حكمي فأقتل أحدهما فأكون قد أمته وأعفو عن الآخر فأتركه فأكون قد أحييته فقال له إبراهيم عند ذلك فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ( 2 ) فعرف أنه كما يقول فبهت عند ذلك نمرود ولم يرجع إليه شيئا وعرف أنه لا يطيق ذلك يقول الله عز و جل فبهت الذي كفر ( 2 ) يعني وقعت عليه الحجة
قال ثم إن نمرود وقومه أجمعوا في إبراهيم فقالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ( 3 )
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن الحسن بن دينار عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال تلوت هذه الآية على عبدالله بن عمر فقال أتدري يا مجاهد من ا لذي أشار بتحريق إبراهيم عليه السلام بالنار قال قلت لا قال رجل من أعراب فارس قال قلت يا أبا عبدالرحمن وهل للفرس أعراب قال نعم الكرد هم أعراب فارس فرجل منهم هو الذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار
حدثني يعقوب قال حدثنا ابن علية عن ليث عن مجاهد في قوله حرقوه وانصروا آلهتكم قال قالها رجل من أعراب فارس يعني الأكراد
وحدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج قال أخبرني وهب بن سليمان عن شعيب الجبائي قال إن اسم الذي قال حرقوه هينون فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة
ثم رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق
قال فأمر نمرود بجمع الحطب فجمعوا له صلاب الحطب من أصناف الخشب حتى أن كانت المرأة من قرية إبراهيم فيما يذكر لتنذر في بعض ما تطلب مما تحب أن تدرك لئن أصابته لتحطبن في نار إبراهيم التي يحرق بها احتسابا في دينها حتى إذا أرادوا أن يلقوه فيها قدموه وأشعلوا في كل ناحية من الحطب الذي جمعوا له حتى إذا اشتعلت النار واجتمعوا لقذفه فيها صاحت السماء والأرض وما فيها من الخلق إلا الثقلين فيما يذكرون إلى الله عز و جل صيحة واحدة أي ربنا إبراهيم ليس في أرضك أحد يعبدك غيره يحرق بالنار
(1/146)
________________________________________
فيك فأذن لنا في نصرته فيذكرون والله أعلم أن الله عز و جل حين قالوا ذلك قال إن استغاث بشيء منكم أو دعاه فلينصره فقد أذنت له في ذلك فإن لم يدع غيري فأنا وليه فخلوا بيني وبينه فأنا أمنعه فلما ألقوه فيها قال يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ( 1 ) فكانت كما قال الله عز و جل
وحدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي قال قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم ( 2 ) قال فحبسوه في بيت وجمعوا له حطبا حتى أن كانت المرأة لتمرض فتقول لئن عافاني الله لأجمعن حطبا لإبراهيم فلما جمعوا له وأكثروا من الحطب حتى أن كان الطير ليمر بها فيحترق من شدة وهجها وحرها فعمدوا إليه فرفعوه على رأس البنيان فرفع إبراهيم رأسه إلى السماء فقالت السماء والإرض والجبال والملائكة ربنا إبراهيم يحرق فيك فقال أنا أعلم به فإن دعاكم فأغيثوه وقال إبراهيم حين رفع رأسه إلى السماء اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض أحد يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل فقذفوه في النار فناداها فقال يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم وكان جبرئيل هو الذي ناداها وقال ابن عباس لو لم يتبع بردها سلاما لمات إبراهيم من بردها فلم تبق يومئذ نار في الأرض إلا طفئت ظنت أنها تعنى فلما طفئت النار نظروا إلى إبراهيم فإذا هو رجل آخر معه وإذا رأس إبراهيم في حجره يمسح عن وجهه العرق وذكر أن ذلك الرجل ملك الظل وأنزل الله نارا وانتفع بها بنو آدم فأخرجوا إبراهيم فأدخلوه على الملك ولم يكن قبل ذلك دخل عليه
ثم رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق
قال وبعث الله عز و جل ملك الظل في صورة إبراهيم فقعد فيها إلى جنبه يؤنسه فمكث نمرود أياما لا يشك إلا أن النار قد أكلت إبراهيم وفرغت منه ثم ركب فمر بها وهي تحرق ما جمعوا لها من الحطب فنظر إليها فرأى إبراهيم جالسا فيها إلى جنبه رجل مثله فرجع من مركبه ذلك فقال لقومه لقد رأيت إبراهيم حيا في النار ولقد شبه علي ابنوا لي سرحا يشرف بي على النار حتى أستثبت فبنوا له صرحا فأشرف عليه فأطلع منه إلى النار فرأى إبراهيم جالسا فيها ورأى الملك قاعدا إلى جنبه في مثل صورته فناداه نمرود يا إبراهيم كبير إلهك الذي بلغت قدرته وعزته أن حال بين ما أرى وبينك حتى لم تضرك يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها قال نعم قال هل تخشى إن أقمت فيها أن تضرك قال لا قال فقم واخرج منها فقام إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها فلما خرج إليه قال يا إبراهيم من الرجل الذي رأيت معك في مثل صورتك قاعدا إلى جنبك قال ذلك ملك الظل أرسله إلي ربي ليكون معي فيها ليؤنسني وجعلها علي بردا وسلاما فقال نمرود فيما حدثت يا إبراهيم إني مقرب إلى إلهك قربانا لما رأيت من عزته وقدرته ولما صنع بك حين أبيت إلا عبادته وتوحيده إني ذابح له أربعة آلاف بقرة فقال له إبراهيم إذا لا يقبل الله منك ما كنت على شيء من دينك هذا حتى تفارقه إلى ديني فقال يا إبراهيم لا أستطيع ترك ملكي ولكني سوف أذبحها له فذبحها نمرود ثم كف عن إبراهيم ومنعه الله عز و جل منه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن مغيرة عن الحارث عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال إن
(1/147)
________________________________________
أحسن شيء قاله أبو إبراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار وحده يرشح جبينه فقال عند ذلك نعم الرب ربك يا إبراهيم
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا معتمر بن سليمان التيمي عن بعض أصحابه قال جاء جبرئيل إلى إبراهيم عليه السلام وهو يوثق ويقمط ليلقى في النار قال يا إبراهيم ألك حاجة قال أما إليك فلا
حدثني أحمد بن المقدام قال حدثني المعتمر قال سمسعت أبي قال حدثنا قتادة عن أبي سليمان قال ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه
قال أبو جعفر رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال واستجاب لإبراهيم عليه السلام رجال من قومه حين رأوا ما صنع الله به على خوف من نمرود وملئهم فآمن له لوط وكان ابن أخيه وهو لوط بن هاران بن تارخ وهاران هو أخو إبراهيم وكان لهما أخ ثالث يقال له ناحور بن تارخ فهاران أبو لوط وناحور أبو بتويل بتويل أبو لابان وربقا ابنة بتويل امرأة إسحاق بن إبراهيم أم يعقوب وليا وراحيل زوجتا يعقوب ابنتا لابان وآمنت به سارة وهي ابنة عمه وهي سارة بنت هاران الأكبر عم إبراهيم وكانت لها أخت يقال لها ملكا امرأة ناحور
وقد قيل إن سارة كانت ابنة ملك حران
ذكر من قال ذلك
حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي قال انطلق إبراهيم ولوط قبل الشأم فلقي إبراهيم سارة وهي ابنة ملك حران وقد طعنت على قومها في دينهم فتزوجها على ألا يغيرها ودعا إبراهيم أباه آزر إلى دينه فقال له يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا فأبى أبوه الإجابة إلى ما دعاه إليه ثم إن إبراهيم ومن كان معه من أصحابه الذين اتبعوا أمره أجمعوا لفراق قومهم فقالوا إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم أيها المعبودون من دون الله وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا أيها العابدون حتى تؤمنوا بالله وحده ( 1 ) ثم خرج إبراهيم مهاجرا إلى ربه وخرج معه لوط مهاجرا وتزوج سارة ابنة عمه فخرج بها معه يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه حتى نزل حران فمكث بها ما شاء الله أن يمكث ثم خرج منها مهاجرا حتى قدم مصر وبها فرعون من الفراعنة الأولى وكانت سارة من أحسن الناس فيما يقال وكانت لا تعصى إبراهيم شيئا وبذلك أكرمها الله عز و جل فلما وصفت لفرعون ووصف له حسنها وجمالها أرسل إلى إبراهيم فقال ما هذه المرأة التي معك قال هي أختي وتخوف إبراهيم إن قال هي امرأتي أن يقتله عنها فقال لإبراهيم زينها ثم أرسلها إلي حتى أنظر إليها فرجع إبراهيم إلى سارة وأمرها فتهيأت ثم أرسلها إليه فأقبلت حتى دخلت عليه فلما قعدت إليه تناولها بيده فيبست إلى صدره فلما رأى ذلك فرعون أعظم أمرها وقال ادعي الله أن يطلق عني فوالله لا أريبك ولأحسنن إليك قالت اللهم إن كان صادقا فأطلق يده فأطلق الله يده فردها إلى
(1/148)
________________________________________
إبراهيم ووهب لها هاجر جارية كانت له قبطية
حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة قال حدثني هشام عن محمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لم يكذب إبراهيم عليه السلام غير ثلاث ثنتين في ذات الله قوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وبينا هو يسير في أرض جبار من الجبابرة إذ نزل منزلا فأتى الجبار رجل فقال إن في أرضك أو قال ها هنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليه فجاء فقال ما هذه المرأة منك قال هي أختي قال اذهب فأرسل بها إلي فانطلق إلى سارة فقال إن هذا الجبار قد سألني عنك فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني عنده فإنك أختي في كتاب الله فإنه ليس في الأرض مسلم غيري وغيرك قال فانطلق بها وقام إبراهيم عليه السلام يصلي قال فلما دخلت عليه فرآها أهوى إليها وذهب يتناولها فأخذ أخذا شديدا فقال ادعي الله ولا أضرك فدعت له فأرسل فأهوى إليها فذهب يتناولها فأخذ أخذ شديدا فقال ادعي الله ولا أضرك فدعت له فأرسل ثم فعل ذلك الثالثة فأخذ فذكر مثل المرتين فأرسل قال فدعا أدنى حجابه فقال إنك لم تأتني بإنسان ولكنك أتيتني بشيطان أخرجها وأعطها هاجر فأخرجت وأعطيت هاجر فأقبلت بها فلما أحس إبراهيم بمجيئها انفتل من صلاته فقال مهيم فقالت كفى الله كيد الفاجر الكافر وأخدم هاجر
قال محمد بن سيرين فكان أبو هريرة إذا حدث هذا الحديث يقول فتلك أمكم يا بني ماء السماء
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عن عبدالرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عبدالرحمن الأعرج عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لم يقل إبراهيم شيئا قط لم يكن إلا ثلاثا قوله إني سقيم لم يكن به سقم وقوله بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون وقوله لفرعون حين سأله عن سارة فقال من هذه المرأة معك قال أختي قال فما قال إبراهيم عليه السلام شيئا قط لم يكن إلا ذلك
حدثني سعيد بن يحيى الأموي قال حدثني أبي قال حدثنا محمد بن إسحاق قال حدثنا أبو الزناد عن عبدالرحمن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يكذب إبراهيم في شيء قط إلا في ثلاث ثم ذكر نحوه
حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة قال حدثني هشام عن محمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لم يكذب إبراهيم غير ثلاث ثنتين في ذات الله قوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وقوله في سارة هي أختي
حدثني ابن حميد قال حدثنا جرير عن مغيرة عن المسيب بن رافع عن أبي هريرة قال ما كذب إبراهيم عليه السلام غير ثلاث كذبات قوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وإنما قاله موعظة وقوله حين سأله الملك فقال أختي لسارة وكانت امرأته
حدثني يعقوب قال حدثني ابن علية عن أيوب عن محمد قال إن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات ثنتان في الله وواحدة في ذات نفسه وأما الثنتان فقوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وقصته في سارة وذكر قصتها وقصة الملك
(1/149)
________________________________________
قال أبو جعفر رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق
قال وكانت هاجر جارية ذات هيئة فوهبتها سارة لإبراهيم وقالت إني أراها امرأة وضيئة فخذها لعل الله يرزقك منها ولدا وكانت سارة قد منعت الولد فلا تلد لإبراهيم حتى أسنت وكان إبراهيم قد دعا الله أن يهب له من الصالحين وأخرت الدعوة حتى كبر إبراهيم وعقمت سارة ثم إن إبراهيم وقع على هاجر فولدت له إسماعيل عليهما السلام
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق عن الزهري عن عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا فتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق قال سألت الزهري ما الرحم التي ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم لهم قال كانت هاجر أم إسماعيل منهم فيزعمون والله أعلم أن سارة حزنت عند ذلك على ما فاتها من الولد حزنا شديدا وقد كان إبراهيم خرج من مصر إلى الشام وهاب ذلك الملك الذي كان بها وأشفق من شره حتى قدمها فنزل السبع من أرض فلسطين وهي برية الشام ونزل لوط بالمؤتفكة وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة وأقرب من ذلك فبعثه الله عز و جل نبيا وأقام إبراهيم فيما ذكر لي بالسبع فاحتفر به بئرا واتخذ به مسجدا فكان ما تلك البئر معينا طاهرا فكانت غنمه تردها ثم إن أهلها آذوه فيها ببعض الأذى فخرج منها حتى نزل بناحية من أرض فلسطين بين الرملة وإيليا ببلد يقال له قط أو قط فلما خرج من بين أظهرهم نضب الماء فذهب واتبعه أهل السبع حتى أدركوه وندموا على ما صنعوا وقالوا أخرجنا من بين أظهرنا رجلا صالحا فسألوه أن يرجع إليهم فقال ما أنا براجع إلى بلد أخرجت منه قالوا له فإن الماء الذي كنت تشرب منه ونشرب معك منه قد نضب فذهب فأعطاهم سبع أعنز من غنمه فقال اذهبوا بها معكم فإنكم لو قد أوردتموها البئر قد ظهر الماء حتى يكون معينا طاهرا كما كان فاشربوا منها فلا تغترفن منها امرأة حائض فخرجوا بالإعنز فلما وقفت على البئر ظهر إليها الماء فكانو يشربون منها وهي على ذلك حتى أتت امرأة طامث فاغترفت منها فنكص ماؤها إلى الذي هو عليه اليوم ثم ثبت
قال وكان إبراهيم يضيف من نزل به وكان الله عز و جل قد أوسع عليه وبسط له في الرزق والمال والخدم فلما أراد الله عز و جل هلاك قوم لوط بعث إليه رسله يأمرونه بالخروج من بين أظهرهم وكانوا قد عملوا من الفاحشة ما لم يسبقهم به أحد من العالمين مع تكذبيبهم نبيهم وردهم عليه ما جاءهم به من النصيحة من ربهم وأمرت الرسل أن ينزلوا على إبراهيم وأن يبشروه وسارة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فلما نزلوا على إبراهيم وكان الضيف قد حبس عنه خمس عشرة ليلة حتى شق ذلك عليه فيما يذكرون لا يضيفه أحد ولا يأتيه فلما رآهم سر بهم رأى ضيفا لم يضفه مثلهم حسنا وجمالا فقال لا يخدم هؤلاء القوم أحد إلا أنا بيدي فخرج إلى أهله فجاء كما قال الله عز و جل بعجل سمين ( 1 ) قد حنذه والحناذ الإنضاج يقول الله جل ثناؤه جاء بعجل حنيذ ( 2 ) فقربه إليهم فأمسكوا أيديهم عنه فلما رأى
(1/150)
________________________________________
أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة حين لم يأكلوا من طعامه قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته سارة قائمة فضحكت لما عرفت من أمر الله عز و جل ولما تعلم من قوم لوط فبشروها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ( 1 ) بابن وبابن ابن فقالت وصكت وجهها يقال ضربت على جبينها يا ويلتي أألد وأنا عجوز إلى قوله إنه حميد مجيد ( 2 ) وكانت سارة يومئذ فيما ذكر لي بعض أهل العلم ابنة تسعين سنة وإبراهيم ابن عشرين ومائة سنة فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى بإسحاق ويعقوب ولد من صلب إسحاق وأمن ما كان يخاف قال الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء ( 3 )
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج قال أخبرني وهب بن سليمان عن شعيب الجبائي قال ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ستة عشرة سنة وذبح إسحاق وهو ابن سبع سنين وولدته سارة وهي ابنة تسعين سنة وكان مذبحه من بيت إيليا على ميلين فلما علمت سارة بما أراد بإسحاق مرضت يومين وماتت اليوم الثالث وقيل ماتت سارة وهي ابنة مائة وسبع وعشرين سنة
حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي قال بعث الله الملائكة لتهلك قوم لوط فأقبلت تمشي في صورة رجال شباب حتى نزلوا على إبراهيم فتضيفوه فلما رآهم إبراهيم أجلهم فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فذبحه ثم شواه في الرضف وهو الحنيذ حين شواه وأتاهم فقعد معهم وقامت سارة تخدمهم فذلك حين يقول جل ثناؤه وامرأته قائمة وهو جالس ( 4 ) في قراءة ابن مسعود فلما قربه إليهم قال ألا تأكلون قالوا يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن قال فإن لهذا ثمنا قالوا وما ثمنه قال تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره فنظر جبرئيل إلى ميكائيل فقال حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا فلما رأى أيديهم لا تصل إليه يقول لا يأكلون نكرهم وأوجس منهم خيفة ( 5 ) فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحكت وقالت عجبا لأضيافنا هؤلاء إنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا
(1/151

بنالعياط
27-09-2012, 07:25 PM
ذكر أمر بناء البيت
قال ثم إن الله عز و جل أمر إبراهيم بعد ما ولد له إسماعيل وإسحاق فيما ذكر ببناء بيت له يعبد فيه ويذكر فلم يدر إبراهيم في أي موضع يبني إذ لم يكن بين له ذلك فضاق بذلك ذرعا فقال بعض أهل العلم بعث الله إليه السكينة لتدله على موضع البيت فمضت به السكينة ومع إبراهيم هاجر زوجته وابنه إسماعيل وهو طفل صغير
وقال بعضهم بل بعث الله إليه جبرئيل عليه السلام حتى دله على موضعه وبين له ما ينبغي أن يعمل
ذكر من قال الذي بعثه الله إليه لذلك السكينة
حدثنا هناد بن السري قال حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة أن رجلا قام إلى علي بن أبي طالب فقال ألا تخبرني عن البيت أهو أول بيت وضع في الأرض فقال لا ولكنه أول بيت وضع في البركة مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا وإن شئت أنبأتك كيف بني إن الله عز و جل أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتا في الأرض فضاق إبراهيم بذلك ذرعا فأرسل عز و جل السكينة وهي ريح خجوج ولها رأسان فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت إلى مكة فتطوت على موضع البيت كتطوي الحية وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة فبنى إبراهيم وبقي حجر فذهب الغلام يبني شيئا فقال إبراهيم أبغني حجرا كما آمرك فانطلق الغلام يلتمس له حجرا فأتاه به فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه فقال يا أبت من أتاك بهذا الحجر فقال أتاني به من لم يتكل على بنائك أتاني به جبرئيل من السماء فأتماه
حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي عليه السلام قال لما أمر إبراهيم ببناء البيت خرج معه إسماعيل وهاجر فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس فكلمه وقال يا إبراهيم ابن على ظلي أو على قدري ولا تزد ولا تنقص فلما بنى خرج وخلف إسماعيل وهاجر فقالت هاجر يا إبراهيم إلى من تكلنا قال إلى الله قالت انطلق فإنه لا يضيعنا قال فعطش إسماعيل عطشا شديدا فصعدت هاجر إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئا ثم أتت المروة فنظرت فلم تر شيئا ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئا حتى فعلت ذلك سبع مرات فقالت يا إسماعيل مت حيث لا أراك فأتته وهو يفحص برجله من العطش فناداها جبرائيل فقال من أنت قالت أنا هاجر أم ولد إبراهيم قال إلى من وكلكما قالت وكلنا إلى
(1/152)
________________________________________
الله قال وكلكما إلى كاف قال ففحص الغلام الأرض بإصبعه فنبعت زمزم فجعلت تحبس الماء فقال دعيه فإنها رواء
حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي قال لما عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين انطلق إبراهيم حتى أتى مكة فقام هو وإسماعيل وأخذ المعاول لا يدريان أين البيت فبعث الله عز و جل ريحا يقال لها ريح الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس فذلك حين يقول عز و جل وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ( 1 )
وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان يقول لما أمر الله إبراهيم بعمارة البيت والأذان بالحج في الناس خرج من الشام ومعه ابنه إسماعيل وأم إسماعيل هاجر وبعث الله معه السكينة وهي ريح لها لسان تكلم به يغدو معها إبراهيم إذا غدت ويروح معها إذا راحت حتى انتهت به إلى مكة فلما أتت موضع البيت استدارت به ثم قالت لإبراهيم ابن علي ابن علي ابن علي فوضع إبراهيم الأساس ورفع البيت هو وإسماعيل حتى انتهيا إلى موضع الركن قال إبراهيم لإسماعيل يا بني ابغ لي حجرا أجعله علما للناس فجاءه بحجر فلم يرضه وقال ابغني غير هذا فذهب إسماعيل ليلتمس له حجرا فجاءه وقد أتي بالر كن فوضعه في موضعه فقال يا أبت من جاءك بهذا الحجر قال من لم يكلني إليك يا بني
وقال آخرون إن الذي خرج مع إبراهيم من الشام لدلالته على موضع البيت جبرئيل عليه السلام وقالوا كان إخراجه هاجر وإسماعيل إلى مكة لما كان من غيرة سارة بسبب ولادة هاجر منه إسماعيل
ذكر من قال ذلك
حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي بالإسناد الذي قد ذكرناه أن سارة قالت لإبراهيم تسر هاجر فقد أذنت تك فوطئها فحملت بإسماعيل ثم إنه وقع على سارة فحملت بإسحاق فلما ولدته وكبر اقتتل هو وإسماعيل فغضبت سارة على أم إسماعيل وغارت عليها فأخرجتها ثم إنها دعتها فأدخلتها ثم غضبت أيضا فأخرجتها ثم أدخلتها وحلفت لنقطعن منها بضعة فقالت أقطع أنفها أقطع أذنها فيشينها ذلك ثم قالت لا بل أخفضها فقطعت ذلك منها فاتخذت هاجر عند ذلك ذيلا تعفي به عن الدم فلذلك خفضت النساء واتخذت ذيولا ثم قالت لا تساكني في بلد وأوحى الله إلى إبراهيم أن يأتي مكة وليس يومئذ بمكة بيت فذهب بها إلى مكة وابنها فوضعهما وقالت له هاجر إلى من تركتنا ها هنا ثم ذكر خبرها وخبر ابنها
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال حدثنا عبدالله بن أبي نجيح عن مجاهد وغيره من أهل العلم أن الله عز و جل لما بوأ لإبراهيم مكان البيت ومعالم الحرم فخرج وخرج معه جبرئيل
(1/153)
________________________________________
يقال كان لا يمر بقرية إلا قال بهذه أمرت يا جبرئيل فيقول جبرئيل امضه حتى قدم به مكة وهي إذ ذاك عصاه سلم وسمر وبها أناس يقال لهم العماليق خارج مكة وما حولها والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة فقال إبراهيم لجبرئيل أها هنا أمرت أن أضعهما قال نعم فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشا فقال ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم إلى لعلهم يشكرون ( 1 ) ثم انصرف إلى أهله بالشام وتركهما عند البيت قال فظمىء إسماعيل ظمأ شديدا فالتمست له أمه ماء فلم تجده فاستسمعت هل تسمع صوتا لتلتمس له شرابا فسمعت كالصوت عند الصفا فأقبلت حتى قامت عليه فلم تر شيئا ثم سمعت صوتا نحو المروة فأقبلت حتى قامت عليه فلم تر شيئا ويقال بل قامت على الصفا تدعو الله وتستغيثه لإسماعيل ثم عمدت إلى المروة ففعلت ذلك ثم إنها سمعت أصوات سباع الوادي نحو إسماعيل حيث تركته فأقبلت إليه تشتد فوجدته يفحص الماء بيده من عين قد انفجرت من تحت يده فشرب منها وجاءتها أم إسماعيل فجعلتها حسيا ثم استقت منها في قربتها تذخره لإسماعيل فلولا الذي فعلت ما زالت زمزم معينا طاهرا ماؤها أبدا قال مجاهد ولم نزل نسمع أن زمزم هزمة جبرئيل بعقبه لإسماعيل حين ظمىء
حدثني يعقوب بن إبراهيم والحسن بن محمد قالا حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب قال نبئت عن سعيد بن جبير أنه حدث عن ابن عباس أن أول من سعى بين الصفا والمروة لإم إسماعيل وأن اول من أحدث من نساء العرب جر الذيول لأم إسماعيل قال لما فرت من سارة أرخت ذيلها لتعفي أثرها فجاء بها إبراهيم ومعها إسماعيل حتى انتهى بهما إلى موضع البيت فوضعهما ثم رجع فاتبعته فقالت إلى أي شيء تكلنا إلى طعام تكلنا إلى شراب تكلنا لا يرد عليها شيئا فقالت ألله أمرك بهذا قال نعم قالت إذا لا يضيعنا قال فرجعت ومضى حتى إذا استوى على ثنية كداء أقبل على الوادي فقال ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم الآية قال ومع الإنسانة شنة فيها ماء فنفذ الماء فعطشت فانقطع لبنها فعطش الصبي فنظرت أي الجبال أدنى إلى الأرض فصعدت ا لصفا فتسمعت هل تسمع صوتا أو ترى أنيسا فلم تسمع شيئا فانحدرت فلما أتت على الوادي سعت وما تريد السعي كالإنسان المجهود الذي يسعى وما يريد السعي فنظرت أي الجبال أدنى إلى الأرض فصعدت المروة فتسمعت هل تسمع صوتا أو ترى أنيسا فسمعت صوتا فقالت كالإنسان الذي يكذب سمعه صه حتى استيقنت فقالت قد أسمعتني صوتك فأغثني فقد هلكت وهلك من معي فجاء الملك بها حتى انتهى بها إلى موضع زمزم فضرب بقدمه ففارت عينا فعجلت الإنسانة تفرغ في شنتها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم رحم الله أم إسماعيل لولا أنها عجلت لكانت زمزم عينا معينا
وقال لها الملك لا تخافي الظمأ على أهل هذا البلد فإنها عين يشرب ضيفان الله منها وقال إن أبا هذا الغلام سيجيء فيبنيان لله بيتا هذا موضعه
قال ومرت رفقة من جرهم تريد الشام فرأوا الطير على الجبل فقالوا إن هذا الطير لعائف على ماء فهل علمتم بهذا الوادي من ماء فقالوا لا فأشرفوا فإذا هم بالإنسانة فأتوها فطلبوا إليها أن ينزلوا معها
(1/154)
________________________________________
فأذنت لهم قال وأتى عليها ما يأتي على هؤلاء الناس من الموت فماتت وتزوج إسماعيل امرأة منهم فجاء إبراهيم فسأل عن منزل إسماعيل حتى دل عليه فلم يجده ووجد امرأة له فظة غليظة فقال لها إذا جاء زوجك فقولي له جاء ها هنا شيخ من صفته كذا وكذا وأنه يقول لك إني لا أرضى لك عتبة بابك فحولها وانطلق فلما جاء إسماعيل أخبرته فقال ذلك أبي وأنت عتبة بابي فطلقها وتزوج امرأة أخرى منهم وجاء إبراهيم حتى انتهى إلى منزل إسماعيل فلم ويجده ووجد امرأة له سهلة طليقة فقال لها أين انطلق زوجك فقالت انطلق إلى الصيد قال فما طعامكم قالت اللحم والماء قال اللهم بارك لهم في لحمهم ومائهم ثلاثا وقال لها إذا جاء زوجك فأخبريه قولي له جاء ها هنا شيخ من صفته كذا وكذا وإنه يقول لك قد رضيت لك عتبة بابك فأثبتها فلما جاء إسماعيل أخبرته قال ثم جاء الثالثة فرفعا القواعد من البيت
حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا يحيى بن عباد قال حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال جاء إبراهيم نبي الله بإسماعيل وهاجر فوضعهما بمكة في موضع زمزم فلما مضى نادته هاجر يا إبراهيم إنما أسألك ثلاث مرات من أمرك أن تضعني بأرض ليس فيها زرع ولا ضرع ولا أنيس ولا ماء ولا زاد قال ربي أمرني قالت فإنه لن يضيعنا قال فلما قفا إبراهيم قال ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن يعني من الحزن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء ( 1 ) فلما ظمىء إسماعيل جعل يدحص الأرض بعقبه فذهبت هاجر حتى علت الصفا والوادي يومئذ لاخ يعني عمبق فصعدت الصفا فأشرفت لتنظر هل ترى شيئا فلم تر شيئا فانحدرت فبلغت الوادي فسعت فيه حتى خرجت منه فأتت المروة فصعدت فاستشرفت هل ترى شيئا فلم تر شيئا ففعلت ذلك سبع مرات ثم جاءت من المروة إلى إسماعيل وهو يدحص الأرض بعقبه وقد نبعت العين وهي زمزم فجعلت تفحص الأرض بيدها عن الماء وكلما اجتمع ماء أخذته بقدحها فأفرغته في سقائها قال فقال النبي صلى الله عليه و سلم يرحمها الله لو تركتها لكانت عينا سائحة تجري إلى يوم القيامة
قال وكانت جرهم يومئذ بواد قريب من مكة قال ولزمت الطير الوادي حين رأت الماء فلما رأت جرهم الطير لزمت الوادي قالوا ما لزمته إلا وفيه ماء فجاؤوا إلى هاجر فقالوا لو شئت كنا معك وآنسناك والماء ماؤك قالت نعم فكانوا معها حتى شب إسماعيل وماتت هاجر فتزوج إسماعيل امرأة من جرهم قال فاستأذن إبراهيم سارة أن يأتي هاجر فأذنت له وشرطت عليه ألا ينزل وقدم إبراهيم وقد ماتت هاجر إلى بيت إسماعيل فقال لامرأته أين صاحبك قالت ليس ها هنا ذهب يتصيد وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيتصيد ثم يرجع فقال إبراهيم هل عندك ضيافة هل عندك طعام أو شراب قالت ليس عندي وما عندي أحد قال إبراهيم إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له فليغير عتبة بابه وذهب إبراهيم وجاء إسماعيل فوجد ريح أبيه فقال لامرأته هل جاءك أحد قالت جاءني شيخ صفته كذا وكذا كالمستخفة بشأنه قال فما قال لك قالت قال لي أقرئي زوجك السلام وقولي له فليغير عتبة بابه فطلقها وتزوج أخرى فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيل فأذنت له واشترطت عليه ألا ينزل فجاء إبراهيم حتى انتهى إلى باب إسماعيل فقال لامرأته أين صاحبك قالت
(1/155)
________________________________________
ذهب يتصيد وهو يجيء الآن إن شاء الله فانزل يرحمك الله قال لها هل عندك ضيافة قالت نعم قال هل عندك خبز أو بر أو شعير أو تمر قال فجاءت باللبن واللحم فدعا لهما بالبركة فلو جاءت يومئذ بخبز أو بر أو شعير أو تمر لكانت أكثر أرض الله برا وشعيرا وتمرا فقالت انزل حتى أغسل رأسك فلم ينزل فجاءته بالمقام فوضعته عن شقه الأيمن فوضع قدمه عليه فبقي أثر قدمه عليه فغسلت شق رأسه الأيمن ثم حولت المقام إلى شقه الأيسر فقال لها إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له قد استقامت عتبة بابك فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه فقال لامرأته هل جاءك أحد قالت نعم شيخ أحسن الناس وجها وأطيبهم ريحا فقال لي كذا وكذا وقلت له كذا وكذا وغسلت رأسه وهذا موضع قدميه على المقام قال وما قال لك قالت قال لي إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له قد استقامت عتبة بابك قال ذلك إبراهيم فلبث ما شاء الله أن يلبث وأمره الله عز و جل ببناء البيت فبناه هو وإسماعيل فلما بنياه قيل وأذن في الناس بالحج ( 1 ) فجعل لا يمر بقوم إلا قال يا أيها الناس إنه قد بني لكم بيت فحجوه فجعل لا يسمعه أحد لا صخرة ولا شجرة ولا شيء إلا قال لبيك اللهم لبيك قال وكان بين قوله ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم وبين قوله الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ( 2 ) كذا وكذا عاما لم يحفظ عطاء
حدثني محمد بن سنان قال حدثنا عبيد الله بن عبدالمجيد أبو علي الحنفي قال أخبرنا إبراهيم بن نافع قال سمعت كثير بن كثير يحدث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال جاء يعني إبراهيم فوجد إسماعيل يصلح نبلا له من وراء زمزم فقال إبراهيم يا إسماعيل إن ربك قد أمرني أن أبني له بيتا فقال له إسماعيل فأطع ربك فيما أمرك فقال إبراهيم قد أمرك أن تعينني عليه قال إذا أفعل قال فقام معه فجعل إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ( 3 ) فلما ارتفع البنيان وضعف الشيخ عن رفع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم فجعل يناوله ويقولان تقبل منا إنك أنت السميع العليم ( 4 )
فلما فرغ إبراهيم من بناء البيت الذي أمره الله عز و جل ببنائه أمره الله أن يؤذن ي الناس بالحج فقال له وإذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ( 4 ) فقال إبراهيم فيما ذكر لنا ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا جرير عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له إذن في الناس بالحج قال يا رب وما يبلغ صوتي قال أذن وعلي البلاغ فنادى إبراهيم يأيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق قال فسمعه ما بين السماء والأرض أفلا ترى الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون
حدثنا الحسن بن عرفة قال حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان الضبي عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما بنى إبراهيم البيت أوحى الله عز و جل إليه أن أذن في الناس بالحج قال فقال إبراهيم ألا إن ربكم قد اتخذ بيتا وأمركم أن تحجوه فاستجاب له ما سمعه من شيء من حجر أو
(1/156)
________________________________________
شجر أو أكمة أو تراب أو شيء لبيك اللهم لبيك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا الحسين بن واقد عن أبي الزبير عن مجاهد عن ابن عباس قوله وأذن في الناس بالحج قال قام إبراهيم عليه السلام خليل الله على الحجر فنادى يأيها الناس كتب عليكم الحج فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء فأجابه من آمن ممن سبق في علم الله أن يحج إلى يوم القيامة لبيك اللهم لبيك
حدثنا ابن بشار حدثنا عبدالرحمن قال حدثنا سفيان عن سلمة عن مجاهد قال قيل لإبراهيم أذن في الناس بالحج فقال يا رب كيف أقول قال قل لبيك اللهم لبيك قال فكانت أول التلبية
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن عمر بن عبدالله بن عروة أن عبدالله بن الزبير قال لعبيد بن عمير الليثي كيف بلغك أن إبراهيم دعا إلى الحج قال بلغني أنه لما رفع هو وإسماعيل قواعد البيت وانتهى إلى ما أراد الله من ذلك وحضر الحج استقبل اليمن فدعا إلى الله وإلى حج بيته فأجيب أن لبيك اللهم لبيك ثم استقبل المشرق فدعا إلى الله وإلى حج بيته فأجيب أن لبيك اللهم ثم إلى المغرب فدعا إلى الله وإلى حج بيته فأجيب أن لبيك اللهم لبيك ثم إلى الشام فدعا إلى الله عز و جل وإلى حج بيته فأجيب أن لبيك اللهم لبيك ثم خرج بإسماعيل وهو معه يوم التروية فنزل به منى ومن معه من ا لمسلمين فصلى بهم الظهر والعصر والمغر ب والعشاء الآخرة ثم بات بهم حتى أصبح فصلى بهم صلاة الفجر ثم غدا بهم إلى عرفة فقال بهم هنالك حتى إذا مالت الشمس جمع بين الصلاتين الظهر والعصر ثم راح بهم إلى الموقف من عرفة فوقف بهم على الأراك وهو الموقف من عرفة الذي يقف عليه الإمام يريه ويعلمه فلما غربت الشمس دفع به وبمن معه حتى أتى المزدلفة فجمع فيها بين الصلاتين المغرب والعشاء الآخرة ثم بات بها وبمن معه حتى إذا طلع الفجر صلى بهم صلاة الغداة ثم وقف به على قزح من المزدلفة فيمن معه وهو الموقف الذي يقف به الإمام حتى إذا أسفر دفع به وبمن معه يريه ويعلمه كيف يصنع حتى رمى الجمرة الكبرى وأراه المنحر من منى ثم نحر وحلق ثم أفاض به من منى ليريه كيف يطوف ثم عاد به إلى منى ليريه كيف يرمي الجمار حتى فرغ له من الحج وأذن به في الناس
قال أبو جعفر وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وعن بعض أصحابه أن جبرئيل هو الذي كان يري إبراهيم المناسك إذا حج
ذكر الرواية بذلك عن رسول الله
حدثنا أبو كريب قال حدثنا عبيد الله بن موسى وحدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي قال حدثنا عبيد الله بن موسى قال أخبرنا ابن أبي ليلى عن ابن أبي مليكة عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه و سلم قال أتى جبرئيل إبراهيم يوم التروية فراح به إلى منى فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر يمنى ثم غدا به إلى عرفات فأنزله الأراك أو حيث ينزل الناس فصلى به الصلاتين جميعا الظهر والعصر ثم وقف به حتى إذا كان كأعجل ما يصلي أحد من الناس المغرب أفاض حتى أتى به جميعا فصلى به الصلاتين جمعا المغرب والعشاء ثم أقام حتى إذا كان كأعجل ما يصلي أحد من الناس الفجر صلى به ثم وقف حتى إذا
(1/157)
________________________________________
كان كأبطأ ما يصلي أحد من المسلمين الفجر أفاض به إلى منى فرمى الجمرة ثم ذبح وحلق ثم أفاض إلى البيت ثم أوحى الله عز و جل إلى محمد صلى الله عليه و سلم أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ( 1 )
حدثنا أبو كريب قال حدثنا عمران بن محمد بن أبي ليلى قال حدثني أبي عن عبدالله بن أبي مليكة عن عبدالله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه و سلم نحوه
ثم إن الله تعالى ذكره ابتلى خليله إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه
واختلف السلف من علماء أمة نبينا صلى الله عليه و سلم في الذي أمر إبراهيم بذبحه من ابنيه فقال بعضهم هو إسحاق بن إبراهيم وقال بعضهم هو إسماعيل بن إبراهيم وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم كلا القولين لو كان فيهما صحيح لم نعده إلى غيره غير أن الدليل من القرآن على صحة الرواية التي رويت عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال هو اسحاق أوضح وأبين منه على صحة الأخرى
والرواية التي رويت عنه أنه قال هو إسحاق حدثنا بها أبو كريب قال حدثنا زيد بن الحباب عن الحسن بن دينار عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه و سلم في حديث ذكر فيه وفديناه بذبح عظيم ( 2 ) قال هو إسحاق
وقد روي هذا الخبر عن غيره من وجه أصلح من هذا الوجه غير أنه موقوف على العباس غير مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم
ذكر من قال ذلك
حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن مبارك عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب وفديناه بذبح عظيم قال هو إسحاق
وأما الرواية التي رويت عنه أنه هو إسماعيل فما حدثنا محمد بن عمار الرازي قال حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة قال حدثنا عمر بن عبدالرحيم الخطابي عن عبدالله بن محمد العتبي من ولد عتبة بن أبي سفيان عن أبيه قال حدثني عبدالله بن سعيد عن الصنابحي قال كنا عند معاوية بن أبي سفيان فذكروا الذبيح إسماعيل أو إسحاق فقال على الخبير سقطتم كنا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم فجاءه رجل فقال يار سول الله عد علي مما أفاء الله عليك يا بن الذبيحين فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم فقيل له وما الذبيحان يا رسول الله فقال ( إن عبدالمطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده ) قال فخرج السهم على عبدالله فمنعه أخواله وقالوا افد ابنك بمائة من الإبل ففداه بمائة من الإبل وإسماعيل الثاني
ونذكر الآن من قال من السلف إنه إسحاق ومن قال إنه إسماعيل
ذكر من قال هو إسحاق
(1/158)
________________________________________
حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن مبارك عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب وفديناه بذبح عظيم قال هو إسحاق
حدثنا الحسين بن يزيد الطحان قال حدثنا ابن إدريس عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال الذي أمر بذبحه إبراهيم هو إسحاق
حدثني يعقوب قال حدثنا ابن علية عن داود عن عكرمة قال قال ابن عباس الذبيح هو إسحاق
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا ابن أبي عدي عن داود عن عكرمة عن ابن عباس وفديناه بذبح عظيم قال هو إسحاق
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص قال افتخر رجل عند ابن مسعود فقال انا فلان ابن فلان ابن الأشياخ الكرام فقال عبدالله ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله
حدثنا ابن حميد قال حدثنا إبراهيم بن المختار قال حدثنا محمد بن إسحاق عن عبدالرحمن بن أبي بكر عن الزهري عن العلاء بن جارية الثقفي عن أبي هريرة عن كعب في قوله وفديناه بذبح عظيم قال من ابنه إسحاق
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر عن محمد بن مسلم الزهري عن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي حليف بني زهرة عن أبي هريرة عن كعب الأحبار أن الذي أمر بذبحه إبراهيم من ابنيه إسحاق
حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب أن عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي أخبره أن كعبا قال لأبي هريرة ألا أخبرك عن إسحاق بن إبراهيم النبي قال أبو هريرة بلى قال كعب لما أري إبراهيم ذبح إسحاق قال الشيطان والله لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لا أفتن أحدا منهم أبدا فتمثل الشيطان لهم رجلا يعرفونه فأقبل حتى إذا خرج إبراهيم بإسحاق ليذبحه دخل على سارة امرأة إبراهيم فقال لها أين أصبح إبراهيم غاديا بإسحاق قالت غدا لبعض حاجته قال الشيطان لا والله ما لذلك غدا به قالت سارة فلم غدا به قال غدا به ليذبحه قالت سارة ليس من ذلك شيء لم يكن ليذبح ابنه قال الشيطان بلى والله قالت سارة فلم يذبحه قال زعم أن ربه أمره بذلك قالت سارة فهذا حسن بأن يطيع ربه إن كان أمره بذلك فخرج الشيطان من عند سارة حتى أدرك إسحاق وهو يمشي على أثر أبيه فقال له أين أصبح أبوك غاديا بك قال غدا بي لبعض حاجته قال الشيطان لا والله ما غدا بك لبعض حاجته ولكنه غدا بك ليذبحك قال إسحاق ما كان أبي ليذبحني قال بلى قال لم قال زعم أن ربه أمره بذلك قال إسحاق فوالله لئن أمره بذلك ليطيعنه فتركه الشيطان وأسرع إلى إبراهيم فقال أين أصبحت غاديا بابنك قال غدوت به لبعض حاجتي قال أما والله ما غدوت به إلا لتذبحه قال لم أذبحه قال زعمت أن ربك أمرك بذلك قال فوالله لئن كان أمرني ربي
(1/159)
________________________________________
لأفعلن قال فلما أخذ إبراهيم إسحاق ليذبحه وسلم إسحاق أعفاه الله وفداه بذبح عظيم قال إبراهيم لإسحاق قم أي بني فإن الله قد أعفاك فأوحى الله إلى إسحاق إني أعطيك دعوة أستجيب لك فيها قال إسحاق اللهم فإني أدعوك أن تستجيب لي أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بي شيئا فأدخله الجنة
حدثني عمرو بن علي قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم عن عبدالله بن عبيد بن عمير عن أبيه قال قال موسى يا رب يقولون يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب فيم قالوا ذلك قال إن إبراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلا اختارني عليه وإن إسحاق جاد لي بالذبح وهو بغير ذلك أجود وإن يعقوب كلما زدته بلاء زادني حسن ظن
حدثنا ابن بشار قال حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم عن عبدالله بن عبيد بن عمير عن أبيه قال قال موسى أي رب بم أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما أعطيتهم فذكر نحوه
حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن إسرائيل عن جابر عن ابن سابط قال هو إسحاق
حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن سفيان عن أبي سنان الشيباني عن ابن أبي الهذيل قال الذبيح هو إسحاق
حدثنا أبو كريب قال حدثنا سفيان بن عقبة عن حمزة الزيات عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال قال يوسف للملك في وجهه ترغب أن تأكل معي وأنا والله يوسف بن يعقوب نبي الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله
حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي سنان عن ابن أبي الهذيل قال قال يوسف للملك فذكر نحوه
حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم أن إبراهيم عليه السلام أري في المنام فقيل له أوف نذرك الذي نذرت إن رزقك الله غلاما من سارة أن تذبحه
حدثني يعقوب قال حدثنا هشيم قال حدثنا زكرياء وشعبة عن أبي إسحاق عن مسروق في قوله وفديناه بذبح عظيم قال هو إسحاق
ذكر من قال هو إسماعيل
حدثنا أبو كريب وإسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال حدثنا يحيى بن يمان عن إسرائيل عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر قال الذبيح إسماعيل
حدثنا ابن بشار قال حدثنا يحيى قال حدثنا سفيان قال حدثنا بيان عن الشعبي عن ابن عباس وفديناه بذبح عظيم قال إسماعيل
(1/160)
________________________________________
حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا أبو حمزة محمد بن ميمون السكري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال إن الذي أمر بذبحه إبراهيم إسماعيل
حدثني يعقوب قال حدثنا هشيم عن علي بن زيد عن عمار مولى بني هاشم وعن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال هو إسماعيل يعني وفديناه بذبح عظيم
حدثني يعقوب قال حدثنا ابن علية قال حدثنا داود عن الشعبي قال قال ابن عباس هو إسماعيل
وحدثني به يعقوب مرة أخرى قال حدثنا ابن علية قال سئل داود بن أبي هند أي ابني إبراهيم أمر بذبحه فزعم أن الشعبي قال قال ابن عباس هو إسماعيل
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن بيان عن الشعبي عن ابن عباس أنه قال في الذي فداه الله بذبح عظيم قال هو إسماعيل
حدثنا يعقوب قال حدثنا ابن علية قال حدثنا ليث عن مجاهد عن ابن عباس قوله وفديناه بذبح عظيم قال هو إسماعيل
وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني عمر بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن عبدالله بن عباس أنه قال المفدى إسماعيل وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود
وحدثني محمد بن سنان القزاز قال حدثنا أبو عاصم عن مبارك عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس الذي فداه الله عز و جل قال هو إسماعيل
حدثني محمد بن سنان قال حدثنا حجاج عن حماد عن أبي عاصم الغنوي عن أبي الطفيل عن ابن عباس مثله
حدثني إسحاق بن شاهين قال حدثني خالد بن عبدالله عن داود عن عامر قال الذي أراد إبراهيم ذبحه إسماعيل
حدثنا ابن المثنى قال حدثني عبدالأعلى قال حدثنا داود عن عامر أنه قال في هذه الآية وفديناه بذبح عظيم قال هو إسماعيل قال وكان قرنا الكبش منوطين بالكعبة
حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن إسرائيل عن جابر عن الشعبي قال الذبيح إسماعيل
حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن إسرائيل عن جابر عن الشعبي قال رأيت قرني الكبش في الكعبة
حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن مبارك بن فضالة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران قال هو إسماعيل
حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان قال حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال هو إسماعيل
(1/161)
________________________________________
حدثني يعقوب قال حدثنا هشيم قال أخبرنا عوف عن الحسن وفديناه بذبح عظيم قال هو إسماعيل
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال سمعت محمد بن كعب القرظي وهو يقول إن الذي أمر الله عز و جل إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل وإنا لنجد ذلك في كتاب الله عز و جل في قصة الخبر عن إبراهيم وما أمر به من ذبح ابنه أنه إسماعيل وذلك أن الله عز و جل يقول حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ( 1 ) ويقول فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ( 2 ) يقول بابن وابن ابن فلم يكن يأمره بذبح إسحاق وله فيه من الله من الموعود ما وعده وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عن بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي أنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبدالعزيز وهو خليفة إذ كان معه بالشأم فقال له عمر إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه وإني لأراه كما قلت ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام كان يهوديا فأسلم فحسن إسلامه وكان يرى أنه من علماء اليهود فسأله عمر بن عبدالعزيز عن ذلك قال محمد بن كعب القرظي وأنا عند عمر بن عبدالعزيز فقال له عمر أي ابني إبراهيم أمر بذبحه فقال إسماعيل والله يا أمير المؤمنين إن يهود لتعلم بذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه والفضل الذي ذكره الله منه لصبره على ما أمر به فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق لأن إسحاق أبوهم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن الحسن بن دينار وعمرو بن عبيد عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه كان لا يشك في ذلك أن الذي أمر بذبحه من ابني إبراهيم إسماعيل
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق سمعت محمد بن كعب القرظي يقول ذلك كثيرا
وأما الدلالة من القرآن التي قلنا إنها على أن ذلك إسحاق أصح فقوله تعالى مخبرا عن دعاء خليله إبراهيم حين فارق قومه مهاجرا إلى ربه إلى الشام مع زوجته سارة فقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين ( 3 ) وذلك قبل أن يعرف هاجر وقبل أن تصير له أم إسماعيل ثم أتبع ذلك ربنا عز و جل الخبر عن إجابته دعاءه وتبشيره إياه بغلام حليم ثم عن رؤيا إبراهيم أنه يذبح ذلك الغلام حين بلغ معه السعي ولا يعلم في كتاب ذكر لتبشير إبراهيم بولد ذكر إلا بإسحاق وذلك قوله وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ( 4 ) وقوله فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم ( 5 ) ثم ذلك كذلك في كل
(1/162)
________________________________________
موضع ذكر فيه تبشير إبراهيم بغلام فإنما ذكر تبشير الله إياه به من زوجته سارة فالواجب أن يكون ذلك في قوله فبشرناه بغلام حليم ( 1 ) نظير ما في سائر سور القرآن من تبشيره إياه به من زوجته سارة
وأما اعتلال من اعتل بأن الله لم يكن يأمر إبراهيم بذبح إسحاق وقد أتته البشارة من الله قبل ولادته وولادة يعقوب منه من بعده فإنها علة غير موجبة صحة ما قال وذلك أن الله إنما أمر إبراهيم بذبح إسحاق بعد إدراك إسحاق السعي وجائز أن يكون يعقوب ولد له قبل أن يؤمر أبوه بذبحه وكذلك لا وجه لاعتلال من اعتل في ذلك بقرن الكبش أنه رآه معلقا في الكعبة وذلك أنه غير مستحيل أن يكون حمل من الشام إلى الكعبة فعلق هنالك
(1/163)

بنالعياط
27-09-2012, 09:32 PM
ذكر الخبر عن صفة فعل إبراهيم وابنه
الذي أمر بذبحه فيما كان أمر به من ذلك والسبب الذي من أجله أمر إبراهيم بذبحه
والسبب في أمر الله عز و جل بذبح ابنه الذي أمره بذبحه فيما ذكر أنه إذا فارق قومه هاربا بدينه مهاجرا إلى ربه متوجها إلى الشام من أرض العراق دعا الله أن يهب له ولدا ذكرا صالحا من سارة فقال رب هب لي من الصالحين يعني بذلك ولدا صالحا من الصالحين كما أخبر الله تعالى عنه فقال وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فلما نزل به أضيافه من الملائكة الذين كانوا أرسلوا إلى المؤتفكة قوم لوط بشروه بغلام حليم عن أمر الله تعالى إياهم بتبشيره فقال إبراهيم إذ بشر به هو إذا لله ذبيح فلما ولد الغلام وبلغ السعي قيل له أوف بنذرك الذي نذرت لله
ذكر من قال ذلك
حدثني موسى بن هارون قال حدثني عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن ابي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن عبدالله وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قال قال جبرئيل عليه السلام لسارة أبشري بولد اسمه إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فضربت جبينها عجبا فذلك قوله فصكت وجهها ( 1 ) وقالت أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ( 2 ) قالت سارة لجبرائيل ما آية ذلك فأخذ بيده عودا يابسا فلواه بين أصابعه فاهتز أخضر فقال إبراهيم هو إذا لله ذبيح فلما كبر إسحاق أتي إبراهيم في النوم فقيل له أوف بنذرك الذي نذرت إن رزقك الله غلاما من سارة أن تذبحه فقال لإسحاق انطلق فقرب قربانا إلى الله وأخذ سكينا وحبلا ثم انطلق معه حتى إذا ذهب به بين الجبال قال له الغلام يا أبت أين قربانك قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين قال له إسحاق اشدد رباطي حتى لا أضطرب واكفف عن ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي شيء فتراه سارة فتحزن وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون للموت علي وإذا أتيت سارة فاقرأ عليها السلام فأقبل عليه إبراهيم عليه السلام يقبله وقد ربطه وهو يبكي وإسحاق يبكي حتى استنقع الدموع تحت خد إسحاق ثم إنه جر السكين على حلقه
(1/164)
________________________________________
فلم يحك السكين وضرب الله عز و جل صفيحة من نحاس على حلق إسحاق فلما رأى ذلك ضرب به على جبينه وحز في قفاه قوله عز و جل فلما أسلما وتله للجبين ( 1 ) يقول سلما لله الأمر فنودي يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا بالحق التفت فإذا بكبش فأخذه وخلى عن ابنه فأكب على ابنه يقبله وهو يقول يا بني اليوم وهبت لي فذلك قوله عز و جل وفديناه بذبح عظيم فرجع إلى سارة فأخبرها الخبر فجزعت سارة وقالت يا إبراهيم أردت أن تذبح ابني ولا تعلمني
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال كان إبراهيم فيما يقال إذا زارها يعني هاجر حمل على البراق يغدو من الشام فيقبل بمكة ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام حتى إذا بلغ معه السعي وأخذ بنفسه ورجاه لما كان يأمل فيه من عبادة ربه وتعظيم حرماته أرى في المنام أن يذبحه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن إبراهيم حين أمر بذبح ابنه قال له يا بني خذ الحبل والمدية ثم انطلق بنا إلى هذا الشعب ليحطب أهلك منه قبل أن يذكر له شيئا مما أمر به فلما وجه إلى الشعب اعترضه عدو الله إبليس ليصده عن أمر الله في صورة رجل فقال اين تريد أيها الشيخ قال أريد هذا الشعب لحاجة لي فيه فقال والله إني لأرى الشيطان قد جاءك في منامك فأمرك بذبح بنيك هذا فأنت تريد ذبحه فعرفه إبراهيم فقال إليك عني أي عدو الله فوالله لأمضين لأمر ربي فيه فلما يئس عدو الله إبليس من إبراهيم اعترض إسماعيل وهو وراء إبراهيم يحمل الحبل والشفرة فقال له يا غلام هل تدري أين يذهب بك أبوك قال يحطب أهلنا من هذا الشعب قال والله ما يريد إلا أن يذبحك قال لم قال زعم أن ربه أمره بذلك قال فليفعل ما أمره به ربه فسمعا وطاعة فلما امتنع منه الغلام ذهب إلى هاجر أم إسماعيل وهي في منزلها فقال لها يا أم إسماعيل هل تدرين أين ذهب إبراهيم بإسماعيل قالت ذهب به يحطبنا من هذا الشعب قال ما ذهب به إلا ليذبحه قالت كلا هو أرحم به وأشد حبا له من ذلك قال إنه يزعم أن الله أمره بذلك قالت إن كان ربه أمره بذلك فتسليما لأمر الله فرجع عدو الله بغيظه لم يصب من آل إبراهيم شيئا مما أراد وقد امتنع منه إبراهيم وآل إبراهيم بعون الله وأجمعوا لأمر الله بالسمع والطاعة فلما خلا إبراهيم بابنه في الشعب وهو فيما يزعمون شعب ثبير قال له يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين
قال ابن حميد قال سلمة قال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم إن إسماعيل قال له عند ذلك يا أبت إن أردت ذبحي فاشدد رباطي لا يصبك مني شيء فينقص أجري فإن الموت شديد وإني لا آمن أن اضطرب عنده إذا وجدت مسه واشحذ شفرتك حتى تجهز علي فتريحني وإذا أنت أضجعتني لتذبحني فكبني لوجهي على جبيني ولا تضجعني لشقي فإني أخشى إن أنت نظرت في وجهي أن تدركك رقة تحول بينك وبين أمر الله في وإن رأيت أن ترد قميصي على أمتي فإنه عسى أن يكون هذا أسلى لها عني فافعل قال يقول له إبراهيم نعم العون أنت يا بني على أمر الله قال فربطه كما أمره إسماعيل فأوثقه ثم شحذ شفرته ثم تله للجبين واتقى النظر في وجهه ثم أدخل الشفرة لحلقه فقلبها الله لقفاها في يده ثم اجتذبها إليه ليفرغ منه فنودي أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا هذه ذبيحتك فداء لابنك فاذبحها دونه يقول الله عز و جل فلما أسلما وتله
(1/165)
________________________________________
للجبين وإنما تتل الذبائح على خدودها فكان مما صدق عندنا هذا الحديث عن إسماعيل في إشارته على أبيه بما أشار إذ قال كبني على وجهي قوله وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم ( 1 )
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن الحسن بن دينار عن قتادة بن دعامة عن جعفر بن إياس عن عبدالله بن عباس قال خرج عليه كبش من الجنة قد رعاها قبل ذلك أربعين خريفا فأرسل إبراهيم ابنه فاتبع الكبش فأخرجه إلى الجمرة الأولى فرماه بسبع حصيات فأفلته عنده فجاء الجمرة الوسطى فأخرجه عندها فرماه بسبع حصيات ثم أفلته فأدركه عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات فأخرجه عندها ثم أخذه فأتى به المنحر من منى فذبحه فوالذي نفس ابن عباس بيده لقد كان أول الإسلام وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة وقد وخش يعني قد يبس
حدثني محمد بن سنان القزاز قال حدثني حجاج عن حماد عن أبي عاصم الغنوي عن أبي الطفيل قال قال ابن عباس إن إبراهيم لما أمر بالمناسك عرض له الشيطان عند المسعى فسابقه فسبقه إبراهيم ثم ذهب به جبرئيل عليه السلام إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم تله للجبين وعلى إسماعيل قميص أبيض فقال له يا أبت إنه ليس له ثوب تكفنني فيه غير هذا فاخلعه عني فأكفني فيه فالتفت إبراهيم عليه السلام فإذا هو بكبش أعين أبيض أقرن فذبحه فقال ابن عباس لقد رأيتنا نتبع هذا الضرب من الكباش
حدثني محمد بن عمرو قال حدثني أبو عاصم قال حدثنا عيسى وحدثني الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله وتله للجبين قال وضع وجهه للأرض قال لا تذبحني وأنت تنظر إلى وجهي عسى أن ترحمني فلا تجهز علي اربط يدي إلى رقبتي ثم ضع وجهي للأرض
حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن سفيان عن جابر عن أبي الطفيل عن علي عليه السلام وفديناه بذبح عظيم قال كبش أبيض أقرن أعين مربوط بسمر في ثبير
حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس وفديناه بذبح عظيم قال كبش قال عبيد بن عمير ذبح بالمقام وقال مجاهد ذبح بمنى في المنحر
حدثنا ابن بشار قال حدثنا عبدالرحمن قال حدثنا سفيان عن ابن خشيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الكبش الذي ذبحه إبراهيم عليه السلام هو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد بن جبير وفديناه بذبح عظيم
(1/166)
________________________________________
قال كان الكبش الذي ذبحه إبراهيم رعي في الجنة أربعين سنة وكان كبشا أملح صوفه مثل العهن الأحمر
حدثنا أبو كريب قال حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان عن رجل عن ابي صالح عن ابن عباس وفديناه بذبح عظيم قال كان وعلا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عمرو بن عبيد عن الحسن أنه كان يقول ما فدي إسماعيل إلا بتيس كان من الأروى أهبط عليه من ثبير وما يقول الله وفديناه بذبح عظيم لذبيحته فقط ولكنه الذبح على دينه فتلك السنة إلى يوم القيامة فاعلموا أن الذبيحة تدفع ميتة السوء فضحوا عباد الله
وقد قال أمية بن أبي الصلت في السبب الذي من أجله أمر إبراهيم بذبح ابنه شعرا ويحقق بقيله ما قال في ذلك الرواية التي رويناها عن السدي وأن ذلك كان من إبراهيم عن نذر كان منه فأمره الله بالوفاء به فقال ... ولإبراهيم الموفي بالنذ ... راحتسابا وحامل الأحزال ... بكره لم يكن ليصبر عنه ... أو يراه في معشر أقيال ... أي بني إني نذرتك لل ... ه شحيطا فاصبر فدى لك خالي ... واشدد الصفد لا أحيد عن الس ... كين حيد الأسير ذي الأغلال ... وله مدية تخايل في اللح ... م جذام حنية كالهلال ... بينما يخلع السرابيل عنه ... فكه ربه بكبش جلال ... فخذن ذا فأرسل ابنك إني ... للذي قد فعلتما غير قال ... والد يتقي وآخر مولو ... د فطارا منه بسمع فعال ... ربما تجزع النفوس من الأم ... رله فرجة كحل العقال ...
حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا الحسين يعني ابن واقد عن زيد عن عكرمة قوله عز و جل فلما أسلما قال أسلما جميعا لأمر الله رضي الغلام بالذبح ورضي الأب بأن يذبحه قال يا أبت اقذفني للوجه كيلا تنظر إلي فترحمني وأنظر أنا إلى الشفرة فأجزع ولكن أدخل الشفرة من تحتي وامض لأمر الله فذلك قوله تعالى فلما أسلما وتله للجبين فلما فعل ذلك ناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين
وكان ممن امتحن الله به إبراهيم عليه السلام وابتلاه به بعد ابتلائه إياه بما كان من أمره وأمر نمرود بن كوش ومحاولته إحراقه بالنار وابتلائه بما كان من أمره إياه بذبح ابنه بعد أن بلغ معه السعي ورجا نفعه ومعونته على ما يقربه من ربه عز و جل ورفعه القواعد من البيت ونسكه المناسك ابتلاؤه جل جلاله بالكلمات التي أخبر الله عنه أنه ابتلاه بهن فقال وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ( 1 )
وقد اختلف السلف من علماء الأمة في هذه الكلمات التي ابتلاه الله بهن فأتمهن فقال بعضهم ذلك
(1/167)
________________________________________
ثلاثون سهما وهي شرائع الإسلام
ذكر من قال ذلك
حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا عبد الأعلى قال حدثنا داود عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات قال قال ابن عباس لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم عليه السلام ابتلاه الله تعالى بكلمات فأتمهن قال فكتب الله تعالى له البراءة فقال وإبراهيم الذي وفى ( 1 ) عشر منها في الأحزاب وعشر منها في براءة وعشر منها في المؤمنين وسأل سائل وقال إن هذا الإسلام ثلاثون سهما
حدثنا إسحاق بن شاهين الواسطي قال حدثنا خالد الطحان عن داود عن عكرمة عن ابن عباس قال ما ابتلي احد بهذا الدين فقام به كله غير إبراهيم عليه السلام ابتلي بالإسلام فأتمه فكتب الله له البراءة فقال وإبراهيم الذي وفى فذكر عشرا في براءة التائبون العابدون الحامدون ( 2 ) وعشرا في الأحزاب إن المسلمين والمسلمات ( 3 ) وعشرا في سورة المؤمنين إلى قوله تعالى والذين هم على صلواتهم يحافظون ( 4 ) وعشرا في سأل سائل والذين هم على صلاتهم يحافظون ( 5 ) وحدثني عبدالله بن أحمد المروزي قال حدثنا علي بن الحسن قال حدثنا خارجة بن مصعب عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال الإسلام ثلاثون سهما وما ابتلي أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم قال الله تعالى وإبراهيم الذي وفى فكتب الله له براءة من النار
وقال آخرون ذلك عشر خصال من سنن الإسلام خمس منهن في الرأس وخمس في الجسد
ذكر من قال ذلك
حدثني الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات قال ابتلاه الله عز و جل بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس وفي الجسد تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء
حدثني المثنى قال حدثنا إسحاق قال حدثنا عبدالرزاق عن معمر عن الحكم بن أبان عن القاسم بن أبي بزة عن ابن عباس بمثله غير أنه لم يذكر أثر البول
حدثنا ابن بشار قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا أبو هلال قال حدثنا قتادة في قوله
(1/168)
________________________________________
تعالى وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات قال ابتلاه بالختان وحلق العانة وغسل القبل والدبر والسواك وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط قال أبو هلال ونسيت خصلة
حدثني عبدان المروزي قال حدثنا عمار بن الحسن قال حدثنا عبدالله بن أبي جعفر عن أبيه عن مطر عن أبي الجلد قال ابتلي إبراهيم عليه السلام بعشرة أشياء هن في الإنسان سنة المضمضة والأستنشاق وقص الشارب والسواك ونتف الإبط وتقليم الأظفار وغسل البراجم والختان وحلق العانة وغسل الدبر والفرج
وقال آخرون نحو قول هؤلاء غير أنهم قالوا ست من العشر في جسد الإنسان وأربع منهن في المشاعر
ذكر من قال ذلك
حدثني المثنى قال حدثنا إسحاق قال حدثنا محمد بن حرب قال حدثنا ابن لهيعة عن ابن هبيرة عن حنش عن ابن عباس في قوله عز و جل وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال ست في الإنسان وأربع في المشاعر فالتي في الإنسان حلق العانة والختان ونتف الإبط وتقليم الأظفار وقص الشارب والغسل يوم الجمعة وأربع في المشاعر الطواف والسعي بين الصفاء والمروة ورمي الجمار والإفاضة
وقال آخرون بل ذلك قوله إني جاعلك للناس إماما ومناسك الحج
ذكر من قال ذلك
حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن إدريس قال سمعت إسماعيل بن أبي خالد عن ابي صالح قوله وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن منهن إني جاعلك للناس إماما وآيات النسك
حدثني أبو السائب قال حدثنا ابن إدريس قال سمعت إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح مولى أم هانئ في قوله وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات قال منهن إني جاعلك للناس إماما ومنهن آيات النسك وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ( 1 )
حدثني محمد بن عمرو قال أخبرنا أبو عاصم قال حدثني عيسى بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ( 2 ) قال قال الله لإبراهيم إني مبتليك بأمر فما هو قال تجعلني للناس إماما قال نعم قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين قال تجعل البيت مثابة للناس قال نعم قال وتجعل هذا البلد أمنا قال نعم قال وتجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك قال نعم قال وترينا مناسكنا وتتوب علينا قال نعم قال وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم قال نعم
حدثني القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد بنحوه قال
(1/169)
________________________________________
ابن جريج فاجتمع على هذا القول مجاهد وعكرمة
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال ابتلي بالآيات التي بعدها إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ( 1 )
حدثني المثنى بن إبراهيم قال حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح قال أخبرني به عكرمة قال فعرضته على مجاهد فلم ينكره
حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ( 2 )
حدثت عن عمار بن الحسن قال حدثنا عبدالله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع في قوله وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ( 3 ) قال الكلمات إني جاعلك للناس إماما ( 3 ) وقوله وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا وقوله واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ( 3 ) وقوله وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل ( 3 ) الآية وقوله وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ( 3 ) الآية قال فذلك كله من الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم
حدثني محمد بن سعد قال حدثني أبي قال حدثني عمي قال حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس في قوله تعالى وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال منهن إني جاعلك للناس إماما ( 3 ) ومنهن وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ومنهن الآيات في شأن المنسك والمقام الذي جعل لإبراهيم والرزق الذي رزق ساكن البيت ومحمد صلى الله عليه و سلم بعث في ذريتهما
وقال آخرون بل ذلك مناسك الحج خاصة
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن بشار قال حدثنا سلم بن قتيبة قال حدثنا عمر بن نبهان عن قتادة عن ابن عباس في قوله وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات قال مناسك الحج
حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال كان ابن عباس يقول في قوله وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات قال هي المناسك
حدثت عن عمار بن الحسن قال حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه قال بلغنا عن ابن عباس أنه قال إن الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم هي المناسك
(1/170)
________________________________________
حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي قال حدثنا أبو أحمد الزبيري قال حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس قوله وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال مناسك الحج
حدثني ابن المثنى قال حدثني الحماني قال حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس مثله
حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة قال قال ابن عباس ابتلاه بالمناسك
وقال آخرون بل ابتلاه بأمور منهن الختان
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن بشار قال حدثنا سلم بن قتيبة عن يونس بن ابي إسحاق عن الشعبي وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات قال منهن الختان
حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا يونس بن أبي إسحاق قال سمعت الشعبي يقول فذكر مثله
حدثني أحمد بن إسحاق قال حدثنا أبو أحمد قال حدثنا يونس بن أبي إسحاق قال سمعت الشعبي وسأله أبو إسحاق عن قوله عز و جل وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات قال منهن الختان يا أبا إسحاق
وقال آخرون ذلك الخلال الست الكوكب والقمر والشمس والنار والهجرة والختان التي ابتلي بهن أجمع فصبر عليهن
ذكر من قال ذلك
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية عن أبي رجاء قال قلت للحسن وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال ابتلاه بالكوكب فرضي عنه وابتلاه بالقمر فرضي عنه وابتلاه بالشمس فرضي عنه وابتلاه بالنار فرضي عنه وابتلاه بالهجرة وابتلاه بالختان
حدثنا بشر قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قال كان الحسن يقول إن الله ابتلاه بأمر فصبر عليه ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر فأحسن في ذلك وعرف أن ربه دائم لا يزول فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما كان من المشركين وابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرا إلى الله تعالى ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة فصبر على ذلك وابتلاه بذبح ابنه وبالختان فصبر على ذلك
حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول في قوله وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات قال ابتلاه بذبح ولده وبالنار وبالكوكب وبالشمس وبالقمر
(1/171)
________________________________________
حدثنا ابن بشار قال حدثنا سلم بن قتيبة قال حدثنا أبو هلال عن الحسن وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات قال ابتلاه بالكوكب وبالشمس وبالقمر فوجده صابرا
حدثنا أحمد بن إسحاق بن المختار قال حدثني غسان بن الربيع قال حدثنا عبدالرحمن وهو ابن ثوبان عن عبدالله بن الفضل عن عبدالرحمن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اختتن إبراهيم بعد ثمانين سنة بالقدوم
وقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم في الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم خبران
أحدهما ما حدثنا أبو كريب قال حدثنا الحسن بن عطية قال حدثنا إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم وإبراهيم الذي وفى قال أتدرون ما وفى قالوا الله ورسوله أعلم قال وفى عمل يومه أربع ركعات في النهار
والآخر منهما ما حدثنا به أبو كريب قال حدثنا رشدين بن سعد قال حدثنا زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه قال كان النبي صلى الله عليه و سلم يقول ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ( 1 ) حتى ختم الآية
فلما عرف الله تعالى من إبراهيم الصبر على كل ما ابتلاه به والقيام بكل ما ألزمه من فرائضه وإيثاره طاعته على كل شيء سواها اتخذه خليلا وجعله لمن بعده من خلقه إماما واصطفاه إلى خلقه رسولا وجعل في ذريته النبوة والكتاب والرسالة وخصهم بالكتب المنزلة والحكم البالغة وجعل منهم الأعلام والقادة والرؤساء والسادة كلما مضى منهم نجيب خلفه سيد رفيع وأبقى لهم ذكرا في الآخرين فالأمم كلها تتولاه وتثني عليه وتقول بفضله إكراما من الله له بذلك في الدنيا وما ادخر له في الآخرة من الكرامة أجل وأعظم من أن يحيط به وصف واصف
ونرجع الآن إلى الخبر عن عدو الله وعدو إبراهيم الذي كذب بما جاء به من عند الله ورد عليه النصيحة التي نصحها له جهلا منه واغترارا بحلم الله تعالى عنه نمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح وما آل إليه أمره في عاجل دنياه حين تمرد على ربه مع إملاء الله إياه وتركه تعجيل العذاب له على كفره به ومحاولته إحراق خليله بالنار حين دعاه إلى توحيد الله والبراءة من الآلهة والأوثان وأن نمرود لما تطاول عتوه وتمرده على ربه مع إملاء الله تعالى له فيما ذكر أربعمائة عام لا تزيده حجج الله التي يحتج بها عليه وعبره التي يريها إياه إلا تماديا في غيه عذبه الله فيما ذكر في عاجل دنياه قدر إملائه إياه من المدة بأضعف خلقه وذلك بعوضة سلطها عليه توغلت في خياشيمه فمكث أربعمائة سنة يعذب بها في حياته الدنيا
ذكر الأخبار الواردة عنه بما ذكرت من جهله ما أحل الله به من نقمته
حدثني الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم أن أول جبار كان في الأرض نمرود وكان الناس يخرجون فيمتارون من عنده الطعام فخرج إبراهيم يمتار مع من يمتار فإذا
(1/172)
________________________________________
مر به ناس قال من ربكم قالوا أنت حتى مر به إبراهيم قال من ربك قال ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر ( 1 ) قال فرده بغير طعام قال فرجع إبراهيم إلى أهله فمر على كثيب أعفر فقال هلا آخذ من هذا فآتي به أهلي فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم فأخذ منه فأتى أهله قال فوضع متاعه ثم نام فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته فإذا هي بأجود طعام رآه أحد فصنعت له منه فقربته إليه وكان عهد أهله ليس عندهم طعام فقال من أين هذا قالت من الطعام الذي جئت به فعلم أن الله قد رزقه فحمد الله
ثم بعث الله إلى الجبار ملكا أن آمن بي وأتركك على ملكك قال فهل رب غيري فجاءه الثانية فقال له ذلك فأبى عليه ثم أتاه الثالثة فأبى عليه فقال له الملك اجمع جموعك إلى ثلاثة أيام فجمع الجبار جموعه فأمر الله الملك ففتح عليهم بابا من البعوض فطلعت الشمس فلم يروها من كثرتها فبعثها الله عليهم فأكلت لحومهم وشربت دماءهم فلم يبق إلا العظام والملك كما هو لم يصبه من ذلك شيء فبعث الله عليه بعوضة فدخلت في منخره فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق وأرحم الناس به من جمع يديه ثم ضرب بهما رأسه وكان جبارا أربعمائة عام فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه وأماته الله وهو الذي بنى صرحا إلى السماء فأتى الله بنيانه من القواعد وهو الذي قال الله فأتى الله بنيانهم من القواعد ( 2 )
حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قال أمر الذي حاج إبراهيم في ربه بإبراهيم فأخرج يعني من مدينته قال فأخرج فلقي لوطا على باب المدينة وهو ابن أخيه فدعاه فآمن به وقال إني مهاجر إلى ربي ( 3 ) وحلف نمرود أن يطلب إله إبراهيم فأخذ أربعة أفرخ من فراخ النسور فرباهن باللحم والخمر حتى إذا كبرن وغلظن واستعلجن قرنهن بتابوت وقعد في ذلك التابوت ثم رفع رجلا من لحم لهن فطرن به حتى إذا ذهبن في السماء أشرف ينظر إلى الأرض فرأى الجبال تدب كدبيب النمل ثم رفع لهن اللحم ثم نظر فرأى الأرض محيطا بها بحر كأنها فلكة في ماء ثم رفع طويلا فوقع في ظلمة فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته ففزع فألقى اللحم فاتبعته منقضات فلما نظرت الجبال إليهن وقد أقبلن منقضات وسمعن حفيفهن فزعت الجبال وكادت أن تزول من أمكنتها لم يفعلن وذلك قوله عز و جل وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ( 4 ) وهي في قراءة ابن مسعود وإن كاد مكرهم فكان طيرانهن به من بيت المقدس ووقوعهن في جبل الدخان فلما رأى أنه لا يطيق شيئا أخذ في بناء الصرح فبنى حتى إذا أسنده إلىالسماء ارتقى فوقه ينظر بزعمه إلى إله إبراهيم فأحدث ولم يكن يحدث وأخذ الله بنيانه من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ( 5 ) يقول من مأمنهم وأخذهم من
(1/173)
________________________________________
أساس الصرح فتنقض بهم ثم سقط فتبلبلت ألسن الناس من يومئذ من الفزع فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا فلذلك سميت بابل وإنما كان لسان الناس قبل ذلك السريانية
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبو داود الحفري عن يعقوب عن حفص بن حميد أو جعفر عن سعيد بن جبير وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال قال نمرود صاحب النسور أمر بتابوت فجعل وجعل معه رجلا ثم أمر بالنسور فاحتملته فلما صعد قال لصاحبه أي شيء ترى قال أرى الماء والجزيرة يعني الدنيا ثم صعد وقال لصاحبه أي شيء ترى قال ما نزداد من السماء إلا بعدا قال اهبط وقال غيره نودي أيها الطاغية أين تريد فسمعت الجبال حفيف النسور وكانت ترى أنه أمر من السماء فكادت تزول فهو قوله تعالى وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال
حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا محمد بن أبي عدي عن شعبة عن أبي إسحاق قال حدثنا عبدالرحمن بن دانيل أن عليا عليه السلام قال في هذه الاية وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال قال أخذ ذلك الذي حاج إبراهيم في ربه نسرين صغيرين فرباهما حتى استغلظا واستعلجا فشبا قال فأوثق رجل كل واحد منهما بوتر إلى تابوت وجوعهما وقعد هو ورجل آخر في التابوت قال ورفع في التابوت عصا على رأسه اللحم فطارا وجعل يقول لصاحبه انظر ماذا ترى قال أرى كذا وكذا حتى قال أرى الدنيا كأنها ذباب فقال صوب فصوبها فهبطا قال فهوقوله عز و جل وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال قال أبو إسحاق ولذلك هي في قراءة عبدالله وإن كاد مكرهم
فهذا ما ذكر من خبر نمرود بن كوش بن كنعان
وقد قال جماعة إن نمرود بن كوش بن كنعان هذا ملك مشرق الأرض ومغربها وهذا قول يدفعه أهل العلم بسير الملوك وأخبار الماضين وذلك أنهم لا يدفعون ولا ينكرون أن مولد إبراهيم كان في عهد الضحاك بن أندر ماسب الذي قد ذكرنا بعض أخباره فيما مضى وأن ملك شرق الأرض وغربها يومئذ كان الضحاك وقد قال بعض من أشكل عليه أمر نمرود ممن عرف زمان الضحاك وأسبابه فلم يدر كيف الأمر في ذلك مع سماعه ما انتهى إليه من الأخبار عمن روي عنه أنه قال ملك الأرض كافران ومؤمنان فأما الكافران فنمرود وبختنصر وأما المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين وقول القائلين من أهل الأخبار أن الضحاك كان هو ملك شرق الأرض وغربها في عهد إبراهيم نمرود هو الضحاك وليس الأمر في ذلك عند أهل العلم بأخبارالأوائل والمعرفة بالأمور السوالف كالذي ظن لأن نسب نمرود في النبط معروف ونسب الضحاك في عجم الفرس مشهور ولكن ذوي العلم بأخبار الماضين وأهل المعرفة بأمور السالفين من الأمم ذكروا أن الضحاك كان ضم إلى نمرود السواد وما اتصل به يمنة ويسرة وجعله وولده عماله على ذلك وكان هو يتنقل في البلاد وكان وطنه الذي هو وطنه ووطن أجداده دنباوند من جبال طبرستان وهنالك رمى به أفريدون حين ظفر به وقهره موثقا بالحديد وكذلك بختنصر كان أصبهبذ ما بين الأهواز إلى أرض الروم من غربي دجلة من قبل لهراسب وذلك أن لهراسب كان مشتغلا بقتال الترك مقيما بإزائهم ببلخ وهو بناها فيما قيل لما تطاول مكثه هنالك لحرب الترك فظن من لم يكن عالما بأمور القوم بتطاول مدة ولايتهم أمر الناحية لمن ولوا له أنهم كانوا هم الملوك ولم يدع أحد من أهل العلم بأمور الأوائل وأخبار الملوك الماضية وأيام الناس
(1/174)
________________________________________
فيما نعلمه أن أحدا من النبط كان ملكا برأسه على شبر من الأرض فكيف يملك شرق الأرض وغربها ولكن العلماء من أهل الكتاب وأهل المعرفة بأخبار الماضين ومن قد عانى النظر في كتب التأريخات يزعمون أن ولاية نمرود إقليم بابل من قبل الازدهارق بيوراسب دامت أربعمائة سنة ثم لرجل من نسله من بعد هلاك نمرود يقال له نبط بن قعود مائة سنة ثم لداوص بن نبط من بعد نبط ثمانين سنة ثم من بعد داوص بن نبط لبالش بن داوص مائة وعشرين سنة ثم لنمرود بن بالش من بعد بالش سنة وأشهرا فذلك سبعمائة سنة وسنة وأشهر وذلك كله في أيام الضحاك فلما ملك أفريدون وقهر الازدهاق قتل نمرود بن بالش وشرد النبط وطردهم وقتل منهم مقتلة عظيمة لما كان منهم من معاونتهم بيوراسب على أموره وعمل نمرود وولده له
وقد زعم بعض أهل العلم أن بيوراسب قد كان قبل هلاكه تنكر لهم وتغير عما كان لهم عليه
ونعود الآن إلى ذكر الخبر عن بقية الأحداث التي كانت في أيام إبراهيم صلى الله عليه و سلم
وكان من الكائن أيام حياته من ذلك ما كان من أمر لوط بن هاران بن تارخ ابن أخي إبراهيم عليهما السلام وأمر قومه من سدوم وكان من أمره فيما ذكر أنه شخص من أرض بابل مع عمه إبراهيم خليل الرحمن مؤمنا به متبعا له على دينه مهاجرا إلى الشام ومعهما سارة بنت ناحور
وبعضهم يقول هي سارة بنت هيبال بن ناحور وشخص معهم فيما قيل تارخ أبو إبراهيم مخالفا لإبراهيم في دينه مقيما على كفره حتى صاروا إلى حران فمات تارخ وهو آزر أبو إبراهيم بحران على كفره وشخص إبراهيم ولوط وسارة إلى الشام ثم مضوا إلى مصر فوجدوا بها فرعونا من فراعنتها ذكر أنه كان سنان بن علوان بن عبيد بن عويج بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح وقد قيل إن فرعون مصر يومئذ كان أخا للضحاك كان الضحاك وجهه إليها عاملا عليها من قبله وقد ذكرت بعض قصته مع إبراهيم فيما مضى قبل ثم رجعوا عودا على بدئهم إلى الشأم وذكر أن إبراهيم نزل فلسطين وأنزل ابن أخيه لوطا الأردن وأن الله تعالى أرسل لوطا إلىأهل سدوم وكانوا أهل كفر بالله وركوب فاحشة كما أخبر الله عن قوم لوط إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر ( 1 )
وكان قطعهم السبيل فيما ذكر إتيانهم الفاحشة إلى من ورد بلدهم
ذكر من قال ذلك
حدثني يونس بن عبدالأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله تعالى وتقطعون السبيل قال السبيل طريق المسافر إذا مر بهم وهو ابن السبيل قطعوا به وعمولا به ذلك العمل الخبيث
وأما إتيانهم ما كانوا يأتونه من المنكر في ناديهم فإن أهل العلم اختلفوا فيه فقال بعضهم كانوا يحذفون من مر بهم
وقال بعضهم كانوا يتضارطون في مجالسهم
(1/175)
________________________________________
وقال بعضهم كان بعضهم ينكح بعضا فيها
ذكر من قال كانوا يحذفون من مر بهم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قا حدثنا عمر بن أبي زائدة سمعت عكرمة يقول في قوله وتأتون في ناديكم المنكر قال كانوا يؤذون أهل الطريق يحذفون من مر بهم
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي عن عمر بن أبي زائدة قال سمعت عكرمة قال الحذف
حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وتأتون في ناديكم المنكر قال كانوا كل من مر بهم حذفوه وهو المنكر
ذكر من قال كانوا يتضارطون في مجالسهم
حدثني عبدالرحمن بن الأسود الطفاوي قال حدثنا محمد بن ربيعة قال حدثنا روح بن غطيف الثقفي عن عمرو بن مصعب عن عروة بن الزبير عن عائشة في قوله تعالى وتأتون في ناديكم المنكر قالت الضراط
ذكر من قال كان يأتي بعضهم بعضا في مجالسهم
حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد في قوله وتأتون في ناديكم المنكر قال كان بعضهم يأتي بعضا في مجالسهم
حدثنا سليمان بن عبدالجبار قال حدثنا ثابت بن محمد الليثي قال حدثنا فضيل بن عياض عن منصور بن المعتمر عن مجاهد في قوله وتأتون في ناديكم المنكر قال كان يجامع بعضهم بعضا في المجالس
حدثنا ابن حميد قال حدثنا حكام عن عمرو عن منصور عن مجاهد مثله
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي عن سفيان عن منصور عن مجاهد قال كانوا يجامعون الرجال في مجالسهم
حدثني محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى وحدثني الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وتأتون في ناديكم المنكر قال المجالس والمنكر إتيانهم الرجال
حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله وتأتون في ناديكم المنكر قال كانوا يأتون الفاحشة في ناديهم
حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله وتأتون في ناديكم المنكر قال ناديهم المجالس والمنكر عملهم الخبيث الذي كانوا يعملونه كانوا يعترضون الراكب فيأخذونه
(1/176)
________________________________________
فيركبونه وقرأ أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون ( 1 ) وقرأ ما سبقكم بها من أحد من العالمين ( 2 )
وقد حدثنا ابن وكيع قال حدثنا إسماعيل بن علية عن ابن أبي نجيح عن عمرو بن دينار قوله ما سبقكم بها من أحد من العالمين ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط
قال أبو جعفر والصواب من القول في ذلك عندي قول من قال عنى بالمنكر الذي كانوا يأتونه في ناديهم في هذا الموضع حذفهم من مر بهم وسخريتهم منه للخبر الوارد بذلك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي حدثناه أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا أبو أسامة عن حاتم بن أبي صغيرة عن سماك بن حرب عن أبي صالح مولى أم هانئ عن أم هانئ عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في قوله تعالى وتأتون في ناديكم المنكر قال كانوا يحذفون أهل الطريق ويسخرون منهم وهو المنكر الذي كانوا يأتونه
حدثنا أحمد بن عبدة الضبي قال حدثنا سليمان بن حيان قال أخبرنا أبو يونس القشيري عن سماك بن حرب عن أبي صالح عن أم هانئ قالت سألت النبي صلى الله عليه و سلم عن قوله وتأتون في ناديكم المنكر قال كانوا يحذفون أهل الطريق ويسخرون منهم
حدثنا الربيع بن سليمان قال حدثنا اسد بن موسى قال حدثنا سعيد بن زيد قال حدثنا حاتم بن أبي صغيرة قال حدثنا سماك بن حرب عن باذام أبي صالح مولى أم هانئ عن أم هانئ قالت سألت النبي صلى الله عليه و سلم عن هذه الآية وتأتون في ناديكم المنكر فقال كانوا يجلسون بالطريق فيحذفون أبناء السبيل ويسخرون منهم فكان لوط عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله وينهاهم بأمر الله إياه عن الأمور التي كرهها الله تعالى لهم من قطع السبيل وركوب الفواحش وإتيان الذكور في الأدبار ويتوعدهم على إصرارهم على ما كانوا عليه مقيمين من ذلك وتركهم التوبة منه العذاب الأليم فلا يزجرهم عن ذلك وعيده ولا يزيدهم وعظه إلا تماديا وعتوا واستعجالا لعذاب الله إنكارا منهم وعيده ويقولون له ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين ( 3 ) حتى سأل لوط ربه عز و جل النصرة عليهم لما تطاول عليه أمره وأمرهم وتماديهم في غيهم فبعث الله عز و جل لما أراد خزيهم وهلاكهم ونصرة رسوله لوط عليهم جبرئيل عليه السلام وملكين آخرين معه
وقد قيل إن الملكين الآخرين كان أحدهما ميكائيل والآخر إسرافيل فأقبلوا فيما ذكر مشاة في صورة رجال شباب
ذكر بعض من قال ذلك
حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم بعث الله الملائكة لتهلك قوم لوط فأقبلت تمشي في صورة رجال شباب حتى نزلوا على إبراهيم
(1/177)
________________________________________
فتضيفوه فكان من أمرهم وأمر إبراهيم ما قد مضى ذكرنا إياه في خبر إبراهيم وسارة فلما ذهب عن إبراهيم الروع جاءته البشرى وأطلعته الرسل على ما جاؤوا له وأن الله أرسلهم لهلاك قوم لوط ناظرهم إبراهيم وحاجهم في ذلك كما أخبر الله عنه فقال فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط ( 1 )
وكان جداله إياهم في ذلك فيما بلغنا ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا يعقوب القمي قال حدثنا جعفر عن سعيد يجادلنا في قوم لوط قال لما جاءه جبرئيل ومن معه قالوا لإبراهيم إننا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين ( 2 ) قال لهم إبراهيم أتهلكون قرية فيها أربعمائة مؤمن قالوا لا قال أفتهلكون قرية فيها ثلثمائة مؤمن قالوا لا قال أفتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن قالوا لا قال أفتهلكون قرية فيها مائة مؤمن قالوا لا قال أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمنا قالوا لا قال أفتهلكون قرية فيها أربعة عشر مؤمنا قالوا لا وكان إبراهيم يعدهم أربعة عشر بامرأة لوط فسكت عنهم واطمأنت نفسه
حدثنا أبو كريب قال حدثنا الحماني عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال الملك لإبراهيم إن كان فيها خمسة يصلون رفع عنهم العذاب
حدثنا محمد بن عبدالأعلى قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة يجادلنا في قوم لوط قال بلغنا أنه قال لهم يومئذ أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين قالوا إن كان فيهم خمسون لن نعذبهم قال وأربعون قالوا وأربعون قال وثلاثون قالوا وثلاثون حتى بلغ عشرة قالوا وإن كانوا عشرة قال ما من قوم لايكون فيهم عشرة فيهم خير فلما علم إبراهيم حال قوم لوط بخبر الرسل قال للرسل إن فيها لوطا ( 3 ) إشفاقا منه عليه فقالت الرسل نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ( 3 )
ثم مضت رسل الله نحو أهل سدوم قرية قوم لوط فلما انتهوا إليها ذكر أنهم لقوا لوطا في أرض له يعمل فيها وقيل إنهم لقوا عند نهرها ابنة لوط تستقي الماء
ذكر من قال لقوا لوطا
حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة عن حذيفة أنه لما جاءت الرسل لوطا أتوه وهو في أرض له يعمل فيها وقد قيل لهم والله أعلم لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط قال فأتوه فقال إنا مضيفوك الليلة فانطلق بهم فلما مشى ساعة التفت فقال أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية والله ما أعلم على ظهر الأرض أناسا أخبث منهم قال فمضى معهم ثم قال الثانية مثل ما قال فانطلق بهم فلما بصرت بهم عجوز السوء امرأته انطلقت فأنذرتهم
(1/178)
________________________________________
حدثنا ابن حميد قال حدثنا الحكم بن بشير قال حدثنا عمرو بن قيس الملائي عن سعيد بن بشير عن قتادة قال أتت الملائكة لوطا وهو في مزرعة له وقال الله تعالى للملائكة إن شهد لوط عليهم أربع شهادات فقد أذنت لكم في هلكتهم فقالوا يا لوط إنا نريد أن نضيفك الليلة قال وما بلغكم أمرهم قالوا وما أمرهم فقال أشهد بالله أنها لشر قرية في الأرض عملا يقول ذلك أربع مرات فشهد عليهم لوط أربع شهادات فدخلوا معه منزله

بنالعياط
28-09-2012, 04:55 PM
ذكر من قال إنما لقيت الرسل أول ما لقيت حين دنت من سدوم ابنة لوط
دون لوط
حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قال لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط فأتوها نصف النهار فلما بلغوا نهر سدوم لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لأهلها وكانت له ابنتان اسم الكبرى ريثا واسم الصغرى رعزيا فقالوا لها يا جارية هل من منزل قالت نعم فمكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم فرقت عليهم من قومها فأتت أباها فقالت يا أبتاه أرادك فتيان على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم هي أحسن منهم لا يأخذهم قومك فيفضحوهم وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلا فقالوا له خل عنا فلنضف الرجال فجاء بهم فلم يعلم أحد إلا أهل بيت لوط فخرجت امرأته فأخبرت قومها فقالت إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثلهم ومثل وجوههم حسنا قط فجاءه قومه يهرعون إليه
قال أبو جعفر فلما أتوه قال لهم لوط يا قوم اتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد ( 1 ) هؤلاء بناتي هن أطهر لكم مما تريدون فقالوا له أو لم ننهك أن تضيف الرجال لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد فلما لم يقبلوا منه شيئا مما عرضه عليهم قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ( 2 ) يقول عليه السلام لو أن لي أنصارا ينصرونني عليكم أو عشيرة تمنعني منكم لحلت بينكم وبين ما جئتم تريدونه من أضيافي
حدثني المثنى قال حدثنا إسحاق بن الحجاج قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول قال لوط لهم لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد فوجد عليه الرسل وقالوا إن ركنك لشديد فلما يئس لوط من إجابتهم إياه إلى شيء مما دعاهم إليه وضاق بهم ذرعا قالت الرسل له حينئذ يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم ( 3 ) فذكر أن لوطا لما علم أن أضيافه رسل الله وأنها أرسلت بهلاك قومه قال لهم أهلكوهم الساعة
ذكر من روى ذلك عنه أنه قاله من أهل العلم
(1/179)
________________________________________
حدثنا ابن حميد قال حدثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد قال مضت الرسل من عند إبراهيم إلى لوط فلما أتوا لوطا وكان من أمرهم ما ذكر الله قال جبرئيل للوط يا لوط إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين فقال لهم لوط أهلكوهم الساعة فقال جبرئيل عليه السلام إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ( 1 ) فأنزلت على لوط أليس الصبح بقريب ( 1 )
قال وأمره أن يسري بأهله بقطع من الليل ولا يلتفت منهم أحد إلا امرأته قال فسار فلما كانت الساعة التي أهلكوا فيها أدخل جبرئيل جناحه في أرضهم فقلعها ورفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب فجعل عاليها سافلها وأمطر عليهم حجارة من سجيل قال وسمعت امرأة لوط الهدة فقالت واقوماه فأدركها حجر فقتلها
حدثنا ابن حميد قال حدثنا يعقوب عن حفص بن حميد عن شمر بن عطية قال كان لوط أخذ على امرأته ألا تذيع شيئا من سر أضيافه قال فلما دخل عليه جبرئيل ومن معه ورأتهم في صورة لم تر مثلها قط انطلقت تسعى إلى قومها فأتت النادي فقالت بيدها هكذا فأقبلوا يهرعون مشيا بين الهرولة والجمز فلما انتهوا إلى لوط قال لهم لوط ما قال الله تعالى في كتابه قال جبرئيل يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك قال فقال بيده فطمس أعينهم قال فجعلوا يطلبونهم يلتمسون الحيطان وهم لا يبصرون
حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة عن حذيفة قال لما بصرت بهم يعني بالرسل عجوز السوء امرأته انطلقت فأنذرتهم فقالت قد تضيف لوطا قوم ما رأيت قوما أحسن منهم وجوها قال ولا أعلمه إلا قالت وأشد بياضا وأطيب ريحا منهم قال فأتوه يهرعون إليه ( 2 ) كما قال الله عز و جل فأصفق لوط الباب قال فجعلوا يعالجونه قال فاستأذن جبرئيل ربه عز و جل في عقوبتهم فأذن له فصفقهم بجناحه فتركهم عميانا يترددون في أخبث ليلة أتت عليهم قط فأخبروه إنا رسل ربك فأسر بأهلك بقطع من الليل قال ولقد ذكر لنا أنه كانت مع لوط حين خرج من القرية امرأته ثم سمعت الصوت فالتفتت فأرسل الله تعالى عليها حجرا فأهلكها
حدثنا ابن حمي قال حدثنا الحكم بن بشير قال حدثنا عمرو بن قيس الملائي عن سعيد بن بشير عن قتادة قال انطلقت امرأته يعني امرأة لوط حين رأتهم يعني حين رأت الرسل إلى قومها فقالت إنه قد ضافه الليلة قوم ما رأيت مثلهم قط أحسن وجوها ولا أطيب ريحا فجاؤوا يهرعون إليه فبادرهم لوط إلى أن يزحمهم على الباب فقال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين ( 3 ) فقالوا أو لم ننهك عن العالمين ( 4 ) فدخلوا على الملائكة فتناولتهم الملائكة فطمست أعينهم فقالوا يا لوط جئتنا بقوم سحرة سحرونا كما أنت حتى نصبح قال فاحتمل جبرئيل قريات لوط الأربع في كل قرية مائة ألف فرفعهم على جناحه بين السماء والأرض حتى سمع أهل السماء الدنيا أصوات ديكتهم ثم قلبهم فجعل الله عاليها سافلها
(1/180)
________________________________________
حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا محمد بن ثور وحدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبدالرزاق جميعا عن معمر عن قتاد قال قال حذيفة لما دخلوا عليه ذهبت عجوزه عجوز السوء فأتت قومها فقالت قد تضيف لوطا الليلة قوم ما رأيت قوما قط أحسن وجوها منهم قال فجاؤوا يهرعون إليه فقام ملك فلز الباب يقول فسده فاستأذن جبرئيل في عقوبتهم فأذن له فضربهم جبرئيل بجناحه فتركهم عميانا فباتوا بشر ليلة ثم قالوا إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك قال فبلغنا أنها سمعت صوتا فالتفتت فأصابها حجر وهي شاذة من القوم معلوم مكانها
حدثني موسىبن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم لما قال لوط لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد بسط حينئذ جبرئيل جناحه ففقأ أعينهم وخرجوا يدوس بعضهم في آثار بعض عميانا يقولون النجاء النجاء فإن في بيت لوط أسحر قوم في الأرض فذلك قوله تعالى ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم ( 1 ) وقالوا للوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد يقول سر بهم فامضوا حيث تؤمرون فأخرجهم الله تعالى إلى الشأم وقال لوط أهلكوهم الساعة فقالوا إنا لم نؤمر إلا بالصبح أليس الصبح بقريب فلما أن كان السحر خرج لوط وأهله معه إلا امرأته وذلك قوله تعالى إلا آل لوط نجيناهم بسحر ( 2 )
حدثنا المثنى قال أخبرنا إسحاق قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد أنه سمع وهب بن منبه يقول كان أهل سدوم الذين فيهم لوط قوم سوء قد استغنوا عن النساء بالرجال فلما رأى الله ذلك منهم بعث الملائكة ليعذبوهم فأتوا إبراهيم فكان من أمره وأمرهم ما ذكره الله تعالى في كتابه فلما بشروا سارة بالولد قاموا وقام معهم إبراهيم يمشي فقال أخبروني لم بعثتم وما خطبكم قالوا إنا أرسلنا إلى قوم سدوم لندمرها فإنهم قوم سوء قد استغنوا بالرجال عن النساء قال إبراهيم أرأيتم إن كان فيهم خمسون رجلا صالحا قالوا إذا لا نعذبهم فلم يزل ينقص حتى قال اهل البيت قالوا فإن كان فيهم بيت صالح قال فلوط وأهل بيته قالوا إن امرأته هواها معهم فلما يئس إبراهيم انصرف ومضوا إلى أهل سدوم فدخلوا على لوط فلما رأتهم امرأته أعجبها حسنهم وجمالهم فأرسلت إلى أهل القرية أنه قد نزل بنا قوم لم نر قوما قط أحسن منهم ولا أجمل فتسامعوا بذلك فغشوا دار لوط من كل ناحية وتسوروا عليهم الجدران فلقيهم لوط فقال يا قوم لا تفضحون في ضيفي وأنا أزوجكم بناتي فهن أطهر لكم فقالوا لو كنا نريد بناتك لقد عرفنا مكانهن فقال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد فوجد عليه الرسل فقالوا إن ركنك لشديد وإنهم آتيهم عذاب غير مردود فمسح أحدهم أعينهم بجناحه فطمس أبصارهم فقالوا سحرنا انصرفوا بنا حتى نرجع إليه فكان من أمرهم ما قد قص الله تعالى في القرآن فأدخل ميكائيل وهو
(1/181)
________________________________________
صاحب العذاب جناحيه حتى بلغ أسفل الأرضين فقلبها فنزلت حجارة من السماء فتتبع من لم يكن منهم في القرية حيث كانوا فأهلكهم الله ونجى لوطا وأهله إلا امرأته
حدثنا أبو كريب قال حدثنا جابر بن نوح قال حدثنا الأعمش عن مجاهد قال أخذ جبرئيل قوم لوط من سرحهم ودورهم حملهم بمواشيهم وأمتعتهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم كفأها
وحدثنا أبو كريب مرة أخرى عن مجاهد قال أدخل جبرئيل جناحيه تحت الأرض السفلى من قوم لوط ثم أخذهم بالجناح الأيمن وأخذهم من سرحهم ومواشيهم ثم رفعها
حدثني المثنى قال حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال كان يقول فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها ( 1 ) قال لما أصبحوا غدا جبرئيل على قريتهم ففتقها من أركانها ثم أدخل جناحيه ثم حملها على خوافي جناحيه
حدثني المثنى قال حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا شبل قال وحدثني هذا ابن أبي نجيح عن إبراهيم بن أبي بكر قال ولم يسمعه ابن أبي نجيح من مجاهد قال فحملها على خوافي جناحيه بما فيها ثم صعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم قلبها فكان أول ما سقط منها شرافها فذلك قوله تعالى فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ( 2 )
حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة قال بلغنا أن جبرئيل عليه السلام أخذ بعروة القرية الوسطى ثم ألوى بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء ضواغي كلابهم ثم دمر بعضها على بعض فجعل عاليها سافلها ثم أتبعتهم الحجارة قال قتادة وبلغنا أنهم كانوا أربعة آلاف ألف
حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال وذكر لنا أن جبرئيل أخذ بعروتها الوسطى ثم ألوى بها إلى جو السماء حتى سمعت الملائكة ضواغي كلابهم ثم دمر بعضها على بعض ثم أتبع شذان القوم صخرا قال وهي ثلاث قرى يقال لها سدوم وهي بين المدينة والشأم قال وذكر لنا أنه كان فيها أربعة آلاف ألف قال وذكر لنا إن إبراهيم كان يشرف ثم يقول سدوم يوما هالك
حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي بالإسناد الذي قد ذكرناه لما أصبحوا يعني قوم لوط نزل جبرئيل عليه السلام واقتلع الأرض من سبع أرضين فحملها حتى بلغ بها السماء الدنيا حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم وأصوات ديوكهم ثم قلبها فقتلهم فذلك حين يقول والمؤتفكة أهوى ( 3 ) المنقلبة حين أهوى بها جبرئيل عليه السلام الأرض فاقتلعها بجناحيه فمن لم يمت حين أسقط الأرض أمطر الله تعالى عليه وهو تحت الأرض الحجارة ومن كان منهم شاذا في الأرض وهو قول الله تعالى فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ثم تتبعهم في القرى فكان الرجل يتحدث فيأتيه الحجر فيقتله فذلك قوله تعالى وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل
(1/182)
________________________________________
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق قال حدثني محمد بن كعب القرظي قال حدثت أن الله تعالى بعث جبرئيل إلى المؤتفكة ( قرية قوم لوط التي كان لوط فيهم ) فاحتملها بجناحيه ثم أصعد بها حتى إن أهل السماء الدنيا ليسمعون نابحة كلابها وأصوات دجاجها ثم كفأها على وجهها ثم أتبعها الله عز و جل بالحجارة يقول الله تعالى فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل فأهلكها الله تعالى وما حولها من المؤتفكات وكن خمس قريات صبعة وصعرة وعمرة ودوما وسدوم هي القرية العظمى ونجى الله تعالى لوطا ومن معه من أهله إلا امرأته كانت فيمن هلك
(1/183)

بنالعياط
28-09-2012, 05:14 PM
ذكر وفاة سارة بنت هاران وهاجر أم إسماعيل
وذكر أزواج إبراهيم عليه السلام وولده
قد ذكرنا فيما مضى قبل ما قيل في مقدار عمر سارة أم إسحاق فأما موضع وفاتها فإنه لا يدفع أهل العلم من العرب والعجم أنها كانت بالشأم
وقيل إنها ماتت بقرية الجبابرة من أرض كنعان في حبرون فدفنت في مزرعة اشتراها إبراهيم وقيل إن هاجر عاشت بعد سارة مدة
فأما الخبر فبغير ذلك ورد حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي بالإسناد الذي قد ذكرناه قبل
ثم إن إبراهيم اشتاق إلى إسماعيل فقال لسارة ائذني لي أنطلق إلى ابني فأنظر إليه فأخذت عليه عهدا ألا ينزل حتى يأتيها فركب البراق ثم أقبل وقد ماتت أم إسماعيل وتزوج إسماعيل امرأة من جرهم
وإن إبراهيم عليه السلام كثر ماله ومواشيه وكان سبب ذلك فيما حدثنا به موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي بالإسناد الذي قد ذكرناه قبل أن إبراهيم عليه السلام احتاج وقد كان له صديق يعطيه ويأتيه فقالت له سارة لو أتيت خلتك فأصبت لنا منه طعاما فركب حمارا له ثم أتاه فلما أتاه تغيب منه واستحيا إبراهيم أن يرجع إلى أهله خائبا فمر على بطحاء فملأ منها خرجه ثم أرسل الحمار إلى أهله فأقبل الحمار وعليه حنطة جيدة ونام إبراهيم عليه السلام فاستيقظ وجاء إلى أهله فوجد سارة قد جعلت له طعاما فقالت ألا تأكل فقال وهل من شيء فقالت نعم من الحنطة التي جئت بها من عند خليلك فقال صدقت من عند خليلي جئت بها فزرعها فنبتت له وزكا زرعه وهلكت زروع الناس فكان أصل ماله منها فكان الناس يأتونه فيسألونه فيقول من قال لا إله إلا الله فليدخل فليأخذ فمنهم من قال فأخذ ومنهم من أبى فرجع وذلك قوله تعالى فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ( 1 ) فلما كثر مال إبراهيم ومواشيه احتاج إلى السعة في المسكن والمرعى وكان مسكنه ما بين قرية مدين فيما قيل والحجاز إلى أرض الشأم وكان ابن أخيه لوط نازلا معه فقاسم ماله لوطا فأعطى لوطا شطره فيما قيل وخيره مسكنا يسكنه ومنزلا ينزله غير المنزل الذي هو به نازل فاختار لوط ناحية الأردن فصار إليها وأقام إبراهيم عليه السلام بمكانه فصار ذلك فيما قيل سببا لآثاره بمكة وإسكانه إياها
(1/184)
________________________________________
إسماعيل وكان ربما دخل أمصار الشأم
ولما ماتت سارة بنت هاران زوجة إبراهيم تزوج إبراهيم بعدها فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قطورا بنت يقطن امرأة من الكنعانيين فولدت له ستة نفر يقسان بن إبراهيم وزمران بن إبراهيم ومديان بن إبراهيم ويسبق بن إبراهيم وسوح بن إبراهيم وبسر بن إبراهيم فكان جميع بني إبراهيم ثمانية بإسماعيل وإسحاق وكان إسماعيل يكره أكبر ولده قال فنكح يقسان بن إبراهيم رعوة بنت زمر بن يقطن بن لوذان بن جرهم بن يقطن بن عابر فولدت له البربر ولفها وولد زمران بن إبراهيم المزامير الذين لا يعقلون وولد لمديان أهل مدين قوم شعيب بن ميكائيل النبي فهو وقومه من ولده بعثه الله عز و جل إليهم نبيا
حدثني الحارث بن محمد قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه قال كان أبو إبراهيم من أهل حران فأصابته سنة من السنين فأتى هرمز جرد بالأهواز ومعه امرأته أم إبراهيم واسمها توتا بنت كرينا بن كوثى من بني أرفخشد بن سام بن نوح
وحدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا محمد بن عمر الأسلمي عن غير واحد من أهل العلم قال اسمها أنموتا من ولد أفراهم بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح وكان بعضهم يقول اسمها انمتلي بنت يكفور
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه قال نهر كوثى كراه كرينا جد إبراهيم من قبل أمه وكان أبوه على أصنام الملك نمرود فولد إبراهيم بهرمزجرد ثم انتقل إلى كوثى من أرض بابل فلما بلغ إبراهيم وخالف قومه دعاهم إلى عبادة الله وبلغ ذلك الملك نمرود فحبسه في السجن سبع سنين ثم بنى له الحير بجص وأوقد له الحطب الجزل وألقى إبراهيم فيه فقال حسبي الله ونعم الوكيل فخرج منها سليما لم يكلم
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا هشام بن محمد عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال لما هرب إبراهيم من كوثى وخرج من النار ولسانه يومئذ سرياني فلما عبر الفرات من حران غير الله لسانه فقيل عبراني أي حيث عبر الفرات وبعث نمرود في أثره وقال لا تدعوا أحدا يتكلم بالسريانية إلا جئتموني به فلقوا إبراهيم عليه السلام فتكلم بالعبرانية فتركوه ولم يعرفوا لغته
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا هشام عن أبيه قال فهاجر إبراهيم من بابل إلى الشأم فجاءته سارة فوهبت له نفسها فتزوجها وخرجت معه وهو يومئذ ابن سبع وثلاثين سنة فأتى حران فأقام بها زمانا ثم أتى الأردن فأقام بها زمانا ثم خرج إلى مصر فأقام بها زمانا ثم رجع إلى الشأم فنزل السبع ( أرض بين إيليا وفلسطين ) واحتفر بئرا وبنى مسجدا ثم إن بعض أهل البلد آذاه فتحول من عندهم فنزل منزلا بين الرملة وإيليا فاحتفر به بئرا أقام به وكان قد وسع عليه في المال والخدم وهو أول من أضاف الضيف وأول من ثرد الثريد وأول من رأى الشيب
قال وولد لإبراهيم عليه السلام إسماعيل وهو أكبر ولده وأمه هاجر وهي قبطية وإسحاق وكان ضرير البصر وأمه سارة ابنة بتويل بن ناخور بن ساروع بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن
(1/185)
________________________________________
سام بن نوح ومدن ومدين ويقسان وزمران وأسبق وسوح وأمهم قنطورا بنت مقطور من العرب العاربة
فأما يقسان فلحق بنوه بمكة وأقام مدن ومدين بأرض مدين فسميت به ومضى سائرهم في البلاد وقالوا لإبراهيم يا أبانا أنزلت إسماعيل وإسحاق معك وأمرتنا أن ننزل أرض الغربة والوحشة فقال بذلك أمرت قال فعلمهم اسما من أسماء الله تبارك وتعالى فكانوا يستسقون به ويستنصرون فمنهم من نزل خراسان فجاءتهم الخزر فقالوا ينبغي للذي علمكم هذا أن يكون خير أهل الأرض أو ملك الأرض قال فسموا ملوكهم خاقان
قال أبو جعفر وياقل في يسبق يسباق وفي سوح ساح
وقال بعضهم تزوج إبراهيم بعد سارة امرأتين من العرب إحداهما قنطورا بنت يقطان فولدت له ستة بنين وهم الذين ذكرنا والأخرى منهما حجور بنت أرهير فولدت له خمسة بنين كيسان وشورخ وأميم ولوطان ونافس
(1/186)

بنالعياط
28-09-2012, 05:23 PM
ذكر وفاة إبراهيم عليه السلام
فلما أراد الله تبارك وتعالى قبض روح إبراهيم صلى الله عليه و سلم أرسل إليه ملك الموت في صورة شيخ هرم
فحدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي بالإسناد الذي ذكرته قبل كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم فبينا هو يطعم الناس إذا هو بشيخ كبير يمشي في الحرة فبعث إليه بحمار فركبه حتى إذا أتاه أطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها فاه فيدخلها عينه وأذنه ثم يدخلها فاه فإذا دخلت جوفه خرجت من دبره وكان إبراهيم قد سأل ربه عز و جل ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت فقال للشيخ حين رأى من حاله ما رأى ما بالك يا شيخ تصنع هذا قال يا إبراهيم الكبر قال ابن كم أنت فزاد على عمر إبراهيم سنتين فقال إبراهيم إنما بيني وبينك سنتان فإذا بلغت ذلك صرت مثلك قال نعم قال إبراهيم اللهم اقبضني إليك قبل ذلك فقام الشيخ فقبض روحه وكان ملك الموت
ولما مات إبراهيم عليه السلام وكان موته وهو ابن مائتي سنة وقيل ابن مائة وخمس وسبعين سنة دفن عند قبر سارة في مزرعة حبرون
وكان مما أنزل الله تعالى على إبراهيم عليه السلام من الصحف فيما قيل عشر صحائف كذلك حدثني أحمد بن عبدالرحمن بن وهب قال أخبرني عمي عبدالله بن وهب قال حدثني الماضي بن محمد عن أبي سليمان عن القاسم بن محمد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري قال قلت يا رسول الله كم كتاب أنزله الله قال مائة كتاب وأربع كتب أنزل الله عز و جل على آدم عليه السلام عشر صحائف وعلى شيث خمسين صحيفة وأنزل على أخنوخ ثلاثين صحيفة وأنزل على إبراهيم عشر صحائف وأنزل جل وعز التوراة والإنجيل والزبور والفرقان قلت يا رسول الله فما كانت صحف إبراهيم قال كانت أمثالا كلها
أيها الملك المسلط المبتلى المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أردها وإن كانت من كافر
وكانت فيها أمثال وعلى العاقل مالم يكن مغلوبا على عقله أن يكون له ساعات ساعة يناجي فيها ربه وساعة يفكر فيها في صنع الله عز و جل وساعة يحاسب فيها نفسه فيما قدم وأخر وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال في المطعم والمشرب وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا إلا في ثلاث تزود لمعاده ومرمة لمعاشه ولذة في غير
(1/187)
________________________________________
محرم وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه
وكان لإبراهيم فيما ذكر أخوان يقال لأحدهما هاران وهو أبو لوط وقيل إن هاران هو الذي بنى مدينة حران وإليه نسبت والآخر منهما ناحورا وهو أبو بتويل وبتويل هو أبو لابان ورفقا ابنة بتويل ورفقا امرأة إسحاق بن إبراهيم أم يعقوب ابنة بتويل وليا وراحيل امرأتا يعقوب ابنتا لابان

بنالعياط
28-09-2012, 05:29 PM
ذكر خبر ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام
قد مضى ذكرنا سبب مصير إبرهيم بابنه إسماعيل وأمه هاجر إلى مكة وإسكانه إياهما بها ولما كبر إسماعيل تزوج امرأة من جرهم فكان من أمرها ما قد تقدم ذكره ثم طلقها بأمر أبيه إبراهيم بذلك ثم تزوج أخرى يقال لها السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي وهي التي قال لها إبراهيم إذ قدم مكة وهي زوجة إسماعيل قولي لزوجك إذا جاء قد رضيت لك عتبة بابك
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ولد لإسماعيل بن إبراهيم اثنا عشر رجلا وأمهم السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي نابت بن إسماعيل وقيدر بن إسماعيل وأدبيل بن إسماعيل ومبشا بن إسماعيل ومسمع بن إسماعيل ودما بن إسماعيل وماس بن إسماعيل وأدد بن إسماعيل ووطور بن إسماعيل ونفيس بن إسماعيل وطما بن إسماعيل وقيدمان بن إسماعيل
قال وكان عمر إسماعيل فيما يزعمون ثلاثين ومائة سنة ومن نابت وقيدر نشر الله العرب ونبأ الله عز و جل إسماعيل فبعثه إلى العماليق فيما قيل وقبائل اليمن
وقد ينطق أسماء أولاد إسماعيل بغير الألفاظ التي ذكرت عن ابن إسحاق فيقول بعضهم في قيدر قيدار وفي أدبيل أدبال وفي مبشا مبشام وفي دما ذوما ومسا وحداد وتيم ويطور ونافس وقادمن
وقيل إن إسماعيل لما حضرته الوفاة أوصى إلى أخيه إسحاق وزوج ابنته من العيص بن إسحاق وعاش إسماعيل فيما ذكر مائة وسبعا وثلاثين سنة ودفن في الحجر عند قبر أمه هاجر
حدثني عبدة بن عبدالله الصفار قال حدثنا خالد بن عبدالرحمن المخزومي عن مبارك بن حسان صاحب الأنماط عن عمر بن عبدالعزيز قال شكا إسماعيل إلى ربه تبارك وتعالى حر مكة فأوحى الله تعالى إليه إني فاتح لك بابا من الجنة يجري عليك روحها إلى يوم القيامة وفي ذلك المكان تدفن
ونرجع الآن إلى

بنالعياط
28-09-2012, 06:02 PM
(1/189)

ذكر إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام وذكر نسائه وأولاده
إذ كان التأريخ غير متصل على سياق معروف لأمة بعد الفرس غيرهم وذلك أن الفرس كان ملكهم متصلا دائما من عهد جيومرت الذي قد وصفت شأنه وخبره إلى أن زال عنهم بخير أمة أخرجت للناس أمة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وكانت النبوة والملك متصلين بالشأم ونواحيها لولد إسرائيل بن إسحاق إلى أن زال ذلك عنهم بالفرس والروم بعد يحيى بن زكرياء وبعد عيسى بن مريم عليهما السلام وسنذكر إذا نحن انتهينا إلى الخبر عن يحيى وعيسى عليهما السلام سبب زوال ذلك عنهم إن شاء الله
فأما سائر الأمم غير الفرس فإنه غير ممكن الوصول إلى علم التأريخ بهم إذ لم يكن لهم ملك متصل في قديم الأيام وجديثه إلا ما لا يمكن معه سياق التأريخ عليه وعلى أعمار ملوكهم إلا ما ذكرنا من ولد يعقوب إلى الوقت الذي ذكرت فإن ذلك وإن كانت مدته انقطعت بزواله عنهم فإن قدر مدة زواله عنهم إلى غايتنا هذه معلوم مبلغه وقد كان لليمن ملوم لهم ملك غير أنه كان غير متصل وإنما كان يكون منهم الواحد بعد الواحد وبين الأول والآخر فترات طويلة لا يقف على مبلغها العلماء لقلة عنايتهم كانت بها ومبلغ عمر الأول منهم والآخر إذا لم يكن من الأمر الدائم فإن دام منه شيء فإنما يدوم لمن دام له منهم بأنه عامل لغيره في الموضع الذي هو به لا يملكه بنفسه وذلك كدوامه لآل نصر بن ربيعة بن الحارث بن مالك بن عمرو بن نمارة بن لخم فإنهم كانوا على فرج ثغر العرب للفرس من الحيرة إلى حد اليمن طولا وإلى حدود الشأم وما اتصل بذلك عرضا فلم يزل ذلك دائما لهم من عهد أردشير بابكان إلى أن قتل كسرى أبرويز بن هرمز بن أنوشروان النعمان بن المنذر فنقل عنهم ما كان إليهم من العمل على ثغر العرب إلى إياس بن قبيصة الطائي
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال نكح إسحاق بن إبراهيم رفقا بنت بتويل بن إلياس فولدت له عيص بن إسحاق ويعقوب بن إسحاق يزعمون أنهما كانا توءمين وأن عيصا كان أكبرهما ثم نكح عيص بن إسحاق ابنة عمه بسمة ابنة إسماعيل بن إبراهيم فولدت له الروم بن عيص فكل بني الأصفر من ولده قال وبعض الناس يزعم أن الأشبان من ولده ولا أدري أمن ابنة إسماعيل أم لا
ونكح يعقوب بن إسحاق وهو إسرائيل ابنة خاله ليا ابنة لبان بن بتويل بن إلياس فولدت له روبيل بن يعقوب وكان أكبر ولده وشمعون بن يعقوب ولاوى بن يعقوب ويهوذا بن يعقوب وزبالون بن يعقوب ويسحر بن يعقوب ودينة ابنة يعقوب وقد قيل في يسحر إن اسمه يشحر ثم توفيت ليا بنت لبان فخلف يعقوب على أختها راحيل بنت لبان بن بتويل بن إلياس فولدت له يوسف بن
(1/190)
________________________________________
يعقوب وبنيامين بن يعقوب وهو بالعربية شداد وولد له من سريتين اسم إحداهما زلفة واسم الأخرى بلهة أربعة نفر دان بن يعقوب ونفثالي بن يعقوب وجاد بن يعقوب وأشر بن يعقوب فكان بنو يعقوب اثني عشر رجلا
وقد قال بعض أهل التوراة إن رفقا زوجة إسحاق هي ابنة ناهر بن آزر عم إسحاق وإنها ولدت له ابنيه عيصا ويعقوب في بطن واحد وإن إسحاق أمر ابنه يعقوب ألا ينكح امرأة من الكنعانيين وأمره أن ينكح امرأة من بنات خاله لبان بن ناهر وأن يعقوب لما أراد النكاح مضى إلى خاله لبان بن ناهر خاطبا فأدركه الليل في بعض الطريق فبات متوسدا حجرا فرأى فيما يرى النائم أن سلما منصوبا إلى باب من أبواب السماء عند رأسه والملائكة تنزل وتعرج فيه وأن يعقوب صار إلى خاله فخطب إليه ابنته راحيل وكانت له ابنتان ليا وهي الكبرى وراحيل وهي الصغرى فقال له هل من مال أزوجك عليه فقال يعقوب لا إلا أني أخدمك أجيرا حتى تستوفي صداق ابنتك قال فإن صداقها أن تخدمني سبع حجج قال يعقوب فزوجني راحيل وهي شرطي ولها أخدمك فقال له خاله ذلك بيني وبينك فرعى له يعقوب سبع سنين فلما وفى له شرطه دفع إليه ابنته الكبرى ليا وأدخلها عليه ليلا فلما أصبح وجد غير ما شرط فجاءه يعقوب وهو في نادي قومه فقال له غررتني وخدعتني واستحللت عملي سبع سنين ودلست علي غير امرأتي فقال له خاله يا ابن أختي أردت أن تدخل على خالك العار والسبة وهو خالك ووالدك ومتى رأيت الناس يزوجون الصغرى قبل الكبرى فهلم فاخدمني سبع حجج أخرى فأزوجك أختها وكان الناس يومئذ يجمعون بين الأختين إلى أن بعث موسى عليه السلام وأنزل عليه التوراة فرعى له سبعا فدفع إليه راحيل فولدت له ليا أربعة اسباط روبيل ويهوذا وشمعان ولاوى وولدت له راحيل يوسف وأخاه بنيامين وأخوات لهما وكان لابان دفع إلى ابنتيه حين جهزهما إلى يعقوب أمتين فوهبتا الأمتين ليعقوب فولدت كل واحدة منهما له ثلاثة رهط من الأسباط وفارق يعقوب خاله وعاد حتى نازل أخاه عيصا
وقال بعضهم ولد ليعقوب دان ونفثالي من زلفة جارية راحيل وذلك أنها وهبتها له وسألته أن يطلب منها الولد حين تأخر الولد عنها وأن ليا وهبت جاريتها بلهة ليعقوب منافسة لراحيل في جاريتها وسألته أن يطلب منها الولد فولدت له جاد وأشير ثم ولد له من راحيل بعد اليأس يوسف وبنيامين فانصرف يعقوب بولده هؤلاء وامرأتيه المذكورتين إلى منزل أبيه من فلسطين على خوف شديد من أخيه العيص فلم ير منه إلا خيرا وكان العيص فيما ذكر لحق بعمه إسماعيل فتزوج إليه ابنته بسمة وحملها إلى الشام فولدت له عدة أولاد فكثروا حتى غلبوا الكنعانيين بالشأم وصاروا إلى البحر وناحية الإسكندرية ثم إلى الروم وكان العيص فيما ذرك يسمى آدم لأدمته قال ولذلك سمي ولده ولد الأصفر وكانت ولادة رفقا بنت بتويل لإسحاق بن إبراهيم ابنيه العيص ويعقوب بعد أن خلا من عمر إسحاق ستون سنة توءمين في بطن واحد والعيص المتقدم منهما خروجا من بطن أمه فكان إسحاق فيما ذكر يختص العيص وكانت رفقا أمهما تميل إلى يعقوب فزعموا أن يعقوب ختل العيص في قربان قرباه بأمر أبيهما إسحاق بعد ما كبرت سن إسحاق وضعف بصره فصار أكثر دعاء إسحاق ليعقوب وتوجهت البركة نحوه بدعاء أبيه إسحاق له فغاظ ذلك العيص وتوعده بالقتل فخرج يعقوب هاربا منه إلى خاله لابان ببابل فوصله لابان وزوجه ابنتيه ليا وراحيل وانصرف بهما
(1/191)
________________________________________
وبجاريتيهما وأولاده الأسباط الاثني عشر وأختهم دينا إلى الشأم إلى منزل آبائه وتألف أخاه العيص حتى نزل له البلاد وتنقل في الشأم حتى صار إلى السواحل ثم عبر إلى الروم فأوطنها وصار الملوك من ولده وهم اليونانية فيما زعم هذا القائل
حدثنا الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي قال حدثنا أبي قال أخبرنا أسباط عن السدي قال تزوج إسحاق امرأة فحملت بغلامين في بطن فلما أرادت أن تضعهما اقتتل الغلامان في بطنها فأراد يعقوب أن يخرج قبل عيص فقال عيص والله لئن خرجت قبلي لأعترضن في بطن أمي ولأقتلنها فتأخر يعقوب وخرج عيص قبله وأخذ يعقوب بعقب عيص فخرج فسمي عيصا لأنه عصى فخرج قبل يعقوب وسمي يعقوب لأنه خرج أخذا بعقب عيص وكان يعقوب أكبرهما في البطن ولكن عيصا خرج قبله وكبر الغلامان فكان عيص أحبهما إلى أبيه وكان يعقوب أحبهما إلى أمه وكان عيص صاحب صيد فلما كبر إسحاق وعمي قال لعيص يا بني أطعمني لحم صيد واقترب مني أدع لك بدعاء دعا لي به أبي وكان عيص رجلا أشعر وكان يعقوب رجلا أجرد فخرج عيص يطلب الصيد وسمعت أمه الكلام فقالت ليعقوب يا بني اذهب إلى الغنم فاذبح منها شاة ثم اشوه والبس جلده وقدمه إلى أبيك وقل له أنا ابنك عيص ففعل ذلك يعقوب فلما جاء قال يا أبتاه كل قال من أنت قال أنا ابنك عيص قال فمسه فقال المس مس عيص والريح ريح يعقوب قالت أمه هو ابنك عيص فادع له قال قدم طعامك فقدمه فأكل منه ثم قال ادن مني فدنا منه فدعا له أن يجعل في ذريته الأنبياء والملوك وقام يعقوب وجاء عيص فقال قد جئتك بالصيد الذي أمرتني به فقال يا بني قد سبقك اخوك يعقوب فغضب عيص وقال والله لأقتلنه قال يا بني قد بقيت لك دعوة فهلم أدع لك بها فدعا له فقال تكون ذريتك عددا كثيرا كالتراب ولا يملكهم أحد غيرهم وقالت أم يعقوب ليعقوب الحق بخالك فكن عنده خشية أن يقتلك عيص فانطلق إلى خاله فكان يسري بالليل ويكمن بالنهار ولذلك سمي إسرائيل وهو سري الله فأتى خاله وقال عيص أما إذ غلبتني على الدعوى فلا تغلبني على القبر أن أدفن عند آبائي إبراهيم وإسحاق فقال لئن فعلت لتدفنن معه
ثم إن يعقوب عليه السلام هوى ابنة خاله وكانت له ابنتان فخطب إلى أبيهما الصغرى منهما فأنكحها إياه على أن يرعى غنمه إلى أجل مسمى فلما انقضى الأجل زف إليه أختها ليا قال يعقوب إنما أردت راحيل فقال له خاله إنا لا ينكح فينا الصغير قبل الكبير ولكن ارع لنا أيضا وأنكحها ففعل فلما انقضى الأجل زوجه راحيل أيضا فجمع يعقوب بينهما فذلك قول الله وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ( 1 )
يقول جمع يعقوب بين ليا وراحيل فحملت ليا فولدت يهوذا وروبيل وشمعون وولدت راحيل يوسف وبنيامين وماتت راحيل في نفاسها ببنيامين يقول من وجع النفاس الذي ماتت فيه
وقطع خال يعقوب ليعقوب قطيعا من الغنم فأراد الرجوع إلى بيت المقدس فلما ارتحلوا لم يكن له نفقة فقالت امرأة يعقوب ليوسف خذ من أصنام أبي لعلنا نستنفق منه فأخذ وكان الغلامان في حجر يعقوب فأحبهما وعطف عليهما ليتمهما من أمهما وكان أحب الخلق إليه يوسف عليه السلام فلما قدموا أرض
(1/192)
________________________________________
الشأم قال يعقوب لراع من الرعاة إن أتاكم أحد يسألكم من أنتم فقولوا نحن ليعقوب عبد عيص فلقيهم عيص فقال من أنتم قالوا نحن ليعقوب عبد عيص فكف عيص عن يعقوب ونزل يعقوب بالشام فكان همه يوسف وأخوه فحسده إخوته لما رأوا من حب أبيه له ورأى يوسف في المنام كأن أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رآهم ساجدين له فحدث أباه بها فقال يا بني لا تقصص رءياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين ( 1 )

بنالعياط
28-09-2012, 06:46 PM
ذكر أيوب عليه السلام
ومن ولده فيما قيل أيوب نبي الله وهو فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عمن لا يتهم عن وهب بن منبه أن أيوب كان رجلا من الروم وهو أيوب بن موص بن رازح بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم
وأما غير ابن إسحاق فإنه يقول هو أيوب بن موص بن رغويل بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم
وكان بعضهم يقول هو أيوب بن موص بن رعويل ويقول كان أبوه ممن آمن بإبراهيم عليه السلام يوم أحرقه نمرود وكانت زوجته التي أمر بضربها بالضغث ابنة ليعقوب بن إسحاق يقال لها ليا كان يعقوب زوجها منه
وحدثني الحسين بن عمرو بن محمد قال حدثنا أبي قال أخبرنا غياث بن إبراهيم قال ذكر والله أعلم أن عدو الله إبليس لقي امرأة أيوب وذكر انها كانت ليا بنت يعقوب فقال يا ليا ابنة الصديق وأخت الصديق وكانت أم أيوب ابنة للوط بن هاران
وقيل إن زوجته التي أمر بضربها بالضغث هي رحمة بنت أفرائيم بن يوسف بن يعقوب وكانت لها البثنية من الشام كلها بما فيها وكان فيما ذكر عن وهب بن منبه في الخبر الذي حدثنيه محمد بن سهل بن عسكر البخاري قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم أبو هشام قال حدثني عبدالصمد بن معقل قال سمعت وهب بن منبه يقول إن إبليس لعنه الله سمع تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب وذلك حين ذكره الله تعالى وأثنى عليه فأدركه البغي والحسد فسأل الله أن يسلطه عليه ليفتنه عن دينه فسلطه الله على ماله دون جسده وعقله وجمع إبليس عفاريت الشياطين وعظماءهم وكان لأيوب البثنية من الشام كلها بما فيها بين شرقها وغربها وكان بها ألف شاة برعاتها وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ومال ويحمل آلة كل فدان أتان لكل أتان ولد بين اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وفوق ذلك فلما جمعهم إبليس قال ماذا عندكم من القوة والمعرفة فإني قد سلطت على مال أيوب فهي المصيبة الفادحة والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال فقال كل من عنده قوة على إهلاك ما عنده فأرسلهم فأهلكوا ماله كله وأيوب في كل ذلك يحمد الله ولا يثنيه شيء أصيب به من ماله عن الجد في عبادة الله تعالى والشكر له على ما أعطاه والصبر على ما ابتلاه به فلما رأى ذلك من أمره إبليس لعنه الله سأل الله تعالى أن يسلط على
(1/194)
________________________________________
ولده فسلط عليهم ولم يجعل له سلطانا على جسده وقلبه وعقله فأهلك ولده كلهم ثم جاء إليه متمثلا بمعلمهم الذي كان يعلمهم الحكمة جريحا مشدوخا يرققه حتى رق أيوب فبكى فقبض من قبضة من تراب فوضعها على رأسه فسر بذلك إبليس واغتنمه من أيوب عليه السلام
ثم إن أيوب تاب واستغفر فصعدت قرناؤه من الملائكة بتوبته فبدروا إبليس إلى الله عز و جل فلما لم يثن أيوب عليه السلام ما حل به من المصيبة في ماله وولده عن عبادة ربه والجد في طاعته والصبر على ما ناله سأل الله عز و جل إبليس أن يسلطه على جسده فسلطه على جسده خلا لسانه وقلبه وعقله فإنه لم يجعل له على ذلك منه سلطانا فجاءه وهو ساجد فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده فصار من جملة أمره إلى أن أنتن جسده فأخرجه أهل القرية من القرية إلى كناسة خارج القرية لا يقربه أحد إلا زوجته وقد ذكرت اختلاف الناس في اسمها ونسبها قبل
ثم رجع الحديث إلى حديث وهب بن منبه
وكانت زوجته تختلف إليه بما يصلحه وتلزمه وكان قد اتبعه ثلاثة نفر على دينه فلما رأوا ما نزل به من البلاء رفضوه واتهموه من غير أن يتركوا دينه يقال لأحدهم بلدد وللآخر اليفز وللثالث صافر فانطلقوا إليه وهو في بلائه فبكتوه فلما سمع أيوب عليه السلام كلامهم أقبل على ربه يستغيثه ويتضرع إليه فرحمه ربه ورفع عنه البلاء ورد عليه أهله وماله ومثلهم معهم وقال له اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ( 1 ) فاغتسل به فعاد كهيئته قبل البلاء في الحسن والجمال
فحدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال حدثنا فضيل بن عياض عن هشام عن الحسن قال لقد مكث أيوب عليه السلام مطروحا على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهرا ما يسأل الله عز و جل أن يكشف ما به قال فما على وجه الأرض أكرم على الله من أيوب فيزعمون أن بعض الناس قال لو كان لرب هذا فيه حاجة ما صنع به هذا فعند ذلك دعا
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية عن يونس عن الحسن قال بقي أيوب عليه السلام على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهرا اختلف فيها الرواة
فهذه جملة من خبر أيوب صلى الله عليه و سلم وإنما قدمنا ذكر خبره وقصته قبل خبر يوسف وقصته لما ذكر من أمره وأنه كان نبيا في عهد يعقوب أبي يوسف عليهم السلام
وذكر أن عمر أيوب كان ثلاثا وتسعين سنة وأنه أوصى عند موته إلى ابنه حومل وأن الله عز و جل بعث بعده ابنه بشر بن أيوب نبيا وسماه ذا الكفل وأمره بالدعاء إلى توحيده وأنه كان مقيما بالشأم عمره حتى مات وكان عمره خمسا وسبعين سنة وأن بشرا أوصى إلى ابنه عبدان وأن الله عز و جل بعث بعده شعيب بن صيفون بن عيفا بن نابت بن مدين بن إبراهيم إلى أهل مدين
وقد اختلف في نسب شعيب فنسبه أهل التوراة النسب الذي ذكرت
(1/195)
________________________________________
وكان ابن إسحاق يقول هو شعيب بن ميكائيل من ولد مدين حدثني بذلك ابن حميد حدثنا سلمة عن ابن إسحاق
وقال بعضهم لم يكن شعيب من ولد إبراهيم وإنما هو من ولد بعض من كان آمن بإبراهيم واتبعه على دينه وهاجر معه إلى الشام ولكنه ابن بنت لوط فجدة شعيب ابنة لوط
(1/196)
________________________________________
ذكر خبر شعيب صلى الله عليه و سلم
وقيل إن اسم شعيب يزون وقد ذكرت نسبه واختلاف أهل الأنساب في نسبه وكان فيما ذكر ضرير البصر
حدثني عبد الأعلى بن واصل الأسدي قال حدثنا أسيد بن زيد الجصاص قال أخبرنا شريك عن سالم عن سعيد بن جبير في قوله وإنا لنراك فينا ضعيفا ( 1 ) قال كان أعمى
حدثنا أحمد بن الوليد الرملي قال حدثنا إبراهيم بن زياد وإسحاق بن المنذر وعبدالملك بن يزيد قالوا حدثنا شريك عن سالم عن سعيد مثله
حدثني أحمد بن الوليد قال حدثنا عمرو بن عون ومحمد بن الصباح قالا سمعنا شريكا يقوله في قوله وإنا لنراك فينا ضعيفا قال أعمى
حدثني أحمد بن الوليد قال حدثنا سعدويه قال حدثنا عباد عن شريك عن سالم عن سعيد بن جبير مثله
حدثني المثنى قال حدثنا الحماني قال حدثنا عباد عن شريك عن سالم عن سعيد وإنا لنراك فينا ضعيفا قال كان ضرير البصر
حدثني العباس بن أبي طالب قال حدثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي قال حدثنا خلف بن خليفة عن سفيان عن سالم عن سعيد بن جبير وإنا لنراك فينا ضعيفا قال كان ضعيف البصر
حدثني المثنى قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سفيان قوله تعالى وإنا لنراك فينا ضعيفا قال كان ضعيف البصر قال سفيان وكان يقال له خطيب الأنبياء وإن الله تبارك وتعالى بعثه نبيا إلى أهل مدين وهم أصحاب الأيكة والأيكة الشجر الملتف وكانوا أهل كفر بالله وبخس للناس في المكاييل والموازين وإفساد لأموالهم وكان الله عز و جل وسع عليهم في الرزق وبسط لهم في العيش استدراجا منه لهم مع كفرهم به فقال لهم شعيب عليه السلام يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ( 2 ) فكان من قول شعيب لقومه وجواب
(1/197)
________________________________________
قومه له ما ذكره الله عز و جل في كتابه
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال ابن إسحاق فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة إذا ذكره قال ذاك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه فيما يرادهم به
فلما طال تماديهم في غيهم وضلالهم ولم يردهم تذكير شعيب إياهم وتحذيرهم عذاب الله لهم وأراد الله تبارك وتعالى هلاكهم سلط عليهم فيما حدثني الحارث قال حدثنا الحسن بن موسى الأشيب قال حدثني سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد قال حدثنا حاتم بن أبي صغيرة قال حدثني يزيد الباهلي قال سألت عبدالله بن عباس عن هذه الآية فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم ( 1 ) فقال عبدالله بن عباس بعث الله وبدة وحرا شديدا فأخذ بأنفاسهم فدخلوا أجواف البيوت فدخل عليهم أجواف البيوت فأخذ بأنفاسهم فخرجوا من البيوت هرابا إلى البرية فبعث الله عز و جل سحابة فأظلتهم من الشمس فوجدوا لها بردا ولذة فنادى بعضهم بعضا حتى إذا اجتمعوا تحتها أرسل الله عليهم نارا قال عبدالله بن عباس فذاك عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم
حدثني يونس بن عبدالأعلى قال حدثنا ابن وهب قال حدثني جرير بن حازم أنه سمع قتادة يقول بعث شعيب إلى أمتين إلى قومه أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة وكانت الأيكة من شجر ملتف فلما أراد الله عز و جل أن يعذبهم بعث عليهم حرا شديدا ورفع لهم العذاب كأنه سحابة فلما دنت منهم خرجوا إليها رجاء بردها فلما كانوا تحتها أمطرت عليهم نارا قال فذلك قوله تعالى فأخذهم عذاب يوم الظلة
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني أبو سفيان عن معمر بن راشد قال حدثني رجل من أصحابنا عن بعض العلماء قال كانوا يعني قوم شعيب عطلوا حدا فوسع الله عليهم في الرزق ثم عطلوا حدا فوسع الله عليهم في الرزق فجعلوا كلما عطلوا حدا وسع الله عليهم في الرزق حتى إذا أراد الله هلاكهم سلط عليهم حرا لا يستطيعون أن يتقاروا ولا ينفعهم ظل ولا ماء حتى ذهب ذاهب منهم فاستظل تحت ظلة فوجد روحا فنادى أصحابه هلموا إلى الروح فذهبوا إليه سراعا حتى إذا اجتمعوا ألهبها الله عليهم نارا فذلك عذاب يوم الظلة
حدثنا ابن بشار قال حدثنا عبدالرحمن قال حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن زيد بن معاوية في قوله تعالى فأخذهم عذاب يوم الظلة قال أصابهم حر قلقلهم في بيوتهم فنشأت سحابة كهيئة الظلة فابتدروها فلما ناموا تحتها أخذتهم الرجفة
حدثني محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى وحدثني الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله عذاب يوم الظلة قال ظلال العذاب
حدثني القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في قوله فأخذهم عذاب يوم الظلة قال أظل العذاب قوم شعيب قال ابن جريج لما أنزل الله تعالى عليهم
(1/198)
________________________________________
أول العذاب أخذهم منه حر شديد فرفع الله لهم غمامة فخرج إليها طائفة منهم ليستظلوا بها فأصابهم منها برد وروح وريح طيبة فصب الله عليهم من فوقهم من تلك الغمامة عذابا فذلك قوله عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم
حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم قال بعث الله عز و جل إليهم ظلة من سحاب وبعث الله إلى الشمس فأحرقت ما على وجه الأرض فخرجوا كلهم إلى تلك الظلة حتى إذا اجتمعوا كلهم كشف الله عنهم الظلة وأحمى عليهم الشمس فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا أبو تميلة عن ابي حمزة عن جابر عن عامر عن عباس قال من حدثك من العلماء ما عذاب يوم الظلمة فكذبه
حدثني محمود بن خداش حدثنا حماد بن خالد الخياط قال حدثنا داود بن قيس عن زيد بن أسلم في قوله عز و جل أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ( 1 ) قال كان مما ينهاهم عنه حذف الدراهم أو قال قطع الدراهم الشك من حماد
حدثنا سهل بن موسى الرازي قال حدثنا ابن أبي فديك عن أبي مودود قال سمعت محمد بن كعب القرظي يقول بلغني أن قوم شعيب عذبوا في قطع الدراهم ثم وجدت ذلك في القرآن أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا زيد بن حباب عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي قال عذب قوم شعيب في قطعهم الدراهم فقالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء
ونرجع الآن إلى

بنالعياط
28-09-2012, 08:41 PM
ذكر يعقوب وأولاده
ذكروا والله أعلم أن إسحاق بن إبراهيم عاش بعد ما ولد له العيص ويعقوب مائة سنة ثم توفي وله مائة وستون سنة فقبره ابناه العيص ويعقوب عند قبر أبيه إبراهيم في مزرعة حبرون وكان عمر يعقوب بن إسحاق كله مائة وسبعا وأربعين سنة وكان ابنه يوسف قد قسم له ولأمه من الحسن مالم يقسم لكثير من أحد من الناس
وقد حدثني عبدالله بن محمد وأحمد بن ثابت الرازيان قالا حدثنا عفان بن مسلم قال أخبرنا حماد بن سلمة قال أخبرنا ثابت البناني عن أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال أعطي يوسف وأمه شطر الحسن
وأن أمه راحيل لما ولدته دفعه زوجها يعقوب إلى أخته تحضنه فكان من شأنه وشأن عمته التي كانت تحضنه ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبدالله بن أبي نجيح عن مجاهد قال كان أول ما دخل على يوسف من البلاء فيما بلغني أن عمته ابنة إسحاق وكانت أكبر ولد إسحاق وكانت إليها صارت منطقة إسحاق وكانوا يتوارثونها بالكبر فكان من أختانها من وليها كان له سلما لا ينازع فيه يصنع فيه ما شاء وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد كان حضنته عمته فكان معها وإليها فلم يحب أحد شيئا من الأشياء حبها إياه حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات ووقعت نفس يعقوب عليه أتاها فقال يا أخية سلمي إلي يوسف فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة قالت والله ما أنا بتاركته قال فوالله ما أنا بتاركه قالت فدعه عندي أياما أنظر إليه وأسكن عنه لعل ذلك يسليني عنه أو كما قالت فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه ثم قالت لقد فقدت منطقة إسحاق فانظروا من أخذها ومن أصابها فالتمست ثم قالت كشفوا أهل البيت فكشفوهم فوجدوها مع يوسف فقالت والله إنه لي لسلم أصنع فيه ما شئت قال وأتاها يعقوب فأخبرته الخبر فقال لها أنت وذاك إن كان فعل ذلك فهو سلم لك ما أستطيع غير ذلك فأمسكته فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت قال فهو الذي قول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ( 1 )
قال أبو جعفر فلما رأت إخوة يوسف شدة حب والدهم يعقوب إياه في صباه وطفولته وقلة صبره عنه
(1/200)
________________________________________
حسدوه على مكانه منه وقال بعضهم لبعض ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة يعنون بالعصبة الجماعة وكانوا عشرة إن أبانا لفي ضلال مبين ( 1 )
ثم كان من أمره وأمر يعقوب ما قد قص الله تبارك وتعالى في كتابه من مسألتهم إياه إرساله إلى الصحراء معهم ليسعى وينشط ويلعب وضمانهم له حفظه وإعلام يعقوب إياهم حزنه بمغيبه عنه وخوفه عليه من الذئب وخداعهم والدهم بالكذب من القول والزور عن يوسف ثم إرساله معهم وخروجهم به وعزمهم حين برزوا به إلى الصحراء على إلقائه في غيابة الجب فكان من أمره حينئذ فيما ذكر ما حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد العنقزي عن أسباط عن السدي قال أرسله يعني يعقوب يوسف معهم فأخرجوه وبه عليهم كرامة فلما برزوا إلى البرية أظهروا له العداوة وجعل أخوه يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه فجعل لا يرى منهم رحيما فضربوه حتى كادوا يقتلونه فجعل يصيح ويقول يا أبتاه يا يعقوب لو تعلم ما يصنع بابنك بنو الإماء فلما كادوا يقتلونه قال يهوذا أليس قد أعطيتموني موثقا ألا تقتلوه فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه فجعلوا يدلونه في البئر فيتعلق بشفيرها فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال يا إخوتاه ردوا علي قميصي أتوارى به في الجب فقالوا ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا تؤنسك قال إني لم أر شيئا فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت فكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فيها فقام عليها فلما ألقوه في الجب جعل يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه فقام يهوذا فمنعهم وقال قد أعطيتموني موثقا ألا تقتلوه وكان يهوذا يأتيه بالطعام
ثم خبره تبارك وتعالى عن وحيه إلى يوسف عليه السلام وهو في الجب لينبئن إخوته الذين فعلوا به ما فعلوا بفعلهم ذلك وهم لا يشعرون بالوحي الذي أوحى إلى يوسف كذلك روي ذلك عن قتادة حدثنا محمد بن عبدالأعلى الصنعاني قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا قال أوحى إلى يوسف وهو في الجب أن ينبئهم بما صنعوا به وهم لا يشعرون ( 2 ) بذلك الوحي
حدثني المثنى قال حدثنا سويد قال أخبرنا ابن المبارك عن معمر عن قتادة بنحوه إلا أنه قال أن سينبئهم
وقيل معنى ذلك وهم لا يشعرون أنه يوسف وذلك قول يروى عن ابن عباس حدثني بذلك الحارث قال حدثنا عبدالعزيز قال حدثنا صدقة بن عبادة الأسدي عن أبيه قال سمعت ابن عباس يقول ذاك وهو قول ابن جريج
ثم خبره تعالى عن إخوة يوسف ومجيئهم إلى أبيه عشاء يبكون يذكرون له أن يوسف أكله الذئب وقول والدهم بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل ( 3 )
ثم خبره جل جلاله عن مجيء السيارة وإرسالهم واردهم وإخراج الوارد يوسف وإعلامه أصحابه به
(1/201)
________________________________________
بقوله يا بشرى هذا غلام ( 1 ) يبشرهم
حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال يا بشرى هذا غلام تباشروا به حين أخرجوه وهي بئر بأرض بيت المقدس معلوم مكانها
وقد قيل إنما نادى الذي أخرج يوسف من البئر صاحبا له يسمى بشرى فناداه باسمه الذي هو اسمه كذلك ذكر عن السدي حدثنا الحسن بن محمد حدثنا خلف بن هشام قال حدثنا يحيى بن آدم عن قيس بن الربيع عن السدي في قوله يا بشرى قال كان اسم صاحبه بشرى
حدثني المثنى قال حدثنا عبدالرحمن بن أبي حماد قال حدثنا الحكم بن ظهير عن السدي في قوله يا بشرى هذا غلام قال اسم الغلام بشرى كما تقول يا زيد
ثم خبره عز و جل عن السيارة وواردهم الذي استخرج يوسف من الجب إذ اشتروه من إخوته بثمن بخس دراهم معدودة ( 2 ) عل زهد فيه وإسرارهم إياه بضاعة خيفة ممن معهم من التجار مسألتهم الشركة فيه إن هم علموا أنهم اشتروه
كذلك قال في ذلك أهل التأويل
حدثني محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وأسروه بضاعة ( 2 ) قال صاحب الدلو ومن معه قالوا لأصحابهم إنا استبضعناه خيفة أن يستشركوهم فيه إن علموا بثمنه وتبعهم إخوته يقولون للمدلي وأصحابه استوثقوا منه لا يأبق حتى وقفوه بمصر فقال من يبتاعني ويبشر فاشتراه الملك والملك مسلم
حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا شبابة قال حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه غير أنه قال خيفة أن يستشركوهم إن علموا به واتبعهم إخوته يقولون للمدلي وأصحابه استوثقوا منه لا يأبق حتى وقفوه بمصر
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط عن السدي واسروه بضاعة قال لما اشتراه الرجلان فرقوا من الرفقة أن يقولوا اشتريناه فيسألونهم الشركة فيه فقالوا إن سألونا ما هذا قلنا بضاعة استبضعناه أهل الماء فذلك قوله وأسروه بضاعة
فكان بيعهم إياه ممن باعوه منه بثمن بخس وذلك الناقص القليل من الثمن الحرام
وقيل إنهم باعوه بعشرين درهما ثم اقتسموها وهم عشرة درهمين درهمين وأخذوا العشرين معدودة بغير وزن لأن الدراهم حينئذ فيما قيل إذا كانت أقل من أوقية وزنها أربعون درهما لم تكن توزن لأن أقل أوزانهم يومئذ كانت أوقية
وقد قيل إنهم باعوه بأربعين درهما وقيل باعوه باثنين وعشرين درهما
(1/202)
________________________________________
وذكر أن بائعه الذي باعه بمصر كان مالك بن دعر بن يوبب بن عفقان بن مديان بن إبراهيم الخليل عليه السلام حدثنا بذلك ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس
وأما الذي اشتراه بها وقال لامرأته أكرمي مثواه ( 1 ) فإن اسمه فيما ذكر عن ابن عباس قطفير حدثني محمد بن سعد قال حدثني أبي قال حدثني عمي قال حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قال كان اسم الذي اشتراه قطفير
وقيل إن اسمه أطفير بن روحيب وهو العزيز وكان على خزائن مصر والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق كذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق
فأما غيره فإنه قال كان يومئذ الملك بمصر وفرعونها الريان بن الوليد بن ثروان بن أراشة بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح
وقد قال بعضهم إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتبع يوسف على دينه ثم مات ويوسف بعد حي ثم ملك بعده قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن قاران بن عمر بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام وكان كافرا فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى أن يقبل
وذكر بعض أهل التوراة أن في التوراة أن الذي كان من أمر يوسف وإخوته والمصير به إلى مصر وهو ابن سبع عشرة سنة يومئذ وأنه أقام في منزل العزيز الذي اشتراه ثلاث عشرة سنة وأنه لما تمت له ثلاثون سنة استوزره فرعون مصر الوليد بن الريان وأنه مات يوم مات وهو ابن مائة سنة وعشر سنين وأوصى إلىأخيه يهوذا وأنه كان بين فراقه يعقوب واجتماعه معه بمصر اثنتان وعشرون سنة وأن مقام يعقوب معه بمصر بعد موافاته بأهله سبع عشرة سنة وأن يعقوب صلى الله عليه و سلم أوصى إلى يوسف عليه السلام
وكان دخول يعقوب مصر في سبعين إنسانا من أهله فلما اشترى أطفير يوسف وأتى به منزله قال لأهله واسمها فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق راعيل أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا فيكفينا إذا هو بلغ وفهم الأمور بعض ما نحن بسبيله من أمورنا أو نتخذه ولدا وذلك أنه كان فيما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق رجلا لا يأتي النساء وكانت امرأته راعيل حسناء ناعمة في ملك ودنيا فلما خلا من عمر يوسف عليه السلام ثلاث وثلاثون سنة أعطاه الله عز و جل الحكم والعلم
حدثني المثنى قال حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد آتيناه حكما وعلما ( 2 ) قال العقل والعلم قبل النبوة
وراودته حين بلغ من السن أشده التي هو في بيتها عن نفسه وهي راعيل امرأة العزيز أطفير وغلقت الأبواب ( 3 ) عليه وعليها للذي أرادت منه وجعلت فيما ذكر تذكر ليوسف محاسنه
(1/203)
________________________________________
تشوقه بذلك إلى نفسها
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد عن أسباط عن السدي ولقد همت به وهم بها ( 1 ) قال قالت له يا يوسف ما أحسن شعرك قال هو أول ما ينتثر من جسدي قالت يا يوسف ما أحسن عينيك قال هي أول ما يسيل إلى الأرض من جسدي قالت يا يوسف ما أحس وجهك قال هو للتراب يأكله فلم تزل حتى أطمعته فهمت به وهم بها فدخلا البيت وغلقت الأبواب وذهب ليحل سراويله فإذا هو بصورة يعقوب قائما في البيت قد عض على إصبعه يقول يا يوسف لا تواقعها فإنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق ومثلك إن واقعتها مثله إذا مات وقع في الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ومثلك ما لم تواقعها مثل الثور الصعب الذي لا يعمل عليه ومثلك إن واقعتها مثل الثور حين يموت فيدخل النمل في أصل قرنيه لا يستطيع أن يدفع عن نفسه فربط سراويله وذهب ليخرج يشتد فأدركته فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه فخرقته حتى أخرجته منه وسقط وطرحه يوسف واشتد نحو الباب
وقد حدثنا أبو كريب وابن وكيع وسهل بن موسى قالوا حدثنا ابن عيينة عن عثمان بن أبي سليمان عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس سئل عن هم يوسف ما بلغ قال حل الهميان وجلس منها مجلس الحائز
حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج قال أخبرنا عبدالله بن أبي مليكة قال قلت لابن عباس ما بلغ من هم يوسف قال استلقت له وجلس بين رجليها ينزع ثيابه فصرف الله تعالى عنه ما كان هم به من السوء بما رأى من البرهان الذي أراه الله فذلك فيما قال بعضهم صورة يعقوب عاضا على إصبعه
وقال بعضهم بل نودي من جانب البيت أتزني فتكون كالطير وقع ريشه فذهب يطير ولا ريش له وقال بعضهم رأى في الحائط مكتوبا ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ( 2 ) فقام حين رأى برهان ربه هاربا يريد باب البيت فرارا مما أرادته واتبعته راعيل فأدركته قبل خروجه من الباب فجذبته بقميصه من قبل ظهره فقدت قميصه وألفى يوسف وراعيل سيدها وهو زوجها أطفير جالسا عند الباب مع ابن عم لراعيل
كذلك حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد عن أسباط عن السدي وألفيا سيدها لدى الباب ( 3 ) قال كان جالسا عند الباب وابن عمها معه فلما رأته قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم ( 4 ) إنه راودني عن نفسي فدفعته عن نفسي فأبيت فشققت قميصه قال يوسف بل هي راودتني عن نفسي فأبيت وفررت منها فأدركتني فشقت قميصي فقال ابن عمها تبيان هذا
(1/204)
________________________________________
في القميص فإن كان القميص قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين ( 1 ) وإن كان القميص قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين ( 1 ) فأتي بالقميص فوجده قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين ( 2 )
حدثني محمد بن عمارة قال حدثنا عبيدالله بن موسى قال أخبرنا شيبان عن أبي إسحاق عن نوف الشامي قال ما كان يوسف يريد أن يذكره حتى قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم قال فغضب وقال هي راودتني عن نفسي
وقد اختلف في الشاهد الذي شهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين فقال بعضهم ما ذكرت عن السدي
وقال بعضهم كان صبيا في المهد وقد روي في ذلك عن رسول الله ما حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا عفان بن مسلم قال حدثنا حماد قال أخبرنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال تكلم أربعة وهم صغار فذكر فيهم شاهد يوسف
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا العلاء بن عبدالجبار عن حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال تكلم أربعة وهم صغار ابن ماشطة ابنة فرعون وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسىبن مريم
وقد قيل إن الشاهد كان هو القميص وقده من دبره
ذكر بعض من قال ذلك
حدثني محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله عز و جل وشهد شاهد من أهلها قال قميصه مشقوق من دبره فتلك الشهادة فلما رأى زوج المرأة قميص يوسف قد من دبر قال لراعيل زوجته إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ثم قال ليوسف أعرض عن ذكر ما كان منها من مراودتها إياك عن نفسها فلا تذكره لأحد ثم قال لزوجته استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين
وتحدث النساء بأمر يوسف وأمر امرأة العزيز بمصر ومراودتها إياه على نفسها فلم ينكتم وقلن امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا ( 3 ) قد وصل حب يوسف إلى شغاف قلبها فدخل تحته حتى غلب على قلبها وشغاف القلب غلافه وحجابه
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد عن أسباط عن السدي قد شغفها حبا قال والشغاف جلدة على القلب يقال لها لسان القلب يقول دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب فلما سمعت امرأة العزيز بمكرهن وتحدثهن بينهن بشأنها وشأن يوسف وبلغها ذلك أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ يتكئن
(1/205)
________________________________________
عليه إذا حضرنها من وسائد وحضرنها فقدمت إليهن طعاما وشرابا وأترجا وأعطت كل واحدة منهن سكينا تقطع به الأترج
حدثني سليمان بن عبدالجبار قال حدثنا محمد بن الصلت قال حدثنا أبو كدينة عن حصين عن مجاهد عن ابن عباس وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا قال أعطتهن أترجا وأعطت كل واحدة منهن سكينا
فلما فعلت امرأة العزيز ذلك بهن وقد أجلست يوسف في بيت ومجلس غير المجلس الذي هن فيه جلوس قالت ليوسف أخرج عليهن فخرج يوسف عليهن فلما رأيته أجللنه وأكبرنه وأعظمنه وقطعن أيديهن بالسكاكين التي في أيديهن وهن يحسبن أنهن يقطعن بها الأترج وقلن معاذ الله ما هذا إنس إن هذا إلا ملك كريم ( 1 ) فلما حل بهن ما حل من قطع أيديهن من أجل نظرة نظرنها إلى يوسف وذهاب عقولهن وعرفتهن خطأ قيلهن امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه وإنكارهن ما أنكرن من أمرها أقرت عند ذلك لهن بما كان من مراودتها إياه على نفسها فقالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم بعد ما حل سراويله
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمروبن محمد عن أسباط عن السدي قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم تقول بعد ما حل السراويل استعصم لا أدري ما بدا له ثم قالت لهن ولئن لم يفعل ما آمره من إتيانها ليسجنن وليكونن من الصاغرين فاختار السجن على الزنا ومعصية ربه فقال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ( 2 )
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد عن أسباط عن السدي قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه من الزنا واستغاث بربه عز و جل فقال وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ( 3 ) فأخبر الله عز و جل أنه استجاب له دعاءه فصرف عنه كيدهن ونجاه من ركوب الفاحشة ثم بدا للعزيز من بعد ما رأى من الآيات ما رأى من قد القميص من الدبر وخمش في الوجه وقطع النسوة أيديهن وعلمه ببراءة يوسف مما قرف به من ترك يوسف مطلقا
وقد قيل إن السبب الذي من أجله بدا له في ذلك ما حدثنا ابن ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد عن أسباط عن السدي ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ( 4 ) قال قالت المرأة لزوجها إن هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس يعتذر إليهم ويخبرهم أني راودته عن نفسه ولست أطيق أن أعتذر بعذري فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر وإما أن تحبسه كما حبستني فذلك قول الله عز و جل ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين فذكر أنهم حبسوه سبع سنين
ذكر من قال ذلك
(1/206)
________________________________________
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا المحاربي عن داود عن عكرمة ليسجننه حتى حين قال سبع سنين فلما حبس يوسف في السجن صاحبه العزيز أدخل معه السجن الذي حبس فيه فتيان من فتيان الملك صاحب مصر الأكبر وهوالوليد بن الريان أحدهما كان صاحب طعامه والآخر كان صاحب شرابه
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال حبسه الملك وغضب على خبازه بلغه أنه يريد أن يسمه فحبسه وحبس صاحب شرابه ظن أنه مالأه على ذلك فحبسهما جميعا فذلك قول الله عز و جل ودخل معه السجن فتيان ( 1 )
فلما دخل يوسف قال فيما حدثني به ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال لما دخل يوسف السجن قال إني أعبر الأحلام فقال أحد الفتيين لصاحبه هلم فلنجرب هذا العبد العبراني فتراءيا له فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا فقال الخباز إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه وقال الآخر إني أراني أعصر خمرا نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ( 1 )
فقيل كان إحسانه ما حدثنا به إسحاق بن أبي إسرائيل قال حدثنا خلف بن خليفة عن سلمة بن نبيط عن الضحاك قال سأل رجل الضحاك عن قوله إنا نراك من المحسنين ما كان إحسانه قال كان إذا مرض إنسان في السجن قام عليه وإذا احتاج جمع له وإذا ضاق عليه المكان وسع له فقال لهما يوسف لا يأتيكما طعام ترزقانه في يومكما هذا إلا نبأتكما بتأويله ( 2 ) في اليقظة فكره صلى الله عليه و سلم أن يعبر لهما ما سألاه عنه وأخذ في غير الذي سألا عنه لما في عبارة ما سألا عنه من المكروه على أحدهما فقال يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ( 3 )
وكان اسم أحد الفتيين اللذين أدخلا السجن محلب وهو الذي ذكر أنه رأى فوق رأسه خبزا واسم الآخر نبو وهو ذكر أنه رأى كأنه يعصر خمرا فلم يدعاه والعدول عن الجواب عما سألاه عنه حتى أخبرهما بتأويل ما سألاه عنه فقال أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وهو الذي ذكر أنه رأى كأنه يعصر خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه ( 4 ) فلما عبر لهما ما سألاه تعبيره قالا ما رأينا شيئا
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا ابن فضيل عن عمارة يعني ابن القعقاع عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله في الفتيين اللذين أتيا يوسف في الرؤيا إنما كانا تحالما ليختبراه فلما أول رؤياهما قالا إنما كنا نلعب فقال قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ( 5 ) ثم قال لنبو وهو الذي ظن يوسف أنه ناج منهما اذكرني عند ربك يعني عند الملك وأخبره أني محبوس ظلما فأنساه الشيطان ذكر ربه ( 6 ) غفلة عرضت ليوسف من قبل الشيطان
فحدثني الحارث قال حدثنا عبدالعزيز قال حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي عن بسطام بن مسلم عن مالك بن دينار قال قال يوسف للساقي اذكرني عند ربك قال قيل يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا لأطيلن حبسك قال فبكى يوسف وقال يا رب أنسى قلبي كثرة البلوى فقلت
(1/207)
________________________________________
كلمة فويل لإخوتي
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد عن إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال قال النبي صلى الله عليه و سلم لو لم يقل يوسف يعني الكلمة التي قال ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغي الفرج من عند غير الله عز و جل
فلبث في السجن فيما حدثني الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا عمران أبو الهذيل الصنعاني قال سمعت وهبا يقول أصاب أيوب البلاء سبع سنين وترك يوسف في السجن سبع سنين وعذب بختنصر فحول في السباع سبع سنين
ثم إن ملك مصر رآى رؤيا هالته
فحدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد عن أسباط عن السدي قال إن الله عز و جل أرى الملك في منامه رؤيا هالته فرأى { سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات } ( 1 ) فجمع السحرة والكهنة والحازة والقافة فقصها عليهم فقالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين وقال الذي نجا منهما } من الفتيين وهو نبو { وادكر } حاجة يوسف { بعد أمة } يعني بعد نسيان { أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون } ( 2 ) يقول فأطلقون فأرسلوه فأتى يوسف فقال { أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات } ( 2 ) فإن الملك رأى ذلك في نومه
فحدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال قال ابن عباس لم يكن السجن في المدينة فانطلق الساقي إلى يوسف فقال { أفتنا في سبع بقرات سمان } الآيات
فحدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة { أفتنا في سبع بقرات سمان } فالسمان المخاصيب والبقرات العجاف هن السنون المحول الجدوب قوله { وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات } أما الخضر فهن السنون المخاصيب وأما اليابسات فهن الجدوب المحول
فلما أخبر يوسف نبو بتأويل ذلك أتى نبو الملك فأخبره بما قال له يوسف فعلم الملك أن الذي قال يوسف من ذلك حق قال ائتوني به
فحدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال لما أتى الملك رسوله فأخبره قال ائتوني به فلما أتاه الرسول ودعاه إلى الملك أبى يوسف الخروج معه وقال { ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم } ( 3 )
قال السدي قال ابن عباس لو خرج يوسف يومئذ قبل أن يعلم الملك بشأنه ما زالت في نفس العزيز منه حاجة يقول هذا الذي راود امرأتي فلما رجع الرسول إلى الملك من عند يوسف جمع الملك أولئك
(1/208)
________________________________________
النسوة فقال لهن ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن فيما حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال لما قال الملك لهن { ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء } ولكن امرأة العزيز أخبرتنا أنها روادته عن نفسه ودخل معها البيت فقالت امرأة العزيز { الآن حصحص الحق راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين } ( 1 ) فال يوسف ذلك هذا الفعل الذي فعلت من ترديدي رسول الملك بالرسالات التي أرسلت في شأن النسوة ليعلم أطفير سيدي { إني لم أخنه بالغيب } في زوجته راعيل { وأن الله لا يهدي كيد الخائنين } ( 2 )
فلما قال ذلك يوسف قال له جبرئيل ما حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع عن إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال لما جمع الملك النسوة فسألهن هل راودتن يوسف عن نفسه { قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين } قال يوسف { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين قال فقال له جبرئيل ولا يوم هممت بها فقال { وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء } ( 3 )
فلما تبين للملك عذر يوسف وأمانته قال { ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما } أتي به { كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين } ( 3 ) فقال يوسف للملك { اجعلني على خزائن الأرض }
فحدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله { اجعلني على خزائن الأرض } قال كان لفرعون خزائن كثيرة غير الطعام فسلم سلطانه كله إليه وجعل القضاء إليه أمره وقضاؤه نافذ
حدثنا ابن حميد قال حدثنا إبراهيم بن المختار عن شيبة الضبي في قوله { اجعلني على خزائن الأرض } قال على حفظ الطعام { إني حفيظ عليم } ( 3 ) يقول إني حفيظ لما استودعتني عليم بسني المجاعة فولاه الملك ذلك
وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال لما قال يوسف للملك { اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم } قال الملك قد فعلت فولاه فيما يذكرون عمل إطفير وعزل إطفير عما كان عليه يقول الله تبارك وتعالى وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ( 3 )
قال فذكر لي والله أعلم إن إطفير هلك في تلك الليالي وأن الملك الريان بن الوليد زوج يوسف امرأة إطفير راعيل وأنها حين دخلت عليه قال أليس هذا خيرا مما كنت تريدين قال فيزعمون أنها قالت أيها الصديق لا تلمني فإني كنت امرأة كما ترى حسناء جميلة ناعمة في ملك ودنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك فغلبتني نفسي على ما رأيت فيزعمون أنه وجدها عذراء وأصابها فولدت له رجلين أفراييم ومنشا بن يوسف
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض
(1/209)
________________________________________
يتبوأ منها حيث يشاء } ( 1 ) قال استعمله الملك على مصر وكان صاحب أمرها وكان يلي البيع والتجارة وأمرها كله فذلك قوله { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء }
فلما ولي يوسف للملك خزائن أرضه واستقر به القرار في عمله ومضت السنون السبع المخصبة التي كان يوسف أمر بترك ما في سنبل ما حصدوا من الزرع فيها فيه ودخلت السنون المجدبة وقحط الناس أجدبت بلاد فلسطين فيما أجدب من البلاد ولحق مكروه ذلك آل يعقوب في موضعهم الذي كانوا يه فوجه يعقوب بنيه
فحدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال أصاب الناس الجوع حتى أصاب بلاد يعقوب التي هو بها فبعث بنيه إلى مصر وأمسك أخا يوسف بنيامين فلما دخلوا على يوسف عرفهم وهم له منكرون فلما نظر إليهم قال أخبروني ما أمركم فإني أنكر شأنكم قالوا نحن قوم من أرض الشام قال فما جاء بكم قالوا جئنا نمتار طعاما قال كذبتم أنتم عيون كم أنتم قالوا عشرة قال أنتم عشرة آلاف كل رجل منكم أمير ألف فأخبروني خبركم قالوا إنا إخوة بنو رجل صديق وإنا كنا اثني عشر وكان أبونا يحب أخا لنا وإنه ذهب معنا إلى البرية فهلك فيها وكان أحبنا إلى أبينا قال فإلى من سكن أبوكم بعده قالوا إلى أخ لنا أصغر منه قال فكيف تخبرونني أن أباكم صديق وهو يحب الصغير منكم دون الكبير ائتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه { فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون } ( 2 )
قال فضعوا بعضكم رهينة حتى ترجعوا فوضعوا شمعون
وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال كان يوسف حين رأى ما أصاب الناس من الجهد قد آسى بينهم فكان لا يحمل للرجل إلا بعيرا واحدا ولا يحمل الواحد بعيرين تقسيطا بين الناس وتوسعا عليهم فقدم عليه إخوته فيمن قدم عليه من الناس يلتمسون الميرة من مصر فعرفهم وهم له منكرون لما أراد الله تعالى أن يبلغ بيوسف فيما أراد ثم أمر يوسف بأن يوقر لك رجل من إخوته بعيره فقال لهم ائتوني بأخيكم من أبيكم لأحمل لكم بعيرا آخر فتزدادوا به حمل بعير { ألا ترون أني أوف الكيل } فلا أبخسه أحدا { وأنا خير المنزلين } ( 3 ) وأنا خير من أنزل ضيفا على نفسه من الناس بهذه البلدة فأنا أضيفكم { فإن لم تأتوني } ( 3 ) بأخيكم من أبيكم فلا طعام لكم عندي أكيله ولا تقربوا بلادي وقال لفتيانه الذين يكيلون الطعام لهم { اجعلوا بضاعتهم } وهي ثمن الطعام الذي اشتروه به { في رحالهم }
حدثنا بشر قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة { اجعلوا بضاعتهم في رحالهم } ( 4 ) أي ورقهم فجعلوا ذلك في رحالهم وهم لا يعلمون
فلما رجع بنو يعقوب إلى أبيهم قالوا ما حدثنا به ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن
(1/210)
________________________________________
السدي فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا إن ملك مصر أكرمنا كرامة لو كان رجلا من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته وإنه ارتهن شمعون وقال ائتوني بأخيكم هذا الذي عطف عليه أبوكم بعد أخيكم الذي هلك فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربوا بلادي أبدا قال يعقوب { هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين } ( 1 ) قال فقال لهم يعقوب إذا أتيتم ملك مصر فأقوأوه مني السلام وقولوا له إن أبانا يصلي عليك ويدعو لك بما أوليتنا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال خرجوا حتى إذا قدموا على أبيهم وكان منزلهم فيما ذكر لي بعض أهل العلم بالعربات من أرض فلسطين بغور الشام وبعضهم يقول بالأولاج من ناحية الشعب أسف من حسمي فلسطين وكان صاحب بادية له إبل وشاء فلما رجع إخوة يوسف إلى والدهم يعقوب قالوا له يا أبانا منع منا الكيل فوق حمل أباعرنا ولم يكل لكل واحد منه إلا كيل بعير فأرسل معنا أخانا بنيامين يكتل لنفسه وإنا له لحافظون فقال لهم يعقوب { هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين }
ولما فتح ولد يعقوب الذين كانوا خرجوا إلى مصر للميرة متاعهم الذي قدموا به من مصر وجدوا ثمن طعامهم الذي اشتروه به رد إليهم فقالوا لوالدهم { يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير } ( 2 ) آخر على أحمال إبلنا
وقد حدثني الحارث قال حدثنا القاسم قال حدثنا حجاج عن ابن جريج { ونزداد كيل بعير } قال كان لكل رجل منهم حمل بعير فقالوا أرسل معنا أخانا نزدد حمل بعير قال ابن جريج قال مجاهد كيل بعير حمل حمار قال وهي لغة قال الحارث قال القاسم يعني مجاهد أن الحمار يقال له في بعض اللغات بعير
فقال يعقوب { لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم } يقول إلا أن تهلكوا جمعا فيكون حينئذ ذلك لكم عذرا عندي فلما وثقوا له بالأيمان قال يعقوب { الله على ما نقول وكيل } ( 3 )
ثم أوصاهم بعد ما إذن لأخيهم من أبيهم بالرحيل معهم ألا تدخلوا من باب واحد من أبواب المدينة خوفا عليهم من العين وكانوا ذوي صورة حسنة وجمال وهيئة وأمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة كما حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة { وادخلوا من أبواب متفرقة } ( 3 ) قال كانوا قد أوتوا صورة وجمالا فخشي عليهم أنفس الناس فقال الله تبارك وتعالى { ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها } وكانت الخاجة التي في نفس يعقوب فقضاها ما تخوف على أولاده أعين الناس لهيئتهم وجمالهم
ولما دخل إخوة يوسف على يوسف ضم إليه أخاه لأبيه وأمه فحدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي { ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه } ( 3 ) قال عرف أخاه وأنزلهم منزلا
(1/211)
________________________________________
وأجرى عليهم الطعام والشراب فلما كان الليل جاءهم بمثل فقال لينم كل أخوين منكم على مثال فلما بقي الغلام وحده قال يوسف هذا ينام معي على فراشي فبات معه فجعل يوسف يشم ريحه ويضمه إليه حتى أصبح وجعل روبيل يقول ما رأينا مثل هذا إن نجونا منه
وأما ابن إسحاق فإنه قال ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال لما دخلوا يعني ولد يعقوب على يوسف قالوا هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به قد جئناك به فذكر لي أنه قال لهم قد أحسنتم وأصبتم وستجدون جزاء ذلك عندي أو كما قال
ثم قال إني أراكم رجالا وقد أردت أن أكرمكم فدعا صاحب ضيافته فقال أنزل كل رجلين على حدة ثم أكرمهما وأحسن ضيافتهما ثم قال إني أرى هذا الرجل الذي جئتم به ليس معه ثان فسأضمه إلي فيكون منزله معي فأنزلهم رجلين رجلين في منازل شتى وأنزل أخاه معه فآواه إليه فلما خلا به قال إني أنا أخوك أنا يوسف فلا تبتئس بشيء فعلوه بنا فيما مضى فإن الله قد أحسن إلينا فلا تعلمهم مما أعلمتك يقول الله عز و جل { ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون } ( 1 ) يقول له { فلا تبتئس } فلا تحزن
فلما حمل يوسف إبل إخوته ما حملها من الميرة وقضى حاجتهم ووفاهم كيلهم جعل الإناء الذي كان يكيل به الطعام وهو الصواع في رحل أخيه بنيامين
حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا عفان قال حدثنا عبدالواحد عن يونس عن الحسن أنه كان يقول الصواع والسقاية سواء هما الإناء الذي يشرب فيه وجعل ذلك في رحل أخيه والأخ لا يشعر فيما ذكر
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن ال سدي { فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه } والأخ لا يشعر فلما ارتحلوا أذن مؤذن قبل أن ترتحل العير { إنكم لسارقون } ( 2 )
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال حمل لهم بعيرا بعيرا وحمل لإخيه بنيامين بعيرا باسمه كما حمل لهم ثم أمر بسقاية الملك وهو الصواع وزعموا أنها كانت من فضة فجعلت في رحل أخيه بنيامين ثم أمهلهم حتى إذا انطلقوا فأمعنوا من القرية أمر بهم فأدركوا واحتبسوا ثم نادى مناد أيتها العير إنكم لسارقون قفوا وانتهى إليهم رسوله فقال لهم فيما يذكرون ألم نكرم ضيافتكم ونوفكم كيلكم ونحسن منزلكم ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم كذلك وأدخلناكم علينا في بيوتنا وصار لنا عليكم حرمة أو كما قال لهم قالوا بلى وما ذاك قال سقاية الملك فقدناها ولا يتهموا عليها غيركم قالوا { تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين } ( 1 ) وكان مجاهد يقول كانت العير حميرا
(1/212)
________________________________________
حدثني بذلك الحارث قال حدثنا عبدالعزيز قال حدثنا سفيان قال أخبرني رجل عن مجاهد وكان فيما نادى به منادي يوسف من جاء بصواع الملك فله حمل بعير من الطعام وأنا بإيفائه ذلك زعيم يعني كفيل وإنما قال القوم { لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين } لإنهم ردوا ثمن الطعام الذي كان كيل لهم المرة الأولى في رحالهم فردوه إلى يوسف فقالوا لو كنا سارقين لم نردد ذلك إليكم وقيل إنهم كانوا معروفين بأنهم لا يتناولون ما ليس لهم فلذلك قالوا ذلك فقيل لهم فما جزاء من كان سرق ذلك فقالوا جزاؤه في حكمنا بأن يسلم لفعله ذلك إلى من سرقه حتى يسترقه
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال { قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه } ( 1 ) تأخذونه فهو لكم فبدأ يوسف بأوعية القوم قبل وعاء أخيه بنيامين ففتشها ثم استخرجها من وعاء أخيه لأنه أخر تفتيشه
حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أنه كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثما مما قرفهم به حتى بقي أخوه وكان أصغر القوم قال ما أرى هذا أخذ شيئا قالوا بلى بلى فاستبرئه ألا وقد علموا حيث وضعوا سقايتهم { ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } ( 2 ) يعني في حكم الملك ملك مصر وقضائه لأنه لم يكن من حكم ذلك والملك وقضائه أن يسترق السارق بما سرق ولكنه أخذه بكيد الله له حتى أسلمه رفقاؤه وإخوته بحكمهم عليه وطيب أنفسهم بالتسليم
حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا شبابة قال حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله { ماكان ليأخذ أخاه في دين الملك } إلا بعلة كادها الله له فاعتل بها يوسف فقال إخون يوسف حيئذ { إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } ( 3 ) يعنون بذلك يوسف
وقد قيل إن يوسف كان سرق صنما لجده إبي أمه فكسره فعيروه بذلك
ذكر من قال ذلك
حدثني أحمد بن عمرو البصري قال حدثنا الفيض بن الفضل قال حدثنا مسعر عن أبي حصين عن سعيد بن جبير { إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } قال سرق يوسف صنما لجده أبي أمه فكسره وألقاه في الطريق فكان إخوته يعيبونه بذلك
وقد حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن إدريس قال سمعت أبي قال كان بنو يعقوب على طعام إذ نظر يوسف إلى عرق فخبأه فعيروه بذلك { إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } فأسر في نفسه يوسف حين سمع ذلك منهم فقال { أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون } ( 4 ) به أخا بنيامين من الكذب ولم يبد
(1/213)
________________________________________
ذلك لهم قولا
فحدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال لما استخرجت السرقة من رحل الغلام انقطعت ظهورهم وقالوا يا بني راحيل ما يزال لنا منكم بلاء متى أخذت هذا الصواع فقال بنيامين بل بنو راحيل الذين لا يزال لهم منكم بلاء ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرية وضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم فقالوا لا تذكر الدراهم فتؤخذ بها فلما دخلوا على يوسف دعا بالصواع فنقر فيه ثم أدناه من أذنه ثم قال إن صواعي هذا ليخبرني أنكم كنتم اثني عشر رجلا وأنكم انطلقتم بأخ لكم فبعتموه فلما سمعها بنيامين قام فسجد ليوسف ثم قال أيها الملك سل صواعك هذا عن أخي أين هو فنقره ثم قال هو حي وسوف تراه قال فاصنع بي ما شئت فإنه إن علم بي فسوف يستنقذني قال فدخل يوسف فبكى ثم توضأ ثم خرج فقال بنيامين أيها الملك الملك إني أريد أن تضرب صواعك هذا فيخبرك بالحق من الذي سرقه فجعله في رحلي فنقره فقال إن صواعي هذا غضبان وهو يقول كيف تسألني من صاحبي فقد رأيت مع من كنت قالوا وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا فغضب روبيل وقال أيها الملك والله لتتركنا أو لأصيحن صيحة لا تبقي بمصر حامل إلا ألقت ما في بطنها وقامت كل شعرة في جسد روبيل فخرجت من ثيابه فقال يوسف لابنه قم إلى جنب روبيل فمسه وكان بنو يعقوب إذا غضب أحدهم فمسه الآخر ذهب غضبه فقال روبيل من هذا إن في هذا البلد لبزرا من بزر يعقوب فقال يوسف من يعقوب فغضب روبيل وقال أيها الملك لا تذكر يعقوب فإنه إسرائيل الله بن ذبيح الله بن خليل الله قال يوسف أنت إذن كنت صادقا
قال ولما احتبس يوسف أخاه بنيامين فصار بحكم إخوته أولى به منهم ورأوا أنه لا سبيل لهم إلى تخليصه صاروا إلى مسألته تخليته ببذل منهم يعطونه إياه فقالوا يأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين في أفعالك فقال لهم يوسف معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون ( 1 ) أن نأخذ بريئا بسقيم
فلما يئس إخوة يوسف من إجابة يوسف إياهم إلى ما سألوا من إطلاق أخيه بنيامين وأخذ بعضهم مكانه خلصوا نجيا لا يفترق منهم أحد ولا يختلط بهم غيرهم فقال كبيرهم وهو روبيل وقد قيل إنه شمعون ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله أن نأتيه بأخينا بنيامين إلا أن يحاط بنا أجمعين ومن قبل هذه المرة ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض التي أنا بها حتى يأذن لي أبي في الخروج منها وترك أخي بنيامين بها أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين ( 2 ) وقد قيل معنى ذلك أو يحكم الله لي بحرب من منعني من الانصراف بأخي ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق فأسلمناه بجريرته وما شهدنا إلا بما علمنا لأن صواع الملك لم يوجد إلا في رحله وما كنا للغيب حافظين ( 2 ) يعنون بذلك أنا إنما ضمنا لك أن نحفظه مما لنا إلى حفظه سبيل ولم نكن نعلم أنه يسرق فيسترق بسرقته واسأل أهل القرية التي كنا فيها فسرق ابنك فيها والقافلة التي كنا فيها مقبلة من مصر معنا
(1/214)
________________________________________
عن خبر ابنك فإنك تخبر بحقيقة ذلك
فلما رجعوا إلى أبيهم فأخبروه خبر بنيامين وتخلف روبيل قال لهم بل سولت لكم أنفسكم أمرا أردتموه فصبر جميل لا جزع فيه على ما نالني من فقد ولدي عسى الله أن يأتيني بهم جميعا بيوسف وأخيه وروبيل
ثم أعرض عنهم يعقوب وقال يا أسفا على يوسف يقول الله عز و جل وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ( 1 ) مملوء من الحزن والغيظ فقال له بنوه الذين انصرفوا إليه من مصر حين سمعوا قوله ذلك تالله لا تزال تذكر يوسف فلا تفتر من حبه وذكره حتى تكون دنف الجسم مخبول العقل من حبه وذكره هرما باليا أو تموت
فأجابهم يعقوب فقال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله لا إليكم وأعلم من الله مالا تعلمون من صدق رؤيا يوسف أن تأويلها كائن وأني وأنتم سنسجد له
وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا حكام عن عيسى بن يزيد عن الحسن قال قيل ما بلغ وجد يعقوب على ابنه قال وجد سبعين ثكلى قال فما كان له من الأجر قال أجر مائة شهيد قال وما ساء ظنه بالله ساعة قط من ليل ولا نهار
وحدثنا ابن حميد مرة أخرى قال حدثنا حكام عن أبي معاذ عن يونس عن الحسن عن النبي صلى الله عليه و سلم مثله
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن المبارك بن مجاهد عن رجل من الأزد عن طلحة بن مصرف اليامي قال أنبئت أن يعقوب بن إسحاق دخل عليه جار له فقال يا يعقوب مالي أراك قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك قال هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من هم يوسف وذكره فأوحى الله عز و جل إليه يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي قال يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي قال فإني قد غفرت لك فكان بعد ذلك إذا سئل قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله مالا تعلمون
حدثنا عمرو بن عبدالحميد الآملي قال حدثنا أبو أسامة عن هشام عن الحسن قال كان منذ خرج يوسف من عند يعقوب إلى أن رجع ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه ولم يزل يبكي حتى ذهب بصره قال الحسن والله ما على الأرض خليقة أكرم على الله من يعقوب
ثم أمر يعقوب بنيه الذين قدموا عليه من مصر بالرجوع إليها وتحسس الخبر عن يوسف وأخيه فقال لهم اذهبو فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا يتئسوا من روح الله يفرج به عنا وعنكم الغم الذي نحن فيه فرجعوا إلى مصر فدخلوا على يوسف فقالوا له حين دخلوا عليه أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين ( 2 ) وكانت بضاعتهم المزجاة التي جاؤوا بها معهم فيما ذكر دراهم ردية زيوفا لا تؤخذ إلا بوضيعة وكان بعضهم يقول كانت حلق الغرارة والحبل ونحو
(1/215)
________________________________________
ذلك وقال بعضهم كانت سمنا وصوفا وقال بعضهم كانت صنوبرا وحبة الخضراء وقال بعضهم كانت قليلة دون ما كانوا يشترون به قبل فسألوا يوسف أن يتجاوز لهم ويوفيهم بذلك من كيل الطعام مثل الذي كان يعطيهم في المرتين قبل ذلك ولا ينقصهم فقالوا له فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي وتصدق علينا قال بفضل ما بين الجياد والردية وقد قيل إن معنى ذلك وتصدق علينا برد أخينا إلينا إن الله يجزي المتصدقين
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ذكر أنهم لما كلموه بهذا الكلام غلبته نفسه فارفض دمعه باكيا ثم باح لهم بالذي كان يكتم منهم فقال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ( 1 ) ولم يعن بذكر أخيه ما صنعه هو فيه حين أخذه ولكن التفريق بينه وبين أخيه إذ صنعوا بيوسف ما صنعوا فلما قال لهم يوسف ذلك قالوا له ها أنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا بأن جمع بيننا بعد تفريقكم بيننا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ( 1 )
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال لما قال لهم يوسف أنا يوسف وهذا أخي اعتذروا وقالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين ( 2 ) قال لهم يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ( 2 ) فلما عرفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيه
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال قال يوسف ما فعل أبي بعدي قالوا لما فاته بنيامين عمي من الحزن فقال اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين ولما فصلت العير عير بني يعقوب قال يعقوب إني لأجد ريح يوسف ( 3 )
فحدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال حدثني ابن شريح عن أبي أيوب الهوزني حدثه قال استأذنت الريح بأن تأتي يعقوب بريح يوسف حين بعث بالقميص إلى أبيه قبل أن يأتيه البشير ففعلت فقال يعقوب إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون ( 3 )
حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع عن إسرائيل عن ابن سنان عن ابن أبي الهذيل عن ابن عباس في ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف قال هاجت ريح فجاءت بريح يوسف من مسيرة ثمان ليال فقال إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون
حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن قا ذكر لنا أنه كان بينهما يومئذ ثمانون فرسخا يوسف بأرض مصر ويعقوب بأرض كنعان وقد أتى لذلك زمان طويل
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا حجاج عن ابن جريج قوله إني لأجد ريح
(1/216)
________________________________________
يوسف قال بلغنا أنه كان بينهم يومئذ ثمانون فرسخا وقال إني لأجد ريح يوسف وقد كان فارقه قبل ذلك سبعا وسبعين سنة ويعني بقوله لولا أن تفندون لولا أن تسفهوني فتنسبوني إلى الهرم وذهاب العقل فقال له من حضره من ولده حينئذ تالله إنك من ذكر يوسف وحبه لفي ضلالك القديم ( 1 ) يعنون في خطئك القديم فلما أن جاء البشير ( 1 ) يعني البريد الذي أبرده يوسف إلى يعقوب يبشر بحياة يوسف وخبره وذكر أن البشير كان يهوذا بن يعقوب
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال قال يوسف اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين ( 2 ) قال يهوذا أنا ذهبت بالقميص ملطخا بالدم إلى يعقوب فأخبرته أن يوسف أكله الذئب وأنا أذهب اليوم بالقميص فأخبره بأنه حي فأقر عينه كما أحزنته فهو كان البشير
فلما أن جاء البشير يعقوب بقميص يوسف ألقاه على وجه فعاد بصيرا بعد العمى فقال لأولاده ألم أقل لكم إني أعلم من الله مالا تعلمون ( 3 ) وذلك أنه كان قد علم من صدق تأويل رؤيا يوسف التي رآها أن الأحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدون ما لم يكونوا يعلمون فقالوا ليعقوب يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين ( 3 ) فقال لهم يعقوب سوف أستغفر لكم ربي ( 3 ) قيل إنه أخر الدعاء لهم إلى السحر وقيل إنه أخر ذلك إلى ليلة الجمعة
حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي قال حدثنا سليمان بن عبدالرحمن الدمشقي قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا ابن جريج عن عطاء وعكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم قال يعقوب سوف أستغفر لكم ربي يقول حتى تأتي ليلة الجمعة
فلما دخل يعقوب وولده وأهاليهم على يوسف آوى إليه أبويه وكان دخولهم عليه قبل دخولهم مصر فيما قيل لأن يوسف تلقاهم حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال حملوا إليه أهليهم وعيالهم فلما بلغوا مصر كلم يوسف الملك الذي فوقه فخرج هو والملك يتلقونهم فلما بلغوا مصر قال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ( 3 ) فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه
حدثني الحارث قال حدثنا عبدالعزيز قال حدثنا جعفر بن سليمان عن فرقد السبخي قال لما ألقي القميص على جهه ارتد بصيرا وقال ائتوني بأهلكم أجمعين فحمل يعقوب وإخوة يوسف فلما دنا يعقوب أخبر يوسف أنه قد دنا منه فخرج يتلقاه قال وركب معه أهل مصر وكانوا يعظمونه فلما دنا أحدهما من صاحبه وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على رجل من ولده يقال له يهوذا قال فنظر يعقوب إلى الخيل والناس فقال يا يهوذا هذا فرعون مصر فقال لا هذا ابنك يوسف قال فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف يبدؤه بالسلام فمنع ذلك وكان يعقوب أحق بذلك منه وأفضل فقال السلام عليك يا مذهب الأحزان فلما أن دخلوا مصر رفع أبويه على السرير وأجلسهما عليه
(1/217)
________________________________________
وقد اختلف في اللذين رفعهما يوسف على العرش وأجلسهما عليه فقال بعضهم كان أحدهما أبوه يعقوب والآخر أمه راحيل وقال آخرون بل كان الآخر خالته ليا وكانت أمه راحيل قد كانت ماتت قبل ذلك وخر له يعقوب وأمه وولد يعقوب سجدا
حدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة وخروا له سجدا ( 1 ) قال كانت تحية الناس أن يسجد بعضهم لبعض وقال يوسف لأبيه يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا ( 1 ) يعني بذلك هذا السجود منكم يدل على تأويل رؤياي التي رأيتها من قبل صنع إخوتي بي ما صنعوا وتلك الكواكب الأحد عشر والشمس والقمر قد جعلها ربي حقا يقول قد حقق الرؤيا بمجيء تأويلها
وقيل كان بين أن أري يوسف رؤياه هذا ومجيء تأويلها أربعون سنة
ذكر بعض من قال ذلك
حدثنا محمد بن عبدالأعلى قال حدثنا معتمر عن أبيه قال حدثنا أبو عثمان عن سلمان الفارسي قال كان بين رؤيا يوسف إلى أن رأى تأويلها أربعون سنة
وقال بعضهم كان بين ذلك ثمانون سنة
ذكر بعض من قال ذلك
حدثنا عمرو بن علي قال حدثنا عبدالوهاب الثقفي قال حدثنا هشام عن الحسن قال كان منذ فارق يوسف يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه ودموعه تجري على خديه وما على الأرض يومئذ أحب إلى الله عز و جل من يعقوب
حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا داود بن مهران قال حدثنا عبدالواحد بن زياد عن يونس عن الحسن قال ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة وكان بين ذلك وبين لقائه يعقوب ثمانون سنة وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة ومات وهو ابن عشرين ومائة سنة
حدثني الحارث قال حدثنا عبدالعزيز قال حدثنا مبارك بن فضالة عن الحسن قال ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة فغاب عن أبيه ثمانين سنة ثم عاش بعد ما جمع الله شمله ورأى تأويل رؤياه ثلاثا وعشرين سنة فمات وهو ابن عشرين ومائة سنة
وقال بعض أهل الكتاب دخل يوسف مصر وله سبع عشرة سنة فأقام في منزل العزيز ثلاث عشرة سنة فلما تمت له ثلاثون سنة استوزره فرعون ملك مصر واسمه الريان بن الوليد بن ثروان بن أراشة بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح وأن هذا الملك آمن ثم مات ثم ملك بعده قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح وكان كافرا فدعاه يوسف إلى الإيمان بالله فلم يستجب إليه وأن يوسف أوصى إلى أخيه يهوذا ومات وقد أتت له مائة
(1/218)
________________________________________
وعشرون سنة وأن فراق يعقوب إياه كان اثنتين وعشرين سنة وأن مقام يعقوب معه بمصر كان بعد موافاته بأهله سبع عشرة سنة وأن يعقوب لما حضرته الوفاة أوصى إلى يوسف وكان دخول يعقوب مصر في سبعين إنسانا من أهله وتقدم إلى يوسف عند وفاته أن يحمل جسده حتى يدفنه بجنب أبيه إسحاق ففعل يوسف ذلك به ومضى به حتى دفنه بالشأم ثم انصرف إلى مصر وأوصى يوسف أن يحمل جسده حتى يدفن إلى جنب آبائه فحمل موسى تابوت جسده عند خروجه من مصر معه
وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ذكر لي والله أعلم أن غيبة يوسف عن يعقوب كانت ثماني عشرة سنة
قال وأهل الكتاب يزعمون أنها كانت أربعين سنة أو نحوها وأن يعقوب بقي مع يوسف بعد أن قدم عليه مصر سبع عشرة سنة ثم قبضه الله إليه قال وقبر يوسف كما ذكر لي في صندوق من مرمر في ناحية من النيل في جوف الماء
وقال بعضهم عاش يوسف بعد موت أبيه ثلاثا وعشرين سنة ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة قال وفي التوراة أنه عاش مائة سنة وعشر سنين
وولد ليوسف أفراييم بن يوسف ومنشا بن يوسف فولد لإفراييم نون فولد لنون بن إفراييم يوشع بن نون وهو فتى موسى وولد لمنشا موسى بن منشا
وقيل إن موسى بن منشا نبئ قبل موسى بن عمران
ويزعم أهل التوراة أنه الذي طلب الخضر
(1/219)

بنالعياط
28-09-2012, 09:50 PM
قصة الخضر وخبره وخبر موسى وفتاه يوشع عليهم السلام
قال أبو جعفر كان الخضر ممن كان في أيام أفريدون الملك بن أثفيان في قول عامة أهل الكتاب الأول وقبل موسى بن عمران صلى الله عليه و سلم وقيل إنه كان على مقدمة ذي القرنين الأكبر الذي كان أيام إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه و سلم وهو الذي قضى له ببئر السبع وهي بئر كان إبراهيم احتفرها لماشيته في صحراء الأردن وإن قوما من أهل الأردن ادعوا الأرض التي كان احتفر بها إبراهيم بئره فحاكمهم إبراهيم إلى ذي القرنين الذي ذكر أن الخضر كان على مقدمته أيام سيره في البلاد وإنه بلغ مع ذي القرنين نهر الحياة فشرب من مائه وهو لا يعلم ولا يعلم به ذو القرنين ومن معه مخلد فهو حي عندهم إلى الآن
وزعم بعضهم أنه من ولد من كان آمن بإبراهيم خليل الرحمن واتبعه على دينه وهاجر معه من أرض بابل حين هاجر إبراهيم منها وقال اسمه بليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح قال وكان أبوه ملكا عظيما
وقال آخرون ذو القرنين الذي كان على عهد إبراهيم صلى الله عليه و سلم هو أفريدون بن أثفيان قال وعلى مقدمته كان الخضر
وقال عبدالله بن شوذب فيه ما حدثنا عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالحكم المصري قال حدثنا محمد بن المتوكل قال حدثنا ضمرة بن ربيعة عن عبدالله بن شوذب قال الخضر من ولد فارس وإلياس من بني إسرائيل يلتقيان في كل عام بالموسم
وقال ابن إسحاق فيه ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق قال بلغني أنه استخلف الله عز و جل في بني إسرائيل رجلا منهم يقال له ناشية بن أموص فبعث الله عز و جل لهم الخضر نبيا قال واسم الخضر فيما كان وهب بن منبه يزعم عن بني إسرائيل
أورميا بن خلقيا وكان من سبط هارون بن عمران وبين هذا الملك الذي ذكره ابن إسحاق وبين أفريدون أكثر من ألف عام
وقول الذي قال إن الخضر كان في أيام أفريدون وذي القرنين الأكبر وقبل موسى بن عمران أشبه بالحق إلا أن يكون الأمر كما قاله من قال إنه كان على مقدمة ذي القرنين صاحب إبراهيم فشرب ماء الحياة فلم يبعث في ايام إبراهيم صلى الله عليه و سلم نبيا وبعث أيام ناشية بن أموص وذلك أن ناشية بن أموص الذي ذكر ابن إسحاق أنه كان ملكا على بني إسرائيل كان في عهد بشتاسب بن لهراسب وبين بشتاسب وبين أفريدون من الدهور
(1/220)
________________________________________
والأزمان ما لا يجهله ذو علم بأيام الناس وأخبارهم وسأذكر مبلغ ذلك إذا انتهينا إلى خبر بشتاسب إن شاء الله تعالى
وإنما قلنا قول من قال كان الخضر قبل موسى بن عمران صلى الله عليه و سلم أشبه بالحق من القول الذي قاله ابن إسحاق وحكاه عن وهب بن منبه للخبر الذي روى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أبي بن كعب أن صاحب موسى بن عمران وهو العالم الذي أمره الله تبارك وتعالى بطلبه إذ ظن أنه لا أحد في الأرض أعلم منه هو الخضر ورسول الله صلى الله عليه و سلم كان أعلم خلق الله بالكائن من الأمور الماضية والكائن منها الذين لم يكن بعد
والذي روى أبي بن كعب في ذلك عنه صلى الله عليه و سلم ما حدثنا أبو كريب قال حدثنا يحيى بن آدم قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد قال قلت لابن عباس إن نوفا يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى فقال كذب عدو الله حدثنا أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إن موسى قام في بني إسرائيل خطيبا فقيل أي الناس أعلم فقال أنا فعتب الله عليه حين لم يرد العلم إليه فقال بل عبد لي عند مجمع البحرين فقال يا رب كيف به قال تأخذ حوتا فتجعله في مكتل فحيث تفقده فهو هناك قال فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم قال لفتاه إذا فقدت هذا الحوت فأخبرني فانطلقا يمشيان على ساحل البحر حتى أتيا صخرة فرقد موسى فاضطرب الحوت في المكتل فخرج فوقع في البحر فأمسك الله عنه جرية الماء فصار مثل الطاق فصار للحوت سربا وكان لهما عجبا ثم انطلقا فلما كان حين الغداء قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ( 1 ) قال ولم يجد موسى النصب حتى جاوز حيث أمره الله قال فقال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا ( 1 ) قال فقال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا ( 1 ) قال يقصان آثارهما قال فأتيا الصخرة فإذا رجل نائم مسجى بثوبه فسلم عليه موسى فقال وأنى بأرضنا السلام قال أنا موسى قال موسى بن إسرائيل قال نعم قال يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه قال فإني أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا ( 2 ) فانطلقا يمشيان على الساحل فإذا بملاح في سفينة فعرف الخضر فحمله بغير نول فجاء عصفور فوقع على حرفها فنقر أو فنقد في الماء فقال الخضر لموسى ما ينقص علمي وعلمك من علم الله إلا مقدار ما نقر أو نقد هذا العصفور من البحر
قال أبو جعفر أنا أشك وهو في كتابي هذا نقر قال فبينما هم في السفينة لم يفجأ موسى إلا وهو يتد وتدا أو ينزع تختا منها فقال له موسى حملنا بغير نول وتخرقها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ( 3 ) قال فكانت الأولى من موسى نسيانا قال ثم خرجا فانطلقا يمشيان فأبصرا غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ برأسه فقتله فقال له موسى اقتلت نفسا زاكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا قال إن
(1/221)
________________________________________
سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا ( 1 )
فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فلم يجدا أحدا يطعمهم ولا يسقيهم فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقص فأقامه بيده قال مسحه بيده فقال له موسى لم يضيفونا ولم ينزلونا لو شئت لاتخذت عليه أجرا ( 2 ) قال هذا فراق بيني وبينك ( 2 ) قال فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لوددت أنه كان صبر حتى يقص علينا قصصهم
حدثني العباس بن الوليد قال أخبرني أبي قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني الزهري عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى فقال ابن عباس هو الخضر فمر بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى عليه السلام الذي سأل السبيل إلى لقائه فهل سمعت رسول الله يذكر شأنه قال نعم إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول بينا موسى عليه السلام في ملإ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال تعلم مكان أحد أعلم منك قال موسى لا فأوحى الله إلى موسى بلى عبدنا الخضر فسأل موسى السبيل إلى لقائه فجعل الله الحوت آية وقال له إذا افتقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه فكان موسى يتبع أثر الحوت في البحر فقال فتى موسى لموسى أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت قال موسى ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا فوجدا الخضر فكان من شأنهما ما قص الله في كتابه
حدثني محمد بن مرزوق قال حدثنا حجاج بن المنهال قال حدثنا عبدالله بن عمر النميري عن يونس بن يزيد قال سمعت الزهري يحدث قال أخبرني عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى فذكر نحو حديث العباس عن أبيه
حدثنا محمد بن سعد قال حدثني أبي قال حدثني عمي قال حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله وإذا قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ( 3 ) الآية قال لما ظهر موسى وقومه على مصر نزل قومه مصر فلما استقرت بهم الدار أنزل الله عز و جل عليه أن ذكرهم بأيام الله فخطب قومه فذكر ما آتاهم الله من الخير والنعمة وذكرهم إذ أنجاهم الله من آل فرعون وذكرهم هلاك عدوهم وما استخلفهم الله في الأرض فقال وكلم الله موسى نبيكم تكليما واصطفاني لنفسه وأنزل علي محبة منه وآتاكم الله من كل ما سألتموه فنبيكم أفضل أهل الأرض وأنتم تقرؤون التوراة فلم يترك نعمة أنعمها الله عليهم إلا ذكرها وعرفها إياهم فقال له رجل من بني إسرائيل هو كذلك يا نبي الله وقد عرفنا الذي تقول فهل على الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله قال لا فبعث الله عز و جل جبرئيل عليه السلام إلى موسى عليه السلام فقال إن الله تعالى يقول وما يدريك أين أضع علمي بلى إن على شط البحر رجلا أعلم منك قال ابن عباس هو الخضر فسأل موسى ربه أن يريه إياه فأوحى الله إليه أن ائت البحر فإنك
(1/222)
________________________________________
تجد على شط البحر حوتا فخذه فادفعه إلى فتاك ثم الزم شط البحر فإذا نسيت الحوت وهلك منك فثم تجد العبد الصالح الذي تطلب
فلما طال سفر موسى نبي الله صلى الله عليه و سلم ونصب فيه سأل فتاه عن الحوت فقال له فتاه وهو غلامه أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره لك قال الفتى لقد رأيت الحوت حين اتخذ سبيله في البحر سربا فأعجب ذلك موسى فرجع حتى أتى الصخرة فوجد الحوت فجعل الحوت يضرب في البحر ويتبعه موسى وجعل موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء يتبع الحوت وجعل الحوت لا يمس شيئا من الماء إلا يبس حتى يكون صخرة فجعل نبي الله صلى الله عليه و سلم يعجب من ذلك حتى انتهى به الحوت إلى جزيرة من جزائر البحر فلقي الخضر بها فسلم عليه فقال الخضر وعليك السلام وأنى يكون هذا السلام بهذه الأرض ومن أنت قال أنا موسى فقال له الخضر صاحب بني إسرائيل قال نعم فرحب به وقال ما جاء بك قال جئت على أن تعلمني مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا ( 1 ) يقول لا تطيق ذلك قال موسى ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا ( 2 ) قال فانطلق به وقال له لا تسألني عن شيء أصنعه حتى أبين لك شأنه فذلك قوله حتى أحدث لك منه ذكرا ( 2 ) فركبا في السفينة يريدان أن يتعديا إلى البر فقام الخضر فخرق السفينة فقال له موسى أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا ( 2 ) ثم ذكر بقية القصة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا يعقوب القمي عن هارون بن عنترة عن أبيه عن ابن عباس قال سأل موسى عليه السلام ربه عز و جل فقال أي رب أي عبادك أحب إليك قال الذي يذكرني ولا ينساني قال فأي عبادك أقضى قال الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى قال أي رب أي عبادك أعلم قال الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى قال رب فهل في الأرض أحد قال أبو جعفر أظنه قال أعلم مني قال نعم قال رب فمن هو قال الخضر قال وأين أطلبه قال على الساحل عند الصخرة التي ينفلت عندها الحوت قال فخرج موسى يطلبه حتى كان ما ذكره الله عز و جل وانتهى موسى إليه عند الصخرة فسلم كل واحد منهما على صاحبه فقال له موسى إني أريد أن تستصحبني قال لن تطيق صحبتي قال بلى قال فإن صحبتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زاكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا إلى قوله لاتخذت عليه أجرا ( 3 )
قال فكان قول موسى في الجدار لنفسه ولطلب شيء من الدنيا وكان قوله في السفينة وفي الغلام لله عز و جل قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ( 3 ) فأخبره بما قال الله أما السفينة فكانت لمساكين الآية وأما الغلام ( 3 ) الآية وأما الجدار ( 3 )
(1/223)
________________________________________
الآية قال فسار به في البحر حتى انتهى به إلى مجمع البحرين وليس في الأرض مكان أكثر ماء منه قال وبعث ربك الخطاف فجعل يستقي منه بمنقاره فقال لموسى كم ترى هذا الخطاف رزأ من هذا الماء قال ما أقل ما رزأ قال يا موسى فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء وكان موسى عليه السلام قد حدث نفسه أنه ليس أحد أعلم منه أو تكلم به فمن ثم أمر أن يأتي الخضر
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن سعيد بن جبير قال جلست عند ابن عباس وعنده نفر من أهل الكتاب فقال بعضهم يا أبا العباس إن نوفا بن امرأة كعب ذكر عن كعب أن موسى النبي عليه السلام الذي طلب العالم إنما هو موسى بن منشا قال سعيد فقال ابن عباس أنوف يقول هذا قال سعيد فقلت له نعم أنا سمعت نوفا يقول ذلك قال أنت سمعته يا سعيد قال قلت نعم قال كذب نوف ثم قال ابن عباس حدثني أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أن موسى نبي إسرائيل سأل ربه تبارك وتعالى فقال أي رب إن كان في عبادك أحد هو أعلم مني فادللني عليه فقال له نعم في عبادي من هو أعلم منك ثم نعت له مكانه وأذن له في لقائه فخرج موسى عليه السلام ومعه فتاه ومعه حوت مليح قد قيل له إذا حيي هذا الحوت في مكان فصاحبك هنالك وقد أدركت حاجتك
فخرج موسى ومعه فتاه ومعه الحوت يحملانه فسار حتى جهده السير وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء وذلك الماء ماء الحياة من شرب منه خلد ولا يقاربه شيء ميت إلا أدركته الحياة وحيي فلما نزلا منزلا ومس الحوت الماء حيي فاتخذ سبيله في البحر سربا فانطلق فلما جاوزا بمنقلة قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال الفتى وذكر أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا قال ابن عباس وظهر موسى على الصخرة حتى انتهيا إليه فإذا رجل متلفف في كساء له فسلم عليه موسى فرد عليه السلام ثم قال له من أنت قال أنا موسى بن عمران قال صاحب بني إسرائيل قال نعم أنا ذلك قال وما جاء بك إلى هذه الأرض أن لك في قومك لشغل قال له موسى جئتك لتعلمني مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكان رجلا يعمل على الغيب قد علم ذلك فقال موسى بلى قال وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا أي إنما تعرف ظاهر ما ترى من العدل ولم تحط من علم الغيب بما أعلم قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا إن رأيت ما يخالفني قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا أي فلا تسألني عن شيء وإن أنكرته حتى أحدث لك منه ذكرا أي خبرا فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما حتى مرت بها سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما شيء من السفن أحسن ولا أجمل ولا أوثق منها فسألا أهلها أن يحملوهما فحملوهما فلما اطمأنا فيها ولججت بهما مع أهلها أخرج منقارا له ومطرقة ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها ثم أخذ لوحا فطبقه عليها ثم جلس عليها يرقعها قال له موسىك فأي أمر أفظع من هذا أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا حملونا وآوونا إلى سفينتهم وليس في البحر سفينة مثلها فلم خرقتها قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت أي بما تركت من عهدك ولا ترهقني من أمري عسرا ثم خرجا من السفينة فانطلقا حتى أتيا أهل قرية فإذا غلمان يلعبون فيهم غلام ليس في الغلمان غلام أظرف ولا
(1/224)
________________________________________
أترف ولا أوضأ منه فأخذ بيده وأخذ حجرا فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله قال فرأى موسى أمرا فظيعا لا صبر عليه صبي صغير قتله بغير جناية ولا ذنب له فقال أقتلت نفسا زاكية بغير نفس أي صغيرة بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا أي قد أعذرت في شأني فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه فهدمه ثم قعد يبنيه فضجر موسى مما رآه يصنع من التكلف لما ليس عليه صبر فقال لو شئت لاتخذت عليه أجرا أي قد استطعمناهم فلم يطعمونا واستضفناهم فلم يضيفونا ثم قعدت تعمل في غير صنيعة ولو شئت لأعطيت عليه أجرا في عمله قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة وفي قراءة أبي بن كعب كل سفينة صالحة غصبا وإنما عبتها لأرده عنها فسلمت منه حين رأى العيب الذي صنعت بها وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا إلى مالم تستطع عليه صبرا فكان ابن عباس يقول ما كان الكنز إلا علما
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن أبيه عن عكرمة قال قيل لابن عباس لم نسمع لفتى موسى بذكر من حديث وقد كان معه فقال ابن عباس فيما يذكر من حديث الفتى قال شرب الفتى من ماء الخلد فخلد فأخذه العالم فطابق به سفينة ثم أرسله في البحر فإنها لتموج به إلى يوم القيامة وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب
حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد عن شعبة عن قتادة قوله فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما ذكر لنا أن نبي الله موسى لما قطع البحر وأنجاه الله من آل فرعون جمع بني إسرائيل فخطبهم فقال أنتم خير أهل الأرض وأعلمهم قد أهلك الله عدوكم وأقطعكم البحر وأنزل عليكم التوراة قال فقيل له إن ها هنا رجلا هو أعلم منك قال فانطلق هو وفتاه يوشع بن نون يطلبانه فتزودا مملوحة في مكتل لهما وقيل لهما إذا نسيتما ما معكما لقيتما رجلا عالما يقال له الخضر فلما أتيا ذلك المكان رد الله إلى الحوت روحه فسرب له من الجد حتى أفضى إلى البحر ثم سلك فجعل لا يسلك فيه طريقا إلا صار ماء جامدا قال ومضى موسى وفتاه يقول الله عز و جل فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا إلى قوله وعلمناه من لدنا علما فلقيا رجلا عالما يقال له الخضر فذكر لنا أن نبي الله قال إنما سمي الخضر خضرا لأنه قعد على فروة بيضاء فاهتزت به خضراء
فهذه الأخبار التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وعن السلف من أهل العلم تنبئ عن أن الخضر كان قبل موسى وفي أيامه ويدل على خطأ قول من قال إنه أورميا بن خلقيا لأن أورميا كان في أيام بختنصر وبين عهدي موسى وبختنصر من المدة ما لا يشكل قدرها على أهل العلم بأيام الناس واخبارهم وإنما قدمنا ذكره وذكر خبره لأنه كان في عهد أفريدون فيما قيل وإن كان قد أدرك على هذه الأخبار التي ذكرت من أمره وأمر موسى وفتاه أيام منوشهر وملكه وذلك أن موسى إنما نبئ في عهد منوشهر وكان ملك منوشهر بعدما ملك
(1/225

بنالعياط
28-09-2012, 10:20 PM
(1/225)
________________________________________
جده أفريدون فكل ما ذكرنا من أخبار من ذكرنا أخباره من عهد إبراهيم إلى الخبر عن الخضر عليهما السلام فإن ذلك كله فيما ذكر كان في ملك بيوراسب وأفريدون وقد ذكرنا فيما مضى قبل أخبار أعمارهما ومبلغهما ومدة كل واحد منهما
ونرجع الآن إلى الخبر عن
(1/226)
________________________________________
منوشهر وأسبابه والحوادث الكائنة في زمانه
ثم ملك بعد أفريدون بن أثفيان بركاو منوشهر وهو من ولد إيرج بن أفريدون
وقد زعم بعضم أن فارس سميت فارس بمنوشهر هذا وهو منوشهر كيازيه فيما يقول نسابة الفرس بن منشخورنر بن منشخوا ربغ بن ويرك بن سروشنك بن أبوك بن بتك بن فرزشك بن زشك بن فركوزك بن كوزك بن إيرج بن أفريدون بن أثفيان بركاو
وقد ينطق بهذه الأسماء بخلاف هذه الألفاظ
وقد يزعم بعض المجوس أن أفريدون وطئ ابنة لابنه إيرج يقال لها كوشك فولدت له جارية يقال لها فركوشك ثم وطئ فركوشك هذه فولدت له جارية يقال لها زوشك ثم وطئ زوشك هذه فولدت له جارية يقال لها فرزوشك ثم وطئ فرزوشك هذه فولدت له جارية يقال لها بيتك ثم وطىء بيتك هذه فولدت له جارية يقال لها إيرك ثم وطئ إيرك فولدت له إيزك ثم وطئ إيزك فولدت له ويرك ثم وطىء ويرك فولدت له منشخرفاغ ويقول بعضهم منشخوا ربغ وجارية يقال لها منشجرك وأن منخشرفاغ وطئ منشجرك فولدت له منشخرنر وجارية يقال لها منشراروك وأن منشخرنر وطئ منشراروك فولدت له منوشهر
فيقول بعضهم كان مولده بدنباوند
ويقول بعض كان مولده بالري وإن منشخرنر ومنشراروك لما ولد لهما منوشهر أسرا أمره خوفا من طوج وسلم عليه وإن منوشهر لما كبر صار إلى جده أفريدون فلما دخل عليه توسم فيه الخير وجعل له ما كان جعل لجده إيرج من المملكة وتوجه بتاجه
وقد زعم بعض أهل الأخبار أن منوشهر هذا هو منوشهر بن منشخرنر بن أفريقيس بن إسحاق بن إبراهيم وأنه انتقل إليه الملك بعد أفريدون وبعد أن مضى ألف سنة وتسعمائة سنة واثنتان وعشرون سنة من عهد جيومرت واستشهد لحقيقة ذلك بأبيات لجرير بن عطية وهو قوله ... وأبناء إسحاق الليوث إذا ارتدوا ... حمائل موت لابسين السنورا ... إذا انتسبوا عدوا الصبهبذ منهم ... وكسرى وعدوا الهمرمزان وقيصرا ... وكان كتاب فيهم ونبوة ... وكانوا بإصطخر الملوك وتسترا
(1/227)
________________________________________
فيجمعنا والغر أبناء فارس ... أب لا نبالي بعده من تأخرا ... أبونا خليل الله والله ربنا ... رضينا بما أعطى الإله وقدرا ...
وأما الفرس فإنها تنكر هذا النسب ولا تعرف لها ملكا إلا في أولاد أفريدون ولا تقر بالملك لغيرهم وترى أن داخلا إن كان دخل عليهم في ذلك من غيرهم في قديم الأيام قبل الإسلام فإنه دخل فيه بغير حق
وحدثت عن هشام بن محمد قال ملك طوج وسلم الأرض بينهما بعد قتلهما أخاهما إيرج ثلاثمائة سنة ثم ملك منوشهر بن إيرج بن أفريدون مائة وعشرين سنة ثم إنه وثب به ابن لابن طوج التركي على رأس ثمانين سنة فنفاه عن بلاد العراق ثنتي عشرة سنة لم أديل منه منوشهر فنفاه عن بلاده وعاد إلى ملكه وملك بعد ذلك ثمانيا وعشرين سنة
قال وكان منوشهر يوصف بالعدل والإحسان وهو أول من خندق الخنادق وجمع آلة الحرب وأول من وضع الدهقنة فجعل لكل قرية دهقانا وجعل أهلها له حولا وعبيدا وألبسهم لباس المذلة وأمرهم بطاعته قال ويقال إن موسى النبي صلى الله عليه و سلم ظهر في سنة ستين من ملكه
وذكر غير هشام أن منوشهر لما ملك توج بتاج الملك وقال يوم ملك نحن مقوون مقاتلينا ومعدوهم للانتقام لأسلافنا ودفع العدو عن بلادنا وأنه سار نحو بلاد الترك طالبا بدم جده إيرج بن أفريدون فقتل طوج بن أفريدون وأخاه سلما وأدرك ثأره وانصرف وأن فراسياب بن فشنج بن رستم بن ترك الذي تنسب إليه الأتراك بن شهراسب ويقال ابن إرشسب بن طوج بن أفريدون الملك وقد يقال لفشك فشنج بن زاشمين حارب منوشهر بعد أن مضى لقتله طوجا وسلما ستون سنة وحاصره بطبرستان
ثم إن منوشهر وفراسياب اصطلحا على أن يجعلا حد ما بين مملكتيهما منتهى رمية سهم رجل من أصحاب منوشهر يدعى أرشباطير وربما خفف اسمه بعضهم فيقول إيرش فحيث ما وقع سهمه من موضع رميته تلك مما يلي بلاد الترك فهو الحد بينهما لا يجاوز ذلك واحد منهما إلى الناحية الأخرى وإن ارشباطير نزع بسهم في قوسه ثم أرسله وكان قد أعطي قوة وشدة فبلغت رميته من طبرستان إلى نهر بلخ ووقع السهم هنالك فصار نهر بلخ حد ما بين الترك وولد طوج وولد إيرج وعمل الفرس فانقطع بذلك من رمية أرشباطير حروب ما بين فراسياب ومنوشهر
وذكروا أن منوشهر اشتق من الصراة ودجلة ونهر بلخ أنهارا عظاما وقيل إنه هو الذي كرا الفرات الأكبر وأمر الناس بحراثة الأرض وعمارتها وزاد في مهنة المقاتلة الرمي وجعل الرياسة في ذلك لأرشباطير لرميته التي رماها
وقالوا إن منوشهر لما مضى من ملكه خمس وثلاثون سنة تناولت الترك من أطراف رعيته فوبخ قومه وقال لهم أيها الناس إنكم لم تلدوا الناس كلهم وإنما الناس ناس ما عقلوا من أنفسهم ودفعوا العدو عنهم وقد نالت الترك من أطرافكم وليس ذلك إلا من ترككم جهاد عدوكم وقلة المبالاة وإن الله تبارك وتعالى
(1/228)
________________________________________
أعطاها هذا الملك ليبلونا أنشكر فيزيدنا أم نكفر فيعاقبنا ونحن أهل بيت عز ومعدن الملك لله فإذا كان غدا فاحضروا قالوا نعم واعتذروا فقال انصرفوا فلما كان من الغد أرسل إلى أهل المملكة وأشراف الأساورة فدعاهم وأدخل الرؤساء من الناس ودعا موبذ موبذان فأقعد على كرسي مقابل سريره ثم قام على سريره وقام أشراف أهل بيت المملكة وأشراف الأساورة على أرجلهم فقال اجلسوا فإني إنما قمت لأسمعكم كلامي فجلسوا فقال أيها الناس إنما الخلق للخالق والشكر للمنعم والتسليم للقادر ولا بد مما هو كائن وإنه لا أضعف من مخلوق طالبا كان أو مطلوبا ولا أقوى من خالق ولا أقدر ممن طلبته في يده ولا أعجز ممن هو في يد طالبه وأن التفكر نور والغفلة ظلمة والجهالة ضلالة وقد ورد الأول ولا بد للآخر من اللحاق بالأول وقد مضت قبلنا أصول نحن فروعها فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله وإن الله عز و جل أعطانا هذا الملك فله الحمد ونسأله إلهام ا لرشد والصدق واليقين وإن للملك على أهل مملكته حقا ولأهل مملكته عليه حقا فحق الملك على أهل المملكة أن يطيعوه ويناصحوه ويقاتلوا عدوه وحقهم على الملك أن يعطيهم أرزاقهم في أوقاتها إذ لا معتمد لهم على غيرها وإنها تجارتهم وحق الرعية على الملك أن ينظر لهم ويرفق بهم ولا يحملهم على ما لا يطيقون وإن أصابتهم مصيبة تنقص من مثارهم من آفة من السماء أو الأرض أن يسقط عنهم خراج ما نقص وإن اجتاحتهم مصيبة أن يعوضهم ما يقويهم على عماراتهم ثم يأخذ منهم بعد ذلك على قدر مالا يجحف بهم في سنة أو سنتين وأمر الجند للملك بمنزلة جناحي الطائر فهم أجنحة الملك متى قص من الجناح ريشة كان ذلك نقصانا منه فكذلك الملك إنما هو بجناحه وريشه ألا وإن الملك ينبغي أن يكون فيه ثلاث خصال أولها أن يكون صدوقا لا يكذب وأن يكون سخيا لا يبخل وأن يملك نفسه عند الغضب فإنه مسلط ويده مبسوطة والخراج يأتيه فينبغي ألا يستأثر عن جنده ورعيته بما هم أهل له وأن يكثر العفو فإنه لا ملك أبقى من ملك فيه العفو ولا أهلك من ملك فيه العقوبة ألا وإن المرء إن يخطئ في العفو فيعفو خير من أن يخطئ في العقوبة فينبغي للملك أن يتثبت في الأمر الذي فيه قتل النفس وبوارها وإذا رفع إليه من عامل من عماله ما يستوجب به العقوبة فلا ينبغي له أن يحابيه وليجمع بينه وبين المتظلم فإن صح عليه للمظلوم حق خرج إليه منه وإن عجز عنه أدى عنه الملك ورده إلى موضعه وأخذه بإصلاح ما أفسد فهذا لكم علينا ألا ومن سفك دما بغير حق أو قطع يدا بغير حق فإني لا أعفو عن ذلك إلا أن يعفو عنه صاحبه فخذوا هذا عني وإن الترك قد طمعت فيكم فاكفونا فإنما تكفون أنفسكم وقد أمرت لكم بالسلاح والعدة وأنا شريككم في الرأي وإنما لي من هذا الملك اسمه مع الطاعة منكم ألا وإن الملك ملك إذا أطيع فإذا خولف فذلك مملوك ليس بملك ومهما بلغنا من الخلاف فإنا لا نقبله من المبلغ له حتى نتيقنه فإذا صحت معرفة ذلك وإلا أنزلناه منزلة المخالف ألا وإن أكمل الأداة عند المصيبات الأخذ بالصبر والراحة إلى اليقين فمن قتل في مجاهدة العدو رجوت له الفوز برضوان الله وأفضل الأمور التسليم لأمر الله والراحة إلى اليقين والرضا بقضائه وأين المهرب مما هو كائن وإنما يتقلب في كف الطالب وإنما هذه الدنيا سفر لأهلها لا يحلون عقد الرحال إلا في غيرها وإنما بلغتهم فيها بالعواري فما أحسن الشكر للمنعم والتسليم لمن القضاء له ومن أحق بالتسليم لمن فوقه ممن لا يجد مهربا إلا إليه ولا معولا إلا عليه فثقوا بالغلبة إذا كانت نياتكم أن النصر من الله وكونوا على ثقة من درك الطلبة إذا صحت نياتكم واعلموا أن هذا الملك لا يقوم إلا بالاستقامة وحسن الطاعة وقمع العدو وسد الثغور والعدل للرعية وإنصاف المظلوم فشفاؤكم عندكم
(1/229)
________________________________________
والدواء الذي لا داء فيه الاستقامة والأمر بالخير والنهي عن الشر ولا قوة غلا بالله انظروا للرعية فإنها مطعمكم ومشربكم ومتى عدلتم فيها رغبوا في العمارة فزاد ذلك في خراجكم وتبين في زيادة أرزاقكم وإذا حفتم على الرعية زهدوا في العمارة وعطلوا أكثر الأرض فنقص ذلك من خراجكم وتبين في نقص أرزاقكم فتعاهدوا الرعية بالإنصاف وما كان من الأنهار والبثوق مما نفقة ذلك من السلطان فأسرعوا فيه قبل أن يكثر وما كان من ذلك على الرعية فعجزوا عنه فأقرضوهم من بيت مال الخراج فإذا حان أوقات خراجهم فخذوا من خراج غلاتهم على قدر ما لا يجحف ذلك بهم ربع في كل سنة أو ثلث أو نصف لكيلا يشق ذلك عليهم هذا قولي وأمري يا موبذ موبذان الزم هذا القول وخذ في هذا الذي سمعت في يومك أسمعتم أيها الناس فقالوا نعم قد قلت فأحسنت ونحن فاعلون إن شاء الله ثم أمر بالطعام فوضع فأكلوا وشربوا ثم خرجوا وهم له شاكرون وكان ملكه مائة وعشرين سنة
وقد زعم هشام بن الكلبي فما حدثت عنه أن الرائش بن قيس ين صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان كان من ملوك اليمن بعد يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ وإخوته وأن الرائش كان ملكه باليمن أيام ملك منوشهر وأنه إنما سمي الرائش واسمه الحارث بن أبي شدد لغنيمة غنمها من قوم غزاهم فادخلها اليمن فسمي لذلك الرائش وأنه غزا الهند فقتل بها وسبى وغنم الأموال ورجع إلى اليمن ثم سار منها فخرج على جبل طيء ثم على الأنبار ثم على الموصل وأنه وجه منها خيله وعليها رجل من أصحابه يقال له شمر بن العطاف فدخل على الترك أرض أذربيجان وهي في أيديهم يومئذ فقتل المقاتلة وسبى الذرية وزبر ما كان من مسيره في حجرين فهما معروفان ببلاد أذربيجان قال وفي ذلك يقول امرؤ القيس ... ألم يخبرك أن الدهر غول ... ختور العهد يلتقم الرجالا ... أزال عن المصانع ذا رياش ... وقد ملك السهولة والجبالا ... وأنشب في المخالب ذا منار ... وللزراد قد نصب الحبالا ...
قال وذو منار الذي ذكره الشاعر هو ذو منار بن رائش الملك بعد أبيه واسمه أبرهة بن الرائش قال وإنما سمي ذا منار لأنه غزا بلاد المغرب فوغل فيها بر وبحرا وخاف على جيشه الضلال عند قفوله فبنىالمنار ليهتدوا بها قال ويزعم أهل اليمن أنه كان وجه ابنه العبد بن أبرهة في غزوته هذه إلى ناحية من أقاصي بلاد المغرب فغنم وأصباب مالا وقدم عليه بنسناس لهم خلق وحشية منكرة فذعر الناس منهم فسموه ذا الأذعار
قال فأبرهة أحد ملوكهم الذين توغلوا في الأرض
وإنما ذكرت من ذكرت من ملوك اليمن في هذا الموضع لما ذكرت من قول من زعم أ ن الرائش كان ملكا باليمن أيام منوشهر وأن ملوك اليمن كانوا عمالا لملوك فارس بها ومن قبلهم كانت ولايتهم بها
(1/230)

بنالعياط
30-09-2012, 05:15 PM
نسب موسى بن عمران وأخباره وما كان في عهده وعهد منوشهر بن منشخورنر الملك من الأحداث
قد ذكرنا أولاد يعقوب إسرائيل الله وعددهم وموالدهم فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق قال ثم إن لاوى بن يعقوب نكح نابتة ابنة ماري بن يشخر فولدت له عرشون بن لاوى ومرزى بن لاوى ومردى بن لاوى وقاهث بن لاوى فنكح قاهث بن لاوى فاهى ابنة مسين بن بتويل بن إلياس فولدت له يصهر بن قاهث فتزوج يصهر شميث ابنة بتاديت بن بركيا بن يقسان بن إبراهيم فولدت له عمران بن يصهر وقارون بن يصهر فنكح عمران يحيب ابنة شمويل بن بركيا بن يقسان بن إبراهيم فولدت له هارون بن عمران وموسى بن عمران
وقال غير ابن إسحاق كان عمر يعقوب بن إسحاق مائة وسبعا وأربعين سنة وولد لاوى له وقد مضى من عمره تسع وثمانون سنة وولد للاوى قاهث بعد أن مضى من عمر لاوى ست وأربعون سنة ثم ولد لقاهث يصهر ثم ولد ليصهر عمرم وهو عمران وكان عمر يصهر مائة وسبعا وأربعين سنة وولد له عمران بعد أن مضى من عمره ستون سنة ثم ولد لعمران موسى وكانت أمه يوخابد وقيل كان اسمها باختة وامرأته صفورا ابنة يترون وهو شعيب النبي صلى الله عليه و سلم وولد موسى جرشون وإيليعازر وخرج إلى مدين خائفا وله إحدى وإربعون سنة
وكان يدعو إلى دين إبراهيم وتراءى الله بطور سيناء وله ثمانون سنة وكان فرعون مصر في ايامه قابوس بن مصعب بن معاوية صاحب يوسف الثاني وكانت امرأته آسية ابنة مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد فرعون يوسف الأول فلما نودي موسى أعل أن قابوس بن مصعب قد مات وقام أخوه الوليد بن مصعب مكانه وكان أعتى من قابوس وأكفر وأفجر وأمر بأن يأتيه هو وأخوه هارون بالرسالة
قال ويقال إن الوليد تزوج آسية ابنة مزاحم بعد أخيه وكان عمر عمران مائة سنة وسبعا وثلاثين سنة وولد موسى وقد مضى من عمر عمران سبعون سنة ثم صار موسى إلى فرعون رسولا مع هارون وكان من مولد موسى إلى أن خرج ببني إسرائيل عن مصر ثمانون سنة ثم صار إلى التيه بعد أن عبر البحر فكان مقامهم هنالك إلى أن خرجوا مع يوشع بن نون أربعين سنة فكان ما بين مولد موسى إلى وفاته في التيه مائة وعشرين سنة
وأما ابن إسحاق فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال قبض الله يوسف وهلك الملك الذي كان معه الريان بن الوليد وتوارثت الفراعنة من العماليق ملك مصر فنشر الله
(1/231)
________________________________________
بها بني إسرائيل وقبر يوسف حين قبض كما ذكر لي في صندوق من مرمر في ناحية من النيل في جوف الماء فلم يزل بنو إسرائيل تحت أيدي الفراعنة وهم على بقايا من دينهم مما كان يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم شرعوا فيهم من الإسلام متمسكين به حتى كان فرعون موسى الذي بعثه الله إليه ولم يكن منهم فرعون أعتى منه على الله ولا أعظم قولا ولا أطول عمرا في ملكه منه وكان اسمه فيما ذكروا لي الوليد بن مصعب ولم يكن من الفراعنة فرعون أشد غلظة ولا أقسى قلبا ولا أسوأ ملكة لبني إسرائيل منه يعذبهم فيجعلهم خدما وخولا وصنفهم في أعماله فصنف يبنون وصنف يحرثون وصنف يزرعون له فهم في اعماله ومن لم يكن منهم في صنعة له من عمله فعليه الجزية فسامهم كما قال الله سوء العذاب وفيهم مع ذلك بقايا من أمر دينهم لا يريدون فراقه وقد استنكح منهم امرأة يقال لها آسية بنت مزاحم من خيار النساء المعدودات فعمر فيهم وهم تحت يديه عمرا طويلا يسومهم سوء العذاب فلما أراد الله أن يفرج عنهم وبلغ موسى الأشد أعطي الرسالة
قال وذكر لي أنه لما تقارب زمان موسى أتى منجمو فرعون وحزاته إليه فقالوا تعلم أنا نجد في علمنا أن مولودا من بني إسرائيل قد أظلك زمانه الذي يولد فيه يسلبك ملكك ويغلبك على سلطانك ويخرجك من أرضك ويبدل دينك فلما قالوا له ذلك أمر بقتل كل مولود يولد من بني إسرائيل من الغلمان وأمر بالنساء يستحيين فجمع القوابل من نساء أهل مملكته فقال لهن لا يسقطن على أيديكن غلام من بني إسرائيل إلا قتلتموه فكن يفعلن ذلك وكان يذبح من فوق ذلك من الغلمان ويأمر بالحبالى فيعذبن حتى يطرحن ما في بطونهن
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبي نجيح عن مجاهد قال لقد ذكر لي أنه كان يأمر بالقصب فيشق حتى يجعل أمثال الشفار ثم يصف بعضه إلى بعض ثم يأتي بالحبالى من بني إسرائيل فيوقفهن عليه فيحز أقدامهن حتى إن المرأة منهن لتمصع بولدها فيقع بين رجليها فتظل تطؤه تتقي به حز القصب عن رجليها لما بلغ من جهدها حتى أسرف في ذلك وكاد يفنيهم فقيل له أفنيت الناس وقطعت النسل وإنهم خولك وعمالك فأمر أن يقتل الغلمان عاما ويستحيوا عاما فولد هارون في السنة التي يستحيا فيها الغلمان وولد موسى في السنة التي فيها يقتلون فكان هارون أكبر منه بسنة
وأما السدي فإنه قال ما حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه كان من شأن فرعون أنه رأى رؤيا في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل وأخربت بيوت مصر فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة فسألهم عن رؤياه فقالوا له يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه يعنون بيت المقدس رجل يكون على وجهه هلاك مصر فأمر ببني إسرائيل ألا يولد لهم غلام إلا ذبحوه ولا يولد لهم جارية إلا تركت وقال للقبط انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجا فأدخلوهم واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة فجعل بني إسرائيل في أعمال غلمانهم وأدخلوا غلمانهم فذلك حين يقول الله إن
(1/232)
________________________________________
فرعون علا في الأرض يقول تجبر في الأرض وجعل أهلا شيعا يعني بني إسرائيل حين جعلهم في الأعمال القذرة يستضيف طائفة منهم يذبح أبناءهم ( 1 ) فجعل لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح فلا يكبر الصغير وقذف الله في مشيخة بني إسرائيل الموت فأسرع فيهم فدخل رؤوس القبط على فرعون فكلموه فقالوا إن هؤلاء القوم قد وقع فيهم الموت فيوشك أن يقع العمل على غلماننا نذبح أبناءهم فلا يبلغ الصغار ويفنى الكبار فلو أنك تبقي من أولادهم فأمر أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة فلما كان في السنة التي لا يذبحون فيها ولد هارون فترك فلما كان في السنة التي يذبحون فيها حملت أم موسى بموسى فلما أرادت وضعه حزنت من شأنه فأوحى الله إليها أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم وهو النيل ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ( 2 ) فلما وضعته أرضعته ثم دعت له نجارا فجعل له تابوتا وجعل مفتاح التابوت من داخل وجعلته فيه وألقته في اليم وقالت لإخته قصيه تعني قصي أثره فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون ( 3 ) أنها أخته فأقبل الموج بالتابوت يرفعه مرة ويخفضه أخرى حتى أدخله بين أشجار عند بيت فرعون فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدن التابوت فأدخلنه إلى آسية وظنن أن فيه مالا فلما نظرت إليه آسية وقعت عليه رحمتها وأحبته فلما أخبرت به فرعون أراد أ ن يذبحه فلم تزل آسية تكلمه حتى تركه لها قال إني أخاف أن يكون هذا من بني إسرائيل وأن يكون هذا الذي على يديه هلاكنا فذلك قول الله تعالى فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ( 4 ) فأرادوا له المرضعات فلم يأخذ من أحد من النساء وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع فأبى أن يأخذ فذلك قول الله وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت أخته هل أدلكم على بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ( 5 ) فأخذوها وقالوا إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله فقالت ما أعرفه ولكني إنما قلت هم للملك ناصحون
ولما جاءت أمه أخذ منها ثديها فكادت أن تقول هو ابني فعصمها الله فذلك قول الله إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ( 6 ) وإنما سمي موسى لأنهم وجدوه في ماء وشجر والماء بالقبطية مو والشجر شا فذلك قول الله عز و جل فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ( 7 ) فاتخذه فرعون ولدا فدعي ابن فرعون فلما تحرك الغلام أرته أمه آسية صبيا فبينما هي ترقصه وتلعب به إذ ناولته فرعون وقالت خذه قرة عين لي ولك قال فرعون هو قرة عين لك ولا لي قال عبدالله بن عباس لو أنه قال وهو لي قرة عين إذا لآمن به ولكنه أبى فلما أخذه إليه أخذ موسى بلحيته فنتفها فقال فرعون علي بالذباحين هذا هو قالت آسية لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ( 8 ) إنما هو صبي لا يعقل وإنما صنع هذا من صباه وقد علمت أنه ليس في أهل مصر امرأة أحلى مني أنا أضع له حليا من الياقوت وأضع له جمرا فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه وإن أخذ الجمر فإنما هو صبي فأخرجت له ياقوتها فوضعت له طستا من جمر فجاء جبرئيل فطرح في يده جمرة فطرحها موسى في
(1/233)
________________________________________
فيه فأحرق لسانه فهو الذي يقول الله عز و جل واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ( 4 ) فزالت عن موسى من أجل ذلك وكبر موسى فكان يركب مراكب فرعون ويلبس مثل ما يلبس وكان إنما يدعى موسى بن فرعون ثم إن فرعون ركب مركبا وليس عنده موسى فلما جاء موسى قيل له إن فرعون قد ركب فركب في أثره فأدركه المقيل بأرض يقال لها منف فدخلها نصف النهار وقد تغلقت أسواقها وليس في طرقها أحد وهو قول الله عز و جل ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته يقول هذا من بني إسرائيل وهذا من عدوه يقول من القبط فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين فأصبح في المدينة خائفا يترقب خائفا أن يؤخذ فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه يقول يستغيثه قال له موسى إنك لغوي مبين ( 2 ) ثم أقبل موسى لينصره فلما نظر إلى موسى قد أقبل نحوه ليبطش بالرجل الذي يقاتل الإسرائيلي قال الإسرائيلي وفرق من موسى أن يبطش به من أجل أنه أغلظ الكلام يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين ( 2 ) فتركه وذهب القبطي فأفشى عليه أن موسى هو الذي قتل الرجل فطلبه فرعون وقال خذوه فإنه صاحبنا وقال للذين يطلبونه اطلبوه في بنيات الطريق فإن موسى غلام لا يهتدي إلى الطريق وأخذ موسى في بنيات الطريق وجاءه الرجل وأخبره إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين ( 2 ) فلما أخذ موسى في بنيات الطريق جاءه ملك على فرس بيده عنزة فلما رآه موسى سجد له من الفرق فقال لا تسجد لي ولكن اتبعني فاتبعه فهداه نحو مدين وقال موسى وهو متوجه نحو مدين عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ( 2 ) فانطلق به الملك حتى انتهى به إلى مدين
حدثني العباس بن الوليد قال حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا أصبغ بن زيد الجهني قال حدثنا القاسم قل حدثني سعيد بن جبير قال سألت عبدالله بن عباس عن قول الله لموسى وفتناك فتونا ( 3 ) فسألته عن الفتون ما هي فقال لي استأنف النهار يابن جبير فإن لها حديثا طويلا قال فلما أصبحت غدوت على ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني قال فقال ابن عباس تذاكر فرعون وجلساؤه ما وعد الله إبراهيم من أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا فقال بعضهم إن بني إسرائيل لينتظرون ذلك ما يشكون ولقد كانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب فلما هلك قالوا ليس هكذا كان الله وعد إبراهيم قال فرعون فكيف ترون قال فائتمروا بينهم وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه فلما رأوا ان الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم وأن الصغار يذبحون قالوا توشكون أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم فاقتلوا عاما كل مولود ذكر فيقل أبناؤهم ودعوا عاما لا تقتلوا منهم أحدا فيشب الصغار
(1/234)
________________________________________
مكان من يموت من الكبار فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم ولن يقلوا بمن تقتلون فأجمعوا أمرهم على ذلك فحملت أم موسى بهارون في العام الذي الذي لا يذبح فيه الغلمان فولدته علانية آمنة حتى إذا كان العام المقبل حملت بموسى فوقع في قلبها الهم والحزن وذلك من الفتون يابن جبير مما دخل عليه في بطن أمه مما يراد به فأوحى الله إليها ألا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت ثم تلقيه في اليم فلما ولدته فعلت ما أمرت به حتى إذا توارى عنها ابنها أتاها إبليس فقالت في نفسها ما صنعت بابني لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه بيدي إلى حيتان الحبر ودوابه فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون فرأينه فأخذنه فهممن أن يفتحن التابوت فقال بعضهن لبعض إن في هذا مالا وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة فرعون بما وجدنا فيه فحملنه كهيئته لم يحركن منه شيئا حتى دفعنه إليها فلما فتحنه رأت فيه الغلام فألقى عليه منها محبة لم يلق مثلها منها على أحد من الناس واصبح فؤاد أم موس فارغا من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم يريدون أن يذبحوه وذلك من الفتون يابن جبير فقالت للذباحين انصرفوا فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل فآتي فرعون فاستوهبه إياه فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم وإن أمر بذبحه لم ألمكم فلما أتت به فرعون قالت قرة عين لي ولك لا تقتلوه قال فرعون يكون لك فأما أنا فلا حاجة لي فيه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون له قرة عين كا أقرت به لهداه الله به كما هدى به امرأته ولكن الله حرمه ذلك
فأرسلت إلى من حولها من كل أنثى لها لبن لتختار له ظئرا فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت فحزنها ذلك فأمرت به فأخرج إلى السوق مجمع الناس ترجو أن تصيب له ظئرا يأخذ منها فلم يقبل من أحد وأصبحت أم موسى فقالت لأخته قصيه واطلبيه هل تسمعين له ذكرا أحي ابني أم قد أكلته دواب البحر وحيتانه ونسيت الذي كان الله وعدها فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون فقالت من الفرح حين أعياهم الظئورات هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فأخذوها فقالوا وما يدريك ما نصحهم له هل تعرفينه حتى شكوا في ذلك وذلك من الفتون يابن جبير فقالت نصحهم له وشفقتهم عليه ورغبتهم في ظئورة الملك ورجاء منفعته فتركوها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر فجاءت فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها حتى امتلأ جنباه فانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرا فأرسلت إليها فأتيت بها وبه فلما رأت ما يصنع بها قالت امكثي عندي ترضعين ابني هذا فإني لم أحب حبه شيئا قط قال فقالت لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرا فعلت وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها فتعاسرت على امرأة فرعون وأيقنت أن الله عز و جل منجز وعده فرجعت بابنها إلى بيتها من يومها فأنبته الله نباتا حسنا وحفظه لما قضى فيه فلم تزل بنو إسرائيل وهم مجتمعون في ناحية المدينة يمتنعون به من الظلم والسخر التي كانت فيهم فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى أريد أن تريني موسى فوعدتها يوما تريها إياه فيه فقالت لحواضنها وظئورها وقهارمتها لا يبقين أحد منكم إلا استقبل
(1/235)
________________________________________
ابني بهدية وكرامة ليرى ذلك وأنا باعثة أمينة تحصي ما يصنع كل إنسان منكم فلم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل عل امراة فرعون فلما دخل عليها بجلته وأكرمته وفرحت به وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه وقالت انطلقن به إلى فرعون فليبجله وليكرمه فلما دخلن به على فرعون وضعنه في حجره فتناول موسى لحية فرعون حتى مدها فقال عدو من أعداء الله ألا ترى ما وعد الله إبراهيم أنه سيصرعك ويعلوك فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه وذلك من الفتون يابن جبير بعد كل بلاء ابتلى به وأريد به فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون فقالت ما بدا لك في هذا الصبي الذي وهبته لي قال ألا ترينه يزعم أنه سيصرعني ويعلوني فقالت اجعل بيني وبينك أمرا يعرف فيه الحق ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقربهن إليه فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمت أنه يعقل وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين فاعلم أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل فقرب ذلك إليه فتناول الجمرتين فنزعوهما منه مخافة أن تحرقا يده فقالت المرأة ألا ترى فصرفه الله عنه بعد ما كان قد هم به وكان الله بالغا فيه أمره فلما بلغ أشده وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل امتناع فبينما هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى واشتد غضبه لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم ولا يعلم الناس إلا أنما ذلك من قبل الرضاعة غير أم موسى إلا أن يكون الله عز و جل أطلع موسى من ذلك على ما يطلع عليه غيره فوكز موسى الفرعوني فقتله وليس يراهما إلا الله عز و جل والإسرائيلي فقال موسى حين قتل الرجل هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ( 1 ) ثم قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم ( 1 ) فأصبح في المدينة خائفا يترقب الأخبار فأتى فرعون فقيل له إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم في ذلك فقال ابغوني قاتله ومن يشهد عليه لأنه لا يستقيم أن نقضي بغير بينة ولا ثبت فطلبوا له ذلك فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة إذ مر موسى من الغد فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى وقد ندم على ما كان منه بالأمس وكره الذي رأى فغضب موسى فمد يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم إنك لغوي مبين ( 2 ) فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال ما قال فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني فخاف أن يكون بعد ما قال له إنك لغوي مبين أن يكون إياه أراد ولم يكن أراده وإنما أراد الفرعوني فخاف الإسرائيلي فحاجز الفرعوني وقال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله فتتاركا فانطلق الفرعوني إلى قومه فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس فأرسل فرعون الذباحين وسلك موسى الطريق الأعظم وطلبوه وهم لا يخافون أن يفوتهم وكان رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقا قريبا حتى سبقهم إلى موسى فأخبره الخبر وذلك من الفتون يابن جبير
(1/236)
________________________________________
ثم رجع الحديث إلى حديث السدي قال فلما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ( 1 ) يقول كثرة من الناس يسقون
وقد حدثنا أبو عمار المروزي قال حدثنا الفضل بن موسى عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال خرج موسى من مصر إلى مدين وبينهما مسيرة ثمان ليال قال وكان يقال نحو من الكوفة إلى البصرة ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر فخرج حافيا فما وصل إليها حتى وقع خف قدمه
حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثام قال حدثنا الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بنحوه
رجع الحديث إلى حديث السدي ووجد من دونهم امرأتين تذودان يقول تحبسان غنمهما فسألهما ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ( 1 ) فرحمهما موسى فأتى البئر فاقتلع صخرة على البئر كان النفر من أهل مدين يجتمعون عليها حتى يرفعوها فسقى لهما موسى دلوا فأروتا غنمهما فرجعتا سريعا وكانتا إنما تسقيان من فضول الحياض ثم تولى موسى إلى ظل شجرة من السمر فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ( 1 ) قال قال ابن عباس لقد قال موسى ولو شاء إنسان أن ينظر إلى خضرة أمعائه من شدة الجوع ما يسأل الله إلا أكلة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا حكام بن سلم عن عنبسة عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عز و جل ولما ورد ماء مدين قال وردالماء وإنه ليتراءى خضرة البقل في بطنه من الهزال فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير قال شبعة
رجع الحديث إلى حديث السدي فلما رجعت الجاريتان إلى أبيهما سريعا سألهما فأخبرتاه خبر موسى فأرسل إحداهما فأتته تمشي على استحياء وهي تستحيي منه قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فقام معها وقال لها امضي فمشت بين يديه فضربتها الرياح فنظر إلى عجيزتها فقال لها موسى امشي خلفي ودليني على الطريق إن أخطأت فلما أتى الشيخ وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين وهي الجارية التي دعته قال الشيخ هذه القوة قد رأيت حين اقتلع الصخرة أرايت أمانته ما يدريك ما هي قالت إني مشيت قدامه فلم يحب أن يخونني في نفسي وأمرني أن أمشي خلفه قال له الشيخ إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني إلى أيما الأجلين قضيت إما ثمانيا وإما عشرا والله على ما نقول وكيل ( 2 )
قال ابن عباس الجارية التي دعته هي التي تزوج بها فأمر إحدى ابنتيه أن تأتيه بعصا فأتته بعصا وكانت تلك العصا عصا استودعها إياه ملك في صورة رجل فدفعها إليه فدخلت الجارية فأخذت
(1/237)
________________________________________
العصا فأتته بها فلما رآها الشيخ قال لها لا إيتيه بغيرها فألقتها فأخذت تريد أن تأخذ غيرها فلا يقع في يدها إلا هي وجعل يرددها فكل ذلك لا يخرج في يدها غيرها فلما رأى ذلك عمد إليها فأخرجها معه فرعى بها ثم إن الشيخ قدم وقال كانت وديعة فخرج يتلقى موسى فلما لقيه قال أعطني العصا فقال موسى هي عصاي فأبى أن يعطيه فاختصما بينهما ثم تراضيا أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما فأتاهما ملك يمشي فقضى بينهما فقال ضعاها في الأرض فمن حملها فهي له فعالجها الشيخ فلم يطقها وأخذها موسى بيده فرفعها فتركها له الشيخ فرعى له عشر سنين
قال عبدالله بن عباس كان موسى أحق بالوفاء
حدثني أحمد بن محمد الطوسي قال حدثنا الحميدي عبدالله بن الزبير قال حدثنا سفيان قال حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال سألت جبرئيل أي الأجلين قضى موسى قال أتمهما وأكملهما
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير قال قال لي يهودي بالكوفة وأنا أتجهز للحج إني أراك رجلا يتبع العلم أخبرني أي الأجلين قضى موسى قلت لا أعلم وأنا الآن قادم على حبر العرب يعني ابن عباس فسأسأله عن ذلك فلما قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك وأخبرته بقول اليهودي فقال ابن عباس قضى أكثرهما وأطيبهما إن النبي إذا وعد لم يخلف قال سعيد فقدمت العراق فلقيت اليهودي فأخبرته فقال صدق وما أنزل الله على موسى هذا والله العالم
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا يزيد قال أخبرنا الأصبغ بن زيد عن القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير قال سألني رجل من أهل النصرانية أي الأجلين قضى موسى قلت لا أعلم وأنا يومئذ لا أعلم فلقيت ابن عباس فذكرت له الذي سألني عنه النصراني فقال أما كنت تعلم أن ثمانيا واجبة عليه لم يكن نبي لينقص منها شيئا وتعلم أن الله كان قاضيا عن موسى عدته التي وعده فإنه قضى عشر سنين
حدثنا القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج قال أخبرني وهب بن سليمان الذماري عن شعيب الجبائي قال اسم الجاريتين ليا وصفورة وامرأة موسى صفورة ابنة يترون كاهن مدين والكاهن حبر
حدثني أبو السائب قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة قال كان الذي استأجر موسى يترون ابن أخي شعيب النبي
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا ا لعلاء بن عبدالجبار عن حماد بن سلمة عن أبي جمرة عن ابن عباس قال الذي استأجر موسى اسمه يثرى صاحب مدين
حدثني إسماعيل بن الهيثم أبو العالية قال حدثنا أبو قتيبة عن حماد بن سلمة عن أبي جمرة عن ابن عباس قال اسم أبي امرأة موسى يثرى
(1/238)
________________________________________
رجع الحديث إلى حديث السدي فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله فضل الطريق قال عبدالله بن عباس كان في الشتاء ورفعت له نار فلما ظن أنها نار وكانت من نور الله قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر فإن لم أجد خبرا أتيتكم منها بشهاب قبس لعلكم تصطلون قال من البرد فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة ( 1 ) أن بورك من في النار ومن حولها ( 2 ) فلما سمع موسى النداء فزع وقال الحمد لله رب العالمين فنودي يا موسى إني أنا الله رب العالمين ( 3 ) وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي يقول أضرب بها الورق فيقع للغنم من الشجر ولي فيها مآرب أخرى يقول حوائج أخرى أحمل عليها المزود والسقاء فقال له ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى ( 4 ) فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يقول لم ينتظر فنودي يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون ( 5 ) أقبل ولا تخف إنك من الآمنين ( 6 ) واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك ( 6 ) العصا واليد آيتان فذلك حين يدعو موسى ربه فقال رب إني قتلت منه نفسا فأخاف أن يقتلون وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني يقول كيما يصدقني إني أخاف أن يكذبون ( 6 ) قال ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون يعني بالقتيل قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا والسلطان الحجة فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون ( 6 ) فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين ( 7 )
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة فلما قضى موسى الأجل خرج فيما ذكر لي ابن إسحاق عن وهب بن منبه اليماني فيما ذكر له عنه ومعه غنم له ومعه زند له وعصاه في يده يهش بها على غنمه نهاره فإذا أمسى اقتدح بزنده نارا فبات عليها هو وأهله وغنمه فإذا أصبح غدا بأهله وبغنمه يتوكأ على عصاه وكانت كما وصف لي عن وهب بن منبه ذات شعبتين في رأسها ومحجن في طرفها
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عمن لا يتهم من أصحابه أن كعب الأحبار قدم مكة وبها عبدالله بن عمرو بن العاص فقال كعب سلوه عن ثلاث فإن أخبركم فإنه عالم سلوه عن شيء من الجنة وضعه الله للناس في الأرض وسلوه ما أول ما وضع في الأرض وما أول شجرة غرست في الأرض فسئل عبدالله عنها فقال أما الشيء الذي وضعه الله للناس في الأرض من الجنة فهو هذا الركن الأسود وأما أول ما وضع في الأرض فبرهوت باليمن يرده هام الكفار وأما أول شجرة غرسها الله في الأرض فالعوسجة التي اقتطع منها موسى عصاه فلما بلغ ذلك كعبا قال صدق الرجل عالم والله
قال فلما كانت الليلة التي أراد الله بموسى كرامته وابتدأه فيها بنبوته وكلامه أخطأ فيها الطريق حتى لا يدري أين يتوجه فأخرج زنده ليقدح نارا لأهله ليبيتوا عليها حتى يصبح ويعلم وجه سبيله فأصلد عليه زنده فلا يوري له نارا فقدح حتى إذا أعياه لاحت النار فرآها فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي
(1/239)
________________________________________
آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى ( 1 ) بقبس تصطلون وهدى عن علم الطريق الذي أضللنا بنعت من خبير فخرج نحوها فإذا هي في شجرة من العليق وبعض أهل الكتاب يقول في عوسجة فلما دنا استأخرت عنه فلما رأى استئخارها رجع عنها وأوجس في نفسه منها خيفة فلما أراد الرجعة دنت منه ثم كلم من الشجرة فلما سمع الصوت استأنس وقال الله يا موسى اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى ( 2 ) فألقاهما ثم قال ما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى أي منافع أخرى قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى ( 3 ) قد صار شعبتاها فمها وصار محجنها عرفا لها في ظهر تهتز لها أنياب فهي كما شاء الله أن تكون فرأى أمرا فظيعا فولى مدبرا ولم يعقب فناداه ربه أن يا موسى أقبل ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى ( 4 ) أي سيرتها عصا كما كانت قال فلما أقبل قال خذها ولا تخف ( 1 ) أدخل يدك في فمها وعلى موسى جبة من صوف فلف يده بكمه وهو لها هائب فنودي أن ألق كمك عن يدك فألقاه عنها ثم أدخل يده بين لحييها فلما أدخلها قبض عليها فإذا هي عصاه في يده ويده بين شعبتيها حيث كان يضعها ومحجنها بموضعه الذي كان لا ينكر منها شيئا ثم قيل أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء ( 5 ) أي من غير برص وكان موسى عليه السلام رجلا آدم أقنى جعدا طوالا فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء مثل الثلج ثم ردها في جيبه فخرجت كما كانت على لونه ثم قال فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه أنهم كانوا قوما فاسقين قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني أي يبين لهم عني ما أكلمهم به فإنه يفهم عني ما لا يفهمون قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون ( 6 )
رجع الحديث إلى حديث السدي فأقبل موسى إلى أهله فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلا فتضيف على أمه وهو لا يعرفهم فأتاهم في ليلة كانوا يأكلون فيها الطفيشل فنزل في جانب الدار فجاء هارون فلما أبصر ضيفه سأل عنه أمه فأخبرته أنه ضيف فدعاه فأكل معه فلما أن قعدا تحدثا فسأله هارون من أنت قال أنا موسى فقام كل واحد منهما إلى صاحبه فاعتنقه فلما أن تعارفا قال له موسى يا هارون انطلق معي إلى فرعون إن شاء الله قد أرسلنا إليه فقال هارون سمع وطاعة فقامت أمهما فصاحت وقالت أنشدكما الله ألا تذهبا إلى فرعون فيقتلكما فأبيا فانطلقا إليه ليلا فأتيا الباب فضرباه ففزع فرعون وفزع البواب وقال فرعون من هذا الذي يضرب بابي في هذه الساعة فأشرف عليهما البواب فكلمهما فقال له موسى إني رسول رب العالمين ( 7 ) ففزع البواب فأتى فرعون فأخبره فقال إن هاهنا إنسانا مجنونا يزعم أنه رسول رب العالمين قال أدخله فدخل فقال إني رسول رب العالمين أن أرسل معي بني إسرائيل فعرفه فرعون فقال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت
(1/240)
________________________________________
وأنت من الكافرين معنا على ديننا الذي تعيب قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما والحكم النبوة وجعلني من المرسلين وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وربيتني قبل وليدا قال فرعون وما رب العالمين ( 1 ) فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ( 2 ) يقول أعطى كل دابة زوجها ثم هدى للنكاح ثم قال له إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ( 3 ) وذلك بعد ما قال له من الكلام ما ذكر الله تعالى قال موسى أو لو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ( 4 ) والثعبان الذكر من الحيات فاتحة فاها واضعة لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه فلما رآها ذعر منها ووثب فأحدث ولم يكن يحدث قبل ذلك وصاح يا موسى خذها وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل فأخذها موسى فعادت عصا ثم نزع يده وأخرجها من جيبه فإذا هي بيضاء للناظرين فخرج موسى من عنده على ذلك وأبى فرعون أن يؤمن به أو يرسل معه بني إسرائيل وقال لقومه يأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى ( 5 ) فلما بنى له الصرح ارتقى فوقه فأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء فردت إليه وهي ملطخة دما فقال قد قتلت إله موسى
حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة فأوقد لي يا هامان على الطين قال كان أول من طبخ الآجر يبني به الصرح
وأما ابن إسحاق فإنه قال ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال خرج موسى لما بعثه الله عز و جل حتى قدم مصر على فرعون هو وأخوه هارون حتى وقفا على باب فرعون يلتمسان الإذن عليه وهما يقولان إنا رسولا رب العالمين فآذنوا بنا هذا الرجل فمكثا فيما بلغنا سنتين يغدوان على بابه ويروحان لا يعلم بهما ولا يجترئ أحد على أن يخبره بشأنهما حتى دخل عليه بطال له يلعبه ويضحكه فقال له أيها الملك إن على الباب رجلا يقول قولا عجيبا يزعم أن له إلها غيرك قال أدخلوه فدخل ومعه هارون أخوه وبيده عصاه فلما وقف على فرعون قال له إني رسول رب العالمين فعرفه فرعون فقال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين قال فعلتها إذا وأنا من الضالين أي خطأ لا أريد ذلك ثم أقبل عليه موسى ينكر عليه ما ذكر من يده عنده فقال وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل أي اتخذتهم عبيدا تنزع أبناءهم من أيديهم فتسترق من شئت وتقتل من شئت إني إنما صيرني إلى بيتك وإليك ذلك قال فرعون وما رب العالمين ( 6 ) أي يستوصفه إلهه الذي أرسله إليه أي ما إلهك هذا قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله من ملئه ألا تستمعون أي إنكارا لما قال ليس له إله غيري قال ربكم ورب آبائكم الأولين الذي خلق آباءكم الأولين وخلفكم من آبائكم قال فرعون إن
(1/241)
________________________________________
رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون أي ما هذا بكلام صحيح إذ يزعم أن لكم إلها غيري قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون أي خالق المشرق والمغرب وما بينهما من الخلق إن كنتم تعقلون قال لئن اتخذت ألها غيري لتعبد غيري وتترك عبادتي لأجعلنك من المسجونين قال أولو جئتك بشيء مبين ( 1 ) أي بما تعرف بها صدقي وكذبك وحقي وباطلك قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ( 1 ) فملأت ما بين سماطي فرعون فاتحة فاها قد صار محجنها عرفا على ظهرها فارفض عنها الناس وحال فرعون عن سريره ينشده بربه ثم أدخل يده في جيبه فأخرجها بيضاء مثل الثلج ثم ردها كهيئتها وأدخل موسى يده في جيبه فصارت عصا في يده يده بين شعبتيها ومحجنها في أسفلها كما كانت وأخذ فرعون بطنه وكان فيما يزعمون يمكث الخمس والست ما يلتمس المذهب يريد الخلاء كما يلتمسه الناس وكان ذلك مما زين له أن يقول ما يقول إنه ليس من الناس بشبه
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال حدثت عن وهب بن منبه اليماني قال فمشى بضعا وعشرين ليلة حتى كادت نفسه أن تخرج ثم استمسك فقال لملئه إن هذا لساحر عليم أي ما ساحر أسحر منه يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون ( 2 ) أقتله فقال مؤمن من آل فرعون العبد الصالح وكان اسمه فيما يزعمون حبرك أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم بعصاه ويده ثم خوفهم عقاب الله وحذرهم ما أصاب الأمم قبلهم وقال يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ( 3 ) وقال الملأ من قومه وقد وهنهم من سلطان الله ما وهنهم أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم ( 4 ) أي كاثره بالسحرة لعلك أن تجد في السحرة من جاء بمثل ما جاء به وقد كان موسى وهارون خرجا من عنده حين أراهم من سلطان الله ما أراهم وبعث فرعون مكانه في مملكته فلم يترك في سلطانه ساحرا إلا أتى به فذكر لي والله أعلم أنه جمع له خمسة عشر ألف ساحر فلما اجتمعوا إليه أمرهم أمره فقال لهم قد جاءنا ساحر ما رأينا مثله قط وإنكم إن غلبتموه أكرمتكم وفضلتكم وقربتكم على أهل مملكتي قالوا إن لنا ذلك عليك إن غلبناه قال نعم قالوا فعد لنا موعدا نجتمع نحن وهو فكان رؤوس السحرة الذين جمع فرعون لموسى ساتور وعادور وحطحط ومصفى أربعة وهم الذين آمنوا حين رأوا ما رأوا من سلطان الله فآمنت السحرة جميعا وقالوا لفرعون حين توعدهم القتل والصلب لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض ( 5 ) فبعث فرعون إلى موسى أن اجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى قال موعدكم يوم الزينة يوم عيد كان فرعون يخرج إليه وأن يحشر الناس ضحى ( 6 ) حتى يحضروا أمري وأمرك فجمع فرعون الناس لذلك الجمع ثم أمر السحرة فقال
(1/242)
________________________________________
ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى ( 1 ) أي قد أفلح من استعلى اليوم على صاحبه فصف خمسة عشر ألف ساحر مع كل ساحر حباله وعصيه وخرج موسى ومعه أخوه يتكئ على عصاه حتى أتى الجمع وفرعون في مجلسه ومعه أشراف أهل مملكته وقد استكف له الناس فقال موسى للسحرة حين جاءهم ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى ( 2 ) فتراد السحرة بينهم وقال بعضهم لبعض ما هذا بقول ساحر ثم قالوا وأشار بعضهم إلى بعض بتناج إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى ( 3 ) ثم قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ( 4 ) فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون ثم أبصار الناس بعد ثم ألقى كل رجل منهم ما في يده من الصعي والحبال فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا فأوجس في نفس خيفة موسى ( 4 ) وقال والله إن كانت لعصيا في أيديهم ولقد عادت حيات وما تعدو عصاي هذه أو كما حدث نفسه فأوحى الله إليه وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى ( 5 ) وفرج عن موسى فألقى عصاه من يده فاستعرضت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم وهي حيات في عين فرعون وأعين الناس تسعى فجعلت تلقفها تبتلعها حية حية حتى ما يرى في الوادي قليل ولا كثير مما ألقوا ثم أخذها موسى فإذا هي عصاه في يده كما كانت ووقع السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى لو كان هذا سحرا ما غلبنا قال لهم فرعون وأسف ورأى الغلبة البينة آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر أي لعظيم السحار الذي علمكم فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف إلى قوله فاقض ما أنت قاض أي لن نؤثرك على الله وعلى ما جاءنا من الحجج مع نبيه فاقض ما أنت قاض أي فاصنع ما بدا لك إنما تقضي هذه الحياة الدنيا التي ليس لك سلطان إلا فيها ثم لا سلطان لك بعدها إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى ( 6 ) أي خير منك ثوابا وأبقى عقابا فرجع عدو الله مغلوبا ملعونا ثم أبى إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر فتابع الله عليه بالآيات وأخذه بالسنين فأرسل عليه الطوفان
رجع الحديث إلى حديث السدي وأما السدي فإنه قال في خبره ذكر أن الآيات التي ابتلى الله بها قوم فرعون كانت قبل اجتماع موسى والسحرة وقال لما رجع إليه السهم ملطخا بالدم قال قد قتلنا إله موسى ثم إن الله أرسل عليهم الطوفان وهو المطر فغرق كل شيء لهم فقالوا يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فكشفه الله عنهم ونبتت زروعهم فقالوا ما يسرنا أنا لم نمطر فبعث الله عليهم الجراد فأكل حروثهم فسألوا موسى أن يدعو ربه فيكشفه ويؤمنوا به فدعا فكشفه وقد بقي من زروعهم بقية فقالوا لن نؤمن وقد بقي لنا من زروعنا بقية فبعث الله عليهم الدبا وهو القمل فلحس الأرض كلها وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيعضه وكان أحدهم يأكل الطعام فيمتلئ دبا حتى إن أحدهم ليبني الأسطوانة بالجص والآجر فيزلقها حتى لا يرتقي فوقها شيء
(1/243)
________________________________________
من الذباب ثم يرفع فوقها الطعام فإذ اصعد إليه ليأكله وجده ملآن دبا فلم يصبهم بلاء كان أشد عليهم من الدبا وهو الرجز الذي ذكره الله في القرآن أنه وقع عليهم فسألوا موسى أن يدعو ربه فيكشفه عنهم ويؤمنوا به فلما كشف عنهم أبوا أن يؤمنوا فأرسل الله عليهم الدم فكان الإسرائيلي يأتي هو والقبطي فيستقيان من ماء واحد فيخرج ماء هذا القبطي دما ويخرج للإسرائيلي ماء فلما اشتد ذلك عليهم سألوا موسى أن يكشفه ويؤمنوا به فكشف ذلك عنهم فأبوا أن يؤمنوا فذلك حين يقول الله فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون ( 1 ) ما أعطوا من العهود وهو حين يقول ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين وهو الجوع ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون ( 2 )
ثم إن الله عز و جل أوحى إلى موسى وهارون أن قولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ( 3 ) فأتياه فقال له موسى هل لك يا فرعون في أن أعطيك شبابك ولا تهرم وملكك لا ينزع منك ويرد إليك لذة المناكح والمشارب والركوب فإذا مت دخلت الجنة تؤمن بي فوقعت في نفسه هذه الكلمات وهي اللينة فقال كما أنت حتى يأتي هامان فلما جاء هامان قال له [ أشعرت ] أن ذلك الرجل أتاني قال من هو وكان قبل ذلك إنما يسميه الساحر فلما كان ذلك ا ليوم لم يسمه الساحر قال فرعون موسى قال وما قال لك قال قال لي كذا وكذا قال هامان وما رددت عليه قال قلت حتى يأتي هامان فأستشيره فعجزه هامان وقال قد كان ظني بك خيرا من هذا تصير عبدا يعبد بعد أن كنت ربا يعبد فذلك حين خرج عليهم فقال لقومه وجمعهم فقال أنا ربكم الأعلى ( 4 ) وكان بين كلمته ما علمت لكم من إله غيري ( 5 ) وبين قوله أنا ربكم الأعلى أربعون سنة وقال لقومه إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالو أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم ( 6 ) قال فرعون أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى يقول عدلا قال موسى موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى وذلك يوم عيد لهم فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى ( 7 ) وأرسل فرعون في المدائن حاشرين فحشروا عليه السحرة وحشروا الناس ينظرون يقول هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين إلى قوله أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين يقول عطية تعطينا قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين ( 8 ) فقال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب يقول يهلككم بعذاب فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى من دون موسى وهارون وقالوا في نجواهم إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى ( 9 ) يقول يذهبا بأشراف قومكم
فالتقى موسى وأمير السحرة فقال له موسى أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به حق
(1/244)
________________________________________
قال نعم قال الساحر لآتين غدا بسحر لا يغلبه سحر فوالله لئن غلبتني لأومنن بك ولأشهدن أنك على حق وفرعون ينظر إليهما وهو قول فرعون إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة إذ التقيتما لتتظاهرا لتخرجوا منها أهلها ( 1 ) فقالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين ( 2 ) قال لهم موسى ألقوا فألقوا حبالهم وعصيهم وكانوا بضعة وثلاثين ألف رجل ليس منهم رجل إلا ومعه حبل وعصا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم ( 2 ) يقول فرقوهم فأوجس في نفسه خيفة موسى ( 3 ) فأوحى الله إليه ألا تخف وألق ما في يمنيك تلقف ما صنعوا ( 4 ) فألقى موسى عصاه فأكلت كل حية لهم فلما رأوا ذلك سجدوا وقالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون ( 5 ) قال فرعون فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ( 6 ) فقتلهم وقطعهم كما قال عبدالله بن عباس حين قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين ( 7 ) قال كانوا في أول النهار سحرة وفي آخر النهار شهداء
ثم أقبل على بني إسرائيل فقال له قومه أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك ( 8 ) وآلهته فيما زعم ابن عباس كانت البقر كانوا إذ رأوا بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها فلذلك أخرج لهم عجلا بقرة
ثم إن الله تعالى ذكره أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل فقال أن أسر بعبادي ليلا إنكم متبعون ( 9 ) فأمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا وأمرهم أن يستعيروا الحلي من القبط وأمر ألا ينادي إنسان صاحبه وأن يسرجوا في بيوتهم حتى الصبح وأن من خرج إذا قال موسى قال عمرو وأمر من خرج يلطخ بابه بكف من دم حتى يعلم أنه قد خرج وإن الله أخرج كل ولد زنا في القبط من بني إسرائيل إلى بني إسرائيل وأخرج كل ولد زنا في بني إسرائيل من القبط إلى القبط حتى أتوا آباءهم
ثم خرج موسى ببني إسرائيل ليلا والقبط لا يعلمون وقد دعوا قبل ذلك على القبط فقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا إلى قوله حتى يروا العذاب الأليم ( 10 ) فقال الله تعالى قد أجيبت دعوتكما فزعم السدي أن موسى هو الذي دعا وأمن هارون فذلك حين يقول الله قد أجيبت دعوتكما ( 10 )
وقوله ربنا اطمس على أموالهم ( 10 ) فذكر أن طمس الأموال أنه جعل دراهمهم ودنانيرهم حجارة ثم قال لهما استقيما فخرجا في قومهما وألقي على القبط الموت فمات كل بكر رجل فأصبحوا يدفنونهم فشغلوا عن طلبهم حتى طلعت الشمس فذلك حين يقول الله فأتبعوهم مشرقين ( 11 )
(1/245)
________________________________________
وكان موسى على ساقة بني إسرائيل وكان هارون أمامهم يقدمهم فقال المؤمن لموسى يا نبي الله أين أمرت قال البحر فأراد أن يقتحم فمنعه موسى وخرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل لا يعدون ابن العشرين لصغره ولا ابن الستين لكبره وإنما عدوا ما بين ذلك سوى الذرية وتبعهم فرعون وعلى مقدمته هامان في ألف الف وسبعمائة ألف حصان ليس فيها ماذيانة وذلك حين يقول الله فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون يعني بني إسرائيل وإنا لجميع حاذرون ( 1 ) يقول قد حذرنا فأجمعنا أمرنا فلما تراءى الجمعان فنظرت بنو إسرائيل إلى فرعون قد ردفهم قالوا إنا لمدركون ( 2 ) قالوا يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا كانوا يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا إنا لمدركون البحر من بين أيدينا وفرعون من خلفنا قال موسى كلا إن معي ربي سيهدين ( 2 ) يقول سيكفيني قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ( 3 ) فتقدم هارون فضرب البحر فأبى البحر أن ينفتح وقال من هذا الجبار الذي يضربني حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد وضربه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ( 4 ) يقول كالجبل العظيم فدخلت بنو إسرائيل وكان في البحر اثنا عشر طريقا في كل طريق سبط وكأن الطرق إذ انفلقت بجدران فقال كل سبط قد قتل أصحابنا فلما رأى ذلك موسى دعا الله فجعلها لهم قناطر كهيئة الطيقان فنظر آخرهم إلى أولهم حتى خرجوا جميعا ثم دنا فرعون وأصحابه فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقا قال ألا ترون البحر فرق مني وقد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم فذلك قول الله وأزلفنا ثم الآخرين ( 5 ) يقول قربنا ثم الآخرين هم آل فرعون
فلما قام فرعون على أفواه الطرق أبت خيله أن تقتحم فنزل جبرئيل على ماذيانة فشمت الحصن ريح الماذيانة فاقتحمت في أثرها حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم وتفرد جبرئيل بفرعون بمقلة من مقل البحر فجعل يدسها في فيه فقال حين أدركه الغرق آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين فبعث الله إليه ميكائيل يعيره قال آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ( 6 ) فقال جبرئيل يا محمد ما أبغضت أحدا من الخلق ما أبغضت رجلين أما أحدهما فمن الجن وهو إبليس حين أبى أن يسجد لآدم وأما الآخر فهو فرعون حين قال أنا ربكم الأعلى ولو رأيتني يا محمد وأنا آخذ مقل البحر فأدخله في فم فرعون مخافة أن يقول كلمة يرحمه الله بها وقالت بنو إسرائيل لم يغرق فرعون الآن يدركنا فيقتلنا فدعا الله موسى فأخرج فرعون في ستمائة ألف وعشرين ألفا عليهم الحديد فأخذته بنو إسرائيل يمثلون به وذلك قول الله لفرعون فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية ( 6 ) يقول لبني إسرائيل آية فلما أرادوا أن يسيروا ضرب عليهم تيه فلم يدروا أين يذهبون فدعا موسى مشيخة بني إسرائيل فسألهم ما بالنا فقالوا له إن يوسف لما مات بمصر أخذ على إخوته عهدا ألا تخرجوا من مصر حتى تخرجوني معكم فذلك هذا الأمر فسألهم
(1/246)
________________________________________
أين موضع قبره فلم يعلموا فقام موسى ينادي أنشد الله كل من كان يعلم أين موضع قبر يوسف إلا أخبرني به ومن لم يعلم فصمت أذناه عن قولي وكان يمر بين الرجلين ينادي فلا يسمعان صوته حتى سمعته عجوز لهم فقالت أرأيتك إن دللتك على قبره أتعطيني كل ما سألتك فأبى عليها وقال حتى أسأل ربي فأمره الله عز و جل أن يعطيها فأتاها فأعطاها فقالت إني أريد ألا تنزل غرفة من الجنة إلا نزلتها معك قال نعم قالت إني عجوز كبيرة لا أستطيع أن أمشي فاحملني فحملها فلما دنا من النيل قالت إنه في جوف الماء فادع الله أن يحسر عنه الماء فدعا الله فحسر الماء عن القبر فقالت احفره ففعل فحمل عظامه ففتح لهم الطريق فساروا فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه يقول مهلك ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ( 1 )
فأما ابن إسحاق فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه فتابع الله عليه بالآيات يعني على فرعون وأخذه بالسنين إذ أبى أن يؤمن بعد ما كان من أمره وأمر السحرة ما كان فأرسل عليه الطوفان ثم الجراد ثم القمل ثم الضفادع ثم الدم آيات مفصلات أي آية بعد آية يتبع بعضها بعضا فأرسل الطوفان وهو الماء ففاض على وجه الأرض ثم ركد لا يقدرون على أن يحرثوا ولا يعملوا شيئا حتى جهدوا جوعا فلما بلغهم ذلك قالوا يا موسى ادع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل ( 2 ) فدعا موسى ربه فكشفه عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا فأرسل الله عليهم الجراد فأكل الشجر فيم بلغني حتى إنه كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم فقالوا مثل ما قالوا فدعا ربه فكشفه عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا فأرسل الله عليهم القمل فذكر لي أن موسى أمر أن يمشي إلى كثيب فيضربه بعصاه فمشى إلى كثيب أهيل عظيم فضربه بها فانثال عليهم قملا حتى غلب على البيوت والأطعمة ومنعهم النوم والقرار فلما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا فأرسل الله عليهم الضفادع فملأت البيوت والأطعمة والآنية فلا يكشف أحد منهم ثوبا ولا طعاما ولا إناء إلا وجد فيه الضفادع قد غلبت عليه فلما جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياه آل فرعون دما لا يستقون من بئر ولا نهر ولا يغترفون من إناء إلا عادت دما عبيطا
حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة قال فحدثني محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي أنه حدث أن المرأة من آل فرعون كانت تأتي المرأة من بني إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول اسقيني من مائك فتغرف لها من جرتها أو تصب لها من قربتها فيعود في الإناء دما حتى إن كانت لتقول لها اجعليه في فيك ثم مجيه في في فتأخذ في فيها ماء فإذا مجته في فيها صار دما فمكثوا في ذلك سبعة أيام فقالوا ادع لنا ربك با عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل ( 3 ) فلما كشف عنهم الرجز نكثوا ولم يفوا بشيء مما قالوا فأمر الله موسى أن يسير وأخبره أنه
(1/247)
________________________________________
منجيه ومن معه ومهلك فرعون وجنوده وقد دعا موسى عليهم بالطمسة فقال ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك إلى ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ( 1 ) فمسخ الله أموالهم حجارة النخل والرقيق والأطعمة فكانت إحدى الآيات التي أراهن الله فرعون
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي قال سألني عمر بن عبدالعزيز عن التسع الآيات التي أراهن الله فرعون فقلت الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وعصاه ويده والطمسة والبحر فقال عمر فأنى عرفت أن الطمسة إحداهن قلت دعا عليهم موسى وأمن هارون فمسخ الله أموالهم حجارة فقال كيف يكون الفقه إلا هكذا ثم دعا بخريطة فيها أشياء مما كان أصيب لعبدالعزيز بن مروان بمصر إذ كان عليها من بقايا أموال آل فرعون فأخرج البيضة مقشورة نصفين وإنها لحجر والجوزة مقشورة وإنها لحجر والحمصة والعدسة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد عن رجل من أهل الشأم كان بمصر قال قد رأيت النخلة مصروعة وإنها لحجر وقد رأيت إنسانا ما شككت أنه إنسان وإنه لحجر من رقيقهم فيقول الله عز و جل ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات إلى قوله مثبورا ( 2 ) يقول شقيا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه أن الله حين أمر موسى بالمسير ببني إسرائيل أمره أن يحتمل يوسف معه حتى يضعه بالأرض المقدسة فسأل موسى عمن يعرف موضع قبره فما وجد إلا عجوزا من بني إسرائيل فقالت يا نبي الله أنا أعرف مكانه إن أنت أخرجتني معك ولم تخلفني بأرض مصر دللتك عليه قال أفعل وقد كان موسى وعد بني إسرائيل أن يسير بهم إذا طلع الفجر فدعا ربه أن يؤخر طلوعه حتى يفرغ من أمر يوسف ففعل فخرجت به العجوز حتى أرته إياه في ناحية من النيل في الماء فاستخرجه موسى صندوقا من مرمر فاحتمله معه قال عروة فمن ذلك تحمل اليهود موتاها من كل أرض إلى الأرض المقدسة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال كان فيما ذكر لي أن موسى قال لبني إسرائيل فيما أمره الله به استعيروا منهم الأمتعة والحلي والثياب فإني منفلكم أموالهم مع هلاكهم فلما أذن فرعون في الناس كان مما يحرض به على بني إسرائيل أن قال حين ساروا لم يرضوا أن خرجوا بأنفسهم حتى ذهبوا بأموالكم معهم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي عن عبدالله بن شداد بن الهاد قال لقد ذكر لي أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفا من دهم الخيل سوى ما في جنده من شيات الخيل وخرج موسى حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصرف طلع فرعون في جنده من
(1/248)
________________________________________
خلفهم فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسىإنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين ( 1 ) أي للنجاة وقد وعدني ذلك ولا خلف لموعوده
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق قال فأوحى الله تبارك وتعالى فيما ذكر لي إلى البحر إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له فبات البحر يضرب بعضه بعضا فرقا من الله وانتظارا لأمره فأوحى الله عز و جل إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه بها وفيها سلطان الله الذي أعطاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ( 2 ) أي كالجبل على نشز من الأرض يقول الله لموسى عليه السلام فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى ( 3 ) فلما استقر له البحر على طريق قائمة يبس سلك فيه موسى ببني إسرائيل واتبعه فرعون بجنوده
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي عن عبدالله بن شداد بن الهاد الليثي قال حدثت أنه لما دخلت بنو إسرائيل فلم يبق منهم أحد أقبل فرعون وهو على حصان له من الخيل حتى وقف على شفير البحر وهو قائم على حاله فهاب الحصان أن يتقدم فعرض له جبرئيل على فرس أنثى وديق فقربها منه فشمها الفحل ولما شمها قدمها فتقدم معه الحصان عليه فرعون فلما رأى جند فرعون أن فرعون قد دخل دخلوا معه وجبرئيل أمامه فهم يتبعون فرعون وميكائيل على فرس خلف القوم يشحذهم يقول الحقوا بصاحبكم حتى إذا فصل جبرئيل من البحر ليس أمامه أحد ووقف ميكائيل على الناحية الأخرى ليس خلفه أحد طبق عليهم البحر ونادى فرعون حين رأى من سلطان الله وقدرته ما رأى وعرف ذله وخذلته نفسه نادى أن لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين
حدثنا ابن حميد قال حدثنا أبو داود البصري عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال جاء جبرئيل إلى النبي عليه السلام فقال يا محمد لقد رأيتني وأنا أدس من حمإ البحر في فم فرعون مخافة أن تدركه الرحمة يقول الله الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين فاليوم ننجيك ببدنك أي سواء لم يذهب منك شيء لتكون لمن خلفك آية ( 4 ) أي عبرة وبينة فكان يقال لو لم يخرجه الله ببدنه حتى عرفوه لشك فيه بعض الناس
ولما جاوز ببني إسرائيل البحر أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين ( 5 ) ووعد الله موسى حين أهلك فرعون وقومه ونجاه وقومه ثلاثين ليلة
رجع الحديث إلى حديث السدي ثم إن جبرئيل أتى موسى يذهب به إلى الله عز و جل فأقبل على
(1/249)
________________________________________
فرس فرآه السامري فانكره ويقال إنه فرس الحياة فقال حين رآه إن لهذا لشأنا فأخذ من تربة الحافر حافر الفرس فانطلق موسى واستخلف هارون على بني إسرائيل وواعدهم ثلاثين ليلة وأتمها الله بعشر فقال لهم هارون يا بني إسرائيل إن الغنيمة لا تحل لكم وإن حلي القبط إنما هو غنيمة فاجمعوها جميعا فاحفروا لها حفرة فادفنوها فيها فإن جاء موسى فأحلها أخذتموها وإلا كان شيئا لم تأكلوه فجمعوا ذلك الحلي في تلك الحفرة وجاء السامري بتلك القبضة فقذفها فأخرج الله من الحلي عجلا جسدا له خوار وعدت بنو إسرائيل موعد موسى فعدوا الليلة يوما واليوم يوما فلما كان العشر خرج لهم والعجل فلما رأوه قال لهم السامري هذا إلهكم وإله موسى فنسي ( 1 ) يقول ترك موسى إلهه ها هنا وذهب يطلبه فعكفوا عليه يعبدونه وكان يخور ويمشي فقال لهم هارون يا بني إسرائيل إنما فتنتم به يقول إنما ابتليتم به يقول بالعجل وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري ( 2 ) فأقام هارون ومن معه من بني إسرائيل لا يقاتلونهم وانطلق موسى إلى ألهه يكلمه فلما كلمه قال له وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري ( 3 ) فلما أخبره خبرهم قال موسى يا رب هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل أرأيت الروح من نفخها فيه قال الرب أنا قال رب أنت إذا أضللتهم
ثم إن موسى لما كلمه ربه أحب أن ينظر إليه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ( 4 ) فحف حول الجبل الملائكة وحف حول الملائكة بنار وحف حول النار بملائكة وحول الملائكة بنار ثم تجلى ربه للجبل
فحدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط قال حدثني السدي عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال تجلى منه مثل طرف الخنصر فجعل الجبل دكا وخر موسى صعقا فلم يزل صعقا ما شاء الله ثم أنه أفاق فقال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ( 5 ) يعني أول المؤمنين من بني إسرائيل فقال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء من الحلال والحرام فخذها بقوة يعني بجد واجتهاد وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ( 5 ) أي بأحسن ما يجدون فيها فكان موسى بعد ذلك لا يستطيع أحد أن ينظر في وجهه وكان يلبس وجهه بحريرة فأخذ الألواح ثم رجع إلى قومه غضبان أسفا يقول حزينا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا إلى قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا يقولون بطاقتنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم يقول من حلي القبط فقذفناها فكذلك ألقى السامري ( 6 ) ذلك حين قال لهم هارون احفروا لهذا الحلي حفرة واطرحوه فيها فطرحوه فقذف السامري تربته فألقى موسى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال يابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ( 7 ) فترك موسى هارون ومال إلى السامري
(1/250)
________________________________________
فقال فما خطبك يا سامري ( 1 ) قال السامري بصرت بما لم يبصروا به إلى في اليم نسفا ( 1 ) ثم أخذ فذبحه ثم حرفه بالمبرد ثم ذراه في البحر فلم يبق بحر يجري إلا وقع فيه شيء منه ثم قال لهم موسى اشربوا منه فشربوا فمن كان يحبه خرج على شاربه الذهب فذلك حين يقول وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ( 2 ) فلما سقط في أيدي بني إسرائيل حين جاء موسى ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ( 3 ) فأبى الله أن يقبل توبة بني إسرائيل إلا بالحال التي كرهوا أن يقاتلوهم حين عبدوا العجل فقال لهم موسى يا قوم إنك ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ( 4 ) فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف فكان من قتل من الفريقين شهيدا حتى كثر القتل حتى كادوا أن يهلكوا حتى قتل بينهم سبعون ألفا حتى دعا موسى وهارون ربنا هلكت بنو إسرائيل ربنا البقية البقية فأمرهم أن يضعوا السلاح وتاب عليهم فكان من قتل كان شهيدا ومن بقي كان مكفرا عنه فذلك قوله فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ( 4 )
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان السامري رجلا من أهل باجرما وكان من قوم يعبدون البقر فكان حب عبادة البقر في نفسه وكان قد أظهر الإسلام في بني إسرائيل فلما فصل هارون في بني إسرائيل وفصل موسى معهم إلى ربه تبارك وتعالى قال لهم هارون إنك قد تحملتم أوزارا من زينة القوم آل فرعون وأمتعة وحليا فتطهروا منها فإنها نجس وأوقد لهم نارا وقال اقذفوا ما كان معكم من ذلك فيها قالوا نعم فجعلوا يأتون بما كان فيهم من تلك الحلي وتلك الأمتعة فيقذفون به فيها حتى إذا انكسرت الحلي فيها رأى السامري أثر فرس جبرئيل فأخذ ترابا من أثر حافره ثم أقبل إلى الحفرة فقال لهارون يا نبي الله ألقي ما في يدي قال نعم ولا يظن هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من تلك الأمتعة والحلي فقذفه فيها وقال كن عجلا جسدا له خوار فكان للبلاء والفتنة فقال هذا إلهكم وإله موسى فعكفوا عليه وأحبوه حبا لم يحبوا مثله شيئا قط فقال الله عز و جل فنسي ( 5 ) أي ترك ما كان عليه من الإسلام يعني السامري أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ( 5 )
قال وكان اسم السامري موسى بن ظفر وقع في أرض مصر فدخل في بني إسرائيل فلما رأى هارون ما وقعوا فيه قال يا قوم إنما فتنتم به إلى قوله حتى يرجع إلينا موسى ( 6 ) فأقام هارون فيمن معه من المسلمين ممن لم يفتتن وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل وتخوف هارون إن سار بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ( 7 ) وكان له هائبا مطيعا ومضى موسى ببني إسرائيل إلى الطور وكان الله عز و جل وعد بني إسرائيل حين أنجاهم وأهلك عدوهم جانب الطور الأيمن وكان موسى حين سار ببني إسرائيل من البحر قد احتاجوا إلى الماء فاستسقى موسى لقومه فأمر أن يضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا لكل سبط عين يشربون منها قد
(1/251)
________________________________________
عرفوها فلما كلم الله موسى طمع في رؤيته فسأل ربه أن ينظر إليه فقال له إنك لن تراني ولكن انظر إلى الجبل إلى قوله وأنا أول المؤمنين ( 1 ) ثم قال الله لموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك إلى قوله سأريكم دار الفاسقين ( 1 ) وقال له وما أعجلك عن قومك يا موسى إلى قوله فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا ( 2 ) ومعه عهد الله في ألواحه
ولما انتهى موسى إلى قومه فرأى ما هم فيه من عبادة العجل ألقى الألواح من يده وكانت فيما يذكرون من زبرجد أخضر ثم أخذ برأس أخيه ولحيته ويقول ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعني إلى قوله ولم ترقب قولي ( 3 ) فقال يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين ( 4 ) فارعوى موسى وقال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين ( 4 )
وأقبل على قومه فقال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا إلى قوله عجلا جسدا له خوار ( 5 ) وأقبل على السامري فقال فما خطبك يا سامري قال بصرت بما لم يبصروا به إلى قوله وسع كل شيء علما ( 6 ) ثم أخذ الألواح يقول الله أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون ( 7 )
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن صدقة بن يسار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان الله تعالى قد كتب لموسى فيها موعظة وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة فلما ألقاها رفع الله ستة أسباعها وأبقى سبعا يقول الله عز و جل وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون ثم أمر موسى بالعجل فأحرق حتىرجع رمادا ثم أمر به فقذف في البحر
قال ابن إسحاق فسمعت بعض أهل العلم يقول إنما كان أحرقه ثم سحله ثم ذراه في البحر والله أعلم
ثم اختار موسى منهم سبعين رجلا الخير فالخير وقال انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم وسلوه لتوبة على من تركتم وراءكم من قومكم صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم فقال له السبعون فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا معه للقاء ربه اطلب لنا نسمع كلام ربنا فقال أفعل فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله ودنا موسى فدخل فيه وقال للقوم ادنوا وكان موسى إذا كلمه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه فضرب دونه بالحجاب ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه افعل ولا تفعل فلما فرغ إليه من أمره
(1/252)

بنالعياط
01-10-2012, 04:07 PM
انكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم
فقالوا لموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ( 2 ) فأخذتهم الرجفة ( 2 ) وهي الصاعقة فانفلتت أرواحهم فماتوا جميعا وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ( 3 ) قد سفهوا أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل مما فعل السفهاء منا إن هذا هلاك لهم اخترت منهم سبعين رجلا الخير فالخير أرجع إليهم وليس معي رجل واحد فما الذي يصدقونني به فلم يزل موسى يناشد ربه ويسأله ويطلب إليه حتى رد إليهم أرواحهم وطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل فقال لا إلا أن يقتلوا أنفسهم وقال فبلغني أنهم قالوا لموسى نصير لأمر الله فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده فجلسوا بالأفنية وأصلت عليهم القوم السيوف فجعلو يقتلونهم وبكى موسى وبهش إليه الصبيان والنساء يطلبون العفو عنهم فتاب عليهم وعفا عنهم وأمر موسى أن يرفع عنهم السيف
وأما السدي فإنه ذكر في خبره الذي ذكرت إسناده قبل أن مصير موسى إلى ربه بالسبعين الذين اختارهم من قومه بعد ما تاب الله على عبيدة العجل من قومه وذلك أنه ذكر بعد القصة التي قد ذكرتها عنه بعد قوله إنه هو التواب الرحيم ( 4 ) قال ثم إن الله أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ووعدهم موعدا فاختار موسى قومه سبعين رجلا على عينه ثم ذهب بهم ليعتذروا فلما أتوا ذلك المكان قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ( 4 ) فإنك قد كلمته فأرناه فأخذتهم الصاعقة فماتوا فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا فأوحى الله عز و جل إلى موسى إن هؤلاء السبعين ممن اتخذ العجل فذلك حين يقول موسى إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء إلى قوله إنا هدنا إليك ( 5 ) يقول تبنا إليك وذلك قوله تعالى وإذا قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة والصاعقة نار ثم إن الله أحياهم فقاموا وعاشوا رجلا رجلا ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون فقالوا يا موسى أنت تدعو الله فلا تسأله شيئا إلا أعطاك فادعه يجعلنا أنبياء فدعا الله فجعلهم أنبياء فذلك قوله ثم بعثناكم من بعد موتكم ( 6 ) ولكنه قدم حرفا وأخر حرفا
ثم أمرهم بالسير إلى أريحا وهي أرض بيت المقدس فساروا حتى إذا كانوا قريبا منه بعث موسى اثني عشر نقيبا من جميع أسباط بني إسرائيل فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الجبارين فلقيهم رجل من الجبارين يقال له عاج فأخذ الاثني عشر فجعلهم في حجزته وعلى رأسه حملة حطب فانطلق بهم إلى امرأته فقال انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا فطرحهم بين يديها فقال ألا أطحنهم برجلي فقالت امرأته لا بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا ففعل ذلك فلما خرج القوم قال بعضهم لبعض يا قوم إنكم إن أخبرتم بني إسرائيل بخبر القوم ارتدوا عن نبي الله ولكن اكتموهم وأخبروا نبي الله فيكونان هما يريان رأيهما فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك ليكتموه ثم رجعوا فانطلق عشرة فنكثوا العهد فجعل الرجل منهم يخبر أخاه وأباه بما رأوا من أمر عاج وكتم رجلان منهم
(1/253)
________________________________________
فأتوا موسى وهارون فأخبروهما الخبر فذلك حين يقول الله ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنا عشر نقيبا ( 1 ) فقال لهم موسى يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا ( 2 ) يملك الرجل منكم نفسه وأهله وماله يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ( 3 ) يقول التي أمركم الله بها ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا ( 3 ) مما سمعوا من العشرة إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ( 3 ) وهما اللذان كتما وهما يوشع بن نون فتى موسى وكالوب بن يوفنة وقيل كلاب بن يوفنة ختن موسى فقالا يا قوم ادخلوا عليهم الباب قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ( 3 ) فغضب موسى فدعا عليهم فقال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ( 3 ) وكانت عجلة من موسى عجلها فقال الله فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ( 3 ) فلما ضرب عليهم التيه ندم موسى وأتاه قومه الذين كانوا معه يطيعونه فقالوا له ما صنعت بنا يا موسى فلما ندم أوحى الله عز و جل إليه ألا تأس أي لا تحزن على القوم الذي سميتهم فاسقين فلم يحزن فقالوا يا موسى فكيف لنا بماء ها هنا أين الطعام فأنزل الله عليهم المن والسلوى فكان يسقط على الشجر الترنجبين والسلوى وهو طير يشبه السمانى فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير فإن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله فإذا سمن أتاه فقالوا هذا الطعام فأين الشراب فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا يشرب كل سبط من عين فقالوا هذا الطعام والشراب فأين الظل فظلل الله عليهم الغمام فقالوا هذا الظل فأين اللباس فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان ولا يتخرق لهم ثوب فذلك قوله وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى ( 4 ) وقوله وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم ( 5 ) فأجمعوا ذلك فقالوا يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها ( 5 ) وهي الحنطة وعدسها وبصلها وقال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا ( 5 ) من الأمصار فإن لكم ما سألتم ( 5 ) فلما خرجوا من التيه رفع المن والسلوى وأكلوا البقول والتقى موسى وعاج فنزا موسى في السماء عشرة أذرع وكانت عصاه عشرة أذرع وكان طوله عشرة أذرع فأصاب كعب عاج فقتله
حدثنا ابن بشار قال حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن نوف قال كان طول عوج ثمانمائة ذراع وكان طول موسى عشرة أذرعا وعصاه عشرة أذرع ثم وثب في السماء عشرة أذرع فضرب عوجا فاصاب كعبه فسقط ميتا فكان جسرا للناس يمرون عليه
حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن عطية قال أخبرنا قيس عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كانت عصا موسى عشرة أذرع ووثبته عشرة أذرع وطوله عشرة أذرع فأصاب كعب عوج فقتله فكان جسرا لأهل النيل وقيل إن عوج عاش ثلاثة آلاف سنة
(1/254

بنالعياط
01-10-2012, 04:20 PM
ذكر وفاة موسى وهارون ابني عمران عليهما السلام
حدثنا موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا اسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن عبدالله بن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم ثم إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى موسى أني متوف هارون فأت به جبل كذا وكذا فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل فإذا هما بشجرة لم ير مثلها وإذا هما ببيت مبني وإذا هما فيه بسرير عليه فرش وإذا فيه ريح طيبة فلما نظر هارون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه فقال يا موسى إني لأحب أن أنام على هذا السرير قال له موسى فنم عليه قال إني أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب علي قال له موسى لا ترهب أنا أكفيك رب هذا البيت فنم قال يا موسى بل نم معي فإن جاء رب البيت غضب علي وعليك جميعا فلما ناما أخذ هارون الموت فما وجد حسه قال يا موسى خدعتني فلما قبض رفع ذلك البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير إلى السماء فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل وليس معه هارون قالوا فإن موسى قتل هارون وحسده لحب بني إسرائيل له وكان هارون أكف عنهم وألين لهم من موسى وكان في موسى بعض الغلظ عليهم فلما بلغه ذلك قال لهم ويحكم كان أخي أفترونني أقتله فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله فنزل بالسرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه ثم إن موسى بينما هو يمشي ويوشع فتاه إذا أقبلت ريح سوداء فلما نظر إليها يوشع ظن أنها الساعة والتزم موسى وقال تقوم الساعة وأنا ملتزم موسى نبي الله فاستل موس من تحت القميص وترك القميص في يد يوشع فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إسرائيل وقالوا قتلت نبي الله قال لا والله ما قتلته ولكنه استل مني فلم يصدقوه وأرادوا قتله قال فإذا لم تصدقوني فأخروني ثلاثة أيام فدعا الله فأتي كل رجل ممن كان يحرسه في المنام فأخبر أن يوشع لم يقتل موسى وأنا قد رفعناه إلينا فتركوه ولم يبق أحد ممن أبى أن يدخل قرية الجبارين مع موسى إلا مات ولم يشهد الفتح
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال كان صفي الله قد كره الموت وأعظمه فلما كرهه أراد الله تعالى أن يحبب إليه الموت ويكره إليه الحياة فحولت النبوة إلى يوشع بن نون فكان يغدو عليه ويروح فيقول له موسى يا نبي الله ما أحدث الله إليك فيقول له يوشع بن نون يا نبي الله ألم أصحبك كذا وكذا سنة فهل كنت أسألك عن شيء مما أحدث الله إليك حتى تكون أنت الذي تبتدئ به وتذكره فلا يذكر له شيئا فلما رأى موسى ذلك كره الحياة وأحب الموت
(1/255)
________________________________________
قال ابن حميد قال سلمة قال ابن إسحاق وكان صفي الله فيما ذكر لي وهب بن منبه إنما يستظل في عريش ويأكل ويشرب في نقير من حجر إذا أراد أن يشرب بعد أن أكل كرع كما تكرع الدابة في ذلك النقير تواضعا لله حين أكرمه الله بما أكرمه به من كلامه
قال وهب فذكر لي أنه كان من أمر وفاته أن صفي الله خرج يوما من عريشه ذلك لبعض حاجته لا يعلم به أحد من خلق الله فمر برهط من الملائكة يحفرون قبرا فعرفهم وأقبل إليهم حتى وقف عليهم فإذا هم يحفرون قبرا لم ير شيئا قط أحسن منه ولم ير مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة فقال لهم يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر قالوا نحفره لعبد كريم على ربه قال إن هذا العبد من الله لبمنزل ما رأيت كاليوم مضجعا ولا مدخلا وذلك حين حضر من أمر الله ما حضر من قبضه فقالت له الملائكة يا صفي الله أتحب أن يكون لك قال وددت قالوا فانزل فاضطجع فيه وتوجه إلى ربك ثم تنفس أسهل تنفس تنفسته قط فنزل فاضطجع فيه وتوجه إلى ربه ثم تنفس فقبض الله تعالى روحه ثم سوت عليه الملائكة وكان صفي الله زاهدا في الدنيا راغبا فيما عند الله
حدثنا أبو كريب قال حدثنا مصعب بن المقدام عن حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار مولى بني هاشم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن ملك الموت كان يأتي الناس عيانا حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه قال فرجع فقال يا رب إن عبدك موسى فقأ عيني ولولا كرامته عليك لشققت عليه فقال ائت عبدي موسى فقل له فليضع كفه على متن ثور فله بكل شعرة وارت يده سنة وخيره بين ذلك وبين أن يموت الآن قال فأتاه فخيره فقال له موسى فما بعد ذلك قال الموت قال فالآن إذا قال فشمه شمة قبض روحه قال فجاء بعد ذلك إلى الناس خفية
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن أبي سنان الشيباني عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال مات موسى وهارون جميعا في التيه مات هارون قبل موسى وكانا خرجا جميعا في التيه إلى بعض الكهوف فمات هارون فدفنه موسى وانصرف موسى إلى بني إسرائيل فقالوا ما فعل هارون قال مات قالوا كذبت ولكنك قتلته لحبنا إياه وكان محببا في بني إسرائيل فتضرع موسى إلى ربه وشكا ما لقي من بني إسرائيل فأوحى الله إليه أن انطلق بهم إلى موضع قبره فإني باعثه حتى يخبرهم أنه مات موتا ولم تقلته قال فانطلق بهم إلى قبر هارون فنادى يا هارون فخرج من قبره ينفض رأسه فقال أنا قتلتك قال لا والله ولكني مت قال فعد إلى مضجعك وانصرفوا
فكان جميع مدة عمر موسى عليه ا لسلام كلها مائة وعشرين سنة عشرون من ذلك في ملك أفريدون ومائة منها في ملك منوشهر وكان ابتداء أمره من لدن بعثه الله نبيا إلى أن قبضه إليه في ملك منوشهر
(1/256)

بنالعياط
01-10-2012, 05:05 PM
ذكر يوشع بن نون عليه السلام
ثم ابتعث الله عز و جل بعد موسى عليه السلام يوشع بن نون بن إفراييم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم نبيا وأمره بالمسير إلى أريحا لحرب من فيها من الجبارين فاختلف السلف من أهل العلم في ذلك وعلى يد من كان ذلك ومتى سار يوشع إليها في حياة موسى بن عمران كان مسيره إليها أم بعد وفاته
فقال بعضهم لم يسر يوشع إلى أريحا ولا أمر بالمسير إليها إلا بعد موت موسى وبعد هلاك جميع من كان أبى المسير إليها مع موسى بن عمران حين أمرهم الله تعالى بقتال من فيها من الجبارين وقالوا مات موسى وهارون جميعا في التيه قبل خروجهما منه
ذكر من قال ذلك
حدثني عبدالكريم بن الهيثم قال حدثنا إبراهيم بن بشار قال حدثنا سفيان قال قال أبو سعيد عن عكرمة عن ابن عباس قال قال الله تعالى لما دعا موسى يعني بدعائه قوله رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ( 1 ) قال فدخلوا التيه فكل من دخل التيه ممن جاوز العشرين سنة مات في التيه قال فمات موسى في التيه ومات هارون قبله قال فلبثوا في تيههم أربعين سنة وناهض يوشع بمن بقي معه مدينة الجبارين فافتتح يوشع المدينة
حدثنا بشر قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قال قال الله تعالى إنها محرمة عليهم أربعين سنة الآية حرمت عليهم القرى فكانوا لا يهبطون قرية ولا يقدرون على ذلك أربعين سنة
وذكر لنا أن موسى مات في الأربعين سنة ولم يدخل بيت المقدس منهم إلا أبناؤهم والرجلان اللذان قالا ما قالا
حدثني موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو قال حدثنا أسباط عن السدي في الخبر الذي ذكرت إسناده فيما مضى لم يبق أحد ممن أبى أن يدخل مدينة الجبارين مع موسى إلا مات ولم
(1/257)
________________________________________
يشهد الفتح ثم إن الله عز و جل لما انقضت الأربعون سنة بعث يوشع بن نون نبيا فأخبرهم أنه نبي وأن الله قد أمره أن يقاتل الجبارين فبايعوه وصدقوه فهزم الجبارين واقتحموا عليهم فقتلوهم فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها
حدثنا ابن بشار قال حدثنا سليمان بن حرب عن هلال عن قتادة في قول الله تعالى فإنها محرمة عليهم قال أبدا
حدثني المثنى قال حدثنا مسلم بن إبراهيم عن هارون النحوي عن الزبير بن الخريت عن عكرمة في قوله فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض قال التحريم التيه
وقال آخرون إنما فتح أريحا موسى ولكن يوشع كان على مقدمة موسى حين سار إليهم
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال لما نشأت النواشي من ذراريهم يعني من ذراري الذين أبوا قتال الجبارين مع موسى وهلك آباؤهم وانقضت الأربعون سنة التي تيهوا فيها سار بهم موسى ومعه يوشع بن نون وكلاب بن يوفنة وكان فيما يزعمون على مريم ابنة عمران أخت موسى وهارون فكان لهم صهرا فلما انتهوا إلى أرض كنعان وبها بلعم بن باعور العروف وكان رجلا قد آتاه الله علما وكان فيما أوتي من العلم اسم الله الأعظم فيما يذكرون الذي إذا دعي الله به أجاب وإذا سئل به أعطى
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن سالم أبي النضر أنه حدث أن موسى لما نزل أرض بني كنعان من أرض الشام وكان بلعم ببالعة قرية من قرى البلقاء فلما نزل موسى ببني إسرائيل ذلك المنزل أتى قوم بلعم إلى بلعم فقالوا له يا بلعم هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل ويسكنها وإنا قومك وليس لنا منزل وأنت رجل مجاب الدعوة فاخرج فادع الله عليهم فقال ويلكم نبي الله معه الملائكة والمؤمنون كيف أذهب أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم قالوا مالنا من منزل فلم يزالوا به يرققونه ويتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن فركب حمارة له متوجها إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل وهو جبل حسبان فما سار عليها عير قليل حتى ربضت به فنزل عنها فضربها حتى أذلقها فقامت فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت به ففعل مثل ذلك فقامت فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت به فضربها حتى إذا أذلقها أذن الله لها فكلمته حجة عليه فقالت ويحك يا بلعم أين تذهب ألا ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم فلم ينزع عنها يضربها فخلى الله سبيلها حين فعل بها ذلك فانطلقت حتى إذا أشرفت به على جبل حسبان على عسكر موسى وبني إسرائيل جعل يدعو عليهم فلا يدعو عليهم بشيء إلا صرف الله لسانه إلى قومه ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بني إسرائيل فقال له قومه أتدري يا بلعم ما تصنع إنما تدعو لهم وتدعو علينا قال فهذا مالا أملك هذا شيء قد غلب الله عليه واندلع لسانه فوقع على صدره فقال لهم قد ذهبت الآن مني الدنيا والآخرة فلم يبق إلا المكر والحيلة فسأمكر لكم وأحتال جملوا النساء وأعطوهن السلع ثم أرسلوهن إلى العسكر
(1/258)
________________________________________
يبعنها فيه ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها فإنه إن زنى رجل واحد منهم كفيتموهم ففعلوا فلما دخل النساء العسكر مرت امرأة من الكنعانيين اسمها كستى ابنة صور رأس أمته وبني أبيه من كان منهم في مدين هو كان كبيرهم برجل من عظماء بني إسرائيل وهو زمرى بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فقام إليها فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها ثم أقبل حتى وقف بها على موسى فقال إني أظنك ستقول هذه حرام عليك قال أجل هي حرام عليك لا تقربها قال فوالله لا نطيعك في هذا ثم دخل بها قبته فوقع عليها فأرسل الله الطاعون في بني إسرائيل وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى وكان رجلا قد أعطي بسطة في الخلق وقوة في البطش وكان غائبا حين صنع زمرى بن شلوم ما صنع فجاء والطاعون يحوس في بني إسرائيل فأخبر الخبر فأخذ حربته وكانت من حديد كلها ثم دخل عليهما القبة وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء والحربة قد أخذها بذراعه واعتمد بمرفقه على خاصرته وأسند الحربة إلى لحيته وكان بكر العيزار فجعل يقول اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك ورفع الطاعون فحسب من يهلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمرى المرأة إلى أن قتله فنحاص فوجدوا قد هلك منهم سبعون ألفا والمقلل لهم يقول عشرون ألفا في ساعة من النهار فمن هنالك تعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص بن العيزار بن هارون من كل ذبيحة ذبحوها القبة والذراع واللحى لاعتماده بالحربة على خاصرته وأخذه إياها بذراعه وإسناده إياها إلى لحيته والبكر من كل أموالهم وأنفسهم لأنه كان بكر العيزار ففي بلعم بن باعور أنزل الله تعالى على محمد صلى الله عليه و سلم واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها يعني بلعم بن باعور فأتبعه الشيطان إلى قوله لعلهم يتفكرون ( 1 ) يعني بني إسرائيل أني قد جئتهم بخبر ما كان فيهم مما يخفون عليك لعلهم يتفكرون فيعرفون أنه لم يأت بهذ الخبر عما مضى فيهم إلا نبي يأتيه خبر من السماء
ثم إن موسى قدم يوشع بن نون إلى أريحا في بني أسرائيل فدخلها بهم وقتل بها الجبابرة الذين كانوا فيها وأصاب من أصاب منهم وبقيت منهم بقية في اليوم الذي أصابهم فيه وجنح عليهم الليل وخشي أن لبسهم الليل أن يعجزوه فاستوقف الشمس ودعا الله أن يحبسها ففعل عز و جل حتى استأصلهم ثم دخلها موسى ببني إسرائيل فاقام فيها ما شاء الله أن يقيم ثم قبضه الله إليه لا يعلم بقبره أحد من الخلائق
فأما السدي في الخبر الذي ذكرت عنه إسناده فيما مضى فإنه ذكر في خبره ذلك أن الذي قاتل الجبارين يوشع بن نون بعد موت موسى وهارون وقص من أمره وأمرهم ما أنا ذاكره وهو أنه ذكر فيه أن الله بعث يوشع نبيا بعد ان انقضت الأربعون سنة فدعا بني إسرائيل فأخبرهم أنه نبي وأن الله قد أمره أن يقاتل الجبارين فبايعوه وصدقوه وانطلق رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم وكان عالما يعلم الاسم الأعظم المكتوم فكفر وأتى الجبارين فقال لا ترهبوا بني إسرائيل فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم دعوة فيهلكون فكان عندهم فيما شاء من الدنيا غير أنه كان لا يستطيع أن يأتي النساء من عظمهن فكان ينكح
(1/259)
________________________________________
أتانا له وهو الذي يقول الله عز و جل واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا أي فبصر فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين إلى قوله ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث فكان بلعم يلهث كما يلهث الكلب فخرج يوشع يقاتل الجبارين في الناس وخرج بلعم مع الجبارين على أتانه وهو يريد أن يلعن بني إسرائيل فكلما أراد أن يدعو على بني إسرائيل جاء على الجبارين فقال الجبارون إنك أنما تدعو علينا فيقول إنما أردت بني إسرائيل فلما بلغ باب المدينة أخذ ملك بذنب الأتان فأمسكها وجعل يحركها فلا تتحرك فلما أكثر ضربها تكلمت فقالت أنت تنكحني بالليل وتركبني بالنهار ويلي منك ولو أني أطقت الخروج لخرجت بك ولكن هذا الملك يحبسني فقاتلهم يوشع يوم الجمعة قتالا شديدا حتى أمسوا وغربت الشمس ودخل السبت فدعا الله فقال للشمس إنك في طاعة الله وأنا في طاعة الله اللهم اردد علي الشمس فردت عليه الشمس فزيد له في النهار يومئذ ساعة فهزم الجبارين واقتحموا عليهم يقتلونهم فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها وجمعوا غنائمهم وأمرهم يوشع أن يقربوا الغنيمة فقربوها فلم تزل النار تأكلها فقال يوشع يا بني إسرائيل إن الله عز و جل عندكم طلبة هلموا فبايعوني فبايعوه فلصقت يد رجل منهم بيده فقال هلم ما عندك فأتاه برأس ثور من ذهب مكلل بالياقوت والجوهر كان قد غله فجعله في القربان وجعل الرجل معه فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان
وأما أهل التوراة فإنهم يقولون هلك هارون وموسى في التيه وإن الله أوحى إلى يوشع بعد موسى وأمره أن يعبر الأردن إلى الأرض التي أعطاها بني إسرائيل ووعدها إياهم وأن يوشع جد في ذلك ووجه إلى أريحا من تعرف خبرها ثم سار ومعه تابوت الميثاق حعتى عبر الأردن وصار له ولأصحابه فيه طريق فأحاط بمدينة أريحا ست أشهر فلما كان السابع نفخوا في القرون وضج الشعب ضجة واحدة فسقط سور المدينة فأباحوها وأحرقوها وما كان فيها ما خلا الذهب والفضة وآنية النحاس والحديد فإنهم أدخلوه بيت المال ثم إن رجلا من بني إسرائيل غل شيئا فغضب الله عليهم وانهزموا فجزع يوشع جزعا شديدا فأوحى الله إلى يوشع أن يقرع بين الأسباط ففعل حتى انتهت القرعة إلى الرجل الذي غل فاستخرج غلوله من بيته فرجمه يوشع وأحرق كل ما كان له بالنار وسموا الموضع باسم صاحب الغلول وهو عاجر فالموضع إلى هذا اليوم غور عاجر ثم نهض بهم يوشع إلى ملك عايي وشعبه فأرشدهم الله إلى حربه وأمر يوشع أن يكمن لهم كمينا ففعل وغلب على عايي وصلب ملكها على خشبة وأحرق المدينة وقتل من أهلها اثني عشر ألفا من الرجال والنساء واحتال أهل عماق وجيعون ليوشع حتى جعل لهم أمانا فلما ظهر على خديعتهم دعا الله عليهم أن يكونوا حطابين وسقائين فكانوا كذلك وأن يكون بازق ملك أورشليم يتصدق ثم أرسل ملوك الأرمانيين وكانوا خمسة بعضهم إلى بعض وجمعوا كلمتهم على جيعون فاستنجد أهل جيعون يوشع فأنجدهم وهزموا أولئك الملوك حتى حدروهم إلى هبطة حوران ورماهم الله بأحجار البر فكان من قتله البرد أكثر ممن قتله بنو إسرائيل بالسيف وسأل يوشع الشمس أن تقف والقمر أن يقوم حتى ينتقم من أعدائه قبل دخول السبت ففعلا ذلك وهرب الخمسة ملوك فاختفوا في غار فأمر يوشع فسد باب الغار حتى فرغ من الانتقام من أعدائه ثم أمر بهم فأخرجوا فقتلهم وصلبهم ثم أنزلهم
(1/260)
________________________________________
من الخشب وطرحهم في الغار الذي كانوا فيه وتتبع سائر الملوك بالشام فاستباح منهم أحدا وثلاثين ملكا وفرق الأرض التي غلب عليها ثم مات يوشع فلما مات دفن في جبل أفراييم وقام بعده سبط يهوذا وسبط شمعون بحرب الكنعانيين فاستباحوا حريمهم وقتلوا منهم عشرة آلاف ببازق وأخذوا ملك بازق فقطعوا إبهامي يديه ورجليه فقال عند ذلك ملك بازق قد كان يلقط الخبز من تحت مائدتي سبعون ملكا مقطعي الأباهيم فقد جزاني الله بصنيعي وأدخلوا ملك بازق أورشليم فمات بها وحارب بنو يهوذا سائر الكنعانيين واستولوا على أرضهم وكان عمر يوشع مائة سنة وستا وعشرين سنة وتدبيره أمر بني إسرائيل منذ توفي موسى إلى أن توفي يوشع بن نون سبعا وعشرين سنة
وقد قيل إن أول من ملك من ملوك اليمن ملك كان لهم في عهد موسى بن عمران من حمير يقال له شمير بن الأملول وهو الذي بنى مدينة ظفار باليمن وأخرج من كان بها من العماليق وإن شمير بن الأملول الحميري هذا كان من عمال ملك الفرس يومئذ على اليمن ونواحيها
وزعم هشام بن محمد الكلبي أن بقية بقيت من الكنعانيين بعد ما قتل يوشع من قتل منهم وأن إفريقيس بن قيس بن صيفي بن سبأ بن كعب بن زيد بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان مر بهم متوجها إلى إفريقية فاحتملهم من سواحل الشام حتى أتى بهم إفريقية فافتتحها وقتل ملكها جراجيرا وأسكنها البقية التي كانت بقيت من الكنعانيين الذين كان احتملهم معه من سواحل الشام قال فهم البرابرة قال وإنما سموا بربرا لإن إفريقيس قال لهم ما أكثر بربرتكم فسموا لذلك بربرا وذكر أن إفريقس قال في ذلك من أمرهم شعرا وهو قوله ... بربرت كنعان لما سقتها ... من أراضي الهلك للعيش العجب ...
قال وأقام من حمير في البربر صهناجة وكتامة فهم فيهم إلى اليوم
(1/261)

بنالعياط
01-10-2012, 05:37 PM
ذكر أمر قارون بن يصهر بن قاهث
وكان قارون ابن عم موسى عليه ال سلام حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج قوله إن قارون كان من قوم موسى ( 1 ) قال ابن عمه أخي أبيه فإن قارون بن يصفر هكذا قال القاسم وإنما هو يصهر بن قاهث وموسى بن عرمر بن قاهث وعرمر بالعربية عمران هكذا قال القاسم وإنما هو عمرم
وأما ابن إسحاق فإنه قال ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه تزوج يصهر بن قاهث شميت ابنه تباويت بن بركيا بن يقسان بن إبراهيم فولدت له عمران بن يصهر وقارون بن يصهر فقارون على ما قال ابن إسحاق عم موسى أخو أبيه لأبيه وأمه
أما أهل العلم من سلف أمتنا ومن أهل الكتابين فعلى ما قال ابن جريج
ذكر من حضرنا ذكره ممن قال ذلك من علمائنا الماضين
حدثنا أبو كريب قال حدثنا جابر بن نوح قال أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن إبراهيم في قوله { إن قارون كان من قوم موسى } قال كان ابن عم موسى
حدثنا ابن بشار قال حدثنا عبدالرحمن قال حدثنا عن سفيان عن سماك بن حرب عن إبراهيم قال { إن قارون كان من قوم موسى } كان ابن عم موسى
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي عن سفيان عن سماك عن إبراهيم { إن قارون كان من قوم موسى } قال كان ابن عمه فبغى عليه
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن سماك بن حرب عن إبراهيم قال كان قارون ابن عم موسى
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبو معاوية عن ابن أبي خالد عن إبراهيم قال { إن قارون كان من قوم موسى } قال كان ابن عمه
حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله { إن قارون كان من قوم
(1/262)
________________________________________
موسى } كنا نحدث أنه كان ابن عمه أخي أبيه وكان يسمى المنور من حسن صورته في التوراة ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري فأهلكه البغي
حدثني بشر بن هلال الصواف قال حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي عن مالك بن دينار قال بلغني أن موسى بن عمران كان ابن عم قارون وكان الله قد آتاه مالا كثيرا كما وصفه الله عز و جل فقال وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة يعني بقوله تنوء تثقل
وذكر أن مفاتيح خزائنه كانت كالذي حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن منصور عن خيثمة في قوله { ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة } قال نجد مكتوبا في الإنجيل مفاتيح قارون وقرستين بغلا غرا محجلة ما يزيد مفتاح منها على إصبع لكل مفتاح منها كنز
حدثني أبو كريب قال حدثنا هشيم قال أخبرنا إسماعيل بن سالم عن أبي صالح { ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة } قال كانت مفاتيح خزائنه تحمل على أربعين بغلا
حدثنا أبو كريب قال حدثنا جابر بن نوح قال أخبرنا الأعمش عن خيثمة قال كانت مفاتيح قارون تحمل على ستين بغلا كل مفتاح منها لباب كنز معلوم مثل الإصبع من جلود
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي عن الأعمش عن خيثمة قال كانت مفاتيح قارون من جلود كل مفتاح مثل الإصبع كل مفتاح على خزانة على حدة فإذا ركب حملت المفاتيح على ستين بغلا أغر محجل
فبغى عدو الله لما أراد الله به من الشقاء والبلاء على قومه بكثرة ماله
وقيل إن بغيه عليهم كان بأن زاد عليهم في الثياب شبرا كذلك حدثنا علي بن سعيد الكندي وأبو السائب وابن وكيع قالوا حدثنا حفص بن غياث عن ليث عن شهر بن حوشب
فوعظه قومه على ما كان من بغيه ونهوه عنه وأمروه بإنفاق ما أعطاه الله في سبيله والعمل فيه بطاعته كما أخبر الله عز و جل عنهم أنهم قالوا له فقال إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا واحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين ( 1 ) وعنى بقوله ولا تنس نصيبك من الدنيا لا تنس في دنياك أن تأخذ نصيبك فيها لآخرتك فكان جوابه إياهم جهلا منه واغترارا بحلم الله عنه ما ذكر الله تعالى في كتابه أن قال لهم إنما أوتيت من هده الدنيا على علم عندي فقيل معنى ذلك على خير عندي كذلك روي ذلك عن قتادة
وقال غيره عنى بذلك لولا رضاء الله عني ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا قال الله عز و جل مكذبا قوله أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ( 2 ) للأموال ولو كان الله إنما يعطي الأموال والدنيا من يعطيه إياها لرضاه عنه وفضله عنده لم يهلك من أهلك من أرباب
(1/263)
________________________________________
الأموال الكثيرة قبله مع كثرة ما كان أعطاهم منها فلم يردعه عن جهله وبغيه على قومه بكثرة ماله عظة من وعظه وتذكير من ذكره بالله ونصيحته إياه ولكنه تمادى في غيه وخسارته حتى خرج على قومه في زينته راكبا برذونا أبيض مسرجا بسرج الأرجوان قد ليس ثيابا معصفرة قد حمل معه من الجواري بمثل هيئته وزينته على مثل برذونه ثلاثمائة جارية وأربعة آلاف من أصحابه
وقال بعضهم مان الذين حملهم على مثل هيئته وزينته من أصحابه سبعين الفا
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبو خالد الأحمر عن عثمان بن الأسود عن مجاهد { فخرج على قومه في زينته } قال على براذين بيض عليها سروج الأرجوان عليهم المعصفرة فتمنى أهل الخسار من الذين خرج عليهم في زينته مثل الذي أوتيه فقالوا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم ( 1 ) فأنكر ذلك من قوله عليهم أهل العلم بالله فقالوا لهم ويلكم أيها المتمنون مثل ما أوتي قارون اتقوا الله واعملوا بما أمركم الله به وانتهوا عما نهاكم عنه فإن ثواب الله وجزاءه أهل طاعته خير لمن آمن به وبرسله وعمل بما أمره به من صالح الآعمال يقول الله ولا يلقاها إلا الصابرون ( 1 ) يقول لا يلقى مثل هذه الكلمة إلا الذين صبروا عن طلب زينة الحياة الدنيا وآثروا جزيل ثواب الله على صالح الأعمال على لذات الدنيا وشهواتها فعملوا له بما يوجب لهم ذلك
فلما عتا الخبيث وتمادى في غيه وبطر نعمة ربه ابتلاه الله عز و جل من الفريضة في ماله والحق الذي ألزمه فيه ما ساق إليه شحه به أليم عقابه وصار به عبرة للغابرين وعظة للباقين
فحدثنا أبو كريب قال حدثنا جابر بن نوح قال أخبرنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عبدالله بن الحارث عن ابن عباس قال لما نزلت الزكاة أتى قارون موسى فصالحه عن كل ألف دينار دينارا وعلى كل ألف درهم درهما وعلى كل ألف شيء شيئا أو قال وكل ألف شاه شاة قال أبو جعفر الطبري أنا أشد قال ثم أتى بيته فحسبه فوجده كثيرا فجمع بني إسرائيل فقال يا بني إسرائيل إن موسى قد أمركم بكل شيء فأطعتموه وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا له أنت كبيرنا وسيدنا فمرنا بما شئت فقال آمركم أن تجيئوا بفلانة البغي فتجعلوا لها جعلا فتقذفه بنفسها فدعوها فجعلوا لها جعلا على أن تقذفه بنفسها ثم أتى موسى فقال إن قومك قد اجتمعوا لتأمرهم وتنهاهم فخرج إليهم وهم في براح من الأرض فقال يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده ومن افترى جلدناه ثمانين ومن زنا وليس له امرأة جلدناه مائة ومن زنا وله امرأة جلدناه حتى يموت أو قال رجمناه حتى يموت قال أبو جعفر أنا أشك فقال له قارون وإن كنت أنت قال وإن كنت أنا قال وإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة فقال ادعوها فإن قالت فهو كما قالت فلما أن جاءت قال لها موسى يا فلانة قالت لبيك قال أنا فعت بك ما يقول هؤلاء قالت لا وكذبوا ولكن جعلوا إلي جعلا على أن أقذفك بنفسي فوثب فسجد وهو بينهم فأوحى إليه مر الأرض بما شئت قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى أقدامهم ثم قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى ركبهم قم قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى أعناقهم قال فجعلوا يقولون يا موسى ويتضرعون إليه قال يا أرض خذيهم فأطبقت عليهم فأوحى الله إليه يا موسى يقول لك عبادي يا موسى يا موسى فلا ترحمهم أما لو إياي دعوا لوجدوني قريبا مجيبا قال فذلك قوله
(1/264)
________________________________________
فخرج على قومه في زينته وكانت زينته أنه خرج على دواب شقر عليها سروج أرجوان عليها ثياب مصبغة بالبهرمان قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إلى قوله لايفلح الكافرون يا محمد تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعافية للمتقين ( 1 )
حدثنا أبو كريب قال حدثنا يحيى بن عيسى عن الأعمش عن المنهال عن رجل عن ابن عباس بنحوه وزادني فيه قال فأصاب بني إسرائيل بعد ذلك شدة وجوع شديد فأتوا موسى فقالوا ادع لنا ربك قال فدعالهم فأوحى الله إليه يا موسى أتكلمني في قوم قد أظلم ما بيني وبينهم من خطاياهم وقد دعوك فلم تجبهم أما لو إياي دعوا لأجبتهم
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا علي بن هاشم ابن البريد عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله { إن قارون كان من قوم موسى } قال كان ابن عمه وكان موسى يقضي في ناحية بني إسرائيل وقارون في ناحية قال فدعا بغية كانت في بني إسرائيل فجعل لها جعلا على أن ترمى موسى بنفسها فتركه حتى إذا كان يوم يجتمع فيه بنو إسرائيل إلى موسى أتاه قارون فقال يا موسى ما حد من سرق قال أن تقطع يده قال فإن كنت أنت قال نعم قال فما حد من زنا قال أن يرجم قال وإن كنت أنت قال نعم قال فإنك قد فعلت قال ويلك بمن قال بفلانة فدعاها موسى فقال أنشدك بالذي أنزل التوراة أصدق قارون قالت اللهم إذ نشدتني فإني أشهد أنك بريء وأنك رسول الله وأن عدو الله قارون جعل لي جعلا على أن أرميك بنفسي قال فوثب موسى فخر ساجدا فأوحى الله إليه أن ارفع رأسك فقد أمرت الأرض أن تطيعك فقال موسى خذيهم فأخذتهم حتى بلغوا الحقو قال يا موسى قال خذيهم فأخذتهم حتى بلغوا الصدور قال يا موسى قال خذيهم قال فذهبوا قال فأوحى الله إليه يا موسى استغاث بك فلم تغثه أما لو استغاث بي لأجبته ولأغثته
حدثنا بشر بن هالال الصواف قال حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي قال حدثنا علي بن زيد بن جدعان قال خرج عبدالله بن الحارث من الدار ودخل المقصورة فلما خرج منها جلس وتساند عليها وجلسنا إليه فذكر سليمان بن داود وقال يأيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين إلى قوله إن ربي غني كريم ( 2 ) قال ثم سكت عن حديث سليمان فقال { إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم } وكان قد أوتي من الكنوز ما ذكره الله في كتابه ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ( 3 ) فقال إنما أوتيته على علم عندي قال وعاد موسى وكان مؤذيا له فكان موسى يصفح عنه ويعفو للقرابه حتى بنى دارا وجعل باب داره من ذهب وضرب على جدر داره صفائح الذهب وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون عليه ويروحون فيطعمهم الطعام ويحدثونه ويضحكونه فلم تدعه شقوته والبلاء
(1/265)
________________________________________
حتى أرسل إلى امرأة من بني إسرائيل مشهورة بالخنا مشهورة بالسب فجاءت قال لها هل لك أن أمولك وأعطيك وأخلطك بنسائي على أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي فتقولي يا قارون ألآ تنهي عني موسى قالت بلى فلما جلس قارون وجاءه الملأ من بني إسرائيل أرسل إليها فجاءت فقامت بين يديه فقلب الله قلبها وأحث لها توبة فقالت في نفسها لا أجد اليوم توبة أفضل من إلا أوذي رسول الله وأعذب عدو الله فقالت إن قارون قال لي هل لك أن أمولك وأعطيك وأخلطك بنسائي على أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي فتقولي يا قارون ألا تنهي عني موسى فلم أجد توبة أفضل من إلا أوذي رسول الله وأعذب عدو الله فلما تكلمت بهذا الكلام سقط في يدي قارون ونكس رأسه وسكت عن الملأ وعرف أنه قد وقع في هلكة فشاع كامها في الناس حتى بلغ موسى فلما بلغ موسى اشتد غضبه فتوضأ من الماء وصلى وبكى وقال يا رب عدوك لي مؤذ أراد فضيحتي وشيني يا رب سلطني عليه فأوحى الله إليه أن مر الأرض بما شئت تطعك فجاء موسى إلى قارون فلما دخل عليه عرف الشر في وجه موسى له فقال له يا موسى ارحمني قال يا أرض خذيهم فاضطربت داره وساخت بقارون وخسف بقارون وأصحابه إلى ركبهم وهو يتضرع إلى موسى يا موسى ارحمني قال يا أرض خذيهم فاضطربت داره وساخت وخسف بقارون وأصحابه إلى سررهم وهو يتضرع إلى موسى يا موسى ارحمني قال يا أرض خذيهم فخسف به وبداره وأصحابه قال وقيل لموسى يا موسى ما أفظك أما وعزتي لو إياي نادى لإجبته
حدثنا بشر بن هلال قال حدثنا جعفر بن سليمان عن أبي عمران الجوني قال بلغني أنه قيل لموسى لاأعبد الأرض لأحد بعدك أبدا
حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة فخسفنا به وبداره الأرض ذكر لنا أنه يخسف به كل يوم قامة وأنه يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة
قال أبو جعفر فلما نزلت نقمة الله بقارون حمد الله على ما أنعم به عليهم المؤمنون الذين وعظوه وأنذروه بأمر الله ونصحوا له من المعرفة بحقه والعمل بطاعته وندم الذين كانوا يتمنون ما هو فيه من كثرة المال والسعة في العيش على أمنيتهم وعرفوا خطأ أنفسهم في أمنيتها فقالوا ما أخبر الله عز و جل عنهم في كتابه ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا ( 1 ) فصرف عنا ما ابتلى به قارون وأصحابه مما كنا نتمناه بالأمس لخسف بنا كما خسف به وبهم فنجى الله تعالى من كل هول وبلاء نبيه موسى والمؤمنين به المتمسكين بعهده من بني إسرائيل وفتاه يوشع بن نون المتبعين له بطاعتهم ربهم وأهلك أعداءه وأعداءهم فرعون وهامان وقارون والكنعانيين بكفرهم وتمردهم عليه وعتوهم بالغرق بعضا وبالخسف بعضا وبالسيف بعضا وجعلهم عبرا لمن اعتبر بهم وعظة لمن اتعظ بهم مع كثرة أموالهم وكثرة عدد جنودهم وشدة بطشهم وعظم خلقهم وأجسامهم فلم تغن عنهم أموالهم ولا أجسامهم ولا قواهم ولا جنودهم وأنصارهم عنهم من الله شيئا إذ كانوا يجحدون بآيات الله ويسعون في
(1/266)
________________________________________
الأر ض فسادا ويتخذون عباد الله لأنفسهم خولا وحاق بهم ما كانوا منه آمنين نعوذ بالله من عمل يقرب من سخطه ونرغب إليه في التوفيق لما يدني من محبته ويزلف إلى رحمته
وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم ما حدثنا أحمد بن عبدالرحبمن بن وهب قال حدثنا عمي قال حدثني الماضي بن محمد عن أبي سليمان عن القاسم بن محمد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى قال قلت يا رسول الله ما كان في صحف موسى قال كانت عبرا كلها عجبت لمن أيقن بالنار ثم يضحك عجبت لمن أيقن بالموت ثم يفرح عجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لم يعمل
وكان تدبير يوشع أمر بني إسرائيل من لدن مات موسى إلى أن توفي يوشع كله في زمان منوشهر عشرين سنة وفي زمان فراسياب سبع سنين
ونرجع الآن إلى
(1/267)

بنالعياط
01-10-2012, 06:06 PM
ذكر القائم بالملك ببابل من الفرس بعد منوشهر
إذ كان التاريخ إنما تدرك صحته على سياق مدة أعمار ملوكهم
ولما هلك منوشهر الملك بن منشخورنر قهر فراسياب بن فشنج بن رستم بن ترك على خنيارث ومملكة أهل فارس وصار فيما قيل إلى أرض بابل فكان يكثر المقام ببابل وبمهرجان قذق فأكثر الفساد في مملكة أهل فارس
وقيل إنه قال حين غلب على مملكتهم نحن مسرعون في إهلاك البرية وإنه عظم جوره وظلمه وخرب ما كان عامرا من بلاد خنيارث ودفن الأنها والقني وعحط الناس في سنة خمس من ملكه إلى أن خرج عن مملكة أهل فارس ورد إلى بلاد الترك فغارت المياه في تلك السنين وحالت الأشجار المثمرة
ولم يزل الناس منه في أعظم البلية إلى أن ظهر زو بن طهماسب وقد يلفظ باسم زو بغير ذلك فيقول بعضهم زاب بن طهماسفان ويقول بعضهم زاغ ويقول بعضهم راسب بن طهماسب بن كانجو بن زاب بن أرفس بن هراسف بن ونديج بن أريج بن نوذ وجوش بن منسوا بن نوذر بن منوشهر
وأم زو ما دول ابنة وامن بن واذرجا بن قود بن سلم بن أفريدون
وقيل إن منوشهر كان وجد في أيام ملكه على طهماسب بسبب جناية جناها وهو مقيم في حدود الترك لحرب فراسياب فأراد منوشهر قتله بسبب ذلك فكلمه في الصفح عنه عظماء أهل مملكته وكان من عدل منوشهر فيما ذكر أنه قد كان يسوي بين الشريف والوضيع والقريب والبعيد في العقوبة إذا استوجبها بعض رعيته على ذنب أتاه فأبى إجابتهم إلى ما سألوه من ذلك وقال لهم هذا في الدين وهن ولكنكم إذ أبيتم علي فإن لا يسكن في شيء من مملكتي ولا يقيم به فنفاه عن مملكته فشخص إلى بلاد الترك فوقع إلى ناحية وامن فاحتال لابنته وهي محبوسة في قصر من أجل أن المنجمين كانوا ذكروا لوامن أبيها أنها تلد ولدا يقتله حتى أخرجها من القصر الذي كانت محبوسة فيه بعد أن حملت منه بزو
ثم إن منو شهر أذن لطهماسب بعد أن انقضت أيام عقوبته في العود إلى خينارث مملكة فارس فأخرج مادول ابنة وامن بالحيلة منها ومنه في إخراجها من قصرها من بلاد الترك إلى مملكة أهل فارس فولدت له زوا بعد العود إلى بلاد إيرانكرد
ثم إن زوا فيما ذكر قتل جده وأمن في بعض مغازيه الترك وطرد فراسياب عن مملكة أهل
(1/268)
________________________________________
فارس حتى رده إلى الترك بعد حروب جرت بينه وبينه وقتال فكانت غلبة فراسياب أهل فارس على إقليم بابل اثنتي عشر سنة من لدن توفي منوشهر إلى أن طرده عنه وأخرجه زو بن طهماسب إلى تركستان
وذكر أن طرد زو فراسياب عما كان عليه من مملكة أهل فارس في روزأبان من شهر أبانماه فاتخذ العجم هذا اليوم عيدا لما رفع عنهم فيه من شر فراسياب وعسفه وجعلوه الثالث من أعيادهم النوروز والمهرجان
وكان زو محمودا في ملكه محسنا إلى رعيته فأمر بإصلاح ما كان فراسياب أفسد من بلاد خنيارث ومملكة بابل وبناء ما كان هدم من حصون ذلك ونثل ما كان طم وعور من الأنهار والقنى وكرى ما كان اندفن من المياه حتى أعاد كل ذلك فيما ذكر إلى أحسن ما كان عليه ووضع عن الناس الخراج سبع سنين ودفعه عنهم فعمرت بلاد فارس في ملكه وكثرت المياه فيها ودرت معايش أهلها واستخرج بالسواد نهرا وسماه الزاب وأمر فبنيت على حافتيه مدينة وهي التي تسمى المدينة العتيقة وكورها كورة وسماها الزوابي وجعل لها ثلاثة طساسيج منها طسوج الزاب الأعلى ومنها طسوج الزاب الأوسط ومنها طسوج الزاب الأسفل وأمر بحمل بزور الرياحين من الجبال إليها واصول الأشجار وبذر ما يبذر من ذلك وغرس ما يغرس منه وكان أول من اتخذ له ألوان الطبيخ وأمر بها وبأصناف الأطعمة وأعطى جنوده مما غنم من الخيل والركاب مما أوجف عليه من أموال الترك وغيرهم وقال يوم ملك وعقد التاج على رأسه نحن متقدمون في عمارة ما أخربه الساحر فراسياب
وكان له كرشاسب بن أثرط بن سهم بن نريمان بن طورك بن شيراسب بن أروشسب بن طوج بن أفريدون الملك
وقد نسبه بعض نسابي الفرس غير هذا النسب فيقول هو كرشاسف بن أشناس بن طهموس بن أشك بن ترس بن رحر بن دودسرو بن منوشهر الملك مؤازرا له على ملكه
ويقول بعضهم كان زو وكرشاسب مشتركين في الملك والمعروف من أمرهما أن الملك كان لزو بن طهماسب وأن كرشاسب كان له مؤازرا وله معينا
وكان كرشاسب عظيم الشأن في أهل فارس غير أنه لم يملك فكان جميع ملك زو إلى أن انقضى ومات فيما قيل ثلاث سنين
ثم ملك بعد زو كيقباذ وهو كيقباذ بن زاغ بن نوحياه بن منشو بن نوذر بن منوشهر وكان متزوجا بفرتك ابتة تدرسا التركي وكان تدرسا من رؤوس الأتراك وعظمائهم فولدت له كي إفنه وكي كاوس وكي أرش وكيبه أرش وكيفاشين وكيبية وهؤلاهم الملوك الجبابرة وآباء الملوك الجبابرة
وقيل إن كيقباذ قال يوم ملك وعقد التاج على رأسه نحن مدوخون بلاد الترك ومجتهدون في إصلاح بلادنا حدبون عليها وأنه قدر مياه الأنهار والعيون لشرب الأرضين وسمى البلاد بأسمائها وحدها بحدودها وكور الكور وبين حير كل كورة منها وحريمها وأمر الناس باتخاذ الأرض وأخذ العشر من غلاتها لأرزاق الجند وكان فيما ذكر كيقباذ يشبه في حرصه على العمارة ومنعه البلاد من العدو وتكبره
(1/269)
________________________________________
في نفسه بفرعون
وقيل إن الملوك الكيية وأولادهم من نسله وجرت بينه وبين الترك وغيرهم حروب كثيرة وكان مقيما في حد ما بين مملكة الفرس والترك بالقرب من نهر بلخ لمنع الترك من تطرق شيء من حدود فارس وكان ملكه مائة سنة والله أعلم
ونرجع الآن إلى
(1/270

بنالعياط
01-10-2012, 06:53 PM
ذكر أمر بني إسرائيل والقوام الذين كانوا بأمرهم بعد يوشع ابن نون
والأحداث التي كانت في عهد زو وكيقباذ
ولا خلاف بين أهل العلم بأخبار الماضين وأمور الأمم السالفين من أمتنا وغيرهم أن القيم بأمور بني إسرائيل بعد يوشع كان كالب بن يوفنا ثم حزقيل بن بوذى من بعده وهو الذي يقال له ابن العجوز
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال إنما سمي حزقيل بن بوزي ابن العجوز أنها سألت الله الولد وقد كبرت وعقمت فوهبه الله لها فبذلك قيل له ابن العجوز وهو الذي دعا للقوم الذين ذكر الله في الكتاب عليه السلام كما بلغنا ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ( 1 )
حدثني محمد بن سهل بن عسكر قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول أصاب ناسا من بني إسرائيل بلاء وشدة من الزمان فشكوا ما أصابهم فقالوا يا ليتنا قد متنا فاسترحنا مما نحن فيه فأوحى الله إلى حزقيل إن قومك صاحوا من البلاء وزعموا أنهم ودوا لو ماتوا فاستراحوا وأي راحة لهم في الموت أيظنون أني لا أقدر على أن أبعثهم بعد الموت فانطلق إلى جبانة كذا كذا فإن فيها أربعة آلاف قال وهب وهم الذين قال الله تعالى ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقم فيهم فنادهم وكانت عظامهم قد تفرقت فرقتها الطير والسباع فناداها حزقيل فقال يا أيتها العظام النخرة إن الله عز و جل يأمرك أن تجتمعي فاجتمع عظام كل إنسان منهم معا ثم نادى ثانية حزقيل فقال أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي اللحم فاكتست اللحم وبعد اللحم جلدا فكانت أجسادا ثم نادى حزقيل الثالثة فقال أيتها الأرواج إن الله يأمرك أن تعودي أجسادك فقاموا بإذن الله وكبروا تكبيرة واحدة
حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم كانت قرية يقال لها داوردان قبل واسط فوقع بها الطاعون فهرب عامة أهلها فنزلوا ناحية منها فهلك أكثر من بقي في القرية وسلم الآخرون فلم يمت منهم كثير فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين فقال الذين بقوا أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا بقينا ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن
(1/271)
________________________________________
معهم فوقع في قابل فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفا حتى نزلوا ذلك المكان وهو واد أفيح فناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه أن موتوا فماتوا حتى هلكوا وبليت أجسادهم فمر بهم نبي يقال له هزقيل فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم يلوي شدقه وأصابعه فأوحى الله إليه يا هزقيل أتريد أن اريك كيف أحييهم قال نعم وإنما كان تفكره أنه تعجب من قدرة الله عليهم فقال نعم فقيل له ناد فنادى يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى كانت أجسادا من عظام ثم أوحى الله أن ناد يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحما فاكتست لحما ودما وثيابها التي ماتت فيها وهي عليها ثم قيل له ناد فنادى يا أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومي فقاموا
حدثني موسى قال حدثنا عمرو قال حدثنا أسباط قال فزعم منصور بن المعتمر عن مجاهد أنهم قالوا حين أحيوا سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت فرجعوا إلى قومهم أحياء يعرفون أنهم كانوا موتى سحنة الموت على وجوههم لا يلبسون ثوبا إلا عاد دسما مثل الكفن حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا حكام عن عنبسة عن أشعث عن سالم النصري قال بينما عمر بن الخطاب يصلي ويهوديان خلفه وكان عمر إذا أراد أن يركع خوى فقال أحدهما لصاحبه أهو هو قال فلما انفتل عمر قال أرأيت قول أحدكما لصاحبه أهو هو فقالا إنا نجد في كتابنا قرنا من حديد يعطى ما أعطى حزقيل الذي أحيا الموتى بإذن الله فقال عمر ما نجد في كتابنا حزقيل ولا أحيا الموتى بإذن الله إلا عيسى بن مريم فقالا أما تجد في كتاب الله ورسلا لم نقصصهم عليك ( 1 ) فقال عمر بلى قالا وأما إحياء الموتى فسنحدثك أن بني إسرائيل وقع فيهم الوباء فخرج منهم قوم حتى إذا كانوا على رأس ميل أماتهم الله فبنوا عليهم حائطا حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل فقام عليهم فقال ما شاء الله فبعثهم الله له فأنزل الله في ذلك ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت الآية
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه أن كالب بن يوفنا لما قبضه الله بعد يوشع خلف فيهم يعني في بني إسرائيل حزقيل بن بوذى وهو ابن العجوز وهو الذي دعا للقوم الذي ذكر الله في الكتاب لمحمد صلى الله عليه و سلم كما بلغنا ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم الآية
قال ابن حميد قال سلمة قال ابن إسحاق فبلغني أنه كان من حديثهم أنهم خرجوا فرارا من بعض الأوباء من الطاعون أو من سقم كان يصيب الناس حذرا من الموت وهم ألوف حتى إذا نزلوا بصعيد من البلاد قال الله لهم موتوا فماتوا جميعا فعمد أهل تلك البلاد فحظروا عليهم حظيرة دون السباع ثم تركوهم فيها وذلك أنهم كثروا عن أن يغيبوا فمرت بهم الأزمان والدهور حتى صاروا عظاما نخرة فمر بهم حزقيل بن بوذى فوقف عليهم فتعجب لأمرهم ودخلته رحمة لهم فقيل له أتحب أن يحييهم الله فقال نعم فقيل له فقل أيتها العظام الرميم التي قد رمت وبليت ليرجع كل عظم إلى صاحبه فناداهم بذلك فنظر إلى العظام تتواثب يأخذ بعضها بعضا ثم قيل له قل أيها اللحم والعصب والجلد اكس العظام بإذن ربك قال فنظر إليها والعصب يأخذ العظام ثم اللحم والجلد والأشعار حتى استووا خلقا ليست فيهم
(1/272)
________________________________________
الأرواح ثم دعا لهم بالحياة فتغشاه من السماء شيء كربه حتى غشي عليه منه ثم أفاق والقوم جلوس يقولون سبحان الله فقد أحياهم الله
فلم يذكر لنا مدة مكث حزقيل في بني إسرائيل
ولما قبض الله حزقيل كثر الأحداث فيما ذكر في بني إسرائيل وتركوا عهد الله الذي عهد إليهم في التوراة وعبدوا الأوثان فبعث الله إليهم فيما قيل إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق ثم إن الله عز و جل قبض حزقيل وعظمت في بني إسرائيل الأحداث ونسو ا ما كان من عهد الله إليهم حتى نصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله فبعث الله إليهم إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران نبيا وإنما كانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى يبعثون إليهم بتجديد ما نسوا من التوراة فكان إلياس مع ملك من ملوك بني إسرائيل يقال له أحاب وكان اسم امرأته أزبل وكان يسمع منه ويصدقه وكان إلياس يقيم له أمره وكان سائر بني إسرائيل قد اتخذوا صنما يعبدونه من دون الله يقال له بعل قال ابن إسحاق وقد سمعت بعض أهل العلم يقول ما كان بعل إلا امرأة يعبدونها من دون الله يقول الله لمحمد وإن إلياس لمن المرسلين إذ قال لقومه ألا تتقون إلى قوله الله ربكم ورب آبائكم الأولين ( 1 ) فجعل إلياس يدعوهم إلى الله وجعلوا لا يسمعون منه شيئا إلا ما كان من ذلك الملك والملوك متفرقة بالشأم كل ملك له ناحية منها يأكلها فقال ذلك الملك الذي كان إلياس معه يقوم له بأمره ويراه على هدى من بين أصحابه يوما يا إلياس والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلا والله ما أرى فلانا وفلانا فعد ملوكا من ملوك بني إسرائيل قد عبدوا الأوثان من دون الله إلا على مثل ما نحن عليه يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين ما ينقص دنياهم أمرهم الذي تزعم أنه باطل وما نرى لنا عليهم من فضل
فيزعمون والله أعلم أن إلياس استرجع وقام شعر رأسه وجلده ثم رفضه وخرج عنه ففعل ذلك الملك فعل أصحابه عبد الأوثان وصنع ما يصنعون فقال إلياس اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمتك أو كما قال
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال ذكر لي أنه أوحي إليه إنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأمر في ذلك فقال إلياس اللهم فأمسك عنهم المطر فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والهوام والشجر وجهد الناس جهدا شديدا
وكان إلياس فيما يذكرون حين دعا بذلك على بني إسرائيل قد استخفى شفقا على نفسه منهم وكان حيث ما كان وضع له رزق فكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا لقد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل منهم شرا ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال
(1/273)
________________________________________
له اليسع بن أخطوب به ضر فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع فآمن به وصدقه ولزمه فكان يذهب معه حيثما ذهب وكان إلياس قد أسن وكبر وكان اليسع غلاما شابا فيزعمون والله أعلم أن الله أوحى إلى إلياس أنك قد أهلكت كثيرا من الخلق ممن لم يعص سوى بني إسرائيل ممن لم أكن أريد هلاكه بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر بحبس المطر عن بني إسرائيل فيزعمون والله أعلم أن إلياس قال أي رب دعني أكن أنا الذي أدعو لهم به وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم أن يرجعوا وينزعوا عما هم عليه من عبادة غيرك قيل له نعم فجاء إلياس إلى بني إسرائيل فقال لهم إنكم قد هلكتم جهدا وهلكت البهائم والدواب والطير والهوام والشجر بخطاياكم وأنكم على باطل وغرور أو كما قال لهم فإن كنتم تحبون أن تعلموا ذلك وتعلموا أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عيه وأن الذي أدعوكم إليه الحق فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تعبدون وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله ففرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء قالوا أنصفت فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم التي لا يرضى فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء حتى عرفوا ما هم فيه من الضلالة والباطل ثم قالوا لإلياس يا إلياس إنا قد هلكنا فادع الله لنا فدعا لهم إلياس بالفرج مما هم فيه وأن يسقوا فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون ثم ترامى إليه السحاب ثم أدجنت ثم أرسل الله المطر فأغاثهم فحييت بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء فلم ينزعوا ولم يرجعوا وأقاموا على أخبث ما كانوا عليه فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم دعا ربه أن يقبضه إليه فيريحه منهم فقيل له فيما يزعمون انظر يوم كذا وكذا فاخرج فيه إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه فخرج إلياس وخرج معه السبع بن أخطوب حتى إذا كان بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه فوثب عليه فانطلق به فناداه اليسع يا إلياس يا إلياس ما تأمرني فكان آخر عهدهم به فكساه الله الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وطار في الملائكة فكان إنسيا ملكيا أرضيا سمائيا
ثم قام بعد إلياس بأمر بني إسرائيل فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال كما ذكر لي عن وهب بن منبه قال ثم نبئ فيهم يعني في بني إسرائيل بعده يعني بعد إلياس اليسع فكان فيهم ما شاء الله أن يكون ثم قبضه الله إليه وخلفت فيهم الخلوف وعظمت فيهم الخطايا وعندهم التابوت يتوارثونه كابرا عن كابر فيه السكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون فكانوا لا يلقاهم عدو فيقدمون التابوت ويزحفون به معهم إلا هزم الله ذلك العدو
والسكينة فيما ذكر ابن إسحاق عن وهب بن منبه عن بعض أهل العلم من بني إسرائيل رأس هرة ميتة فإذا صرخت في التابوت بصراخ هر أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح
ثم خلف فيهم ملك يقال له إيلاف وكان الله قد بارك لهم في جبلهم من إيليا لا يدخله عليهم عدو ولا يحتاجون معه إلى غيره فكان أحدهم فيما يذكرون يجمع التراب على الصخرة ثم ينبذ فيه الحب
(1/274)
________________________________________
فيخرج الله له ما يأكل منه سنة وهو وعياله ويكون لأحدهم الزيتونة فيعتصر منها ما يأكل هو وعياله سنة فلما عظمت أحداثهم وتركوا عهد الله إليهم نزل بهم عدو فخرجوا إليه وأخرجوا التابوت كما كانوا يخرجونه ثم زحفوا به فقوتلوا حتى استلب من أيديهم فأتى ملكهم إيلاف فأخبر أن التابوت قد أخذ واستلب فمالت عنقه فمات كمدا عليه فمرج أمرهم بينهم واختلف ووطئهم عدوهم حتى أصيب من أبنائهم ونسائهم فمكثوا على اضطراب من أمرهم واختلاف من أحوالهم يتمادون أحيانا في غيهم وضلالهم فسلط الله عليهم من ينتقم به منهم ويراجعون التوبة أحيانا فيكفيهم الله عند ذلك شر من بغاهم سواءا حتى بعث الله فيهم طالوت ملكا ورد عليهم تابوت الميثاق
وكانت مدة ما بين وفاة يوشع بن نون التي كان أمر بني إسرائيل في بعضها إلى القضاة منهم والساسة وفي بعضها إلى غيرهم ممن يقهرهم فيتملك عليهم من غيرهم إلى أن ثبت الملك فيهم ورجعت النبوة إليهم بشمويل بن بالي أربعمائة سنة وستين سنة فكان أول من سلط عليهم فيما قيل رجل من نسل لوط يقال له كوشان فقهرهم وأذلهم ثماني سنين ثم تنقذهم من يده أخ لكالب الأصغر يقال له عتنيل بن قيس فقام بأمرهم فيما قيل أربعين سنة سلط عليهم ملك يقال له جعلون فملكهم ثماني عشرة سنة ثم تنقذهم منه فيما قيل رجل من سبط بنيامين يقال له أهود بن جيرا الأشل اليمنى فقام بأمرهم ثمانين سنة ثم سلط عليهم ملك من الكنعانيين يقال له يافين فملكهم عشرين سنة ثم تنقذهم فيما قيل امرأة نبية من أنبيائهم يقال لها دبورا فدبر أمرهم فيما قيل رجل من قبلها يقال له باراق أربعين سنة ثم سلط عليهم قوم من نسل لوط كانت منازلهم في تخوم الحجاز فملكوهم سبع سنين ثم تنقذهم منهم رجل من ولد نفثالي بن يعقوب يقال له جدعون بن يواش فدبر أمرهم أربعين سنة ثم دبر أمرهم من بعد جدعون ابنه أبيملك بن جدعون ثلاث سنين ثم دبرهم من بعد أبيملك تولغ بن فوا بن خال أبيملك وقيل إنه ابن عمه ثلاث وعشرين سنة ثم دبر أمرهم بعد تولغ رجل من بني إسرائيل يقال له يائير اثنتين وعشرين سنة ثم ملكهم بنو عمون وهو قوم من أهل فلسطين ثماني عشرة سنة ثم قام بأمرهم رجل منهم يقال له يفتح ست سنين ثم دبرهم من بعده يجشون وهو رجل من بني إسرائيل سبع سنين ثم دبرهم بعده ألون عشر سنين ثم من بعده كيرون ويسميه بعضهم عكرون ثماني سنين ثم قهرهم أهل فلسطين وملوكهم أربعين سنة ثم وليهم شمسون وهو من بني إسرائيل عشرين سنة ثم بقوا بغير رئيس ولا مدبر لأمرهم بعد شمسون فيما قبل عشر سنين ثم دبر أمرهم بعد ذلك عالي الكاهن وفي أيامه غلب أهل غزة وعسقلان على تابوت الميثاق فلما مضى من وقت قيامه بأمرهم أربعين سنة بعث سمويل نبيا فدبر شمويل أمرهم فيما ذكر عشر سنين ثم سألوا شمويل حين نالهم بالذل والهوان بمعصيتهم ربهم أعداؤهم أن يبعث لهم ملكا يجاهدون معه في سبيل الله فقال لهم شمويل ما قد قص الله في كتابه العزيز
(1/275)

بنالعياط
01-10-2012, 07:26 PM
ذكر خبر شمويل بن بالي بن علقمة بن يرخام بن اليهو بن تهو بن صوف وطالوت وجالوت
كان من خبر شمويل بن بالي أن بني إسرائيل لما طال عليهم البلاء وأذلتهم الملوك من غيرهم ووطئت بلادهم وقتلوا رجالهم وسبوا ذراريهم وغلبوهم على التابوت الذي فيه السكينة والبقية مما ترك آل موسى وآل هارون وبه كانوا ينصرون إذا لقوا العدو ورغبوا إلى الله عز و جل في أن يبعث لهم نبيا يقيم أمرهم
فحدثني موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم كانت بنو إسرائيل يقاتلون العمالقة وكان ملك العمالقة جالوت وأنهم ظهروا على بني إسرائيل فضربوا عليهم الجزية وأخذوا توراتهم فكانت بنو إسرائيل يسألون الله أن يبعث لهم نبيا يقاتلون معه وكان سبط النبوة قد هلكوا فلم يبق منهم إلا امرأة حبلى فأخذوها فحبسوها في بيت رهبة أن تلد جارية فتبدله بغلام لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها فجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاما فولدت غلاما فسمته سمعون تقول الله سمع دعائي فكبر الغلام فأسلمته يتعلم التوراة في بيت المقدس وكفله شيخ من علمائهم وتبناه فلما بلغ الغلام أن يبعثه الله نبيا أتاه جبريل والغلام نائم إلى جنب الشيخ وكان لا يأمن عليه أحدا غيره فدعاه بلحن الشيخ يا شمويل فقام الغلام فزعا إلى الشيخ فقال يا أبتاه دعوتني فكره الشيخ أن يقول لا فيفزع الغلام فقال يا بني ارجع فنم فرجع الغلام فنام ثم دعاه الثانية فلباه الغلام أيضا فقال دعوتني فقال ارجع فنم فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني فلما كانت الثالثة ظهر له جبرئيل عليه السلام فقال اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك فإن الله قد بعث فيهم نبيا فلما أتاهم كذبوه وقالوا استعجلت بالنبوة ولم يألك وقالوا إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا يقاتل في سبيل الله آية من نبوتك قال لهم سمعون عسى إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا
قالوا وما لنا إلا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا بأداء الجزية فدعا الله فأى بعصا تكون مقدارا على طول الرجل الذي يبعث فيهم ملكا فقال إن صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا فقاسوا أنفسهم بها فلم يكونوا مثلها وكان طالوت رجلا سقاء يستقي على حمار له فضل حماره فانطلق يطلبه في الطريق فلما رأوه دعوه فقاسوه بها فكان مثلها وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت
(1/276)
________________________________________
ملكا ( 1 ) قال القوم ما كنت قط أكذب منك الساعة ونحن من سبط المملكة وليس هو من سبط المملكة ولم يؤت أيضا سعة من المال فنتبعه لذلك فقال النبي إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ( 1 ) فقالوا فإن كنت صادقا فأتنا بآية أن هذا ملك قال إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ( 2 )
والسكينة طست من ذهب يغسل فيها قلوب الأنبياء أعطاها الله موسى وفيها وضع الألواح وكانت الألواح فيما بلغنا من در وياقوت وزبرجد وأما البقية فإنها عصا موسى ورضاضة الألواح فأصبح التابوت وما فيه في دار طالوت فآمنوا بنبوة سمعون وسلموا الملك لطالوت
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج قال ابن عباس جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت
حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد نزلت الملائكة بالتابوت نهارا ينظرون إليه عيانا حتى وضعوه بين أظهرهم قال فأقروا غير راضين وخرجوا ساخطين
رجع الحديث إلى حديث السدي فخرجوا معه وهم ثمانون ألفا وكان جالوت من أعظم الناس وأشدهم بأسا يخرج يسير بين يدي الجند ولا يجتمع إليه أصحابه حتى يهزم هو من لقي فلما خرجوا قال لهم طالوت إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني ( 3 ) وهو نهر فلسطين فشربوا منه هيبة من جالوت فعبر معه منهم أربعة آلاف ورجع ستة وسبعون ألفا فمن شرب منه عطش ومن لم يشرب منه إلا غرفة روي فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه فنظروا إلى جالوت رجعوا أيضا وقالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله الذين يستيقنون كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ( 3 ) فرجع عنه أيضا ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون وخلص في ثلاثمائة وتسعة عشر عدة أهل بدر
حدثني المثنى قال حدثنا إسحاق بن الحجاج قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول كان لعيلى الذي ربى شمويل ابنان شابان أحدثا في القربان شيئا لم يكن فيه كان مسوط القربان الذي كانوا يسوطونه به كلابين فما أخرجا كان للكاهن الذي يسوطه فجعله ابناه كلاليب وكانا إذا جاءت النساء يصلين في القدس يتشبثان بهن فبينما أشمويل نائم قبل البيت الذي كان ينام فيه عيلى إذ سمع صوتا يقول أشمويل فوثب إلى عليى فقال لبيك فقال مالك دعوتني قال لا ارجع فنم فنام ثم سمع صوتا آخر يقول أشمويل فوثب إلى عيلى أيضا فقال لبيك مالك دعوتني فقال لم أفعل ارجع فنم فإن سمعت شيئا فقل لبيك مكانك مرني فافعل فرجع فنام فسمع صوتا أيضا يقول أشمويل فقال لبيك أنا هذا فمرني أفعل قال انطلق إلى عيلى فقل له منعه حب الولد من أن يزجر ابنيه أن يحدثا في قدسي وقرباني وأن يعصياني فلأنزعن منه
(1/277)
________________________________________
الكهانة ومن ولده ولأهلكنه وإياهما فلما أصبح سأله عيلى فأخبره ففزع لذلك فزعا شديدا فسار إليهم عدو ممن حوله فأمر ابنيه أن يخرجا بالناس ويقاتلا ذلك العدو فخرجا وأخرجا معهم التابوت الذي فيه الألواح وعصا موسى لينتصروا به فلما تهيأوا للقتال هم وعدوهم جعل عيلى يتوقع الخبر ماذا صنعوا فجاءه رجل يخبره وهو قاعد على كرسيه أن ابنيك قد قتلا وأن الناس قد انهزموا قال فما فعل التابوت قال ذهب به العدو قال فشهق ووقع على قفاه من كرسيه فمات وذهب الذين سبوا التابوت حتى وضعوه في بيت آلهتهم ولهم صنم يعبدونه فوضعوه تحت الصنم والصنم من فوقه فأصبح من الغد الصنم تحته وهو فوق الصنم ثم أخذوه فوضعوه فوقه وسمروا قدميه في التابوت فأصبح من الغد قد قطعت يد الصنم ورجلاه وأصبح ملقى تحت التابوت فقال بعضهم لبعض أليس قد علمتم أن إله بني إسرائيل لا يقوم له شيء فأخرجوه من بيت آلهتكم فأخرجوا التابوت فوضعوه في ناحية من قريتهم فأخذ أهل تلك الناحية التي وضعوا فيها التابوت وجع في أعناقهم فقالوا ما هذا فقالت لهم جارية كانت عندهم من سني بني إسرائيل لا تزالون ترون ما تكرهون ما كان هذا التابوت فيكم فأخرجوه من قريتكم قالوا كذبت قالت إن آية ذلك أن تأتوا ببقرتين لهما أولاد لم يوضع عليهما نير قط ثم تضعوا وراءهما العجل ثم تضعوا التابوت على العجل وتسيروهما وتحبسوا أولادهما فإنهما تنطلقان به مذعنتين حتى إذا خرجتا من أرضكم ووقعتا في أدنى أرض بني إسرائيل كسرتا نيرهما وأقبلتا إلى أولادهما ففعلوا ذلك فلما خرجنا من أرضهم ووقعتا في أدنى أرض بني إسرائيل كسرتا نيرهما وأقبلتا إلى أولادهما ووضعتاه في خربة ف فيها حصاد من بني إسرائيل ففزع إليه بنو إسرائيل وأقبلوا إليه فجعل لا يدنو منه أحد إلا مات فقال لهم نبيهم أشمويل اعترضوا فمن آنس م نفسه قوة فليدن منه فعرضوا عليه الناس فلم يقدر أحد على أن يدنو منه إلا رجلان من بني إسرائيل أذن لهما بأن يحملاه إلى بيت أمهما وهي أرملة فكان في بيت أمهما حتى ملك طالوت فصلح أمر بني إسرائيل مع أشمويل فقالت بنو إسرائيل لأشمويل ابعث لنا ملكا يقاتل في سبيل الله قال قد كفاكم الله القتال قالوا إنا نتخوف من حولنا فيكون لنا ملك نفزع إليه فأوحى الله إلى أشمويل أن ابعث لهم طالوت ملكا وادهنه بدهن القدس فضلت حمر لأني طالوت فأرسله وغلاما له يطلبانها فجاءا إلى أشمويل يسألانه عنها فقال إن الله قد بعثك ملكا على بني إسرائيل قال أنا قال نعم قال أو ما علمت أن سبطي أدنى أسباط بني إسرائيل قال بلى قال أفما علمت أن قبيلتي أدنى قبائل سبطي قال بلى قال أما علمت أن بيتي أدنى بيوت قبيلتي قال بلى قال فبأية آية قال بآية أنك ترجع وقد وجد أبوك حمرة وإذا كنت في مكان كذا وكذا نزل عليك الوحي فدهنه بدهن القدس وقال لبني إسرائيل إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ( 1 )
رجع الحديث إلى حديث السدي ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا ( 2 ) فعبر يومئذ ابو داود فيمن عبر في ثلاثة عشر ابنا له وكان داود أصغر بنيه وإنه أتاه ذات يوم فقال يا أبتاه ما أرمي بقذافتي شيئا إلا صرعته قال أبشر يا بني إن الله قد جعل رزقك في قذافتك ثم أتاه مرة أخرى فقال
(1/278)
________________________________________
يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدا رابضا فركبت عليه وأخذت بأذنيه فلم يهجني فقال أبشر يا بني فإن هذا خير يعطيكه الله ثم أتاه يوما آخر فقال يا أيتاه إني لأمشي بين الجبال فأسبح فلا يبقى جبل إلا سبح معي فقال أبشر يا بني فإن هذا خير أعطاكه الله وكان داود راعيا وكان أبوه خلفه يأتي إلى أبيه وإلى إخوته بالطعام فأتى النبي عليه السلام بقرن فيه دهن وتنور من حديد فبعث به إلى طالوت قال إن صاحبكم الذي يقتل جالوت يوضع هذا القرن على رأسه فيغلي حتى يدهن منه ولا يسيل على وجهه ويكون على رأسه كهيئة الإكليل ويدخل في هذا التنور فيملأه فدعا طالوت بني إسرائيل فجربهم به فلم يوافقه منهم أحد فلما فرغوا قال طالوت لأبي داود هل بقي لك ولد لم يشهدنا قال نعم بقي ابني داود وهو يأتينا بطعام فلما أتاه داود مر في الطريق بثلاثة أحجار فكلمنه وقلن له خذنا يا داود تقتل بنا جالوت قال فأخذهن وجعلهن في مخلاته وكان طالوت قد قال من قتل جالوت زوجته ابنتي وأجريت خاتمه في ملكي فلما جاء داود وضعوا القرن على رأسه فغلى حتى ادهن منه ولبس التنور فملأه وكان رجلا مسقاما مصفارا ولم يلبسه أحد إلا تقلقل فيه فلما لبسه داود تضايق التنور عليه حتى تنقض ثم مشى إلى جالوت وكان جالوت من أجسم الناس وأشدهم فلما نظر إلى داود قذف في قلبه الرعب منه فقال له يا فتى ارجع فإني أرحمك أن أقتلك فقال داود لا بل أنا أقتلك فأخرج الحجارة فوضعها في القذافة كلما رفع منها حجرا سماه فقال هذا باسم أبي إبراهيم والثاني باسم أبي إسحاق والثالث باسم أبي إسرائيل ثم أدار القذافة فعادت الأحجار حجرا واحدا ثم أرسله فصك به بين عيني جالوت فنقبت رأسه ثم قتلته فلم تزل تقتل كل إنسان تصيبه تنفذ فيه حتى لم يكن بحيالها أحد فهزموهم عند ذلك وقتل داود جالوت ورجع طالوت فأنكح داود ابنته وأجرى خاتمه في ملكه فمال الناس إلى داود وأحبوه
فلما رأى ذلك طالوت وجد في نفسه وحسده وأراد قتله فعلم داود أنه يريده بذلك فسجى له زق خمر في مضجعه فدخل طالوت إلى منام داود وقد هرب داود فضرب الزق ضربة فخرقه فسالت الخمر منه فوقعت قطرة من خمر في فيه فقال يرحم الله داود ما كان أكثر شربه للخمر ثم إن داود أتاه من القابلة في بيته وهو نائم فوضع سهمين عند رأسه وعند رجليه وعن يمينه وعن شماله سهمين سهمين ثم نزل فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها فقال يرحم الله داود هو خير مني ظفرت به فقتلته وظفر بي فكف عني ثم إنه ركب يوما فوجده يمشي في البرية وطالوت على فرس فقال طالوت اليوم أقتل داود وكان داود إذا فزع لم يدرك فركض على أثره طالوت ففزع داود فاشتد فدخل غارا فأوحى الله إلى العنكبوت فضربت عليه بيتا فلما انتهى طالوت إلى الغار نظر إلى بناء العنكبوت قال لو كان دخل ها هنا لخرق بيت العنكبوت فخيل إليه فتركه
وطعن العلماء على طالوت في شأن داود فجعل طالوت لا ينهاه أحد عن داود إلا قتله وأغراه الله بالعلماء يقتلهم فلم يكن يقدر في بني إسرائيل على عالم يطيق قتله إلا قتله حتى أتي بامرأة تعلم اسم الله الأعظم فأمر الخباز أن يقتلها فرحمها الخباز وقال لعلنا نحتاج إلى عالم فتركها فوقع في قلب طالوت التوبة وندم وأقبل على البكاء حتى رحمه الناس وكان كل ليلة يخرج إلى القبور فيبكي وينادي أنشد الله عبدا علم أن لي توبة إلا أخبرني بها فلما أكثر عليهم ليالي ناداه مناد من القبور أن يا طالوت أما ترضى أن قتلتنا أحياء حتى تؤذينا أمواتا فازداد بكاء وحزنا فرحمه الخباز فكلمه فقال مالك فقال هل
(1/279)
________________________________________
تعلم لي في الأرض عالما أسأله هل لي من توبة فقال له الخباز هل تدري ما مثلك إنما مثلك مثل ملك نزل قرية عشاء فصاح الديك فتطير منه فقال لا تتركوا في القرية ديكا إلا ذبحتموه فلما أراد أن ينام قال إذا صاح الديك فأيقظونا حتى ندلج فقالوا له وهل تركت ديكا يسمع صوته ولكن هل تركت عالما في الأرض فازداد حزنا وبكاء فلما رأى الخباز منه الجد قال أرأيتك إن دللتك على عالم لعلك أن تقتله قال لا فتوثق عليه الخباز فأخبره أن المرأة العالمة عنده قال انطلق بي إليها أسألها هل لي من توبة وكان إنما يعلم ذلك الاسم أهل بيت إذا فنيت رجالهم علمت النساء فقال إنها إن رأتك غشي عليها وفزعت منك فلما بلغ الباب خلفه خلفه ثم دخل عليها الخباز فقال لها الست أعظم الناس منة عليك أنجيتك من القتل وآويتك عندي قالت بلى قال فإن لي إليك حاجة هذا طالوت يسألك هل له من توبة فغشي عليها من الفرق فقال لها إنه لا يريد قتلك ولكن يسألك هل له من توبة قالت لا والله ما أعلم لطالوت توبة ولكن هل تعلمون مكان قبر نبي قالوا نعم هذا قبر يوشع بن نون فانطلقت وهما معها إليه فدعت فخرج يوشع بن نون ينفض رأسه من التراب فلما نظر إليهم ثلاثتهم قال ما لكم أقامت القيامة قالت لا ولكن طالوت يسألك هل له من توبة قال يوشع ما أعلم لطالوت من توبة إلا أن يتخلى من ملكه ويخرج هو وولده فيقاتلون بين يديه في سبيل الله حتى إذا قتلوا شد هو فقتل فعسى أن يكون ذلك له توبة ثم سقط ميتا في القبر
ورجع طالوت أحزن ما كان رهبة ألا يتابعه ولده فبكى حتى سقطت أشفار عينيه ونحل جسمه فدخل عليه بنوه وهم ثلاثة عشر رجلا فكلموه وسألوه عن حاله فأخبرهم خبره وما قيل له في توبته فسألهم أن يغزوا معه فجهزهم فخرجوا معه فشدوا بين يديه حتى قتلوا ثم شد بعدهم هو فقتل وملك داود بعد ذلك وجعله الله نبيا فذلك قوله عز و جل وآتاه الله الملك والحكمة قيل هي النبوة آتاه نبوة شمعون وملك طالوت
واسم طالوت بالسريانية شاول بن قيس بن أبيال بن ضرار بن بحرت بن أفيح بن أيش بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم
وقال ابن إسحاق كان النبي الذي بعث لطالوت من قبره حتى أخبره بتوبته اليسع بن أخطوب حدثنا بذلك ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق
وزعم أهل التوراة أن مدة ملك طالوت من أولها إلى أن قتل في الحرب مع ولده كانت أربعين سنة
(1/280)

بنالعياط
01-10-2012, 08:46 PM
ذكر خبر داود
بن إيشى بن عويد بن باعز بن سلمون بن نحشون بن عمي نادب بن رام بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم
وكان داود عليه السلام فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه قصيرا أزرق قليل الشعر طاهر القلب نقيه
حدثني يونس بن عبدالأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال حدثني ابن زيد في قول الله ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت إلى قوله والله عليم بالظالمين ( 1 ) قال أوحى الله إلى نبيهم أن في ولد فلان رجلا يقتل الله به جالوت ومن علامته هذا القرن يضعه على رأسه فيفيض ماء فأتاه فقال إن الله عز و جل أوحى إلي أن في ولدك رجلا يقتل الله به جالوت فقال نعم يا نبي الله قال فأخرج له اثني عشر رجلا أمثال السواري وفيهم رجل بارع عليهم فجعل يعرضهم على القرن فلا يرى شيئا فيقول لذلك الجسيم ارجع فيردده عليه فأوحى الله إليه إنا لا نأخذ الرجال على صورهم ولكنا نأخذهم على صلاح قلوبهم قال يا رب قد زعم أنه ليس له ولد غيره فقال كذب فقال إن ربي قد كذبك وقال إن لك ولدا غيرهم قال قد صدق يا نبي الله إن لي ولدا قصيرا استحييت أن يراه الناس فجعلته في الغنم قال فأين هو قال في شعب كذا وكذا من جبل كذا وكذا فخرج إليه فوجد الوادي قد سال بينه وبين البقعة التي كان يريح إليها قال ووجده يحمل شاتين شاتين يجيز بهما السيل ولا يخوض بهما السيل فلما رآه قال هذا هو لا شك فيه هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم قال فوضع القرن على رأسه ففاض
حدثني المثنى قال حدثنا إسحاق قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل عن وهب بن منبه قال لما سلمت بنو إسرائيل الملك لطالوت أوحى الله إلى نبي بني إسرائيل أن قل لطالوت فليغز أهل مدين فلا يترك فيها حيا إلا قتله فإني سأظهره عليهم فخرج بالناس حتى أتى مدين فقتل من كان فيها إلا ملكهم فإنه أسره وساق مواشيهم فأوحى الله إلى أشمويل ألا تعجب من طالوت إذ أمرته بأمري فاختل فيه فجاء بملكهم أسيرا وساق مواشيهم فالقه فقل له لأنزعن الملك من بيته ثم لا يعود فيه إلى يوم القيامة فإني إنما أكرم من أطاعني وأهين من هان عليه أمري فلقيه فقال له ما صنعت لم جئت بملكهم أسيرا ولم سقت مواشيهم قال إنما سقت المواشي لأقربها قال له أشمويل إن الله قد نزع من بيتك الملك ثم لا يعود فيه إلى يوم القيامة فأوحى الله إلى أشمويل انطلق
(1/281)
________________________________________
إلى إيشى فيعرض عليك بنيه فادهن الذي آمرك بدهن القدس يكن ملكا على بني إسرائيل فانطلق حتى أتى إيشى فقال اعرض علي بنيك فدعا إيشى أكبر ولده فأقبل رجل جسيم حسن المنظر فلما نظر إليه أشمويل أعجبه فقال الحمد لله إن الله بصير بالعباد فأوحى الله إليه إن عينيك تبصران ما ظهر وإني أطلع على ما في القلوب ليس بهذا فقال ليس بهذا اعرض علي غيره فعرض عليه ستة في كل ذلك يقول ليس بهذا اعرض علي غيره فقال هل لك من ولد غيرهم فقال بلى لي غلام أمغر وهو راع في الغنم قال أرسل إليه فلما أن جاء داود جاء غلام أمغر فدهنه بدهن القدس وقال لأبيه أكتم هذا فإن طالوت لو يطلع عليه قتله فسار جالوت في قومه إلى بني إسرائيل فعسكر وسار طالوت ببني إسرائيل وعسكر وتهيأوا للقتال فأرسل جالوت إلى طالوت لم يقتل قومي وقومك ابرز لي أو أبرز لي من شئت فإن قتلتك كان الملك لي وإن قتلتني كان الملك لك فأرسل طالوت في عسكره صائحا من يبرز لجالوت ثم ذكر قصة طالوت وجالوت وقتل داود إياه وما كان من طالوت إلى داود
قال أبو جعفر وفي هذا الخبر بيان أن داود قد كان الله حول الملك له قبل قتله جالوت وقيل أن بكون من طالوت إليه ما كان من محاولته قتله وأما سائر من روينا عنه قولا في ذلك فإنهم قالوا إنما ملك داود بعد ما قتل طالوت وولده
وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق فيما ذكر لي بعض أهل العلم عن وهب بن منبه قال لما قتل داود جالوت وانهزم جنده قال الناس قتل داود جالوت وخلع طالوت وأقبل الناس على داود مكانه حتى لم يسمع لطالوت بذكر
قال ولما اجتمعت بنو إسرائيل على داود أنزل الله عليه الزبور وعلمه صنعة الحديد وألانه له وأمر الجبال والطير أن يسبحن معه إذا سبح ولم يعط الله فيما يذكرون أحدا من خلقه مثل صوته كان إذا قرأ الزبور فيما يذكرون ترنو له الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها وإنها لمصيخة تسمع لصوته وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج إلا على أصناف صوته وكان شديد الاجتهاد دائب العبادة كثير البكاء وكان كما وصفه الله عز و جل لنبيه محمد عليه السلام فقال واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق ( 1 ) يعني بذلك ذا القوة
وقد حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب قال أعطي قوة في العبادة وفقها في الإسلام وقد ذكر لنا أن داود عليه السلام كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر وكان يحرسه فيما ذكر في كل يوم وليلة أربعة آلاف
حدثني محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط عن السدي في قوله وشددنا ملكه قال كان يحرسه كل يوم وليلة أربعة آلاف
وذكر أنه تمنى يوما من الأيام على ربه منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب وسأله أن يمتحنه بنحو الذي كان امتحنهم ويعطيه من الفضل نحو الذي كان أعطاهم
(1/282)
________________________________________
فحدثني محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط قال قال السدي كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام يوما يقضي فيه بين الناس ويوما يخلو فيه لعبادة ربه ويوما يخلو فيه لنسائه وكان له تسع وتسعون امرأة وكان فيما يقرأ من الكتب أنه كان يجد فيه فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال يا رب أرى الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي فأعطني مثل ما أعطيتهم وافعل بي مثل ما فعلت بهم قال فأوحى الله إليه أن آباءك ابتلوا ببلايا لم تبتل بها ابتلي إبراهيم بذبح ابنه وابتلي إسحاق بذهاب بصره وابتلي يعقوب بحزنه على ابنه يوسف وإنك لم تبتل من ذلك بشيء قال يا رب ابتلني بمثل ما ابتليتهم به وأعطني مثل ما أعطيتهم قال فأوحى إليه إنك مبتلى فاحترس قال فمكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي قال فمد يده ليأخذه فتنحى فتبعه فتباعد حتى وقع في كوة فذهب ليأخذه فطار من الكوة فنظر أين يقع فيبعث في أثره قال فأبصر امرأة تغتسل على سطح لها فرأى امرأة من أجمل النساء خلقا فحانت منها التفاتة فأبصرته فألقت شعرها فاستترت به قال فزاده ذلك فيها رغبة قال فسأل عنها فأخبر أن لها زوجا وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا قال فبعث إلى صاحب المسلحة يأمره أن يبعث أهريا إلى عدو كذا وكذا قال فبعثه ففتح له قال وكتب إليه بذلك فكتب إليه أيضا أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا أشد منهم بأسا قال فبعثه ففتح له أيضا قال فكتب إلى داود بذلك قال فكتب إليه أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا قال فبعثه قال فقتل المرة الثالثة قال وتزوج داود امرأته فلما دخلت عليه لم تلبث عنده إلا يسيرا حتى بعث الله ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحرس أن يدخلا عليه فتسورا عليه المحراب قال فما شعر وهو يصلي إذا هو بهما بين يديه جالسين قال ففزع منهما فقالا لا تخف إنما نحن خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط يقول لا تحف واهدنا إلى سواء الصراط إلى عدل القضاء قال قصا علي قصتكما قال فقال أحدهما إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة ( 1 ) فهو يريد أن يأخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائة قال فقال للآخر ما تقول فقال إن لي تسعا وتسعين نعجة ولأخي هذا نعجة واحدة فأنا أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي مائة قال وهو كاره قال وهو كاره قال إذا لا ندعك وذاك قال ما أنت على ذلك بقادر قال فإن ذهبت تروم ذلك أو تريد ذلك ضربنا منك هذا وهذا وفسر أسباط طرف الأنف والجبهة فقال يا داود أنت أحق أن يضرب منك هذا وهذا حيث لك تسع وتسعون امرأة ولم يكن لأهريا إلا امرأة واحدة فلم تزل به تعرضه للقتل حتى قتل وتزوجت امرأته قال فنظر فلم ير شيئا قال فعرق ما قد وقع فيه وما ابتلي به قال فخر ساجدا فبكى قال فمكث يبكي ساجدا أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا لحاجة لا بد منها ثم يقع ساجدا يبكي ثم يدعو حتى نبت العشب من دموع عينيه قال فأوحى الله عز و جل إليه بعد أربعين يوما يا داود ارفع رأسك فقد غفرت لك فقال يا رب كيف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء إذا جاء أهريا يوم القيامة آخذا رأسه بيمينه أو بشماله تشخب أوداجه دما في قبل
(1/283)
________________________________________
عرشك يقول يا رب سل هذا فيم قتلني قال فأوحى الله إليه إذا كان ذلك دعوت أهريا فأستوهبك منه فيهبك لي فأثيبه بذلك الجنة قال رب الآن علمت أنك قد غفرت لي قال فما استطاع أن يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض
حدثني علي بن سهل قال حدثنا الوليد بن مسلم عن عبدالرحمن بن زيد بن جابر قال حدثني عطاء الخراساني قال نقش داود خطيئته في كفه لكيلا ينساها فكان إذا رآها خفقت يده واضطربت
وقد قيل إن سبب المحنة بما امتحن به أن نفسه حدثته أنه يطيق قطع يوم من الأيام بغير مقارفة سوء فكان اليوم الذي عرض له فيه ما عرض اليوم الذي ظن أنه يقطعه بغير اقتراف سوء
ذكر من قال ذلك
حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن مطر عن الحسن أن داود جزأ الدهر أربعة أجزاء يوما لنسائه ويوما لعبادته ويوما لقضاء بني إسرائيل ويوما لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك فلما كان يوم عبادته غلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد وأكب على التوراة فبينما هو يقرأها إذا حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن قد وقعت بين يديه فأهوى إليها ليأخذها قال فطارت فوقعت غير بعيد من غير أن توئسه من نفسها قال فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها فلما رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها فزاده ذلك أيضا إعجابا بها وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه فكتب إليه أن يسير إلى مكان كذا وكذا ( مكان إذا سار إليه لم يرجع ) قال ففعل فأصيب فخطبها فتزوجها قال وقال قتادة بلغنا أنها أم سليمان قال فبينما هو في المحراب إذ تسور الملكان عليه وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب ففزع منهم حين تسوروا المحراب فقالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض حتى بلغ ولا تشطط أي ولا تمل واهدنا إلى سواء الصراط أي أعدله وخيره إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة وكان لداود تسع وتسعون امرأة ولي نعجة واحدة قال وإنما كان للرجل امرأة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب أي ظلمني وقهرني قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه إلى وظن داود فعلم أنما أضمر له أي عني بذلك فخر راكعا وأناب ( 1 )
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن إدريس قال سمعت ليثا يذكر عن مجاهد قال لما أصاب داود الخطيئة خر لله ساجدا أربعين يوما حتى نبت من دموع عينيه من البقل ما غطىرأسه ثم نادى يا رب قرح الجبين وجمدت العين وداود لم يرجع إليه في خطيئته شيء فنودي أجائع فتطعم أم مريض فتشفى أم مظلوم فينتصر لك قال فنحب نحبة هاج كل شيء كان نبت فعند ذلك غفر له وكانت خطيئته مكتوبة بكفه يقرأها وكان يؤتى بالإناء ليشرب فلا يشرب إلا ثلثه أو نصفه وكان يذكر خطيئته فينتحب النحبة تكاد مفاصله يزول بعضها عن بعض ثم ما يتم شربه حتى يملأ الإناء من دموعه وكان يقال إن دمعة داود تعدل دمعة الخلائق ودمعة آدم تعدل دمعة داود ودمعة الخلائق قال وهو يجيء يوم
(1/284)
________________________________________
القيامة خطيئته مكتوبة بكفه فيقول رب ذنبي ذنبي قدمني قال فيقدم فلا يأمن فيقول رب أخرني قال فيؤخر فلا يأمن
حدثني يونس بن عبد الأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني ابن لهيعة عن أبي صخر عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إن داود النبي عليه السلام حين نظر إلى المرأة فأهم قطع على بني إسرائيل بعثا فأوصى صاحب البعث فقال إذا حضر العدو فقرب فلانا بين يدي التابوت وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به من قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل أو ينهزم عنه الجيش فقتل زوج المرأة ونزل الملكان على داود يقصان عليه قصته ففطن داود فسجد فمكث أربعين ليلة ساجدا حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه وأكلت الأرض من جبينه وهو يقول في سجوده فلم أحص من الرقاشي إلا هؤلاء الكلمات رب زل داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب رب إن لم ترحم ضعف داود وتغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثا في الخلوف من بعده فجاءه جبرئيل من بعد أربعين ليلة فقال يا داود إن الله قد غفر لك الهم الذي هممت به فقال داود قد علمت أن الله قادر على أن يغفر لي الهم الذي هممت به وقد عرفت أن الله عدل لا يميل فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة فقال يا رب دمي الذي عند داود فقال جبرئيل ما سألت ربك عن ذلك ولئن شئت لأفعلن قال نعم قال فعرج جبرئيل وسجد داود فمكث ما شاء الله ثم نزل فقال قد سألت الله يا داود عن الذي أرسلتني فيه فقال قل له يا داود إن الله يجمعكما يوم القيامة فيقول هب لي دمك الذي عند داود فيقول هو لك يا رب فيقول فإن لك في الجنة ما شئت وما اشتهيت عوضا
ويزعم أهل الكتاب أن داود لم يزل قائما بالملك بعد طالوت إلى أن كان من أمره وأمر امرأة أوريا ما كان فلما واقع ما واقع من الخطيئة اشتغل بالتوبة منها فيما زعموا واستخف به بنو إسرائيل ووثب عليه ابن يقال له إيشى فدعا إلى نفسه فاجتمع إليه أهل الزيغ من بني إسرائيل قالوا فلما تاب الله على داود ثابت إليه ثائبة من الناس فحارب ابنه حتى هزمه ووجه في طلبه قائدا من قواده وتقدم إليه أن يتوقى حتفه ويتلطف لأسره فطلبه القائد وهو منهزم فاضطره إلى شجرة فركض فيها وكان ذا جمة فتعلق بعض أغصان الشجرة بشعره فحبسه ولحقه القائد فقتله مخالفا لأمر داود فحزن داود عليه حزنا شديدا وتنكر للقائد وأصاب بني إسرائيل في زمانه طاعون جارف فخرج بهم إلى موضع بيت المقدس يدعون الله ويسألونه كشف ذلك البلاء عنهم فاستجيب لهم فاتخذوا ذلك الموضع مسجدا وكان ذلك فيما قيل لإحدى عشرة سنة مضت من ملكه وتوفي قبل ان يستتم بناءه فأوصى إلى سليمان باستتمامه وقتل القائد الذي قتل أخاه فلما دفنه سليمان نفذ لأمره في القائد وقتله واستتم بناء المسجد
وقيل في بناء ذلك المسجد ما حدثنا محمد بن سهل بن عسكر قال حدثني إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول إن داود أراد أن يعلم عدد بني إسرائيل كم هم فبعث لذلك عرفاء ونقباء وأمرهم أن يرفعوا إليه ما بلغ عددهم فعتب الله عليه ذلك وقال قد علمت أني وعدت إبراهيم أن أبارك فيه وفي ذريته حتى أجعلهم كعدد نجوم السماء وأجعلهم لا يحصى عددهم فأردت أن تعلم عدد ما قلت إنه لا يحصى عددهم فاختاروا بين أن أبتليكم بالجوع
(1/285)
________________________________________
ثلاث سنين أو أسلط عليكم العدو ثلاثة أشهر أو الموت ثلاثة أيام فاستشار داود في ذلك بني إسرائيل فقالوا ما لنا بالجوع ثلاث سنين صبر ولا بالعدو ثلاثة أشهر فليس لهم بقية فإن كان لا بد فالموت بيده لا بيد غيره فذكر وهب بن منبه أنه مات منهم في ساعة من نهار ألوف كبيرة لا يدرى ما عددهم فلما رأى ذلك داود شق عليه ما بلغه من كثرة الموت فتبتل إلى الله ودعاه فقال يا رب أنا آكل الحماض وبنو إسرائيل يضرسون أنا طلبت ذلك فأمرت به بني إسرائيل فما كان من شيء فبي واعف عن بني إسرائيل فاستجاب الله له ورفع عنهم الموت فرأى داود الملائكة سالين سيوفهم يغمدونها يرتقون في سلم من ذهب من الصخرة إلى السماء فقال داود هذا مكان ينبغي أن يبنى فيه مسجد فأراد داود أن يأخذ في بنائه فأوحى الله إليه أن هذا بيت مقدس وأنك قد صبغت يديك في الدماء فلست ببانيه ولكن ابن لك أملكه بعدك أسميه سليمان أسلمه من الدماء
فلما ملك سليمان بناءه وشرفه وكان عمر داود فيما وردت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه و سلم مائة سنة وأما بعض أهل الكتب فإنه زعم أن عمره كان سبعا وسبعين سنة وأن مدة ملكه كانت أربعين سنة
(1/286)

بنالعياط
01-10-2012, 09:00 PM
ذكر خبر سليمان بن داود عليهما السلام
ثم ملك سليمان بن داود بعد أبيه داود أمر بني إسرائيل وسخر الله له الجن والإنس والطير والريح وآتاه مع ذلك النبوة وسأل ربه أن يؤتيه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فاستجاب الله له فأعطاه ذلك
كان فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه إذا خرج من بيته إلى مجلسه عكفت عليه الطير وقام له الإنس والجن حتى يجلس على سريره وكان فيما يزعمون أبيض جسيما وضيئا كثير الشعر يلبس من الثياب البياض وكان أبوه في أيام ملكه بعد أن بلغ سليمان مبلغ الرجال يشاوره فيما ذكر في أموره وكان من شأنه وشأن أبيه داود الحكم في الغنم التي نفشت في حرث القوم الذين قص الله في كتابه خبرهم وخبرهما فقال وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما ( 1 )
فحدثنا أبو كريب وهارون بن إدريس الأصم قالا حدثنا المحاربي عن أشعث عن أبي إسحاق عن مرة عن ابن مسعود في قوله وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم قال كرم قد أنبتت عناقيده فأفسدته قال فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم فقال سليمان غير هذا يا نبي الله قال وما ذاك قال تدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا كان الكرم كما كان دفعت الكرم إلى صاحبه ودفعت الغنم إلى صاحبها فذلك قوله ففهمناها سليمان وكان رجلا غزاء لا يكاد يقعد عن الغزو وكان لا يسمع بملك في ناحية من الأرض إلا أتاه حتى يذله وكان فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق فيما يزعمون إذا أراد الغزو أمر بعسكره فضرب له بخشب ثم نصب له على الخشب ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة الحرب كلها حتى إذا حمل معه ما يريد أمر العاصف من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب فاحتملته حتى إذا استقلت به أمر الرخاء فمر به شهرا في روحته وشهرا في غدوته إلى حيث أراد يقول الله عز و جل فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ( 2 ) أي حيث أراد وقال الله ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر ( 3 )
(1/287)
________________________________________
قال وذكر لي أن منزلا بناحية دجلة مكتوب فيه كتاب كتبه بعض أصحاب سليمان إما من الجن وإما من الإنس نحن نزلناه وما بنيناه ومبينا وجدناه غدونا من إصطخر فقلناه ونحن رائحون منه إن شاء الله فبائتون بالشام
قال وكان فيما بلغني لتمر بعسكره الريح والرخاء تهوي به إلى ما أراد وإنها لتمر بالمزرعة فما تحركها
وقد حدثنا القاسم بن الحسن قال حدثني الحسين قال حدثني حجاج عن أبي معشر عن محمد بن كعب القرظي قال بلغنا أن سليمان كان عسكره مائة فرسخ خمسة وعشرون منها للإنس وخمسة وعشرون للجن وخمسة وعشرون للوحش وخمسة وعشرون للطير وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلثمائة صريحة وسبعمائة سرية فأمر الريح العاصف فرفعته وأمر الرخاء فسيرته فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض أني قد زدت في ملكك أنه لا يتكلم أحد من الخلائق إلا جاءت به الريح وأخبرتك
حدثني أبو السائب قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان سليمان بن داود يوضع له ستمائة كرسي ثم يجيء أشراف الإنس فيجلسون مما يليه ثم يجيء أشراف الجن فيجلسون مما يلي الإنس قال ثم يدعو الطير فتظلهم ثم يدعو الريح فتحملهم قال فتسير في الغداة الواحدة مسيرة شهر
(1/288)

بنالعياط
01-10-2012, 09:47 PM
ذكر ما انتهى إلينا من مغازي سليمان عليه السلام
فمن ذلك غزوته التي راسل فيها بلقيس وهي فيما يقول أهل الأنساب يلمقة ابنة اليشرح ويقول بعضهم ابنة أيلي شرح ويقول بعضهم ابنة ذي شرح بن ذي جدن بن أيلي شرح بن الحارث بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ثم صارت إليه سلما بغير حرب ولا قتال وكان سبب مراسلته إياها فيما ذكر أنه فقد الهدهد يوما في مسير كان يسيره واحتاج إلى الماء فلم يعلم من حضره بعده وقيل له علم ذلك عند الهدهد فسأل عن الهدهد فلم يجده وقال بعضهم بل إنما سأل سليمان عن الهدهد لإخلاله بالنوبة
فكان من حديثه وحديث مسيره ذلك وحديث بلقيس ما حدثني العباس بن الوليد الآملي قال حدثنا علي بن عاصم قال حدثنا عطاء بن السائب قال حدثني مجاهد عن ابن عباس قال كان سليمان بن داود إذا سافر أو أراد سفرا قعد على سريره ووضعت الكراسي يمينا وشمالا فيأذن للإنس ثم يأذن للجن عليه بعد الإنس فيكونون خلف الإنس ثم يأذن للشياطين بعد الجن فيكونون خلف الجن ثم يرسل إلى الطير فتظلهم من فوقهم ثم يرسل إلى الريح فتحملهم وهو على سريره والناس على الكراسي فتسير بهم غدوها شهر ورواحها شهر رخاء حيث اصاب ليس بالعاصف ولا اللين وسطا بين ذلك فبينما سليمان يسير وكان سليمان اختار من كل طير طيرا فجعله رأس تلك الطير فإذا أراد أن يسائل شيئا من تلك الطير عن شيء سأل رأسها فبينما سليمان يسير إذ نزل مفازة فسأل عن بعد الماء ها هنا فقال الإنس لا ندري فسأل الجن فقالوا لا ندري فسأل الشياطين فقالوا لا ندري فغضب سليمان فقال لا أبرح حتى أعلم كم بعد مسافة الماء هاهنا قال فقالت له الشياطين يا رسول الله لا تغضب فإن يك شيئا يعلم فالهدهد يعلمه فقال سليمان علي بالهدهد فلم يوجد فغضب سليمان فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ( 1 ) يقول بعذر مبين لم غاب عن مسيري هذا وكان عقابه للطير أن ينتف ريشه ويشمسه فلا يستطيع أن يطير ويكون من هوام الأرض إن أراد ذلك أو يذبحه فكان ذلك عذابه
قال ومر الهدهد على قصر بلقيس فرأى بستانا لها خلف قصرها فمال إلى الخضرة فوقع عليها فإذا هو بهدهد لها في البستان فقال هدهد سليمان أين أنت عن سليمان وما تصنع ها هنا قال له هدهد
(1/289)
________________________________________
بلقيس ومن سليمان فقال بعث الله رجلا يقال له سليمان رسولا وسخر له الريح والجن والإنس والطير قال فقال له هدهد بلقيس أي شيء تقول قال أقول لك ما تسمع قال إن هذا لعجب وأعجب من ذاك أن كثرة هؤلاء القوم تملكهم امرأة أوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم جعلوا الشكر لله أن يسجدوا للشمس من دون الله قال وذكر الهدهد سليمان فنهض عنه فلما انتهى إلى العسكر تلقته الطير وقالوا توعدك رسول الله فأخبروه بما قال قال وكان عذاب سليمان للطير أن ينتف ريشه ويشمسه فلا يطير أبدا فيصير من هوام الأرض أو يذبحه فلا يكون له نسل أبدا قال فقال الهدهد أو ما استثنى رسول الله قالوا بل قال أو ليأتيني بعذر مبين قال فلما أتى سليمان قال ما غيبك عن مسيري قال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين حتى بلغ فانظر ماذا يرجعون ( 1 ) قال فاعتل له بشيء وأخبره عن بلقيس وقومها ما أخبره الهدهد فقال له سليمان قد اعتللت سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ( 2 ) قال فوافقها وهي في قصرها فألقى إليها الكتاب فسقط في حجرها أنه كتاب كريم وأشفقت منه فأخذته وألقت عليه ثيابها وأمرت بسريرها فأخرج فخرجت فقعدت عليه ونادت في قومها فقالت لهم يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين ( 3 ) ولم أكن لأقطع أمرا حتى تشهدون قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين إلى وإني مرسلة إليهم بهدية ( 4 ) فإن قبلها فهذا ملك من ملوك الدنيا وأنا أعز منه وأقوى وإن لم يقبلها فهذا شيء من الله
فلما جاء سليمان الهدية قال لهم سليمان أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم إلى قوله وهم صاغرون ( 5 ) يقول وهم غير محمودين قال بعثت إليه بخرزة غير مثقوبة فقالت اثقب هذه قال فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذاك ثم سأل الجن فلم يكن عندهم علم ذاك قال فسأل الشياطين فقالوا ترسل إلى الأرضة فجاءت الأرضة فأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها فنقبتها بعد حين فلما رجع إليها رسولها خرجت فزعة في أول النهار من قومها وتبعها قومها قال ابن عباس وكان معها ألف قيل
قال ابن عباس أهل اليمن يسمون القائد قيلا مع كل قيل عشرة آلاف قال العباس قال علي عشرة آلاف ألف
قال العباس قال علي فأخبرنا حصين بن عبدالرحمن قال حدثني عبدالله بن شداد بن الهاد قال فأقبلت بلقيس إلى سليمان ومعها ثلثمائة قيل واثنا عشر قيلا مع كل قيل عشرة آلاف
قال عطاء عن مجاهد عن ابن عباس وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه فخرج يومئذ فجلس على سريره فرأى رهجا قريبا منه فقال ما هذا قالوا بلقيس يا رسول الله قال وقد نزلت منا بهذا المكان قال مجاهد فوصف لنا ذلك ابن عباس فحزرته ما بين الكوفة والحيرة قدر
(1/290)
________________________________________
فرسخ قال فأقبل على جنوده فقال أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك الذي أنت فيه إلى الحين الذي تقوم إلى غدائك قال قال سليمان من يأتيني به قبل ذلك قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فنظر إليه سليمان فلما قطع كلامه رد سليمان بصره على العرش فرأى سريرها قد خرج ونبع من تحت كرسيه فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر إذ أتاني به قبل أن يرتد إلي طرفي أم أكفر إذ جعل من تحت يدي أقدر على المجيء به مني قال فوضعوا لها عرشها قال فلما جاءت قعدت إلى سليمان قيل لها أهكذا عرشك فنظرت إليه فقالت كأنه هو ( 1 ) ثم قالت لقد تركته في حصوني وتركت الجنود محيطة به فكيف جيء بهذا يا سليمان إني أريد أن أسألك عن شيء فأخبرنيه قال سلي قالت أخبرني عن ماء رواء لا من سماء ولا من أرض قال وكان إذا جاء سليمان شيء لا يعلمه بدأ فسأل الإنس عنه فإن كان عند الإنس فيه علم وإلا سأل الجن فإن لم يكن عند الجن علم به سأل الشياطين قال فقالت له الشياطين ما أهون هذا يا رسول الله مر الخيل فلتجر ثم تملأ الآنية من عرقها فقال لها سليمان عرق الخيل قالت صدقت قالت أخبرني عن لون الرب قال قال ابن عباس فوثب سليمان عن سريره فخر ساجدا قال العباس قال علي فأخبرني عمرو بن عبيد عن الحسن قال صعق فغشي عليه فخر عن سريره
ثم رجع إلى حديثه قال فقامت عنه وتفرقت عنه جنوده وجاءه الرسول فقال يا سليمان يقول لك ربك ما شأنك قال سألتني عن أمر يكابرني أو يكابدني أن أعيده قال فإن الله يأمرك أن تعود إلى سريرك فتقعد عليه وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودها وترسل إلى جميع جنودك الذين حضروا فيدخلوا عليك فتسألها وتسألهم عما سألتك عنه قال ففعل فلما حضروا عليه جميعا قال لها عم سألتني قالت سألتك عن ماء رواء لا من سماء ولا من أرض قال قلت لك عرق الخيل قالت صدقت قال وعن أي شيء سألتني قالت ما سألتك عن شيء غير هذا قال قال لها سليمان فلأي شيء خررت عن سريري قالت قد كان ذاك لشيء لا أدري ما هو قال العباس قال علي نسيته قال فسأل جنودها فقالوا مثل ما قالت قال فسأل جنوده من الإنس والجن والطير وكل شيء كان حضره من جنوده فقالوا ما سألتك يا رسول الله إلا عن ماء رواء قال وقد كان قال له الرسول يقول الله لك عد إلى مكانك فإني قد كفيتكم قال وقال سليمان للشياطين ابنوا لي صرحا تدخل علي فيه بلقيس قال فرجع الشياطين بعضهم إلى بعض فقالوا سليمان رسول الله قد سخر الله له ما سخر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاما فلا ننفك من العبودية أبدا
قال وكانت امرأة شعراء الساقين فقالت الشياطين ابنوا له بنيانا ليرى ذلك منها فلا يتزوجها فبنوا له صرحا من قوارير أخضر وجعلوا له طوابيق من قوارير كأنه الماء وجعلوا في باطن الطوابيق كل شيء يكون من الدواب في البحر من السمك وغيره ثم أطبقوه ثم قالوا لسليمان ادخل الصرح قال فألقي لسليمان كرسي في أقصى الصرح فلما دخله ورأى ما رأى أتى الكرسي فقعد عليه ثم قال أدخلوا علي بلقيس فقيل
(1/291)
________________________________________
لها ادخلي الصرح فلما ذهبت تدخله رأت صورة السمك وما يكون في الماء من الدواب فحسبته لجة ( حسبته ماء ) وكشفت عن ساقيها لتدخل وكان شعر ساقيها ملتويا على ساقيها فلما رآها سليمان ناداها وصرف بصره عنها إنه صرح ممرد من قوارير فألقت ثوبها فقالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ( 1 ) قال فدعا سليمان الإنس فقال ما أقبح هذا ما يذهب هذا قالوا يا رسول الله الموسى قال المواسي تقطع ساقي المرأة قال ثم دعا الجن فسألهم فقالوا لا ندري ثم دعا الشياطين فقال ما يذهب هذا قالوا مثل ذلك الموسى فقال المواسي تقطع ساقي المرأة قال فتلكئوا عليه ثم جعلوا له النورة قال ابن عباس فإنه لأول يوم رئيت فيه النورة فاستنكحها سليمان
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه قال لما رجعت الرسل إلى بلقيس بما قال سليمان قالت قد والله عرفت ما هذا بملك وما لنا به من طاقة وما نصنع بمكاثرته شيئا وبعثت إليه أني قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك ثم أمرت بسرير ملكها الذي كانت تجلس عليه وكان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ فجعل في سبعة أبيات بعضها في بعض ثم أقفلت على الأبواب وكانت إنما تخدمها النساء معها ستمائة امرأة تخدمها ثم قالت لمن خلفت على سلطانها احتفظ بما قبلك وسرير ملكي فلا يخلص إليه أحد ولا يرينه حتى آتيك ثم شخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قيل معها من ملوك اليمن تحت يد كل قيل منهم ألوف كثيرة فجعل سليمان يبعث الجن فيأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة حتى إذا دنت جمع من عنده من الجن والإنس ممن تحت يديه فقال يأيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ( 2 ) قال وأسلمت فحسن إسلامها قال فزعم أن سليمان قال لها حين أسلمت وفرغ من أمرها اختاري رجلا من قومك أزوجكه قالت ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان لي قال نعم إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك ولا ينبغي لك أن تحرمي ما أحل الله لك فقالت زوجني إن كان لا بد ذا تبع ملك همدان فزوجه إياها ثم ردها إلى اليمن وسلط زوجها ذا تبع على اليمن ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال اعمل لذي تبع ما استعملك لقومه قال فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها ملكا يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان بن داود عليه السلام
فلما حال الحول وتبينت الجن موت سليمان أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته يا معشر الجن إن الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال فعمدت الشياطين إلى حجرين عظيمين فكتبوا فيهما كتابا بالمسند نحن بنينا سلحين سبعة وسبعين خريفا دائبين وبنينا صرواح ومراح وبينون برحاضة أيدين وهندة وهنيدة وسبعة أمجلة بقاعة وتلثوم بريدة ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة
قال وسلحين وصرواح ومراح وبينون وهندة وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذي تبع ثم رفعوا أيديهم ثم انطلقوا وانقضى ملك ذي تبع وملك بلقيس مع ملك سليمان بن داود عليهما السلام
(1/292)

بنالعياط
01-10-2012, 10:16 PM
ذكر غزوته أبا زوجته جرادة وخبر الشيطان الذي أخذ خاتمه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن بعض العلماء قال قال وهب بن منبه سمع سليمان بمدينة في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون بها ملك عظيم السلطان لم يكن للناس إليه سبيل لمكانه في البحر وكان الله قد آتى سليمان في ملكه سلطانا لا يمتنع منه شيء في بر ولا بحر إنما يركب إليه إذا ركب على الريح فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء حتى نزل بها بجنوده من الجن والإنس فقتل ملكها واستفاء ما فيها وأصاب فيما أصاب ابنة لذلك الملك لم ير مثلها حسنا وجمالا فاصطفاها لنفسه ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على جفاء منها وقلة ثقة وأحبها حبا لم يحبه شيئا من نسائه ووقعت نفسه عليها فكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها فقال لها لما رآى ما بها وهو يشق عليه من ذلك ما يرى ويحك ما هذا الحزن الذي لا يذهب والدمع الذي لا يرقأ قالت إن أبي أذكره وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه فيحزنني ذلك قال فقد أبدلك الله به ملكا هو أعظم من ملكه وسلطانا هو أعظم من سلطانه وهداك للإسلام وهو خير من ذلك كله قالت إن ذلك لكذلك ولكني إذا ذكرته أصابني ما قد ترى من الحزن فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا صورة أبي في داري التي أنا فيها أراها بكرة وعشيا لرجوت أن يذهب ذلك حزني وأن يسلي عني بعض ما أجد في نفسي فأمر سليمان الشياطين فقال مثلوا لها صورة أبيها في دارها حتى ما تنكر منه شيئا فمثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها في نفسه إلا أنه لا روح فيه فعمدت إليه حين صنعوه لها فأزرته وقمصته وعممته وردته بمثل ثيابه التي كان يلبس مثل ما كان يكون فيه من هيئة ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو عليه في ولائدها حتى تسجد له ويسجدن له كما كانت تصنع به في ملكه وتروح كل عشية بمثل ذلك لا يعلم سليمان بشيء من ذلك أربعين صباحا وبلغ ذلك آصف بن برخيا وكان صديقا وكان لا يرد عن أبواب سليمان أي ساعة أراد دخول شيء من بيوته دخل حاضرا كان سليمان أو غائبا فأتاه فقال يا نبي الله كبرت سني ودق عظمي ونفد عمري وقد حان مني ذهاب وقد أحببت أن أقوم مقاما قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله وأثني عليهم بعلمي فيهم وأعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير من أمورهم فقال افعل فجمع له سليمان الناس فقام فيهم خطيبا فذكر من مضى من أنبياء الله فاثنى على كل نبي بما فيه وذكر ما فضله الله به حتى انتهى إلى سليمان وذكره فقال ما كان أحلمك في صغرك وأورعك في صغرك وأفضلك في صغرك وأحكم أمرك في صغرك وأبعدك من كل ما يكره في صغرك ثم انصرف فوجد سليمان في نفسه حتى ملأه غضبا فلما دخل سليمان داره أرسل إليه
(1/293)
________________________________________
فقال يا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله فأثنيت عليهم خيرا في كل زمانهم وعلى كل حال من أمرهم فلما ذكرتني جعلت تثني علي بخير في صغري وسكت عما سوى ذلك من أمري في كبري فما الذي أحدثت في آخر أمري قال إن غير الله ليعبد في دارك منذ أربعين صباحا في هوى امرأة فقال في داري فقال في دارك قال إنا لله وإنا إليه راجعون لقد عرفت أنك ما قلت إلا عن شيء بلغك ثم رجع سليمان إلى داره فكسر ذلك الصنم وعاقب تلك المرأة وولائدها ثم أمر بثباب الطهرة فأتي بها وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار ولا ينسجها إلا الأبكار ولا يغسلها إلا الأبكار ولا تمسها امرأة قد رأت الدم فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده فأمر برماد ففرش له ثم أقبل تائبا إلى الله حتى جلس على ذلك الرماد فتمعك فيه بثيابه تذللا لله جل وعز وتضرعا إليه يبكي ويدعو ويستغفر مما كان في داره ويقول فيما يقول فيما ذكر لي والله أعلم رب ماذا ببلائك عند آل داود أن يعبدوا غيرك وأن يقروا في دورهم وأهاليهم عبادة غيرك فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى يبكي إلى الله ويتضرع إليه ويستغفره ثم رجع إلى داره وكانت أم ولد له يقال لها الأمينة كان إذا دخل مذهبه أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر وكان لا يمس خاتمه إلا وهو طاهر وكان ملكه في خاتمه فوضعه يوما من تلك الأيام عندها كما كان يضعه ثم دخل مذهبه وأتاها الشيطان صاحب البحر وكان اسمه صخرا في صورة سليمان لا تنكر منه شيئا فقال خاتمي يا أمينة فناولته إياه فجعله في يده ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان وعكفت عليه الطير والجن والإنس وخرج سليمان فأتى الأمينة وقد غيرت حالته وهيأته عند كل من رآه فقال يا أمينة خاتمي فقالت ومن أنت قال أنا سليمان بن داود فقالت كذبت لست بسليمان بن داود وقد جاء سليمان فأخذ خاتمه وهو ذاك جالس على سريره في ملكه فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته فخرج فجعل يقف على الدار من دور بني إسرائيل فيقول أنا سليمان بن داود فيحثون عليه التراب ويسبونه ويقولون أنظروا إلى هذا المجنون أي شيء يقول يزعم أنه سليمان بن داود فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر إلى السوق فيعطونه كل يوم سمكتين فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة وشوى الأخرى فأكلها فمكث بذلك أربعين صباحا عدة ما عبد ذلك الوثن في داره فأنكر آصف بن برخيا وعظماء بني إسرائيل حكم عدو الله الشيطان في تلك الأربعين صباحا فقال آصف يا معشر بني إسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيت قالوا نعم قال أمهلوني حتى أدخل على نسائه فأسألهن هل أنكرن منه في خاصة أمره ما أنكرنا في عامة أمر الناس وعلانيته فدخل على نسائه قال ويحكن هل أنكرتن من أمر ابن داود ما أنكرنا فقلن أشده ما يدع امرأة منا في دمها ولا يغتسل من جنابة فقال إنا لله وإنا إليه راجعون إن هذا لهو البلاء المبين ثم خرج إلى بني إسرائيل فقال ما في الخاصة أعظم مما في العامة فلما مضى أربعون صباحا طار الشيطان عن مجلسه ثم مر بالبحر فقذف الخاتم فيه فبلعته سمكة وبصر بعض الصيادين فأخذها وقد عمل له سليمان صدر يومه ذلك حتى إذا كان العشي أعطاه سمكتيه فأعطى السمكة التي أخذت الخاتم ثم خرج سليمان بسمكتيه فبيع التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها فاستقبله خاتمه في جوفها فأخذه فجعله في يده ووقع ساجدا لله وعكف عليه الطير والجن وأقبل عليه الناس وعرف أن الذي دخل عليه لما كان أحدث في داره فرجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه وأمر الشياطين فقال ائتوني به فطلبته له الشياطين حتى أخذوه فأتى به فجاب له صخرة فأدخله
(1/294)
________________________________________
فيها ثم سد عليه بأخرى ثم أوثقها بالحديد والرصاص ثم أمر به فقذف في البحر
حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط عن السدي في قوله ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ( 1 ) قال الشيطان حين جلس على كرسيه أربعين يوما قال كان لسليمان مائة امرأة وكانت امرأة منهن يقال لها جرادة وهي آثر نسائه عنده وآمنهن عنده وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه ولا يأتمن عليه أحدا من الناس غيرها فجاءته يوما من الأيام فقالت له إن أخي بينه وبين فلان خصومة وأنا أحب أن تقضي له إذا جاءك فقال نعم ولم يفعل فابتلي فأعطاها خاتمه ودخل المحرج فخرج الشيطان في صورته فقال هاتي الخاتم فأعطته فجاء حتى جلس على مجلس سليمان وخرج سليمان بعد فسألها أن تعطيه خاتمه فقالت ألم تأخذه قبل قال لا وخرج من مكانه تائها قال ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوما قال فأنكر الناس أحكامه فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم وجاؤوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا إنا قد أنكرنا هذا فإن كان سليمان فقد ذهب عقله وأنكرنا أحكامه قال فبكى النساء عند ذلك قال فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا فقرأوا التوراة قال فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه في البحر فابتلعه حوت من حيتان البحر قال وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع وقد اشتد جوعه فاستطعمه من صيدهم وقال إني أنا سليمان فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشجه قال فجعل يغسل دمه وهو على شاطىء البحر فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه وقالوا بئس ما صنعت حيث ضربته قال إنه زعم أنه سليمان قال فأعطوه سمكين مما قد ضرب عندهم فلم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام على شط البحر فشق بطونهما وجعل يغسلهما فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه فلبسه فرد الله عليه بهاءه وملكه وجاءت الطير حتى حامت عليه فعرف القوم أنه سليمان فقام القوم يعتذرون مما صنعوا فقال ما أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم كان هذا الأمر لا بد منه
قال فجاء حتى أتى ملكه فأرسل إلى الشيطان فجيء به وسخرت له الريح والشياطين يومئذ ولم تكن سخرت له قبل ذلك وهو قوله وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ( 2 )
وبعث إلى الشيطان فأتى به فأمر به فجعل في صندوق حديد ثم أطبق عليه وأقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أمر به فألقي في البحر فهو فيه حتى تقوم الساعة وكان اسمه حبقيق
قال أبو جعفر ثم لبث سليمان بن داود في ملكه بعد أن رده الله إليه تعمل له الجن ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات وغير ذلك من أعماله ويعذب من الشياطين من شاء ويطلق من أحب منهم إطلاقه حتى إذا دنا أجله وأراد الله قبضه إليه كان من أمره فيما بلغني ما حدثني به أحمد بن منصور قال حدثنا موسى بن مسعود أبو حذيفة قال حدثنا إبراهيم بن طهمان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال كان سليمان نبي الله إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه
(1/295)
________________________________________
فيقول لها ما اسمك فتقول كذا وكذا فيقول لأي شيء أنت فإن كانت لغرس غرست إن كانت لدواء كتبت فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها ما اسمك قالت الخروب قال لأي شيء أنت قالت لخراب هذا البيت فقال سليمان اللهم عم علي الجن موتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب فنحتها عصا فتوكأ عليها حولا ميتا والجن تعمل فأكلتها الأرضة فسقط فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين
قال وكان ابن عباس يقرأها حولا في العذاب المهين قال فشكرت الجن الأرضة فكانت تأتيها بالماء
حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط عن السدي في حديث ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قال كان سليمان يتجرد في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر يدخل طعامه وشرابه فأدخله في المرة التي مات فيها فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا نبتت في بيت المقدس شجرة فيأتيها فيسألها ما اسمك فتقول الشجرة اسمي كذا وكذا فيقول لها لأي شيء نبت فتقول نبت لكذا وكذا فيأمر بها فتقطع فإن كانت نبتت لغرس غرسها وإن كانت نبتت دواء قالت نبت دواء لكذا وكذا فيجعلها لذلك حتى نبتت شجرة يقال لها الخروبة فسألها ما اسمك قالت أنا الخروبة قال ولأي شيء نبت قالت نبت لخراب هذا المسجد قال سليمان ما كان الله ليخربه وأنا حي أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس فنزعها وغرسها في حائط له ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئا على عصاه فمات ولا تعلم به الشياطين وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج فيعاقبهم وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول ألست جليدا إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر فدخل شيطان من اولئك فمر ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان في المحراب إلا احترق ولم يسمع صوت سليمان ثم رجع فلم يسمع ثم رجع فلم يسمع ثم رجع فوقف في البيت فلم يحترق ونظر إلى سليمان قد سقط ميتا فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات ففتحوا عنه فأخرجوه ووجدوا منسأته وهي العصا بلسان الحبشة قد أكلتها الأرضة ولم يعلموا منذ كم مات فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها يوما وليلة ثم حسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة وهي في قراءة ابن مسعود فمكثوا يدينون له من بعد موته حولا كاملا فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبونهم ولو أنهم علموا الغيب لعلموا موت سليمان ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له وذاك قول الله عز و جل ما دلهم على موته إلا دابة الأرض إلى قوله في العذاب المهين يقول بين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم ثم إن الشياطين قالوا للأرضة لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب ولكنا سننقل إليك الماء والطين قال فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت قال ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب فهو ما يأتيها به الشياطين شكرا لها
وكان جميع عمر سليمان بن داود فيما ذكر نيفا وخمسين سنة وفي سنة أربع من ملكه ابتدأ ببناء بيت المقدس فيما ذكر
(1/296

بنالعياط
01-10-2012, 11:12 PM
ذكر من ملك إقليم بابل والمشرق من ملوك الفرس بعد كيقباذ
قال أبو جعفر ونرجع الآن إلى الخبر عمن ملك إقليم بابل والمشرق من ملوك الفرس بعد كيقباذ
وملك بعد كيقباذ بن زاغ بن يوجياه كيقاوس بن كيبيه بن كيقباذ الملك فذكر أنه قال يوم ملك إن الله تعالى إنما خولنا الأرض وما فيها لنسعى فيها بطاعته وأنه قتل جماعة من عظماء البلاد التي حوله وحمى بلاده ورعيته ممن حواليهم من الأعداء أن يتناولوا منها شيئا وأنه كان يسكن بلخ وأنه ولد له ابن لم ير مثله في عصره في جماله وكماله وتمام خلقه فسماه سياوخش وضمه إلى رستم الشديد بن دستان بن بريمان بن جودنك بن كرشاسب بن أثرط بن سهم بن نريمان
وكان إصبهذ سجستان وما يليه من قبله يربيه ويكفله وأوصاه به فأخذه منه رستم فمضى به معه إلى موضع عمله سجستان فرباه رستم ولم يزل في حجره يجمع له وهو طفل الحواضن والمرضعات ويتخيرهن له حتى إذا ترعرع جمع له المعلمين فتخير له منهم من اختاره لتعليمه حتى إذا قدر على الركوب علمه الفروسية حتى إذا تكاملت فيه فنون الآداب وفاق في الفروسية قدم به على والده رجلا كاملا فامتحنه والده كيقاوس فوجده نافذا في كل ما أراد بارعا فسر به وكان كيقاوس تزوج فيما ذكر ابنة فراسياب ملك الترك وقيل بل إنها بنت ملك اليمن وكان يقال له سوذابة وكانت ساحرة فهويت سياوخش ودعته إلى نفسها وأنه امتنع عليها وذكرت لها ولسياوخش قصة يطول بذكرها الكتاب غير أن آخر أمرهما صار في ذلك فيما ذكر لي أن سوذابه لم تزل لما رأت من امتناع سياوخش عليها فيما أرادت منه من الفاحشة بأبيه كيقاوس حتى أفسدته عليه وتغير لابنه سياوخش فسأل سياوخش رستم أن يسأل أباه كيقاوس توجيهه لحرب فراسياب لسبب منعه بعض ما كان ضمن له عند إنكاحه ابنته إياه وصلح جرى بينه وبينه مريدا بذلك سياوخش البعد عن والده كيقاوس والتنحي عما تكيد به عنده زوجته سوذابه ففعل ذلك رستم واستأذن له أباه فيما سأله وضم إليه جندا كثيفا فشخص إلى بلاد الترك للقاء فراسياب فلما صار إليه سياوخش جرى بينهما صلح وكتب بذلك سياوخش إلى أبيه يعلمه ما جرى بينه وبين فراسياب من الصلح فكتب إليه والده يأمره بمناهضة فراسياب ومناجزته الحرب إن هو لم يذعن له بالوفاء بما كان فارقه عليه فرأى سياوخش أن في فعله ما كتب به إليه أبوه من محاربة فراسياب بعد الذي جرى بينه وبينه من الصلح والهدنة من غير نقض فراسياب شيئا من أسباب ذلك عليه عارا ومنقصة ومأثما فامتنع من إنفاذ أمر أبيه في ذلك ورأى في نفسه أنه يؤتى في كل ذلك من زوجة أبيه التي دعته إلى نفسها فامتنع عليها ومال إلى الهرب من أبيه فراسل فراسياب في أخذ الأمان لنفسه منه
(1/297)
________________________________________
واللحاق به وترك والده فأجابه فراسياب إلى ذلك وكان السفير بينهما في ذلك فيما قيل رجلا من الترك من عظمائهم يقال له فيران بن ويسغان فلما فعل ذلك سياوخش انصرف عنه من كان معه من جند أبيه كيقاوس
فلما صار سياوخش إلى فراسياب بوأه وأكرمه وزوجه ابنة له يقال لها وسفافريد وهي أم كيخسرونة ثم لم يزل له مكرما حتى ظهر له أدب سياوخش وعقله وكماله وفروسيته ونجدته ما أشفق على ملكه منه فأفسده ذلك عنده وزاده فسادا عليه سعي ابنين له وأخ يقال له كندر بن فشنجان عليه بإفساد أمر سياوخش عنده حسدا منهم له وحذرا على ملكهم منه حتى مكنهم من قتله فذكر في سبب وصولهم إلى قتله أمر يطول بشرحه الخطب إلا أنهم قتلوه ومثلوا به وامرأته ابنة فراسياب حامل منه بابنه كيخسرونة فطلبوا الحيلة لإسقاطها ما في بطنها فلم يسقط وان فيران الذي سعى في عقد الصلح بين فراسياب وسياوخش لما صح عنده ما فعل فراسياب من قتله سياوخش أنكر ذلك من فعله وخوفه عاقبة الغدر وحذره الطلب بالثأر من والده كيقاوس ومن رستم وسأله دفع ابنته وسفافريد إليه لتكون عنده إلى أن تضع ما في بطنها ثم يقتله
ففعل ذلك فراسياب فلما وضعت رق فيران لها وللمولود فترك قتله وستر أمره حتى بلغ المولود فوجه فيما ذكر كيقاوس إلى بلاد الترك بي بن جوذرز وأمره بالبحث عن المولود الذي ولدته زوجة ابنه سياوخش والتأتي لإخراجه إليه إذا وقف على خبره مع أمه وأن بيا شخص لذلك فلم يزل يفحص عن أمر ذلك المولود متنكرا حينا من الزمان فلا يعرف له خبر ولا يدله عليه أحد
ثم وقف بعد ذلك على خبره فاحتال فيه وفي أمه حتى أخرجهما من أرض الترك إلى كيقاوس وقد كان كيقاوس فيما ذكر حين اتصل به قتل ابنه أشخص جماعة من رؤساء قواده منهم رستم بن دستان الشديد وطوس بن نوذران وكانا ذوي بأس ونجدة فأثخنا الترك قتلا وأسرا وحاربا فراسياب حربا شديدة وأن رست قتل بيده شهر وشهرة ابني فراسياب وأن طوسا قتل بيده كندر أخا فراسياب
وذكر أن الشياطين كانت مسخرة لكيقاوس فزعم بعض أهل العلم بأخبار المتقدمين أن ال شياطين الذين كانوا سخروا له إنما كانوا يطيعونه عن أمر سليمان بن داود إياهم بطاعته وأن كيقاوس أمر الشياطين فنوا له مدينة سماها كنكدر ويقال قيقذون وكان طولها فيما زعموا ثمانمائة فرسخ وأمرهم فضربوا عليها سورا من صفر وسورا من شبه وسورا من نحاس وسورا من فخار وسورا من فضة وسورا من ذهب وكانت الشياطين تنقلها ما بين السماء والأرض وما فيها من الدواب والخزائن والأموال والناس وذكروا أن كيقاوس كان لا يحدث وهو يأكل ويشرب
ثم إن الله تعالى بعث إلى المدينة التي بناها كذلك من يخربها فأمر كيقاوس شياطينه بمنع من قصد لتخريبها فلم يقدروا على ذلك فلما رأى كيقاوس الشياطين لا تطيق الدفع عنها عطف عليها فقتل رؤساءها وكان كيقاوس فيما أذكر مظفرا لا يناوئه أحد من الملوك إلا ظفر عليه وقهره ولم يزل ذلك أمره حتى حدثته نفسه لما كان أتى من العز والملك وأنه لا يتناول شيئا إلا وصل إليه بالصعود إلى السماء
فحدثت عن هشام بن محمد أنه شخص من خراسان حتى نزل بابل وقال ما بقي شيء من الأرض إلا وقد ملكته ولا بد من أن أعرف أمر السماء والكواكب وما فوقها وأن الله أعطاه قوه ارتفع بها ومن معه في الهواء
(1/298)
________________________________________
حتى انتهوا إلى السحاب ثم إن الله سلبهم تلك القوة فسقطوا فهلكوا وأفلت بنفسه وأحدث يومئذ وفسد عليه ملكه وتمزقت الأرض وكثرت الملوك في النواحي فصار يغزوهم ويغزونه فيظفر مرة وينكب أخرى
قال فغزا بلاد اليمن والملك بها يومئذ ذو الأذعار بن أبرهة ذي المنار بن الرائش فلما ورد بلاد اليمن خرج عليه ذو الأذعار بن أبرهة وكان قد أصابه الفالج فلم يكن يغزو قبل ذلك بنفسه قال فلما أظله كيقاوس ووطىء بلاده في جموعه خرج بنفسه في جموع حمير وولد قحطان فظفر بكيقاوس فأسره واستباح عسكره وحبسه في بئر وأطبق عليه طبقا قال وخرج من سجستان رجل يقال له رستم كان جبارا قويا فيمن أطاعه من الناس قال فزعمت الفرس أنه دخل بلاد اليمن واستخرج قبوس من محبسه وهو كيقاوس قال وزعم أهل اليمن أنه لما بلغ ذا الأذعار إقبال رستم خرج في جنوده وعدده وخندق كل واحد منهما على عسكره وأنهما أشفقا على جنديهما من البوار وتخوفا إن تزحفا ألا تكون لهما بقية فاصطلحا علىدفع كيقاوس إلى رستم ووضع الحرب فانصرف رستم بكيقوس إلى بابل وكتب كيقاوس لرستم عتقا من عبودة الملك وأقطعه سجستان وزابلستان وأعطاه قلنسوة منسوجة بالذهب وتوجه وأمره أن يجلس على سرير من فضة قوائمه من ذهب فلم تزل تلك البلاد بيد رستم حتى هلك كيقاوس وبعد دهرا طويلا
قال وكان ملكه مائة وخمسين سنة
وزعم علماء الفرس أن أول من سود لباسه على وجه الحداد شادوس بن جودرز على سياوخش وأنه فعل ذلك يوم ورد على كيقاوس نعي ابنه سياوخش وقتل فراسياب إياه وعدره به وأنه دخل على كيقاوس وقد لبس السواد فأعلمه أنه فعل ذلك لأن يومه يوم إظلام وسواد
وقد حقق ما ذكر ابن الكلبي من أسر صاحب اليمن قابوس الحسن بن هانىء في شعر له فقال ... وقاظ قابوس في سلاسلنا ... سنين سبعا وفت لحاسبها ...
ثم ملك من بعد كيقاوس ابن ابنه كيخسرو بن سياوخش بن كيقاوس بن كيبيه بن كيقباذ
وكان كيقاوس حين صار به وبأمه وسفافريد ابنة فراسياب وربما قيل وسففره بي بن جوذرز إليه من بلاد الترك ملكه فلما قام بالملك بعد جده كيقاوس وعقد التاج على رأسه خطب رعيته خطبة بلغة أعلمهم فيها أنه على الطلب بدم أبيه سياوخش قبل فراسياب التركي ثم كتب إلى جوذرز الأصبهبذ كان بأصبهان ونواحي خراسان يأمره بالمصير إليه فلما صار إليه أعلمه ما عزم عليه من الطلب بثأره من قتل والده وأمره بعرض جنده وانتخاب ثلاثين ألف رجل منهم وضمهم إلى طوس بن نوذران ليتوجه بهم إلى بلاد الترك ففعل ذلك جوذرز وضمهم إلى طوس وكان فيمن أشخص معه برزافره بن كيقاوس عم كيخسرو وبي بن جوذرز وجماعة كثيرة من إخوته وتقدم كيخسروا إلى طوس أن يكون قصده لفراسياب وطراخنته وألا يمر بناحية من بلاد الترك وكان فيها أخ له يقال له فروذ بن سياوخش من امرأة يقال لها برزا فريد كان سياوخش تزوجها في بعض مدائن الترك أيام سار إلى فراسياب ثم شخص عنها وهي حبلى فولدت فروذ فأقام بموضعه إلى أن شب فغلط طوس في أمر فروذ فيما قيل وذلك أنه لما صار بحذاء المدينة التي كان فيها فروذ هاج بينه وبينه حرب ببعض الأسباب فهلك فروذ فيها فلما اتصل خبره بكيخسرو كتب إلى برزافره عمه كتابا غليظا يعلمه فيه ما ورد عليه من خبر طوس بن نوذران ومحاربته فروذ أخاه وأمره بتوجيه طوس إليه مقيدا مغلولا
(1/299)
________________________________________
وتقدم إليه في القيام بأمر العسكر والنفوذ به لوجهه فلما وصل الكتاب إلى برزافره جمع رؤساء الأجناد والمقاتلة فقرأه عليهم وأمر بغل طوس وتقييده ووجهه مع ثقات من رسله إلى كيخسرو وتولى أمر العسكر وعبر النهر المعروف بكاسبروذ وانتهى الخبر إلى فراسياب فوجه إلى برزافره جماعة من أخوته وطراخنته لمحاربته فالتقوا بموضع من بلاد الترك يقال له واشن وفيهم فيران بن ويسغان وإخوته طراسيف بن جوذرز صهر فراسياب وهما سف بن فشنجان وقاتلوا قتالا شديدا وظهر من برزافره في ذلك اليوم فشل لما رأى من شدة الأمر وكثرة القتلى حتى انحاز بالعلم إلى رؤوس الجبال واضطرب على ولد جوذرز أمرهم فقتل منهم في تلك الملحمة في وقعة واحدة سبعون رجلا وقتل من الفريقين بشر كثير وانصرف برزافره ومن كان معه إلى كيخسرو وبهم من الغم والمصيبة ما تمنوا معه الموت فكان خوفهم من سطوة كيخسروا أشد فلما دخلوا على كيخسروا أقبل على برزافره بلائمة شديدة وقال أتيتم في وجهكم لترككم وصيتي ومخالفة وصية الملوك تورد مورد السوء وتورث الندامة وبلغ ما أصيبوا به من كيخسروا حتى رئيت الكآبة في وجهه ولم يلتذ طعاما ولا نوما فلما مضت لموافاتهم أيام أرسل إلى جوذرز فلما دخل عليه أظهر التوجع له فشكا إليه جوذرز برزافره وأعلمه أنه كان ا لسبب للهزيمة بالعلم وخذلانه ولده فقال له كيخسرو إن حقك بخدمتك لآبائنا لازم لنا وهذه جنودنا وخزائننا مبذولة لك في مطالبة ترتك وأمره بالتهيؤ والاستعداد والتوجه إلى فراسياب والعمل في قتله وتخريب بلاده فلما سمع جوذرز مقالة كيخسرو نهض مبادرا فقبل يده وقال أيها الملك المظفر نحن رعيتك وعبيدك فإن كانت آفة أو نازلة فتكن بالعبيد دون ملوكها وأولادي المقتولون فداؤك ونحن من وراء الانتقام من فراسياب والاشتفاء من مملكة الترك فلا يغمن الملك ما كان ولا يدعن لهوه فإن الحرب دول وأعلمه أنه على النفوذ لأمره وخرج من عنده مسرورا
فلما كان من الغد أمر كيخسرو أن يدخل عليه رؤساء أجناده والوجوه من أهل مملكته فلما دخلوا عليه أعلمهم ما عزم عليه من محاربة الأتراك وكتب إلى عماله في الآفاق يعلمهم ذلك ويأمر بموافاتهم في صحراء تعرف بشاه أسطون من كورة بلخ في وقت وقته لهم فتوافت رؤساء الأجناد في ذلك الموضع وشخص إليه كيخسرو بإصبهبذته وأصحابهم وفيهم برزافره عمه وأهل بيته وجوذرز وبقية ولده فلما تكاملت الملحمة واجتمعت المرازبة تولى كيخسرو بنفسه عرض الجند حتى عرف مبلغهم وفيهم أحوالهم ثم دعا بجوذرز بن جشوادغان وميلاذ بن جرجين وأغص بن بهذان وأغص ابن وصيفة كانت لسياوخش يقال لها شوماهان فأعلمهم أنه قد أراد إدخال العساكر على الترك من أربعة أوجه حتى يحيطوا بهم برا وبحرا وأنه قد قود على تلك العساكر وجعل أعظمها إلى جوذرز وصير مدخله من ناحية خراسان وجعل فيمن ضم إليه برزافره عمه وبي بن جوذرز وجماعة من الأصبهبذين كثيرة ودفع إليه يومئذ العلم الأكبر الذي كانوا يسمونه درفش كابيان وزعموا أن ذلك العلم لم يكن دفعه أحد من الملوك إلى أحد من القواد قبل ذلك وإنما كانوا يسيرونه مع أولاد الملوك إذا وجهوهم في الأمور العظام وأمر ميلاذ بالدخول مما يلي الصين وضم إليه جماعة كثيرة دون من ضم إلى جوذرز وأمر أغص بالدخول من ناحية الخزر في مثل من ضم إلى ميلاذ وضم إلى شومها إخوتها وبني عمها وتمام ثلاثين ألف رجل من الجند وأمرها بالدخول من طريق بين طريق جوذرز وميلاذ ويقال إن كيخسرو إنما غزا شومهان لخاصتها بسياوخش وكانت نذرت أن تطالب بدمه فمضى جميع هؤلاء لوجههم ودخل جوذرز بلاد الترك من ناحية خراسان وبدأ بفيران بن ويسغان فالتحمت بينهما حرب
(1/300)
________________________________________
شديدة مذكورة وهي الحرب التي قتل فيها بيزن بن بي خمان بن ويسغان مبارزة وقتل جوذرز فيران أيضا ثم قصد جوذرز فراسياب وألحت عليه العساكر الثلاثة كل عسكر من الوجه الذي دخل منه واتبع القوم بعد ذلك كيخسرو بنفسه وجعل قصده للوجه الذي كان فيه جوذرز وصير مدخله منه فوافى عسكر جوذرز وقد أثخن في الترك وقتل فيران رئيس إصبهبذي فراسياب والمرشح للمك من بعده وجماعة كثيرة من أخوته مثل خمان وأوستهن وجلياد وسيامق وبهرام وفرشخاذ وفرخلاد ومن ولده مثل روين بن فيران وكان مقدما عند فراسياب وجماعة من إخوة فراسياب مثل رتداري وأندرمان وأسفخرم وأخست وأسر بروا بن فشنجان قاتل سياوخش ووجد جوذرز قد أحصى القتلى والأسرى وما غنم من الكراع والأموال فوجد مبلغ ما في يده من الأسرى ثلاثين ألفا ومن القتلى خمسمائة ألف ونيفا وستين ألف رجل ومن الكراع والورق والأموال ما لا يحصى كثرة وأمر كل واحد من الوجوه الذين كانوا معه أن يجعل أسيره أو قتيله من الأتراك عند علمه لينظر كيخسرو إلى ذلك عند موافاته
فلما وافى كيخسرو العسكر وموضع الملحمة اصطفت له الرجال وتلقاه جوذرز وسائر الإصبهبذين فلما دخل العسكر جعل يمر بعلم علم فكان أول قتيل رآه جثة فيران عند علم جوذرز فلما نظر إليها وقف ثم قال أيها الجبل الصعب الذرا المنيع الأركان ألم أنهك عن هذه المحارية وعن نصب نفسك لنا دون فراسياب في هذه المطالبة ألم أبذل لك نفسي وأعرض عليك ملكي فلم تحسن الاختيار ألست ال صدوق اللسان الحافظ للإخوان الكاتم للأسرار ألم أعلمك مكر فراسياب وقلة وفائه فلم تفعل ما أمرتك بل مضيت في نومك حتى احتوشتك الليوث من مقاتلتنا وأبناء مملكتنا ما أغنى عنك فراسياب وقد فارقت الدنيا وأفنيت أل ويسغان فويل لحلمك وفهمك وويل لسخائك وصدقك إنا بك اليوم لموجعون
ولم يزل كيخسرو يرثي فيران حتى صار إلى علم بي بن جوذرز فلما وقف عليه وجد بروا بن فشنجان حيا أسيرا في يدي بي فسأل عنه فأخبر أنه بروا قاتل سياوخش الماثل به عند قتله إياه فقرب منه كيخسرو ثم طأطأ رأسه بالسجود شكرا لربه ثم قال الحمد لله الذي أمكنني منك يا بروا أنت الذي قتلت سياوخش ومثلت به وأنت الذي سلبته زينته وتكلفت من بين الأتراك إبارته فغرست لنا بفعلك هذه الشجرة من العداوة وهجت بيننا هذه المحاربة وأشعلت في كلا الفريقين نارا موقدة أنت الذي جرى على يديك تبديل صورته وتوهين قوته أما تهيبت أيها التركي جماله ألا أبقيت عليه للنور الساطع على وجهه أين نجدتك وقوتك اليوم وأين أخوك الساحر عن نصرتك لست أقتلك لقتلك إياه بل لكلفتك وتوليك ما كان صلاحا لك ألا تتولاه وسأقتل من قتله ببغيه وجرمه
ثم أمر أن تقطع أعضاؤه حيا ثم يذبح ففعل ذلك به بي ولم يزل كيخسرو يمر بعلم علم وأصبهبذ أصبهبذ فإذا صار إلى الواحد منهم قال له نحو ما ذكرنا ثم صار إلى مضاربه فلما استقر فيها دعا ببرزافره عمه فلما دخل عليه أجلسه عن يمينه وأظهر له السرور بقتله جلباذ بن ويسغان مبارزة ثم أجزل جائزته وملكه على كرمان ومكران ونواحيها ثم دعا بجوذرز فلما دخل عليه قال له أيها الأصبهبذ الرشيد والكهل الشفيق إنه مهما كان من هذا الفتح العظيم فمن ربنا عز و جل وعن غير حيلة منا ولا قوة ثم برعايتك حقنا وبذلك نفسك وأولادك لنا وذلك مذخور لك عندنا وقد حبوناك بالمرتبة التي يقال لها بزر جفر مذار وهي الوزارة وجعلنا لك أصبهان وجرجان وجبالهما فأحسن رعاية أهلها
(1/301)
________________________________________
فشكر جوذرز ذلك وخرج من عنده بهجا مسرورا ثم أمر بالوجوه من أصبهبذته الذين كانوا مع جوذرز ممن حسن بلاؤه وتولى قتل طراخنة الأتراك ولد فشنجان وويسغان مثل جرجين بن ميلاذان وبي وشادوس ولخام وجدمير بن جوذرز وبيزن بن بي وبرازه بن بيفغان وفروذه بن فامدان وزنده بن شابريغان وبسطام بن كزدهمان وفرته بن تفارغان فدخلوا عليه رجلا رجلا فمنهم من ملكه على البدان ا لشريفة ومنهم من خصه بأعمال من أعمال حضرته ثم لم يلبث أن وردت عليه الكتب من ميلاذ وأغص وشومهان بإثخانهم في بلاد الترك وأنهم قد هزموا فراسياب عسكرا بعد عسكر فكتب إليهم أن يجدوا في محاربة القوم وأن يوافوه بموضع سماه لهم من بلاد الترك فزعموا أن العساكر الأربعة لما أحاطت بفراسياب وأتاه من قتل من قتل وأسر من أسر وخراب ما خرب ماأتاه ضاقت عليه المذاهب ولم يبق معه من ولده إلا شيده وكان ساحرا فوجهه نحو كيخسرو بالعدة والعتاد فلما وافى كيخسرو أعلم أن أباه إنما وجهه للاحتيال عليه فجمع أصبهبذته وتقدم إليهم في الاحتراس من غيلته
وقيل إن كيخسرو أشفق يومئذ من شيده وهابه وظن ألا طاقة له به وأن القتال اتصل بينهما أربعة أيام وإن رجلا من خاصة كيخسرو يقال له جرد بن جرهمان عبى يومئذ أصحاب كيخسرو فأحسن تعبيتهم فكثرت القتلى بينهم واستماتت رجال خنيارث وجدت وأيقن شيده إلا طاقة له بهم فانهزم واتبعه كيخسرو بمن معه ولحقه جرد فضربه على هامته بالعمود ضربة خر منها ميتا ووقف كيخسرو على جيفته فعاين منها سماجة شنعة وغنم كيخسرو ما كان من عسكرهم وبلغ الخبر فراسياب فأقبل بجميع طراخنته فلما التقى وكيخسرو ونشبت بيينهما حرب شديدة لا يقال إن مثلها كان على وجه الأرض قبلها فاختلط رجال خنيارث برجال الترك وامتد الأمر بينهم حتى لم تقع العين يومئذ إلا على الدماء والأسر من جوذرز ولده وجرجين وجرد وبسطام ونظر فراسياب وهم يحمون كيخسرو كأنهم أسود ضارية فانهزم موليا على وجهه هاربا فأحصيت القتلى فيما ذكر يومئذ فبلغت عدتهم مائة ألف وجد كيخسرو وأصحابه في طلب فراسياب وقد تجرد للهرب فلم يزل يهرب من بلد إلى بلد حتى أتى أذربيجان فاستتر في غدير هناك يعرف ببئر خاسف ثم طفر به فلما أتى كيخسرو استوثق منه بالحديد ثم أقام للاستراحة بموضعه ثلاثة أيام ثم دعاه فسأله عن عذره في أمر سياوخش فلم يكن له عذر ولا حجة فأمر بقتله فقام إليه بي بن جوذرز فذبحه كما ذبح سياوخش ثم أتى كيخسرو بدمه فغمس فيه يده وقال هذا بترة سياوخش وظلمكم إياه واعتداءكم عليه ثم انصرف من أذربيجان ظافرا غانما بهجا
وذكر أن عدة من أولاد كيبيه جد كيخسرو الأكبر وأولادهم كانوا مع كيخسرو في حرب الترك وأن ممن كان معه كي أرش بن كيبيه وكان مملكا على خوزستان وما يليها من بابل وكي به أرش وكان مملكا على كرمان ونواحيها وكي أوجي بن كيمنوش بن كيفاشين بن كيبيه وكان مملكا على فارس وكي أوجي هذا هو أبوكي لهراسف الملك ويقال إن أخا لفراسياب كان يقال له كي شراسف صار إلى بلاد الترك بعد قتل كيخسرو أخاه فاستولى على ملكها وكان له ابن يقال له خرزاسف فملك البلاد بعد أبيه وكان جبارا عاتيا وهو ابن أخي فراسياب ملك الترك الذي كان حارب منوشهر وجوذرز هو ابن جشواغان بن يسحره بن قرحين بن حبر بن رسود بن أورب بن تاج بن رشيك بن أرس بن وندح بن رعر بن نودراحاه بن مسواغ بن نوذر بن منوشهر
(1/302)
________________________________________
فلما فرغ كيخسرو من المطالبة بوتره واستقر في مملكته زهد في الملك وتنسك وأعلم الوجوه من اهله وأهل مملكته أنه على التخلي من الأمر فاشتد لذلك جزعهم وعظمت له وحشتهم واستغاثوا إليه وطلبوا وتضرعوا وراودوه على المقام بتدبير ملكهم فلم يجدوا عنده في ذلك شيئا فلما يئسوا قالوا بأجمعهم فإذا قمت على ما أنت عليه فسم للملك رجلا نقلده إياه وكان لهراسف حاضرا فأشار بيده إليه وأعلمهم أنه خاصته ووصيه فأقبل الناس إلى لهراسف وذلك بعد قبوله الوصية وفقد كيخسرو فبعض يقول إنه غاب للنسك فلا يدرى أين مات ولا كيف كانت ميتته وبعض يقول غير ذلك
وتقلد لهراسف الملك بعده على الرسم الذي رسم له وولد كيخسرو جاماس وأسبهر ورمى ورمين
وكان ملك كيخسرو ستين سنة
(1/303)

بنالعياط
02-10-2012, 03:33 PM
أمر إسرائيل بعد سليمان بن داود عليهما السلام
رجع الحديث إلى الخبر عن أمر بني إسرائيل بعد سليمان بن داود عليهما السلام
ثم ملك بعد سليمان بن داود على جميع بني إسرائيل ابنه رحبعم بن سليمان وكان ملكه فيما قيل سبع عشرة سنة ثم افترقت ممالك بني إسرائيل فيما ذكر بعد رحبعم فكان أبيا بن رحبعم ملك سبط يهوذا وبنيامين دون سائر الأسباط وذلك أن سائر الأسباط ملكوا عليهم يوربعم بن نابط عبد سليمان لسبب القربان الذي كانت زوجة سليمان قربته في داره وكانت قربت فيها جرادة لصنم فتوعده الله بإزالة بعض الملك عن ولده فكان ملك رحبعم إلىأن توفي فيما ذكر ثلاث سنين
ثم ملك أسا بن أبيا أمر السبطين اللذين كان أبوه يملك أمرهما وهما سبط يهوذا وسبط بنيامين إلى ان توفي إحدى وأربعين سنة
(1/304

بنالعياط
02-10-2012, 04:24 PM
ذكر خبر أسا بن أبيا وزرح الهندي
حدثني محمد بن سهل بن عسكر قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول إن ملكا من ملوك إسرائيل يقال له أسا بن أبيا كان رجلا صالحا وكان أعرج وكان ملك من ملوك الهند يقال له زرح وكان ملكا جبارا فاسقا يدعو الناس إلى عبادته وكان أبيا عابد أصنام له صنمان يعبدهما من دون الله ويدعو الناس إلى عبادتهما حتى أضل عامة بني إسرائيل وكان يعبد الأصنام حتى توفي ثم ملك ابنه أسا من بعده فلما ملكهم بعث فيهم مناديا ينادي ألا إن الكفر قد مات وأهله وعاش الإيمان وأهله وانتكست الأصنام وعبادتها وظهرت طاعة الله وأعمالها فليس كافر من بني إسرائيل يطلع رأسه بعد اليوم بكفر في ولايتي ودهري إلا أني قاتله فإن الطوفان لم يغرق الدنيا وأهلها ولم يخسف بالقرى ولم تمطر الحجارة والنار من السماء إلا بترك طاعة الله وإظهار معصيته فمن أجل ذلك ينبغي لنا ألا نقر لله معصية يعمل بها ولا نترك طاعة لله إلا أظهرناها جهدنا حتى نطهر الأرض من نجسها وننقيها من دنسها ونجاهد من خالفنا في ذلك بالحرب والنفي من بلادنا
فلما سمع ذلك قومه ضجوا وكرهوا فأتوا أم أسا الملك فشكوا إليها فعل ابنها بهم وبآلهتهم ودعاءه إياهم إلى مفارقة دينهم والدخول في عبادة ربهم فتحملت لهم أمه أن تكلمه وتصرفه إلى عبادة اصنام والده فبينا الملك قاعد وعنده أشراف قومه ورؤوسهم وذوو طاعتهم إذ أقبلت الملك فقام لها الملك من مجلسه وأمرها أن تجلس فيه معرفة بحقها وتوقيرا لها فأبت عليه وقالت لست ابني إن لم تجبني إلى ما أدعوك إليه وتضع طاعتك في يدي حتى تفعل ما آمرك به وتجيبني إلى أمر إن أطعتني فيه رشدت وأخذت بحظك وإن عصيتني فحظك بخست ونفسك ظلمت إنه بلغني يا بني أنك بدأت قومك بالعظيم دعوتهم إلى مخالفة دينهم والكفر بآلهتهم والتحول عما كان عليه آباؤهم وأحدثت فيهم سنة وأظهرت فيهم بدعة أردت بذلك فيما زعمت تعظيما لوقارك ومعرفة بمكانك وتشديدا لسلطانك وفي التقصير يا بني دخلت وبالشين أخذت ودعوت جميع الناس إلى حربك وانتدبت لقتالهم وحدك أردت بذلك أن تعيد الأحرار لك عبيدا والضعيف لك شديدا سفهت بذلك رأي العلماء وخالفت الحكماء واتبعت رأي السفهاء ولعمري ما حملك على ذلك يا بني إلا كثرة طيشك وحداثة سنك وقلة علمك فإن أنت رددت علي كلامي ولم تعرف حقي فلست من نسل والدك ولا ينبغي الملك لمثلك يا بني بأي شيء تدل على قومك لعلك أوتيت من الحروف مثل ما أتى موسى إلى فرعون أن غرقه وأنجى قومه من الظلمة أو لعلك أوتيت من القوة ما أوتي
(1/305)
________________________________________
داود أن قتل الأسد لقومه ولحق الذئب فشق شدقه وقتل جالوت الجبار وحده أو لعلك أوتيت من الملك والحكمة أفضل مما أوتي سليمان بن داود رأس الحكماء إذ صارت حكمته مثلا للباقين بعده يا بني إنه ما يأتك من حسنة فأنا أحظى الناس بها وإن تكن الأخرى فأنا أشقاهم بشقوتك
فلما سمعها الملك اشتد غضبه وضاق صدره فقال لها يا أمه إنه لا ينبغي أن آكل على مائدة واحدة مع حبيبي وعدوي كذلك لا ينبغي أن أعبد غير ربي هلمي إلى أمر إن أطعتني فيه رشدت وإن تركته غويت أن تعبدي الله وتكفري بكل آلهة دونه فإنه ليس أحد يرد هذا علي إلا هو لله عدو وأنا ناصره لأني عبده
قالت له ما كنت لأفارق أصنامي ولا دين آبائي وقومي وقومي ولا أترك ذلك لقولك ولا أعبد الرب الذي تدعوني إليه
فقال لها الملك حينئذ يا أمه إن قولك هذا قد قطع فيما بيني وبينك رحمي
وأمر بها الملك عند ذلك فأخرجوها وغربوها ثم أوصى إلى صاحب شرطته وبابه أن يقتلها إن هي ألمت بمكانه
فلما سمع ذلك منه الأسباط الذين كانوا حوله وقعت في قلوبهم المهابة فأذعنوا له بالطاعة وانقطعت فيما بينهم وبينه كل حيلة وقالوا قد فعل هذا بأمه فأين نقع نحن منه إذا خالفنا في أمره ولم نجبه إلى دينه فاحتالوا له كل حيلة فحفظه الله وأباد مكرهم فلما لم يكن لهم عن ذلك صبر ولا على فراق دينهم قوام ائتمروا بأن يهربوا من بلاده ويسكنوا بلادا غيرها فخرجوا متوجهين إلى زرح ملك الهند يطلبون أن يستحملوه على أسا ومن اتبعه فلما دخلوا على زرح سجدوا له فقال لهم من أنتم قالوا نحن عبيدك قال وأي عبيدي أنتم قالوا نحن من أرضك أرض الشام وأنا كنا نعتز بملكك حتى ظهر فينا ملك صبي حديث السن سفيه فغير ديننا وسفه رأينا وكفر آباءنا وهان عليه سخطنا فأتيناك لنعلمك ذلك فتكون أنت أولى بملكنا ونحن رؤوسهم وهي أرض كثير مالها ضعيف أهلها طيبة معيشتها كثيرة أنضارها وفيهم الكنوز وملك ثلاثين ملكا وهم الذين كان يوشع بن نون خليفة موسى سار بهم في البحر هو وقومه فنحن وأرضنا لك وبلادنا بلادك وليس أحد فيها يناصبك هم دافعون أيديهم إليك بغير قتال بأموالهم وأنفسهم مسالمة
قال لهم زرح لعمري ما كنت لأجيبكم إلى ما دعوتموني إليه ولا أستجيب إلى مقاتلة قوم لعلهم أطوع لي منكم حتى أبعث إليهم من قومي أمناء فإن وقع الأمر على ما تكلمتم به قدامي نفعكم ذلك عندي وجعلتكم عليها ملوكا وإن كان كلامكم كذبا فإني منزل بكم العقوبة التي تنبغي لمن كذبني
قال القوم تكلمت بالعدل وحكمت بالقسط ونحن به راضون فأمر عند ذلك بالأرزاق فأجريت عليهم واختار من قومه أمناء ليبعثهم جواسيس فأوصاهم بوصيته وخوفهم وحذرهم بطشه إن هم كذبوه ووعدهم المعروف إن هم صدقوه وقال زرح إني مرسلكم لأمانتكم وشحكم على دينكم وحسن رأيكم في قومكم لتطالعوا لي أرضا من أرضي وتبحثوا لي عن شأنها وتعلموني علم أهلها وملكها وجنودها وعددها وعدد مياهها وفجاجها وطرقها ومداخلها ومخارجها وسهولتها وصعوبتها حتى كأني شاهد ذلك وعالمه
(1/306)
________________________________________
وحاضر ذلك وخابره وخذوا معكم من الخزائن من الياقوت والمرجان والكسوة ما يفرغون إليه إذا رأوه ويشترون منكم إذا نظروا إليه
فأمكنهم من خزائنه حتى أخذوا منها فجهزهم لبرهم وبحرهم ووصف لهم القوم الذين أتوهم الطرق ودلوهم على مقاصدها فساروا كالتجار حتى نزلوا ساحل البحر ثم ركبوا منه حتى أرسوا على ساحل إيلياء ثم ساروا حتى دخلوها فخلفوا أثقالهم فيها وأظهروا أمتعتهم وبضاعتهم ودعوا الناس إلى أن يشتروا منهم فلم يفرغوا لبضاعتهم وكسدت تجارتهم فجعلوا يعطون بالشيء القليل الشيء الكثير لكيلا يخرجوهم من قريتهم حتى يعلموا أخبارهم ويحقوا شأنهم ويستخرجوا ما أمرهم به ملكهم من أخبارهم
وكان أسا الملك قد تقدم إلى نساء بني إسرائيل ألا يقدر على امرأة لا زوج لها بهيئة امرأة لها زوج إلا قتلها أو نفاها من بلاده إلى جزائر البحار فإن إبليس لم يدخل على أهل الدين في دينهم بمكيدة هي أشد من النساء فكانت المرأة التي لا زوج لها لا تخرج إلا منتقبة في رثة الثياب لئلا تعرف فلما بذل هؤلاء الأمناء بضاعتهم ما ثمنه مائة درهم بدرهم جعل نساء بني إسرائيل يشرين خفية بالليل سرا لا يعلم بهن أحد من أهل دينهن حتى أنفقوا بضاعتهم واشتروا بها حاجتهم واستوعبوا خبر مدينتهم وحصونهم وعدد مياههم وكانوا قد كتموا رؤوس بضاعتهم ومحاسنها من اللؤلؤ والمرجان والياقوت هدية للملك وجعل الأمناء يسألون من رأوا من أهل القرية عن خبر الملك وشأنه إذ لم يشتر منهم شيئا وقالوا ما شأن الملك لا يشتري منا شيئا إن كان غنيا فإن عندنا من طرائف البضاعات فنعطيه ما شاء مما لم يدخل مثله في خزائنه وإن كان محتاجا فما يمنعه أن يشهدنا فنعطيه ما شاء بغير ثمن
قال لهم من حضرهم من أهل القرية إن له من الغنى والخزائن وفنون المتاع ما لم يقدر على مثله إنه استفرغ الخزائن التي كان موسى سار بها من مصر والحلي الذي كان بنو إسرائيل أخذوا وما جمع يوشع بن نون خليفة موسى وما جمع سليمان رأس الحكماء والملوك من الغنى الكثير والآنية التي لا يقدر على مثلها
قال الأمناء فما قتاله وبأي شيء عظمته وما جنوده أرأيتم لو أن ملكا انحرف عليه ففتق ملكه ما كان إذا قتاله إياه وما عدته وعدد جنوده أم بأي الخيل والفرسان غلبته أم من أجل كثرة جمعه وخزائنه وقعت في قلوب الرجال هيبته
فأجابهم القوم وقالوا إن أسا الملك قليلة عدته ضعيفة قوته غير أن له صديقا لو دعاه واستعان به على أن يزيل الجبال أزالها فإذا كان معه صديقه فليس شيء من الخلق يطيقه
قال لهم الأمناء ومن صديق أسا وكم عدد جنوده وكيف مواجهته وقتاله وكم عدد عساكره ومراكبه وأين قراره ومسكنه
فأجابهم القوم أما مسكنه ففوق السموات العلا مستو على عرشه لا يحصى عدد جنوده وكل شيء من الخلق له عبد لو أمر البحر لطم على البر ولو أمر الأنهار لغارت في عنصرها لا يرى ولا يعرف قراره وهو صديق أسا وناصره
(1/307)
________________________________________
فجعل الأمناء يكتبون كل شيء أخبروا به من أمر أسا وقضية أمره فدخل بعض هؤلاء الأمناء عليه فقالوا يأيها الملك إن معنا هدية نريد أن نهديها لك من طرائف بلادنا أو تشتري منا فنرخصه عليك
قال لهم ائتوني بذلك حتى أنظر إليه فلما أتوه به قال لهم هل يبقى هذا لأهله ويبقون له قالوا بل يفنى هذا ويفنى أهله قال لهم أسا لا حاجة لي فيه إنما طلبتي ما تبقى بهجته لأهله لا تزول ولا يزولون عنه
فخرجوا من عنده ورد عليهم هديتهم فساروا من بيت المقدس متوجهين إلى زرح الهندي ملكهم فلما أتوه نشروا له كتاب خبرهم وأنبئوه بما انتهى إليهم من أمر ملكهم وأخبروه بصديق أسا فلما سمع زرح كلامهم استحلفهم بعزته وبالشمس والقمر اللذين يعبدونهما ولهما يصلون ألا يكتموه من خبر ما رأوا في بني إسرائيل شيئا فصدقوه
فلم افرغوا من خبرهم وخبر أسا ملكهم وصديقه قال لهم زرح إن بني إسرائيل لما علموا أنكم جواسيس وأنكم قد اطلعتم على عوراتهم ذكروا لكم صديق أسا وهم كاذبون أرادوا بذلك ترهيبكم إن صديق أسا لا يطيق أن يأتي بأكثر من جندي ولا بأكمل من عدتي ولا بأقسى قلوبا ولا أجرأ على القتال من قومي إن لقيني بألف لقيته بأكثر من ذلك
ثم عمد زرح عند ذلك فكتب إلى كل من في طاعته أن يجهزوا من كل مخلاف جندا بعدتهم حتى استمد يأجوج ومأجوج والترك وفارس مع من سواهم من الأمم ممن جرت عليه لزرح طاعة كتب
من زرح الجبار الهندي ملك الأرضين إلى من بلغته كتبي أما بعد فإن لي أرضا قد دنا حصادها وأينع ثمرها وأردت أن تبعثوا إلي بعمال أغنمهم ما حصدوا منها وهم قوم قصوا عني وغلبوا على أطراف من أرضي وقهروا من تحت أيديهم من رقيقي وقد منحتهم من نهض إليهم معي فإن قصرت بكم قوة فعندي قوتكم فإنه لا تتعطل خزائني
فاجتمعوا إليه من كل ناحية وأمدوه بالخيل والفرسان والرجالة والعدة فلما اجتمعوا عنده أمكنهم من السلام والجهاز من خزائنه ثم أمر بإحصاء عددهم وتعبيتهم فبلغ عددهم ألف ألف ومائة ألف سوى أهل بلادهم وأمر بمائة مركب فقرن له البغال كل أربعة أبغل جميعا عليها سرير وقبة وفي كل قبة منها جارية ومع كل مركب عشرة من الخدم وخمسة أفيال من فيلته فبلغ في كل عسكر من عساكره مائة ألف وجعل خاصته الذين يركبون معه مائة من رؤوسهم وجعل في كل عسكر عرفاء وخطبهم وحرضهم على القتال فلما نظر إليهم سار فيهم تعزز وتعظم شأنه في قلوب من حضره ثم قال زرح أين صديق أسا هل يستطيع أن يعصمه مني أو من يطيق غلبتي فلو أن أسا وصديقه ينظران إلي وإلى جندي ما اجترآ على قتالي لأن عندي بكل واحد من جنده ألفا من جنودي ليدخلن أسا أرضي أسيرا ولأقدمن بقومه سبيا في جنودي
فجعل زرح ينتقص أسا ويقول فيه مالا ينبغي فبلغ أسا صنيع زرح وجمعه عليه فدعا ربه فقال اللهم أنت الذي بقوتك خلقت السموات والأرض ومن فيهن حتى صار جميع ذلك في قبضتك أنت ذو الأناة الرفيقة والغضب الشديد أسألك ألا تذكرنا بخطايانا فيما بيننا وبينك ولا تعمدنا ولا تجزينا على معصيتك ولكن تذكرنا برحمتك التي جعلتها للخلائق فانظر إلى ضعفنا وقوة عدونا وانظر إلى قلتنا وكثرة عدونا وانظر إلى ما
(1/308)
________________________________________
نحن فيه من الضيق والغم وانظر إلى ما فيه عدونا من الفرح والراحة فغرق زرحا وجنوده في اليم بالقدرة التي غرقت بها فرعون وجنوده وأنجيت موسى وقومه وأسألك أن تحل على زرح وقومه عذابك بغتة
فأري أسا في المنام والله أعلم أني قد سمعت كلامك ووصل إلي جؤارك وأني على عرشي وأني إن غرقت زرحا الهندي وقومه لم يعلم بنو إسرائيل ولا من كان بحضرتهم كيف صنعت بهم ولكن سأظهر في زرح وقومه لك ولمن اتبعك قدرة من قدرتي حتى أكفيك مؤنتهم وأهب لك غنيمتهم وأضع في أيديكم عساكرهم حتى يعلم أعداؤك أن صديق أسا لا يطاق وليه ولا يهزم جنده ولا يخيب مطيعه فأنا أتمهل له حتى يفرغ من حاجته ثم أسوقه إليك عبدا وعساكره لك ولقومك خولا
فسار زرح ومن معه حتى حلوا على ساحل ترشيش فلم يكن إلا محلة يوم حتى دفنوا أنهارها ومحوا مروجها حتى كان الطير ينقصف عليهم والوحش لا تستطيع الهرب منهم فساروا حتى كانوا على مرحلتين من إيلياء ففرق زرح عساكره منها إلى إيلياء وامتلأت منهم تلك الأرض جبالها وسهولها وامتلأت قلوب أهل الشام منهم رعبا وعاينوا هلكتهم
فسمع بهم أسا الملك فبعث إليهم طليعة من قومه وأمرهم أن يخبروه بعددهم وهيئتهم فسار القوم الذي بعثهم أسا حتى نظروا إليهم من رأس تل ثم رجعوا إلى أسا فأخبروه أنه لم تر عيون بني آدم ولا سمعت آذانهم مثلهم ومثل أفيالهم وخيولهم وفرسانهم وما ظننا أن في الناس مثلهم كثرة وعدة فلت من إحصائهم عقولنا وقلت من قتاله حيلتنا وانقطع فيما بيننا وبينهم رجاؤنا
فسمع بذلك أهل القرية فشقوا ثيابهم وذروا التراب على رؤوسهم وعجوا بالعويل في أزقتهم وأسواقهم وجعل بعضهم يودع بعضا ثم ساروا حتى أتوا الملك فقالوا نحن خارجون بأجمعنا إلى هؤلاء القوم فدافعون إليهم أيدينا لعلهم أن يرحمونا فيقرونا في بلادنا قال لهم أسا الملك معاذ الله أن نلقي بأيدينا في أيدي الكفرة وأن نخلي بيت الله وكتابه للفجرة قالوا فاحتل لنا حيلة واطلب إلى صديقك وربك الذي كنت تعدنا بنصره وتدعونا إلى الإيمان به فإن هو كشف عنا هذا البلاء وإلا وضعنا أيدينا في أيدي عدونا لعلنا نتخلص بذلك من القتل
قال لهم أسا إن ربي لا يطاق إلا بالتضرع والتبتل والاستكانة قالوا فأبرز له لعله أن يجيبك فيرحم ضعفنا فإن الصديق لا يسلم صديقه على مثل هذا فدخل أسا المصلى ووضع تاجه من رأسه وخلى ثيابه ولبس المسوح وافترش الرماد ثم مد يده يدعو ربه بقلب حزين وتضرع كثير ودموع سجال وهو يقول اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط أنت المستخفي من خلقك حيث شئت لا يدرك قرارك ولا يطاق كنه عظمتك أنت اليقظان الذي لا تنام والجديد الذي لا تبليك الليالي والأيام أسألك بالمسألة التي سألك بها إبراهيم خليلك فأطفأت بها عنه النار وألحقته بها بالأبرار وبالدعاء الذي دعاك به نجيك موسى فأنجيت بني إسرائيل من الظلمة وأعتقتهم به من العبودية وسيرتهم في البر والبحر وغرقت فرعون ومن اتبعه وبالتضرع الذي تضرع لك عبدك داود فرفعته ووهبت له من بعد الضعف القوة ونصرته على جالوت الجبار وهزمته وبالمسألة التي سألك بها سليمان نبيك فمنحته الحكمة ووهبت له الرفعة وملكته على كل دابة أنت محيي الموتى ومفني الدنيا وتبقى وحدك
(1/309)
________________________________________
خالدا لا تفنى وجديدا لا تبلى أسألك يا إلهي أن ترحمني بإجابة دعوتي فإني أعرج مسكين من أضعف عبادك وأقهلم حيلة وقد حل بنا كرب عظيم وحزب شديد لا يطيق كشفه غيرك ولا حول ولا قوة لنا إلا بك فارحم ضعفنا بما شئت فإنك ترحم من تشاء بما تشاء
وجعل علماء بني إسرائيل يدعون الله خارجا وهم يقولون اللهم أجب اليوم عبدك فإنه قد اعتصم بك وحدك ولا تخل بينه وبين عدوك واذكر حبه إياك وفراقه أمه وجميع الخلائق إلا من أطاعك
فألقى الله على أسا النوم وهو في مصلاه ساجدا ثم أتاه من الله آت والله أعلم فقال يا أسا إن الحبيب لا يسلم حبيبه وإن الله عز و جل يقول إني قد ألقيت عليك محبتي ووجب لك نصري فأنا الذي أكفيك عدوك فإنه لا يهون من توكل علي ولا يضعف من تقوى بي كنت تذكرني في الرخاء وأسلمك عند الشدائد وكنت تدعوني آمنا وأنا أسلمك خائفا إن الله القوي يقول أنا أقسم أن لو كايدتك السموات والأرض بمن فيهن لجعلت لك من جميع ذلك مخرجا فأنا الذي أبعث طرفا من زبانيتي يقتلون أعدائي فإني معك ولن يخلص إليك ولا إلى من معك أحد فخرج أسا من مصلاه وهو يحمد الله مسفرا وجهه فأخبرهم بما قيل له فأما المؤمنون فصدقوه وأما المنافقون فكذبوه وقال بعضهم لبعض إن أسا دخل أعرج وخرج أعرج ولو كان صادقا أن الله قد أجابه إذا لأصلح رجله ولكن يغرنا ويمنينا حتى تقع الحرب فينا فيهلكنا
فبينا الملك يخبرهم عن صنع الله بهم إذ قدم رسل من زرح فدخلوا إيلياء ومعهم كتب من زرح إلى أسا فيها شتم له ولقومه وتكذيب بالله وكتب فيها أن ادع صديقك الذي أضللت به قومك فليبارزني بجنوده وليظهر لي مع ما أني أعلم أنه لن يطيقني هو ولا غيره لأني أنا زرح الهندي الملك
فلما قرأ أسا الكتب التي قدم بها عليه هملت عيناه بالبكاء ثم دخل مصلاه ونشر تلك الكتب بين يدي الله ثم قال اللهم ليس لي شيء من الأشياء أحب غلي من لقائك غير أني أتخوف أن يطفأ هذا النور الذي أظهرته في أيامي هذه وقد حضرت هذه الصحائف وعلمت ما فيها ولو كنت المراد بها كان ذلك يسيرا غير أن عبدك زرحا يكايدك ويتناول فخر بغير فخر وتكلم بغير صدق وأنت حاضر ذلك وشاهده
فأوحى الله إلى أسا والله أعلم أنه لا تبديل لكلماتي ولا خلف لموعدي ولا تحويل لأمري فأخرج من مصلاك ثم مر خيلك أن تجتمع ثم اخرج بهم وبمن اتبعك حتى تقفوا على نشز من الأرض
فخرج أسا فأخبرهم بما قيل له فخرج اثنا عشر رجلا من رؤسائهم مع كل رجل منهم رهط من قومه فلما أن خرجوا ودعوا أهاليهم بألا يرجعوا إلى الدنيا فوقفوا لزرح على رابية من الأرض فأبصروا منها زرحا وقومه فلما أبصرهم زرح نفض رأسه ليسخر منهم وقال إنما نهضت من بلادي وأنفقت أموالي لمثل هؤلاء ودعا عند ذلك بالنفر الذين كانوا نعتوا عنده أسا وقومه فقال كذبتموني وزعمتم أن قومكم كثير عددهم فأمر بهم وبالأمناء الذين كان بعثهم ليخبروه خبرهم فقتلوا جميعا وأسا في ذلك كثير تضرعه معتصم بربه فقال زرح ما أدري ما أفعل بهؤلاء القوم وما أدري ما قدر قلتهم في كثرتنا إني لأستقلهم عن المحاربة وأرى ألا أقاتلهم
(1/310)
________________________________________
فأرسل زرح إلى أسا فقال له أين صديقك الذي كنت تعدنا به وتزعم أنه يخلصك مما يحل بكم من سطواتي أفتضعون أيديكم في يدي فأمضي فيكم حكمي أو تلتمسون قتالي
فأجابه أسا فقال يا شقي إنك لست تعلم ما تقول ولست تدري أتريد أن تغالب ربك بضعفك أم تريد أن تكاثره بقلتك هو أعز شيء وأعظمه وأغلب شيء وأقهره وعباده أذل وأضعف عنده من أن ينظروا إليه معاينة هو معي في موقفي هذا ولم يغلب أحد كان الله معه فاجتهد يا شقي بجهدك حتى تعلم ماذا يحل بك
فلما اصطف قوم زرح وأخذوا مراتبهم أمر زرح الرماة من قومه أن يرموهم بنشابهم فبعث الله ملائكة من كل سماء والله أعلم عونا لأسا وقومه ومادة له فوقفهم أسا في مواقفهم فلما رموا نشابهم حال المشركون بين ضوء الشمس وبين الأرض كأنها سحابة طلعت فنحتها الملائكة عن أسا وقومه ثم رمت بها الملائكة قوم زرح فأصابت كل رجل منهم نشابته التي رمى بها فقتل رماتهم بها كلها وأسا وقومه في كل ذلك يحمدون الله كثيرا ويعجون إليه بالتسبيح وتراءت الملائكة لهم والله أعلم فلما رآهم الشقي زرح وقع الرعب في قلبه وسقط في يده وقال إن أسا لعظيم كيده ماض سحره وكذلك بنو إسرائيل حيث كانوا لا يغلب سحرهم ساحر ولا يطيق مكرهم عالم وإنما تعلموه من مصر وبه ساروا في البحر ثم نادى الهندي في قومه أن سلوا سيوفكم ثم احملوا عليهم حملة واحدة فدقوهم
فسلوا سيوفهم ثم حملوا على الملائكة فقتلتهم الملائكة فلم يبق منهم غير زرح ونسائه ورقيقه
فلما رأى ذلك زرح ولى مدبرا فارا هو ومن معه وهو يقول إن اسا ظهر علانية وأهلكني صديقه سرا وإني كنت أنظر إلى أسا ومن معه واقفين لا يقاتلون والحرب واقعة في قومي
فلما رأى أسا أن زرحا قد ولى مدبرا قال اللهم إن زرحا قد ولى مدبرا وإنك إن لم تحل بيني وبينه استنفر علينا قومه ثانية فأوحى الله إلى أسا إنك لم تقتل من قتل منهم ولكني قتلتهم فقف مكانك فإني لو خليت بينك وبينهم أهلكوكم جميعا إنما يتقلب زرح في قبضتي ولن ينصره أحد مني وأنا لزرح بالمكان الذي لا يستطيع صدودا عنه ولا تحويلا وإني قد وهبت لك ولقومك عساكره وما فيها من فضة ومتاع ودابة فهذا أجرك إذا اعتصمت بي ولا ألتمس منك أجرا على نصرتك
فسار زرح حتى أتى البحر يريد بذلك الهرب ومعه مائة ألف فهيأوا سفنهم ثم ركبوا فيها فلما ساروا في البحر بعث الله الرياح من أطراف الأرضين والبحار إلى ذلك البحر واضطربت من كل ناحية أمواجه وضربت السفن بعضها بعضا حتى تكسرت فغرق زرح ومن كان معه واضطربت بهم الأمواج حتى فزع لذلك أهل القرى حولهم ورجفت الأرض فبعث أسا من يعلمه علم ذلك فأوحى الله إليه والله أعلم أن اهبط أنت وقومك أهل قراكم فخذوا ما غنمكم الله بقوة وكونوا فيه من الشاكرين فإني قد سوغت كل من أخذ من هذه العساكر شيئا ما أخذه فهبطوا يحمدون الله ويقدسونه فنقلوا تلك العساكر إلى قراهم ثلاثة أشهر والله أعلم
ثم ملك بعده يهوشافاظ بن أسا إلى أن هلك خمسا وعشرين سنة
(1/311)
________________________________________
ثم ملكت عتليا وتسمى غزليا ابنة عمرم أم أخزيا وكانت قتلت أولاد ملوك بني إسرائيل فلم يبق منهم إلا يواش بن أخزيا فإنه ستر عنها ثم قتلها يواش وأصحابه وكان ملكها سبع سنين
ثم ملك يواش بن أخزيا إلى أن قتله أصحابه وهو الذي قتل جدته فكان ملكه أربعين سنة
ثم ملك أموصيا بن يواش إلى أن قتله أصحابه تسعا وعشرين سنة
ثم ملك عزويا بن أموصيا وقد يقال لعوزيا غوزيا إلى أن توفي اثنتين وخمسين سنة
ثم ملك يوتام بن عوزيا إلى أن توفي ست عشرة سنة
ثم ملك أحاز بن يوتام إلى أن توفي ست عشرة سنة
ثم ملك حزقيا بن أحاز إلى أن توفي وقيل إنه صاحب شعيا الذي أعلمه شعيا انقضاء عمره فتضرع إلى ربه فزاده وأمهله وأمر شعيا بإعلامه ذلك
وأما محمد بن إسحاق فإنه قال صاحب شعيا الذي هذه القصة قصته اسمه صديقة
(1/312)

بنالعياط
02-10-2012, 04:52 PM
ذكر صاحب قصة شعيا من ملوك بني إسرائيل وسنحاريب
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل قال حدثني ابن إسحاق قال كان فيما أنزل الله على موسى في خبره عن بني إسرائيل وإحداثهم وما هم فاعلون بعده قال وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا إلى وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ( 1 ) فكانت بنو إسرائيل وفيهم الأحداث والذنوب وكان الله في ذلك متجاوزا عنهم متعطفا عليهم محسنا إليهم وكان مما أنزل الله بهم في ذنوبهم ما كان قدم إليهم في الخبر عنهم على لسان موسى فكان أول ما أنزل بهم من تلك الوقائع أن ملكا منهم كان يدعى صديقة وكان الله إذا ملك الملك عليهم بعث نبيا يسدده ويرشده فيكون فيما بينه وبين الله يحدث إليه في أمرهم لا ينزل عليهم الكتب إنما يؤمرون باتباع التوراة والأحكام التي فيها وينهونهم عن المعصية ويدعونهم إلى ما تركوا من الطاعة
فلما ملك ذلك الملك بعث الله معه شعيا بن أمصيا وذلك قبل مبعث عيسى وزكرياء ويحيى وشعيا الذي بشر بعيسى ومحمد فملك ذلك الملك بني إسرائيل وبيت المقدس زمانا فلما انقضى ملكه وعظمت فيهم الأحداث وشعيا معه بعث الله عليهم سنحاريب ملك بابل معه ستمائة ألف راية فأقبل سائرا حتى نزل حول بيت المقدس والملك مريض في ساقه قرحة فجاءه النبي شعيا فقال له يا ملك بني إسرائيل إن سنحاريب ملك بابل قد نزل بك هو وجنوده في ستمائة ألف راية وقد هابهم الناس وفرقوا منهم فكبر ذلك على الملك فقال يا نبي الله هل أتاك وحي من الله فيما حدث فتخبرنا به كيف يفعل الله بنا وبسنحاريب وجنوده فقال له النبي عليه السلام لم يأتني وحي حدث إلي في شأنك
فبينما هم على ذلك أوحى الله إلى شعيا النبي أن ائت ملك بني إسرائيل فأمره أن يوصي بوصيته ويستخلف على ملكه من يشاء من أهل بيته فأتى النبي شعيا ملك بني إسرائيل صديقة فقال له إن ربك قد أوحى إلي أن آمرك توصي وصيتك وتستخلف من شئت على الملك من أهل بيتك فإنك ميت
فلما قال ذلك شعيا لصديقة أقبل على القبلة فصلى وسبح ودعا وبكى وقال وهو يبكي ويتضرع إلى الله بقلب مخلص وتوكل وصبر وظن صادق اللهم رب الأرباب وإله الآلهة القدوس المتقدس يا رحمن يا رحيم المترحم الرؤوف الذي لا تأخذه سنة ولا نوم اذكرني بعملي وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل وذلك كله كان منك فأنت أعلم به من نفسي وسري وعلانيتي لك وإن الرحمن استجاب له وكان عبدا صالحا فأوحى الله إلى شعيا فأمره أن يخبر صديقة الملك أن ربه قد استجاب له وقبل منه
(1/313)
________________________________________
ورحمه وقد رأى بكاءه وقد أخر أجله خمس عشرة سنة وأنجاه من عدوه سنحاريب ملك بابل وجنوده فلما قال له ذلك ذهب عنه الوجع وانقطع عنه الشر والحزن وخر ساجدا وقال يا إلهي وإله آبائي لك سجدت وسبحت وكرمت وعظمت أنت الذي تعطي الملك من تشاء وتنزعه ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء عالم الغيب والشهادة أنت الأول والآخر والظاهر والباطن وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين أنت الذي أجبت دعوتي ورحمت تضرعي
فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعيا أن قل للملك صديقة فيأمر عبدا من عبيده فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحته فيشفى ويصبح وقد برئ ففعل ذلك فشفي وقال الملك لشعيا النبي سل ربك أن يجعل لنا علما بما هو صانع بعدونا هذا فقال الله لشعيا النبي قل له إني قد كفيتك عدوك وأنجيتك منهم وإنهم سيصبحون موتى كلهم إلا سنحاريب وخمسة من كتابه
فلما أصبحوا جاءه صارخ فصرخ على باب المدينة يا ملك بني إسرائيل إن الله قد كفاك عدوك فاخرج فإن سنحاريب ومن معه قد هلكوا فلما خرج الملك التمس سنحاريب فلم يوجد في الموتى فبعث الملك في طلبه فأدركه الطلب في مغارة وخمسة من كتابه أحدهم بختنصر فجعلوهم في الجوامع ثم أتوا بهم ملك بني إسرائيل فلما رآهم خر ساجدا من حين طلعت الشمس حتى كانت العصر ثم قال لسنحاريب كيف ترى فعل ربنا بكم ألم يقتلكم بحوله وقوته ونحن وأنتم غافلون فقال سنحاريب له قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم ورحمته التي رحمكم بها قبل أن أخرج من بلادي فلم أطع مرشدا ولم يلقني في الشقوة إلا قلة عقلي ولو سمعت أو عقلت ما غزوتكم ولكن الشقوة غلبت علي وعلى من معي فقال ملك بني إسرائيل الحمد لله رب العزة الذي كفاناكم بما شاء إن ربنا لم يبقك ومن معك لكرامة لك عليه ولكنه إنما أبقاك ومن معك إلى ما هو شر لك ولمن معك لتزدادوا شقوة في الدنيا وعذابا في الآخرة ولتخبروا من وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا ولتنذروا من بعدكم ولولا ذلك ما أبقاكم ولدمك ودم من معك أهون على الله من دم قراد لوقتلته
ثم إن ملك بني إسرائيل أمر أمير حرسه فقذف في رقابهم الجوامع وطاف بهم سبعين يوما حول بيت المقدس وكان يرزقهم كل يوم خبزتين من شعير لكل رجل منهم فقال سنحاريب لملك بني إسرائيل القتل خير مما تفعل بنا فافعل ما أمرت فأمر بهم الملك إلى سجن القتل فأوحى الله إلى شعيا النبي أن قل لملك بني إسرائيل يرسل سنحاريب ومن معه لينذروا من وراءهم وليكرمهم وليحملهم حتى يبلغوا بلادهم فبلغ النبي شعيا الملك ذلك ففعل فخرج سنحاريب ومن معه حتى قدموا بابل فلما قدموا جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله بجنوده فقال له كهانه وسحرته يا ملك بابل قد كنا نقص عليك خبر ربهم وخبر نبيهم ووحي الله إلى نبيهم فلم تطعنا وهي أمة لا يستطيعها أحد من ربهم فكان أمر سنحاريب مما خوفوا به ثم كفاهم الله إياه تذكرة وعبرة ثم لبث سنحاريب بعد ذلك سبع سنين ثم مات
وقد زعم بعض أهل الكتاب أن هذا الملك من بني إسرائيل الذي سار إليه سنحاريب كان أعرج وكان عرجه من عرق النسا وأن سنحاريب إنما طمع في مملكته لزمانته وضعفه وأنه قد كان سار إليه قبل سنحاريب ملك من ملوك بابل يقال له ليفر وكان بختنصر ابن عمه كاتبه وأن الله أرسل عليه ريحا أهلكت
(1/314)
________________________________________
جيشه وأفلت هو وكاتبه وأن هذا البابلي قتله ابن له وأن بختنصر غضب لصاحبه فقتل ابنه الذي قتل أباه وأن سنحاريب سار بعد ذلك إليه وكان مسكنه بنينوى مع ملك أذربيجان يومئذ وكان يدعى سلمان الأعسر وأن سنحاريب وسلمان اختلفا فتحاربا حتى تفانى جنداهما وصار ما كان معهما غنيمة لبني إسرائيل
وقال بعضهم بل الذي غزا حزقيا صاحب شعيا سنحاريب ملك الموصل وزعم أنه لما أحاط بيت المقدس بجنوده بعث الله ملكا فقتل من أصحابه في ليلة واحدة مائة ألف وخمسة وثمانين ألف رجل وكان ملكه إلى أن توفي تسعا وعشرين سنة
ثم ملك بعده فيما قيل أمرهم منشا بن حزقيا إلى أن توفي خمسا وخمسين سنة
ثم ملك بعده أمون بن منشا إلى أن قتله أصحابه اثنتي عشرة سنة
ثم ملك بعده يوشيا بن أمون إلى أن قتله فرعون الأجدع المقعد ملك مصر إحدى وثلاثين سنة
ثم ياهواحاز بن يوشيا وكان فرعون الأجدع قد غزاه وأسره وأشخصه إلى مصر وملك فرعون الأجدع يوياقيم بن ياهواحاز على ما كان عليه أبوه ووظف عليه خراجا يؤديه إليه فكان يوياقيم يجبي ذلك فيما زعموا من بني إسرائيل ويحمله فيما زعموا اثنتي عشرة سنة
ثم ملك أمرهم من بعده يوياحين بن يوياقيم فغزاه بختنصر فأسره واشخصه إلى بابل بعد ثلاثة أشهر من ملكه وملك مكانه متنيا عمه وسماه صديقيا فخالفه فغزاه فظفر به فأوثقه وحمله إلى بابل بعد أن ذبح ولده بين يديه وسمل عينيه وخرب المدينة والهيكل وسبى بني إسرائيل وحملهم إلى بابل فمكثوا بها إلى أن ردهم إلى بيت المقدس كيرش بن جاماسب بن أسب من أجل القرابة التي كان بينه وبينهم وذلك أن أمه أشتر ابنة جاويل وقيل حاويل الإسرائيلي فكان جميع ما ملك صديقيا مع الثلاثة الأشهر التي ملك فيها يوياحين فيما قيل إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر
ثم صار ملك بيت المقدس والشام لأشتاسب بن لهراسب وعامله على ذلك كله بختنصر
وذكر محمد بن إسحاق فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه أن صديقة ملك بني إسرائيل الذي قد ذكرنا خبره لما قبضه الله مرج أمر بني إسرائيل وتنافسوا الملك حتى قتل بعضهم بعضا عليه ونبيهم شعيا معهم لا يرجعون إليه ولا يقبلون منه فلما فعلوا ذلك قال الله فيما بلغنا لشعيا قم في قومك أوح على لسانك فلما قام أنطق الله لسانه بالوحي فوعظهم وذكرهم وخوفهم الغير بعد أن عدد عليهم نعم الله عليهم وتعرضهم للغير
قال فلما فرغ شعيا إليهم من مقالته عدوا عليه فيما بلغني ليقتلوه فهرب منهم فلقيته شجرة فانفلقت له فدخل فيها وأدركه الشيطان فأخذ بهدبة من ثوبه فأراهم إياها فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها
وقد حدثني بقصة شعيا وقومه من بني إسرائيل وقتلهم إياه محمد بن سهل البخاري قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل عن وهب بن منبه
(1/315)

بنالعياط
02-10-2012, 06:13 PM
ذكر خبر لهراسب وابنه بشتاسب وغزو بختنصر بني إسرائيل وتخريبه بيت المقدس
ثم ملك بعد كيخسروا من الفرس لهراسب بن كيوجي بن كيمنوش بن كيفاشين باختيار كيخسروا إياه فلما عقد التاج على رأسه قال نحن مؤثرون البر على غيره واتخذ سريرا من ذهب مكللا بأنواع الجواهر للجلوس عليه وأمر فبنيت له بأرض خراسان مدينة بلخ وسماها الحسناء ودون الدواوين وقوى ملكه بانتخابه لنفسه الجنود وعمر الأرض واجتبى الخراج لأرزاق الجنود ووجه بختنصر وكان اسمه بالفارسية فيما قيل بخترشه
فحدثت عن هشام بن محمد قال ملك لهراسب وهو ابن أخي قبوس فبنى مدينة بلخ فاشتدت شوكة الترك في زمانه وكان منزله ببلخ يقاتل الترك قال وكان بختنصر في زمانه وكان أصبهبذ ما بين الأهواز إلى أرض الروم من غربي دجلة فشخص حتى أتى دمشق فصالحه أهلها ووجه قائدا له فأتى بيت المقدس فصالح ملك بني إسرائيل وهو رجل من ولد داود وأخذ منه رهائن وانصرف فلما بلغ طبرية وثبت بنو إسرائيل على ملكهم فقتلوه وقالوا راهنت أهل بابل وخذلتنا واستعدوا للقتال فكتب قائد بختنصر إليه بما كان فكتب إليه يأمره أن يقيم بموضعه حتى يوافيه وأن يضرب اعناق الرهائن الذين معه فسار بختنصر حتى أتى بيت المقدس فأخذ المدينة عنوة فقتل المقاتلة وسبى الذرية
قال وبلغنا أنه وجد في سجن بني إسرائيل إرميا النبي وكان الله تعالى بعثه نبيا فيما بلغنا إلى بني إسرائيل يحذرهم ما حل بهم من بختنصر ويعلمهم أن الله مسلط عليهم من يقتل مقاتلتهم ويسبي ذراريهم إن لم يتوبوا وينزعوا عن سيء أعمالهم فقال له بختنصر ما خطبك فأخبره أن الله بعثه إلى قومه ليحذرهم الذي حل بهم فكذبوه وحبسوه فقال بختنصر بئس القوم قوم عصوا رسول ربهم وخلى سبيله وأحسن إليه فاجتمع إليه من بقي من ضعفاء بني إسرائيل فقالوا إنا قد أسأنا وظلمنا ونحن نتوب إلى الله مما صنعنا فادع الله أن يقبل توبتنا فدعا ربه فأوحى إليه أنهم غير فاعلين فإن كانوا صادقين فليقيموا معك بهذه البلدة فأخبرهم بما أمرهم الله به فقالوا كيف نقيم ببلدة قد خربت وغضب الله على أهلها فأبوا أن يقيموا فكتب بختنصر إلى ملك مصر إن عبيدا لي هربوا مني إليك فسرحهم إلي وإلا غزوتك وأوطأت بلادك الخيل فكتب إليه ملك مصر ما هم بعبيدك ولكنهم الأحرار أبناء الأحرار فغزاه بختنصر فقتله وسبى أهل مصر ثم سار في أرض المغرب حتى بلغ أقصى تلك الناحية ثم انطلق بسبي كثير من أهل فلسطين والأردن فيهم دانيال وغيره من الأنبياء
(1/316)
________________________________________
قال وفي ذلك الزمان تفرقت بنو إسرائيل ونزل بعضهم أرض الحجاز بيثرب ووادي القرى وغيرها
قال ثم أوحى الله إلى إرميا فيما بلغنا إني عامر بيت المقدس فاخرج إليها فانزلها فخرج إليها حتى قدمها وهي خراب فقال في نفسه سبحان الله أمرني الله أن أنزل هذه البلدة وأخبرني أنه عامرها فمتى يعمر هذه ومتى يحييها الله بعد موتها ثم وضع رأسه فنام ومعه حماره وسلة فيها طعام فمكث في نومه سبعين سنة حتى هلك بختنصر والملك الذي فوقه وهو لهراسب الملك الأعظم وكان ملك لهراسب مائة وعشرين سنة وملك بعده بشتاسب ابنه فبلغه عن بلاد الشام أنها خراب وأن السباع قد كثرت في أرض فلسطين فلم يبق بها من الإنس أحد فنادى في أرض بابل في بني إسرائيل إن من شاء أن يرجع إلى الشام فليرجع وملك عليهم رجلا من آل داود وأمره أن يعمر بيت المقدس ويبني مسجدها فرجعوا فعمروها وفتح الله لإرميا عينيه فنظر إلى المدينة كيف تعمر وتبنى ومكث في نومه ذلك حتى تمت له مائة سنة ثم بعثه الله وهو لا يظن أنه نام أكثر من ساعة وقد عهد المدينة خرابا يبابا فلما نظر إليها قال أعلم أن الله على كل شيء قدير
قال وأقام بنو إسرائيل ببيت المقدس ورد إليهم أمرهم وكثروا بها حتى غلبت عليهم الروم في زمان ملوك الطوائف فلم يكن لهم بعد ذلك جماعة
قال هشام وفي زمان بشتاسب ظهر زرادشت الذي تزعم المجوس أنه نبيهم وكان زرادست فيما زعم قوم من علماء أهل الكتاب من أهل فلسطين خادما لبعض تلامذة إرميا النبي خاصا به أثيرا عنده فخانه فكذب عليه فدعا الله عليه فبرص فلحق ببلاد أذربيجان فشرع بها دين المجوسية ثم خرج منها متوجها نحو بشتاسب وهو ببلخ فلما قدم عليه وشرح له دينه أعجبه فقسر الناس على الدخول فيه وقتل في ذلك من رعيته مقتلة عظيمة ودانوا به فكان ملك بشتاسب مائة سنة واثنتي عشرة سنة
وأما غيره من أهل الأخبار والعلم بأمور الأوائل فإنه ذكر أن كي لهراسب كان محمودا في أهل مملكته شديد القمع للملوك المحيطة بإيران شهر شديد التفقد لأصحابه بعيد الهمة كثير الفكر في تشييد البنيان وشق الأنهار وعمارة البلاد فكانت ملوك الروم والمغرب والهند وغيرهم يحملون إليه في كل سنة وظيفة معروفة وإتاوة معلومة ويكاتبونه بالتعظيم ويقرون له أنه ملك الملوك هيبة له وحذرا
قال ويقال إن بختنصر حمل إليه من أوريشلم خزائن وأموالا فلما أحس بالضعف من قوته ملك ابنه بشتاسب واعتزل الملك وفوضه إليه وكان ملك لهراسب فيما ذكر مائة سنة وعشرين سنة وزعم أن بختنصر هذا الذي غزا بني إسرائيل اسمه بخترشه وأنه رجل من العجم من ولد جوذرز وأنه عاش دهرا طويلا جاوزت مدته ثلاثمائة سنة وأنه كان في خدمة لهراسب الملك أبي بشتاسب وأن لهراسب وجهه إلى الشام وبيت المقدس ليجلي عنها اليهود فسار إليها ثم انصرف وأنه لم يزل من بعد لهراسب في خدمة ابنه بشتاسب ثم في خدمة بهمن من بعده وأن بهمن كان مقيما بمدينة بلخ وهي التي كانت تسمى الحسناء وأنه أمر بخترشه بالتوجه إلى بيت المقدس ليجلي اليهود عنها وأن السبب في ذلك وثوب صاحب بيت المقدس على رسل كان بهمن وجههم إليه وقلته بعضهم فلما ورد
(1/317)
________________________________________
الخبر على بهمن دعا بخترشه فملكه على بابل وأمره بالمسير إليها والنفوذ منها إلى الشام وبيت المقدس والقصد إلى اليهود حتى يقتل مقاتلتهم ويسبي ذراريهم وبسط يده فيمن يختار من الأشراف والقواد فاختار من أهل بيت المملكة داريوش بن مهرى من ولد ماذي بن يافث بن نوح وكان ابن أخت بخترشه واختار كيرش كيكوان من ولد غيلم بن سام وكان خازنا على بيت مال بهمن وأخشويرش بن كيرش بن جاماسب الملقب بالعالم وبهرام بن كيرش بن بشتاسب فضم بهمن إليه من أهله وخاصته هؤلاء الأربعة وضم إليه من وجوه الأساورة ورؤسائهم ثلثمائة رجل ومن الجند خمسين ألف رجل وأذن له في أن يفرض ما احتاج إليه وفي إثباتهم ثم أقبل بهم حتى صار إلى بابل فأقام بها للتجهز والاستعداد سنة والتفت إليه جماعة عظيمة وكان فيمن سار إليه رجل من ولد سنحاريب الملك الذي كان غزا حزقيا بن أحاز الملك الذي كان بالشام وببيت المقدس من ولد سليمان بن داود صاحب شعيا يقال له بختنصر بن نبوزرادان بن سنحاريب صاحب الموصل وناحيتها بن داريوش بن عبيرى بن تيرى بن روبا بن راببا بن سلامون بن داود بن طامى بن هامل بن هرمان بن فودى بن همول بن درمى بن قمائل بن صاما بن رغما بن نمروذ بن كوش بن حام بن نوح عليه السلام
وكان مسيره إليه بسبب ما كان آتى حزقيا وبنو إسرائيل إلى جده سنحاريب عند غزوه إياهم وتوسل إليه بذلك فقدمه في جماعة كثيرة ثم اتبعه فلما توافت العساكر بيت المقدس نصر بخترشه على بني إسرائيل لما أراد الله بهم من العقوبة فسباهم وهدم البيت وانصرف إلى بابل ومعه يوياحن بن يوياقيم ملك بني إسرائيل في ذلك الوقت من ولد سليمان بعد أن ملك متنيا عم يوحينا وسماه صدقيا
فلما صار بختنصر ببابل خالفه صدقيا فغزاه بختنصر ثانية فظفر به وأخرب المدينة والهيكل وأوثق صدقيا وحمله إلى بابل بعد أن ذبح ولده وسمل عينيه فمكث بنو إسرائيل ببابل إلى أن رجعوا إلى بيت المقدس فكان غلبة بختنصر المسمى بخترشه على بيت المقدس إلى أن مات في قول هذا الذي حكينا قوله أربعين سنة
ثم قام من بعده ابن يقال له أولمرودخ فملك الناحية ثلاثا وعشرين سنة ثم هلك وملك مكانه ابن يقال له بلتشصر بن أولمرودخ سنة فلما ملك بلتشصر خلط في أمره فعزله بهمن وملك مكانه على بابل وما يتصل بها من الشام وغيرها داريوش الماذوي المنسوب إلى ماذي بن يافث بن نوح عليه السلام حين صار إلى المشرق فقتل بلتشصر وملك بابل وناحية الشام ثلاث سنين ثم عزله بهمن وولى مكانه كيرش الغيلمي من ولد غيلم بن سام بن نوح الذي كان نزع إلى جامر مع ماذي عندما مضى جامر إلى المشرق فلما صار الأمر إلى كيرش كتب بهمن أن يرفق ببني إسرائيل ويطلق لهم النزول حيث أحبوا والرجوع إلى أرضهم وأن يولي عليهم من يختارونه فاختاروا دانيال النبي عليه السلام فولي أمرهم وكان ملك كيرش على بابل وما يتصل بها ثلاث سنين فصارت هذه السنون من وقت غلبة بختنصر إلى انقضاء أمره وأمر ولده وملك كيرش الغيلمي معدودة من خراب بيت المقدس منسوبة إلى بختنصر ومبلغها سبعون سنة
ثم ملك بابل وناحيتها من قبل بهمن رجل من قرابته يقال له أخشوارش بن كيرش بن جاماسب الملقب بالعالم من الأربعة الوجوه الذين اختارهم بخترشه عند توجهه إلى الشام من قبل بهمن وذلك أن
(1/318)
________________________________________
أخشوارش انصرف إلى بهمن من عند بختنصر محمودا فولاه ذلك الوقت بابل وناحيتها وكان السبب في ولايته فيما زعم أن رجلا كان يتولى لبهمن ناحية السند والهند يقال له كراردشير بن دشكال خالفه ومعه من الأتباع ستمائة ألف فولى بهمن أخشويرش الناحية وأمره بالمسير إلى كراردشير ففعل ذلك وحاربه فقتله وقتل أكثر أصحابه فتابع له بهمن الزيادة في العمل وجمع له طوائف من البلاد فلزم السوس وجمع الأشراف وأطعم الناس اللحم وسقاهم الخمر وملك بابل إلى ناحية الهند والحبشة وما يلي البحر وعقد لمائة وعشرين قائدا في يوم واحد الألوية وصير تحت يد كل قائد ألف رجل من أبطال الجند الذين يعدل الواحد منهم في الحرب بمائة رجل وأوطن بابل وأكثر المقام بالسوس وتزوج من سبي بني إسرائيل امرأة يقال لها أشتر ابنة أبي حاويل كان رباها ابن عم لها يقال له مردخى وكان أخاها من الرضاعة لأن أم مردخى أرضعت أشتر وكان السبب في تزوجه إياها قتله امرأة كانت له جليلة جميلة خطيرة يقال لها وشتا فأمرها بالبروز ليراها الناس ليعرفوا جلالتها وجمالها فامتنعت من ذلك فقتلها فلما قتلها جزع لقتلها جزعا شديدا فأشير عليه باعتراض نساء العالم ففعل ذلك وحببت إليه أشتر صنعا لبني إسرائيل فتزعم النصارى أنها ولدت له عند مسيره إلى بابل ابنا فسماه كيرش وأن ملك أخشويرش كان أربع عشرة سنة وقد علمه مردخى التوراة ودخل في دين بني إسرائيل وفهم عن دانيال النبي عليه السلام ومن كان معه حنيئذ مثل حننيا وميشايل وعازريا فسألوه بأن يأذن لهم في الخروج إلى بيت المقدس فأبى وقال لو كان معي منكم ألف نبي ما فارقني منكم واحد ما دمت حيا وولى دانيال القضاء وجعل إليه جميع أمره وأمره أن يخرج كل شيء في الخزائن مما كان بختنصر أخذه من بيت المقدس ويرده وتقدم في بناء بيت المقدس فبني وعمر في أيام كيرش بن أخشويرش وكان ملك كيرش مما دخل في ملك بهمن وخماني اثنتين وعشرين سنة
ومات بهمن لثلاث عشرة سنة مضت من ملك كيرش وكان موت كيرش لأربع سنين مضين من ملك خماني فكان جميع ملك كيرش بن أخشويرش اثنتين وعشرين سنة
فهذا ما ذكر أهل السير والأخبار في أمر بختنصر وما كان من أمره وأمر بني إسرائيل
وأما السلف من أهل العلم فإنهم قالوا في أمرهم أقوالا مختلفة فمن ذلك ما حدثني القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج قال حدثني يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير أنه سمعه يقول كان رجل من بني إسرائيل يقرأ حتى إذا بلغ بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد ( 1 ) بكى وفاضت عيناه ثم أطبق المصحف فقال ذلك ما شاء الله من الزمان ثم قال أي رب أرني هذا الرجل الذي جعلت هلاك بني إسرائيل على يديه فأري في المنام مسكينا ببابل يقال له بختنصر فانطلق بمال وأعبد له وكان رجلا موسرا فقيل له أين تريد فقال أريد التجارة حتى نزل دارا ببابل فاستكراها ليس فيها أحد غيره فجعل يدعو المساكين ويلطف بهم حتى لا يأتيه أحد إلا أعطاه فقال هل بقي مسكين غيركم فقالوا نعم مسكين بفج آل فلان مريض يقال له بختنصر فقال لغلمته انطلقوا بنا فانطلق حتى أتاه فقال ما اسمك قال بختنصر فقال لغلمته احتملوه فنقله إليه فمرضه حتى برئ وكساه وأعطاه نفقة ثم أذن الإسرائيلي بالرحيل فبكى بختنصر فقال الإسرائيلي ما يبكيك قال أبكي
(1/319)
________________________________________
أنك فعلت بي ما فعلت ولا أجد شيئا أجزيك قال بلى شيئا يسيرا إن ملكت أطعتني فجعل الآخر يتبعه ويقول تستهزئ بي ولا يمنعه أن يعطيه ما سأله إلا أنه يرى أنه يستهزئ به فبكى الإسرائيلي وقال لقد علمت ما يمنعك أن تعطيني ما سألتك إلا أن الله عز و جل يريد أن ينفذ ما قضى وكتب في كتابه
وضرب الدهر من ضربه فقال صيحون وهو ملك فارس ببابل لو أنا بعثنا طليعة إلى الشأم قالوا وما ضرك لو فعلت قال فمن ترون قالوا فلان فبعث رجلا وأعطاه مائة ألف وخرج بختنصر في مطبخه لا يخرج إلا ليأكل في مطبخه فلما قدم الشام رأى صاحب الطليعة أكثر أرض الله فرسا ورجلا جلدا فكسره ذلك في ذرعه فلم يسأل فجعل بختنصر يجلس مجالس أهل الشام فيقول ما يمنعكم أن تغزوا بابل فلو غزوتموها فما دون بيت مالها شيء قالوا لا نحسن القتال ولا نقاتل حتى تنفذ مجالس أهل الشام ثم رجعوا فأخبر متقدم الطليعة ملكهم بما رأى وجعل بختنصر يقول لفوارس الملك لو دعاني الملك لأخبرته غير ما أخبره فلان فرفع ذلك إليه فدعاه فأخبره الخبر وقال إن فلانا لما رأى أكثر أرض الله كراعا ورجلا جلدا كسر ذلك في ذرعه ولم يسالهم عن شيء وإني لم أدع مجلسا بالشام إلا جالست أهله فقلت لهم كذا وكذا فقالوا لي كذا وكذا للذي ذكر سعيد بن جبير أنه قال لهم فقال متقدم الطليعة لبختنصر فضحتني لك مائة ألف وتنزع عما قلت قال لو أعطيتني بيت مال بابل ما نزعت وضرب الدهر من ضربه فقال الملك لو بعثنا جريدة خيل إلى الشأم فإن وجدوا مساغا ساغوا وإلا امتشوا ما قدروا عليه قالوا ما ضرك لو فعلت قال فمن ترون قالوا فلان قال بل الرجل الذي أخبرني بما أخبرني فدعا بختنصر فأرسله وانتخت معه أربعة آلاف من فرسانهم فانطلقوا فجاسوا خلال الديار فسبوا ما شاء الله ولم يخربوا ولم يقتلوا ورمي في جنازة صيحون قالوا استخلفوا رجلا قالوا على رسلكم حتى يأتي أصحابكم فإنهم فرسانكم أن ينغصوا عليكم شيئا فأمهلوا حتى جاء بختنصر بالسبي وما معه فقسمه في الناس فقالوا ما رأينا أحدا أحق بالملك من هذا فملكوه
وقال آخرون منهم إنما كان خروج بختنصر إلى بني إسرائيل لحربهم حين قتلت بنو إسرائيل يحيى بن زكرياء
ذكر بعض من قال ذلك منهم
حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في الحديث الذي ذكرنا إسناده قبل أن بختنصر بعثه صيحائين لحرب بني إسرائيل حين قتل ملكهم يحيى بن زكرياء عليه السلام وبلغ صيحائين قتله
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال فيما بلغني استخلف الله عز و جل على بني إسرائيل بعد شعيا رجلا منهم يقال له ياشية بن أموص فبعث الله لهم الخضر نبيا واسم الخضر فيما كان وهب بن منبه يزعم عن بني إسرائيل إرميا بن حلقيا وكان من سبط هارون
وأما وهب بن منبه فإنه قال فيه ما حدثني محمد بن سهل بن عسكر البخاري قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل قال سمعت وهب بن منبه يقول
وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عمن لا يتهم عن وهب بن منبه اليماني أنه كان
(1/320)
________________________________________
يقول قال الله عز و جل لإرميا حين بعثه نبيا إلى بني إسرائيل يا إرميا من قبل أن أخلقك اخترتك ومن قبل أن أصورك في بطن أمك قدستك ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهرتك ومن قبل أن تبلغ السعي نبيتك ومن قبل أن تبلغ الأشد اختبرتك ولأمر عظيم اجتبيتك فبعث الله عز و جل إرميا إلى ذلك الملك من بني إسرائيل يسدده ويرشده ويأتيه بالخبر من قبل الله فيما بينه وبين الله عز و جل
قال ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل وركبوا المعاصي واستحلوا المحارم ونسوا ما كان الله صنع بهم وما نجاهم من عدوهم سنحاريب وجنوده فأوحى الله عز و جل إلى إرميا أن ائت قومك من بني إسرائيل فاقصص عليهم ما آمرك به وذكرهم نعمي عليهم وعرفهم إحداثهم فقال إرميا إني ضعيف إن لم تقوني عاجز إن لم تبلغني مخطئ إن لم تسددني مخذول إن لم تنصرني ذليل إن لم تعزني قال الله عز و جل ألم تعلم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتي وأن القلوب كلها والألسن بيدي أقلبها كيف شئت فتطيعني وأني أنا الله الذي لا شيء مثلي قامت السموات والأرض وما فيهن بكلمتي وأنا كلمت البحار ففهمت قولي وأمرتها فعقلت أمري وحددت عليها بالبطحاء فلا تعدى حدي تأتي بأمواج كالجبال حتى إذا بلغت حدي ألبستها مذلة طاعتي خوفا واعترافا لأمري إني معك ولن يصل إليك شيء معي وإني بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي لتبلغهم رسالاتي ونستحق بذلك مثل أجر من اتبعك منهم لا ينقص ذلك من أجوره مشيئا وإن تقصر به عنها تستحق بذلك مثل وزر من تركت في عماه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا انطلق إلى قومك فقل إن الله ذكر بكم صلاح آبائكم فحمله ذلك على أن يستتيبكم يا معشر الأبناء وسلهم كيف وجد آباءهم مغبة طاعتي وكيف وجدوا هم مغبة معصيتي وهل علموا أن أحدا قبلهم أطاعني فشقي بطاعتي أو عصاني فسعد بمعصيتي وأن الدواب مما تذكر أوطانها الصالحة تنتابها وأن هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهلكة أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خولا يتعبدونهم دوني ويحكمون فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم أمري وأنسوهم ذكري وغروهم مني وأما أمراؤهم وقادتهم فبطروا نعمتي وأمنوا مكري ونبذوا كتابي ونسوا عهدي وغيروا سنتي وادان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلا لي فهم يطيعونهم في معصيتي ويتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني جرأة علي وغرة وفرية علي وعلى رسلي فسبحان جلالي وعلو مكاني وعظمة شأني وهل ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي وهل ينبغي أن أخلق عبادا أجعلهم أربابا من دوني وأما قراؤهم وفقهاؤهم فيتعبدون في المساجد ويتزينون بعمارتها لغيري لطلب الدنيا بالدين ويتفقهون فيها لغير العلم ويتعلمون فيها لغير العمل وأما أولاد الأنبياء فمكثورون مقهورون مغترون يخوضون مع الخائضين فيتمنون علي مثل نصرة آبائهم والكرامة التي أكرمتهم بها ويزعمون أن لا أحد أولى بذلك منهم مني بغير صدق ولا تفكر ولا تدبر ولا يذكرون كيف نصر آبائهم لي وكيف كان جدهم في أمري حين غير المغيرون وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم فصبروا وصدقوا حتى عز أمري وظهر ديني فتأنيت بهؤلاء القوم لعلهم يستجيبون فأطولت لهم وصفحت عنهم لعلهم يرجعون وأكثرت ومددت لهم في العمر يتفكرون فأعذرت وفي كل ذلك أمطر عليهم السماء وأنبت لهم الأرض وألبسهم العافية وأظهرهم على العدو فلا يزدادون إلا طغيانا وبعدا مني فحتى متى هذا أبي يتمرسون أم إياي يخادعون فإني أحلف بعزتي لأقيضن لهم فتنة يتحير فيها الحليم ويضل فيها رأي ذي الرأي وحكمة الحكيم ثم لأسلطن عليهم جبارا قاسيا عاتيا ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرأفة
(1/321)
________________________________________
والرحمة والليان يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم له عساكر مثل قطع السحاب ومراكب أمثال العجاج كأن خفيق راياته طيران النسور وكأن حملة فرسانه كرير العقبان
ثم أوحى الله عز و جل إلى إرميا أني مهلك بني إسرائيل بيافث ويافث أهل بابل فهم من ولد يافث بن نوح عليه السلام فلما سمع إرميا وحي ربه صاح وبكى وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه فقال ملعون يوم ولدت فيه ويوم لقنت فيه التوراة ومن شر ايامي يوم ولدت فيه فما أبقيت آخر الأنبياء إلا لما هو شر علي لو أراد بي خيرا ما جعلني آخر الأنبياء من بني إسرائيل فمن أجلي تصيبهم الشقوة والهلاك
فلما سمع الله عز و جل تضرع الخضر وبكاءه وكيف يقول ناداه يا إرميا أشق عليك ما أوحيت لك قال نعم يا رب أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسر به فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لا أهلك بيت المقدس وبني إسرائيل حتى يكون الأمر من قبلك في ذلك ففرح عند ذلك إرميا لما قال له ربه وطابت نفسه وقال لا والذي بعث موسى وأنبياءه بالحق لا آمر ربي بهلاك بني إسرائيل أبدا
ثم أتى ملك بني إسرائيل فأخبره بما أوحى الله إليه فاستبشر وفرح وقال إن يعذبنا ربنا فبذنوب كثيرة قدمناها لأنفسنا وإن عفا عنا فبقدرته
ثم إنهم لبثوا بعد هذا الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية وتماديا في الشر وذلك حين اقترب هلاكهم فقل الوحي حين لم يكونوا يتذكرون الآخرة وأمسك عنهم حين ألهتهم الدنيا وشأنها فقال لهم ملكهم يا بني إسرائيل انتهوا عما أنتم عليه قبل أن يمسكم بأس الله وقبل أن يبعث الله عليكم قوما لا رحمة لهم بكم فإن ربكم قريب التوبة مبسوط اليدين بالخير رحيم بمن تاب إليه فأبوا عليه أن ينزعوا عن شيء مما هم عليه وإن الله ألقى في قلب بختنصر بن نبوزراذان بن سنحاريب بن دارياس بن نمروذ بن فالغ بن عابر ونمروذ صاحب إبراهيم عليه السلام الذي حاجه في ربه أن يسير إلى بيت المقدس ثم يفعل فيه ما كان جده سنحاريب أراد أن يفعل فخرج في ستمائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس فلما فصل سائرا أتى ملك بني إسرائيل الخبر أن بختنصر قد أقبل هو وجنوده يريدكم فأرسل الملك إلى إرميا فجاءه فقال يا إرميا أين ما زعمت لنا أن ربك أوحى إليك ألا يهلك أهل بيت المقدس حتى يكون منك الأمر في ذلك فقال إرميا للملك إن ربي لا يخلف الميعاد وأنا به واثق
فلما اقترب الأجل ودنا انقطاع ملكهم وعزم الله تعالى على هلاكهم بعث الله عز و جل ملكا من عنده فقال له اذهب إلى إرميا واستفته وأمره بالذي يستفتيه فيه فأقبل الملك إلى إرميا وقد تمثل له رجلا من بني إسرائيل فقال له إرميا من أنت قال أنا رجل من بني إسرائيل أستفتيك في بعض أمري فأذن له فقال له الملك يا نبي الله أتيتك أستفتيك في أهل رحمي وصلت أرحامهم بما أمرني الله به لم آت إليهم إلا حسنا ولم آلهم كرامة فلا تزيدهم كرامتي إياهم إلا إسخاطا لي فأفتني فيهم يا نبي الله فقال له أحسن فيما بينك وبين الله وصل ما أمرك الله أن تصل وأبشر بخير قال فانصرف عنه الملك فمكث أياما ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل الذي كان جاءه فقعد بين يديه فقال له إرميا من أنت قال أنا الرجل الذي أتيتك أستفتيك في شأن أهلي فقال له نبي الله أو ما طهرت لك أخلاقهم بعد ولم تر منهم الذي تحب قال يا نبي الله والذي بعثك بالحق ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى أهل رحمه
(1/322)
________________________________________
إلا وقد أتيتها إليهم وأفضل من ذلك فقال النبي ارجع إلى أهلك فأحسن إليهم واسأل الله الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلح ذات بينكم وأن يجمعكم على مرضاته ويجنبكم سخطه فقام الملك من عنده فلبث أياما وقد نزل بختنصر وجنوده حول بيت المقدس بأكثر من الجراد ففزع منهم بنو إسرائيل فزعا شديدا وشق ذلك على ملك بني إسرائيل فدعا إرميا فقال يا نبي الله أين ما وعدك الله فقال إني بربي واثق ثم إن الملك أقبل إلى إرميا وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه الذي وعده فقعد بين يديه فقال له إرميا من أنت قال أنا الذي كنت أتيتك في شأن أهلي مرتين فقال له النبي أو لم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه فقال الملك يا نبي الله كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه وأعلم أن مآلهم في ذلك سخطي فلما أتيتهم اليوم رأيتهم في عمل لا يرضاه الله ولا يحبه قال له النبي على أي عمل رأيتهم قال يا نبي الله رأيتهم على عمل عظيم من سخط الله فلو كانوا على مثل ما كانوا عليه قبل اليوم لم يشتد غضبي عليهم وصبرت لهم ورجوتهم ولكني غضبت اليوم لله ولك فأتيتك لأخبرك خبرهم وإني أسألك بالله الذي هو بعثك بالحق إلا ما دعوت عليهم أن يهلكهم الله قال إرميا يا ملك السموات والأرض إن كانوا على حق وصواب فأبقهم وإن كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه فأهلكهم
فلما خرجت الكلمة من في إرميا أرسل الله عز و جل صاعقة من السماء في بيت المقدس فالتهب مكان القربان وخسف بسبعة أبواب من أبوابها فلما رأى ذلك إرميا صاح وشق ثيابه ونبذ التراب على رأسه وقال يا ملك السماء ويا أرحم الراحمين أين ميعادك الذي وعدتني فنودي يا إرميا إنه لم يصبهم الذي أصابهم إلا بفتياك التي أفتيت بها رسولنا فاستيقن النبي أنها فتياه التي أفتى بها ثلاث مرات وأنه رسول ربه
وطار إرميا حتى خالط الوحوش ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس فوطئ الشأم وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت المقدس ثم أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا ثم يقذفه في بيت المقدس فقذفوا فيه التراب حتى ملأوه ثم انصرف راجعا إلى أرض بابل واحتمل معه سبايا بني إسرائيل وأمرهم أن يجمعوا من كان في بيت المقدس كلهم فاجتمع عنده كل صغير وكبير من بني إسرائيل فاختار منهم مائة ألف صبي فما خرجت غنائم جنده وأراد أن يقسمها فيهم قالت له الملوك الذين كانوا معه أيها الملك لك غنائمنا كلها واقسم بيننا هؤلاء الصبيان الذين اخترتهم من بني إسرائيل ففعل فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمة وكان من أولئك الغلمان دانيال وحنانيا وعزاريا وميشايل وسبعة آلاف من أهل بيت داود وأحد عشر ألفا من سبط يوسف بن يعقوب وأخيه بنيامين وثمانية آلاف من سبط أشر بن يعقوب وأربعة عشر ألفا من سبط زبالون بن يعقوب ونفثالي بن يعقوب وأربعة ألاف من سبط روبيل ولاوى ابني يعقوب وأربعة آلاف من سبط يهوذا بن يعقوب ومن بقي من بني إسرائيل وجعلهم بختنصر ثلاث فرق فثلثا أقر بالشام وثلثا سبى وثلثا قتل وذهب بآنية بيت المقدس حتى أقدمها بابل وذهب بالصبيان السبعين الألف حتى أقدمهم بابل وكانت هذه الوقعة الأولى التي أنزلها الله ببني إسرائيل بإحداثهم وظلمهم
(1/323)
________________________________________
فلما ولى بختنصر عنهم راجعا إلى بابل بمن معه من سبايا بني إسرائيل أقبل إرميا على حمار له معه عصير من عنب في ركوة وسلة تين حتى غشي إيلياء فلما وقف عليها ورأى ما بها من الخراب دخله شك فقال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام وحماره وعصيره وسلة تينه عنده حيث أماته الله وأمات حماره معه وأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد ثم بعثه الله فقال له كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه يقول لم يتغير وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما ( 1 ) فنظر إلى حماره يتصل بعض إلى بعض وقد كان مات معه بالعروق والعصب ثم كيف كسى ذلك منه اللحم حتى استوى ثم جرى فيه الروح فقام ينهق ثم نظر إلى عصيره وتينه فإذا هو على هيئته حين وضعه لم يتغير فلما عاين من قدرة الله ما عاين قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ( 1 ) ثم عمر الله إرميا بعد ذلك فهو الذي يرى بفلوات الأرض والبلدان
ثم إن بختنصر أقام في سلطانه ما شاء الله أن يقيم ثم رأى رؤيا فبينما هو قد أعجبه ما رأى إذ رأى شيئا أصابه فأنساه الذي كان رأى فدعا دانيال وحنانيا وعزاريا وميشايل من ذراري الأنبياء فقال أخبروني عن رؤيا رأيتها ثم أصابني شيء فأنسانيها وقد كانت أعجبتني ما هي قالوا له أخبرنا بها نخبرك بتأويلها قال ما أذكرها وإن لم تخبروني بتأويلها لأنزعن أكتافكم فخرجوا من عنده فدعوا الله واستغاثوا وتضرعوا إليه وسألوه أن يعلمهم إياها فأعلمهم الذي سألهم عنه فجاؤوه فقالوا له رأيت تمثالا قال صدقتم قالوا قدماه وساقاه من فخار وركبتاه وفخذاه من نحاس وبطنه من فضة وصدره من ذهب ورأسه وعنقه من حديد قال صدقتم قالوا فبينما أنت تنظر إليه قد أعجبك فأرسل الله عليه صخرة من السماء فدقته فهي التي أنستكها قال صدقتم فما تأويلها قالوا تأويلها أنك أريت ملك الملوك فكان بعضهم ألين ملكا من بعض وبعضهم كأن أحسن ملكا من بعض وبعضهم كان أشد ملكا من بعض فكان أول الملك الفخار وهو أضعفه وألينه ثم كان فوقه النحاس وهو أفضل منه وأشد ثم كان فوق النحاس الفضة وهي أفضل من ذلك وأحسن ثم كان فوق الفضة الذهب فهو أحسن من الفضة وأفضل ثم كان الحديد ملكك فهو كان أشد الملوك وأعز مما كان قبله وكانت الصخرة التي رأيت أرسل الله عليه من السماء فدقته نبيا يبعثه الله من السماء فيدق ذلك أجمع ويصير الأمر إليه
ثم إن أهل بابل قالوا لبختنصر أرأيت هؤلاء الغلمان من بني إسرائيل الذين كنا سألناك أن تعطيناهم ففعلت فإنا والله لقد أنكرنا نساءنا منذ كانوا معنا لقد رأينا نساءنا علقن بهم وصرفن وجوههن إليهم فأخرجهم من بين أظهرنا أو اقتلهم قال شأنكم بهم فمن أحب منكم أن يقتل من كان في يده فليفعل فأخرجوهم فلما قربوهم للقتل تضرعوا إلى الله فقالوا يا ربنا أصابنا البلاء بذنوب غيرنا فتحنن الله عليهم برحمته فوعدهم أن يحييهم بعد قتلهم فقتلوا إلا من استبقى بختنصر منهم وكان ممن استبقى منهم دانيال وحنانيا وعزاريا وميشايل
ثم إن الله تبارك وتعالى حين أراد هلاك بختنصر انبعث فقال لمن كان في يديه من بني إسرائيل
(1/324)
________________________________________
أرأيتم هذا البيت الذي أخربت وهؤلاء الناس الذين قتلت من هم وما هذا البيت قالوا هذا بيت الله ومسجد من مساجده وهؤلاء أهله كانوا من ذراري الأنبياء فظلموا وتعدوا وعصوا فسلطت عليهم بذنوبهم وكان ربهم رب السموات والأرض ورب الخلق كلهم يكرمهم ويمنعهم ويعزهم فلما فعلوا ما فعلوا أهلكهم الله وسلط عليهم غيرهم قال فأخبروني ما الذي يطلع بي إلى السماء العليا لعلي أطلع إليها فاقتل من فيها وأتخذها ملكا فإني قد فرغت من الأرض ومن فيها قالوا له ما تقدر على ذلك وما يقدر على ذلك أحد من الخلائق قال لتفعلن أو لأقتلنكم عن آخركم فبكوا إلى الله وتضرعوا إليه فبعث الله بقدرته ليريه ضعفه وهوانه عليه بعوضة فدخلت في منخره ثم ساخت في دماغه حتى عضت بأم دماغه فما كان يقر ولا يسكن حتى يوجأ له رأسه على أم دماغه فلما عرف الموت قال لخاصته من أهله إذا مت فشقوا رأسي فانظروا ما هذا الذي قتلني فلما مات شقوا رأسه فوجدوا البعوضة عاضة بأم دماغه ليري الله العباد قدرته وسلطانه ونجى الله من كان بقي في يديه من بني إسرائيل وترحم عليهم وردهم إلى الشأم وإلى إيلياء المسجد المقدس فبنوا فيه وربلوا وكثروا حتى كانوا على أحسن ما كانوا عليه
فيزعمون والله أعلم أن الله أحيا أولئك الموتى الذين قتلوا فلحقوا بهم
ثم إنهم لما دخلوا الشأم دخلوها وليس معهم عهد من الله كانت التوراة قد استبيت منهم فحرقت وهلكت وكان عزير من السبايا الذين كانوا ببابل فرجع إلى الشأم يبكي عليها ليله ونهاره قد خرج من الناس فتوحد منهم وإنما هو ببطون الأودية وبالفلوات يبكي فبينما هو كذلك في حزنه على التوراة وبكائه عليها إذ أقبل إليه رجل وهو جالس فقال يا عزير ما يبكيك قال أبكي على كتاب الله وعهده كان بين أظهرنا فبلغت بنا خطايانا وغضب ربنا علينا أن سلط عليا عدونا فقتل رجالنا وأخرب بلادنا وأحرق كتاب الله الذي بين أظهرنا الذي لا يصلح دنيانا وآخرتنا غيره أو كما قال فعلام أبكي إذا لم أبك على هذا قال أفتحب أن يرد ذلك عليك قال وهل إلى ذلك من سبيل قال نعم ارجع فصم وتطهر وطهر ثيابك ثم موعدك هذا المكان غدا فرجع عزير فصام وتطهر وطهر ثيابه ثم عمد إلى المكان الذي وعده فجلس فيه فأتاه ذلك الرجل بإناء فيه ماء وكان ملكا بعثه الله إليه فسقاه من ذلك الإناء فمثلت التوراة في صدره فرجع إلى بني إسرائيل فوضع لهم التوراة يعرفونها بحلالها وحرامها وسننها وفرائضها وحدودها فأحبوه حبا لم يحبوه شيئا قط وقامت التوراة بين أظهرهم وصلح بها أمرهم وأقام بين أظهرهم عزير مؤديا لحق الله ثم قبضه الله على ذلك ثم حدثت فيهم الأحداث حتى قالوا لعزير هو ابن الله وعاد الله عليهم فبعث فيهم نبيا كما كان يصنع بهم يسدد أمرهم ويعلمهم ويأمرهم بإقامة التوراة وما فيها
وقال جماعة أخر عن وهب بن منبه في أمر بختنصر وبني إسرائيل وغزوه إياهم أقوالا غير ذلك تركنا ذكرها كراهة إطالة الكتاب بذكرها
(1/325)

بنالعياط
02-10-2012, 08:46 PM
ذكر خبر غزو بختنصر للعرب
حدثت عن هشام بن محمد قال كان بدء نزول العرب ارض العراق وثبوتهم فيها واتخاذهم الحيرة والأنبار منزلا فيما ذكر لنا والله أعلم أن الله عز و جل أوحى إلى برخيا بن أحنيا بن زربابل بن شلتيل منولد يهوذا قال هشام قال الشرقي وشلتيل أول من اتخذ الطفشيل أن ائت بختنصر وأمره أن يغزو العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم ولا أبواب ويطأ بلادهم بالجنود فيقتل مقاتلتهم ويستبيح أموالهم وأعلمه كفرهم بي واتخاذهم الآلهة دوني وتكذيبهم أنبيائي ورسلي
قال فأقبل برخيا بن نجران حتى قدم على بختنصر ببابل وهو نبوخذ نصر فعربته العرب وأخبره بما أوحى الله إليه وقص عليه ما أمره به وذلك في زمان معد بن عدنان قال فوثب بختنصر على من كان في بلاده من تجار العرب وكانوا يقدمون عليهم بالتجارات والبياعات ويمتارون من عندهم الحب والتمر والثياب وغيرها
فجمع من ظفر به منهم فبنى لهم حيرا على النجف وحصنه ثم ضمهم فيه ووكل بهم حرسا وحفظة ثم نادى في الناس بالغزو فتأهبوا لذلك وانتشر الخبر فيمن يليهم من العرب فخرجت إليه طوائف منهم مسالمين مستأمنين فاستشار بختنصر فيهم برخيا فقال إن خروجهم إليك من بلادهم قبل نهوضك إليهم رجوع منهم عما كانوا عليه فاقبل منهم فأحسن إليهم
قال فأنزلهم بختنصر السواد على شاطئ الفرات فابتنوا موضع عسكرهم بعد فسموه الأنبار قال وخلى عن أهل الحير فاتخذوها منزلا حياة بختنصر فلما مات انضموا إلى أهل الأنبار وبقي ذلك الحير خرابا
وأما غير هشام من أهل العلم بأخبار الماضين فإنه ذكر أن معد بن عدنان لما ولد ابتدأ بنو إسرائيل بأنبيائهم فقتلوهم فكان آخر من قتلوا يحيى بن زكرياء وعد أهل الرس على نبيهم فقتلوه وعدا أهل حضور على نبيهم فقتلوه فلما اجترؤوا على أنبياء الله أذن الله في فناء ذلك القرن الذين معد بن عدنان من أنبيائهم فبعث الله بختنصر على بني إسرائيل فلما فرغ من إخراب المسجد الأقصى والمدائن وانتسف بني إسرائيل نسفا فأوردهم أرض بابل أري فيما يرى النائم أو أمر بعض الأنبياء أن يأمره أن يدخل بلاد العرب فلا يستحيي فيها إنسيا ولا بهيمة وأن ينتسف ذلك نسفا حتى لا يبقي لهم أثرا فنظم بختنصر ما بين إيلة والأبلة خيلا ورجلا ثم دخلوا على العرب فاستعرضوا كل ذي روح أتوا عليه وقدروا عليه وأن الله
(1/326)
________________________________________
تعالى أوحى إلى إرميا وبرخيا أن الله قد أنذر قومكما فلم ينتهوا فعادوا بعد الملك عبيدا وبعد نعيم العيش عالة يسألون الناس وقد تقدمت إلى أهل عربة بمثل ذلك فأبوا إلا لحاجة وقد سلطت بختنصر عليهم لأنتقم منهم فعليكما بمعد بن عدنان الذي من ولده محمد الذي أخرجه في آخر الزمان أختم به النبوة وأرفع به من الضعة
فخرجا تطوى لهما الأرض حتى سبقا بختنصر فلقيا عدنان قد تلقاهما فطوياه إلى معد ولمعد يومئذ اثنتا عشرة سنة فحمله برخيا على البراق وردف خلفه فانتهيا إلى حران من ساعتهما وطويت الأرض لإرميا فأصبح بحران فالتقى عدنان وبختنصر بذات عرق فهزم بختنصر عدنان وسار في بلاد العرب حتى قدم إلى حضور واتبع عدنان فانتهى بختنصر إليها وقد اجتمع اكثر العرب من أقطار من عربة إلى حضور فخندق الفريقان وضرب بختنصر كمينا وذلك أول كمين كان فيما زعم ثم نادى مناد من جو السماء يا لثارات الأنبياء فأخذتهم السيوف من خلفهم ومن بين أيديهم فندموا على ذنوبهم فنادوا بالويل ونهي عدنان عن بختنصر ونهي بختنصر عن عدنان وافترق من لم يشهد حضور ومن أفلت قبل الهزيمة فرقتين فرقة أخذت إلى ريسوب وعليهم عك وفرقة قصدت لوبار وفرقة حضر العرب قال وإياهم عنى الله بقوله وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة كافرة الأهل فإن العذاب لما نزل بالقرى وأحاط بهم في آخر وقعة ذهبوا ليهربوا فلم يطيقوا الهرب فلما أحسوا بأسنا انتقامنا منهم إذا هم منها يركضون يهربون قد أخذتهم السيوف من بين أيديهم ومن خلفهم لا تركضوا لا تهربوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه إلى العيشة على النعم المكفورة ومساكنكم مصيركم لعلكم تسألون فلما عرفوا أنه واقع بهم أقروا بالذنوب فقالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين ( 1 ) موتى وقتلى بالسيف
فرجع بختنصر إلى بابل بما جمع من سبايا عربة فألقاهم بالأنبار فقيل أنبار العرب وبذلك سميت الأنبار وخالطهم بعد ذلك النبط
فلما رجع بختنصر مات عدنان وبقيت بلاد العرب خرابا حياة بختنصر فلما مات بختنصر خرج معد بن عدنان معه الأنبياء أنبياء بني إسرائيل صلوات الله عليهم حتى أتى مكة فأقام أعلامها فحج وحج الأنبياء معه ثم خرج معد حتى أتى ريسوب فاستخرج أهلها وسأل عمن بقي من ولد الحارث بن مضاض الجرهمي وهو الذي قاتل دوس العتق فأفنى أكثرهم جرهم على يديه فقيل له بقي جوشم بن جلهمة فتزوج معد ابنته معانة فولدت له نزار بن معد
(1/327)
________________________________________
رجع الخبر إلى قصة بشتاسب وذكر ملكه والحوادث التي كانت في أيام ملكه التي جرت على يديه ويد غيره من عماله في البلاد خلا ما جرى من ذلك على يد بختنصر
ذكر العلماء بأخبار الأمم السالفة من العجم والعرب أن بشتاسب بن كي لهراسب لما عقد له التاج قال يوم ملك نحن صارفون فكرنا وعملنا وعلمنا إلى كل ما ينال به البر وقيل إنه ابتنى بفارس مدينة فسا وببلاد الهند وغيرها بيوتا للنيران ووكل بها الهرابذة وإنه رتب سبعة نفر من عظماء أهل مملكته مراتب وملك كل واحد منهم ناحية جعلها له وإن زرادشت بن أسفيمان ظهر بعد ثلاثين سنة من ملكه فادعى النبوة وأراده على قبول دينه فامتنع من ذلك ثم صدقه وقبل ما دعاه إليه وأتاه به من كتاب ادعاه وحيا فكتب في جلد اثني عشرة ألف بقرة حفرا في الجلود ونقشا بالذهب وصير بشتاسب ذلك في موضع من إصطخر يقال له دزنبشت ووكل به الهرابذة ومنع تعليمه العامة وكان بشتاسب في أيامه تلك مهادنا لخرزاسف بن كي سواسف أخي فراسياب ملك الترك على ضرب من الصلح وكان من شرط ذلك الصلح أن يكون لبشتاسب بباب خرزاسف دابة موقوفة بمنزلة الدواب التي تنوب على أبواب الملوك فأشار زرادشت على يشتاسب بمفاسدة ملك الترك فقبل ذلك منه وبعث إلى الدابة والموكل بها فصرفهما إليه وأظهر الخبر لخرزاسف فغضب من ذلك وكان ساحرا عاتيا فأجمع على محاربة بشتاسب وكتب إليه كتابا غليظا عنيفا أعلمه فيه أنه أحدث حدثا عظيما وأنكر قبوله ما قبل من زرادشت وأمره بتوجيهه إليه وأقسم إن امتنع أن يغزوه حتى يسفك دمه ودماء أهل بيته
فلما ورد الرسول بالكتاب على بشتاسب جمع إليه أهل بيته وعظماء أهل مملكته وفيهم جاماسف عالمهم وحاسبهم وزرين بن لهراسب فكتب بشتاسب إلى ملك الترك كتابا غليظا جواب كتابه آذنه فيه بالحرب وأعلمه أنه غير ممسك عنه إن أمسك فسار بعضهما إلى بعض مع كل واحد منهما من المقاتلة ما لا يحصى كثرة ومع بشتاسب يومئذ زرين أخوه ونسطور بن زرين وإسفنديار وبشوتن ابنا بشتاسب وآل لهراسب جميعا ومع خرزاسف وجوهرمز وأندرمان أخواه وأهل بيته وبيدرفش الساحر فقتل في تلك الحروب زرين واشتد ذلك على بشتاسب فأحسن الغناء عنه ابنه إسفنديار وقتل بيدرفش مبارزة فصارت الدبرة على الترك فقتلوا قتلا ذريعا ومضى خرزاسف هاربا ورجع بشتاسب إلى بلخ فلما مضت لتلك الحروب سنون سعى على إسفنديار رجل يقال له قرزم فأفسد قلب بشتاسب عليه فندبه لحرب بعد حرب ثم أمر بتقييده وصيره في الحصن الذي فيه حبس النساء وشخص بشتاسب إلى ناحية كرمان وسجستان وصار منها إلى جبل يقال له طميذر لدراسة دينه والنسك هناك وخلف لهراسب أباه مدينة بلخ شيخا قد أبطله الكبر وترك خزائنه وأمواله ونساءه
(1/328)
________________________________________
مع خطوس امرأته فحملت الجواسيس الخبر إلى خرزاسف فلم اعرف جمع جنودا لا يحصون كثرة وشخص من بلاده نحو بلخ وقد أمل أن يجد فرصة من بشتاسب ومملكته فلما انتهى إلى تخوم ملك فارس قدم أمامه جوهرمز أخاه وكان مرشحا للملك بعده في جماعة من المقاتلة كثيرة وأمره أن يغذ السير حتى يتوسط المملكة ويوقع بأهلها ويغير على القرى والمدن ففعل ذلك جوهرمز وسفك الدماء واستباح من الحرم مالا يحصى واتبعه خرزاسف فأحرق الدواوين وقتل لهراسف والهرابذة وهدم بيوت النيران واستولى على الأموال والكنوز وسبى ابنتين لبشتاسب يقال لإحداهما خماني وللأخرى باذافره وأخذ فيما أخذ العلم الأكبر الذي كانوا يسمونه درفش كابيان وشخص متبعا لبشتاسب وهرب منه بشتاسب حتى تحصن في تلك الناحية مما يلي فارس في الجبل الذي يعرف بطميذر ونزل ببشتاسب ما ضاق به ذرعا فيقال إنه لما اشتد به الأمر وجه إلى إسفنديار جاماسب حتى استخرجه من محبسه ثم صار به إليه فلما أدخل عليه اعتذر إليه ووعده عقد التاج على رأسه وأن يفعل به مثل الذي فعل لهراسب به وقلده القيام بأمر عسكره ومحارب خرزاسف
فلما سمع إسفنديار كلامه كفر له خاشعا ثم نهض من عنده فتولى عرض الجند وتمييزهم وتقدم فيما احتاج إلى التقدم فيه وبات ليلته مشغولا بتعبئته فلما أصبح أمر بنفخ القرون وجمع الجنود ثم سار بهم نحو عسكر الترك فلما رأت الترك عسكره خرجوا في وجوههم يتسابقون وفي القوم جوهرمز وأندرمان فالتحمت الحرب بينهم وانقض إسفنديار وفي يده الرمح كالبرق الخاطف حتى خالط القوم وأكب عليهم بالطعن فلم يكن إلا هنيهة حتى ثلم في العسكر ثلمة عظيمة وفشا في الترك أن إسفنديار قدأطلق من الحبس فانهزموا لا يلوون على شيء وانصرف إسفنديار وقد ارتجع العلم الأعظم وحمله معه منشورا فلما دخل على بشتاسب استبشر بظفره وأمره باتباع القوم وكان مما أوصاه به أن يقتل خرزاسف إن قدر عليه بلهراسف ويقتل جهرمز وأندرمان بمن قتل من ولده ويهدم حصون الترك ويحرق مدنها ويقتل أهلها بمن قتلوا من حملة الدين ويستنقذ السبايا ووجه معه ما احتاج إليه من القواد والعظماء
فذكروا أن إسفنديار دخل بلاد الترك من طريق لم يرمه أحد قبله وأنه قام من حراسة جنده وقتل ما قتل من السباع ورمي العنقاء المذكورة بما لم يقم به أحد قبله ودخل مدينة الترك التي يسمونها دزروئين وتفسيرها بالعربية الصفرية عنوة حتى قتل الملك وإخوته ومقاتلته واستباح أمواله وسبى نساءه واستنقذ أختيه وكتب بالفتح إلى أبيه وكان أعظم الغناء في تلك المحاربة بعد إسفنديار لفشوتن أخيه وأدرنوش ومهرين بن ابنته ويقال إنهم لم يصلوا إلى المدينة حتى قطعوا أنهارا عظيمة مثل كاسروذ ومهرروذ ونهرا آخر لهم عظيما وإن إسفنديار دخل ايضا مدينة كانت لفراسياب يقال لها وهشكند ودوخ البلاد وصار إلى آخر حدودها وإلى التبت وباب صول ثم قطع البلاد وصير كل ناحية منها إلى رجل من وجوه الترك بعد أن آمنهم ووظف على كل واحد منهم خراجا يحمله إلى بشتاسب في كل سنة ثم انصرف إلى بلخ
ثم إن بشتاسب حسد ابنه إسفنديار لما ظهر منه فوجهه إلى رستم بسجستان فحدثت عن هشام بن محمد الكلبي أنه قال قد كان بشتاسب جعل الملك من بعده لابنه إسفنديار وأغزاه الترك فظفر بهم وانصرف إلى أبيه فقال له هذا رستم متوسطا بلادنا وليس يعطينا الطاعة لادعائه ما جعل له قابوس من العتق من رق الملك فسر إليه فأتني به فسار إسفنديار إلى رستم فقاتله فقتله رستم ومات بشتاسب وكان
(1/329)
________________________________________
ملكه مائة سنة واثنتي عشرة سنة
وذكر بعضهم أن رجلا من بني إسرائيل يقال له سمي كان نبيا وأنه بعث إلى بشتاسب فصار إليه إلى بلخ ودخل مدينتها فاجتمع هو وزرادشت صاحب المجوس وجاماسب العالم بن فخد وكان سمي يتكلم بالعبرانية ويعرف زرادشت ذلك بتلقين ويكتب بالفارسية ما يقول سمي بالعبرانية ويدخل جاماسب معهما في ذلك وبهذا السبب سمي جاماسب العالم
وزعم بعض العجم أن جاماسب هو ابن فخد بن هو بن حكاو بن نذكاو بن فرس بن رج بن خوراسرو بن منوشهر الملك وأن زرادشت بن يوسيف بن فردواسف بن ارتحد بن منجدسف بن جخشنش بن فيافيل بن الحدي بن هردان بن سفمان بن ويدس بن أدرا بن رج بن خوراسرو بن منوشهر
وقيل إن بشتاسب وأباه لهراسب كانا على دين الصابئين حتى أتاه سمي وزرادشت بما أتياه به وأنهما أتياه بذلك لثلاثين سنة مضت من ملكه
وقال هذا القائل كان ملك بشتاسب مائة وخمسين سنة فكان ممن رتب بشتاسب من النفر السبعة المراتب الشريفة وسماهم عظماء بهكا بهند ومسكنه دهستان من أرض جرجان وقارن الفلهوي ومسكنه ماه نهاوند وسورين الفلهوي ومسكنه سجستان وإسفنديار الفلهوي ومسكنه الري
وقال آخرون كان ملك بشتاسب مائة وعشرين سنة
(1/330)

بنالعياط
03-10-2012, 12:51 PM
ذكر الخبر عن ملوك اليمن في أيام قابوس وبعده إلى عهد بهمن بن إسفنديار
قال أبو جعفر قد مضى ذكرنا الخبر عمن زعم أن قابوس كان في عهد سليمان بن داود عليهما السلام ومضى ذكرنا من كان في عهد سليمان من ملوك اليمن والخبر عن بلقيس بنت إيليشرح
فحدثت عن هشام بن محمد الكلبي أن الملك باليمن صار بعد بلقيس إلى ياسر بن عمرو بن يعفر الذي كان يقال له ياسر أنعم قال وإنما سموه ياسر أنعم لإنعامه عليهم بما قوى من ملكهم وجمع من أمرهم
قال فزعم أهل اليمن أنه سار غازيا نحو المغرب حتى بلغ واديا يقال له وادي الرمل ولم يبلغه أحد قبله فلما انتهى إليه لم يجد وراءه مجازا لكثرة الرمل فبينما هو مقيم عليه إذ انكشف الرمل فأمر رجلا من أهل بيته يقال له عمرو أن يعبر هو وأصحابه فعبروا فلم يراجعوا فلما رأى ذلك أمر بصنم نحاس فصنع ثم نصب على صخرة على شفير الوادي وكتب في صدره بالمسند هذا الصنم لياسر أنعم الحميري وليس وراءه مذهب فلا يتكلفن ذلك أحد فيعطب
قال ثم ملك من بعده تبع وهو تبان أسعد وهو أبو كرب بن ملكي كرب تبع بن زيد بن عمرو بن تبع وهو ذو الأذعار بن أبرهة تبع ذي المنار بن الرائش بن قيس ين صيفي بن سبأ قال وكان يقال له الرائد
قال فكان تبع هذا في أيام بشتاسب وأردشير بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب وأنه شخص متوجها من اليمن في الطريق الذي سلكه الرائش حتى خرج على جبلي طيئ ثم سار يريد الأنبار فلما انتهى إلى الحيرة وذلك ليلا تحير فأقام مكانه وسمي ذلك الموضع الحيرة ثم سار وخلف به قوما من الأزد ولخم وجذام وعاملة وقضاعة فبنوا وأقاموا به ثم انتقل إليهم بعد ذلك ناس من طيىء وكلب والسكون وبلحارث بن كعب وإياد ثم توجه إلى الأنبار ثم إلى الموصل ثم إلى أذربيجان فلقي الترك بها فهزمهم فقتل المقاتلة وسبى الذرية ثم انكفأ راجعا إلى اليمن فأقام بها دهرا وهابته الملوك وعظمته وأهدت إليه فقدم عليه رسول ملك الهند بالهدايا والتحف من الحرير والمسك والعود وسائر طرف بلاد الهند فرأى ما لم ير مثله فقال ويحك أكل ما أرى في بلادكم فقال أبيت اللعن أقل ما ترى في بلادنا وأكثره في بلاد الصين ووصف له بلاد الصين وسعتها وخصبها وكثرة طرفها فآلى بيمين ليغزونها فسار بحمير مساحلا حتى أتى الركائك وأصحاب القلانس السود ووجه رجلا من أصحابه يقال له ثابت نحو ا لصين في جمع عظيم فأصيب فسار تبع حتى دخل الصين فقتل مقاتلها واكتسح ما وجد فيها قال ويزعمون أن مسيره كان إليها ومقامه بها ورجعته منها
(1/331)
________________________________________
في سبع سنين وأنه خلف بالتبت اثني عشر ألف فارس من حمير فهم أهل التبت وهم اليوم يزعمون أنهم عرب وخلقهم وألوانهم خلق العرب وألوانها
حدثني عبدالله بن أحمد المروزي قال حدثني أبي قال حدثني سليمان قال قرأت على عبدالله عن إسحاق بن يحيى عن موسى بن طلحة أن تبعا خرج في العرب يسير حتى تحيروا بظاهر الكوفة وكان منزلا من منازله فبقي فيها من ضعفة الناس فسميت الحيرة لتحيرهم وخرج تبع سائرا فرجع إليهم وقد بنوا وأقاموا وأقبل تبع إلى اليمن وأقاموا هم ففيهم من قبائل العرب كلها من بني لحيان وهذيل وتميم وجعفي وطيىء وكلب
(1/332)

بنالعياط
03-10-2012, 01:03 PM
ذكر خبر أردشير بهمن وابنته خماني
ثم ملك بعد بشتاسب ابن ابنه أردشير بهمن فذكر أنه قال يوم ملك وعقد التاج على رأسه نحن محافظون على الوفاء ودائنون رعيتنا بالخير فكان يدعى أردشير الطويل الباع وإنما لقب بذلك فيما قيل لتناوله كل ما مد إليه يده من الممالك التي حوله حتى ملك الأقاليم كلها وقيل إنه ابتنى بالسواد مدينة وسماها آباد أردشير هي القرية المعروفة بهمينا من الزاب الأعلى وابتنى بكور دجلة مدينة وسماها بهمن أردشير وهي الأبلة وسار إلى سجستان طالبا بثأر أبيه فقتل رستم واباه دستان وأخاه إزواره وانبه فرمرز واجتبى الناس لأرزاق الجند ونفقات الهرابذة وبيوت النيران وغير ذلك أموالا عظيمة وهو أبو دارا الأكبر وأبو ساسان أبي ملوك الفرس الأخر أردشير بن بابك وولده وأم دارا خماني بنت بهمن
فحدثت عن هشام بن محمد قال ملك بعد بشتاسب أردشير بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب وكان فيما ذكروا متواضعا مرضيا فيهم وكانت كتبه تخرج من أردشير عبدالله وخادم الله السائس لأمركم قال ويقال إنه غزا الرومية الداخلة في ألف ألف مقاتل
وقال غير هشام هلك بهمن ودارا في بطن أمه فملكوا خماني شكرا لأبيها بهمن ولم تزل ملوك الأرض تحمل إلى بهمن الإتاوة والصلح وكان من أعظم ملوك الفرس فيما قالوا شأنا وأفضلهم تدبيرا وله كتب ورسائل تفوق كتب أردشير وعهده وكانت أم بهمن أستوريا وهي استار بنت يائير بن شمعي بن قيس بن ميشا بن طالوت الملك بن قيس بن أبل بن صارور بن بحرث بن أفيح بن إيشى بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام وكانت أم ولده راحب بنت فنحس من ولد رحبعم بن سليمان بن داود عليه السلام وكان بهمن ملك أخاها زربابل بن شلتايل على بني إسرائيل وصير له رياسة الجالوت ورده إلى الشام بمسألة راحب أخته إياه ذلك فتوفي بهمن يوم توفي وله من الولد ابناه دارا الأكبر وساسان وبناته خماني التي ملكت بعده وفرنك وبهمن دخت وتفسير بهمن بالعربية الحسن النية وكان ملكه مائة واثنتي عشرة سنة
فأما ابن الكلبي هشام فإنه قال كان ملكه ثمانين سنة
ثم ملكت خماني بنت بهمن وكانوا ملكوها حبا لأبيها بهمن وشكرا لإحسانه ولكمال عقلها وبهائها وفروسيتها ونجدتها فيما ذكره بعض أهل الأخبار فكانت تلقب بشهرازاد وقال بعضهم إنما ملكت خماني بعد أبيها بهمن أنها حين حملت منه دارا الأكبر سألته أن يعقد التاج له في بطنها ويؤثره بالملك ففعل ذلك بهمن
(1/333)
________________________________________
بدارا وعقد عليه التاج حملا في بطنها وساسان بن بهمن في ذلك الوقت رجل يتصنع للملك لا يشك فيه فلم ارأى ساسان ما فعل أبوه من ذلك لحق بإصطخر فتزهد وخرج من الحلية الأولى وتعبد فلحق برؤوس الجبال يتعبد فيها واتخذ غنيمة فكان يتولى ماشيته بنفسه واستشنعت العامة ذلك من فعله وفظعت به وقالوا صار ساسان راعيا فكان ذلك سبب نسبة الناس إياه إلى الرعي وأم ساسان ابنة شالتيال بن يوحنا بن أوشيا بن أمون بن منشى بن حازقيا بن أحاذ بن يوثام بن عوزيا بن يورام بن يوشافط بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود
وقيل إن بهمن هلك وابنه دارا في بطن خماني وأنها ولدته بعد أشهر من ملكها وأنفت من إظهار ذلك فجعلته في تابوت وصيرت معه جوهرا نفيسا وأجرته في نهر الكر من إصطخر وقال بعضهم بل نهر بلخ وإن التابوت صار إلى رجل طحان من أهل إصطخر كان له ولد صغير فهلك فلما وجده الرجل أتى به امرأته فسرت به لجماله ونفاسة ما وجد معه فحضنوه ثم أظهر أمره حين شب وأقرت خماني بإساءتها إليه وتعريضها إياه للتلف فلما تكامل امتحن فوجد على غاية ما يكون عليه أبناء الملوك فحولت التاج عن رأسها إليه وتقلد أمر المملكة وتنقلت خماني وصارت إلى فارس وبنت مدينة إصطخر وأغزت الروم جيشا بعد جيش وكانت قد أوتيت ظفرا فقمعت الأعداء وشغلتهم عن تطرف شيء من بلادها ونال رعيتها في ملكها رفاهة وخفضا وكانت خماني حين أغزت أرض الروم سبي لها منها بشر كثير وحملوا إلى بلادها فأمرت من فيهم من بنائي الروم فبنوا لها في كل موضع من حيز مدينة إصطخر بنيانا على بناء الروم منيفا معجبا أحد ذلك البنيان في مدينة إصطخر والثاني على المدرجة التي تسلك فيها إلى دارا بجرد على فرسخ من هذه المدينة والثالث على أربعة فراسخ منها في المدرجة التي تسلك فيها إلى خراسان وإنها أجهدت نفسها في طلب مرضاة الله عز و جل فأوتيت الظفر والنصر وخففت عن رعيتها في الخراج
وكان ملكها ثلاثين سنة
ثم نرجع الآن إلى

بنالعياط
03-10-2012, 01:09 PM
ذكر خبر بني إسرائيل ومقابلة تأريخ مدة أيامهم
إلى حين تصرمها بتأريخ مدة من كان في أيامهم من ملوك الفرس
قد ذكرنا فيما مضى قبل سبب انصراف من انصرف إلى بيت المقدس من سبايا بني إسرائيل الذين كان بختنصر سباهم وحملهم معه إلى أرض بابل وأن ذلك كان في أيام كيرش بن أخشويرش وملكه ببابل من قبل بهمن بن إسفنديار في حياته وأربع سنين بعد وفاته في ملك ابنته خماني وأن خماني عاشت بعد هلاك كيرش بن أخشويرش ستا وعشرين سنة في ملكها تمام ثلاثين سنة وكانت مدة خراب بيت المقدس من لدن خربه بختنصر إلى أن عمر فيما ذكره أهل الكتب القديمة والعلماء بالإخبار سبعين سنة كل ذلك في ايام بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب بن لهراسب بعضه وبعضه في أيام خماني على ما قد بين في هذا الكتاب
وقد زعم بعضهم أن كيرش هو بشتاسب وأنكر ذلك من قبله بعضهم وقال كي أرش إنما هو عم لجد بشتاسب وقال هو كي إرش أخو كيقاوس بن كيبيه بن كيقباذ الأكبر وبشتاسب الملك هو ابن كيلهراسب بن كيوجي بن كيمنوش بن كيقاوس بن كيبيه بن كيقباذ الأكبر قال ولم يملك كي أرض قط وإنما كان مملكا على خوزستان وما يتصل بها من أرض بابل من قبل كيقاوس ومن قبل كيخسرو بن سياوخش بن كيقاوس ومن قبل لهراسف من بعده وكان طويل العمر عظيم الشأن ولما عمر بيت المقدس ورجع إليه أهله من بني إسرائيل كان فيهم عزير وقد وصفت ما كان من أمره وأمر بني إسرائيل وكان الملك عليهم بعد ذلك من قبل الفرس إما رجل منهم وإما رجل من بني إسرائيل إلى أن صار الملك بناحيتهم لليونانية والروم بسبب غلبة الإسكندر على تلك الناحية حين قتل دارا بن دارا وكانت جملة مدة ذلك فيما قيل ثماينا وثمانين سنة
ونذكر الآن
(1/335)

بنالعياط
03-10-2012, 01:39 PM
خبر دارا الأكبر وابنه دارا الأصغر ابن دارا الأكبر وكيف كان هلاكه مع خبر ذي القرنين
وملك دارا بن بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب وكان ينبه بجهرازاد يعني به كريم الطبع فذكروا أنه نزل بابل وكان ضابطا لملكه قاهرا لمن حوله من الملوك يؤدون إليه الخراج وأنه ابتنى بفارس مدينة سماها دارابجرد وحذف دواب البرد ورتبها وكان معجبا بابنه دارا وأنه من حبه إياه سماه باسم نفسه وصير له الملك من بعده وأنه كان له وزير يسمى رستين محمودا في عقله وأنه شجر بينه وبين غلام تربى مع دارا الأصغر يقال له بري شر وعداوة فسعى رستين عليه عند الملك فقيل إن الملك سقى بري شربة مات منها واضطغن دارا على رستين الوزير وجماعة من القواد كانوا عاونوه على بري ما كان منهم وكان ملك دارا اثنتي عشرة سنة
ثم ملك من بعده ابنه دارا بن دارا بن بهمن وكانت أمه ماهيا هند بنت هزارمرد بن بهرادمه فلما عقد التاج على رأسه قال لن ندفع أحدا في مهوى الهلكة ومن تردى فيها لم نكففه عنها وقيل إنه بنى بأرض الجزيرة مدينة دارا واستكتب أخا بري واستوزره لأنسه كان به وبأخيه فأفسد قلبه على أصحابه وحمله على قتل بعضهم فاستوحشت لذلك منه الخاصة والعامة ونفروا عنه وكان شابا غرا حميا حقودا جبارا
وحدثت عن هشام بن محمد قال ملك من بعد دارا بن أردشير دارا بن دارا أربع عشرة سنة فأساء السيرة في رعيته وقتل رؤساءهم وغزاه الإسكندر على تئفة ذلك وقد مله أهل مملكته وسئموه وأحبوا الراحة منه فلحق كثير من وجوههم وأعلامهم بالإسكندر فأطلعوه على عورة دارا وقووه عليه فالتقيا ببلاد الجزيرة فاقتتلا سنة ثم إن رجالا من أصحاب دارا وثبوا به فقتلوه وتقربوا برأسه إلى الإسكندر فأمر بقتلهم وقال هذا جزاء من اجترأ على ملكه وتزوج ابنته روشنك بنت دارا وغزا الهند ومشارق الأرض ثم انصرف وهو يريد الإسكندرية فهلك بناحية السواد فحمل إلى الإسكندرية في تابوت من ذهب وكان ملكه أربع عشرة سنة واجتمع ملك الروم وكان قبل الإسكندر متفرقا وتفرق ملك فارس وكان قبل الإسكندر مجتمعا
قال وذكر غير هشام أن دارا بن دارا لما ملك أمر فبنيت له بأرض الجزيرة مدينة واسعة وسماها دارنوا وهي التي تسمى اليوم دارا وأنه عمرها وشحنها من كل ما يحتاج إليه فيها وأن فيلفوس أبا الإسكندر اليوناني من أهل بلدة من بلاد اليونانيين تدعى مقدونية كان ملكا عليها وعلى بلاد أخرى احتازها إليها كان صالح دارا على خراج يحمله إليه في كل سنة وأن فيلفوس هلك فملك بعده ابنه الإسكندر فلم يحمل إلى دارا ما
(1/336)
________________________________________
كان يحمله إليه أبوه من الخراج فأسخط ذلك عليه دارا وكتب إليه يؤنبه بسوء صنيعه في تركه حمل ما كان أبوه يحمل إليه من الخراج وغيره وأنه إنما دعاه إلى حبس ما كان أبوه يحمل إليه من الخراج الصبا والجهل وبعث إليه بصولجان وكرة وقفيز من سمسم وأعلمه فيما كتب إليه أنه صبي وأنه ينبغي له أن يلعب بالصولجان والكرة اللذين بعث بهما إليه ولا يتقلد الملك ولا يتلبس به وأنه إن لم يقتصر على ما أمره به من ذلك وتعاطى الملك واستعصى عليه بعث إليه من يأتيه به في وثاق وأن عدة جنوده كعدة حب السمسم الذي بعث به إليه
فكتب إليه الإسكندر في جواب كتابه ذلك أن قد فهم ما كتب وأن قد نظر إلى ما ذكر في كتابه إليه من إرساله الصولجان والكرة وتيمن به لإلقاء الملقي الكرة إلى الصولجان واحترازه إياها وشبه الأرض بالكرة وأنه محتاز ملك دارا إلى ملكه وبلاده إلى حيزه من الأرض وأن نظره إلى السمسم الذي بعث به إليه كنظره إلى الصولجان والكرة لدسمه وبعده من المرارة والحرافة وبعث إلى دارا مع كتابه بصرة من خردل وأعلمه في ذلك الجواب أن ما بعث به إليه قليل غير أن ذلك مثل الذي بعث به في الحرافة والمرارة والقوة وأن جنوده في كل ما وصف به منه
فلما وصل إلى دارا جواب كتاب الإسكندر جمع إليه جنده وتأهب لمحاربة الإسكندر وتأهب الإسكندر وسار نحو بلاد دارا
وبلغ ذلك دارا فزحف إليه فالتقى الفئتان واقتتلا أشد القتال وصارت الدبرة على جند دارا فلما رأى ذلك رجلان من حرس دارا يقال إنهما كانا من أهل همدان طعنا دارا من خلفه فأردياه من مركبه وأرادا بطعنهما إياه الحظوة عند الإسكندر والوسيلة إليه ونادى الإسكندر أن يؤسر دارا أسرا ولا يقتل فأخبر بشأن دارا فسار الإسكندر حتى وقف عنده فرآه يجود بنفسه فنزل الإسكندر عن دابته حتى حبس عند رأسه وأخبره أنه لم يهم قط بقتله وأن الذي اصابه لم يكن عن رأيه وقال له سلني ما بدا لك فأسعفك فيه فقال له دارا لي إليك حاجتان إحداهما أن تنتقم لي من الرجلين اللذين فتكا بي وسماهما وبلادهما والأخرى أن تتزوج ابنتي روشنك فأجابه إلى الحاجتين وأمر بصلب الرجلين اللذين انتهكا من دارا ما انتهكا وتزوج روشنك وتوسط بلاد دارا وكان ملكه له
وزعم بعض أهل العلم بأخبار الأولين أن الإسكندر هذا الذي حارب دارا الأصغر هو أخو دارا الأصغر الذي حاربه وأن أباه دارا الأكبر كان تزوج أم الإسكندر وأنها ابنة ملك الروم واسمها هلاي وأنها حملت إلى زوجها دارا الأكبر فلما وجد نتن ريحها وعرقها وسهكها أمر أن يحتال لذلك منها فاجتمع رأي أهل المعرفة في مداواتها على شجرة يقال لها بالفارسية سندر فطبخت لها فغسلت بها وبمائها فأذهب ذلك كثيرا من ذلك النتن ولم يذهب كله وانتهت نفسه عنها لبقية ما بها وعافها وردها إلى أهلها وقد علقت منه فولدت غلاما في أهلها فسمته باسمها واسم الشجرة التي غسلت بها حتى أذهب عنها نتنها هلاي سندروس فهذا أصل الإسكندروس
قال وهلك دارا الأكبر وصار الملك إلى ابنه دارا الأصغر وكانت ملوك الروم تؤدي الخراج إلى دارا الأكبر في كل سنة فهلك أبو هلاي ملك الروم جد الإسكندر لأمه فلما صار الملك لابن ابنته بعث دارا الأصغر إليه للعادة إنك أبطأت علينا بالخراج الذي كنت تؤديه ويؤديه من كان قبلك فابعث إلينا بخراج بلادك
(1/337)
________________________________________
وإلا نابذناك المحاربة فرجع إليه جوابه أني قد ذبحت الدجاجة وأكلت لحمها ولم يبق لها بقية وقد بقيت الأطراف فإن أحببت وادعناك وإن أحببت ناجزناك فعند ذلك نافره دارا وناجزه القتال وجعل الإسكندر لحاجبي دارا حكمها على الفتك به فاحتكما شيئا ولم يشترطا أنفسهما فلما التقوا للحرب طعن حاجبا دارا دارا في الوقعة فلحقه الإسكندر صريعا فنزل إليه وهو بآخر رمق فمسح التراب عن وجهه ووضع رأسه في حجره ثم قال له إنما قتلك حاجباك ولقد كنت أرغب بك يا شريف الأشراف وحر الأحرار وملك الملوك عن هذا المصرح فأوصني بما أحببت فأوصاه دارا أن يتزوج ابنته روشنك ويتخذها لنفسه ويستبقي أحرار فارس ولا يولي عليهم غيرهم فقيل وصيته وعمل بأمره وجاء اللذان قتلا دارا إلى الإسكندر فدفع إليهما حكمهما ووفى لهما ثم قال لهما قد وفيت لكما كما اشترطتما ولم تكونا اشترطتما أنفسكما فأنا قاتلكما فإنه ليس ينبغي لقتلة الملوك أن يستبقوا إلا بذمة لا تخفر فقتلهما
وذكر بعضهم أن ملك الروم في أيام دارا الأكبر كان يؤدي إلى دارا الإتاوة فهلك وملك الروم الإسكندر وكان رجلا ذا حزم وقوة ومكر فيقال إنه غزا بعض ملوك المغرب فظفر به وآنس لذلك من نفسه القوة فنشز على دارا الأصغر وامتنع من حمل ما كان أبوه يحمله من الخراج فحمي دارا لذلك وكتب إليه كتبا عنيفة ففسد ما بينهما وسار كل واحد منهما إلى صاحبه وقد احتشدا والتقيا في الحد واختلفت بينهما الكتب والرسائل ووجل الإسكندر من محاربة دارا ودعاه إلى الموادعة فاستشار دارا أصحابه في أمره فزينوا له الحرب لفساد قلوبهم عليه وقد اختلفوا في الحد وموضع التقائهما فذكر بعضهم أن التقاءهما كان بناحية خراسان مما يلي الخزر فاقتتلوا قتالا شديدا حتى خلص إليهما السلاح وكان تحت الإسكندر يومئذ فرس له عجيب يقال له بوكفراسب ويقال إن رجلا من أهل فارس حمل ذلك اليوم حتى تخرق الصفوف وضرب الإسكندر ضربة بالسيف خيف عليه منها وإنه تعجب من فعله وقال هذا من فرسان فارس الذي كانت توصف شدتهم وتحركت على دارا ضغائن أصحابه وكان في حرسه رجلان من أهل همدان فراسلا الإسكندر والتمسا الحيلة لدارا حتى طعناه فكانت منيته من طعنهما إياه ثم هربا
فقيل إنه لما وقعت الصيحة وانتهى الخبر إلى الإسكندر ركب في أصحابه فلما انتهى إلى دارا وجده يجود بنفسه فكلمه ووضع رأسه في حجره وبكى عليه وقال له أتيت من مأمنك وغدر بك ثقاتك وصرت بين أعدائك وحيدا فسلني حوائجك فإني على المحافظة على القرابة بيننا يعني القرابة بين سلم وهيرج ابني أفريذون فيما زعم هذا القائل وأظهر الجزع لما أصابه وحمد ربه حين لم يبتله بأمره فسأله دارا أن يتزوج ابنته روشنك ويرعى لها حقها ويعظم قدرها وأن يطلب بثأره فأجابه الإسكندر إلى ذلك ثم أتاه الرجلان اللذان وثبا على دارا يطلبان الجزاء فأمر بضرب رقابهما وصلبهما وأن ينادى عليهما هذا جزاء من اجترأ على ملكه وغش أهل بلده ويقال إن الإسكندر حمل كتبا وعلوما كانت لأهل فارس من علوم ونجوم وحكمة بعد ان نقل ذلك إلى السريانية ثم إلى الرومية
وزعم بعضهم أن دارا قتل وله من الولد الذكور أشك بن دارا وبنو دارا وأردشير وله من البنات روشنك وكان ملك دارا أربع عشرة سنة
(1/338)
________________________________________
وذكر بعضهم أن الإتاوة التي كان أبو الإسكندر يؤديها إلى ملوك الفرس كانت بيضا من ذهب فلما ملك الإسكندر بعث إليه دارا يطلب ذلك الخراج فبعث إليه إني قد ذبحت تلك الدجاجة التي كانت تبيض ذلك البيض وأكلت لحمها فأذن بالحرب ثم ملك الإسكندر بعد دارا بن دارا وقد ذكرت قول من يقول هو أخو دارا بن دارا من أبيه دارا الأكبر
وأما الروم وكثير من أهل الأنساب فإنهم يقولون هو الإسكندر بن فيلفوس وبعضهم يقول هو ابن بيلبوس بن مطريوس ويقال ابن مصريم بن هرمس بن هردس بن ميطون بن رومي بن ليطي بن يونان بن يافث بن ثوبة بن سرحون بن رومية بن زنط بن توقيل بن رومي بن الأصفر بن اليفز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام فجمع بعد مهلك دارا ملك دارا إلى ملكه فملك العراق والروم والشأم ومصر وعرض جنده بعد هلاك دارا فوجدهم فيما قيل ألف ألف وأربعمائة ألف رجل منهم من جنده ثمانمائة ألف ومن جند دارا ستمائة ألف
وذكر أنه قال يوم جلس على سريره قد أدالنا الله من دارا ورزقنا خلاف ما كان يتوعدنا به وأنه هدم ما كان في بلاد الفرس من المدن والحصون وبيوت النيران وقتل الهرابذة وأحرق كتبهم ودواوين دارا واستعمل على مملكة دارا رجالا من أصحابه وسار قدما إلى أرض الهند فقتل ملكها وفتح مدينتها ثم سار منها إلى الصين فصنع بها كصنيعه بأرض الهند ودانت له عامة الأرضين وملك التبت والصين ودخل الظلمات مما يلي القطب الشمالي والشمس جنوبية في أربعمائة رجل يطلب عين الخلد فسار فيها ثمانية عشر يوما ثم خرج ورجع إلى العراق وملك ملوك الطوائف ومات في طريقه بشهرزور
وكان عمره ستا وثلاثين سنة في قول بعضهم وحمل إلى أمه بالإسكندرية
وأما الفرس فإنها تزعم أن ملك الإسكندر كان أربع عشرة سنة والنصارى تزعم أن ذلك كان ثلاث عشرة سنة وأشهرا ويزعمون أن قتل دارا كان في أول السنة الثاثة من ملكه
وقيل إنه أمر ببناء مدن فبنيت اثنتا عشرة مدينة وسماها كلها إسكندرية منها مدينة بأصبهان يقال جي بنيت على مثال الحية وثلاث مدائن بخراسان منهن مدينة هراة ومدينة مرو ومدينة سمرقند وبأرض بابل مدينة لروشنك بنت دارا وبأرض اليونانية في بلاد هيلاقوس مدينة للفرس ومدنا أخر غيرها
ولما مات الإسكندر عرض الملك من بعده على ابنه الإسكندروس فأبى واختار النسك والعبادة فملكت اليونانية عليهم فيما قيل بطلميوس بن لوغوس وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة فكانت المملكة أيام اليونانية بعد الإسكندر وحياة الإسكندر إلى أن تحول الملك إلى الروم المصاص لليونانية ولبني إسرائيل ببيت المقدس ونواحيها الديانة والرياسة على غير وجه الملك إلى أن خربت بلادهم الفرس والروم وطردوهم عنها بعد قتل يحيى بن زكرياء عليه السلام
ثم كان الملك ببلاد الشام ومصر ونواحي المغرب بعد بطليموس بن لوغوس لبطليموس دينايوس أربعين سنة
ثم من بعده لطليموس أورغاطس أربعا وعشرين سنة
(1/339)
________________________________________
ثم من بعده لبطلميوس فيلافطر إحدى وعشرين سنة
ثم من بعده لبطلميوس أفيفانس اثنتين وعشرين سنة
ثم من بعده لبطلميوس أورغاطس تسعا وعشرين سنة
ثم من بعده لبطلميوس ساطر سبع عشرة سنة
ثم من بعده لبطلميوس الأحسندر إحدى عشرة سنة
ثم من بعده لبطلميوس الذي اختفى عن ملكه ثماني سنين
ثم من بعده لبطلميوس دونسيوس ست عشرة سنة
ثم من بعده لبطلميوس قالوبطري سبع عشرة سنة
فكل هؤلاء كانوا يونانيين فكل ملك منهم بعد الإسكندر كان يدعى بطلميوس كما كانت ملوك الفرس يدعون أكاسرة وهم الذين يقال لهم المفقانيون
ثم ملك الشام بعد قالوبطري فيما ذكر الروم المصاص فكان أول من ملك منهم جايوس يوليوس خمس سنين
ثم ملك الشام بعده أغوسطوس ستا وخمسين سنة فلم مضى من ملكه اثنتان وأربعون سنة ولد عيسى بن مريم عليه السلام وبين مولده وقيام الإسكندر ثلاثمائة سنة وثلاث سنين
(1/340)

بنالعياط
03-10-2012, 01:58 PM
ذكر أخبار ملوك الفرس بعد الإسكندر وهم ملوك الطوائف
ونرجع الآن إلى ذكر خبر الفرس بعد مهلك الإسكندر لسياق التأريخ على ملكهم
فاختلف أهل العلم بأخبار الماضين في الملك الذي كان بسواد العراق بعد الإسكندر وفي عدد ملوك الطوائف الذين كانوا ملكوا إقليم بابل بعده إلى أن قام بالملك أردشير بابكان
فأما هشام بن محمد فإنه قال فيما حدثت عنه ملك بعد الإسكندر يلاقس سلقيس ثم أنطيحس قال وهو الذي بنى مدينة أنطاكية قال وكان في أيدي هؤلاء الملوك سواد الكوفة قال وكانوا يتطرقون الجبال وناحية الأهواز وفارس حتى خرج رجل يقال له أشك وهو ابن دارا الأكبر وكان مولده ومنشؤه بالري فجمع جمعا كثيرا وسار يريد أنطيحس فزحف إليه أنطيحس فالتقيا ببلاد الموصل فقتل أنطيحس وغلب أشك على السواد فصار في يده من الموصل إلى الري وأصبهان وعظمه سائر ملوك الطوائف لنسبه وشرفه فيهم ما كان من فعله وعرفوا له فضله وبدأوا به في كتبهم وكتب إليهم فبدأ بنفسه وسموه ملكا وأهدوا إليه من غير أن يعزل أحدا منهم أو يستعمله
ثم ملك بعده جوذرز بن أشكان قال وهو الذي غزا بني إسرائيل في المرة الثانية وكان سبب تسليط الله إياه عليهم فيما ذكر أهل العلم قتلهم يحيى بن زكرياء فأكثر القتل فيهم فلم تعد لهم جماعة كجماعتهم الأولى ورفع الله عنهم النبوة وأنزل بهم الذل قال وقد كانت الروم غزت بلاد فارس يقودها ملكها الأعظم يلتمس أن يدرك بثأرها في فارس لقتل أشك ملك بابل أنطيحس وملك بابل يومئذ بلاش أبو أردوان الذي قتله أردشير بن بابك فكتب بلاش إلى ملوك الطوائف يعلمهم ما اجتمعت عليه الروم من غزو بلادهم وأنه قد بلغه من حشدهم وجمعهم مالا كفاء له عنده وأنه إن ضعف عنهم ظفروا بهم جميعا فوجه كل ملك من ملوك الطوائف إلى بلاش من الرجال والسلاح والمال بقدر قوته حتى اجتمع عنده أربعمائة ألف رجل فولى عليهم صاحب الحضر وكان ملكا من ملوك الطوائف يلي ما بين انقطاع السواد إلى الجزيرة فسار بهم حتى لقي ملك الروم فقتله واستباح عسكره وذلك هيج الروم على بناء القسطنطينية ونقل الملك من رومية إليها فكان الذي ولى إنشاءها الملك قسطنطين وهو أول ملوك الروم تنصر وهو أجلى من بقي من بني إسرائيل عن فلسطين والأردن لقتلهم بزعمه عيسى بن مريم فأخذ الخشبة التي وجدهم يزعمون أنهم صلبوا المسيح عليها فعظمها الروم فأدخلوها خزائنهم فهي عندهم إلى اليوم
قال ولم يزل ملك فارس متفرقا حتى ملك أردشير فذكر هشام ما ذكرت عنه ولم يبين مدة ملك القوم
(1/341)
________________________________________
وقال غيره من أهل العلم بأخبار فارس ملك بعد الإسكندر ملك دارا أناس من غير ملوك الفرس غير أنهم كانوا يخضعون لكل من يملك بلاد الجبل ويمنحونه الطاعة
قال وهم الملوك الأشغانون الذين يدعون ملوك الطوائف قال فكان ملكهم مائتي سنة وستا وستين سنة
فملك من هذه السنين أشك بن أشجان عشر سنين
ثم ملك بعده سابور بن أشغان ستين سنة وفي سنة إحدى وأربعين من ملكه ظهر عيسى بن مريم بأرض فلسطين وإن ططوس بن أسفسيانوس ملك رومية غزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بن مريم بنحو من أربعين سنة فقتل من في مدينة بيت المقدس وسبى ذراريهم وأمرهم فنسفت مدينة بيت المقدس حتى لم يترك بها حجرا على حجر
ثم ملك جوذرز بن أشغانان الأكبر عشر سنين
ثم ملك بيزن الأشغاني إحدى وعشرين سنة
ثم ملك جوذرز الأشغاني تسع عشرة سنة
ثم ملك نرسي الأشغاني أربعين سنة ثم ملك هرمز الأشغاني سبع عشرة سنة
ثم ملك أردوان الأشغاني اثنتي عشرة سنة
ثم ملك كسرى الأشغاني أربعين سنة
ثم ملك بلاش الأشغاني أربعا وعشرين سنة ثم ملك أردوان الأصغر الأشغاني ثلاث عشرة سنة
ثم ملك أردشير بن بابك
وقال بعضهم ملك بلاد الفرس بعد الإسكندر ملوك الطوائف الذين فرق الإسكندر المملكة بينهم وتفرد بكل ناحية من ملك عليها من حين ملكه ما خلا السواد فإنها كانت أربعا وخمسين سنة بعد هلاك الإسكندر في يد الروم وكان في ملوك الطوائف رجل من نسل الملوك مملكا على الجبال وأصبهان ثم غلب ولده بعد ذلك علىالسواد فكانوا ملوكا عليها وعلى الماهات والجبال وأصبهان كالرئيس على سائر ملوك الطوائف لأن السنة جرت بتقديمه وتقديم ولده ولذلك قصد لذكرهم في كتب سير الملوك فاقتصر على تسميتهم دون غيرهم
قال ويقال إن عيسى بن مريم عليه السلام ولد بأوريشلم بعد إحدى وخمسين سنة من ملوك الطوائف فكانت سنو ملكهم من لدن الإسكندر إلى وثوب أردشير بن بابك وقتله أردوان واستواء الأمر له مائتين وستا وستين سنة
(1/342)
________________________________________
قال فمن الملوك الذين ملكوا الجبال ثم تهيأت لأولادهم بعد ذلك الغلبة على السواد أشك بن حره بن رسبيان بن أرتشاخ بن هرمز بن ساهم بن رزان بن إسفنديار بن بشتاسب قال والفرس تزعم أنه أشك بن دارا وقال بعضهم أشك بن أشكان الكبير وكان من ولد كيبيه بن كيقباذ وكان ملكه عشر سنين
ثم ملك من بعده أشك بن أشك بن أشكان إحدى وعشرين سنة
ثم ملك سابور بن أشك بن أشكان إحدى وعشرين سنة
ثم ملك سابور بن أشك بن أشكان ثلاثين سنة
ثم ملك جوذرز الأكبر بن سابور بن أشكان عشر سنين
ثم ملك بيرن بن جوذرز إحدى وعشرين سنة
ثم جوذرز الأصغر بن بيزن تسع عشرة سنة
ثم نرسه بن جوذرز الأصغر أربعين سنة
ثم هرمز بن بلاش بن أشكان سبع عشرة سنة
ثم أردوان الأكبر وهو أردوان بن أشكان اثنتي عشرة سنة
ثم كسرى بن أشكان أربعين سنة
ثم بهافريد الأشكاني تسع سنين
ثم بلاش الأشكاني أربعا وعشرين سنة
ثم أردوان الأصغر وهو أردوان بن بلاش بن فيروز بن هرمز بن بلاشر بن سابور بن أشك بن أشكان الأكبر وكان جده كيبيه بن كيقباذ ويقال إنه كان أعظم الأشكانية ملكا وأظهرهم عزا وأسناهم ذكرا وأشدهم قهرا لملوك الطوائف وأنه كان قد غلب على كورة إصطخر لاتصالها بأصبهان ثم تخطى إلى جور وغيرها من فارس حتى غلب عليها ودانت له ملوكها لهيبة ملوك الطوائف كانت له وكان ملكه ثلاث عشرة سنة
ثم ملك أردشير
وقال بعضهم ملك العراق وما بين الشأم ومصر بعد الإسكندر تسعون ملكا على تسعين طائفة كلهم يعظم من يملك المدائن وهم الأشكانيون قال فملك من الأشكانيين أفقور شاه بن بلاش بن سابور بن أشكان بن أرش الجبار بن سياوش بن كيقاوس الملك اثنتين وستين سنة
ثم سابور بن أفقور وعلى عهده كان المسيح ويحيى عليهما السلام ثلاثا وخمسين سنة
ثم جوذرز بن سابور بن أفقور الذي غزا بني إسرائيل طالبا بثأر يحيى بن زكرياء ملك تسعا وخمسين سنة
ثم ابن أخيه أبزان بن بلاش بن سابور سبعا وأربعين سنة
(1/343)
________________________________________
ثم جوذرز بن أبزان بن بلاش إحدى وثلاثين سنة
ثم أخوه نرسي بن أيزان أربعا وثلاثين سنة
ثم عمه الهرمزان بن بلاش ثمانيا وأربعين سنة
ثم ابنه الفيروزان بن الهرمزان بن بلاش تسعا وثلاثين سنة
ثم ابنه كسرى بن الفيروزان سبعا وأربعين سنة
ثم ابنه اردوان بن بلاش وهو آخرهم قتله أدرشير بن بابك خمسا وخمسين سنة
قال وكان ملك الإسكندر وملك سائر ملوك الطوائف في النواحي خمسمائة وثلاثا وعشرين سنة
(1/344)

بنالعياط
03-10-2012, 03:37 PM
ذكر الأحداث التي كانت في أيام ملوك الطوائف
فكان من ذلك فيما زعمته الفرس لمضي خمس وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل ولإحدى وخمسين سنة من ملك الأشكانيين ولادة مريم بنت عمران عيسى بن مريم عليه السلام فأما
النصارى فإنها تزعم أن ولادتها إياه كانت لمضي ثلاثمائة سنة وثلاث سنين من وقت غلبة الإسكندر على ارض بابل وزعموا أن مولد يحيى بن زكرياء كان قبل مولد عيسى عليه السلام بستة أشهر وذكروا أن مريم حملت بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة وأن عيسى عاش إلى أن رفع اثنتين وثلاثين سنة وأياما وأن مريم بقيت بعد رفعه ست سنين وكان جميع عمرها نيفا وخمسين سنة
قال وزعموا أن يحيى اجتمع هو وعيسى بنهر الأردن وله ثلاثون سنة وأن يحيى قتل قبل أن يرفع عيسى وكان زكرياء بن برخيا أبو يحيى بن زكرياء وعمران بن ماثان أبو مريم متزوجين بأختين إحداهما عند زكرياء وهي أم يحيى والأخرى منهما عند عمران بن ماثان وهي أم مريم فمات عمران بن ماثان وأم مريم حامل بمريم فلما ولدت مريم كفلها زكرياء بعد موت أمها لأن خالتها أخت أمها كانت عنده واسم أم مريم حنة بنت فاقود بن قبيل واسم أختها أم يحيى الأشباع ابنة فاقود وكفلها زكرياء وكانت مسماة بيوسف بن يعقوب بن ماثان بن اليعازار بن اليوذ بن أحين بن صادوق بن عازور بن الياقيم بن أبيوذ بن زربابل بن شلتيل بن يوحنيا بن يوشيا بن أمون بن منشا بن حزقيا بن أحاز بن يوثام بن عوزيا بن يورام بن يهوشافاظ بن أسا بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود ابن عم مريم
وأما ابن حميد فإنه حدثنا عن سلمة عن ابن إسحاق أنه قال مريم فيما بلغني عن نسبها ابنة عمران بن ياشهم بن أمون بن منشأ بن حزقيا بن أحزيق بن يوثام بن عزريا بن أمصيا بن ياوش بن أحزيهو بن يارم بن يهشافاظ بن اسا بن أبيا بن رحبعم بن سليمان فولد لزكرياء يحيى ابن خالة عيسى بن مريم فنبئ صغيرا فساح ثم دخل الشأم يدعو الناس ثم اجتمع يحيى وعيسى ثم افترقا بعد أن عمد يحيى عيسى
وقيل إن عيسى بعث يحيى بن زكرياء في اثني عشر من الحواريين يعلمون الناس قال وكان فيما نهوهم عنه نكاح بنات الأخ فحدثني أبو السائب قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال بعث عيسى بن مريم يحيى بن زكرياء في اثني عشر من الحواريين يعلمون الناس قال فكان فيما نهوهم عنه نكاح ابنة الأخ قال وكان لملكهم ابنة أخ تعجبه يريد أن يتزوجها وكانت لها كل يوم حاجة يقضيها فلما بلغ ذلك أمها قالت لها إذا دخلت على الملك فسألك حاجتك فقولي
(1/345)
________________________________________
حاجتي أن تذبح لي يحيى بن زكرياء فلما دخلت عليه سألها حاجتها فقالت حاجتي أن تذبح لي يحيى بن زكرياء فقال سليني غير هذا قالت ما أسلك إلا هذا قال فلما أبت عليه يحيى ودعا بطست فذبحه فندرت قطرة من دمه على الأرض فلم تزل تغلي حتى بعث الله بختنصر عليهم فجاءته عجوز من بني إسرائيل فدلته على ذلك الدم قال فألقى الله في قلبه أن يقتل على ذلك الدم منهم حتى يسكن فقتل سبعين ألفا منهم من سن واحدة فسكن
حدثنا موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم أن رجلا من بني إسرائيل رأى في النوم أن خراب بيت المقدس وهلاك بني إسرائيل على يدي غلام يتيم ابن أرملة من أهل بابل يدعى بختنصر وكانوا يصدقون فتصدق رؤياهم فأقبل يسأل عنه حتى نزل على أمه وهو يحتطب فلما جاء وعلى رأسه حزمة حطب ألقاها ثم قعد في جانب البيت فكلمه ثم أعطاه ثلاثة دراهم فقال اشتر بهذه طعاما وشرابا فاشترى بدرهم لحما وبدرهم خبزا وبدرهم خمرا فأكلوا وشربوا حتى إذا كان اليوم الثاني فعل به ذلك حتى إذا كان اليوم الثالث فعل ذلك ثم قال إني أحب أن تكتب لي أمانا إن أنت ملكت يوما من الدهر قال تسخر بي قال إني لا أسخر بك ولكن ما عليك أن تتخذ بها عندي يدا فكلمته أمه فقالت وما عليك إن كان وإلا لم ينقصك شيئا فكتب له أمانا فقال أرأيت إن جئت والناس حولك قد حالوا بيني وبينك فاجعل لي آية تعرفني بها قال ترفع صحيفتك على قصة فأعرفك بها فكساه وأعطاه
ثم إن ملك بني إسرائيل كان يكرم يحيى بن زكرياء ويدني مجلسه ويستشيره في أمره ولا يقطع أمرا دونه وإنه هوي أن يتزوج ابنة امرأة له فسأل يحيى عن ذلك فنهاه عن نكاحها وقال لست أرضاها لك فبلغ ذلك أمها فحقدت على يحيى حين نهاه أن يتزوج ابنتها فعمدت إلى الجارية حين جلس الملك على شرابه فألبستها ثيابا رقاقا حمرا وطيبتها وألبستها من الحلي وألبستها فوق ذلك كساء أسود فأرسلتها إلى الملك وأمرتها أن تسقيه وأن تعرض له فإن أرادها على نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما سألته فإذا أعطاها ذلك سألته أن تؤتى برأس يحيى بن زكرياء في طست ففعلت فجعلت تسقيه وتعرض له فلما أخذ فيه الشراب أرادها على نفسها فقالت لا أفعل حتى تعطيني ما أسألك قال ما تسأليني قالت أسألك أن تبعث إلى يحيى بن زكرياء فأوتى برأسه في هذا الطست فقال ويحك سليني غير هذا قالت ما أريد أن أسألك إلا هذا قال فلما أبت عليه بعث إليه فأتي برأسه والرأس يتكلم حتى وضع بين يديه وهو يقول لا تحل لك فلما أصبح إذا دمه يغلي فأمر بتراب فألقي عليه فرقى الدم فوق التراب يغلي فألقي عليه التراب أيضا فارتفع الدم فوقه فلم يزل يلقى عليه التراب حتى بلغ سور المدينة وهو في ذلك يغلي وبلغ صيحائين فنادى في الناس وأراد أن يبعث إليهم جيشا ويؤمر عليهم رجلا فأتاه بختنصر فكلمه وقال إن الذي كنت أرسلت تلك المرة ضعيف فإني قد دخلت المدينة وسمعت كلام أهلها فابعثني فبعثه فسار بختنصر حتى إذا بلغوا ذلك المكان تحصنوا منه في مدائنهم فلم يطقهم فلم ااشتد عليه المقام وجاع أصحابه أراد الرجوع فخرجت إليه عجوز من عجائز بني إسرائيل فقالت أين أمير الجند فأتي به إليها فقالت إنه
(1/346)
________________________________________
بلغني أنك تريد أن ترجع بجندك قبل أن تفتح هذه المدينة قال نعم قد طال مقامي وجاع أصحابي فلست أستطيع المقام فوق الذي كان مني فقالت أرأيتك إن فتحت لك المدينة أتعطيني ما أسألك فتقتل من أمرتك بقتله وتكف إذا أمرتك أن تكف قال لها نعم قالت إذا أصبحت فاقسم جندك أربعة أرباع ثم أقم على كل زاوية ربعا ثم ارفعوا بأيديكم إلى السماء فنادوا إنا نستفتحك يا الله بدم يحيى بن زكرياء فإنها سوف تتساقط ففعلوا فتساقطت المدينة ودخلوا من جوانبها فقالت له كف يدك اقتل على هذا الدم حتى يسكن فانطلقت به إلى دم يحيى وهو على تراب كثير فقتل عليه حتى سكن فقتل سبعين ألف رجل وامرأة فلما سكن الدم قالت له كف يدك فإن الله عز و جل إذا قتل نبي لم يرض حتى يقتل من قتله ومن رضي قتله فأتاه صاحب الصحيفة بصحيفته فكف عنه وعن أهل بيته وخرب بيت المقدس وأمر به أن تطرح فيه الجيف وقال من طرح فيه جيفة فله جزيته تلك السنة وأعانه على خرابه الروم من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكرياء فلما خربه بختنصر ذهب معه بوجوه بني إسرائيل وسراتهم وذهب بدانيال وعليا وعزريا وميشائيل هؤلاء كلهم من أولاد الأنبياء وذهب معه برأس الجالوت فلما قدم أرض بابل وجد صيحائين قد مات فملك مكانه وكان أكرم الناس عليه دانيال وأصحابه فحسدهم المجوس فوشوا بهم إليه فقالوا إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك ولا يأكلون من ذبيحتك فدعاهم فسألهم فقالوا أجل إن لنا ربا نعبده ولسنا نأكل من ذبيحتكم وأمر بخد فخد فألقوا فيه وهم ستة وألقي معهم سبع ضار ليأكلهم فقالوا انطلقوا فلنأكل ولنشرب فذهبوا فأكلوا وشربوا ثم راحوا فوجدوهم جلوسا والسبع مفترش ذراعيه بينهم لم يخدش منهم أحدا ولم ينكأه شيئا فوجدوا معهم رجلا فعدوهم فوجدوهم سبعة فقال ما بال هذا السابع إنما كانوا ستة فخرج إليه السابع وكان ملكا من الملائكة فلطمه لطمة فصار في الوحش فكان فيهم سبع سنين
قال أبو جعفر وهذا القول الذي روي عمن ذكرت في هذه الأخبار التي رويت وعمن لم يذكر في هذا الكتاب من أن بختنصر هو الذي غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكرياء عند أهل السير والأخبار والعلم بأمور الماضين في الجاهلية وعند غيرهم من أهل الملل غلط وذلك أنهم بأجمعهم مجمعون على أن بختنصر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم نبيهم شعيا في عهد إرميا بن حلقيا وبين عهد إرميا وتخريب بختنصر بيت المقدس إلى مولد يحيى بن زكرياء أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة في قول اليهود والنصارى ويذكرون أن ذلك عندهم في كتبهم واسفارهم مبين وذلك أنهم يعدون من لدن تخريب بختنصر بيت المقدس إلى حين عمرانها في عهد كيرش بن أخشويرش أصبهبذ بابل من قبل أردشير بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب ثم من قبل ابنته خماني سبعين سنة ثم من بعد عمرانها إلى ظهور الإسكندر عليها وحيازة مملكتها إلى مملكته ثمانيا وثمانين سنة ثم من بعد مملكة الإسكندر لها إلى مولد يحيى بن زكرياء ثلاثمائة سنة وثلاث سنين فذلك على قولهم أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة
وأما المجوس فإنها توافق النصارى واليهود في مدة خراب بيت المقدس وأمر بختنصر وما كان من أمره وأمر بني إسرائيل إلى غلبة الإسكندر على بيت المقدس والشام وهلاك دارا وتخالفهم في مدة ما بين ملك الإسكندر ومولد يحيى فتزعم أن مدة ذلك إحدى وخمسون سنة فبين المجوس والنصارى من الاختلاف في مدة ما بين ملك الإسكندر ومولد يحيى وعيسى ما ذكرت
(1/347)
________________________________________
والنصارى تزعم أن يحيى ولد قبل عيسى بستة أشهر وأن الذي قتله ملك لبني إسرائيل يقال له هيردوس بسبب امرأة يقال لها هيروذيا كانت امرأة أخ له يقال له فيلفوس عشقها فوافقته على الفجور وكان لها ابنة يقال لها دمنى فأراد هيردوس أن يطأ امرأة أخيه المسماة هيروذيا فنهاه يحيى وأعلمه أنه لا تحل له فكان هيردوس معجبا بالابنة فألهته يوما ثم سألته حاجة فأجابها إليها وأمر صاحبا له بالنفوذ لما تأمره به فأمرته أن يأتيها برأس يحيى ففعل فلما عرف هيرودس الخبر أسقط في يده وجزع جزعا شديدا
وأما ما قال في ذلك أهل العلم بالأخبار وأمور أهل الجاهلية فقد حكيت منه ما قاله هشام بن محمد الكلبي
وأما ما قال ابن إسحاق فيه فهو ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال عمرت بنو إسرائيل بعد ذلك يعني بعد مرجعهم من أرض بابل إلى بيت المقدس يحدثون الأحداث ويعود الله عليهم ويبعث فيهم الرسل ففريقا يكذبون وفريقا يقتلون حتى كان آخر من بعث فيهم من أنبيائهم زكرياء ويحبى بن زكرياء وعيسى بن مريم وكانوا من بيت آل داود عليه السلام وهو يحيى بن زكرياء بن أدى بن مسلم بن صدوق بن نحشان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخية بن شفاطية بن فاحور بن شلوم بن يهفاشاظ بن أسا بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود
قال فلما رفع الله عيسى عليه السلام من بين أظهرهم وقتلوا يحيى بن زكرياء عليه السلام وبعض الناس يقول وقتلوا زكرياء ابتعث الله عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له خردوس فسار إليهم بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام فلما ظهر عليهم أمر رأسا من رؤوس جنوده يدعى نبوزراذان صاحب القتل فقال له إني كنت حلفت بإلهي لئن أنا ظهرت على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري إلى ألا أجد أحدا أقتله فأمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم وإن نبوزراذان دخل بيت المقدس فقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم فوجد فيها دما يغلي وسألهم فقال يا بني إسرائيل ما شأن هذا الدم يغلي أخبروني خبره ولا تكتموني شيئا من أمره فقالوا هذا دم قربان كان لنا كنا قربناه فلم يقبل منا فلذلك هو يغلي كما تراه ولقد قربنا منذ ثمانمائة سنة القربان فيقبل منا إلا هذا القربان قال ما صدقتموني الخبر قالوا له لو كان كأول زماننا لقبل منا ولكنه قد انقطع منا الملك والنبوة والوحي فلذلك لم يقبل منا فذبح منهم نبوزراذان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين روحا من رؤوسهم فلم يهدأ فأمر فأتي بسبعمائة غلام من غلمائنهم فذبحوا على الدم فلم يهدأ فأمر بسبعة آلاف من بينهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد فلما رأى نبوزراذان الدم لا يهدأ قال لهم يا بني إسرائيل ويلكم أصدقوني واصبروا على أمر ربكم فقد طالما ملكتم في الأرض تفعلون فيها ما شئتم قبل ألا أترك منكم نافخ نار أنثى ولا ذكرا إلا قتلته فلما رأوا الجهد وشدة القتل صدقوه الخبر فقالوا إن هذا دم نبي منا كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله فلو أطعناه فيها لكان أرشد لنا وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدقه فقتلناه فهذا دمه فقال لهم نبوزراذان ما كان اسمه قالوا يحيى بن زكرياء قال الآن صدقتموني لمثل هذا ينتقم ربكم منكم فلما رأى نبوزراذان أنهم قد صدقوه خر ساجدا وقال لمن حوله أغلقوا أبواب المدينة وأخرجوا من كان ها هنا من جيش خردوس وخلا في بني إسرائيل ثم قال يا يحيى بن زكرياء قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم من أجلك فاهدأ بإذن الله قبل ألا أبقي من قومك أحدا فهدأ دم يحيى بإذن الله ورفع نبوزراذان عنهم
(1/348)
________________________________________
القتل وقال آمنت بما آمنت به بنو إسرائيل وصدقت به وأيقنت أنه لا رب غيره ولو كان معه آخر لم يصلح لو كان معه شريك لم تستمسك السموات والأرض ولو كان له ولد لم يصلح فتبارك وتقدس وتسبح وتكبر وتعظم ملك الملوك الذي يملك السموات السبع بعلم وحكم وجبروت وعزة الذي بسط الأرض وألقى فيها رواسي لا تزول فكذلك ينبغي لربي أن يكون ويكون ملكه فأوحى إلى رأس من رؤوس بقية الأنبياء أن نبوزراذان حبور صدوق والحبور بالعبرانية حديث الإيمان وأن نبوزراذان قال لبني إسرائيل إن عدو الله خردوس أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره وإني فاعل لست أستطيع أن أعصيه قالوا له افعل ما أمرت به فأمرهم فحفروا خندقا وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والبقر والغنم والإبل فذبحها حتى سال الدم في العسكر وأمر بالقتلى الذين كانوا قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم حتى كانوا فوقهم فلم يظن خردوس إلا أن ما كان في الخندق من بني إسرائيل
فلما بلغ الدم عسكره أرسل إلى نبوزراذان أرفع عنهم فقد بلغني دماؤهم وقد انتقمت منهم بما فعلوا ثم انصرف عنهم إلى أرض بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد وهي الوقعة الأخيرة التي أنزل الله ببني إسرائيل يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه و سلم وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب إلى قوله وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ( 1 ) و عسى من الله حق فكانت الواقعة الأولى ثم رد الله لهم الكرة عليهم ثم كانت الوقعة الأخيرة خردوس وجنوده وهي كانت أعظم الوقعتين فيها كان خراب بلادهم وقتل رجالهم وسبي ذراريهم ونسائهم يقول الله عز و جل وليتبروا ما علوا تتبيرا ( 2 )
رجع الحديث إلى حديث عيسى بن مريم وأمه عليهما السلام قال وكانت مريم ويوسف بن يعقوب ابن عمها يليان خدمة الكنيسة فكانت مريم إذا نفد ماؤها فيما ذكر وماء يوسف أخذ كل واحد منهما قلته فانطلق إلى المغارة التي فيها الماء الذي يستعذبانه فيملأ قلته ثم يرجعان إلى الكنيسة فلما كان اليوم الذي لقيها فيه جبرئيل وكان أطول يوم في السنة وأشده حرا نفد ماؤها فقالت يا يوسف ألا تذهب بنا نستقي قال إن عندي لفضلا من ماء أكتفي به يومي هذا إلى غد قالت لكني والله ما عندي ماء فأخذت قلتها ثم انطلقت وحدها حتى دخلت المغارة فتجد عندها جبرئيل قد مثله الله لها بشرا سويا فقال لها يا مريم إن الله قد بعثني إليك لأهب لك غلاما زكيا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ( 3 ) وهي تحسبه رجلا من بني آدم فقال إنما أنا رسول ربك قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا ( 4 ) أي أن الله قد قضى أن ذلك كائن فلما قال ذلك استسلمت لقضاء الله فنفخ في جيبها ثم انصرف عنها وملأت قلتها
قال فحدثني محمد بن سهل بن عسكر البخاري قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل ابن أخي وهب قال سمعت وهبا قال لما أرسل الله عز و جل جبرئيل إلىمريم تمثل لها بشرا سويا فقالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ثم نفخ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم واشتملت على عيسى
(1/349)
________________________________________
قال وكان معها ذو قرابة لها يال له يوسف النجار وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم وكانت مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد في ذلك الزمان وكان لخدمته فضل عظيم فرغبا في ذلك فكانا يليان معالجته بأنفسهما وتجميره وكناسته وطهوره وكل عمل يعمل فيه فكان لا يعلم من أهل زمانهما أحد أشد اجتهادا وعبادة منهما وكان أول من أنكر حمل مريم صاحبها يوسف فلما رأى الذي بها استعظمه وعظم عليه وفظع به ولم يدر على ماذا يضع أمرها فإذا أراد يوسف أن يتهمها ذكر صلاحها وبراءتها وأنها لم تغب عنه ساعة قط وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر بها فلما اشتد عليه ذلك كلمها فكان أول كلامه إياها أن قال لها إنه قد وقع في نفسي من أمرك أمر قد حرصت على أن أميته وأكتمه في نفسي فغلبني ذلك فرأيت أن الكلام فيه أشفى لصدري قالت فقل فولا جميلا قال ما كنت لأقول إلا ذلك فحدثيني هل ينبت زرع بغير بذر قالت نعم قال فهل تنبت شجرة من غير غيث يصيبها قالت نعم قال فهل يكون ولد من غير ذكر قالت نعم ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر والبذر إنما كان من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر أو لم تعلم أن الله أنبت الشجر من غير غيث وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة للشجرة بعد ما خلق كل واحد منهما وحده أو تقول لم يقدر الله على أن ينبت الشجر حتى استعان عليه بالماء ولولا ذلك لم يقدر لى إنباته قال لها يوسف لا أقول ذلك ولكني أعلم أن الله بقدرته على ما يشاء يقول لذلك كن فيكون قالت له مريم أو لم تعلم أن الله عز و جل خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى قال بلى فلما قالت له ذلك وقع في نفسه أن الذي بها شيء من الله عز و جل وأنه لا يسعه أن يسألها عنه وذلك لما رأى من كتمانها لذلك ثم تولى يوسف خدمة المسجد وكفاها كل عمل كانت تعمل فيه وذلك لما رأى من رقة جسمها واصفرار لونها وكلف وجهها ونتوء بطنها وضعف قوتها ودأب نظرها ولم تكن مريم قبل ذلك كذلك فلما دنا نفاسها أوحى الله إليها أن أخرجي من أرض قومك فإنهم إن ظفروا بك عيروك وقتلوا ولدك فأفضت عند ذلك إلى أختها وأختها حينئذ حبلى وقد بشرت بيحيى فلما التقيا وجدت أم يحيى ما في بطنها خر لوجهه ساجدا معترفا بعيسى فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له ليس بينها حين ركبت الحمار وبين الإكاف شيء فانطلق يوسف بها حتى إذا كان متاخما لأرض مصر في منقطع بلاد قومها أدرك مريم النفاس وألجأها إلى أري حمار يعني مزود الحمار في أصل نخلة وذلك في زمان الشتاء فاشتد على مريم المخاض فلما وجدت منه شدة التجأت إلى النخلة فاحتضنتها واحتوشتها الملائكة قاموا صفوفا محدقين بها
فلما وضعت وهي محزونة قيل لها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا إلى إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ( 1 ) فكان الرطب يتساقط عليها وذلك في الشتاء
فأصبحت الأصنام التي كانت تعبد من دون الله حين ولدت بكل أرض مقلوبة منكوسة على رؤوسها ففزعت الشياطين وراعها فلم يدروا ما سبب ذلك فساروا عند ذلك مسرعين حتى جاؤوا إبليس وهو على عرش له في لجة خضراء يتمثل بالعرش يوم كان على الماء ويحتجب يتمثل بحجب النور التي من دون الرحمن فأتوه وقد خلا ست ساعات من النهار فلما رأى إبليس جماعتهم فزع من ذلك ولم يرهم جميعا منذ
(1/350)
________________________________________
فرقهم قبل تلك الساعة إنما كان يراهم أشتاتا فسألهم فأخبروه أنه قد حدث في الأرض حدث أصبحت الأصنام منكوسة على رؤوسها ولم يكن شيء أعون على هلاك بني آدم منها كنا ندخل في أجوافها فنكلمهم وندبر أمرهم فيظنون أنها التي تكلمهم فلما أصابها هذا الحدث صغرها في أعين بني آدم وأذلها وأدناها ذلك وقد خشينا ألا يعبدوها بعد هذا أبدا وأعلم أنا لم نأتك حتى أحصينا الأرض وقلبنا البحار وكل شيء قوينا عليه فلم نزدد بما أردنا إلا جهلا قال لهم إبليس إن هذا الأمر عظيم لقد علمت بأني كتمته وكونوا على مكانكم هذا فطار إبليس عند ذلك فلبث عنهم ثلاث ساعات فمر فيهن بالمكان الذي ولد فيه عيسى فلما رأى الملائكة محدقين بذلك المكان علم أن ذلك الحدث فيه فأراد إبليس أن يأتيه من فوقه فإذا فوقه رؤوس الملائكة ومناكبهم عند السماء ثم أراد أن يأتيه من تحت الأرض فإذا أقدام الملائكة راسة أسفل مما أراد إبليس ثم أراد أن يدخل من بينهم فنحوه عن ذلك
ثم رجع إبليس إلى أصحابه فقال لهم ما جئتكم حتى أحصيت الأرض كلها مشرقها ومغربها وبرها وبحرها وال خافقين والجو الأعلى وكل هذا بلغت في ثلاث ساعات وأخبرهم بمولد المسيح وقال لهم لقد كتمت شأنه وما اشتملت قبله رحم أنثى على ولد إلا بعلمي ولا وضعنه قط إلا وأنا حاضرها وأني لأرجو أن أضل به أكثر مما يهتدي به وما كان نبي قبله أشد علي وعليكم منه
وخرج في تلك الليلة قوم يؤمونه من أجل نجم طلع أنكروه وكان قبل ذلك يتحدثون أن مطلع ذلك النجم من علامات مولود في كتاب دانيال فخرجوا يريدونه ومعهم الذهب والمر واللبان فمروا بملك من ملوك الشأم فسألهم أين يريدون فأخبروه بذلك قال فما بال الذهب والمر واللبان أهديتموه له من بين الأشياء كلها قالوا تلك أمثاله لأن الذهب هو سيد المتاع كله وكذلك هذا النبي هو سيد أهل زمانه ولأن المر يجبر به الجرح والكسر وكذلك هذا النبي يشفي به الله كل سقيم ومريض ولأن اللبان ينال دخانه ا لسماء ولا ينالها دخان غيره كذلك هذا النبي يرفعه الله إلى السماء لا يرفع في زمانه أحد غيره
فلما قالوا ذلك لذلك الملك حدث نفسه بقتله فقال اذهبوا فإذا علمتم مكانه فأعلموني ذلك فإني أرغب في مثل ما رغبتم فيه من أمره فانطلقوا حتى دفعوا ما كان معهم من تلك الهدية إلى مريم وأرادوا أن يرجعوا إلى هذا الملك ليعلموه مكان عيسى فلقيهم ملك فقال لهم لا ترجعوا إليه ولا تعلموه بمكانه فإنه إنما أراد بذلك ليقتله فانصرفوا في طريق آخر واحتملته مريم على ذلك الحمار ومعها يوسف حتى وردا أرض مصر فهي الربوة التي قال الله وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ( 1 )
فمكثت مريم اثنتي عشرة سنة تكتمه من الناس لا يطلع عليه أحد وكانت مريم لا تأمن عليه ولا على معيشته أحدا كانت تلتقط السنبل من حيث ما سمعت بالحصاد والمهد في منكبها والوعاء الذي تجعل فيه السنيل في منكبها الآخر حتى تم لعيسى عليه السلام اثنتا عشرة سنة فكان أول آية رآها الناس منه أن أمه كانت نازلة في دار دهقان من أهل مصر فكان ذلك الدهقان قد سرقت له خزانة وكان لا يسكن في داره إلا المساكين فلم يتهمهم فحزنت مريم لمصيبة الدهقان فلما أن رأى عيسى حزن أمه بمصيبة صاحب ضيافتها قال لها يا أمه أتحبين أن أدله على ما له قالت نعم يا بني قال قولي له يجمع لي مساكين داره فقالت مريم
(1/351)
________________________________________
للدهقان ذلك فجمعت له مساكين داره فلما اجتمعوا عمد إلى رجلين منهم أحدهما أعمى والآخر مقعد فحمل المقعد على عاتق الأعمى ثم قال له قم به قال الأعمى أنا أضعف من ذلك قال عيسى عليه السلام فكيف قويت على ذلك البارحة فلما سمعوه يقول ذلك بعثوا الأعمى حتى قام به فلما استقل قائما حاملا هوي المقعد إلى كوة الخزانة قال عيسى هكذا احتالا لمالك البارحة لأنه استعان الأعمى بقوته والمقعد بعينيه فقال المقعد والأعمى صدق فردا على الدهقان ماله ذلك فوضعه الدهقان في خزانته وقال يا مريم خذي نصفه قالت إني لم أخلق لذلك قال الدهقان فأعطيه ابنك قالت هو أعظم مني شأنا ثم لم يلبث الدهقان أن أعرس ابن له فصنع له عيدا فجمع عليه أهل مصر كلهم فلما انقضى ذلك زاره قوم من أهل الشأم لم يحدرهم الدهقان حتى نزلوا به وليس عنده يومئذ شراب فلما رأى عيسى اهتمامه بذلك دخل بيتا من بيوت الدهقان فيه صفان من جرار فأمر عيسى يده على أفواهها وهو يمشي فكلما أمر يده على جرة امتلأت شرابا حتى أتى عيسى على آخرها وهو يومئذ ابن اثنتي عشرة سنة فلما فعل ذلك عيسى فزع الناس لشأنه وما أعطاه الله من ذلك فأوحى الله عز و جل إلى أمه مريم أن اطلعي به إلى الشأم ففعلت الذي أمرت به فلم تزل بالشأم حتى كان ابن ثلاثين سنة فجاءه الوحي على ثلاثين سنة وكانت نبوته ثلاث سنين ثم رفعه الله إليه فلما رآه إبليس يوم لقيه على العقبة لم يطق منه شيئا فتمثل له برجل ذي سن وهيئة وخرج معه شيطانان ماردان متمثلين كما تمثل إبليس حتى خالطوا جماعة الناس
وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفا فمن أطاق منهم أن يبلغه بلغه ومن لم يطق ذلك منهم أتاه عيسى عليه ا لسلام يمشي إليه وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله عز و جل فجاءه إبليس في هيئة يبهر الناس حسنها وجمالها فلما رآه الناس فرغوا له ومالوا نحوه فجعل يخبرهم بالأعاجيب فكان في قوله إن شأن هذا الرجل لعجب تكلم في المهد وأحيا الموتى وأنبأ عن الغيب وشفى المريض فهذا الله قال أحد صاحبيه جهلت أيها الشيخ وبئس ما قلت لا ينبغي لله أن يتجلى للعباد ولا يسكن الأرحام ولا تسعه أجواف النساء ولكنه ابن الله وقال الثالث بئس ما قلتما كلاكما قد أخطأ وجهل ليس ينبغي لله أن يتخذ ولدا ولكنه إله معه ثم غابوا حين فرغوا من قولهم فكان ذلك آخر العهد منهم
حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمادني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قال خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها فاتخذت من دونهم حجابا من الجدران وهو قوله فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا في شرق المحراب فلما طهرت إذا هي برجل معها وهو قوله فأرسلنا إليها روحنا فهو جبرئيل فتمثل لها بشرا سويا فلما رأته فزعت منه وقالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا تقول زانية قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا ( 1 ) فخرجت عليها جلبابها فأخذ بكميها فنفخ في
(1/352)
________________________________________
جيب درعها وكان مشقوقا من قدامها فدخلت النفخة في صدرها فحملت فأتتها أختها امرأة زكرياء ليلة تزورها فلما فتحت لها الباب التزمتها فقالت امرأة زكرياء يا مريم أشعرت أني حبلى قالت مريم أشعرت أني أيضا حبلى قالت امرأة زكرياء فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله مصدقا بكلمة من الله ( 1 ) فولدت امرأة زكرياء يحيى ولما بلغ أن تضع مريم خرجت إلى جانب المحراب الشرقي منه فأتت أقصاه فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة يقول ألجأها المخاض إلى جذع النخلة قالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا تقول نسيا نسي ذكري ومنسيا تقول نسي أثري فلا يرى لي أثر ولا عين فناداها جبرئيل من تحتها إلا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا والسري هو النهر وهزي إليك بجذع النخلة وكان جذعا منها مقطوعا فهزته فإذا هو نخلة وأجرى لها في المحراب نهرا فتساقطت النخلة رطبا جنيا فقال لها كلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا فكان من صام في ذلك الزمان لم يتكلم حتى يمسي فقيل لها لا تزيدي على هذا فلما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بني إسرائيل أن مريم قد ولدت فأقبلوا يشتدون فدعوها فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يقول عظيما يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوي وما كانت أمك بغيا فما بالك أنت يا أخت هارون وكانت من بني هارون أخي موسى وهو كما تقول يا أخا بني فلان إنما تعني قرابته فقالت لهم ما أمرهم الله فلما أرادوها بعد ذلك على الكلام أشارت إليه إلى عيسى فغضبوا وقالوا لسخريتها بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا فتكلم عيسى فقال إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت ( 2 ) فقالت بنو إسرائيل ما أحبلها أحد غير زكرياء هو كان يدخل إليها فطلبوه ففر منهم فتشبه له الشيطان في صورة راع فقال يا زكرياء قد أدركوك فادع الله حتى تنفتح لك هذه الشجرةفتدخل فيها فدعا الله فانفتحت له الشجرة فدخل فيها وبقي من ردائه هدب فمرت بنو إسرائيل بالشيطان فقالوا يا راعي هل رأيت رجلا من ها هنا قال نعم سحر هذه الشجرة فانفتحت له فدخل فيها وهذا هدب ردائه فعمدوا فقطعوا الشجرة وهو فيها بالمناشير وليس تجد يهوديا إلا تلك الهدبة في ردائه فلما ولد عيسى لم يبق في الأرض صنم يعبد من دون الله إلا أصبح ساقطا لوجهه
حدثني المثنى قال حدثنا إسحاق بن الحجاج قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول إن عيسى بن مريم عليه السلام لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشق عليه فدعا الحواريين فصنع له طعاما فقال احضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم وقام يخدمهم فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه فتعاظموا ذلك وتكارهوه فقال ألا من رد علي شيئا الليلة مما أصنع فليس مني ولا أنا منه فأقروه حتى إذا فرغ من ذلك قال أما ماصنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم
(1/353)
________________________________________
بيدي فليكن لكم بي أسوة فإنكم ترون أني خيركم ولا يتعطم بعضكم على بعض وليبذل بعضكم نفسه لبعض كما بذلت نفسي لكم وأما حاجتي التي أستعينكم عليها فتدعون الله لي وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي فلما نصبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن يجتهدوا أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء فجعل يوقظهم ويقول سبحان الله ما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها قالوا والله ما ندري ما لنا لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق الليلة سمرا وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه فقال يذهب بالراعي وتتفرق الغنم وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعى به نفسه ثم قال الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات وليبيعنني أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني فخرجوا فتفرقوا وكانت اليهود تطلبه فأخذوا شمعون أحد الحواريين فقالوا هذا من أصحابه فجحد وقال ما أنا بصاحبه فتركوه ثم أخذه آخر فجحد كذلك ثم سمع صوت ديك فبكى فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح فجعلوا له ثلاثين درهما فأخذها ودلهم عليه وكان شبه عليهم قبل ذلك فأخذوه فاستوثقوا منه وربطوه بالحبل فجعلوا يقودونه ويقولون أنت كنت تحيي الموتى وتنتهر الشيطان وتبرىء المجنون أفلا تفتح نفسك من هذا الحبل ويبصقون عليه ويلقون عليه الشوك حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها فرفعه الله إليه وصلبوا ما شبه لهم فمكث سبعا ثم إن أمه والمرأة التي كان عيسى يداويها فأبرأها الله من الجنون جاءتا تبكيان عند المصلوب فجاءهما عيسى عليه السلام فقال على من تبكيان فقالتا عليك فقال إني قد رفعني الله إليه ولم يصبني إلا خير وإن هذا شيء شبه لهم فأمرا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر وفقد الذي كان باعه ودل عليها اليهود فسأل عنه أصحابه فقالوا إنه ندم على ما صنع فاختنق وقتل نفسه فقال لو تاب تاب الله عليه ثم سألهم عن غلام يتبعهم يقال له يحيى فقال هو معكم فانطلقوا فإنه سيصبح كل إنسان منكم يحدث بلغة قوم فلينذرهم وليدعهم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عمن لا يتهم عن وهب بن منبه اليماني قال توفى الله عيسى بن مريم ثلاث ساعات من النهار حتى رفعه الله إليه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق والنصارى يزعمون أنه توفاه الله سبع ساعات من النهار ثم أحياه الله فقال له اهبط فأنزل على مريم المجدلانية في جبلها فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها ولم يحزن عليك أحد حزنها ثم لتجمع لك الحواريين فبثهم في الأرض دعاة إلى الله فإنك لم تكن فعلت ذلك فأهبطه الله عليها فاشتعل الجبل حين هبط نورا فجمعت له الحواريين فبثهم وأمرهم أن يبلغوا الناس عنه ما أمره الله به ثم رفعه الله إليه فكساه الريش وألبسه النور وقطع عن لذة المطعم والمشرب فطار في الملائكة وهو معهم حول العرش فكان إنسيا ملكيا سمائيا أرضيا وتفرق الحواريون حيث أمرهم فتلك الليلة التي أهبط فيها الليلة التي تدخن فيها النصارى
وكان ممن وجه من الحواريين والأتباع الذين كانوا في الأرض بعدهم فطرس الحواري ومعه بولس وكان من الأتباع ولم يكن من الحواريين إلى رومية وأندراييس ومثى إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس وهي فيما نرى للأساود وتوماس إلى أرض بابل من أرض المشرق وفيلبس إلى القيروان وقرطاجنة وهي
(1/354)
________________________________________
إفريقية ويحنس إلى دفسوس قرية الفتية أصحاب الكهف ويعقوبس إلى أوريشلم وهي إيليا بيت المقدس وابن تلما إلى العرابية وهي أرض الحجاز وسيمن إلى أرض البربر دون إفريقية ويهوذا ولم يكن من الحواريين إلى أريوبس وجعل مكان يوذس زكريا يوطا حين أحدث ما أحدث
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عمر بن عبدالله بن عروة بن الزبير عن ابن سليم الأنصاري ثم الزرقي قال كان على امرأة منا نذر لتظهرن على رأس الجماء جبل بالعقيق من ناحية المدينة قال فظهرت معها حتى إذا استوينا على رأس الجبل إذا قبر عظيم عليه حجران عظيمان حجر عند رأسه وحجر عند رجليه فيهما كتاب بالمسند لا أدري ما هو فاحتملت الحجرين معي حتى إذا كنت ببعض الجبل منهبطا ثقلا علي فألقيت أحدهما وهبطت بالآخر فعرضته على أهل السريانية هل يعرفون كتابه فلم يعرفوه وعرضته على من يكتب بالزبور من أهل اليمن ومن يكتب بالمسند فلم يعرفوه قال فلما لم أجد أحدا ممن يعرفه ألقيته تحت تابوت لنا فمكث سنين ثم دخل علينا ناس من أهل ماه من الفرس يبتغون الخرز فقلت لهم هل لكم من كتاب فقالوا نعم فأخرجت إليهم الحجر فإذا هم يقرأونه فإذا هو بكتابهم هذا قبر رسول الله عيسى ابن مريم عليه السلام إلى أهل هذه البلاد فإذا هم كانوا أهلها في ذلك الزمان مات عندهم فدفنوه على رأس الجبل
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ثم عدوا على بقية الحواريين يشمسونهم ويعذبونهم وطافوا بهم فسمع بذلك ملك الروم وكانوا تحت يديه وكان صاحب وثن فقيل له إن رجلا كان في هؤلاء الناس الذين تحت يديك من بني إسرائيل عدوا عليه فقتلوه وكان يخبرهم أنه رسول الله قد أراهم العجائب وأحيا لهم الموتى وأبرأ لهم الأسقام وخلق لهم من الطين كهيئة الطير ونفخ فيه فكان طائرا بإذن الله وأخبرهم بالغيوب قال ويحكم فما منعكم أن تذكروا هذا لي من أمره وأمرهم فوالله لو علمت ما خليت بينهم وبينه ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن دين عيسى وأمره فأخبروه خبره فتابعهم على دينهم واستنزل سرجس فغيبه وأخذ خشبته التي صلب عليها فأكرمها وصانها لما مسها منه وعدا على بني إسرائيل فقتل منهم قتلى كثيرة فمن هنالك كان أصل النصرانية في الروم
وذكر بعض أهل الأخبار أن مولد عيسى عليه السلام كان لمضي اثنتين وأربعين سنة من ملك أغوسطوس وأن أغوطوس عاش بعد ذلك بقية ملكه وكان جميع ملكه ستا وخمسين سنة قال بعضهم وأياما
قال ووثبت اليهود بالمسيح والرياسة ببيت المقدس في ذلك الوقت لقيصر والملك على بيت المقدس من قبل قيصر هيردوس الكبير الذي دخلت عليه رسل ملك فارس الذي وجههم الملك إلى المسيح فصار إلى هيردوس غلطا وأخبروه أن ملك فارس بعث بهم ليقربوا إلى المسيح ألطافا معهم من ذهب ومر ولبان وأنهم نظروا إلى نجمه قد طلع فعرفوا ذلك بالحساب وقربوا الألطاف إليه ببيت لحم من فلسطين فلما عرف هيردوس خبرهم كاد ا لمسيح فطلبه ليقتله فأمر الله الملك أهن يقول ليوسف الذي كان مع مريم في الكنيسة ما أراد هيردوس من قتله وأمره أن يهرب بالغلام وأمه إلى مصر فلما مات هيردوس قال الملك ليوسف وهو بمصر إن هيردوس قد مات وملك مكانه أركلاوس ابنه وذهب من كان يطلب نفس الغلام فانصرف به
(1/355)
________________________________________
إلى ناصرة من فلسطين ليتم قول شعيا النبي من مصر دعوتك ومات أركلاوس وملك مكانه هيردوس الصغير الذي صلب شبه المسيح في ولايته وكانت الرياسة في ذلك الوقت لملوك اليونانية والروم وكان هيردوس وولده من قبلهم إلا أنهم كانوا يلقبون باسم الملك وكان الملوك الكبار يلقبون بقيصر وكان ملك بيت المقدس في وقت الصلب لهيردوس الصغير من قبل طيباريوس بن أغوسطوس دون القضاء وكان القضاء لرجل رومي يقال له فيلاطوس من قبل قيصر وكانت رياسة الجالوت ليونن بن بهبوثن
قال وذكروا أن الذي شبه بعيسى وصلب مكانه رجل إسرائيلي يقال له أيشوع بن فنديرا وكان ملك طيباريوس ثلاثا وعشرين سنة وأياما منها إلى وقت ارتفاع المسيح ثماني عشرة سنة وأيام ومنها بعد ذلك خمس سنين
(1/356)

بنالعياط
03-10-2012, 03:46 PM
ذكر من ملك من الروم أرض الشام
بعد رفع المسيح عليه السلام إلى عهد النبي صلى الله عليه و سلم في قول النصارى
قال أبو جعفر زعموا أن ملك الشام من فلسطين وغيرها صار بعد طيباريوس إلى جايوس بن طيباريوس وأن ملكه كان أربع سنين
ثم ملك بعده ابن له آخر يقال له قلوديومس أربع عشرة سنة
ثم ملك بعده نيرون الذي قتل فطرس وبولس وصلبه منكسا أربع عشرة سنة
ثم ملك بعده بوطلايوس أربعة أشهر
ثم ملك بعده أسفسيانوس أبو ططوس الذي وجهه إلى بيت المقدس عشر سنين ولمضي ثلاث سنين من ملكه وتمام أربعين سنة من وقت رفع عيسى عليه السلام وجه أسفسيانوس ابنه ططوس إلى بيت المقدس حتى هدمه وقتل من قتل من بني إسرائيل غضبا للمسيح
ثم ملك بعده ططوس بن أسفسيانوس سنتين
ثم من بعد دومطيانوس ست عشرة سنة
ثم من بعده نارواس ست سنين
ثم من بعده طرايانوس تسع عشرة سنة
ثم من بعده هدريانوس أحدى وعشرين سنة
ثم ملك من بعده ططورس بن بطيانوس اثنتين وعشرين سنة
ثم من بعده مرقوس وأولاده تسع عشرة سنة
ثم من بعده قوذوموس ثلاث عشرة سنة
ثم من بعده فرطناجوس ستة أشهر
ثم من بعده سبروس أربع عشرة سنة
ثم من بعده أنطنياوس سبع سنين
ثم من بعده مرقيانوس ست سنين
(1/357)
________________________________________
ثم بعده أنطنيانوس أربع سنين
ثم الحسندروس ثلاث عشرة سنة
ثم غسميانوس ثلاث سنين
ثم جورديانوس ست سنين ثم بعده فليفوس سبع سنين
ثم داقيوس ست سنين
ثم قالوس ست سنين ثم بعده والرييانوس وقاليونس خمس عشرة سنة
ثم قلوديوس سنة
ثم من بعده قريطاليوس شهرين
ثم أوليانوس خمس سنين ثم طيقطوس ستة أشهر
ثم فولوريوس خمسة وعشرين يوما
ثم فرابوس ست سنين
ثم قوروس وابناه سنتين
ثم دوقلطيانوس ست سنين
ثم محسميانوس عشرين سنة
ثم قسطنطينوس ثلاثين سنة
ثم قسطنطين ثلاثين سنة
ثم قسطنطين عشرين سنة
ثم اليانوس المنافق سنتين
ثم يويانوس سنة
ثم والمطيانوس وغرطيانوس عشر سنين
ثم خرطانوس ووالنطيانوس الصغير سنة
ثم تياداسيس الأكبر سبع عشرة سنة
ثم أرقديوس وأنوريوس عشرين سنة
ثم تياداسيس الأصغر ووالنطيانوس ست عشرة سنة
(1/358)
________________________________________
ثم مرقيانوس سبع سنين
ثم لاون ست عشرة سنة
ثم زانون ثماني عشرة سنة ثم أنسطاس سبعا وعشرين سنة
ثم يوسطنيانوس سبع سنين
ثم يوسطنيانوس الشيخ عشرين سنة
ثم يوسطينس اثنتي عشرة سنة
ثم طيباريوس ست سنين
ثم مريقيس وتاذاسيس ابنه عشرين سنة
ثم فوقا الذي قتل سبع سنين وستة أشهر
ثم هرقل الذي كتب إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاثين سنة
فمن لدن عمر بيت المقدس بعد تخريبه بختنصر إلى الهجرة على قولهم ألف سنة ونيف ومن ملك الإسكندر إليها تسعمائة سنة ونيف وعشرون سنة من ذلك من وقت ظهوره إلى مولد عيسى ثلاثمائة سنة وثلاث سنين ومن مولده إلى ارتفاعه اثنتان وثلاثون سنة ومن وقت ارتفاعه إلى الهجرة خمسمائة وخمس وثمانون سنة وأشهر
وزعم بعض الأصحاب الأخبار أن قتل بني إسرائيل يحيى بن زكرياء كان في عهد أدرشير بن بابك لثماني سنين خلت من ملكه وأن بختنصر إنما صار إلى الشأم لقتال اليهود من قبل سابور الجنود ابن أردشير بن بابك

(1/359)

بنالعياط
03-10-2012, 05:10 PM
نزول قبائل العرب الحيرة والأنبار أيام ملوك الطوائف
وكان من الأحداث أيام ملوك الطوائف إلى قيام أردشير بن بابك بالملك فيما ذكر هشام بن محمد دنو من دنا من قبائل العرب من ريف العراق ونزول من نزل منهم الحيرة والأنبار وما حوالي ذلك
فحدثت عن هشام بن محمد قال لما مات بختنصر انضم الذين كان أسكنهم الحيرة من العرب حين أمر بقتالهم إلى أهل الأنبار وبقي الحير خرابا فغبروا بذلك زمانا طويلا لا تطلع عليهم طالعة من بلاد العرب ولا يقدم عليهم قادم وبالأنبار أهلها ومن انضم إليهم من أهل الحيرة من قبائل العرب من بني إسماعيل وبني معد بن عدنان فلما كثر أولاد معد بن عدنان ومن كان معهم من قبائل العرب وملأوا بلادهم من تهامة وما يليهم فرقتهم حروب وقعت بينهم وأحداث حدثت فيهم فخرجوا يطلبون المتسع والريف فيما يليهم من بلاد اليمن ومشارف الشأم وأقبلت منهم قبائل حتى نزلوا البحرين وبها جماعة من الأزد كانوا نزلوها في دهر عمران بن عمرو من بقايا بني عامر وهو ماء السماء بن حارثة وهو الغطريف بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد
وكان الذي أقبلوا من تهامة من العرب مالك وعمرو ابنا فهم بن تيم الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ومالك بن زهير بن عمرو بن فهم بن تيم الله بن أسد بن وبرة في جماعة من قومهم والحيقار بن الحيق بن عمير بن قنص بن معد بن عدنان في قنص كلها ولحق بهم غطفان بن عمرو بن الطمثان بن عوذ مناة بن يقدم بن أفصى بن دعمي بن إياد بن نزار بن معد بن عدنان وزهر بن الحارث بن الشلل بن زهر بن إياد وصبح بن صبيح بن الحارث بن أفصى بن دعمي بن إياد
فاجتمع بالبحرين جماعة من قبائل العرب فتحالفوا على التنوخ وهو المقام وتعاقدوا على التوازر والتناصر فصاروا يدا على الناس وضمهم اسم تنوخ فكانوا بذلك الاسم كأنهم عمارة من العمائر
قال وتنخ عيهم بطون من نمارة بن لخم قال ودعا مالك بن زهير جذيمة الأبرش بن مالك بن فهم بن غانم بن دوس الأزدي إلى التنوخ معه وزوجه أخته لميس ابنة زهير فتنخ جذيمة بن مالك وجماعة ممن كان بها من قومهم من الأزد فصار مالك وعمرو ابنا فهم والأزد حلفاء دون سائر تنوخ وكلمة تنوخ كلها واحدة
وكان اجتماع من اجتمع من قبائل العرب بالبحرين وتحالفهم وتعاقدهم أزمان ملوك الطوائف الذين ملكهم الإسكندر وفرق البلدان بينهم عند قتله دارا بن دارا ملك فارس إلى أن ظهر أردشير بن بابك ملك
(1/360)
________________________________________
فارس على ملوك الطوائف وقهرهم ودان له الناس وضبط له الملك
قال وإنما سموا ملوك الطوائف لأن كل ملك منهم كان ملكه قليلا من الأرض إنما هي قصور وأبيات وحولها خندق وعدوه قريب منه له من الأرض مثل ذلك ونحوه يغير أحدهما على صاحبه ثم يرجع كالخطفة
قال فتطلعت أنفس من كان بالبحرين من العرب إلى ريف العراق وطمعوا في غلبة الأعاجم على ما يلي بلاد العرب منه أو مشاركتهم فيه واهتبلوا ما وقع بين ملوك الطوائف من الاختلاف فأجمع رؤساؤهم بالمسير إلى العراق ووطن جماعة ممن كان معهم على ذلك فكان أول من طلع منهم الحيقار بن الحيق في جماعة قومه وأخلاط من الناس فوجدوا الأرمانيين وهم الذين بأرض بابل وما يليها إلى ناحية الموصل يقاتلون الأردوانيين وهم ملوك الطوائف وهم فيما بين نفر وهي قرية من سواد العراق إلى الأبلة وأطراف البادية فلم تدن لهم فدفعوهم عن بلادهم
قال وكان يقال لعاد إرم فلما هلكت قيل لثمود إرم ثم سموا الأرمانيين وهم بقايا إرم وهم نبط السواد ويقال لدمشق إرم
قال فارتفعوا عن سواد العراق وصاروا أشلاء بعد في عرب الأنبار وعرب الحيرة فهم أشلاء قنص بن معد وإليهم ينسب عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن سعود بن مالك بن عمم بن نمارة بن لخم
وهذا قول مضر وحماد الرواية وهو باطل ولم يأت في قنص بن معد شيء أثبت من قول جبير بن مطعم إن النعمان كان من ولده
قال وإنما سميت الأنبار أنبار لأنها كانت تكون فيها أنابير الطعام وكانت تسمى الأهراء لأن كسرى يرزق أصحابه رزقهم منها
قال ثم طلع مالك وعمرو ابنا فهم بن تيم الله ومالك بن زهير بن فهم بن تيم الله وغطفان بن عمرو بن الطمثان وزهر بن الحارث وصبح بن صبيح فيمن تنخ عليهم من عشائرهم وحلفائهم على الأنبار على ملك الأرمانيين فطلع نمارة بن قيس بن نمارة والنجدة وهم قبيلة من العماليق يدعون إلى كندة وملكان بن كندة ومالك وعمرة ابنا فهم ومن حالفهم وتنخ معهم على نفر على ملك الأردوانيين فأنزلهم الحير الذي كان بناه بختنصر لتجار العرب الذين وجدوا بحضرته حين أمر بغزو العرب في بلادهم وإدخال الجيوش عليهم فلم تزل طالعة الأنبار وطالعة نفر على ذلك لا يدينون للأعاجم ولا تدين لهم الأعاجم حتى قدمها تبع وهو أسعد أبو كرب بن ملكيكرب في جيوشه فخلف بها من لم تكن به قوة من الناس ومن لم يقو على المضي معه ولا الرجوع إلى بلاده وانضموا إلى هذا الحير واختلطوا بهم وفي ذلك يقول كعب بن جعيل بن عجرة بن قمير بن ثعلبة بن عوف بن مالك بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل ... وغزا تبع في حمير حتى ... نزل الحيرة من أهل عدن ...
وخرج تبع سائرا ثم رجع إليهم وأقاموا فأقرهم على حالهم وانصرف راجعا إلى اليمن وفيهم من كل
(1/361)
________________________________________
القبائل من بني لحيان وهم بقايا جرهم وفيهم جعفي وطيء وكلب وتميم وليسوا إلا بالحيرة يعني بقايا جرهم قال ابن الكلبي لحيان بقايا جرهم
ونزل كثير من تنوخ الأنبار والحيرة وما بين الحيرة إلى طف الفرات وغربيه إلى ناحية الأنبار وما والاها في المظال والأخبية لا يسكنون بيوت المدر ولا يجامعون أهلها فيها واتصلت جماعتهم فيما بين الأنبار والحيرة وكانوا يسمون عرب الضاحية فكان أول من ملك منهم في زمان ملوك الطوائف مالك بن فهم وكان منزله مما يلي الأنبار ثم مات مالك فملك من بعده أخوه عمرو بن فهم ثم هلك عمرو بن فهم فملك من بعده جذيمة الأبرش بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس الأزدي
قال ابن الكلبي دوس بن عدثان بن عبدالله بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبدالله بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ
قال ابن الكلبي ويقال إن جذيمة الأبرش من العاربة الأولى من بني وبار بن أميم بن لوذ بن سام بن نوح قال وكان جذيمة من أفضل ملوك العرب رأيا وأبعدهم مغارا وأشدهم نكاية وأظهرهم حزما وأول من استجمع له الملك بأرض العراق وضم إليه العرب وغزا بالجيوش وكان به برص فكنت العرب عنه وهابت العرب أن تسميه به وتنسبه إليه إعظاما له فقيل جذيمة الوضاح وجذيمة الأبرش وكانت منازله فيما بين الحيرة والأنبار وبقية وهيت وناحيتها وعين التمر وأطراف البر إلى الغوير والقطقطانة وخفية ما والاها وتجبى إليه الأموال وتفد إليه الوفود وكان غزا طسما وجديسا في منازلهم من جو وما حولهم وكانت طسم وجديس يتكلمون بالعربية فاصاب حسان بن تبع أسعد أبي كرب قد أغار على طسم وجديس باليمامة فانكفأ جذيمة راجعا بمن معه وتأتي خيول تبع على سرية لجذيمة فاجتاحتها وبلغ جذيمة خبرهم فقال جذيمة ... ربما أوفيت في علم ... ترفعن بردي شمالات ... في فتو أنا كالئهم ... في بلايا غزوة باتوا ... ثم أبنا غانمي نعم ... وأناس بعدنا ماتوا ... نحن كنا في ممرهم ... إذ ممر القوم خوات ... ليت شعري ما أماتهم ... نحن أدلجنا وهم باتوا ... ولنا كانوا ونحن إذا ... قال منا قائل صاتوا ... ولنا البيد البعاد التي ... أهلها السودان أشتات ... ثبة الأخيار شاهدة ... ذا كم قومي وأهلاتي ... قد شربت الخمر وسطهم ... ناعما في غير أصوات ... فعلى ما كان من كرم ... فستبكيني بنياتي ... أنا رب الناس كلهم ... غير ربي الكافت الفات ...
يعني بالكافت الذي يكفت أرواحهم والفات الذي يفيتهم أنفسهم يعني الله عز و جل قال ابن الكلبي ثلاثة أبيات منها حق والبقية باطل
(1/362)
________________________________________
قال وفي مغازيه وغاراته على الأمم الخالية من العاربة الأولى يقول الشاعر في الجاهلية
... أضحى جذيمة في يبرين منزله ... قد حاز ما جمعت في دهرها عاد ...
فكان جذيمة قد تنبأ وتكهن واتخذ صنيمين يقال لهما الضيزنان قال ومكان الضيزنين بالحيرة معروف وكان يستسقي بهما ويستنصر بهما على العدو وكانت إياد بعين أباغ وأباغ رجل من العماليق نزل بتلك العين فكان يغازيهم فذكر لجذيمة غلام من لخم في أخواله من إياد يقال له عدي بن نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن سعود بن مالك بن عمم بن نمارة بن لخم له جمال وظرف فغزاهم جذيمة فبعث إياد قوما فسقوا سدنة الصنمين الخمر وسرقوا الصنمين فأصبحا في إياد فبعث إلى جذيمة إن صنميك أصبحا فينا زهدا فيك ورغبة فينا فإن أوثقت لنا ألا تغزونا رددناهما إليك
قال وعدي بن نصر تدفعونه إلي فدفعوه إليه مع الصنمين فانصرف عنهم وضم عديا إلى نفسه وولاه شرابه فأبصرته رقاش ابنة مالك أخت جذيمة فعشقته وراسلته وقالت يا عدي اخطبني إلى الملك فإن له حسبا وموضعا فقال لا أجترئ على كلامه في ذلك ولا أطمع أن يزوجنيك قالت إذا جلس على شرابه وحضره ندماؤه فاسقه صرفا واسق القوم مزاجا فإذا أخذت الخمرة فيه فاخطبني إليه فإنه لن يردك ولن يمتنع منك فإذا زوجك فأشهد القوم ففعل الفتى ما أمرته به فلما أخذت الخمرة مأخذها خطبها إليه فأملكه إياها فانصرف إليها فأغرس بها من ليلته وأصبح مضرجا بالخلوق فقال له جذيمة وأنكر ما رأى به ما هذه الآثار يا عدي قال آثار العرس قال أي عرس قال عرس رقاش قال من زوجكها ويحك قال زوجنيها الملك فضرب جذيمة بيده على جبهته وأكب على الأرض ندامة وتلهفا وخرج عدي على وجهه هاربا فلم ير له أثر ولم يسمع له بذكر وأرسل إليها جذيمة فقال
... حدثيني وأنت لا تكذبيني ... أبحر زنيت أم بهجين ... أم بعبد فأنت أهل لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون ...
فقالت لا بل أنت زوجتني أمرأ عربيا معروقا حسيبا ولم تستأمرني في نفسي ولم أكن مالكة لأمري فكف عنها وعرف عذرها
ورجع عدي بن نصر إلى إياد فكان فيهم فخرج ذات يوم مع فتية متصيدين فرمى به فتى منهم من لهب فيما بين جبلين فتنكس فمات واشتملت رقاش على حبل فولدت غلاما فسمته عمرا ورشحته حتى إذا ترعرع عطرته وألبسته وحلته وأزارته خاله جذيمة فلما رآه أعجب به وألقيت عليه منه مقة ومحبة فكان يختلف مع ولده ويكون معهم فخرج جذيمة متبديا بأهله وولده في سنة خصبة مكلئة فضربت له أبنية في روضة ذات زهرة وغدر وخرج ولده وعمرو معهم يجتنون الكمأة فكانوا إذا أصابوا كمأة جيدة أكلوها وإذا أصابها عمرو خبأها في حجزته فانصرفوا إلى جذيمة يتعادون وعمرو يقول
... هذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه ...
فضمه إليه جذيمة والتزمه وسر بقوله وفعله وأمر فجعل له حلي من فضة وطوق فكان أول عربي ألبس طوقا فكان يسمى عمرا ذا الطوق فبينما هو على أحسن حاله إذا استطارته الجن فاستهوته فضرب له جذيمة
(1/363)
________________________________________
في البلدان والآفاق زمانا لا يقدر عليه قال وأقبل رجلان أخوان من بلقين يقال لهما مالك وعقيل ابنا فارج بن مالك بن كعب بن القين بن جسر بن شيع الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة من الشام يريدان جذيمة قد أهديا له طرفا ومتاعا فلما كان ببعض الطريق نزلا منزلا ومعهما قينة لهما يقال لها أم عمرو فقدمت إليهما طعاما فبينما هما يأكلان إذ أقبل فتى عريان شاحب قد تلبد شعره وطالت أظفاره وساءت حاله فجاء حتى جلس حجرة منهما فمد يده يريد الطعام فناولته القينة كراعا فأكلها ثم مد يده إليها فقالت تعطي العبد كراعا فيطمع في الذراع فذهبت مثلا ثم ناولت الرجلين من شراب كان معها وأوكت زقها فقال عمرو بن عدي ... صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا ... وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصحبينا ...
فقال مالك وعقيل من أنت يا فتى فقال إن تنكراني أو تنكرا نسبي فإني أنا عمرو بن عدي ابن تنوخية اللخمي وغدا ما ترياني في نمارة غير معصي
فنهضا إليه فضماه وغسلا رأسه وقلما أظفاره وأخذا من شعره وألبساه مما كان معهما من الثياب وقالا ما كنا لنهدي لجذيمة هدية أنفس عنده ولا أحب إليه من ابن أخته قد رده الله عليه بنان فخرجا به حتى دفعا إلى باب جذيمة بالحيرة فبشراه فسر بذلك سرورا شديدا وأنكره لحال ما كان فيه فقالا أبيت اللعن إن من كان في مثل حاله يتغير فأرسل به إلى أمه فمكث عندها أياما ثم أعادته إليه فقال لقد رأيته يوم ذهب وعليه طوق فما ذهب عن عيني ولا قلبي إلى الساعة فأعادوا عليه الطوق فلما نظر إليه قال شب عمرو عن الطوق فأرسلها مثلا وقال لمالك وعقيل حكمكما قالا حكمنا منادمتك ما بقينا وبقيت فهما ندمانا جذيمة اللذان ضربا مثلا في أشعار العرب وفي ذلك يقول أبو خراش الهذلي ... لعمرك ما ملت كبيشة طلعتي ... وإن ثوائي عندها لقليل ... ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا ... نديما صفاء مالك وعقيل ...
وقال متمم بن نويرة ... وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا ... فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا ...
وكان ملك العرب بأرض الجزيرة ومشارف بلاد الشام عمرو بن ظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر العملقي ويقال العمليقي من عاملة العماليق فجمع جذيمة جموعا من العرب فسار إليه يريد غزاته وأقبل عمرو بن ظرب بجموعه من الشام فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل عمرو بن ظرب وانفضت جموعه وانصرف جذيمة بمن معه سالمين غانمين فقال في ذلك الأعور بن عمرو بن هناءة بن مالك بن فهم الأزدي ... كأن عمرو بن ثربي لم يعش ملكا ... ولم تكن حوله الرايان تختفق ... لاقي جذيمة في جأواء مشعلة ... فيها حراشف بالنيران ترتشق ...
فملكت من بعد عمرو ابنته الزباء واسمها نائلة وقال في ذلك القعقاع بن الدرماء الكلبي
(1/364)
________________________________________
أتعرف منزلا بين المنقى ... وبين مجر نائلة القديم ...
وكان جنود الزباء بقايا من العماليق والعاربة الأولى وتزيد وسليح ابني حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ومن كان معهم من قبائل قضاعة وكانت للزباء أخت يقال لها زبيبة فبنت لها قصرا حصينا على شاطئ الفرات الغربي وكانت تشتو عند أختها وتربع ببطن النجار وتصير إلى تدمر فلما أن استجمع لها أمرها واستحكم لها ملكها أجمعت لغزو جذيمة الأبرش تطلب بثأر أبيها فقالت لها أختها زبيبة وكانت ذات رأي ودهاء وإرب يا زباء إنك إن غزوت جذيمة فإنما هو يوم له ما بعده إن ظفرت أصبت ثأرك وإن قتلت ذهب ملكك والحرب سجال وعثراتها لا تستقال وإن كعبك لم يزل ساميا على من ناوأك وساماك ولم تري بؤسا ولا غيرا ولا تدرين لمن تكون العاقبة وعلى من تكون الدائرة فقالت لها الزباء قد أديت النصيحة وأحسنت الروية وإن الرأي ما رأيت والقول ما قلت فانصرفت عما كانت أجمعت عليه من غزو جذيمة ورفضت ذلك وأتت أمرها من وجوه الختل والخدع والمكر فكتبت إلى جذيمة تدعوه إلى نفسها وملكها وأن يصل بلاده ببلادها وكان فيما كتبت به أنها لم تجد ملك النساء إلا إلى قبيح في السماع وضعف في السلطان وقلة ضبط المملكة وإنها لم تجد لملكها موضعا ولا لنفسها كفئا غيرك فأقبل إلي فاجمع ملكي إلى ملكك وصل بلادي ببلادك وتقلد أمري مع أمرك
فلما انتهى كتاب الزباء إلى جذيمة وقدم عليه رسلها استخفه ما دعته إليه ورغب فيما أطمعته فيه وجمع إليه أهل الحجى والنهى من ثقات أصحابه وهو بالبقة من شاطئ الفرات فعرض عليهم ما دعته إليه الزباء وعرضته عليه واستشارهم في أمره فأجمع رأيهم على أن يسير إليها ويستولي على ملكها وكان فيهم رجل يقال له قصير بن سعد بن عمر بن جذيمة بن قيس بن ربي بن نمارة بن لخم وكان سعد تزوج أمة لجذيمة فولدت له قصيرا وكان أريبا حازما أثيرا عند جذيمة ناصحا فخالفهم فيما أشاروا به عليه وقال رأي فاتر وغدر حاضر فذهبت مثلا مثلا فرادوه الكلام ونازعوه الرأي فقال إني لأرى أمرا ليس بالخسا ولا الزكا فذهبت مثلا وقال لجذيمة اكتب إليها فإن كانت صادقة فلتقبل إليك وإلا لم تمكنها من نفسك ولم تقع في حبالها وقد وترتها وقتلت أباها فلم يوافق جذيمة ما أشار به عليه قصير فقال قصير ... إني امرؤ لا يميل العجز ترويتي ... إذا أتت دون شيء مرة الوذم ...
فقال جذيمة لا ولكنك امرؤ رأيك في الكن لا في الضح فذهبت مثلا
فدعا جذيمة ابن أخته عمرو بن عدي فاستشاره فشجعه على المسير وقال إن نمارة قومي مع الزباء ولو قدروا لصاروا معك فأطاعه وعصى قصيرا فقال قصير لا يطاع لقصير أمر وفي ذلك يقول نهشل بن حري بن ضمرة بن جابر التميمي ... ومولى عصاني واستبد برأيه ... كما لم يطع بالبقتين قصير ... فلما رأى ما غب أمري وأمره ... وولت بأعجاز الأمور صدور ... تمنى نئيشا أن يكون أطاعني ... وقد حدثت بعد الأمور أمور ...
وقال العرب ببقة أبرم الأمر فذهبت مثلا واستخلف جذيمة عمرو بن عدي على ملكه وسلطانه وجعل عمرو بن عبدالجن الجرمي معه على خيوله وسار في وجوه أصحابه فأخذ على الفرات من الجانب
(1/365)
________________________________________
الغربي فلما نزل الفرضة دعا قصيرا فقال ما الرأي قال ببقة تركت الرأي فذهبت مثلا واستقبلته رسل الزباء بالهدايا والألطاف فقال يا قصير كيف ترى قال خطر يسير في خطب كبير فذهبت مثلا وستلقاك الخيول فإن سارت أمامك فإن المرأة صادقة وإن أخذت جنبيك وأحاطت بك من خلفك فإن القوم غادرون فاركب العصا وكانت فرسا لجذيمة لا تجارى فإني راكبها ومسايرك عليها فلقيته الخيول والكتائب فحالت بينه وبين العصا فركبها قصير ونظر إليه جذيمة موليا على متنها فقال ويل أمه حزما على ظهر العصا فذهبت مثلا فقال يا ضل ما تجري به العصا وجرت به إلى غروب الشمس ثم نفقت وقد قطعت أرضا بعيدة فبنى عليها برجا يقال له برج العصا وقالت العرب خير ما جاءت به العصا مثل تضربه
وسار جذيمة وقد أحاطت به الخيول حتى دخل على الزباء فلما رأته تكشفت فإذا هي مضفورة الإسب فقالت يا جذيمة أدأب عروس ترى فذهبت مثلا فقال بلغ المدى وجف الثرى وأمر غدر أرى فقالت أما وإلهي ما بنا من عدم مواس ولا قلة أواس ولكنه شيمة ما أناس فذهبت مثلا وقالت إني أنبئت أن دماء الملوك شفاء من الكلب ثم أجلسته على نطع وأمرت بطست من ذهب فأعدته له وسقته من الخمر حتى أخذت مأخذها منه وأمرت براهشيه فقطعا وقدمت إليه الطست وقد قيل لها إن قطر من دمه شيء في غير الطست طلب بدمه وكانت الملوك لا تقتل بضرب الأعناق إلا في قتال تكرمة للملك فلما ضعفت يداه سقطتا فقطر من دمه في غير الطست فقالت لا تضيعوا دم الملك فقال جذيمة دعوا دما ضيعه أهله فذهبت مثلا فهلك جذيمة واستبقت الزباء دمه فجعلته في برس قطن في ربعة لها وخرج قصير من الحي الذي هلكت العصا بين أظهرهم حتى قدم على عمرو بن عدي وهو بالحيرة فقال له قصير أداثر أم ثائر قال لا بل ثائر سائر فذهبت مثلا ووافق قصير الناس وقد اختلفوا فصارت طائفة منهم مع عمرو بن عبدالجن الجرمي وجماعة منهم مع عمرو بن عدي فاختلف بينهما قصير حتى اصطلحا وانقاد عمرو بن عبدالجن لعمرو بن عدي ومال إليه الناس فقال عمرو بن عدي في ذلك ... دعوت ابن عبدالجن للسلم بعدما ... تتايع في غرب السفاه وكلسما ... فلما ارعوى عن صدنا باعترامه ... مريت هواه مري آم روائما ...
فقال عمرو بن عبدالجن مجيبا له ... أما ودماء مائرات تخالها ... على قلة العزى أو النسر عندما ... وما قدس الرهبان في كل هيكل ... أبيل الأبيلين المسيح بن مريما ...
قال هكذا وجد الشعر ليس بتام وكان ينبغي أن يكون البيت الثالث لقد كان كذا وكذا
فقال قصير لعمرو بن عدي تهيأ واستعد ولا تطل دم خالك قال وكيف لي بها وهي أمنع من عقاب الجو فذهبت مثلا وكانت الزباء سألت كاهنة لها عن أمرها وملكها فقالت أرى هلاكك بسبب غلام مهين غير أمين وهو عمرو بن عدي ولن تموتي بيده ولكن حتفك بيدك ومن قبله ما يكون ذلك فحذرت عمرا واتخذت نفقا من مجلسها الذي كانت تجلس فيه إلى حصن لها داخل مدينتها وقالت إن
(1/366)
________________________________________
فجأني أمر دخلت النفق إلى حصني ودعت رجلا مصورا أجود أهل بلادها تصويرا وأحسنهم عملا لذلك فجهزته وأحسنت إليه وقالت له سر حتى تقدم على عمرو بن عدي متنكرا فتخلو بحشمه وتنضم إليهم وتخالطهم وتعلمهم ما عندك من العلم بالصور والثقافة له ثم أثبت عمرو بن عدي معرفة وصوره جالسا وقائما وراكبا ومتفضلا ومتسلحا بهيئته ولبسته وثيابه ولونه فإذا أحكمت ذلك فأقبل إلي
فانطلق المصور حتى قدم على عمرو وصنع الذي أمرته به الزباء وبلغ ما أوصته به ثم رجع إليها بعلم ما وجهته له من الصور على ما وصفت له وأرادت أن تعرف عمرو بن عدي فلا تراه على حال إلا عرفته وحذرته وعلمت علمه فقال قصير لعمرو بن عدي أجدع أنفي وأضرب ظهري ودعني وإياها فقال عمرو ما أنا بفاعل وما أنت لذلك بمستحق مني فقال قصير خل عني إذا وخلاك ذم فذهبت مثلا
قال ابن الكلبي كان أبو الزباء اتخذ النفق لها ولأختها وكان الحصن لأختها في داخل مدينتها قال فقال له عمرو فأنت ابصر فجدع قصير أنفه وأثر بظهره فقالت العرب لمكر ما جدع أنفه قصير وفي ذلك يقول المتلمس ... ومن حذر الأوتار ما حز أنفه ... قصير وخاض الموت بالسيف بيهس ...
ويروى ورام الموت وقال عدي بن زيد ... كقصير إذ لم يجد غير أن ج ... دع أشرافه لشكر قصير ...
فلما أن جدع قصير أنفه وأثر تلك الاثار بظهره خرج كأنه هارب وأظهر أن عمرا فعل به ذلك وأنه يزعم أنه مكر بخاله جذيمة وغره من الزباء فسار قصير حتى قدم على الزباء فقيل لها إن قصيرا بالباب فأمرت به فأدخل عليها فإذا أنفه قد جدع وظهره قد ضرب فقالت ما الذي أرى بك يا قصير فقال زعم عمرو بن عدي أني غررت خاله وزينت له السير إليك وغششته ومالأتك عليه ففعل بي ما ترين فأقبلت إليك وعرفت أني لا أكون مع أحد هو أثقل عليه منك فألطفته وأكرمته وأصابت عنده بعض ما أرادت من الحزم والرأي والتجربة والمعرفة بأمور الملوك فلما عرفت أنها قد استرسلت إليه ووثقت به قال لها إن لي بالعراق أموالا كثيرة وبها طرائف وثياب وعطر فابعثيني إلىالعراق لأحمل مالي وأحمل إليك من بزوزها وطرائف ثيابها وصنوف ما يكون بها من الأمتعة والطيب والتجارات فتصيبين في ذلك أرباحا عظاما وبعض مالا غنى بالملوك عنه فإنه لا طرائف كطرائف العراق فلم يزل يزين لها ذلك حتى سرحته ودفعت معه عيرا فقالت انطلق إلى العراق فبع بها ما جهزناك به وابتع لنا من طرائف ما يكون بها من الثياب وغيرها فسار قصير بما دفعت إليه حتى قدم العراق وأتى الحيرة متنكرا فدخل على عمرو بن عدي فأخبره بالخبر وقال جهزني بالبز والطرف والأمتعة لعل الله يمكن من الزباء فتصيب ثأرك تقتل عدوك فأعطاه حاجته وجهزه بصنوف الثياب وغيرها فرجع بذلك كله إلى الزباء فعرضه عليها فأعجبها ما رأت وسرها ما أتاها به وازدادت به ثقة وإليه طمأنينة ثم جهزته بعد ذلك بأكثر مما جهزته في المرة الأولى فسار حتى قدم العراق ولقي عمرو بن عدي وحمل من عنده ما ظن أنه موافق للزباء ولم يترك جهدا ولم يدع طرفة ولا متاعا قدر عليه إلا حمله إليها ثم عاد الثالثة إلى العراق فأخبر
(1/367)
________________________________________
عمرا الخبر وقال اجمع لي ثقات أصحابك وجندك وهيء لهم الغرائر والمسوح قال ابن الكلبي وقصير أول من عمل الغرائر واحمل كل رجلين على بعير في غرارتين واجعل معقد رؤوس الغرائر من باطنها فإذا دخلوا مدينة الزباء أقمتك على باب نفقها وخرجت الرجال من الغرائر فصاحوا بأهل المدينة فمن قاتلهم قتلوه وإن أقبلت الزباء تريد النفق جللتها بالسيف
ففعل عمرو بن عدي وعمل الرجال في الغرائر على ما وصفه له قصير ثم وجه الإبل إلى الزباء عليها الرجال وأسلحتهم فلما كانوا قريبا من مدينتها تقدم قصير إليها فبشرها وأعلمها كثرة ما حمل إليها من الثياب والطرائف وسألها أن تخرج فتنظر إلى قطرات تلك الإبل وما عليها من الأحمال فإني جئت بما صاء وصمت فذهبت مثلا وقال ابن الكلبي وكان قصير يكمن النهار ويسير الليل وهو أول من كمن النهار وسار الليل فخرجت الزباء فأبصرت الإبل تكاد قوائمها تسوخ في الأرض من ثقل أحمالها فقالت يا قصير ... ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا ... أم صرفانا باردا شديدا ...
فدخلت الإبل المدينة حتى كان آخرها بعيرا مر على بواب المدينة وهو نبطي بيده منخسة فنخس بها الغرائر التي تليه فتصيب خاصرة الرجل الذي فيها فضرط فقال البواب بالنبطية بشتابسقا يعني بقوله بشتابسقا في الجوالق شر وأرعب قلبا فذهبت مثلا فلما توسطت الإبل المدينة أنيخت ودل قصير عمرا على باب النفق قبل ذلك وأراه إياه وخرجت الرجال من الغرائر وصاحوا بأهل المدينة ووضعوا فيهم السلاح وقام عمرو بن عدي على باب النفق وأقبلت الزباء مولية مبادرة تريد النفق لتدخله وأبصرت عمرا قائما فعرفته بالصورة التي كان صورها لها المصور فمصت خاتمها وكان فيها سم وقالت بيدي لا بيدك يا عمرو فذهبت مثلا وتلقاها عمرو بن عدي فجللها بالسيف فقتلها وأصاب ما أصاب من أهل المدينة وانكفأ راجعا إلى العراق فقال عدي بن زيد في أمر جذيمة وقصير والزباء وقتل عمر بن عدي إياها قصيدته ... أبدلت المنازل أم عفينا ... تقادم عهدها أم قد بلينا ...
إلى آخرها
وقال المخبل وهو ربيعة بن عوف السعدي ... يا عمرو إني قد هويت جماعكم ... ولكل من يهوى الجماع فراق ... بل كم رأيت الدهر زايل بينه ... من لا يزايل بينه الأخلاق ... طابت به الزباء وقد جعلت لها ... دورا ومشربة لها أنفاق ... حملت لها عمرا ولا بخشونة ... من آل دومة رسلة معناق ... حتى تفرعها بأبيض صارم ... عضب يلوح كأنه مخراق ... وأبو حذيفة يوم ضاق بجمعه ... شعب الغبيط فحومة فأفاق ... وله معد والعباد وطيئ ... ومن الجنود كتائب ورفاق
(1/368)
________________________________________
يهب النجائب والنزائع حوله ... جردا كأن متونها الأطلاق ... فأتت عليه ساعة ما إن له ... مما أفاء ولا أفاد عتاق ... فكأن ذلك يوم حم قضاؤه ... رفد أميل إناؤه مهراق ...
وقال بعض شعراء العرب ... نحن قتلنا فقحلا وابن راعن ... ونحن ختنا نبت زبا بمنجل ... فلما أتتها العير قالت أبارد ... من التمر هذا أم حديد وجندل ...
وقال عبد باجر واسمه بهرا من العرب العاربة وهم عشرة أحياء عاد وثمود والعماليق وطسم وجديس وأميم والمود وجرهم ويقطن والسلق قال والسلف دخل في حمير ... لا ركبت رجلك من بين الدلى ... لقد ركبت مركبا غير الوطي ... على العراقي بصفا من الطوي ... إن كنت غضبى فاغضبي على الركي ... وعاتبي القيم عمرو بن عدي ...
فصار الملك بعد جذيمة لابن أخته عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن الحارث بن مالك بن عمرو بن نمارة بن لخم وهو أول من اتخذ الحيرة منزلا من ملوك العرب وأول من مجده أهل الحيرة في كتبهم من ملوك العرب بالعراق وإليه ينسبون وهم ملوك آل نصر فلم يزل عمرو بن عدي ملكا حتى مات وهو ابن مائة وعشرين سنة منفردا بملكه مستبدا بأمره يغزو المغازي ويصيب الغنائم وتفد عليه الوفود دهره الأطول لا يدين لملوك الطوائف بالعراق ولا يدينون له حتى قدم أردشير بن بابك في أهل فارس
وإنما ذكرنا في هذا الموضع ما ذكرنا من أمر جذيمة وابن أخته عمرو بن عدي لما كنا قدمنا من ذكر ملوك اليمن أنه لم يكن لملكهم نظام وأن الرئيس منهم إنما كان ملكا عل مخلافه ومحجره لا يجاوز ذلك فإن نزع منهم نازع أو نبغ منهم نابغ فتجاوز ذلك إن بعدت مسافة سيره من مخلافه فإنما ذلك منه عن غير ملك له موطد ولا لآبائه ولا لأبنائه ولكن كالذي يكون من بعض من يشرد من المتلصصة فيغير على الناحية باستغفاله أهلها فإذا قصده الطلب لم يكن له ثبات لكذلك كان أمر ملوك اليمن كان الواحد منهم بعد الواحد يخرج عن مخلافه ومحجره أحيانا فيصيب مما يمر به ثم يتشمر عند خوف الطلب راجعا إلى موضعه ومخلافه من غير أن يدين له أحد من غير أهل مخلافه بالطاعة أو يؤدي إليه خرجا حتى كان عمرو بن عدي الذي ذكرنا أمره وهو ابن أخت جذيمة الذي اقتصصنا خبره فإنه اتصل له ولعقبه ولأسبابه الملك على ما كان بنواحي العراق وبادية الحجاز من العرب باستعمال ملوك فارس إياهم على ذلك واستكفائهم أمر من وليهم من العرب إلى أن قتل أبرويز بن هرمز النعمان بن المنذر ونقل ما كانت ملوك فارس يجعلونه إليهم إلى غيرهم فذكرنا ما ذكرنا من أمر جذيمة وعمرو بن عدي من أجل ذلك إذ كنا نريد أن نسوق تمام التاريخ على ملك ملوك فارس ونستشهد على صحة ما روي من أمرهم بما وجدنا إلى الاستشهاد به عليها سبيلا وكان أمر آل نصر بن ربيعة ومن كان من ولاة ملوك الفرس وعمالهم على ثغر العرب الذين هم ببادية العراق عند أهل الحيرة متعالما مثبتا عندهم في كنائسهم وأسفارهم
وقد حدثت عن هشام بن محمد الكلبي أنه قال إني كنت أستخرج أخبار العرب وأنساب آل نصر بن
(1/369)
________________________________________
ربيعة ومبالغ أعمار من عمل منهم لآل كسرى وتاريخ بنيهم من بيع الحيرة وفيها ملكهم وأمورهم كلها
فأما ابن حميد فإنه حدثنا في أمر ولد نصر بن ربيعة ومصيرهم إلى أرض العراق غير الذي ذكره هشام والذي حدثنا به من ذلك عن سلمة عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن ربيعة بن نصر اللخمي رأى رؤيا نذكرها بعد عن ذكر أمر الحبشة وغلبتهم على اليمن وتعبير سطيح وشق وجوابهما عن رؤياه ثم ذكر في خبره ذلك أن ربيعة بن نصر لما فرغ من مسألة سطيح وشق وجوابهما إياه وقع في نفسه أن الذي قالا له كائن من أمر الحبشة فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاذ فأسكنهم الحيرة قال فمن بقية ربيعة بن نصر كان النعمان ملك حيرة وهو النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر ذلك الملك في نسب أهل اليمن وعلمهم
قال أبو جعفر ونذكر الآن أمر طسم وجديس إذ كان أمرهم أيضا كان في أيام ملوك الطوائف وأن فناء جديس كان على يد حسان بن تبع إذ كنا قدمنا فيما مضى ذكر تبابعة حمير الذين كانوا على عهد ملوك فارس
وحدثت عن هشام بن محمد وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق وغيرهما من علماء العرب أن طمسا وجديسا كانوا من ساكني اليمامة وهي إذ ذاك من أخصب البلاد وأعمرها وأكثرها خيرا لهم فيها صنوف الثمار ومعجبات الحدائق والقصور الشامخة وكان عليهم ملك من طسم ظلوم غشوم لا ينهاه شيء عن هواه يقال له عملوق مضرا بجديس مستذلا لهم
وكان مما لقوا من ظلمه واستذلاله أنه أمر بألا تهدى بكر من جديس إلى زوجها حتى تدخل عليه فيفترعها فقال رجل من جديس يقال له الأسود بن غفار لرؤساء قومه قد ترون ما نحن فيه من العار والذل الذي ينبغي للكلاب أن تعافه وتمتعض منه فأطيعوني فإني أدعوكم إلى عز الدهر ونفي الذل قالوا وما ذاك قال إني صانع للملك ولقومه طعاما فإذا جاؤوا نهضنا إليهم بأسيافنا وانفردت به فقتلته وأجهز كل رجل منكم على جليسه فأجابوه إلى ذلك وأجمع رأيهم عليه فأعد طعاما وأمر قومه فانتضوا سيوفهم ودفنوها في الرمل وقال إذا أتاكم القوم يرفلون في حللهم فخذوا سيوفهم ثم شدوا عليهم قبل أن يأخذوا مجالسهم ثم اقتلوا الرؤساء فإنكم إذا قتلتموهم لم تكن السفلة شيئا وحضر الملك فقتل وقتل الرؤساء فشدوا على العامة منهم فأفنوهم فهرب رجل من طسم يقال له رياح بن مرة حتى أتى حسان بن تبع فاستغاث به فخرج حسان في حمير فلما كان من اليمامة على ثلاث قال له رياح أبيت اللعن إن لي أختا متزوجة في جديس يقال لها اليمامة ليس على وجه الأرض أبصر منها إنها لتبصر الراكب من مسيرة ثلاث وإني أخاف أن تنذر القوم ببك فمر أصحابك فليقطع كل رجل منهم شجرة فليجعلها أمامه ويسير وهي في يده فأمرهم حسان بذلك ففعلوا ثم سار فنظرت اليمامة فأبصرتهم فقالت لجديس لقد سارت حمير فقالوا وما الذي ترين قالت أرى رجلا في شجرة ومعه كتف يتعرقها أو نعل يخصفها فكذبوها وكان ذلك كما قالت وصبحهم حسان فأبادهم وأخرب بلادهم وهدم قصورهم وحصونهم
(1/370)
________________________________________
وكانت اليمامة تسمى إذ ذاك جوا والقرية وأتى حسان باليمامة ابنة مرة فأمر بها فققئت عيناها فإذا فيها عروق سود فقال لها ما هذا السواد في عروق عينيك قالت حجير أسود يقال له الإثمد كنت أكتحل به وكانت فيما ذكروا أول من اكتحل بالإثمد فأمر حسان بأن تسمى جو اليمامة
وقد قالت الشعراء من العرب في حسان ومسيره هذا فمن ذلك قول الأعشى ... كوني كمثل الذي إذ غاب وافدها ... أهدت له من بعيد نظرة جزعا ... ما نظرت ذات أشفار كنظرتها ... حقا كما صدق الذئبي إذ سجعا ... إذ قلبت مقلة ليست بمقرفة ... إذ يرفع الآل رأس الكلب فارتفعا ... قالت أرى رجلا في كفه كتف ... أو يخصف النعل لهفى أية صنعا ... فكذبوها بما قالت فصبحهم ... ذو آل حسان يزجي الموت والشرعا ... فاستنزلوا أهل جو من مساكنهم ... وهدموا شاخص البنيان فاتضعا ...
ومن ذلك قول النمر بن تولب العكلي ... هلا سألت بعادياء وبيته ... والخل والخمر التي لم تمنع ... وفتاتهم عنز عشية آنست ... من بعد مرأى في الفضاء ومسمع ... قالت أرى رجلا يقلب كفه ... أصلا وجو آمن لم يفزع ... ورأت مقدمة الخميس وقبله ... رقص الركاب إلى الصياح بتبع ... فكأن صالح أهل جو غدوة ... صبحوا بذيفان السمام المنقع ... كانوا كأنعم من رأيت فأصبحوا ... يلوون زاد الراكب المتمتع ... قالت يمامة احملوني قائما ... إن تبعثوه باركا بي أصرع ...
وحسان بن تبع الذي أوقع بجديس هو ذو معاهر وهو تبع بن تبع تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن تبع بن أقرن وهو أبو تبع بن حسان الذي يزعم أهل اليمن أنه قدم مكة وكسا الكعبة وأه الشعب من المطابخ إنما سمي هذا الاسم لنصبه المطابخ في ذلك الموضع وإطعامه الناس وأن أجيادا إنما سمي أجيادا لأن خيله كانت هنالك وأنه قدم يثرب فنزل منزلا يقال له منزل الملك اليوم وقتل من اليهود مقتلى عظيمة بسبب شكاية من شكاهم إليه من األأوس والخزرج بسوء الجوار وأنه وجه ابنه حسان إلى السندوسمرا ذا الجناح إلى خراسان وأمرهما أن يستبقا إلى الصين فمر سمر بسمرقند فأقام عليها حتى افتتحها وقتل مقاتلتها وسبى وحوى ما فيها ونفذ إلى الصين فوافى حسان بها فمن أهل اليمن من يزعم أنهما ماتا هنالك ومنهم من يزعم أنهما انصرفا إلى تبع بالأموال والغنائم
ومما كان في أيام ملوك الطوائف وما ذكره الله عز و جل في كتابه من أمر الفتية الذين أووا إلى الكهف فضرب على آذانهم
(1/371)

بنالعياط
03-10-2012, 08:26 PM
ذكر الخبر عن أصحاب الكهف
وكان أصحاب الكهف فتية آمنوا بربهم كما وصفهم الله عز و جل به من صفتهم في القرآن المجيد فقال لنبيه محمد صلى الله عليه و سلم أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ( 1 ) والرقيم هو الكتاب الذي كان القوم الذين منهم كان الفتية كتبوه في لوح بذكر خبرهم وقصصهم ثم جعلوه على باب الكهف الذي أووا إليه أو نقروه في الجبل الذي أووا إليه أو كتبوه في لوح وجعلوه في صندوق خلفوه عندهم إذ أوى الفتية إلى الكهف
وكان عدد الفتية فيما ذكر ابن عباس سبعة وثامنهم كلبهم
حدثنا ابن بشار قال حدثنا عبدالرحمن قال حدثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس مايعلمهم إلا قليل ( 2 ) قال أنا من القليل كانوا سبعة
حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول أنا من اولئك القليل الذين استثنى الله تعالى كانوا سبعة وثامنهم كلبهم
قال وكان اسم أحدهم وهو الذي كان يلي شرا الطعام لهم الذي ذكره الله عنهم أنهم قالوا إذ هبوا من رقدتهم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه ( 3 )
حدثني عبدالله بن محمد الزهري قال حدثنا سفيان عن مقاتل فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة اسمه يمنيخ
وأما ابن إسحاق فإنه قال فيما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه اسمه يمليخا
وكان ابن إسحاق يقول كان عدد الفتية ثمانية فعلى قوله كان كلبهم تاسعهم وكان فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق يسميهم فيقول كان أحدهم وهو أكبرهم والذي كلم الملك عن سائرهم مكسملينا والآخر محسملينا والثالث يمليخا والرابع مرطوس والخامس كسوطونس والسادس بيرونس والسابع رسمونس والثامن بطونس والتاسع قالوس وكانوا أحداثا
(1/372)
________________________________________
وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبدالله بن أبي نجيح عن مجاهد قال لقد حدثت أنه كان على بعضهم من حداثة أسنانهم وضح الورق وكانوا من قوم يعبدون الأوثان من الروم فهداهم الله للأسلام وكانت شريعتهم شريعة عيسى في قول جماعة من سلف علمائنا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا الحكم بن بشير قال حدثنا عمرو يعني ابن قيس الملائي في قوله إن أصحاب الكهف والرقيم كانت الفتية على دين عيسى بن مريم صلى الله عليه و سلم على الإسلام وكان ملكهم كافرا وكان بعضهم يزعم أن أمرهم ومصيرهم إلى الكهف كان قبل المسيح وأن المسيح أخبر قومه خبرهم فإن الله عز و جل ابتعثهم من رقدتهم بعد ما رفع المسيح في الفترة بينه وبين محمد صلى الله عليه و سلم والله أعلم أي ذلك كان
فأما الذي عليه علماء أهل الإسلام فعلى أن أمرهم كان بعد المسيح فأما أنه كان في أيام ملوك الطوائف فإن ذلك مما لا يدفعه دافع من أهل العلم بأخبار الناس القديمة
وكان لهم في ذلك الزمان ملك يقال له دقينوس يعبد الأصنام فيما ذكر عنه فبلغه عن الفتية خلافهم إياه في دينه فطلبهم فهربوا منه بدينهم حتى صاروا إلى جبل لهم يقال له فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبدالله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس نيحلوس
وكان سبب إيمانهم وخلافهم به قومهم فيما حدثنا الحسن بن يحيى قال حدثنا عبدالرزاق قال حدثنا معمر قال أخبرني إسماعيل بن سدوس أنه سمع وهب بن منبه يقول جاء حواري عيسى بن مريم إلى مدينة أصحاب الكهف فأراد أن يدخلها فقيل له إن على بابها صنما لا يدخلها أحد إلا سجد له فكره أن يدخلها فأتى حماما وكان فيه قريبا من تلك المدينة فكان يعمل فيه يؤاجر نفسه من صاحب الحمام ورأى صاحب الحمام في حمامه البركة ودر عليه الرزق فجعل يعرض عليه الإسلام وجعل يسترسل إليه وعلقه فتية من أهل المدينة وجعل يخبرهم خبر السماء والأرض وخبر الآخرة حتى آمنوا به وصدقوه وكانوا على مثل حاله في حسن الهيئة وكان يشرط على صاحب الحمام أن الليل لي لا تحول بيني وبين الصلاة إذا حضرت فكان على ذلك حتى جاء ابن الملك بامرأة فدخل بها الحمام فعيره الحواري فقال أنت ابن الملك وتدخل ومعك هذه الكذا فاستحيا فذهب فرجع مرة أخرى فقال له مثل ذلك وسبه وانتهره ولم يلتفت حتى دخل ودخلت معه المرأة فماتا في الحمام جميعا فأتي الملك فقيل له قتل صاحب الحمام ابنك فالتمس فلم يقدر عليه فهرب قال من كان يصحبه فسموا الفتية فالتمسوا فخرجوا من المدينة فمروا بصاحب لهم في زرع له وهو على مثل أمرهم فذكروا أنهم التمسوا وانطلق معهم ومعه الكلب حتى أواهم الليل إلى الكهف فدخلوه فقالوا نبيت ها هنا الليلة ثم نصبح إن شاء الله فترون رأيكم فضرب على آذانهم فخرج الملك في أصحابه يتبعونهم حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف فكلما أراد رجل أن يدخل أرعب فلم يطق أحد أن يدخل فقال قائل أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتهم قال بلى قال فابن عليهم باب الكهف فدعهم فيه يموتوا عطشا وجوعا ففعل فغبروا بعدما بنى عليهم باب الكهف زمانا بعد زمان
ثم إن راعيا أدركه المطر عند الكهف فقال لو فتحت هذا الكهف فأدخلته غنمي من المطر فلم يزل
(1/373)
________________________________________
يعالجه حتى فتحر ما أدخل فيه ورد الله إليهم أرواحهم في أجسادهم من الغد حين أصبحوا فبعثوا أحدهم بورق يشتري لهم طعاما فكلما أتى باب مدينتهم رأى شيئا ينكره حتى دخل على رجل فقال بعني بهذه الدراهم طعاما قال ومن أين لك هذه الدراهم قال خرجت وأصحاب لي أمس فآوانا الليل حتى أصبحوا فأرسلوني فقال هذه الدراهم كانت على عهد الملك فلان فأنى لك بها فرفعه إلى الملك وكان ملكا صالحا فقال من أين لك هذه الورق قال خرجت أنا وأصحاب لي أمس حتى أدركنا الليل في كهف كذا وكذا ثم أمروني أن أشتري لهم طعاما قال وأين أصحابك قال في الكهف قال فانطلقوا معه حتى أتوا باب الكهف فقال دعوني أدخل إلى أصحابي قبلكم فلما رأوه ودنا منهم ضرب على أذنه وآذانهم فجعلوا كلما دخل رجل أرعب فلم يقدروا على أن يدخلوا إليهم فبنوا عندهم كنيسة واتخذوها مسجدا يصلون فيه
حدثنا الحسن بن يحيى قال حدثنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة عن عكرمة قال كان أصحاب الكهف أبناء ملوك الروم رزقهم الله الإسلام فتفردوا بدينهم واعتزلوا قومهم حتى انتهوا إلى الكهف فضرب الله على سمخانهم فلبثوا دهرا طويلا حتى هلكت أمتهم وجاءت أمة مسلمة وكان ملكهم مسلما واختلفوا في الروح والجسد فقال قائل تبعث الروح والجسد جميعا وقال قائل تبعث الروح وأما الجسد فتأكله الأرض فلا يكون شيئا فشق على ملكهم اختلافهم فانطلق فلبس المسوح وجلس على الرماد ثم دعا الله عز و جل فقال يا رب قد ترى اختلاف هؤلاء فابعث لهم ما يبين لهم فبعث الله أصحاب الكهف فبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاما فدخل السوق فجعل ينكر الوجوه ويعرف الطرق ويرى الإيمان بالمدينة ظاهرا فانطلق وهو مستخف حتى أتى رجلا يشتري منه طعاما فلما نظر الرجل إلى الورق أنكرها قال حسبت أنه قال كأنها أخفاف الربع يعني الإبل الصغار قال له الفتى أليس ملككم فلان قال بل ملكنا فلان فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك فسأله فأخبره الفتى خبر أصحابه فبعث الملك في الناس فجمعهم فقال إنكم قد اختلفتم في الروح والجسد وإن الله عز و جل قد بعث لكم آية فهذا رجل من قوم فلان يعني ملكهم الذي مضى فقال الفتى انطلقوا بي إلى أصحابي فركب الملك وركب معه الناس حتى انتهى إلى الكهف فقال الفتى دعون أدخل إلى أصحابي فلما أبصرهم ضرب الله على أذنه وعى آذانهم فلما استبطؤوه دخل الملك ودخل الناس معه فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئا غير أنها لا أرواح فيها فقال الملك هذه آية بعثها الله لكم
قال قتادة وغزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة فمروا بالكهف فإذا فيه عظام فقال رجل هذه عظام أصحاب الكهف فقال ابن عباس لقد ذهبت عظامهم منذ أكثر من ثلاثمائة سنة
قال أبو جعفر فكان منهم
(1/374)

بنالعياط
03-10-2012, 08:46 PM
يونس بن متى
فكان فيما ذكر من أهل قرية من قرى الموصل يقال لها نينوى وكان قومه يعبدون الأصنام فبعث الله إليهم يونس بالنهي عن عبادتها والأمر بالتوبة إلى الله من كفرهم والأمر بالتوحيد فكان من أمره وأمر الذين بعث إليهم ما قصه الله في كتابه فقال عز و جل فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ( 1 ) وقال وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ( 2 )
وقد اختلف السلف من علماء أمة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم في ذهابه لربه مغاضبا وظنه أن لن يقدر عليه وفي حين ذلك
فقال بعضهم كان ذلك منه قبل دعائه القوم الذين أرسل إليهم وقبل إبلاغه إياهم رسالة ربه وذلك أن القوم الذين أرسل إليهم لما حضرهم عذاب الله أمر بالمصير إليهم ليعلمهم ما قد أظلهم من ذلك لينيبوا مما هم عليه مقيمون مما يسخطه الله فاستنظر ربه المصير إليهم فلم ينظره فغضب لاستعجال الله إياه للنفوذ لأمره وترك إنظاره
ذكر من قال ذلك
حدثني الحارث قال حدثنا الحسن الأشيب قال سمعت أبا هلال محمد بن سليم قال حدثنا شهر بن حوشب قال أتاه جبريل عليه السلام يعني يونس وقال انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم قال ألتمس دابة قال الأمر أعجل من ذلك قال ألتمس حذاء قال الأمر أعجل من ذلك قال فغضب فانطلق إلى السفينة فركب فلما ركب احتبست السفينة لا تقدم ولا تأخر قال فساهمو قال فسهم فجاء الحوت يبصبص بذنبه فنودي الحوت أيا حوت إنا لم نجعل يونس لك رزقا إنما جعلناك له حرزا ومسجدا فالتقمه الحوت فانطلق به من ذلك المكان حتى مر به على الأيلة ثم انطلق حتى مر به على دجلة ثم انطلق به حتى ألقاه في نينوى
حدثني الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا أبو هلال قال حدثنا شهر بن حوشب عن ابن
(1/375)
________________________________________
عباس قال إنما كانت رسالة يونس بعدما نبذه الحوت
وقال آخرون كان ذلك منه بعد دعائه من أرسل إليهم إلى ما أمره الله بدعائهم إليه وتبليغه إياهم رسالة ربه ولكنه وعدهم نزول ما كان حذرهم من بأس الله وقت وقته لهم ففارقهم إذ لم يتوبوا ولم يراجعوا طاعة الله والإيمان فلما أظل القوم عذاب الله فغشيهم كما وصف الله في تنزيله تابوا إلى الله فرفع الله عنهم العذاب وبلغ يونس سلامتهم وارتفاع العذاب الذي كان وعدهموه فغضب من ذلك وقال وعدتهم وعدا فكذب وعدي فذهب مغاضبا ربه وكره الرجوع إليهم وقد جربوا عليه الكذب
ذكر بعض من قال ذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن يزيد بن زياد عن عبدالله بن أبي سلمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال بعثه الله تعالى يعني يونس إلى أهل قريته فردوا عليه ما جاءهم به وامتنعوا منه فلما فعلوا ذلك أوحى ألله إليه إني مرسل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا فاخرج من بين أظهرهم فأعلم قومه الذي وعدهم الله من عذابه إياهم فقالوا ارمقوه فإن هو خرج من بين أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم فلما كانت الليلة التي وعدوا العذاب في صبيحتها أدلج وراءه القوم فحذروا فخرجوا من القرية إلى بزاز من أرضهم وفرقوا بين كل دابة وولدها ثم عجوا إلى الله واستقالوه فأقالهم وتنظر يونس الخبر عن القرية وأهلها حتى مر به مار فقال ما فعل أهل القرية فقال فعلوا أن نبيهم لما خرج من بين أظهرهم عرفوا أنه صدقهم ما وعدهم من العذاب فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض وفرقوا بين كل ذات ولد وولدها ثم عجوا إلى الله وتابوا إليه فقبل منهم وأخر عنهم العذاب قا فقال يونس عند ذلك وغضب والله لا أرجع إليهم كذابا أبدا وعدتهم العذاب في يوم ثم رد عنهم ومضى على وجهه مغاضبا لربه فاستزله الشيطان
حدثني المثنى بن إبراهيم قال حدثنا إسحاق بن الحجاج قال
حدثنا عبدالله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع بن أنس قال حدثنا رجل قد قرأ القرآن في صدره في إمارة عمر بن الخطاب فحدث عن قوم يونس حيث أنذر قومه فكذبوه فأخبرهم أنه مصيبهم العذاب وفارقهم فلما رأوا ذلك وغشيهم العذاب لكنهم خرجوا من مساكنهم وصعدوا في مكان رفيع وأنهم جأروا إلى ربهم ودعوه مخلصين له الدين أن يكشف عنهم العذاب وأن يرجع إليهم رسولهم قال ففي ذلك أنزل الله تعالى فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ( 1 ) فلم يكن قرية غشيها العذاب ثم أمسك عنها إلا قوم يونس خاصة فلما رأى ذلك يونس لكنه ذهب عاتبا على ربه وانطلق مغاضبا وظن أن لن يقدر عليه حتى ركب سفينة فأصاب أهلها عاصف من الريح فقالوا هذه بخطيئة أحدكم وقال يونس وقد عرف أنه هو صاحب الذنب هذه بخطيئتي فألقوني في البحر وإنهم أبوا عليه حتى أفاضوا بسهامهم فساهم فكان من المدحضين ( 2 ) فقال لهم قد أخبرتكم أن هذا الأمر بذنبي وإنهم أبوا عليه أن يلقوه في
(1/376)
________________________________________
البحر حتى أفاضوا بسهامهم الثانية فكان من المدحضين فقال لهم قد أخبرتكم أن هذا الأمر بذنبي وإنهم أبوا عليه أن يلقوه في البحر حتى أفاضوا بسهامهم الثالثة فكان من المدحضين فلما رأى ذلك ألقى نفسه في البحر وذلك تحت الليل فابتلعه الحوت فنادى في الظلمات ( 1 ) وعرف الخطيئة أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ( 1 ) وكان قد سبق له من العمل الصالح فأنزل الله فيه فقال فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون وذلك أن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر فنبذناه في العراء وهو سقيم ( 2 ) وألقي على ساحل البحر وأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهي فيما ذكر شجرة القرع يتقطر عليه من اللبن حتى رجعت إليه قوته ثم رجع ذات يوم إلى الشجرة فوجدها قد يبست فحزن وبكى عليها فعوتب فقيل له أحزنت على شجرة وبكيت عليها ولم تحزن على مائة ألف أو زيادة أردت هلاكهم جميعا
ثم إن الله اجتباه من الضلالة فجعله من الصالحين ثم أمر أن يأتي قومه ويخبرهم أن الله قد تاب عليهم فعمد إليهم حتى لقي راعيا فسأله عن قوم يونس وعن حالهم وكيف هم فأخبره أنهم بخير وأنهم على رجاء أن يرجع إليهم رسولهم فقال له فأخبرهم أني قد لقيت يونس فقال لا أستطيع إلا بشاهد فسمى له عنزا من غنمه فقال هذه تشهد لك أنك قد لقيت يونس قال وماذا قال وهذه البقعة التي أنت فيها تشهد لك أنك قد لقيت يونس قال وماذا قال وهذه الشجرة تشهد لك أنك قد لقيت يونس وإنه رجع الراعي إلى قومه فأخبرهم أنه لقي ويونس فكذبوه وهموا به شرا فقال لا تعجلوا علي حتى أصبح فلما أصبح إذا بهم إلى البقعة التي لقي فيها يونس فاستنطقها فأخبرته أنه لقي يونس وسأل العنز فأخبرتهم أنه لقي يونس واستنطقوا الشجرة فأخبرتهم إنه قد لقي يونس ثم إنه أتاهم بعد ذلك قال وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين ( 3 )
حدثني الحسن بن عمرو بن محمد العنقزي قال حدثنا أبي عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو ببن ميمون الأودي قال حدثنا ابن مسعود في بيت المال قال إن يونس كان وعد قومه العذاب وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام ففرقوا بين كل والدة وولدها ثم خرجوا فجأروا إلى الله واستغفروه فكف الله عنهم العذاب وغدا يونس ينتظر العذاب فلم ير شيئا وكان من كذب ولم يكن له بينة قتل فانطلق مغاضبا فنادى في الظلمات قال ظلمة بطن الحوت وظلمة الليل وظلمة البحر
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عمن حدثه عن عبدالله بن رافع مولى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه و سلم قال سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحما ولا تكسر عظما فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه من البحر فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه ما هذا فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت إن هذا تسبيح دواب البحر قال فسبح وهو في بطن الحوت قال فسمعت الملائكة
(1/377)
________________________________________
تسبيحه فقالوا يا ربنا إنا لنسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة قال ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر قالوا العبد ا لصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح قال نعم قال فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت فقذفه في الساحل كما قال الله وهو سقيم وكان سقمه الذي وصفه الله به أنه ألقاه الحوت على الساحل كالصبي المنفوس قد بشر اللحم والعظم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن يزيد بن زياد عن عبدالله بن أبي سلمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال خرج به يعني الحوت حتى لفطه في ساحل البحر فطرحه مثل الصبي المنفوس لم ينقص من خلقه شيء
حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال حدثني أبو صخر قال أخبرني ابن قسيط أنه سمع أبا هريرة يقول طرح بالعراء فأنبت الله عليه يقطينة فقلنا يا أبا هريرة وما اليقطينة قال شجرة الدباء هيأ الله له أروية وحشية تأكل من حشاش الأرض أو هشاش الأرض فتفشح عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت
ومما كان أيضا في أيام ملوك الطوائف
(1/378)

بنالعياط
03-10-2012, 09:02 PM
إرسال الله رسله الثلاثة
الذين ذكرهم في تنزيله فقال واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون ( 1 ) الآيات التي ذكر تعالى ذكره في خبرهم
واختلف السلف في أمرهم فقال بعضهم كان هؤلاء الثلاثة الذين ذكرهم الله في هذه الآيات وقص فيها خبرهم أنبياء ورسلا أرسلهم إلى بعض ملوك الروم وهو أنطيخس والقرية التي كان فيها هذا الملك الذي أرسل الله إليه فيها هؤلاء الرسل أنطاكية
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال كان من حديث صاحب يس فيما حدثنا محمد بن إسحاق قال مما بلغه عن كعب الأحبار وعن وهب بن منبه اليماني أنه كان رجلا من أهل أنطاكية وكان اسمه حبيبا وكان يعمل الحرير وكان رجلا سقيما قد أسرع فيه الجذام وكان منزله عند باب من أبواب المدينة قاصيا وكان مؤمنا ذا صدقة يجمع كسبه إذا أمسى فيما يذكرون فيقسمه نصفين فيطعم نصفا عياله ويتصدق بنصف فلم يهمه سقمه ولا عمله ولا ضعفه حين طهر قلبه واستقامت فطرته وكان بالمدينة الني هو بها مدينة أنطاكية فرعون من الفراعنة يقال له أنطيخس بن أنطيخس بن أنطيخس يعبد الأصنام صاحب شرك فبعث الله المرسلين وهم ثلاثة صادق وصدوق وشلوم فقدم الله إليه وإلى أهل مدينته منهم اثنين فكذبوهما ثم عزز الله بثالث
وقال آخرون بل كانوا من حواريي عيسى بن مريم ولم يكونوا رسلا لله وإنما كانوا رسل عيسى بن مريم ولكن إرسال عيسى بن مريم إياهم لما كان عن أمر الله تعالى ذكره إياه بذلك أضيف إرساله إياهم إلى الله فقيل إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث
ذكر من قال ذلك
حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قال ذكر لنا أن عيسى بن مريم بعث رجلين من الحواريين إلى أنطاكية
(1/379)
________________________________________
مدينة بالروم فكذبوهما فأعزهما بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون الآية رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق فلما دعته الرسل ونادته بأمر الله وصدعت بالذي أمرت به وعابت دينهم وما هم عليه قال أصحاب القرية لهم إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم قالت لهم الرسل طائركم معكم أي أعمالكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسروفون فلما أجمع هو وقومه على قتل الرسل بلغ ذلك حبيبا وهو على باب المدينة الأقصى فجاء يسعى إليهم يذكرهم الله ويدعوهم إلى اتباع المرسلين فقال يا قوم اتبعوا المرسلين واتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون أي لا يسألونكم أموالكم على ما جاؤوكم به من الهدى وهم لكم ناصحون فاتبعوهم تهتدوا بهداهم
حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال لما انتهى يعني حبيبا إلى الرسل قال هل تسألون على هذا من أجر قالوا لا قال عند ذلك ياقوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق ثم ناداهم بخلاف ما هم عليه من عبادة الأصنام وأظهر لهم دينه وعبادة ربه وأخبرهم أنه لا يملك نفعه ولا ضره غيره فقال وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة إلى قوله إني آمنت بربكم فاسمعون أي آمنت بربكم الذي كفرتم به فاسمعوا قولي فلما قال له ذلك وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه واستضعفوه ل ضعفه وسقمه ولم يكن أحد يدفع عنه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق عن بعض أصحابه أن عبدالله بن مسعود كان يقول وطؤوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره
وقال الله له ادخل الجنة فدخلها حيا يرزق فيها قد أذهب الله عنه سقم الدنيا وحزنها ونصبها فلما أفضى إلى رحمة الله وجنته وكرامته قال يا ليت قومي يعلمون بما غر لي ربي وجعلني من المكرمين وغضب الله له لاستضعافهم إياه غضبة لم يبق معها من القوم شيئا فعجل لهم النقمة بما استحلوا منه وقال وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين يقول ما كابدناهم بالجموع أي الأمر أيسر علينا من ذلك إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون فأهلك الله ذلك الملك وأهل أنطاكية فبادوا عن وجه الأرض فلم يبق منهم باقية
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم أبي القاسم مولى عبدالله بن الحارث بن نوفل عن مجاهد عن عبدالله بن عباس أنه كان يقول كان اسم صاحب يس حبيبا وكان الجذام قد أسرع فيه
حدثنا ابن بشار قال حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن عاصم الأحول عن أبي مخلد قال كان اسم صاحب يس حبيب بن مري
وكان فيهم
(1/380)
________________________________________
شمسون وكان من أهل قرية من قرى الروم قد هداه الله لرشده وكان قومه أهل أوثان يعبدونها فكان من خبره وخبرهم فيما ذكر ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن المغيرة بن أبي لبيد عن وهب بن منبه اليماني أن شمسون كان يهم رجلا مسلما وكانت أمه قد جعلته نذيرة وكان من أهل قرية من قراهم كانوا كفارا يعبدون الأصنام وكان منزله منها على أميال غير كثيرة وكان يغزوهم وحده ويجاهدهم في الله فيصيب منهم وفيهم حاجته فيقتل ويسبي ويصيب المال وكان إذا لقيهم بلحي بعير لا يلقاهم بغيره فإذا قاتلوه وقاتلهم وتعب وعطش انفجر له من الحجر الذي مع اللحي ماء عذب فيشرب منه حتى يروى وكان قد أعطي قوة في البطش وكان لا يوثقه حديد ولا غيره وكان على ذلك يجاهدهم في الله ويغزوهم ويصب منهم حاجته لا يقدرون منه على شيء حتى قالوا لن تأتوه إلا من قبل امرأته فدخلوا على امرأته فجعلوا لها جعلا فقالت نعم أنا أوثقه لكم فأعطوها حبلا وثيقا وقالوا إذا نام فأوثقي يده إلى عنقه حتى نأتيه فنأخذه فلما نام أوثقت يده إلى عنقه بذلك الحبل فلما هب جلبه بيده فوقع من عنقه فقال لها لم فعلت فقالت أجرب به قوتك ما رأيت مثلك قط فأرسلت إليهم أني قد ربطته بالحبل فلم أغن عنه شيئا فأرسلوا إليها بجامعة من حديد فقالوا إذا نام فاجعليها في عنقه فلما نام جعلتها في عنقه ثم أحكمتها فلما هب جذبها فوقعت من يده ومن عنقه فقال لها لم فعلت هذا قالت أجرب به قوتك ما رأيت مثلك في الدنيا يا شمسون أما في الأرض شيء يغلبك قال لا إلا شيء واحد قالت وما هو قال ما أنا بمخبرك به فلم تزل به تسأله عن ذلك وكان ذا شعر كثير فقال لها ويحك إن أمي جعلتني نذيرة فلا يغلبني شيء أبدا ولا يضبطني إلا شعري فلما نام أوثقت يده إلى عنقه بشعر رأسه فأوثقه ذلك وبعثت إلى القوم فجاؤوا فأخذوه فجدعوا أنفه وأذنيه وفقأوا عينيه ووقفوه للناس بين ظهراني المئذنة وكانت مئذنة ذات أساطين وكان ملكهم قد أشرف عليها بالناس لينظروا إلى شمسون وما يصنع به فدعا الله شمسون حين مثلوا به ووقفوه أن يسلجه عليهم فأمر أن يأخذ بعمودين من عمد المئذنة التي عليها الملك والناس الذين معه فيجذبهما فجذبهما فرد الله عليه بصره وما أصابوا من جسده ووقعت المئذنة بالملك ومن عليها من الناس فهلكوا فيه هدما
(1/381)

بنالعياط
03-10-2012, 09:57 PM
ذكر خبر جرجيس
وكان جرجيس فيما ذكر عبدا لله صالحا من أهل فلسطين ممن أدرك بقايا من حواريي عيسى بن مريم وكان تاجرا يكسب بتجارته ما يستغني به عن الناس ويعود بالفضل على أهل المسكنة وإنه تجهز مرة إلى ملك بالموصل كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن وهب بن منبه وغيره من أهل العلم أنه كان بالموصل داذانه وكان قد ملك الشأم كله وكان جبارا عاتيا لا يطيقه إلا الله تعالى وكان جرجيس رجلا صالحا من أهل فلسطين وكان مؤمنا يكتم إيمانه في عصبة معه صالحين يستخفون بإيمانهم وكانوا قد أدركوا بقايا من الحواريين فسمعوا منهم وأخذوا عنهم وكان جرجيس كثير المال عظيم التجارة عظيم الصدقة فكان يأتي عليه الزمان يتلف ماله في الصدقة حتى لا يبقى منه شيء حتى يصير فقيرا ثم يضرب الضربة فيصيب مثل ماله أضعافا مضاعفة فكانت هذه حاله في المال وكان إنما يرغب في المال ويعمره ويكسبه من أجل الصدقة لولا ذلك كان الفقر أحب إليه من الغنى
وكان لا يأمن ولاية المشركين عليه مخافة أن يؤذوه في دينه أو يفتنوه عنه فخرج يؤم ملك الموصل ومعه مال يريد أن يهديه له لئلا يجعل لأحد من تلك الملوك عليه سلطانا دونه فجاءه حين جاءه وقد برز في مجلس له وعنده عظماء قومه وملوكهم وقد أوقد نارا وقرب أصنافا من أصناف العذاب الذي كان يعذب به من خالفه وقد أمر بصنم يقال له أفلون فنصب فالناس يعرضون عليه فمن لم يسجد له ألقي في تلك النار وعذب بأصناف ذلك العذاب فلما رأى جرجيس ما يصنع فظع به وأعظمه وحدث نفسه بجهاده وألقى الله في نفسه بغضه ومحاربته فعمد إلى المال الذي أراد أن يهديه له فقسمه في أهل ملته حتى لم يبق منه شيئا وكره أن يجاهده بالمال وأحب أن بلي ذلك بنفسه فأقبل عليه عندما كان أشد غضبا وأسفا فقال له اعلم أنك عبد مملوك لا تملك لنفسك شيئا ولا لغيرك وأن فوقك ربا هو الذي يملكك وغيرك وهو الذي خلقك ورزقك وهو الذي يحييك ويميتك ويضرك وينفعك وأنت قد عمدت إلى خلق من خلقه قال له كن فكان أصم أبكم لا ينطق ولا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع ولا يغني عنك من الله شيئا فزينته بالذهب والفضة لتجعله فتنة للناس ثم عبدته دون الله وأجبرت عليه عباد الله ودعوته ربا
فكلم الملك جرجيس بنحو هذا من تعظيم الله وتمجيده وتعريفه أمر الصنم وأنه لا تصلح عبادته فكان من جواب الملك إياه مسألته إياه عنه ومن هو ومن أين هو فأجابه جرجيس أن قال أنا
(1/382)
________________________________________
عبدالله وابن عبده وابن أمته أذل عباده وأفقرهم إليه من التراب خلقت وفيه أصير أخبره ما الذي جاء به وحاله وإنه دعا ذلك الملك جرجيس إلى عبادة الله ورفض عبادة الأوثان وإن الملك دعا جرجيس إلى عبادة الصنم الذي يعبده وقال لو كان ربك الذي تزعم أنه ملك الملوك كما تقول لرئي عليه أثره كما ترىأثري على من حولي من ملوك قومي
فأجابه جرجيس بتمجيد الله وتعظيم أمره وقال له فيما قال أين تجعل طرقبلينا وما نال بولايتك فإنه عظيم قومك من إلياس وما نال إلياس بولاية الله فإن إلياس كان بدؤه آدميا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فلم تتناه به كرامة الله حتى أنبت له الريش والبسه النور فصار إنسيا ملكيا سمائيا أرضيا يطير مع الملائكة وحدثني أين تجعل مجليطيس وما نال بولايتك فإنه عظيم قومك من المسيح بن مريم وما نال بولاية ألله فإن الله فضله على رجال العالمين وجعله وأمه آية للمعتبرين ثم ذكر من أمر المسيح ما كان الله خصه به من الكرامة وقال أيضا وحدثني أين تجعل أم هذا الروح الطيب التي اختارها الله لكلمته وطهر جوفها لروحه وسودها على إمائه فأين تجعلها وما نالت بولاية الله من أزبيل وما نالت بولايتك فإنها إذ كانت من شيعتك وملتك أسلمها الله عند عظيم ملكها إلى نفسها حتى اقتحمت عليها الكلاب في بيتها فانتهشت لحمها وولغت دمها وجرت الثعالب والضباع أوصالها فأين تجعلها وما نالت بولايتك من مريم ابنة عمران وما نالت بولاية الله
فقال له الملك إنك لتحدثنا عن أشياء ليس لنا بها علم فأتني بالرجلين اللذين ذكرت أمرهما حتى أنظر إلريهما وأعتبر بهما فإني أنكر أن يكون هذا في الشر
فقال له جرجيس إنما جاءك الإنكار من قبل الغرة بالله وأما الرجلان فلن تراهما ولن يرياك إلا أن تعمل بعملهما فتنزل منازلهما
فقال له الملك أما نحن فقد أعذرنا إليك وقد تبين لنا كذبك لأنك فخرت بأمور عجزت عنها ولم تأت بتصديقها ثم خير الملك جرجيس بين العذاب وبين السجود لأفلون فيثيبه
فقال له جرجيس إن كان أفلون هو الذي رفع السماء وعدد عليه أسياء من قدرة الله فقد أصبت ونصحت لي وإلا فاخسأ أيها النجس الملعون
فلما سمعه الملك يسبه ويسب آلهته غضب من قوله غضبا شديدا وأمر بخشبة فنصبت له للعذاب وجعلت عله أمشاط الحديد فخدش بها جسده حتى تقطع لحمه وجلده وعروقه ينضح خلال ذلك بالخل والخردل فلما رأى ذلك لم يقتله أمر بستة مسامير من حديد فأحميت حتى إذا جعلت نارا أمر بها فسمر بها رأسه حتى سال منه دماغه فلما رأى ذلك لم يقتله أمر بحوض من نحاس فأوقد عليه حتى إذا جعله نارا أمر به فأدخل في جوفه وأطبق عليه فلم يزل فيه حتى برد حره
فلما رأى ذلك لم يقتله دعا به فقال ألم تجد ألم هذا العذاب الذي تعذب به فقال له جرجيس أما أخبرتك أن لك ربا هو أولى بك من نفسك قال بلى قد أخبرتني قال فهو الذي حمل عني عذابك وصبرني ليحتج عليك فلما قال له ذلك أيقن بالشر وخافه على نفسه وملكه وأجمع رأيه على أن يخلده في
(1/383)
________________________________________
السجن فقال الملأ من قومه إنك إن تركته طليقا يكلم الناس أوشك أن يميل بهم عليك ولكن مر له بعذاب في السجن سشغله عن كلام الناس فأمر فبطح في السجن على وجهه ثم أوتد في يديه ورجليه أربعة أوتاد من حديد في كل ركن منها وتد ثم أمرر بأسطوان من رخام فوضع على ظهره حمل ذلك الأسطوان سبعة رجال فلم يقلوه ثم أربعة عشر رجلا فلم يقلوه ثم ثمانية عشر رجلا فأقلوه فظل يومه ذلك موتدا تحت الحجر
فلما أدركه الليل أرسل الله إليه ملكا وذلك أول ما أيد بالملائكة وأول ما جاءه الوحي فقلع عنه الحجر ونزع الأوتاد من يديه ورجليه وأطعمه وسقاه وبشره وعزاه فلما أصبح أخرجه من السجن وقال له الحق بعدوك فجاهده في الله حق جهاده فإن الله يقول لك أبشر واصبر فإن أبتليك بعدوي هذا سبع سنين يعذبك ويقتلك فيهن أربع مرار في كل ذلك أرد إليك روحك فإذا كانت القتلة الرابعة تقبلت روحك وأوفيتك أجرك فلم يشعر الآخرون إلا وقد وقف جرجيس على رؤوسهم يدعوهم إلى الله فقال له الملك أجرجيس قال نعم قال من أخرجك من السجن قال أخرجني الذي سلطانه فوق سلطانك فلما قال له ذلك ملىء غيظا فدعا بأصناف العذاب حتى لم يخلف منها شيئا فلما رآها جرجيس تصنف له أوجس في نفه خيفة وجزعا ثم أقبل على نفسه يعاتبها بأعلى صوته وهم يسمعون فلما فرغ من عتابه نفسه مدوه بين خشبتين ووضعوا عليه سيفا على مفرق رأسه فوشروه حتى سقط بين رجليه وصار جزلتين ثم عمدوا إلى جزلتيه فقطعوهما قطعا وله سبعة أسد ضارية في جب وكانت صنفا من أصناف عذابه ثم رموا بجسده إليها فلما هوى نحوها أمر الله الأسد فخضعت برؤوسها وأعناقها وقامت على براثنها لا تألو أن تقيه الأذى فظل يومه ذلك ميتا فكانت أول ميتة ذاقها فلما أدركه الليل جمع الله له جسده الذي قطعوه بعضه على بعض حتى سواه ثم رد فيه روحه وأرسل ملكا فأخرجه من قعر الجب وأطعمه وسقاه وبشره وعزاه فلما أصبحوا قال له الملك يا جرجيس قال لبيك قال اعلم أن القدرة التي خلق آدم بها من تراب هي التي أخرجتك من قعر الجب فالحق بعدوك ثم جاهده في الله حق جهاده ومت موت الصابرين
فلم يشعر الآخرون إلا وقد أقبل جرجيس وهم عكوف على عيد لهم قد صنعوه فرحا زعموا بموت جرجيس فلما نظروا إلى جرجيس مقبلا قالوا ما أشبه هذا بجرجيس قالوا كأنه هو قال الملك ما بجرجيس من خفاء إنه لهو ألا ترون إلى سكون ريحه وقلة هيبته قال جرجيس بلى أنا هو حقا بئس القوم أنتم قتلتم ومثلتم فكان الله وحق له خيرا وأرحم منكم أحياني ورد علي روحي هلم إلى هذا الرب العظيم الذي أراكم ما أراكم فلما قال لهم ذلك أقبل بعضهم على بعض فقالوا ساحر سحر أيديكم وأعينكم عنه فجمعوا له من كان ببلادهم من السحرة فلما جاء السحرة قال الملك لكبيرهم أعرض علي من كبير سحرك ما تسري به عني قال له ادع لي بثور من البقر فلما أتي به نفث في إحدى أذنيه فانشقت باثنتين ثم نفث في الأخرى فإذا هو ثوران ثم أمر ببذر فحرث وبذر ونبت الزرع وأينع وحصد ثم داس وذرى وطحن وعجن وخبز وأكل ذلك في ساعة واحدة كما ترون قال له الملك هل تقدر على أن تمسخه لي دابة قال الساحر أي دابة أمسخه لك قال كلبا قال ادع لي بقدح من ماء فلما أتي بالقدح نفث فيه الساحر ثم قال للملك اعزم عليه أن يشربه فشربه جرجيس حتى أتى على
(1/384)
________________________________________
آخره فلما فرغ منه قال له الساحر ماذا تجد قال ما أجد إلا خيرا قد كنت عطشت فلطف الله لي بهذا الشراب فقواني به عليكم فلما قال له ذلك أقبل الساحر على الملك فقال اعلم أيها الملك أنك لو كنت تقاسي رجلا مثلك إذا كنت غلبته ولكنك تقاسي جبار السموات وهو الملك الذي لا يرام
وقد كانت امرأة مسكينة سمعت بجرجيس وما يصنع من الأعاجيب فأتته وهو في أشد ما هو فيه من البلاء فقالت له يا جرجيس إني امرأة مسكينة لم يكن لي مال ولا غيش إلا ثور كنت أحرث عليه فمات وجئتك لترحمني وتدعو الله أن يحيي لي ثوري فذرفت عيناه ثم دعا الله أن يحيي لها ثورها وأعطاها عصا فقال اذهبي إلى ثورك فاقرعيه بهذه العصا وقولي له احي بإذن الله فقالت يا جرجيس مات ثوري منذ أيام وتفرقته السباع وبيني وبينك أيام فقال لو لم تجدي منه إلا سنا واحد ثم فرعتها بالعصا لقام بإذن الله فانطلقت حتى أتت مصرع ثورها فكان أول شيء بدا لها من ثورها أحد روقيه وشعر ذنبه فجمعت أحدهما إلى الآخر ثم قرعتهما بالعصا التي أعطاها وقالت كما أمرها فعاش ثورها وعملت عليه حتى جاءهم الخبر بذلك
فلما قال الساحر للملك ما قال قال رجل من أصحاب الملك وكان أعظمهم بعد الملك اسمعوا مني أيها القوم أحدثكم قالوا نعم فتكلم قال إنكم قد وضعتم أمر هذا الرجل على السحر وزعمتم أنه سحر أيديكم عنه وأعينكم فأراكم أنكم تعذبونه ولم يصل إليه عذابكم وأراكم أنكم قد قتلتموه فلم يمت فهل رأيتم ساحرا قط قدر أن يدرأ عن نفسه الموت أو أحيا ميتا قط ثم قص عليهم فعل جرجيس وفعلهم به وفعله بالثور وصاحبته واحتج عليهم بذلك كله فقالوا له إن كلامك لكلام رجل قد أصغى إليه قال ما زال أمره معجبا منذ رأيت منه ما رأيت قالوا له فلعله استهواك قال بل آمنت وأشهد الله أني بريء مما تعبدون فقام إليه الملك وصحابته بالخناجر فقطعوا لسانه فلم يلبث أن مات وقالوا أصابه الطاعون فأعجله الله قبل أن يتكلم
فلما سمع الناس بموته أفزعهم وكتموا شأنه فلما رآهم جرجيس يكتمونه برز للناس فكشف له أمره وقص عليهم كلامه فاتبعه على كلامه أربعة آلاف وهو ميت فقالوا صدق ونعم ما قال يرحمه الله فعمد إليهم الملك فأوثقهم ثم لم يزل يلون لهم العذاب ويقتلهم بالمثلاث حتى أفناهم
فلما فرغ منهم أقبل على جرجيس فقال له هلا دعوت ربك فأحيا لك أصحابك هؤلاء الذين قتلوا بجريرتك فقال له جرجيس ما خلى بينك وبينهم حتى خار لهم فقال رجل من عظمائهم يقال له مجليطيس إنك زعمت يا جرجيس إن إلهك هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وإني سائلك أمرا إن فعله إلهك آمنت بك وصدقتك وكفيتك قومي هؤلاء هذه تحتنا أربعة عشر منبرا حيث ترى ومائدة بيننا عليها أقداح وصحاف وكل صنع من الخشب اليابس ثم هو من أشجار شتى فادع ربك ينشىء هذه الآنية وهذه المنابر وهذه المائدة كما بدأها أول مرة حتى تعود خضرا نعرف كل عود منها بلونه وورقه وزهره وثمره
فقال له جرجيس قد سألت أمرا عزيزا علي وعليك وإنه على الله لهين فدعا ربه فما برحوا مكانهم حتى اخضرت تلك المنابر وتلك الآنية كلها فساخت عروقها وألبست اللحاء وتشعبت ونبت ورقها وزهرها وثمرها حتى عرفوا كل عود منها باسمه ولونه وزهره وثمره
(1/385)
________________________________________
فلما نظروا إلى ذلك انتدب له مجليطيس الذي تمنى عليه ما تمنى فقال أنا أعذب لكم هذا الساحر عذابا يضل عنه كيده فعمد إلى نحاس فصنع منه صورة ثور جوفاء واسعة ثم حشاها نفطا ورصاصا وكبريتا وزرنيخا ثم أدخل جرجيس مع الحشو في جوفها ثم أوقد تحت الصورة فلم يزل يوقد حتى التهبت الصورة وذاب كل شيء فيها واختلط ومات جرجيس في جوفها فلما مات أرسل الله ريحا عاصفا فملأت السماء سحابا أسود مظلما فيه رعد لا يفتر وبرق وصواعق متداركات وأرسل الله إعصارا عصفا فملأت بلادهم عجاجا وقتاما حتى اسود ما بين السماء والأرض وأظلم ومكثوا أياما متحيرين في تلك الظلمة لا يفصلون بين الليل والنهار وأرسل الله ميكائيل فاحتمل الصورة التي يها جرجيس حتى إذا أقلها ضرب بها الأرض ضربا فزع من روعته أهل الشأم أجمعون وكلهم يسمعه في ساعة واحدة فخروا لوجوههم صعقين من شدة الهول وانكسرت الصورة فخرج منها جرجيس حيا فلما وقف يكلمهم انكشفت الظلمة وأسفر ما بين السماء والأرض ورجعت إليهم أنفسهم فقال له رجم منهم يقال له طرقبلينا لا ندري يا جرجيس أنت تصنع هذه العجائب أم ربك فإن كان هو الذي يصنعها فادعه يحي لنا موتانا فإن في هذه القبور التي ترى أمواتا من أمواتنا منهم من نعرف ومنهم من مات قبل زماننا فادعه يحيهم حتى يعودوا كما كانوا ونكلمهم ونعرف من عرفنا منهم ومن لا نعرف أخبرنا خبره فال له جرجيس لقد علمت ما يصفح الله عنكم هذا الصفح ويريكم هذه العجائب إلا ليتم عليكم حججه فتستوجبوا بذلك غضبه ثم أمر بالقبور فنبشت وهي عظام ورفات ورميم ثم أقبل على الدعاء فما برحوا مكانهم حتى نظروا إلى سبعة عشر إنسانا تسعة رهط وخمس نسوة وثلاثة صبيه فإذا شيخ منهم كبير فقال له جرجيس أ أيها الشيخ ما اسمك فقال اسمي يوبيل فقال متى مت قال فيي زمان كذا وكذا فحسبوا فإذا هو قد مات منذ أربعمائة عام
فلما نظر إلى ذلك الملك وصحابته قالوا لم يبق من أصناف عذابكم شيء إلا قد عذبتموه إلا الجوع والعطش فعذبوه بهما فعمدوا إلى بيت عجوز كبيرة فقيرة كان حريزا وكان لها ابن أعمى أبكم مقعد فحصروه في بيتها فلا يصل إليه من عند أحد طعام ولا شراب فلما بلغه الجوع قال للعجوز هل عندك طعام أو شراب قال لا والذي يحلف به ما عهدنا بالطعام منذ كذا وكذا وسأخرج وألتمس لك شيئا قال لها جرجيس هل تعرفين الله قالت له نعم قال فإياه تعبدين قالت لا قال فدعاها إلى الله فصدقته وانطلقت تطلب له شيئا وفي بيتها دعامة من خشبة يابسة تحمل خشب البيت فأقبل على الدعاء فماكان كشيء حتى اخضرت تلك الدعامة فأنبتت كل فاكهة تؤكل أو تعرف أو تسمى حتى كان فيما أنبت اللياء واللوبياء
قال أبو جعفر اللياء نبت بالشأم له حب يؤكل وظهر للدعامة فرع من فوق البيت أظله وما حوله وأقبلت العجوز وهو فيما شاء يأكل رغدا فلما رأت الذي حدث في بيتها من بعدها قالت آمنت بالذي أطعمك في بيت الجوع فادع هذا الرب العظيم ليشفي ابني قال أدنيه مني فأدنته منه فبصق في عينيه فأبصر فنفث في أذنيه فسمع قالت له أطلق لسانه ورجليه رحمك الله قال أخريه فإن له يوما عظيما وخرج الملك يسير في مدينته فلما نظر إلى الشجرة قال لأصحابه إني أرى شجرة بمكان ما كنت أعرفها به قالوا له تلك الشجرة نبتت لذلك الساحر الذي أردت أن تعذبه بالجوع فهو فيما شاء قد شبع
(1/386)
________________________________________
منها وشبعت الفقيرة وشفى لها ابنها فأمر بالبيت فهدم وبالشجرة لتقطع فلما هم بقطعها أيبسها الله تعالى كما كانت أول مرة فتركوها وأمر بجرجيس فبطح على وجهه وأوتد له أربعةأوتاد وأمر بعجل فأوقر أسطوانا ما حمل وجعل في أسفل العجل خناجر وشفارا ثم دعا بأربعين ثورا فنهضت بالعجل نهضة واحدة وجرجيس تحتها فتقطع ثلاث قطع ثم أمر بقطعة فأحرقت بالنار حتى إذا عادت رمادا بعث بذلك الرماد رجالا فذروه في البحر فلم يبرحوا مكانهم حتى سمعوا صوتا من السماء يقول يا بحر إن الله يأمرك أن تحفظ ما فيك من هذا الجسد الطيب فإني أريد أن أعيده كما كان ثم أرسل الله الرياح فأخرجته من البحر ثم جمعته حتى عاد الرماد صبرة كهيئته قبل أن يذروه والذين ذروه قيام لم يبرحوا ثم نظروا إلى الرماد يثور كما كان حتى خرج جرجيس مغبرا ينفض رأسه فرجعوا ورجع جرجيس معهم فلما انتهوا إلى الملك أخبروه خبر الصوت الذي أحياه والريح التي جمعته فقال له الملك هل لك يا جرجيس فيما هو خير لي ولك فلولاأن يقول الناس إنك قهرتني وغلبتني لاتبعتك وآمنت بك ولكن اسجد لأفلون سجدة واحدة أو اذبح له شاة واحدة ثم أنا أفعل ما يسرك
فلما سمع جرجيس هذا من قوله طمع أن يهلك الصنم حين يدخله عليه رجاء أن يؤمن له الملك حين يهلك صنمه وييئس منه فخدعه جرجيس فقال نعم إذا شئت فأدخلني على صنمك أسجد له وأذبح له ففرح الملك بقوله فقام إليه فقبل يديه ورجليه ورأسه وقال إني أعزم عليك ألا تظل هذا اليوم ولا تبيت هذه الليلة إلا في بيتي وعلى فراشي ومع أهلي حتى تستريح ويذهب عنك وصب العذاب فيرى الناس كرامتك علي فأخلى له بيته وأخرج منه من كان فيه فظل فيه جرجيس حتى إذا أدركه الليل قام يصلي ويقرأ الزبور وكان أحسن الناس صوتا فلما سمعته امرأة الملك استجابت له ولم يشعر إلا وهي خلفه تبكي معه فدعاها جرجيس إلى الإيمان فآمنت وأمرها فكتمت إيمانها فلما أصبح غدا به إلى بيت الأصنام ليسجد ل لها وقيل للعجوز التي كان سجن بيتها هل علمت أن جرجيس قد فتن بعدك وأصغى إلى الدنيا وأطمعه الملك في ملكه وقد خرج به إلى البيت أصنامه ليسجد لها فخرجت العجوز في أعراضهم تحمل ابنها على عاتقها وتوبخ جرجيس والناس مشتغلون عنها
فلما دخل جرجيس بيت الأصنام ودخل الناس معه نظر فإذا العجوز وابنها على عاتقها أقرب الناس منه مقاما فدعا ابن العجوز باسمه فنطق بإجابته وما تكلم قبل ذلك قط ثم اقتحم عن عاتق أمه يمشي على رجليه سويتين وما وطىء الأرض قبل ذلك قط بقدميه فلما وقف بين يدي جرجيس قال اذهب فادع لي هذه الأصنام وهي حينئذ على منابر من ذهب واحد وسبعون صنما وهم يعبدون الشمس والقمر معها فقال له الغلام كيف أقول للأصنام قال تقول لها إن جرجيس يسألك ويعزم عليك بالذي خلقك إلا ما جئته فلما قال لها الغلام ذلك أقبلت تدحرج إلى جرجيس فلما انتهت إليه ركض الأرض برجله فخسف بها وبمنابرها وخرج إبليس من جوف صنم منها هاربا فرقا من الخسف فلما مر بجرجيس أخذ بناصيته فخضع له برأسه وعنقه وكلمه جرجيس فقال له أخبرني أيتها الروح النجسة والخلق الملعون ما الذي يحملك على أن تهلك نفسك وتهلك الناس معك وأنت تعلم أنك وجندك تصيرون إلى جهنم فقال له إبليس لو خيرت بين ما أشرقت عليه الشمس وأظلم عليه الليل وبين هلكة بني آدم وضلالتهم أو واحد منهم طرفة عين لاخترت طرفة العين على ذلك كله وإنه ليقع لي من
(1/387)
________________________________________
الشهوة في ذلك واللذة مثل جميع ما يتلذذ به جميع الخلق ألم تعلم يا جرجيس أن الله أسجد لأبيك آدم جميع الملائكة فسجد له جبريل وميكائيل وإسرافيل وجميع الملائكة المقربين وأهل السموات كلهم وامتنعت من السجود فقلت لا أسجد لهذا الخلق وأنا خير منه فلما قال هذا خلاه جرجيس فما دخل إبليس منذ يومئذ جوف صنم مخافة الخسف ولا يدخله بعدها فيما يذكرون أبدا وقال الملك يا جرجيس خدعتني وغررتني وأهلكت آلهتي فقال له جرجيس إنما فعلت ذلك عمدا لتعتبر ولتعلم أنها لو كانت آلهة كما تقول إذا لامتنعت مني فكيف ثقتك ويلك بآلهة لم تمنع أنفسها مني وإنما أنا مخلوق ضعيف لا أملك إلا ما ملكني ربي قال فلما قال هذا جرجيس كلمتهم امرأة الملك وذلك حين كشفت لهم إيمانها وباينتهم بدينها وعددت عليهم أفعال جرجيس والعبر التي أراهم وقالت لهم ما تنتظرون من هذا الرجل إلا دعوة فتخسف بكم الأرض فتهلكوا كما هلكت أصنامكم الله الله أيها القوم في أنفسكم فقال لها الملك ويحا لك إسكندرة ما أسرع ما أضلك هذا الساحر في ليلة واحدة وأنا أقاسيه منذ سبع سنين فلم يطق مني شيئا قالت له أفما رأيت الله كيف يظفره بك ويسلطه عليك فيكون له الفلج والحجة عليك في كل موطن فأمر بها عند ذلك فحملت على خشبة جرجيس التي كان علق عليها فعلقت بها وجعلت عليها الأمشاط التي جعلت على جرجيس فلما ألمت من وجع العذاب قالت ادع ربك يا جرجيس يخفف عني فإني قد ألمت من العذاب فقال انظري فوقك فلما نظرت ضحكت فقال لها مالذي يضحكك قالت أرى ملكين فوقي معهما تاج من حلي الجنة ينتظران به روحي أن تخرج فإذا خرجت زيناها بذلك التاج ثم صعدا بها إلى الجنة فلما قبض الله روحها أقبل جرجيس على الدعاء فقال اللهم أنت ا لذي أكرمتني بهذا البلاء لتعطيني به فضائل الشهداء اللهم فهذا آخر أيامي الذي وعدتني فيه الراحة من بلاء الدنيا اللهم فإن أسألك ألا تقبض روحي ولا أزول من مكاني هذا حتى تنزل بهذا القوم المتكبرين من سطواتك ونقمتك ما لا قبل لهم به وما تشفي به صدري وتقر به عيني فإنهم ظلموني وعذبوني اللهم وأسألك ألا يدعو بعدي داع في بلاء ولا كرب فيذكرني ويسألك باسمي إلا فرجت عنه ورحمته وأجبته وشفعتني فيه
فلما فرغ من هذا الدعاء أمطر الله عليهم النار فلما احترقوا عمدوا إليه فضربوه بالسيوف غيظا من شدة الحريق ليعطيه الله تعالى بالقتلة الرابعة ما وعده فلما احترقت المدينة بجميع ما فيها وصارت رمادا حملها الله من وجه الأرض حتى أقلها ثم جعل عاليها سافلها فلبثت زمانا من الدهر يخرج من تحتها دخان منتن لا يشمه أحد إلا سقم سقما شديدا إلا أنها أسقام مختلفة لا يشبه بعضها بعضا فكان جميع من آمن بجرجيس وقتل معه أربعة وثلاثين ألفا وامرأة الملك رحمها الله
ونرجع الآن إلى
(1/388)

بنالعياط
04-10-2012, 05:30 PM
ذكر الخبر عن ملوك الفرس وسني ملكهم
لسياق تمام التأريخ إذكنا قد ذكرنا الجلائل من الأمور التي كانت في أيام ملوك الطوائف في الفرس وبني إسرائيل والروم والعرب إلى عهد أردشير
ولما مضى من لدن ملك الإسكندر أرض بابل في قول النصارى وأهل الكتب الأول خمسمائة سنة وثلاث وعشرون سنة وفي قول المجوس مائتان وست وستون سنة وثب أدرشير بن بابك شاه ملك خير بن ساسان الأصغر بن بابك بن ساسان بن بابك بن مهرمس بن ساسان بن بهمن الملك بن إسفنديار بن بشتاسب بن لهراسب بن كيوجي بن كيمنش وقيل في نسبه أردشير بن بابك بن ساسان بن بابك بن زرار بن بهآفريذ بن ساسان الأكبر بن بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب بن لهراسب بفارس طالبا بزعمه بدم ابن عمه دارا بن دارا بن بهمن بن إسفنديار الذي حارب الإسكندر فقتله حاجباه مريدا فيما يقول رد الملك إلى أهله وإلى ما لم يزل عليه سلفه وآبائه الذين مضوا قبل ملوك الطوائف وجمعه لرئيس واحد وملك واحد
وذكر أن مولده كان بقرية من قرى إصطخر يقال لها طيروده من رستاق خير من كورة أصطخر وكان جده ساسان شجاعا شديد البطش وإنه بلغ من شجاعته وشدة بطشه أنه حارب وحده ثمانين رجلا من أهل اصطخر ذوي بأس ونجدة فهزمهم وكانت امرأته من نسل قوم من الملوك كانوا بفارس يعرفون بالبازرنجين يقال لها رامبهشت ذات جمال وكمال و كان ساسان قيما على بيت نار أصطخر يقال له بيت نار أنا هيذ وكان معرما بالصيد والفروسية فولدت رامبهشت لساسان بابك وطول شعره حين ولدته أطول من شبر فلما احتنك قام بأمر الناس بعد أبيه ثم ولد له ابنه أردشير
وكان ملك إصطخر يومئذ رجل من البازرنجين يقال له فيما حدثت عن هشام بن محمد جوزهر وقال غيره كان يسمى جزهر وكان له خصي يقال له تيرى قد صيره أرحبذا بدارابجرد فلما أتى لأردشير سبع سنين سار به أبوه إلى جزهر وهو بالبيضاء فوقفه بين يديه وسأله أن يضمه إلى تيرى ليكون ربيبا له وأرجبذا من بعده في موضعه فأجابه إلى ذلك وكتب بما سأله من ذلك سجلا وصار به إلى تيرى فقبله أحسن قبول وتبناه فلما هلك تيرى تقلد أردشير الأمر وحسن قيامه به وأعلمه قوم من المنجمين والعرافين صلاح مولده وأنه يملك البلاد فذكر أن أردشير تواضع واستكان لذلك ولم يزل يزداد في الخير كل يوم وأنه رأى في نومه ملكا جلس إلى رأسه فقال له إن الله يملكه البلاد فليأخذ لذلك أهبته فلما استيقظ سر بذلك وأحس من نفسه قوة وشدة بطش لم يكن يعهد مثله
(1/389)
________________________________________
وكان أول ما فعل أنه سار إلى موضع من دارابجرد يقال له جوبانان فقتل ملكا كان بها يقال له فاسين ثم سار إلى موضع يقال له كونس فقتل ملكا كان بها يقال له منوشهر ثم إلى موضع يقال له لروير فقتل ملكا كان بها يقال له دارا وملك هذه المواضع قوما من قبله ثم كتب إلى أبيه بما كان منه وأمره بالوثوب بجزهر وهو بالبيضاء ففعل ذلك وقتل جزهر وأخذ تاجه وكتب إلى أردوان البهلوي ملك الجبال وما يتصل بها يتضرع له ويسأله الإذن في تتويج سابور ابنه بتاج جزهر فكتب إليه أردوان كتابا عنيفا وأعلمه أنه وابنه أردشير على الخلاف بما كان من قتلهما من قتلا فلم يحفل بابك بذلك وهلك في تلك الأيام فتتوج سابور بن بابك بالتاج وملك مكان أبه وكتب إلى أردشير أن يشخص إليه فامتنع أردشير من ذلك فغضب سابور من امتناعه وجمع جموعا وسار بهم نحوه ليحاربه وخرج من إصطخر فألفى بها عدة من إخوته كان بعضهم أكبر سنا منه فاجتمعوا وأحضروا التاج وسرير الملك فسلم الجميع لأردشير فتتوج بالتاج وجلس على السرير وافتتح أمره بقوة وجد ورتب قوما مراتب وصير رجلا يقال له أبرسام بن رحفر وزيرا وأطلق يده وفوض إليه وصير رجلا يقال له فاهر موبذان موبذ وأحس من إخوته وقوم كانوا معه بالفتك به فقتل جماعة منهم كثيرة ثم أتاه أن أهل دار ابحرد قد فسدوا عليه فعاد إليها حتى افتتحها بعد أن قتل جماعة من أهلها ثم سار إلى كرمان وبها ملك يقال له بلاش فاقتتل وهو قتالا شديدا وقاتل أردشير بنفسه حتى أسر بلاش واستولى على المدينة فملك أردشير على كرمان ابنا له يقال له أردشير أيضا
وكان في سواحل بحر فارس ملك يقال له أبتنبود كان يعظم ويعبد فسار إليه أردشير فقتله وقطعه بسيفه نصفين وقتل من كان حوله واستخرج من مطامير كانت لهم كنوزا مجموعة فيها وكتب إلى مهرك وكان ملك إيراهسان من أردشير خرة وإلى جماعة من أمثاله في طاعته فلم يفعلوا فسار إليهم فقتل مهرك ثم سار إلى جور فأسسها وأخذ في بناء الجوسق المعروف بالطربال وبيت نار هناك
فبينا هو كذلك إذ ورد عليه رسول الأردوان بكتاب منه فجمع أردشير الناس لذلك وقرأ الكتاب بحضرتهم فإذا فيه إنك قد عدوت طورك واجتلبت حتفك أيها الكردي المربى في خيام الأكراد من أذن لك في التاج الذي لبسته والبلاد التي احتويت عليها وغلبت مولكها وأهلها ومن أمرك ببناء المدينة التي أسستها في صحراء يريد جور مع أنا إن خليناك وبناؤها فابتن في صحراء طولها عشرة فراسخ مدينة وسمها رام أردشير وأعلمه أنه قد وجه إليك ملك الأهواز ليأتيه به في وثاق
فكتب إليه أردشير إن الله حباني بالتاج الذي لبسته وملكني البلاد التي افتتحتها وأعانني على من قتلت من الجبابرة والملوك وأما المدينة التي أبنيها وأسميها رام أدرشير فأنا أرجو أن أمكن منك فأبعث برأسك وكنوزك إلى بيت النار الذي أسسته في أردشير خرة
ثم شخص أردشير نحو إصطخر وخلف أبرسام بأردشير خرة فلم يلبث أردشير إلا قليلا حتى ورد عليه كتاب أبرسام بموافاة ملك الأهواز وانصرافه منكوبا ثم سار إلى أصبهان فأسر شاذ سابور ملكها وقتله ثم عاد إلى فارس وتوجه لمحاربة نيروفر صاحب الأهواز وسار إلى الرجان وإلى بنيان وطاشان من رامهرمز ثم إلى سرق فلما سار إلى ما هنالك ركب في رهط من أصحابه حتى وقف على شاطئ
(1/390)
________________________________________
دجيل فظفر بالمدينة وابتنى مدينة سوق الأهواز وانصرف إلى فارس بالغنائم ثم ارتحل من فارس راجعا إلى الأهواز على طريق جره وكازرون ثم صار من الأهواز إلى ميسان فقتل ملكا كان بها يقال له بندو وبنى هنالك كرخ ميسان ثم انصرف إلى فارس وأرسل إلى أردوان يرتاد موضعا يقتتلان فيه فأرسل إليه أردوان إني أوافيك في صحراء تدعى هرمزجان لانسلاخ مهرماه فوافاه أردشير قبل الوقت وتبوأ من الصحراء موضعا وخندق على نفسه وجنده واحتوى على عين كانت هناك ووافاه أردوان فاصطف القوم للقتال وقد تقدم سابور بن أردشير دافعا عنه ونشب القتال بينهم فقتل سابور دارا بنداذ كاتب أردوان بيده فانقض أردشير من موضعه إلى أردوان حتى قتله وكثر القتل في أصحابه وهرب من بقي على وجهه ويقال إن أردشير نزل حتى توطأ رأس أردوان بقدمه وفي ذلك اليوم سمي أردشير شاهنشاه
ثم سار من موضعه إلى همذان فافتتحها وإلى الجبل وأذربيجان وإرمينية والموصل عنوة ثم سار من الموصل إلى سورستان وهي السواد فاحتازها وبنى على شاطئ دجلة قبالة مدينة طهسبون وهي المدينة التي في شرقي المدائن مدينة غربية وسماها به أردشير وكورها وضم إليها بهرسير والرومقان ونهر درقيط وكوثى ونهر جوبر واستعمل عليها عمالا ثم توجه من السواد إلى إصطخر وسار منها إلى سجستان ثم جرجان ثم إلى أبرشهر ومرو وبلخ وخوارزم إلى تخوم بلاد خراسان ثم رجع إلى مرو وقتل جماعة وبعث رؤوسهم إلى بيت نار أناهيذ ثم انصرف من مرو إلى فارس ونزل جور فأتته رسل ملك كوشان وملك طوران وملك مكران بالطاعة ثم توجه أردشير من جور إلى البحرين فحاصر سنطرق ملكها واضطره الجهد إلى أن رمى نفسه من سور الحصن فهلك ثم انصرف إلى المدائن فأقام بها وتوج سابور ابنه بتاجه في حياته
ويقال إنه كانت بقرية يقال لها ألار من رستاق كوجران من رساتيق سيف أردشير خرة ملكة تعظم وتعبد فاجتمعت لها أموال وكنوز ومقاتلة فحارب اردشير سدنتها وقتلها وغنم أموالا وكنوزا عظاما كانت لها وإنه كان بنى ثماني مدن منها بفارس مدينة أردشير خرة وهي جور ومدينة رام أردشير ومدينة ريو أردشير وبالأهواز هرمز أردشير وهي سوق الأهواز وبالسواد به أردشير وهي غربي المدائن وإستاباذ أردشير وهي كرخ ميسان وبالبحرين فنياذ أردشير وهي مدينة الخط وبالموصل بوذ أردشير وهي حزة
وذكر أن أردشير عند ظهوره كتب إلى ملوك الطوائف كتبا بليغة احتج عليهم فيها ودعاهم إلى طاعته فلما كان في آخر أمره رسم لمن بعده عهده ولم يزل محمودا مظفرا منصورا لا يفل له جمع ولا ترد له راية وقهر الملوك حول مملكته وأذلهم وأثخن في الأرض وكور الكور ومدن المدن ورتب المراتب واستكثر من العمارة وكان ملكه من وقت قتله أردوان إلى أن هلك أربع عشرة سنة وقال بعضهم كان ملكه أربع عشرة سنة وعشرة أشهر
وحدثت عن هشام بن محمد قال قدم أردشير في أهل فارس ريد الغلبة على الملك بالعراق فوافق بابا ملكا كان على الأرمانيين ووافق أردوان ملكا على الأردوانيين
قال هشام الأرمانيون أنباط السواد والأردوانيون أنباط الشأم
(1/391)
________________________________________
قال وكل واحد منهما يقاتل صاحبه على الملك فاجتمعا على قتال أردشير فقاتلاه متساندين يقاتله هذا يوما وهذا يوما فإذا كان يوم بابا لم يقم له أردشير وإذا كان يوم أردوان لم يقم لأردشير فلما رأى ذلك أردشير صالح بابا على أن يكف عنه ويدعه وأردوان ويخلي أردشير بين بابا وبين بلاده وما فيها وتفرغ أردشير لحرب أردوان فلم يلبث أن قتله واستولى على ما كان له وسمع له وأطاع بابا فضبط أردشير ملك العراق ودانت له ملوكها وقهر من كان يناوئه من أهلها حتى حملهم على ما أراد مما خالفهم ووافقه
ولما استولى أردشير على الملك بالعراق كره كثير من تنوخ أن يقيموا في مملكته وأن يدينوا له فخرج من كان منهم من قبائل قضاعة الذين كانوا أقبلوا مع مالك وعمرو ابني فهم ومالك بن زهير وغيرهم فلحقوا بالشأم إلى من هنالك من قضاعة
وكان ناس من العرب يحدثون في قومهم الأحداث أو تضيق بهم المعيشة فيخرجون إلى ريف العراق وينزلون الحيرة على ثلاث أثلاث ثلث تنوخ وهو من كان يسكن المظال وبيوت الشعر والوبر في غربي الفرات فيما بين الحيرة والأنبار وما فوقها والثلث الثاني العباد وهم الذين كانوا سكنوا الحيرة وابتنوا بها والثلث الثالث الأحلاف وهم الذين لحقوا بأهل الحيرة ونزلوا فيهم ممن لم يكن من تنوخ الوبر ولا من العباد الذين دانوا لأردشير
وكانت الحيرة والأنبار بنيتا جميعا في زمن بختنصر فخربت الحيرة لتحول أهلها عنها عند هلاك بختنصر إلى الأنبار وعمرت الأنبار خمسمائة سنة وخمسين سنة إلى أن عمرت الحيرة في زمن عمرو بن عدي باتخاذه إياها منزلا فعمرة الحيرة خمسمائة سنة وبضعا وثلاثين سنة إلى أن وضعت الكوفة ونزلها الإسلام فكان جميع ملك عمرو بن عدي مائة سنة وثماني عشرة سنة من ذلك في زمن أردوان وملوك الطوائف خمس وتسعون سنة وفي زمن ملوك فارس ثلاث وعشرون سنة من ذلك في زمن أردشير بن بابك أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وفي زمن سابور بن أردشير ثماني سنين وشهران
(1/392)

بنالعياط
04-10-2012, 07:29 PM
ذكر الخبر عن القائم كان بملك فارس بعد اردشير بن بابك
ولما هلك أردشير بن بابك قام بملك فارس من بعده ابنه سابور وكان أردشير بن بابك لما أفضى إليه الملك أسرف في قتل الأشكانية الذين منهم كان ملوك الطوئف حتى أفناهم بسبب ألية كان ساسان بن أردشير بن بهمن بن إسفنديار الأكبر جد أردشير بن بابك كان آلاها أنه إن ملك يوما من الدهر لم يستبق من نسل أشك بن خرة أحدا وأوجب ذلك على عقبه وأوصاهم بألا يبقوا منهم أحدا إن هم ملكوا أو ملك منهم أحد يوما فكان أول من ملك من ولد ولده ونسله أردشير بن بابك فقتلهم جميعا نساءهم ورجالهم فلم يستبق منهم أحدا لعزمة جده ساسان
فذكر أنه لم يبق منهم أحد غير أن جارية كان وجدها أردشير في دار المملكة فأعجبه جمالها وحسنها فسألها وكانت ابنة الملك المقتول عن نسبها فذكرت أنها كانت خادما لبعض نساء الملك فسألها أبكر أنت أم ثيب فأخبرته أنها بكر فواقعها واتخذها لنفسه فعلقت منه فلما أمنته على نفسها لاستمكانها منه بالحبل أخبرته أنها من نسل أشك فنفر منها ودعا هرجبذا أبرسام وكان شيخا مسنا فأخبره أنها أقرت أنها من نسل أشك وقال نحن أولى باستتمام الوفاء بنذر أبينا ساسان وإن كان موقعها من قلبي على ما قد علمت فانطلق بها فاقتلها فمضى الشيخ ليقتلها فأخبرته أنها حبلى فأتى بها القوابل فشهدن بحبلها فأودعها سربا في الأرض ثم قطع مذاكيره فوضعها في حق ثم ختم عليه ورجع إلى الملك فقال له الملك ما فعلت قال قد استودعتها بطن الأرض ودفع الحق إليه وسأله أن يختم عليه بخاتمه ويودعه بعض خزائنه ففعل فأقامت الجارية عند الشيخ حتى وضعت غلاما فكره الشيخ أن يسمي ابن الملك دونه وكره أن يعلمه به صبيا حتى يدرك ويستكمل الأدب وقد كان الشيخ أخذ قياس الصبي ساعة ولد وأقام له الطالع فعلم عند ذلك أن سيملك فسماه اسما جامعا يكون صفة واسما ويكون فيه بالخيار إذا علم به فسماه شاه بور وترجمتها بالعربية ابن الملك وهو أول من سمي هذا الاسم وهو سابور الجنود بالعربية بن أردشير وقال بعضهم بل سماه أشه بور ترجمتها بالعربية ولد أشك الذي كانت أم الغلام من نسله
فغبر اردشير دهرا لا يولد له فدخل عليه الشيخ الأمين الذي عنده الصبي فوجده محزونا فقال ما يحزنك أيها الملك فقال له أردشير وكيف لا أحزن وقد ضربت بسيفي ما بين المشرق والمغرب حتى ظفر بحاجتي وصفا لي الملك ملك آبائي ثم أهلك لا يعقبني فيه عقب ولا يكون لي فيه بقية فقال له
(1/393)
________________________________________
الشيخ سرك الله أيها الملك وعمرك لك عندي ولد طيب نفيس فادع بالحق الذي استودعتك وختمته بخاتمك أرك برهان ذلك
فدعا أردشير بالحق فنظر إلى نقش خاتمه ثم فضه وفتح الحق فوجد فيه مذاكير الشيخ وكتابا فيه إنا لما اختبرنا ابنة أشك التي علقت من ملك الملوك أردشير حين أمرنا بقتلها حين حملها لم نستحل إتواء زرع الملك الطيب فأودعناها بطن الأرض كما أمرنا ملكنا وتبرأنا إليه من أنفسنا لئلا يجد عاضه إلى عضهها سبيلا وقمنا بتقوية الحق المنزوع حتى لحق بأهله وذلك في ساعة كذا من عام كذا فأمره أردشير عند ذلك أ يهيئه في مائة غلام وقال بعضهم في ألف غلام من أترابه وأشباهه في الهيئة والقامة ثم يدخلهم عليه جميعا لا يفرق بينهم في زي ولا قامة ولا أدب ففعل ذلك الشيخ فلما نظر إليهم أردشير قبلت نفسه ابنه من بينهم واستحلاه من غير أن يكون أشير له إليه أو لحن به ثم أمر بهم جميعا فأخرجوا إلى حجرة الإيوان فأعطوا صوالجة فلعبوا بالكرة وهو في الإيوان على سريره فدخلت الكرة في الإيوان الذي هو فيه فكاع الغلمان جميعا أن يدخلوا الإيوان وأقدم سابور من بينهم فدخل فاستدل أردشير بدخوله عليه وإقدامه وجرأته مع ما كان من قبول نفسه له أول مرة حين رآه ورقته عليه دون أصحابه أنه ابنه فقال له أردشير بالفارسية ما اسمك فقال الغلام شاه بور فقال أردشير شاه بور فلما ثبت عنده أنه ابنه شهر أمره وعقد له التاج من بعده
وكان سابور قد ابتلى منه أهل فارس قبل أن يفضي إليه الملك في حياة أبيه عقلا وفضلا وعلما مع شدة بطش وبلاغة منطق ورأفة بالرعية ورقة فلما عقد التاج على رأسه اجتمع إليه العظماء فدعوا له بطول البقاء وأطنبوا في ذكر والده وذكر فضائله فأعلمهم أنهم لم يكونوا يستدعون إحسانه بشيء يعدل عنده ذكرهم والده ووعدهم خيرا
ثم أمر بما كان في الخزائن من الأموال فوسع بها على الناس وقسمها فيمن رآه لها موضعا من الوجوه والجنود وأهل الحاجة وكتب إلى عماله بالكور والنواحي أن يفعلوا مثل ذلك في الأموال التي في أيديهم فوصل من فضله وإحسانه إلى القريب والبعيد والشريف والوضيع والخاص والعام ما عمهم ورفعت معايشهم ثم تخير لهم العمال وأشرف عليهم وعلى الرعية إشرافا شديدا فبان فضل سيرته وبعد صوته وفاق جميع الملوك
وقيل إنه سار إلى مدينة نصيبين لإحدى عشرة سنة مضت من ملكه وفيها جنود من جنود الروم فحاصرهم حينا ثم أتاه عن ناحية من خراسان ما احتاج إلى مشاهدته فشخص إليها حتى أحكم أمرها ثم رجع إلى نصيبين وزعموا أن سور المدينة تصدع وانفرجت له فرجة دخل منها فقتل المقاتلة وسبى وأخذ أموالا عظيمة كانت لقيصر هنالك ثم تجاوزها إلى الشأم وبلادالروم فافتتح من مدائنها مدنا كثيرة
وقيل إن فيما افتتح قالوقية وقذوقية وإنه حاصر ملكا كان بالروم يقال له الريانوس بمدينة أنطاكية فأسره وحمله وجماعة كثيرة معه وأسكنهم جندي سابور
وذكر أنه أخذ الريانوس ببناء شاذروان تستر على أن يجعل عرضه الف ذراع فبناه الرومي بقوم أشخصهم إليه من الروم وحكم سابور في فكاكه بعد فراغه من الشاذروان فقيل إنه أخذ منه أموالا
(1/394)
________________________________________
عظيمة وأطلقه بعد أن جدع أنفه وقيل إنه قتله
وكان بحيال تكريت بين دجلة والفرات مدينة يقال لها الحضر وكان بها رجل من الجرامقة يقال له الساطرون وهو الذي يقول فيه أبو داود الأيادي ... وأرى الموت قد تدلى من الحض ... على رب أهله الساطرون ...
والعرب تسميه الضيزن وقيل إن الضيزن من أهل باجرمي
وزعم هشام بن الكلبي أنه من العرب من قضاعة وأنه الضيزن بن معاوية بن العبيد بن الأجرام بن عمرو بن النخع بن سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وأن أمه من تزيد بن حلوان اسمها جيهلة وأنه إنما كان يعرف بأمه وزعم أنه كان ملك أرض الجزيرة وكان معه من بني عبيد بن الأجرام وقبائل قضاعة مالا يحصى وأن ملكه كان قد بلغ الشأم وأنه تطرف من بعض السواد في غيبة كان غابها إلى ناحية خراسان سابور بن أردشير فلما قدم من غيبته أخبر بما كان منه فقال في ذلك من فعل الضيزن عمرو بن إلة بن الجدي بن الدهاء بن جشم بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ... لقيناهم بجمع من علاف ... وبالخيل الصلادمة الذكور ... فلاقت فارس منا نكالا ... وقتلنا هرابذ شهرزور ... دلفنا للأعاجم من بعيد ... بجمع كالجزيرة في السعير ...
فلما أخبر سابور بما كان منه شخص إليه حتى أناح على حصنه وتحصن الضيزن في الحصن فزعم ابن الكلبي أنه أقام سابور على حصنه أربع سنين لا يقدر على هدمه ولا على الوصول إلى الضيزن
وأما الأعشى ميمون بن قيس فإنه ذكر في شعره أنه إنما أقام عليه حولين فقال ... ألم تر للحضر إذ أهله ... بنعمى وهل خالد من نعم ... أقام به شاهبور الجنو ... دحولين تضرب فيه القدم ... فما زاده ربه قوة ... ومثل مجاوره لم يقم ... فلما رأى ربه فعله ... أتاه طروقا لم ينتقم ... وكان دعا قومه دعوة ... هلموا إلى أمركم قد صرم ... فموتوا كراما بأسيافكم ... أرى الموت يجشمه من جشم ...
ثم إن ابنة للضيزن يقال لها النضيرة عركت فأخرجت إلى ربض المدينة وكانت من أجمل نساء زمانها وكذلك كان يفعل بالنساء إذا هن عركن وكان سابور من أجمل أهل زمانه فيما قيل فرأى كل واحد منهما صاحبه فعشقته وعشقها فأرسلت إليه ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به سور هذه المدينة وتقتل أبي قال حكمك وأرفعك على نسائي وأخصك بنفسي دونهن قالت عليك بحمامة ورقاء مطوقة فاكتب في رجلها بحيض جارية بكر زرقاء ثم أرسلها فإنها تقع على حائط المدينة فتتداعى المدينة وكان ذلك طلسم المدينة لا يهدمها إلا هذا ففعل وتأهب لهم وقالت أنا أسقي الحرس الخمر فإذا صرعوا فاقتلهم وادخل المدينة ففعل وتداعت المدينة ففتحها عنوة وقتل الضيزن يومئذ وأبيدت أفناء قضاعة
(1/395)
________________________________________
الذين كانوا مع الضيزن فلم يبق منهم باق يعرف إلى اليوم وأصيبت قبائل من بني حلوان فانقرضوا ودرجوا فقال عمرو بن إلة وكان مع الضيزن ... ألم يحزنك والأنباء تنمي ... بما لاقت سراة بني عبيد ... ومصرع ضيزن وبني أبيه ... وأحلاس الكتائب من تزيد ... أتاهم بالفيول مجللات ... وبالأبطال سابور الجنود ... فهدم من أواسي الحصن صخرا ... كأن ثفاله زبر الحديد ...
وأخرب سابور المدينة واحتمل النضيرة ابنة الضيزن فأعرس بها بعين التمر فذكر أنها لم تزل ليلتها تضور من خشونة فرشها وهي من حرير محشوة بالقز فالتمس ما كان يؤذيها فإذا ورقة آس ملتزقة بعكنة من عكنها قد أثرت فيها قال وكان ينظر إلى مخها من لين بشرتها فقال لها سابور ويحك بأي شيء كان يغذوك أبوك قالت بالزبد والمخ وشهد الأبكار من النحل وصفو الخمر قال وأبيك لأنا أحدث عهدا بك وآثر لك من أبيك الذي غذاك بما تذكرين فأمر رجلا فركب فرسا جموحا ثم عصب غدائرها بذنبه ثم استركضها فقطعها قطعا فذلك قول الشاعر ... أقفر الحصن من نضيرة فالمر ... باع منها فجانب الثرثار ...
وقد أكثر الشعراء ذكر ضيزن هذا في اشعارهم وإياه عنى عدي بن زيد بقوله ...
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور ... شاده مرمرا وجلله كل سا فللطير في ذراه وكور ... لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور ...
ويقال إن سابور بنى بميسان شاذ سابور التي تسمى بالنبطية ريما
وفي أيام سابور ظهر ماني الزنديق ويقال إن سابور لما سار إلى موضع جندي سابور ليؤسسها صادف عندها شيخا يقال له بيل فسأله هل يجوز أن يتخذ في ذلك الموضع مدينة فقال له بيل إن ألهمت الكتابة مع ما قد بلغت من السن جاز أن يبني في هذا الموضع مدينة فقال له سابور بل ليكن الأمران اللذان أنكرت كونهما فرسم المدينة وأسلم بيل إلى معلم وفرض عليه تعليمه الكتاب والحساب في سنة فخلا به المعلم وبدأ بحلق رأسه ولحيته لئلا يتشاغل بهما وجاده التعليم ثم أتى به سابور وقد نفذ ومهر فقلده إحصاء النفقة على المدينة وإثبات حسابها وكور الناحية وسماها بهأزنديو سابور وتأويل ذلك خير من أنطاكية ومدينة سابور وهي التي تسمى جندى سابور وأهل الأهواز يسمونها بيل باسم القيم كان على بنائها ولما حضر سابور الموت ملك ابنه هرمز وعهد إليه عهدا أمره بالعمل به
واختلف في سني ملكه فقال بعضهم كان ذلك ثلاثين سنة وخمسة عشر يوما وقال آخرون كان ملكه إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر وتسعة عشر يوما
ثم قام بالملك بعد سابور بن أردشير بن بابك ابنه هرمز وكان يلقب بالجريء وكان يشبه في جسمه وخلقه وصورته بأردشير غير لاحق به في رأيه وتدبيره إلا أنه كان من البطش والجرأة وعظم الخلق على أمر
(1/396)
________________________________________
عظيم
وكانت أمه فيما قيل من بنات مهرك الملك الذي قتله أردشير بأردشير خرة وذلك أن المنجمين كانوا أخبروا أردشير أنه يكون من نسله من يملك فتتبع أردشير نسله فقتلهم وأفلتت أم هرمز وكانت ذات عقل وجمال وكمال وشدة خلق فوقعت إلى البادية وأوت إلى بعض الرعاء وإن سابور خرج يوما متصيدا فامعن في طلب الصيد واشتد به العطش فارتفعت له الأخبية التي كانت أم هرمز أوت إليها فقصدها فوجد الرعاء غيبا فطلب الماء فناولته المرأة فعاين منها جمالا فائقا وقواما عجيبا ووجها عتيقا ثم لم يلبث أن حضر الرعاء فسألهم سابور عنها فنسبها بعضهم إليه فسأله أن يزوجها منه فساعفه فصار بها إلى منازله وأمر بها فنظفت وكسيت وحليت وأرادها على نفسها فكان إذا خلا بها والتمس منها ما يلتمس الرجل من المرأة امتنعت وقهرته عند المجاذبة قهرا ينكره وتعجب من قوتها فلما تطاول ذلك من أمرها أنكره ففحص عن أمرها فأخبرته أنها ابنة مهرك وأنها إنما فعلت ما فعلت إبقاء عليه من أردشير فعاهدها على ستر أمرها ووطئها فولدت هرمز فستر أمره حتى أتت له سنون
وإن أردشير ركب يوما ثم انكفأ إلى منزل سابور لشيء أراد ذكره له فدخل منزله مفاجأة فلما استقر به القرار خرج هرمز وقد ترعرع وبيده صولجان يلعب به وهو يصيح في أثره الكرة فلما وقعت عين أردشير عليه أنكره ووقف على المشابه التي فيه منهم لأن الكية التي في آل أردشير كانت لا تخفى ولا يذهب أمرهم على أحد لعلامات كانت فيهم من حسن الوجوه وعبالة الخلق وأمور كانوا بها مخصوصين في أجسامهم فاستدناه أردشير وسأل سابور عنه فخر مكفرا على سبيل الإقرار بالخطأ مما كان منه وأخبر أباه حقيقة الخبر فسر به وأعلمه أنه قد تحقق الذي ذكر المنجمون في ولد مهرك ومن يملك منهم وأنهم إنما ذهبوا فيه إلى هرمز إذ كان من نسل مهرك وأن ذلك قد سلى ما كان في نفسه وأذهبه
فلما هلك أردشير وأفضى الأمر إلى سابور ولى هرمز خراسان وسيره إليها فاستقل بالعمل وقمع من كان يليه من ملوك الأمم وأظهر تجبرا شديدا فوشى به الوشاة إلى سابور ووهموه أنه إن دعاه لم يجب وأنه على أن يبتزه الملك ونمت الأخبار بذلك إلى هرمز فقيل إنه خلا بنفسه فقطع يده وحسمها وألقى عليها ما يحفظها وأدرجها في نفيس من الثياب وصيرها في سفط وبعث بها إلى سابور وكتب إليه بما بلغه وأنه إنما فعل ما فعل إزالة للتهمة عنه ولأن في رسمهم ألا يملكوا ذا عاهة فلما وصل الكتاب بما معه إلى سابور تقطع أسفا وكتب إليه بما ناله من الغم بما فعل واعتذر وأعلمه أنه لو قطع بدنه عضوا عضوا لم يؤثر عليه أحدا بالملك فملكه
وقيل إنه لما وضع التاج على رأسه دخل عليه العظماء فدعوا له فأحسن لهم الجواب وعرفوا منه صدق الحديث وأحسن فيهم السيرة وعدل في رعيته وسلك سبيل آبائه وكور كورة رام هرمز
وكان ملكه سنة وعشرة أيام
ثم قام بالملك بعده ابنه بهرام وهو بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك
وكان من عمال سابور بن أردشير وهرمز بن سابور وبهرام بن هرمز بن سابور بعد مهلك عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة على فرج العرب من ربيعة ومضر وسائر من ببادية العراق والحجاز والجزيرة يومئذ ابن
(1/397)
________________________________________
لعمرو بن عدي يقال له امرؤ القيس البدء وهو أول من تنصر من ملوك آل نصر بن ربيعة وعمال ملوك الفرس وعاش فيما ذكر هشام بن محمد مملكا في عمله مائة سنة وأربع عشرة سنة من ذلك في زمن سابور بن أردشير ثلاثا وعشرين سنة وشهرا وفي زمن هرمز بن سابور سنة وعشرة أيام وفي زمن بهرام بن هرمز بن سابور ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام وفي زمن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير ثماني عشرة سنة
وكان بهرام بن هرمز فيما ذكر رجلا ذا حلم وتؤدة فاستبشر الناس بولايته وأحسن السيرة فيهم واتبع في ملكه في سياسة الناس آثار آبائه وكان ماني الزنديق فيما ذكر يدعوه إلى دينه فاستبرى ما عنده فوجده داعية للشيطان فأمر بقتله وسلخ جلده وحشوه تبنا وتعليقه على باب من أبواب مدينة جندي سابور يدعى باب الماني وقتل أصحابه ومن دخل في ملته
وكان ملكه فيما قيل ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام
ثم قام بالملك بعده ابنه بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير وكان ذا علم فيما قيل بالأمور فلما عقد التاج على رأسه دعا له العظماء بمثل ما كانوا يدعون لآبائه فرد عليهم مردا حسنا وأحسن فيهم السيرة وقال إن ساعدنا الدهر نقبل ذلك بالشكر وإن يكن غير ذلك نرض بالقسم
واختلف في سني ملكه فقال بعضهم كان ملكه ثماني عشرة سنة وقال بعضهم كان سبع عشرة سنة
ثم ملك بهرام الملقب بشاهنشاه بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير فلما عقد التاج على رأسه اجتمع إليه العظماء فدعوا له ببركة الولاية وطول العمر فرد عليهم أحسن الرد وكان قبل أن يفضي إليه الملك مملكا على سجستان
وكان ملكه أربع سنين
ثم قام بالملك بعده نرسي بن بهرام وهو أخو بهرام الثالث فلما عقد التاج على رأسه دخلت عليه الأشراف والعظماء فدعوا له فوعدهم خيرا وأمرهم بمكانفته على أمره وسار فيهم بأعدل السيرة وقال يوم ملك إنا لن نضيع شكر الله على ما أنعم به علينا
وكان ملكه تسع سنين
ثم ملك هرمز بن نرسي بن بهران بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير وكان الناس قد وحلوا منه وأحسوا بالفظاظة والشدة فأعلمهم أنه قد علم ما كانوا يخافونه من شدة ولايته وأعلمهم أنه قد أبدل ما كان في خلقه من الغلظة والفظاظة رقة ورأفة وساسهم بأرفق السياسة وسار فيهم بأعدل السيرة وكان حريصا على انتعاش الضعفاء وعمارة البلاد والعدل على الرعية ثم هلك ولا ولد له فشق ذلك على الناس فسألوا بميلهم إليه عن نسائه فذكر لهم أن بعضهن حبلى وقد قال بعضهم إن هرمز كان أوصى بالملك لذلك الحمل في بطن أمه وأن تلك المرأة ولدت سابور ذا الأكتاف
وكان ملك هرمز في قول بعضهم ست سنين وخمسة أشهر وفي قول آخرين سبع سنين وخمسة أشهر
(1/398)
________________________________________
ثم ولد سابور ذو الأكتاف بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير مملكا بوصية أبيه هرمز له بالملك فاستبشر الناس بولادته وبثوا خبره في الآفاق وكتبوا الكتب ووجهوا به البرد إلى الآفاق والأطراف وتقلد الوزراء والكتاب الأعمال التي كانوا يعملونها في ملك أبيه ولم يزالوا على ذلك حتى فشا خبرهم وشاع في أطراف مملكة الفرس أنه كان لا ملك لهم وأن أهلها إنما يتلومون صبيا في المهد لا يدرون ما هو كائن من أمره فطمعت في مملكتهم الترك والروم
وكانت بلاد العرب أدنى البلاد إلى فارس وكانوا من أحوج الأمم إلى تناول شيء من معايشهم وبلادهم لسوء حالهم وشظف عيشهم فسار جمع عظيم منهم في البحر من ناحية بلاد عبدالقيس والبحرين وكاظمة حتى أناخوا على أبرشهر وسواحل أردشير خرة وأسياف فارس وغلبوا أهلها على مواشيهم وحروثهم ومعايشهم وأكثروا الفساد في تلك البلاد فمكثوا على ذلك من أمرهم حينا لا يغزوهم أحد من الفرس لعقدهم تاج الملك على طفل من الأطفال وقلة هيبة الناس له حتى تحرك سابور وترعرع فلما ترعرع ذكر أن أول ما عرف من تدبيره وحسن فهمه أنه استيقظ ذات ليلة وهو في قصر المملكة بطيسبون من ضوضاء الناس بسحر فسأل عن ذلك فأخبر أن ذلك ضجة الناس عند ازدحامهم على جسر دجلة مقبلين ومدبرين فأمر باتخاذ جسر آخر حتى يكون أحدهما معبرا للمقبلين والآخر معبرا للمدبرين فلا يزدحم الناس في المرور عليهما فاستبشر الناس بما رأوا من فطنته لما فطن من ذلك على صغر سنه وتقدم فيما أمر به من ذلك فذكر أن الشمس لم تعرب من يومهم ذلك حتى عقد جسر بالقرب من الجسر الذي كان فاستراح الناس من المخاطرة بأنفهسم في الجواز على الجسر وجعل الغلام يتزيد في اليوم ما يتزيده غيره في الحين الطويل
وجعل الكتاب والوزراء يعرضون عليه الأمر بعد الأمر فكان فيما عرض عليه أمر الجنود التي في الثغور ومن كان منهم بإزاء الأعداء وإن الأخبار وردت بأن أكثرهم قد أخل وعظموا عليه الأمر في ذلك فقال لهم سابور لا يكبرن هذا عندكم فإن الحيلة فيه يسيرة وأمر بالكتاب إلى أولئك الجنود جميعا بأنه انتهى إليه طول مكثهم في النواحي التي هم بها وعظم غنائهم عن أوليائهم وإخوانهم فمن أحب أن ينصرف إلى أهله فلينصرف مأذونا له في ذلك ومن أحب أن يستكمل الفضل بالصبر في موضعه عرف ذلك له وتقدم إلى من اختار الانصراف في لزوم أهله وبلاده إلى وقت الحاجة إليه
فلما سمع الوزراء ذلك من قوله استحسنوه وقالوا لو كان هذا قد أطال تجربة الأمور وسياسة الجنود ما زاد رأيه وصحة منطقه على ما سمعنا به
ثم تتابعت أخباره إلى البلدان والثغور بما قوم أصحابه وقمع أعداءه حتى إذا تمت له ست عشرة سنة وأطاق حمل السلاح وركوب الخيل واشتد عظمه جمع إليه رؤساء أصحابه وأجناده ثم قام فيهم خطيبا ثم ذكر ما أنعم الله به عليه وعليهم بآبائه وما أقاموا من أدبهم ونفوا من أعدائهم وما اختل من أمورهم في الأيام التي مضت من أيام صباه وأعلمهم أنه يبتدئ العمل في الذب عن البيضة وأنه يقدر الشخوص إلى بعض الأعداء لمحاربته وأن عدة من يشخص معه من المقاتلة ألف رجل فنهض إليه القوم داعين متشكرين وسألوه أن يقيم بموضعه ويوجه القواد والجنود ليكفوه ما قدر من الشخوص فيه فأبى أن
(1/399)
________________________________________
يجيبهم إلى المقام فسألوه الازدياد على العدة التي ذكرها فأبى ثم انتخب ألف فارس من صناديد جنده وأبطالهم وتقدم إليهم في المضي لأمره ونهاهم عن الإبقاء على من لقوا من العرب والعرجة على إصابة مال ثم سار بهم فأوقع بمن انتجع بلاد فارس من العرب وهم غارون وقتل منهم أبرح القتل وأسر أعنف الأسر وهرب بقيتهم ثم قطع البحر في أصحابه فورد الخط واستقرى بلاد البحرين يقتل أهلها ولا يقبل فداء ولا يعرج على غنيمة ثم مضى على وجهه فورد هجر وبها ناس من أعراب تميم وبكر بن وائل وعبد القيس فأفشى فيهم القتل وسفك فيهم من الدماء سفكا سالت كسيل المطر حتى كان الهارب منهم يرى أنه لن ينجيه منه غار في جبل ولا جزيرة في بحر ثم عطف إلى بلاد عبد القيس فأباد أهلها إلا من هرب منهم فلحق بالرمال ثم أتى اليمامة فقتل بها مثل تلك المقتلة ولم يمر بماء من مياه العرب إلا عوره ولا جب من جبابهم إلا طمه ثم أتى قرب المدينة فقتل من وجد هنالك من العرب وأسر ثم عطف نحو بلاد بكر وتغلب فيما بين مملكة فارس ومناظر الروم بأرض الشام فقتل من وجد بها من العرب وسبى وطم مياههم وإنه أسكن من من بني تغلب من البحرين دارين واسمهما هيج والخط ومن كان من عبد القيس وطوائف من بني تميم هجر ومن كان من بكر بن وائل كرمان وهم الذين يدعون بكر أبان ومن كان منهم من بني حنظلة بالرملية من بلاد الأهواز وإنه أمر فبنيت بأرض السواد مدينة وسماها بزرج سابور وهي الأنبار وبأرض الأهواز مدينتان إحداهما إيران خرة سابور وتأويلها سابور وبلاده وتسمى بالسريانية الكرخ والأخرى السوس وهي مدينة بناها إلى جانب الحصن الذي في جوفه تابوت فيه جثة دانيال النبي عليه السلام وإنه غزا أرض الروم فسبى منها سبيا كثيرا فأسكن مدينة إيران خرة سابور وسمتها العرب السوس بعد تخفيفها في التسمية وأمر فبنيت بباجرمي مدينة سماها خني سابور وكور كورة وبأرض خراسان مدينة وسماها نيسابور وكور كورة
وإن سابور كان هادن قسطنطين ملك الروم وهو الذي بنى مدينة قسطنطينية وكان أول من تنصر من ملوك الروم وهلك قسطنطين وفرق ملكه بين ثلاثة بنين كانوا له فهلك بنوه الثلاثة فملكت الروم عليهم رجلا من أهل بيت قسطنطين يقال له لليانوس وكان يدين بملة الروم التي كانت قبل النصرانية ويسر ذلك ويظهر النصرانية قبل أن يملك حتى إذا ملك أظهر ملة الروم وأعادها كهيئتها وأمرهم بإحيائها وأمر بهدم البيع وقتل الأساقفة وأحبار النصارى وإنه جمع جموعا من الروم والخزر ومن كان في مملكته من العرب ليقاتل بهم سابور وجنود فارس
وانتهزت العرب بذلك السبب الفرصة من الانتقام من سابور وما كان من قتله العرب واجتمع في عسكر لليانوس من العرب مائة ألف وسبعون ألف مقاتل فوجههم مع رجل من بطارقة الروم بعثه على مقدمته يسمى يوسانوس وإن لليانوس سار حتى وقع ببلاد فارس وانتهى إلى سابور كثرة من معه من جنود الروم والعرب والخزر فهاله ذلك ووجه عيونا تأتيه بخبرهم ومبلغ عددهم وحالهم في شجاعتهم وعيثهم فاختلفت أقاويل أولئك العيون فيما أتوه به من الأخبار عن لليانوس وجنده فتنكر سابور وسار في أناس من ثقاته ليعاين عسكرهم فلما اقترب من عسكر يوسانوس صاحب مقدمة لليانوس وجه رهطا ممن كان معه إلى عسكر يوسانوس ليتحسسوا الأخبار ويأتوه بها على حقائقها فنذرت الروم بهم فأخذوهم ودفعوهم إلى يوسانوس فلم يقر أحد منهم بالأمر الذي توجهوا له إلى عسكره ما خلا رجلا منهم أخبره بالقصة على
(1/400)
________________________________________
وجهها وبمكان سابور حيث كان وسأله أن يوجه معه جندا فيدفع إليهم سابور فأرسل يوسانوس حيث سمع هذه المقالة إلى سابور رجلا من بطانته يعلمه ما لقي من أمره وينذره فارتحل سابور من الموضع الذي كان فيه إلى عسكره وإن من كان في عسكر لليانوس من العرب سألوه أن يأذن لهم في محاربة سابور فأجابهم إلى ما سألوه فزحفوا إلى سابور فقاتلوه ففضوا جمعه وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وهرب سابور فيمن بقي من جنده واحتوى لليانوس على مدينة طيسبون محلة سابور وظفر ببيوت أموال سابور وخزائنه فيها فكتب سابور إلى من في الآفاق من جنوده يعلمهم الذي لقي من لليانوس ومن معه من العرب ويأمر من كان فيهم من القواد أن يقدموا عليه فيمن قبلهم من جنوده فلم يلبث أن اجتمعت إليه الجيوش من كل أفق فانصرف فحارب لليانوس واستنقذ منه مدينة طيسبون ونزل لليانوس مدينة بهأردشير وما والاها بعسكره وكانت الرسل تختلف فيما بينه وبين سابور وإن لليانوس كان جالسا ذات يوم في حجرته فأصابه سهم غرب في فؤاده فقتله فأسقط في روع جنده وهالهم الذي نزل به ويئسوا من التفصي من بلاد فارس وصاروا شورى لا ملك عليهم ولا سائس لهم فطلبوا إلى يوسانوس أن يتولى الملك لهم فيملكوه عليهم فأبى ذلك وألحوا عليه فيه فأعلمهم أنه على ملة النصرانية وأنه لا يلي ناسا له مخالفين في الملة فأخبرته الروم أنهم على ملته وأنهم إنما كانوا يكتمونها مخافة لليانوس فأجابهم إلى ما طلبوا وملكوه عليهم وأظهروا النصرانية
وإن سابور علم بهلاك لليانوس فأرسل إلى قواد جنود الروم يقول إن الله قد أمكننا منكم وأدالنا عليكم بظلمكم إيانا وتخطيكم إلى بلادنا وإنا نرجوا أن تهلكوا بها جوعا من غير أن نهيئ لقتالكم سيفا ونشرع لكم رمحا فسرحوا إلينا رئيسا إن كنتم رأستموه عليكم فعزم يوسانوس على إتيان سابور فلم يتابعه على رأيه أحد من قواد جنده فاستبد برأيه وجاء إلى سابور في ثمانين رجلا من أشراف من كان في عسكره وجنده وعليه تاجه فبلغ سابور مجيئه إليه فتلقاه وتساجدا فعانقه سابور شكرا لما كان منه في أمره وطعم عنده يومئذ ونعم
وإن سابور أرسل إلى قواد جند الروم وذوي الرياسة منهم يعلمهم أنهم لو ملكوا غير يوسانوس لجرى هلاكهم في بلاد فارس وأن تمليكهم إياه ينجيهم من سطوته وقوي أمر يوسانوس بجهده ثم قال إن الروم قد شنوا الغارة على بلادنا وقتلوا بشرا كثيرا وقطعوا ما كان بأرض السواد من نخل وشجر وخربوا عمارتها فإما أن يدفعوا إلينا قيمة ما أفسدوا وخربوا وإما أن يعوضونا من ذلك نصيبين وحيزها عوضا منه وكانت من بلاد فارس فغلبت عليها الروم
فأجاب يوسانوس وأشراف جنده سابور إلى ما سأل من العوض ودفعوا إليه نصيبين فبلغ ذلك أهلها فجلوا منها إلى مدن في مملكة الروم مخافة على أنفسهم من ملك الملك المخالف ملتهم فبلغ ذلك سابور فنقل اثني عشر ألف أهل بيت من أهل إصطخر وإصبهان وكور أخر من بلاده وحيزه إلى نصيبين وأسكنهم إياها وانصرف يوسانوس ومن معه من الجنود إلى الروم وملكها زمنا يسيرا ثم هلك
وإن سابور ضري بقتل العرب ونزع أكتاف رؤسائهم إلى أن هلك وكان ذلك سبب تسميتهم إياه ذا الأكتاف
(1/401)
________________________________________
وذكر بعض أهل الأخبار أن سابور بعد أن أثخن في العرب وأجلاهم عن النواحي التي كانوا صاروا إليها مما قرب من نواحي فارس والبحرين واليمامة ثم هبط إلى الشام وسار إلى حد الروم أعلم أصحابه أنه على دخول الروم حتى يبحث عن اسرارهم ويعرف أخبار مدنهم وعدد جنودهم فدخل إلى الروم فجال فيها حينا وبلغه أن قيصر أولم وأمر بجمع الناس ليحضروا طعامه فانطلق سابور بهيئة السؤال حتى شهد ذلك الجمع لينظر إلى قيصر ويعرف هيئته وحاله في طعامه ففطن له فأخذ وأمر به قيصر فأدرج في جلد ثور ثم سار بجنوده إلى أرض فارس ومعه سابور على تلك الحالة فأكثر من القتل وخراب المدائن والقرى وقطع النخل والأشجار حتى انتهى إلى مدينة جندي سابور وقد تحصن أهلها فنصب المجانيق وهدم بعضها فبينا هم كذلك ذات ليلة إذ غفل الروم الموكلون بحراسة سابور وكان بقربه قوم من سبي الأهواز فأمرهم أن يلقوا على القد الذي كان عليه زيتا من زقاق كانت بقربهم ففعلوا ذلك ولان الجلد وانسل منه فلم يزل يدب حتى دنا من باب المدينة وأخبر حراسهم باسمه فلما دخل على أهلها اشتد سرورهم به وارتفعت أصواتهم بالحمد والتسبيح فانتبه أصحاب قيصر باصواتهم وجمع سابور من كان في المدينة وعبأهم وخرج إلى الروم في تلك الليلة سحرا فقتل الروم وأخذ قيصر أسيرا وغنم أمواله ونساءه ثم أثقل قيصر بالحديد وأخذه بعمارة ما أخرب ويقال إن أخذ قيصر بنقل التراب من أرض الروم إلى المدائن وجندي سابور حتى يرم به ما هدم منها وبأن يغرس الزيتون مكان النخل والشجر الذي عقره ثم قطع عقبه ورتقه وبعث به إلى الروم على حمار وقال هذا جزاؤك ببغيك علينا فلذلك تركت الروم اتخاذ الأعقاب ورتق الذؤاب
ثم أقام سابور في مملكته حينا ثم غزا الروم فقتل من أهلها وسبى سبيا كثيرا وأسكن من سبى مدينة بناها بناحية السوس وسماها إيرانشهر سابور ثم استصلح العرب وأسكن بعض قبائل تغلب وعبدالقيس وبكر بن وائل كرمان توج والأهواز وبنى مدينة نيسابور ومدائن أخر بالسند وسجستان ونقل طبيبا من الهند فأسكنه الكرخ من السوس فلما مات ورث طبه أهل السوس ولذلك صار أهل تلك الناحية أطب العجم وأوصى بالملك لأخيه أردشير
وكان ملك سابور اثنتين وسبعين سنة
وهلك في عهد سابور عامله على ضاحية مضر وربيعة امرؤ القيس البدء بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر فاستعمل سابور على عمله ابنه عمرو بن امرئ القيس فيما ذكر فبقي في عمله بقية ملك سابور وجميع أيام أخيه أردشير بن هرمز بن نرسي وبعض ايام سابور بن سابور
وكان جميع عمله على ما ذكرت من العرب وولايته عليهم فيما ذكر ابن الكلبي ثلاثين سنة
ثم قام بالملك بعد سابور ذي الأكتاف أخوه أردشير بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك فلما عقد التاج على رأسه جلس للعظماء فلما دخلوا عليه دعوا له بالنصر وشكروا عنده أخاه سابور فأحسن جوابهم وأعلمهم موقع ما كان من شكرهم لأخيه عنده فلما استقر به الملك قراره عظف على العظماء وذوي الرياسة فقتل منهم خلقا كثيرا فخلعه الناس بعد أربع سنين من ملكه
(1/402)
________________________________________
ثم ملك سابور بن سابور ذي الأكتاف بن هرمز بن نرسي فاستبشرت الرعية بذلك وبرجوع ملك أبيه إليه فلقيهم أحسن اللقاء وكتب الكتب إلى العمال في حسن السيرة والرفق بالرعية وأمر بمثل ذلك وزراءه وكتابه وحاشيته وخطبهم خطبة بليغة ولم يزل عادلا على رعيته متحننا عليهم لما كان تبين من مودتهم ومحبتهم وطاعتهم وخضع له عمه أردشير المخلوع ومنحه الطاعة وإن العظماء وأهل البيوتات قطعوا أطناب فسطاط كان ضرب عليه في حجرة من حجره فسقط عليه الفسطاط
وكان ملكه خمس سنين
ثم ملك بعده أخوه بهرام بن سابور ذي الأكتاف وكان يلقب كرمان شاه وذلك أن أباه سابور كان ولاه في حياته كرمان فكتب إلى قواده كتابا يحثهم فيه على الطاعة ويأمرهم بتقوى الله والنصيحة للملك وبنى بكرمان مدينة وكان حسن السياسة لرعيته محمودا في أمره
وكان ملكه إحدى عشرة سنة وإن ناسا من الفتاك ثاروا إليه فقتله رجل منهم برمية رماها إياه بنشابه
ثم قام بالملك بعده يزدجرد المقلب بالأثيم بن بهرام الملقب بكرمان شاه بن سابور ذي الأكتاف
ومن أهل العلم بأنساب الفرس من يقول إن يزدجرد الأثيم هذا هو أخو بهرام الملقب بكرمان شاه وليس بابنه ويقول هو يزدجرد بن سابور ذي الأكتاف وممن نسبه هذا النسب وقال هذا القول هشام بن محمد
وكان فيما ذكر فظا غليظا ذا عيوب كثيرة وكان من أشد عيوبه وأعظمها فيما قيل وضعه ذكاء ذهن وحسن أدب كان له وصنوفا من العلم قد مهرها وعلمها غير موضعه وكثرة رؤيته في الضار من الأمور واستعمال كل ما عنده من ذلك في المواربة والدهاء والمكايدة والمخاتلة مع فطنة كانت بجهات الشر وشدة عجبه بما عنده من ذلك واستخفافه بكل ما كان في أيدي الناس من علم وأدب واحتقاره له وقلة اعتداده به واستطالته على الناس بما عنده منه وكان مع ذلك غلقا سيء الخلق رديء الطعمة حتى بلغ من شدة غلقه وحدته أن الصغير من الزلات كان عنده كبيرا واليسير من السقطات عظيما ثم لم يقدر أحد وإن كان لطيف المنزلة منه أن يكون لمن ابتلي عنده بشيء من ذلك شفيعا وكان دهره كله للناس متهما ولم يكن يأتمن أحدا على شيء من الأشياء ولم يكن يكافئ على حسن البلاء وإن هو أولى الخسيس من العرف استجزل ذلك وإن جسر على كلامه في أمر كلمه فيه رجل لغيره قال له ما قدر جعالتك في هذا الأمر الذي كلمتنا فيه وما أخذت عليه فلم يكن يكلمه في ذلك وما أشبهه إلا الوفود القادمون عليه من قبل ملوك الأمم وإن رعيته إنما سلموا من سطوته وبليته وما كان جمع من الخلال السيئة بتمسكهم بمن كان قبل مملكته بالسنن الصالحة وبأدبهم وكانوا لسوء أدبه ومخافة سطوته متواصلين متعاونين وكان من رأيه أن يعاقب كل من زل عنده وأذنب إليه من شدة العقوبة بما لا يستطاع أن يبلغ منه مثلها في مدة ثلاثمائة وكان لذلك لا يقرعه بسوط انتظارا منه للمعاقبة له بما ليس وراءه أفظع منه وكان إذا بلغه أن أحدا من بطانته صافى رجلا من أهل صناعته أو طبقته نحاه عن خدمته
وكان استوزر عند ولايته نرسي حكيم دهره وكان نرسي كاملا في أدبه فاضلا في جميع مذاهبه متقدما لأهل زمانه وكانوا يسمونه مهر نرسي ومهرنرسة ويلقب بالهزاربندة فأملت الرعية بما كان منه أن
(1/403)
________________________________________
ينزع عن أخلاقه وأن يصلح نرسي منه فلما استوى له الملك اشتدت إهانته الأشراف والعظماء وحمل على الضعفاء وأكثر من سفك الدماء وتسلط تسلطا لم يبتل الرعية بمثله في أيامه فلما رأى الوجوه والأشراف أنه لا يزداد إلا تتايعا في الجور اجتمعوا فشكوا ما ينزل بهم من ظلمه وتضرعوا إلى ربهم وابتهلوا إليه بتعجيل إنقاذهم منه فزعموا أنه كان بجرجان فرأى ذات يوم في قصره فرسا عائرا لم ير مثله في الخيل في حسن صورة وتمام خلق أقبل حتى وقف على بابه فتعجب الناس منه لأنه كان متجاوز الحال فأخبر يزدجرد خبره فأمر به أن يسرج ويلجم ويدخل عليه فحاول ساسته وصاحب مراكبه إلجامه وإسراجه فلم يمكن أحدا منهم من ذلك فأنهى إليه امتناع الفرس عليهم فخرج ببدنه إلى الموضع الذي كان فيه ذلك الفرس فألجمه بيده وألقى لبدا على ظهره ووضع فوقه سرجا وشد حزامه ولببه فلم يتحرك الفرس بشيء من ذلك حتى إذا رفع ذنبه ليثفره استدبره الفرس فرمحه على فؤاده رمحة هلك منها مكانه ثم لم يعاين ذلك الفرس ويقال إن الفرس ملأ فروجه جريا فلم يدرك ولم يوقف على السبب فيه وخاضت الرعية بينها وقالت هذا من صنع الله لنا ورأفته بنا
وكان ملك يزدجرد في قول بعضهم اثنتين وعشرين سنة وخمسة أشهر وستة عشر يوما وفي قول آخرين إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوما
ولما هلك عمرو بن امرئ القيس البدء بن عمرو بن عدي في عهد سابور بن سابور استخلف سابور بن سابور على عمله أوس بن قلام في قول هشام قال وهو من العماليق من بني عمرو بن عمليق فثار به جحجبي بن عتيك بن لخم فقتله فكان جميع ولاية أوس خمس سنين وهلك في عهد بهرام بن سابور ذي الأكتاف واستخلف بعده في عمله امرؤ القيس البدء بن عمرو بن امرئ القيس البدء بن عمرو خمسا وعشرين سنة وكان هلاكه في عهد يزدجرد الأثيم ثم استخلف يزدجرد مكانه ابنه النعمان بن امرئ القيس البدء بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي وأمه شقيقة ابنة أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وهو فارس حليمة وصاحب الخورنق
وكان سبب بنائه الخورنق فيما ذكر أن يزدجرد الأثيم بن بهرام كرمان شاه بن سابور ذي الأكتاف كان لا يبقى له ولد فولد له بهرام فسأل عن منزل بري مريء صحيح من الأدواء والأسقام فدل على ظهر الحيرة فدفع ابنه بهرام جور إلى النعمان هذا وأمره ببناء الخورنق مسكنا له وأنزله إياه وأمره بإخراجه إلى بوادي العرب وكان الذي بنى الخورنق رجلا يقال له سنمار فلما فرغ من بنائه تعجبوا من حسنه وإتقان عمله فقال لو علمت أنكم توفونني أجري وتصنعون بي ما أنا أهله بنيته بناء يدور مع الشمس حيثما دارت فقال وإنك لتقدر على أن بتني ما هو أفضل منه ثم لم تبنه فأمر به فطرح من رأس الخورنق ففي ذلك يقول أبو الطمحان القيني ... جزاء سنمار جزاها وربها ... وباللات والعزى جزاء المكفر ...
وقال سليط بن سعد ... جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمار ...
وقال يزيد بن إياس النهشلي
(1/404)
________________________________________
جزى الله كمالا بأسوإ فعله ... جزاء سنمار جزاء موفرا ...
وقال عبدالعزى بن امرئ القيس الكلبي وكان أهدى أفراسا إلى الحارث بن مارية الغساني ووفد إليه فأعجبته وأعجب بعبد العزى وحديثه وكان للملك ابن مسترضع في بني الحميم بن عوف من بني عبدود من كلب فنهشته حية فظن الملك أنهم اغتالوه فقال لعبد العزى جئني بهؤلاء القوم فقال هم قوم أحرار وليس لي عليهم فضل في نسب ولا فعال فقال لتأتيني بهم أو لأفعلن ولأفعلن فقال رجونا من حبائك أمرا حال دونه عقابك ودعا ابنيه شراحيل وعبدالحارث فكتب معهما إلى قومه ... جزاني جزاه الله شر جزائه ... جزاء سنمار وما كان ذا ذنب ... سوى رصه البنيان عشرين حجة ... يعلي عليه بالقراميد والسكب ... فلما رأى البنيان تم سموقه ... وآض كمثل الطود ذي الباذخ الصعب ... فأتهمه من بعد حرس وحقبة ... وقد هره أهل المشارق والغرب ... وظن سنمار به كل حبرة ... وفاز لديه بالمودة والقرب ... فقال اقذفوا بالعلج من فوق برجه ... فهذا لعمر الله من أعجب الخطب ... وما كان لي عند ابن جفنة فاعلموا ... من الذنب ما آلى يمينا على كلب ... ليلتمسن بالخيل عقر بلادهم ... تحلل أبيت اللعن من قولك المزبي ... ودون الذي منى ابن جفنة نفسه ... رجال يردون الظلوم عن الشعب ... وقد رامنا من قبلك المرء حارث ... فغودر مشلولا لدى الأكم الصهب ...
قال هشام وكان النعمان هذا قد غزا الشام مرارا وأكثر المصائب في أهلها وسبى وغنم وكان من أشد الملوك نكاية في عدوه وأبعدهم مغارا فيهم وكان ملك فارس جعل معه كتيبتين يقال لإحداهما دوسر وهي لتنوخ وللأخرى الشهباء وهي لفارس وهما اللتان يقال لهما القبيلتان فكان يغزو بهما بلاد الشأم ومن لم يدن له من العرب
قال فذكر لنا والله أعلم أنه جلس يوما في مجلسه من الخورنق فأشرف منه على النجف وما يليه من البساتين والنخل والجنان والأنهار مما يلي المغرب وعلى الفرات مما يلي المشرق وهو على متن النجف في يوم من أيام الربيع فأعجبه ما رأى من الخضرة والنور والأنهار فقال لوزيره وصاحبه هل رأيت مثل هذا المنظر قط فقال لا لو كان يدوم قال فما الذي يدوم قال ما عند الله في الآخرة قال فبما ينال ذاك قال بتركك الدنيا وعبادة الله والتماس ما عنده فترك ملكه من ليلته ولبس المسوح وخرج مستخفيا هاربا لا يعلم به واصبح الناس لا يعلمون بحاله فحضروا بابه فلم يؤذن لهم عليه كما كان يفعل فلما أبطأ الإذن عليهم سألوا عنه فلم يجدوه وفي ذلك يقول عدي بن زيد العبادي ... وتفكر رب الخورنق إذ أش ... رف يوما وللهدى تبصير ... سره حاله وكثرة ما يم ... ك والبحر معرض والسدير ... فارعوى قلبه فقال وما غب ... طة حي إلى الممات يصير ... ثم بعد الفلاح والملك والإم ... ة وارتهم هناك القبور
(1/405)
________________________________________
ثم أضحوا كأنهم ورق حف ... فألوت به الصبا والدبور ...
فكان ملك النعمان إلى أن ترك ملكه وساح في الأرض تسعا وعشرين سنة وأربعة أشهر
قال ابن الكلبي من ذلك في زمن يزدجرد خمس عشرة سنة وفي زمن بهرام جور بن يزدجرد أربع عشرة سنة
وأما العلماء من الفرس بأخبارهم وأمورهم فإنهم يقولون في ذلك ما أنا ذاكره
ثم ملك بعد يزدجرد الأثيم ابنه بهرام جور بن يزدجرد الخشن بن بهرام كرمان شاه بن سابور ذي الأكتاف وذكر أن مولده كان هرمزدروز فروردين ماه لسبع ساعات مضين من النهار فإن أباه يزدجرد دعا ساعة ولد بهرام ممن كان ببابه من المنجمين فأمرهم بإقامة كتاب مولده وتبينه بيانا يدل على الذي يؤول إليه كل أمره فقاسوا الشمس ونظروا في مطالع النجوم ثم أخبروا يزدجرد أن الله مورث بهرام ملك أبيه وأن رضاعه بغير أرض يسكنها الفرس وأن من الرأي أن يربى بغير بلاده فأجال يزدجرد الرأي في دفعه في الرضاع والتربية إلى بعض من ببابه من الروم أو العرب أو غيرهم ممن لم يكن من الفرس فبدا له في اختيار العرب لتربيته وحضانته فدعا بالمندر بن النعمان واستحضنه بهرام وشرفه وأكرمه وملكه على العرب وحباه بمرتبتين سنيتين تدعى إحداهما رام أبزوذيزدجرد وتأويله زاد سرور يزدجرد والأخرى تدعى بمهشت وتأويلها أعظم الخول وأمر له بصلة وكسوة بقدر استحقاقه لذلك في منزلته وأمره أن يسير ببهرام إلى بلاد العرب
فسار به المنذر إلى محلته منها واختار لرضاعه ثلاث نسوة ذوات أجسام صحيحة وأذهان ذكية وآداب رضية من بنات الأشراف منهن امرأتان من بنات العرب وامرأة من بنات العجم وأمر لهن بما أصلحهن من الكسوة والفرش والمطعم والمشرب وسائر ما احتجن إليه فتداولن رضاعه ثلاث سنين وفطم في السنة الرابعة حتى إذا أتت له خمس سنين قال للمنذر أحضرني مؤدبين ذوي علم مدربين بالتعليم ليعلموني الكتابة والرمي والفقه فقال له المنذر إنك بعد صغير السن ولم يأن لك أن تأخذ في التعليم فالزم ما يلزم الصبيان الأحداث حتى تبلغ من السن ما يطيق التعلم والتأدب وأحضر من يعلمك كل ما سألت تعلمه فقال بهرام للمنذر أنا لعمري صغير ولكن عقلي عقل محتنك وأنت كبير السن وعقلك عقل ضرع أما تعلم أيها الرجل أن كل ما يتقدم في طلبه ينال في وقته وما يطلب في وقته ينال في غير وقته وما يفرط في طلبه يفوت فلا ينال وإني من ولد الملوك والملك صائر إلي بإذن الله وأولى ما كلف به الملوك وطلبوه صالح العلم لأنه لهم زين ولملكهم ركن به يقوون فعجل علي بمن سألتك من المؤدبين
فوجه المنذر ساعة سمع مقالة بهرام هذه إلى باب الملك من أتاه برهط من فقهاء الفرس ومعلمي الرمي والفروسية ومعلمي الكتابة وخاصة ذوي الأدب وجمع له حكماء من حكماء فارس والروم ومحدثين من العرب فألزمهم بهرام ووقت لأصحاب كل مذهب من تلك المهن وقتا يأتونه فيه وقدر لهم قدرا يفيدونه ما عندهم فتفرغ بهرام لتعلم كل ما سأل أن يتعلم وللاستماع من أهل الحكمة وأصحاب الحديث ووعى كل ما استمع وثقف كل ما علم بأيسر تعليم وألفي بعد أن بلغ اثنتي عشرة سنة وقد استفاد كل ما أفيد وحفظه وفاق معلميه ومن حضره من أهل الأدب حتى اعترفوا له بفضله عليهم
(1/406)

بنالعياط
04-10-2012, 08:58 PM
________________________________________
وأثاب بهرام المنذر ومعلميه وأمرهم بالانصراف عنه وأمر معلمي الرمي والفروسية بالإقامة عنده ليأخذ عنهم كل ما ينبغي له التدرب به والإحكام له ثم دعا بهرام بالنعمان بن المنذر وأمره أن يؤذن العرب بإحضار خيلهم من الذكور والإناث على أنسابها فأذن النعمان للعرب بذلك وبلغ المنذر الذي كان من رأي بهرام في اختيار الخيل لمركبه فقال لبهرام لا تجشمن العرب إجراء خيلهم ولكن مر من يعرض الخيل عليك واختر منها رضاك وارتبطه لنفسك فقال له بهرام قد أحسنت القول ولكني أفضل الرجال سؤددا وشرفا وليس ينبغي أن يكون مركبي إلا أفضل الخيل وإنما يعرف فضل بعضها على بعض بالتجرية ولا تجرية بلا إجراء
فرضي المنذر مقالته وأمر النعمان العرب فأحضروا خيولهم وركب بهرام والمنذر لحضور الحلبة وسرحت الخيل من فرسخين فبدر فرس أشقر للمنذر تلك الخيل جميعا سابقا ثم اقبل بعده بقيها بداد بداد من بين فرسين تاليين أو ثلاثة موزعة أو سكيتا فقرب المنذر بيده ذلك الأشقر إلى بهرام وقال يبارك الله لك فيه فأمر بهرام بقبضه وعظم سروره به وتشكر للمنذر
وإن بهرام ركب ذات يوم الفرس الأشقر الذي حمله عليه المنذر إلى الصيد فبصر بعانة فرمى عليها وقصد نحوها فإذا هو بأسد قد شد على عير كان فيها فتناول ظهره بفيه ليقصمه ويفترسه فرماه بهرام رمية في ظهره فنفذت النشابة من بطنه وظهر العير وسرته حتى أفضت إلى الأرض فساخت فيها إلى قريب من ثلثيها فتحرك طويلا وكان ذلك بمشهد ناس من العرب وحرس بهرام وغيرهم فأمر بهرام فصور ما كان منه في أمر الأسد والعير في بعض مجالسه
ثم إن بهرام أعلم المنذر أنه على الإلمام بأبيه فشخص إلى أبيه وكان أبوه يزدجرد لسوء خلقه لا يحفل بولد له فاتخذ بهرام للخدمة فلقي بهرام من ذلك عناء
ثم إن يزدجرد وفد عليه أخ لقيصر يقال له ثياذوس في طلب الصلح والهدنة لقيصر والروم فسأله بهرام أن يكلم يزدجرد في الإذن له في الإنصراف إلى المنذر فانصرف إلى بلاد العرب فأقبل على التنعم والتلذذ
وهلك أبوه يزدجرد وبهرام غائب فتعاقد ناس من العظماء وأهل البيوتات ألا يملكوا أحدا من ذرية يزدجرد لسوء سيرته وقالوا إن يزدجرد لم يخلف ولدا يحتمل الملك غير بهرام ولم يل بهرام ولاية قط يبلى بها خبره ويعرف بها حاله ولم يتأدب بأدب العجم وإنما أدبه أدب العرب وخلقه كخلقهم لنشئه بين أظهرهم واجتمعت كلمتهم وكلمة العامة على صرف الملك عن بهرام إلى رجل من عترة أردشير بن بابك يقال له كسرى ولم يقيموا أن ملكوه فانتهى هلاك يزدجرد والذي كان من تمليكهم كسرى إلى بهرام وهو ببادية العرب فدعا بالمنذر والنعمان ابنه وناس من علية العرب وقال لهم إني لا أحسبكم تجحدون خصيصي والدي كان أتاكم معشر العرب بإحسانه وإنعامه كان عليكم مع فظاظته وشدته كانت على الفرس وأخبرهم بالذي أتاه من نعي أبيه وتمليك الفرس من ملكوا عن تشاور منهم في ذلك
فقال المنذر لا يهولنك ذلك حتى ألطف الحيلة فيه وإن المنذر جهز عشرة آلاف رجل من فرسان
(1/407)
________________________________________
العرب ووجههم مع ابنه إلى طيسبون وبهأردشير مدينتي الملك وأمره أن يعسكر قريبا منهما ويدمن إرسال طلائعه إليهما فإن تحرك أحد لقتاله وأغار على ما والاهما وأسر وسبى ونهاه عن سفك الدماء فسار النعمان حتى نزل قريبا من المدينتين ووجه طلائعه إليهما واستعظم قتال الفرس وإن من بالباب من العظماء وأهل البيوتات أوفدوا جوانى صاحب رسائل يزدجرد إلى المنذر وكتبوا إليه يعلمونه أمر النعمان فلما ورد جوانى على المنذر وقرأ الكتاب الذي كتب إليه قال له الق الملك بهرام ووجه معه من يوصله إليه فدخل جوانى على بهرام فراعه ما رأى من وسامته وبهائه وأغفل السجود دهشا فعرف بهرام أنه إنما ترك السجود لما راعه من روائه فكلمه بهرام ووعده من نفسه أحسن الوعد ورده إلى المنذر وأرسل إليه أن يجيب في الذي كتب فقال المنذر لجوانى قد تدبرت الكتاب الذي أتيتني به وإنما وجه النعمان إلى ناحيتكم الملك بهرام حيث ملكه الله بعد أبيه وخوله إياكم
فلما سمع جوانى مقالة المنذر وتذكر ما عاين من رواء بهرام وهيبته عند نفسه وأن جميع من شاور في صرف الملك عن بهرام مخصوم محجوج قال للمنذر إني لست محيرا جوابا ولكن سر إن رأيت إلى محلة الملوك فيجتمع إليك من بها من العظماء وأهل البيوتات وتشاورا في ذلك وأت فيه ما يجمل فإنهم لن يخالفوك في شيء مما تشير به
فرد المنذر جوانى إلى من أرسله إليه واستعد وسار بعد فصول جوانى من عنده بيوم ببهرام في ثلاثين ألف رجل من فرسان العرب وذوي البأس والنجدة منهم إلى مدينتي الملك حتى إذا وردهما أمر فجمع الناس وجلس بهرام على منبر من ذهب مكلل بجوهر وجلس المنذر عن يمينه وتكلم عظماء الفرس وأهل البيوتات وفرشوا للمنذر بكلامهم فظاظة يزدجرد أبي بهرام كانت وسوء سيرته وأنه أخرب بسور رأيه الأرض وأكثر القتل ظلما حتى قد قتل الناس في البلاد التي كان يملكها وأمورا غير ذلك فظيعة وذكروا أنهم إنما تعاقدوا وتواثقوا على صرف الملك عن ولد يزدجرد لذلك وسألوا المنذر ألا يجبرهم في أمر الملك على ما يكرهونه
فوعى المنذر ما بثوا من ذلك وقال لبهرام أنت أولى بإجابة القوم مني فقال بهرام إني لست أكذبكم معشر المتكلمين في شيء مما نسبتم إليه يزدجرد لما استقر عندي من ذلك ولقد كنت زاريا عليه لسوء هديه ومتنكبا لطريقه ودينه ولم أزل أسأل الله أن يمن علي بالملك فأصلح كل ما افسد وأرأب ما صدع فإن أتت لملكي سنة ولم أف لكم بهذه الأمور التي عددت لكم تبرأت من الملك طائعا وقد أشهدت بذلك علي الله وملائكته وموبذان موبذ وليكن هو فيها حكما بيني وبينكم وأنا مع الذي بينت على ما أعلمكم من رضاي بتمليككم من تناول التاج والزينة من بين أسدين ضاريين مشبلين فهو الملك
فلما سمع القوم مقالة بهرام هذه وما وعد من نفسه استبشروا بذلك وانبسطت آمالهم وقالوا فيما بينهم إنا لسنا نقدر على رد قول بهرام مع أنا إن تممنا على صرف الملك عنه نتخوف أن يكون في ذلك هلاكنا لكثرة من استمد واستجاش من العرب ولكنا نمتحنه بما عرض علينا مما لم يدعه إليه إلا ثقة بقوته وبطشه وجرأته فإن يكن على ما وصف به نفسه فليس لنا رأي إلا تسليم الملك إليه والسمع والطاعة له وإن يهلك ضعفا ومعجزة فنحن من هلكته برآء ولشره وغائلته آمنون
(1/408)
________________________________________
وتفرقوا على هذا الرأي فعاد بهرام بعد أن تكلم بهذا الكلام وجلس كمجلسه الذي كان فيه بالأمس وحضره من كان يحاده فقال لهم إما أن تجيبوني فيما تكلمت أمس وإما أن تسكتوا باخعين لي بالطاعة فقال القوم أما نحن فقد اخترنا لتدبير الملك كسرى ولم نر منه إلا ما نحب ولكنا قد رضينا مع ذلك أن يوضع التاح والزينة كما ذكرت بين أسدين وتتنازعانهما أنت وكسرى فأيكما تناولها من بينهما سلمنا له الملك
فرضي بهرام بمقالتهم فأتي بالتاج والزينة موبذان موبذ الموكل كان بعقد التاج على رأس كل ملك يملك فوضعهما في ناحية وجاء بسطام إصبهبذ بأسدين ضاريين مجوعين مشبلين فوقف أحدهما عن جانب الموضع الذي وضع فيه التاج والزينة والآخر بحذائه وأرخى وثاقهما ثم قال بهرام لكسرى دونك التاج والزينة فقال كسرى أنت أولى بالبدء وبتناولهما مني لأنك تطلب الملك بوارثة وأنا فيه مغتصب فلم يكره بهرام قوله لثقته كانت ببطشه وقوته وحمل جرزا وتوجه نحو التاج والزينة فقال له موبذان موبذ استماتتك في هذا الأمر الذي أقدمت عليه إنما هو تطوع منك لا عن رأي أحد من الفرس ونحن برآء إلى الله من إتلافك نفسك فقال بهرام أنتم من ذلك برآء ولا وزر عليكم فيه ثم أسرع نحو الأسدين فلما رأى موبذان موبذ جده في لقائهما هتف به وقال بح بذنوبك وتب منها ثم أقدم إن كنت لا محالة مقدما فباح بهرام بما سلف من ذنوبه ثم مشى نحو الأسدين فبدر إليه أحدهما فلما دنا من بهرام وثب وثبة فعلا ظهره وعصر جنبي الأسد بفخذيه عصرا أثخنه وجعل يضرب على رأسه بالجرز الذي كان حمل ثم شد الأسد الآخر عليه فقبض على أذنيه وعركهما بكلتا يديه فلم يزل يضرب رأسه برأس الأسد الذي كان راكبه حتى دمغهما ثم قتلهما كليهما على رأسهما بالجرز الذي كان حمله وكان ذلك من صنيعه بمرأى من كسرى ومن حضر ذلك المحفل
فتناول بهرام بعد ذلك التاج والزينة فكان كسرى أول من هتف به وقال عمرك الله بهرام الذي من حوله سامعون وله مطيعون ورزقه ملك أقاليم الأرض السبعة ثم هتف به جميع الحضر وقالوا قد أذعنا للملك بهرام وخضعنا له ورضينا به ملكا وأكثروا الدعاء له وإن العظماء وأهل البيوتات وأصحاب الولايات والوزراء لقوا المنذر بعد ذلك اليوم وسألوه أن يكلم بهرام في التغمد لإساءتهم في أمره والصفح والتجاوز عنهم فكلم المنذر بهرام فيما سألوه من ذلك واستوهبه ما كان احتمل عليهم في نفسه فأسعفه بهرام فيما سأل وبسط آمالهم
وإن بهرام ملك وهو ابن عشرين سنة وأمر من يومه ذلك أن يلزم رعيته راحة ودعة وجلس للناس بعد ذلك سبعة أيام متوالية يعدهم الخير من نفسه ويأمرهم بتقوى الله وطاعته
ثم لم يزل بهرام حيث ملك مؤثرا للهو على ما سواه حتى كثرت ملامة رعيته إياه على ذلك وطمع من حوله من الملوك في استباحة بلاده والغلبة على ملكه وكان أول من سبق إلى المكاثرة له عليه خاقان ملك الترك فإنه غزاه في مائتين وخمسين ألف رجل من الترك فبلغ الفرس إقبال خاقان في جمع عظيم إلى بلادهم فتعاظمهم ذلك وهالهم ودخل عليه من عظمائهم أناس لهم رأي أصيل وعندهم نظر للعامة فقالوا له إنه قد أزمك أيها الملك من بائقة هذا العدو ما قد شغلك عما أنت عليه من اللهو والتلذذ فتأهب له
(1/409)
________________________________________
كيلا يلحقنا منه أمر يلزمك فيه مسبة وعار فقال لهم بهرام إن الله ربنا قوي ونحن أولياؤه ولم يزدد إلا مثابرة على اللهو والتلذذ والصيد
وإنه تجهز فسار إلى أذربيجان لينسك في بيت نارها ويتوجه منها إلى أرمينية ويطلب الصيد في آجامها ويلهو في مسيرة في سبعة رهط من العظماء وأهل البيوتات وثلاثمائة رجل من رابطته ذوي بأس ونجدة واستخلف أخا له يسمى نرسي على ما كان يدبر من ملكه فلم يشك الناس حين بلغهم مسير بهرام فيمن سار واستخلافه أخاه على ما استخلف في أن ذلك هرب من عدوه وإسلام لملكه وتآمروا في إنفاذ وفد إلى خاقان والإقرار له بالخراج مخافة منه لاستباحة بلادهم واصطلامه مقاتلتهم إن هم لم يذعنوا له بذلك فبلغ خاقان الذي أجمع عليه الفرس من الانقياد والخضوع له فآمن ناحيتهم وأمر جنده بالتورع فأتى بهرام عين كان وجهه ليأتيه بخبر خاقان فأخره بأمر خاقان وعزمه فسار إليه بهرام في العدة الذين كانوا معه فبيته وقتل خاقان بيده وأفشى القتل في جنده وانهزم من سلم من القتل منهم ومنحوه أكتفاهم وخلفوا عسكرهم وذراريهم وأثقالهم وأمعن بهرام في طلبهم يقتلهم ويحوي ما غنم منهم ويسبي ذراريهم وانصرف وجنده سالمين وظفر بهرام بتاج خاقان وإكليله وغلب على بلاده من بلاد الترك واستعمل على ما غلب عليه منها مرزبانا حبه سريرا من فضة وأتاه أناس من أهل البلاد المتاخمة لما غلب عليه من بلاد الترك خاضعين باخعين له بالطاعة وسألوه أن يعلمهم حد ما بينه وبينهم فلا يتعدوه فحد لهم حدا وأمر فبنيت منارة وهي المنارة التي أمر بها فيروز الملك ابن يزدجرد فقدمت إلى بلاد الترك ووجه بهرام قائدا من قواده إلى ما وراء النهر منهم وأمره بقتالهم فقاتلهم وأثخنهم حتى أقروا لبهرام بالعبودية وأداء الجزية
وإن بهرام انصرف إلى أذربيجان راجعا إلى محلته من السواد وأمر بما كان في إكليل خاقان من ياقوت أحمر وسائر الجوهر فعلق على بيت نار آذربيجان ثم سار وورد مدينة طيسبون فنزل دار المملكة بها ثم كتب إلى جنده وعماله بقتله خاقان وما كان من أمره وأمر جنده ثم ولى أخاه نرسي خراسان وأمره أن يسير إليها وينزل بلخ وتقدم إليه بما أراد
ثم إن بهرام سار في آخر ملكه إلى ماه للصيد بها فركب ذات يوم للصيد فشد على عير وأمعن في طلبه فارتطم في جب فغرق فبلغ والدته فسارت إلى ذلك الجب بأموال عظيمة وأقامت قريبة منه وأمرت بإنفاق تلك الأموال علىمن يخرجه منه فنقلوا من الجب طينا كثيرا وحمأة حتى جمعوا من ذلك آكاما عظاما ولم يقدروا على جثة بهرام
وذكر أن بهرام لما انصرف إلى مملكته من غزوة الترك خطب أهل مملكته أياما متوالية حثهم في خطبته على لزوم الطاعة وأعلمهم أن نيته التوسعة عليهم وإيصال الخير لهم وأنهم إن زالوا عن الاستقامة نالهم من غلظته أكثر مما كان نالهم من أبيه وأن أباه كان افتتح أمرهم باللين والمعدلة فجحدوا ذلك أو من جحده منهم ولم يخضعوا له خضوع الخول والعبيد للملوك فأصاره ذلك إلى الغلظة وضرب الأبشار وسفك الدماء وإن انصراف بهرام من غزوه ذلك كان على طريق أذربيجان وإنه نحل بيت نار الشيز ما كان في إكليل خاقان من اليواقيت واجوهر وسيفا كان لخاقان مفصصا بدر وجوهر وحلية كثيرة وأخدمه خاتون امرأة خاقان ورفع عن الناس الخراج لثلاث سنين شكرا على ما لقي من النصر في وجهه وقسم في الفقراء والمساكين
(1/410)
________________________________________
مالا عظيما وفي البيوتات وذوي الأحساب عشرين ألف ألف درهم وكتب بخبر خاقان إلى الآفاق كتبا يذكر فيها أن الخبر ورد عليه بورود خاقان بلاده وأنه مجد الله وعظمه وتوكل عليه وسار نحوه في سبعة رهط من أهل البيوتات وثلاثمائة فارس من نخبة رابطته على طريق أذربيجان وجبل القبق حتى نفذ على براري خوارزم ومفاوزها فأبلاه الله أحسن بلاء وذكر لهم ما وضع عنهم من الخراج وكان كتابه في ذلك كتابا بليغا
وقد كان بهرام حين أفضى إليه الملك أمر أن يرفع عن أهل الخراج البقايا التي بقيت عليهم من الخراج فأعلم أن ذلك سبعون ألف ألف درهم فأمر بتركها وبترك ثلث خراج السنة التي ولي فيها
وقيل إن بهرام جور لما انصرف إلى طيسبون من مغزاه خاقان التركي ولى نرسي أخاه خراسان وأنزله بلخ واستوزر مهر نرسي بن برازة وخصه وجعله مزرجفرمذار وأعلمه أنه ماض إلى بلاد الهند ليعرف أخبارها والتطلف لحيازة بعض مملكة أهلها إلى مملكته ليخفف بذلك بعض مؤونة عن أهل مملكته وتقدم إليه بما أراد التقدم إليه فيما خلفه عليه إلى أوان انصرافه وأنه شخص من مملكته حتى دخل أرض الهند متنكرا فمكث بها حينا لا يسأله أحد من أهلها عن شيء من أمره غير ما يرون من فروسيته وقتله السباع وجماله وكمال خلقه ما يعجبون منه فلم يزل كذلك حتى بلغه أن في ناحية من أرضهم فيلا قد قطع السبل وقتل ناسا كثيرا فسأل بعضهم أن يدله عليه ليقتله وانتهى أمره إلى الملك فدعا به وأرسل معه رسولا ينصرف إليه بخبره فلما انتهىبهرام والرسول إلى الأجمة التي فيها الفيل رقي الرسول إلى شجرة لينظر إلى صنع بهرام ومضى بهرام ليستخرج الفيل فصاح به فخرج إليه مزبدا وله صوت شديد ومنظر هائل فلما قرب من بهرام رماه رمية وقعت بين عينيه حتى كادت تغيب ووقذه بالنشاب حتى بلغ منه ووثب عليه فأخذه بمشفره فاجتذبه جذبة جثا لها الفيل على ركبتيه فلم يزل يطعنه حتى أمكن من نفسه فاحتز رأسه وحمله على ظهره حتى أخرجه إلى الطريق ورسول الملك ينظر إليه فلما انصرف الرسول اقتص خبره على الملك فعجب من شدته وجرأته وحباه حباء عظيما واستفهمه أمره فقال له بهرام أنا رجل من عظماء الفرس وكان ملك فارس سخط علي في شيء فهربت منه إلى جوارك وكان لذلك الملك عدو قد نازعه ملكه وسار إليه بجنود عظيمة فاشتد وجل الملك صاحب بهرام منه لما كان يعرف من قوته وأراده على الخضوع له وحمل الخراج إليه وهم صاحب بهرام بإجابته إلى ذلك فنهاه بهرام عن ذلك وضمن له كفاية أمره فسكن إلى قوله وخرج بهرام مستعدا له فلما التقوا قال لأساورة الهند احرسوا ظهري ثم حمل عليهم فجعل يضرب الرجل على رأسه فتنتهي ضربته إلى فمه ويضرب وسط الرجل فيقطعه باثنين ويأتي الفيل فيقد مشفره بالسيف ويحتمل الفارس عن سرجه والهند قوم لا يحسنون الرمي وأكثرهم رجالة لا دواب لهم وكان بهرام إذا رمى أحدهم أنفذ السهم فيه فلما عاينوا منه ما عاينوا ولوا منهزمين لا يلوون على شيء وغنم صاحب بهرام ما كان في عسكر عدوه وانصرف محبورا مسرورا ومعه بهرام فكان في مكافأته إياه أن أنكحه ابنته ونحله الديبل ومكران وما يليها من أرض السند وكتب له بذلك كتابا وأشهد له على نفسه شهودا وأمر بتلك البلاد حتى ضمت إلى أرض العجم وحمل خراجها إلى بهرام وانصرف بهرام مسرورا
(1/411)
________________________________________
ثم إنه أغزى مهر نرسي بن برازة بلاد الروم في أربعين ألف مقاتل وأمره أن يقصد عظيمها ويناظره في أمر الإتاوة وغيرها مما لم يكن يقوم بمثله إلا مثل مهر نرسي فتوجه في تلك العدة ودخل القسطنطينية وقام مقاما مشهورا وهادنه عظيم الروم وانصرف بكل الذي أراد بهرام ولم يزل لمهر نرسي مكرما وربما خفف اسمه فقيل نرسي وربما قيل مهرنرسة وهو مهر نرسي بن برازة بن فرخزاذ بن خورهباذ بن سيسفاذ بن سيسنابروة بن كي أشك بن دارا بن دارا بن بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب
وكان مهر نرسي معظما عند جميع ملوك فارس بحسن أدبه وجودة آرائه وسكون العامة إليه وكان له أولاد مع ذلك قد قاربوه في القدر وعملوا للملوك من الأعمال ما كادوا يلحقون بمرتبته وإن منهم ثلاثة قد كانوا برزوا أحدهم زروانداذ كان مهر نرسي قصد به للدين والفقه فأدرك من ذلك أمرا عظيما حتى صيره بهرام جور هربذان هربذ مرتبة شبيهة بمرتبة موبذان موبذ وكان يقال للآخر ما جشنس ولم يزل متوليا ديوان الخراج أيام بهرام جور وكان اسم مرتبته بالفارسية راستراي وشانسلان وكان الثالث اسمه كارد صاحب الجيش الأعظم واسم مرتبته بالفارسية أسطران سلار وهذه مرتبة فوق مرتبة الإصبهبذ تقارب مرتبة الأرجبذ وكان اسم مهر نرسي بمرتبته بالفارسية بزر جفر ماندار وتفسيره بالعربية وزير الوزراء أو رئيس الرؤساء وقيل إنه كان من قرية يقال لها إبروان من رستاق دشتبارين من كورة أردشير خرة فابتنى فيه وفي جره من كورة سابور لاتصال ذلك ودشتبارين أبنية رفيعة واتخذ فيها بيت نار هو باق فيما ذكر إلى اليوم وناره توقد إلى هذه الغاية يقال لها مهرنرسيان واتخذ بالقرب من إبروان أربع قرى وجعل في كل واحدة منها بيت نار فجعل واحدا منها لنفسه وسماه فراز مرا آورخذايان وتفسير ذلك أقبلي إلي سيدتي على وجه التعظيم للنار وجعل الآخر لزراونداذ وسماه زراونداذان والآخر لكارد وسماه كارداذان والآخر لماجشنس وسماه ماجشنسفان واتخذ في هذه الناحية ثلاث باغات جعل في كل باغ منها اثنتي عشرة ألف نخلة وفي باغ اثني عشر ألف اصل زيتون وفي باغ اثنتي عشرة ألف سروة ولم تزل هذه القرى والباغات وبيوت النيرات في يد قوم من ولده معروفين إلى اليوم وإن ذلك فيما ذكر إلى اليوم باق على أحسن حالاته
وذكر أن بهرام بعد فراغه من أمر خاقان وأمر ملك الروم مضى إلى بلاد السودان من ناحية اليمن فأوقع بهم فقتل منهم مقتلة عظيمة وسبى منهم خلقا ثم انصرف إلى مملكته ثم كان من أمر هلاكه ما قد وصفت
واختلفوا في مدة ملكه فقال بعضهم كان ملكه ثماني عشرة سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما وقال آخرون كان ملكه ثلاثا وعشرين سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما
ثم قام بالملك من بعده يزدجرد بن بهرام جور فلما عقد التاج على رأسه دخل عليه العظماء والأشراف فدعوا له وهنئوه بالملك فرد عليهم ردا حسنا وذكر اباه ومناقبه وما كان منه إلى الرعية وطول جلوسه كان لها وأعلمهم أنهم إن فقدوا منه مثل الذي كانوا يعهدونه من أبيه فلا ينبغي لهم أن يستنكروه فإن خلواته إنما تكون في مصلحة للمملكة وكيد للأعداء وأنه قد استوزر مهرنرسي بن برازة صاحب أبيه وأنه سائر فيهم بأحسن السيرة ومستن لهم أفضل السنن ولم يزل قامعا لعدوه رؤوفا برعيته وجنوده محسنا
(1/412)
________________________________________
إليهم
وكان له ابنان يقال لأحدهما هرمز وكان ملكا على سجستان والآخر يقال له فيروز فغلب هرمز على الملك من بعد هلاك أبيه يزدجرد فهرب فيروز منه ولحق ببلاد الهياطلة وأخبر ملكها بقصته وقصة هرمز أخيه وأنه أولى بالملك منه وسأله أن يمده بجيش يقاتل به هرمز ويحتوي على ملك أبيه فأبى ملك الهياطلة أن يجيبه إلى ما سأل من ذلك حتى أخبر أن هرمز ملك ظلوم جائر فقال ملك الهياطلة إن الجور لا يرضاه الله ولا يصلح عمل أهله ولا يستطاع أن ينتصف ويحترف في ملك الملك الجائر إلا بالجور والظلم فأمد فيروز بعد أن دفع إليه الطالقان بجيش فأقبل بهم وقاتل هرمز أخاه فقتله وشتت جمعه وغلب على الملك
وكان الروم التاثوا على يزدجرد بن بهرام في الخراج الذي كانوا يحملونه إلى أبيه فوجه إليهم مهر نرسي بن برازة في مثل العدة التي كان بهرام وجهه إليهم عليها فبلغ له إرادته
وكان ملك يزدجرد ثماني عشرة سنة وأربعة أشهر في قول بعضهم وفي قول آخرين سبع عشرة سنة
ثم ملك فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور بعد أن قتل أخاه وثلاثة نفر من أهل بيته
وحدثت عن هشام بن محمد قال استعد فيروز من خراسان واستنجد بأهل طخارستان وما يليها وسار إلى أخيه هرمز بن يزدجرد وهو بالري وكانت أمهما واحدة واسمها دينك وكانت بالمدائن تدبر ما يليها من الملك فظفر فيروز بأخيه فحبسه وأظهر العدل وحسن السيرة وكان يتدينن وقحط الناس في زمانه سبع سنين فأحسن تدبير [ ذلك ] الأمر حتى قسم ما في بيوت الأموال وكف عن الجباية وساسهم أحسن السياسة فلم يهلك في تلك السنين أحد ضياعا إلا رجل واحد
وسار إلى قوم كانوا قد غلبوا على طخارستان يقال لهم الهياطلة وقد كان قوادهم في أول ملكه لمعونتهم إياه على أخيه وكانوا فيما زعموا يعملون عمل قوم لوط فلم يستحل ترك البلاد في أيديهم فقاتلهم فقتلوه في المعركة وأربعة بنين له وأربعة إخوة كلهم كان يتسمى بالملك وغلبوا على عامة خراسان حتى سار إليهم رجل من أهل فارس يقال له سوخرا من أهل شيراز وكان فيهم عظيما فخرج فيمن تبعه شبه المحتسب المتطوع حتى لقي صاحب الهياطلة فأخرجه من بلاد خراسان فافترقا على الصلح ورد ما لم يضع مما في عسكر فيروز من الأسراء والسبي وملك سبعا وعشرين سنة
وقال غير هشام من أهل الأخبار كان فيروز ملكا محدودا محارفا مشؤوما على رعيته وكان جل قوله وفعله فيما هو ضرر وآفة عليه وعلى أهل مملكته وإن البلاد قحطت في ملكه سبع سنين متوالية فغارت الأنهار والقني والعيون وقحلت الأشجار والغياض وهاجت عامة الزروع والآجام في السهل والجبل من بلاده وموتت فيها الطير والوحوش وجاعت الأنعام والدواب حتى كانت لا تقدر أن تحمل حمولة وقل ماء دجلة وعم أهل بلاده اللزبات والمجاعة والجهد والشدائد
فكتب إلى جميع رعيته يعلمهم أنه لا خراج عليهم ولا جزية ولا نائبة ولا سخرة وأن قد ملكهم أنفسهم ويأمرهم بالسعي فيما يقوتهم ويقيمهم ثم أعاد الكتاب إليهم في إخراج كل من كان له منهم مطمورة أو هري أو طعام أو غيره مما يقوت الناس والتآسي فيه وترك الاستئثار فيه وأن يكون حال أهل
(1/413)
________________________________________
الغنى والفقر وأهل الشرف والضعة في التآسي واحدا وأخبرهم أنه إن بلغه أن إنسيا مات جوعا عاقب أهل المدينة أو أهل القرية أو الموضع الذي يموت فيه ذلك الإنسي جوعا ونكل بهم أشد النكال
فساس فيروز رعيته في تلك اللزبة والمجاعة سياسة لم يعطب أحد منهم جوعا ما خلا رجلا واحدا من رستاق كورة أردشير خرة يدعى بدية فتعظم ذلك عظماء الفرس وجميع أهل أردشير خرة وفيروز وأنه ابتهل إلى ربه في نشر رحمته له ولرعيته وإنزال غيثه عليهم فأغاثه الله وعادت بلاده في كثرة المياه على ما كانت تكون عليه وصلحت الأشجار
وإن فيروز أمر فبنيت بالري مدينة وسماها رام فيروز وفيما بين جرجان وباب صول مدينة وسماها روشن فيروز وبناحية أذربيجان مدينة وشماها شهرام فيروز
ولما حييت بلاد فيروز واستوثق له الملك وأثخن في أعدائه وقهرهم وفرغ من بناء هذه المدن الثلاث سار بجنوده نحو خراسان مريدا حرب إخشنوار ملك الهياطلة فلما بلغ إخشنوار خبره اشتد منه رعبه فذكر أن رجلا من أصحاب إشخنوار بذل له نفسه وقال له اقطع يدي ورجلي وألقني على طريق فيروز وأحسن إلى ولدي وعيالي يريد بذلك فيما ذكر الاحتيال لفيروز ففعل ذلك إخشنوار بذلك الرجل وألقاه على طريق فيروز فلما مر به أنكر حاله وسأله عن أمره فأخبره أن إخشنوار فعل ذلك به لأنه قال له لا قوام لك بفيروز وجنود الفرس فرق له فيروز ورحمه وأمر بحمله معه فأعمله على وجه النصح منه له فيما زعم أنه يدله وأصحابه على طريق مختصر لم يدخل إلى ملك الهياطلة منه أحد فاغتر فيروز بذلك منه وأخذ بالقوم في الطريق الذي ذكره له الأقطع فلم يزل يقطع بهم مفازة بعد مفازة فكلما شكوا عطشا أعلمهم أنهم قد قربوا من الماء ومن قطع المفازة حتى إذا بلغ بهم موضعا علم انهم لا يقدرون فيه على تقدم ولا تأخر بين لهم أمره فقال أصحاب فيروز لفيروز قد كنا حذرناك هذا أيها الملك فلم تحذر فأما الآن فلا بد من المضي قدما حتى نوافي القوم على الحالات كلها فمضو لوجوههم وقتل العطش اكثرهم وصار فيروز بمن نجا معه إلى عدوهم فلما أشرفوا عليهم على الحال التي هم فيها دعوا إخشنوار إلى الصلح على أن يخلي سبيلهم حتى ينصرفوا إلى بلادهم على أن يجعل فيروز له عهد الله وميثاقه ألا يغزوهم ولا يروم أرضهم ولا يبعث إليهم جندا يقاتلونهم ويجعل بين مملكتها حدا لا يجوزه فرضي إخشنوار بذلك وكتب له به فيروز كتابا مختوما وأشهد له على نفسه شهودا ثم خلى سبيله وانصرف
فلما صار إلى مملكته حمله الأنف والحمية على معاودة إخشنوار فغزاه بعد أن نهاه وزراؤه وخاصته عن ذلك لما فيه من نقض العهد فلم يقبل منهم وأبى إلا ركوب رأيه وكان فيمن نهاه عن ذلك رجل كان يخصه ويجتبي رأيه يقال له مزدبوذ فلما رأى مزدبوذ لجاجته كتب ما دار بينهما في صحيفة وسأله الختم عليها ومضى فيروز لوجهه نحو بلاد إخشنوار وقد كان إخشنوار حفر خندق بينه وبين بلاد فيروز عظيما فلم انتهى إليه فيروز عقد عليه القناطر ونصب عليها رايات جعلها أعلاما له ولأصحابه في انصرافهم وجاز إلى القوم فلما التقى بعسكرهم احتج عليه إخشنوار بالكتاب الذي كتبه له ووعظه بعهده وميثاقه فأبى فيروز إلا لجاجا ومحكا وتواقفا فكلم كل واحد منهما صاحبه كلاما طويلا ونشبت بينهما بعد ذلك الحرب وأصحاب فيروز على فتور من أمرهم للعهد الذي كان بينهم وبين الهياطلة وأخرج إخشنوار الصحيفة التي
(1/414)
________________________________________
كتبها له فيروز فرفعها على رمح وقال اللهم خذ بما في هذا الكتاب فانهزم فيروز وسها عن موضع الرايات وسقط في الخندق فهلك وأخذ إخشنوار أثقال فيروز ونساءه وأمواله ودواوينه وأصاب جند فارس شيء لم يصبهم مثله قط
وكان بسجستان رجل من أهل كورة أردشير خرة من الأعاجم ذو علم وبأس وبطش يقال له سوخرا ومعه جماعة من الأساورة فلما بلغه خبر فيروز ركب من ليلته فأغذ السير حتى انتهى إلى إخشنوار فأرسل إليه وآذنه بالحرب وتوعده بالجائحة والبوار فبعث إليه إخشنوار جيشا عظيما فلما التقوا ركب إليهم سوخرا فوجدهم مدلين فيقال إنه رمى بعض من ورد عليه منهم رمية فوقعت بين عيني فرسه حتى كادت النشابة تغيب في رأسه فسقط الفرس وتمكن سوخرا من راكبه فاستبقاه وقال له انصرف إلى صاحبك فأخبره بما رأيت فانصرفوا إلى إخشنوار وحملوا الفرس معهم فلما رأى أثر الرمية بهت وأرسل إلى سوخرا أن سل حاجتك فقال له حاجتي أن ترد علي الديوان وتطلق الأسرى ففعل ذلك فلما صار الديوان في يده واستنقذ الأسرى استخرج من الديوان بيوت الأموال التي كانت مع فيروز فكتب إلى إخشنوار أنه غير منصرف إلا بها فلما تبين الجد افتدى نفسه وانصرف سوخرا بعد استنقاذ الأسارى وأخذ الديوان وارتجاع الأموال وجميع ما كان مع فيروز من خزائنه إلى أرض فارس فلما صار إلى الأعاجم شرفوه وعظموا أمره وبلغوا به من المنزلة ما لم يكن بعده إلا الملك
وهو سوخرا بن ويسابور بن زهان بن نرسي بن ويسابور بن قارن بن كروان بن أبيد بن أوبيد بن تيرويه بن كردنك بن ناور بن طوس بن نودكا بن منشو بن نودر بن منوشهر
وذكر بعض أهل العلم بأخبار الفرس من خبر فيروز وخبر إخشنوار نحوا مما ذكرت غير أنه ذكر أن فيروز لما خرج متوجها إلى إخشنوار استخلف على مدينة طيسبون ومدينة بهرسير وكانتا محلة الملوك سوخرا هذا قال وكان يقال لمرتبته قارن وكان يلي معهما سجستان وأن فيروز لما بلغ منارة كان بهرام جور ابتناها فيما بين تخوم بلاد خراسان وبلاد الترك لئلا يجوزها الترك إلى خراسان لميثاق كان بين الترك والفرس على ترك الفريقين التعدي لها وكان فيروز عاهد إخشنوار ألا يجاوزها إلى بلاد الهياطلة أمر فيروز فصفد فيها خمسون فيلا وثلثمائة رجل فجرت أمامه جرا واتبعها أراد بذلك زعم الوفاء لإخشنوار بما عاهده عليه فبلغ إخشنوار ما كان من فيروز في أمر تلك المنارة فأرسل إليه يقول انته يا فيروز عما انتهى عنه أسلافك ولا تقدم على مالم يقدموا عليه فلم يحفل فيروز بقوله ولم تكرثه رسالته وجعل يستطعم محاربة إخشنوار ويدعوه إليها وجعل إخشنوار يمتنع من محاربته ويستكرهها لأن جل محاربة الترك إنما هو بالخداع والمكر والمكايدة وإن إخشنوار أمر فحفر خلف عسكره خندق عرضه عشرة أذرع وعمقه عشرون ذراعا وغمي بخشب ضعاف وألقى عليه ترابا ثم ارتحل في جنده فمضى غير بعيد فبلغ فيروز رحلة إخشنوار بجنده من عسكره فلم يشك في أن ذلك منهم انكشاف وهرب فأمر بضرب الطبول وركب في جنده في طلب إخشنوار وأصحابه فأغذوا السير وكان مسلكهم على ذلك الخندق فلما بلغوه أقحموا على عماية فتردى فيه فيروز وعامة جنده وهلكوا من عند آخرهم
وإن إخشنوار عطف على عسكر فيروز فاحتوى على كل شيء فيه وأسر موبذان موبذ وصارت
(1/415)
________________________________________
فيروز دخت ابنة فيروز فيمن صار في يده من نساء فيروز وأمر إخشنوار فاستخرجت جثة فيروز وجثة كل من سقط معه في ذلك الخندق فوضعت في النواويس ودعا إخشنوار فيروز دخت إلى أن يباشرها فأبت عليه
وإن خبر هلاك فيروز سقط إلى بلاد فارس فارتجوا له وفزعوا حتى إذا استقرت حقيقة خبره عند سوخرا تأهب وسار في عظم من كان قبله من الجند إلى بلاد الهياطلة فلما بلغ جرجان بلغ إخشنوار خبر مسيره لمحاربته فاستعد وأقبل متلقيا له وأرسل إليه يستخبره عن خبره ويسأله عن اسمه ومرتبته فأرسل أنه رجل يقال له سوخرا ولمرتبته قارن وأنه إنما سار إليه لينتقم منه لفيروز فأرسل إليه إخشنوار يقول إن سبيلك في الأمر الذي قدمت له كسبيل فيروز إذ لم يعقبه في كثرة جنوده من محاربته إياي إلا الهلكة والبوار فلم ينهنه سوخرا قول إخشنوار ولم يعبأ به وأمر جنوده فاستعدوا وتسلحوا وزحف إلى إخشنوار لشدة إقدامه وحدة قلبه فطلب موادعته وصلحه فلم يقبل منه سوخرا صلحا دون أن يصير في يده كل شيء صار عنده من عسكر فيروز فسلم إخشنوار إليه ما أصاب من أموال فيروز وخزائنه ومرابطه ونسائه وفيهن فيروز دخت ودفع إليه موبذان موبذ وكل أحد كان عنده من عظماء الفرس فانصرف سوخرا بذلك كله إلى بلاد الفرس
واختلف في مدة ملك فيروز فقال بعضهم كانت ستا وعشرين سنة وقال آخرون كانت إحدى وعشرين سنة
(1/416)

بنالعياط
04-10-2012, 09:24 PM
ذكر ما كان من الأحداث في أيام يزدجرد بن بهرام وفيروز
ين عمالها على العرب وأهل اليمن
حدثت عن هشام بن محمد قال كان يخدم الملوك من حمير في زمان ملكهم أبناء الأشراف من حمير وغيرهم من القبائل فكان ممن يخدم حسان بن تبع عمرو بن حجر الكندي وكان سيد كندة في زمانه فلما سار حسان بن تبع إلى جديس خلفه على بعض أموره فلما قتل عمرو بن تبع أخاه حسان بن تبع وملك مكانه اصطنع عمرو بن حجر الكندي وكان ذا رأي ونبل وكان مما أراد عمرو إكرامه به وتصغير بني أخيه حسان أن زوجه ابنة حسان بن تبع فتكلمت في ذلك حمير وكان عندهم من الأحداث التي ابتلوا بها لأنه لم يكن يطمع في التزويج إلى أهل ذلك البيت أحد من العرب وولدت ابنة حسان بن تبع لعمرو بن حجر الحارث بن عمرو وملك بعد عمرو بن تبع عبد كلال بن مثوب وذلك أن ولد حسان كانوا صغارا إلا ما كان من تبع بن حسان فإن الجن استهامته فأخذ الملك عبد كلال بن مثوب مخافة أن يطمع في الملك غير أهل بيت المملكة فوليه بسن وتجرية وسياسة حسنة وكان فيما ذكروا على دين النصرانية الأولى وكان يسر ذلك من قومه وكان الذي دعاه إليه رجل من غسان قدم عليه من الشأم فوثبت حمير بالغساني فقتلته فرجع تبع بن حسان من استهامة الجن إياه صحيحا وهو أعلم الناس بنجم وأعقل من تعلم في زمانه وأكثره حديثا عما كان قبله وما يكون في الزمان بعده فملك تبع بن حسان بن تبع بن ملكيكرب بن تبع الأقرن فهابته حمير والعرب هيبة شديدة فبعث ابن أخته الحارث بن عمرو بن حجر الكندي في جيش عظيم إلى بلاد معد والحيرة وما والاها فسار إلى النعمان بن امرئ القيس بن الشقيقة فقاتله فقتل النعمان وعدة من أهل بيته وهزم أصحابه وأفلته المنذر بن النعمان الأكبر وأمه ماء السماء امرأة من النمر فذهب ملك آل النعمان وملك الحارث بن عمرو الكندي ما كانوا يملكون
وقال هشام مالك بعد النعمان ابنه المنذر بن النعمان وأمه هند ابنة زيد مناة بن زيدالله بن عمرو الغساني أربعا وأربعين سنة من ذلك في زمن بهرام جور بن يزدجرد ثماني سنين وتسعة أشهر وفي زمن يزدجرد بن بهرام ثماني عشرة سنة وفي زمن فيروز بن يزدجرد سبع عشرة سنة ثم ملك بعده ابنه الأسود بن المنذر وأمه هر ابنة النعمان من بني الهيجمانة ابنة عمرو بن أبي ربيعة بن ذهب بن شيبان وهو الذي أسرته فارس عشرين سنة من ذلك في زمن فيروز بن يزدجرد عشر سنين وفي زمن بلاش بن يزدجرد أربع سنين وفي زمن قباذ بن فيروز ست سنين
ثم قام بالملك بعد فيروز بن يزدجرد ابنه بلاش بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور وكان قباذ أخوه قد
(1/417)
________________________________________
نازعه الملك فغلب بلاش وهرب قباذ إلى خاقان ملك الترك يسأله المعونة والمدد فلما عقد التاج لبلاش على رأسه اجتمع إليه العظماء والأشراف فهنأوه ودعوا له وسألوه أن يكافىء سوخرا بما كان منه فخصه وأكرمه وحباه ولم يزل بلاش حسن السيرة حريصا على العمارة وكان بلغ من حسن نظره أنه كان لا يبلغه إن بيتا خرب وجلا أهله عنه إلا عاقب صاحب القرية التي فيها ذلك البيت على تركه انتعاشهم وسد فاقتهم حتى لا يضطروا إلى الجلاء عن أوطانهم وبنى بالسواد مدينة سماها بلا شاواذ وهي مدينة ساباط التي بقرب المدائن وكان ملكه أربع سنين
ثم ملك قباذ بن فيروز بن يزدرجرد بن بهرام جور وكان قباذ قبل أن يصير الملك إلييه قد سار إلى خاقان مستنصرا به على أخيه بلاش فمر في طريقه بحدود نيسابور ومعه جماعة يسيرة ممن شايعه على الشخوص متنكرين وفيهم زرمهر بن سوخرا فتاقت نفس قباذ إلى الجماع فشكا ذلك إلى زرمهر وسأله أن يلتمس له امرأة ذات حسب ففعل ذلك وصار إلى امرأة صاحب منزله وكان رجلا من الأساورة وكانت له ابنة بكر فائقة في الجمال فتنصح لها في ابنتها وأشار عليها أن تبعث بها إلى قباذ فأعلمت ذلك زوجها ولم يزل زرمهر يرغب المرأة وزوجها ويشير عليهما بما يرغبهما فيه حتى فعلا وصارت الابنة إلى قباذ واسمها نيوندخت فغشيها قباذ في تلك الليلة فحملت بأنو شروان فأمر لها بجائزة حسنة وحباها حباء جزيلا
وقيل إن أم تلك الجارية سألتها عن هيئة قباذ وحاله فأعلمتها أنها لا تعرف من ذلك غير أنها رأت سراويله منسوجا بالذهب فعلمت أمها أنه من أبناء الملوك وسرها ذلك ومضى قباذ إلى خاقان فلما وصل إليه أعلمه أنه ابن ملك فارس وأن أخاه ضاده في الملك وغلبه وأنه أتاه يستنصره فوعده أحسن العدة ومكث قباذ عند خاقان أربع سنين يدافعه بما وعده فلما طال الأمر على قباذ أرسل إلى امرأة خاقان يسألها أن تتخذه ولدا وأن تكلم فيه زوجها وتسأله إنجاز عدته ففعلت ولم تزل تحمل على خاقان حتى وجه مع قباذ جيشا فلما انصرف قباذ بذلك الجيش وصار في ناحية نيسابور سأل الرجل الذي كان أتاه بالجارية عن أمرها فاستخبر ذلك من أمها فأخبرته أنها قد ولدت غلاما فأمر قباذ أن يؤتى بها فأتته ومعها أنو شروان تقوده بيدها فلما دخلت عليه سألها عن قصة الغلام فأخبرته أنه ابنه وإذا هو قد نزع إليه في صورته وجماله
ويقال إن الخبر ورد عليه في ذلك الموضع بهلاك بلاش فتيمن بالمولود وأمر بحمله وحمل أمه على مراكب نساء الملوك فلما صار إلى المدائن واستوثق له أمر الملك خص سوخرا وفوض إليه أمره وشكر له ما كان من خدنمة ابنه إياه ووجه الجنود إلى إلى الأطراف فتكوا في الأعداء وسبوا سبايا كثيرة وبنى بين الأهواز وفارس مدينة الرجان وبنى أيضا مدينة حلوان وبنى بكورة أردشير خرة في ناحية كارزين مدينة يقال لها قباذ خرة وذلك سوى مدائن وقرى أنشأها وسوى أنهار احتفرها وجسور عقدها فلما مضت أكثر أيامه وتولى سوخرا تدبير ملكه وسياسة أمورة مال الناس عليه وعاملوه واستخفوا بقباذ وتهاونوا بأمره فلما احتنك لم يحتمل ذلك ولم يرض به وكتب إلى سابور الرازي الذي يقال للبيت الذي هو منه مهران وكان أصبهبذ البلاد في القدوم عليه فيمن قبله من الجند فقدم سابور بهم عليهم فواصفه قباذ حالة سوخرا وأمره بأمره فيه فغدا سابور على قباذ فوجد عنده سوخرا جالسا فمشى نحو قباذ متجاوزا له متغافلا
(1/418)
________________________________________
لسوخرا فلم يأبه سوخرا لذلك من أرب سابور حتى ألقى وهقا كان معه في عنقه ثم اجتذبه فأخرجه فأوثقه واستودعه السجن فحينئذ قيل نقصت ريح سوخرا وهبت لمهران ريح وذهب ذلك مثلا وإن قباذ أمر بعد ذلك بقتل سوخرا فقتل وإنه لما مضى لملك قباذ عشر سنين اجتمعت كلمة موبذان موبذ والعظماء على إزالته عن ملكه فأزالوه عنه وحبسوه لمتابعته لرجل يقال له مزدك مع أصحاب له قالوا إن الله إنما جعل الأرزاق في الأرض ليقسمها العباد بينهم بالتآسي ولكن الناس تظالموا فيها وزعموا أنهم يأخذون للفقراء من الأغنياء ويردون من المكثرين على المقلين وأنه من كان عنده فضل من الأموال والنساء والأمتعة فليس هو بأولى به من غيره فافترص السفلة ذلك واغتنموه وكانفوا مزدك وأصحابه وشايعوهم فابتلي الناس بهم وقوي أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله لا يستطيع الامتناع منهم وحملوا قباذ على تزيين ذلك وتوعدوه بخلعه فلم يلبثوا إلا قليلا حتى صاروا لا يعرف الرجل منهم ولده ولا المولود أباه ولا يملك الرجل شيئا مما يتسع به وصيروا قباذ في مكان لا يصل إليه أحد سواهم وجعلوا أخا له يقال له جاماسب مكانه وقالوا لقباذ إنك قد أثمت يما عملت به فيما مضى وليس يطهرك من ذلك إلا إباحة نسائك وأرادوه على أن يدفع إليهم نفسه فيذبحوه ويجعلوه قربانا للنار فلما رأى ذلك زرمهر بن سوخرا خرج بمن شايعه من الأشراف باذلا نفسه فقتل من المزدكية ناسا كثيرا وأعاد قباذ إلى ملكه وطرح أخاه جاماسب ثم لم يزل المزدكية بعد ذلك إنما يحرشون قباذ على زرمهر حتى قتله ولم يزل قباذ من خيار ملوكهم حتى حمله مزدك على ما حمله عليه فانتشرت الأطراف وفسدت الثغور
وذكر بعض أهل العلم بأخبار الفرس أن العظماء من الفرس هم حبسوا قباذ حين اتبع مزدك وشايعه على ما دعاه إليه من أمره وملكوا مكانه أخاه جاماسب بن فيروز وأن أختا لقباذ أتت الحبس الذي كان فييه قباذ محبوسا فحاولت الدخول عليه فمنعها إياه الرجل الموكل كان بالحبس ومن فيه وطمع الرجل أن يفضحها بذلك السبب وألقى إليها طمعه فيها فأخبرته أنها غير مخالفته في شيء مما يهوى منها فأذن لها فدخلت السجن فأقامت عند قباذ يوما وأمرت فلف قباذ في بساط من البسط التي كانت معه في الحبس وحمل على غلام من غلمانه قوي ضابط وأخرج من الحبس فلما مر الغلام بوالي الحبس سأله عما كان حامله فأفحم واتبعته أخت قباذ فأخبرته أنه فراش كانت افترشته في عراكها وإنها إنما خرجت لتتطهر وتنصرف فصدقها الرجل ولم يمس البساط ولم يدن منه استقذارا له وخلى عن الغلام الحامل لقباذ فمضى بقباذ ومضت على أثره وهرب قباذ فلحق بأرض الهياطلة ليستمد ملكها ويستجيشه فيحارب من خالفه وخلعه وأنه نزل في مبدئه إليها بأبرشهر رجل من عظماء أهلها له ابنة معصر وأن نكاحه أم كسرى أنو شروان كان في سفره هذا وأن قباذ رجع من سفره ذلك معه ابنه أنو شروان وأمه فغلب أخاه جاماسب على ملكه بعد أن ملك أخوه جاماسب ست سنين وأن قباذ غزا بعد ذلك بلاد الروم وافتتح منها مدينة من مدن الجزيرة تدعى آمد وسبى أهلها وأمر فبنيت في حد ما بين فارس وأرض الأهواز مدينة وسماها رامقباذ وهي التي تسمى بومقباذ وتدعى أيضا أرجان وكور كورة وجعل لها رسانيق من كورة سرق كورة رام هرمز وملك قباذ ابنه كسرى وكتب له بذلك كتابا وختمه بخاتمه
فلما هلك قباذ وكان ملكه بسني ملك أخيه جاماسب ثلاثا وأربعين سنة فنفذ كسرى ما أمر به قباذ من ذلك
(1/419)

بنالعياط
04-10-2012, 10:05 PM
ذكر ما كان من الحوادث التي كانت بين العرب في أيام قباذ في مملكته وبين عماله
وحدثت عن هشام بن محمد قال لما لقي الحارث بن عمرو بن حجر بن عدي الكندي النعمان بن المنذر بن امرىء القيس بن الشقيقة قتله وأفلته المنذر بن النعمان الأكبر وملك الحارث بن عمرو الكندي ما كان يملك بعث قباذ بن فيروز ملك فارس إلى الحارث بن عمرو الكندي إنه قد كان بيننا وبين الملك الذي قد كان قبلك عهد وإني أحب أن القاك
وكان قباذ زنديقا يظهر الخير ويكره الدماء ويداري أعداءه فيما يكره من سفك الدماء وكثرت الأهواء في زمانه واستضعفه الناس فخرج إليه الحارث بن عمرو الكندي في عدد وعدة حتى التقوا بقنطرة الفيوم فأمر قباذ بطبق من تمر فنزع نواه وأمر بطبق فجعل فيه تمر فيه نواة ثم وضعا بين أيديهما فجعل الذي فيه النوى يلي الحارث بن عمرو والذي لا نوى فيه يلي قباذ فجعل الحارث يأكل التمر ويلقي النوى وجعل قباذ يأكل ما يليه وقال للحارث مالك لا تأكل مثل ما آكل فقال [ له الحارث ] إنما يأكل النوى إبلنا وغنمنا وعلم أن قباذ يهزأ به ثما اصطلحا على أن يورد الحارث بن عمرو ومن أحب من أصحابه خيولهم الفرات إلى ألبابها ولا يجاوزوا أكثر من ذلك فلما رأى الحارث ما عليه قباذ من الضعف طمع في السواد فأمر أصحاب مسالحه أن يقطعوا الفرات فيغيروا في السواد فأتى قباذ الصريخ وهو بالمدائن فقال هذا من تحت كنف ملكهم ثم أرسل إلى الحارث بن عمرو أن لصوصا من لصوص العرب قد أغاروا وانه يحب لقاءه فلقيه فقال له قباذ لقد صنعت صنيعا ما صنعه أحد قبلك فقال له الحارث ما فعلت ولا شعرت ولكنها لصوص من لصوص العرب ولا أستطيع ضبط العرب إلا بالمال والجنود قال له قباذ فما الذي تريد قال أريد أن تطعمني من السواد ما اتخذ به سلاحا فأمر له بما يلي جانب العرب من أسفل الفرات وهي ستةطساسيج فأرسل الحارث بن عمرو الكندي إلى تبع وهو باليمن إني قد طمعت في ملك الأعاجم وقد أخذت منه ستة طساسيح فأجمع الجنود وأقبل فإنه ليس دون ملكهم شيء لأن الملك [ عليهم ] لا يأكل اللحم ولا يستحل هراقة الدماء لأنه زنديق فجمع تبع الجنود وسار حتى نزل الحيرة وقرب من الفرات فآذاه البق فأمر الحارث بن عمرو أن يشق له نهرا إلى النجف ففعل وهو نهر الحيرة فنزل عليه ووجه ابن أخيه شمرا ذا الجناح إلى قباذ فقاتله فهزمه شمر حتى لحق بالري ثم أدركه بها فقتله وأمضى تبع شمرا ذا الجناح إلى خراسان ووجه تبع ابنه حسان إلى الصغد وقال أيكما سبق إلى الصين فهو عليها وكان كل واحد منهما في جيش عظيم يقال كانا في ستمائة ألف وأربعين ألفا وبعث ابن أخيه يعفر إلى الروم وهو الذي يقول
(1/420)
________________________________________
أيا صاح عجبك للداهية ... لحمير إذ نزلوا الجابية ... ثمانون ألفا روايا همو ... لكل ثمانية راوية ...
فسار يعفر حتى أتى القسطنطينية فأعطوه الطاعة والإتاوة ثم مضى إلى رومية وبينهما مسيرة أربعة أشهر فحاصرها وأصاب من معه جوع ووقع فيهم طاعون فرقوا فأبصرهم الروم وما لقوا فوثبوا عليهم فقتلوهم فلم يفلت منهم أحد وسار شمر ذو الجناح حتى أتى سمرقند فحاصرها فلم يظفر بشيء منها فلما رأى ذلك أطاف بالحرس حتى أخذ رجلا من أهلها فسأله عن المدينة وملكها فقال له أما ملكها فأحمق الناس ليس له هم إلا الشراب والأكل وله ابنة وهي التي تقضي أمر الناس فبعث معه بهدية إليها فقال له أخبرها أني إنما جئت من أرض العرب للذي بلغني من عقلها لتنكحني نفسها فأصبب منها غلاما يملك العجم والعرب وأني لم أجىء ألتمس المال وأن معي أربعة آلاف تابوت من ذهب وفضة ها هنا فأنا أدفعها إليها وأمضي إلى الصين فإن كانت الأرض لي كانت امرأتي وإن هلكت كان ذلك المال لها فلما أنهيت إليها رسالته قالت قد أجبته فليبعث بما ذكر فأرسل إليها أربعة آلاف تابوت في كل تابوت رجلان فكان لسمرقند أربعة أبواب على كل باب منها أربعة آلاف رجل وجعل العلامة بينه وبينهم أن يضرب لهم بالجلجل وتقدم في ذلك إلى رسله الذين وجه معهم فلما صاروا في المدينة ضرب لهم بالجلجل فخرجوا فأخذوا بالأبواب ونهد شمر في الناس فدخل المدينة فقتل أهلها وحوى ما فيها ثم سار إلى الصين فلقي زحوف الترك فهزمهم ومضى إلى الصين فوجد حسان بن تبع قد كان سبقه إليها بثلاث سنين فأقاما بها فيما ذكر بعض الناس حتى ماتا وكان مقامهما إحدى وعشرين سنة
قال وقال من زعم أنهما أقاما بالصين حتى هلكا إن تبعا جعل النار فيما بينه وبينهم فكان إذا حدث حدث أوقدوا النار بالليل فأتى الخبر في ليلة وجعل آية ما بينه وبينهم أن إذا أوقدت نارين من عندي فهو هلاك يعفر وإن أوقدت ثلاثا فهو هلاك تبع وإن كانت من عندهم نار فهو هلاك حسان وإن كانت نارين فهو هاكهما فمكثوا بذلك
ثم إنه أوقد نارين فكان هلاك يفعر ثم أوقد ثلاثا فكان هلاك تبع
قال وأما الحديث المجتمع عليه فإن شمرا وحسان انصرفا في الطريق الذي كانا أخذا فيه حيث بدآ حتى قدما على تبع بما حازا من الأموال بالصين وصنوف الجوهر والطيب والسبي ثم انصرفوا جميعا إلى بلادهم وسار تبع حتى قدم مكة فنزل بالشعب من المطابخ وكانت وفاة تبع باليمن فلم يخرج أحد من ملوك اليمن بعده عنها غازيا إلى شيء من البلاد وكان ملكه مائة وإحدى وعشرين سنة
قال ويقال إنه كان دخل في دين اليهود للأحبار الذين كانوا خرجوا من يثرب مع تبع إلى مكة عدة كثيرة
قال ويقولوا إن علم كعب الأحبار كان من بقية ما أورثت تلك الأحبار وكان كعب الأحبار رجلا من حمير
وأما ابن إسحاق فإنه ذكر أن الذي سار إلى المشرق من التبابعة تبع الآخر وأنه تبع تبان أسعد أبو كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار وهو أبو حسان حدثنا بذلك ابن حميد قال حدثنا
(1/421)
________________________________________
سلمة عنه
ثم ملك كسرى أنو شروان بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور فلما ملك كتب إلى أربعة فاذوسبانين كان كل واحد منهم على ناحية من نواحي بلاد فارس ومن قبلهم كتبا نسخى كتابه منها إلى فاذوسبان أذربيجان بسم الله الرحمن الرحيم من الملك كسرى بن قباذ إلى واري بن النخير جان فاذوسبان أذربيجان وأرمينية وحيزها ودنباوند وطبرستان وحيزها ومن قبله سلام فإن أحرى ما استوحش له الناس فقد من تخوفوا في فقدهم إياه زوال النعم ووقوع الفتن وحلول المكاره بالأفضل فالأفضل منهم في نفسه أو حشمه أو ماله أو كريمه وإنا لا نعلم وحشة ولا فقد شيء أجل رزيئة عند العامة ولا أحرى أن تعم به البلية من فقد ملك صالح
وإن كسرى لما استحكم له الملك أبطل ملة رجل منافق من أهل فسا يقال له زراذشت بن خركان ابتدعها في المجوسية فتابعه الناس على بدعته تلك وفاق أمره فيها وكان ممن دعا العامة إليها رجل من أهل مذرية يقال له مزدق بن بامداذ وكان مما أمر به الناس وزينه لهم وحثهم عليه التآسي في اموالهم وأهليهم وذكر أن ذلك من البر الذي يرضاه الله ويثيب عليه أحسن الثواب وأنه لو لم يكن الذي أمرهم به وحثهم عليه من الدين كان مكرمة في الفعال ورضا في التفاوض فحض بذلك السفلة على العلية واختلط له أجناس اللؤماء بعناصر الكرماء وسهل السبيل للغصبة إلى الغصب وللظلمة إلى الظلم وللعهار إلى قضاء نهمتهم والوصول إلى الكرائم اللائي لم يكونوا يطمعون فيهن وشمل الناس بلاء عظيم لم يكن لهم عهد بمثله فنهى الناس كسرى عن السيرة بشيء مما ابتدع زراذشت خركان ومزدق بن بامداذ وأبطل بدعتهما وقتل بشرا كثيرا ثبتوا عليها ولم ينتهوا عما نهاهم عنه منها وقوما من المنانية وثبت للمجوس ملتهم التي لم يزالوا عليها
وكان يلي الإصبهبذة وهي الرياسة على الجنود قبل ملكه رجل وكان إليه إصبهبذة البلاد ففرق كسرى هذه الولاية والمرتبة بين أربعة إصبهذين منهم أصبهبد المشرق وهو خراسان وما والاها وأصبهذ المغرب وأصبهبد نيمروز وهي بلاد اليمن وأصبهبد أذربيجان وما والاها وهي بلاد الخزر وما والاها لما رأى في ذلك من النظام لملكه وقوى الماتلة بالأسلحة والكراع وارتجع بلادا كانت من مملكة فارس خرج بعضها من يد الملك قباذ إلى ملوك الأمم لعلل شتى وأسباب منها ال سند وبست والرخج وزابلستان وطخارستان ودردستان وكابلستان وأعظم القتل في أمة يقال لها البارز وأجلى بقيتهم عن بلادهم وأسكنهم مواضع من بلاد مملكته وأذعنوا له بالعبودية واستعان بهم في حروبه وأمر فأسرت أمة أخرى يقال لها صول وقدم بهم عليه وأمر بهم فقتلوا ما خلا ثمانين رجلا من كماتهم استحياهم وأمر بإنزالهم شهرام فيروز يستعين بهم في حروبه
وإن أمة يقال لها أبخز وأمة يقال لها بنجر وأمة يقال لها بلنجر وأمة يقال لها ألان تمالئوا علة غزو بلاده وأقبلوا إلى أرمينية ليغيروا على أهلها وكان مسلكهم إليها يومئذ سهلا ممكنا فأغضى كسرى على ما كان منهم حتى إذا تمكنوا في بلاده وجه إليهم جنودا فقاتلوهم واصطلموهم ما خلا عشرى آلاف رجل منهم أسروا فأسكنوا أذربيجان وما والاها وكان الملك فيروز بنى في ناحية صول وألان بناء بصخر أراده أن يحصن
(1/422)
________________________________________
بلاده عن تناول تلك الأمم إياها وأحدث الملك قباذ بن فيروز من بعد أبيه في تلك المواطن بناء كثيرا حتى إذا ملك كسرى أمر فبنيت في ناحية صول بصخر منحوت في ناحية جرجان مدن وحصون وآكام وبنيان كثير ليكون حرزا لأهل بلاده يلجأون إليها من عدو إن دهمهم
وإن سنجبوا خاقان كان أمنع الترك وأشجعهم وأعزهم وأكثرهم جنودا وهو الذي قاتل وزر ملك الهياطلة غير خائف كثرة الهياطلة ومنعتهم فقتل وزر ملكها وعامة جنوده وغنم أموالهم واحتوى على بلادهم إلا ما كان كسرى غلب عليه منها وإنه استمال أبخز وبنجر وبلنجر فمنحوه طاعتهم وأعلموه أن ملوك فارس لم يزالوا يتقونهم بفداء يكفونهم به عن غزو بلادهم وإنه أقبل في مائة ألف وعشرة آلاف مقاتل حتى شارف ما والى بلاد صول وأرسل إلى كسرى في توعد منه إياه واستطالة عليه أن يبعث إليه بأموال وإلى أبخز وبنجر وبلنجر بالفداء الذي يكانوا يعطونه إياه قبل ملك كسرى وأنه إن لم يعجل بالبعثة إليه بما سأل وطىء بلاده وناجزه فلم يحفل كسرى بوعيده ولم يجبه إلى شيء مما سأله لتحصينه كن ناحية باب صول ومناعة السبل والفجاج التي كان سنجبوا خاقان سالكها إياه ولمعرفته كانت بمقدرته على ضبط ثغر أرمينية بخمسى آلاف مقاتل من الفرسان والرجالة
فبلغ سنجبوا خاقان تحصين كسرى ثغر صول فانصرف بمن كان معه إلى بلاده خائبا ولم يقدر من كان بإزاء جرجان من العدو للحصون التي كان أمر كسرى فبنيت حواليها أن يشنوها بغارة ويغلبوا عليها وكان كسرى أنو شروان قد عرف الناس منه فضلا في رأيه وعلمه وعقله وبأسه وحزمه مع رأفته ورحمته بهم فلما عقد التاج على رأسه دخل إليه العظماء والأشراف فاجتهدوا في الدعاء له فلما قضوا مقالتهم قام خطيبا فبدأ بذكر نعم الله على خلقه عند خلقه إياهم وتوكله بتدبير أمورهم وتقدير الأقوات والمعايش لهم ولم يدع شيئا إلا ذكره في خطبته ثم أعلم الناس ما ابتلوا به من ضياع أمورهم وامحاء دينهم وفساد حالهم في أولادهم ومعاشهم وأعلمهم أنه ناظر فيما يصلح ذلك ويحسمه وحث الناس على معاونته ثم
أمر برؤوس المزدكية فضربت أعناقهم وقسمت أموالهم في أهل الحاجة وقتل جماعة كثيرة ممن كان دعل على الناس في أموالهم ورد الأموال إلى أهلها وأمر بكل مولود اختلف فيه عنده أن يلحق بمن هو منهم إذا لم يعرف أبوه وأن يعطى نصيبا من مال الرجل الذي يسند إليه إذا قبله الرجل وبكل امرأة غلبت على نفسها أن يؤخذ الغالب لها حتى يغرم لها مهرها وبرضى أهلها ثم تخير المرأة بين الإقامة عنده وبين تزويج من غره إلا أن يكون كان لها زوج أول فترد إليه وأمر بكل من كان أضر برجل في ماله أو ركب أحدا بمظلمة أن يؤخذ منه الحق ثم يعاقب الظالم بعد ذلك بقدر جرمه وأمر بعيال ذوي الأحساب الذين مات قيمهم فكتبوا له فأنكح بناتهم الأكفاء وجعل جهازهم من بيت المال وأنكح شبانهم من بيوتات الأشراف وساق عنهم وأغناهم وأمرهم بملازمة بابه ليستعان بهم في أعماله وخير نساء والده بين أن يقمن مع نسائه فيواسين ويصرن في الأجر إلى أمثالهن أو يبتغي لهن أكفاءهن من البعولة وأمر بكرى الأنهار وحفر القني وإسلاف أصحاب العمارات وتقويتهم وأمر بإعادة كل جسر قطع أو قنطرة كسرت أو قرية خربت أن يرد ذلك إلى أحسن ما كان عليه من الصلاح وتفقد الأساورة فمن لم يكن له منهم يسار قواه بالدواب والعدة وأجرى لهم ما يقويهم ووكل ببيوت النيران وسهل سبل الناس وبنى في الطرق القصور والحصون وتخير
(1/423)
________________________________________
الحكام والعمال والولاة وتقدم إلى من ولي منهم أبلغ التقدم وعمد إلى سير أردشير وكتبه وقضاياه فاقتدى بها وحمل الناس عليها فلما استوثق له الملك ودانت له البلاد سار نحو أنطاكية بعد سنين من ملكه وكان فيها عظماء جنود قيصر فافتتحها ثم أمر أن تصور له مدينة أنطاكية على ذرعها وعدد منازلها وطرقها وجميع ما فيها وأن يبتنى له على صورتها مدينة إلى جنب المدائن فبنيت المدينة المعروفة بالرومية على صورة أنطاكية ثم حمل أهل أنطاكية حتى أسكنهم إياها
فلما دخلوا باب المدينة مضى أهل كل بيت منهم إلى ما يشبه منازلهم التي كانوا فيها بأنطاكية كأنهم لم يخرجوا عنها
ثم قصد لمدينة هرقل فافتتحها ثم الإسكندرية وما دونها وخلف طائفة من جنوده بأرض الروم بعد أن أذعن له قيصر وحمل إليه الفدية ثم انصرف من الروم فأخذ نحو الخزر فأدرك فيهم تبله وما كانوا وتروه به في رعيته ثم انصرف نحو عدن فسكر ناحية من البحر هناك بين جبلين مما يلي أرض الحبشة بالسفن العظام والصخور وعمد الحديد والسلاسل وقتل عظماء تلك البلاد
ثم انصرف إلى المدائن وقد استقام له ما دون هرقلة من بلاد الروم وأرمينية وما بينه وبين البحرين من ناحية عدن
وملك المنذر بن النعمان على العرب وأكرمه ثم أقام في ملكه بالمدائن وتعاهد ما كان يحتاج إلى تعاهده ثم سار بعد ذلك إلى الهياطلة مطالبا بوتر فيروز جده وقد كان أنو شروان صاهر خاقان قبل ذلك فكتب إليه قبل شخوصه يعلمه ما عزم عليه ويأمره بالمسير إلى الهياطلة فأتاهم فقتل ملكهم واستأصل أهل بيته وتجاوز بلخ وما وراءها وأنزل جنوده فرغانة
ثم انصرف من خراسان فلما صار بالمدائن وافاه قوم يستنصرونه على الحبشة فبعث معهم قائدا من قواده في جند من أهل الديلم وما يلها فقتلوا مسروقا الحبشي باليمن وأقاموا بها
ولم يزل مظفرا منصورا تهابه جميع الأمم ويحضر بابه من وفودهم عدد كثير من الترك والصين والخزر ونظرائهم وكان مكرما لعلماء
وملك ثمانيا وأربعين سنة وكان مولد النبي صلى الله عليه و سلم في آخر ملك أنو شروان
قال هشام وكان ملك أنو شروان سبعا وأربعين سنة قال وفي زمانه ولد عبدالله بن عبدالمطلب أبو رسول الله صلى الله عليه و سلم في سنة اثنتين وأربعين من سلطانه
قال هشام لما قوي شأن أنو شروان بعث إلى المنذر بن النعمان الأكبر وأمه ماء السماء امرأة من النمر فملكه الحيرة وما كان يلي آل الحارث بن عمرو آكل المرار فلم يزل على ذلك حتى هلك
قال وأنو شروان غزا بزجان ثم رجع فبنى الباب والأبواب
وقال هشام ملك العرب من قبل ملوك الفرس بعد الأسود بن المنذر أخوه المنذر بن المنذر بن النعمان وأمه هر ابنة النعمان سبع سنين
ثم ملك بعده النعمان بن الأسود بن المنذر وأمه أم الملك ابنة عمرو بن حجر أخت الحارث بن عمرو
(1/424)
________________________________________
الكندي أربع سنين
ثم استخلف أبو يعفر بن علقمة بن مالك بن عدي بن الذميل بن ثور بن أسس بن ربى بن نمارة بن لخم ثلاث سنين
ثم ملك المنذر بن امرىء القيس البدء وهو ذو القرنين قال وإنما سمي بذلك لضفيرتين كانتا له من شعره وأمه ماء السماء وهي مارية ابنة عوف بن جشم بن هلال بن ربيعة بن زيد مناة بن عامر الضيحان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط فكان جميع ملكه تسعا وأربعين سنة
ثم ملك ابنه عمرو بن المنذر وأمه هند ابنة الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار ست عشرة سنة
قال ولثماني سنين وثمانية أشهر من ملك عمرو بن هند ولد رسول الله صلى الله عليه و سلم وذلك في زمن أنو شروان وعام الفيل الذي غزا فيه الأشرم أبو يكسوم البيت
(1/425)

بنالعياط
04-10-2012, 10:52 PM
ذكر بقية خبر تبع أيام قباذ وزمن أنو شروان وتوجيه الفرس الجيش إلى اليمن لقتال الحبشة وسبب توجيهه إياهم إليها
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال كان تبع الآخر وهو تبان أسعد أبو كرب حين أقبل من المشرق جعل طريقه على المدينة وقد كان حين مر بها في بدءته لم يهج أهلها وخلف بين أظهرهم ابنا له فقتل غيلة فقدمها وهو مجمع لإخرابها واستئصال أهلها وقطع نخلها فجمع له هذا الحي من الأنصار حين سمعوا بذلك من أمره ليمتنعوا منه ورئيسهم يومئذ عمرو بن الطلة أحد بني النجار ثم أحد بني عمرو بن مبذول فخرجوا لقتاله وكان تبع حين نزل بهم قد قتل رجل منهم من بني عدي بن النجار يقال له أحمر رجلا من أصحاب تبع وجده في عذق له يجده فضربه بمنجله فقتله وقال إنما الثمر لمن أبره ثم ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة يقال لها ذا ت تومان فزاد ذلك تبعا عليهم حنفا
فبينا تبع على ذلك من حربه وحربهم يقاتلهم ويقاتلونه قال فتزعم الأنصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل فبعجبه ذلك منهم ويقول والله إن قومنا هؤلاء لكرام إذ جاءه حبران من أحبار يهود من بني قريطة عالمان راسخان حين سمعا منه ما يريد من إهلاك المدينة وأهلها فقالا له أيها الملك لا تفعل فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها ولم نأمن عليك عاجل العقوبة فقال لهما ولم ذاك فقالا هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحي من قريش في آخر الزمان تكون داره وقراره فتناهى عند ذلك من قولهما عما كان يريد بالمدينة ورأى أن لهما علما وأعجبه ما سمع منهما فانصرف عن المدينة وخرج بهما معه إلى اليمن واتبعهما على دينهما وكان اسم الحبرين كعبا وأسدا وكانا من بني قريظة وكانا ابني عم وكانا أعلم أهل زمانهما كما ذكر لي ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق عن يزيد بن عمرو عن أبان بن أبي عياش عن أنس بن مالك عن أشياخ من قومه ممن أدرك الجاهلية فقال شاعر من الآنصار وهو خال ابن عبدالعزى بن غزية بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار في حربهم وحرب تبع يفتخر بعمرو بن طلة ويذكر فضله وامتناعه ... أصحا أم انتهى ذكره ... أم فضى من لذة وطره ... أم تذكرت الشباب وما ... ذكرك الشباب أو عصرة ... إنها حرب رباعية ... مثلها آتى الفتى عبره ... فسلا عمران أو فسلا ... أسدا اذ يغدو مع الزهره
(1/426)
________________________________________
فيلق فيها أبو كرب ... سابغا أبدانها ذفرة ... ثم قالوا من يؤم بها ... أبني عوف أم النجره ... يا بني النجار إن لنا ... فيهم قبل الأوان تره ... فتلقتهم عشنقة ... مدها كالغبية النثره ... سيد سامى الملوك ومن ... يغز عمرا لا يجد قدره ...
وقال رجل من الأنصار يذكرامتناعهم من تبع ... تكلفني من تكاليفها ... نخيل الأساويف والمنصعة ... نخيلا حمتها بنو ملك ... خيول أبي كرب المفظعة ...
قال وكان تبع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها فوجه إلى مكة وهي طريقه إلى اليمن حتى إذا كان بالدف من جمدان بن عسفان وأمج في طريقه بين مكة والمدينة أتاه نفر من هذيل فقالوا له أيها الملك ألا ندلك على بيت مال داثر قد أغفلته الملوك قبلك فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة قالوا بلى قالوا بيت بمكة يعبده أهله ويصلون عنده وإنما يريد الهذليون بذلك هلاكه لما قد عرفوا من هلاك من أراده من الملوك وبغى عنده
فلما أجمع لما قالوا أرسل إلى الحبرين فسألهما عن ذلك فقالا له ما أراد القوم إلا هلاكك وهلاك جندك ولئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن وليهلكن من معك جميعا قال فماذا تأمرانني أن أصنع إذا قدمت عليه قالا تصنع عنده ما يصنع أهله تطوف به وتعظمه وتكرمه وتحلق عنده رأسك وتتذلل له حتى تخرج من عنده قال فما يمنعكما أنتما من ذلك قالا أما والله إنه لبيت أبينا إبراهيم وإنه لكما أخبرناك ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصبوا حوله وبالدماء التي يهريقون عنده وهم نجس أهل شرك أو كما قالا له
فعرف نصحهما وصدق حديثهما فقرب النفر من هذيل فقطع أيديهم وأرجلهم ثم مضى حتى قدم مكة وأري في المنام أن يكسو البيت فكساه الخصف ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه المعافر ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الملاء والوصائل فكان تبع فيما يزعمون أول من كساه وأوصى به ولاته من جرهم وأمرهم بتطهيره وألا يقربوه دما ولا ميتة ولا مئلاثا وهي المحائض وجعل له بابا ومفتاحا ثم خرج متوجها إلى اليمن بمن معه من جنوده وبالحبرين حتى إذا دخل اليمن دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه فأبوا عليه حتى يحاكموه إلى النار التي كانت باليمن
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن أبي مالك بن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال سمعت إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيدالله يحدث أن تبعا لما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك وقالوا لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا فدعاهم إلى دينه وقال إنه دين خير من دينكم قالوا فحاكمنا إلى النار قال نعم قال وكانت باليمن فيما يزعم أهل اليمن نار تحكم بينهم فيما يختلفون فيه تأكل الظالم ولا تضر المظلوم فلما قالوا ذلك لتبع قال أنصفتم فخرج قومه بأوثانهم وما يتقربون به في دينهم وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما متقلديها حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج
(1/427)
________________________________________
النار منه فخرجت النار إليهم فلا أقبلت نحوهم حادوا عنها وهابوها فذمرهم من حضرهم من الناس وأمروهم بالصبر فصبروا حتى غشيتهم وأكلت الأوثان وما قربوا معها ومن حمل ذلك من رجال حمير وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما تعرق جباههما لم تضرهما فأصفقت حمير عند ذلك على دينه فمن هناك وعن ذلك كان أصل اليهودية باليمن
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن بعض أصحابه أن الحبرين ومن خرج معهما من حمير إنما اتبعوا النار ليردوها وقالوا من ردها فهو أولى بالحق فدنا منها رجال من حمير بأوثانهم ليرودوها فدنت منهم لتأكلهم فحادوا عنها فلم يستطيعوا ردها ودنا منها الحبران بعد ذلك وجعلا يتلوان التوراة وتنكص حتى رداها إلى مخرجها الذي خرجت منه فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما وكان رئام بيتا لهم يعظمونه وينحرون عنده ويكلمون منه إذ كانوا على شركهم فقال الحبران لتبع إنما هو شيطان يفتنهم ويلعب بهم فخل بيننا وبينه قال فشأنكما به فاستخرجا منه فيما يزعم أهل اليمن كلبا أسود فذبحاه وهدما ذلك البيت فبقاياه اليوم باليمن كما ذكر لي وهو رئام به آثار الدماء التي كانت تهراق عليه
فقال تبع في مسيره ذلك وما كان هم به من أمر المدينة وشأن البيت وما صنع برجال هذيل الذين قالوا له ما قالوا وما صنع بالبيت حين قدم مكة من كسوته وتطهيره وما ذكر له الحبران من أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم ... ما بال نومك مثل نوم الأرمد ... أرقا كأنك لا تزال تسهد ... حنقا على سبطين حلا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد ... ولقد نزلت من المدينة منزلا ... طاب المبيت به وطاب المرقد ... وجعلت عرصة منزل برباوة ... بين العقيق إلى بقيع الغرقد ... ولقد تركنا لابها وقرارها ... وسباخها فرشت بقاع أجرد ... ولقد هبطنا يثربا وصدورنا ... تغلي بلابلها بقتل محصد ... ولقد حلفت يمين صبر مؤليا ... قسما لعمرك ليس بالمتردد ... إ جئت يثرب لا أغادر وسطها ... عذقا ولا بسرا بيثرب يخلد ... حتى أتاني من قريظة عالم ... حبر لعمرك في اليهود مسود ... قال ازدجر عن قرية محفوظة ... لنبي مكة من قريش مهتد ... فعفوت عنهم عفو غير مثرب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد ... وتركتهم لله أرجو عفوه ... يوم الحساب من الجحيم الموقد ... ولقد تركت بها له من قومنا ... نفرا أولي حسب وبأس يحمد ... نفرا يكون النصر في أعقابهم ... أرجو بذاك ثواب رب محمد ... ما كنت أحسب أن بيتا طاهرا ... لله في بطحاء مكة يعبد ... حتى أتاني من هذيل أعبد ... بالدف من جمدان فوق المسند ... قالوا بمكة بيت مال داثر ... وكنوزه من لؤلؤ وزبرجد ... فأردت أمرا حال ربي دونه ... والله يدفع عن خراب المسجد
(1/428)
________________________________________
فرددت ما أملت فيه وفيهم ... وتركتهم مثلا لأهل المشهد ... قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتحشد ... ملك المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب علم من حكيم مرشد ... فرأى مغيب الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد ... من قبله بلقيس كانت عمتي ... ملكتهم حتى أتاها الهدهد ...
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق قال هذا الحي من الأنصار يزعمون أنه إنما كان حنق تبع على هذا الحي من يهود الذين كانوا بين أظهرهم وأنه أراد هلاكهم حين قدم عليهم المدينة فمنعوه منهم حتى انصرف عنهم ولذلك قال في شعره ... حنقا على سبطين حلا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد ...
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال وقد كان قدم على تبع قبل ذلك شافع بن كليب الصدفي وكان كاهنا فأقام عنده فلما أراد توديعه قال تبع ما بقي من علمك قال بقي خبر ناطق وعلم صادق قال فهل تجد لقوم ملكا يوازي ملكي قال لا إلا لملك غسان نجل قال فهل تجد ملكا يزيد عليه قال نعم قال ولمن قال أجده لبار مبرور أيد بالقهور ووصف في الزبور وفضلت أمته في السفور يفرج الظلم بالنور أحمد النبي طوبى لأمته حين يجيء أحد بني لؤي ثم أحد بني قصي فبعث تبع إلى الزبور فنظر فيها فإذا هو يجد صفة النبي صلى الله عليه و سلم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عمن حدثه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وغيره من علماء أهل اليمن ممن يروي الأحاديث فحدث بعضهم بعض الحديث وكل ذلك قد اجتمع في هذا الحديث أن ملكا من لخم كان باليمن فيما بين التبابعة من حمير يقال له ربيعة بن نصر وقد كان قبل ملكه باليمن ملك تبع الأول وهو زيد بن عمرو ذي الأذعار بن أبرهة ذي المنار بن الرائش بن قيس بن صيفي بن سبأ الأصغر بن كهف الظلم بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن هميسع بن العرنجج حمير بن سبأ الأكبر بن يعرب بن يشجب بن قحطان
وكان اسم سبأ عبد شمس وإنما سمي سبأ فيما يزعمون لأنه كان أول من سبى في العرب
فهذا بيت مملكة حمير الذي فيه كانت التبابعة ثم كان بعد تبع الأول زيد بن عمرو وشمر يرعش بن ياسر ينعم بن عمرو ذي الأذعار ابن عمه وشمر يرعش الذي غزا الصين وبنى سمرقند وحير الحيرة وهو الذي يقول ... أنا شمر أبو كرب اليماني ... جلبت الخيل من يمن وشام ... لآتي أعبدا مردوا علينا ... وراء الصين في عثم ويام ... فنحكم في بلادهم بحكم ... سواء لا يجاوزه غلام ...
القصيدة كلها
(1/429)
________________________________________
قال ثم كان بعد شمر يرعش بن ياسر ينعم تبع الأصغر وهو تبان أسعد أبو كرب بن ملكيكرب بن زيد بن تبع الأول بن عمرو ذي الأذعار وهو الذي قدم المدينة وساق الحبرين من يهود إلى اليمن وعمر البيت الحرام وكساه وقال ما قال من الشعر فكل هؤلاء ملكه قبل ملك ربيعة بن نصر اللخمي فلما هلك ربيعة بن نصر رجع ملك اليمن كله إلى حسان بن تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن ربيعة بن نصر رأى رؤيا هالته وفظع بها فلما رآها بعث في أهل مملكته فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما إلا جمعه إليه ثم قال لهم إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبروني بتأويلها قالوا له اقصصها علينا لنخبرك بتأويلها قال إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها إنه لا يعرف تأويلها إلا من يعرفها قبل أن أخبره بها فلما قال لهم ذلك قال رجل من القوم الذين جمعوا لذلك فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح وشق فإنه ليس أحد أعلم منهما فهما يخبرانك بما سألت واسم سطيح ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن بن غسان وكان يقال لسطيح الذئبي لنسبته إلى ذئب بن عدي وشق بن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن نذير بن قيس بن عبقر بن أنمار فلما قالوا له ذلك بعث إليهما فقدم عليه قبل شق سطيح ولم يكن في زمانهما مثلهما من الكهان فلما قدم عليه سطيح دعاه فقال له يا سطيح إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبرني بها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها قال أفعل رأيت جمجمة قال أبو جعفر وقد وجدته في مواضع أخر رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض ثهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة فقال له الملك ما أخطأت منها شيئا يا سطيح فما عندك في تأويلها فقال أحلف بما بين الحرتين من حنش ليهبطن أرضكم الحبش فليملكن ما بين أبين إلى جرش قال له الملك وأبيك يا سطيح إن هذا لغائظ موجع فمتى هو كائن يا سطيح أفي زماني أم بعده قال لا بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين يمضين من السنين قال فهل يدوم ذلك من ملكهم أو ينقطع قال بل ينقطع لبضع وسبعين يمضين من السنين ثم يقتلون بها أجمعون ويخرجون منها هاربين قال الملك ومن ذا الذي يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم قال يليه إرم ذي يزن يخرج عليهم من عدن فلا يترك منهم أحدا باليمن قال أفيدوم ذلك من سلطانه أو ينقطع قال بل ينقطع قال ومن يقطعه قال نبي زكي يأتيه الوحي من العلي قال وممن هذا النبي قال رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر قال وهل للدهر يا سطيح من آخر قال نعم يوم يجمع فيه الأولون والآخرون ويسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون قال أحق ما تخبرنا يا سطيح قال نعم والشفق والغسق والفلق إذا اتسق إن ما أنبأتك به لحق
فلما فرغ قدم عليه شق فدعاه فقال له يا شق إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبرني عنها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها كما قال لسطيح وقد كتمه ما قال سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان قال نعم رأيت جمجمة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة فلما رأى ذلك الملك من قولهما شيئا واحدا قال له ما أخطأت يا شق منها شيئا فما عندك في تأويلها قال أحلف بما بين الحرتين من إنسان لينزلن أرضكم السودان فليغلبن على كل طفلة البنان وليملكن ما بين
(1/430)
________________________________________
أبين إلى نجران فقال له الملك وأبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده قال بل بعدك بزمان ثم يستنقذكم منه عظيم ذو شان ويذيقهم أشد الهوان قال ومن هذا العظيم الشان قال غلام ليس بدني ولا مدن يخرج من بيت ذي يزن قال فهل يدوم سلطانه أو ينقطع قال بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق والعدل بين أهل الدين والفضل يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل قال وما يوم الفصل قال يوم يجزى فيه الولاة يدعى من السماء بدعوات يسمع منها الأحياء والأموات ويجمع فيه الناس للميقات يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات قال أحق ما تقول يا شق قال إي ورب السماء والأرض وما بينهما من رفع وخفض إن ما نبأتك لحق ما فيه أمض فلما فرغ من مسألتهما وقع في نفسه أن الذي قالا له كائن من أمر الحبشة فجهز بنيه وأهل بيته إلىالعراق بما يصلحهم وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاذ فأسكنهم الحيرة فمن بقية ربيعة بن نصر كان النعمان بن المنذر ملك الحيرة وهو النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر ذلك الملك في نسب أهل اليمن وعلمهم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ولما قال سطيح وشق لربيعة بن نصر ذلك وصنع ربيعة بولده واهل بيته ما صنع ذهب ذكر ذلك في العرب وتحدثوا حتى فشا ذكره وعلمه فيهم فلما نزلت الحبشة اليمن ووقع الأمر الذي كانوا يتحدثون به من أمر الكاهنين قال الأعشى أعشى بني قيس بن ثعلبة البكري في بعض ما يقول وهو يذكر ما وقع من أمر ذينك الكاهنين سطيح وشق ... ما نظرت ذات أشفار كنظرتها ... حقا كما نطق الذئبي إذ سجعا ...
وكان سطيح إنما يدعوه العرب الذئبي لأنه من ولد ذئب بن عدي فلما هلك ربيعة بن نصر واجتمع ملك اليمن إلى حسان بن تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار كان مما هاج أمر الحبشة وتحول الملك عن حمير وانقطاع مدة سلطانهم ولكل أمر سبب أن حسان بن تبان أسعد أبي كرب سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب وأرض العجم كما كانت التبابعة قبله تفعل حتى إذا كان ببعض أرض العراق كرهت حمير وقبائل اليمن السير معه وأرادوا الرجعة إلى بلادهم وأهليهم فكلموا أخا له كان معه في جيشه يقال له عمرو فقالوا له اقتل أخاك حسان نملكك علينا مكانه وترجع بنا إلى بلادنا فتابعهم على ذلك فأجمع أخوه ومن معه من حمير وقبائل اليمن على قتل حسان إلا ما كان من ذي رعين الحميري فإنه نهاه عن ذلك وقال له إنكم أهل بيت مملكتنا لا تقتل أخاك ولا تشتت أمر أهل بيتك أو كما قال له فلما لم يقبل منه قوله وكان ذو رعين شريفا من حمير عمد إلى صحيفة فكتب فيها ... ألا من يشتري سهرا بنوم ... سعيد من يبيت قرير عين ... فإما حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين ...
ثم ختم عليها ثم أتى بها عمرا فقال له ضع لي عندك هذا الكتاب فإن لي فيه بغية وحاجة ففعل فلما بلغ حسان ما أجمع عليه أخوه عمرو وحمير وقبائل اليمن من قتله قال لعمرو ... يا عمرو لا تعجل علي منيتي ... فالملك تأخذه بغير حشود
(1/431)
________________________________________
فأبى لا قتله فقتله ثم رجع بمن معه من جنده إلى اليمن فقال قائل من حمير ... إن لله من رأى مثل حسا ... ن قتيلا في سالف الأحقاب ... قتلته الأقيال من خشية الجي ... ش وقالوا له لباب لباب ... ميتكم خيرنا وحيكم ... رب علينا وكلكم أربابي ...
فلما نزل عمرو بن تبان أسعد أبي كرب اليمن منع منه النوم وسلط عليه السهر فيما يزعمون فجعل لا ينام فلما جهده ذلك جعل يسأل الأطباء والحزاة من الكهان والعرافين عما به ويقول منع مني النوم فلا أقدر عليه وقد جهدني السهر فقال له قائل منهم والله ما قتل رجل أخاه قط أو ذا رحم بغيا على مثل ما قتلت عليه أخاك إلا ذهب نومه وسلط عليه السهر فلما قيل له ذلك جعل يقتل كل من كان أمره بقتل أخيه حسان من أشراف حمير وقبائل اليمن حتى خلص إلى ذي رعين فلما أراد قتله قال إن لي عندك براءة مما تريد أن تصنع بي قال له وما براءتك عندي قال أخرج الكتاب الذي كنت استودعتكه ووضعته عندك فأخرج له الكتاب فإذا فيه ذانك البيتان من الشعر ... ألا من يشتري سهرا بنوم ... سعيد من يبيت قرير عين ... فإما حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين ...
فلما قرأهما عمرو قال له ذو رعين قد كنت نهيتك عن قتل أخيك فعصيتني فلما أبيت علي وضعت هذا الكتاب عندك حجة لي عليك وعذرا لي عندك وتخوفت أن يصيبك إن أنت قتلته الذي اصابك فإن أردت بي ما أراك تصنع بمن كان أمرك بقتل أخيك كان هذا الكتاب نجاة لي عندك فتركه عمرو بن تبان أسعد فلم يقتله من بين أشراف حمير ورأى أن قد نصحه لو قبل منه نصيحته وقال عمرو بن تبان أسعد حين قتل من قتل من حمير وأهل اليمن ممن كان أمره بقتل أخيه حسان فقال ... شرينا النوم إذ عصبت علاب ... بتسهيد وعقد غير مين ... تنادوا عند غدرهم لباب ... وقد برزت معاذر ذي رعين ... قتلنا من تولى المكر منهم ... بواء بابن رهم غير دين ... قتلناهم بحسان بن رهم ... وحسان قتيل الثائرين ... قتلناهم فلا بقيا عليهم ... وقرت عند ذاكم كل عين ... عيون نوادب يبكين شجوا ... حرائر من نساء الفيلقين ... أوانس بالعشاء وهن حور ... إذا طلعت فروع الشعريين ... فنعرف بالوفاء إذا انتمينا ... ومن يغدر نباينه ببين ... فضلنا الناس كلهم جميعا ... كفضل الإبرزي على اللجين ... ملكنا الناس كلهم جميعا ... لنا الأسباب بعد التبعين ... ملكنا بعد داود زمانا ... وعبدنا ملوك المشرقين ... زبرنا في ظفار زبور مجد ... ليقرأه قروم القريتين ... فنحن الطالبون لكل وتر ... إذا قال المقاول أين أين
(1/432)

بنالعياط
05-10-2012, 06:41 PM
سأشفي من ولاة المكر نفسي ... وكان المكر حينهم وحيني ... أطعتهم فلم أرشد وكانوا ... غواة أهلكوا حسبي وزيني ...
قال ثم لم يلبث عمرو بن تبان أسعد أن هلك
قال هشام بن محمد عمرو بن تبع هذا يدعى موثبان لأنه وثب على أخيه حسان بفرضة نعم فقتله قال وفرضة نعم رحبة طوق بن مالك وكانت نعم سرية تبع حسان بن أسعد
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال فمرج أمر حمير عند ذلك وتفرقوا فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة منهم يقال له لخنيعة ينوف ذو شناتر فملكهم فقتل خيارهم وعبث ببيوت أهل المملكة منهم فقال قائل من حمير يذكر ما ضيعت حمير من أمرها وفرقت جماعتها ونفت من خيارها ... تقتل أبناها وتنفي سراتها ... وتبني بأيديهم لها الذل حمير ... تدمر دنياها بطيش حلومها ... وما ضيعت من دينها فهو أكثر ... كذاك القرون قبل ذاك بظلمها ... وإسرافها تأتي الشرور فتخسر ...
وكان لخنيعة ينوف ذو شناتر يصنع ذلك بهم وكان أمرأ فاسقا يزعمون أنه كان يعمل عمل قوم لوط ثم كان مع الذي بلغ منهم من القتل والبغي إذا سمع بالغلام من أبناء الملوك قد بلغ أرسل إليه فوقع عليه في مشربة له قد صنعها لذلك لئلا يملك بعد ذلك أبدا ثم يطلع من مشربته تلك إلى حرسه ومن حضر من جنده وهم أسفل منه قد أخذ سواكا فجعله في فيه أي ليعلمهم أنه قد فرغ منه ثم يخلي سبيله فيخرج على حرسه وعلى الناس وقد فضحه حتى إذا كان آخر أبناء تلك الملوك زرعة ذو نواس بن تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار أخو حسان وزرعة كان صبيا صغيرا حين أصيب أخوه فشب غلاما جميلا وسيما ذا هيئة وعقل فبعث إليه لخنيعة ينوف ذو شناتر فيفعل به كما كان يفعل بأبناء الملوك قبله فلما أتاه رسوله عرف الذي يريد به فأخذ سكينا حديدا لطيفا فجعله بين نعله وقدمه ثم انطلق إليه مع رسوله فلما خلا به في مشربته تلك أغلقها عليه وعليه ثم وثب عليه وواثبه ذو نواس بالسكين فطعنه به حتى قتله ثم احتز رأسه فجعله في كوة مشربته تلك التي يطلع منها إلى حرسه وجنده ثم أخذ سواكه ذلك فجعله في فيه ثم خرج على الناس فقالوا له ذو نواس أرطب أم يباس فقال سل نخماس استرطبان ذو نواس استرطبان ذو نواس لا بأس فذهبوا ينظرون حين قال لهم ما قال فإذا راس لخنيعة ينوف ذي شناتر في الكوة مقطوع في فيه سواكه قد وضعه ذو نواس فيها فخرجت حمير والأحراس في أثر ذي نواس حتى أدركوه فقالوا له ما ينبغي لنا أن يملكنا إلا أنت إذ أرحتنا من هذا الخبيث فملكوه واستجمعت عليه حمير وقبائل اليمن فكان آخر ملوك حمير وتهود وتهودت معه حمير وتسمى يوسف فأقام في ملكه زمانا وبنجران بقايا من أهل دين عيسى على الإنجيل أهل فضل واستقامة لهم من أهل دينهم رأس يقال له عبدالله بن الثامر وكان موقع أصل ذلك الدين بنجران وهي بأوسط أرض العرب في ذلك الزمان وأهلها وسائر العرب كلها أهل أوثان يعبدونها ثم إن رجلا من بقايا أهل ذلك الدين وقع بين أظهرهم يقال له فيميون فحملهم عليه فدانوا به
(1/433)
________________________________________
قال هشام زرعة ذو نواس فلما تهود سمي يوسف وهو الذي خد الأخدود بنجران وقتل النصارى
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عن المغيرة بن أبي لبيد مولى الأخنس عن وهب بن منبه اليماني أنه حدثهم أن موقع ذلك الدين بنجران كان أن رجلا من بقايا أهل دين عيسى بن مريم قال له فيميون وكان رجلا صالحا مجتهدا زاهدا في الدنيا مجاب الدعوة وكان سائحا ينزل القرى لا يعرف بقرية إلا خرج منها إلى قرية لا يعرف فيها وكان لا يأكل إلا من كسب يده وكان بناء يعمل الطين وكان يعظم الأحد فإذا كان الأحد لم يعمل فيه شيئا وخرج إلى فلاة من الأرض فصلى بها حتى يمسي وكان في قرية من قرى الشأم يعمل عمله ذلك مستخفيا إذ فطن لشأنه رجل من أهلها يقال له صالح فأحبه صالح حبا لم يحبه شيئا كان قبله فكان يتبعه حيث ذهب ولا يفطن له فيميون حتى خرج مرة في يوم الأحد إلى فلاة من الأرض كما كان يصنع وقد اتبعه صالح وفيميون لا يدري فجلس صالح منه منظر العين مستخفيا منه لا يحب أن يعلم مكانه وقام فيميون يصلي فبينا هو يصلي إذ اقبل نحوه التنين الحية ذات الرؤوس السبعة فلما رآها فيميون دعا عليها فماتت ورآها صالح ولم يدر ما أصابها فخافها عليه فعيل عوله فصرخ يا فيميون التنين قد أقبل نحوك فلم يلتفت إليه وأقبل على صلاته حتى فرغ وأمسى وانصرف وعرف أنه قد عرف وعرف صالح أنه قد رأى مكانه فكلمه فقال يا فيميون يعلم الله ما أحببت شيئا حبك قط وقد أردت صحبتك والكينونة معك حيثما كنت قال ما شئت أمري كما ترى فإن ظننت أنك تقوى عليه فنعم فلزمه صالح وقد كاد أهل القرية أن يفطنوا لشأنه وكان إذا فاجأه العبد به ضر دعا له فشفي وإذا دعي إلى أحد به الضر لم يأته وكان لرجل من أهل القرية ابن ضرير فسأل عن شأن فيميون فقيل له إنه لا يأتي أحدا إذا دعاه ولكنه رجل يعمل للناس البنيان بالأجر فعمد الرجل إلى ابنه ذلك فوضعه في حجرته وألقى عليه ثوبا ثم جاءه فقال له يا فيميون إني قد أردت أن أعمل في بيتي عملا فانطلق معي حتى تنظر إليه فأشارطك عليه فانطلق معه حتى دخل حجرته ثم قال ما تريد أن تعمل في بيتك قال كذا وكذا ثم انتشط الرجل الثوب عن الصبي ثم قال يا فيميون عبد من عباد الله اصابه ما ترى فادع الله له فقال فيميون حين رأى الصبي اللهم عبد من عبادك دخل عليه عدوك في نعمتك ليفسدها عليه فاشفه وعافه وامنعه منه فقام الصبي ليس به بأس
وعرف فيميون أنه قد عرف فخرج من القرية واتبعه صالح فبينما هو يمشي في بعض الشأم مر بشجرة عظيمة فناداه منها رجل فقال أفيميون قال نعم قال ما زلت أنتظرك وأقول متى هو جاء حتى سمعت صوتك فعرفت أنك هو لا تبرح حتى تقوم علي فإني ميت الآن قال فمات وقام عليه حتى واراه ثم انصرف ومعه صالح حتى وطئا بعض أرض العرب فعدي عليهما فاختطفتهما سيارة من بعض العرب فخرجوا بهما حتى باعوهما بنجران وأهل نجران يومئذ على دين العرب تعبد نخلة طويلة بين أظهرهم لهم عيد كل سنة إذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه وحلي النساء ثم خرجوا فعكفوا عليها يوما فابتاع رجل من أشرافهم فيميون وابتاع رجل آخر صالحا فكان فيميون إذا قام من الليل في بيت له أسكنه إياه سيده الذي ابتاعه يصلي استسرج له البيت نورا حتى يصبح من غير مصباح فرأى ذلك سيده فأعجبه ما رأى فسأله عن دينه فأخبره به فقال له فيميون إنما أنتم في باطل
(1/434)
________________________________________
وإن هذه النخلة لا تضر ولا تنفع لو دعوت عليها الذي أعبد أهلكها وهو الله وحده لا شريك له قال فقال له سيده فافعل فإنك إن فعلت دخلنا في دينك وتركنا ما كنا عليه قال فقام فيميون فتطهر ثم صلى ركعتين ثم دعا الله عليها فأرسل الله ريحا فجعفتها من أصلها فألقتها فاتبعه عند ذلك أهل نجران على دينه فحملهم على الشريعة من دين عيسى ابن مريم ثم دخل عليهم بعد ذلك الأحداث التي دخلت على أهل دينهم بكل أرض فمن هنالك كانت النصرانية في أرض العرب
فهذا حديث وهب بن منبه في خبر أهل نجران
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد مولى لبني هاشم عن محمد بن كعب القرظي قال وحدثني محمد بن إسحاق أيضا عن بعض أهل نجران أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان وكان في قرية من قراها قريبا من نجران ونجران القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر فلما أن نزلها فيميون قال ولم يسموه باسمه الذي سماه به وهب بن منبه قالوا رجل نزلها ابتنى خيمة بين نجران وتلك القرية التي بها الساحر فجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر فبعث الثامر ابنه عبدالله بن الثامر مع غلمان أهل نجران فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من صلاته وعبادته فجعل يجلس إليه ويسمع منه حتى أسلم فوحد الله وعبده وجعل يسأله عن الاسم الأعظم وكان يعلمه فكتمه إياه وقال يا ابن أخي إنك لن تحتمله أخشى ضعفك عنه فلما أبى عليه والثامر أبو عبدالله لا يظن إلا أن ابنه عبدالله يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان فلما رأى عبدالله أن صاحبه قد ظن به عنه وتخوف ضعفه فيه عمد إلى قداح فجمعها ثم لم يبق لله اسما يعلمه إلا كتبه في قدح لكل اسم قدح حتى إذا أحصاها أوقد لها نارا ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا حتى إذا مر بالإسم الأعظم قذف فيها بقدحه فوثب القدح حتى خرج منها لم يضره شيء فقام إليه فأخذه ثم أتى صاحبه فأخبره أنه قد علم الاسم الذي كتمه فقال له ما هو قال كذا وكذا قال وكيف علمته فأخبره كيف صنع قال فقال يا ابن أخي قد أصبته فأمسك على نفسك وما أظن أن تفعل فجعل عبدالله بن الثامر إذا أتى نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال له يا عبدالله أتوحد الله وتدخل في ديني فأدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء فيقول نعم فيوحد الله ويسلم ويدعو له فيشفى حتى لم يبق أحد بنجران به ضر إلا أتاه فاتبعه على أمره ودعا له فعوفي حتى رفع شأنه إلى ملك نجران فدعاه فقال له أفسدت علي أهل قريتي وخالفت ديني ودين آبائي لأمثلن بك قال لا تقدر على ذلك فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح عن رأسه فيقع على الأرض ليس به بأس وجعل يبعث به إلى مياه بنجران بحور لا يقع فيها شيء إلا هلك فيلقى فيها فيخرج ليس به بأس فلما غلبه قال عبدالله بن الثامر إنك والله لا تقدر على قتلي حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به فإنك إن فعلت ذلك سلطت علي فقتلتني فوحد الله ذلك الملك وشهد بشهادة عبدالله بن الثامر ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله فهلك الملك مكانه واستجمع أهل نجران على دين عبدالله بن الثامر وكان على ما جاء به عيسى بن مريم من الإنجيل وحكمه ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث فمن هنالك كان أصل النصرانية بنجران
فهذا حديث محمد بن كعب القرظي وبعض أهل نجران عن ذلك والله أعلم
(1/435)
________________________________________
قال فسار إليهم ذو نواس بجنده من حمير وقبائل اليمن فجمعهم ثم دعاهم إلى دين اليهودية فخيرهم بين القتل والدخول فيها فاختاروا القتل فخد لهم الأخدود فحرق بالنار وقتل بالسيف ومثل بهم كل مثلة حتى قتل منهم قريبا من عشرين ألفا وأفلت منهم رجل يقال له دوس ذو ثعلبان على فرس له فسلك الرمل فأعجزهم
قال وقد سمعت بعض أهل اليمن يقول إن الذي أفلت منهم رجل من أهل نجران يقال له جبار بن فيض
قال وأثبت الحديثين عندي الذي حدثني أنه دوس ذو ثعلبان
ثم رجع ذو نواس بمن معه من جنوده إلى صنعاء من أرض اليمن
ففي ذي نواس وجنوده تلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل قال حدثني محمد بن إسحاق قال أنزل الله على رسوله قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إلى قوله بالله العزيز الحميد ( 1 )
يقال كان فيمن قتل ذو نواس عبدالله بن الثامر رئيسهم وإمامهم ويقال عبدالله بن الثامر قتل قبل ذلك قتله ملك كان قبله هو كان أصل ذلك الدين وإنما قتل ذو نواس من كان بعده من أهل دينه
وأما هشام بن محمد فإنه قال لم يزل ملك اليمن متصلا لا يطمع فيه طامع حتى ظهرت الحبشة على بلادهم في زمن أنوشروان قال وكان سبب ظهورهم أن ذا نواس الحميري ملك اليمن في ذلك الزمان وكان يهوديا فقدم عليه يهودي يقال له دوس من أهل نجران فأخبره أن أهل نجران قتلوا ابنين له ظلما واستنصره عليهم وأهل نجران نصارى فحمي ذو نواس لليهودية فغزا أهل نجران فأكثر فيهم القتل فخرج رجل من أهل نجران حتى قدم على ملك الحبشة فأعلمه ما ركبوا به وأتاه الإنجيل قد أحرقت النار بعضه فقال له الرجال عندي كثير وليست عندي سفن وأنا كاتب إلى قيصر في البعثة إلي بسفن أحمل فيها الرجال فكتب إلى قيصر في ذلك وبعث إليه بالإنجيل المحرق فبعث إليه قيصر بسفن كثيرة
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حدث أن رجلا من أهل نجران في زمن عمر بن الخطاب حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجاته فوجد عبدالله بن الثامر تحت دفن منها قاعدا واضعا يده على ضربة في رأسه ممسكا عليها بيده فإذا أخرت يده عنها انثعبت دما وإذا أرسلت يده ردها عليها فأمسك دمها وفي يده خاتم مكتوب فيه ربي الله فكتب فيه إلى عمر يخبره بأمره فكتب إليهم عمر أن أقروه على حاله وردوا عليه الدفن الذي كان عليه ففعلوا
وخرج دوس ذو ثعلبان حين أعجز القوم على وجهه ذلك حتى قدم على قيصر صاحب الروم فاستنصره على ذي نواس وجنوده وأخبره بما بلغ منهم فقال له قيصر بعدت بلادك من بلادنا ونأت عنا فلا نقدر على أن نتناولها بالجنود ولكني سأكتب لك إلى ملك الحبشة فإنه على هذا الدين وهو أقرب
(1/436)
________________________________________
إلى بلادك منا فينصرك ويمنعك ويطلب لك بثأرك ممن ظلمك واستحل منك ومن أهل دينك ما استحل فكتب معه قيصر إلى ملك الحبشة يذكر له حقه وما بلغ منه ومن أهل دينه ويأمره بنصره وطلب ثأره ممن بغى عليه وعلى أهل دينه فلما قدم دوس ذو ثعلبان بكتاب قيصر على النجاشي صاحب الحبشة بعث معه سبعين ألفا من الحبشة وأمر عليهم رجلا منهم من أهل الحبشة يقال له أرياط وعهد إليه إن أنت ظهرت عليهم فاقتل ثلث رجالهم وأخرب ثلث بلادهم واسب ثلث نسائهم وأبنائهم فخرج أرياط ومعه جنوده وفي جنوده أبرهة الأشرم فركب البحر ومعه دوس ذو ثعلبان حتى نزلوا بساحل اليمن وسمع بهم ذو نواس فجمع إليه حمير ومن أطاعه من قبائل اليمن فاجتمعوا إليه على اختلاف وتفرق لانقطاع المدة وحلول البلاء والنقمة فلم يكن له حرب غير أنه ناوش ذو نواس شيئا من قتال ثم انهزموا ودخلها أرياط بجموعه فلما رأى ذو نواس ما رأى مما نزل به وبقومه وجه فرسه إلى البحر ثم ضربه فدخل فيه فخاض به ضحضاح البحر حتى أفضى إلى عمرة فأقحمه فيه فكان آخر العهد به ووطئ أرياط اليمن بالحبشة فقتل ثلث رجالها وأخرب ثلث بلادها وبعث إلى النجاشي بثلث سباياها ثم أقام بها قد ضبطها وأذلها فقال قائل من أهل اليمن وهو يذكر ما ساق إليهم دوس ذو ثعلبان من أمر الحبشة فقال
لا كدوس ولا كأعلاق رحله يعني ما ساق إليهم من الحبشة فهي مثل باليمن إلى اليوم
وقال ذو جدن الحميري وهو يذكر حمير وما دخل عليها من الذل بعد العز الذي كانوا فيه وما هدم من حصون اليمن وكان أرياط قد أخرب مع ما أخرب من أرض اليمن سلحين وبينون وغمدان حصونا لم يكن في الناس مثلها فقال ... هونك ليس يرد الدمع ما فاتا ... لا تهلكي أسفا في ذكر من ماتا ... أبعد بينون لا عين ولا أثر ... وبعد سلحين يبني الناس أبياتا ...
وقال ذو جدن الحميري في ذلك ... دعيني لا أبالك لن تطيقي ... لحاك الله قد أنزفت ريقي ... لدى عزف القيان إذ انتشينا ... وإذ تسقى من الخمر الرحيق ... وشرب الخمر ليس على عارا ... إذا لم يشكني فيها رفيقي ... فإن الموت لا ينهاه ناه ... ولو شرب الشفاء مع النشوق ... ولا مترهب في أسطوان ... يناطح جدره بيض الأنوق ... وغمدان الذي حدثت عنه ... بنوه ممسكا في رأس نيق ... بمنهمة وأسفله جروب ... وحر الموحل اللثق الزليق ... مصابيح السليط تلوح فيه ... إذا يمسي كتوماض البروق ... ونخلته التي غرست إليه ... يكاد البسر يهصر بالعذوق ... فأصبح بعد جدته رمادا ... وغير حسنه لهب الحريق ... وأسلم ذو نواس مستميتا ... وحذير قومه ضنك المضيق ...
وقال ابن الذئبة الثقفي وهو يذكر حمير حين نزل بها السودان وما أصابوا منهم
(1/437)
________________________________________
لعمرك ما للفتى من مفر ... مع الموت يلحقه والكبر ... لعمرك ما للفتى صحرة ... لعمرك ما إن له من وزر ... أبعد قبائل من حمير ... أتوا ذا صباح بذات العبر ... بألب ألوب وحرابة ... كمثل السماء قبيل المطر ... يصم صياحهم المقربات ... وينفون من قاتلوا بالزمر ... سعالى كمثل عديد الترا ... ب ييبس منهم رطاب الشجر ...
وأما هشام بن محمد فإنه زعم أن السفن لما قدمت على النجاشي من عند قيصر حمل جيشه فيها فخرجوا في ساحل المندب قال فلما سمع بهم ذو نواس كتب إلى المقاول يدعوهم إلى مظاهرته وأن يكون أمرهم في محاربة الحبشة ودفعهم عن بلادهم واحدا فأبوا وقالوا يقاتل كل رجل عن مقولته وناحيته فلما رأى ذلك صنع مفاتيح كثيرة ثم حملها على عدة من الإبل وخرج حتى لقي جمعهم فقال هذه مفاتيح خزائن اليمن قد جئتكم بها فلكم المال والأرض واستبقوا الرجال والذرية فقال عظيمهم اكتب بذلك إلىالملك فكتب إلى النجاشي فكتب إليه يأمره بقبول ذلك منهم فسار بهم ذو نواس حتى إذا دخل بهم صنعاء قال لعظيمهم وجه ثقات أصحابك في قبض هذه الخزائن ففرق أصحابه في قبضها ودفع إليهم المفاتيح وسبقت كتب ذي نواس إلى كل ناحية أن اذبحوا كل ثور أسود في بلدكم فقتلت الحبشة فلم يبق منهم إلا الشريد وبلغ النجاشي ما كان من ذي نواس فجهز إليه سبعين ألفا عليهم قائدان أحدهما أبرهة الأشرم فلما صاروا إلى صنعاء ورأى ذو نواس ألا طاقة له بهم ركب فرسه واعترض البحر فاقتحمه فكان آخر العهد به
وأقام أبرهة ملكا على صنعاء ومخاليفها ولم يبعث إلى النجاشي بشيء فقيل للنجاشي إنه قد خلع طاعتك ورأى أنه قد استغنى بنفسه فوجه إليه جيشا عليه رجل من أصحابه يقال له أرياط فلما حل بساحته بعث إليه أبرهة أنه يجمعني وإياك البلاد والدين والواجب علي وعليك أن ننظر لأهل بلادنا وديننا ممن معي ومعك فإن شئت فبارزني فأينا ظفر بصاحبه كان الملك له ولم يقتل الحبشة فيما بيننا فرضي بذلك ارياط وأجمع أبرهة على المكر به فاتعدا موضعا يلتقيان فيه وأكمن أبرهة لإرياط عبدا له يقال له أرنجده في وهدة قريب من الموضع الذي التقيا فيه فلما التقيا سبق أرياط فزرق أبرهة بحربته فزالت الحربة عن رأسه وشرمت أنفه فسمي الأشرم ونهض أرنجدة من الحفرة فزرق أرياط فأنفذه فقتله فقال أبرهة لأرنجده احتكم فقال لا تدخل امرأة اليمن على زوجها حتى يبدأ بي قال لك ذاك فغبر بذلك زمانا ثم إن أهل اليمن عدوا عليه فقتلوه فقال أبرهة قد آن لكم أن تكونوا أحرارا وبلغ النجاشي قتل أرياط فآلى ألا يكون له ناهية دون أن يهريق دم أبرهة ويطأ بلاده وبلغ أبرهة أليته فكتب إليه أيها الملك إنما كان أرياط عبدك وأنا عبدك قدم علي يريد توهين ملكك وقتل جندك فسألته أن يكف عن قتالي إلى أن أوجه إليك رسولا فإن أمرته بالكف عني وإلا سلمت إليه جميع ما أنا فيه فأبى إلا محاربتي فحاربته فظهرت عليه وإنما سلطاني لك وقد بلغني أنك حلفت ألا تنتهي حتى تهريق دمي وتطأ بلادي وقد بعثت إليك بقارورة من دمي وجراب من تراب أرضي وفي ذلك خروجك من يمينك فاستم أيها الملك يدك عندي فإنما أنا عبدك وعزي عزك فرضي عنه النجاشي وأقره على عمله
(1/438)
________________________________________
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال فأقام أرياط باليمن سنين في سلطانه ذلك ثم نازعه في أمر الحبشة باليمن أبرهة الحبشي وكان في جنده حتى تفرقت الحبشة عليهما فانحاز إلى كل واحد منهما طائفة منهم ثم سار أحدهما إلى الآخر فلما تقارب الناس ودنا بعضهم من بعض أرسل أبرهة إلى أرياط إنك لن تصنع بأن تلقي الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئا فابرز لي وأبرز لك فأينا ما أصاب صاحبه انصرف إليه جنده
فأرسل إليه أرياط أن قد أنصفتني فاخرج فخرج إليه أبرهة وكان رجلا قصيرا لحيما حادرا وكان ذا دين في النصرانية وخرج إليه أرياط وكان رجلا عظيما طويلا وسيما وفي يده حربة وخلف أبرهة ربوة تمنع ظهره وفيها غلام له يقال له عتودة فلما دنا أحدهما من صاحبه رفع أرياط الحربة فضرب بها على رأس أبرهة يريد يافوخه فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه وعينه وأنفه وشفته فبذلك سمي أبرهة الأشرم وحمل غلام أبرهة عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله وانصرف جند أرياط إلى أبرهة فاجتمعت عليه الحبشة باليمن فقال عتودة في قتله أرياط أنا عتودة من فرقة أردة لا أب ولا أم نجده أي يقول قتلك عبده قال فقال الأشرم عند ذلك لعتودة حكمك يا عتودة وإن كنت قتلته ولا ينبغي لنا ذلك إلا ديته فقال عتودة حكمي إلا تدخل عروس من أهل اليمن على زوجها منهم حتى أصيبها قبلة فقال ذلك لك ثم أخرج دية أرياط وكان كل ما صنع أبرهة بغير علم النجاشي ملك الحبشة فلما بلغه ذلك غضب غضبا شديدا وقال عدا على أميري فقتله بغير أمري ثم حلف إلا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ويجز ناصيته فلما بلغ ذلك أبرهة حلق رأسه ثم ملأ جرابا من تراب اليمن ثم بعث به إلى النجاشي وكتب إليه أيها الملك إنما كان أرياط عبدك وأنا عبدك فاختلفنا في أمرك وكل طاعته لك إلا إني كنت أقوى منه على أمر الحبشة وأضبط لها وأسوس لها وقد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك وبعثت إليه بجراب من تراب أرض اليمن ليضعه تحت قدميه فيبر قسمه
فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضي عنه وكتب إليه أن اثبت على عملك بأرض اليمن حتى يأتيك أمري فلما رأى أبرهة أن النجاشي قد رضي عنه وملكه على الحبشة وأرض اليمن بعث إلى أبي مرة بن ذي يزن فنزع منه امرأته ريحانة ابنة علقمة بن مالك بن زيد بن كهلان وأبو ريحانة ذو جدن وقد كانت ولدت لأبي مرة معد يكرب بن أبي مرة وولدت لأبرهة بعد أبي مرة مسروق بن أبرهة وبسباسة ابنة أبرهة وهرب منه أبو مرة فأقام أبرهة باليمن وغلامه عتودة يصنع باليمن ما كان أعطاه من حكمه حينا ثم عدا على عتودة رجل من حمير أو من خثعم فقتله فلما بلغ أبرهة قتله وكان رجلا حليما سيدا شريفا ورعا في دينه من النصرانية قال قد آن لكم يا أهل اليمن أن يكون فيكم رجل حازم يأنف مما يأنف منه الرجال إني والله لو علمت حين حكمته أنه يسأل الذي سأل ما حكمته ولا أنعمته عينا وأيم الله لا يؤخذ منكم فيه عقل ولا يتبعكم مني في قتله شيء تكرهونه
قال ثم إن أبرهة بنى القيس بصنعاء فبنى كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض ثم كتب إلى النجاشي ملك الحبشة إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك ولست بمنته حتى أصرف إليها حاج العرب
فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي غضب رجل من النسأة أحد بني فقيم ثم أحد بني
(1/439)
________________________________________
مالك فخرج حتى أتى القيس فقعد فيها ثم خرج فلحق بأرضه فأخبر بذلك أبرهة فقال من صنع هذا فقيل صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحج العرب إليه بمكة لما سمع من قولك أصرف إليه حاج العرب فغضب فجاء فقعد فيها أي أنها ليست لذلك بأهل فغضب عند ذلك أبرهة وحلف ليسيرن إلى البيت فيهدمه وعند أبرهة رجال من العرب قد قدموا عليه يلتمسون فضله منهم محمد بن خزاعي بن حزابة الذكواني ثم السلمي في نفر من قومه معه أخ له يقال له قيس بن خزاعي فبينا هم عنده غشيهم عيد لأبرهة فبعث إليهم فيه بغدائه وكان يأكل الخصي فلما أتى القوم بغدائه قالوا والله لئن أكلنا هذا لا تزال تعيبنا به العرب ما بقينا فقام محمد بن خزاعي فجاء أبرهة قال أيها الملك هذا يوم عيد لنا لا نأكل فيه إلا الجنوب والأيدي فاقل له أبرهة فسنبعث إليكم ما أحببتم فإنما أكرمتكم بغدائي لمنزلتكم مني
ثم إن أبرهة توج محمد بن خزاعي وأمره على مضر وأمره أن يسير في الناس يدعوهم إلى حج القليس كنيسته التي بناها فسار محمد بن خزاعي حتى إذا نزل ببعض أرض بني كنانة وقد بلغ أهل تهامة أمره وما جاء له بعثوا إليه رجلا من هذيل يقال له عروة بن حياض الملاصي فرماه بسهم فقتله وكان مع محمد بن خزاعي أخوه قيس فهرب حين قتل أخوه فلحق بأبرهة فأخبره بقتله فزاد ذلك أبرهة غضبا وحنقا وحلف ليغزون بني كنانة وليهدمن البيت
وأما هشام بن محمد فإنه قال بنى أبرهة بعد أن رضي عنه النجاشي وأقره على عمله كنيسة صنعاء فبناها بناء معجبا لم ير مثله بالذهب والأصباغ المعجبة وكتب إلى قيصر يعلمه أنه يريد بناء كنيسة بصنعاء يبقى أثرها وذكرها وسأله المعونة له على ذلك فأعانه بالصناع والفسيفساء والرخام وكتب أبرهة إلى النجاشي حين استتم بناؤها إني أريد أن أصرف إليها حاج العرب فلما سمعت بذلك العرب أعظمته وكير عليها فخرج رجل من بني مالك بن كنانة حتى قدم اليمن فدخل الهيكل فأحدث فيه فغضب أبرهة وأجمع على غزو مكة وهدم البيت فخرج سائرا بالحبشة ومعه الفيل فلقيه ذو نفر الحميري فقاتله فأسره فقال أيها الملك إنما أنا عبدك فاستبقني فإن حياتي خير لك من قتلي فاستبقاه ثم سار فلقيه نفيل بن حبيب الخثعمي فقاتله فهزم أصحابه وأسره فسأله أن يستبقيه ففعل وجعله دليله في أرض العرب
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال ثم إن أبرهة حين أجمع السير إلى البيت أمر الحبشان فتهيأت وتجهزت وخرج معه بالفيل قال وسمعت العرب بذلك فأعظموه وفظعوا به ورأوا جهاده حقا عليهم حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام فخرج له رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر فدعا قومه ومن أجابه منهم من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله وما يريد من هدمه وإخرابه فأجابه من أجابه إلى ذلك وعرض له فقاتله فهزم ذو نفر وأصحابه وأخذ له ذو نفر أسيرا فأتي به فلما أراد قتله قال له ذو نفر أيها الملك لا تقتلني فإنه عسى أن يكون كوني معك خيرا لك من قتلي فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق وكان أبرهة رجلا حليما ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيث الخثعمي في قبيلي خثعم شهران وناهس ومن تبعه من قبائل العرب فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ له نفيل أسيرا فأتي به فلما هم بقتله قال له نفيل أيها الملك لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب وهاتان يداي لك على قبيلي خثعم
(1/440)
________________________________________
شهران وناهس بالسمع والطاعة فأعفاه وخلى سبيله وخرج به معه يدله على الطريق حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال ثقيف فقال له أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون ليس لك عندنا خلاف وليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد يعنون اللات إنما تريد البيت الذي بمكة يعنون الكعبة ونحن نبعث معك من يدلك فتجاوز عنهم وبعثوا معه أبا رغال فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله المغمس فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك فرجمت العرب قبره فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس
ولما نزل أبرهة المغمس بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة فساق إليه أموال أهل مكة من قريش وغيرهم وأصاب منها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم وهو يومئذ كبير قريش وسيدها فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بالحرم من سائر الناس بقتاله ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به فتركوا ذلك وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وقال له سل عن سيد هذا البلد وشريفهم ثم قل له إن الملك يقول لكم إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم البيت فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجى لي بدمائكم فإن لم يرد حربي فأتني به
فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها فقيل له عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة فقال له عبدالمطلب والله ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم أم كما قال فإن يمنعه فهو بيته وحرمه وإن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا من دفع عنه أو كما قال له فقال له حناطة فانطلق إلى الملك فإنه قد أمرني أن آتيه بك فانطلق معه عبدالمطلب ومعه بعض بنيه حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نفر وكان له صديقا حتى دل عليه وهو في محبسه فقال له يا ذا نفر هل عندك غناء فيما نزل بنا فقال له ذو نفر وما غناءرجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا ما عندي غناء في شيء مما نزل بك إلا أن أنيسا سائس الفيل لي صديق فسأرسل إليه فأوصيه بك وأعظم عليه حقك وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما تريد ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك قال حسبي
فبعث ذو نفر إلى أنيس فجاء به فقال يا أنيس إن عبدالمطلب سيد قريش وصاحب عير مكة يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال وقد أصاب له الملك مائتي بعير فاستأذن له عليه وانفعه عنده بما استطعت قال أفعل فكلم أنيس أبرهة فقال أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك وهو صاحب عير مكة يطعم الناس بالسهل والوحش في رؤوس الجبال فأذن له عليك فيكلمك بحاجته وأحسن إليه قال فأذن له أبرهة وكان عبدالمطلب رجلا عظيما وسيما جسيما فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه أن يجلس تحته وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه ثم قال لترجمانه قال له حاجتك إلى الملك فقال له ذلك الترجمان فقال عبدالمطلب حاجتي إلى الملك أن يرد علي مائتي بعير أصابها لي فلما قال له ذلك قال أبرهة لترجمانه قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم زهدت فيك حين كلمتني أتكلمني في مائتي بعير قد أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه قال له عبدالمطلب إن أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه قال ما كان ليمنع مني قال انت وذاك اردد إلي إبلي
(1/441)
________________________________________
وكان فيما زعم بعض أهل العلم قد ذهب عبدالمطلب إلى أبرهة حين بعث إليه حناطة بعمرو بن نفاثة بن عدي بن الدئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وهو يومئذ سيد بني كنانة وخويلد بن وائلة الهذلي وهو يومئذ سيد هذيل فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت فأبى عليهم والله أعلم
وكان أبرهة قد رد على عبدالمطلب الإبل التي أصاب له فلما انصرفوا عنه انصرف عبدالمطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في شعف الجبال والشعاب تخوفا عليهم معرة الجيش ثم قام عبدالمطلب فأخذ بحلقة الباب باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده فقال عبدالمطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة ... يا رب لا أرجو لهم سواكا ... يا رب فامنع منهم حماكا ... إن عدو البيت من عاداكا ... امنعهم أ يخربوا قراكا ...
ثم قال أيضا ... لاهم إن العبد يم ... نع رحله فامنع حلالك ... لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدوا محالك ... فلئن فعلت فربما ... أولى فأمر ما بدا لك ... ولئن فعلت فإنه ... أمر تتم به فعالك ... جروا جموع بلادهم ... والفيل كي يسبوا عيالك ... عمدوا حماك بكيدهم ... جهلاوما رقبوا جلالك ...
وقال أيضا ... وكنت إذا أتى باغ بسلم ... نرجي أن تكون لنا كذلك ... فولوا لم ينالوا غير خزي ... وكان الحين يهلكهم هنالك ... ولم أسمع بأرجس من رجال ... أرادوا العز فانتهكوا حرامك ...
ثم أرسل عبدالمطلب حلقة الباب باب الكعبة وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال فتحرزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها فلما أصبح أبرهن تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله وعبى جيشه وكان اسم الفيل محمودا وأبرهة مجمع لهدم البيت ثم الانصراف إلى اليمن فلما وجهوا الفيل أقبل نفيل بن حبيب الخثعمي حتى قام إلى جنبه ثم أخذ بأذنه فقال ابرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت فإنك في بلد الله الحرام ثم أرسل أذنه فبرك الفيل وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى صعد في الجبل وضربوا الفيل ليقوم فأبى وضربوا في رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه ليقوم فأبى فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول ووجهوه إلى الشأم ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى مكة فبرك وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف مع كل طير منها ثلاثة أحجار يحملها حجر في منقاره وحجران في رجليه مثل الحمص والعدس لا تصيب منهم أحدا إلا هلك وليس كلهم أصابت وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا ويسألون عن نفيل بن
(1/442)
________________________________________
حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله به من نقمته ... أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب غير الغالب ...
وقال نفيل أيضا ... ألا حييت عنا يا ردينا ... نعمناكم مع الإصباح عينا ... أتانا قابس منكم عشاء ... فلم يقدر لقابسكم لدينا ... ردينة لو رأيت ولم تريه ... لدى جنب المحصب ما رأينا ... إذا لعدرتني وحمدت رأيي ... ولم تأسي على ما فات بينا ... حمدت الله إذ عاينت طيرا ... وخفت حجارة تلقى علينا ... فكل القوم يسأل عن نفيل ... كأن علي للحبشان دينا ...
فخرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون على كل منهل وأصيب أبرهة في جسده وخرجوا به معهم تسقط أنامله أنملة أنملة كلما سقطت منه أنملة اتبعتها منه مدة تمث فيحا ودما حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطير فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثنا عبدالله بن عثمان بن أبي سليمان عن أبيه قال وحدثنا محمد بن عبدالرحمن بن السلماني عن أبيه قال وحدثنا عبدالله بن عمرو بن زهير الكعبي عن أبي مالك الحميري عن عطاء بن يسار قال وحدثنا محمد بن أبي سعيد الثقفي عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين العقيلي قال وحدثنا سعيد بن مسلم عن عبدالله بن كثير عن مجاهد عن ابن عباس دخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا كان النجاشي قد وجه أرياط أبا صحم في أربعة آلآف إلى اليمن فأداخها وغلب عليها فأعطى الملوك واستذل الفقراء فقام رجل من الحبشة يقال له أبرهة الأشرم أبو يكسوم فدعا إلى طاعته فأجابوه فقتل أرياط وغلب على اليمن ورأى الناس يتجهزون أيام الموسم للحج إلى البيت الحرام فسأل أين يذهب الناس فقالوا يحجون إلى بيت الله بمكة قال مم هو قالوا من حجارة قال فما كسوته قالوا ما يأتي ها هنا من ا لوصائل قال والمسيح لأبنين لكم خيرا منه فبنى لهم بيتا عمله بالرخام الأبيض والأحمر والأصفر والأسود وحلاه بالذهب والفضة وحفه بالجوهر وجعل له أبوابا عليها صفائح الذهب ومسامير الذهب وفصل بينها بالجوهر وجعل فيها ياقوتة حمراء عظيمة وجعل لها حجابا وكان يوقد بالمندل ويلطخ جدره بالمسك فيسوده حتى يغيب الجوهر وأمر الناس فحجوه فحجه كثير من قبائل العرب سنين ومكث فيه رجال يتعبدون ويتألهون ونسكوا له وكان نفيل الخثعمي يؤرض له ما يكره فلما كان ليلة من الليالي لم ير أحدا يتحرك فقام فجاء بعذرة فلطخ بها قبلته وجمع جيفا فألقاها فيه فأخبر أبرهة بذلك غضب غضبا شديدا وقال إنما فعلت هذا العرب غضبا لبيتهم لأنقضنه حجرا حجرا وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك ويسأله أن يبعث إليه بفيله محمود وكان فيلا لم ير مثله في الأرض عظما وجسما وقوة فبعث به إليه فلما قدم عليه الفيل سار أبرهة بالناس ومعه ملك حمير ونفيل بن حبيب الخثعمي فلما دنا من الحرم أمر أصحابه بالغارة على نعم الناس فأصابوا إبلا لعبد المطلب وكان نفيل صديقا لعبد المطلب
(1/443)
________________________________________
فكلمه في إبله فكلم نفيل أبرهة فقال أيها الملك قد أتاك سيد العرب وأفضلهم قدرا وأقدمهم شرفا يحمل على الجياد ويعطي الأموال ويطعم ما هبت الريح فأدخله على أبرهة فقال حاجتك قال ترد علي إبلي فقال ما أرى ما بلغني عنك إلا الغرور وقد ظننت أنك تكلمني في بيتكم الذي هو شرفكم فقال عبدالمطلب اردد علي إبلي ودونك البيت فإن له ربا سيمنعه فأمر برد إبله عليه فلما قبضها قلدها النعال وأشعرها وجعلها هديا وبثها في الحرم لكي يصاب منها شيء فيغضب رب الحرم وأوفى عبدالمطلب على حراء ومعه عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ومطعم بن عدي وأبو مسعود الثقفي فقال عبدالمطلب ... لا هم إن المرء يم ... نع رحله فامنع حلالك ... لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدوا محالك ... إن كنت تاركهم وقب ... لتنا فأمر ما بدا لك ...
قال فأقبلت الطير من البحر أبابيل مع كل طير منها ثلاثة أحجار حجران في رجليه وحجر في منقاره فقذفت الحجارة عليهم لا تصيب شيئا إلا هشمته وإلا نفط ذلك الموضع فكان ذلك أول ما كان الجدري والحصبة والأشجار المرة فأهمدتهم الحجارة وبعث الله سيلا أتيا فذهب بهم فألقاهم في البحر قال
وولى أبرهة ومن بقي معه هرابا فجعل أبرهة يسقط عضوا عضوا وأما محمود قيل النجاشي فربض ولم يشجع على الحرم فنجا وأما الفيل الآخر فشجع فحصب ويقال كانت ثلاثة عشر فيلا ونزل عبدالمطلب من حراء فأقبل رجلان من الحبشة فقبلا رأسه وقالا أنت كنت أعلم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن أول ما رئيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام وأنه أول ما رئي بها مرار الشجر الحرمل والحنظل والعشر ذلك العام
قال ابن إسحاق ولما هلك أبرهة ملك اليمن ابنه في الحبشة يكسوم بن أبرهة وبه كان يكنى فذلت حمير وقبائل اليمن ووطئتهم الحبشة فنكحوا نساءهم وقتلوا رجالهم واتخذوا أبناءهم تراجمة بينهم وبين العرب
قال ولما رد الله الحبشة عن مكة فأصابهم ما أصابهم من النقمة عظمت العرب قريشا وقالوا أهل الله قاتل الله عنهم فكفاهم مؤونة عدوهم
قال ولما هلك يكسوم بن أبرهة ملك اليمن في الحبشة أخوه مسروق بن أبرهة فلما طال البلاء على أهل اليمن وكان ملك الحبشة باليمن فيما بين أن دخلها أرياط إلى أن قتلت الفرس مسروقا وأخرجوا الحبشة من اليمن سنتين وسبعين سنة توارث ذلك منهم أربعة ملوك أرياط ثم أبرهة ثم يكسوم بن أبرهة ثم مسروق بن أبرهة خرج سيف بن ذي يزن الحميري وكان يكنى بأبي مرة حتى قدم على قيصر ملك الروم فشكا ما هم فيه وطلب إليهم أن يخرجهم عنه ويليهم هو ويبعث إليهم من شاء من الروم فيكون له ملك اليمن فلم يشكه ولم يجد عنده شيئا مما يريد فخرج حتى قدم الحيرة على النعمان بن المنذر وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العرب من العراق فشكا إليه ما هم فيه من البلاء والذل
(1/444)
________________________________________
فقال له النعمان إن لي على كسرى وفادة في كل عام فأقم عندي حتى يكون ذلك فأخرج بك معي قال فأقام عنده حتى خرج النعمان إلى كسرى فخرج معه إلى كسرى فلما قدم النعمان على كسرى وفرغ من حاجته ذكر له سيف بن ذي يزن وما قدم له وسأل أن يأذن له عليه ففعل وكان كسرى إنما يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه وكان تاجه مثل القنقل العظيم مضروبا فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ والذهب والفضة معلقا بسلسلة من ذهب في رأس طاق مجلسه ذلك كانت عنقه لا تحمل تاجه إنما يستر بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك ثم يدخل رأسه في تاجه فإذا استوى في مجلسه كشف الثياب عنه فلا يراه رجل لم يره قبل ذلك إلا برك هيبة له فلما دخل عليه سيف بن ذي يزن برك ثم قال أيها الملك غلبتنا على بلادنا الأغربة فقال كسرى أي الأغربة الحبشة أم السند قال بل الحبشة فجئتك لتنصرني عليهم وتخرجهم عني ويكون ملك بلادي لك فأنت أحب إلينا منهم قال بعدت أرضك من أرضنا وهي أرض قليلة الخير إنما بها الشاء والبعير وذلك مما لا حاجة لنا به فلم أكن لأورط جيشا من فارس بأرض العرب لا حاجة لي بذلك ثم أمر فأجيز بعشرة آلاف درهم واف وكساه كسوة حسنة
فلما قبض ذلك سيف بن ذي يزن خرج فجعل ينثر الورق للناس ينهبها الصبيان والعبيد والإماء فلم يلبث ذلك أن دخل على كسرى فقيل له العربي الذي اعطيته ينثر دراهمه للناس ينهبها العبيد والصبيان والإماء فقال كسرى إن لهذا الرجل لشأنا ائتوني به فلما دخل عليه قال عمدت إلي حباء الملك الذي حباك به تنثره للناس قال وما أصنع بالذي أعطاني الملك ما جبال أرضي التي جئت منها إلا ذهب وفضة يرغبه فيها لما رأى من زهادته فيها إنما جئت الملك ليمنعني من الظلم ويدفع عني الذل فقال له كسرى أقم عندي حتى أنظر في أمرك فأقام عنده
وجمع كسرى مرازبته وأهل الرأي ممن كان يستشيره في أمره فقال ما ترون في أمر هذا الرجل وما جاء له فقال قائل منهم أيها الملك إن في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل فلو أنك بعثتهم معه فإن هلكوا كان الذي أردت بهم وإن ظهروا على بلاده كان ملكا ازددته إلى ملكك فقال إن هذا الرأي أحصوا لي كم في سجوني من الرجال فحسبوا له فوجدوا في سجونه ثمانمائة رجل فقال انظروا إلى أفضل رجل منهم حسبا وبيتا اجعلوه عليهم فوجدوا أفضلهم حسبا وبيتا وهرز وكان ذا سن فبعثه مع سيف وأمره على أصحابه ثم حملهم في ثماني سفائن في كل سفينة مائة رجل وما يصلحهم في البحر
فخرجوا حتى إذا لججوا في البحر غرقت من السفن سفينتان بما فيهما فخلص إلى ساحل اليمن من أرض عدن ست سفائن فيهن ستمائة رجل فيهم وهرز وسيف بن ذي يزن فلما اطمأنا بأرض اليمن قال وهرز لسيف ما عندك قال ما شئت من رجل عربي وفرس عربي ثم اجعل رجلي مع رجلك حتى نموت جميعا أو نظهر جميعا قال وهرز أنصف وأحسنت فجمع إليه سيف من استطاع من قومه وسمع بهم مسروق بن أبرهة فجمع إليه جنده من الحبشة ثم سار إليهم حتى إذا تقارب العسكران ونزل الناس بعضهم إلى بعض بعث وهرز ابنا له كان معه يقال له نوزاذ على جريدة خيل فقال له ناوشهم القتال حتى ننظر كيف قتالهم فخرج إليهم فناوشهم شيئا من قتال ثم تورط في مكان لم يستطع الخروج منه فقتلوه فزاد ذلك وهرز حنقا عليهم وجدا على قتالهم
فلما تواقف الناس على مصافهم قال وهرز أروني ملكهم فقالوا ترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه
(1/445)
________________________________________
على رأسه بين عينيه ياقوتة حمراء قال نعم قالوا ذاك ملكهم فقال اتركوه فوقفوا طويلا ثم قال علام هو قالوا قد تحول على الفرس فقال اتركوه فوقفوا طويلا ثم قال علام هو قالوا قد تحول على البغلة قال ابنة الحمار ذل وذل ملكه هل تسمعون أني سأرميه فإن رأيتم أصحابه وقوفا لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوذنكم فإني قد أخطأت الرجل وإن رأيتم القوم قد استداروا ولاثوا به فقد اصبت الرجل فاحملوا عليهم
ثم أوتر قوسه وكانت فيما زعموا لا يوترها غيره من شدتها ثم أمر بحاجبيه فعصبا له ثم وضع في قوسه نشابة فمغط فيها حتى إذا ملأها أرسلها فصك بها الياقوتة التي بين عينيه فتغلغلت النشابة في رأسه حتى خرجت من قفاه وتنكس عن دابته واستدارت الحبشة ولاثت به وحملت عليهم الفرس وانهزمت الحبشة فقتلوا وهرب شريدهم في كل وجه فأقبل وهرز يريد صنعاء يدخلها حتى إذا أتى بابها قال لا تدخل رايتي منكسة أبدا اهدموا الباب فهدم باب صنعاء ثم دخلها ناصبا رايته يسار بها بين يديه
فلما ملك اليمن ونفى عنها الحبشة كتب إلى كسرى إني قد ضبطت لك اليمن وأخرجت من كان بها من الحبشة وبعث إليه بالأموال فكتب إليه كسرى يأمره أن يملك سيف بن ذي يزن على اليمن وأرضها وفرض كسرى على سيف بن ذي يزن جزية وخرجا يؤديه إليه في كل عام معلوم يبعث إليه في كل عام وكتب إلى وهرز أن ينصرف إليه فانصرف إليه وهرز وملك سيف بن ذي يزن على اليمن وكان أبوه ذو يزن من ملوك اليمن
فهذا ما حدثنا به ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق من أمر حمير والحبشة وملكهم وتوجيه كسرى من وجه لحرب الحبشة باليمن
وأما هشام بن محمد فإنه قال ملك بعد أبرهة يكسوم ثم مسروق قال وهو الذي قتله وهرز في ملك كسرى بن قباذ ونفى الحبشة عن اليمن
قال وكان من حديثه أن أبا مرة الفياض ذا يزن كان من أشراف اليمن وكانت تحته ريحانة ابنة ذي جدن فولدت له غلاما سماه معد يكرب وكانت ذات جمال فانتزعها الأشرم من أبي مرة فاستنكحها فخرج أبو مرة من اليمن فلحق ببعض ملوك بني المنذر أظنه عمرو بن هند فسأله أن يكتب له إلى كسرى كتابا يعلمه فيه قدره وشرفه ونزوعه إليه فيما نزع إليه فيه فقال لا تعجل فإن لي عليه في كل سنة وفادة وهذا وقتها فأقام قبله حتى وفد عليه معه فدخل عمرو بن هند على كسرى فذكر له شرف ذي يزن وحاله واستأذن له فدخل فأوسع له عمرو فلما رأى ذلك كسرى علم أن عمرا لم يصنع به ذلك بين يديه إلا لشرفه فأقبل عليه فألطفه وأحسن مسألته وقال له ما الأمر الذي نزع بك قال أيها الملك إن السودان قد غلبونا على بلادنا وركبوا منا أمورا شنيعة أجل الملك عن ذكرها فلو أن الملك تناولنا بنصره من غير أن نستنصره لكان حقيقا بذلك لفضله وكرمه وتقدمه لسائر الملوك فكيف وقد نزعنا إليه مؤملين له راجين أن يقصم الله عدونا وينصرنا عليهم وينتقم لنا به منهم فإن رأى الملك أن يصدق ظننا ويحقق رجاءنا ويوجه معي جيشا ينفون هذا العدو عن بلادنا فيزدادها إلى ملكه فإنها من أخصب البلدان وأكثرها خيرا وليست كما يلي الملك من بلاد العرب فعل
(1/446)

بنالعياط
05-10-2012, 08:08 PM
________________________________________
قال قد علمت أن بلادكم كما وصفت فأي السودان غلبوا عليها الحبشة أم السند قال بل الحبشة قال أنوشروان إني لأحب أن أصدق ظنك وأن تنصرف بحاجتك ولكن المسلك للجيش إلى بلادك صعب وأكره أن أغرره بجندي ولي فيما سألت نظر وأنت على ما تحب
وأمر بإنزاله وإكرامه فلم يزل مقيما عنده حتى هلك وقد كان أبو مرة قال قصيدة بالحميرية يمتدح فيها كسرى فلما ترجمت له أعجب بها
وولدت ريحانة ابنة ذي جدن لأبرهة الأشرم غلاما فسماه مسروقا ونشأ معد يكرب بن ذي يزن مع أمه ريحانة في حجر أبرهة فسبه ابن لأبرهة فقال له لعنك الله ولعن أباك وكان معد يكرب لا يحسب إلا أن الأشرم أبوه فأتى أمه فقال لها من أبي قالت الأشرم قال لا والله ما هو أبي ولو كان أبي ما سبني فلان فأخبرته أن أباه أبو مرة الفياض واقتصت عليه خبره فوقع ذلك في نفس الغلام ولبث بعد ذلك لبثا
ثم إن الأشرم مات ومات ابنه يكسوم فخرج ابن ذي يزن قاصدا إلى ملك الروم وتجنب كسرى لإبطائه عن نصر أبيه فلم يجد عند ملك الروم ما يحب ووجده يحامي عن الحبشة لموافقتهم إياه على الدين فانكفأ راجعا إلى كسرى فاعترضه يوما وقد ركب فصاح به أيها الملك إن لي عندك ميراثا فدعا به كسرى لما نزل وقال من أنت وما ميراثك قال أنا ابن الشيخ اليماني ذي يزن الذي وعدته أن تنصره فمات ببابك وحضرتك فتلك العدة حق لي وميراث يجب عليك الخروج لي منه فرق له كسرى وأمر له بمال فخرج الغلام فجعل ينثر الدراهم فانتهبها الناس فأرسل إليه كسرى ما الذي حملك على ما صنعت قال إني لم آتك للمال إنما جئتك للرجال ولتمنعني من الذل فأعجب ذلك كسرى فبعث إليه أن أقم حتى أنظر في أمرك ثم إن كسرى استشار وزراءه في توجيه الجند معه فقال له الموبذان إن لهذا الغلام حقا بنزوعه وموت أبيه بباب الملك وحضرته وما تقدم من عدته إياه وفي سجون الملك رجال ذوو نجدة وبأس فلو أن الملك وجههم معه فإن اصابوا ظفرا كان له وإن هلكوا كان قد استراح وأراح أهل مملكته منهم ولم يكن ذلك ببعيد من الصواب
قال كسرى هذا الرأي وأمر بمن كان في السجون من هذا الضرب فأحصوا فبلغوا ثمانمائة نفر فقود عليهم قائدا من أساورته يقال له وهرز كان كسرى يعدله بألف أسوار وقواهم وجهزهم وأمر بحملهم في ثماني سفائن في كل سفينة مائة رجل فركبوا البحر فغرقت من الثماني السفن سفينتان وسلمت ست فخرجوا بساحل حضرموت وسار إليهم مسروق في مائة ألف من الحبشة وحمير والأعراب ولحق بابن ذي يزن بشر كثير ونزل وهرز على سيف البحر وجعل البحر وراء ظهره فلما نظر مسروق إلى قلتهم طمع فيهم فأرسل إلى وهرز ما جاء بك وليس معك إلا من أرى ومعي من ترى لقد غررت بنفسك وأصحابك فإن أحببت أذنت لك فرجعت إلى بلادك ولم أهجك ولم ينلك ولا أحدا من أصحابك مني ولا من أحد من أصحابي مكروه وإن أحببت ناجزتك الساعة وإن أحببت أجلتك حتى تنظر في أمرك وتشاور أصحابك
فأعظم وهرز أمرهم ورأى أنه لا طاقة له بهم فأرسل إلى مسروق بل تضرب بيني وبينك أجلا
(1/447)
________________________________________
وتعطيني موثقا وعهدا وتأخذ مثله مني ألا يقاتل بعضنا بعضا حتى ينقضي الأجل ونرى رأينا
ففعل ذلك مسروق ثم أقام كل واحد منهما في عسكره حتى إذا مضى من الأجل عشرة أيام خرج ابن وهرز يسير على فرس له حتى دنا من عسكرهم وحمله فرسه فتوسط به عسكرهم فقتلوه ووهرز لا يشعر به فلما بلغه قتل ابنه أرسل إلى مسروق قد كان بيني وبينكم ما قد علمتم فلم قتلتم ابني فأرسل إليه مسروق إن ابنك حمل علينا وتوسط عسكرنا فثار إليه سفهاء من سفهائنا فقتلوه وقد كنت لقتله كارها قال وهرز للرسول قل له إنه لم يكن ابني إنما كان ابن زانية ولو كان ابني لصبر ولم يغدر حتى ينقضي الأجل الذي بيننا ثم أمر فرمي به في الصعيد حيث ينظر إلى جثمانه وحلف ألا يشرب خمرا ولا يدهن رأسه حتى ينقضي الأجل بينه وبينهم
فلما انقضى الأجل إلا يوما واحدا أمر بالسفن التي كانوا فيها فأحرقت بالنار وأمر بما كان معهم من فضل كسوة فأحرق ولم يدع منه إلا ما كان على أجسادهم ثم دعا بكل زاد معهم فقال لأصحابه كلوا هذا الزاد فأكلوه فلما انتهوا أمر بفضله فألقي في البحر ثم قام فيهم خطيبا فقال أما ما حرقت من سفنكم فإني أردت أن تعلموا أنه لا سبيل إلى بلادكم أبدا وأما ما حرقت من ثيابكم فإنه كان يغيظني إن ظفرت بكم الحبش أن يصير ذلك إليهم وأما ما ألقيت من زادكم في البحر فإني كرهت أن يطمع أحد منكم أن يكون معه زاد يعيش به يوما واحدا فإن كنتم قوما تقاتلون معي وتصبرون أعلمتموني ذلك وإن كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفي هذا حتى يخرج من ظهري فإني لم أكن لأمكنهم من نفسي أبدا فانظروا ما تكون حالكم إذا كنت رئيسكم وفعلت هذا بنفسي فقالوا لا بل نقاتل معك حتى نموت عن آخرنا أو نظفر
فلما كان صبح اليوم الذي انقضى فيه الأجل عبى أصحابه وجعل البحر خلفه وأقبل عليهم يحضهم على الصبر ويعلمهم أنهم منه بين خلتين إما ظفروا بعدوهم وإما ماتوا كراما وأمرهم أن تكون قسيهم موترة وقال إذا أمرتكم أن ترموا فارموهم رشقا بالبنجكان ولم يكن أهل اليمن رأوا النشاب قبل ذلك وأقبل مسروق في جمع لا يرى طرفاه على فيل على رأسه تاج بين عينيه ياقوتة حمراء مثل البيضة لا يرى أن دون الظفر شيئا وكان وهرز قد كل بصره فقال أروني عظيمهم فقالوا هو صاحب الفيل ثم لم يلبث مسروق أن نزل فركب فرسا فقالوا قد ركب فرسا فقال ارفعو لي حاجبي وقد كانا سقطا على عينيه من الكبر فرفعوهما بعصابة ثم أخرج نشابة فوضعها في كبد قوسه وقال أشيروا لي إلى مسروق فأشاروا له إليه حتى أثبته ثم قال لهم ارموا فرموا ونزع في قوسه حتى إذا ملأها سرح النشابة فأقبلت كأنها رشاء حتى صكت جبهة مسروق فسقط عن دابته وقتل في ذلك الرشق منهم جماعة كثيرة وانفض صفهم لما رأوا صاحبهم صريعا فلم يكن دون الهزيمة شيء وأمر وهرز بجثة ابنه من ساعته فووريت وأمر بجثة مسروق فألقيت مكانها وغنم من عسركهم ما لا يحصى ولا يعد كثرة وجعل الأسوار يأخذ من الحبشة ومن حمير والأعراب الخمسين والستين فيسوقهم مكتفين لا يمتنعون منه فقال وهرز أما حمير والأعراب فكفوا عنهم واقصدوا قصد السودان فلا تبقوا منهم أحدا فقتلت الحبشة يومئذ حتى لم يبق منهم كثير أحد وهرب رجل من الأعراب على جمل له فركضه يوما وليلة ثم التفت فإذا في الحقيبة نشابة فقال لأمك الويل أبعد أم طول مسير حسب أن النشابة لحقته وأقبل وهرز حتى دخل صنعاء وغلب على بلاد اليمن وفرق عماله في المخاليف
(1/448)
________________________________________
وفي ابن ذي يزن وما كان منه ومن وهرز والفرس يقول أبو الصلت أبو أمية بن أبي الصلت الثقفي ... ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن ... ريم في البحر للأعداء أحوالا ... أتى هرقل وقد شالت نعامنهم ... فلم يجد عنده بعض الذي قالا ... ثم انتحى نحو كسرى بعد سابعة ... من السنين لقد أبعدت إيغالا ... حتى أتى ببني الأحرار يحملهم ... إنك لعمري لقد أطولت قلقالا ... من مثل كسرى شهنشاه الملوك له ... أو مثل وهرز يوم الجيش إذ صالا ... لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن ترى لهم في الناس أمثالا ... غر جحاجحة بيض مرازبة ... أسد تربب في الغيضات أشبالا ... يرمون عن شدف كأنها غبط ... في زمخر يعجل المرمي إعجالا ... أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... أضحى شريدهم في الأرض فلالا ... فاشرب هنيئا عليك التاج متكئا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا ... وأطل بالمسك إذ شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبالا ... تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ...
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال فلما انصرف وهرز إلى كسرى وملك سيفا على اليمن عدا على الحبشة فجعل يقتلها ويبقر النساء عما في بطونها حتى إذا أفناها إلا بقايا ذليلة قليلة فاتخذهم خولا واتخذ منهم جمازين يسعون بين يديه بحرابهم فمكث بذلك حينا غير كثير ثم إنه خرج يوما والحبشة تسعى بين يديه بحرابهم حتى إذا كان في وسط منهم وجئوه بالحراب حتى قتلوه ووثب بهم رجل من الحبشة فقتل باليمن وأوعث فأفسد فلما بلغ ذلك كسرى بعث إليهم وهرز في أربعة آلاف من الفرس وأمره ألا يترك باليمن أسود ولا ولد عربية من أسود إلا قتله صغيرا أو كبيرا ولا يدع رجلا جعدا قططا قد شرك فيه السودان إلا قتله
فأقبل وهرز حتى دخل اليمن ففعل ذلك ولم يترك بها حبشيا إلا قتله ثم كتب إلى كسرى بذلك فأمره كسرى عليها فكان عليها وكان يجيها إلى كسرى حتى هلك وأمر كسرى بعده ابنه المرزبان بن وهرز فكان عليها حتى هلك فأمر كسرى بعده البينجان بن المرزبان بن وهرز حتى هلك ثم أمر كسرى بعده خر خسره بن البينجان بن المرزبان بن وهرز فكان عليها
ثم إن كسرى غضب عليه فحلف ليأتينه به أهل اليمن يحملونه على أعناقهم ففعلوا فلما قدم على كسرى تلقاه رجل من عظماء فارس فألقى عليه سيفا لأبي كسرى فأجاره كسرى بذلك من القتل ونزعه وبعث باذان إلى اليمن فلم يزل عليها حتى بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه و سلم
وكان فيما ذكر بين كسرى أنوشروان وبين يخطيانوس ملك الروم موادعة وهدنة فوقع بين رجل من العرب كان ملكه يخطيانوس على عرب الشام يقال له خالد بن جبلة وبين رجل من لخم كان ملكه كسرى على ما بين عمان والبحرين واليمامة إلى الطائف وسائر الحجاز ومن فيها من العرب يقال له المنذر بن النعمان نائرة فأغار خالد بن جبلة على حيز المنذر فقتل من أصحابه مقتلة عظيمة وغنم أموالا من
(1/449)
________________________________________
أمواله فشكا ذلك المنذر إلى كسرى وسأله الكتاب إلى ملك الروم في إنصافه من خالد فكتب كسرى إلى يخطيانوس يذكر ما بينهما من العهد على الهدنة والصلح ويعلمه ما لقي المنذر عامله على العرب من خالد بن جبلة الذي ملكه على من في بلاده من العرب ويسأله أن يأمر خالدا أن يرد على المنذر ما غنم من حيزه وبلاده ويدفع إليه دية من قتل من عربها وينصف المنذر بن خالد وألا يستخف بما كتب به من ذلك فيكون انتقاض ما بينهما من العهد والهدنة بسببه
وواتر الكتب إلى يخطيانوس في إنصاف المنذر فلم يحفل بها فاستعد كسرى فغزا بلاد يخطيانوس في بضعة وتسعين ألف مقاتل فأخذ مدينة دارا ومدينة الرهاء ومدينة منبج ومدينة قنسرين ومدينة حلب ومدينة أنطاكية وكانت أفضل مدينة بالشأم ومدينة فامية ومدينة حمص ومدنا كثيرة متاخمة لهذه المدائن عنوة واحتوى على ما كان فيها من الأموال والعروض وسبى أهل مدينة أنطاكية ونقلهم إلى أرض السواد وأمر فبنيت لهم مدينة إلى جنب مدينة طيسبون على بناء مدينة أنطاكية على ما قد ذكرت قبل وأسكنهم إياها وهي التي تسمى الرومية وكور لها كورة وجعل لها خمسة طساسيج طسوج نهروان الأعلى وطسوج نهروان الأوسط وطسوج نهروان الأسفل وطسوج بادرايا وطسوج باكسايا وأجرى على السبي الذين نقلهم من أنطاكية إلى الرومية الأرزاق وولى القيام بأمورهم رجلا من نصارى أهل الأهواز كان ولاه الرياسة على أصحاب صناعاته يقال له براز رقة منه لذلك السبي إرادة أن يستأنسوا ببراز لحال ملته ويسكنوا إليه وأما سائر مدن الشام ومصر فإن يخطيانوس ابتاعها من كسرى بأموال عظيمة حملها إليه وضمن له فدية يحملها إليه في كل سنة على ألا يغزو بلاده وكتب لكسرى بذلك كتابا وختم هو وعظماء الروم عليه فكانوا يحملونها إليه في كل عام
وكان ملوك فارس يأخذون من كور من كورهم قبل ملك كسرى أنوشروان في خراجها الثلث ومن كور الربع ومن كور الخمس ومن كور السدس على قدر شربها وعمارتها ومن جزية الجماجم شيئا معلوما فأمر الملك قباذ بن فيروز في آخر ملكه بمسح ا لأرض سهلها وجبلها ليصح الخراج عليها فمسحت غير أن قباذ هلك قبل أن يستحكم له أمر تلك المساحة حتى إذا ملك ابنه كسرى أمر باستتمامها وإحصاء النخل والزيتون والجماجم ثم أمر كتابه فاستخرجوا جمل ذلك وأذن للناس إذنا عاما وأمر كاتب خراجه أن يقرأ عليهم الجمل التي استخرجت من أصناف غلات الأرض وعدد النخل والزيتون والجماجم فقرأ ذلك عليهم ثم قال لهم كسرى إنا قد رأينا أن نضع على ما أحصي من جربان هذه المساحة من النخل والزيتون والجماجم وضائع ونأمر بإنجامها في السنة في ثلاثة أنجم ونجمع في بيوت أموالنا من الأموال ما لو أتانا عن ثغر من ثغورنا أو طرف من أطرافنا فتق أو شيء نكرهه واحتجنا إلى تداركه أو حسمه ببذلنا فيه مالا كانت الأموال عندنا معدة موجودة ولم نرد استئناف اجتبائها على تلك الحال فما ترون فيما رأينا من ذلك وأجمعنا عليه
فلم يشر عليه أحد منهم فيه بمشورة ولم ينبس بكلمة فكرر كسرى هذا القول عليهم ثلاث مرات فقام رجل من عرضهم وقال لكسرى أتضع أيها الملك عمرك الله الخالد من هذا الخراج على الفاني من كرم يموت وزرع يهيج ونهر يغور وعين أو قناة ينقطع ماؤها فقال له كسرى يا ذا الكلفة المشؤوم
(1/450)
________________________________________
من أي طبقات الناس أنت قال أنا رجل من الكتاب فقال كسرى اضربوه بالدوي حتى يموت فضربه بها الكتاب خاصة تبرؤا منهم إلى كسرى من رأيه وما جاء منه حتى قتلوه وقال الناس نحن راضون أيها الملك بما أنت ملزمنا من خراج
وإن كسرى اختار رجالا من أهل الرأي والنصيحة فأمرهم بالنظر في أصناف ما ارتفع إليه من المساحة وعدة النخل والزيتون ورؤوس أهل الجزية ووضع الوضائع على ذلك بقدر ما يرون أن فيه صلاح رعيته ورفاغة معاشهم ورفعه إليه فتكلم كل امرئ منهم بمبلغ رأيه في ذلك من تلك الوضائع وأداروا الأمر بينهم فاجتمعت كلمتهم على وضع الخراج على ما يعصم الناس والبهائم وهو الحنطة والشعير والأرز والكرم والرطاب والنخل والزيتون وكان الذي وضعوا على كل جريب أرض من مزارع الحنطة والشعير درهما وعلى كل جريب أرض كرم ثمانية دراهم وعلى كل جريب أرض رطاب سبعة دراهم وعلى كل أربع نخلات فارسية درهما وعلى كل ست نخلات دقل مثل ذلك وعلى كل ستة أصول زيتون مثل ذلك ولم يضعوا إلا على كل نخل [ في ] حديقة أو مجتمع غير شاذ وتركوا ما سوى ذلك من الغلات السبع فقوي الناس في معاشهم وألزموا الناس الجزية ما خلا أهل البيوتات والعظماء والمقاتلة والهرابذة والكتاب ومن كان في خدمة الملك وصيروها على طبقات اثني عشر درهما وثمانية وستة وأربعة كقدر إكثار الرجل وإقلاله ولم يلزموا الجزية من كان أتي له من السن دون العشرين أو فوق الخمسين ورفعوا وضائعهم إلى كسرى فرضيها وأمر بإمضائها والاجتباء عليها في السنة في ثلاثة أنجم كل نجم أربعة أشهر وسماها أبراسيار وتأويله الأمر المتراضى وهي الوضائع التي اقتدى بها عمر بن الخطاب حين افتتح بلاد الفرس وأمر باجتباء أهل الذمة عليها إلا أنه وضع على كل جريب أرض غامر على قدر احتماله مثل الذي وضع على الأرض المزروعة وزاد على كل جريب أرض مزارع حنطة أو شعيرا قفيزا من حنطة إلى القفيزين ورزق منه الجند ولم يخالف عمر بالعراق خاصة وضائع كسرى على جربان الأرض وعلى النخل والزيتون والجماجم وألغى ما كان كسرى ألغاه من معايش الناس
وأمر كسرى فدونت وضائعه نسخا فاتخذت نسخة منها في ديوانه قبله ودفعت نسخة إلى عمال الخراج ليجتبوا خراجهم عليها ونسخة إلى قضاة الكور وأمر القضاة أن يحولوا بين عمال الكور والزيادة على أهل الخراج فوق ما في الديوان الذي دفعت إليه نسخته وأن يرفعوا الخراج عن كل من أصاب زرعه أو شيئا من غلاته آفة بقدر مبلغ تلك الآفة وعمن هلك من أهل الجزية أو جاوز خمسين سنة ويكتبوا إليه بما يرفعون من ذلك ليأمر بحسبه للعمال وألا يخلوا بين العمال وبين اجتباء من أتي له دون عشرين سنة
وكان كسرى ولى رجلا من الكتاب نابها بالنبل والمروءة والغناء والكفاية يقال له بابك بن البيروان ديوان المقاتلة فقال لكسرى إن أمري لا يتم إلا بإزاحة علتي في كل ما بي إليه الحاجة من صلاح أمر الملك في جنده فأعطاه ذلك فأمر بابك فبنيت له في الموضع الذي كان يعرض فيه الجند مصطبة وفرش له عليها بساط سوسنجرد ونمط صوف فوقه ووضعت له وسائد لتكأته ثم جلس على ما فرش له ثم نادى مناديه في شاهد عسكر كسرى من الجند أن يحضره الفرسان على كراعهم وأسلحتهم والرجالة عل ما يلزمهم من السلاح فاجتمع إليه الجند على ما أمرهم أن يحضروه عليه ولم يعاين كسرى فيهم فأمرهم بالانصراف ونادى مناديه في اليوم الثاني بمثل ذلك فاجتمع إليه الجند فلما لم ير كسرى فيهم أمرهم أن ينصرفوا ويغدوا إليه
(1/451)
________________________________________
وأمر مناديه أن ينادي في اليوم الثالث ألا يتخلف عنه من شاهد العسكر أحد ولا من أكرم بتاج وسرير فإنه عزم لا رخصة فيه ولا محاباة فبلغ ذلك كسرى فوضع تاجه على رأسه وتسلح بسلاح المقاتلة ثم أتى بابك ليعترض عليه وكان الذي يؤخذ به الفارس من الجند تجافيف ودرعا وجوشنا وساقين وسيفا ورمحا وترسا وجرزا تلزمه منطقة وطبرزينا أو عمودا وجعبة فيها قوسان بوتريهما وثلاثين نشابة ووترين مضفورين يعلقهما الفارس في مغفر له ظهريا
فاعترض كسرى على بابك بسلاح تام ما خلا الوترين اللذين كان يستظهر بهما فلم يجز بابك عن اسمه وقال له إنك أيها الملك واقف في موضع المعدلة التي لا محاباة تكون مني معها ولا هوادة فهلم كل ما يلزمك من صنوف الأسلحة فذكر كسرى قصة الوترين فتعلقهما ثم غرد داعي بابك بصوته وقال للكمي سيد الكماة أربعة آلاف درهم وأجاز بابك عن اسمه ثم انصرف وكان يفضل الملك في العطاء على أكثر المقاتلة عطاء بدرهم فلما قام بابك من مجلسه ذلك أتى كسرى فقال إن غلظتي في الأمر الذي أغلظت فيه عليك اليوم أيها الملك إنما هي لأن ينفذ لي عليه الأمر الذي وضعتني بسبيله وسبب من أوثق الأسباب لما يريد الملك إحكامه لمكاني فقال كسرى ما غلظ علينا أمر أريد به صلاح رعيتنا وأقيم عليه أود ذي الأود منهم
ثم إن كسرى وجه مع رجل من أهل اليمن يقال له سيفان بن معد يكرب ومن الناس من يقول إنه كان يسمى سيف بن ذي يزن جيشا إلى اليمن فقتلوا من بها من السودان واستولوا عليها فلما دانت لكسرى بلاد اليمن وجه إلى سرنديب من بلاد الهند وهي أرض الجوهر قائدا من قواده في جند كثيف فقاتل ملكها فقتله واستولى عليها وحمل إلى كسرى منها أموالا عظيمة وجوهرا كثيرا
ولم يكن ببلاد الفرس بنات آوى فتساقطت إليها من بلاد الترك في ملك كسرى أنوشروان فبلغ ذلك كسرى فبلغ ذلك منه مشقة فدعا بموبذان موبذ فقال إنه بلغنا تساقط هذه السباع إلى بلادنا وقد تعاظم الناس ذلك فتعجبنا من استعظامهم أمرها لهوانها فأخبرنا برأيك في ذلك
فقال له موبذان موبذ فإني سمعت أيها الملك عمرك الله فقهاءنا يقولون متى لا يغمر في بلدة العدل الجور ويمحق بلي أهلها بغزو أعدائهم لهم وتساقط إليهم ما يكرهون وقد تخوفت أن يكون تساقط هذه السباع إلى بلادك لما أعلمتك من هذا الخطب فلم يلبث كسرى أن تناهى إليه أن فتيانا من الترك قد غزوا أقصى بلاده فأمر وزراءه وأصحاب أعماله ألا يتعدوا فيما هم بسبيله العدل ولا يعملوا في شيء منه إلا به فصرف الله لما جرى من العدل ذلك العدو عن بلاده من غير أن يكون حاربهم أو كلف مؤونة في أمرهم
وكان لكسرى أولاد متأدبون فجعل الملك من بعده لهرمز ابنه الذي كانت أمه ابنة خاتون وخاقان لمعرفة كسرى إياه بالاقتصاد والأخذ بالوثيقة وما رجا بذلك من ضبط هرمز الملك وقدرته على تدبير الملك ورعيته ومعاملتهم
وكان مولد رسول الله صلى الله عليه و سلم في عهد كسرى أنوشروان عام قدم أبرهة الأشرم أبو يكسوم مع الحبشة إلى مكة وساق فيه إليها الفيل يريد هدم بيت الله الحرام وذلك لمضي اثنتين وأربعين سنة من ملك كسرى أنو شروان وفي هذا العام كان يوم جبلة وهو يوم من أيام العرب مذكور
(1/452)

بنالعياط
05-10-2012, 10:31 PM
________________________________________
ذكر مولد رسول الله صلى الله عليه و سلم
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا أبي قال سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن المطلب بن عبدالله بن قيس بن محرمة عن أبيه عن جده قال ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه و سلم عام الفيل
قال وسأل عثمان بن عفان قباث بن أشيم أخا بني عمرو بن ليث أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه و سلم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أكبر مني وأنا أقدم منه في الميلاد ورأيت خذق الفيل أخضر محيلا بعده بعام ورأيت أمية بن عبد شمس شيخا كبيرا يقوده عبده فقال ابنه يا قباث أنت أعلم وما تقول
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن المطلب بن عبدالله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده قيس بن مخرمة قال ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه و سلم عام الفيل فنحن لدان
وحدثت عن هشام بن محمد قال ولد عبدالله بن عبدالمطلب أبو رسول الله صلى الله عليه و سلم لأربع وعشرين مضت من سلطان كسرى أنو شروان وولد رسول الله صلى الله عليه و سلم في سنة اثنتين وأربعين من سلطانه
وحدثت عن يحيى بن معين قال حدثنا حجاج بن محمد قال حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ولد رسول الله صلى الله عليه و سلم عام الفيل
حدثت عن إبراهيم بن المنذر قال حدثنا عبدالعزيز بن أبي ثابت قال حدثنا الزبير بن موسى عن أبي الحويرث قال سمعت عبدالملك بن مروان يقول لقباث بن أشيم الكناني الليثي يا قباث أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه و سلم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أكبر مني وأنا أسن منه ولد رسول الله صلى الله عليه و سلم عام الفيل ووقفت بي أمي على روث الفيل محيلا أعقله
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق قال ولد رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم الاثنين عام الفيل لاثنتي عشرة مضت من شهر ربيع الأول وقيل إنه ولد صلى الله عليه و سلم في الدار التي تعرف بدار ابن يوسف وقيل إن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان وهبها لعقيل بن ابي طالب فلم تزل في يد عقيل حتى توفي فباعها ولده من محمد بن يوسف أخي الحجاج بن يوسف فبنى داره التي يقال لها دار ابن يوسف وأدخل ذلك البيت في الدار حتى أخرجته الخيزران فجعلته مسجدا يصلى فيه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال يزعمون فيما يتحدث الناس والله
(1/453)
________________________________________
أعلم أن آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه و سلم كانت تحدث أنها أتيت لما حملت برسول الله صلى الله عليه و سلم فقيل لها إنك قد حملت بسيد هذه الأمة فإذا وقع بالأرض فقولي أعيذه بالواحد من شر كل حاسد ثم سميه محمدا ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت منه قصور بصرى من أرض الشام فلما وضعته أرسلت إلى جده عبدالمطلب أنه قد ولد لك غلام فأته فانظر إليه فأتاه فنظر إليه وحدثته بما رأت حين حملت به وما قيل لها فيه وما أمرت أن تسميه
حدثني محمد بن سنان القزاز قال حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال حدثنا عبدالعزيز بن عمران قال حدثني عبدالله بن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم عن أبيه عن ابن أبي سويد الثقفي عن عثمان بن أبي العاص قال حدثتني أمي أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان ذلك ليل ولدته قالت فما شيء أنظر إليه من البيت إلا نور وإني لأنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول لتقعن علي
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال فيزعمون أن عبدالمطلب أخذه فدخل به على هبل في جوف الكعبة فقام عنده يدعو الله ويشكر ما أعطاه ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها والتمس له الرضعاء فاسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر يقال لها حليمة ابنة أبي ذؤيب وأبو ذئيب عبدالله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن فصية بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر واسم الذي أرضعه الحارث بن عبدالعزى بن رفاعة بن ملان بن ناصرة بن فصية بن سعد بن بكر بن هوزن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر واسم إخوته من الرضاعة عبدالله بن الحارث وأنيسة ابنة الحارث وخذامة ابنة الحارث وهي الشيماء غلب ذلك على اسمها فلا تعرف في قومها إلا به
وهي حليمة ابنة عبدالله بن الحارث أم رسول الله صلى الله عليه و سلم ويزعمون أن الشيماء كانت تحضنه مع أمها إذ كان عندهم صلى الله عليه و سلم
وأما غير ابن إسحاق فإنه قال في ذلك ما حدثني به الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثني موسى بن شيبة عن عميرة ابنة عبيدالله بن كعب بن مالك عن برة ابنة أبي تجزأة قالت أول من أرضع رسول الله صلى الله عليه و سلم ثويبة بلبن ابن لها يقال له مسروح أياما قبل أن تقدم حليمة وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبدالمطلب وارضعت بعده أبا سلمة بن عبدالأسد المخزومي
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق وحدثنا هناد بن السري قال حدثنا يونس بن بكير قال حدثنا ابن إسحاق وحدثني هارون بن إدريس الأصم قال حدثنا المحاربي عن ابن إسحاق وحدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال حدثني عمي محمد بن سعيد قال حدثنا محمد بن إسحاق عن الجهم بن أبي الجهم مولى عبدالله بن جعفر عن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب قال كانت حليمة ابنة أبي ذؤيب السعدية أم رسول الله صلى الله عليه و سلم التي أرضعته تحدث أنها خرجت من بلدها معها زوجها وابن لها ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر تلتمس الرضعاء قالت وذلك في سنة
(1/454)
________________________________________
شهباء لم تبق شيئا فخرجت على أتان لي قمراء معنا شارف لنا والله ما تبض بقطرة وما ننام ليلنا أجمع من حبينا الذي معي من بكائه من الجوع وما في ثديي ما يغنيه وما في شارفنا ما يغذوه ولكنا نرجو الغيث والفرج فخرجت على أتاني تلك فلقد أذمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه و سلم فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم وذلك أنا إنما نرجو المعروف من أبي الصبي فكنا نقول يتيم ما عسى أن تصنع أمه وجده فكنا نكرهه لذلك فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعا غيري فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي إني لأكره أن أرجع من بيت صواحباتي ولم آخذ رضيعا والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه قال لا عليك أن تفعلي فعسى الله أن يجعل لنا فيه بركة قالت فذهبت إليه فأخذته وما حملني على ذلك إلا أني لم أجد غيره قالت فلما أخذته رجعت به إلى رحلي فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن فشرب حتى روي وشرب معه أخوه حتى روي ثم ناما وما كان ينام قبل ذلك وقام زوجي إلى شارفنا تلك فنظر إليها فإذا إنها لحافل فحلب منها حتى شرب وشربت حتى انتهينا ريا وشبعا فبتنا بخير ليلة قالت يقول لي صاحبي حين أصبحت أتعلمين والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة قلت والله إني لأرجو ذلك قالت ثم خرجنا وركبت أتاني تلك وحملته عليها معي فوالله لقطعت بنا الركب ما يقدم عليها شيء من حمرهم حتى إن صواحبي ليقلن لي يا ابنة أبي ذؤيب اربعي علينا أليس هذه أتانك التي كنت خرجت عليها فأقول لهن بلى والله إنها لهي هي فيقلن والله إن لها لشأنا قالت ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا به معنا شباعا لبنا فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة ولا يجدها في ضرع حتى إن كان الحاضر من قومنا يقولون لرعيانهم ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي ابنة أبي ذؤيب فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن وتروح غنمي شباعا لبنا فلم نزل نتعرف من الله زيادة الخير به حتى مضت سنتان وفصلته وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا لما كنا نرى من بركته فكلمنا أمه وقلنا لها يا ظئر لو تركت بني عندي حتى يغلظ فإني أخشى عليه وباء مكة قالت فلم نزل بها حتى رددناه معنا قالت فرجعنا به فوالله إنه بعد مقدمنا به بأشهر مع أخيه في بهم لنا خلف بيوتنا إذا أتانا أخوه يشتد فقال لي ولأبيه ذاك أخي القرشي قد جاءه رجلان عليهما ثياب بياض فأضجعاه وشقا بطنه وهما يسوطانه قالت فخرجت أنا وأبوه نشتد فوجدناه قائما منتقعا وجهه قالت فالتزمته والتزمه أبوه وقلنا له مالك يا بني قال جاءني رجلان عليهما ثياب بياض فأضجعاني فشقا بطني فالتمسا فيه شيئا لا أدري ما هو قالت فرجعنا إلى خبائنا قالت وقال لي أبوه والله يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله قبل أن يظهر به ذلك قالت فاحتملناه فقدمنا به على أمه فقالت ما أقدمك به يا ظئر وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك قالت قلت قد بلغ الله بابني وقضيت الذي علي وتخوفت الأحداث عليه فأديته إليك كما تحبين قالت ما هذا بشأنك فاصدقيني خبرك قالت فلم تدعني حتى أخبرتها الخبر قالت فتخوفت عليه الشيطان قالت فقلت نعم قالت كلا والله ما للشيطان عليه سبيل وإن لبني لشأنا أفلا أخبرك خبره قالت قلت بلى قالت رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي قصور بصرى من أرض الشام ثم حملت به فوالله ما
(1/455)
________________________________________
رأيت من حمل قط كان أخف منه ولا أيسر منه ثم وقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء دعيه عنك وانطلقي راشدة
حدثنا نصر بن عبدالرحمن الأزدي قال حدثنا محمد بن يعلى عن عمر بن صبيح عن ثور بن يزيد الشأمي عن مكحول الشأمي عن شداد بن أوس قال بينا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ اقبل شيخ من بني عامر وهو مدرة قومه وسيدهم من شيخ كبير يتوكأ على عصا فمثل بين يدي النبي صلى الله عليه و سلم قائما ونسبه إلى جده فقال يا بن عبدالمطلب إني أنبئت أنك تزعم أنك رسول الله إلى الناس أرسلك بما أرسل به إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء ألا وإنك فوهت بعظيم وإنما كانت الأنبياء والخلفاء في بيتين من بني إسرائيل وأنت ممن يعبد هذه الحجارة والأوثان فما لك وللنبوة ولكن لكل قول حقيقة فأنبئني بحقيقة قولك وبدء شأنك قال فأعجب النبي صلى الله عليه و سلم بمسألته ثم قال يا أخا بني عامر إن لهذا الحديث الذي تسألني عنه نبأ ومجلسا فاجلس فثنى رجليه ثم برك كما يبرك البعير فاستقبله النبي صلى الله عليه و سلم بالحديث فقال يا أخا بني عامر إن حقيقة قولي وبدء شأني أني دعوة أبي إبراهيم وبشرى أخي عيسى ابن مريم وإني كنت بكر أمي وإنها حملت بي كأثقل ما تحمل وجعلت تشتكي إلى صواحبها ثقل ما تجد ثم إن أمي رأت في المنام أن الذي في بطنها نور قالت فجعلت أتبع بصري النور والنور يسبق بصري حتى أضاءت لي مشارق الأرض ومغاربها ثم إنها ولدتني فنشأت فلما أن نشأت بغضت إلي أوثان قريش وبغض إلي الشعر وكنت مسترضعا في بني ليث بن بكر فبينا أنا ذات يوم منتبذ من أهلي في بطن واد من أتراب لي من الصبيان نتقاذف بيننا بالجلة إذ أتانا رهط ثلاثة معهم طست من ذهب ملئ ثلجا فأخذوني من بين أصحابي فخرج أصحابي هرابا حتى انتهوا إلى شفير الوادي ثم أقبلوا على الرهط فقالوا ما أربكم إلى هذا الغلام فإنه ليس منا هذا ابن سيد قريش وهو مسترضع فينا من غلام يتيم ليس له أب فماذا يرد عليكم قتله وماذا تصيبون من ذلك ولكن إن كنتم لا بد قاتليه فاختاروا منا أينا شئتم فليأتكم مكانه فاقتلوه ودعوا هذا الغلام فإنه يتيم فلما رأى الصبيان القوم لا يحيرون إليهم جوابا انطلقوا هرابا مسرعين إلى الحي يؤذنونهم ويستصرخونهم على القوم فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعا لطيفا ثم شق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي وأنا أنظر إليه فلم أجد لذلك مسا ثم أخرج أحشاء بطني ثم غسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها ثم أعادها مكانها ثم قام الثاني منهم فقال لصاحبه تنح فنحاه عني ثم أدخل يده في جوفي فأخرج قلبي وأنا أنظر إليه فصدعه ثم أخرج منه مضغة سوداء فرمى بها ثم قال بيده يمنة منه كأنه يتناول شيئا فإذا أنا بخاتم في يده من نور يحار الناظرون دونه فختم به قلبي فامتلأ نورا وذلك نور النبوة والحكمة ثم أعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرا ثم قال الثالث لصاحبه تنح عني فأمر يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم ذلك الشق بإذن الله ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضا لطيفا ثم قال للأول الذي شق بطني زنه بعشرة من أمته فوزنوني بهم فرجحتهم ثم قال زنه بمائة من أمته فوزنوني بهم فرجحتهم ثم قال زنه بألف من أمته فوزنوني بهم فرجحتهم فقال دعوه فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم قال ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني ثم قالوا يا حبيب لم ترع إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك قال فبينا نحن كذلك إذ أنا بالحي قد جاءوا بحذافيرهم وإذا أمي وهي ظئري أمام الحي تهتف بأعلى صوتها
(1/456)
________________________________________
وتقول يا ضعيفاه قال فانكبوا علي فقبلوا رأسي وما بين عيني فقالوا حبذا أنت من ضعيف ثم قالت ظئري يا وحيداه فانكبوا علي فضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني ثم قالوا حبذا أنت من وحيد وما أنت بوحيد إن الله معك وملائكته والمؤمنين من أهل الأرض ثم قالت ظئري يا يتيماه استضعفت من بين أصحابك فقتلت لضعفك فانكبوا علي فضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني وقالوا حبذا أنت من يتيم ما أكرمك على الله لو تعلم ماذا يراد بك من الخير قال فوصلوا بي إلى شفير الوادي فلما بصرت بي أمي وهي ظئري قالت يا بني ألا أراك حيا بعد فجاءت حتى انكبت علي وضمتني إلى صدرها فوالذي نفسي بيده إني لفي حجرها وقد ضمتني إليها وإن يدي في يد بعضهم فجعلت ألتفت إليهم وظننت أن القوم يبصرونهم فإذا هم لا يبصرونهم يقول بعض القوم إن هذا الغلام قد أصابه لمم أو طائف من الجن فانطلقوا به إلى كاهننا حتى ينظر إليه ويداويه فقلت يا هذا ما بي شيء مما تذكر إن آرائي سليمة وفؤادي صحيح ليس بي قلبة فقال أبي وهو زوج ظئري ألا ترون كلامه كلام صحيح إني لأرجو ألا يكون بابني بأس فاتفقوا على أن يذهبوا بي إلى الكاهن فاحتملوني حتى ذهبوا بي إليه فلما قصوا عليه قصتي قال اسكتوا حتى أسمع من الغلام فإنه أعلم بأمره منكم فسألني فاقتصصت عليه أمري ما بين أوله وآخره فلما سمع قولي وثب إلي فضمني إلى صدره ثم نادى بأعلى صوته يا للعرب يا للعرب اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه فواللات والعزى لئن تركتموه وأدرك ليبدلن دينكم وليسفهن عقولكم وعقول آبائكم وليخالفن أمركم وليأتينكم بدين لم تسمعوا بمثله قط فعمدت ظئري فانتزعتني من حجرة وقالت لأنت أعته وأجن من ابني هذا فلو علمت أن هذا يكون من قولك ما أتيتك به فاطلب لنفسك من يقتلك فإنا غير قاتلي هذا الغلام ثم احتملوني فأدوني إلى أهلي فأصبحت مفزعا مما فعل بي وأصبح أثر الشق ما بين صدري إلى منتهى عانتي كأنه الشراك لذلك حقيقة قولي وبدء شأني يا أخا بني عامر
فقال العامري أشهد بالله الذي لا إله غيره أن أمرك حق فأنبئني بأشياء أسألك عنها قال سل عنك وكان النبي صلى الله عليه و سلم قبل ذلك يقول للسائل سل عما شئت وعما بدا لك فقال العامري يومئذ سل عنك لأنها لغة بني عامر فكلمه بما علم فقال له العامري أخبرني يابن عبدالمطلب ما يزيد في العلم قال التعلم قال فأخبرني ما يدل على العلم قال النبي صلى الله عليه و سلم السؤال قال فأخبرني ماذا يزيد في الشر قال التمادي قال فأخبرني هل ينفع البر بعد الفجور قال نعم التوبة تغسل الحوبة والحسنات يذهبن السيئات وإذا ذكر العبد ربه عند الرخاء أغاثه عند البلاء قال العامري وكيف ذلك يابن عبدالمطلب قال ذلك بأن الله يقول لا وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا أجمع له أبدا خوفين إن هو خافني في الدنيا أمنني يوم أجمع فيه عبادي عندي في حظيرة الفردوس فيدوم له أمنه ولا أمحقه فيمن أمحق وإن هو أمنني في الدنيا خافني يوم أجمع فيه عبادي لميقات يوم معلوم فيدوم له خوفه قال يابن عبدالمطلب أخبرني إلام تدعو قال أدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له وأن تخلع الأنداد وتكفر باللات والعزى وتقر بما جاء من الله من كتاب أو رسول وتصلي الصلوات الخمس بحقائقهن وتصوم شهرا من السنة وتؤدي زكاة مالك يطهرك الله بها ويطيب لك مالك وتحج البيت إذا وجدت إليه سبيلا وتغتسل من الجنابة وتؤمن بالموت وبالبعث بعد الموت وبالجنة والنار قال يا
(1/457)
________________________________________
بن عبدالمطلب فإذا فعلت ذلك فمالي قال النبي صلى الله عليه و سلم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى ( 1 ) قال يابن عبدالمطلب هل مع هذا من الدنيا شيء فإنه يعجبني الوطاءة من العيش قال النبي صلى الله عليه و سلم نعم النصر والتمكن في البلاد قال فأجاب وأناب
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان الكلاعي أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قالوا يا رسول الله أخبرنا عن نفسك قال نعم أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور بصرى من أرض الشام واسترضعت في بني سعد بن بكر فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجا فأخذاني فشقا بطني ثم استخرجا منه قلبي فشقاه فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها ثم غسلا بطني وقلبي بذلك الثلج حتى أنقياه ثم قال أحدهما لصاحبه زنه بعشرة من أمته فوزنني بهم فوزنتهم ثم قال زنه بمائة من أمته فوزنني بهم فوزنتهم ثم قال زنه بألف من أمته فوزنني بهم فوزنتهم ثم قال دعه عنك فلو وزنته بأمته لوزنها
قال ابن إسحاق هلك عبدالله بن عبدالمطلب أبو رسول الله صلى الله عليه و سلم وأم رسول الله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة حامل به
وأما هشام فإنه قال توفي عبدالله أبو رسول الله بعدما أتى على رسول الله صلى الله عليه و سلم ثمانية وعشرون شهرا
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال قال محمد بن عمر الواقدي الثبت عندنا مما ليس بين أصحابنا فيه اختلاف أن عبدالله بن عبدالمطلب أقبل من الشام في عير لقريش فنزل بالمدينة وهو مريض فأقام بها حتى توفي ودفن في دار النابغة في الدار الصغرى إذا دخلت الدار على يسارك في البيت
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري أن أم رسول الله صلى الله عليه و سلم آمنة توفيت ورسول الله صلى الله عليه و سلم ابن ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة كانت قدمت به المدينة على أخواله من بني عدي بن النجار تزيره إياهم فماتت وهي راجعة به إلى مكة
وقد حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني ابن جريج عن عثمان بن صفوان أن قبر آمنة بنت وهب في شعب أبي ذر بمكة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن العباس بن عبدالله بن معبد بن العباس عن بعض أهله أن عبدالمطلب توفي ورسول الله صلى الله عليه و سلم ابن ثماني سنين وكان بعضهم يقول توفي عبدالمطلب ورسول الله ابن عشر سنين
حدثنا ابن حميدن قال حدثنا سلمة قال حدثنا طلحة بن عمرو الحضرمي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه و سلم في حجر أبي طالب بعد جده عبدالمطلب فيصبح ولد عبدالمطلب غمصا رمصا ويصبح صلى الله عليه و سلم صقيلا دهينا
(1/458

بنالعياط
05-10-2012, 11:35 PM
رجع الحديث إلى تمام أمر كسرى بن قباذ أنو شروان
حدثنا علي بن حرب الموصلي قال حدثنا أبو أيوب يعلى بن عمران البجلي قال حدثني مخزوم بن هانئ المخزومي عن أبيه وأتت له خمسون ومائة سنة قال لما كانت ليلة ولد فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم ارتجس إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وغاضت بحيرة ساوة ورأى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا وقد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها فلما أصبح كسرى أفزعه ما رأى فصبر تشجعا ثم رأى ألا يكتم ذلك عن وزرائه ومرازبته فلبس تاجه وقعد على سريره وجمعهم إليه فلما اجتمعوا إليه أخبرهم بالذي بعث إليهم فيه ودعاهم فبينا هم كذلك إذ ورد عليه كتاب بخمود النار فازداد غما إلى غمه فقال الموبذان وأنا أصلح الله الملك قد رأيت في هذه الليلة وقص عليه الرؤيا في الإبل فقال أي شيء يكون هذا يا موبذان وكان أعلمهم عند نفسه بذلك فقال حادث يكون من عند العرب فكتب عند ذلك
من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر أما بعد فوجه إلي رجلا عالما بما أريد أن أسأله عنه
فوجه إليه عبدالمسيح بن عمرو بن حيان بن بقيلة الغساني فلما قدم عليه قال له أعندك علم بما أريد أن أسألك عنه قال ليخبرني الملك فإن كان عندي منه علم وإلا أخبرته بمن يعلمه له فأخبره بما رأى فقال علم ذلك عند خال لي يسكن مشارف الشأم يقال له سطيح قال فأته فاسأله عما سألتك وأتني بجوابه فركب عبدالمسيح راحلته حتى قدم على سطيح وقد أشفى على الموت فسلم عليه وحياه فيم يحر سطيح جوابا فأنشأ عبدالمسيح يقول ... أصم أم يسمع غطريف اليمن ... يا فاصل الخطة أعيت من ومن ... أم فاز فازلم به شأو العنن ... أتاك شيخ الحي من آل سنن ... وأمه من آل ذئب بن حجن ... أزرق ممهى الناب صرار الأذن ... أبيض فضفاض الرداء والبدن ... رسول قيل العجم يسري للوسن ... يجوب بي الأرض علنداة شزن ... ترفعني وجن وتهوي بي وجن ... لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن ... حتى أتى عاري الجآجي والقطن ... تلفه في الريح بوغاء الدمن ... كأنما حثحث من حضني ثكن ...
فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه وقال عبدالمسيح على جميل يسيح إلى سطيح وقدأوفى على الضريح بعثك ملك بني ساسان لارتجاس الإيوان وخمود النيران ورؤيا الموبذان رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها يا عبدالمسيح إذا كثرت التلاوة وبعث صاحب الهراوة وفاض وادي السماوة وغاضت بحيرة ساوة وخمدت نار فارس فليست الشأم لسطيح شأما يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات وكل ما هو آت آت ثم قضى سطيح مكانه فقام عبدالمسيح إلى رحله وهو يقول
(1/459)
________________________________________
شمر فإنك ماضي الهم شمير ... لا يفزعنك تفريق وتغيير ... إن يك ملك بني ساسان أفرطهم ... فإن ذا الدهر أطوار دهارير ... فربما ربما أضحوا بمنزلة ... تهاب صولهم الأسد المهاصير ... منهم أخو الصرح مهران وإخوته ... والهرمزان وسابور وسابور ... والناس أولاد علات فمن علموا ... أن قد أقل فمهجور ومحقور ... وهم بنو الأم لما أن رأو نشبا ... فذاك بالغيب محفوظ ومنصور ... والخير والشر مقرونان في قرن ... فالخير متبع والشر محذور ...
فلما قدم عبدالمسيح على كسرى أخبره بقول سطيح فقال إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا قد كانت أمور
فملك منهم عشرة أربع سنين وملك الباقون إلى ملك عثمان بن عفان
وحدثت عن هشام بن محمد قال بعث وهرز بأموال وطرف من طرف اليمن إلى كسرى فلما صارت ببلاد بني تميم دعا صعصعة بن ناجية بن عقال المجاشعي بني تميم إلى الوثوب عليه فأبوا ذلك فلما صارت في بلاد بني يربوع دعاهم إلى ذلك فهابوه فقال يا بني يربوع كأني بهذه العير قد مرت ببلاد بكر بن وائل فوثبوا عليها فاستعانوا بها على حربكم فلما سمعوا ذلك انتهبوها وأخذ رجل من بني سليط يقال له النطف خرجا فيه جوهر فكان يقال أصاب كنز النطف فصار مثلا وأخذ صعصعة خصفة فيها سبائك فضة وصار أصحاب العير إلى هوذة بن علي الحنفي باليمامة فكساهم وزودهم وحملهم وسار معهم حتى دخل على كسرى وكان لهوذة جمال وبيان فأعجب به كسرى وحفظ له ما كان منه ودعا بعقد من در فعقد على رأسه وكساه قباء ديباج مع كسوة كثيرة فمن ثم سمي هوذة ذا التاج وقال كسرى لهوذة أرايت هؤلاء القوم الذين صنعوا ما صنعوا من قومك هم قال لا قال أصلح هم لك قال بيننا الموت قال قد أدركت بعض حاجتك ونلت ثأرك وعزم على توجيه الخيل إلى بني تميم فقيل له إن بلادهم بلاد سوء إنما هي مفاوز وصحاري لا يهتدى لمسالكها وماؤهم من الآبار ولا يؤمن أن يعوروها فيهلك جندك وأشير إليه أن يكتب إلى عامله بالبحرين وهو آزاذ فروز بن جشنس الذي سمته العرب المكعبر وإنما سمي المكعبر لأنه كان يقطع الأيدي والأرجل وآلى ألا يدع من بني تميم عينا تطرف ففعل ووجه له رسولا ودعا بهوذة فجدد له كرامة وصلة وقال سر مع رسولي هذا فاشفني واشتف فأقبل هوذة والرسول معه حتى صار إلى المكعبر وذلك قريب من أيام اللقاط وكان بنو تميم يصيرون في ذلك الوقت إلى هجر للميرة واللقاط فنادى منادي المكعبر من كان ها هنا من بني تميم فليحضر فإن الملك قد أمر لهم بميرة وطعام يقسم فيهم فحضروا فأدخلهم المشقر وهو حصن حياله حصن يقال له الصفا وبينهما نهر يقال له محلم وكان الذي بنى المشقر رجلا من أساورة كسرى يقال له بسك بن ماهبوذ كان كسرى وجهه لبنائه فلما ابتدأه قيل له إن هؤلاء الفعلة لا يقيمون بهذا الموضع إلا أن تكون معهم نساء فإن فعلت ذلك بهم تم بناؤك وأقاموا عليه حتى يفرغوا منه فنقل إليهم الفواجر من ناحية السواد والأهواز وحملت إليهم روايا الخمر من أرض فارس في البحر فتناكحوا وتوالدوا فكانوا جل أهل مدينة هجر وتكلم القوم بالعربية وكانت دعوتهم إلى عبد القيس فلما جاء الإسلام قالوا لعبد القيس قد علمتم عددنا وعدتنا
(1/460)
________________________________________
وعظيم غنائنا فأدخلونا فيكم وزوجونا قالوا لا ولكن أقيموا على حالكم فأنتم إخواننا وموالينا فقال رجل من عبد القيس يا معاشر عبدالقيس أطيعوني وألحقوهم فإنه ليس عن مثل هؤلاء مرغب فقال رجل من القوم أما تستحي أتأمرنا أن ندخل فينا من قد عرفت أوله وأصله قال إنكم إن لم تفعلوا ألحقهم غيركم من العرب قال إذا لا نستوحش لهم فتفرق القوم في العرب وبقيت في عبد القيس منهم بقية فانتموا إليهم فلم يردوهم عن ذلك فلما أدخل المكعبر بني تميم المشقر قتل رجالهم واستبقى الغلمان وقتل يومئذ قعنب الرياحي وكان فارس بني يربوع قتله رجلان من شن كانا ينوبان الملوك وجعل الغلمان في السفن فعبر بهم إلى فارس فخصوا منهم بشرا قال هبيرة بن حدير العدوي رجع إلينا بعدما فتحت إصطخر عدة منهم أحدهم خصي والآخر خياط وشد رجل من بني تميم يقال له عبيد بن وهب على سلسلة الباب فقطعها وخرج فقال ... تذكرت هندا لات حين تذكر ... تذكرتها ودونها سير أشهر ... حجازية علوية حل أهلها ... مصاب الخريف بين زور ومنور ... ألا هل أتى قومي على النأي أنني ... حييت ذماري يوم باب المشقر ... ضربت رتاج الباب بالسيف ضربة ... تفرج منها كل باب مضبر ...
وكلم هوذة بن علي المكعبر يومئذ في مائة من أسرى بني تميم فوهبهم له يوم الفصح فأعتقهم ففي ذلك يقول الأعشى ... سائل تميما به أيام صفقتهم ... لما أتوه اسارى كلهم ضرعا ... وسط المشقر في غبراء مظلمة ... لا يستطيعون بعد الضر منتفعا ... فقال للملك أطلق منهم مائة ... رسلا من القول مخفوضا وما رفعا ... ففك عن مائة منهم إسارهم ... وأصبحوا كلهم من غله خلعا ... بهم تقرب يوم الفصح ضاحية ... يرجو الإله بما أسدى وما صنعا ... فلا يرون بذاكم نعمة سبقت ... إن قال قائلها حقا بها وسعا ...
يصف بني تميم بالكفر لنعمته
قال فلما حضرت وهرز الوفاة وذلك في آخر ملك أنو شروان دعا بقوسه ونشابته ثم قال أجلسوني فأجلسوه فرمى وقال انظروا حيث وقعت نشابتي فاجعلوا ناؤوسي هناك فوقعت نشابته من وراء الدير وهي الكنيسة التي عند نعم وهي تسمى اليوم مقبرة وهرز فلما بلغ كسرى موت وهرز بعث إلى اليمن أسوارا يقال له وين وكان جبارا مسرفا فعزله هرمز بن كسرى واستعمل مكانه المروزان فأقام باليمن حتى ولد له بها وبلغ ولده ثم هلك كسرى أنو شروان وكان ملكه ثمانيا وأربعين سنة
ثم ملك هرمز بن كسرى أنوشروان وكانت أمه ابنة خاقان الأكبر فحدثت عن هشام بن محمد قال كان هرمز بن كسرى هذا كثير الأدب ذانية في الإحسان إلى الضعفاء والمساكين والحمل على الأشراف فعادوه وأبغضوه وكان في نفسه عليهم مثل ذلك ولما عقد التاج على رأسه اجتمع إليه أشراف أهل مملكته واجتهدوا في الدعاء له والشكر لوالده فوعدهم خيرا وكان متحريا للسيرة في رعيته
(1/461)
________________________________________
بالعدل شديدا على العظماء لاستطالتهم كانت على الوضعاء وبلغ من عدله أنه كان يسير إلى ماه ليصيف فأمر فنودي في مسيره ذلك في جنده وسائر من كان في عسكره أن يتحاموا مواضع الحروث ولا يضروا بأحد من الدهاقين فيها ويضبطوا دوابهم عن الفساد فيها ووكل بتعاهد ما يكون في عسكره من ذلك ومعاقبة من تعدى أمره
وكان ابنه كسرى في عسكره فعار مركب من مراكبه ووقع في محرثة من المحارث التي كانت على طريقه فرتع فيها وأفسد منها فأخذ ذلك المركب ودفع إلى الرجل الذي وكل هرمز بمعاقبة من أفسد أو دابته شيئا من المحارث وتغريمه فلم يقدر الرجل على إنفاد أمر هرمز في كسرى ولا في احد ممن كان معه في حشمه فرفع ما رأى من إفساد ذلك المركب إلى هرمز فأمر أن يجدع أذنيه ويتبر ذنبه ويغرم كسرى فخرج الرجل من عند هرمز لينفذ أمره في كسرى ومركبه ذلك فدس له كسرى رهطا من العظماء ليسألوه التغبيب في أمره فلقوه وكلموه في ذلك فلم يجب إليه فسألوه أن يؤخر ما أمر به هرمز في المركب حتى يكلموه فيأمر بالكف عنه ففعل فلقي أولئك الرهط هرمز وأعلموه أن بالمركب الذي أفسد ما أفسد زعارة وأنه عار فوقع في محرثة فأخذ من ساعة وقع فيها وسألوه أن يأمر بالكف عن جدعة وتبتيره لما فيها من سوء الطيرة على كسرى فلم يجبهم إلى ما سألوا من ذلك وأمر بالمركب فجده أذناه وبتر ذنبه وغرم كسرى مثل ما كان يغرم غيره في هذا الحد ثم ارتحل من معسكره وكان هرمز ركب ذات يوم في أوان إيناع الكرم إلى ساباط المدائن وكان ممره على بساتين وكروم وإن رجلا ممن ركب معه من أساورته اطلع في كرم فرأى فيه حصرما فأصاب منه عناقيد ودفعها إلى غلام كان معه وقال له اذهب بها إلى المنزل واطبخها بلحم واتخذ منها مرقة فإنها نافعة في هذا الإبان فأتاه حافظ ذلك الكرم فلزمه وصرخ فبلغ [ من ] إشفاق الرجل من عقوبة هرمز على تناوله من ذلك الكرم أن دفع إلى حافظ الكرم منطقة محلاة بذهب كانت عليه عوضا له من الحصرم الذي رزأ من كرمه وافتدى نفسه بها ورأى أن قبض الحافظ إياها منه وتخليته عنه منة من بها عليه ومعروف أسداه إليه وقيل إن هرمز كان مظفرا منصورا لا يمد يده إلى شيء إلا ناله وكان مع ذلك أديبا أريبا داهيا رديء النية قد نزعه أخواله الأتراك وكان مقصيا للأشراف وإنه قتل من العلماء وأهل البيوتات والشرف ثلاثة عشر ألف رجل وستمائة رجل وإنه لم يكن له رأي إلا في تألف السفلة واستصلاحهم وإنه حبس ناسا كثيرا من العظماء وأسقطهم وحط مراتبهم ودرجاتهم وجهز الجنود وقصر بالأساورة ففسد عليه كثير ممن كان حوله لما أراد الله من تغيير أمرهم وتحويل ملكهم ولكل شيء سبب وإن الهرابذة رفعوا إليه قصة يبغون فيها على النصارى فوقع فيها إنه كما لا قوام لسرير ملكنا بقائمتيه المقدمتين دون قائمتيه المؤخرتين فكذلك لا قوام لملكنا ولا ثبات له مع استفسادنا من بلادنا من النصارى وأهل سائر الملل المخالفة لنا فأقصروا عن البغي على النصارى وواظبوا على أعمال البر ليرى ذلك النصارى وغيرهم من أهل الملل [ والأديان ] فيحمدوكم عليهم وتتوق أنفسكم إلى ملتكم
وحدثت عن هشام بن محمد قال خرج على هرمز الترك وقال غيره أقبل عليه شابة ملك الترك الأعظم في ثلاثمائة ألف مقاتل في سنة إحدى عشرة من ملكه حتى صار إلى باذغيس وهراة وإن ملك الروم صار إلى الضواحي في ثمانين ألف مقاتل قاصدا له وإن ملك الخزر صار في جمع عظيم إلى الباب والأبواب فعاث وأخرب وإن رجلين من العرب يقال لأحدهما عباس الأحول والآخر عمرو
(1/462)
________________________________________
الأزرق نزلا في جمع عظيم من العرب بشاطيء الفرات وشنوا الغارة على أهل السواد واجترأ أعداؤه عليه وغزوا بلاده وبلغ من اكتنافهم إياها أنها سميت منخلا كثير السمام وقيل قد اكتنف بلاد الفرس الأعداء من كل وجه كاكتناف الوتر سيتي القوس وأرسل شابة ملك الترك إلى هرمز وعظماء الفرس يؤذنهم بإقباله في جنوده ويقول رموا قناطر أنهار وأودية اجتاز عليها إلى بلادكم واعقدوا القناطر على كل نهر من تلك الأنهار لا قنطرة له وافعلوا ذلك في الأنهار والأودية التي عليها مسلكي من بلادكم إلى بلاد الروم لإجماعي بالمسير إليها من بلادكم فاستفظع هرمز ما ورد عليه من ذلك وشاور فيه فأجمع له على القصد لملك الترك فوجه إليه رجلا من أهل الري يقال له بهرام بن بهرام جشنس ويعرف بجوبين في اثني عشر ألف رجل اختاره بهرام على عينيه من الكهول دون الشباب ويقال إن هرمز عرض ذلك الوقت من كان بحضرته من الديوانية فكات عدتهم سبعين ألف مقاتل فمضى بهرام بمن ضم إليه مغذا حتى جاز هراة وباذغيس ولم يشعر شابة ببهرام حتى نزل بالقرب منه معسكرا فجرت بينهما رسائل وحروب وقتل بهرام شابة برمية رماه إياها وقيل إن الرمي في ملك العجم كان لثلاثة نفر منها رمية أرششياطين بين منوشهر وأفراسياب ومنها رمية سوخرا في الترك ومنها رمية بهرام هذه واستباح عسكره وأقام بموضعه فوافاه برموذة بن شابة وكان يعدل بأبيه فحاربه فهزمه وحصره في بعض الحصون ثم ألح عليه حتى استسلم له فوجهه إلى هرمز أسيرا وغنم مما كان في الحصن [ وكانت ] كنوزا عظيمة
ويقال إنه حمل إلى هرمز من الأموال والجوهر والآنية والسلاح وسائر الأمتعة مما غنمه وقر مائتي ألف وخمسين ألف بعير فشكر هرمز لبهرام ما كان منه بسبب الغنائم التي صارت إليه وخاف بهرام سطوة هرمز وخاف مثل ذلك من كان معه من الجنود فخلعوا هرمز وأقبلوا نحو المدائن وأظهروا الامتعاض مما كان من هرمز وأن ابنه أبرويز أصلح للملك منه وساعدهم على ذلك بعض من كان بحضرة هرمز فهرب أبرويز بهذا السبب إلى آذربيجان خوفا من هرمز فاجتمع إليه هناك عدة من المرازبة والإصبهبذين فأعطوه بيعتهم ووثب العظماء والأشراف بالمدائن وفيهم بندي وبسطام خالا أبرويز فخلعوا هرمز وسملوا عينيه وتركوه تحرجا من قتله
وبلغ الخبر أبرويز فأقبل بمن شايعه من آذربيجان إلى دار الملك مسابقا لبهرام فلما صار إليها استولى على الملك وتحرز من بهرام والتقى هو وهو على شاطئ النهروان فجرت بينهما مناظرة وموافقة ودعا أبرويز بهرام إلى أن يؤمنه ويرفع مرتبته ويسني ولايته فلم يقبل ذلك وجرت بينهما حروب اضطرت أبرويز إلى الهرب إلى الروم مستغيثا بملكها بعد حرب شديدة وبيات كان من بعضهم لبعض وقيل إنه كان مع بهرام جماعة من الأشداء وكان فيهم ثلاثة نفر من وجوه الأتراك لا يعدل بهم في فروسيتهم وشدتهم من الأتراك أحد قد جعلوا لبهرام قتل أبرويز فلما كان الغد من ليلة البيات وقف أبرويز ودعا الناس إلى حرب بهرام فتثاقلوا عليه قصده النفر الثلثة من الأتراك فخرج إليهم أبرويز فقتلهم بيده واحدا واحدا ثم انصرف من المعركة وقد أحس من أصحابه بالفتور والتغير فصار إلى أبيه بطيسبون حتى دخل عليه وأعلمه ما قد تبينه من أصحابه وشاوره فأشار عليه بالمصير إلى موريق ملك الروم ليستنجده فأحرز حرمه في موضع أمن عليهم بهرام ومضى في عدة يسيرة منهم بندي وبسطام وكردي أخو بهرام جوبين حتى صار إلى أنطاكية وكاتب موريق فقبله وزوجه ابنة له كانت عزيزة عليه يقال لها مريم وكان جميع مدة ملك هرمز بن كسرى في
(1/463)
________________________________________
قول بعضهم إحدى عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرة ايام وأما هشام بن محمد فإنه قال كان ملكه اثنتي عشرة سنة
ثم ملك كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى أنو شروان وكان من أشد ملوكهم بطشا وأنفذهم رأيا وأبعدهم غورا وبلغ فيما ذكر من البأس والنجدة والنصر والظفر وجمع الأموال والكنوز ومساعدة القدر ومساعفة الدهر إياه لم يتهيأ لملك أكثر منه ولذلك سمي أبرويز وتفسيره بالعربية المظفر وذكر أنه لما استوحش من أبيه هرمز لما كان من احتيال بهرام جوبين في ذلك حتى أوهم هرمز أنه على أن يقوم بالملك لنفسه دونه سار إلى آذربيجان مكتتما ثم أظهر أمره بعد ذلك فلما صار في الناحية اجتمعت إليه جماعة ممن كان هناك من الإصبهبذين وغيرهم فأعطوه بيعتهم على نصرته فلم يحدث في الأمر شيئا وقيل إنه لما قتل آذينجشنس الموجه لمحاربة بهرام جوبين انفض الجمع الذي كان معه حتى وافوا المدائن واتبعهم جوبين فاضطرب أمر هرمز وكتبت أخت آذينجشنس إلى أبرويز وكانت تربه تخبره بضعف هرمز للحادث في آذنيجشنس وأن العظماء قد أجمعوا على خلعه وأعلمته أن جوبين إن سبقه إلى المدائن قبل موافاته احتوى عليها
فلما ورد الكتاب على أبرويز جمع من أمكنه من أرمينية وآذربيجان وصار بهم إلى المدائن واجتمع إليه الوجوه والأشراف مسرورين بموافاته فتتوج بتاج الملك وجلس على سريره وقال إن من ملتنا إيثار البر ومن رأينا العمل بالخير وإن جدنا كسرى بن قباذ كان لكم بمنزلة الوالد وإن هرمز أبانا كان لكم قاضيا عادلا فعليكم بلزوم السمع والطاعة فلما كان في اليوم الثالث أتى أباه فسجد له وقال عمرك الله أيها الملك إنك تعلم أني بريء مما أتى إليك المنافقون وأني إنما تواريت ولحقت بآذربيجان خوفا من إقدامك على القتل فصدقه هرمز وقال له إن لي إليك يا بني حاجتين فأسعفني بهما إحداهما أن تنتقم لي ممن عاون على خلعي والسمل لعيني ولا تأخذك فيهم رأفة والأخرى أن تؤنسني كل يوم بثلاثة نفر لهم أصالة رأي وتأذن لهم في الدخول علي فتواضع له أبرويز وقال عمرك الله أيها الملك إن المارق بهرام قد أظلنا ومعه الشجاعة والنجدة ولسنا نقدر أن نمد يدا إلى من آتى إليك ما آتى فإن أدالني الله على المنافق فأنا خليفتك وطوع يدك
وبلغ بهرام قدوم كسرى وتمليك الناس إياه فأقبل بجنده حثيثا نحو المدائن وأذكى أبرويز العيون عليه فلما قرب منه رأى أبرويز أن الترفق به أصلح فتسلح وأمر بندويه وبسطام وناسا كان يثق بهم من العظماء وألف رجل من جنده فتزينوا وتسلحوا وخرج بهم أبرويز من قصره نحو بهرام والناس يدعون له وقد احتوشه بندويه وبسطام وغيرهما من الوجوه حتى وقف على شاطئ النهروان فلما عرف بهرام مكانه ركب برذونا له أبلق كان معجبا به وأقبل حاسرا ومعه إيزدجشنس وثلاثة نفر من قرابة ملك الترك كانوا جعلوا لبهرام على أنفسهم أن يأتوه بأبرويز أسيرا وأعطاهم بهرام على ذلك أموالا عظيمة ولما رأى بهرام بزة كسرى وزينته والتاج يسايره معه درفش كابيان علمهم الأعظم منشورا وأبصر بندويه وبسطام وسائر العظماء وحسن تسلحهم وفراهة دوابهم اكتأب لذلك وقال لمن معه ألا ترون ابن الفاعلة قد ألحم وأشحم وتحول من الحداثة إلى الحنكة واستوت لحيته وكمل شبابه وعظم بدنه فبينا هو يتكلم بهذا وقد وقف على شاطئ النهروان إذ قال كسرى لبعض من كان واقفا أي هؤلاء بهرام فقال أخ لبهرام يسمى
(1/464)
________________________________________
كردي لم يزل مطيعا لأبرويز مؤثرا له عمرك الله صاحب البرذون الأبلق فبدأ كسرى فقال إنك يا بهرام ركن لمملكتنا وسناد لرعيتنا وقد حسن بلاؤك عندنا وقد رأينا أن نختار لك يوما صالحا لنوليك فيه إصبهبذة بلاد الفرس جميعا فقال له بهرام وازداد من كسرى قربا لكني أختار لك يوما أصلبك فيه فامتلأ كسرى حزنا من غير أن يبدو في وجهه من ذلك شيء وامتد بينهما الكلام فقال بهرام لأبرويز يابن الزانية المربى في خيام الأكراد هذا ومثله ولم يقبل شيئا مما عرضه عليه وجرى ذكر إيرش جد بهرام فقرعه أبرويز بطاعة إيرش كات لمنوشهر جده وتفرقا وكل واحد منهما على غاية الوحشة لصاحبه
وكانت لبهرام أخت يقال لها كردية من أتم النساء وأكملهن وكان تزوجها فعاتبت بهرام على سوء ملافظته كانت لكسرى وأرادته على الدخول في طاعته فلم يقبل ذلك وكانت بين كسرى وبهرام مبايتة فيقال إنه لما كان من غد الليلة التي كان البيات فيها أبرز كسرى نفسه فلما رآه الأتراك الثلاثة قصدوه فقتلهم بيده أبرويز وحرض الناس على القتال فتبين فشلا فأجمع أبرويز على إتيان بعض الملوك للاستجاشة به فصار إلى أبيه وشاوره فرأى له المصير إلى ملك الروم فأحرز نساءه وشخص في عدة يسيرة فيهم بندويه وبسطام وكردي أخو بهرام فلما خرجوا من المدائن خاف القوم من بهرام أن يرد هرمز إلى الملك ويكتب إلى ملك الروم عنه في ردهم فيتلفوا فأعلموا أبرويز ذلك واستأذنوه في إتلاف هرمز فلم يحر جوابا فانصرف بندويه وبسطام وبعض من كان معهم إلى هرمز حتى أتلفوه خنقا ثم رجعوا إلى كسرى وقالوا سر على خير طائر فحثوا دوابهم وصاروا إلى الفرات فقطعوه وأخذوا طريق المفازة بدلالة رجل يقال له خرشيذان وصاروا إلى بعض الديارات التي في أطراف العمارة فلما أوطنوا إلى الراحة غشيتهم خيل بهرام يرأسها رجل يقال له بهرام بن سياوش فلما نذروا بهم أنبه بندويه أبرويز من نومه وقال له احتل لنفسك فإن القوم قد أطلوك قال كسرى ما عندي حيلة فأعمله بندويه أنه يبذل نفسه دونه وسأله أن يدفع إليه بزته ويخرج ومن معه من الدير ففعلوا ذلك وبادروا القوم حتى تواروا بالجبل فلما وافى بهرام بن سياوش اطلع عليه من فوق الدير بندويه وعليه بزة أبرويز فوهمه بذلك أنه أبرويز وسأله أن ينظره إلى غده ليصير في يده سلما فأمسك عنه ثم ظهر بعد ذلك على حيلته فانصرف به إلى جوبين فحبسه في يدي بهرام بن سياوش
ويقال إن بهرام دخل دور الملك بالمدائن وقعد على سريره واجتمع إليه الوجوه والعظماء فخطبهم ووقع في أبرويز وذمه ودار بينه وبين الوجوه مناظرات وكلام كان كلهم منصرفا عنه إلا أن بهرام جلس على سرير الملك وتتوج وانقاد له الناس خوفا ويقال إن بهرام بن سياوش واطأ بندويه على الفتك بجوبين وإن جوبين ظهر على ذلك فقتله وأفلت بندويه فلحق بآذربيجان وسار أبرويز حتى أتى أنطاكية وكاتب موريق ملك الروم منها وأرسل إليه بجماعة ممن كان معه وسأله نصرته فأجابه إلى ذلك وقادته الأمور إلى أن زوجه مريم ابنته وحملها إليه وبعث إليه بثياذوس أخيه ومعه ستون ألف مقاتل عليهم رجل يقال له سرجس يتولى تدبير أمرهم ورجل آخر كانت قوته تعدل بقوة ألف رجل واشترط عليه حياطته وألا يسأله الإتاوة التي كان آباؤه يسألونها ملوك الروم فلما ورد القوم على أبرويز اغتبط وأراحهم بعد موافاتهم خمسة أيام ثم عرضهم وعرف عليهم العرفاء وفي القوم ثياذوس وسرجس والكمي الذي يعدل بألف رجل وسار بهم حتى صار إلى آذربيجان ونزل صحراء تدعى الدنق فوافاه هناك بندويه ورجل من
(1/465)
________________________________________
أصبهبذي الناحية يقال له موسيل في أربعين ألف مقاتل وانقض الناس من فارس وأصبهان وخراسان إل أبرويز وانتهى إلى بهرام مكانه بصحراء الدنق فشخص نحوه من المدائن فجرت بينهما حرب شديدة قتل فيها الكمي الرومي ويقال إن أبرويز حارب بهرام منفردا من العسكر بأربعة عشر رجلا منهم كردي أخو بهرام وبندويه وبسطام وسابور بن أفريان بن فرخزاذ وفرخهرمز حربا شديدة وصل فيها بعضهم إلى بعض والمجوس تزعم أن أبرويز صار إلى مضيق واتبعه بهرام فلما ظن أنه قد تمكن منه رفعه إلى الجبل شيء لا يوقف عليه
وذكر أن المنجمين أجمعت أن أبرويز يملك ثمانيا وأربعين سنة وقد كان أبرويز بارز بهرام فاختطف رمحه من يده وضرب به رأسه حتى تقصف فاضطرب على بهرام أمره ووجل وعلم أنه لا حيلة له في أبرويز فانحاز نحو خراسان ثم صار إلى الترك وصار أبرويز إلى المدائن بعد أن فرق في جنود الروم عشرين ألف ألف وصرفهم إلى موريق ويقال إن أبرويز كتب للنصارى كتابا أطلق لهم فيه عمارة بيعهم وأن يدخل في ملتهم من أحب الدخول فيها من غير المجوس واحتج في ذلك أن أنوشروان كان هادن قيصر في الإتاوة التي أخذها منه على استصلاح من في بلده من أهل بلده واتخاذ بيوت النيران هنالك وإن قيصر اشترط مثل ذلك في النصارى ولبث بهرام في الترك مكرما عند الملك حتى احتال له أبرويز بتوجيه رجل يقال له هرمز وجهه إلى الترك بجوهر نفيس وغيره حتى احتال لخاتون امرأة الملك ولا طعلها بذلك الجوهر وغيره حتى دست لبهرام من قتله فيقال إن خاقان اغتم لقتله وأرسل إلى كردية أخته وامرأته يعلمها بلوغ الحادث ببهرام منه ويسألها أن تزوج نفسها نطرا أخاه وطلق خاتون بهذا السبب فيقال إن كردية أجابت خاقان جوابا لينا وصرفت نطرا وإنها ضمت إليها من كان مع أخيها من المقاتلة وخرجت بهم من بلاد الترك إلى حدود مملكة فارس وإن نطرا التركي اتبعها في اثني عشر ألف مقاتل وإن كردية قتلت نطرا بيدها ومضت لوجهها وكتبت إلى أخيها كردي فأخذ لها أمانا من أبرويز فلما قدمت عليه تزوجها برويز واغتبط بها وشكر لها ما كان من عتابها لبهرام وأقبل أبرويز على بر موريق وإلطافه وإن الروم خلعوا بعد أن ملك كسرى أربع عشرة سنة موريق وقتلوه وأبادوا ورثته خلا ابن له هرب إلى كسرى وملكوا عليهم رجلا يقال له قوفا
فلما بلغ كسرى نكث الروم عهد موريق وقتلهم إياه امتعض من ذلك وأنف منه وأخذته الحفيظة فآوى ابن موريق اللاجيء إليه وتوجه وملكه على الروم ووجه معه ثلاثة نفر من قواده في جنود كثيفة أما أحدهم فكان يقال له رميوزان وجهه إلى بلاد الشام فدوخها حتى انتهى إلى أرض فلسطين وورد مدينة بيت المقدس فأخذ أسقفها ومن كان فيها من القسيسين وسائر النصارى بخشبة الصليب وكانت وضعت في تابوت من ذهب وطمر في بستان وزرع فوقه مبقلة وألح عليهم حتى دلوه على موضعها فاحتفر عنها بيده واستخرجها وبعث بها إلى كسرى في أربع وعشرين من ملكه
وأما القائد الآخر وكان يقال له شاهين وكان فاذوسبان المغرب فإنه سار حتى احتوى على مصر والاسكندرية وبلاد نوبة وبعث إلى كسرى بمفاتيح مدينة إسكندرية في سنة ثمان وعشرين من ملكه وأما القائد الثالث فكان يقال له فرهان وتدعى مرتبته شهربراز وإنه قصد القسطنطينية حتى أناخ على ضفة الخليج القريب منها وخيم هنالك فأمره كسرى فخرب بلاد الروم غضبا مما انتهكوا من موريق وانتقاما له منهم ولم يخضع لابن موريق من الروم أحد ولم يمنحه الطاعة غير أنهم قتلوا قوفا الملك الذي كانوا ملكوه عليهم
(1/466)
________________________________________
لما ظهر لهم من فجوره وجرأته على الله وسوء تدبيره وملكوا عيهم رجلا يقال له هرقل
فلما رأى هرقل عظيم ما فيه بلادالروم من تخريب جنود فارس إياها وقتلها مقاتلتهم وسبيهم ذراريهم واستباحتهم أموالهم وانتهاكهم ما بحضرتهم بكى إلى الله وتضرع إليه وسأله أن ينقذه وأهل مملكته من جنود فارس فرأى في منامه رجلا ضخم الجثة رفيع المجلس عليه بزة قائما في ناحية عنه فدخل عليهما داخل فألقى ذلك الرجل عن مجلسه وقال لهرقل إني قد أسلمته في يدك فلم يقصص رؤياه تلك في يقظته على أحد ورأى الليلة الثانية في منامه أن الرجل الذي رآه في حلمه جالس في مجلس رفيع وأن الرجل الداخل عليهما أتاه وبيده سلسلة طويلة فألقاها في عنق صاحب المجلس وأمكنه منه وقال له هأنذا قد دفعت إليك كسرى برمته فاغزه فإن الظفر لك وإنك مدال عليه ونائل أمنيتك في غزاتك فلما تتابعت عليه هذه الأحلام قصها على عظماء الروم وذوي الرأي منهم
فأخبروه أنه مدال عليه وأشاروا عليه أن يغزوه فاستعد هرقل واستخلف ابنا له على مدينة قسطنطينية وأخذ غير الطريق الذي فيه شهربراز وسار حتى أوغل في بلاد أرمينية ونزل نصيبين بعد سنة وكان شاهين فاذوسبان المغرب بباب كسرى حين ورد هرقل نصيبين لموجدة كانت من كسرى عليه وعزله إياه عن ذلك الثغر وكان شهربراز مرابطا للموضع الذي كان فيه لتقدم كسرى كان إليه في الجثوم فيه وترك البراح منه فبلغ كسرى خبر تساقط هرقل في جنوده إلى نصيبين فوجه لمحاربة هرقل رجلا من قواده يقال له راهزار في اثني عشر الف مقاتل وأمره أن يقيم بنينوى من مدينة الموصل على شاطئ دجلة ويمنع الروم أن يجوزوها وكان كسرى حين بلغه خبر هرقل مقيم بدسكرة الملك فنفذ راهزار لأمر كسرى وعسكر حيث أمره فقطع هرقل دجلة في موضع آخر إلى الناحية التي كان فيها جند فارس فأذكى راهزار العيون عليه فانصرفوا إليه وأخبروه أنه في سبعين ألف مقاتل وأيقن راهزار أنه ومن معه من الجنود عاجزون عن مناهضة سبعين ألف مقاتل فكتب إلى كسرى غير مرة دهم هرقل إياه بمن لا طاقة له ولمن معه بهم لكثرتهم وحسن عدتهم كل ذلك يجيبه كسرى في كتابه أنه إن عجز عن أولئك الروم فلن يعجز عن استقتالهم وبذل دمائهم في طاعته فلما تتابعت على راهزار جوابات كتبه إلى كسرى بذلك عبى جنده وناهض الروم فقتلت الروم راهزار وستة آلاف رجل وانهزم بقيتهم وهربوا على وجوههم وبلغ كسرى قتل الروم راهزار وما نال هرقل من الظفر فهده ذلك وانحاز من دسكرة الملك إلى المدائن وتحصن فيها لعجزه كان عن محاربة هرقل
وسار هرقل حتى كان قريبا من المدائن فلما تساقط إلى كسرى خبره واستعد لقتاله انصرف إلى أرض الروم وكتب كسرى إلى قواد الجند الذين انهزموا يأمرهم أن يدلوه على كل رجل منهم ومن أصحابهم ممن فشل في تلك الحرب ولم يرابط مركزه فيها فيأمر أن يعاقب بقدر ما استوجب فأحرجهم بهذا الكتاب إلى الخلاف عليه وطلب الحيل لنجاة أنفسهم منه وكتب إلى شهربراز يأمره بالقدوم عليه ويستعجله في ذلك ويصف ما كان من أمر الروم في عمله
وقد قيل إن قول الله آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون ( 1 ) إنما نزل في أمر أبرويز ملك
(1/467)
________________________________________
فارس وملك الروم هرقل وما كان بينهما مما قد ذكرت من هذه الأخبار
ذكر من قال ذلك
حدثني القاسم بن الحسن قال حدثني الحسين قال حدثني حجاج عن أبي بكر بن عبدالله عن عكرمة أن الروم وفارس اقتتلوا في أدنى الأرض قال وأدنى الأرض يومئذ أذرعات بها التقوا فهزمت الروم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه وهم بمكة فشق ذلك عليهم وكان النبي صلى الله عليه و سلم يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم وفرح الكفار بمكة وشمتوا فلقوا أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب ونحن أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم فأنزل الله آلم غلبت الروم إلى وهم عن الآخرة هم غافلون فخرج أبو بكر الصديق إلى الكفار فقال أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم فوالله ليظهرن الروم على فارس أخبرنا بذلك نبينا فقام إليه أبي بن خلف الجمحي فقال كذبت يا أبا فصيل فقال له أبو بكر أنت أكذب يا عدو الله فقال أنا حبك عشر قلائص مني وعشر قلائص منك فإن ظهرت الروم على فارس غرمت وإن ظهرت فارس غرمت إلى ثلاث سنين ثم جاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأخبره فقال ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الأجل فخرج أبو بكر فلقي أبيا فقال لعلك ندمت قال لا تعال أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين قال قد فعلت
حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا حجاج عن أبي بكر عن عكرمة قال كانت في فارس امرأة لا تلد إلا الملوك الأبطال فدعاها كسرى فقال إني أريد أن أبعث إلى الروم جيشا وأستعمل عليهم رجلا من بنيك فأشيري علي أيهم أستعمل قالت هذا فلان وهو أروغ من ثعلب وأحذر من صقر وهذا فرخان وهو أنفذ من سنان وهذا شهر براز وهو أحلم من كذا فاستعمل أيهم شئت قال فإني قد استعملت الحليم فاستعمل شهر براز فسار إلى الروم بأهل فارس وظهر عليهم فقتلهم وخرب مدائنهم وقطع زيتونهم قال أبو بكر فحدثت هذا الحديث عطاء الخراساني فقال أما رأيت بلاد الشام قلت لا قال أما إنك لو أتيتها لرأيت المدائن التي خربت والزيتون الذي قطع فأتيت الشام بعد ذلك فرأيته
قال عطاء الخراساني حدثني يحيى بن يعمر أن قيصر بعث رجلا يدعى قطمة بجيش من الروم وبعث كسرى بشهر براز فالتقيا بأذرعات وبصرى وهي أدنى الشأم إليكم فلقيت فارس الروم فغلبتهم فارس ففرح بذلك كفار قريش وكرهه المسلمون فأنزل الله آلم غلبت الروم الآيات ثم ذكر مثل حديث عكرمة وزاد فلم يبرح شهر براز يطؤهم ويخرب مدائنهم حتى بلغ الخليج ثم مات كسرى فبلغهم موته فانهزم شهر براز وأصحابه وأديلب عليهم الروم عند ذلك فاتبعوهم يقتلونهم
قال وقال عكرمة في حديثه لما ظهرت فارس على الروم جلس فرخان يشرب فقال لأصحابه لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى فبلغت كسرى فكتب إلى شهر براز إذا أتاك كتابي فابعث إلي برأس فرخان فكتب إليه أيها الملك إنك لن تجد مثل فرخان إن له نكاية وصوتا في العدو فلا تفعل
(1/468)

بنالعياط
06-10-2012, 10:55 AM
فكتب إليه إن في رجال فارس خلفا منه فعجل علي برأسه فراجعه فغضب كسى فلم يجبه وبعث بريدا إلى أهل فارس إني قد نزعت عنكم شهر براز واستعملت عليكم فرخان ثم دفع إلى البريد صحيفة صغيرة وقال إذا ولي فرخان الملك وانقاد له أخوه فأعطه هذه الصحيفة فلما قرأ شهر براز الكتاب قال سمعا وطاعة ونزل عن سريره وجلس فرخان ودفع الصحيفة إليه فقال ائتوني بشهر براز فقدمه ليضرب عنقه فقال لا تعجل حتى أكتب وصيتي قال نعم فدعا بالسفط فأعطاه ثلاث صحائف وقال كل هذا راجعت فيك كسرى وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد فرد الملك إلى أخيه وكتب شهر براز إلى قيصر ملك الروم إن لي إليك حاجة لا تحملها البرد ولا تبلغها الصحف فالقني ولا تلقني إلا في خمسين روميا فإني ألقاك في خمسين فارسيا فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق وخاف أن يكون قد مكر به حتى أتاه عيونه إنه ليس معه إلا خمسون رجلا ثم بسط لهما والتقيا في قبة ديباج ضربت لهما مع كل واحد منهما سكين فدعوا ترجمانا بينهما فقال شهر براز إن الذين خربوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا وإن كسرى حسدنا فأراد أن أقتل أخي فأبيت ثم أمر أخي أن يقتلني فقد خلعناه جميعا فنحن نقاتله معك قال قد أصبتما ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين فإذا جاوز اثنين فشا قال أجل فقتلا الترجمان جميعا بسكينهما فأهلك الله كسرى وجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم الحديبية ففرح ومن معه
وحدثت عن هشام بن محمد أنه قال في سنة عشرين من ملك كسرى أبرويز بعث الله محمدا صلى الله عليه و سلم فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة وهاجر في سنة ثلاث وثلاثين من ملكه إلى المدينة
(1/469)
________________________________________
ذكر الخبر عن الأسباب التي حدثت عند إرادة الله إزالة ملك فارس عن أهل فارس ووطأتها العرب بما أكرمهم به بنبيه محمد صلى الله عليه و سلم من النبوة والخلافة والملك والسلطان في أيام كسرى أبرويز
فمن ذلك ما روي عن وهب بن منبه وهو ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال كان من حديث كسرى كما حدثني بعض أصحابي عن وهب بن منبه أنه كان سكر دجلة العوراء وأنفق عليها من الأموال ما لا يدرى ما هو وكان طاق مجلسه قد بني بنيانا لم ير مثله وكان يعلق تاجه فيجلس فيه إذا جلس للناس وكان عنده ستون وثلثمائة رجل من الحزاة والحزاة العلماء من بين كاهن وساحر ومنجم قال وكان فيهم رجل من العرب يقال له السائب يعتاف اعتياف العرب قلما يخطىء بعث إليه باذان من اليمن فكان كسرى إذا حزبه أمر جمع كهانه وسحاره ومنجميه فقال انظروا في هذا الأمر ما هو
فلما أن بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه و سلم أصبح كسرى ذات غداة وقد انقصمت طاق ملكه من وسطها من غير ثقل وانخرقت عليه دجلة العوراء فلما رأى ذلك حزنه وقال انقصمت طاق ملكي من وسطها من غير ثقل وانخرقت علي دجلة العوراء شاه بشكست يقول الملك انكسر ثم دعا كهانه وسحاره ومنجميه ودعا السائب معهم فقال لهم انقصمت طاق ملكي من غير ثقل وانخرقت علي دجلة العوراء شاه بشكست انظروا في هذا الأمر ما هو فخرجوا من عنده فنظروا في أمره فأخذ عليهم بأقطار السماء وأظلمت عليهم الأرض وتسكعوا في علمهم فلا يمضي لساحر سحره ولا لكاهن كهانته ولا يستقيم لمنجم علم نجومه وبات السائب في ليلة ظلماء على ربوة من الأرض يرمق برقا نشأ من قبل الحجاز ثم استطار حتى بلغ المشرق فلما أصبح ذهب ينظر إلى ما تحت قدميه فإذا روضة خضراء فقال فيما يعتاف لئن صدق ما ارى ليخرجن من الحجاز سلطان يبلغ المشرق تخصب عنه الأرض كأفضل ما أخصبت عن ملك كان قبله
فلما خلص الكهان والمنجمون بعضهم إلى بعض ورأوا ما قد أصابهم ورأى السائب ما رأى قال بعضهم لبعض تعلمون والله ما حيل بينكم وبين علمكم إلا لأمر جاء من السماء وإنه لنبي قد بعث أو هو مبعوث يسلب هذا الملك ويكسره ولئن نعيتم لكسرى ملكه ليقتلنكم فأقيموا بينكم أمرا تقولونه له تؤخرونه عنكم إلى أمر ما ساعة
فجاءوا كسرى فقالوا له إنا قد نظرنا في هذا الأمر فوجدنا حسابك الذين وضعت على حسابهم طاق ملكك وسكرت دجلة العوراء وضعوه على النحوس فلما اختلف عليهما الليل والنهار وقعت النحوس على
(1/470)
________________________________________
مواقعها فزال كا ما وضع عليهما وإنا سنحسب لك حسابا تضع عليه بنيانك فلا يزول قال فاحسبوا فحسبوا له ثم قالوا له ابنه فبنى فعمل في دجلة ثمانية أشهر وأنفق فيها من الأموال ما لا يدري ما هو حتى إذا فرغ منها قال لهم أجلس على سورها قالوا نعم فأمر بالبسط والفرش والرياحين فوضعت عليها وأمر بالمرازبة فجمعوا له واجتمع إليه اللعابون ثم خرج حتى جلس عليها فبينا هو هنالك انتسفت دجلة البنيان من تحته فلم يستخرج إلا بآخر رمق
فلما أخرجوه جمع كهانه وسحاره ومنجميه فقتل منهم قريبا من مائة وقال سمنتكم وأدنيتكم دون الناس وأجريت عليكم أرزاقي ثم تلعبون بي فقالوا أيها الملك أخطأنا كما أخطأ من كان قبلنا ولكنا سنحسب لك حسابا فتثبت حتى تضعها على الوثاق من السعود قال انظروا ما تقولون قالوا فإنا نفعل قال فاحسبوا فحسبوا له ثم قالوا له ابنه فبنى وأنفق من الأموال ما لا يدرى ما هو ثمانية أشهر من ذي قبل ثم قالوا قد فرغنا قال أفأخرج فأقعد عليها قالوا نعم فهاب الجلوس عليها وركب برذونا له وخرج يسير عليها فبينا هو يسير فوقها إذا انتسفته دجلة بالبنيان فلم يدرك إلا بآخر رمق فدعاهم فقال والله لأمرن على آخركم ولأنزعن أكتافكم ولأطرحنكم تحت أيدي الفيلة أو لتصدقني ما هدا الأمر الذي تلفقون علي قالوا لا نكذبك أيها الملك أمرتنا حين انخرقت عليك دجلة وانقصمت عليك طاق مجلسك من غير ثقل أن ننظر في علمنا لم ذلك فنظرنا فأظلمت علينا الأرض وأخذ علينا بأقطار السماء فتردد علينا علمنا في أيدينا فلا يستقيم لساحر سحره ولا لكاهن كهانته ولا لمنجم علم نجومه فعرفنا أن هذا الأمر حدث من السماء وأنه قد بعث نبي أو هو مبعوث فلذلك حيل بيننا وبين علمنا فخشينا أن نعينا لك ملكك أن تقتلنا وكرهنا من الموت ما يكره الناس فعللناك عن أنفسنا مما رأيت قال ويحكم فهلا تكونون بينتم لي هذا فأرى فيه رأيي قالوا منعنا من ذلك ما تخوفنا منك فتركهم ولها عن دجلة حين غلبته
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن الفضل بن عيسى الرقاشي عن الحسن البصري أن أصحاب رسول الله
قالوا يا رسول الله ما حجة الله على كسرى فيك قال بعث إليه ملكا فأخرج يده من سور جدار بيته الذي هو فيه يتلألأ نورا فلما رآها فزع فقال لم ترع يا كسرى إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا فاتبعه تسلم دنياك وآخرتك قال سأنظر
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف قال بعث الله إلى كسرى ملكا وهو في بيت إيوانه الذي لا يدخل عليه فيه فلم يرعه إلا به قائما على رأسه في يده عصا بالهاجرة في ساعته التي كان يقيل فيها فقال يا كسرى أتسلم أو أكسر هذه العصا فقال بهل بهل فانصرف عنه ثم دعا أحراسه وحجابه فتغيظ عليهم وقال من أدخل هذا الرجل علي فقالوا ما دخل عليك أحد ولا رأيناه حتى إذا كان العام القابل أتاه في الساعة التي أتاه فيها فقال له كما قال له ثم قال له أتسلم أو أكسر هذه العصا فقال بهل بهل بهل ثلاثا فخرج عنه فدعا كسرى حجابه وحراسه وبوابيه فتغيظ عليهم وقال لهم كما قال أول مرة فقالوا ما رأينا أحدا دخل عليك حتى إذا كان في العام الثالث أتاه في الساعة التي جاءه فيها فقال له كما قال أتسلم
(1/471)
________________________________________
أو أكسر هذه العصا فقال بهل بهل قال فكسر العصا ثم خرج فلم يكن إلا تهور ملكه وانبعاث ابنه والفرس حتى قتلوه قال عبدالله بن أبي بكر فقال الزهري حدثت عمر بن عبدالعزيز هذا الحديث عن أبي سلمة بن عبدالرحمن فقال ذكر لي أن الملك إنما دخل عليه بقارورتين في يديه ثم قال له أسلم فلم يفعل فضرب إحداهما على الأخرى فرضضهما ثم خرج فكان من أمر هلاكه ما كان
حدثني يحيى بن جعفر قال أخبرنا علي بن عاصم قال أخبرنا خالد الحذاء قال سمعت عبدالرحمن بن أبي بكرة يقول بينما كسرى بن هرمز نائم ليلة في هذا الإيوان إيوا المدائن والأساورة محدقون بقصره إذ أقبل رجل يمشي معه عصا حتى قام على رأسه فقال يا كسرى بن هرمز إني رسول الله إليك أن تسلم قالها ثلاث مرات وكسرى مستلق ينظر إليه لا يجيبه ثم انصرف عنه قال فأرسل كسرى إلى صاحب حرسه فقال أنت أدخلت علي هذا الرجل قال لم أفعل ولم يدخل من قبلنا أحد قال فلما كان العام المقبل خاف كسرى تلك الليلة فأرسل إليه أن أحدق بقصري ولا يدخل علي أحد قال ففعل فلما كان تلك الساعة إذا هو قائم على رأسه ومعه عصا وهو يقول له يا كسرى بن هرمز إني رسول الله إليك أن تسلم فأسلم خير لك قال وكسرى ينظر إليه لا يجيبه فانصرف عنه قال فأرسل كسرى إلى صاحب الحرس ألم آمرك ألا يدخل علي أحد قال أيها الملك إنه والله ما دخل عليك من قبلنا أحد فانظر من أين دخل عليك قال فلما كان العام المقبل فكأنه خاف تلك الليلة فأرسل إلى صاحب الحرس والحرس أن أحدقوا بي الليلة ولا تدخل امرأة ولا رجل ففعلوا فلما كان تلك الساعة إذا هو قائم على رأسه وهو يقول يا كسرى بن هرمز إني رسول الله إليك أن تسلم فأسلم خير لك قالها ثلاث مرات وكسرى ينظر إليه لا يجيبه قال يا كسرى إنك قد أبيت علي والله ليكسرنك الله كما أكسر عصاي هذه ثم كسرها وخرح فأرسل كسرى إلى الحرس فقال ألم آمرك ألا يدخل علي الليلة أحد أهل ولا ولد قالوا ما دخل عليك من قبلنا أحد
قال فلم يلبث أن وثب عليه ابنه فقتله
ومن ذلك ما كان من أمر ربيعة والجيش الذي كان أنفذه إليهم كسرى أبرويز لحربهم فالتقوا بذي قار
وذكر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه لما بلغه ما كان من هزيمة ربيعة جيش كسرى قال هذا أول يوم انتصف العرب من العجم وبي نصروا وهو يوم قراقر ويو الحنو حنو ذي قار ويوم حنو قراقر ويوم الجبابات ويو ذي العجرم ويوم الغذوان ويوم البطحاء بطحاء ذي قار وكلهن حول ذي قار
فحدثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال حدثني أبو المختار فراس بن خندق أو خندقة وعدة من علماء العرب قد سماهم أن الذي جر يوم ذي قار قتل النعمان بن المنذر اللخمي عدي بن زيد العبادي وكان عدي من تراجمة أبرويز كسرى بن هرمز
وكان سبب قتل النعمان بن المنذر عدي بن زيد ما ذكر لي عن هشام بن محمد قال سمعت إسحاق بن الجصاص وأخذته من كتاب حماد وقد ذكر أبي بعضه قال ولد زيد بن حماد بن زيد بن أيوب بن محروف بن عامر بن عصية بن امرىء القيس بن زيد مناة بن تميم ثلاثة عديا الشاعر وكان جميلا شاعرا
(1/472)
________________________________________
خطيبا وقد قرأ كتب العرب والفرس وعمارا وهو أبي وعمرا وهو سمي ولهم أخ من أمهم يقال له عدي بن حنظلة من طيىء وكان عمار يكون عند كسرى فكان أحدهما يشتهي هلاك عدي بن زيد وكان الآخر يتدين في نصرانيته وكانوا أهل بيت يكونون مع الأكاسرة لهم معهم أكل وناحية يقطعونهم القطائع ويجزلون صلاتهم وكان المنذر بن المنذر لما ملك جعل ابنه النعمان في حجر عدي فهم الذين أرضعوه وربوه وكان للمنذر ابن آخر يقال له الأسود أمه مارية بنت الحارث بن جلهم من تيم الرباب فأرضعه ورباه قوم من أهل الحيرة يقال لهم بنو مرينا ينسبون إلى لخم وكانوا أشرافا وكان للمنذر بن المنذر سوى هذين من الولد عشرة وكان يقال لولده كلهم الأشاهب من جمالهم فذلك قول الأعشى ... وبنو المنذر الأشاهب بالحيرة يمشون غدوة بالسيوف ...
وكان النعمان أحمر أبرش قصيرا وكانت أمه يقال لها سلمى بنت وائل بن عطية الصائغ من أهل فذك وكانت أمة للحارث بن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب من كلب وكان قابوس بن المنذر الأكبر عم النعمان وإخوته بعث إلى كسرى بن هرمز بعدي بن زيد وإخوته فكانوا في كتابه يترجمون له فلما مات المنذر بن المنذر وترك ولده هؤلاء الثلاثة عشر جعل على أمره كله إياس بن قبيصة الطائي وملكه على الحيرةإلى أن يرى كسرى رأيه فكان عليه أشهرا وكسرى في طلب رجل يملكه على العرب ثم إن كسرى بن هرمز دعا عدي بن زيد فقال له من بقي من بني المنذر وما هم وهل فيهم خير فقال بقيتهم في ولد هذا الميت المنذر بن المنذر وهم رجال فقال ابعث إليهم فكتب فيهم فقدموا عليه فأنزلهم على عدي بن زيد فكان عدي يفضل إخوة النعمان عليه في النزل وهو يريهم أنه لا يرجوه ويخلو بهم رجلا رجلا ويقول لهم إن سألكم الملك أتكفونني العرب فقولوا نكفيكهم إلا النعمان وقال للنعمان إن سألك الملك عن إخوتك فقل له إن عجزت عنهم فأنا عن غيرهم أعجز
وكان من بني مرينا رجل يقال له عدي بن أوس بن مرينا وكان ماردا شاعرا وكان يقول للأسود [ بن المنذر ] إنك قد عرفت أني لك راج وأن طلبتي ورغبتي إليك أن تخالف عدي بن زيد فإنه والله لا ينصح لك أبدا فلم يلتفت إلى قوله
فلما أمر كسرى عدي بن زيد أن يدخلهم عليه جعل يدخلهم عليه رجلا رجلا فيكلمه فكان يرى رجالا قلما رأى مثلهم فإذا سألهم هل تكفونني ما كنتم تلون قالوا نكفيك العرب إلا النعمان فلما دخل عليه النعمان رأى رجلا دميما فكلمه وقال له أتستطيع أن تكفيني العرب قال نعم قال فكيف تصنع بإخوتك قال إن عجزت عنهم فأنا عن غيرهم أعجز فملكه وكساه وألبسه تاجا قيمته ستون ألف درهم فيه اللؤلؤ والذهب فلما خرج وقد ملك قال عدي بن أوس بن مرينا للأسود دونك فإنك قد خالفت الرأي
ثم إن عدي بن زيد صنع طعاما في بيعة ثم أرسل إلى ابن مرينا ان ائتني بمن أحببت فإن لي يحاجة فأتاه في ناس فتغدوا في البيعة وشربوا فقال عدي بن زيد لعدي بن مرينا يا عدي إن أحق من عرف الحق ثم لم يلم عليه من كان مثلك إني قد عرفت أن صاحبك الأسود بن المنذر كان أحب إليك أن
(1/473)

يملك من صاحبي النعمان فلا تلمني على شيء كنت على مثله وأنا أحب ألا تحقد علي شيئا لو قدرت عليه ركبته وأنا أحب أن تعطيني من نفسك ما أعطيتك من نفسي فإن نصيبي من هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك فقام عدي بن زيد إلى البيعة فحلف ألا يهجوه ولا يبغيه غائلة أبدا ولا يزوي عنه خبرا أبدا فلما فرغ عدي بن زيد قام عدي بن مرينا فحلف على مثل يمينه ألا يزال يهجوه أبدا ويبغيه الغوائل ما بقي وخرج النعمان حتى نزل منزله بالحيرة فقال عدي بن مرينا لعدي بن زيد ... ألا أبلغ عديا عن عيدي ... فلا تجزع وإن رثت قواكا ... هياكلنا تبز لغير فقر ... لتحمد أو يتم به غناكا ... فإن تظفر فلم تظفر حميدا ... وإن تعطب فلا يبعد سواكا ... ندمت ندامة الكسعي لما ... رأت عيناك ما صنعت يداكا ...
وقال عدي بن مرينا للأسود أما إذا لم تظفر فلا تعجز أن تطلب بثأرك من هذا المعدي الذي عمل بك ما عمل فقد كنت أخبرك أن معدا لا ينام مكرها أمرتك أن تعصيه فخالفتني قال فما تريد قال أريد ألا يأتيك فائدة من مالك وأرضك إلا عرضتها علي ففعل وكان ابن مرينا كثير المال والضيعة فلم يك في الدهر يوم إلا على باب النعمان هدية من ابن مرينا فصار من أكرم الناس عليه وكان لا يقضي في ملكه شيئا إلا بأمر عدي بن مرينا وكان إذا ذكر عدي بن زيد عنده أحسن عليه الثناء وذكر فضله وقال إنه لا يصلح المعدي إلا أن يكون في مكر وخديفة فلما رأى من يطيف بالنعمان منزلة ابن مرينا عنده لزموه وتابعوه فجعل يقول لمن يثق به من أصحابه إذا رأيتموني أذكر عدي بن زيد عند الملك بخير فقولوا إنه لكما تقول ولكنه لا يسلم عليه أحد وإنه ليقول إن الملك يعني النعمان عامله وإنه ولاه ما ولاه فلم يزالوا بذلك حتى أضغنوه عليه وكتبوا كتابا على لسان عدي إلى قهرمان لعدي ثم دسوا له حتى أخذوا الكتاب ثم أتي به النعمان فقرأه فأغضبه فأرسل إلى عدي بن زيد عزمت عليك إلا زرتني فإن قد اشتقت إلى رؤيتك وهو عند كسرى فاستأذن كسرى فأذن له فلما أتاه لم ينظر إليه حتى حبس في محبس لا يدخل عليه فيه أحد فجعل عدي بن زيد يقول الشعر وهو في السجن فكان أول ما قال في السجن من اشعر ... ليت شعري عن الهمام ويأتي ... ك بخبر الأنباء عطف السؤال ...
فقال أشعارا وكان كلما قال عدي من الشعر بلغ النعمان وسمعه ندم على حبسه إياه فجعل يرسل إليه ويعده ويمنيه ويفرق أن يرسله فيبغيه الغوائل فقال عدي ... أرقت لمكفهر بات فيه ... بوارق يرتقين رؤوس شيب ...
وقال أيصا ... طال ذا الليل علينا واعتكر ...
وقال أيضا ألا طال الليالي والنهار
(1/474)
________________________________________
وقال حين أعياه ما يتضرع إلى النعمان أشعارا يذكره فيها الموت ويخبره من هلك من الملوك قبله
فقال ... أرواح مودع أم بكور ...
وأشعارا كثيرة
قال وخرج النعمان يريد البحرين فأقبل رجل من غسان فأصاب في الحيرة ما أحب ويقال الذي أغار على الحيرة فحرق فيها جفنة بن النعمان الجفني فقال عدي ... سما صقر فأشعل جانبيها ... وألهاك المروح والعزيب ...
فلما طال سجن عدي كتب إلى أخيه أبي وهو مع كسرى بشعر فقال ... أبلغ أبيا على نأيه ... وهل ينفع المرء ما قد علم ... بأن أخاك شقيق الفؤا ... د كنت به والها ما سلم ... لدى ملك موثق بالحدي ... د إما بحق وإما طلم ... فلا أعرفنك كدأب الغلا ... م ما لم يجد عارما يعترم ... فأرضك أرضك إن تأتنا ... تنم نومة ليس فيها حلم ...
فكتب إليه أخوه ... إن يكن خانك الزمان فلا عا ... جز باع ولا ألف ضعيف ... ويمين الإله لو أن جأوا ... ء طحونا تضيء فيها السيوف ... ذات رز مجتباة غمرة المو ... ت صحيح سربالها مكفوف ... كنت في حميها لجئتك أسعى ... فاعلمن لو سمعت إذ تستضيف ... أو بمال سئلت دونك لم يم ... نع تلاد لجاجة أو طريف ... أو بأرض أسطيع آتيك فيها ... لم يهلني بعيدها أو مخوف ... في الأعادي وأنت مني بعيد ... عز هذا الزمان والتعريف ... إن تفتني والله إلفا فجوعا ... لا يعقبك ما يصوب الخريف ... فلعمري لئن جزعت عليه ... لجزوع على الصديق أسوف ... ولعمري لئن ملكت عزائي ... لقليل شرواك فيما أطوف ...
فزعموا أن أبيا لما قرأ كتاب عدي قام إلى كسرى فكلمه فكتب وبعث معه رجلا وكتب خليفة النعمان إليه إنه قد كتب إليك في أمره فأتاه أعداء عدي بن بقيلة من غسان فقالوا أقتله الساعة فأبى عليهم وجاء الرجل وقد تقدم أخو عدي إليه ورشاه وأمره أن يبدأ بعدي فدخل عليه وهو محبوس بالصنين فقال ادخل عليه فانظر ما يأمرك به فدخل الرسول على عدي فقال إني قد جئت بإرسالك فما عندك قال عندي الذي تحب ووعده عدة وقال لا تخرجن من عندي وأعطني الكتاب حتى أرسل به فإنك والله إن خرجت من عندي لأقتلن فقال لا أستطيع إلا أن آتي الملك بالكتاب فأدخله عليه فانطلق مخبر حتى أتى النعمان فقال إن رسول كسرى قد دخل على عدي وهو
(1/475)
ذاهب به وإن فعل والله لم يستبق منا أحدا أنت ولا غيرك فبعث إليه النعمان أعداءه فغموه حتى مات ثم دفنوه
ودخل الرسول على النعمان بالكتاب فقال نعم وكرامة وبعث إليه بأربعة آلاف مثقال وجارية وقال له إذا أصبحت فادخل عليه فأخرجه أنت بنفسك فلما أصبح ركب فدخل السجن فقال له الحرس إنه قد مات منذ أيام فلم نجترىء على أن نخير الملك للفرق منه وقد علمنا كراهته لموته فرجع إلى النعمان فقال إني قد دخلت عليه وهو حي [ وجئت اليوم فجحدني السجان وبهتني وذكر له أنه قد مات منذ أيام ] فقال له النعمان يبعثك الملك إلي فتدخل إليه قبلي كذبت ولكنك أردت الرشوة والخبث فتهدده ثم زاده جائزة وأكرمه واستوثق منه ألا يخبر كسرى إلا أنه قد مات قبل أن يقدم عليه
فرجع الرسول إلى كسرى فقال إنه قد مات قبل أن أدخل عليه وندم النعمان على موت عدي واجترأ أعداء عدي على النعمان وهابهم النعمان هيبة شديدة فخرج النعمان في بعض صيده ذات يوم فلقي ابنا لعدي يقال له زيد فلما رآه عرف شبهه فقال من أنت قال أنا زيد بن عدي بن زيد فكلمه فإذا غلام ظريف ففرح به فرحا شديدا وقربه وأعطاه واعتذر إليه من أمر أبيه وجهزه ثم كتب إلى كسرى إن عديا كان ممن أعين به الملك في نصحه ولبه فأصابه مالا بد منه وانقضت مدته وانقطع أكله ولم يصب به أحد أشد من مصيبتي وأما الملك فلم يكن ليفقد رجلا إلا جعل الله له منه خلفا لما عظم الله له من ملكه وشأنه وقد أدرك له ابن ليس دونه وقد سرحته إلى الملك فإن رأي الملك أن يجعله مكان أبيه فليفعل
فلما قدم الغلام على كسرى جعله مكان أبيه وصرف عمه إلى عمل آخر فكان هو الذي يلي ما كتب به إلى أرض العرب وخاصة الملك وكانت له من العرب وظيفة موظفة في كل سنة مهران أشقران والكمأة الرطبة في حينها واليابسة والأقط والأدم وسائر تجارات العرب فكان زيد بن عدي بن زيد يلي ذلك وكان هذا عمل عدي
فلما وقع عند الملك بهذا الموقع سأله كسرى عن النعمان فأحسن عليه الثناء فمكث سنوات بمنزلة أبيه وأعجب به كسرى وكان يكثر الدخول عليه وكانت لملوك الأعاجم صفة من النساء مكتوبة عندهم فكانوا يبعثون في تلك الأرضين بتلك الصفة فإذا وجدت حملت إلى الملك غير أنهم لم يكونوا يتناولون أرض العرب بشيء من ذلك ولا يريدونه فبدأ الملك في طلب النساء فكتب بتلك الصفة ثم دخل على كسرى فكلمه فيما دخل فيه ثم قال إني رأيت الملك كتب في نسوة يطلبن له فقرأت الصفة وقد كنت بآل المنذر عالما وعند عبدك النعمان من بناته وبنات عمه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة قال فتكتب فيهن قال أيها الملك إن شر شيء في العرب وفي النعمان خاصة أنهم يتكرمون زعموا في أنفسهم عن العجم فأنا أكره أن يغيبهن عمن تبعث إليه أو يعرض عليه غيرهن وإن قدمت أنا عليه لم يقدر أن يغيبهن فابعثني وابعث معي رجلا من حرسك يفقه العربيه حتى أبلغ ما تحبه فبعث معه رجلا جليدا فخرج به زيد فجعل يكرم ذلك الرجل ويلطفه حتى بلغ الحيرة
فلما دخل عليه أعظم الملك وقال إنه قد احتاج إلى نساء لأهله وولده وأراد كرامتك بصهره
(1/476)
________________________________________
فبيعث إليك فقال وما هؤلاء النسوة فقال هذه صفتهن قد جئنا بها
وكانت الصفة أن المنذر الأكبر أهدى إلى أنو شروان جارية كان أصابها إذ أغار على الحارث الأكبر الغساني بن أبي شمر فكتب إلى أنو شروان يصفها له وقال إني قد وجهت إلى الملك جارية معتدلة الخلق نقية اللون والثغر بيضاء قمراء وطفاء كحلاء دعجاء حوراء عيناء قنواء شماء زجاء برجاء أسيلة الخد شهية القد جثلة الشعر عظيمة الهامة بعيدة مهوى القرط عيطاء عريضة الصدر كاعب الثدي ضخمة مشاشة المنكب والعضد حسنة المعصم لطيفة الكف سبطة البنان لطيفة طي البطن خميصة الخصر غرتي الوشاح رداح القبل رابية الكفل لفاء الفخذين ريا الروادف ضخمة المأكمتين عظيمة الركبة مفعمة الساق مشبعة الخلخال لطيفة الكعب والقدم قطوف المشي مكسال الضحى بضة المتجرد سموعا لسيد ليست بخنساء ولا سعفاء ذليلة الأنف عزيزة النفر لم تغذ في بؤس حيية رزينة حليمة ركينة كريمة الخال تقتصر بنسب أبيها دون فصيلتها وبفصيلتها دون جماع قبيلتها قد أحكمتها الأمو في الأدب فرأيها رأي أهل الشرف وعملها عمل أهل الحاجة صناع الكفين قطيعة اللسان رهوة الصوت تزين البيت وتشين العدو إن أردتها اشتهت وإن تركتها انتهت تحملق عيناها وتحمر وجنتاها وتذبذب شفتاها وتبادرك الوثبة ولا تجلس إلا بأمرك إذا جلست
فقبلها كسرى وأمر بإثبات هذه الصفة في دواوينه فلم يزالوا يتوارثونها حتى أفضى ذلك إلى كسرى بن هرمز فقرأ عليه زيد هذه الصفة فشق عليه فقال لزيد والرسول يسمع أما في عين السواد وفارس ما تبلغون حاجتكم فقال الرسول زيد ما العين قال البقر فقال زيد للنعمان إنما أراد كرامتك ولو علم أن هذا يشق عليك لم يكتب إليك به
فأنزلهما يومين ثم كتب إلى كسرى إن الذي طلب الملك ليس عندي وقال لزيد اعذرني عنده فلما رجع إلى كسرى قال زيد للرسول الذي جاء سمعه اصدق الملك الذي سمعت منه فإني سأحدثه بحديثك ولا أخالفك فيه فلما دخلا على كسرى قال زيد هذا كتابه فقرأه عليه فقال له كسرى فأين الذي كنت خبرتني به قال قد كنت أخبرتك بضنهم بنسائهم على غيرهم وأن ذلك من شقائهم واختيارهم الجوع والعري على الشبع والرياش واختيارهم السموم والرياح على طيب أرضك هذه حتى أنهم ليسمونها السجن فسل هذا الرسول الذي كان معي عن الذي قال فإني أكرم الملك عن الذي قال ورد عليه أن أقوله فقال للرسول وما قال قال أيها الملك أما في بقر السواد [ وفارس ] ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا فعرف الغضب في وجهه ووقع في قلبه منه ما وقع ولكنه قد قال رب عبد قد أراد ما هو أشد من هذا فيصير أمره إلى التباب
وشاع هذا الكلام فبلغ النعمان وسكت كسرى على ذلك أشهرا وجعل النعمان يستعد ويتوقع حتى أتاه كتابه أن أقبل فإن للملك إليك حاجة فانطلق حين أتاه كتابه فحمل سلاحه وما قوي عليه ثم لحق بجبلي طيىء وكانت فرعة ابنة سعد بن حارثة بن لأم عنده وقد ولدت له رجلا وامرأة وكانت أيضا عنده زينب ابنة أوس بن حارثة فأراد النعمان طيئا على أن يدخلوه بين الجبلين ويمنعوه فأبوا ذلك عليه
(1/477)
________________________________________
وقالوا لولا صهرك لقاتلناك فإنه لا حاجة لنا في معاداة كسرى ولا طاقة لنا به فأقبل يطوف على قبائل العرب ليس أحد من الناس يقبله غير أن بني رواحة بن سعد من بني عبس قالوا إن شئت قاتلنا معك لمنة كانت له عندهم في أمر مروان القرظ فقال لا أحب أن أهلككم فإنه لا طاقة لكم بكسرى
فأقبل حتى نزل بذي قار في بني شيبان سرا فلقي هانىء بن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وكان سيدا منيعا والبيت يومئذ من ربيعة في آل ذي الجدين لقيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجدين وكان كسرى قد أطعم قيس بن مسعود الأبلة فكره النعمان أن يدفع إليه أهله لذلك وعلم أن هانئا مانعه مما يمنع منه نفسه
وتوجه النعمان إلى كسرى فلقي زيد بن عدي على قنطرة ساباط فقال انج نعيم إن استطعت النجاء فقال أنت يا زيد فعلت هذا أما والله لئن انفلت لأفعلن بك ما فعلت بأبيك فقال له زيد امض نعيم فقد والله وضعت لك عنده أخية لا يقطعها المهر الأرن فلما بلغ كسرى أنه بالباب بعث إليه فقيده وبعث به إلى خانقين فلم يزل في السجن حتى وقع الطاعون فمات فيه والناس يظنون أنه مات بساباط لبيت قاله الأعشى ... فذاك وما أنجى من الموت ربه ... بساباط حتى مات و هو محرزق ...
وإنما هلك بخانقين وهذا قبيل الإسلام فلم يلبث إلا يسيرا حتى بعث الله نبيه صلى الله عليه و سلم وكان سبب وقعة ذي قار بسبب النعمان
وحدثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال حدثنا أبو المختار فراس بن خندق وعدة من علماء العرب قد سماهم أن النعمان لما قتل عديا كاد أخو عدي وابنه النعمان عند كسرى وحرفا كتاب اعتذاره إليه بشيء غضب منه كسرى فأمر بقتله وكان النعمان لما خاف كسرى استودع هانىء بن مسعود بن عامر الخصيب بن عمرو والمزدلف بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة حلقته ونعمه وسلاحا غير ذلك وذاك أن النعمان كان بناه ابنتين له
قال أبو عبيدة وقال بعضهم لم يدرك هانىء بن مسعود هذا الأمر إنما هو هانىء بن قبيصة بن هانىء بن مسعود وهو الثبت عندي
فلما قتل كسرى النعمان استعمل إياس بن قيصة الطائي على الحيرة وما كان عليه النعمان قال أبو عبيدة كان كسرى لما هرب من بهرام مر بإياس بن قبيصة فأهدى له فرسا وجزورا فشكر ذلك له كسرى فبعث كسرى إلى إياس أين تركة النعمان قال قد أحرزها في بكر بن وائل فأمر كسرى إياسا أن يضم ما كان للنعمان ويبعث [ به ] إليه فبعث إياس إلى هانيء أن أرسل إلي ما استودعك النعمان من الدروع وغيرها والمقلل يقول كانت أربعمائة درع والمكثريقول كانت ثمانمائة درع فأبى هانىء أن يسلم خفارته قال فلما منعها هانىء غضب كسرى وأظهر أنه يسأصل بكر بن وائل وعنده يومئذ النعمان بن زرعة التغلبي وهو يحب هلاك بكر بن وائل فقال لكسرى يا خير الملوك أدلك على غرة بكر قال نعم قال أمهلها حتى تقيظ فإنهم لو قد قاظوا تساقطوا على ماء لهم يقال له ذو قار تساقط الفراش في النار فأخذتهم كيف شئت وأنا أكفيكهم فترجموا له قوله تساقطوا تساقط الفراش في النار
(1/478)
________________________________________
فأقرهم حتى إذا قاظوا جاءت بكر بن وائل فنزلت الحنو حنو ذي قار وهي من ذي قار [ على مسيرة ] ليلة فأرسل إليهم كسرى النعمان بن زرعة أن اختاروا واحدة من ثلاث خصال فنزل النعمان على هانىء ثم قال له أنا رسول الملك إليكم أخيركم ثلاث خصال إما أن تعطوا بأيديكم فيحكم فيكم الملك بما شاء وإما أن تعروا الديار وإما أن تأذنوا بحرب
فتوامروا فولوا أمرهم حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي وكانوا يتيمنون به فقال لهم لا أرى إلا القتال لأنكم إن أعطيتم بأيديكم قتلتم وسبيت ذراريكم وإن هربتم قتلكم العطش وتلقاكم تميم فتهلككم فآذنوا الملك بحرب فبعث الملك إلى إياس وإلى الهامرز التستري وكان مسلحه بالقطقطانة وإلى جلابزين وكان مسلحة ببارق وكتب كسرى إلى قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجدين وكان كسرى استعمله على طف سفوان أن يوافوا إياسا فإذا اجتمعوا فإياس على الناس وجاءت الفرس معها الجنود والفيول عليها الأساورة وقد بعث النبي صلى الله عليه و سلم ورق أمر فارس وقال النبي صلى الله عليه و سلم اليوم انتصفت العرب من العجم فحفظ ذلك اليوم فإذا هو يوم الوقعة فلما دنت جيوش الفرس بمن معهم انسل قيس بن مسعود ليلا فأتى هانئا فقال له أعط قومك سلاح النعمان فيقووا فإن هلكوا كان تبعا لأنفسهم وكنت قد أخذت بالحزم وإن ظفروا ردوه عليك ففعلو وقسم الدروع والسلاح في ذوي القوى والجلد من قومه فلما دنا الجمع من بكر قال لهم هانىء يا معشر بكر إنه لا طاقة لكم بجنود كسرى ومن معهم من العرب فاركبوا الفلاة فتسارع الناس إلى ذلك فوثب حنظلة بن ثعلبة بن سيار فقال له إنما أردت نجاتنا فلم تزد على أن ألقيتنا في الهلكة فرد الناس وقطع وضن الهوادج لئلا تستطيع بكر أن تسوق نساءهم إن هربوا فسمي مقطع الوضن وهي حزم الرحال ويقال مقطع البطن والبطن حزم الأقتاب وضرب حنظلة على نفسه قبة ببطحاء ذي قار وآلى ألآ يفر حتى تفر القبة فمضى من مضى من الناس ورجع أكثرهم واستقوا ما ء لنصف شهر فأتتهم العجم فقاتلتهم بالحنو فجزعت العجم من العطش فهربت ولم تقم لمحاصرتهم فهربت إلى الجبابات فتبعتهم بكر وعجل أوائل بكر فتقدمت عجل وأبلت يومئذ بلاء حسنا واضطمت عليهم جنود العجم فقال الناس هلكت عجل ثم حملت بكر فوجدوا عجلا ثابتة تقاتل وامرأة منهم تقول ... إن يظفروا يحرزوا فينا الغرل ... إيها فداء لكم بني عجل ...
وتقول أيضا تحضض الناس ... إن تهزموا نعانق ... ونفرش النمارق ... أو تهربوا نفارق ... فراق غير وامق ...
فقاتلوهم بالجبايات يوما ثم عطش الأعاجم فمالوا إلى بطحاء ذي قار فأرسلت إياد إلى بكر سرا وكانوا أعوانا على بكر مع إياس بن قبيصة أي الأمرين أعجب إليكم أن نطير تحت ليلتنا فنذهب أو نقيم ونفر حين تلاقوا القوم قالوا بل تقيمون فإذا التقى القوم انهزمتم بهم قال فصبحتهم بكر بن وائل والظعن واقفة يذمرن الرجال على القتال وقال يزيد بن حمار السكوني وكان حليفا لبني شيبان يا بني شيبان أطيعوني وأكمنوني لهم كمينا ففعلوا وجعلوا يزيد بن حمار رأسهم فكمنوا في مكان من ذي قار
نديمه ... أنا ابن سيار على شكيمه ... إن الشراك قد من أديمه ... وكلهم يجري على قديمه (1/479)
________________________________________
يسمى إلى اليوم الجب فاجتلدوا وعلى ميمنة إياس بن قبيصة الهامرز وعلى ميسرته الجلابزين وعلى ميمنة هانىء بن قبيصة رئيس بكر يزيد بن مسهر الشيباني وعلى ميسرته حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي وجعل الناس يتحاضون ويرجزون فقال حنظلة بن ثعلبة ...

قد شاع أشياعكم فجدوا ... ما علتي وأنا مؤد جلد
والقوس فيها وتر عرد ... مثل ذراع البكر أو أشد ...
قد جعلت أخبار قومي تبدو ... إن المنايا ليس منها بد
هذا عمير تحته ألد ... يقدمه ليس له مرد ...
حتى يعود كالكميت الورد ... خلوا بني شيبان واستبدوا
نفسي فداكم وأبي والجد ...

وقال حنظلة
ياقوم طيبوا بالقتال نفسا ... أجدر يوم أن تفلوا الفرسا ...

وقال يزيد بن المكسر بن حنظلة بن ثعلبة بن سيار
من فر منكم فر عن حريمه ... وجاره وفر عن نديمه
أنا ابن سيار على شكيمه ... إن الشراك قد من أديمه
وكلهم يجري على قديمه ...

بنالعياط
08-10-2012, 04:23 PM
من قارح الهجنةأو صميمه
...
قال فراس ثم صيروا الأمر بعد هانىء إلى حنظلة فمال إلى مارية ابنته وهي أم عشرة نفر أحدهم جابر بن أبجر فقطع وضينها فوقعت إلى الأرض وقطع وضن النساء فوقعن إلى الأرض ونادت ابنة القرين الشيبانية حين وقعت النساء إلى الأرض ... ويها بني شيبان بعد صف ... إن تهزموا يصبغوا فينا القلف ...
فقطع سبعمائة من بني شيبان أيدي أقبيتهم من قبل مناكبهم لأن تخف أيديهم بضرب السيوف فجالدوهم
قال ونادى الهامرز مرد ومرد فقال برد بن حارثة اليشكري ما يقول قالوا يدعو إلى البراز رجل ورجل قال وأبيكم لقد أنصف فبرز له فقتله برد فقال سويد بن أبي كاهل ... ومنا بريد إذ تحدى جموعكم ... فلم تقربوه المرزبان المسورا ...
أي لم تجعلوه ونادى حنظلة بن ثعلبة بن سيار يا قوم لا تقفوا لهم فيستغرقكم النشاب فحملت ميسرة بكر وعليها حنظلة على ميمنة الجيش وقد قتل برد منهم رئيسهم الهامرز وحملت ميمنة بكر وعليها يزيد بن مسهر على ميسرة الجيش وعليهم جلابزين وخرج الكمين من جب ذي قار من ورائهم وعليهم يزيد بن حمار فشدوا على قلب الجيش وفيهم إياس بن قبيصة وولت إياد منهزمة كما وعدتهم وانهزمت الفرس
قال سليط فحدثنا أسراءنا الذين كانوا فيهم يومئذ قالوا فلما التقى الناس ولت بكر منهزمة
(1/480)
________________________________________
فقلنا يريدون الماء فلما قطعوا الوادي فصاروا من ورائه وجاوزوا الماء قلنا هي الهزيمة وذاك في حر الظهيرة وفي يوم قائظ فأقبلت كتيبة عجل كأنهم طن قصب لا يفوت بعضهم بعضا لا يمعنون هربا ولا يخالطون القوم ثم تذامروا فزحفوا فرموهم بجباههم فلم تكن إلا إياها فأمالوا بأيديهم فولوا فقتلوا الفرس ومن معهم ما بين بطحاء ذي قار حتى بلغوا الراحضة
قال فراس فخبرت أنه تبعه تسعون فارسا لم ينظروا إلى سلب ولا إلى شيء حتى تعارفوا بآدم ( موضع قريب من ذي قار ) فوجد ثلاثون فارسا من بني عجل ومن سائر بكر ستون فارسا وقتلوا جلابزين قتله حنظلة بن ثعلبة وقال ميمون بن قيس يمدح بني شيبان خاصة في قوله ... فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... وراكبها يوم اللقاء وقلت ... هم ضربوا بالحنو حنو قراقر ... مقدمة الهامرز حتى تولت ... وأفلتنا قيس وقلت لعله ... هنالك لو كانت به النعل زلت ...
فهذا يدل على أن قيسا قد شهد ذا قار
وقال بكير أصم بني الحارث بن عباد يمدح بني شيبان ... إن كنت ساقية المدامة أهلها ... فاسقي على كرم بني همام ... وأبا ربيعة كلها ومحلما ... سبقا بغاية أمجد الأيام ... ضربوا بني الأحرار يوم لقوهم ... بالمشرفي على مقيل الهام ... عربا ثلاثة آلف وكتيبة ... ألفين أعجم من بني الفدام ... شد ابن قيس شدة ذهبت لها ... ذكرى له في معرق وشآم ... عمرو وما عمرو بقحم داله ... فيها ولا غمر ولا بغلام ...
فلما مدح الأعشى والأصم بني شيبان خاصة غضبت اللهازم فقال أبو كلبة أحد بني قيس يؤنبها بذلك ... جدعتما شاعري قوم أولي حسب ... حزت أنوفهما حزا بمنشار ... أعني الأصم وأعشانا إذا اجتمعا ... فلا استعانا على سمع بإبصار ... لولا فوارس لا ميل ولا عزل ... من اللهازم ما قاظوا بذي قار ... نحن أتيناهم من عند أشملهم ... كما تلبس وراد بصدار ...
قال أبو عمرو بن العلاء فلما بلغ الأعشى قول أبي كلبة قال صدق وقال معتذرا مما قال ... متى يقرن أصم بحبل أعشى ... يتيها في الضلال وفي الخسار ... فلست بمبصر ما قد يراه ... وليس بسامع أبدا جواري ...
وقال الأعشى في ذلك اليوم ... أتانا عن بني الأحرا ... ر قول لم يكن أمما ... أرادوا نحت أنلتنا ... وكنا نمنع الخطما
(1/481)
________________________________________
وقال أيضا لقيس بن مسعود ... أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت امرؤ ترجو شبابك وائل ... أتجمع في عام غزاة ورحلة ... ألا ليت قيسا غرقته القوابل ...
وقال أعشى بني ربيعة ... ونحن غداة ذي قار أقمنا ... وقد شهد القبائل محلبينا ... وقد جاؤوا بها جأواء فلقا ... ململمة كتائبها طحونا ... ليوم كريهة حتى تجلت ... ظلال دجاه عنا مصلتينا ... فولونا الدوابر واتقونا ... بنعمان بن زرعة أكتعينا ... وذدنا عارض الأحرار وردا ... كما ورد القطا الثمد المعينا
(1/482)
________________________________________
ذكر من كان على ثغر العرب من قبل ملوك الفرس بالحيرة بعد عمرو بن هند
قد مضى ذكرنا من كان يلي ذلك من قبل ملوك الفرس من آل نصر بن ربيعة إلى حين هلاك عمرو بن هند وقدر مدة ولاية كل من ولي منهم ذلك ونذكر الآن من ولي ذلك لهم بعد عمرو بن هند إلى أن ولي ذلك لهم النعمان بن المنذر والذي ولي لهم ذلك بعد عمرو بن هند أخوه قابوس بن المنذر وأمه هند ابنة الحارث بن عمرو فولي ذلك أربع سنين من ذلك في زمن أنوشروان ثمانية أشهر وفي زمن هرمز بن أنو شروان ثلاث سنين وأربعة أشهر
ثم ولي بعد قابوس بن المنذر السهرب
ثم ولي بعده المنذر أبو النعمان أربع سنين
ثم ولي بعده النعمان بن المنذر أبو قابوس اثنتين وعشرين سنة من ذلك زمن هرمز بن أنو شروان سبع سنين وثمانية أشهر وفي زمن كسرى أبرويز بن هرمز أربع عشرة سنة وأربعة أشهر ثم ولي إياس بن قبيصة الطائي ومعه النخيرجان تسع سنين في زمن كسرى بن هرمز ولسنة وثمانية أشهر من ولاية إياس بن قبيصة بعث النبي صلى الله عليه و سلم فيما زعم هشام بن محمد ثم استخلف آزاذبه بن ماهان بن مهربنداذ الهمذاني سبع عشرة سنة من ذلك في زمن كسرى بن هرمز أربع عشرة سنة وثمانية أشهر وفي زمن شيرويه بن كسرى ثمانية أشهر وفي زمن أردشير بن شيرويه سنة وسبعة أشهر وفي زمن بوران دخت دخت بنت كسرى شهرا
ثم ولي المنذر بن النعمان بن المنذر وهو الذي تسميه العرب الغرور الذي قتل بالبحرين يوم جؤاثى إلى أن قدم خالد بن الوليد الحيرة ثمانية أشهر فكان آخر من بقي من آل نصر بن ربيعة فانقرض أمرهم مع زوال ملك فارس
فجميع ملوك آل نصر فيما زعم هشام ومن استخلف من العباد والفرس عشرون ملكا قال وعدة ما ملكوا خمسمائة سنة واثنتان وعشرون سنة وثمانية أشهر
رجع الحديث إلى ذكر المرزان وولايته اليمن من قبل هرمز وابنه أبرويز ومن وليها بعده
حدثت عن هشام بن محمد قال عزل هرمز بن كسرى وين عن اليمن واستعمل مكانه المروزان فأقام باليمن حتى ولد له بها وبلغ ولده ثم إن أهل جبل من جبال اليمن يقال له المصانع خالفوه
(1/483)
________________________________________
وامتنعوا من حمل الخراج إليه والمصانع جبل طويل ممتنع إلى جانبه جبل آخر قريب منه بينهما فضاء ليس بالبعيد إلا أنه لا يرام ولا يطمع فيه فسار المروزان إلى المصانع فلما انتهى إليه نظر إلى جبل لا يطمع في دخوله إلا من باب واحد يمنع ذلك الباب رجل واحد فلما رأى أن لا سبيل له إليه صعد الجبل الذي يحاذي حصنهم فنظر إلى أضيق مكان منه وتحته هواء ذاهب فلم ير شيئا أقرب إلى افتتاح الحصن من ذلك الموضع فأمر أصحابه أن يصطفوا له صفين ثم يصيحوا به صيحة واحدة وضرب فرسه فاستجمع حضرا ثم رمى به فوثب المضيق فإذا هو على رأس الحصن فلما نظرت إليه حمير وإلى صنيعه قالوا هذا أيم والأيم بالحميرية شيطان فانتهرهم وزبرهم بالفارسية وأمرهم أن يكتف بعضهم بعضا فاستنزلهم من حصنهم وقتل طائفة منهم وسبى بعضهم وكتب بالذي كان من أمره إلى كسرى بن هرمز فتعجب من صنيعه وكتب إليه أن استخلف من شئت وأقبل إلي
قال وكان للمروزان ابنان أحدهما تعجبه العربية ويروي الشعر يقال له خر خسرة والآخر أسوار يتكلم بالفارسية ويتدهقن فاستخلف المروزان ابنه خر خسرة وكان أحب ولده إليه على اليمن وسار حتى إذا كان في بعض بلاد العرب هلك فوضع في تابوت وحمل حتى قدم به على كسرى فأمر بذلك التابوت فوضع في خزانته وكتب عليه في هذا التابوت فلان الذي صنع كذا وكذا قصته في الجبلين ثم بلغ كسرى تعرب خر خسرة وروايته الشعر وتأدبه بأدب العرب فعزله وولى باذان وهو آخر من قدم اليمن من ولاة العجم
وكان كسرى قد طغى لكثرة ما قد جمع من الأموال وأنواع الجوهر والأمتعة والكراع وافتتح من بلاد العدو وساعده من الأمور ورزق من مؤاتاته وبطر وشره شرها فاسدا وحسد الناس على ما في أيديهم من الأموال فولى جباية البقايا علجا من أهل قرية تدعى خندق من طسوج بهرسير يقال له فرخزاذ بن سمي فسام الناس سوء العذاب وظلمهم واعتدى عليهم وغصبهم أموالهم في غير حلة بسبب بقايا الخراج واستفسدهم بذلك وضيق عليهم المعاش وبغض إليهم كسرى وملكه
وحدثت عن هشام بن محمد أنه قال كان أبرويز كسرى هذا قد جمع من الأموال ما لم يجمع أحد من الملوك وبلغت خيله القسطنطينية وإفريقية وكان يشتو بالمدائن ويتصيف ما بينها وبين همذان وكان يقال إنه كانت له اثنتا عشرة ألف امرأة وجارية وألف فيل إلا واحدا وخمسون ألف دابة بين فرس وبرذون وبغل وكان أرغب الناس في الجوهر والأواني وغير ذلك
وأما غير هشام فإنه قال كان [ له ] في قصره ثلاثة آلاف امرأة يطؤهن وألوف جوار اتخذهن للخدمة والغناء وغير ذلك وثلاثة آلاف رجل يقومون بخدمته وكانت له ثمانية آلاف وخمسمائة دابة لمركبه وسبعمائة وستون فيلا واثنا عشر ألف بغل لثقله وأمر فبنيت بيوت النيران وأقام فيها اثني عشر ألف هربذ للزمزمة وإنه أمر أن يحصي ما اجتبي من خراج بلاده وتوابعه وسائر أبواب المال سنة ثماني عشرة من ملكه فرفع إليه أن الذي اجتبي في تلك السنة من الخراج وسائر أبوابه من الورق أربعمائة ألف ألف مثقال وعشرون ألف ألف مثقال يكون ذلك وزن سبعة ستمائة ألف ألف درهم وأمر فحول إلى بيت مال بني بمدينة طيسبون وسماه بهار حفرد خسرو وأموال له أخرى من ضرب فيروز بن يزدجرد وقباذ بن فيروز اثنا عشر
(1/484)
________________________________________
ألف بدرة في كل بدرة منها من الورق أربعة آلاف مثقال يكون جميع ذلك ثمانية وأربعين ألف ألف مثقال وهو وزن سبعة ثمانية وستون ألف ألف وخمسمائة ألف وأحد وسبعون ألفا وأربعمائة وعشرون درهما ونصف وثلث ثمن درهم في أنواع لا يحصي مبلغها إلا الله من الجواهر والكسي وغير ذلك
وإن كسرى احتقر الناس واستخف بما لا يستخف به الملك الرشيد الحازم وبلغ من عتوه وجرأته على الله أنه أمر رجلا كان على حرس بابه الخاص يقال له زاذان فروخ أن يقتل كل مقيد في سجن من سجونه فأحصوا فبلغوا ستة وثلاثين ألفا فلم يقدم زاذان فروخ على قتلهم وتقدم لتأخير ما أمر به كسرى فيهم لعلل أعدها له فكسب كسرى عداوة أهل مملكته من غير وجه أحد ذلك احتقاره إياهم وتصغيره عظماءهم والثاني تسليط العلج فرخان زاد بن سمي عليهم والثالث أمره بقتل من كان في السجن والرابع إجماعه على قتل الفل الذين انصرفوا إليه من قبل هرقل والروم فمضى ناس من العظماء إلى عقر بابل وفيه شيري بن أبرويز مع إخوته بها قد وكل بهم مؤدبون يؤدبونهم وأساورة يحولون بينهم وبين براح ذلك الموضع فأقبلوا به ودخل مدينة بهرسير ليلا فخلى عمن كان في سجونها وخرج من كان فيها واجتمع إليه الفل الذين كان كسرى أجمع على قتلهم فنادوا قباذ شاهنشاه وصاروا حين أصبحوا إلى رحبة كسرى فهرب من كان في قصره من حرسه وانحاز كسرى بنفسه إلى باغ له قريب من قصره ويدعى باغ الهندوان فارا مرعوبا وطلب فأخذ ماه آذر وروز آذر وحبس في دار المملكة ودخل شيرويه دار الملك واجتمع إليه الوجوه فملكوه وأرسل إلى أبيه يقرعه بما كان منه
وحدثت عن هشام بن محمد قال ولد لكسرى أبرويز ثمانية عشر ولدا ذكرا أكبرهم شهريار وكانت شيرين تبنته فقال المنجمون لكسرى إنه سيولد لبعض ولدك غلام ويكون خراب هذا المجلس وذهاب هذا الملك على يديه وعلامته نقص في بعض بدنه فحصر ولده لذلك عن النساء فمكثوا حينا لا يصلون إلى امرأة حتى شكا ذلك شهريار إلى شيرين وبعث إليها يشكو الشبق ويسألها أن تدخل عليه امرأة وإلا قتل نفسه فأرسلت إليه إن لا أصل إلى إدخال النساء عليك إلا أن تكون امرأة لا يؤبه لها ولا يجمل بك أن تمسها فقال لها لست أبالي ما كانت بعد ان تكون امرأة فأرسلت إليه بجارية كانت تحجمها وكانت فيما يزعمون من بنات أشرافهم إلا أن شيرين كانت غضبت عليها في بعض الأمور فأسلمتها في الحجامين فلما أدخلتها على شهريار وثب عليها فحملت بيزدجرد فأمرت بها شيرين فقصرت حتى ولدت وكتمت أمر الولد خمس سنين ثم إنها رأت من كسرى رقة للصبيان حين كبر فقالت له هل يسرك أيها الملك أن ترى ولدا لبعض بنيك على ما كان في ذلك من المكروه فقال لا أبالي فأمرت بيزدجرد فطيب وحلي وأدخلته عليه وقالت هذا يزدجرد بن شهريار فدعا به فأجلسه في حجره وقبله وعطف عليه وأحبه حبا شديدا وجعل يبيته معه فبينا هو يلعب ذات يوم بين يديه إذ ذكر ما قيل فيه فدعا به فعراه من ثيابه واستقبله واستدبره فاستبان النقص في أحد وركيه فاستشاط غضبا وأسفا واحتمله ليجلد به الأرض فتعلقت به شيرين وناشدته الله ألا يقتله وقالت له إنه إن يكن قد حضر في هذا الملك فليس له مرد قال إن هذا المشؤوم الذي أخبرت عنه فأخرجيه فلا أنظر إليه فأمرت به فحمل إلى سجستان
وقال آخرون بل كان بالسواد عند ظؤورته في قرية يقال لها خمانية ووثبت فارس على كسرى فقتلته
(1/485)
________________________________________
وساعدهم على ذلك ابنه شيرويه بن مريم الرومية
وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة ولمضي اثنتين وثلاثين سنة وخمسة أشهر وخمسة عشر يوما من ملكه هاجر النبي صلى الله عليه و سلم من مكة إلى المدينة
ثم ملك من بعده ابنه شيرويه واسمه قباذ بن أبريز بن هرمز بن كسرى أنو شروان فذكر أن شيرويه لما ملك دخل عظماء الفرس عليه بعد حبسه إياه فقالوا له إنه لا يستقيم أن يكون لنا ملكان اثنان فإما أن تقتل كسرى ونحن خولك الباخعون لك بالطاعة وإما أن نخلعك ونعطيه الطاعة على ما لم نزل نعطيه قبل أن تملك فهدت هذه المقالة شيرويه وكسرته وأمر بتحويل كسرى من دار المملكة إلى دار رجل يقال له مارسفند فحمل كسرى على برذون وقنع رأسه وسير به إلى تلك الدار ومعه ناس من الجند فمروا به في مسيرهم على إسكاف جالس في حانوت شارع على الطريق فلما بصر بفرسان من الجند معهم فارس مقنع عرف أن المقنع كسرى فحذفه بقالب فعطف إليه رجل ممن كان مع كسرى من الجند فاخترط سيفه فضرب عنق الإسكاف ثم لحق بأصحابه
فلما صار كسرى في دار مارسفند جمع شيرويه من كان بالباب من العظماء وأهل البيوتات فقال إنا قد رأينا أن نبدأ بالإرسال إلى الملك أبينا بما كان من إساءته في تدبيره ونوقفه على أشياء منها ثم دعا برجل من أهل أردشير خرة يقال له أسفاذجشنس ولمرتبته رئيس الكتيبة كان يلي تدبير المملكة فقال له انطلق إلى الملك أبينا فقل له عن رسالتنا إنا لم نكن للبلية التي أصبحت فيها ولا أحد من رعيتنا سببا ولكن الله قضاها عليك جزاء منه لك بسيء أعمالك منها اجترامك إلى هرمز أبيك وفتكك به وإزالتك الملك عنه وسملك عينيه وقتلك إياه شر قتلة وما قارفت في أمره من الإثم العظيم ومنها سوء صنيعك إلينا معشر أبنائك في حظرك علينا مثافنة الأخيار ومجالستهم وكل أمر يكون لنا فيه دعة وسرور وغبطة ومنها إساءتك كانت بمن خلدت السجون منذ دهر حتى شقوا بشدة الفقر وضيق المعاش والغربة عن بلادهم وأهاليهم وأولادهم ومنها سوء نظرك في استخلاصك كان لنفسك من النساء وتركك العطف عليهن بمودة منك والصرف لهن إلى معاشرة من كن يرزقن منه الولد والنسل وحبسك إياهن قبلك مكرهات ومنها ما أتيت إلى رعيتك عامة في اجتبائك إياهم الخراج وما انتهكت منهم في غلظتك وفظاظتك عليهم ومنها جمعك الأموال التي اجتبيتها من الناس في عنف شديد واستفساد منك إياهم وإدخالك البلاء والمضار عليهم فيه ومنها تجميرك من جمرت في ثغور الروم وغيرهم من الجنود وتفريقك بينهم وبين أهاليهم ومنها غدرك بموريق ملك الروم وكفرك إنعامه عليك فيما كان من إيوائه إياك وحسن بلائه عندك ودفعه عنك شر عدوك وتنويهه باسمك في تزويجه إياك أكرم السناء من بناته عليه وآثرهن عنده واستخفافك بحقه وتركك إطلابه ما طلب إليك من رد خشبة الصليب التي لم يكن بها ولا بأهل بلادك إليها حاجة علمته فإن كانت لك حجج تدلي بها عندنا وعند الرعية فأدل بها وإن لم تكن لك حجة فتب إلى الله من قريب وأنب إليه حتى نأمر فيك بأمرنا
فوعي أسفاذ جشنس رسالة كسرى شيرويه هذه وتوجه من عنده إلى كسرى ليبلغه إياها فلما توجه إلى الموضع الذي كان حبس فيه كسرى ألفى رجلا يقال له جيلنوس كان قائد الجند قد وكل بحراسة كسرى جالسا فتحاورا ساعة ثم سأل أسفاذ جشنس جلينوس أن يستأذن له على كسرى ليلقاه برسالة من شيرويه
(1/486)
________________________________________
فرجع جلينوس فرفع الستر الذي كان دون كسرى فدخل عليه وقال له عمرك الله إن أسفاذجشنس بالباب وذكر أن الملك شيرويه أرسله إليك في رسالة وهو يستأذن عليك فرأيك في الأمر فيه برأيك فتبسم كسرى وقال مازحا يا جلينوس أسفاذان كلامك مخالف كلام أهل العقل وذلك أنه إن كانت الرسالة التي ذكرت من شيرويه لملك فليس لنا مع ملكه إذن وإن كان لنا إذن وحجب فليس شيرويه بملك ولكن المثل في ذلك كما قيل يشاء الله الشيء فيكون ويأمر الملك بأمر فينفذ فأذن لأسفاذجشنس يبلغ الرسالة التي حملها فلما سمع جلينوس هذه المقالة خرج من عند كسرى وأخذ بيد إسفاذجشنس وقال له قم فادخل إلى كسرى راشدا
فنهض أسفاذجشنس ودعا بعض من كان معه من خدمه ودفع إليه كساء كان لابسه وأخرج من كمه ششتقة بيضاء نقية فمسح بها وجهه ثم دخل على كسرى فلما عاين كسرى خر له ساجدا فأمره كسرى بالانبعاث فانبعث وكفر بين يديه وكان كسرى جالسا على ثلاثة أنماط [ من ] ديباج خسرواني منسوج بذهب قد فرشت على بساط من إبريسم متكئا على ثلاث وسائد منسوخة بذهب وكان بيده سفرجلة صفراء شديدة الاستدارة فلما عاين أسفاذجشنس تربع جالسا ووضع السفرجلة التي كانت بيده على تكأته فتدحرجت من أعلى الوسائد الثلاث لشدة استدارتها واملساس الوسادة التي كانت عليها بامتلاء حشوها إلى أعلى تلك الأنماط الثلاثة ومن النمط إلى البساط ولم تلبث على البساط أن تدحرجت إلى الأرض ووقعت بعيدا متلطخة بتراب فتناولها أسفاذجشنس فمسحها بكمه وذهب ليضعها بين يدي كسرى فأشار إليه أن ينحيها عنه وقال له أعزبها عني فوضعها أسفاذجشنس عند طرف البساط إلى الأرض ثم عاد فقام مقامه وكفر بيده فنكس كسرى ثم قال متمثلا الأمر إذا أدبر فاتت الحيلة في الإقبال به وإذا أقبل أعيت الحيلة في الإدبار به وهذان الأمران متداولان على ذهاب الحيل فيهما ثم قال لأسفاذجشنس إنه قد كان من تدحرج هذه السفرجلة وسقوطها حيث سقطت وتلطخها بالتراب وهو عندنا كالإخبار لنا بما حملت من الرسالة وما أنتم عاملون به وعاقبته فإن السفرجلة التي تأويلها الخير سقطت من علو إلى سفل ثم لم تلبث على مفرشنا أن سقطت إلى الأرض وقعت بعيدا متلطخة بتراب وذلك منها دليل في حال الطيرة أن مجد الملوك قد صار عند السوق وأنا قد سلبنا الملك وأنه لا يلبث في أيدي عقبنا أن يصير إلى من ليس من أهل المملكة فدونك فتكلم بما حملت من رسالة وزودت من الكلام
فاندفع أسفاذجشنس في تبليع الرسالة التي حمله إياها شيرويه ولم يغادر منها كلمة ولم يزلها عن نسقها فقال كسرى في مرجوع تلك الرسالة بلغ عني شيرويه القصير العمر أنه لا ينبغي لذي عقل أن يبث من أحد الصغير من الذنب ولا اليسير من السيئة إلا بعد تحقق ذلك عنده وتيقنه إياه منه فضلا عن عظم ما بثثت ونشرت وادعيت منا ونسبتنا إليه من الذنوب والجرائم مع أن أولى الناس بالرد عن ذي ذنب وتوبيخ ذي جرمة من قد ضبط نفسه عن الذنوب والجرائم ولو كنا على ما أضفتنا إليه لم يكن ينبغي أن تنشره وتؤنبنا به أيها القصير العمر القليل العلم فإن كنت جاهلا بما يزمك من العيوب ببثك منا ما بثثت ونسبتك إيانا إلىما نسبت فاستثبت عيوبك واقتصر في الزري علينا والعيب لنا على ما لا يزيدك بسوء مقالتك فيه إلا اشتهارا بالجهل ونقص الرأي أيها العازب العقل العديم العلم فإنه إن كان لإجهادك نفسك في شهرك إيانا من الذنوب بما يوجب علينا القتل حقيقة وكان لك على ذلك برهان فقضاة
(1/487)
________________________________________
أهل ملتك ينفون ولد المستوجب للقتل من أبيه وينحونه عن مضامة الأخيار ومجالستهم ومخالطتهم إلا في أقل المواطن فضلا عن أن يملك مع أنه قد بلغ بحمد الله ونعمته من إصلاحنا أنفسنا ونيتنا فيما بيننا وبين الله وبيننا وبين أهل ملتنا وديننا وبيننا وبينك وبين معشر أبنائنا ما ليس لنا في شيء من ذلك تقصير ولا علينا فيه من أحد حجة ولا توبيخ ونحن نشرح الحال فيما ألزمتنا من الذنوب وألحقت بنا من الجرائم عن غير التماس منا لذلك نقصا فيما أدلينا به من حجة أو أتينا عليه من برهان لتزداد علما بجهالتك وعزوب عقلك وسوء صنعيك أما ما ذكرت من أمر أبينا هرمز فمن جوابنا فيه أن الأشرار والبغاة كانوا إغروا هرمز بنا حتى اتهمنا واحتمل غمرا ووغرا ورأينا من ازوراره عنا وسوء رأيه فينا ما تخوفنا ناحيته فاعتزلنا بابه لإشفاقنا منه ولحقنا بأذربيجان وقد استفاض فانتهك من الملك ما انتهك فلما انتهى إلينا خبر ما بلغ منه شخصنا من أذربيجان إلى بابه فهجم علينا المنافق بهرام في جنود عظيمة من العصاة المستوجبة القتل مارقا من الطاعة فأجلانا عن موضع المملكة فلحقنا ببلاد الروم فأقبلنا منها بالجنود والعدة وحاربناه فهرب منا وصار من أمره في بلاد الترك من الهلكة والبوار إلى ما قد اشتهر في الناس حتى إذا صفا لنا الملك واستحكم لنا أمره ودفعنا بعون الله عن رعيتنا البلاء والآفات التي كانوا أشفوا عليها قلنا إن من خير ما نحن بادئون به في سياستنا ومفتتحون به ملكنا الانتقام لأبينا والثأر به والقتل لكل من شرك في دمه فإذا أحكمنا ما نوينا من ذلك وبلغنا منه ما نريد تفرغنا لغيره من تدبير الملك فقتلنا كل من شرك في دمه وسعى فيه ومالأ عليه
وأما ما ذكرت من أمر أبنائنا فمن جوابنا أنه ليس من ولد ولدناه ما خلا من استأثر الله به منهم إلا صحيحة أعضاء جسده غير أنا وكلنا بالحراسة لكم وكفكم عن الانتشار فيما لا يعنيكم إرادةكف ما نتخوف من ضرركم على البلاد والرعية ثم كنا أقمنا من النفقات الواسعة في كسوتكم ومراكبكم وجميع ما تحتاجون إليه ما قد علمت وأما أنت خاصة فمن قصتك أن المنجمين كانوا قضوا في كتاب مولدك أنك مثرب علينا أو يكون ذلك بسببك فلم نأمر بقتلك ولكن ختمنا على كتاب قضية مولدك ودفعناه إلى سيرين صاحبتنا ومع ثقتنا بتلك القضية وجدنا فرميشا ملك الهند كتب إلينا في سنة ست وثلاثين من ملكنا وقد أوفدهم إلينا فكتب في أمور شتى وأهدى لنا ولكم معشر أبنائنا هدايا وكتب إلى كل واحد منكم كتابا وكانت هديته لك فاذكرها فيلا وسيفا وبازيا أبيض وديباجة منسوجة بذهب فلما نظرنا فيما أهدي لكم وكتب إليكم وجدته قد وقع على كتابه إليك بالهندية اكتم ما فيه فأمرنا أن يصرف إلى كل واحد منكم ما بعث إليه من هدية أو كتاب واحبسنا كتابه إليك الحال التوقيع الذي كان عليه ودعونا بكاتب هندي وأمرنا بفض خاتم الكتاب وقراءته فكان فيه أبشر وقر عينا وانعم بالا فإنك متوج ماه آذر روز ديبا ذر سنة ثمان وثلاثين من ملك كسرى ومملك على ملكه وبلاده فوثقنا أنك لم تكن لتملك إلا بهلكنا وبوارنا فلم ننتقصك بما استقر عندنا من ذلك مما كنا أمرنا بإجرائه عليك من الأرزاق والمعاون والصلات وغير ذلك شيئا فضلا عن أمرنا بقتلك
وأما كتاب فرميشا فقد ختمنا عليه بخاتمنا واستودعناه شيرين صاحبتنا وهي في الأحياء صحيحة العقل والبدن فإن أحببت أن تأخذ منها قضية مولدك وكتاب فرميشا إليك وتقرأهما لتكسبك قراءتك إياهما ندامة وثبورا فافعل
(1/488)

بنالعياط
08-10-2012, 05:36 PM
وأما ما ذكرت من حال من خلد السجن فمن جوابنا فيه أن الملوك الماضين من لدن جيومرت إلى أن ملك بشتاسب كانوا يدبرون ملكهم بالمعدلة ولم يزالوا من لدن بشتاسب إلى أن ملكنا يدبرونه بمعدلة معها ورع الدين فسل إن كنت عديم عقل وعلم وأدب حملة الدين وهم أوتاد هذه الملة عن حال من عصى الملوك وخالفهم ونكث عهدهم والمستوجبين بذنوبهم القتل فيخبروك أنهم لا يستحقون أن يرحموا ويعفى عنهم واعلم مع ذلك أنا لم نأمر بالحبس في سجوننا ولا من قد وجب عليه في القضاء العدل أن يقتل أو تسمل عينه وتقطع يده ورجله وسائر أعضائه وكثيرا ما كان الموكلون بهم وغيره من وزرائنا يذكرون استيجاب من استوجب منهم القتل ويقولون عاجلهم بالقتل قبل أن يحتالوا لأنفسهم حيلا يقتلونك بها فكنا لحبنا استبقاء النفوس وكراهتنا سفك الدماء نتأنى بهم ونكلهم إلى الله ولا نقدم على عقوبتهم بعد الحبس الذي اقتصرنا عليه إلا على منعم أكل اللحم وشرب الشراب وشم الرياحين ولم نعد في ذلك ما في سنن الملة من الحول بين المستوجبين للقتل وبين التلذذ والتنعم بشيء مما منعناهم إياه وكنا أمرنا لهم من المطعم والمشرب وسائر ما يقيمهم بالذي يصلحهم في اقتصاد ولم نأمر بالحول بينهم وبين نسائهم والتوالد والتناسل في حال حبسهم وقد بلغنا أنك أجمعت على التخلية عن أولئك الدعار المنافقين المستوجبين للقتل والأمر بهدم محبسهم ومتى تخل عنهم تأثم بالله ربك وتسيء إلى نفسك وتخل بدينك وما فيه من الوصايا والسنن التي فيها صرف الرحمة والعفو عن المستوجبين للقتل مع أن أعداء الملوك لا يحبون الملك أبدا والعاصين لهم لا يمنحونهم الطاعة وقد وعظ الحكماء وقالوا لا تؤخرن معاقبة المستوجبي العقوبة فإن في تأخيرها مدفعة للعدل ومضرة على المملكة في حال التدبير ولئن نالك بعض السرور إن أنت خليت عن أولئك الدعار المنافقين العصاة المستوجبين للقتل لتجدن غب ذلك في تدبيرك ودخول أعظم المضرة والبلية على أهل الملة
وأما قولك إنا إنما كسبنا وجمعنا وادخرنا الأموال والأمتعة والبزور وغيرها من بلاد مملكتنا بأعنف اجتباء وأشد إلحاح على رعيتنا وأشد ظلم لا من بلاد العدو بالمجاهدة لهم والقهر عن غلبة منا إياهم على ما في أيديهم فمن جوابنا فيه أن من إصابة الجواب في كل كلام يتكلم بجهل وعنجهية ترك الجواب فيه ولكن لم ندع إذا صار ترك الجواب كالإقرار وكانت حجتنا فيما غشينا أن نحتج به قوية وعذرنا واضحا شرح ما سألتنا عنه من ذلك
اعلم أيها الجاهل أنه إنما يقيم ملك الملوك بعد الله الأموال والجنود وبخاصة ملك فارس الذي قد اكتنفت بلاده أعداء فاغرة أفواههم لالتقام ما في يديه وليس يقدر على كفهم عنها وردعهم عما يريدون من اختلاس ما يرومون اختلاسه منه إلا بالجنود الكثيفة والأسلحة والعدد الكثيرة ولا سبيل له إلى الكثيف من الجنود والكثير مما يحتاج إليه إلا بكثرة الأموال ووفورها ولا يستكثر من الأموال ولا يقدر على جمعها لحاجة إن عرضت له إليها إلا بالجد والتشمير في اجتباء هذا الخراج وما نحن ابتدعنا جمع الأموال بل اقتدينا في ذلك بآبائنا والماضين من أسلافنا فإنهم جمعوها كجمعنا إياها وكثروها ووفروها لتكون ظهرا لهم على تقوية جنودهم وإقامة أمورهم وغير ذلك مما لم يستغنوا عن جمعها له فأغار على تلك الأموال وعلى جوهر كان في خزائننا المنافق بهرام في عصابة مثله وفتاك مستوجبين القتل فشذبوها وبذروها وذهبوا بما ذهبوا به منها ولم يتركوا في بيوت أموالنا وخزائننا إلا أسلحة من أسلحتنا لم يقدروا على تشذيبها والذهاب بها ولم يرغبوا فيها
(1/489)
________________________________________
فلما ارتجعنا بحمد الله ملكنا واستحكمت أمورنا وأذعن لنا الرعية بالطاعة ودفعنا عنهم البوائق التي كانت حلت بهم ووجهنا إلى نواحي بلادنا أصبهبذين وولينا دونهم على تلك النواحي فاذوسبانين واستعملنا على ثغورنا مرازبة وولاة ذوي صرامة ومضاء وجلد وقوينا من ولينا من هؤلاء بالكثيف من الجنود أثخن هؤلاء الولاة من كان بإزائهم من الملوك المخالفين لنا والعدو وبلغ من غاراتهم عليهم وقتلهم من قتلوا وأسرهم من أسروا منهم من سنة ثلاث عشرة من ملكنا ما لم يقدر الرجل من أولئك على إطلاع رأسه في حرم بلاده إلا بخفير أو خائفا أو بأمان منا فضلا عن الإغارة على شيء من بلادنا والتعاطي لشيء مما كرهنا ووصل في مدة هذه السنين إلى بيوت أموالنا وخزائننا مما غنمنا من بلاد العدو من الذهب والفضة وأنواع الجوهر ومن النحاس والفرند والحرير والإستبرق والديباج والكراع والأسلحة والسبي والأسراء ما لم يخف عظم خطر ذلك وقدره على العامة فلما أمرنا في آخر سنة ثلاث عسرة من ملكنا بنقش سكك حديثة لنأمر فيستأنف ضرب الورق بها وجد في بيوت أموالنا على ما رفع إلينا المحصون لما كان فيها من الورق سوى ما أمرنا بعزله من الأموال لأرزاق جنودنا من الورق مائتا ألف بدرة فيها ثمانمائة ألف ألف مثقال فلما رأينا أنا قد حصنا ثغورنا وردعنا العدو عنها وعن رعيتنا [ وجمعنا مشتت أمرنا ] وكعمنا أفواههم الفاغرة كانت لالتقام ما في أيديهم وبسطنا فيهم الأمن وأمنا على نواحي بلادنا الأربع ما كان أهلها فيه من البوائق والمغار أمرنا باجتباء بقايا السنين وما انتهب من بيوت أموالنا من ذهب وفضة ومن خزائننا من جوهر أو نحاس ورد ذلك كله إلى موضعه حتى إذا كان في آخر سنة ثلاثن من ملكنا أمرنا بنقش سكك حديثة يضرب عليها الورق فوجد في بيوت أموالنا سوى ما أمرنا بعزله من الأموال لأرزاق جندنا والأموال التي أحصيت لنا قبل ذلك من الورق أربعمائة ألف بدرة يكون ما فيها ألف ألف ألف مثقال وستمائة ألف ألف مثقال وذلك سوى ما زادنا الله إلى تلك الأموال مما أفاء الله بمنه وطوله علينا من أموال ملوك الروم في سفن أقبلت بها إلينا الريح فسميناها فيء الرياح ولم تزل أموالنا من سنة ثلاثين من ملكنا إلى سنة ثمان وثلاثين من ملكنا التي هي هذه السنة تزداد كثرة ووفورا وبلادنا عمارة ورعيتنا أمنا وطمأنينة وثغورنا وأطرافنا مناعة وحصانة وقد بلغنا أنك هممت لرذولة مروءتك أن تبذر هذه الأموال وتتويها عن رأي الأشرار العتاة المستوحبين للقتل ونحن نعلمك أن هذه الكنوز والأموال لم تجمع إلا بعد المخاطرة بالنفوس بعد كد وعناء شديد لندفع بها العدو المكتنفين لبلاد هذه المملكة المتقلبين إلى غلبتهم على ما في أيديهم وإنما يقدر على كف أولئك العدو في الأزمان والدهور كلها بعد عون الله بالأموال والجنود ولن تقوى الجنود إلا بالأموال ولا ينتفع بالأموال إلا على كثرتها ووفورها فلا تهمن بتفرقة هذه الأموال ولا تجسرن عليها فإنها كهف لملكك وبلادك وقوة لك على عدوك
ثم انصرف إسفاذجشنس إلى شيرويه فقص عليه ما قال له كسرى ولم يسقط منه حرفا وإن عظماء الفرس عادوا فقالوا لشيرويه إنه لا يستقيم أن يكون لنا ملكان فإما أن تأمر بقتل كسرى ونحن خولك المانحوك الطاعة وإما أن نخلعك ونعطيه الطاعة فهدت شيرويه هذه المقالة وكسرته وأمر بقتل كسرى فانتدب لقتله رجال كان وترهم كسرى فكلما أتاه الرجل منهم شتمه كسرى وزبره فلم يقدم على قتله أحد حتى أتاه شاب يقال له مهرهرمز بن مردانشاه ليقتله وكان مردانشاه فاذوسبابا لكسرى على ناحية نيمروذ وكان من أطوع الناس لكسرى وأنصحهم له وإن كسرى سأل قبل أن يخلع بنحو من سنتين منجميه وعافته
(1/490)
________________________________________
عن عاقبة أمره وأخبروه أن منيته آتية من قبل نيمروذ فاتهم مردانشاه وتخوف ناحيته لعظم قدره وأنه لم يكن في تلك الناحية من يعدله في القوة والقدرة
فكتب إليه أن يعجل القدوم عليه حتى إذا قدم عليه أجال الرأي في طلب علة يقتله بها فلم يجد عليه عثرة وتذمم من قتله لما علم من طاعته إياه ونصيحته له وتحريه مرضاته فرأى أن يستبقيه ويأمر بقطع يمينه ويعوضه منها أموالا عظيمة يجود له بها فبغى عليه من العلل ما قطع يمينه وإنما كانت تقطع الأيدي والأرجل وتقطع الأعناق في رحبة الملك
وإن كسرى أرسل يوم أمر بقطع يده عينا ليأتيه بخبر ما يسمع من مردانشاه وومن بحضرته من النظارة وإن مردانشاه لما قطعت يمينه قبض عليها بشماله فقبلها ووضعها في حجره وجعل يندبها بدمع له دار ويقول واسمحتاه واراميتاه واكتبتاه واضاربتاه والاعبتاه واكريمتاه
فانصرف إلى كسرى الرجل الذي كان وجهه عينا عليه فأخبره بما رأى وسمع منه فرق له كسرى وندم على إتيانه في أمره ما أتى
فأرسل إليه مع رجل من العظماء يعلمه ندامته على ما كان منه وأنه لن يسأله شيئا يجد السبيل إلى بذله له إلا أجابه إليه وأسعفه به فأرسل إلى كسرى مع ذلك الرسول يدعو له ويقول إني لم أزل أعرف تفضلك علي أيها الملك وأشكره لك وقد تيقنت أن الذي أتيت إلي مع كراهتك إياه إنما كان سببه القضاء ولكني سائلك أمرا فأعطني من الأيمان على إسعافك إياي به ما أطمئن إليه وليأتني بيقين حلفك على ذلك رجل من النساك فأفرشك إياه وأبثه لك
فانصرف رسول كسرى إلى كسرى بهذه الرسالة فسارع إلى ما سأله مردانشاه وحلف بالأيمان المغلظة ليجيبنه إلى ما هو سائله ما لم تكن مسألته أمرا يوهن ملكه وأرسل إليه بهذه الرسالة مع رئيس المزمزمين فأرسل إليه مردانشاه يسأله أن يأمر بضرب عنقه ليمتحي بذلك العار الذي لزمه فأمر كسرى فضربت عنقه كراهة منه للحنث زعم
وإن كسرى سأل مهرهرمز بن مردانشاه حين دخل عليه عن اسمه وعن اسم أبيه ومرتبته فأخبره أنه مهرهرمز بن مردانشاه فاذوسبان نيمروذ فقال كسرى أنت ابن رجل شريف كثير الغناء قد كافأناه على طاعته إيانا ونصيحته لنا وغنائه عنا بغير ما كان يستحقه فشأنك وما أمرت به فضرب مهرهرمز على حبل عاتقه بطبرزين كان بيده ضربات فلم يحك فيه ففتش كسرى فوجد قد شد في عضده خرزه لا يحيك السيف في كل من تعلقها فنزعت من عضده ثم ضربه بعد ذلك مهرهرمز ضربة فهلك منها وبلغ شيرويه فخرق جيبه وبكى منتحبا وأمر بحمل جثته إلى الناووس فحملت وشيعها العظماء وأفناء الناس
وأمر فقتل قاتل كسرى وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة وكان قتله ماه آذر روزماه وقتل شيرويه سبعة عشر أخا له ذوي أدب وشجاعة ومروءة بمشورة وزيره فيروز وتحريض ابن ليزدين وإلى عشور الآفاق كان لكسرى يقال له شمطا إياه عن قتلهم فابتلي بالأسقام ولم يلتذ بشيء من لذات الدنيا وكان هلاكه بدسكرة الملك وكان مشؤوما على آل ساسان فلما قتل إخوته جزع جزعا شديدا ويقال إنه لما كان اليوم الثاني من اليوم الذي قتلهم فيه دخلت عليه بوران وآزرميدخت أختاه فأسمعتاه وأغلظتا له وقالتا حملك
(1/491)
________________________________________
الحرص على ملك لا يتم على قتل أبيك وجميع إخوتك وارتكبت المحارم فلم سمع ذلك منهما بكى بكاء شديدا ورمى بالتاج عن رأسه ولم يزل أيامه كلها مهموما مدنفا ويقال إنه أباد من قدر عليه من أهل بيته وإن الطاعون فشا في أيامه حتى هلك الفرس إلا قليلا منهم وكان ملكه ثمانية أشهر
ثم ملك أردشير بن شيرويه بن أبرويز بن هرمز بن أنو شروان وكان طفلا صغيرا قيل إنه كان ابن سبع سنين لأنه لم يكن في أهل بيت المملكة محتنك فملكته عظماء فارس وحضنه رجل يقال له مهآذرجشنس وكانت مرتبته رياسة أصحاب المائدة فأحسن سياسة الملك فبلغ من إحكامه ذلك ما لم يحس معه بحداثة سن أردشير وكان شهر براز بثغر الروم في جند ضمهم إليه كسرى وسماهم السعداء وكان كسرى وشيرويه لا يزالان يكتبان إليه في الأمر يهمهما فيستشيرانه فيه فلما لم يشاوره عظماء فارس في تمليك أردشير اتخذ ذلك ذريعة إلى العتب والتبغي عليهم وبسط يده في القتل وجعله سببا للطمع في الملك والاعتلاء عند ذلك من ضعة العبودية إلى رفعة الملك واحتقر أردشير لحداثة سنه واستطال عليهم وأجمع على دعاء الناس إلى التشاور في الملك ثم أقبل بجنده وقد عمد مهآذر جشنس فحصن سور مدينة طيسبون وأبوابها وحول أردشير ومن بقي من نسل الملك ونسائهم وما كان في بيت مال أردشير من ماله وخزائنه وكراعه إلى مدينة طيسبون وكان الذين أقبل فيهم من الجند شهر براز ستة آلاف رجل من جند فارس بثغر الروم فأناخ إلى جانب مدينة طيسبون وحاصر من فيها وقاتلهم عنها ونصب المجانيق عليها فلم يصل إليها فلما رأى عجزه عن افتتاحها أتاها من قبل المكيدة فلم يزل يخدع رجلا يقال له نيوخسروا وكان رئيس حرس أردشير ونامدار جشنس بن آذر جشنس أصبهبذ نيمروذ حتى فتحا له باب المدينة فدخلها فأخذ جماعة من الرؤساء فقتلهم واستصفى أموالهم وفضح نساءهم وقتل ناس بأمر شهر براز أردشير بن شيرويه سنة اثنتين ماه بهمن ليلة روزآبان في إيوان خسروشاه قباذ
وكان ملكه سنة وستة أشهر
ثم ملك شهربراز وهو فرخان ماه إسفنديار ولم يكن من أهل بيت المملكة ودعا نفسه ملكا وإنه حين جلس على سرير الملك ضرب عليه بطنه وبلغ من شدة ذلك عليه أنه لم يقدر على إتيان الخلاء فدعا بطست فوضع أمام ذلك السرير فتبرز فيه وإن رجلا من أهل إصطخر يقال له فسفروخ بن ماخراشيذان وأخوين له امتعضوا من قتل شهربراز أردشير وغلبته على الملك وأنفوا من ذلك وتحالفوا وتعاقدوا عل قتله وكانوا جميعا في حرس الملوك وكان من السنة إذا ركب الملك أن يقف له حرسه سماطين عليهم الدروع والبيض والترسة والسيوف وبأيديهم الرماح فإذا حاذى بهم الملك وضع كل رجل منهم ترسه على قربوس سرجه ثم وضع جبهته عليه كهيئة السجود وإن شهر براز ركب بعد ان ملك بأيام فوقف فسفروخ وأخواه قريبا بعضهم من بعض فلما حاذى بهم شهر براز طعنه فسفروخ ثم طعنه أخواه وكان ذلك إسفندارمذماه وروز دي بدين فسقط عن دابته ميتا فشدوا في رجله حبلا وجروه إقبالا وإدبارا وساعدهم على قتله رجل من العظماء يقال له زاذان فروخ بن شهر داران ورجل يقال له ماهياي كان مؤدب الأساورة وكثير من العظماء وأهل البيوتات وعاونوهم على قتل رجال فتكوا بأردشير بن شيرويه وقتلوا رجالا من العظماء وإنهم ملكوا بوران بنت كسرى
(1/492)
________________________________________
وكان جميع ما ملك شهر براز أربعين يوما
ثم ملكت بوران بنت كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى أنو شروان فذكر أنها قالت يوم ملكت البر أنوي وبالعدل آمر وصيرت مرتبة شهر براز لفسفروخ وقلدته وزارتها وأحسنت السيرة في رعيتها وبسطت العدل فيهم وأمرت بضرب الورق ورم القناطر والجسور ووضعت بقايا بقيت من الخراج على الناس عنهم وكتبت إلى الناس عامة كتبا أعلمتهم ما هي عليه من الإحسان إليهم وذكرت حال من هلك من أهل بيت المملكة وأنها ترجو أن يريهم الله من الرفاهة والاستقامة بمكانها ما يعرفون به أنه ليس ببطش الرجال تدوخ البلاد ولا ببأسهم تستباح العساكر ولا بمكايدهم ينال الظفر وتطفأ النوائر ولكن كل ذلك يكون بالله عز و جل وأمرتهم بالطاعة وحضتهم على المناصحة وكانت كتبها جماعة لكل ما يحتاج إليه وإنها ردت خشبة الصليب على ملك الروم مع جاثليق يقال له إيشوعهب
وكان ملكها سنة وأربعة أشهر
ثم ملك بعدها رجل يقال له جشنسده من بني عم أبرويز الأبعدين وكان ملكه أقل من شهر ثم ملكت آزرميدخت بنت كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى أنو شروان ويقال إنها كانت من أجمل نسائهم وإنها قالت حين ملكت منهاجنا منهاج أبينا كسرى المنصور فإن خالفنا أحد هرقنا دمه ويقال إنه كان عظيم فارس يومئذ فرخهرمز إصبهبذ خراسان فأرسل إليها يسألها أن تزوجه نفسها فأرسلت إليه إن التزويج للملكة غير جائز وقد علمت أن دهرك فيما ذهبت إليه قضاء حاجتك وشهوتك مني فصر إلي ليلة كذا وكذا ففعل فرخهرمز وركب إليها في تلك الليلة وتقدمت آزرميدخت إلى صاحب حرسها أن يترصده في الليلة التي تواعدا الالتقاء فيها حتى يقتله فنفذ صاحب حرسها لأمرها وأمرت به فجر برجله وطرح في رحبة دار المملكة فلما أصبحوا وجدوا فرخهرمز قتيلا فأمرت بجثته فغيبت وعلم أنه لم يقتل إلا لعظيمة وكان رستم بن فرخهرمز صاحب يزدجرد الذي وجه بعد لقتال العرب خليفة أبيه بخراسان فلما بلغه الخبر أقبل في جند عظيم حتى نزل المدائن وسمل عيني آزرميدخت وقتلها وقال بعضهم بل سمت
وكان ملكها ستة أشهر
ثم أتي برجل من عقب أردشير بن بابك كان ينزل الأهواز يقال له كسرى بن مهر جشنس فملكه العظماء ولبس التاج وجلس على سرير الملك وقتل بعد أن ملك بأيام
وقيل إن الذي ملك بعد آزرميدخت خرزاذ خسروا من ولد أبرويز وقيل إنه وجد بحصن يعرف بالحجارة بالقرب من نصيبين فلما صار إلى المدائن مكث أياما يسيرة ثم استعصوا عليه وخالفوه
وقال الذين قالوا ملك بعد آزرميدخت كسرى بن مهراجشنس لما قتل كسرى بن مهرا جشنس طلب عظماء فارس من يملكونه من أهل بيت المملكة فطلبوا من له عنصر من أهل ذلك البيت ولو من قبل النساء فأتوا برجل كان يسكن ميسان يقال له فيروز بن مهرانجشنس ويسمى أيضا جشنسده قد ولدته صهاربخت بنت يزداندار بن كسرى أنو شروان فملكوه كرها
وكان رجلا ضخم الرأس فلما توج قال ما أضيق هذا التاج فتطير العظماء من افتتاحه كلامه
(1/493)
________________________________________
بالضيق وقتلوه بعد أن ملك أياما
ومن الناس من يقول قتل ساعة تكلم بما تكلم به
وقال قائل هذا القول ثم شخص رجل من العظماء يقال له زاذي ولمرتبته رئيس الخول إلى موضع في ناحية المغرب قريب من نصيبين يقال له حصن الحجارة فأقبل بابن لكسرى كان نجا إلى ذلك القصر حين قتل شيرويه بني كسرى يقال له فرخزاذ خسروا إلى مدينة طيسبون فانقاد له الناس زمنا يسيرا ثم استعصوا عليه وخالفوه فقال بعضهم قتلوه
وكان ملكه ستة أشهر
وقال بعضهم كان أهل إصطخر ظفروا بيزدجرد بن شهريار بن كسرى بإصطخر قد هرب به إليها حيث قتل شيرويه إخوته فلما بلغ عظماء أهل إصطخر أن من بالمدائن خالفوا فرخزاذ خسروا أتوا بيزدجرد بيت نار يدعى بيت نار أردشير فتوجوه هناك وملكوه وكان حدثا ثم أقبلوا به إلى المدائن وقتلوا فرخزاذ خسروا بحيل احتالوها لقتله بعد أ ملك سنة
وساغ الملك ليزدجرد غير أن ملكه كان عند ملك آبائه كالخيال والحلم وكانت العظماء والوزراء يدبرون ملكه لحداثة سنه وكان أشدهم نباهة في وزرائه وأذكاهم رئيس الخول وضعف أمر مملكة فارس واجترأ عليه أعداؤه من كل وجه وتطرفوا بلاده وأخربوا منها وغزت العرب بلاده بعد أن مضت سنتان من ملكه وقيل بعد أن مضى أربع سنين من ملكه
وكان عمره كله إلى أن قتل ثمانيا وعشرين سنة
وقد بقي من أخبار يزدجرد هذا وولده أخبار سأذكرها إن شاء الله بعد في مواضعها من فتوح المسلمين وما فتحوا من بلاد العجم وما آل إليه أمره وأمر ولده
فجميع ما مضى من السنين من لدن أهبط آدم إلى الأرض إلى وقت هجرة النبي صلى الله عليه و سلم على ما يقوله أهل الكتاب من اليهود وتزعم أنه في التورا الصورة مثبت من أعمار الأنبياء والملوك أربعة آلاف سنة وستمائة سنة واثنتان وأربعون سنة وأشهر وأما على ما تقوله النصارى مما تزعم أنه في توراة اليونانية فإن ذلك خمسة آلاف سنة وتسعمائة سنة واثنتان وتسعون سنة وأشهر وأما جميع ذلك على قول المجوس من الفرس فإنه أربعة آلاف سنة ومائة سنة واثنتان وثمانون سنة وعشرة أشهر وتسعة عشر يوما على أنه داخل في ذلك مدة ما بين وقت الهجرة ومقتل يزدجرد وذلك ثلاثون سنة وشهران وخمسة عشر يوما وعلى أنه حسابهم ذلك وابتداء تأريخهم من عهد جيومرت وجيومرت هو آدم أبو البشر الذي إليه نسبة كل منتسب من الإنس على ما قد بينت في كتابي هذا
وأما علماء الإسلام فقد ذكرت قبل ما قال فيه بعضهم وأذكر بعض من لم يمض ذكره منهم الآن فإنهم قالوا كان بين آدم ونوح عشرة قرون والقرن مائة سنة وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون والقرن مائة سنة وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون والقرن مائة سنة
ذكر من قال ذلك
(1/494)
________________________________________
حدثنا ابن بشار قال حدثنا أبو داود قال حدثنا همام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق
حدثني الحارث بن محمد قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي عن غير واحد من أهل العلم قالوا كان بين آدم ونوح عشرة قرون والقرن مائة سنة وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون والقرن مائة سنة وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون والقرن مائة سنة
وروي عن عبدالرحمن بن مهدي عن أبي عوانة عن عاصم الأحول عن أبي عثمان عن سلمان قال الفترة بين محمد وعيسى عليهما السلام ستمائة سنة
وروي عن فضيل بن عبدالوهاب عن جعفر بن سليمان عن عوف قال كان بين عيسى وموسى ستمائة سنة
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية عن سعيد بن أبي صدقة عن محمد بن سيرين قال نبئت أن كعبا قال إن قوله يا أخت هارون ( 1 ) ليس بهارون أخي موسى قال فقالت له عائشة كذبت قال يا أم المؤمنين إن كان النبي صلى الله عليه و سلم قال فهو أعلم وأخبر وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة قال فسكتت
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا هشام عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال كان بين موسى بن عمران وعيسى بن مريم ألف سنة وتسعمائة سنة ولم يكن بينهما فترة وإنه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم وكان بين ميلاد عيسى والنبي خمسمائة وتسع وستون سنة بعث في أولها ثلاثة أنبياء وهو قوله إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث ( 2 ) والذي عزز به شمعون وكان من الحواريين وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولا أربعمائة وأربعا وثلاثين سنة وإن عيسى حين رفع كان ابن اثنتين وثلاثين سنة وستة أشهر وكانت نبوته ثلاثين شهرا وإن الله رفعه بجسده وإنه حي الآن
حدثني محمد بن سهل بن عسكر قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول قد خلا من الدنيا خمسة آلاف سنة وستمائة سنة
حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري قال حدثنا يحيى بن صالح عن الحسن بن أيوب الحضرمي قال حدثنا عبدالله بن بسر قال قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم لتدركن قرنا فعاش مائة سنة
فهذا ما روي عن علماء الإسلام في ذلك وفي ذلك من قولهم تفاوت شديد وذلك أن الواقدي حكى عن جماعة من أهل العلم أنهم قالوا ما ذكرت عنه أنه رواه عنهم وعلى ذلك من قوله ينبغي أن يكون جميع سني الدنيا إلى مولد نبينا صلى الله عليه و سلم أربعة آلاف سنة وستمائة سنة وعلى قول ابن عباس الذي رواه هشام بن محمد عن أبيه عن أبي صالح عنه ينبغي أن يكون إلى مولد النبي صلى الله عليه و سلم خمسة آلاف سنة وخمسمائة سنة
(1/495)

بنالعياط
08-10-2012, 07:13 PM
وأما وهب بن منبه فقد ذكر جملة من قوله من غير تفصيل وأن ذلك إلى زمنه خمسة آلاف سنة وستمائة سنة وجميع مدة الدنيا عند وهب ستة آلاف سنة وقد كان مضى عنده من ذلك إلى زمانه خمسة آلاف سنة وستمائة سنة وكانت وفاة وهب بن منبه سنة أربع عشرة ومائة من الهجرة فكأن الباقي من الدنيا على قول وهب من وقتنا الذي نحن فيه مائتا سنة وخمس عشرة سنة
وهذا القول الذي قاله وهب بن منبه موافق لما رواه أبو صالح عن ابن عباس
وقال بعضهم من وقت هبوط آدم عليه السلام إلى أن بعث نبينا صلى الله عليه و سلم ستة آلاف سنة ومائة وثلاث عشرة سنة وذلك أن عنده من مهبط آدم إلى الأرض إلى الطوفان ألفي سنة ومائتي سنة وستا وخمسين سنة ومن الطوفان إلى مولد إبراهيم خليل الرحمن ألف سنة وتسعا وسبعين سنة ومن مولد إبراهيم إلى خروج موسى ببني إسرائيل من مصر خمسمائة سنة وخمسا وستين سنة ومن خروج موسى ببني إسرائيل من مصر إلى بناء بيت المقدس وذلك لأربع سنين من ملك سليمان بن داود ستمائة سنة وستا وثلاثين سنة ومن بناء بيت المقدس إلى ملك الإسكندر سبعمائة سنة وسبع عشرة سنة ومن ملك الإسكندر إلى مولد عيسى بن مريم عليه السلام ثلاثمائة سنة وتسعا وستين سنة ومن مولد عيسى إلى مبعث محمد صلى الله عليه و سلم خمسمائة سنة وإحدى وخمسين سنة ومن مبعثه إلى هجرته من مكة إلى المدينة ثلاث عشرة سنة
وقد حدث بعضهم عن هشام بن محمد الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال كان من آدم إلى نوح ألفا سنة ومائتا سنة ومن نوح إلى إبراهيم ألف سنة ومائة سنة وثلاث وأربعون سنة ومن إبراهيم إلى موسى خمسمائة سنة وخمس وسبعون سنة ومن موسى إلى داود مائة سنة وتسع وسبعون سنة ومن داود إلى عيسى ألف سنة وثلاث وخمسون سنة ومن عيسى إلى محمد ستمائة سنة
وحدث الهيثم بن عدي عن بعض أهل الكتب أنه قال من آدم إلى الطوفان ألفا سنة ومائتا سنة وست وخمسون سنة ومن الطوفان إلى وفاة إبراهيم ألف سنة وعشرون سنة ومن وفاة إبراهيم إلى دخول بني إسرائيل مصر خمس وسبعون سنة ومن دخول يعقوب مصر إلى خروج موسى منها أربعمائة سنة وثلاثون سنة ومن خروج موسى من مصر إلى بناء بيت المقدس خمسمائة سنة وخمسون سنة ومن بناء بيت المقدس إلى ملك بختنصر وخراب بيت المقدس أربعمائة سنة وست وأربعون سنة ومن ملك بختنصر إلى ملك الإسكندر أربعمائة سنة وست وثلاثون سنة ومن ملك الإسكندر إلى سنة ست ومائتين من الهجرة ألف سنة ومائتان وخمس وأربعون سنة
(1/496)
________________________________________
ذكر نسب رسول الله صلى الله عليه و سلم وذكر بعض أخبار آبائه وأجداده
اسم رسول الله صلى الله عليه و سلم محمد وهو ابن عبدالله بن عبدالمطلب وكان عبدالله أبو رسول الله أصغر ولد أبيه وكان عبدالله والزبير وعبد مناف وهو أبو طالب بنو عبدالمطلب لأم واحدة وأمهم جميعا فاطمة بنت عمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم حدثنا بذلك ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق
وحدثت عن هشام بن محمد عن أبيه أنه قال عبدالله بن عبدالمطلب أبو رسول الله وأبو طالب واسمه عبدمناف والزبير وعبدالكعبة وعاتكة وبرة وأميمة ولد عبد المطلب إخوة أم جيمعهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة
وكان عبدالمطلب فيما حدثني يونس بن عبدالأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أنه أخبره أن امرأة نذرت أن تنحر ابنها عند الكعبة في أمر إن فعلته ففعلت ذلك الأمر فقدمت المدينة لتستفتي عن نذرها فجاءت عبدالله بن عمر فقال لها عبدالله بن عمر لا أعلم الله أمر في النذر إلا الوفاء به فقالت المرأة أفأنحر ابني قال ابن عمر قد نهاكم الله أن تقتلوا أنفسكم فلم يزدها عبدالله بن عمر على ذلك فجاءت عبدالله بن عباس فاستفتته فقال أمر الله بوفاء النذر والنذر دين ونهاكم أن تقتلوا أنفسكم وقد كان عبدالمطلب بن هاشم نذر إن توافى له عشرة رهط أن ينحر أحدهم فلما توافى له عشرة أقرع بينهم أيهم ينحر فطارت القرعة على عبدالله بن عبدالمطلب وكان أحب الناس إلى عبدالمطلب فقال عبدالمطلب اللهم هو أو مائة من الإبل ثم أقرع بينه وبين الإبل فطارت القرعة على المائة من الإبل فقال ابن عباس للمرأة فأرى أن تنحري مائة من الإبل مكان ابنك فبلغ الحديث مروان وهو أمير المدينة فقال ما أرى ابن عمر ولا ابن عباس اصابا الفتيا إنه لا نذر في معصية الله استغفري الله وتوبي إلى الله وتصدقي واعملي ما استطعت من الخير فأما ان تنحري ابنك فقد نهاك الله عن ذلك فسر الناس بذلك وأعجبهم قول مروان ورأوا أنه قد أصاب الفتيا فلم يزالوا يفتون بألا نذر في معصية الله
وأما ابن إسحاق فإنه قص من أمر نذر عبدالمطلب هذا قصة هي أشيع مما في هذا الخبر الذي ذكرناه عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب وذلك ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محد بن إسحاق قال كان عبدالمطلب بن هاشم فيما يذكرون والله أعلم قد نذر حين لقي من قريش في
(1/497)
________________________________________
حفر زمزم ما لقي لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا منه حتى يمنعوه لينحرن أحدهم لله عند الكعبة فلما توافى له بنوه عشرة وعرف أنهم سيمنعونه جمعهم ثم أخبرهم بنذره الذي نذر ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك فأطاعوه وقالوا كيف نصنع قال يأخذ كل رجل منكم قدحا ثم ليكتب فيه اسمه ثم ائتوني به ففعلوا ثم أتوه فدخل على هبل في جوف الكعبة وكانت هبل أعظم أصنام قريش بمكة وكانت على بئر في جوف الكعبة وكانت تلك البئر هي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة وكان عند هبل سبعة أقدح كل قدح منها فيه كتاب قدح فيه العقل إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة فإن خرج العقل فعلى من خرج حمله وقدح فيه نعم للأمر إذا أرادوه يضرب به فإن خرج قدح نعم عملوا به وقدح فيه لا فإذا ارادوا أمرا ضربوا به في القداح فإذا خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الأمر وقدح فيه منكم وقدح فيه ملصق وقدح فيه من غيركم وقدح فيه المياه إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح وفيها ذلك القدح فحيثما خرج عملوا به وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما أو ينكحوا منكحا أو يدفنوا ميتا أو شكوا في نسب أحد منهم ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وجزور فأعطوها صاحب القداح الذي يضربها ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون ثم قالوا يا إلهنا هذا ابن فلان قد أردنا به كذا وكذا فأخرج الحق فيه ثم يقولون لصاحب القداح اضرب فيضب فإن خرج عليه منكم كان وسيطا وإن خرج عليه من غيركم كان حليفا وإن خرج عليه ملصق كان على منزلته منهم لا نسب له ولا حلف وإن خرج في شيء سوى هذا مما يعملون به نعم عملوا به وإن خرج لا أخروه عامهم ذلك حتى يأتوا به مرة أخرى ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح فقال عبدالمطلب لصاحب القداح اضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه وأخبره بنذره الذي نذر فأعطى كل رجل منهم قدحه الذي فيه اسمه وكان عبدالله بن عبدالمطلب أصغر بني أبيه وكان فيما يزعمون أحب ولد عبدالمطلب إليه وكان عبدالمطلب يرى أن السهم إذا أخطأه فقد أشوى وهو أبو رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما أخذ صاحب القداحا القداح ليضرب بها قام عبدالمطلب عند هبل في جوف الكعبة يدعو الله ثم ضرب صاحب القداح فخرج القدح على عبدالله فأخذ عبدالمطلب بيده وأخذ الشفرة ثم أقبل إلى إساف ونائلة وهما وثنا قريش اللذان تنحر عندهما ذبائحها ليذبحه فقامت إليه قريش من أنديتها فقالوا ماذا تريد يا عبدالمطلب قال أذبحه فقالت له قريش وبنوه والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه حتى يذبحه فما بقاء الناس على هذا فقال له المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم وكان عبدالله بن أخت القوم والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه وقالت له قريش وبنوه لا تفعل وانطلق به إلى الحجاز فإن به عرافة لها تابع فسلها ثم أنت على رأس أمرك إن أمرتك أن تذبحه ذبحته وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته
فانطلقوا حتى قدموا المدينة فوجدوها فيما يزعمون بخيبر فركبوا إليها حتى جاؤوها فسألوها وقص علهيا عبدالمطلب خبره خبر ابنه وما أراد به ونذره فيه فقالت لهم ارجعوا عني اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله فرجعوا عنها فلما خرجوا من عندها قام عبدالمطلب يدعو الله ثم غدوا عليها فقالت نعم قد جاءني الخبر كم الدية فيكم قالوا عشر من الإبل وكانت كذلك قالت فارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم وقربوا عشرا من الإبل ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح فإن خرجت على
(1/498)
________________________________________
صاحبكم فزيدوا في الإبل حتى يرضى ربكم وإن خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم
فخرجوا حتى قدموا مكة فلما أجمعوا لذلك من الأمر قام عبدالمطلب يدعو الله ثم قربوا عبدالله وعشرا من الإبل وعبدالمطلب في جوف الكعبة عند هبل يدعو الله فخرج القدح على عبدالله فزادوا عشرا فكانت الإبل عشرين وقام عبدالمطلب في مكانه ذلك يدعو الله ثم ضربوا فخرج السهم على عبدالله فزادوا عشرا من الإبل فكانت ثلاثين ثم لم يزالوا يضربون بالقداح ويخرج القدح على عبدالله فكلما خرج عليه زادوا من الإبل عشرا حتى ضربوا عشر مرات وبلغت الإبل مائة وعبدالمطلب قائم يدعو ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل فقالت قريش ومن حضر قد انتهى رضا ربك يا عبدالمطلب فزعموا أن عبدالمطلب قال لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات فضربوا على الإبل وعلى عبدالله وقام عبدالمطلب يدعو فخرج القدح علىالإبل ثم عادوا الثانية وعبدالمطلب قائم يدعو ثم عادوا الثالثة فضربوا فخرج القدح على الإبل فنحرت ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا سبع
ثم انصرف عبدالمطلب آخذا بيد ابنه عبدالله فمر فيما يزعمون على امرأة من بني أسد [ بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر يقال لها أم قتال بنت نوفل بن أسد بن عبدالعزى وهي أخت ورقة بن نوفل بن أسد وهي عند الكعبة فقالت له حين نظرت إلى وجهه أين تذهب يا عبدالله قال مع أبي قالت لك عندي مثل الإبل التي نحرت عنك وقع علي الآن قال إن معي أبي ولا أستطيع خلافه ولا فراقه فخرج به عبدالمطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف ابن زهرة ووهب يومئذ سيد بني زهرة سنا وشرفا فزوجه آمنة بنت وهب وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا وهي لبرة بنت عبدالعزى بن عثمان بن عبدالدار بن قصي وبرة لأم حبيب بنت أسد بن عبدالعزى بن قصي وأم حبيب بنت أسد لبرة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي فزعموا أنه دخل عليها حين ملكها مكانه فوقع عليها فحملت بمحمد صلى الله عليه و سلم ثم خرج من عندها حتى أتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت فقال لها مالك لا تعرضين علي اليوم ما كنت عرضت علي بالأمس فقالت له فارقك النور الذي كان معك بالأمس فليس لي بك اليوم حاجة وقد كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل وكان قد تنصر واتبع الكتب حتى أدرك فكان فيما طلب من ذلك أنه كائن لهذه الأمة نبي من بني إسماعيل
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن أبيه إسحاق بن يسار أنه حدث أن عبدالله إنما دخل على امرأة كانت له مع آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة وقد عمل في طين له وبه آثار من الطين فدعاها إلى نفسه فأبطأت عليه لما رأت به من آثار الطين فخرج من عندها فتوضأ وغسل عنه ما كان به من ذلك وعمد إلى آمنة فدخل عليها فأصابها فحملت بمحمد صلى الله عليه و سلم ثم مر بامرأته تلك فقال هل لك فقالت لا مررت بي وبين عينيك غرة فدعوتني فأبيت ودخلت على آمنة فذهبت بها فزعموا أن امرأته تلك كانت تحدث أنه مر بها وبين عينيه مثل غرة الفرس قالت فدعوته رجاء أن يكون بي فأبى علي ودخل على آمنة بنت وهب فأصابها فحملت برسول الله صلى الله عليه و سلم
(1/499)
________________________________________
حدثني علي بن حرب الموصلي قال حدثنا محمد بن عمارة القرشي قال حدثنا الزنجي بن خالد عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال لما خرج عبدالمطلب بعبدالله ليزوجه مر به على كاهنة من خثعم يقال لها فاطمة بنت مر متهودة من أهل تبالة قد قرأت الكتب فرأت في وجهه نورا فقالت له يا فتى هل لك أن تقع علي الآن وأعطيك مائة من الإبل فقال ... أما الحرام فالممات دونه ... والحل لا حل فأستبينه ... فكيف بالأمر الذي تبغينه ...
ثم قال أنا مع أبي ولا أقدر أن أفارقه فمضى به فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة فأقام عندها ثلاثا ثم انصرف فمر بالخثعمية فدعته نفسه إلى ما دعته إليه فقال لها هل لك فيما كنت أردت فقالت يا فتى إني والله ما أنا بصاحبة ريبة ولكني رأيت في وجهك نورا فأردت أن يكون في وأبى الله إلا أن يجعله حيث أراد فما صنعت بعدي قال زوجني أبي آمنة بنت وهب فأقمت عندها ثلاثا فأنشأت فاطمة بنت مر تقول ... إني رأيت مخيلة لمعت ... فتلألأت بحناتم القطر ... فلمتها نورا يضيء له ... ما حوله كإضاءة البدر ... فرجوتها فخرا أبوء به ... ما كل قادح زنده يوري ... لله ما زهرية سلبت ... ثوبيك ما استلبت وما تدري ...
وقالت أيضا ... بني هاشم قد غادرت من أخيكم ... أمينة إذ للباه تعتركان ... كما غادر المصباح عند خموده ... فتائل قد ميثت له بدهان ... وما كل ما يحوي الفتى من تلاده ... لعزم ولا ما فاته لتوان ... فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه ... سيكفيكه جدان يعتلجان ... سيكفيكه إما يد مقفعلة ... وإما يد مبسوطة ببنان ... ولما حوت منه أمينة ما حوت ... حوت منه فخرا ما لذلك ثان ...
حدثني الحارث بن محمد قال حدثن محمد بن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثنا معمر وغيره عن الزهري أن عبدالله بن عبدالمطلب كان أجمل رجال قريش فذكر لآمنة بنت وهب جماله وهيئته وقيل لها هل لك أن تزوجيه فتزوجته آمنة بنت وهب فدخل بها وعلقت برسول الله صلى الله عليه و سلم وبعثه أبوه إلى المدينة في ميرة يحمل لهم تمرا فمات بالمدينة فبعث عبدالمطلب ابنه الحارث في طلبه حين أبطأ فوجده قد مات
قال الواقدي هذا غلط والمجتمع عليه عندنا في نكاح عبدالله بن عبدالمطلب ما حدثنا به عبدالله بن جعفر الزهري عن أم بكر بنت المسور أن عبدالمطلب جاء بابنه عبدالله فخطب على نفسه وعلى ابنه فتزوجا في مجلس واحد فتزوج عبدالمطلب هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة وتزوج عبدالله بن عبدالمطلب آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة
قال الحارث قال ابن سعد قال الواقدي والثبت عندنا ليس بين أصحابنا فيه اختلاف أن
(1/500)
________________________________________
عبدالله بن عبدالمطلب أقبل من الشأم في عير لقريش فنزل بالمدينة وهو مريض فأقام بها حتى توفي ودفن في دار النابغة وقيل التابعة في الدار الصغرى إذا دخلت الدار عن يسارك ليس بين أصحابنا في هذا اختلاف

بنالعياط
08-10-2012, 07:33 PM
ابن عبدالمطلب
وعبدالمطلب اسمه شيبة سمي بذلك لأنه فيما حدثت عن هشام بن محمد عن أبيه كان في رأسه شيبة
وقيل له عبدالمطلب وذلك أن أباه هاشما كان شخص في تجارة له في الشام فسلك طريق المدينة إليها فلما قدم المدينة نزل فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق وفيما حدثت عن هشام بن محمد عن أبيه وفيما حدثني الحارث عن محمد بن سعد عن محمد بن عمر ودخل حديث بعضهم في بعض وبعضهم يزيد على بعض على عمرو بن زيد بن لبيد الخزرجي فرأى ابنته سلمى بنت عمرو وأما ابن حميد فقال في حديثه عن سلمة عن ابن إسحاق سلمى بنت زيد بن عمرو ابن لبيد بن حرام بن خداش بن جندب بن عدي بن النجار فأعجبته فخطبها إلى أبيها عمرو فأنكحه إياها وشرط عليه ألا تلد ولدا غلا في أهلها ثم مضى هاشم لوجهته قبل أن يبني بها ثم انصرف راجعا من الشأم فبنى بها في أهلها بيثرب فحملت منه ثم ارتحل إلى مكة وحملها معه فلما أثقلت ردها إلى أهلها ومضى إلى الشأم فمات بها بغزة فولدت له سلمى عبدالمطلب فمكث بيثرب سبع سنين أو ثماني سنين ثم إن رجلا من بني الحارث بن عبد مناة مر بيثرب فإذا غلمان ينتضلون فجعل شيبة إذا خسق قال أنا ابن هاشم أنا ابن سيد البطحاء فقال له الحارثي من أنت قال أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف فلما أتى الحارثي مكة قال للمطلب وهو جالس في الحجر يا أبا الحارث تعلم أني وجدت غلمانا ينتضلون بيثرب وفيهم غلام إذا خسق قال أنا ابن هاشم أنا ابن سيد البطحاء فقال المطلب والله لا أرجع إلى أهلي حتى آتي به فقال له الحارثي هذه ناقتي بالفناء فاركبها فجلس المطلب عليها فورد يثرب عشاء حتى أتى بني عدي بن النجار فإذا غلمان يضربون كرة بين ظهري مجلس فعرف ابن أخيه فقال للقوم أهذا ابن هاشم قالوا نعم هذا ابن أخيك فإن كنت تريد أخذه فالساعة قبل أن تعلم به أمه فإنها إن علمت لم تدعه وحلنا بينك وبينه فدعاه فقال يابن أخي أنا عمك وقد أردت الذهاب بك إلى قومك وأناح راحلته فما كذب أن جلس على عجز الناقة فانطلق به ولم تعلم به أمه حتى كان الليل فقامت تدعو بحربها على ابنها فأخبرت أن عمه ذهب به وقدم به المطلب ضحوة والناس في مجالسهم فجعلوا يقولون من هذا وراءك فيقول عبد لي حتى أدخله منزله على امرأته خديجة بنت سعيد بن سهم فقالت من هذا قال عبد لي ثم خرج المطلب حتى أتى الحزورة فاشترى حلة فألبسها شيبة ثم خرج به حين كان العشي إلى مجلس بني عبد مناف فجعل بعد ذلك يطوف في سكك مكة في تلك الحلة فيقال هذا عبدالمطلب لقوله هذا عبدي حين سأله قومه فقال المطلب ... عرفت شيبة والنجار قد جعلت ... أبناؤها حوله بالنبل تنتضل
(1/501)
________________________________________
وقد حدثني هذا الحديث علي بن حرب الموصلي قال حدثني أبو معن عيسى من ولد كعب بن مالك عن محمد بن أبي بكر الأنصاري عن مشايخ الأنصار قالوا تزوج هاشم بن عبد مناف امرأة من بني عدي بن النجار ذات شرف تشرط على من خطبها المقام بدار قومها فتزوجت بهاشم فولدت له شيبة الحمد فربي في اخواله مكرما فبينا هو يناصل فتيان الأنصار إذ أصاب خصله فقال أنا ابن هاشم وسمعه رجل مجتاز فلما قدم مكة قال لعمه المطلب بن عبد مناف قد مررت بدار بني قيلة فرأيت فتى من صفته ومن صفته يناضل فتيانهم فاعتزى إلى أخيك وما ينبغي ترك مثله في الغربة فرحل المطلب حتى ورد المدينة فأراده على الرحلة فقال ذاك إلى الوالدة فلم يزل بها حتى أذنت له وأقبل به قد أردفه فإذا لقيه اللاقي وقال من هذا يا مطلب قال عبد لي فسمي عبدالمطلب فلما قدم مكة وقفه على ملك أبيه وسلمه إليه فعرض له نوفل بن عبد مناف في ركح له فاغتصبه إياه فمشى عبدالمطلب إلى رجالات قومه فسألهم النصرة على عمه فقالوا لسنا بداخلين بينك وبين عمك فلما رأى ذلك كتب إلى أخواله يصف لهم حال نوفل وكتب في كتابه ... أبلغ بني النجار إن جئتهم ... إني منهم وابنهم والخميس ... رأيتهم قوما إذا جئتهم ... هووا لقائي وأحبوا حسيس ... فإن عمي نوفلا قد أبى ... إلا التي يغضي عليها الخسيس ...
قال فخرج أبو أسعد بن عدس النجاري في ثمانين راكبا حتى أتى الأبطح وبلغ عبدالمطلب فخرج يتلقاه فقال المنزل يا خال فقال أما حتى ألقى نوفلا فلا قال تركته جالسا في الحجر في مشايخ قريش فأقبل حتى وقف على رأسه ثم استل سيفه ثم قال ورب هذه البنية لتردن على ابن أختنا ركحه أو لأملأن منك السيف قال فإني ورب هذه البنية أرد ركحه فأشهد عليه من حضر ثم قال المنزل يابن أختي فأقام عنده ثلاثا واعتمر وأنشأ عبدالمطلب يقول ... تأبى مازن وبنو عدي ... ودينار بن تيم اللات ضيمي ... وساده مالك حتى تناهى ... ونكب بعد نوفل عن حريمي ... بهم رد الإله علي ركحي ... وكانوا في التنسب دون قومي ...
وقال في ذلك سمرة بن عمير أبو عمرو الكناني ... لعمري لأخوال لشيبة قصرة ... من أعمامه دنيا أبر وأوصل ... أجابوا على بعد دعاء ابن أختهم ... ولم يثنهم إذ جاوز الحق نوفل ... جزى الله خيرا عصبة خزرجية ... تواصوا على بر وذو البر أفضل ...
قال فلما رأى ذلك نوفل حالف بني عبد شمس كلها على بني هاشم قال محمد بن أبي بكر فحدثت بهذا الحديث موسى بن عيسى فقال يابن أبي بكر هذا شيء ترويه الأنصار تقربا إلينا إذ صير الله الدولة فينا عبدالمطلب كان أعز في قومه من أن يحتاج إلى أن تركب بنو النجار من المدينة إليه قلت أصلح الله الأمير قد احتاج إلى نصرهم من كان خيرا من عبدالمطلب قال وكان متكئا فجلس مغضبا وقال من خير من عبدالمطلب قلت محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم قال صدقت وعاد إلى مكانه وقال
(1/502)
________________________________________
لبنيه اكتبوا هذا الحديث من ابن أبي بكر
وقد حدثت هذا الحديث في أمر عبدالمطلب وعمه نوفل بن عبد مناف عن هشام بن محمد عن أبيه قال حدثنا زياد بن علاقة التغلبي وكان قد أدرك الجاهلية قال كان سبب بدء الحلف الذي كان بين بني هاشم وخزاعة الذي افتتح رسول الله صلى الله عليه و سلم بسببه مكة وقال لتنصب هذه السحابة بنصر بني كعب أن نوفل بن عبد مناف وكان آخر من بقي من بني عبد مناف ظلم عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف على أركاح له وهي الساحات وكانت أم عبدالمطلب سلمى بنت عمرو النجارية من الخزرج قال فتنصف عبدالمطلب عمه فلم ينصفه فكتب إلى أخواله ... يا طول ليلي لأحزاني وأشغالي ... هل من رسول إلى النجار أخوالي ... ينبي عديا ودينارا ومازنها ... ومالكا عصمة الجيران عن حالي ... قد كنت فيكم ولا أخشى ظلامة ذي ... ظلم عزيزا منيعا ناعم البال ... حتى ارتحلت إلى قومي وأزعجني ... عن ذاك مطلب عمي بترحال ... وكنت ما كان حيا ناعما جذلا ... أمشي العرضنة سحابا لأذيالي ... فغاب مطلب في قعر مظلمة ... وقام نوفل كي يعدو على مالي ... أأن رأى رجلا غابت عمومته ... وغاب أخواله عنه بلا وال ... أنحى عليه ولم يحفظ له رحما ... ما أمنع المرء بين العم والخال ... فاستنفروا وامنعوا ضيم ابن أختكم ... لا تخذلوه وما أنتم بخذال ... ما مثلكم في بني قحطان قاطبة ... حي لجار وإنعام وإفضال ... أنتم ليان لمن لانت عريكته ... سلم لكم وسمام الأبلخ الغالي ...
قال فقدم عليه منهم ثمانون راكبا فأناخوا بفناء الكعبة فلما رآهم نوفل بن عبدمناف قال لهم أنعموا صباحا فقالوا له لا نعم صباحك أيها الرجل أنصف ابن أختنا من ظلامته قال أفعل بالحب لكم والكرامة فرد عليه الأركاح وأنصفه
قال فانصرفوا عنه إلى بلادهم قال فدعا ذلك عبدالمطلب إلى الحلف فدعا عبدالمطلب بسر بن عمرو وورقاء بن فلان ورجالا من رجالات خزاعة فدخلوا الكعبة وكتبوا كتابا
وكان إلى عبدالمطلب بعد مهلك عمه المطلب بن عبد مناف ما كان إلىمن قبله من بني عبد مناف من أمر السقاية والرفادة وشرف في قومه وعظم فيهم خطره فلم يكن يعدل به منهم أحد وهو الذي كشف عن زمزم بئر إسماعيل بن إبراهيم واستخرج ما كان فيها مدفونا وذلك غزالان من ذهب كانت جرهم دفنتهما فيما ذكر حين أخرجت من مكة وأسياف قلعية وأدراع فجعل الأسياف بابا للكعبة وضرب في الباب الغزالين صفائح من ذهب فكان أول ذهب حليته فيما قيل الكعبة وكانت كنيته عبدالمطلب أبا الحارث كني بذلك لأن الأكبر من ولده الذكور كان اسمه الحارث وهو شيبة
(1/503)

بنالعياط
08-10-2012, 08:03 PM
ابن هاشم
واسم هاشم عمرو وإنما قيل له هاشم لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكة وأطعمه وله يقول مطرود بن كعب الخزاعي وقال ابن الكلبي إنما قاله ابن الزبعرى ... عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف ...
ذكر أن قومه من قريش كانت أصابتهم لزبة وقحط فرحل إلى فلسطين فاشترى منها الدقيق فقدم به مكة فأمر به فخبز له ونحر جزورا ثم اتخذ لقومه مرقة ثريد بذلك الخبز
وذكر أن هاشما هو أول من سن الرحلتين لقريش رحلة الشتاء والصيف
وحدثت عن هشام بن محمد عن أبيه قال كان هاشم وعبد شمس وهو أكبر ولد عبد مناف والمطلب وكان أصغرهم أمهم عاتكة بنت مرة السلمية ونوفل وأمه واقدة بني عبد مناف فسادوا بعد أبيهم جميعا وكان يقال لهم المجبرون قال ولهم يقال ... يا أيها الرجل المحول رحله ... ألا نزلت بآل عبد مناف ...
فكانوا أول من أخذ لقريش العصم فانتشروا من الحرم أخذ لهم هاشم حبلا من ملوك الشأم والروم وغسان وأخذ لهم عبد شمس حبلا من النجاشي الأكبر فاختلفو بذلك السبب إلى أرض الحبشة وأخذ لهم نوفل حبلا من الأكاسرة فاختلفوا بذلك السبب إلى العراق وأرض فارس وأخذ لهم المطلب حبلا من ملوك حمير فاختلفوا بذلك السبب إلى اليمن فجبر الله بهم قريشا فسموا المجبرين
وقيل إن عبد شمس وهاشما توأمان وإن أحدهما ولد قبل صاحبه وإصبع له ملتصقة بجبهة صاحبه فنحيت عنها فسال من ذلك دم فتطير من ذلك فقيل تكون بينهما دماء وولي هاشم بعد أبيه عبد مناف السقاية والرفادة
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا هشام بن محمد قال حدثني معروف بن الخربوذ المكي قال حدثني رجل من آل عدي بن الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف عن أبيه قال وقال وهب بن عبد قصي في ذلك يعني في إطعام هاشم قومه الثريد ... تحمل هاشم ما ضاق عنه ... وأعيا أن يقوم به ابن بيض ... أتاهم بالغرائر متأقات ... من أرض الشأم بالبر النفيض ... فأوسع أهل مكة من هشيم ... وشاب الخبز باللحم الغريض ... فظل القوم بين مكللات ... من الشيزى وحائرها يفيض ...
قال فحسده أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وكان ذا مال فتكلف أن يصنع صنيع هاشم فعجز عنه فشمت به ناس من قريش فغضب ونال من هاشم ودعاه إلى المنافرة فكره هاشم ذلك لسنه وقدره ولم تدعه قريش وأحفظوه قال فإني أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق تنحرها ببطن مكة والجلاء عن مكة عشر سنين فرضي بذلك أمية وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي فنفر هاشما عليه فأخذ
(1/504)
________________________________________
هاشم الإبل فنحرها وأطعمها من حضره وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا هشام بن محمد قال أخبرني رجل من بني كنانة يقال له ابن أبي صالح ورجل من أهل الرقة مولى لبني اسد وكان عالما قالا تنافر عبدالمطلب بن هاشم وحرب بن أمية إلى النجاشي الحبشي فأبى أن ينفر بينهما فجعل بينهما نفيل بن عبدالعزى بن رياح بن عبدالله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب فقال لحرب يا أبا عمرو أتنافر رجلا هو أطول منك قامة وأعظم منك هامة وأوسم منك وسامة وأقل منك لامة وأكثر منك ولدا وأجزل منك صفدا وأطول منك مذودا فنفره عليه فقال حرب إن من انتكاث الزمان أن جعلناك حكما فكان أول من مات من ولد عبد مناف ابنه هاشم مات بغزة من أرض الشأم ثم مات عبد شمس بمكة فقبر بأجياد ثم مات نوفل بسلمان من طريق العراق ثم مات المطلب بردمان من أرض اليمن وكانت الرفادة والسقاية بعد هاشم إلى أخيه المطلب

بنالعياط
08-10-2012, 08:31 PM
ابن عبد مناف
واسمه المغيرة وكان يقال له القمر من جماله وحسنه وكان قصي يقول فيما زعموا ولد لي أربعة فسميت اثنين بصنمي وواحد بداري وواحدا بنفسي وهم عبد مناف وعبدالعزى ابنا قصي وعبدالعزى والد أسد وعبدالدار بن قصي وعبد قصي بن قصي درج ولده وبرة بنت قصي أمهم جميعا حبى بنت حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن خزاعة
وحدثت عن هشام بن محمد عن ابيه قال وكان يقال لعبد مناف القمر واسمه المغيرة وكانت أمه حبى دفعته إلى مناف وكان أعظم أصنام مكة تدينا بذلك فغلب عليه عبد مناف وهو كما قيل له ... كانت قريش بيضة فتفلقت ... فالمح خالصة لعبد مناف ... ابن قصي
وقصي اسمه زيد وإنما قيل له قصي لأن أباه كلاب بن مرة كان تزوج أم قصي فاطمة بنت سعد بن سيل واسم سيل خير بن حمالة بن عوف بن غنم بن عامر الجادر بن عمرو بن جعثمة بن يشكر من أزدشنوءة حلفاء في بني الديل فولدت لكلاب زهرة وزيدا فهلك كلاب وزيد صغير وقد شب زهرة وكبر فقدم ربيعة بن حرام بن ضنة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد بن زيد أحد قضاعة فتزوج فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق وحدثت عن هشام بن محمد عن أبيه فاطمة أم زهرة وقصي وزهرة رحل قد بلغ وقصي فطيم أو قريب من ذلك فاحتملها إلى بلاده من أرض بني عذرة من أشراف الشأم فاحتملت معها قصيا لصغره وتخلف زهرة في قومه فولدت فاطمة بنت سعد بن سيل
(1/505)
________________________________________
لربيعة بن حرام رزاح بن ربيعة فكان أخاه لأمه وكان لربيعة بن حرام ثلاثة نفر من امرأة أخرى وهم حن بن ربيعة ومحمود بن ربيعة وجلهمة بن ربيعة وشب زيد في حجر ربيعة فسمي زيد قصيا لبعد داره عن دار قومه ولم يبرح زهرة مكة فبينا قصي بن كلاب بأرض قضاعة لا ينتمي فيما يزعمون إلا إلى ربيعة بن حرام إذ كان بينه وبين رجل من قضاعة شيء وقد بلغ قصي وكان رجلا شابا فأنبه القضاعي بالغربة وقال له ألا تلحق بقومك ونسبك فإنك لست منا فرجع قصي إلى أمه وقد وجد في نفسه مما قال له القضاعي فسألها عما قال له ذلك الرجل فقالت له أنت والله يا بني أكرم منه نفسا ووالدا أنت ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي وقومك بمكة عند البيت الحرام وفيما حوله فأجمع قصي الخروج إلى قومه واللحوق بهم وكره الغربة بأرض قضاعة فقالت له أمه يا بني لا تعجل بالخروج حتى يدخل عليك الشهر الحرام فتخرج في حاج العرب فإني أخشى عليك أن يصيبك بعض البأس فأقام قصي حتى إذا دخل الشهر الحرام خرج حاج قضاعة فخرج فيهم حتى قدم مكة فلما فرغ من الحج أقام بها وكان رجلا جليدا نسيبا فخطب إلى حليل بن حبشية الخزاعي ابنته حبى بنت حليل فعرف حليل النسب ورغب فيه فزوجه وحليل يومئذ فيما يزعمون يلي الكعبة وأمر مكة
فأما ابن إسحاق فإنه قال في خبره فأقام قصي معه يعني مع حليل وولدت له ولده عبدالدار وعبد مناف وعبدالعزى وعبدا بني قصي فلما انتشر ولده وكثر ماله وعظم شرفه هلك حليل بن حبشية فرأى قصي أنه أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة وبني بكر وأن قريشا فرعة إسماعيل بن إبراهيم وصريح ولده فكلم رجالا من قريش وبني كنانة ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبني بكر من مكة فلما قبلوا منه ما دعاهم إليه وبايعوه عليه كتب إلى أخيه من أمه رزاح بن ربيعة بن حرام وهو ببلاد قومه يدعوه إلى نصرته والقيام معه فقام رزاح بن ربيعة في قضاعة فدعاهم إلى نصر أخيه والخروج معه إليه فأجابوه إلى ما دعاهم من ذلك
وقال هشام في خبره قدم قصي على أخيه زهرة وقومه فلم يلبث أن ساد وكانت خزاعة بمكة أكثر من بني النضر فاستنجد قصي أخاه رزاحا وله ثلاثة أخوة من أبيه من امرأة أخرى فأقبل بهم وبمن أجابه من أحياء قضاعة ومع قصي قومه بنو النضر فنفوا خزاعة فتزوج قصي حبى بنت حليل بن حبشية من خزاعة فولدت له أولاده الأربعة وكان حليل آخر من ولي البيت فلما ثقل جعل ولاية البيت إلى ابنته حبى فقالت قد علمت أني لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه قال فإني أجعل التفح والإغلاق إلى رجل يقوم لك به فجعله إلى أبي غبشان وهو سليم بن عمرو بن بوي بن ملكان بن أفصي فاشترى قصي ولاية البيت منه بزق خمر وبعود فلما رأت ذلك خزاعة كثروا على قصي فاستنصر أخاه فقاتل خزاعة فبلغنا والله أعلم أن خزاعة أخذتها العدسة حتى كادت تفنيهم فلما رأت ذلك جلت عن مكة فمنهم من وهب مسكنه ومنهم من باع ومنهم من أسكن فولي قصي البيت وأمر مكة والحكم بها وجمع قبائل قريش فأنزلهم أبطح مكة وكان بعضهم في الشعاب ورؤوس جبال مكة فقسم منازلهم بينهم فسمي مجمعا وله يقول مطرود وقيل إن قائله حذافة بن غانم ... أبوكم قصي كان يدعى مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهر
(1/506)
________________________________________
وملكه قومه عليهم
وأما ابن إسحاق فإنه ذكر أن رزاحا أجاب قصيا إلى ما دعاه إليه من نصرته وخرج إلى مكة مع إخوته الثلاثة ومن تبعه لذلك من قضاعة في حاج العرب وهم مجمعون لنصر قصي والقيام معه قال وخزاعة تزعم أن حليل بن حبشية أوصى بذلك قصيا وأمره به حين انتشر له من ابنته من الأولاد ما انتشر وقال أنت أولى بالكعبة والقيام عليها وبأمر مكة من خزاعة فعند ذلك طلب قصي ما طلب
فلما اجتمع الناس بمكة وخرجوا إلى الموقف وفرغوا من الحج ونزلوا منى وقصي مجمع لما أجمع له ومن تبعه من قومه من قريش وبني كنانة ومن معه من قضاعة ولم يبق إلا أن ينفروا للصدر وكانت صوفة تدفع بالناس من عرفة وتجيزهم إذا نفروا من منى إذا كان يوم النفر أتوا لرمي الجمار ورجل من صوفة يرمي للناس لا يرمون حتى يرمي فكان ذوو الحاجات المعجلون يأتونه فيقولون له قم فارم حتى نرمي معك فيقول لا والله حتى تميل الشمس فيظل ذوو الحاجات الذين يحبون التعجيل يرمونه بالحجارة ويستعجلونه بذلك ويقولون ويلك قم قارم فيأبى عليهم حتى إذا مالت الشمس قام فرمى ورمى الناس معه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق هذا الحديث عن يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه عباد فإذا فرغوا من رمي الجمار وأرادوا النفر من منى أخذت صوفة بناحيتي العقبة فحبسوا الناس وقالوا أجيزي صوفة فلم يجز أحد من الناس حتى ينفذوا فإذا نفرت صوفة ومضت خلي سبيل الناس فانطلقوا بعدهم فلما كان ذلك العام فعلت ذلك صوفة كما كانت تفعل قد عرفت ذلك لها العرب وهو دين في أنفسهم في عهد جرهم وخزاعة وولايتهم أتاهم قصي بن كلاب بمن معه من قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة فقالوا نحن أولى بهذا منكم فناكروه فناكرهم فقاتلوه فاقتتل الناس قتالا شديدا ثم انهزمت صوفة وغلبهم قصي على ما كان بأيديهم من ذلك وحال بينهم وبينه
قال وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصي بن كلاب وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة وأنه سيحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة فلما انحازوا عنه باداهم وأجمع لحربهم وثبت معه أخوه رزاح بن ربيعة بمن معه من قومه من قضاعة وخرجت لهم خزاعة وبنو بكر وتهيؤوا لحربهم والتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثرت القتلى من الفريقين جميعا وفشت فيهم الجراحة ثم إنهم تداعوا إلى الصلح إلى أن يحكموا بينهم رجلا من العرب فيما اختلفوا فيه ليقضي بينهم فحكموا يعمر بن عوف بن كعب بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة فقضى بينهم بأن قصيا أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة وأن كل دم أصابه قصي من خزاعة وبني بكر موضوع يشدخه تحت قدميه وأن ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش وبني كنانه وقضاعة ففيه الدية مؤداة وأن يخلى بين قصي بن كلاب وبين الكعبة ومكة فسمي يعمر بن عوف يومئذ الشداخ لما شدخ من الدماء ووضع منها فولي قصي البيت وأمر مكة وجمع قومه من منازلهم إلى مكة وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه فكان قصي أول ولد كعب بن لؤي أصاب ملكا أطاع له به قومه فكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء فحاز شرف مكة كله وقطع مكة أرباعا بين قومه فانزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة التي أصبحوا عليها
(1/507)
________________________________________
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ويزعم الناس أن قريشا هابت قطع شجر الحرم في منازلم فقطعها قصي بيده وأعانوه فسمته العرب مجمعا لما جمع من أمرها وتيمنت بأمره فما تنكح امرأة ولا رجل من قريش إلا في دار قصي بن كلاب وما يتشاورون في أمر ينزل بهم إلا في داره ولا يعقدون لواء لحرب قوم من غيرهم إلا في داره يعقدها لهم بعض ولده وما تدرع جارية إذا بلغت أن تدرع من قريش إلا في داره يشق عليها فيها درعها ثم تدرعه ثم ينطلق بها إلى أهلها فكان أمره في قومه من قريش في حياته وبعد موته كالدين المتبع لا يعمل بغيره تيمنا بأمره ومعرفة بفضله وشرفه واتخذ قصي لنفسه دار الندوة وجعل بابها إلى مسجد الكعبة ففيها كانت قريش تقضي أمورها
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عبدالملك بن راشد عن أبيه قال سمعت السائب بن خباب صاحب المقصورة يحدث أنه سمع رجلا يحدث عمر بن الخطاب وهو خليفة حديث قصي بن كلاب هذا وما جمع من أمر قومه وإخراجه خزاعة وبني بكر من مكة وولايته البيت وأمر مكة فلم يردد ذلك عيه ولم ينكره
قال فأقام قصي بمكة على شرفه ومنزلته في قومه لا ينازع في شيء من أمر مكة إلا أنه قد أقر للعرب في شأن حجهم ما كانوا عليه وذلك لأنه كان يراه دينا في نفسه لا ينبغي له تغييره وكانت صوفة على ما كانت عليه حتى انقرضت صوفة فصار ذلك من أمرهم إلى آل صفوان بن الحارث بن شجنة وراثة وكانت عدوان على ما كانت عليه وكانت النسأة من بني مالك بن كنانة على ما كانوا عليه ومرة بن عوف على ما كانوا عليه فلم يزالوا على ذلك حتى قام الإسلام فهدم الله به ذلك كله وابتنى قصي دارا بمكة وهي دار الندوة وفيها كانت قريش تقضي أمورها فلما كبر قصي ورق [ عظمه ] وكان عبدالدار بكره هو كان أكبر ولده وكان فيما يزعمون ضعيفا وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه وذهب كل مذهب وعبدالعزى بن قصي وعبد بن قصي فقال قصي لعبدالدار فيما يزعمون أما والله لألحقنك بالقوم وإن كانوا قد شرفوا عليك لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها ولا يعقد لقريش لواء لحربهم إلا أنت بيدك ولا يشرب رجل بمكة ماء إلا من سقايتك ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعاما إلا من طعامك ولا تقطع قريش أمورها إلا في دارك فأعطاه داره دار الندوة التي لا تقضي قريش أمرا إلا فيها وأعطاه الحجابة واللواء والندوة والسقاية والرفادة وكانت الرفادة خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي بن كلاب فيصنع به طعاما للحاج يأكله من لم تكن له سعة ولا زاد ممن يحضر الموسم وذلك أن قصيا فرضه على قريش فقال لهم حين أمرهم به يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل بيته الحرام وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته وهم أحق الضيف بالكرامة فاجعلوا لهم شرابا وطعاما أيام هذا الحج حتى يصدروا عنكم ففعلوا فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم فيدفعونه إليه فيصنعه طعاما للناس أيام منى فجرى ذلك من أمره على قومه في الجاهلية حتى قام الإسلام ثم جرى في الإسلام إلى يومك هذا فهو الطعام الذي يصنعه السلطان كل عام بمنى حتى ينقضي الحج
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني من أمر قصي بن كلاب وما قال لعبدالدار فيما دفع إليه ابن إسحاق بن يسار عن أبيه عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب قال سمعته يقول ذلك
(1/508)
________________________________________
لرجل من بني عبدالدار يقال له نبيه بن وهب بن عامر بن عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار قال الحسن بن محمد فجعل إليه قصي ما كان بيده من أمر قومه كله وكان قصي لا يخالف ولا يرد عليه شيء صنعه
ثم إن قصيا هلك فأقام أمره في قومه من بعده بنوه

بنالعياط
08-10-2012, 08:37 PM
ابن كلاب
وأم كلاب فيما ذكر هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة وله أخوان من أبيه من غيره أمه وهما تيم ويقظة أمهما فيما قال هشام بن الكلبي أسماء بنت عدي بن حارثة بن عمرو بن عامر بن بارق
وأما ابن إسحاق فإنه قال أمهما هند بنت حارثة البارقية قال ويقال بل يقظة لهند بنت سرير أم كلاب

بنالعياط
08-10-2012, 08:39 PM
ابن مرة
وأم مرة وحشية بنت شيبان بن محارب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة وأخواه لأبيه وأمه عدي وهصيص وقيل إن أم هؤلاء الثلاثة مخشية وقيل إن أم مرة وهصيص مخشية بنت شيبان بن محارب بن فهر وأم عدي رقاش بنت ركبة بن نائلة بن كعب بن حرب بن تيم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان

ياسين جزائري
08-10-2012, 08:41 PM
السلام عليكم أخ بنالعياط .. هل مكتبتك تحتوي على كتاب التوحيد للامام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ؟؟

بنالعياط
08-10-2012, 08:42 PM
ابن كعب
وأم كعب ماوية فيما قال ابن إسحاق وابن الكلبي وماوية بنت كعب بن القين بن جسر بن شيع الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وله أخوان من أبيه وأمه أحدهما يقال له عامر والآخر سامة وهم بنو ناجية ولهم من أبيهم أخ قد انتمى ولده إلى غطفان ولحقوا بهم كان يقال له عوف أمه الباردة بنت عوف بن غنم بن عبدالله بن غطفان
ذكر أن الباردة لما مات لؤي بن غالب خرجت بابنها عوف إلى قومها فتزوجها سعد بن ذبيان بن بغيض فتبنى عوفا وفيه يقول فيما ذكره فزارة بن ذبيان ... عرج علي ابن لؤي جملك ... يتركك القوم ولا منزل لك ...
ولكعب أخوان آخران أيضا من أبيه من غير أمه أحدهما خزيمة وهو عائذة قريش وعائذة أمه وهي عائذة بنت الخمس بن قحافة من خثعم والآخر سعد ويقال لهم بنانة وبنانة أمهم فأهل البادية منهم اليوم فيما ذكر في بني أسعد بن همام في بني شيبان بن ثعلبة وأهل الحاضرة ينتمون إلى قريش
(1/509)

ياسين جزائري
08-10-2012, 08:52 PM
لماذا لم تجيب على سؤالي ؟؟

بنالعياط
08-10-2012, 08:59 PM
السلام عليكم أخ بنالعياط .. هل مكتبتك تحتوي على كتاب التوحيد للامام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ؟؟

لا..طالت شيئ منه يمكن في بداية الثمننيات و لم اتأثر به..
ووجدته ركيكا جدا ..
ولا تهمني مطالعته الان لأني أعرف مجتواه..
...
...
و أفكاره دائما يصدع لنا في رؤسنا العوديين ف يكتيبات ..
و زرت حاجا او معتمرا يعطوك منها العشرات

لم أنبه لك فقط

بنالعياط
08-10-2012, 09:05 PM
ابن لؤي
وأم لؤي فيما قال هشام عاتكة بنت يخلد بن النضر بن كنانة وهي أولى العواتك اللائي ولدن رسول الله صلى الله عليه و سلم من قريش وله أخوان من أبيه وأمه يقال لأحدهما تيم وهو الذي كان يقال له تيم الأدرم والدرم نقصان في الذقن قيل إنه كان ناقص اللحي وقيس قيل لم يبق من قيس أخي لؤي أحد وإن آخر من كان بقي منهم رجل هلك في زمان خالد بن عبدالله القسري فبقي ميراثه لا يدري من يستحقه وقد قيل إن أم لؤي وإخوته سلمى بنت عمرو بن ربيعة وهو لحي بن حارثة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء من خزاعة
ابن غالب
وأم غالب ليلى بنت الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة وإخوته من أبيه وأمه الحارث ومحارب وأسد وعوف وجون وذئب وكانت محارب والحارث من قريش الظواهر فدخلت الحارث الأبطح
ابن فهر
وفهر فيما حدثت عن هشام بن محمد أنه قال هو جماع قريش قال أمه جندلة بنت عامر بن الحارث بن مضاض الجرهمي
وقال ابن إسحاق فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق أمه جندلة بنت الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي
وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى يقول فيما ذكر عنه أمه سلمى بنت أد بن طابخة بن إلياس بن مضر وقيل إن أمه جميلة بنت عدوان من بارق من الأزد
وكان فهر في زمانه رئيس الناس بمكة فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق في حربهم حسان بن عبد كلال بن مثوب ذي حرث الحميري وكان حسان فيما قيل أقبل من اليمن مع حمير وقبائل من اليمن عظيمة يريد أن ينقل أحجار الكعبة من مكة إلى اليمن ليجعل حج الناس عنده ببلاده فأقبل حتى نزل بنخلة فأغر على سرح الناس ومنع الطريق وهاب أن يدخل مكة فلما رأت ذلك قريش وقبائل كنانة وخزيمة وأسد وجذام ومن كان معهم من أفناء مضر خرجوا إليه ورئيس الناس يومئذ فهر بن مالك فاقتتلوا قتالا شديدا فهزمت حمير وأسر حسان بن عبد كلال ملك حمير أسره الحارث بن فهر وقتل في المعركة فيمن قتل من الناس ابن ابنه قيس بن غالب بن فهر وكان حسان عندهم بمكة أسيرا ثلاث سنين حتى افتدى منهم نفسه فخرج به فمات بين مكة واليمن
(1/510)
________________________________________
ابن مالك
وأمه عكرشة بنت عدوان وهو الحارث بن عمرو بن قيس بن عيلان في قول هشام
وأما ابن إسحاق فإنه قال امه عاتكة بنت عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان
وقيل إن عكرشة لقب عاتكة بنت عدوان واسمها عاتكة
وقيل إن أمه هند بنت فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان وكان لمالك أخوان يقال لأحدهما يخلد فدخلت يخلد في بني عمرو بن الحارث بن مالك بن كنانة فخرجوا من جماع قريش والآخر منهما يقال له الصلت لم يبق من ذريته أحد
وقيل سميت قريش قريشا بقريش بن بدر بن يخلد بن الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة وبه سميت قريش قريشا لأن عير بني النضر كانت إذا قدمت قالت العرب قد جاءت عير قريش قالوا وكان قريش هذا دليل بني النضر في أسفارهم وصاحب ميرتهم وكان له ابن يسمى بدرا احتفر بدرا قالوا فيه سميت البئر التي تدعى بدرا بدرا
وقال ابن الكلبي إنما قريش جماع نسب ليس بأب ولا أم ولا حاضن ولا حاضنة
وقال آخرون إنما سمي بنو النضر بن كنانة قريشا لأن النضر بن كنانة خرج يوما على نادي قومه فقال بعضهم لبعض انظروا إلى النضر كأنه جمل قريش
وقيل إنما سميت قريش قريشا بدابة تكون في البحر تأكل دواب البحر تدعى القرش فشبه بنو النضر بن كنانة بها لأنها أعظم دواب البحر قوة
وقيل إن النضر بن كنانة كان يقرش عن حاجة الناس فيسدها بماله والتقريش فيما زعموا التفتيش وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عن الحاجة فيسدونها بما يبلغهم واستشهدوا لقولهم إن التقريش هو التفتيش بقول الشاعر ... أيها الناطق المقرش عنا ... عند عمرو فهل لهن انتهاء ...
وقيل إن النضر بن كنانة كان اسمه قريشا وقيل بل لم تزل بنو النضر بن كنانة يدعون بني النضر حتى جمعهم قصي بن كلاب فقيل لهم قريش من أجل أن التجمع هو التقرش فقالت العرب تقرش بنو النضر أي قد تجمعوا
وقيل إنما قيل قريش من أجل انها تقرشت عن الغارات
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثني أبو بكر بن عبدالله بن أبي سبرة عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم أن عبدالملك بن مروان سأل محمد بن جبير متى سميت قريش قريشا قال حين اجتمعت إلى الحرم من تفرقها فذلك التجمع التقرش فقال عبدالملك ما سمعت هذا ولكن سمعت أن قصيا كان يقال له القرشي ولم تسم قريش قبله
(1/511)
________________________________________
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني أبو بكر بن عبدالله بن أبي سبرة عن عبدالمجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف قال لما نزل قصي الحرم وغلب عليه فعل أفعالا جميلة فقيل له القرشي فهو أول من سمي به
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني أبو بكر بن أبي سبرة عن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي جهم قال النضر بن كنانة كان يسمى القرشي
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال قال محمد بن عمر وقصي أحدث وقود النار بالمزدلفة حيث وقف بها حتى يراها من دفع من عرفة فلم تزل توقد تلك النار تلك الليلة في الجاهلية
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال فأخبرني كثير بن عبدالله المزني عن نافع عن ابن عمر قال كانت تلك النار توقد على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وعمر وعثمان قال محمد بن عمر وهي توقد إلى اليوم
ابن النضر
واسم النضر قيس وأمه برة بنت مر بن أد بن أد بن طابخة وأخته لأبيه وأمه نضير ومالك وملكان وعامر والحارث وعمرو وسع وعوف وغنم ومخرمة وجرول وغزوان وحدال وأخوهم من أبيهم عبد مناة وأمه فكيهة وقيل فكهة وهي الذفراء بنت هني بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة وأخو عبد مناة لأمه علي بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن عمرو بن مازن الغساني وكان عبد مناة بن كنانة تزوج هندا بنت بكر بن وائل فولدت له والده ثم خلف عليها أخوه لأمه علي بن مسعود فولدت له فحضن علي بني أخيه فنسبوا إليه فقيل لبني عبد مناة بنو علي وإياهم عنى الشاعر بقوله ... لله در بني عل ... ي أيم منهم وناكح ...
وكعب بن زهير بقوله ... صدموا عليا يوم بدر صدمة ... دانت علي بعدها لنزار ...
ثم وثب مالك بن كنانة على علي بن مسعود فقتله فوداه أسد بن خزيمة
ابن كنانة
وأم كنانة عوانة بنت سعد بن قيس بن عيلان وقد قيل إن أمه هند بنت عمرو بن قيس وإخوته من أبيه أسد وأسدة يقال إنه أبو جذام والهون وأمهم برة بنت مر بن أد بن طابخة وهي أم النضر بن كنانة خلف عليها بعد أبيه
(1/512)
________________________________________
ابن خزيمة
وأمه سلمى بنت سليم بن الحاف بن قضاعة وأخوه لأبيه وأمه هذيل وأخوهما لأمهما تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة
وقد قيل إن أم خزيمة وهذيل سلمى بنت أسد بن ربيعة
ابن مدركة
واسمه عمرو وأمه خندف وهي ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وأمها ضرية بنت ربيعة بن نزار قيل بها سمي حمى ضرية وإخوة مدركة لأبيه وأمه عامر وهو طابخة وعمير وهو قمعة ويقال إنه أبو خزاعة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق أنه قال أم بني إلياس خندف وهي امرأة من أهل اليمن فغلبت على نسب بنيها فقيل بنو خندف
قال وكان اسم مدركة عامرا واسم طابخة عمرا قال وزعموا أنهما كانا في إبل لهما يرعيانها فاقتنصا صيدا فقعدا عليه يطبخانه وعدت عادية على إبلهما فقال عامر لعمرو أتدرك الإبل أو تطبخ هذا الصيد فقال عمرو بل أطبخ الصيد فلحق عامر الإبل فجاء بها فلما راحا على أبيهما فحدثاه بشأنهما قال لعامر أنت مدركة وقال لعمرو أنت طابخة
وحدثت عن هشام بن محمد قالوا خرج إلياس في نجعة له فنفرت إبله من أرنب فخرج إليها عمرو فأدركها فسمي مدركة وأخذها عامر فطبخها فسمي طابخة وانقمع عمير في الخباء فلم يخرج فسمي قمعة وخرجت أمهم تمشي فقال لها إلياس أين تخندفين فسميت خندف والخندفة ضرب من المشي قال وقال قصي بن كلاب ... أمهتي خندف وإلياس أبي ...
قال وقال إلياس لعمرو ابنه ... إنك قد أدركت ما طلبتا ...
ولعامر ... وأنت قد أنضجت ما طبختا ...
ولعمير ... وأنت قد أسأت وانقمعتا ... ابن إلياس
وأمه الرباب بنت حيدة بن معد وأخوه لأبيه وأمه الناس وهو عيلان وسمي عيلان فيما ذكر لأنه
(1/513)
________________________________________
كان يعاتب على جوده فيقال له لتغلبن عليك العيلة يا عيلان فلزمه هذا الاسم
وقيل بل سمي عيلان بفرس كانت له تدعى عيلان
وقيل سمي بذلك لأنه ولد في جبل يسمى عيلان
وقيل سمي بذلك لأنه حضنه عبد لمضر يدعى عيلان
ابن مضر
وأمه سودة بنت عك وأخوه لأبيه وأمه إياد ولهما أخوان من أبيهما من غير أمهما وهما ربيعة وأنمار أمهما جدالة بنت وعلان بن جوشم بن جلهمة بن عمرو من جرهم
وذكر بعضهم أن نزار بن معد لما حضرته الوفاة أوصى بنيه وقسم ماله بينهم قال يا بني هذه القبة وهي قبة من أدم حمراء وما أشبهها من مالي لمضر فسمي مضر الحمراء وهذا الخباء الأسود وما أشبهه من مالي لربيعة فخلف خيلادهما فسمي الفرس وهذه الخادم وما أشبهها من مالي لإياد وكانت شمطاء فأخذ البلق والنقد من غنمه وهذه البدرة والمجلس لإنمار يجلس فيه فأخذ أنمار ما أصابه فإن أشكل عليكم في ذلك شيء واختلفتم في القسمة فعليكم بالأفعى الجرهمي فاختلفوا في القسمة فتوجهوا إلى الأفعى فبينما هم يسيرون في مسيرهم إذ رأى مضر كلأ قد رعي فقال إن البعير الذي رعى هذا الكلألأعور وقال ربيعة هو أزور قال إياد هو أبتر وقال أنمار هو شرود فلم يسيروا إلا قليلا حتى لقيهم رجل توضع به راحلته فسألهم عن البعير فقال مضر هو أعور قال نعم قال ربيعة هو أزور قال نعم قال إياد هو أبتر قال نعم قال أنمار هو شرود قال نعم هذه صفة بعيري دلوني عليه فحلفوا له ما رأوه فلزمهم وقال كيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيري بصفته فساروا جمعا حتى قدموا نجران فنزلوا بالأفعى الجرهمي فنادى صاحب البعير هؤلاء أصحاب بعيري وصفوا لي صفته ثم قالوا لم نره فقال الجرهمي كيف وصفتموه ولم تروه فقال مضر رأيته يرعى جانبا ويدع جانبا فعرفت أنه أعور وقال ربيعة رأيت إحدي يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر فعرفت أنه أفسدها بشدة وطئه لازوراره وقال إياد عرفت أنه أبتر باجتماع بعره ولو كان ذيالا لمصع به وقال أنمار عرفت أنه شرود لأنه يرعى المكان الملتف نبته ثم يجوزه إلى مكان آخر أرق منه نبتا وأخبث فقال الجرهمي ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه ثم سألهم من هم فأخبروه فرحب بهم فقال أتحتاجون إلي وأنتم كما أرى فدعا لهم بطعام فأكلوا وأكل وشربوا وشرب فقال مضر لم أر كاليوم خمرا أجود لولا أنها نبتت على قبر وقال ربيعة لم أر كاليوم لحما أطيب لولا أنه ربي بلبن كلب وقال إياد لم أر كاليوم رجلا أسرى لولا أنه لغير أبيه الذي يدعى له وقال أنمار لم أر كاليوم قط كلاما أنفع في حاجتنا من كلامنا
وسمع الجرهمي الكلام فتعجب لقولهم وأتى أمه فسألها فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له فكرهت أن يذهب الملك فأمكنت رجلا من نفسها كان نزل بها فوطئها فحملت به وسأل القهرمان عن الخمر فقال من حبلة غرستها على قبر أبيك وسأل الراعي عن اللحم فقال شاة أرضعتها لبن كلبة ولم يكن ولد في الغنم شاة غيرها فقيل لمضر من أين عرفت الخمر ونباتها على قبر قال لأنه أصابني عليها
(1/514)
________________________________________
عطش شديد وقيل لربيعة بم عرفت فذكر كلاما
فأتاهم الجرهمي فقال صفوا لي صفتكم فقصوا عليه ما أوصاهم به أبوهم فقضي بالقبة الحمراء والدنانير والإبل وهي خمر لمضر وقضي بالخباء الأسود وبالخيل الدهم لربيعة وقضي بالخادم وكانت شمطاء وبالخيل البلق لإياد وقضي بالأرض والدراهم لأنمار

ياسين جزائري
08-10-2012, 09:06 PM
لا..طالت شيئ منه يمكن في بداية الثمننيات و لم اتأثر به..
ووجدته ركيكا جدا ..
ولا تهمني مطالعته الان لأني أعرف مجتواه..
...
...
و أفكاره دائما يصدع لنا في رؤسنا العوديين ف يكتيبات ..
و زرت حاجا او معتمرا يعطوك منها العشرات

وجدته ركيكا جدا ؟؟ أظنك لم تفهم محتواه لهذا السبب لم تتأثر به ..كيف لكتاب يعلم العقيدة الصحيحة الخالية من الشرك ..يعلم الناس التوحيد يكون ركيك ..؟؟!!

بنالعياط
08-10-2012, 09:13 PM
وجدته ركيكا جدا ؟؟ أظنك لم تفهم محتواه لهذا السبب لم تتأثر به ..كيف لكتاب يعلم العقيدة الصحيحة الخالية من الشرك ..يعلم الناس التوحيد يكون ركيك ..؟؟!!

يا أخي العزيز ياسين لا تواخذني ..

إني رأيت صورة البقاع كانت أجمل قبله من بعده

بنالعياط
11-10-2012, 03:27 PM
ابن نزار
وقيل إن نزار ا كان يكنى أبا إياد وقيل بل كان يكنى أبا ربيعة أمه معانة بنت جوشم بن جلهمة بن عمرو وإخوته لأبيه وأمه قنص وقناصة وسنام وحيدان وحيدة وحيادة وجنيد وجنادة والقحم وعبيد ا لرماح والعرف وعوف وشك وقضاعة وبه كان معد يكنى وعدة درجوا
ابن معد
وأم معد فيما زعم هشام مهدد بنت اللهم ويقال اللهم ابن جلحب بن جديس وقيل ابن طسم وقيل ابن الطوسم من ولد يقشان بن إبراهيم خليل الرحمن
حدثنا الحارث بن محمد قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا هشام بن محمد قال حدثني محمد بن عبدالرحمن العجلاني وإخوته من أبيه وأمه الديث وقيل إن الديث هو عك وقيل إن عكا هو ابن الديث بن عدنان وعدن بن عدنان فزعم بعض أهل الأنساب أنه صاحب عدن وإليه تنسب وأن أهلها كانوا ولده فدرجوا وأبين وزعم بعضهم أنه صاحب أبين وأنها إليه تنسب وأن أهلها كانوا ولده فدرجوا وأد بن عدنان درج والضحاك والعي وأم جميعهم أم معد
وقال بعض النسابة كان عك انطلق إلى سمران من أرض اليمن وترك أخاه معدا وذلك أن أهل حضور لما قتلوا شعيب بن ذي مهدم الحضوري بعث الله عليهم بختنصر عذابا فخرج أرميا وبرخيا فحملا معدا فلما سكنت الحرب رداه إلى مكة فوجد معد إخوته وعمومته من بني عدنان قد لحقوا بطوائف اليمن وتزوجوا فيهم وتطفت عليهم اليمن بولادة جرهم إياهم واستشهدوا في ذلك قول الشاعر ... تركنا الديث أخوتنا وعكا ... ألى سمران فانطلقوا سراعا ... وكانوا من بني عدنان حتى ... أضاعوا الأمر بينهم فضاعا ... ابن عدنان
ولعدنان أخوان لأبيه يدعى أحدهما نبتا والآخر منهما عمرا فنسب نبينا محمد صلى الله عليه و سلم لا يختلف النسابون فيه إلى معد بن عدنان وأنه على ما بينت من نسبه
(1/515)
________________________________________
حدثني يونس بن عبد الأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال حدثني ابن لهيعة عن أبي الأسود وغيره عن نسبة رسول الله صلى الله عليه و سلم محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أدد ثم يختلفون فيما بعد ذلك
وقال الزبير بن بكار حدثني يحيى بن المقداد الزمعي عن عمه موسى بن يعقوب بن عبدالله بن وهب بن زمعة عن عمته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه و سلم قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول معد بن عدنان بن أدد بن زند بن يرى بن أعراق الثرى قالت أم سلمة فزند هو الهميسع ويرى وهو نبت وأعراق الثرى هو إسماعيل بن إبراهيم
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا هشام بن محمد قال حدثني محمد بن عبدالرحمن العجلاني عن موسى بن يعقوب الزمعي عن عمته عن جدتها ابنة المقداد بن الأسود البهراني قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم معد بن عدنان بن أدد بن يرى بن أعراق الثرى
وقال ابن إسحاق فيما حدثنا ابن حميد عن سلمة بن الفضل عنه عدنان يزعم بعض النساب بن أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم
وبعض يقول بل عدنان بن أدد بن أيتحب بن أيوب بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم
قال وقد انتمي قصي بن كلاب إلى قيذر في شعر
قال ويقول بعض النساب بل عدنان بن ميدع بن منيع بن أدد بن كعب بن يشجب بن يعرب بن الهميسع بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم
قال وذلك أنه علم قديم أخذ من أهل الكتاب الأول
وأما الكلبي محمد بن السائب فإنه فيما حدثني الحارث عن محمد بن سعد عن هشام قال أخبرني مخبر عن أبي ولم أسمعه منه أنه كان ينسب معد بن عدنان بن أدد بن الهميسع بن سلامان بن عوص بن بوز بن قموال بن أبي بن العوام بن ناشد بن حزا بن بلداس بن يدلاف بن طابخ بن جاحم بن تاحش بن ماخي بن عبقي بن عبقر بن عبيد بن الدعا بن حمدان بن سنبر بن يثربي بن يخزن بن يلحن بن أرعوى بن عيفى بن ديشان بن عيصر بن أقناد بن إيهام بن مقصر بن ناحث بن زارح بن شمى بن مزى بن عوص بن عرام بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا هشام بن محمد قال وكان رجل من أهل تدمر يكنى أبا يعقوب من مسلمة بني إسرائيل قد قرأ من كتبهم وعلم علما فذكر أن بروخ بن ناريا كاتب أرميا أثبت نسب معد بن عدنان عنده ووضعه في كتبه وأنه معروف عند أحبار أهل الكتاب مثبت في أسفارهم وهو مقارب لهذه الأسماء ولعل خلاف ما بينهم من قبل اللغة لأن هذه الأسماء ترجمت من العبرانية
قال الحارث قال محمد بن سعد وأنشدني هشام عن أبيه شعر قصي
(1/516)
________________________________________
فلست لحاضن إن لم تأثل ... بها أولاد قيذر والنبيت ...
قال أراد نبت بن إسماعيل
وقال الزبير بن بكار حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي عن زكرياء بن عيسى عن ابن شهاب قال معد بن عدنان بن أد بن اهميسع بن أسحب بن نبت بن قيذار بن إسماعيل
وقال بعضهم هو معد بن عدنان بن أدد بن أمين بن شاجب بن ثعلبة بن عتر بن بريح بن محلم بن العوام بن المحتمل بن رائمة بن العيقان بن علة بن الشحدود بن الظريب بن عبقر بن إبراهيم بن إسماعيل بن يزن بن أعوج بن المطعم بن الطمح بن القسور بن عتود بن دعدع بن محمود بن الزائد بن ندوان بن أتامة بن دوس بن حصن بن النزال بن القمير بن المجشر بن معدمر بن صيفي بن نبت بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن
وقال آخرون هو معد بن عدنان بن أدد بن زيد بن يقدر بن يقدم بن هميسع بن نبت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم
وقال آخرون هو معد بن عدنان بن أد بن الهميسع بن نبت بن سليمان وهو سلامان بن حمل بن نبت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم وقال آخرون هو معد بن عدنان بن أدد بن المقوم بن ناحور بن مشرح بن يشجب بن مالك بن أيمن بن النبيت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم وقال آخرون هو معد بن عدنان بن أدد بن الهميسع بن أسحب بن سعد بن سعد بن بريح بن نضير بن حميل بن منجم بن لافث بن الصابوح بن كنانة بن العوام بن نبت بن قيذر بن إسماعيل
وأخبرني بعض النساب أنه وجد طائفة من علماء العرب قد حفظت لمعد أربعين أبا بالعربية إلى إسماعيل واحتجت لقولهم ذلك بأشعار العرب وأنه قابل بما قالوا من ذلك ما يقول أهل الكتاب فوجد العدد متفقا واللفظ مختلفا وأملى ذلك علي فكتبته عنه فقال هو معد بن عدنان بن أدد بن هميسع وهميسع هو سلمان وهو أمين ابن هميتع وهو هميدع وهو الشاجب بن سلامان هو منجر وهو نبيت سمي بذلك فيما زعم لأنه كان منجر العرب لأن الناس عاشوا في زمانه واستشهد لقوله ذلك بقول قعنب بن عتاب الرياحي ... تناشدني طي وطي بعيدة ... وتذكرني بالود أزمان ينبت ...
قال نبيت بن عوص وهو ثعلبة قال وإليه تنسب الثعلبية ابن بورا وهو بوز وهو عتر العتائر وأول من سن العتيرة للعرب ابن شوحا وهو سعد رجب وهو أول من سن الرجيبة للعرب ابن يعمانا وهو قموال وهو بريح الناصب وكان في عصر سليمان بن داود النبي صلى الله عليه و سلم ابن كسدانا وهو محلم ذو العين ابن حرانا وهو العوام ابن بلداسا وهو المحتمل ابن بدلانا وهو يدلاف وهو رائمة ابن طهبا وهو طالب وهو العيقان ابن جهمي وهو جاحم وهو علة ابن محشي وهو تاحش وهو الشحدود ابن معجالي وهو ماخي وهو الظريب خاطم النار ابن عقارا وهو عافي وهو عبقر أبو الجن قال وإليه
(1/517)

بنالعياط
11-10-2012, 04:05 PM
تنسب جنة عبقر ابن عاقاري وهو عاقر وهو إبراهيم جامع الشمل قال وإنما سمي جامع الشمل لأنه أمن في ملكه كل خائف ورد كل طريد واستصلح الناس ابن مداعي وهو الدعا وهو إسماعيل ذو المطابخ سمي بذلك لأنه حين ملك اقام بكل بلدة من بلدان العرب دار ضيافة ابن ابداعي وهو عبيد وهو يزن الطعان وهو أول من قاتل بالرماح فنسبت إليه ابن همادي وهو حمدان وهو إسماعيل ذو الأعوج وكان فرسا له وإليه تنسب الأعوجية من الخيل ابن بشماني وهو بشمين وهو المطعم في المحل ابن بثراني وهو بثرم وهو الطمح ابن بحراني وهو بحرن وهو القسور ابن بلحاني وهو يلحن وهو العنود ابن رعواني وهو رعوي وهو الدعدع ابن عاقاري وهو عاقر ابن داسان وهو الزائد ابن عاصار وهو عاصر وهوالنيدوان ذو الأندية وفي ملكه تفرق بنو القاذور وهو القادور وخرج الملك من ولد النبيت بن القادور إلى بني جاوان ابن القادور ثم رجع إليهم ثانية ابن قنادي وهو قنار وهو إيامة بن ثامار وهو بهامي وهو دوس العتق وهو دوس أجمل الخلق زعم في زمانه فلذلك تقول العرب أعتق من دوس لأمرين أما أحدهما فلحسنه وعتقه والآخر لقدمه وفي ملكه أهلكت جرهم بن فالج وقطورا وذلك أنهم يغوا في الحرم فقتلهم دوس وأتبع الذر آثار من بقي منهم فولج في أسماعهم فأفناهم ابن مقصر وهو مقاصري وهو حصن ويقال له ناحث وهو النزال بن زارح وهو قمير ابن سمي وهو سما وهو المجشر وكان فيما زعم أعدل ملك ولي وأحسنه سياسة وفيه يقول أمية بن أبي الصلت لهرقل ملك الروم ... كن كالمجشر إذ قالت رعيته ... كان المجشر أوفانا بما حملا ...
ابن مزرا ويقال مرهر ابن صنفا وهو السمر وهو الصفي هو أجود ملك رثي على وجه الأرض وله يقول أمية بن أبي الصلت ... إن الصفي بن النبيت مملكا ... أعلى وأجود من هرقل وقيصرا ...
ابن جعثم وهو عرام وهو النبيت وهو قيذر قال وتأويل قيذر صاحب ملك كان أول من ملك من ولد إسماعيل ابن إسماعيل صادق الوعد بن إبراهيم خليل الرحمن بن تارح وهو آزر ابن ناحور بن ساروع بن أرغوا بن بالغ وتفسير بالغ القاسم بالسريانية لأنه الذي قسم الأرضين بين ولد آدم وبالغ فهو فالج بن عابر بن شالح فبن أرفخشد بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس النبي صلى الله عليه و سلم ابن يرد وهو يارد الذي عملت الأصنام في زمانه ابن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث وهو هبة الله بن آدم عليه السلام وكان وصي أبيه بعد مقتل هابيل فقال هبة الله من هابيل فاشتق اسمه من اسمه
وقد مضى من ذكرنا الأخبار عن إسماعيل بن إبراهيم وآبائه وأمهاته فيما بينه وبين آدم ومما كان من الأخبار والأحداث في كل زمان من ذلك بعض ما انتهى إلينا بوجيز من القول مختصر في كتابنا هذا فكرهنا إعادته
وحدثت عن هشام بن محمد قال كانت العرب تقول إنما خدش الخدوش منذ ولد أبونا أنوش وإنما حرم الحنث منذ ولد أبونا شث وهو بالسريانية شيث
ونعود الآن إلى
(1/518)

بنالعياط
11-10-2012, 06:11 PM
ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم وأسبابه
فتوفي عبدالمطلب بعد الفيل بثماني سنين كذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر وكان عبدالمطلب يوصي برسول الله صلى الله عليه و سلم عمه أبا طالب وذلك أن أبا طالب وعبدالله أبا رسول الله صلى الله عليه و سلم كانا لأم فكان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد جده وكان يكون معه ثم إن أبا طالب خرج في ركب من قريش إلى الشام تاجرا فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير ضب به رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما يزعمون فرق له أبو طالب فقال والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا أو كما قال فخرج به معه فلما نزل الركب بصرى من أرض الشأم وبها راهب يقال له بجيرى في صومعة له وكان ذا علم من أهل النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة مذ قط راهب إليه يصير علمهم عن كتاب فيما يزعمون يتوارثون كابرا عن كابر فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى صنع لهم طعاما كثيرا وذلك أنه رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو في صومعته عليه غمامة تظله من بين القوم ثم أقبلوا حتى نزلوا في ظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى استظل تحتها فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته ثم أرسل إليهم فدعاهم جميعا فلما رأى بحيرى رسول الله صلى الله عليه و سلم جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته فلما فرغ القوم من الطعام وتفرقوا سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أشياء في حاله في يقظته وفي نومه فجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم يخبره فيجدها بحيرى موافقة لما عنده من صفته ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه ثم قال بحيرى لعمه أبي طالب ما هذا الغلام منك قال ابني فقال له بحيرى ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا قال فإنه ابن أخي قال فما فعل أبوه قال مات وأمه حبلى به قال صدقت ارجع به إلى بلدك واحذر عليه يهود فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا فإنه كائن له شأن عظيم فأسرع به إلى بلده فخرج به عمه سريعا حتى أقدمه مكة
وقال هشام بن محمد خرج أبو طالب برسول الله صلى الله عليه و سلم إلى بصرى من أرض الشأم وهو ابن تسع سنين
حدثني العباس بن محمد قال حدثنا أبو نوح قال حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبي موسى قال خرج أبو طالب إلى الشأم وخرج معه رسول الله صلى الله عليه و سلم في أشياخ من قريش فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا
(1/519)
________________________________________
يخرج إليهم ولا يلتفت قال فهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال هذا سيد العالمين هذا رسول رب العالمين هذا يبعثه الله رحمة للعالمين فقال له أشياخ قريش ما علمك قال إنكم حين أشرفتم من العقبة لم تبق شجرة ولا حجر إلا خر ساجدا ولا يسجدون إلا لنبي وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من عضروف كتفه مثل التفاحة
ثم رجع فصنع لهم طعاما فلما أتاهم به كان هو في رعية الإبل قال أرسلوا إليه فأقبل وعليه غمامة فقال انظروا إليه عليه غمامة تظله فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة فلما جلس مال فيء الشجرة عليه فقال انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه قال فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه فالتفت فإذا هو بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم فقال ما جاء بكم قالوا جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليها ناس وإنا اخترنا خيرة بعثنا إلى طريقك هذا قال لهم هل خلفتم خلفكم أحدا هو خير منكم قالوا لا إنما اخترنا خيرة لطريقك هذا قال أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده قالوا لا فتابعوه وأقاموا معه قال فأتاهم فقال أنشدكم الله أيكم وليه قالوا أبو طالب فلم يزل يناشده حتى رده وبعث معه أبو بكر رضي الله تعالى عنه بلالا وزوده الراهب من الكعك والزيت
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن محمد بن عبدالله بن قيس بن مخرمة عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيه محمد بن علي عن جده علي بن أبي طالب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين كل ذلك يحول الله بني وبين ما أريد من ذلك ثم ما هممت بسوء حتى أكرمني الله عز و جل برسالته فإني قد قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معي بأعلى مكة لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الشباب فقال أفعل فخرجت أريد ذلك حتى إذا جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفا بالدفوف والمزامير فقلت ما هذا قالوا فلان بن فلان تزوج بفلانة بنت فلان فجلست أنظر إليهم فضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس قال فجئت صاحبي فقال ما فعلت قلت ما صنعت شيئا ثم أخبرته الخبر قال ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك فقال أفعل فخرجت فسمعت حين جئت مكة مثل ما سمعت حين دخلت مكة تلك الليلة فجلست أنظر فضرب الله على أذني فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فأخبرته الخبر ثم ما هممت بعدها بسوء حتى أكرمني الله عز و جل برسالته
(1/520)
________________________________________
ذكر تزويج النبي صلى الله عليه و سلم خديجة رضي الله عنها
قال هشام بن محمد نكح رسول الله صلى الله عليه و سلم خديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة وخديجة يومئذ ابنة أربعين سنة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سملة عن ابن إسحاق قال كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستتجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم منه وكانت قريش قوما تجارا فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشأم تاجرا وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار مع غلام لها يقال له ميسرة فقبله منها رسول الله صلى الله عليه و سلم فخرج في مالها ذلك وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدما الشأم فنزل رسول الله صلى الله عليه و سلم في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان فأطلع الراهب رأسه إلى ميسرة فقال من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة فقال له ميسرة هذا رجل من قريش من أهل الحرم فقال له الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي ثم باع رسول الله صلى الله عليه و سلم سلعته التي خرج بها واشترى ما أراد أن يشتري ثم أقبل قافلا إلى مكة ومعه ميسرة فكان ميسرة فيما يزعمون إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظللانه من الشمس وهو يسير على بعيره فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فأضعفت أو قريبا من ذلك وحدثها ميسرة عن قول الراهب وعما كان يرى من إظلال الملكين إياه وكانت خديجة امرأة حازمة لبيبة شريفة مع ما أراد الله بها من كرامته فلما أخبرها ميسرة بما أخبرها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت له فيما يزعمون يابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك ثم عرضت عليه نفسها وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسبا وأعظمهن شرفا وأكثرهن مالا كل قومها كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليها
فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم ذكر ذلك لأعمامه فخرج معه حمزة بن عبدالمطلب عمه حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها فولدت له ولده كلهم إلا إبراهيم زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة والقاسم وبه كان يكنى صلى الله عليه و سلم والطاهر والطيب فأما القاسم والطاهر والطيب فهلكوا في الجاهلية وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن معه صلى الله عليه و سلم
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثن معمر
(1/521)
________________________________________
وغيره عن ابن شهاب الزهري وقد قال ذلك غيره من أهل البلد إن خديجة إنما كانت استأجرت رسول الله صلى الله عليه و سلم ورجلا آخر من قريش إلى سوق حباشة بتهامة وكان الذي زوجها إياه خويلد وكان التي مشت في ذلك مولاة مولدة من مولدات مكة
قال الحارث قال محمد بن سعد قال الواقدي فكل هذا غلط
قال الواقدي ويقولون أيضا إن خديجة أرسلت إلى النبي صلى الله عليه و سلم تدعوه إلى نفسها تعني التزويج وكانت امرأة ذات شرف وكان كل قريش حريصا على نكاحها قد بذلوا الأموال لو طمعوا بذلك فدعت أباها فسقته خمرا حتى ثمل ونحرت بقرة وخلقته بخلوق وألبسته حلة حبرة ثم أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم في عمومته فدخلوا عليه فزوجه فلما صحا قال ما هذا العقير وما هذا العبير وما هذا الحبير قالت زوجتني محمد بن عبدالله قال ما فعلت أنى أفعل هذا وقد خطبك أكابر قريش فلم أفعل
قال الواقدي وهذا غلط والثبت عندنا المحفوظ من حديث محمد بن عبدالله بن مسلم عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعم ومن حديث ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة ومن حديث ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن عمها عمرو بن أسد زوجها رسول الله صلى الله عليه و سلم وأن أباها مات قبل الفجار
قال أبو جعفر وكان منزل خديجة يومئذ المنزل الذي يعرف بها اليوم فيقال منزل خديجة فاشتراه معاوية فيما ذكر فجعله مسجدا يصلي فيه الناس وبناه على الذي هو عليه اليوم لم يغير وأما الحجر الذي على باب البيت عن يسار من يدخل البيت فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يجلس تحته يستتر به من الرمي إذا جاءه من دار أبي لهب ودار عدي بن حمراء الثقفي خلف دار ابن علقمة والحجر ذراع وشبر في ذراع
(1/522)
________________________________________
ذكر باقي الأخبار عن الكائن من أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل أن ينبأ وكان بين مولده ووقت نبوته من الأحداث في بلده
قال أبو جعفر قد ذكرنا قبل سبب تزويج النبي صلى الله عليه و سلم خديجة واختلاف المختلفين في ذلك ووقت نكاحه صلى الله عليه و سلم إياها وبعد السنة التي نكحها فيها رسول الله هدمت قريش الكعبة بعشر سنين ثم بنتها وذلك في قول ابن إسحاق في سنة خمس وثلاثين من مولد رسول الله صلى الله عليه و سلم
وكان سبب هدمهم إياها فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق أن الكعبة كانت رضمة فوق القامة فأرادوا رفعها وتسقيفها وذلك أن نفرا من قريش وغيرهم سرقوا كنز الكعبة وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة
وكان أمر غزالي الكعبة فيما حدثت عن هشام بن محمد عن أبيه أن الكعبة كانت رفعت حين غرق قوم نوح فأمر الله إبراهيم خليله عليه السلام وابنه إسماعيل أن يعيدا بناء الكعبة على أسها الأول فأعادا بناءها كا أنزل في القرآن وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ( 1 ) فلم يكن له ولاة منذ زمن نوح عليه السلام وهو مرفوع ثم أمر الله عز و جل إبراهيم أن ينزل ابنه إسماعيل البيت لما أراد الله من كرامة من أكرمه بنبيه محمد صلى الله عليه و سلم فكان إبراهيم خليل الرحمن وابنه إسماعيل يليان البيت بعد عهد نوح ومكة يومئذ بلاقع ومن حول مكة يومئذ جرهم والعماليق فنكح إسماعيل عليه السلام امرأة من جرهم فقال في ذلك عمرو بن الحارث بن مضاض ... وصاهرنا من أكرم الناس والدا ... فأبناؤه منا ونحن الأصاهر ...
فولي البيت بعد إبراهيم إسماعيل وبعد إسماعيل نبت وأمه الجرهمية ثم مات نبت ولم يكثر ولد إسماعيل فغلبت جرهم على ولاية البيت فقال عمرو بن الحارث بن مضاض ... وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت والخير ظاهر ...
فكان أول من ولي من جرهم البيت مضاض ثم وليته بعده بنوه كابرا بعد كابر حتى بغت جرهم بمكة واستحلوا حرمتها وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها وظلموا من دخل مكة ثم لم يتناهوا حتى جعل الرجل منهم إذا لم يجد مكانا يزني فيه يدخل الكعبة فيزني فزعموا أن أسافا بغى بنائلة في جوف الكعبة فمسخا حجرين وكانت مكة في الجاهلية لا ظلم ولا بغي فيها ولا يستحل حرمتها ملك إلا هلك مكانه
(1/523)
________________________________________
فكانت تسمى الناسة وتسمى بكة تبك أعناق البغايا إذا بغوا فيها والجبابرة
قال ولما لم تتناه جرهم عن بغيها وتفرق أولاد عمرو بن عامر من اليمن فانخزع بنو حارثة بن عمرو فأوطنوا تهامة فسميت خزاعة وهم بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة وأسلم ومالك وملكان بنو أفصى بن حارثة فبعث الله على جرهم الرعفا والنمل فأفناهم فاجتمعت خزاعة ليجلوا من بقي ورئيسهم عمرو بن ربيعة بن حارثة وأمه فهيرة بنت عامر بن الحارث بن مضاض فاقتتلوا فلما أحس عامر بن الحارث بالهزيمة خرج بغزالي الكعبة وحجر الركن يلتمس التوبة وهو يقول ... لا هم إن جرهما عبادك ... الناس طرف وهم تلادك ... بهم قديما عمرت بلادك ...
فلم تقبل توبته فألقى غزالي الكعبة وحجر الركن في زمزم ثم دفنها وخرج من بقي من جرهم إلى أرض من أرض جهينة فجاءهم سيل أتي فذهب بهم فذلك قول أمية بن أبي الصلب ... وجرهم دمنوا تهامة في الدهر ... فسالت بجمعهم إضم ...
وولي البيت عمرو بن ربيعة وقال بنو قصي بل وليه عمرو بن الحارث الغبشاني وهو يقول ... ونحن ولينا البيت من بعد جرهم ... لنعمره من كل باغ وملحد ...
وقال ... واد حرام طيره ووحشه ... نحن ولاته فلا نغشه ...
وقال عامر بن الحارث ... كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر ... بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر ...
وقال ... يا أيها الناس سيروا إن قصركم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا ... كنا أناسا كما كنتم فغيرنا ... دهر فأنتم كما كنا تكونونا ... حثوا المطي وأرخوا من أزمتها ... قبل الممات وقضوا ما تقضونا ...
يقول اعملوا لآخرتكم وافرغوا من حوائجكم في الدنيا فوليت خزاعة البيت غير أنه كان في قبائل مضر ثلاث خلال الإجازة بالحج للناس من عرفة وكان ذلك إلى الغوث بن مر وهو صوفة فكات إذا كانت الإجازة قالت العرب أجيزي صوفة والثانية الإفاضة من جمع غداة النحر إلى منى فكان ذلك إلى بني زيد بن عدوان فكان آخر من ولي ذلك منهم أبو سيارة عميلة بن الأعزل بن خالد بن سعد بن الحارث بن وابش بن زيد والثالثة النسيء للشهور الحرم فكان ذلك إلى القلمس وهو حذيفة بن فقيم بن عدي من بني مالك بن كنانة ثم بنيه حتى صار ذلك إلى آخرهم أبي ثمامة وهو جنادة بن عوف بن أمية بن قلع بن حذيفة وقام عليه الإسلام وقد عادت الحرم إلى أصلها فأحكمها الله وأبطل النسيء فلما كثرت معد تفرقت فذلك قول مهلهل
(1/524)
________________________________________
غنيت دارنا تهامة في الده ... ر وفيها بنو معد حلولا ...
وأما قريش فلم يفارقوا مكة فلما حفر عبدالمطلب زمزم وجد الغزالين غزالي الكعبة اللذين كانت جرهم دفنتهما فيه فاستخرجهما وكان من أمره وأمرهما ما قد ذكرت في موضع ذلك فيما مضى من هذا الكتاب قبل
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال وكان الذي وجد عنده الكنز دويكا مولى لبني مليح بن عمرو من خزاعة فقطعت قريش يده من بينهم وكان ممن اتهم في ذلك الحارث بن عامر بن نوفل وأبو إهاب بن غزيز بن قيس بن سويد التميمي وكان أخا الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف لأمه وأبو لهب بن عبدالمطلب وهم الذين تزعم قريش أنهم وضعوا كنز الكعبة حين أخذوه عند دويك مولى بني مليح فلما اتهمتهم قريش دلوا على دويك فقطع ويقال هم وضعوه عنده
وذكروا أن قريشا حين استيقنوا بأن ذلك كان عند الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف خرجوا به إلى كاهنة من كهان العرب فسجعت عليه من كهانتها بألا يدخل مكة عشر سنين بما استحل من حرمة الكعبة فزعموا أنهم أخرجوه من مكة فكان فيما حولها عشر سنين وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم فتحطمت فأخذوا خشبها فأعدوه لسقفها وكان بمكة رجل قبطي نجار فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي يطرح فيها ما يهدى لها كل يوم فتشرف على جدار الكعبة فكانوا يهابونها وذلك أنه كان لا يدنوا منها أحد إلا احزألت وكشت وفتحت فاها فبينا هي يوما تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع بعث الله عليها طائرا فاختطفها فذهب بها فقالت قريش إنا لنرجو أن يكون الله عز و جل قد رضي ما أردنا عندنا عامل رقيق وعندنا خشب وقد كفانا الله [ أمر ] الحية وذلك بعد الفجار بخمس عشرة سنة ورسول الله صلى الله عليه و سلم عامئذ ابن خمس وثلاثين سنة
فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم فتناول من الكعبة حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه فقال يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا ولا تدخلوا فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس
قال والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبي نجيح المكي أنه حدث عن عبدالله بن صفوان بن أمية بن خلف أنه رأى ابنا لجعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم يطوف بالبيت فسأل عنه فقيل له هذا ابن لجعدة بن هبيرة فقال عند ذلك عبدالله بن صفوان جد هذا يعني أبا وهب الذي أخذ من الكعبة حجرا حين اجتمعت قريش لهدمها فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه فقال عند ذلك يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا لا تدخلوا فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد
وأبو وهب خال أبي رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان شريفا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق قال ثم إن قريشا تجزأت الكعبة فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وتيم
(1/525)
________________________________________
وقبائل من قريش ضموا إليهم وكان ظهر الكعبة لبني جمح وبني سهم وكان شق الحجر وهو الحطيم لبني عبدالدار بن قصي ولبني أسد بن عبدالعزى بن قصي وبني عدي بن كعب
ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه فقال الوليد بن المغيرة أنا أبدؤكم في هدمها فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول اللهم لم ترع اللهم لا نريد إلا الخير ثم هدم من ناحية الركنين فتربص الناس به تلك الليلة وقالوا ننظر فإن أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا هدمنا
فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله فهدم والناس معه حتى انتهى الهدم إلى الأساس فأفضوا إلى حجارة خضر كأنها أسنة آخذ بعضها ببعض
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عن بعض من يروي الحديث أن رجلا من قريش ممن كان يهدمها أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما فلما تحرم الحجر انتقضت مكة بأسرها فانتهوا عند ذلك إلى الأساس
قال ثم إن القبائل جمعت الحجارة لبنائها جعلت كل قبيلة تجمع على حدتها ثم بنوا حتى إذا بلغ البنيان موضع الركن اختصموا فيه كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى حتى تحاوزوا وتحالفوا وتواعدوا للقتال فقربت بنو عبدالدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم من الجفنة فسموا لعقة الدم بذلك فمكثت قريش أربع ليال أو خمس ليال على ذلك ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا فزعم بعض الرواة أن أبا أمية بن المغيرة كان عامئذ أسن قريش كلها قال يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه فكان أول من دخل عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما رأوه قالوا هذا الأمين قد رضينا به هذا محمد فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال هلم لي ثوبا فأتي به فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه بيده ثم بنى عليه وكانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل أن ينزل عليه الوحي الأمين
قال أبو جعفر وكان بناء قريش الكعبة بعد الفجار بخمس عشرة سنة وكان بين عام الفيل وعام الفجار عشرون سنة
واختلف السلف في سن رسول الله صلى الله عليه و سلم حين نبيء كم كانت فقال بعضهم نبئ رسول الله صلى الله عليه و سلم بعدما بنت قريش الكعبة بخمس سنين وبعدما تمت له من مولده أربعون سنة
ذكر من قال ذلك
حدثني محمد بن خلف العسقلاني قال حدثنا آدم قال حدثنا حماد بن سلمة قال حدثنا أبو جمرة الضبعي عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم لأربعين سنة
حدثنا عمرو بن علي وابن المثنى قالا حدثنا يحيى بن محمد بن قيس قال سمعت ربيعة بن أبي عبدالرحمن يذكر عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث على رأس أربعين
(1/526)
________________________________________
حدثنا العباس بن الوليد قال أخبرني أبي قال حدثن الأوزاعي قال حدثني ربيعة بن أبي عبدالرحمن قال حدثني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث على رأس أربعين
حدثني ابن عبدالرحيم البرقي قال حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن الأوزاعي قال حدثني ربيعة بن أبي عبدالرحمن قال حدثني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث على رأس أربعين
حدثني أبو شرحبيل الحمصي قال حدثني أبو اليمان قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن أنس بن مالك قال أنزل على النبي صلى الله عليه و سلم وهو ابن أربعين
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا الحجاج بن المنهال قال حدثنا حماد قال حدثنا عمرو بن دينار عن عروة بن الزبير قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو ابن أربعين
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا الحجاج عن حماد قال أخبرنا عمرو عن يحيى بن جعدة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لفاطمة إنه كان يعرض علي القرآن كل عام مرة وإنه قد عرض علي العام مرتين وإنه قد خيل إلي أن أجلي قد حضر وأن أول أهلي لحاقا بي أنت وإنه لم يبعث نبي إلا بعث الذي بعده بنصف من عمره وبعث عيسى لأربعين وبعثت لعشرين
حدثني عبيد بن محمد الوراق قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا هشام قال حدثنا عكرمة عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم لأربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة
حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة ومحمد بن ميمون الزعفراني عن هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنزل عليه وهو ابن أريعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة
وقال آخرون بل نبئ حين نبئ وهو ابن ثلاث وأربعين سنة
ذكر من قال ذلك
حدثنا أحمد بن ثابت الرازي قال حدثنا أحمد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس قال أنزل على النبي صلى الله عليه و سلم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال أنزل على رسول الله صلى الله عليه و سلم الوحي وهو ابن ثلاث وأربعين سنة
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا عبدالوهاب قال حدثنا يحيى بن سعيد قال سمعت سعيدا يعني ابن المسيب
يقول أنزل على رسول الله صلى الله عليه و سلم الوحي وهو ابن ثلاث وأربعين سنة
(1/527)
________________________________________
ذكر اليوم الذي نبئ فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم من الشهر الذي نبئ فيه وما جاء في ذلك
قال ابو جعفر صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بما حدثنا به ابن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن غيلان بن جرير أنه سمع عبدالله بن معبد الزماني عن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سئل عن صوم الاثنين فقال ذلك يوم ولدت فيه ويوم بعثت أو أنزل علي فيه
حدثنا احمد بن منصور قال حدثنا الحسن بن موسى الأشيب قال حدثن أبو هلال قا حدثنا غيلان بن جرير المعولي قال حدثنا عبدالله بن معبد الزماني عن أبي قتادة عن عمر رحمه الله أنه قال للنبي صلى الله عليه و سلم يا نبي الله صوم يوم الاثنين قال ذاك يوم ولدت فيه ويوم أنزلت علي فيه النبوة
حدثنا إبراهيم بن سعيد قال حدثنا موسى بن داود عن ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن حنش الصنعاني عن ابن عباس قال ولد النبي صلى الله عليه و سلم يوم الاثنين واستنبئ يوم الاثنين
قال أبو جعفر وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم
واختلفوا في أي الأثانين كان ذلك فقال بعضهم نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه و سلم لثماني عشرة خلت من رمضان
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن الحسن بن دينار عن أيوب عن أبي قلابة عبدالله بن زيد الجرمي أنه كان يقول فيما بلغه وانتهى إليه من العلم أنزل القرقان على رسول الله صلى الله عليه و سلم لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان
وقال آخرون بل أنزل لأربع وعشرين ليلة خلت منه
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني من لا يتهم عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بن دعامة السدوسي عن ابي الجلد قال نزل الفرقان لأربع وعشرين ليلة خلت من رمضان
وقال آخرون بل نزل لسبع عشرة خلت من شهر رمضان واستشهدوا لتحقيق ذلك بقول الله
(1/528)
________________________________________
عز و جل وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ( 1 ) وذلك ملتقى رسول الله صلى الله عليه و سلم والمشركين ببدر وأن التقاء رسول الله صلى الله عليه و سلم والمشركين ببدر كان صبيحة سبع عشرة من رمضان
قال أبو جعفر وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم من قبل أن يظهر له جبريل عليه السلام برسالة الله عز و جل إليه فيما ذكر عنه يرى ويعاين آثارا وأسبابا من آثار من يريد الله إكرامه واختصاصه بفضله فكان من ذلك ما قد ذكرت فيما مضى من خبره عن الملكين اللذين أتياه فشقا بطنه واستخرجا ما فيه من الغل والدنس وهو عند أمه من الرضاعة حليمة ومن ذلك أنه كان إذا مر في طريق لا يمر فيما ذكر عنه بشجر ولا حجر فيه إلا سلم عليه
حدثني الحارث بن محمد قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا علي بن محمد بن عبيدالله بن عمر بن الخطاب عن منصور بن عبدالرحمن عن أمه عن برة بنت أبي تجراة قالت إن رسول الله صلى الله عليه و سلم حين أراد الله كرامته وابتداءه بالنبوة كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتا ويفضي إلى الشعاب وبطون الأودية فلا يمر بحجر ولا شجرة إلا قالت السلام عليك يا رسول الله فكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحدا
قال أبو جعفر وكانت الأمم تتحدث بمبعثه وتخبر علماء كل أمة منها قومها بذلك وقد حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني علي بن عيسى الحكمي عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول أن أنتظر نبيا من ولد إسماعيل ثم من بني عبدالمطلب ولا أراني أدركه وأنا أؤمن به وأصدقه وأشهده أنه نبي فإن طالت بك مدة فرأيته فأقرئه مني السلام وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك قلت هلم قال هو رجل ليس بالقصير ولا بالطويل ولا بكثير الشعر ولا بقليله وليست تفارق عينيه حمرة وخاتم النبوة بين كتفيه واسمه أحمد وهذا البلد مولده ومبعثه ثم يخرجه قومه منها ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره فإياك أن تخدع عنه فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم فكل من أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون هذا الدين وراءك وينعتونه مثل ما نعته لك ويقولون لم يبق نبي غيره
قال عامر فلما أسلمت أخبرت رسول الله صلى الله عليه و سلم قول زيد بن عمرو وأقرأته منه السلام فرد عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم وترحم عليه وقال قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عمن لا يتهم عن عبدالله بن كعب مولى عثمان أنه حدث أن عمر بن الخطاب بينا هو جالس في الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ أقبل رجل من العرب داخل المسجد يريد عمر يعني ابن الخطاب فلما نظر إليه عمر قال إن الرجل لعلى شركه بعد ما فارقه أو لقد كان كاهنا في الجاهلية فسلم عليه الرجل ثم جلس فقال له عمر هل أسلمت فقال نعم فقال هل كنت كاهنا في الجاهلية فقال الرجل سبحان الله لقد استقبلتني بأمر ما أراك قلته لأحد من رعيتك منذ وليت فقال عمر اللهم غفرا قد كنا في الجاهلية على شر من ذلك نعبد الأصنام ونعتنق الأوثان حتى أكرمنا الله بالإسلام فقال نعم والله يا أمير المؤمنين لقد كنت كاهنا في الجاهلية
(1/529)
________________________________________
قال فأخبرنا ما أعجب ما جاءك به صاحبك قال جاءني قبل الإسلام بشهر أو سنة فقال لي ألم تر إلى الجن وإبلاسها وإياسها من دينها ولحوقها بالقلاص وأحلاسها قال فقال عمر عند ذلك يحدث الناس والله إني لعند وثن من أوثان الجاهلية في نفر من قريش قد ذبح له رجل من العرب عجلا فنحن ننظر قسمه ليقسم لنا معه إذ سمعت من جوف العجل صوتا ما سمعت صوتا قط أنفذ منه وذلك قبل الإسلام بشهر أو شيعه يقول يا آل ذريح أمر بجيح ورجل يصيح يقول لا إله إلا الله
حدثنا ابن حميد قال حدثنا علي بن مجاهد عن ابن إسحاق عن الزهري عن عبدالله بن كعب مولى عثمان بن عفان مثله
حدثنا الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني محمد بن عبدالله عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال كنا جلوسا عند صنم ببوانة قبل أن يبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم بشهر نحرنا جزورا فإذا صائح يصيح من جوف واحدة اسمعوا إلى العجب ذهب استراق الوحي ونرمى بالشهب لنبي بمكة اسمه أحمد مهاجره إلى يثرب قال فأمسكنا وعجبنا وخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم
حدثني أحمد بن سنان القطان الواسطي قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس أن رجلا من بني عامر أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال أرني الخاتم الذي بين كتفيك فإن يك بك طب داويتك فإني أطب العرب قال أتحب أن أريك آية قال نعم ادع ذاك العذق قال فنظر إلى عذق في نخلة فدعاه فجعل ينقز حتى قام بين يديه قال قل له فليرجع فرجع فقال العامري يا بني عامر ما رأيت كاليوم أسحر
قال أبو جعفر والأخبار عن الدلالة على نبوته صلى الله عليه و سلم أكثر من أن تحصى ولذلك
كتاب يفرد إن شاء الله
ونرجع الآن إلى

بنالعياط
11-10-2012, 08:21 PM
ذكر الخبر عما كان من أمر نبي الله صلى الله عليه و سلم عند ابتداء الله تعالى ذكره إياه بإكرامه بإرسال جبريل عليه السلام إليه بوحيه
قال أبو جعفر قد ذكرنا قبل بعض الأخبار الواردة عن أول وقت مجيء جبريل نبينا محمدا صلى الله عليه و سلم بالوحي من الله وكم كان سن النبي صلى الله عليه و سلم يومئذ ونذكر الآن صفة ابتداء جبريل إياه بالمصير إليه وظهوره له بتنزيل ربه
فحدثني أحمد بن عثمان المعروف بأبي الجوزاء قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا أبي قال سمعت النعمان بن راشد يحدث عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت كان أول ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه و سلم من الوحي الرؤيا الصادقة كانت تجيء مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان بغار حراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها حتى فجأه الحق فأتاه فقال يا محمد أنت رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فجثوت لركبتي وأنا قائم ثم زحفت ترجف بوادري ثم دخلت على خديجة فقلت زملوني زملوني حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال يا محمد أنت رسول الله قال فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل فتبدى لي حين هممت بذلك فقال يا محمد أنا جبريل وأنت رسول الله ثم قال اقرأ قلت ما أقرأ قال فأخذني فغتني ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد ثم قال اقرأ باسم ربك الذي خلق ( 1 ) فقرأت فأتيت خديجة فقلت لقد أشفقت على نفسي فأخبرتها خبري فقالت أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا ووالله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتؤدي الأمانة وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ثم انطلقت بي إلى ورقة بن نوفل بن أسد قالت اسمع من ابن أخيك فسألني فأخبرته خبري فقال هذا الناموس الذي أنزل على موسى بن عمران ليتني فيها جذع ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك قلت أمخرجي هم قال نعم إنه لم يجئ رجل قط بما جئت به إلا عودي ولئن أدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا
ثم كان أول ما نزل علي من القرآن بعد اقرأ ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم فستبصر ويبصرون ويا أيها المدثر قم فأنذر ووالضحى والليل إذا سجى ( 2 )
(1/531)
________________________________________
حدثني يونس بن عبدالأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال حدثني عروة أن عائشة أخبرته ثم ذكر نحوه غير أنه لم يقل ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن إلى آخره
حدثنا محمد بن عبدالملك بن أبي الشوارب قال حدثنا عبدالواحد بن زياد قال حدثنا سليمان الشيباني قال حدثنا عبدالله بن شداد قال أتى جبريل محمدا صلى الله عليه و سلم فقال يا محمد اقرأ فقال ما أقرأ قال فضمه ثم قال يا محمد اقرأ قال ما أقرأ قال فضمه ثم قال يا محمد اقرأ قال وما أقرأ قال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق حتى بلغ علم الإنسان ما لم يعلم قال فجاء إلى خديجة فقال يا خديجة ما أراني إلا قد عرض لي قالت كلا والله ما كان ربك يفعل ذلك بك ما أتيت فاحشة قط قال فأتت خديجة ورقة بن نوفل فأخبرته الخبر فقال لئن كنت صادقة إن زوجك لنبي وليلقين من أمته شدة ولئن أدركته لأومنن به
قال ثم أبطأ عليه جبريل فقالت له خديجة ما أرى ربك إلا قد قلاك قال فأنزل الله عز و جل والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى ( 1 )
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال سمعت عبدالله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي حدثنا يا عبيد كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه و سلم من النبوة حين جاء جبريل عليه السلام فقال عبيد وأنا حاضر يحدث عبدالله بن الزبير ومن عنده من الناس كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يجاور في حراء من كل سنة شهرا وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية والتحنث التبرر وقال أبو طالب ... وراق ليرقى في حراء ونازل ...
فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يجاور ذلك الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين فإذا قضى رسول الله صلى الله عليه و سلم جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله عز و جل فيه ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه فيها وذلك في شهر رمضان خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى حراء كما كان يخرج لجواره معه أهله حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها جاءه جبريل بأمر الله فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ فقلت ما اقرأ فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم ارسلني فقال اقرأ فقلت ماذا أقرأ وما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود إلي بمثل ما صنع بي قال اقرأ باسم ربك الذي خلق إلى قوله علم الإنسان مالم يعلم قال فقرأته قال ثم انتهى ثم انصرف عني وهببت من نومي وكأنما كتب في قلبي كتابا
قال ولم يكن من خلق الله أحد أبغض إلي من شاعر أو مجنون كنت لا أطيق أن أنظر إليهما قال قلت إن الأبعد يعني نفسه لشاعر أو مجنون لا تحدث بها عني قريش أبدا لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن
(1/532)
________________________________________
قال فخرجت أريد ذلك حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل قال فرفعت رأسي إلى السماء فإذا جبرئيل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبرئيل قال فوقفت أنظر إليه وشغلني ذلك عما أردت فما أتقدم وما أتأخر وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي ولا أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي حتى بلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا فقالت يا أبا القاسم أين كنت فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إلي قال قلت لها إن الأبعد لشاعر أو مجنون فقالت أعيذك بالله من ذلك يا أبا القاسم ما كان الله ليصنع ذلك بك مع ما أعلم منك من صدق حديثك وعظم أمانتك وحسن خلقك وصلة رحمك وما ذاك يا بن عم لعلك رأيت شيئا قال فقلت لها نعم ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت أبشر يا بن عم واثبت فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد وهو ابن عمها وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والإنجيل فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه رأى وسمع فقال ورقة قدوس قدوس والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر يعني بالناموس جبرئيل عليه السلام الذي كان يأتي موسى وإنه لنبي هذه الأمة فقولي له فليثبت فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبرته بقول ورقة فسهل ذلك عليه بعض ما هو فيه من الهم فلما قضى رسول الله صلى الله عليه و سلم جواره وانصرف صنع كما كان يصنع وبدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالبيت فقال يابن أخي أخبرني بما رأيت أو سمعت فأخبره رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له ورقة والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء إلى موسى ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه ولئن أنا أدركت ذلك لأنصرن الله نصرا يعلمه ثم أدنى رأسه فقبل يافوخه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى منزله
وقد زاده ذلك من قول ورقة ثباتا وخفف عنه بعض ما كان فيه من الهم فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير أنه حدث عن خديجة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه و سلم فيما يثبته فيما أكرمه الله به من نبوته يا بن عم أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك قال نعم قالت فإذا جاءك فأخبرني به فجاءه جبرئيل عليه السلام كما كان يأتيه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لخديجة يا خديجة هذا جبرئيل قد جاءني فقالت نعم فقم يا بن عم فاجلس على فخذي اليسرى فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم فجلس عليها قالت هل تراه قال نعم قالت فتحول فاقعد على فخذي اليمنى فتحول رسول الله صلى الله عليه و سلم فجلس عليها فقالت هل تراه قال نعم قالت فتحول فاجلس في حجري فتحول فجلس في حجرها قالت هل تراه قال نعم فتحسرت فألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه و سلم جالس في حجرها ثم قالت هل تراه قال لا فقالت يا بن عم اثبت وأبشر فوالله إنه لملك وما هو بشيطان
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال وحدثت بهذا الحديث
(1/533)
________________________________________
عبدالله بن الحسن فقال قد سمعت أمي فاطمة بنت الحسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة إلا أني قد سمعتها تقول أدخلت رسول الله صلى الله عليه و سلم بينها وبين درعها فذهب عند ذلك جبرئيل فقالت لرسول الله صلى الله عليه و سلم إن هذا لملك وما هو بشيطان
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا عثمان بن عمر بن فارس قال حدثنا علي بن المبارك عن يحيى يعني ابن أبي كثير قال سألت أبا سلمة أي القرآن أنزل أول فقال يا أيها المدثر فقلت يقولون اقرأ باسم ربك فقال أبو سلمة سألت جابر بن عبدالله أي القرآن أنزل أول فقال يا أيها المدثر فقلت اقرأ باسم ربك الذي خلق فقال لا أخبرك إلا ما حدثنا النبي صلى الله عليه و سلم قال جاورت في حراء فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي فنوديت فنظرت عن يميني وعن شمالي وخلفي وقدامي فلم أر شيئا فنظرت فوق رأسي فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض فخشيت منه قال ابن المثنى هكذا قال عثمان بن عمر وإنما هو فجئثت منه فلقيت خديجة فقلت دثروني فدثروني وصبوا علي ماء وأنزل علي يا أيها المدثر قم فأنذر
حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع عن علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير قال سألت أبا سلمة عن أول ما نزل من القرآن قال نزلت يا أيها المدثر أول قال قلت إنهم يقولون اقرأ باسم ربك الذي خلق فقال سألت جابر بن عبدالله فقال لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم قال جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت فسمعت صوتا فنظرت عن يميني فلم أر شيئا وعن شمالي فلم أر شيئا ونظرت أمامي فلم ار شيئا ونظرت خلفي فلم ار شيئا فرفعت رأسي فرأيت شيئا فأتيت خديجة فقلت دثروني وصبوا علي ماء قال فدثروني وصبوا علي ماء باردا فنزلت يا أيها المدثر
وحدثت عن هشام بن محمد قال أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه و سلم أول ما أتاه ليلة السبت وليلة الأحد ثم ظهر له برسالة الله عز و جل يوم الاثنين فعلمه الوضوء وعلمه الصلاة وعلمه اقرأ باسم ربك الذي خلق وكان لرسول الله صلى الله عليه و سلم يوم الاثنين يوم أوحي إليه أربعون سنة
حدثني أحمد بن محمد بن حبيب الطوسي قال حدثنا أبو داود الطيالسي قال أخبرنا اجعفر بن عبدالله بن عثان القرشي قال أخبرني عمر بن عروة بن الزبير قال سمعت عروة بن الزبير يحدث عن أبي ذر الغفاري قال قلت يا رسول الله كيف علمت أنك نبي أول ما علمت حتى علمت ذلك واستيقنت قال يا أبا ذر أتاني ملكان وأنا ببعض بطحاء مكة فوقع أحدهما في الأرض والآخر بين السماء والأرض فقال أحدهما لصاحبه أهو هو قال هو هو قال فزنه برجل فوزنت برجل فرجحته ثم قال زنه بعشرة فوزنني بعشرة فرجحتهم ثم قال زنه بمائة فوزنني بمائة فرجحتهم ثم قال زنه بألف فوزنني بألف فرجحتهم فجعلوا ينتثرون علي من كفة الميزان قال فقال أحدهما للآخر لو وزنته بأمته رجحها ثم قال أحدهما لصاحبه شق بطنه فشق بطني ثم قال أحدهما أخرج قلبه أو قال شق قلبه فشق قلبي فأخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم فطرحها ثم قال أحدهما للآخر اغسل بطنه غسل الإناء واغسل قلبه غسل الإناء أو اغسل قلبه غسل الملاءة ثم دعا بالسكينة كأنها وجه هرة
(1/534)
________________________________________
بيضاء فأدخلت قلبي ثم قال أحدهما لصاحبه خط بطنه فخاطا بطني وجعلا الخاتم بين كتفي فما هو إلا أن وليا عني فكأنما أعاين الأمر معاينة
حدثنا محمد بن عبدالأعلى قال حدثنا ابن ثور عن معمر عن الزهري قال فتر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فترة فحزن حزنا شديدا جعل يغدو إلى رؤوس شواهق الجبال ليتردى منها فكلما أوفى بذروة جبل تبدى له جبرئيل فيقول إنك نبي الله فيسكن لذلك جأشه وترجع إليه نفسه فكان النبي صلى الله عليه و سلم يحدث عن ذلك قال فبينما أنا أمشي يوما إذ رأيت الملك الذي كان يأتيني بحراء على كرسي بين السماء والأرض فجئثت منه رعبا فرجعت إلى خديجة فقلت زملوني فزملناه أي دثرناه فأنزل الله عز و جل يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر قال الزهري فكان أول شيء أنزل عليه اقرأ باسم ربك الذي خلق حتى بلغ ما لم يعلم ( 1 )
حدثني يونس بن عبدالأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال أخبرني ابو سلمة بن عبدالرحمن أن جابر بن عبدالله الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يحدث عن فترة الوحي بينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فجئثت منه فرقا وجئت فقلت زملوني زملوني فدثروني فأنزل الله عز و جل يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر إلى قوله والرجز فاهجر قال ثم تتابع الوحي
قال أبو جعفر فلما أمر الله عز و جل نبيه محمدا صلى الله عليه و سلم أن يقوم بإنذار قومه عقاب الله على ما كانوا عليه مقيمين من كفرهم بربهم وعبادتهم الآلهة والأصنام دون الذي خلقهم ورزقهم وأن يحدث بنعمة ربه عليه بقوله وأما بنعمة ربك فحدث وذلك فيما زعم ابن إسحاق النبوة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق وأما بنعمة ربك فحدث أي ما جاءك من الله من نعمته وكرامته من النبوة فحدث اذكرها وادع إليها قال فجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم يذكر ما أنعم الله عليه وعلى العباد به من النبوة سرا إلى من يطمئن إليه من أهله فكان أول من صدقه وآمن به واتبعه من خلق الله فيما ذكر زوجه خديجة رحمها الله
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال قال الواقدي أصحابنا مجمعون على أن أول أهل القبلة استجاب لرسول الله صلى الله عليه و سلم خديجة بنت خويلد رحمها الله
قال أبو جعفر ثم كان أول شيء فرض الله عز و جل من شرائع الإسلام عليه بعد الإقرار بالتوحيد والبراءة من الأوثان والأصنام وخلع الأنداد الصلاة فيما ذكر
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال وحدثني بعض أهل العلم أن الصلاة حين افترضت على رسول الله صلى الله عليه و سلم أتاه جبرئيل وهو بأعلى مكة فهمز له بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت منه عين فتوضأ جبرئيل عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه و سلم ينظر إليه ليريه كيف الطهور
(1/535)
________________________________________
للصلاة ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه و سلم كما رأى جبرئيل عليه السلام توضأ ثم قام جبرئيل عليه السلام فصلى به وصلى النبي صلى الله عليه و سلم بصلاته ثم انصرف جبرئيل عليه السلام فجاء رسول الله صلى الله عليه و سلم خديجة فتوضأ لها يريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبرئيل عليه السلام فتوضأت كما توضأ رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم صلى بها رسول الله صلى الله عليه و سلم كما صلى به جبرئيل عليه السلام فصلت بصلاته
حدثنا ابن حميد قال حدثنا هارون بن المغيرة وحكام بن سلم عن عنبسة عن أبي هاشم الواسطي عن ميمون بن سياه عن أنس بن مالك قال لما كان حين نبيء النبي صلى الله عليه و سلم وكان ينام حول الكعبة وكانت قريش تنام حولها فأتاه ملكان جبرئيل وميكائيل فقالا بأيهم أمرنا فقالا أمرنا بسيدهم ثم ذهبا ثم جاءا من القبلة وهم ثلاثة فألفوه وهو نائم فقلبوه لظهره وشقوا بطنه ثم جاؤوا بماء من ماء زمزم فغسلوا ما كان في بطنه من شك أو شرك أو جاهلية أو ضلالة ثم جاؤوا بطست من ذهب ملئ إيمانا وحكمة فملئ بطنه وجوفه إيمانا وحكمة ثم عرج به إلى السماء الدنيا فاستفتح جبرئيل فقالوا من هذا فقال جبرئيل فقالوا من معك فقال محمد قالوا وقد بعث قال نعم قالوا مرحبا فدعوا له في دعائهم فلما دخل فإذا هو برجل جسيم وسيم فقال من هذا يا جبرئيل فقال هذا أبوك آدم ثم أتوا به إلى السماء الثانية فاستفتح جبرئيل فقيل له مثل ذلك وقالوا في السموات كلها كما قال وقيل له في السماء الدنيا فلما دخل إذا برجلين فقال من هؤلاء يا جبرئيل فقال يحيى وعيسى ابنا الخالة ثم أتي به السماء الثالثة فلما دخل إذا هو برجل فقال من هذا يا جبرئيل قال هذا أخوك يوسف فضل بالحسن على الناس كما فضل القمر ليلة البدر على الكواكب ثم أتي به السماء الرابعة فإذا هو برجل فقال من هذا يا جبرئيل فقال هذا إدريس ثم قرأ ورفعناه مكانا عليا ( 1 ) ثم أتي به السماء الخامسة فإذا هو برجل فقال من هذا يا جبرئيل قال هذا هارون ثم أتي به السماء السادسة فإذا هو برجل فقال من هذا يا جبرئيل فقال هذا موسى ثم أتي به السماء السابعة فإذا هو برجل فقال من هذا يا جبرئيل قال هذا أبوك إبراهيم ثم انطلق إلى الجنة فإذا هو بنهر أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل بجنبتيه قباب الدر فقال ما هذا يا جبرئيل فقال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك وهذه مساكنك قال وأخذ جبرئيل بيده من تربته فإذا هو مسك أذفر ثم خرج إلى سدرة المنتهى وهي سدرة نبق أعظمها أمثال الجرار وأصغرها أمثال البيض فدنا ربك عز و جل فكان قاب قوسين أو أدنى ( 1 ) فجعل يتغشى السدرة من دنو ربها تبارك وتعالى أمثال الدر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ ألوان فأوحى إلى عبده وفهمه وعلمه وفرض عليه خمسين صلاة فمر على موسى فقال ما فرض على أمتك فقال خمسين صلاة قال ارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك فإن أمتك أضعف الأمم قوة وأقلها عمرا وذكر ما لقي من بني إسرائيل فرجع فوضع عنه عشرا ثم مر على موسى فقال ارجع إلى ربك فسله التخفيف كذلك حتى جعلها خمسا قال ارجع إلى ربك فسله التخفيف فقال لست براجع غير عاصيك وقذف في قلبه ألا يرجع فقال الله عز و جل لا يبدل
(1/536)

بنالعياط
13-10-2012, 10:10 PM
كلامي ولا يرد قضائي وفرضي وخفق عن أمتي الصلاة لعشر قال أنس وما وجدت ريخا قط ولا ريح عروس قط أطيب ريحا من جلد رسول الله صلى الله عليه و سلم ألزقت جلدي بجلده وشممته
قال أبو جعفر ثم اختلف السلف فيمن اتبع رسول الله صلى الله عليه و سلم وآمن به وصدقه على ما جاء به من عند الله من الحق بعد زوجته خديجة بن خويلد وصلى معه
فقال بعضهم كان أول ذكر آمن برسول الله صلى الله عليه و سلم معه وصدقه بما جاءه من عند الله علي بن أبي طالب عليه السلام
ذكر بعض من قال ذلك ممن حضرنا ذكره
حدثنا ابن حميد قال حدثنا إبراهيم بن المختار عن شعبة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس قال أول من صلى علي
حدثنا زكرياء بن يحيى الضرير قال حدثنا عبدالحميد بن بحر قال أخبرنا شريك عن عبدالله بن محمد بن عقيل عن جابر قال بعث النبي صلى الله عليه و سلم يوم الإثنين وصلى علي يوم الثلاثاء
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة عن زيد بن أرقم قال أول من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه و سلم علي بن أبي طالب قال فذكرته للنخعي فأنكره وقال أبو بكر أول من أسلم
حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة مولى الأنصار عن زيد بن أرقم قال أول من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه و سلم علي بن أبي طالب عليه السلام
حدثنا أبو كريب قال حدثنا عبيد بن سعيد عن شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت أبا حمزة ( رجلا من الأنصار ) يقول سمعت زيد بن أرقم يقول أول رجل صلى مع رسول الله صلى الله عليه و سلم علي عليه السلام
حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي قال حدثنا عبيد الله بن موسى قال أخبرنا العلاء عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبدالله قال سمعت عليا يقول أنا عبدالله وأخو رسوله وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كاذب مفتر صليت مع رسول الله قبل الناس بسبع سنين
حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا سعيد بن خثيم عن أسد بن عبدة البجلي عن يحيى بن عفيف عن عفيف قال جئت في الجاهلية إلى مكة فنزلت على العباس بن عبد المطلب قال فلما طلعت الشمس وحلقت في السماء وأنا أنظر إلى الكعبة أقبل شاب فرمى ببصره إلى السماء ثم استقبل الكعبة فقام مستقبلها فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه قال فلم يلبث حتى جاءت امرأ فقامت خلفهما فركع الشاب فركع الغلام والمرأة فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة فخر الشاب ساجدا فسجدا معه فقلت يا عباس أمر عظيم فقال أمر عظيم أتدري من هذا فقلت لا قال هذا محمد بن عبدالله بن عبد المطلب ابن أخي أتدري من هذا معه قلت لا قال هذا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن أخي أتدري من هذه المرأة التي خلفهما قلت لا قال هذه
(1/537)
________________________________________
خديجة بنت خويلد زوجة ابن أخي وهذا حدثني أن ربك رب السماء أمرهم بهذا الذي تراهم عليه وأيم الله ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة
حدثنا أبو كريب قال حدثنا يونس بن بكير قال حدثنا محمد بن إسحاق قال حدثني يحيى بن أبي الأشعث الكندي من أهل الكوفة قال حدثني إسماعيل بن إياس بن عفيف عن أبيه عن جده قال كنت أمرأ تاجرا فقدمت أيام الحج فأتيت العباس فبينا نحن عنده إذ خرج رجل يصلي فقام تجاه الكعبة ثم خرجت امرأة فقامت معه تصلي وخرج غلام فقام يصلي معه فقلت يا عباس ما هذا الدين إن هذا الدين ما أدري ما هو قال هذا محمد بن عبدالله يزعم أن الله ارسله به وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه وهذه امرأته خديجة بن خويلد آمنت به وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب آمن به قال عفيف فليتني كنت آمنت يومئذ فكنت أكون رابعا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل وعلي بن مجاهد قال سلمة حدثني محمد بن إسحاق عن يحيى بن أبي الأشعث قال أبو جعفر وهو في موضع آخر من كتابي عن يحيى بن الأشعث عن إسماعيل بن إياس بن عفيف الكندي وكان عفيف أخا الأشعث بن قيس الكندي لأمه وكان ابن عمه عن أبيه عن جده عفيف قال كان العباس بن عبد المطلب بمنى فأتا رجل مجتمع فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم قام يصلي فخرجت امرأة فتوضأت وقامت تصلي ثم خرج غلام قد راهق فتوضأ ثم قام إلى جنبه يصلي فقلت ويحك يا عباس ما هذا قال هذا ابن أخي محمد بن عبدالله بن عبد المطلب يزعم أن الله بعثه رسولا وهذا ابن أخي علي بن أبي طالب قد تابعه على دينه وهذه امرأته خديجة ابنة خويلد قد تابعته على دينه قال عفيف بعدما أسلم ورسخ الإسلام في قلبه يا ليتني كنت رابعا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا عيسى بن سوادة بن الجعد قال حدثنا محمد بن المنكدر وربيعة بن أبي عبدالرحمن وأبو حازم المدني والكلبي قالوا علي أول من أسلم قال الكلبي أسلم وهو ابن تسع سنين
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال كان أول ذكر آمن برسول الله صلى الله عليه و سلم وصلى معه وصدقه بما جاءه من عند الله علي بن أبي طالب وهو يومئذ ابن عشر سنين وكان مما أنعم الله به على علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل الإسلام
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال فحدثني عبدالله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج قال كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب وما صنع الله له وأراده به من الخير أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثير فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم للعباس عمه وكان من أيسر بني هاشم يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة فانطلق بنا فنخفف عنه من عياله آخذ من بنيه رجلا وتأخذ من بنيه رجلا فنكفهما عنه قال العباس نعم فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا أنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه فقال لهما أبو طالب إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما فأخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم
(1/538)
________________________________________
عليا فضمه إليه وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه فلم يزل علي بن أبي طالب مع رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى بعثه الله نبيا فاتبعه علي فآمن به وصدقه ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال فحدثني محمد بن إسحاق قال وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من عمه أبي طالب وجميع أعمامه وسائر قومه فيصليان الصلوات فيها فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان فقال لرسول الله صلى الله عليه و سلم يا بن أخي ما هذا الدين الذي أراك تدين به قال أي عم هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم أو كما قال بعثني الله به رسولا إلى العباد وأنت يا عم أحق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه أو كما قال فقال أبو طالب يا بن أخي إني لا أستطيع أن أفارق ديني ودين آبائي وما كانوا عليه ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما حييت
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال ووزعموا أنه قال لعلي بن أبي يطالب أي بني ما هذا الدين الذي أنت عليه قال يا أبه آمنت بالله وبرسوله وصدقته بما جاء به وصليت معه لله فزعموا أنه قال له أما إنه لا يدعوك إلا إلى خير فالزمه
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال أخبرنا إبراهيم بن نافع عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال أسلم علي وهو ابن عشر سنين
قال الحارث قال ابن سعد قال الواقدي واجتمع أصحابنا على أن عليا أسلم بعدما تنبأ رسول الله صلى الله عليه و سلم بسنة فأقام بمكة اثنتي عشرة سنة
وقال آخرون أول من أسلم من الرجال أبو بكر رضي الله عنه
ذكر من قال ذلك
حدثنا سهل بن موسى الرازي قال حدثنا عبدالرحمن بن مغراء عن مجالد عن الشعبي قال قلت لابن عباس من أول الناس إسلاما فقال أما سمعت قول حسان بن ثابت ... إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا ... خير البرية أتقاها وأعذلها ... بعد النبي وأوفاها بما حملا ... الثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا ...
وحدثني سعيد بن عنبسة الرازي قال حدثنا الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس نحوه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس نحوه
حدثنا بحر بن نصر الخولاني قال حدثنا عبدالله بن وهب قال أخبرني معاوية بن صالح قال حدثني أبو يحيى وضمرة بن حبيب وأبو طلحة عن أبي أمامة الباهلي قال حدثني عمرو بن عبسة
(1/539)
________________________________________
قال أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو نازل بعكاظ قلت رسول الله من تبعك على هذا الأمر قال اتبعني عليه رجلان حر وعبد أبو بكر وبلال قال فأسلمت عند ذلك قال فلقد رأيتني إذ ذاك ربع الإسلام
حدثني ابن عبدالرحيم البرقي قال حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال حدثنا صدقة عن نصر بن علقمة عن أخيه عن ابن عائذ عن جبير بن نفير قال كان أبو ذر وابن عبسة كلاهما يقول لقد رأيتني ربع الإسلام ولم يسلم قبلي إلا النبي وأبو بكر وبلال كلاهما لا يدري متى أسلم الآخر
حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال أول من أسلم أبو بكر
حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع قال حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال قال إبراهيم النخعي أبو بكر أول من أسلم
وقال آخرون أسلم قبل أبي بكر جماعة
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا كنانة بن جبلة عن إبراهيم بن طهمان عن الحجاج بن الحجاج عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن محمد بن سعد قال قلت لأبي أكان أبو بكر أولكم إسلاما فقال لا ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين ولكن كان أفضلنا إسلاما
وقال آخرون كان أول من آمن واتبع النبي صلى الله عليه و سلم من الرجال زيد بن حارثة مولاه
ذكر من قال ذلك
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال قال الواقدي حدثني ابن أبي ذئب قال سألت الزهري من أول من أسلم قال من النساء خديجة ومن الرجال زيد بن حارثة
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا مصعب بن ثابت عن أبي الأسود عن سليمان بن يسار قال أول من أسلم زيد بن حارثة
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد يعني ابن عمر قال حدثنا ربيعة بن عثمان عن عمران بن أبي أنس مثله
وحدثني عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالحكم قال حدثنا عبدالملك بن مسلمة قال حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة قال أول من أسلم زيد بن حارثة
وأما ابن إسحاق فإنه قال في ذلك ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه ثم أسلم زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم فكان أول ذكر أسلم وصلى بعد علي بن أبي طالب ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة الصديق فلما أسلم أظهر إسلامه ودعا إلى الله عز و جل وإلى رسوله قال وكان أبو بكر رجلا مألفا لقومه محببا سهلا وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير أو شر وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر لعلمه وتجاربه وحسن
(1/540)
________________________________________
مجالسته فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه فأسلم على يديه فيما بلغني عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيدالله فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم حين استجابوا له فأسلموا وصلوا فكان هؤلاء الثمانية النفر الذين سبقوا إلى الإسلام فصلوا وصدقوا برسول الله صلى الله عليه و سلم وآمنوا بما جاء به من عند الله ثم تتابع الناس في الدخول في الإسلام الرجال منهم والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به الناس
وقال الواقدي في ذلك ما حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد عنه اجتمع أصحابنا على أن أول أهل القبلة استجاب لرسول الله صلى الله عليه و سلم خديجة بنت خويلد ثم اختلف عندنا في ثلاثة نفر في أبي بكر وعلي وزيد بن حارثة أيهم أسلم أول قال وقال الواقدي أسلم معهم خالد بن سعيد بن العاص خامسا وأسلم أبو ذر قالوا رابعا أو خامسا وأسلم عمرو بن عبسة السلمي فيقال رابعا أو خامسا قال فإنما اختلف عندنا في هؤلاء النفر أيهم أسلم أول وفي ذلك روايات كثيرة قال فيختلف في الثلاثة المتقدمين وفي هؤلاء الذين كتبنا بعدهم
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني مصعب بن ثابت قال حدثنا أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن الأسود بن نوفل قال كان إسلام الزبير بعد أبي بكر كان رابعا أو خامسا
وأما ابن إسحاق فإنه ذكر أن خالد بن سعيد بن العاص وامرأته أمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة من خزاعة أسلما بعد جماعة كثيرة غير الذين ذكرتهم بأسمائهم أنهم كانوا من السابقين إلى الإسلام
ثم إن الله عز و جل أمر نبيه محمدا صلى الله عليه و سلم بعد مبعثه بثلاث سنين أن يصدع بما جاءه منه وأن يبادي الناس بأمره ويدعو إليه فقال له فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ( 1 ) وكان قبل ذلك في السنين الثلاث من مبعثه إلى أن أمر بإظهار الدعاء إلى الله مستسرا مخفيا أمره صلى الله عليه و سلم وأنزل عليه وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون ( 1 ) قال وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا صلوا ذهبوا إلى الشعاب فاستخفوا من قومهم فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم فاقتتلوا فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلا من المشركين بلحي جمل فشجه فكان أول دم أهريق في الإسلام
فحدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال صعد رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم الصفا فقال يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش فقالوا مالك قال أرأيت إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم
(1/541)
________________________________________
تصدقونني قالوا بلى قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب تبا لك ألهذا دعوتنا أو جمعتنا فأنزل الله عز و جل تبت يدا أبي لهب وتب ( 1 ) إلى آخر السورة
حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية وأنذر عشيرتك الأقربين ( 2 ) خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى صعد الصفا فهتف يا صباحاه فقالوا من هذا الذي يهتف قالوا محمد فقال يا بني فلان يا بني عبد المطلب يا بني عبد مناف فاجتمعوا إليه فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي قالوا ما جربنا عليك كذبا قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب تبا لك ما جمعتنا إلا لهذا ثم قام فنزلت هذه السورة تبت يدا أبي لهب وتب إلى آخر السورة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عبد الغفار بن القاسم عن المنهال بن عمرو عن عبدالله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب عن عبدالله بن عباس عن علي بن أبي طالب قال لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنذر عشيرتك الأقربين دعاني رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال لي يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت بذلك ذرعا وعرفت أني متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره فصمت عليه حتى جاءني جبرئيل فقال يا محمد إنك إلا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك فاصنع لنا صاعا من طعام واجعل عليه رحل شاة واملأ لنا عسا من لبن ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به فلما وضعته تناول رسول الله صلى الله عليه و سلم حذية من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال خذوا بسم الله فأكل القو م حتى ما لهم بشيء حاجة وما أرى إلا موضع أيديهم وايم الله الذي نفس علي بيده وإن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم ثم قال اسق القوم فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتى رووا منه جميعا وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله فلما أراد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال لهد ما سحركم صاحبكم فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال الغد يا علي إن هذا الرجل سيقني إلى ما قد سمعت من القول فتفرق القوم قبل أن أكلمهم فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت ثم اجمعهم إلي
قال ففعلت ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقربته لهم ففعل كما فعل بالأمس فأكلوا حتى ما لهم بشيء حاجة ثم قال اسقهم فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعا ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به إني قد جئتكم بخير الدنيا والاخرة وقد أمرني الله تعالى أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون
(1/542)
________________________________________
أخي ووصيي وخليفتي فيكم قال فأحجم القوم عنها جميعا وقلت وإني لأحدثهم سنا وأرمصهم عينا وأعظمهم بطنا وأحمشهم ساقا أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه فأخذ برقبتي ثم قال إن هذا أخي ووصي وخليفتي فيكم فاسمعو له وأطيعوا قال فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع
حدثني زكرياء بن يحيى الضرير قال حدثنا عفان بن مسلم قال حدثنا أبو عوانة عن عثمان بن المغيرة عن أبي صادق عن ربيعة بن ناجد أن رجلا قال لعلي عليه السلام يا أمير المؤمنين بم ورثت ابن عمك دون عمك فقال علي هاؤم ثلاث مرات حتى اشرأب الناس ونشروا آذانهم ثم قال جمع رسول الله صلى الله عليه و سلم أو دعا رسول الله بني عبد المطلب منهم رهطه كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق قال فصنع لهم مدا من طعام فأكلوا حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس قال ثم دعا بغمر فشربوا حتى رووا وبقي الشراب كأنه لم يمس ولم يشربوا قال ثم قال يا بني عبد المطلب إني بعثت إليكم بخاصة وإلى الناس بعامة وقد رأيتم من هذا الأمر ما قد رأيتم فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي فلم يقم إليه أحد فقمت إليه وكنت أصغر القوم قال فقال اجلس قال ثم قال ثلاث مرات كل ذلك أقوم إليه فيقول لي اجلس حتى كان في الثالثة فضرب بيده على يدي قال فبذلك ورثت ابن عمي دون عمي
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة حدثنا محمد بن إسحاق عن عمرو بن عبيد عن الحسن بن أبي الحسن قال لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنذر عشيرتك الأقربين قام رسول الله صلى الله عليه و سلم بالأبطح ثم قال يا بني عبد المطلب يا بني عبد مناف يا بني قصي قال ثم فخذ قريشا قبيلة قبيلة حتى مر على آخرهم إني أدعوكم إلى الله وأنذركم عذابه
حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا جارية بن أبي عمران عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يصدع بما جاءه من عند الله وأن يبادي الناس بأمره وأن يدعوهم إلى الله فكان يدعو من أول ما نزلت عليه النبوة ثلاث سنين مستخفيا إلى أن أمر بالظهور للدعاء
قال ابن إسحاق فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه فصدع رسول الله صلى الله عليه و سلم بأمر الله وبادى قومه بالإسلام فلما فعل ذلك لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه بعض الرد فيما بلغني حتى ذكر آلهتهم وعابها فلما فعل ذلك ناكروه وأجمعوا على خلافه وعداوته إلا من عصم الله منهم بالإسلام وهم قليل مستخفون وحدب عليه أبو طالب عمه ومنعه وقام دونه ومضى رسول الله صلى الله عليه و سلم على أمر الله مظهرا لأمره لا يرده عنه شيء فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يعتبهم من شيء [ يكرهونه مما ] أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم ورأوا أن أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البختري بن هشام والأسود بن المطلب والوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل ونبيه ومنبه ابنا الحجاج أو من مشى إليه منهم فقالوا يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب ألهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه ومضى رسول الله صلى الله عليه و سلم على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه قال ثم شري الأمر بينه
(1/543)
________________________________________
وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم بينها وتذامروا فيه وحض بعضهم بعضا عليه ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين أو كما قالوا ثم انصرفوا عنه فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم له ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله صلى الله عليه و سلم لهم ولا خذلانه
حدثني محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا اسباط عن السدي أن ناسا من قريش اجتمعوا فيهم أبو جهل بن هشام والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش فقال بعضهم لبعض انطلقوا بنا إلى أبي طالب فنكلمه فيه فلينصفنا منه فيأمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه الذي يعبد فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا شيء فتعيرنا العرب يقولون تركوه حتى إذا مات عمه تناولوه
قال فبعثوا رجلا منهم يدعى المطلب فاستأذن على أبي طالب فقال هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم يستأذنون عليك قال أدخلهم فلما دخلوا عليه قالوا يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه
قال فبعث إليه أبو طالب فلما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم قال يا بن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم وقد سألوك النصف أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك قال أي عم أولا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها قال وإلام تدعوهم قال أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم قال فقال أبو جهل من بين القوم ما هي وأبيك لنعطينكها وعشرا أمثالها قال تقول لا إله إلا الله قال فنفروا [ وتفرقوا ] وقالوا سلنا غير هذه فقال لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها قال فغضبوا وقاموا من عنده غضابى وقالوا والله لنشتمنك وإلهك الذي يأمرك بهذا وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد إلى قوله إلا اختلاق ( 1 )
وأقبل على عمه فقال له عمه يا بن أخي ما شططت عليهم فأقبل عى عمه دعاه فقال قل كلمة أشهد لك بها يوم القيامة تقول لا إله إلا الله فقال لولا أن تعيبكم بها العرب يقولون جزع من الموت لا لأعطيتكها ولكن على ملة الأشياخ قال فنزلت هذه الآية إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ( 2 )
حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا أبو أسامة قال حدثنا الأعمش قال حدثنا عباد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقال إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول فلو بعثت إليه فنهيته فبعث إليه فجاء النبي صلى الله عليه و سلم فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل قال فخشي أبو جهل إن جلس إلىجنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه فوثب فجلس في ذلك المجلس ولم يجد رسول الله صلى الله عليه و سلم مجلسا قرب عمه فجلس
(1/544)
________________________________________
عند الباب فقال له أبو طالب أي ابن أخي ما بال قومك يشكونك يزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول قال وأكثروا عليه من القول وتكلم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية ففزعوا لكلمته ولقوله فقال القوم كلمة واحدة نعم وأبيك عشرا فما هي فقال أبو طالب وأي كلمة هي يا بن أخي قال لا إله إلا الله قال فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب قال ونزلت من هذا الموضع إلى قوله لما يذوقوا عذاب ( 1 ) لفظ الحديث لأبي كريب
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال فحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن قريشا حين قالت لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له يا بن أخي إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا فأبق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق فظن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء وأنه خاذله ومسلمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا عماه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه و سلم فبكى ثم قام فلما ولى ناداه أبو طالب فقال أقبل يا بن أخي فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبدا
قال ثم إن قريشا لما عرفت أن أبا طالب أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه و سلم وإسلامه وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له فيما بلغني يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأشعره وأجمله فخذه فلك عقله ونصرته واتخذه ولدا فهو لك وأسلم لنا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم فنقتله فإنما رجل كرجل فقال والله لبئس ما تسومونني أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه هذا والله ما لا يكون أبدا فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف والله يا أبا طالب لقد انصفك قومك وجهدوا على التخلص مما تكرهه فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا فقال أبو طالب للمطعم والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك أو كما قال أبو طالب
قال فحقب الأمر عند ذلك وحميت الحرب وتنابذ القوم وبادى بعضهم بعضا
قال ثم إن قريشا تذامروا على من في القبائل منهم من اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي أسلموا معه فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ومنع الله رسوله منهم بعمه أبي طالب وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا تصنع ما تصنع في بني هاشم وبني المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه و سلم والقيام دونه فاجتمعوا إليه وقاموا معه وأجابوا إلى ما دعاهم إليه من الدفع عن رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا ما كان من أبي لهب فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره من جدهم معه وحدبهم عليه جعل يمدحهم ويذكر فضل رسول الله صلى الله عليه و سلم فيهم ومكانه منهم ليشد لهم رأيهم
(1/545)

بنالعياط
18-10-2012, 05:57 PM
حدثنا علي بن نصر بن علي الجهضمي وعبدالوارث بن عبدالصمد بن عبدالوارث قال علي بن نصر حدثنا عبدالصمد بن عبدالوارث وقال عبدالوارث حدثني أبي قال حدثنا أبان العطار قال حدثنا هشام بن عروة عن عروة أنه كتب إلى عبدالملك بن مروان أما بعد فإنه يعني رسول الله صلى الله عليه و سلم لما دعا قومه لما بعثه الله من الهدى والنور الذي أنزل عليه لم يبعدوا منه أول ما دعاهم وكادوا يسمعون له حتى ذكر طواغيتهم وقدم ناس من الطائف من قريش لهم أموال أنكروا ذلك عليه واشتدوا عليه وكرهو ما قال [ لهم ] وأغروا به من أطاعهم فانصفق عنه عامة الناس فتركوه إلا من حفظه الله منهم وهم قليل فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث ثم ائتمرت رؤسهم بأن يفتنوا من تبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم فكانت فتنة شديدة الزلزال على من اتبع رسول الله صلى الله عليه و سلم من أهل الإسلام فافتتن من افتتن وعصم الله منهم من شاء فلما فعل ذلك بالمسلمين أمرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يخرجوا إلىأرض الحبشة وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشي لا يظلم أحد بأرضه وكان ينثى عليه مع ذلك صلاح وكانت أرض الحبشة متجرا لقريش يتجرون فيها يجدون فيها رفاغا من الرزق وأمنا ومتجرا حسنا فأمرهم بها رسول الله صلى الله عليه و سلم فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة وخاف عليهم الفتن ومكث هو فلم يبرح فمكث بذلك سنوات يشتدون على من أسلم منهم ثم إنه فشا الإسلام فيها ودخل فيه رجال من أشرافهم
قال أبو جعفر فاختلف في عدد من خرج إلى أرض الحبشة وهاجر إليها هذه الهجرة وهي الهجرة الأولى
فقال بعضهم كانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة
ذكر من قال ذلك
حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا يونس بن محمد الظفري عن أبيه عن رجل من قومه قال وأخبرنا عبيدالله بن العباس الهذلي عن الحارث بن الفضيل قالا خرج الذين هاجروا الهجرة الأولى متسللين سرا وكانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة حتى انتهوا إلى الشعيبة منهم الراكب والماشي ووفق الله المسلمين ساعة جاؤوا سفينتين للتجار حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار وكان مخرجهم في رجب في السنة الخامسة من حين نبئ رسول الله صلى الله عليه و سلم وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدا
قالوا وقدمنا أرض الحبشة فجاورنا بها خير جار أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذي ولا نسمع شيئا نكرهه
حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني يونس بن محمد عن أبيه قال وحدثني عبدالحميد وعن محمد بن يحيى بن حبان قالا تسمية القوم الرجال والنساء عثمان بن عفان معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة معه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد ومصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار وعبدالرحمن بن عوف بن عبد عوف بن الحارث بن زهرة وأبو سلمة بن عبدالأسد بن هلال بن
(1/546)
________________________________________
عبدالله بن عمر بن مخزوم معه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم وعثمان بن مظعون الجمحي وعامر بن ربيعة العنزي من عنز بن وائل ليس من عنزة حليف بني عدي بن كعب معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة وأبو سبرة بن أبي رهم بن عبدالعزى العامري وحاطب بن عمرو بن عبد شمس وسهيل بن بيضاء من بني الحارث بن فهر وعبدالله بن مسعود حليف بني زهرة
قال أبو جعفر وقال آخرون كان الذين لحقوا بأرض الحبشة وهاجروا إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا وولدوا بها اثنين وثمانين رجلا إن كان عمار بن ياسر فيهم وهو يشك فيه
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال لما رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله وعمه أبي طالب وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم أحد عنده وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله عز و جل بدينهم فكانت أول هجرة كانت في الإسلام فكان أول من خرج من المسلمين من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية ومعه امرأته رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ومن بني عبد شمس أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ومعه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي ومن بني أسد بن عبدالعزى بن قصي الزبير بن العوام
فعد النفر الذين ذكرهم الواقدي غير أنه قال من بني عامر بن لؤي بن غالب بن فهر أبو سبرة بن أبي رهم بن عبدالعزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي ويقال بل أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي قال ويقال هو أول من قدمها فجعلهم ابن إسحاق عشرة وقال كان هؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة فيما بلغني
قال ثم خرج جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة فكانوا بها منهم من خرج بأهله معه ومنهم من خرج بنفسه لا أهل معه ثم عد بعد ذلك تمام اثنين وثمانين رجلا بالعشرة الذين ذكرت بأسمائهم ومن كان منهم معه أهله وولده ومن ولد له بأرض الحبشة ومن كان منهم لا أهل معه
قال أبو جعفر ولما خرج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أرض الحبشة مهاجرا إليها ورسول الله صلى الله عليه و سلم مقيم بمكة يدعو إلى الله سرا وجهرا قد منعه الله بعمه أبي طالب وبمن استجاب لنصرته من عشيرته ورأت قريش أنهم لا سبيل لهم إليه رموه بالسحر والكهانة والجنون وأنه شاعر وجعلوا يصدون عنه من خافوا منه أن يسمع قوله فيتبعه فكان أشد ما بلغوا منه حينئذ فيما ذكر ما حدثنا ابن حميد قال
(1/547)
________________________________________
حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال قلت له ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما كانت تظهر من عداوته قال قد حضرتم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر فذكروا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا ما رأينا ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط سفه أحلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا وفرق جماعتنا وسب آلهتنا لقد صبرنا منه على أمر عظيم أو كما قالوا
فبينا هم كذلك إذا طلع رسول الله صلى الله عليه و سلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن ثم مر بهم طائفا بالبيت فلما مر بهم غمزوه ببعض القول قال فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم مضى فلم مر بهم الثانية غمزوه مثلها فعرفت ذلك في وجهه ثم مضى ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها فوقف فقال أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح قال فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع وحتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول انصرف يا أبا القاسم راشدا فوالله ما كنت جهولا
قال فانصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم فقال بعضهم لبعض ذكرتم ما بلغ منكم وما بغلكم عنه حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه فبينا هم كذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه و سلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به يقولون له أنت الذي تقول كذا وكذا لما يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم فيقول رسول الله صلى الله عليه و سلم نعم أنا الذي أقول ذلك قال فلقد رأيت رجلا منهم آخذا بجمع ردائه قال وقام أبو بكر الصديق دونه يقول وهو يبكي ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ثم انصرفوا عنه فإن ذلك أشد ما رأيت قريشا بلغت منه قط
حدثنا يونس بن عبدالأعلى قال حدثنا بشر بن بكر قال حدثنا الأوزاعي قال حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبدالرحمن قال قلت لعبد الله بن عمرو حدثني بأشد شيء رأيت المشركين صنعوا برسول الله صلى الله عليه و سلم قال أقبل عقبة بن أبي معيط ورسول الله صلى الله عليه و سلم عند الكعبة فلوى ثوبه في عنقه وخنقه خنقا شديدا فقام أبو بكر من خلفه فوضع يده على منكبه فدفعه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قال أبو بكر يا قوم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله إلى قوله إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ( 1 )
قال ابن إسحاق وحدثني رجل من أسلم كان واعية أن أبا جهل بن هشام مر برسول الله صلى الله عليه و سلم وهو جالس عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف له فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه و سلم ومولاة لعبد الله بن جدعان التيمي في مسكن لها فوق الصفا تسمع ذلك ثم انصرف عنه فعمد إلى نادي قريش عند الكعبة فجلس معهم فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحا قوسه راجعا من قنص له وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم وكان أعز قريش وأشدها شكيمة فلما مر بالمولاة وقد قام رسول الله صلى الله عليه و سلم ورجع إلى بيته قالت يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن
(1/548)
________________________________________
أخيك محمد آنفا قبل أن تأتي من أبي الحكم بن هشام وجده ها هنا جالسا فسبه وآذاه وبلغ منه ما يكره ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد قال فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته فخرج سريعا لا يقف على أحد كما كان يصنع يريد الطواف بالكعبة معدا لأبي جهل إذا لقيه أن يقع به فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها ضربة فشجه به اشجة منكرة وقال أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول فرد ذلك علي إن استطعت وقامت رجال بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل منه فقال أبو جهل دعوا أبا عمارة فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا وتم حمزة على إسلامه فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد عز وأن حمزة سيمنعه فكفوا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعض ما كانوا ينالون منه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه قال كان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة عبد الله بن مسعود قال اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا والله ما سمعت قريش بهذا القرآن يجهر لها به قط فمن رجل يسمعهموه فقال عبد الله بن مسعود أنا قالوا إنا نخشاهم عليك إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه فقال دعوني فإن الله سيمنعني قال فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتها حتى قام عند المقام ثم قال بسم الله الرحمن الرحيم رافعا بها صوته الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان ( 1 ) قال ثم استقبلها يقرأ فيها قال وتأملوا وجعلوا يقولون ما يقول ابن أم عبد ثم قالوا إنه ليتلوا بعض ما جاء به محمد فقاموا إليه فجعلوا يضربون في وجهه وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه فقالوا هذا الذي خشينا عليك قال ما كان أعداء الله أهون علي منهم الآن لئن شئتم لأغادينهم غدا بمثلها قالوا لا حسبك فقد أسمعتهم ما يكرهون
قال أبو جعفر ولما استقر الدين بالذين هاجروا إلى أرض الحبشة القرار بأرض النجاشي واطمأنوا تآمرت قريش فيما بينها في الكيد بمن ضوى إليها من المسلمين فوجهوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي إلى النجاشي مع هدايا كثيرة أهدوها إليه وإلى بطارقته وأمروهما أن يسألا النجاشي تسليم من قبله وبأرضه من المسلمين إليهم فشخص عمرو وعبد الله إليه في ذلك فنفذا لما أرسلهما إليه قومهما فلم يصلا إلى ما أمل قومهما من النجاشي فرجعا مقبوحين وأسلم عمر بن الخطاب رحمه الله فلما أسلم وكان رجلا جلدا جليدا منيعا وكان قد أسلم قبل ذلك حمزة بن عبدالمطلب ووجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم في أنفسهم قوة وجعل الإسلام يفشو في القبائل وحمى النجاشي من ضوى إلى بلده منهم اجتمعت قريش فائتمرت بينها أن يكتبوا بينهم كتابا يتعاقدون فيه على ألا ينكحوا إلى بني هاشم وبني المطلب ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم فكتبوا بذلك صحيفة وتعاهدوا وتواثقوا على ذلك ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا بذلك الأمر على أنفسهم فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو
(1/549)
________________________________________
هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب إلى قريش وظاهرهم عليه فأقاموا على ذلك من أمرهم سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا ألا يصل إلى أحد منهم شيء إلا سرا مستخفيا به من أراد صلتهم من قريش وذكر أن أبا جهل لقي حكيم بن حزام ابن خويلد بن أسد معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد وهي عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ومعه في الشعب فتعلق به وقال أتذهب بالطعام إلى بني هاشم والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة فجاء أبو البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فقال ما لك وله قال يحمل الطعام إلى بني هاشم فقال له أبو البختري طعام لعمته عنده بعثت إليه فيه أفتمنعه أن يأتيها بطعامها خل سبيل الرجل فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه فأخذ أبو البختري لحي بعير فضربه فشجه ووطئه وطئا شديدا وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه فيشمتوا بهم ورسول الله صلى الله عليه و سلم في كل ذلك يدعو قومه سرا وجهرا آناء اليل وآناء النهار والوحي عليه من الله متتابع بأمره ونهيه ووعيد من ناصبه العداوة والحجج لرسول الله صلى الله عليه و سلم على من خالفه
فذكر أن أشراف قومه اجتمعوا له يوما فيما حدثني محمد بن موسى الحرشي قال حدثنا أبو خلف عبد الله بن عيسى قال حدثنا داود عن عكرمة عن ابن عباس أن قريشا وعدوا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة ويزوجوه ما أراد من النساء ويطؤوا عقبه فقالوا هذا لك عندنا يا محمد وكف عن شتم آلهتنا فلا تذكرها بسوء فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة فهي لك ولنا فيها صلاح قال ما هي قالوا تعبد آلهتنا سنة اللات والعزى ونعبد إلهك سنة قال حتى أنظر ما يأتي من عند ربي فجاء الوحي من اللوح المحفوظ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون السورة وأنزل الله عز و جل قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون إلى قوله بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ( 1 )
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية عن محمد بن إسحاق قال حدثني سعيد بن ميناء مولى أبي البختري قال لقي الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد ونشركك في أمرنا كله فإن كان الذي جئت به خيرا مما في أيدينا كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يدك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه فأنزل الله عز و جل قل يا أيها الكافرون حتى انقضت السورة
فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم حريصا على صلاح قومه محبا مقاربتهم بما وجد إليه السبيل قد ذكر أنه تمنى السبيل إلى مقاربتهم فكان من أمره في ذلك ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد المدني عن محمد بن كعب القرظي قال لما رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم تولي قومه عنه وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من الله تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه وكان يسره مع حبه قومه وحرصه عليهم أن يلين له بعض ما قد غلظ عليه من أمرهم حتى حدث
(1/550)

بنالعياط
18-10-2012, 06:42 PM
بذلك نفسه وتمناه وأحبه فأنزل الله عز و جل والنجم إذ هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى فلما انتهى إلى قوله أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ( 1 ) ألقى الشيطان على لسانه لما كان يحدث به نفسه ويتمنى أن يأتي به قومه تلك الغرانيق العلا وإن شافعتهن لترتجى فلما سمعت ذلك قريش فرحوا وسرهم وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم فأصاخوا له والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم ولا يتهمونه على خطإ ولا وهم ولا زلل فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها فسجد المسلمون بسجود نبيهم تصديقا لما جاء به واتباعا لأمره وسجد من في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم لما سمعوا من ذكر آلهتهم فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة فإنه كان شيخا كبيرا فلم يستطع السجود فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها ثم تفرق الناس من المسجد وخرجت قريش وقد سرهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم يقولون قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر قد زعم فيما يتلو أنها الغرانيق العلا وأن شفاعتهن ترتضى وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وقيل أسلمت قريش فنهض منهم رجال وتخلف آخرون وأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا محمد ماذا صنعت لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله عز و جل وقلت ما لم يقل لك فحزن رسول الله صلى الله عليه و سلم عند ذلك حزنا شديدا وخاف من الله خوفا كثيرا فأنزل الله عز و جل وكان به رحيما يعزيه ويخفض عليه الأمر ويخبره أنه لم يك قبله نبي ولا رسول تمنى كما تمنى ولا أحب كما أحب إلا والشيطان قد ألقى في أمنيته كما ألقى على لسانه صلى الله عليه و سلم فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته أي فإنما أنت كبعض الأنبياء والرسل فأنزل الله عز و جل وما أرسلنا من قبلك من رسولا ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فنيسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ( 2 ) فأذهب الله عز و جل عن نبيه الحزن وآمنه من الذي كان يخاف ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم أنها الغرانيق العلا وأن شفاعتهن ترتضى بقول الله عز و جل حين ذكر اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى أي عوجاء إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم إلى قوله لمن يشاء ويرضى ( 3 ) أي فكيف تنفع شفاعة آلهتكم عنده
فلما جاء من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه قالت قريش ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتكم عند الله فغير ذلك وجاء بغيره وكان ذانك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد وقعا في فم كل مشرك فازدادوا شرا إلى ما كانوا عليه وشدة على من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه و سلم منهم وأقبل أولئك النفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم الذين خرجوا من أرض الحبشة لما بلغهم من إسلام أهل مكة حين سجدوا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن الذي كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلا فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار او مستخفيا فكان ممن قدم مكة منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة فشهد معه بدرا من بني عبد شمس بن عبد مناف بن قصي عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية
(1/551)
________________________________________
معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس معه امرأته سهلة بن سهيل وجماعة أخر معهم عددهم ثلاثة وثلاثون رجلا
حدثني القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين بن داود قال حدثني حجاج عن أبي معشر عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس قالا جلس رسول الله صلى الله عليه و سلم في ناد من أندية قريش كثير أهله فتمنى يومئذ ألا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه فأنزل الله عز و جل والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى فقرأها رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى إذا بلغ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألقى الشيطان عليه كلمتين تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترجى فتكلم بهما ثم مضى فقرأ السورة كلها فسجد في آخر السورة وسجد القوم معه جميعا ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى جبهته فسجد عليه وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود فرضوا بما تكلم به وقالوا قد عرفنا أن الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فإذا جعلت لها نصيبا فنحن معك قالا فلما أمسى أتاه جبرئيل عليه السلام فعرض عليه السورة فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال ما جئتك بهاتين فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم افتريت على الله وقلت على الله ما لم يقل فأوحى الله إليه وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره إلى قوله ثم لا تجد لك علينا نصيرا ( 1 ) فما زال مغموما مهموما حتى نزلت وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلى قوله والله عليم حكيم ( 2 )
قال فسمع من كان بأرض الحبشة من المهاجرين أن أهل مكة قد أسلموا كلهم فرجعوا إلى عشائرهم وقالوا هم أحب إلينا فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان ثم قام فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق في نقض الصحيفة التي كانت قريش كتبت بينها على بني هاشم وبني المطلب نفر من قريش وكان أحسنهم بلاء فيه هشام بن عمرو بن الحارث العامري من عامر بن لؤي وكان ابن أخي نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمه وإنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب فقال يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك حيث قد علمت لا يبايعون ولا يبتاع منهم ولا ينكحون ولا ينكح إليهم أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا قال ويحك يا هشام فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها قال قد وجدت رجلا قال من هو قال أنا قال له زهير ابغنا ثالثا فذهب إلى المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف فقال له يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا قال ويحك فماذا اصنع إنما أنا رجل واحد قال قد وجدت ثانيا قال من هو قال أنا قال ابغنا ثالثا قال قد فعلت قال من هو قال زهير بن أبي أمية قال ابغنا رابعا
(1/552)
________________________________________
فذهب إلى أبي البختري بن هشام فقال له نحوا مما قال للمطعم بن عدي فقال وهل من أحد يعين على هذا قال نعم قال من هو قال زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك قال ابغنا خامسا فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم فقال له وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد قال نعم ثم سمى له القوم فاتعدوا له خطم الحجون الذي بأعلى مكة فاجتمعوا هنالك وأجمعوا أمرهم وتعاهدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها وقال زهير أنا أبدؤكم فأكون أولكم يتكلم فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم وغدا زهير بن أبي أمية عليه حلة له فطاف بالبيت سبعا ثم أقبل على الناس فقال يا أهل مكة أنأكل الطعام ونشرب الشراب ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يبايعون ولا يبتاع منهم والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة قال أبو جهل وكان في ناحية المسجد كذبت والله لا تشق قال زمعة بن الأسود أنت والله أكذب ما رضينا كتابها حين كتبت قال أبو البختري صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به قال المطعم بن عدي صدقتما وكذب من قال غير ذلك نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك قال أبو جهل هذا أمر قضي بليل وتشوور فيه بغير هذا المكان وأبو طالب جالس في ناحية المسجد وقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا ما كان من باسمك اللهم وهي فاتحة ما كانت تكتب قريش تفتتح بها كتابها إذا كتبت
قال وكان كاتب صحيفة قريش فيما بلغني التي كتبوا على رسول الله صلى الله عليه و سلم ورهطه من بني هاشم وبني المطلب منصور بن عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي فشلت يده
وأقام بقيتهم بأرض الحبشة حتى بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري فحملهم في سفينتين فقدم بهم على رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو بخيبر بعد الحديبية وكان جميع من قدم في السفينتين ستة عشر رجلا
ولم يزل رسول الله صلى الله عليه و سلم مقيما مع قريش بمكة يدعوهم إلى الله سرا وجهرا صابرا على أذاهم وتكذيبهم إياه واستهزائهم به حتى إن كان بعضهم فيما ذكر يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي ويطرحها في برمته إذا نصبت له حتى اتخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم منهم فيما بلغني حجرا يستتر به منهم إذا صلى
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق قال حدثني عمر بن عبدالله بن عروة بن الزبير عن عروة بن الزبير قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يخرج بذلك إذا رمي به في داره على العود فيقف على بابه ثم يقول يا بني عبد مناف أي جوار هذا ثم يلقيه بالطريق
ثم إن أبا طالب وخديجة هلكا في عام واحد وذلك فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قبل هجرته إلى المدينة بثلاث سنين فعظمت المصيبة على رسول الله صلى الله عليه و سلم بهلاكهما وذلك أن قريشا وصلوا من أذاه بعد موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته منه حتى نثر بعضهم على رأسه التراب
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال حدثني هشام بن عروة عن أبيه قال لما نثر ذلك السفيه التراب على رأس رسول الله صلى الله عليه و سلم دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم بيته والتراب على رأسه
(1/553)
________________________________________
فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب وهي تبكي ورسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لها يا بنية لا تبكي فإن الله مانع أباك قال ويقول رسول الله صلى الله عليه و سلم ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب
ولما هلك أبو طالب خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصر والمنعة له من قومه وذكر أنه خرج إليهم وحده فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا ابن إسحاق قال حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال لما انتهى رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم وهم إخوة ثلاثة عبد ياليل بن عمرو بن عمير ومسعود بن عمرو بن عمير وحبيب بن عمرو بن عمير وعندهم امرأة من قريش من بني جمح فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وكلمهم بما جاء لهم من نصرته على الإسلام والقيام معه عل من خالفه من قومه فقال أحدهم هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك وقال الآخر ما وجد الله أحدا يرسله غيرك وقال الثالث والله لا أكلمك كلمة أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك
فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف وقد قال لهم فيما ذكر لي إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا علي وكره رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يبلغ قومه عنه فيذئرهم ذلك عليه فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجؤوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه فعمد إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقي من سفهاء ثقيف وقد لقي رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما ذكر لي تلك المرأة من بني جمح فقال لها ماذا لقينا من أحمائك فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فيما ذكر لي اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وانت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى لا حول ولا قوة إلا بك
فلما رأى ابنا ربيعة عتبة وشيبة ما لقي تحركت له رحمهما فدعوا له غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس فقالا له خذ قطفا من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه ففعل عداس ثم أقبل به حتى وضعه بني يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما وضع رسول الله صلى الله عليه و سلم يده قال بسم الله ثم أكل فنظر عداس إلى وجهه ثم قال والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة قال له رسول الله صلى الله عليه و سلم ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس وما دينك قال أنا نصراني وأنا رجل من أهل نينوى فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى قال له وما يدريك ما يونس بن متى قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه و سلم يقبل رأسه ويديه ورجليه قال يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه أما غلامك فقد أفسده عليك فلما جاءهما عداس قالا له ويلك يا عداس مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه قال يا سيدي ما في [ هذه ]
(1/554)
________________________________________
الأرض خير من هذا الرجل لقد خبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي فقالا ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه
ثم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم انصرف من الطائف راجعا إلى مكة حين يئس من خبر ثقيف حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي فمر به نفر من الجن الذين ذكر الله عز و جل
قال محمد بن إسحاق وهم فيما ذكر لي سبعة نفر من جن أهل نصيبين اليمن فاستمعوا له فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا فقص الله عز و جل خبرهم عليه وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن إلى قوله ويجركم من عذاب أليم ( 1 ) وقال قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ( 2 ) إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة
قال محمد وتسمية النفر من الجن الذي استمعوا الوحي فيما بلغني حسا ومسا وشاصر وناصر واينا الأرد وأينين والأحقم
قال ثم قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم مكة وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه إلا قليلا مستضعفين ممن آمن به
وذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما انصرف من الطائف مريدا مكة مر به بعض أهل مكة فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم هل أنت مبلغ عني رسالة أرسلك بها قال نعم قال أئت الأخنس بن شريق فقل له يقول لك محمد هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالة ربي قال فأتاه فقال له ذلك فقال الأخنس إن الحليف لا يجير على الصريح قال فأتى النبي صلى الله عليه و سلم فأخبره قال تعود قال نعم قال ائت سهيل بن عمرو فقل له إن محمدا يقول لك هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالات ربي فأتاه فقال له ذلك قال فقال إن بني عامر بن لؤي لا تجير على بني كعب قال فرجع إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأخبره قال تعود قال نعم قال ائت المطعم بن عدي فقل له إن محمدا يقول لك هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالات ربي قال نعم فليدخل قال فرجع الرجل إليه فأخبره وأصبح المطعم بن عدي قد لبس سلاحه هو وبنوه وبنو أخيه فدخلوا المسجد فلما رآه أبو جهل قال أمجير أم متابع قال بل مجير قال فقال قد أجرنا من أجرت فدخل النبي صلى الله عليه و سلم مكة وأقام بها فدخل يوما المسجد الحرام والمشركون عند الكعبة فلما رآه أبو جهل قال هذا نبيكم يا بني عبد مناف قال عتبة بن ربيعة وما تنكر أن يكون منا نبي أو ملك فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه و سلم أو سمعه فأتاهم فقال أما أنت يا عتبة بن ربيعة فوالله ما حميت لله ولا لرسوله ولكن حميت لأنفك وأما أنت يا أبا جهل بن هشام فوالله لا يأتي عليك غير كبير من الدهر حتى تضحك قليلا وتبكي كثيرا وأما أنتم يا معشر الملإ من قريش فوالله لا يأتي عليكم غير كبير من الدهر حتى تدخلوا فيما تنكرون وأنتم كارهون
وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يعرض نفسه في المواسم إذا كانت على قبائل العرب يدعوهم إلى الله [ وإلى نصرته ] ويخبرهم أنه نبي مرسل ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به حدثنا ابن حميد
(1/555

بنالعياط
18-10-2012, 08:36 PM
قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني حسين بن عبيد الله بن عبدالله بن عباس قال سمعت ربيعة بن عباد يحدث أبي قال إني لغلام شاب مع أبي بمنى ورسول الله صلى الله عليه و سلم يقف على منازل القبائل من العرب فيقول يا بني فلان إني رسول الله إليكم يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد وأن تؤمنوا بي وتصدقوني وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به
قال وخلفه رجل أحول وضيء له غديرتان عليه حلة عدنية فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه و سلم من قوله وما دعا إليه قال الرجل يا بني فلان إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش إلىما جاء به من البدعة والضلالة فلا تطيعوه ولا تسمعوا له
قال فقلت لأبي يا أبت من هذا الرجل الذي يتبعه يرد عليه ما يقول قال هذا عمه عبد العزى أبو لهب بن عبد المطلب
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال وحدثني محمد بن إسحاق قال حدثنا محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أتى كندة في منازلهم وفيهم سيد لهم يقال له مليح فدعاهم إلى الله عز و جل وعرض عليهم نفسه فأبوا عليه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبدالله بن حصين أنه أتى كلبا في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبدالله فدعاهم إلى الله عز و جل وعرض عليهم نفسه حتى إنه ليقول لهم يا بني عبدالله إن الله قد أحسن اسم أبيكم فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال محمد بن إسحاق حدثني بعض أصحابنا عن عبدالله بن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أتى بني حنيفة في منازلهم فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه فلم يكن أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أنه أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه فقال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب ثم قال له أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك قال الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء قال فقال له أفتهدف نحورنا للعرب دونك فإذا ظهرت كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك فأبوا عليه فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم قد كانت أدركته السن حتى لا يقدر على أن يوافي معهم الموسم فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم فقالوا جاءنا فتى من قريش ثم أحد بني عبد المطلب يزعم أنه نبي ويدعو إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به معنا إلى بلادنا قال فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال يا بني عامر هل لها من تلاف هل لذناباها من مطلب والذي نفس فلان بيده ما تقولها إسماعيلي قط وإنها لحق فأين كان رأيكم عنه
(1/556)
________________________________________
فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم على ذلك من أمره كلما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الإسلام ويعرض عليهم نفسه وما جاء به من الله من الهدى والرحمة لا يسمع بقادم يقدم من العرب له اسم وشرف إلا تصدى له فدعاه إلى الله وعرض عليه ما عنده
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق قال حدثني عاصم بن عمر بن قتادة الظفري عن أشياخ من قومه قالوا قدم سويد بن صامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا قال وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل لجلده وشعره ونسبه وشرفه وهو الذي يقول ... ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفري ... مقالته كالشحم ما كان شاهدا ... وبالغيب مأثور على ثغرة النحر ... يسرك باديه وتحت أديمه ... نميمة غش تبتري عقب الظهر ... تبين لك العينان ما هو كاتم ... ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر ... فرشني بخير طالما قد بريتني ... وخير الموالي من يريش ولا يبري ...
مع أشعار له كثيرة يقولها قال فتصدى له رسول الله صلى الله عليه و سلم حين سمع به فدعاه إلى الله وإلى الإسلام قال فقال له سويد فلعل الذي معك مثل الذي معي فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم وما الذي معك قال مجلة لقمان يعني حكمة لقمان فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم اعرضها علي فعرضها عليه فقال إن هذا لكلام حسن معي أفضل من هذا قرآن أنزله الله علي هدى ونور قال فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه وقال إن هذا لقول حسن
ثم انصرف عنه وقدم المدينة فلم يلبث أن قتلته الخزرج فإن كان قومه ليقولون قد قتل وهو مسلم وكان قتله قبل بعاث
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني الحصين بن عبدالرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ أخو بني عبدالأشهل عن محمود بن لبيد أخي بني الأشهل قال لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة ومعه فتية من بني عبدالأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج سمع بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فأتاهم فجلس إليهم فقال لهم هل لكم إلى خير مما جئتم له قالوا وما ذاك قال أنا رسول الله بعثني إلى العباد أدعوهم إلى الله أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا وأنزل علي الكتاب ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن فقال إياس بن معاذ وكان غلاما حدثا أي قوم هذا والله خير مما جئتم له قال فيأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ وقال دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا قال فصمت إياس وقام رسول الله صلى الله عليه و سلم عنهم وانصرفوا إلى المدينة فكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج
قال ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك قال محمود بن لبيد فأخبرني من حضره من قومي عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات فما كانوا يشكون أن قد مات مسلما
(1/557)
________________________________________
لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله صلى الله عليه و سلم ما سمع
قال فلما أراد الله عز و جل إظهار دينه وإعزاز نبيه وإنجاز موعده له خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم فبينا هو عند العقبة إذ لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا
قال ابن حميد قال سلمة قال محمد بن إسحاق فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قالوا لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لهم من أنتم قالوا نفر من الخزرج قال أمن موالي يهود قالوا نعم قال أفلا تجلسون حتى أكلمكم قالوا بلى قال فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز و جل وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن
قال وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام أن يهود كانوا معهم ببلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم وكانوا أهل شرك أصحاب أوثان وكانوا قد عزوهم ببلادهم فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم إن نبيا الآن مبعوث قد أظل زمانه نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم فلما كلم رسول الله صلى الله عليه و سلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض تعلمن والله إنه للبني الذي توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام وقالوا له إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم وعسى الله أن يجمعهم بك وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا
وهم فيما ذكر لي ستة نفر من الخزرج منهم من بني النجار وهم تيم الله ثم من بني مالك بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار وهو أبو أمامة وعوف بن الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار وهو ابن عفراء
ومن بني زريق بن عامر بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق
ومن بني سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر ثم من بني سواد قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة
ومن بني حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة عقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام
ومن بني عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة جابر بن عبدالله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد
قال فلما قدموا المدينة على قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى فبايعوا رسول الله صلى الله عليه و سلم على بيعة النساء وذلك
(1/558)
________________________________________
قبل أن يفترض عليهم الحرب منهم من بني النجار أسعد بن زرارة بن عدس بن عبدي بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار وهو أبو أمامة وعوف ومعاذ ابنا الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار وهما ابنا عفراء
ومن بني زريق بن عامر رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق
ومن بني عوف بن الخزرج ثم من بني غنم بن عوف وهم القواقل عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن الخزرج وأبو عبدالرحمن وهو يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو بن عمارة من بني غضينة من بلي حليف لهم
ومن بني سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج عباس بن عبادة بن نضلة لن مالك بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف
ومن بني سلمة ثم من بني حرام عقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة
ومن بني سواد قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة
وشهدها من الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر ثم من بني الأشهل أبو الهيثم بن التيهان اسمه مالك حليف لهم
ومن بني عمرو بن عوف عويم بن ساعدة بن صلعجة حليف لهم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبدالله اليزني عن أبي عبدالرحمن بن عسيلة الصنابحي عن عبادة بن الصامت قال كنت فيمن حضر العقبة الأولى وكنا اثني عشر رجلا فبايعنا رسول الله صلى الله عليه و سلم على بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض الحرب على ألا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف فإن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم شيئا من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق أن ابن شهاب ذكر عن عائذ الله بن عبدالله أبي إدريس الخولاني عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه و سلم مثله
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال فلما انصرف عنه القوم بعث معهم رسول الله صلى الله عليه و سلم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين فكان يسمى مصعب بالمدينة المقرئ وكان منزله على أسعد بن زرارة بن عدس أبي أمامة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال وحدثني عبيد الله بن المغيرة بن
(1/559)
________________________________________
معيقيب وعبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر وكان سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس ابن خالة أسعد بن زرارة فدخل به حائطا من حوائظ بني ظفر على بئر يقال لها بئر مرق فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجال ممن أسلم وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير يومئذ سيدا قومهما من بني عبدالأشهل وكلاهما مشرك على دين قومه فلما سمعا به قال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير لا أبا لك انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما أن يأتيا دارنا فإنه لولا أن أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إليهما فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه قال مصعب إن يجلس أكلمه قال فوقف عليهما متشتما فقال ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا اعتزلانا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة فقال له مصعب أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره قال أنصفت ثم ركز حربته وجلس إليهما فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن فقالا فيما يذكر عنهما والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله ثم قال ما أحسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين قالا له تغتسل فتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين
قال فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين ثم قال لهما إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن سعد بن معاذ ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا قال أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بن حضير بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم فلما وقف على النادي قال له سعد ما فعلت قال كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما فقالا نفعل ما أحببت وقد حدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك قال فقام سعد مغضبا مبادرا تخوفا للذي ذكر له من بني حارثة فأخذ الحربة من يده ثم قال والله ما أراك أغنيت شيئا ثم خرج إليهما فلما رآهما سعد مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما فوقف عليهما متشتما ثم قال لأسعد بن زرارة يا أبا أمامة لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني تغشانا في دارنا بما نكره وقد قال أسعد لمصعب أي مصعب جاءك والله سيد من وراءه من قومه إن يتبعك لم يخالف عليك منهم اثنان فقال له مصعب أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره قال سعد أنصفت ثم ركز الحربة فجلس فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن قالا فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم به في إشراقه وتسهله
ثم قال لهما كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين قالا تغتسل فتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين قال فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق وركع ركعتين ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير فلما رآه قومه مقبلا قالوا نحلف بالله لقد رجع سعد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم فلما وقف عليهم قال يا بني عبدالأشهل كيف تعلمون أمري فيكم قالوا سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة قال فإن كلام رجالكم
(1/560)
________________________________________
ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله قال فوالله ما أمسى في دار عبدالأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة
ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف وتلك أوس الله وهم من أوس بن حارثة وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت وهو صيفي وكان شاعرا لهم وقائدا يسمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن الإسلام فلم يزل على ذلك حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق
قال ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة فواعدوا رسول الله صلى الله عليه و سلم العقبة من أوسط أيام التشريق حين أراد الله بهم ما أراد من كرامته والنصر لنبيه صلى الله عليه و سلم وإعزاز الإسلام وأهله وإذلال الشرك وأهله
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني معبد بن كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين أخو بني سلمة أن أخاه عبدالله بن كعب وكان من أعلم الأنصار حدثه أن أباه كعب بن مالك حدثه وكان كعب ممن شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه و سلم بها قال خرجنا في حجاج قومنا وقد صلينا وفقهنا ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا فلما وجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة قال البراء لنا والله يا هؤلاء إني قد رأيت رأيا والله ما أدري أتوافقونني عليه أم لا قال فقلنا وما ذاك قال قد رأيت ألا أدع هذه البنية مني بظهر يعني الكعبة وأن أصلي إليها قال فقلنا والله ما بلغنا عن نبينا أنه يصلي إلا إلى الشام وما نريد أن نخالفه قال فقال إني لمصل إليها قال فقلنا له لكنا لا نفعل قال فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشأم وصلى إلى الكعبة حتى قدمنا مكة
قال وقد عبنا عليه ما صنع وأبى إلا الإقامة على ذلك فلما قدمنا مكة قال لي يا بن أخي انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا فإني والله لقد وقع في نفسي شيء منه لما رأيت من خلافكم إياي فيه
قال فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وكنا لا نعرفه ولم نره قبل ذلك فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال هل تعرفانه قلنا لا قال فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه قلنا نعم قال وقد كنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجرا قال فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس بن عبد المطلب قال فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه و سلم جالس مع العباس فسلمنا ثم جلسنا إليه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم للعباس هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل قال نعم هذا البراء بن معرور سيد قومه وهذا كعب بن مالك قال فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه و سلم الشاعر قال نعم قال فقال له البراء بن معرور يا نبي الله إني خرجت في سفري هذا وقد هداني الله للإسلام فرأيت ألا أجعل هذه البنية مني بظهر فصليت إليها وقد خالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شيء فماذا ترى يا رسول الله قال قد كنت على قبلة لو صبرت عليها فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه و سلم وصلى معنا إلى الشأم قال وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة
(1/561)
________________________________________
حتى مات وليس ذلك كما قالوا نحن أعلم به منهم
قال ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم العقبة من أوسط ايام التشريق
قال فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم لها ومعنا عبدالله بن عمرو بن حرام أبو جابر أخبرناه وكنا نكتم من معنا من المشركين من قومنا أمرنا فكلمناه وقلنا له يا أبا جابر إنك سيد من سادتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ثم دعوناه إلى الإسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه و سلم إيانا العقبة
قال فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبا فبتنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه و سلم نتسلل مستخفين تسلل القطا حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلا ومهم امرأتان من نسائهم نسيبة بن كعب أم عمارة إحدى نساء بني مازن بن النجار وأسماء بنت عمرو بن عدي إحدى نساء بني سلمة وهي أم منيع فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له فلما جلس كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب فقال يا معشر الخزرج وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها أن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا وهو في عز من قومه ومنعة في بلده وإنه قد أبى إلا الانقطاع إليكم واللحوق بكم فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده
قال فقلنا له قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله وخذ لنفسك وربك ما أحببت
قال فتكلم رسول الله صلى الله عليه و سلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام ثم قال أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم
قال فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحرب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر
قال فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه و سلم أبو الهيثم بن التيهان حليف بني عبدالأشهل فقال يا رسول الله إن بيننا وبين الناس حبالا وإنا قاطعوها يعني اليهود فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قال بل الدم الدم الهدم الهدم أنتم مني وأنا منكم أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم
وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم فأخرجوا اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق فحدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال للنقباء أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين
(1/562)
________________________________________
لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي قالوا نعم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق قال وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه و سلم قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري ثم أخو بني سالم بن عوف يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل قالوا نعم قال إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن فهو والله خزي الدنيا والآخرة إن فعلتم وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة قالوا فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف فلما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا قال الجنة قالوا ابسط يدك فبسط يده فبايعوه
وأما عاصم بن عمر بن قتادة فقال والله ما قال العباس ذلك إلا ليشد العقد لرسول الله صلى الله عليه و سلم في أعناقهم وأما عبدالله بن أبي بكر فقال والله ما قال العباس ذلك إلا ليؤخر القوم تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبدالله بن أبي بن سلول فيكون أقوى لأمر القوم والله أعلم أي ذلك كان فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يديه وبنو عبدالأشهل يقولون بل أبو الهيثم بن التيهان
قال ابن حميد قال سلمة قال محمد وأما معبد بن كعب بن مالك فحدثني قال أبو جعفر وحدثني سعيد بن يحيى بن سعيد قال حدثني أبي قال حدثنا محمد بن إسحاق عن معبد بن كعب قال فحدثني في حديثه عن أخيه عبدالله بن كعب عن أبيه كعب بن مالك قال كان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه و سلم البراء بن معرور ثم تتابع القوم فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه و سلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط يا أهل الجباجب هل لكم في مذمم والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما يقول عدو الله هذا أزب العقبة هذا ابن أزيب اسمع عدو الله أما والله لأفرغن لك ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ارفضوا إلى رحالكم فقال له العباس بن عبادة بن نضلة والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم قال فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاءونا في منازلنا فقالوا يا معشر الخزرج إنا قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم قال فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه
قال وصدقوا لم يعلموا قال وبعضنا ينظر إلى بعض وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي وعليه نعلان جديدان
قال فقلت كلمة كأني أريد أن أشرك القوم فيها فيما قالوا يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش قال فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إلي وقال والله لتنتعلنهما قال يقول أبو جابر مه أحفظت والله الفتى فاردد عليه نعليه قال قلت والله
(1/563)

بنالعياط
18-10-2012, 09:28 PM
لا أردهما فأل والله صالح والله لئن صدق الفأل لأسلبنه
فهذا حديث كعب بن مالك عن العقبة وما حضر منها
قال أبو جعفر وقال غير ابن إسحاق كان مقدم من قدم على النبي صلى الله عليه و سلم للبيعة من الأنصار في ذي الحجة وأقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بعدهم بمكة بقية ذي الحجة من تلك السنة والمحرم وصفر وخرج مهاجرا إلى المدينة في شهر ربيع الأول وقدمها يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت منه
وحدثني علي بن نصر بن علي وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال علي بن نصر حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث وقال عبد الوارث حدثني أبي قال حدثنا أبان العطار قال حدثنا هشام بن عروة عن عروة انه قال لما رجع من أرض الحبشة من رجع منها ممن كان هاجر إليها قبل هجرة النبي صلى الله عليه و سلم إلى المدينة جعل أهل الإسلام يزدادون ويكثرون وإنه أسلم من الأنصار بالمدينة ناس كثير وفشا بالمدينة الإسلام فطفق أهل المدينة يأتون رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة فلما رأت ذلك قريس تذامرت على أن يفتنوهم ويشتدوا عليهم فأخذوهم وحرصوا على أن يفتنوهم فأصابهم جهد شديد وكانت الفتنة الآخرة وكانت فتنتين فتنة أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة حين أمرهم بها وأذن لهم في الخروج إليها وفتنة لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة
ثم إنه جاء رسول الله صلى الله عليه و سلم من المدينة سبعون نقيبا رؤوس الذين أسلموا فوافوه بالحج فبايعوه بالعقبة وأعطوه عهودهم على أنا منك وأنت منا وعلى أنه من جاء من أصحابك أو جئتنا فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا فاشتدت عليهم قريش عند ذلك فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أصحابه بالخروج إلى المدينة وهي الفتنة الآخرة التي أخرج فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم أصحابه وخرج وهي التي أنزل الله عز و جل فيها وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ( 1 )
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال وحدثني عبدالله بن ابي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنهم أتوا بعدالله بن ابي بن سلول يعني قريشا فقالوا مثل ما ذكر كعب بن مالك من القول لهم فقال لهم إن هذا لأمر جسيم ما كان قومي ليتفوقوا علي بمثل هذا وما علمته كان فانصرفوا عنه وتفرق الناس من منى فتنطس القوم الخبر فوجدوه قد كان وخرجوا في طلب القوم فأدركوا سعد بن عبادة بالحاجر والمنذر بن عمرو أخا بني ساعدة بن كعب بن الخزرج وكلاهما كان نقيبا فأما المنذر فأعجز القوم وأما سعد فأخذوه وربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجبذونه بجمته وكان ذا شعر كثير فقال سعد فوالله إني لفي أيديهم إذ طلع علي نفر من قريش فيهم رجل أبيض وضيء شعشاع حلو من الرجال قال قلت إن يكن عند أحد من القوم خير فعند هذا فلما دنا مني رفع يديه فلطمني لطمة شديدة قال قلت في نفسي والله ما عندهم بعد هذا خير قال فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني إذ أوى إلي رجل منهم ممن معهم فقال ويحك أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد قال قلت بلى والله لقد كنت أجير لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف تجارة وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي وللحارث بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف قال
(1/564)
________________________________________
ويحك فاهتف باسم الرجلين واذكر ما بينك وبينهما قال ففعلت وخرج ذلك الرجل إليهما فوجدهما في المسجد عند الكعبة فقال لهما إن رجلا من الخزرج الآن يضرب بالأبطح وإنه ليهتف بكما ويذكر أن بينه وبينكما جوارا قالا ومن هو قال سعد بن عبادة قالا صدق والله إن كان ليجير تجارنا ويمنعهم أن يظلموا ببلده قال فجاءا فخلصا سعدا من أيديهم وانطلق وكان الذي لكم سعدا سهيل بن عمرو أخو بني عامر بن لؤي
قال أبو جعفر فلما قدموا المدينة أظهروا الإسلام بها وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من أهل الشرك منهم عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة وكان ابنه معاذ بن عمرو قد شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه و سلم في فتيان منهم وبايع رسول الله صلى الله عليه و سلم من بايع من الأوس والخزرج في العقبة الاخرة وهي بيعة الحرب حين أذن الله عز و جل في القتال بشروط غير الشروط في العقبة الأولى وأما الأولى فإنما كانت على بيعة النساء على ما ذكرت الخبر به عن عبادة بن الصامت قبل وكانت بيعة العقبة الثانية على حرب الأحمر والأسود على ما قد ذكرت قبل عن عروة بن الزبير وقد حدثنا بن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه الوليد عن عبادة بن الصامت وكان أحد النقباء قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه و سلم على بيعة الحرب وكان عبادة من الاثني عشر الذين بايعوا في العقبة الأولى
قال أبو جعفر فلما أذن الله عز و جل لرسوله صلى الله عليه و سلم في القتال ونزل قوله وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ( 1 ) وبايعه الأنصار على ما وصفت من بيعتهم أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أصحابه ممن هو معه بمكة من المسلمين بالهجرة والخروج إلى المدينة واللحوق بإخوانهم من الأنصار وقال إن الله عز و جل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها فخرجوا أرسالا وأقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه بالخروج من مكة فكان أول من هاجر من المدينة والهجرة إلى المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم من قريش ثم من بني مخزوم أبو سلمة بن عبدالأسد بن هلال بن عبدالله بن عمر بن مخزوم هاجر إلى المدينة قبل بيعة أصحاب العقبة رسول الله صلى الله عليه و سلم بسنة وكان قدم على رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة من أرض الحبشة فما آذته قريش وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار خرج إلى المدينة مهاجرا
ثم كان أول من قدم المدينة من المهاجرين بعد أبي سلمة عامر بن ربيعة حليف بني عدي بن كعب معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة بن غانم بن عبدالله بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب ثم عبدالله بن جحش بن رئاب وأبو أحمد بن جحش وكان رجلا ضرير البصر وكان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد ثم تتابع أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة أرسالا
وأقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة ولم يتخلف معه بمكة أحد المهاجرين إلا أخذ فحبس أو فتن إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه و سلم في الهجرة فيقول له رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبا فطمع أبو بكر أن يكونه فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير
(1/565)
________________________________________
بلدهم ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم عرفوا أنهم قد نزلوا دارا وأصابوا منهم منعة فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه و سلم إليهم وعرفوا أنه قد أجمع أن يلحق بهم لحربهم فاجتمعوا له في دار الندوة وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم حين خافوه
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني عبدالله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج عن ابن عباس قال وحدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس والحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس قال لما اجتمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا دار الندوة ويتشاوروا فيها في أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم غدوا في اليوم الذي اتعدوا له وكان ذلك اليوم يسمى الزحمة فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل عليه بت له فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفا على بابها قالوا من الشيخ قال شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى ألا يعدمكم منه رأي ونصح قالوا أجل فادخل فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش كلهم من كل قبيلة من بني عبد شمس شيبة وعتبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب ومن بني نوفل بن عبد مناف طعيمة بن عدي وجبير بن مطعم والحارث بن عامر بن نوفل ومن بني عبد الدار بن قصي النضر بن الحارث بن كلدة ومن بني أسد بن عبد العزى أبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود بن المطلب وحكيم بن حزام ومن بني مخزوم أبو جهل بن هشام ومن بني سهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج ومن بني جمح أمية بن خلف ومن كان معهم وغيرهم ممن لا يعد من قريش
فقال بعضهم لبعض إن هذا الرجل قد كان أمره ما قد كان وما قد رأيتم وإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأيا قال فتشاوروا ثم قال قائل منهم احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين قبله زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه منه ما أصابهم
قال فقال الشيخ النجدي لا والله ما هذا لكم برأي والله لو حبستموه كما تقولون لخرج أمره من وراء الباب الذي أغلقتموه دونه إلى أصحابه فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ثم يكاثروكم حتى يغلبوكم على أمركم هذا ما هذا لكم برأي فانظروا إلى غيره
ثم تشاوروا فقال قائل منهم نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلدنا فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت
قال الشيخ النجدي والله ما هذا لكم برأي ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بها فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد أديروا فيه رأيا غير هذا
قال فقال أبو جهل بن هشام والله إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد قالوا وما هو يا أبا الحكم قال أرى أن تأخذوا من كل قبيلة فتى شابا جلدا نسيبا وسيطا فينا ثم نعطي كل فتى منهم سيفا
(1/566)
________________________________________
صارما ثم يعمدون إليه ثم يضربونه بها ضربة رجل واحد فيقتلونه فنستريح فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل كلها فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا ورضوا منا بالعقل فعقلناه لهم
قال فقال الشيخ النجدي القول ما قال الرجل هذا الرأي لا رأي لكم غيره
فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه
قال فلما كان العتمة من الليل اجتمعوا على بابه فترصدوه متى ينام فيثبون عليه فلما رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم مكانهم قال لعلي بن أبي طالب نم على فراشي واتشح ببردي الحضرمي الأخضر فنم فإنه لا يخلص إليك شيء تكرهه منهم وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم ينام في برده ذلك إذا نام
قال أبو جعفر زاد بعضهم في هذه القصة في هذا الموضع وقال له إن أتاك ابن أبي قحافة فأخبره أني توجهت إلى ثور فمره فليلحق بي وأرسل إلى بطعام واستأجر لي دليلا يدلني على طريق المدينة واشتر لي راحلة ثم مضى رسول الله صلى الله عليه و سلم وأعمى الله أبصار الذين كانوا يرصدونه عنه وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال اجتمعوا له وفيهم أبو جهل بن هشام فقال وهم على بابه إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن وإن لم تفعلوا كان لكم منه ذبح ثم بعثتم بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون فيها
قال وخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخذ حفنة من تراب ثم قال نعم أنا أقول ذلك أنت أحدهم وأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات من يس يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم ( 1 ) إلى قوله وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه و سلم من هؤلاء الآيات فلم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب
فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال ما تنتظرون ها هنا قالوا محمدا قال خيبكم الله قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته أفما ترون ما بكم قال فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب ثم جعلوا يطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله صلى الله عليه و سلم فيقولون والله إن هذا لمحمد نائم عليه برده فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام علي عن الفراش فقالوا والله لقد صدقنا الذي كان حدثنا فكان مما نزل من القرآن في ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ( 1 ) وقول الله عز و جل أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل
(1/567)
________________________________________
تربصوا فإني معكم من المتربصين ( 2 )
وقد زعم بعضهم أن أبا بكر أتى عليا فسأله عن نبي الله صلى الله عليه و سلم فأخبره أنه لحق بالغار من ثور وقال إن كان لك فيه حاجة فالحقه فخرج أبو بكر مسرعا فلحق نبي الله صلى الله عليه و سلم في الطريق فسمع رسول الله صلى الله عليه و سلم جرس أبي بكر في ظلمة الليل فحسبه من المشركين فأسرع رسول الله صلى الله عليه و سلم المشي فانقطع قبال نعله ففلق إبهامه حجر فكثر دمها وأسرع السعي فخاف أبو بكر أن يشق على رسول الله صلى الله عليه و سلم فرفع صوته وتكلم فعرفه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقام حتى أتاه فانطلقا ورجل رسول الله صلى الله عليه و سلم تستن دما حتى انتهى إلى الغار مع الصبح فدخلاه وأصبح الرهط الذين كانوا يرصدون رسول الله صلى الله عليه و سلم فدخلوا الدار وقام علي عليه السلام عن فراشه فلما دنوا منه عرفوه فقالوا له أين صاحبك قال لا أدري أو رقيبا كنت عليه أمرتموه بالخروج فخرج فانتهروه وضربوه وأخرجوه إلى المسجد فحبسوه ساعة ثم تركوه ونجى الله رسوله من مكرهم وأنزل عليه في ذلك وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين
قال أبو جعفر وأذن الله عز و جل لرسوله صلى الله عليه و سلم عند ذلك بالهجرة فحدثنا علي بن نصر الجهضمي قال حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث وحدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال حدثنا أبي قال حدثنا أبان العطار قال حدثنا هشام بن عروة عن عروة قال لما خرج أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة وقبل أن يخرج يعني رسول الله صلى الله عليه و سلم وقبل أن تنزل هذه الآية التي أمروا فيها بالقتال استأذنه أبو بكر ولم يكن أمره بالخروج مع من خرج من أصحابه حبسه رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال له أنظرني فإني لا أدري لعلي يؤذن لي بالخروج وكان أبو بكر قد اشترى راحلتين يعدهما للخروج مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة فلما استنظره رسول الله صلى الله عليه و سلم وأخبره بالذي يرجو من ربه أن يأذن له بالخروج حبسهما وعلفهما انتظار صحبة رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى أسمنهما فلما حبس عليه خروج النبي صلى الله عليه و سلم قال أبو بكر أتطمع أن يؤذن لك قال نعم فانتظره فمكث بذلك
فأخبرتني عائشة أنهم بينا هم ظهرا في بيتهم وليس عند أبي بكر إلا ابنتاه عائشة وأسماء إذا هم برسول الله صلى الله عليه و سلم حين قام قائم الظهيرة وكان لا يخطئه يوما أن يأتي بيت أبي بكر أول النهار وآخره فلما رأى أبو بكر النبي صلى الله عليه و سلم جاء ظهرا قال له ما جاء بك يا نبي الله إلا أمر حدث فلما دخل عليهم النبي صلى الله عليه و سلم البيت قال لأبي بكر أخرج من عندك قال ليس علينا عين إنما هما ابنتاي قال إن الله قد أذن لي بالخروج إلى المدينة فقال أبو بكر يا رسول الله الصحابة الصحابة قال الصحابة قال أبو بكر خذ إحدى الراحلتين وهما الراحلتان اللتان كان يعلفهما أبو بكر يعدهما للخروج إذا أذن لرسول الله صلى الله عليه و سلم فأعطاه إحدى الراحلتين فقال خذها يا رسول الله فارتحلها فقال النبي صلى الله عليه و سلم قد أخذتها بالثمن وكان عامر بن فهيرة مولدا من مولدي الأزد كان للطفيل بن عبدالله بن سخبرة وهو أبو الحارث بن الطفيل وكان أخا عائشة بنت أبي بكر وعبد الرحمن بن أبي بكر لأمهما فأسلم عامر بن فهيرة وهو مملوك لهم فاشتراه أبو بكر فأعتقه وكان حسن الإسلام فلما خرج النبي صلى الله عليه و سلم وأبو بكر كان لأبي بكر منيحة من غنم تروح على
(1/568)
________________________________________
أهله فأرسل أبو بكر عامرا في الغنم إلى ثور فكان عامر بن فهيرة يروح بتلك الغنم على رسول الله صلى الله عليه و سلم بالغار في ثور وهو الغار الذي سماه الله في القرآن فأرسل بظهرهما رجلا من بني عبد بن عدي حليفا لقريش من بني سهم ثم آل العاص بن وائل وذلك العدوي يومئذ مشرك ولكنهما استأجراه وهو هاد بالطريق وفي الليالي التي مكثا بالغار كان يأتيهما عبدالله بن أبي بكر حين يمسي بكل خبر بمكة ثم يصبح بمكة ويريح عامر الغنم كل ليلة فيحلبان ثم يسرح بكرة فيصبح في رعيان الناس ولا يفطن له حتى إذا هدأت عنهما الأصوات وأتاهما أن قد سكت عنهما جاءهما صاحبهما ببعيريهما فانطلقا وانطلق معهما بعامر بن فهيرة يخدمهما ويعينهما يردفه أبو بكر ويعقبه على رحله ليس معهما أحد إلا عامر بن فهيرة وأخو بني عدي يهديهما الطريق فأجاز بهما في أسفل مكة ثم مضى بهما حتى حاذى بهما الساحل أسفل من عسفان ثم استجاز بهما حتى عارض الطريق بعدما جاوز قديدا ثم سلك الخرار ثم أجاز على ثنية المرة ثم أخذ على طريق يقال لها المدلجة بين طريق عمق وطريق الروحاء حتى توافوا طريق العرج وسلك ماء يقال له الغابر عن يمين ركوبة حتى يطلع على بطن رئم ثم جاء حتى قدم المدينة على بني عمرو بن عوف قبل القائلة فحدثت أنه لم يبق فيهم إلا يومين وتزعم بنو عمرو بن عوف أن قد أقام فيهم أفضل من ذلك فاقتاد راحلته فاتبعته حتى دخل في دور بني النجار فأراهم رسول الله صلى الله عليه و سلم مريدا كان بين ظهري دورهم
وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبدالله بن الحصين التميمي قال حدثني عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم قالت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يخطئه أحد طرفي النهار أن يأتي بيت أبي بكر إما بكرة وإما عشية حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله بالهجرة وبالخروج من مكة من بين ظهراني قومه أتانا رسول الله صلى الله عليه و سلم بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها قالت فلما رآه أبو بكر قال ما جاء رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه الساعة إلا لأمر حدث قالت فلما دخل تأخر أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أخرج عني من عندك قال يا نبي الله إنما هما ابنتاي وما ذاك فداك أبي وأمي قال إن الله عز و جل قد أذن لي بالخروج والهجرة فقال أبو بكر الصحية يا رسول الله قال الصحبة
قالت فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي من الفرح ثم قال يا نبي الله إن هاتين راحلتاي كنت أعددتهما لهذا فاستأجرا عبدالله بن أرقد رجلا من بني الديل بن بكر وكانت أمه امرأة من بني سهم بن عمرو وكان مشركا يدلهما على الطريق ودفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما ولم يعلم فيما بلغني بخروج رسول الله صلى الله عليه و سلم أحد حين خرج إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر الصديق وآل أبي بكر فأما علي بن أبي طالب فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما بلغني أخبره بخروجه وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم الودائع التي كانت عنده للناس وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم وليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عند رسول الله صلى الله عليه و سلم لما يعرف من صدقه وأمانته فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه و سلم للخروج أتى أبا بكر بن أبي قحافة فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته ثم عمدا إلى غار بثور جبل بأسفل مكة فدخلاه وأمر أبو بكر ابنه عبدالله بن أبي بكر أن يسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر وأمر عامر بن فهيرة مولاه
(1/569)
________________________________________
أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحها عليهما إذا أمسى بالغار وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما فأقام رسول الله صلى الله عليه و سلم في الغار ثلاثا ومعه أبو بكر وجعلت قريش حين فقدوه مائة ناقة لمن يرده عليهم فكان عبدالله بن أبي بكر يكون في قريش ومعهم ويستمع ما يأتمرون به وما يقولون في شأن رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبي بكر ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يرعى في رعيان أهل مكة فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا فإذا غدا عبدالله بن أبي بكر من عندهما إلى مكة اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يعفي عليه حتى إذا مضت الثلاث وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذي استأجرا ببعيريهما وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما ونسيت أن تجعل لها عصاما فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس فيها عصام فحلت نطاقها فجعلته لها عصاما ثم علقتها به فكان يقال لأسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين لذلك فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم قرب له أفضلهما ثم قال له اركب فداك أبي وأمي فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إني لا أركب بعيرا ليس لي قال فهو لك يا رسول الله بأبي أنت وأمي قال لا ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به قال كذا وكذا قال قد أخذتها بذلك قال هي لك يا رسول الله فركبا فانطلقا وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه يخدمهما بالطريق
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال وحدثت عن أسماء بنت أبي بكر قالت لما خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فوقفوا على باب أبي بكر فخرجت إليهم فقالوا أين أبوك يا ابنة أبي بكر قلت لا أدري والله أين أبي قالت فرفع أبو جهل يده وكان فاحشا خبيثا فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي قالت ثم انصرفوا ومكثنا ثلاث ليال لا ندري أين توجه رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يغني بأبيات من الشعر غناء العرب والناس يتبعونه يسمعون صوته وما يرونه حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول ... جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد ... هما نزلاها بالهدى واغتدوا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد ... ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد ...
قالت فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم وأن وجهه إلى المدينة وكانوا أربعة رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو بكر وعامر بن فهيرة وعبدالله بن أرقد دليلهما
قال أبو جعفر حدثني أحمد بن المقدام العجلي قال حدثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال حدثنا عبد الحميد بن أبي عبس بن محمد بن أبي عبس بن جبر عن أبيه قال سمعت قريش قائلا يقول في الليل على أبي قبيس ... فإن يسلم السعدان يصبح محمد ... بمكة لا يخشى خلاف المخالف ...


(1/570)

بنالعياط
18-10-2012, 11:37 PM
فلما أصبحوا قال أبو سفيان من السعدان سعد بكر سعد تميم سعد
هذيم فلما كان في الليلة الثانية سمعوه يقول
... أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ... ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
(1/570)
________________________________________
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا ... على الله في الفردوس منية عارف ... فإن ثواب الله للطالب الهدى ... جنان من الفردوس ذات رفارف ...
فلما أصبحوا قال أبو سفيان هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة
قال أبو جعفر وقدم دليلهما بهما قباء على بني عمرو بن عوف لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين حين اشتد الضحى وكادت الشمس أن تعتدل
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عبدالرحمن بن عويم بن ساعدة قال حدثني رجال قومي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قالوا لما سمعنا بمخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم من مكة وتوكفنا قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا ننتظر رسول الله صلى الله عليه و سلم فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال فإذا لم نجد ظلا دخلنا بيوتنا وذلك في أيام حارة حتى إذا كان في اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم جلسنا كما كنا نجلس حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا وقدم رسول الله صلى الله عليه و سلم حين دخلنا البيوت فكان أول من رآه رجل من اليهود وقد رأى ما كنا نصنع وإنا كنا ننتظر قدوم رسول الله صلى الله عليه و سلم فصرخ بأعلى صوته يا بني قيلة هذا جدكم قد جاء
قال فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو في ظل نخلة ومعه أبو بكر في مثل سنه وأكثرنا من لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل ذلك قال وركبه الناس وما نعرفه من أبي بكر حتى زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فقام أبو بكر فأظله بردائه فعرفناه عند ذلك فنزل رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما يذكرون على كلثوم بن هدم أخي بني عمرو بن عوف ثم أخذ بني عبيد ويقال بل نزل على سعد بن خيثمة
ويقول من يذكر أنه نزل على كلثوم بن هدم إنما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا خرج من منزل كلثوم بن هدم جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة وذلك أنه كان عزبا لا أهل له وكان منازل العزاب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم من المهاجرين عنده فمن هنالك يقال نزل على سعد بن خيثمة وكان يقال لبيت سعد بن خيثمة بيت العزاب فالله أعلم أي ذلك كان كلا قد سمعنا
ونزل أبو بكر بن أبي قحافة على خبيب بن أساف أخي بني الحارث بن الخزرج بالسنح ويقول قائل كان منزله على خارجة بن زيد بن أبي زهير أخي بني الحارث بن الخزرج
وأقام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم الودائع التي كانت عنده إلى الناس حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله صلى الله عليه و سلم فنزل معه على كلثوم بن هدم فكان علي يقول وإنما كانت إقامته بقباء على امرأة لا زوج لها مسلمة ليلة أو ليلتين وكان يقول كنت نزلت بقباء على امرأة لا زوج لها مسلمة فرأيت إنسانا يأتيها في جوف الليل فيضرب عليها بابها فتخرج إليه فيعطيها شيئا معه قال فاستربت لشأنه فقلت لها يا أمة الله من هذا الرجل الذي يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين إليه فيعطيك شيئا ما أدري ما هو وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك قالت هذا سهل بن حنيف بن واهب قد عرف أني امرأة لا أحد لي فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها ثم جاءني بها وقال احتطبي بهذا فكان علي بن أبي طالب يأثر ذلك من أمر سهل بن حنيف حين هلك عنده بالعراق
(1/571)
________________________________________
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني هذا الحديث علي بن هند بن سعد بن سهل بن حنيف عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه
فأقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسس مسجدهم ثم أخرجه الله عز و جل من بين أظهرهم يوم الجمعة وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك والله أعلم
ويقول بعضهم إن مقامه بقباء كان بضعة عشر يوما
قال أبو جعفر واختلف السلف من أهل العلم في مدة مقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة بعد ما استنبئ فقال بعضهم كانت مدة مقامه بها إلى أن هاجر إلى المدينة عشر سنين
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا يحيى بن محمد بن قيس المدني يقال له أبو زكير قال سمعت ربيعة بن أبي عبد الرحمن يذكر عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث على رأس أربعين فأقام بمكة عشرا
حدثني الحسين بن نصر الآملي قال حدثنا عبيدالله بن موسى عن شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبدالرحمن قال أخبرتني عائشة وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لبث بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا عبد الوهاب قال حدثنا يحيى بن سعيد قال سمعت سعيد بن المسيب يقول أنزل على رسول الله صلى الله عليه و سلم القرآن وهو ابن ثلاث وأربعين فأقام بمكة عشرا
حدثني أحمد بن ثابت الرازي قال حدثنا أحمد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس قال أنزل على النبي صلى الله عليه و سلم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة فمكث بمكة عشرا
حدثني محمد بن إسماعيل قال حدثنا عمرو بن عثمان الحمصي قال حدثنا أبي قال حدثنا محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار قال هاجر رسول الله صلى الله عليه و سلم على رأس عشر من مخرجه
قال أبو جعفر وقال آخرون بل أقام بعدما استنبئ بمكة ثلاث عشرة سنة
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا حجاج بن المنهال قال حدثنا حماد يعني ابن سلمة عن أبي جمرة عن ابن عباس قال أقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه
حدثني محمد بن خلف قال حدثنا آدم قال حدثنا حماد بن سلمة قال حدثنا أبو جمرة الضبعي عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم لأربعين سنة وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة
حدثني محمد بن معمر قال حدثنا روح قال حدثنا زكرياء بن إسحاق قال حدثنا عمرو بن دينار عن ابن عباس قال مكث رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة ثلاث عشرة سنة
(1/572)
________________________________________
حدثني عبيد بن محمد الوراق قال حدثنا روح قال حدثنا هشام قال حدثنا عكرمة عن ابن عباس قال بعث النبي صلى الله عليه و سلم لأربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه ثم أمر بالهجرة
قال أبو جعفر وقد وافق قول من قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم لأربعين سنة وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة قول أبي قيس صرمة بن أبي أنس أخي بني عدي بن النجار في قصيدته التي يقول فيها وهو يصف كرامة الله إياهم بما أكرمهم به من الإسلام ونزول نبي الله صلى الله عليه و سلم عليهم ... ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى صديقا مواتيا ... ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا ... فلما أتانا أظهر الله دينه ... فأصبح مسرورا بطيبة راضيا ... وألفى صديقا واطمأنت به النوى ... وكان له عونا من الله باديا ... يقص لنا ما قال نوح لقومه ... وما قال موسى إذ أجاب المناديا ... وأصبح لا يخشى من الناس واحدا ... قريبا ولا يخشى من الناس نائيا ... بذلنا له الأموال من جل مالنا ... وأنفسنا عند الوغى والتناسيا ... ونعلم أن الله لا شيء غيره ... ونعلم أن الله أفضل هاديا ...
فأخبر أبو القيس في قصيدته هذه أن مقام رسول الله صلى الله عليه و سلم في قومه قريش كان بعدما استنبئ وصدع بالوحي من الله بضع عشرة حجة
وقال بعضهم كان مقامه بمكة خمس عشرة سنة
ذكر من قال ذلك
حدثني بذلك الحارث عن ابن سعد عن محمد بن عمر عن إبراهيم بن إسماعيل عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس واستشهد بهذا البيت من قول أبي قيس صرمة بن أبي أنس غير أنه أنشد ذلك ... ثوى في قريش خمس عشرة حجة ... يذكر لو يلقى صديقا مواتيا ...
قال أبو جعفر وقد روي عن الشعبي إن إسرافيل قرن برسول الله صلى الله عليه و سلم قبل أن يوحى إليه ثلاث سنين
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر الواقدي قال حدثنا الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال وحدثنا إملاء من لفظه منصور عن الأشعث عن الشعبي قال قرن إسرافيل بنبوة رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاث سنين يسمع حسه ولا يرى شخصه ثم كان بعد ذلك جبريل عليه السلام قال الواقدي فذكرت ذلك لمحمد بن صالح بن دينار فقال والله يا بن أخي لقد سمعت عبدالله بن أبي بكر بن حزم وعاصم بن عمر بن قتادة يحدثان في المسجد ورجل عراقي يقول لهما هذا فأنكراه جميعا وقالا ما سمعنا ولا علمنا إلا أن جبريل هو الذي قرن به وكان يأتيه بالوحي من يوم نبئ إلى أن توفي صلى الله عليه و سلم
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا ابن أبي عدي عن داود عن عامر قال أنزلت عليه النبوة وهو ابن
(1/573)
________________________________________
أربعين سنة فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين فكان يعلمه الكلمة والشيء ولم ينزل القرآن على لسانه فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل عليه السلام فنزل القرآن على لسانه عشر سنين بمكة وعشر سنين بالمدينة
قال أبو جعفر فلعل الذين قالوا كان مقامه بمكة بعد الوحي عشرا عدوا مقامه بها من حين أتاه جبريل بالوحي من الله عز و جل وأظهر الدعاء إلى توحيد الله وعد الذين قالوا كان مقامه ثلاث عشرة سنة من أول الوقت الذي استنبئ فيه وكان إسرافيل المقرون به وهي السنون الثلاث التي لم يكن أمر فيها بإظهار الدعوة
وقد روي عن قتادة غير القولين اللذين ذكرت وذلك ما حدثت عن روح بن عبادة قال حدثنا سعيد عن قتادة قال نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه و سلم ثماني سنين بمكة وعشرا بعد ما هاجر وكان الحسن يقول عشرا بمكة وعشرا بالمدينة
(1/574)

بنالعياط
18-10-2012, 11:43 PM
************************************************** *******
* * **
* * **
* * الحمد**لله** تم**ختم** الجزء** الاول ** **
* * **
* * **
* * **
************************************************** *********

بنالعياط
19-10-2012, 09:08 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر الوقت الذي عمل فيه التأريخ
قال أبو جعفر ولما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة أمر بالتأريخ فيما قبل
حدثني زكرياء بن يحيى بن أبي زائدة قال
حدثنا أبو عاصم عن ابن خريج عن أبي سلمة عن ابن شهار أن النبي صلى الله عليه و سلم لما قدم المدينة وقدمها في شهر ربيع الأول أمر بالتأريخ
قال أبو جعفر فذكر أنهم كانوا يؤرخون بالشهر والشهرين من مقدمه إلى أن تمت السنة وقد قيل إن أول من أمر بالتأريخ في الإسلام عمر بن الخطاب رحمه الله ذكر الأخبار الواردة بذلك
حدثني محمد بن إسماعيل قال
حدثنا أبو نعيم قال
حدثنا حيان بن علي الغزي عن مجالد عن الشعبي
قال كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر إنه تأتينا منك كتب ليس لها تأريخ
قال فجمع عمر الناس للمشورة فقال بعضهم أرخ لمبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال بعضهم لمهاجررسول الله صلى الله عليه و سلم فقال عمر لا بل نؤرخ لمهاجر رسول الله صلى الله عليه و سلم فإن مهاجره فرق بين الحق والباطل
حدثني محمد بن إسماعيل قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا خالد بن حيان أبو يزيد الخراز عن فرات بن سلمان عن ميمون بن مهران قال رفع إلى عمر صك محله في شعبان فقال عمر أي شعبان الذي هو آت أو الذي نحن فيه قال ثم قال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ضعوا للناس شيئا يعرفونه فقال بعضهم اكتبوا على تأريخ الروم فقيل إنهم يكتبون من عهد ذي القرنين فهذا يطول وقال بعضهم اكتبوا على تأريخ الفرس فقيل إن الفرس كلما قام ملك طرح من كان قبله فاجتمع رأيهم على أن ينظروا كم أقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة فوجدوه عشر سنين فكتب التأريخ من هجرة رسول الله صلى الله عليه و سلم
حدثت عن أمية بن خالد وأبي داود الطيالسي عن قرة بن خالد السدوسي عن محمد بن سيرين قال قام رجل إلى عمر بن الخطاب فقال أرخوا فقال عمر ما أرخوا قال شيء تفعله الأعاجم يكتبون في شهر كذا من سنة كذا فقال عمر بن الخطاب حسن فأرخوا فقالوا من أي السنين نبدأ قالوا من مبعثه وقالوا من وفاته ثم أجمعوا على الهجرة ثم قالوا فأي الشهور نبدأ فقالوا رمضان ثم قالوا المحرم فهو منصرف الناس من حجهم وهو شهر حرام فأجمعوا على المحرم
(2/3)
________________________________________
حدثني محمد بن إسماعيل قال حدثني سعيد بن أبي مريم وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا أبي قالا جميعا حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم قال حدثني أبو حازم عن سهل بن سعد قال ما اصاب الناس العدد ما عدوا من مبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا من وفاته ولا عدوا إلا من مقدمه المدينة
حدثني محمد بن إسماعيل قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا يعقوب بن إسحاق قال حدثني محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن عبدالله بن عباس قال كان التأريخ في السنة التي قدم فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة وفيها ولد عبد الله بن الزبير
حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي عباد قال حدثنا محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال كان التأريخ في السنة التي قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم فيها فذكر مثله
حدثني محمد بن إسماعيل قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا نوح بن قيس الطاحي عن عثمان بن محصن أن ابن عباس كان يقول في والفجر وليال عشر ( 1 ) قال الفجر هو المحرم فجر السنة
حدثني محمد بن إسماعيل قال حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد عن عبيد بن عمير قال إن المحرم شهر الله عز و جل وهو رأس السنة فيه يكسى البيت ويؤرخ التأريخ ويضرب فيه الورق وفيه يوم كان تاب فيه قوم فتاب الله عز و جل عليهم
حدثني أحمد بن ثابت الرازي قال حدثنا أحمد قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا زكرياء بن إسحاق عن عمرو بن دينار أن أول من أرخ الكتب يعلى بن أمية وهو باليمن وأن النبي صلى الله عليه و سلم قدم المدينة في شهر ربيع الأول وأن الناس أرخوا لأول السنة وإنما أرخ الناس لمقدم النبي صلى الله عليه و سلم وقال علي بن مجاهد عن محمد بن إسحاق عن الزهري وعن محمد بن صالح عن الشعبي قالا أرخ بنو إسماعيل من نار إبراهيم عليه السلام إلى بنيان البيت حين بناه إبراهيم وإسماعيل ثم أرخ بنو إسماعيل من بنيان البيت حتى تفرقت فكان كلما خرج قوم من تهامة أرخوا بمخرجهم ومن بقي بتهامة من بني إسماعيل يؤرخون من خروج سعد ونهد وجهينة بني زيد من تهامة حتى مات كعب بن لؤي فأرخوا من موت كعب بن لؤي إلى الفيل فكان التأريخ من الفيل حتى أرخ عمر بن الخطاب من الهجرة وذلك سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة
حدثني عبدالرحمن بن عبدالله بن عبد الحكم قال حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنا الدراوردي عن عثمان بن عبيدالله بن أبي رافع قال سمعت سعيد بن المسيب يقول جمع عمر بن الخطاب الناس فسألهم فقال من أي يوم نكتب فقال علي عليه السلام من يوم هاجر رسول الله
(2/4)
________________________________________
صلى الله عليه و سلم وترك أرض الشرك ففعله عمر رضي الله عنه قال أبو جعفر وهذا الذي رواه علي بن مجاهد عمن رواه عنه في تأريخ بني إسماعيل غير بعيد من الحق وذلك أه لم يكونوا يؤرخون على أمر معروف يعمل به عامتهم وإنما كان المؤرخ منهم يؤرخ بزمان قحمة كانت في ناحية من نواحي بلادهم ولزبة أصابتهم أو بالعامل كان يكون عليهم أو الأمر الحادث فيهم ينتشر خبره عندهم يدل على ذلك اختلاف شعرائهم في تأريخاتهم ولو كان لهم تأريخ على أمر معروف وأصل معمول عليه لم يختلف ذلك منهم ومن ذلك قول الربيع بن ضبع الفزاري ... هأنذا آمل الخلود وقد أدرك عقلي ومولدي حجرا ... أبا امرئ القيس هل سمعت به ... هيهات هيهات طال ذا عمرا ... فاخ عمره بحجر ابن عمرو أبي امريء القيس
وقال نابغة بني جعدة ... فمن يك سائلا عني فإني ... من الشبان أزمان الخنان ... فجعل النابغة تأريخه ما أرخ بزمان علة كانت فيهم عامة وقال آخر ... وما هي إلا في إزار وعلقة ... مغار ابن همام على حي خثعما ... فكل واحد من هؤلاء الذين ذكرت تأريخهم في هذه الأبيات أرخ على قرب زمان بعضهم من بعض وقرب وقت ما أرخ به من وقت الآخر بغير المعنى الذي أرخ به الآخر ولو كان لهم تأريخ معروف كما للمسلمين اليوم ولسائر الأمم غيرها كانوا إن شاء الله لا يتعدونه ولكن الأمر في ذلك كان عندهم إن شاء الله على ما ذكرت فأما قريش من بين العرب فإن آخر ما حصلت من تأريخها قبل هجرة النبي صلى الله عليه و سلم من مكة إلى المدينة على التأريخ بعام الفيل وذلك عام ولد رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان بين عام الفيل والفجار عشرون سنة وبين الفجار وبناء الكعبة خمس عشرة سنة وبين بناء الكعبة ومبعث النبي صلى الله عليه و سلم خمس سنين
قال أبو جعفر وبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو ابن أربعين سنة وقرن بنبوته كما قال الشعبي ثلاث سنين إسرافيل وذلك قبل أن يؤمر بالدعاء وإظهاره على ما قدمنا الرواية والإخبار به ثم قرن بنبوته جبريل عليه السلام بعد السنين الثلاث وأمره بإظهار الدعوة إلى الله فأظهرها ودعا إلى الله مقيما بمكة عشر سنين ثم هاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأول من سنة أربع عشرة من حين استنبئ وكان خروجه من مكة إليها يوم الاثنين وقدومه المدينة يوم الاثنين لمضي اثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الأول
حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري قال حدثنا موسى بن داود عن ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن حنش الصنعاني عن ابن عباس قال ولد النبي صلى الله عليه و سلم يوم الاثنين واستنبئ يوم الاثنين ورفع الحجر يوم الاثنين وخرج مهاجرا من مكة إلىالمدينة يوم الاثنين وقدم المدينة يوم الاثنين وقبض يوم الاثنين
(2/5)

بنالعياط
31-10-2012, 08:36 AM
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن الزهري قال قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول
قال أبو جعفر فإذا كان الأمر في تأريخ المسلمين كالذي وصفت فإنه وإن كان من الهجرة فإن ابتداءهم إياه قبل مقدم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة بشهرين وأيام هي اثنا عشر وذلك أن أول السنة المحرم وكان قدوم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة بعد مضي ما ذكرت من السنة ولم يؤرخ التاريخ من وقت قدومه بل من أول تلك السنة
(2/6)

بنالعياط
31-10-2012, 06:59 PM
ذكر ما كان من الأمور المذكورة في أول سنة من الهجرة
قال أبو جعفر قد مضى ذكرنا وقت مقدم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة وموضعه الذي نزل فيه حين قدمها وعلى من كان نزوله وقدر مكثه في الموضع الذي نزله وخبر ارتحاله عنه ونذكر الآن مالم نذكر قبل مما كان من الأمور المذكورة في بقية سنة قدومه وهي السنة الأول من الهجرة فمن ذلك تجميعه صلى الله عليه و سلم بأصحابه الجمعة في اليوم الذي ارتحل فيه من قباء وذلك أن ارتحاله عنها كان يوم الجمعة عامدا المدينة فأدركته الصلاة صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف ببطن واد لهم قد اتخذ اليوم في ذلك الموضع مسجدا فيما بلغني وكانت هذه الجمعة أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه و سلم في الإسلام فخطب في هذه الجمعة وهي أول خطبة خطبها بالمدينة فيما قيل
خطبة رسول الله صلى الله عليه و سلم في أول جمعة جمعها بالمدينة
حدثني يونس بن عبدالأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال حدثني سعيد بن عبدالرحمن الجمحي أنه بلغه عن خطبة رسول الله صلى الله عليه و سلم في أول جمعة صلاها بالمدينة في بني سالم بن عوف الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأؤمن به ولا أكفره وأعادي من يكفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل وقلة من العلم وضلالة من الناس وانقطاع من الزمان ودنو من الساعة وقرب من الأجل من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا وأوصيكم بتقوى الله فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة وأن يأمره بتقوى الله فاحذروا ما حذركم الله من نفسه ولا أفضل من ذلك نصيحة ولا أفضل من ذلك ذكرا وإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره وذخرا فيما بعدالموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد والذي صدق قوله وأنجز وعده لا خلف لذلك فإنه يقول عز و جل ما يبدل القول لدي
(2/7)
________________________________________
وما أنا بظلام للعبيد ( 1 ) فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما وإن تقوى الله يوقي مقته ويوقي عقوبته ويوقي سخطه وإن تقوى الله يبيض الوجوه ويرضي الرب ويرفع الدرجة خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله قد علمكم الله كتابه ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين فأحسنوا كما أحسن الله إليكم وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ولا قوة إلا بالله فأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد اليوم فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه ويملك من الناس ولا يملكون منه الله أكبر ولا قوة إلا بالله العظيم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ركب ناقته وأرخى لها الزمام فجعلت لا تمر بدار من دور الأنصار إلا دعاه أهلها إلى النزول عندهم وقالوا له هلم يا رسول الله إلى العدد والعدة والمنعة فيقول لهم صلى الله عليه و سلم خلوا زمامها فإنها مأمورة حتى انتهى إلى موضع مسجده اليوم فبركت على باب مسجده وهو يومئذ مربد لغلامين يتيمين من بني النجار في حجر معاذ بن عفراء يقال لأحدهما سهل وللآخر سهيل ابنا عمرو بن عباد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار فلما بركت لم ينزل عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله صلى الله عليه و سلم واضع لها زمامها لا يثنيها به ثم التفتت خلفها ثم رجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه ووضعت جرانها ونزل عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم فاحتمل أبو أيوب رحله فوضعه في بيته فدعته الأنصار إلى النزول عليهم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم المرء مع رحله فنزل على أبي أيوب خالد بن زيد بن كليب في بني غنم بن النجار
قال أبو جعفر وسأل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن المربد لمن هو فأخبره معاذ بن عفراء وقال هو ليتيمين لي سأرضيهما فأمر به رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يبني مسجدا ونزل على أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه وقيل إن رسول الله صلى الله عليه و سلم اشترى موضع مسجده ثم بناه والصحيح عندنا في ذلك ما حدثنا مجاهد بن موسى قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا حماد بن سلمة عن أبي التياح عن أنس بن مالك قال كان موضع مسجد النبي صلى الله عليه و سلم لبني النجار وكان فيه نخل وحرث وقبور من قبور الجاهلية فقال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ثامنوني به فقالوا لا نبتغي به ثمنا إلا ما عند الله فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بالنخل فقطع وبالحرث فأفسد وبالقبور فنبشت وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل ذلك يصلي في مرابض الغنم وحيث أدركته الصلاة
قال أبو جعفر وتولى بناء مسجده صلى الله عليه و سلم هو بنفسه وأصحابه من المهاجرين والأنصار وفي هذه السنة بني مسجد قباء وكان أول من توفي بعد مقدمه المدينة من المسلمين فيما ذكر صاحب منزله كلثوم بن الهدم لم يلبث
(2/8)
________________________________________
بعد مقدمه إلا يسيرا حتى مات ثم توفي بعده أسعد بن زرارة في سنة مقدمه أبو أمامة وكانت وفاته قبل أن يفرغ رسول الله صلى الله عليه و سلم من بناء مسجده بالذبحة والشهقة فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق حدثني عبدالله بن أبي بكر عن يحيى بن عبدالله بن عبدالرحمن أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال بئس الميت أبو أمامة ليهود ومنافقي العرب يقولون لو كان محمد نبيا لم يمت صاحبه ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئا
وقد حدثنا محمد بن عبدالأعلى قال حدثنا يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم كوى أسعد بن زرارة من الشوكة
قال ابن حميد قال سلمة عن ابن إسحاق قال حدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري أنه لما مات أبو أمامة أسعد بن زرارة اجتمعت بنو النجار إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان أبو أمامة نقيبهم فقالوا يا رسول الله إن هذا الرجل قد كان منا حيث قد علمت فاجعل منا رجلا مكانه يقيم من أمرنا ما كان يقيمه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم أنتم أخوالي وأنا منكم وأنا نقيبكم قال وكره رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يخص بها بعضهم دون بعض فكان من فضل بني النجار الذي تعد على قومهم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان نقيبهم وفي هذه السنة مات أبو أحيحة بماله بالطائف ومات الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل السهمي فيها بمكة وفيها بنى رسول الله صلى الله عليه و سلم بعائشة بعد مقدمه المدينة بثمانية أشهر في ذي القعدة في قول بعضهم وفي قول بعض بعد مقدمه المدينة بسبعة أشهر في شوال وكان تزوجها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين بعد وفاة خديجة وهي ابنة ست سنين وقد قيل تزوجها وهي ابنة سبع
حدثنا عبدالحميد بن بيان السكري قال أخبرنا محمد بن يزيد عن إسماعيل يعني ابن أبي خالد عن عبدالرحمن بن أبي الضحاك عن رجل من قريش عن عبدالرحمن بن محمد أن عبدالله بن صفوان وآخر معه أتيا عائشة فقالت عائشة يا فلان أسمعت حديث حفصة قال لها نعم يا أم المؤمنين قال لها عبدالله بن صفوان وما ذاك قالت خلال في تسع لم تكن في أحد من النساء إلا ما آتى الله مريم بنت عمران والله ما أقول هذا فخرا على أحد من صواحبي قال لها وما هن قالت نزل الملك بصورتي وتزوجني رسول الله صلى الله عليه و سلم لسبع سنين وأهديت إليه لتسع سنين وتزوجني بكرا لم يشركه في أحد من الناس وكان يأتيه الوحي وأنا وهو في لحاف واحد وكنت من أحب الناس إليه ونزل في آية من القرآن كادت الأمة أن تهلك ورأيت جبريل ولم يره أحد من نسائه غيري وقبض في بيتي لم يله أحد غير الملك وأنا
قال أبو جعفر وتزوجها رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما قيل في شوال وبنى بها حين بنى بها في شوال ذكر الرواية بذلك
(2/9

moh_aaa
31-10-2012, 08:16 PM
:5: :5: :5: :5: :5: :5: :5: :5: :5:
:5::5:

بنالعياط
31-10-2012, 10:21 PM
:5: :5: :5: :5: :5: :5: :5: :5: :5:
:5::5:

أهلا بك في مكتبة الشيخ الطبري

بنالعياط
31-10-2012, 10:45 PM
حدثنا ابن بشار قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا سفيان عن إسماعيل بن أمية عن عبدالله بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت تزوجني رسول الله صلى الله عليه و سلم في شوال وبنى بي في شوال وكانت عائشة تستحب أن يبنى بالنساء في شوال
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي عن سفيان عن إسماعيل بن أمية عن عبدالله بن عروة عن عروة عن عائشة قالت تزوجني رسول الله صلى الله عليه و سلم في شوال وبنى بي في شوال فأي نساء رسول الله كانت أحظى عنده مني وكانت عائشة تستحب أن يدخل بالنساء في شوال
قال أبو جعفر وقيل إن رسول الله صلى الله عليه و سلم بنى بها في شوال يوم الأربعاء في منزل أبي بكر السنح وفي هذه السنة بعث النبي صلى الله عليه و سلم إلى بناته وزوجته سودة بنت زمعة زيد بن حارثة وأبا رافع فحملاهن من مكة إلى المدينة ولما رجع فيما ذكر عبدالله بن أريقط إلى مكة أخبر عبدالله بن أبي بكر بمكان أبيه أبي بكر فخرج عبدالله بعيال أبيه إليه وصحبهم طلحة بن عبيدالله معهم أم رومان وهي أم عائشة وعبدالله بن أبي بكر حتى قدموا المدينة وفي هذه السنة زيد في صلاة الحضر فيما قيل ركعتان وكانت صلاة الحضر والسفر ركعتين وذلك بعد مقدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة بشهر في ربيع الآخر لمضي اثنتي عشرة ليلة منه زعم الواقدي أنه لا خلاف بين أهل الحجاز فيه وفيها في قول بعضهم ولد عبدالله بن الزبير وفي قول الواقدي ولد في السنة الثانية من مقدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة في شوال
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال قال محمد بن عمر الواقدي ولد ابن الزبير بعد الهجرة بعشرين شهرا بالمدينة قال أبو جعفر وكان أول مولود ولد من المهاجرين في دار الهجرة فكبر فيما ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم حين ولد وذلك أن المسلمين كانوا قد تحدثوا أن اليهود يذكرون أنهم قد سحروهم فلا يولد لهم فكان تكبيرهم ذلك سرورا منهم بتكذيب الله اليهود فيما قالوا من ذلك وقيل إن أسماء بنت أبي بكر هاجرت إلى المدينة وهي حامل به وقيل أيضا إن النعمان بن بشير ولد في هذه السنة وإنه أول مولود ولد للأنصار بعد هجرة النبي صلى الله عليه و سلم إليهم وأنكر ذلك الواقدي أيضا
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا الواقدي قال حدثنا محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة عن أبيه عن جده قال كان أول مولود من الأنصار النعمان بن بشير ولد بعد الهجرة بأربعة عشر شهرا فتوفي رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو ابن ثماني سنين أو أكثر قليلا قال وولد النعمان قبل بدر بثلاثة أشهر أو أربعة
(2/10)
________________________________________
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا مصعب بن ثابت عن أبي الأسود قال ذكر النعمان بن بشير عند ابن الزبير فقال هوأسن مني بستة أشهر قال أبو الأسود ولد ابن الزبير على رأس عشرين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه و سلم وولد النعمان على رأس أربعة عشر شهرا في ربيع الآخر
قال أبو جعفر وقيل إن المختار بن أبي عبيد الثقفي وزياد بن سمية فيها ولدا قال وزعم الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم عقد في هذه السنة في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجره لحمزة بن عبدالمطلب لواء أبيض في ثلاثين رجلا من المهاجرين ليعترض لعيرات قريش وأن حمزة لقي أبا جهل [ بن هشام ] في ثلاثمائة رجل فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني فافترقوا ولم يكن بينهم قتال وكان الذي يحمل لواء حمزة أبو مرثد وأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قعد أيضا في هذه السنة على رأس ثمانية أشهر من مهاجره في شوال لعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف لواء أبيض وأمره بالمسير إلى بطن رابغ وأن لواءه كان مع مسطح بن أثاثة فبلغ ثنية المرة وهي بناحية الجحفة في ستين من المهاجرين ليس فيهم أنصاري وأنهم التقوا هم والمشركون على ماء يقال له أحياء فكان بينهم الرمي دون المسايفة قال وقد اختلفوا في أمير السرية فقال بعضهم كان أبو سفيان بن حرب وقال بعضهم كان مكرز بن حفص
قال الواقدي ورأيت الثبت على أبي سفيان بن حرب وكان في مائتين من المشركين قال وفيها عقد رسول الله صلى الله عليه و سلم لسعد بن أبي وقاص إلى الخرار لواء أبيض يحمله المقداد بن عمرو في ذي القعدة وقال حدثني أبو بكر بن إسماعيل عن أبيه عن عامر بن سعد عن أبيه قال خرجت في عشرين رجلا على أقدامنا أو قال واحد وعشرين رجلا فكنا نكمن النهار ونسير الليل حتى صبحنا الخرار صبح خامسة وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد عهد إلي ألا أجاوز الخرار وكانت العير قد سبقتني قبل ذلك بيوم وكانوا ستين وكان من مع سعد كلهم من المهاجرين
قال أبو جعفر وقال ابن إسحاق في أمر كل هذه السرايا التي ذكرت عن الواقدي قوله فيها غير ما قاله الواقدي وأن ذلك كله كان في السنة الثانية من وقت التاريخ
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل قال حدثني محمد بن إسحاق قال قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة في شهر ربيع الأول لاثنتي عشرة ليلة مضت منه فأقام بها ما بقي من شهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر وجماديين ورجب وشعبان ورمضان وشوالا وذا القعدة وذا الحجة وولى تلك الحجة المشركون والمحرم وخرج في صفر غازيا على رأس اثني عشر شهرا من مقدمه المدينة لثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول حتى بلغ ودان يريد قريشا وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وهي غزوة الأبواء فوادعته فيها بنو ضمرة وكان الذي وادعه منهم عليهم سيدهم كان في زمانه ذلك مخشي بن عمرو رجل منهم
(2/11)
________________________________________
قال ثم رجع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة ولم يلق كيدا فأقام بها بقية صفر وصدرا من شهر ربيع الأول وبعث في مقامه ذلك عبيدة بن الحارث بن المطلب في ثمانين أو ستين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد حتى بلغ أحياء ( ماء بالحجاز بأسفل ثنية المرة ) فلقي بها جمعا عظيما من قريش فلم يكن بينهم قتال إلا أن سعد بن أبي وقاص قد رمى يومئذ بسهم فكان أول سهم رمي به في الإسلام ثم انصرف القوم عن القوم وللمسلمين حامية وفر من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهراني حليف بني زهرة وعتبة بن غزوان بن جابر حليف بني نوفل بن عبد مناف وكانا مسلمين ولكنهما خرجا يتوصلان بالكفار إلى المسلمين وكان على ذلك الجمع عكرمة بن أبي جهل قال محمد فكانت راية عبيدة فيما بلغني أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه و سلم في الإسلام لأحد من المسلمين
وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال وبعض العلماء يزعم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان بعثه حين أقبل من غزوة الأبواء قبل أن يصل إلى المدينة قال وبعث حمزة بن عبدالمطلب في مقامه ذلك إلى سيف البحر من ناحية العيص في ثلاثين راكبا من المهاجرين وهي من أرض جهينة ليس فيهم من الأنصار أحد فلقي أبا جهل بن هشام بذلك الساحل في ثلاثمائة راكب من أهل مكة فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني وكان موادعا للفريقين جميعا فانصرف القوم بعضهم عن بعض ولم يكن بينهم قتال قال وبعض القوم يقول كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه و سلم لأحد من المسلمين وذلك أن بعثه وبعث عبيدة بن الحارث كانا معا فشبه ذلك على الناس قال والذي سمعنا من أهل العلم عندنا أن راية عبيدة بن الحارث كانت أول راية عقدت في الإسلام قال ثم غزا رسول الله صلى الله عليه و سلم في شهر ربيع الآخر يريد قريشا حتى إذا بلغ بواط من ناحية رضوي رجع ولم يلق كيدا فلبث بقية شهر ربيع الآخر وبعض جمادى الأولى ثم غزا يريد قريشا فسلك على نقب بني دينار بن النجار ثم على فيفاء الخبار فنزل تحت شجرة ببطحاء بن أزهر يقال لها ذات الساق فصلى عندها فثم مسجده وصنع له عندها طعام فأكل منه وأكل الناس معه فموضع أثافي البرمة معلوم هنالك واستقي له من ماء به يقال له المشيرب ثم ارتحل فترك الخلائق بيسار وسلك شعبة يقال لها شعبة عبدالله وذلك اسمها اليوم ثم صب ليسار حتى هبط بليل فنزل بمجتمعه ومجتمع الضبوعة واستقي له من بئر بالضبوعة ثم سلك الفرش فرش ملل حتى لقي الطريق بصخيرات اليمام ثم اعتدل به الطريق حتى نزل العشيرة من بطن ينبع فأقام بها بقية جمادى الأولى وليالي من جمادى الآخرة ووادع فيها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا وفي تلك الغزوة قال لعلي بن أبي طالب عليه السلام ما قال
(2/12)
________________________________________
قال فلم يقم رسول الله صلى الله عليه و سلم حين قدم من غزوة العشيرة بالمدينة إلا ليالي قلائل لا تبلغ العشر حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في طلبه حتى بلغ واديا يقال له سفوان من ناحية بدر وفاته كرز فلم يدركه وهي غزوة بدر الأولى ثم رجع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة فأقام بها بقية جمادى الآخرة ورجب وشعبان وقد كان بعث فيما بين ذلك سعد بن أبي وقاص في ثمانية رهط وزعم الواقدي أن في هذه السنة أعني السنة الأولى من الهجرة جاء أبو قيس بن الأسلت رسول الله صلى الله عليه و سلم فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم الإسلام فقال ما أحسن ما تدعو إليه أنظر في أمري ثم أعود إليك فلقيه عبدالله بن أبي فقال له كرهت والله حرب الخزرج فقال أبو قيس لا أسلم سنة فمات في ذي القعدة
(2/13)

بنت أبيها
31-10-2012, 10:47 PM
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن الزهري قال قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول
قال أبو جعفر فإذا كان الأمر في تأريخ المسلمين كالذي وصفت فإنه وإن كان من الهجرة فإن ابتداءهم إياه قبل مقدم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة بشهرين وأيام هي اثنا عشر وذلك أن أول السنة المحرم وكان قدوم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة بعد مضي ما ذكرت من السنة ولم يؤرخ التاريخ من وقت قدومه بل من أول تلك السنة


سبحان الله،، وكأنها غُيبَت عن أذهاننا ،، اللهم صل و سلم على سيدنا و حبيبنا محمد خير البرية أفضل صلاة وأتم تسليم.

قال ابن كثير – رحمه الله - :
وقيل : لاثنتى عشرة خلت منه ، نصَّ عليه ابن إسحاق ، ورواه ابن أبى شيبة في " مصنفه " عن عفان عن سعيد بن ميناء عن جابر وابن عباس أنهما قالا : "ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول ، وفيه بعث ، وفيه عرج به إلى السماء ، وفيه هاجر ، وفيه مات ."
وهذا هو المشهور عند الجمهور ، والله أعلم .
" السيرة النبوية " ( 1 / 199 ) .

بنالعياط
31-10-2012, 10:51 PM
ثم كانت السنة الثانية من الهجرة
فغزا رسول الله صلى الله عليه و سلم في قول جميع أهل السير فيها في ربيع الأول بنفسه غزوة الأبواء ويقال ودان وبينهما ستة أميال هي بحذائها واستخلف رسول الله صلى الله عليه و سلم على المدينة حين خرج إليها سعد بن عبادة بن دليم وكان صاحب لوائه في هذه الغزاة حمزة بن عبدالمطلب وكان لواءه فيما ذكر أبيض وقال الواقدي كان مقامه بها خمس عشرة ليلة ثم قدم المدينة
قال الواقدي ثم غزا رسول الله صلى الله عليه و سلم في مائتين من أصحابه حتى بلغ بواط في شهر ربيع الأول يعترض لعيرات قريش وفيها أمية بن خلف ومائة رجل من قريش وألفان وخمسمائة بعير ثم رجع ولم يلق كيدا وكان يحمل لواءه سعد بن أبي وقاص واستخلف على المدينة سعد بن معاذ في غزوته هذه قال ثم غزا في ربيع الأول في طلب كرزين بن جابر الفهري في المهاجرين وكان قد أغار على سرح المدينة وكان يرعى بالجماء فاستاقه فطلبه رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى بلغ بدرا فلم يلحقه وكان يحمل لواءه علي بن أبي طالب عليه السلام واستخلف على المدينة زيد بن حارثة قال وفيها خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم يعترض لعيرات قريش حين أبدأت إلى الشأم في المهاجرين وهي غزوة ذات العشيرة حتى بلغ ينبع واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبدالأسد وكان يحمل لواءه حمزة بن عبدالمطلب فحدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي قال حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن يزيد بن خثيم عن محمد بن كعب القرظي قال حدثنا أبوك يزيد بن خثيم عن عمار بن ياسر قال كنت أنا وعلي رفيقين مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة العشيرة فنزلنا منزلا فرأينا رجالا من بني مدلج يعملون في نخل لهم فقلت لو انطلقنا فنظرنا إليهم كيف يعملون فانطلقنا فنظرنا إليهم ساعة ثم غشينا النعاس فعمدنا إلى صور من النخل فنمنا تحته في دقعاء من التراب فما أيقظنا إلا رسول الله صلى الله عليه و سلم أتانا وقد تتربنا في ذلك التراب فحرك عليا برجله فقال قم يا أبا تراب ألا أخبرك بأشقى الناس أحمر ثمود عاقر الناقة والذي يضربك يا علي على هذا يعني قرنه فيخضب هذه منها وأخذ بلحيته
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني يزيد بن
(2/14)
________________________________________
محمد بن خثيم المحاربي عن محمد بن كعب القرظي عن محمد بن خثيم وهو أبو يزيد عن عمار بن ياسر قال كنت أنا وعلي رفيقين فذكر نحوه وقد قيل في ذلك غير هذا القول وذلك ما حدثني به محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا عبدالعزيز بن أبي حازم عن أبيه قال قيل لسهل بن سعد إن بعض أمراء المدينة يريد أن يبعث إليك تسب عليا عند المنبر قال أقول ماذا قال تقول أبا تراب قال والله ما سماه بذلك إلا رسول الله صلى الله عليه و سلم قال قلت وكيف ذاك يا أبا العباس قال دخل علي على فاطمة ثم خرج من عندها فاضطجع في فيء المسجد قال ثم دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم على فاطمة فقال لها أين ابن عمك فقالت هو ذاك مضطجع في المسجد قال فجاءه رسول الله صلى الله عليه و سلم فوجده قد سقط رداؤه عن ظهره وخلص التراب إلى ظهره فجعل يمسح التراب عن ظهره ويقول اجلس أبا تراب فوالله ما سماه به إلا رسول الله صلى الله عليه و سلم ووالله ما كان له اسم أحب إليه منه
قال أبو جعفر وفي هذه السنة في صفر لليال بقين منه تزوج علي بن أبي طالب عليه السلام فاطمة رضي الله عنها حدثت بذلك عن محمد بن عمر قال حدثنا أبو بكر بن عبدالله بن أبي سبرة عن إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة عن أبي جعفر قال أبو جعفر الطبري ولما رجع رسول الله صلى الله عليه و سلم من طلب كرز بن جابر الفهري إلى المدينة وذلك في جمادى الآخرة بعث في رجب عبدالله بن جحش معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد فيا حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني الزهري ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير بذلك وأما الواقدي فإنه زعم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث عبدالله بن جحش سرية في اثني عشر رجلا من المهاجرين رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق عن الزهري ويزيد بن رومان عن عروة قال وكتب رسول الله صلى الله عليه و سلم له كتابا يعني لعبدالله بن جحش وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي له أمره به ولا يستكره أحدا من أصحابه فلما سار عبدالله بن جحش يومين فتح الكتاب ونظر فيه فإذا فيه وإذا نظرت في كتابي هذا فسر حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم فلما نظر عبدالله في الكتاب قال سمع وطاعة ثم قال لأصحابه قد أمرني رسول الله صلى الله عليه و سلم أن أمضي إلى نخلة فأرصد بها قريشا حتى آتيه منهم بخبر وقد نهاني أن أستكره أحدا منكم فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ومن كره ذلك فليرجع فأما أنا فماض لأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فمضى ومضى معه أصحابه فلم يتخلف عنه منهم أحد وسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له بحران أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا عليه في طلبه ومضى عبدالله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش فيها منهم عمرو بن الحضرمي وعثمان بن عبدالله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبدالله بن المغيرة المخزوميان والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة فلما رآهم القوم هابوهم وقد
(2/15)
________________________________________
نزلوا قريبا منهم فأشرف لهم عكاشة بن محصن وقد كان حلق رأسه فلما رأوه أمنوا وقالوا عمار لا بأس عليكم منهم وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب فقال القوم والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن به منكم ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام فتردد القوم وهابوا الإقدام عليهم ثم تشجعوا عليهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم فرمى واقد بن عبدالله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله واستأسر عثمان بن عبدالله والحكم بن كيسان وأفلت نوفل بن عبدالله فأعجزهم وأقبل عبدالله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة قال وقد ذكر بعض آل عبدالله بن جحش أن عبدالله بن جحش قال لأصحابه إن لرسول الله صلى الله عليه و سلم مما غنمتم الخمس وذلك قبل أن يفرض الله من الغنائم الخمس فعزل لرسول الله صلى الله عليه و سلم خمس الغنيمة وقسم سائرها بين أصحابه فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام فوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم سقط في أيدي القوم وظنوا أنهم قد هلكوا وعنفهم المسلمون فيما صنعوا وقالوا لهم صنعتم ما لم تؤمروا به وقاتلتم في الشهر الحرام ولم تؤمروا بقتال وقالت قريش قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام فسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه الأموال وأسروا فيه الرجال فقال من يرد ذلك عليهم من المسلمين ممن كان بمكة إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان وقالت يهود تفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه و سلم عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبدالله عمرو عمرت الحرب و الحضرمي حضرت الحرب و واقد بن عبدالله وقدت الحرب فجعل الله عز و جل ذلك عليهم لا لهم فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله عز و جل على رسوله صلى الله عليه و سلم يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ( 1 ) الآية فلما نزل القرآن بهذا من الأمر وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم العير والأسيرين وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبدالله والحكم بن كيسان فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان فإنا نخشاكم عليهما فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم فقدم سعد وعتبة ففاداهما رسول الله صلى الله عليه و سلم منهم فأما الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه وأقام عند رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا
قال أبو جعفر وخالف في بعض هذه القصة محمد بن إسحاق والواقدي جميعا السدي حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث سرية وكانوا سبعة نفر عليهم عبدالله بن جحش الأسدي وفيهم عمار بن ياسر وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل وسهيل بن بيضاء وعامر بن فهيرة وواقد بن عبدالله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب وكتب مع ابن جحش كتابا وأمره ألا يقرأه حتى ينزل بطن
(2/16)
________________________________________
ملل فلما نزل بطن ملل فتح الكتاب فإذا فيه أن سر حتى تنزل بطن نخلة فقال لأصحابه من كان يريد الموت فليمض وليوص فإني موص وماض لأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فسار وتخلف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان أضلا راحلة لهما فأتيا بحران يطلبانها وسار ابن جحش إلى بطن نخلة فإذا هو بالحكم بن كيسان وعبدالله بن المغيرة والمغيرة بن عثمان وعمرو بن الحضرمي فاقتتلوا فأسروا الحكم بن كيسان وعبدالله بن المغيرة وانفلت المغيرة وقتل عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبدالله فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما أصابوا من الأموال أراد أهل مكة أن يفادوا الأسيرين فقال النبي صلى الله عليه و سلم حتى ننظر ما فعل صاحبانا فلما رجع سعد وصاحبه فادى بالأسيرين ففجر عليه المشركون وقالوا محمد يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب فقال المسلمون إنما قتلناه في جمادى وقيل في أول ليلة من رجب وآخر ليلة من جمادى وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل رجب فأنزل الله عز و جل يعير أهل مكة يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير الآية
قال أبو جعفر وقد قيل إن النبي صلى الله عليه و سلم كان انتدب لهذا المسير أبا عبيدة بن الجراح ثم بدا له فيه فندب له عبدالله بن جحش ذكر الخبر بذلك
حدثنا محمد بن عبدالأعلى حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه أنه حدثه رجل عن أبي السوار يحدثه عن جندب بن عبدالله عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه بعث رهطا فبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح فلما أخذ لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فبعث رجلا مكانه يقال له عبدالله بن جحش وكتب له كتابا وأمره ألا يقرأ الكتاب حتى يبلغ كذا وكذا ولا تكرهن أحدا من أصحابك على السير معك فلما قرأ الكتاب استرجع ثم قال سمعا وطاعة لأمر الله ورسوله فخبرهم بالخبر وقرأ عليهم الكتاب فرجع رجلان ومضى بقيتهم فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه ولم يدروا ذلك اليوم من رجب أو من جمادى فقال المشركون للمسلمين فعلتم كذا وكذا في الشهر الحرام فأتوا النبي صلى الله عليه و سلم فحدثوه الحديث فأنزل الله عز و جل يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه إلى قوله والفتنة أكبر من القتل الفتنة هي الشرك وقال بعض الذين أظنه قال كانوا في السرية والله ما قتله إلا واحد فقال إن يكن خيرا فقد وليت وإن يكن ذنبا فقد عملت

بنالعياط
01-11-2012, 09:01 PM
ذكر بقية ما كان في السنة الثانية من سني الهجرة
ومن ذلك ما كان من صرف الله عز و جل قبلة المسلمين من الشأم إلى الكعبة وذلك في السنة الثانية من مقدم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة في شعبان
(2/17)
________________________________________
واختلف السلف من العلماء في الوقت الذي صرفت فيه من هذه السنة فقال بعضهم وهم الجمهور الأعظم صرفت في النصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة ذكر من قال ذلك
حدثنا موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم كان الناس يصلون قبل بيت المقدس فلما قدم النبي صلى الله عليه و سلم المدينة على رأس ثمانية عشر شهرا من مهاجره كان إذا صلى رفع رأسه إلى السماء ينظر ما يؤمر وكان يصلي قبل بيت المقدس فنسختها الكعبة وكان النبي صلى الله عليه و سلم يحب أن يصلي قبل الكعبة فأنزل الله عز و جل قد نرى تقلب وجهك في السماء ( 1 ) الآية
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال صرفت القبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة
وحدثت عن ابن سعد عن الواقدي مثل ذلك وقال صرفت القبلة في الظهر يوم الثلاثاء للنصف من شعبان
قال أبو جعفر وقال آخرون إنما صرفت القبلة إلى الكعبة لستة عشر شهرا مضت من سني الهجرة ذكر من قال ذلك
حدثنا المثنى بن إبراهيم الآملي قال حدثنا الحجاج قال حدثنا همام بن يحيى قال سمعت قتادة قال كانوا يصلون نحو بيت المقدس ورسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة قبل الهجرة وبعدما هاجر رسول الله صلى الله عليه و سلم نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم وجه بعد ذلك نحو الكعبة البيت الحرام
حدثني يونس بن عبدالأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال سمعت ابن زيد يقول استقبل النبي صلى الله عليه و سلم بيت المقدس ستة عشر شهرا فبلغه أن يهود تقول والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم فكره ذلك النبي صلى الله عليه و سلم ورفع وجهه إلى السماء فقال الله عز و جل قد نرى تقلب وجهك في السماء ( 1 ) الآية
قال أبو جعفر وفي هذه السنة فرض فيما ذكر صوم رمضان وقيل إنه فرض في شعبان منها وكان النبي صلى الله عليه و سلم حين قدم المدينة رأيى يهود تصوم يوم عاشوراء فسألهم فأخبروه أنه اليوم الذي غرق الله فيه آل فرعون ونجى موسى ومن معه منهم فقال نحن أحق بموسى منهم فصام وأمر الناس بصومه فلما فرض صوم شهر رمضان لم يأمرهم بصوم يوم عاشوراء ولم ينههم عنه وفيها أمر الناس بإخراج زكاة الفطر وقيل إن النبي صلى الله عليه و سلم خطب الناس قبل يوم الفطر بيوم أو يومين وأمرهم بذلك
(2/18)
________________________________________
وفيها خرج إلى المصلى فصلى بهم صلاة العيد وكان ذلك أول خرجة خرجها بالناس إلى المصلى لصلاة العيد وفيها فيما ذكر حملت العنزة له إلى المصلى فصلى إليها وكانت للزبير بن العوام كان النجاشي وهبها له فكانت تحمل بين يديه في الأعياد وهي اليوم فيما بلغني عند المؤذنين بالمدينة وفيها كانت وقعة بدر الكبرى بين رسول الله صلى الله عليه و سلم والكفار من قريش وذلك في شهر رمضان منها ثم اختلفوا في اليوم الذي فيه كانت الحرب بينه وبينهم فقال بعضهم كانت وقعة بدر يوم تسعة عشر من شهر رمضان ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا هارون بن المغيرة عن عنبسة عن أبي إسحاق عن عبدالرحمن بن الأسود عن أبيه عن ابن مسعود قال التمسوا ليلة القدر في تسع عشرة ليلة من رمضان فإنها ليلة بدر
حدثنا محمد بن عمارة الأسدي قال حدثنا عبيدالله بن موسى قال أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن حجير الثعلبي عن الأسود عن عبدالله قال التمسوا ليلة القدر في تسع عشرة من رمضان فإن صبيحتها كانت صبيحة بدر
حدثنا أبو كريب قال حدثنا عبيد بن محمد المحاربي قال حدثنا ابن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن زيد أنه كان لا يحيي ليلة من شهر رمضان كما يحيى ليلة تسع عشرة وثلاث وعشرين ويصبح وجهه مصفرا من أثر السهر فقيل له فقال إن الله عز و جل فرق في صبيحتها بين الحق والباطل وقال آخرون كانت يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة قال سمعت أبا إسحاق يحدث عن حجير عن الأسود وعلقمة أن عبدالله بن مسعود قال التمسوها في سبع عشرة وتلا هذه الآية يوم التقى الجمعان ( 1 ) يوم بدر ثم قال أو تسع عشرة أو إحدى وعشرين
حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا الثوري عن الزبير بن عدي عن إبراهيم عن الأسود عن عبدالله قال كانت بدر صبيحة تسع عشرة من رمضان
حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثنا الثوري عن أبي إسحاق عن الأسود عن عبدالله مثله قال الحارث قال ابن سعد قال الواقدي فذكرت ذلك لمحمد بن صالح فقال هذا أعجب
(2/19)
________________________________________
الأشياء ما ظننت أن أحدا من أهل الدنيا شك في هذا إنها صبيحة سبع عشرة من رمضان يوم الجمعة قال محمد بن صالح وسمعت عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان يقولان ذلك قال لي محمد بن صالح يابن أخي وما تحتاج إلى تسمية الرجال في هذا هذا أبين من ذلك ما يجهل هذا النساء في بيوتهن
قال الواقدي فذكرته لعبدالرحمن بن أبي الزناد فقال أخبرني أبي عن خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت أنه كان يحيي ليلة سبع عشرة من شهر رمضان وإن كان ليصبح وعلى وجهه أثر السهر ويقول فرق الله في صبيحتها بين الحق والباطل وأعز في صبحها الإسلام وأنزل فيها القرآن وأذل فيها أئمة الكفر وكانت وقعة بدر يوم الجمعة حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثني يحيى بن يعقوب أبو طالب عن أبي عون بن عبيدالله الثقفي عن أبي عبدالرحمن السلمي عبدالله بن حبيب قال قال قال الحسن بن علي بن أبي طالب كانت ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان لسبع عشرة من رمضان وكان الذي هاج وقعة بدر وسائر الحروب التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه و سلم وبين مشركي قريش فيما قال عروة بن الزبير ما كان من قتل واقد بن عبدالله التميمي عمرو بن الحضرمي

بنالعياط
01-11-2012, 10:05 PM
وفيها خرج إلى المصلى فصلى بهم صلاة العيد وكان ذلك أول خرجة خرجها بالناس إلى المصلى لصلاة العيد وفيها فيما ذكر حملت العنزة له إلى المصلى فصلى إليها وكانت للزبير بن العوام كان النجاشي وهبها له فكانت تحمل بين يديه في الأعياد وهي اليوم فيما بلغني عند المؤذنين بالمدينة وفيها كانت وقعة بدر الكبرى بين رسول الله صلى الله عليه و سلم والكفار من قريش وذلك في شهر رمضان منها ثم اختلفوا في اليوم الذي فيه كانت الحرب بينه وبينهم فقال بعضهم كانت وقعة بدر يوم تسعة عشر من شهر رمضان ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا هارون بن المغيرة عن عنبسة عن أبي إسحاق عن عبدالرحمن بن الأسود عن أبيه عن ابن مسعود قال التمسوا ليلة القدر في تسع عشرة ليلة من رمضان فإنها ليلة بدر
حدثنا محمد بن عمارة الأسدي قال حدثنا عبيدالله بن موسى قال أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن حجير الثعلبي عن الأسود عن عبدالله قال التمسوا ليلة القدر في تسع عشرة من رمضان فإن صبيحتها كانت صبيحة بدر
حدثنا أبو كريب قال حدثنا عبيد بن محمد المحاربي قال حدثنا ابن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن زيد أنه كان لا يحيي ليلة من شهر رمضان كما يحيى ليلة تسع عشرة وثلاث وعشرين ويصبح وجهه مصفرا من أثر السهر فقيل له فقال إن الله عز و جل فرق في صبيحتها بين الحق والباطل وقال آخرون كانت يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة قال سمعت أبا إسحاق يحدث عن حجير عن الأسود وعلقمة أن عبدالله بن مسعود قال التمسوها في سبع عشرة وتلا هذه الآية يوم التقى الجمعان ( 1 ) يوم بدر ثم قال أو تسع عشرة أو إحدى وعشرين
حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا الثوري عن الزبير بن عدي عن
ذكر وقعة بدر الكبرى
حدثنا علي بن نصر بن علي وعبدالوارث بن عبدالصمد بن عبدالوارث قال علي حدثنا عبدالصمد بن عبدالوارث وقال عبدالوارث حدثني أبي قال حدثنا أبن العطار قال حدثنا هشام بن عروة عن عروة أنه كتب إلى عبدالملك بن مروان أما بعد فإنك كتبت إلي في أبي سفيان ومخرجه تسألني كيف كان شأنه كان من شأنه أن أبا سفيان بن حرب أقبل من الشأم في قريب من سبعين راكبا من قبائل قريش كلها كانوا تجارا بالشأم فأقبلوا جميعا معهم أموالهم وتجارتهم فذكروا لرسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه وقد كانت الحرب بينهم قبل ذلك فقتلت قتلى وقتل ابن الحضرمي في ناس بنخلة وأسرت أسارى من قريش فيهم بعض بني المغيرة وفيهم ابن كيسان مولاهم أصابهم عبدالله بن جحش وواقد حليف بني عدي بن كعب في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثهم مع عبدالله بن جحش وكانت تلك الوقعة هاجت الحرب بين رسول الله صلى الله عليه و سلم وبين قريش وأول ما أصاب به بعضهم بعضا من الحرب وذلك قبل مخرج أبي سفيان وأصحابه إلى الشأم ثم إن أبا سفيان أقبل بعد ذلك ومن معه من ركبان قريش مقبلين من الشأم فسلكوا طريق الساحل فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ندب أصحابه وحدثهم بما معهم من الأموال وبقلة عددهم فخرجوا لا يريدون إلا أبا سفيان والركب معه لا يرونها إلا غنيمة لهم لا يظنون أن يكون كبير قتال إذا لقوهم وهي التي أنزل الله عز و جل فيها وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ( 1 )
(2/20)
________________________________________
فلما سمع أبو سفيان أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم معترضون له بعث إلى قريش إن محمدا وأصحابه معترضون لكم فأجيروا تجارتكم فلما أتى قريشا الخبر وفي عير أبي سفيان من بطون كعب بن لؤي كلها نفر لها أهل مكة وهي نفرة بني كعب بن لؤي ليس فيها من بني عامر أحد إلا من كان من بني مالك بن حسل ولم يسمع بنفرة قريش رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا أصحابه حتى قدم النبي صلى الله عليه و سلم بدرا وكان طريق ركبان قريش من أخذ منهم طريق الساحل إلى الشأم فخفض أبو سفيان عن بدر ولزم طريق الساحل وخاف الرصد على بدر وسار النبي صلى الله عليه و سلم حتى عرس قريبا من بدر وبعث النبي صلى الله عليه و سلم الزبير بن العوام في عصابة من أصحابه إلى ماء بدر وليسوا يحسبون أن قريشا خرجت لهم فبينا النبي صلى الله عليه و سلم قائم يصلي إذ ورد بعض روايا قريش ماء بدر وفيمن ورد من الروايا غلام لبني الحجاج أسود فأخذه النفر الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه و سلم مع الزبير إلى الماء وأفلت بعض أصحاب العبد نحو قريش فأقبلوا به حتى أتوا به رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو في معرسه فسألوه عن أبي سفيان وأصحابه لا يحسبون إلا أنه معهم فطفق العبد يحدثهم عن قريش ومن خرج منها وعن رؤوسهم ويصدقهم الخبر وهم أكره شيء إليهم الخبر الذي يخبرهم وإنما يطلبون حينئذ بالركب أبا سفيان وأصحابه والنبي صلى الله عليه و سلم يصلي يركع ويسجد يرى ويسمع ما يصنع بالعبد فطفقوا إذا ذكر لهم أنها قريش جاءتهم ضربوه وكذبوه وقالوا إنما تكتمنا أبا سفيان وأصحابه فجعل العبد إذا أذلقوه بالضرب وسألوه عن أبي سفيان وأصحابه وليس له بهم علم إنما هو من روايا قريش قال نعم هذا أبو سفيان والركب حينئذ اسفل منهم قال الله عز و جل إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم حتى بلغ أمرا كان مفعولا ( 1 ) فطفقوا إذا قال لهم العبد هذه قريش قد أتتكم ضربوه وإذا قال لهم هذا أبو سفيان تركوه فلما رأى صنيعهم النبي صلى الله عليه و سلم انصرف من صلاته وقد سمع الذي أخبرهم فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال والذي نفسي بيده إنكم لتضربونه إذا صدق وتتركونه إذا كذب قالوا فإنه يحدثنا أن قريشا قد جاءت قال فإنه قد صدق قد خرجت قريش تجير ركابها فدعا الغلام فسأله فأخبره بقريش وقال لا علم لي بأبي سفيان فسأله كم القوم فقال لا أدري والله هم كثير عددهم فزعموا أن النبي صلى الله عليه و سلم قال من أطعمهم أول من أمس فسمى رجلا أطعمهم فقال كم جزائر نحر لهم قال تسع جزائر قال فمن أطعمهم أمس فسمى رجلا فقال كم نحر لهم قال عشر جزائر فزعموا أن النبي صلى الله عليه و سلم قال القوم القوم ما بين التسعمائة إلى الألف فكان نفرة قريش يومئذ خمسين وتسعمائة فانطلق النبي صلى الله عليه و سلم فنزل الماء وملأ الحياض وصف عليها أصحابه حتى قدم عليه القوم فلما ورد رسول الله صلى الله عليه و سلم بدرا قال هذه مصارعهم فوجدوا النبي صلى الله عليه و سلم قد سبقهم إليه ونزل عليه فلما طلعوا عليه زعموا أن النبي صلى الله عليه و سلم قال هذه قريش قد جاءت بجلبتها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم إني أسألك ما وعدتني فلما أقبلوا استقبلهم فحثا في وجوههم التراب فهزمهم الله وكانوا قبل أن يلقاهم النبي صلى الله عليه و سلم قد جاءهم راكب من أبي سفيان والركب الذين معه أن ارجعوا والركب الذين يأمرون قريشا بالرجعة
(2/21)
________________________________________
بالجحفة فقالوا والله لا نرجع حتى ننزل بدرا فنقيم به ثلاث ليال ويرانا من غشينا من أهل الحجاز فإنه لن يرانا أحد من العرب وما جمعنا فيقاتلنا وهم الذين قال الله عز و جل الذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ( 1 ) فالتقوا هم والنبي صلى الله عليه و سلم ففتح الله على رسوله وأخزى أئمة الكفر وشفى صدور المسلمين منهم
حدثني هارون بن إسحاق قال حدثنا مصعب بن المقدام قال حدثنا إسرائيل قال حدثنا أبو إسحاق عن حارثة عن علي عليه السلام قال لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها فاجتويناها وأصابنا بها وعك وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتخبر عن بدر فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا سار رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى بدر وبدر بئر فسبقنا المشركين إليها فوجدنا فيها رجلين منهم رجل من قريش ومولى لعقبة بن أبي معيط فأما القرشي فانفلت وأما مولى عقبة فأخذناه فجعلنا نقول كم القوم فيقول هم والله كثير شديد بأسهم فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه حتى انتهوا به إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال لهم كم القوم فقال هم والله كثير شديد بأسهم فجهد النبي صلى الله عليه و سلم أن يخبره كم هم فأبى ثم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم سأله كم ينحرون من الجزر فقال عشرا كل يوم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم القوم ألف ثم إنه أصابنا من الليل طش من المطر فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر وبات رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعو ربه اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض فلما أن طلع الفجر نادى الصلاة عباد الله فجاء الناس من تحت الشجر والحجف فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه و سلم وحرض على القتال ثم قال إن جمع قريش عند هذه الضلعة من الجبل فلما أن دنا القوم منا وصاففناهم إذا رجل من القوم على جمل أحمر يسير في القوم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا علي ناد لي حمزة وكان أقربهم إلى المشركين من صاحب الجمل الأحمر وماذا يقول لهم وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن يكن في القوم من يأمر بالخير فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر فجاء حمزة فقال هو عتبة بن ربيعة وهو ينهى عن القتال ويقول لهم إني أرى قوما مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير يا قوم اعصبوها اليوم برأسي وقولوا جبن عتبة بن ربيعة ولقد علمتم أني لست بأجبنكم قال فسمع أبو جهل فقال أنت تقول هذا والله لو غيرك يقول هذا لعضضته لقد ملئت رئتك وجوفك رعبا فقال عتبة إياي تعير يا مصفر استه ستعلم اليوم أينا أجبن قال فبرز عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد حمية فقالوا من يبارز فخرج فتية من الأنصار ستة فقال عتبة لا نريد هؤلاء ولكن يبارزنا من بني عمنا من بني عبدالمطلب فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا علي قم يا حمزة قم يا عبيدة بن الحارث قم فقتل الله عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وجرح عبيدة بن الحارث فقتلنا منهم سبعين وأسرنا منهم سبعين قال فجاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبدالمطلب أسيرا فقال يا رسول الله والله ما هذا أسرني ولكن أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق ما أراه في القوم فقال الأنصاري أنا أسرته فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لقد آزرك الله بملك كريم قال علي فأسر من بني عبد
(2/22)
________________________________________
المطلب العباس وعقيل ونوفل بن الحارث
حدثني جعفر بن محمد البزوري قال حدثنا عبيدالله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن حارثة عن علي قال لما كان يوم بدر وحضر البأس اتقينا برسول الله فكان من أشد الناس بأسا وما كان منا أحد أقرب إلى العدو منه
حدثنا عمرو بن علي قال حدثنا عبدالرحمن بن مهدي عن شعبة عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي قال سمعته يقول ما كان فينا فارس يوم بدر غير مقداد بن الأسود ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه و سلم قائما إلى شجرة يصلي ويدعو حتى الصبح
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم سمع بأبي سفيان بن حرب مقبلا من الشأم في عير لقريش عظيمة فيها أموال لقريش وتجارة من تجاراتهم وفيها ثلاثون راكبا من قريش أو أربعون منهم مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة وعمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سهم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال فحدثني محمد بن مسلم الزهري وعاصم بن عمر بن قتادة وعبدالله بن أبي بكر ويزيد بن رومان عن عروة وغيرهم من علمائنا عن عبدالله بن عباس كل قد حدثني بعض هذا الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر قالوا لما سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم بأبي سفيان مقبلا من الشأم ندب المسلمين إليهم وقال هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم يلقى حربا وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان تخوفا على أموال الناس حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشا يستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال ابن إسحاق وحدثني من لا أتهم عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس ويزيد بن رومان عن عروة قال وقد رأت عاتكة بنت عبدالمطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها فبعثت إلى أخيها العباس بن عبدالمطلب فقالت له يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا لقد أفظعتني وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة فاكتم علي ما أحدثك [ به ] قال لها وما رأيت قالت رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته أن انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث فأرى الناس اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينا هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بأعلى صوته بمثلها أن انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبال ارفضت فيما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا دخلت منها فلقة
(2/23)

بنالعياط
11-11-2012, 11:18 PM
قال العباس والله إن هذه لرؤيا رأيت فاكتميها ولا تذكريها لأحد ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة وكان له صديقا فذكرها له واستكتمه إياها فذكرها الوليد لأبيه عتبة ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش [ في أنديتها ] قال العباس فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة فلما رآني أبو جهل قال يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا قال فلما فرغت أقبلت إليه حتى جلست معهم فقال لي أبو جهل يا بني عبدالمطلب متى حدثت فيكم هذه النبية قال قلت وما ذاك قال الرؤيا التي رأت عاتكة قال قلت وما رأت قال يا بني عبدالمطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث فإن يكن ما قالت حقا فسيكون وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب قال العباس فوالله ما كان مني إليه كبير إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا قال ثم تفرقنا فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبدالمطلب إلا أتتني فقالت أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ثم قد تناول النساء وأنت تسمع ثم لم يكن عندك غيره لشيء مما سمعت قال قلت قد والله فعلت ما كان مني إليه من كبير وايم الله لأتعرضن له فإن عاد لأكفينكموه قال فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرى أن قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه قال فدخلت المسجد فرأيته فوالله إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به وكان رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر إذ خرج نحو باب المسجد يشتد قال قلت في نفسي ما له لعنه الله أكل هذا فرقا من أن أشاتمه قال وإذا هو قد سمع ما لم أسمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره قد جدع بعيره وحول رحله وشق قميصه وهو يقول يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أ ن تدركوها الغوث الغوث قال فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر فتجهز الناس سراعا وقالوا أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي كلا والله ليعلمن غير ذلك فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلا وأوعبت قريش فلم يتخلف من أشرافها أحد إلا أن أبا لهب بن عبدالمطلب تخلف فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة وكان لاط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه أفلس بها فاستأجره بها على أن يجزي عنه بعثه فخرج عنه وتخلف أبو لهب
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق حدثني عبدالله بن أبي نجيح أن أمية بن خلف كان قد أجمع القعود وكان شيخا جليلا ثقيلا فأتاه عقبة بن أبي معيط وهو جالس في المسجد بين ظهري قومه بمجمرة يحملها فيها نار ومجمر حتى وضعها بين يديه ثم قال يا أبا
(2/24)
________________________________________
علي استجمر فإنما أنت من النساء قال قبحك الله وقبح ما جئت به قال ثم تجهز فخرج مع الناس فلما فرغوا من جهازهم وأجمعوا السير ذكروا ما بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب فقالوا إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر فكاد ذلك أن يثنيهم فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن جعثم المدلجي وكان من أشراف كنانة فقال أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه فخرجوا سراعا
قال أبو جعفر وخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما بلغني عن غير ابن إسحاق لثلاث ليال خلون من شهر رمضان في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من أصحابه فاختلف في مبلغ الزيادة على العشرة فقال بعضهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ذكرمن قال ذلك
حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو بكر بن عياش قال حدثنا أبو إسحاق عن البراء قال كنا نتحدث أن أصحاب بدر يوم بدر كعدة أصحاب طالوت ثلاثمائة رجل وثلاثة عشر رجلا الذين جاوزوا النهر فسكت
حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا أبو مالك الجنبي عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال كان المهاجرون يوم بدر سبعة وسبعين رجلا وكان الأنصار مائتين وستة وثلاثين رجلا وكان صاحب راية رسول الله صلى الله عليه و سلم علي بن أبي طالب عليه السلام وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة وقال آخرون كانوا ثلاثمائة رجل وأربعة عشر من شهد منهم ومن ضرب بسهمه وأجره حدثنا بذلك ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق وقال بعضهم كانوا ثلاثمائة وثمانية عشر وقال آخرون كانوا ثلاثمائة وسبعة وأما عامة السلف فإنهم قالوا كانوا ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلا ذكر من قال ذلك
حدثنا هارون بن إسحاق قال حدثنا مصعب بن المقدام وحدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي قال حدثنا أبو أحمد الزبيري قالا حدثنا إسرائيل قال حدثنا ابو إسحاق عن البراء قال كنا نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجز معه إلا مؤمن ثلاثمائة وبضعة عشر
حدثنا ابن بشار قال حدثنا أبو عامر قال حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن البراء
(2/25)
________________________________________
قال كنا نتحدث أن أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا على عدة أصحاب طالوت من جاز معه النهر وما جاز معه إلا مؤمن
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي عن سفيان عن أبي إسحاق عن البراء بنحوه
حدثنا إسماعيل بن إسرائيل الرملي قال حدثنا عبدالله بن محمد بن المغيرة عن مسعر عن أبي إسحاق عن البراء قال عدة أهل بدر عدة أصحاب طالوت
حدثني أحمد بن إسحاق قال حدثنا أبو أحمد قال حدثنا مسعر عن أبي إسحاق عن البراء مثله
حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه و سلم قال لأصحابه يوم بدر أنتم بعدة أصحاب طالوت يوم لقي جالوت وكان أصحاب نبي الله صلى الله عليه و سلم يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا
حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي قال خلص طالوت في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا عدة أصحاب بدر
حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة قال كان مع النبي صلى الله عليه و سلم يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال وخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في أصحابه وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة أخا بني مازن بن النجار في ليال مضت من شهر رمضان فسار حتى إذا كان قريبا من الصفراء بعث بسبس بن عمرو الجهني حليف بني ساعدة وعدي بن أبي الزغباء الجهني حليف بني النجار إلى بدر يتحسسان له الأخبار عن أبي سفيان بن حرب وعيره ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد قدمهما فلما استقبل الصفراء وهي قرية بين جبلين سأل عن جبليهما ما أسماؤهما فقالوا لأحدهما هذا مسلح وقالوا للآخر هذا مخرئ وسأل عن أهلهما فقالوا بنو النار وبنو حراق ( بطنان من بني غفار ) فكرههما رسول الله صلى الله عليه و سلم والمرور بينهما وتفاءل بأسمائهما وأسماء أهاليهما فتركهما والصفراء بيسار وسلك ذات اليمين على واد يقال له ذفران فخرج منه حتى إذا كان ببعضه نزل وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم فاستشار النبي صلى الله عليه و سلم الناس وأخبرهم عن قريش فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال فأحسن ثم قام عمر بن الخطاب فقال فأحسن ثم قام المقداد بن عمرو فقال يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ( 1 ) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد يعني مدينة الحبشة لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم خيرا ودعا له بخير
حدثنا محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو يحيى قال حدثنا
(2/26)
________________________________________
المخارق عن طارق عن عبدالله بن مسعود قال لقد شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون أنا صاحبه أحب إلي مما في الأرض من شيء كان رجلا فارسا وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا غضب احمارت وجنتاه فأتاه المقداد على تلك الحال فقال أبشر يا رسول الله فوالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن والذي بعثك بالحق لنكونن من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك أو يفتح الله لك رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أشيروا علي أيها الناس وإنما يريد الأنصار وذلك أنهم كانوا عدد الناس وذلك أنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا يا رسول الله إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم قال له سعد بن معاذ والله لكأنك تريدنا يا رسول الله قال أجل قال فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله فسر رسول الله صلى الله عليه و سلم بقول سعد ونشطه ذلك ثم قال سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني الآن أنظر إلىمصارع القوم ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه و سلم من ذفران فسلك على ثنايا يقال لها الأصافر ثم انحط منها على بلد يقال لها الدبة وترك الحنان بيمين وهو كثيب عظيم كالجبل ثم نزل قريبا من بدر فركب هو ورجل من أصحابه كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم فقال الشيخ لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أخبرتنا أخبرناك فقال وذاك بذاك قال نعم قال الشيخ فإنه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا فإن كان صدقني الذي أخبرني فهو اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي به رسول الله صلى الله عليه و سلم وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا فإن كان الذي حدثني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي به قريش فلما فرغ من خبره قال ممن أنتما فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم نحن من ماء ثم انصرف عنه قال يقول الشيخ ما من ماء أمن ماء العراق ثم رجع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أصحابه فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون له الخبرعليه كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق كما حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير فأصابوا راوية لريش فيها أسلم غلام بني الحجاج وعريض أبو يسار غلام بني العاص بن سعيد فأتوا بهما
(2/27)
________________________________________
رسول الله صلى الله عليه و سلم ورسول الله صلى الله عليه و سلم قائم يصلي فسألوهما فقالا نحن سقاة قريش بعثونا لنسقيهم من الماء فكره القوم خبرهما ورجوا أن يكونا لأبي سفيان فضربوهما فلما أذلقوهما قالا نحن لأبي سفيان فتركوهما وركع رسول الله صلى الله عليه و سلم وسجد سجدتين ثم سلم فقال إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما صدقا والله إنهما لقريش أخبراني أين قريش قالا هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى والكثيب العقنقل فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لهما كم القوم قالا كثير قال ما عدتهم قالا لا ندري قال كم ينحرون كل يوم قالا يوما تسعا ويوما عشرا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم القوم ما بين التسعمائة والألف ثم قال لهما رسول الله صلى الله عليه و سلم فمن فيهم من أشراف قريش قال عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام ونوفل بن خويلد والحارث بن عامر بن نوفل وطعيمة بن عدي بن نوفل والنضر بن الحارث بن كلدة وزمعة بن الأسود وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وسهيل بن عمرو وعمرو بن عبد ود فأقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم على الناس فقال هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها قالوا وقد كان بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء مضيا حتى نزلا بدرا فأناخا إلى تل قريب من الماء ثم أخذا شنا يستقيان فيه ومجدي بن عمرو الجني على الماء فسمع عدي وبسبس جاريتين من جواري الحاضر وهما تتلازمان على الماء والملزومة تقول لصاحبتها إنما تأتي العير غدا أو بعد غد فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك قال مجدي صدقت ثم خلص بينهما وسمع ذلك عدي وبسبس فجلسا على بعيريهما ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبراه بما سمعا وأقبل أبو سفيان قد تقدم العير حذرا حتى ورد الماء فقال لمجدي بن عمرو هل أحسست أحدا قال ما رأيت أحدا أنكره إلا أني رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما ففته فإذا فيه نوى فقال هذه والله علائف يثرب فرجع إلى اصحابه سريعا فضرر وجه عيره عن الطريق فساحل بها وترك بدرا يسارا ثم انطلق حتى أسرع وأقبلت قريش فلما نزلوا الجحفة رأي جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف رؤيا فقال إني رأيت فيما يرى النائم وإني لبين النائم واليقظان إذ نظرت إلى رجل أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له ثم قال قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام وأمية بن خلف وفلان وفلان فعدد رجالا ممن قتل يومئذ من أشراف قريش ورأيته ضرب في لبة بعيره ثم أرسله في العسكر فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه قال فبلغت أبا جهل فقال وهذا أيضا نبي آخر من بني المطلب سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم فقد نجاها الله فارجعوا فقال أبو جهل بن هشام والله لا نرجع حتى نرد بدرا وكان بدر
(2/28)
________________________________________
موسما من مواسم العرب تجتمع لهم بها سوق كل عام فنقيم عليه ثلاثا وننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقي الخمور وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا فامضوا فقال الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي وكان حليفا لبني زهرة وهم بالجحفة يا بني زهرة قد نجى الله لكم أموالكم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل وإنما نفرتم لتمنعوه وماله فاجعلوا بي جبنها وارجعوا فإنه لا حاجة بكم في أن تخرجوا في غير ضيعة لا ما يقول هذا يعني أبا جهل فرجعوا فلم يشهدها زهري واحد وكان فيهم مطاعا ولم يكن بقي من قريش بطن إلا نفر منهم ناس إلا بني عدي بن كعب لم يخرج منهم رجل واحد فرجعت بنو زهرة مع الأخنس بن شريق فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد ومضى القوم قال وقد كان بين طالب بن أبي طالب وكان في القوم وبين بعض قريش محاورة فقالوا والله لقد عرفنا يا بني هاشم وإن خرجتم معنا أن هواكم مع محمد فرجع طالب إلى مكة فيمن رجع
قال أبو جعفر وأما ابن الكلبي فإنه قال فيما حدثت عنه شخص طالب بن أبي طالب إلى بدر مع المشركين أخرج كرها فلم يوجد في الأسرى ولا في القتلى ولم يرجع إلى أهله وكان شاعرا وهو الذي يقول ... يا رب إما يغزون طالب ... في مقنب من هذه المقانب ... فليكن المسلوب غير السالب ... وليكن المغلوب غير الغالب ...
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل وبطن الوادي وهو يليل بين بدر وبين العقنقل الكثيب الذي خلفه قريش والقلب ببدر في العدوة الدنيا من بطن يليل إلى المدينة وبعث الله السماء وكان الوادي دهسا فأصاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه منها ما لبد لهم الأرض ولم يمنعهم المسير وأصاب قريشا منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم يبادروهم إلى الماء حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال فحدثني محمد بن إسحاق قال حدثت عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخره أم هو الرأي والحرب والمكيدة قال بل هو الرأي والحرب والمكيدة فقال يا رسول الله فإن هذا ليس لك بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نعور ما سواه من القلب ثم نبني عليه حوضا فتملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لقد أشرت بالرأي فنهض رسول الله صلى الله عليه و سلم ومن معه من الناس فسار حتى أتى أدنى ماء من القوم فنزل عليه ثم أمر بالقلب فعورت وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه فملئ ماء ثم قذفوا فيه الآنية
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق فحدثني عبدالله بن أبي بكر أن سعد بن معاذ قال يا رسول الله نبني لك عريشا من جريد فتكون فيه ونعد عندك ركائبك
(2/29)
________________________________________
ثم نلقى عدونا فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك مما أحببنا وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد حبا لك منهم ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك فأثنى رسول الله صلى الله عليه و سلم عليه خيرا ودعا له بخير ثم بني لرسول الله صلى الله عليه و سلم عريش فكان فيه وقد ارتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت فلما رآها رسول الله صلى الله عليه و سلم تصوب من العقنقل وهو الكثيب الذي منه جاؤو إلى الوادي قال اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني اللهم فأحنهم الغداة وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ورأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر إن يكن عند أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر إن يطيعوه يرشدوا وقد كان خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري أو أبوه إيماء بن رحضة بعث إلى قريش حين مروا به ابنا له بجزائر أهداها لهم وقال إن أحببتم أن أمدكم بسلاح ورجال فعلنا فأرسلوا إليه مع ابنه أن وصلتك الرحم فقد قضيت الذي عليك فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس ما بنا ضعف عنهم ولئن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد فيما لأحد بالله من طاقة فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه و سلم فيهم حكيم بن حزام على فرس له فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم دعوهم فما شرب منهم رجل إلا قتل يومئذ إلا ما كان من حكيم بن حزام فإنه لم يقتل نجا على فرس له يقال له الوجيه وأسلم بعد ذلك فحسن إسلامه فكان إذا اجتهد في يمينه قال لا والذي نجاني يوم بدر
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق وحدثني إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم عن أشياخ من الأنصار قالوا لما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي فقالوا احزر لنا أصحاب محمد قال فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أم مدد قال فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا فرجع إليهم فقال ما رأيت شيئا ولكني قد رأيت يا معشر قريش الولايا تحمل المنايا نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم والله ما أرى [ أن ] يقتل رجل منهم حتى يقتل رجل منكم فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس فأتى عتبة بن ربيعة فقال يا أبا الوليد إنك كبير قريش الليلة وسيدها والمطاع فيها هل لك ألا تزال تذكر منها بخير إلى آخر الدهر قال وما ذاك يا حكيم قال ترجع بالناس وتحمل دم حليفك عمرو بن الحضرمي قال قد فعلت أنت علي بذلك إنما هو حليفي فعلي عقله وما أصيب من ماله فأت ابن الحنظلية فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره يعني أبا جهل بن هشام
(2/30)
________________________________________
حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا عثامة بن عمرو السهمي قال حدثني مسور بن عبدالملك اليربوعي عن أبيه عن سعيد بن المسيب قال بينا نحن عند مروان بن الحكم إذ دخل حاجبه فقال هذا أبو خالد حكيم بن حزام قال إئذن له فلما دخل حكيم بن حزام قال مرحبا بك يا أبا خالد ادن فحال له مروان عن صدر المجلس حتى كان بينه وبين الوسادة ثم استقبله مروان فقال حدثنا حديث بدر قال خرجنا حتى إذا نزلنا الجحفة رجعت قبيلة من قبائل قريش بأسرها فلم يشهد أحد من مشركيهم بدرا ثم خرجنا حتى نزلنا العدوة التي ذكرها الله عز و جل فجئت عتبة بن ربيعة فقلت يا أبا الوليد هل لك أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت قال أفعل ماذا قلت إنكم لا تطلبون من محمد إلا دم ابن الحضرمي وهو حليفك فتحمل ديته وترجع بالناس فقال أنت وذاك وأنا أتحمل بديته واذهب إلى ابن الحنظلية يعني أبا جهل فقل له هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمك فجئته فإذا هو في جماعة من بين يديه ومن ورائه وإذا ابن الحضرمي واقف على رأسه وهو يقول قد فسخت عقدي من عبد شمس وعقدي إلى بني مخزوم فقلت له يقول لك عتبة بن ربيعة هل لك أن ترجع اليوم عن ابن عمك بمن معك قال أما وجد رسولا غيرك قلت لا ولم أكن لأكون رسولا لغيره قال حكيم فخرجت مبادرا إلى عتبة لئلا يفوتني من الخبر شيء وعتبة متكئ على إيماء بن رحضة الغفاري وقد أهدى إلى المشركين عشر جزائر فطلع أبو جهل والشر في وجهه فقال لعتبة انتفخ سحرك فقال له عتبة ستعلم فسل أبو جهل سيفه فضرب به متن فرسه فقال إيماء بن رحضة بئس الفأل هذا فعند ذلك قامت الحرب رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق ثم قام عتبة بن ربيعة خطيبا فقال يا معشر قريش إنكم والله ما تصنعن بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا والله لئن أصبتموه لا يزال رجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته فارجعو وخلوا بين محمد وبين سائر العرب فإن أصابوه فذاك الذي أردتم وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون قال حكيم فانطلقت أؤم أبا جهل فوجدته قد نثل درعا له من جرابها فهو يهيئها فقلت يا أبا الحكم إن عتبة قد أرسلني إليك بكذا وكذا للذي قال فقال انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد وأصحابه وما بعتبة ما قال ولكنه قد رأى محمدا وأصحابه أكلة جزور وفيهم ابنه فقد تخوفكم عليه ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي فقال له هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس وقد رأيت ثأرك بعينك فقم فانشد خفرتك ومقتل أخيك فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ واعمراه واعمراه فحميت الحرب وحقب أمر الناس واستوسقوا على ما هم عليه من الشر وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة بن ربيعة فلما بلغ عتبة بن ربيعة قول أبي جهل انتفخ سحره قال سيعلم المصفر استه من انتفخ سحره أنا أم هو ثم التمس بيضة يدخلها في رأسه فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته فلما رأى ذلك اعتجر على رأسه ببرد له وقد خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي وكان رجلا شرسا سيء الخلق فقال أعاهد الله لأشربن من حوضهم ولأهدمنه أو لأموتن دونه فلما خرج خرج له حمزة بن عبدالمطلب فلما التقيا ضربه
(2/31)
________________________________________
حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد زعم أن يبر يمينه واتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة حتى إذا فصل من الصف دعا إلى المبارزة فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة نفر منهم عوف ومعوذ ابنا الحارث وأمهما عفراء ورجل آخر يقال له عبدالله بن رواحة فقال من أنتم قالوا رهط من الأنصار فقالوا ما لنا بكم حاجة ثم نادى مناديهم يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم قم يا حمزة بن عبدالمطلب قم يا عبيدة بن الحارث قم يا علي بن أبي طالب فلما قاموا ودنوا منهم قالوا من أنتم قال عبيدة عبيدة وقال حمزة حمزة وقال علي علي قالوا نعم أكفاء كرام فبارز عبيدة بن الحارث وكان أسن القوم عتبة بن ربيعة وبارز حمزة شيبة بن ربيعة وبارز علي الوليد بن عتبة فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهما أثبت صاحبه وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا عليه فقتلاه واحتملا صاحبهما عبيدة فجاءا به إلى أصحابه وقد قطعت رجله فمخها يسيل فلما أتوا بعبيدة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ألست شهيدا يا رسول الله قال بلى فقال عبيدة لو كان أبو طالب حيا لعلم أني أحق بما قال منه حيث يقول ... ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل ...
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عتبة بن ربيعة قال للفتية من الأنصار حين انتسبوا أكفاء كرام إنما نريد قومنا ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض وقد أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أصحابه ألا يحملوا حتى يأمرهم وقال إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل ورسول الله صلى الله عليه و سلم في العريش معه أبو بكر قال أبو جعفر وكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سيع عشرة من شهر رمضان كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق كما حدثني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق وحدثني حبان بن واسع بن حبان بن واسع عن أشياخ من قومه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر وفي يده قدح يعدل به القوم فمر بسواد بن غزية حليف بني عدي بن النجار وهو مستنتل من الصف فطعن رسول الله صلى الله عليه و سلم في بطنه بالقدح وقال استويا سواد بن غزية قال يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق فأقدني قال فكشف رسول الله صلى الله عليه و سلم عن بطنه ثم قال استقد قال فاعتنقه وقبل بطنه فقال ما حملك على هذا يا سواد فقال يا رسول الله حضر ما ترى فلم آمن القتل فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك فدعا له رسول الله صلى الله عليه و سلم بخير وقال له خيرا ثم عدل رسول الله صلى الله عليه و سلم الصفوف ورجع إلى العريش ودخله ومعه فيه أبو بكر ليس معه فيه غيره ورسول الله صلى الله عليه و سلم يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول فيما يقول اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة اليوم يعني المسلمين لا تعبد بعد اليوم وأبو بكر يقول يا نبي الله بعض مناشدتك ربك
(2/32)
________________________________________
فإن الله عز و جل منجز لك ما وعدك
فحدثني محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا عبدالله بن المبارك عن عكرمة بن عمار قال حدثني سماك الحنفي قال سمعت ابن عباس يقول حدثني عمر بن الخطاب قال لما كان يوم بدر ونظر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المشركين وعدتهم ونظر إلى أصحابه نيفا على ثلاثمائة استقبل القبلة فجعل يدعو يقول اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض فلم يزل كذلك حتى سقط رداؤه فأخذ أبو بكر فوضع رداءه عليه ثم التزمه من ورائه ثم قال كفاك يا نبي الله بأبي أنت وأمي مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله تبارك وتعالى إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ( 1 )
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا الثقفي يعني عبدالوهاب عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال وهو في قبته يوم بدر اللهم إني أسألك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم قال فأخذ أبو بكر بيده فقال حسبك يا نبي الله فقد ألححت على ربك وهو في الدرع فخرج وهو يقول سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ( 1 ) رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال وقد خفق رسول الله
خفقة وهو في العريش ثم انتبه فقال يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع قال وقد رمي مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل فكان أول قتيل من المسلمين ثم رمي حارثة بن سراقة أحد بني عدي بن النجار وهو يشرب من الحوض فقتل ثم خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الناس فحرضهم ونفل كل امرئ منهم ما أصاب وقال والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة فقال عمير بن الحمام أخو بني سلمة وفي يده تمرات يأكلهن بخ فما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل وهو يقول
... ركضا إلى الله بغير زاد ... التقى وعمل المعاد ... والصبر في الله على الجهاد ... وكل زاد عرضة النفاد ... غير التقى والبر والرشاد ...
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة أن عوف بن الحارث وهو ابن عفراء قال يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده قال غمسه يده في العدو حاسرا فنزع درعا كانت عليه فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق وحدثني محمد بن مسلم الزهري عن عبدالله بن ثعلبة بن صعير العذري حليف بني زهرة قال لما التقى الناس ودنا
(2/33)
________________________________________
بعضهم من بعض قال أبو جهل اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعرف فأحنه الغداة فكان هو المستفتح على نفسه ثم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا ثم قال شاهت الوجوه ثم نفحهم بها وقال لأصحابه شدوا فكانت الهزيمة فقتل الله من قتل من صناديد قريش وأسر من أسر منهم فلما وضع القوم أيديهم يأسرون ورسول الله صلى الله عليه و سلم في العريش وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذي فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم متوشحا السيف في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله صلى الله عليه و سلم يخافون عليه كرة العدو ورأى رسول الله
فيما ذكر لي في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لكأنك يا سعد تكره ما يصنع الناس قال أجل والله يا رسول الله كانت أول وقعة أوقعها الله بالمشركين فكان الإثخان في القتل أعجب إلي من استبقاء الرجال
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال وحدثني العباس بن عبدالله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لأصحابه يومئذ إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله ومن لقي العباس بن عبدالمطلب عم رسول الله فلا يقتله فإنه إنما أخرج مستكرها قال فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس والله لئن لقيته لألحمنه السيف فبلغت رسول الله صلى الله عليه و سلم فجعل يقول لعمر بن الخطاب يا أبا حفص أما تسمع إلى قول أبي حذيفة يقول أضرب وجه عم رسول الله بالسيف فقال عمر يا رسول الله دعني فلأضربن عنقه بالسيف فوالله لقد نافق قال عمر والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم بأبي حفص قال فكان ابو حذيفة يقول ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عني الشهادة فقتل يوم اليمامة شهيدا قال وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن قتل أبي البختري لأنه كان أكف القوم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو بمكة كان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه وكان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم وبني المطلب فلقيه المجذر بن ذياد البلوي حليف الأنصار من بني عدي فقال المجذر بن ذياد لأبي البختري إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد نهى عن قتلك ومع أبي البختري زميل له خرج معه من مكة وهو جنادة بن مليحة بنت زهير بن الحارث بن أسد وجنادة رجل من بني ليث واسم أبي البختري العاص بن هشام بن الحارث بن اسد قال وزميلي فقال المجذر لا والله ما نحن بتاركي زميلك ما أمرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا بك وحدك قال لا والله إذا لأموتن أنا وهو جميعا لا تحدث عني نساء قريش من أهل مكة أني تركت زميلي حرصا على الحياة فقال أبو البختري حين نازله المجذر وأبى إلا القتال وهو يرتجز ... لن يسلم ابن حرة أكيله ... حتى يموت أو يرى سبيله
(2/34)
________________________________________
فاقتتلا فقتله المجذر بن ذياد قال ثم أتى المجذر بن ذياد رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال والذي بعثك بالحق لقد جهدت عيه أن يستأسر فآتيك به فأبى إلا القتال فقاتلته فقتلته
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه قال وحدثني أيضا عبدالله بن أبي بكر وغيرهما عن عبد الرحمن بن عوف قال كان أمية بن خلف لي صديقا بمكة وكان اسمي عبد عمرو فسميت حين أسلمت عبدالرحمن ونحن بمكة قال فكان يلقاني ونحن بمكة فيقول يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سماكه أبوك فأقول نعم فيقول فإني لا أعرف الرحمن فاجعل بيني وبينك شيئا أدعوك به أما أنت فلا تجيبني باسمك الأول وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف قال فكان إذا دعاني يا عبدعمرو لم أجبه فقلت اجعل بيني وبينك يا أبا علي ما شئت قال فأنت عبد الإله فقلت نعم فكنت إذا مررت به قال يا عبدالإله فأجيبه فأتحدث معه حتى إذا كان يوم بدر مررت به وهوواقف مع ابنه علي بن أمية آخذا بيده ومعي أدراع قد استلبتها فأنا أحملها فلما رآني قال يا عبد عمرو فلم أجبه فقال يا عبد الإله قلت نعم قال هل لك في فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك قال قلت نعم هلم إذا قال فطرحت الأدراع من يدي وأخذت بيده ويد ابنه علي وهو يقول ما رأيت كاليوم قط أما لكم حاجة في اللبن قال ثم خرجت أمشي بهما
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني عبدالواحد بن أبي عون عن سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف عن أبيه عن عبدالرحمن بن عوف قال قال لي أمية بن خلف وأنا بينه وبين ابنه آخذ بأيديهما يا عبدالإله من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره قال قلت ذاك حمزة بن عبدالمطلب قال ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل قال عبدالرحمن فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي وكان هو الذي يعذب بلالا بمكة على أن يترك الإسلام فيخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت فيضجعه على ظهره ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول لا تزال هكذا حتى تفارق دين محمد فيقول بلال أحد أحد فقال بلال حين رآه رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجوت قال قلت أي بلال أسيري قال لا نجوت إن نجوا قال قلت تسمع يابن السوداء قال لا نجوت إن نجوا ثم صرخ بأعلى صوته يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا قال فأحاطوا بنا ثم جعلونا في مثل المسكة وأنا أذب عنه قال فضرب رجل ابنه فوقع قال وصاح أمية صيحة ما سمعت بمثلها قط قال قلت انج بنفسك ولا نجاء فوالله ما أغني عنك شيئا قال فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما قال فكان عبدالرحمن يقول رحم الله بلالا ذهبت أدراعي وفجعني بأسيري
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال وحدثني عبدالله بن أبي بكر أنه حدث عن ابن عباس أن ابن عباس قال حدثني رجل من بني غفار قال أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة
(2/35)
________________________________________
فننتهب مع من ينتهب قال فبينا نحن في الجبل إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل فسمعت قائلا يقول أقدم حيزوم قال فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق وحدثني أبي إسحاق بن يسار عن رجال من بني مازن بن النجار عن أبي داود المازني وكان شهد بدرا قال إني لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أن قد قتله غيري
حدثني عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالحكم المصري قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا محمد بن يحيى الإسكندراني عن العلاء بن كثير عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن المسور بن مخرمة عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال قال لي أبي يا بني لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال وحدثني الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم مولى عبدالله بن الحارث عن عبدالله بن عباس قال كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرسلوها في ظهورهم ويوم حنين عمائم حمرا ولم تقاتل الملائكة في يوم من الأيام سوى يوم بدر وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددا ومددا لا يضربون
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد وحدثني ثور بن زيد مولى بني الديل عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال وحدثني عبدالله بن أبي بكر قالا كان معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة يقول لما فرغ رسول الله صلى الله عليه و سلم من عدوه أمر بأبي جهل أن يلتمس في القتلى وقال اللهم لا يعجزنك قال فكان أول من لقي ابا جهل معاذ بن عمرو بن الجموح قال سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة وهم يقولون أبو الحكم لا يخلص إليه فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف صاقه فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا النواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها قال وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي وأجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي فلما آدتني جعلت عليها رجلي ثم تمطيت بها حتى طرحتها قال ثم عاش معاذ بعد ذلك حتى كان في زمن عثمان بن عفان قال ثم مر بأبي جهل وهو عقير معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته فتركه وبه رمق وقاتل معوذ حتى قتل فمر عبدالله بن مسعود بأبي جهل حين أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يلتمس في القتلى وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما بلغني انظروا إن خفي عليكم في القتلى إلى أثر جرح بركبته فإني ازدحمت أنا وهو يوما على مأدبة لعبدالله بن جدعان ونحن غلامان وكنت أشف منه بيسير فدفعته فوقع على ركبتيه فجحش في إحداهما جحشا لم يزل أثره فيه بعد قال عبدالله بن مسعود فوجدته بآخر رمق فوضعت رجلي على عنقه قال وقد كان ضبث بي مرة بمكة فآذاني ولكزني ثم قلت هل أخزاك الله يا عدو الله قال وبماذا أخزاني أعمد من رجل قتلتموه أخبرني لمن الدبرة اليوم قال قلت لله ولرسوله
(2/36)
________________________________________
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق وزعم رجال من بني مخزوم أن ابن مسعود كان يقول قال لي أبو جهل لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعبا ثم احتززت رأسه ثم جئت به رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت يا رسول الله هذا رأس عدو الله أبي جهل قال فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم آلله الذي لا إله غيره وكانت يمين رسول الله صلى الله عليه و سلم قال قلت نعم والله الذي لا إله غيره ثم ألقيت رأسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فحمد الله
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال وحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت لما أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب طرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه حتى ملأها فذهبوا ليحركوه فتزايل فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة فلما ألقاهم في القليب وقف رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربي حقا فقال له أصحابه يا رسول الله أتكلم قوما موتى قال لقد علموا أن ما وعدتهم حق قالت عائشة والناس يقولون لقد سمعوا ما قلت لهم وإنما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لقد علموا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال وحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال سمع أصحاب رسول الله
رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يقول من جوف الليل يا أهل القليب يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة يا أمية بن خلف يا أبا جهل بن هشام فعدد من كان معهم في القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا قال المسلمون يا رسول الله أتنادي قوما قد جيفوا فقال ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم قال هذه المقالة قال يا أهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقني الناس وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس ثم قال هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا للمقالة التي قال قال ولما أمر بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يلقوا في القليب أخذ عتبة بن ربيعة فسحب إلى القليب فنظر رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما بلغني في وجه أبي حذيفة بن عتبة فإذا هو كئيب قد تغير فقال يا أبا حذيفة لعلك دخلك من شأن أبيك شيء أو كما قال صلى الله عليه و سلم فقال لا لا والله يا نبي الله ما شككت في أبي ولا في مصرعه ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا فكنت أرجوا أن يهديه ذلك إلى الإسلام فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له حزنني ذلك قال فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم له بخير وقال له خيرا ثم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر بما في العسكر مما جمع الناس فجمع فاختلف المسلمون فيه فقال من جمعه هو لنا قد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم نفل كل امرئ ما أصاب فقال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونهم لولا نحن ما أصبتموه لنحن شغلنا القوم عنكم حتى أصبتم ما اصبتم فقال الذين يحرسون رسول الله صلى الله عليه و سلم مخافة أن يخالف إليه العدو والله ما أنتم بأحق به منا لقد رأينا أن نقتل العدو إذ
(2/37)

بنالعياط
13-11-2012, 04:05 PM
ولانا الله ومنحنا أكتافهم ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه ولكن خفنا على رسول الله صلى الله عليه و سلم كرة العدو فقمنا دونه فما أنتم بأحق به منا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال وحدثني عبدالرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا عن سليمان بن موسى الأشدق عن مكحول عن أبي أمامة الباهلي قال سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسوله فقسمه رسول الله صلى الله عليه و سلم بين المسلمين عن بواء يقول على السواء فكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وصلاح ذات البين قال ثم بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم عند الفتح عبدالله بن رواحة بشيرا إلى أهل العالية بما فتح الله على رسول الله صلى الله عليه و سلم وعلى المسلمين وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة قال أسامة بن زيد فأتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم التي كانت عند عثمان بن عفان كان رسول الله صلى الله عليه و سلم خلفني عليها مع عثمان قال ثم قدم زيد بن حارثة فجئته وهوواقف بالمصلى قد غشيه الناس وهو يقول قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام وزمعة بن الأسود وأبو البختري بن هشام وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج قال قلت يا أبه أحق هذا قال نعم والله يا بني ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم قافلا إلى المدينة فاحتمل معه النفل الذي أصيب من المشركين وجعل على النفل عبدالله بن كعب بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن مازن بن النجار ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب بين المضيق وبين النازية يقال له سير إلى سرحة به فقسم هنالك النفل الذي أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء واستقى له من ماء به يقال له الأرواق ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين فقال سلمة بن سلامة بن وقش كما حدثنا ابن حميد فقال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان وما الذي تهنئون به فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعقلة فنحرناها فتبسم رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال يابن أخي أولئك الملأ قال ومع رسول الله صلى الله عليه و سلم الأسارى من المشركين وكانوا أربعة وأربعين أسيرا وكان من القتلى مثل ذلك وفي الأسارى عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث بن كلدة حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه و سلم بالصفراء قتل النضر بن الحارث قتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق كما حدثني بعض أهل العلم من أهل مكة قال ثم خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى إذا كان بعرق الظبية قتل عقبة بن أبي معيط فقال حين أمر به رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يقتل فمن للصبية يا محمد قال النار قال فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري ثم أحد بني عمرو بن عوف قال كما حدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى عرق
(2/38)
________________________________________
الظبية حين قتل عقبة لقيه أبو هند مولى فروة بن عمرو البياضي بحميت مملوء حيسا وكان قد تخلف عن بدر ثم شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان حجام رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما أبو هند امرؤ من الأنصار فأنكحوه وأنكحوا إليه ففعلوا ثم مضى رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى قدم المدينة قبل الأسارى بيوم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر عن يحيى بن عبدالله بن عبدالرحمن بن سعد بن زرارة قال قدم بالأسارى حين قدم بهم وسودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه و سلم عند آل عفراء في مناحتهم على عوف ومعوذ ابني عفراء قال وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب قال تقول سودة والله إني لعندهم إذ أتينا فقيل هؤلاء الأسارى قد أتي بهم قالت فرحت إلى بيتي ورسول الله صلى الله عليه و سلم فيه وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة مجموعة يده إلى عنقه بحبل قالت فوالله ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت يا أبا يزيد أعطيتم بأيديكم ألا متم كراما فوالله ما أنبهني إلا قول رسول الله صلى الله عليه و سلم من البيت يا سودة أعلى الله وعلى رسوله قالت قلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه بحبل أن قلت ما قلت
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق قال حدثني نبيه بن وهب أخو بني عبدالدار أن رسول الله صلى الله عليه و سلم حين أقبل بالأسارى فرقهم في أصحابه وقال استوصوا بالأسارى خيرا قال وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه في الأسارى قال فقال أبو عزيز مر بي أخي مصعب بن عمير ورجل من الأنصار يأسرني فقال شد يديك به فإن أمه ذات متاع لعلها أن تفتديه منك قال وكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر لوصية رسول الله صلى الله عليه و سلم إياهم بنا ما تقع في يد رجل منهم كسرة من الخبز إلا نفحني بها قال فأستحي فأردها على أحدهم فيردها علي ما يمسها
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبدالله بن إياس بن ضبيعة بن مازن بن كعب بن عمرو الخزاعي قال أبو جعفر وقال الواقدي الحيسمان بن حابس الخزاعي قالوا ما وراءك قال قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام وأمية بن خلف وزمعة بن الأسود وأبو البختري بن هشام ونبيه ومنبه ابنا الحجاج قال فلما جعل يعدد أشراف قريش قال صفوان بن أمية وهو قاعد في الحجر والله إن يعقل هذا فسلوه عني قالوا ما فعل صفوان بن أمية قال هو ذاك جالسا في الحجر وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق حدثني حسين بن عبدالله بن عبيدالله بن عباس عن عكرمة مولى ابن عباس قال قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم كنت غلاما للعباس بن عبدالمطلب وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت وأسلمت أم الفضل وأسلمت وكان
(2/39)
________________________________________
العباس يهاب قومه ويكره أن يخالفهم وكان يكتم إسلامه وكان ذا مال كثير متفرق في قومه وكان أبولهب عدو الله قد تخلف عن بدر وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة وكذلك صنعوا لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا فلما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا قال وكنت رجلا ضعيفا وكنت أعمل القداح أنحتها في حجرة زمزم فوالله إني جالس فيها أنحت القداح وعندي أم الفضل جالسة وقد سرنا ما جاءنا من الخبر إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجر رجليه بشر حتى جلس على طنب الحجرة فكان ظهره إلى ظهري فبينا هو جالس إذ قال الناس هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب قد قدم قال فقال أبو لهب هلم إلي يا بن أخي فعندك الخبر قال فجلس إليه والناس قيام عليه فقال يابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس قال لا شيء والله إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسرونا كيف شاؤوا وايم الله مع ذلك ما لمت الناس لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء قال أبو رافع فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت تلك الملائكة قال فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة قال فثاورته فاحتملني فضرب بي الأرض ثم برك علي يضربني وكنت رجلا ضعيفا فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فشجت في رأسه شجة منكرة وقالت تستضعفه أن غاب عنه سيده فقام موليا ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله عز و جل بالعدسة فقتلته فلقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثا ما يدفنانه حتى أنتن في بيته وكانت قريش تتقي العدسة وعدوتها كما يتقي الناس الطاعون حتى قال لهما رجل من قريش ويحكما ألا تستحيان أن أباكما قد أنتن في بيته لا تغيبانه فقالا إنا نخشى هذه القرحة قال فانطلقا فأنا معكما فما غسلوه إلا قذفا بالماء عليه من بعيد ما يمسونه ثم احتملوه فدفنوه بأعلى مكة إلى جدار وقذفوا عليه الحجارة حتى واروه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل قال قال محمد بن إسحاق وحدثني العباس بن عبدالله بن معبد عن بعض أهله عن عبدالله بن عباس قال لما أمسى القوم من يوم بدر والأسارى محبوسون في الوثاق بات رسول الله صلى الله عليه و سلم ساهرا أول ليلة فقال له أصحابه يا رسول الله مالك لا تنام فقال سمعت تضور العباس في وثاقه قال فقاموا إلى العباس فأطلقوه فنام رسول الله صلى الله عليه و سلم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق قال فحدثني الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتبية بن مقسم عن ابن عباس قال كان الذي أسر العباس أبو اليسر كعب بن عمرو أخو بني سلمة وكان أبو اليسر رجلا مجموعا وكان العباس رجلا جسيما فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبي اليسر كيف أسرت العباس يا أبا اليسر فقال يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده هيئته كذا وكذا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لقد أعانك عليه ملك كريم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق قال وحدثني يحيى بن
(2/40)
________________________________________
عباد عن أبيه عباد قال ناحت قريش على قتلاهم ثم قالوا لا تفعلوا فيبلغ ذلك محمدا وأصحابه فيشمت بكم ولا تبعثوا في فداء أسراكم حتى تستأنوا بهم لا يتأرب عليكم محمد وأصحابه في الفداء قال وكان الأسود بن عبدالمطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده زمعة بن الأسود وعقيل بن الأسود والحارث بن الأسود وكان يحب أن يبكي على بنيه فبينا هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل فقال لغلام له وقد ذهب بصره انظر هل أحل النحب هل بكت قريش على قتلاها لعلي أبكي على أبي حكيمة يعني زمعة فإن جوفي قد احترق قال فلما رجع إليه الغلام قال إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته قال فذلك حين يقول ... أتبكي أن يضل لها بعير ... ويمنعها من النوم السهود ... فلا تبكي على بكر ولكن ... على بدر تقاصرت الجدود ... على بدر سراة بني هصيص ... ومخزوم ورهط أبي الوليد ... وبكي إن بكيت على عقيل ... وبكي حارثا أسد الأسود ... وبكيهم ولا تسمي جميعا ... فما لأبي حكيمة من نديد ... ألا قد ساد بعدهم رجال ... ولولا يوم بدر لم يسودوا ...
قال وكان في الأسارى أبو وداعة بن ضبيرة السهمي فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن له ابنا تاجرا كيسا ذا مال وكأنكم به قد جاءكم في فداء أبيه قال فلما قالت قريش لا تعجلوا في فداء أسرائكم لا يتأرب عليكم محمد وأصحابه قال المطلب بن أبي وداعة وهو الذي كان رسول الله صلى الله عليه و سلم عنى
صدقتم لا تعجلوا بفداء أسرائكم ثم انسل من الليل فقدم المدينة فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم ثم انطلق به ثم بعثت قريش في فداء الأسارى فقدم مكرز بن حفص بن الأخيف في فداء سهيل بن عمرو وكان الذي أسره مالك بن الدخشم أخو بني سالم بن عوف وكان سهيل بن عمرو أعلم من شفته السفلى
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق فحدثني محمد بن عمرو بن عطاء بن عياش بن علقمة أخو بني عامر بن لؤي أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم يا رسول الله انتزع ثنيتي سهيل بن عمرو السفليين يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيا في موطن أبدا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبيا قال وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لعمر في هذا الحديث إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه فلما قاولهم فيه مكرز وانتهى إلى رضاهم قالوا هات الذي لنا قال اجعلوا رجلي مكان رجله وخلوا سبيله حتى يبعث إليكم بفدائه قال فخلوا سبيل سهيل وحبسوا مكرزا مكانه عندهم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال للعباس بن عبدالمطلب حين انتهى به إلى المدينة يا عباس افد نفسك وابني أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث وحليفك عتبة بن عمرو بن
(2/41)
________________________________________
جحدم أخا بني الحارث بن فهر فإنك ذو مال فقال يا رسول الله إني كنت مسلما ولكن القوم استكرهوني فقال الله أعلم بإسلامك إن يكن ما تذكر حقا فالله يجزيك به فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أخذ منه عشرين أوقية من ذهب فقال العباس يا رسول الله احسبها لي في فدائي قال لا ذاك شيء أعطاناه الله عز و جل منك قال فإنه ليس لي مال قال فأين المال الذي وضعته بمكة حيث خرجت من عند أم الفضل بنت الحارث ليس معكما أحد ثم قلت لها إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا وكذا ولعبدالله كذا وكذا ولقثم كذا وكذا ولعبيدالله كذا وكذا قال والذي بعثك بالحق ما علم هذا أحد غيري وغيرها وإني لأعلم أنك رسول الله ففدى العباس نفسه وابني أخيه وحليفه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد قال وحدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال كان عمرو بن أبي سفيان بن حرب وكان لابنة عقبة بن أبي معيط أسيرا في يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم من أسارى بدر فقيل لأبي سفيان افد عمرا قال أيجمع علي دمي ومالي قتلوا حنظلة وأفدي عمرا دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم قال فبينا هو كذلك محبوس عند رسول الله صلى الله عليه و سلم خرج سعد بن النعمان بن أكال أخو بني عمرو بن عوف ثم أحد بني معاوية معتمرا ومعه مرية له وكان شيخا كبيرا مسلما في غنم له بالنقيع فخرج من هنالك معتمرا ولا يخشى الذي صنع به لم يظن أنه يحبس بمكة إنما جاء معتمرا وقد عهد قريشا لا تعترض لأحد حاجا أو معتمرا إلا بخير فعدا عليه أبو سفيان بن حرب فحبسه بمكة بابنه عمرو بن أبي سفيان ثم قال أبو سفيان ... أرهط ابن أكال أجيبوا دعاءه ... تعاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا ... فإن بني عمرو لئام أذلة ... لئن لم يفكوا عن أسيرهم الكبلا ... قال فمشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبروه خبره وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان فيفكوا شيخهم ففعل رسول الله صلى الله عليه و سلم فبعثوا به إلى أبي سفيان فخلى سبيل سعد قال وكان في الأسارى أبو العاص بن الربيع بن عبدالعزى بن عبد شمس ختن رسول الله صلى الله عليه و سلم زوج ابنته زينب وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارة وكان لهالة بنت خويلد [ وكانت ] خديجة خالته فسألت خديجة رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يزوجه وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يخالفها وذلك قبل أن ينزل عليه فزوجه فكانت تعده بمنزلة ولدها فلما أكرم الله عز و جل رسوله بنبوته آمنت به خديجة وبناته فصدقه وشهدن أن ما جاء به هو الحق ودن بدينه وثبت أبو العاص على شركه وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد زوج عتبة بن أبي لهب إحدى ابنتيه رقية أو أم كلثوم فلما بادى قريشا بأمر الله عز و جل وباعدوه قالوا إنكم قد فرغتم محمدا من همه فردوا عليه بناته فاشغلوه بهن فمشوا إل أبي العاص بن الربيع فقالوا له فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة شئت من قريش قال لا ها الله إذا لا أفارق صاحبتي وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يثني عليه في صهره خيرا فيما بلغني قال ثم مشوا إلى الفاسق ابن الفاسق عتبة بن أبي لهب فقالوا له طلق ابنة محمد ونحن
(2/42)
________________________________________
نزوجك أي امرأة من قريش شئت فقال إن زوجتموني ابنة أبان بن سعيد بن العاص أو ابنة سعيد بن العاص فارقتها فزوجوه ابنة سعيد بن العاص وفارقها ولم يكن عدو الله دخل بها فأخرجها الله من يده كرامة لها وهوانا له فخلف عليها عثمان بن عفان بعده وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يحل بمكة ولا يحرم مغلوبا على أمره وكان الإسلام قد فرق بين زينب بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم حين أسلمت وبين أبي العاص بن الربيع إلا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان لا يقدر على أن يفرق بينهما فأقامت معه على إسلامهم وهو على شركه حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما سارت قريش إلى بدر سار فيهم أبو العاص بن الربيع فأصيب في الأسارى يوم بدر وكان بالمدينة عند رسول الله صلى الله عليه و سلم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال فحدثني يحبى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه عباد عن عائشة زوج الني صلى الله عليه و سلم قالت لما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم في فداء أبي العاص بن الربيع بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها قالت فلما رآها رسول الله صلى الله عليه و سلم رق لها رقة شديدة وقال إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا فقالوا نعم يا رسول الله فأطلقوه وردوا عليها الذي لها وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أخذ عليه أو وعد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يخلي سبيل زينب إليه أو كان فيما شرط عليه في إطلاقه ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله صلى الله عليه و سلم فيعلم ما هو إلا أنه لما خرج أبو العاص إلى مكة وخلي سبيله بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار مكانه فقال كوناببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتياني بها فخرجا مكانهما وذلك بعد بدر بشهر أو شيعه فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها فخرجت تجهز
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال حدثت عن زينب أنها قالت بينا أنا أتجهز بمكة للحوق بأبي لقيتني هند بنت عتبة فقالت أي ابنة محمد ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك قالت فقلت ما أردت ذلك قالت أي ابنة عمي لا تفعلي إن كانت لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك أو بمال تبلغين به إلى أبيك فإن عندي حاجتك فلا تضطني مني فإنه لا يدخل بين النساء ما يدخل بين الرجال قالت ووالله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل قالت ولكني خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك وتجهزت فلما فرغت ابنة رسول الله صلى الله عليه و سلم من جهازها قدم لها حموها كنانة بن الربيع أخو زوجها بعيرا فركبته وأخذ قوسه وكنانته ثم خرج بها نهارا يقود بها وهي في هودج لها وتحدث بذلك رجال قريش فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى فكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبدالعزى ونافع بن عبدالقيس والفهري فروعها هبار بالرمح وهي في هودجها وكانت المرأة حاملا فيما يزعمون فلما رجعت طرحت ذا بطنها وبرك حموها ونثر كنانته ثم قال والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما فتكركر الناس عنه وأتاه أبو سفيان في جلة قريش فقال أيها الرجل كف عنا نبلك حتى نكلمك فكف فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه فقال إنك لم تصب خرجت بالمرأة على رؤوس
(2/43)
________________________________________
الرجال علانية وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد فيظن الناس إذا خرج بابنته علانية من بين أظهرنا أن ذلك عن ذل أصابنا عن مصيبتنا ونكبتنا التي كانت وأن ذلك منا ضعف ووهن لعمري ما لنا حاجة في حبسها عن أبيها وما لنا في ذلك من ثؤرة ولكن أرجع المرأة فإذا هدأ الصوت وتحدث الناس أنا قد رددناها فسلها سرا فألحقها بأبيها ففعل حتى إذا هدأ الصوت خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه فقدما بها على رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فأقام أبو العاص بمكة وأقامت زينب عند رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة قد فرق بينهما الإسلام حتى إذا كان قبيل الفتح خرج تاجرا إلى الشأم وكان رجلا مأمونا بمال له وأموال رجال من قريش أبضعوها معه فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلا لقيته سرية لرسول الله صلى الله عليه و سلم فأصابوا ما معه وأعجزهم هربا فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله أقبل أبو العاص تحت الليل حتى دخل على زينب بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم فاستجار بها فأجارته في طلب ماله فلما خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الصبح فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال كما حدثني يزيد بن رومان فكبر وكبر الناس معه صرخت زينب من صفة النساء إني قد اجرت أبا العاص بن الربيع فلما سلم رسول الله صلى الله عليه و سلم من الصلاة أقبل على الناس فقال أيها الناس أيها الناس هل سمعتم ما سمعت قالوا نعم قال أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء كان حتى سمعت منه ما سمعتم إنه يجير على المسلمين أدناهم ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم فدخل على ابنته فقال أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلص إليك فإنك لا تحلين له
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال وحدثني عبدالله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث إلى السرية الذين أصابوا مال أبي العاص فقال لهم إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم وقد أصبتم له مالا فإن تحسنوا تردوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك وإن أبيتم فهو فيء الله الذي أفاءه عليكم فأنتم أحق به قالوا يا رسول الله بل نرده عليه قال فردوا عليه ماله حتى إن الرجل ليأتي بالحبل ويأتي الرجل بالشنة والإداوة حتى إن أحدهم ليأتي بالشظاظ حتى ردوا عليه ماله بأسره لا يفقد منه شيئا ثم احتمل إلى مكة فأدى إلى كل ذي مال من قريش ماله ممن كان أبضع معه ثم قال يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه قالوا لا فجزاك الله خيرا فقد وجدناك وفيا كريما قال فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله والله ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا إنما أدركت أكل أموالكم فلما أداها الله عنكم وفرغت منها أسلمت ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه و سلم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال فحدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس عن عبدالله بن عباس قال رد عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم زينب بالنكاح الأول ولم يحدث شيئا بعد ست سنين
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل قال قال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية بعد مصاب أهل بدر من قريش بيسير في الحجر وكان عمير بن وهب شيطانا من شياطين قريش وكان ممن يؤذي
(2/44)
________________________________________
رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه ويلقون منه عناء وهم بمكة وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر فذكر أصحاب القليب ومصابهم فقال صفوان والله إن في العيش خير بعدهم فقال عمير صدقت والله أما والله لولا دين علي ليس له عندي قضاء وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت إلى محمد حتى أقتله فإن لي قبلهم علة ابني أسير في أيديهم فاغتنمها صفوان بن أمية فقال علي دينك أنا أقضيه عنك وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا لا يسعني شيء ويعجز عنهم قال عمير فاكتم علي شأني وشأنك قال أفعل قال ثم إن عميرا أمر بسيفه فشحذ له وسم ثم انطلق حتى قدم المدينة فبينا عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين في المسجد يتحدثون عن يوم بدر ويذكرون ما أكرمهم الله عز و جل به وما أراهم في عدوهم إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناح بعيره على باب المسجد متوشحا السيف فقال هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب ما جاء إلا لشر وهو الذي حرش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا نبي الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحا سيفه قال فأدخله علي قال فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها وقال لرجال ممن كان معه من الأنصار ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فاجلسوا عنده واحذروا هذا الخبيث عليه فإنه غير مأممون ثم دخل به على رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما رآه رسول الله صلى الله عليه و سلم وعمر آخذ بحمالة سيفه قال أرسله يا عمر ادن يا عمير فدنا ثم قال أنعموا صباحا وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام تحية أهل الجنة قال أما والله يا محمد إن كنت لحديث عهد بها قال ما جاء بك يا عمير قال جئت لهذا الأسير الذي في ايديكم فأحسنوا فيه قال فما بال السيف في عنقك قال قبحها الله من سيوف وهل أغنت شيئا قال اصدقني بالذي جئت له قال ما جئت إلا لذلك فقال بلى قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش ثم قلت لولا دين علي وعيالي لخرجت حتى أقتل محمدا فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له والله عز و جل حائل بيني وبينك فقال عمير أشهد أنك رسول الله قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله فالحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق ثم تشهد شهادة الحق فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه وعلموه القرآن وأطلقوا له أسيره قال ففعلوا ثم قال يا رسول الله إني كنت جاهدا في إطفاء نور الله شديد الأذى لمن كان على دين الله وإني أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام لعل الله أن يهديهم وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم قال فأذن له رسول الله صلى الله عليه و سلم فلحق بمكة وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب يقول لقريش أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر وكان صفوان يسأل عنه الركبان حتى قدم راكب فأخبره بإسلامه فحلف ألا يكلمه أبدا ولا ينفعه بنفع أبدا فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام ويؤذي
(2/45)

بنالعياط
13-11-2012, 07:27 PM
من خالفه أذى شديدا فأسلم على يديه أناس كثير فلما انقضى أمر بدر أنزل الله عز و جل فيه من القرآن الأنفال بأسرها حدثنا أحمد بن منصور قال حدثنا عاصم بن علي قال حدثنا عكرمة بن عمار قال حدثنا أبو زميل قال حدثني عبدالله بن عباس حدثني عمر بن الخطاب قال لما كان يوم بدر التقوا فهزم الله المشركين فقتل منهم سبعون رجلا وأسر سبعون رجلا فلما كان يومئذ شاور رسول الله صلى الله عليه و سلم أبا بكر وعليا وعمر فقال أبو بكر يا نبي الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان فإني أرىأن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة وعسى الله أن يهديهم فيكونوا لنا عضدا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما ترى يابن الخطاب قال قلت لا والله ما أرى الذي رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكنني من فلان فأضرب عنقه وتمكن حمزة من أخ له فيضرب عنقه وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للكفار هؤلاء صناديدهم وقادتهم وأئمتهم قال فهوى رسول الله صلى الله عليه و سلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت أنا فأخذ منهم الفداء فلما كان الغد قال عمر غدوت إلى النبي صلى الله عليه و سلم وهو قاعد وأبو بكر وإذا هما يبكيان قال قلت يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت لبكائكما فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم للذي عرض علي أصحابك من الفداء لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة وأنزل الله عز و جل ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض إلى قوله فيما أخذتم عذاب عظيم ( 1 ) ثم أحل لهم الغنائم فلما كان من العام القابل في أحد عوقبوا بما صنعوا قتل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم سبعون وأسر سبعون وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه وفر أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وصعدوا الجبل فأنزل الله عز و جل هذه الآية أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا إلى قوله إن الله على كل شيء قدير ( 2 ) ونزلت هذه الآية الأخرى إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم إلى قوله من بعد الغم أمنة ( 3 )
حدثني سلم بن جنادة قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبدالله قال لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما تقولون في هؤلاء الأسرى فقال أبو بكر يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستأنهم لعل الله أن يتوب عليهم وقال عمر يا رسول الله كذبوك وأخرجوك قدمهم فضرب أعناقهم وقال عبدالله بن رواحة يا رسول الله انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرمه عليهم نارا قال فقال له العباس قطعتك رحمك قال فسكت رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يجبهم ثم دخل فقال ناس يأخذ بقول أبي بكر وقال ناس يأخذ بقول عمر وقال ناس يأخذ بقول عبدالله بن رواحة ثم خرج عليهم رسول الله فقال إن الله
(2/46)
________________________________________
عز و جل ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ( 1 ) ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ( 2 ) ومثلك يا عمر مثل نوح قال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ( 3 ) ومثلك كمثل موسى قال ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ( 4 ) ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أنتم اليوم عالة فلا يفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق قال عبدالله بن مسعود إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام فسكت رسول الله صلى الله عليه و سلم فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع علي الحجارة من السماء مني في ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا سهيل بن بيضاء قال فأنزل الله عز و جل ما كان لنبي أن يكون له اسرى حتىيثخن في الأرض إلى آخر الآيات الثلاث
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق لما نزلت يعني هذه الآية ما كان لنبي أن يكون له أسرى قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لو نزل عذاب من السماء لم ينج منه إلا سعد بن معاذ لقوله يا نبي الله كان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال قال أبو جعفر وكان جميع من شهد بدرا من المهاجرين ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه و سلم بسهمه وأجره ثلاثة وثمانين رجلا في قول ابن إسحاق
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه وجميع من شهد من الأوس معه ومن ضرب له بسهمه واحد وستون رجلا وجميع من شهد معه من الخزرج مائة وسبعون رجلا في قول ابن إسحاق وجميع من استشهد من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار وكان المشركون فيما زعم الواقدي تسعمائة وخمسين مقاتلا وكانت خيلهم مائة فرس ورد رسول الله صلى الله عليه و سلم يومئذ جماعة استصغرهم فيما زعم الواقدي فمنهم فيما زعم عبدالله بن عمر ورافع بن خديج والبراء بن عازب وزيد بن ثابت وأسيد بن ظهير وعمير بن أبي وقاص ثم أجاز عميرا بعد أن رده فقتل يومئذ وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد بعث قبل أن يخرج من المدينة طلحة بن عبيدالله وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل إلى طريق الشأم يتحسسان الأخبار عن العير ثم رجعا إلى المدينة فقدماها يوم وقعة بدر فاستقبلا رسول الله صلى الله عليه و سلم بتربان وهو منحدر من بدر يريد المدينة قال الواقدي كان خروج رسول الله صلى الله عليه و سلم من المدينة في ثلاثمائة رجل وخمسة وكان المهاجرون أربعة وسبعين رجلا وسائرهم من الأنصار وضرب لثمانية بأجورهم وسهمانهم ثلاثة من المهاجرين أحدهم
(2/47)
________________________________________
عثمان بن عفان كان تخلف على ابنة رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى ماتت وطلحة بن عبيدالله وسعيد بن زيد كان بعثهما يتحسسان الخبر عن العير وخمسة من الأنصار أبو لبابة بشير بن عبدالمنذر خلفه على المدينة وعاصم بن عدي بن العجلان خلفه على العالية والحارث بن حاطب رده من الروحاء إلى بني عمرو بن عوف لشيء بلغه عنهم والحارث بن الصمة كسر بالروحاء وهو من بني مالك بن النجار وخوات بن جبير كسر من بني عمرو بن عوف قال وكانت الإبل سبعين بعيرا والخيل فرسين فرس للمقداد بن عمرو وفرس لمرثد بن أبي مرثد قال أبو جعفر وروي عن ابن سعد عن محمد بن عمر عن محمد بن هلال عن أبيه عن أبي هريرة قال ورئي رسول الله صلى الله عليه و سلم في أثر المشركين يوم بدر مصلتا السيف يتلو هذه الآية سيهزم الجمع ويولون الدبر ( 1 ) قال وفي غزو بدر انتفل رسول الله صلى الله عليه و سلم سيفه ذا الفقار وكان لمنبه بن الحجاج قال وفيها غنم جمل أبي جهل وكان مهريا يغزو عليه ويضرب في لقاحه قال أبو جعفر ثم أقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة منصرفه من بدر وكان قد وادع حين قدم المدينة يهودها على أن لا يعينوا عليه أحدا وإنه إن دهمه بها عدو نصروه فلما قتل رسول الله صلى الله عليه و سلم من قتل ببدر من مشركي قريش أظهروا له الحسد والبغي وقالوا لم يلق محمد من يحسن القتال ولو لقينا لاقى عندنا قتالا لا يشبهه قتال أحد وأظهروا نقض العهد

بنالعياط
13-11-2012, 07:58 PM
غزوة بني قينقاع
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال كان من أمر بني قينقاع أن رسول الله صلى الله عليه و سلم جمعهم بسوق بني قينقاع ثم قا يا معشر اليهود احذروا من الله عز و جل مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وفي عهد الله إليكم قالوا يا محمد إنك ترى أنا كقومك لا يغرنك أنت لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة إنا والله لئن حاربتنا تعلمن أنا نحن الناس
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة أن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه و سلم وحاربوا فيما بين بدر وأحد
فحدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا محمد بن عمر عن محمد بن عبدالله عن الزهري أن غزوة رسول الله صلى الله عليه و سلم بني القينقاع كانت في شوال من السنة الثانية من الهجرة قال الزهري عن عروة نزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه و سلم بهذه الآية وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ( 2 ) فلما فرغ جبريل عليه السلام من هذه الآية قال رسول الله
(2/48)
________________________________________
صلى الله عليه و سلم إني أخاف من بني قينقاع قال عروة فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بهذه الآية قال الواقدي وحدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة قال حاصرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم خمس عشرة ليلة لا يطلع منهم أحد ثم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم فكتفوا وهو يريد قتلهم فكلمه فيهم عبدالله بن أبي رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة قال فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى نزلوا على حكمه فقام إليه عبدالله بن أبي بن سلول حين أمكنه الله منهم فقال يا محمد أحسن في موالي وكانوا حلفاء الخزرج فأبطأ عليه النبي صلى الله عليه و سلم قال فأدخل يده في جيب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أرسلني وغضب رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى رأوا في وجهه ظلالا يعني تلونا ثم قال ويحك أرسلني قال لا والله لا أرسلك حتى تحسن إلى موالي أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأسود والأحمر تحصدهم في غداة واحدة وإني والله لا آمن وأخشى الدوائر فقال رسول الله هم لك قال أبو جعفر وقال محمد بن عمر في حديثه عن محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة فقال النبي صلى الله عليه و سلم خلوهم لعنهم الله ولعنه معهم فأرسلوهم ثم أمر بإجلائهم وغنم الله عز و جل رسوله والمسلمين ما كان لهم من مال ولم تكن لهم أرضون إنما كانوا صاغة فأخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم لهم سلاحا كثيرا وآلة صياغتهم وكان الذي ولي إخراجهم من المدينة بذراريهم عبادة بن الصامت فمضى بهم حتى بلغ بهم دباب وهو يقول الشرف الأبعد الأقصى فالأقصى وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم استخلف على المدينة أبا لبابة بن عبدالمنذر قال أبو جعفر وفيها كان أول خمس خمسه رسول الله صلى الله عليه و سلم في الإسلام فأخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم صفيه والخمس وسهمه وفض أربعة أخماس على أصحابه فكان أول خمس قبضه رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان لواء رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم بني قنيقاع لواء أبيض مع حمزة بن عبدالمطلب ولم تكن يومئذ رايات ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة وحضرت الأضحى فذكر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ضحى وأهل اليسر من أصحابه يوم العاشر من ذي الحجة وخرج بالناس إلى المصلى فصلى بهم فذلك أول صلاة صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بالناس بالمدينة بالمصلى في عيد وذبح فيه بالمصلى بيده شاتين وقيل ذبح شاة قال الواقدي حدثني محمد بن الفضل من ولد رافع بن خديج عن أبي مبشر قال سمعت جابر بن عبدالله يقول لما رجعنا من بني قينقاع ضحينا في ذي الحجة صبيحة عشر وكان أول أضحى رآه المسلمون وذبحنا في بني سلمة فعدت في بني سلمة سبع عشرة أضحية قال أبو جعفر وأما ابن إسحاق فلم يوقت لغزوة رسول الله صلى الله عليه و سلم التي غزاها بني قينقاع وقتا غير أنه قال كان ذلك بين غزوة السويق وخروج النبي صلى الله عليه و سلم من المدينة يريد غزو قريش حتى بلغ بني سليم وبحران معدنا بالحجاز من ناحية الفرع وأما بعضهم فإنه قال كان بين غزوة رسول الله صلى الله عليه و سلم بدرا الأولى وغزوة بني قينقاع ثلاث غزوات وسرية أسراها وزعم أن النبي صلى الله عليه و سلم إنما غزاهم لتسع ليال خلون من صفر من سنة ثلاث من الهجرة وأن رسول الله صلى الله عليه و سلم غزا بعدما انصرف من بدر وكان رجوعه إلى المدينة يوم الأربعاء لثماني ليال بقين من رمضان
(2/49)
________________________________________
وأنه أقام بها بقية رمضان ثم غزا قرقرة الكدر حين بلغه اجتماع بني سليم وغطفان فخرج من المدينة يوم الجمعة بعدما ارتفعت الشمس غرة شوال من السنة الثانية من الهجرة إليها وأما ابن حميد فحدثنا عن سلمة عن ابن اسحاق أنه قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم من بدر إلى المدينة وكان فراغه من بدر في عقب شهر رمضان أو في أول شوال لم يقم بالمدينة إلا سبع ليال حتى غازا بنفسه يريد بني سليم حتى بلغا ماء من مياههم يقال لها الكدر فأقام عليه ثلاث ليال ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا فأقام بها بقية شوال وذا القعدة وفدى في إقامته ذلك جل الأسارى من قريش وأما الواقدي فزعم أن غزوة النبي صلى الله عليه و سلم الكدر كانت في المحرم من سنة ثلاث من الهجرة وأن لواءه كان يحمله فيها علي بن أبي طالب وأنه استخلف فيها ابن أم مكتوم المعيصي على المدينة وقال بعضهم لما رجع النبي صلى الله عليه و سلم من غزوة الكدر إلى المدينة وقد ساق النعم والرعاء ولم يلق كيدا وكان قدومه منها فيما زعم لعشر خلون من شوال بعث غالب بن عبدالله الليثي يوم الأحد لعشر ليال مضين من شوال إلى بني سليم وغطفان في سرية فقتلوا فيهم وأخذوا النعم وانصرفوا إلى المدينة بالغنيمة يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من شوال واستشهد من المسلمين ثلاثة نفر وإن رسول الله صلى الله عليه و سلم أقام بالمدينة إلى ذي الحجة وإن رسول الله صلى الله عليه و سلم غز يوم الأحد لسبع ليال بقين من ذي الحجة عزوة السويق غزوة السويق
قال أبو جعفر وأما ابن إسحاق فإنه قال في ذلك ما حذثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال لما رجع رسول الله صلى الله عليه و سلم من غزوة الكدر إلى المدينة أقام بها بقية شوال من سنة اثنتين من الهجرة وذا القعدة ثم غزا أبو سفيان بن حرب غزوة السويق في ذي الحجة قال وولي تلك الحجة المشركون من تلك السنة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير ويزيد بن رومان ومن لا أتهم عن عبيد الله بن كعب بن مالك وكان من أعلم الأنصار قال كان أبو سفيان بن حرب حين رجع إلى مكة ورجع فل قريش إلى مكىة من بدر نذر ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا فخرج في مائتي راكب من قريش ليبر يمينه فسلك النجدية حتى نزل بصدور قناة إلى جبل يقال له تيت من المدينة على بريد أو نحوه ثم خرج من الليل حتى أتى بني النضير تحت الليل فأتى حيي بن أخطب فضرب عليه بابه فأبى أن يفتح له وخافه فأبى فانصر إلى سلام بن مشكم وكان سيد النضير في زمانه ذلك وصاحب كنزهم فاستأذن عليه فأذن له فقراه وسقاه وبطن له خبر الناس ثم خرج في عقب ليلته حتى جاء أصحابه فبعث رجالا من قريش إلى المدينة فأتوا ناحية منها يقال لها العريض فحرقوا في أسوار أصور من نخل لها ووجدوا رجلا من الأنصار وحليفا له في حرث لهما فقتلوهما ثم انصرفوا راجعين ونذر بهم الناس فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في طلبهم حتى بلغ قرقرة الكدر ثم انصرف راجعا وقد فاته أبو سفيان وأصحابه وقد رأوا من مزاود القوم ما قد طرحوه في الحرث يتخففون منه للنجاة فقال المسلمون حين رجع بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم أنطمع أن تكون لنا غزوة قال نعم
(2/50)
________________________________________
وقد كان أبو سفيان قال وهو يتجهز خارجا من مكة إلى المدينة أبياتا من شعر يحرض قريشا ... كروا على يثرب وجمعهم ... فإن ما جمعوا لكم نفل ... إن يك يوم القليب كان لهم ... فإن ما بعده لكم دول ... آليت لا أقرب النساء ولا ... يمس رأسي وجلدي الغسل ... حتى تبيروا قبائل الأوس وال ... خزرج إن الفؤاد مشتعل ... فأجابه كعب بن مالك ... تلهف أم المسبحين على ... جيش ابن حرب بالحرة الفشل ... إذ يطرحون الرجال من سئم الطير ترقى لقنة الجبل ... جاؤوا بجمع لو قيس مبركه ... ما كان إلا كمفحص الدئل ... عار من النصر والثراء ومن ... أبطال أهل البطحاء والأسل ...
وأما الواقدي فزعم أن غزوة السويق كانت في ذي القعدة من سنة اثنتين من الهجرة وقال خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في مائتي رجل من أصحابه من المهاجرين والأنصار ثم ذكر من قصة أبي سفيان نحوا مما ذكره ابن إسحاق غير أنه قال فمر يعني أبا سفيان بالعريض برجل معه أجير له يقال له معبد بن عمرو فقتلهما وحرق أبياتا هناك وتبنا ورأى أن يمينه قد حلت وجاء الصريخ إلى النبي صلى الله عليه و سلم فاستنفرالناس فخرجوا في أثره فأعجزهم قال وكان أبو سفيان وأصحابه يلقون جرب الدقيق ويتخففون وكان ذلك عامة زادهم فلذلك سميت غزوة السويق وقال الواقدي واستخلف رسول الله صلى الله عليه و سلم على المدينة أبا لبابة بن عبدالمنذر قال أبو جعفر ومات في هذه السنة أعني سنة اثنتين من الهجرة في ذي الحجة عثمان بن مظعون فدفنه رسول الله صلى الله عليه و سلم بالبقيع وجعل عند رأسه حجرا علامة لقبره وقيل إن الحسن بن عليب بن أبي طالب عليه السلام ولد في هذه السنة قال أبو جعفر وأما الواقدي فإنه زعم أن ابن أبي سبرة حدثه عن إسحاق بن عبدالله عن أبي جعفر أن علي بن أبي طالب عليه السلام بنى بفاطمة عليها السلام في ذي الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا قال أبو جعفر فإن كانت هذه الرواية صحيحة فالقول الأول باطل وقيل إن في هذه السنة كتب رسول الله صلى الله عليه و سلم المعاقل فكان معلقا بسيفة
(2/51)

ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ( 4 ) ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أنتم اليوم عالة فلا يفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق قال عبدالله بن مسعود إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام فسكت رسول الله صلى الله عليه و سلم فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع علي الحجارة من السماء مني في ذلك اليوم

بنالعياط
13-11-2012, 08:03 PM
ثم دخلت السنة الثالثة من الهجرة
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال لما رجع رسول الله صلى الله عليه و سلم من غزوة السويق أقام بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم أو قريبا منه ثم غزا نجدا يريد غطفان وهي غزوة ذي أمر فأقام بنجد صفرا كله أو قريبا من ذلك ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا فلبث بها شهر ربيع الأول كله إلا قليلا منه ثم غزا يريد قريشا وبني سليم حتى بلغ بحران ( معدنا بالحجاز من ناحية الفرع ) فأقام بها شهر ربيع الآخر وجمادى الأولى ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا

بنالعياط
13-11-2012, 08:19 PM
خبر كعب بن الأشرف
قال أبو جعفر وفي هذه السنة سرى النبي صلى الله عليه و سلم سرية إلى كعب بن الأشرف فزعم الواقدي أن النبي وجه من وجه إليه في شهر ربيع الأول من هذه السنة
وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال كان من حديث ابن الأشرف أنه لما أصيب أصحاب بدر وقدم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة وعبدالله بن رواحة إلى أهل العالية بشيرين بعثهما رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى من بالمدينة من المسلمين بفتح الله عز و جل عليه وقتل من قتل من المشركين كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن عبدالله بن المغيث بن أبي بردة بن أسير الظفري وعبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعاصم بن عمر بن قتادة وصالح بن أبي أمامة بن سهل قال كل قد حدثني بعض حديثه قال قال كعب بن الأشرف وكان رجلا من طيء ثم أحد بني نبهان وكانت أمه من بني النضير فقال حين بلغه الخبر ويلكم أحق هذا أترون أن محمدا قتل هؤلاء الذين يسمي هذان الرجلان يعني زيد بن حارثة وعبدالله بن رواحة وهؤلاء أشرف العرب وملوك الناس والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير لنا من ظهرها فلما تيقن عدو الله الخبر خرج حتى قدم مكة فنزل على المطلب بن أبي وداعة بن ضبيرة السهمي وعنده عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبدشمس فأنزلته وأكرمته وجعل يحرض على رسول الله صلى الله عليه و سلم وينشد الأشعار ويبكي على أصحاب القليب الذين أصيبوا ببدر من قريش ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة فشبب بأم الفضل بنت الحارث فقال
(2/52)
________________________________________
أراحل أنت لم تحلل بمنقبة ... وتارك أنت أم الفضل بالحرم ... صفراء رادعة لو تعصر انعصرت ... من ذي القوارير والحناء والكتم ... يرتج ما بين كعبيها ومرفقها ... إذا تأتت قياما ثم لم تقم ... أشباه أم حكيم إذ تواصلنا ... والحبل منها متين غير منجذم ... إحدى بني عامر جن الفؤاد بها ... ولو تشاء شفت كعبا من السقم ... فرع النساء وفرع القوم والدها ... أهل التحلة والإيفاء بالذمم ... لم أر شمسا بليل قبلها طلعت ... حتى تجلت لنا في ليلة الظلم ...
ثم شبب بنساء من نساء المسلمين حتى آذاهم فقال النبي صلى الله عليه و سلم كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن عبدالله بن المغيث بن أبي بردة من لي من ابن الأشرف قال فقال محمد بن مسلمة أخو بني عبدالأشهل أنا لك به يا رسول الله أنا أقتله قال فافعل إن قدرت على ذلك فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق [ به ] نفسه فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم فدعاه فقال له لم تركت الطعام والشراب قال يا رسول الله قلت قولا لا أدري أفي به أم لا قال إنما عليك الجهد قال يا رسول الله إنه لا بد لنا من أن نقول قال قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك قال فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسلكان بن سلامة بن وقش وهو أبو نائلة أحد بني عبد الأشهل وكان أخا كعب من الرضاعة وعابد بن بشر بن وقش أحد بني عبدالأشهل والحارث بن أوس بن معاذ أحد بني عبدالأشهل وأبو عبس بن جبر أخو بني حارثة ثم قدموا إلى ابن الأشرف قبل أن يأتوه سلكان بن سلامة أبا نائلة فجاءه فتحدث معه ساعة وتناشدا شعرا وكان أبو نائلة يقول الشعر ثم قال ويحك يابن الأشرف إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم علي قال أفعل قال كان قدوم هذا الرجل بلاء علينا عادتنا العرب ورمونا عن قوس واحدة وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال وجهدت الأنفس وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا فقال كعب أنا ابن الأشرف أما والله لقد كنت أخبرتك يابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما كنت أقول فقال سلكان إني قد أردت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك قال ترهنونني أبناءكم فقال لقد أردت أن تفضحنا إن معي أصحابا لي على مثل رأيي وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن في ذلك ونرهنك من الحلقة ما فيه لك وفاء وأراد سلكان ألا ينكر السلاح إذا جاؤوا بها فقال إن في الحلقة لوفاء قال فرجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم خبره وأمرهم أن يأخذوا السلاح فينطلقوا فيجتمعوا إليه فاجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال فحدثني ثور بن زيد الديلي عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال مشى معهم رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم وقال انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم ثم رجع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى بيته في ليلة مقمرة فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه فهتف به أبو نائلة وكان حديث عهد بعرس فوثب في ملحفته فأخذت امرأته بناحيتها وقالت إنك امرؤ محارب وإن صاحب الحرب لا ينزل في مثل هذه الساعة قال إنه أبو نائلة لو وجدني نائما لما أيقظني قالت والله إني لأعرف في صوته الشر قال يقول لها كعب لو دعي الفتى لطعنة أجاب
(2/53)
________________________________________
فنزل فتحدث معهم ساعة وتحدثوا معه ثم قالوا له هل لك يابن الأشرف أن نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا هذه قال إن شئتم فخرجوا يتماشون فمشوا ساعة ثم إن أبا نائلة شام يده في فود رأسه ثم شم يده فقال ما رأيت كالليلة طيب عطر قط ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن ثم مشى ساعة فعاد لمثلها فأخذ بفودى رأسه ثم قال اضربوا عدو الله فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا قال محمد بن مسلمة فذكرت مغولا في سيفي حين رأيت أسيافنا لا تغني شيئا فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار قال فوضعته في ثندؤته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته ووقع عدو الله وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذ بجرح في رأسه أو رجله أصابه بعض أسيافنا قال فخرجنا حتى سلكنا على بني أمية بن زيد ثم على بني قريظة ثم على بعاث حتى أسندنا في حرة العريض وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس ونزفه الدم فوقفنا له ساعة ثم أتانا يتبع آثارنا قال فاحتملناه فجئنا به رسول الله صلى الله عليه و سلم آخر الليل وهو قائم يصلي فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل عدو الله وتفل على جرح صاحبنا ورجعنا إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت يهود بوقعتنا بعدو الله فليس بها يهودي إلا وهو يخاف على نفسه قال فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة رجل من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم وكان أسن من محيصة فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول أي عدو الله قتلته أما والله لرب شحم في بطنك من ماله قال محيصة فقلت له والله لو أمرني بقتلك من أمرني بقتله لضربت عنقك قال فوالله إن كان لأول إسلام حويصة وقال لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني قال نعم والله لو أمرني بقتلك لضربت عنقك قال والله إن دينا بلغ بك هذا لعجب فأسلم حويصة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني هذا الحديث مولى لبني حارثة عن ابنة محيصة عن أبيها قال أبو جعفر وزعم الواقدي أنهم جاؤو برأس ابن الأشرف إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وزعم الواقدي أن في ربيع الأول من هذه السنة تزوج عثمان بن عفان أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم وأدخلت عليه في جمادى الآخرة وأن في ربيع الأول من هذه السنة غزا رسول الله صلى الله عليه و سلم غزوة أنمار ويقال لها ذو أمر وقد ذكرنا قول ابن إسحاق في ذلك قبل قال الواقدي وفيها ولد السائب بن يزيد بن أخت النمر

بنالعياط
14-11-2012, 09:08 PM
غزوة القردة
قال الواقدي وفي جمادى الآخرة من هذه السنة كانت غزوة القردة وكان أميرهم فيما ذكر زيد بن حارثة قال وهي أول سرية خرج فيها زيد بن حارثة أميرا قال أبو جعفر وكان من أمرها ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال
(2/54)
________________________________________
سرية زيد بن حارثة التي بعثه رسول الله صلى الله عليه و سلم فيها حين أصاب عير قريش فيها ابو سفيان بن حرب على القردة ماء من مياه نجد قال وكان من حديثها أن قريشا قد كانت خافت طريقها التي كانت تسلك إلى الشام حين كان من وقعة بدر ما كان فسلكوا طريق العراق فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان بن حرب ومعه فضة كثيرة وهي عظم تجارتهم واستأجروا رجلا من بكر بن وائل يقال له فرات بن حيان يدلهم على ذلك الطريق وبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم زيد بن حارثة فلقيهم على ذلك الماء فاصاب تلك العير وما فيها وأعجزه الرجال فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه و سلم قال أبو جعفر وأما الواقدي فزعم أن سبب هذه الغزوة كان أن قريشا قالت قد عول علينا محمد متجرنا وهو على طريقنا وقال أبو سفيان وصفوان بن أمية إن أقمنا بمكة أكلنا رؤوس أموالنا قال أبو زمعة بن الأسود فأنا أدلكم على رجل يسلك بكم النجدية لو سلكها مغمض العينين لاهتدى قال صفوان من هو فحاجتنا إلى الماء قليل إنما نحن شاتون قال فرات بن حيان فدعواه فاستأجراه فخرج بهم في الشتاء فسلك بهم على ذات عرق ثم خرج بهم على غمرة وانتهى إلى النبي صلى الله عليه و سلم خبر العير وفيها مال كثير وآنية من فضة حملها صفوان بن أمية فخرج زيد بن حارثة فاعترضها فظفر بالعير وأفلت أعيان القوم فكان الخمس عشرين ألفا فأخذه رسول الله صلى الله عليه و سلم وقسم الأربعة الأخماس على السرية وأتي بفرات بن حيان العجلي أسيرا فقيل إن أسلمت لم يقتلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما دعا به رسول الله صلى الله عليه و سلم أسلم فأرسله

بنالعياط
14-11-2012, 09:35 PM
مقتل أبي رافع اليهودي
قال أبو جعفر وفي هذه السنة كان مقتل أبي رافع اليهودي فيما قيل وكان سبب قتله أنه كان فيما ذكر عنه يظاهر كعب بن الأشرف على رسول الله صلى الله عليه و سلم فوجه إليه فيما ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم في النصف من جمادى الآخرة من هذه السنة عبدالله بن عتيك فحدثنا هارون بن إسحاق الهمداني قال حدثنا مصعب بن المقدام قال حدثني إسرائيل قال حدثنا أبو إسحاق عن البراء قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أبي رافع اليهودي وكان بأرض الحجاز رجالا من الأنصار وأمر عليهم عبدالله بن عقبة أو عبدالله بن عتيك وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه و سلم ويبغي عليه وكان في حصن له بأرض الحجاز فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم قال لهم عبدالله بن عقبة أو عبدالله بن عتيك اجلسوا مكانكم فإني أنطلق وأتلطف للبواب لعلي أدخل قال فأقبل حتى إذا دنا من الباب تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة وقد دخل الناس فهتف به البواب يا عبدالله إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الباب قال فدخلت فكمنت تحت آري حمار فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الأقاليد على ود قال فقمت إلى الأقاليد فأخذتها ففتحت الباب وكان أبو رافع يسمر عنده في علالي فلما ذهب عنه أهل سمره فصعدت إليه فجعلت كلما فتحت بابا أغلقته علي من داخل قلت إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إلي حتى أقتله قال فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله لا أدري أين هو من البيت قلت أبا رافع قال من هذا قال فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف
(2/55)
________________________________________
وأنا دهش فما أعنى شيئا وصاح فخرجت من البيت ومكثت غير بعيد ثم دخلت إليه فقلت ما هذا الصوت يا أبا رافع قال لأمك الويل إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف قال فأضربه فأثخنه ولم أقتله قال ثم وضعت ضبيب السيف في بطنه حتى أخرجته من ظهره فعرفت أني قد قتلته فجعلت أفتح الأبواب بابا فبابا حتى انتهيت إلى درجة فوضعت رجلي وأنا أرى أني انتهيت إلى الأرض قوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي قال فعصبتها بعمامتي ثم إني انطلقت حتى جلست عند الباب فقلت والله لا أبرح الليلة حتىأعلم أقتلته أم لا قال فلما صاح الديك قام الناعي عليه على السور قال أنعى ابارافع رباح أهل الحجاز قال فانطلقت إلىأصحابي فقلت النجاء قد قتل الله أبا رافع فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه و سلم فحدثته فقال ابسط رجلك فبسطتها فمسحها فكأنما لم أشتكها قط قال أبو جعفر وأما الواقدي فإنه زعم أن هذه السرية التي وجهها رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أبي رافع سلام بن أبي الحقيق إنما وجهها إليه في ذي الحجة من سنة أربع من الهجرة وأن الذين توجهوا إليه فقتلوه كانوا أبو قتادة وعبدالله بن عتيك ومسعود بن سنان والأسود بن خزاعي وعبدالله بن أنيس وأما ابن إسحاق فإنه قص من قصة هذه السرية ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه كان سلام بن أبي الحقيق وهو أبو رافع ممن كان حزب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه و سلم وكانت الأوس قبل أحد قتلت كعب بن الأشرف في عداوته رسول الله صلى الله عليه و سلم وتحريضه عليه فاستأذنت الخزرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في قتل سلام بن أبي الحقيق وهو بخيبر فأذن لهم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد مسلم بن عبيدالله بن شهاب الزهري عن عبدالله بن كعب بن مالك قال كان مما صنع الله به لرسوله أن هذين الحيين من الأنصار الأوس والخزرج كانا يتصاولان مع رسول الله صلى الله عليه و سلم تصاول الفحلين لا تصنع الأوس شيئا فيه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم غناء إلا قالت الخزرج والله لا يذهبون هذه فضلا علينا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم في الإسلام فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها قال وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس مثل ذلك فلما أصابت الأوس كعب بن الأشرف في عداوته لرسول الله صلى الله عليه و سلم قالت الخزرج لا يذهبون بها فضلا علينا أبدا قال فتذاكروا من رجل لرسول الله صلى الله عليه و سلم في العداوة كابن الأشرف فذكروا ابن أبي الحقيق وهو بخيبر فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه و سلم في قتله فأذن لهم فخرج إليه من الخزرج ثم من بني سلمة خمسة نفر عبدالله بن عتيك ومسعود بن سنان وعبدالله بن أنيس وأبو قتادة الحارث بن ربعي وخزاعي بن الأسود حليف لهم من أسلم فخرجوا وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم عبدالله بن عتيك ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة فخرجوا حتى قدموا خيبر فأتوا دار ابن أبي الحقيق ليلا فلم يدعوا بيتا في الدار إلا أغلقوه من خلفهم على أهله وكان في علية له إليها عجلة رومية فأسندوا فيها حتى قاموا على بابه فاستأذنوا فخرجت إليهم امرأته فقالت من أنتم فقالوا نفر من العرب نلتمس الميرة قالت ذاك صاحبكم فادخلوا عليه فلما دخلنا أغلقنا عليها وعليه باب الحجرة وتخوفنا أن تكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه قال فصاحت امرأته ونوهت بنا وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا والله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطية ملقاة قال ولما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها السيف ثم يذكر نهي رسول الله
(2/56)
________________________________________
صلى الله عليه و سلم فيكف يده ولولا ذلك فرغنا منها بليل فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبدالله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول قطني قطني قال ثم خرجنا وكان عبدالله بن عتيك سيء البصر فوقع من الدرجة فوثئت رجله وثئا شديدا واحتملناه حتى نأتي به منهرا من عيونهم فندخل فيه قال وأوقدوا النيران واشتدوا في كل وجه يطلبوننا حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه وهو يقضي بينهم قال فقلنا كيفلنا بأن نعلم أن عدو الله قد مات فقال رجل منا أنا أذهب فأنظر لكم فانطلق حتى دخل في الناس قال فوجدته ورجال يهود عنده وامرأته في يدها المصباح تنظر في وجهه ثم قالت تحدثهم وتقول أما والله لقد عرفت صوت ابن عتيك ثم أكذبت فقلت أنى ابن عتيك بهذه البلاد ثم أقبلت عليه لتنظر في وجهه ثم قالت فاظ وإله يهود قال يقول صاحبنا فما سمعت من كلمة كانت ألذ إلى نفسي منها ثم جاءنا فأخبرنا الخبر فاحتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه و سلم وأخبرناه بقتل عدو الله واختلفنا عنده في قتله وكلنا يدعيه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم هاتوا أسيافكم فجئناه بها فنظر إليها فقال لسيف عبدالله بن أنيس هذا قتله أرى فيه أثر الطعام فقال حسان بن ثابت وهو يذكر قتل كعب بن الأشرف وسلام بن أبي الحقيق ... لله در عصابة لاقيتهم ... يابن الحقيق وأنت يا بن الأشرف ... يسرون بالبيض الخفاف إليكم ... مرحا كأسد في عرين مغرف ... حتى أتوكم في محل بلادكم ... فسقوكم حتفا ببيض ذفف ... مستبصرين لنصر دين نبيهم ... مستضعفين لكل أمر مجحف ...
حدثني موسى بن عبدالرحمن المسروقي وعباس بن عبدالعظيم العنبري قالا حدثنا جعفر بن عون قال حدثنا إبراهيم بن إسماعيل قال حدثني إبراهيم بن عبدالرحمن بن كعب بن مالك أن أباه حدثه عن أمة ابنه عبدالله بن أنيس أنها حدثته عن عبدالله بن أنيس أن الرهط الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى ابن أبي الحقيق ليقتلوه عبدالله بن عتيك وعبدالله بن أنيس وأبو قتادة وحليف لهم ورجل من الأنصار وأنهم قدمو خيبر ليلا قال فعمدنا إلى أبوابهم نغلقها من خارج ونأخذ المفاتيح حتى أغلقنا عليهم أبوابهم ثم أخذنا المفاتيح فألقيناها في فقير ثم جئنا إلى المشربة التي فيها ابن أبي الحقيق فظهرت عليها أنا وعبدالله بن عيتك وقعد أصحابنا في الحائط فاستأذن عبدالله بن عتيك فقالت امرأة ابن أبي الحقيق إن هذا لصوت عبدالله بن عتيك قال ابن أبي الحقيق ثكلتك أمك عبدالله بن عتيك بيثرب أين هو عندك هذه الساعة افتحي لي إن الكريم لا يرد عن بابه هذه الساعة فقامت ففتحت فدخلت أنا وعبدالله على ابن أبي الحقيق فقال عبدالله بن عتيك دونك قال فشهرت عليها السيف فأذهب لأضربها بالسيف فأذكر نهي رسول الله صلى الله عليه و سلم عن قتل النساء والولدان فأكف عنها فدخل عبدالله بن عتيك على ابن أبي الحقيق قال فأنظر إليه في مشربة مظلمة إلى شدة بياضه فلما رآني ورأى السيف أخذ الوسادة فاتقاني بها فأذهب لأضربه فلا أستطيع فوخزته بالسيف وخزا ثم خرج إلي عبدالله بن أنيس فقال أقتله قال نعم فدخل عبدالله بن أنيس فذفف عليه قال ثم خرجت إلى عبدالله بن عتيك فانطلقنا وصاحت المرأة وابياتاه وابياتاه قال فسقط عبدالله بن عتيك في الدرجة فقال وارجلاه وارجلاه فاحتمله عبدالله بن أنيس حتى وضعه إلى الأرض قال قلت انطلق ليس برجلك
(2/57)
________________________________________
بأس قال فانطلقنا قال عبدالله بن أنيس جئنا أصحابنا فانطلقنا ثم ذكرت قوسي أني تركتها في الدرجة فرجعت إلى قوسي فإذا أهل خيبر يموج بعضهم في بعض ليس لهم كلام إلا من قتل ابن أبي الحقيق من قتل ابن أبي الحقيق قال فجعلت لا أنظر في وجه إنسان ولا ينظر في وجهي إنسان إلا قلت من قتل ابن أبي الحقيق قال ثم صعدت الدرجة والناس يظهرون فيها وينزلون فأخذت قوسي من مكانها ثم ذهبت فأدركت أصحابي فكنا نكمن النهار ونسير الليل فإذا كمنا بالنهار أقعدنا منا ناطورا ينظر لنا فإن رأى شيئا أشار إلينا فانطلقنا حتى إذا كنا بالبيضاء كنت قال موسى أنا ناطورهم وقال عباس كنت أنا ناطورهم فأشرت إليهم فذهبوا جمزا وخرجت في آثارهم حتى إذا اقتربنا من المدينة أدركتهم قالوا ما شأنك هل رأيت شيئا قلت لا إلا أني قد عرفت أن قد بلغكم الإعياء والوصب فأحببت أن يحملكم الفزع قال أبو جعفر وفي هذه السنة تزوج النبي صلى الله عليه و سلم حفصة بنت عمر في شعبان وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة السهمي في الجاهلية فتوفي عنها وفيها كانت غزوة رسول الله صلى الله عليه و سلم أحدا وكانت في شوال يوم السبت لسبع ليال خلون منه فيما قيل من سنة ثلاث من الهجرة

بنالعياط
17-11-2012, 09:51 PM
غزوة أحد
قال أبو جعفر وكان الذي هاج غزوة أحد بين رسول الله صلى الله عليه و سلم ومشركي قريش وقعة بدر وقتل من قتل ببدر من أشراف قريش ورؤسائهم فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال وحدثني محمد بن مسلم بن عبيدالله بن شهاب الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبدالرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا كلهم قد حدث ببعض هذا الحديث عن يوم أحد وقد اجتمع حديثهم كلهم فيما سقت من الحديث عن يوم أحد قالوا لما اصيبت قريش أومن قاله منهم يوم بدر من كفار قريش من أصحاب القليب فرجع فلهم إلى مكة ورجع ابو سفيان بن حرب بعيره مشى عبدالله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر فكلموا ابا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة فقالوا يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأرا بمن أصيب منا ففعلوا فاجتمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه و سلم حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العير بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة وكل أولئك قد استعووا على حرب رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان أبو عزة عمرو بن عبدالله الجمحي قد من عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم بدر وكان فقيرا ذا بنات وكان في الأسارى فقال يا رسول الله إني فقير ذو عيال وحاجة قد عرفتها فامنن علي صلى الله عليك فمن عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال صفوان بن أمية يا أبا عزة إنك امرؤ شاعر فأعنا بلسانك فاخرج معنا فقال إن محمدا قد من علي فلا أريد أن أظاهر عليه فقال بلى فأعنا بنفسك فلك الله إن رجعت أن
(2/58)
________________________________________
أغنيك وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر فخرج أبو عزة يسير في تهامة ويدعو بني كنانة وخرج مسافع بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح إلى بني مالك بن كنانة يحرضهم ويدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه و سلم ودعا جبير بن مطعم غلاما له يقال له وحشي كان حبشيا يقذف بحربة له قذف الحبشة قلما يخطئ بها فقال له اخرج مع الناس فإن أنت قتلت عم محمد بعمي طعيمة بن عدي فأنت عتيق فخرجت قريش بحدها وجدها وأحابيشها ومن معها من بني كنانة وأهل تهامة وخرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة ولئلا يفروا فخرج أبو سفيان بن حرب وهو قائد الناس معه هند بنت عتبة بن ربيعة وخرج عكرمة بن أبي جهل بن هشام بن المغيرة بأم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة وخرج الحارث بن هشام بن المغيرة بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة وخرج صفوان بن المية بن خلف ببرزة قال أبو جعفر وقيل ببرة بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثقفية وهي أم عبدالله بن صفوان وخرج عمرو بن العاص بن وائل بريطة بنت منبه بن الحجاج وهي أم عبدالله بن عمرو بن العاص وخرج طلحة بن أبي طلحة وأبو طلحة عبدالله بن عبدالعزى بن عثمان بن عبدالدار بسلافة بنت سعد بن شهيد وهي أم بني طلحة مسافع والجلاس وكلاب قتلوا يومئذ وأبوهم وخرجت خناس بنت مالك بن المضرب إحدى نساء بني مالك بن حسل مع ابنها أبي عزيز بن عمير وهي أم مصعب بن عمير وخرجت عمرة بنت علقمة إحدىنساء بن الحارث بن عبد مناة بن كنانة وكانت هند بنت عتبة بن ربيعة كلما مرت بوحشي أو مر بها قالت إيه أبا دسمة اشف واشتف وكان وحشي يكنى ابا دسمة فأقبلوا حتى نزلوا بعينين بجبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مما يلي المدينة فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم للمسلمين إني قد رأيت بقرا فأولتها خيرا ورأيت في ذباب سيفي ثلما ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها ونزلت قريش منزلها من أحد يوم الأربعاء فأقاموا به ذلك اليوم ويوم الخميس ويوم الجمعة وراح رسول الله صلى الله عليه و سلم حين صلى الجمعة فأصبح بالشعب من أحد فالتقوا يوم السبت للنصف من شوال وكان رأي عبدالله بن أبي بن سلول مع رأي رسول الله صلى الله عليه و سلم يرى رأي رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك ألا يخرج إليهم وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يكره الخروج من المدينة فقال رجال من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيرهم ممن كان فاته بدر وحضوره يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا فقال عبدالله بن أبي بن سلول يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر مجلس وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه و سلم الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم فلبس لأمته وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار يقال له مالك بن عمرو أحد بني النجار فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا استكرهنا رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يكن ذلك لنا
(2/59)

بنالعياط
17-11-2012, 11:00 PM
قال أبو جعفر وأما السدي فإنه قال في ذلك غير هذا القول ولكنه قال ما حدثني محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط عن السدي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما سمع بنزول المشركين من قريش وأتباعها أحدا قال لأصحابه أشيروا علي ما أصنع فقالوا يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الأكلب فقالت الأنصار يا رسول الله ما غلبنا عدو لنا قط أتانا في ديارنا فكيف وأنت فينا فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم عبدالله بن أبي بن سلول ولم يدعه قط قبلها فاستشاره فقال يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الأكلب وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يعجبه أن يدخلوا عليه المدينة فيقاتلوا في الأزقة فأتاه النعمان بن مالك الأنصاري فقال يا رسول الله لا تحرمني الجنة فوالذي بعثك بالحق لأدخلن الحنة فقال له بم قال بأني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وأني لا أفر من الزحف قال صدقت فقتل يومئذ ثم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم دعا بدرعه فلبسها فلما رأوه قد لبس السلاح ندموا وقالوا بئس ما صنعنا نشير على رسول الله والوحي يأتيه فقاموا فاعتذروا إليه وقالوا اصنع ما رأيت فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أحد في ألف رجل وقد وعدهم الفتح إن صبروا فلما خرج رجع عبدالله بن أبي بن سلول في ثلاثمائة فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم فلما غلبوه وقالوا له ما نعلم قتالا ولئن أطعتنا لترجعن معنا قال الله عز و جل إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ( 1 ) فهم بنو سلمة وبنو حارثة هموا بالرجوع حين رجع عبدالله بن أبي فعصمهم الله عز و جل وبقي رسول الله صلى الله عليه و سلم في سبعمائة رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال قالوا لما خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم قالوا يا رسول الله استكرهناك ولم يكن ذلك لنا فإن شئت فاقعد صلى الله عليك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل فخرج رسول الله في ألف رجل من أصحابه حتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة انخزل عنه عبدالله بن أبي بن سلول بثلث الناس فقال أطاعهم فخرج وعصاني والله ما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفاق وأهل الريب واتبعهم عبدالله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند ما حضر من عدوهم قالوا لو نعلم أنكم تقاتولن ما أسلمناكم ولكنا لا نرى أن يكون قتال فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنه قال أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم قال أبو جعفر قال محمد بن عمر الواقدي انخزل عبدالله بن أبي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من الشيخين بثلاثمائة وبقي رسول الله صلى الله عليه و سلم في سبعمائة وكان المشركون ثلاثة آلاف والخيل مائتي فرس والظعن خمس عشرة امرأة قال وكان في المشركين سبعمائة دارع وكان في المسلمين مائة دارع ولم يكن معهم من الخيل إلا فرسان فرس لرسول الله صلى الله عليه و سلم وفرس لأبي بردة بن نيار الحارثي فأدلج رسول الله صلى الله عليه و سلم من الشيخين حين طلعت الحمراء وهما أطمان كان يهودي ويهودية أعميان يقومان عليهما فيتحدثان فلذلك سميا
(2/60)
________________________________________
الشيخين وهو في طرف المدينة قال وعرض رسول الله صلى الله عليه و سلم المقاتلة بالشيخين بعد المغرب فأجاز من أجاز ورد من رد قال وكان فيمن رد زيد بن ثابت وابن عمر وأسيد بن ظهير والبراء بن عازب وعرابة بن أوس قال وهو الذي قال فيه الشماخ ... رأيت عرابة الأوسي ينمي ... إلى الخيرات منقطع القرين ... إذا ما راية ورفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين ...
قال ورد أبا سعيد الخدري وأجاز سمره بن جندب ورافع بن خديج وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد استصغر رافعا فقام على خفين له فيهما رقاع وتطاول على أطراف أصابعه فلما رآه رسول الله صلى الله عليه و سلم أجازه
حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال كانت أم سمرة بن جندب تحت مري بن سنان بن ثعلبة عم أبي سعيد الخدري فكان ربيبه فلما خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أحد وعرض أصحابه فرد من استصغر رد سمرة بن جندب وأجاز رافع بن خديج فقال سمرة بن جندب لربيبه مري بن سنان يا أبت أجاز رسول الله صلى الله عليه و سلم رافع بن خديج وردني وأنا أصرع رافع بن خديج فقال مري بن سنان يا رسول الله رددت ابني وأجزت رافع بن خديج وابني يصرعه فقال النبي صلى الله عليه و سلم لرافع وسمرة تصارعا فصرع سمرة رافعا فأجازه رسول الله صلى الله عليه و سلم فشهدها مع المسلمين قال وكان دليل النبي صلى الله عليه و سلم أو حثمة الحارثي رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال ومضى رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى سلك في حرة بني حارثة فدب فرس بذنبه فأصاب كلاب سيف فاستله فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان يحب الفأل ولا يعتاف لصاحب السيف شم سيفك فإني أرى السيوف ستسل اليوم ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأصحابه من رجل يخرج بنا على القوم من كثب من طريق لا يمر بنا عليهم فقال أبو حثمة أخو بني حارثة بن الحارث أنا يا رسول الله فقدمه فنفذ به في حرة بني حارثة وبين أموالهم حتى سلك به في مال المربع بن قيظي وكان رجلا منافقا ضرير البصر لما سمع حس رسول الله صلى الله عليه و سلم ومن معه من المسلمين قام يحثي في وجوههم التراب ويقول إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل حائكي قال وقد ذكر لي أنه أخذ حفنة من تراب في يده ثم قال لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تفعلوا فهذا الأعمى البصر الأعمى القلب وقد بدر إليه سعد بن زيد أخو بني عبد الأشهل حين نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عنه فضربه بالقوس في رأسه فشجه ومضى رسول الله صلى الله عليه و سلم على وجهه حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي إلى الجبل فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع كانت بالصمغة من قناة للمسلمين فقال رجل من المسلمين حين نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن القتال أترعى زروع بني قيلة ولما نضارب وتعبأ رسول الله صلى الله عليه و سلم للقتال وهو في سبعمائة رجل وتعبأت قريش وهم ثلاثة ألاف رجل ومعهم مائتا فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل وأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم على الرماة عبدالله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف وهو يومئذ
(2/61)
________________________________________
معلم بثياب بيض والرماة خمسون رجلا وقال انضج عنا الخيل بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك وظاهر رسول الله صلى الله عليه و سلم بين درعين
فحدثنا هارون بن إسحاق قال حدثنا مصعب بن المقدام قال حدثنا إسرائيل وحدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي عن إسرائيل قال حدثنا أبو إسحاق عن البراء قال لما كان يوم أحد ولقي رسول الله صلى الله عليه و سلم المشركين أجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم رجالا بإزاء الرماة وأمر عليهم عبدالله بن جبير وقال لهم لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا ظهرنا عليهم وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا فلما لقي القوم هزم المشركين حتى رأيت النساء قد رفعن عن سوقهن وبدت خلاخيلهن فجعلوا يقولون الغنيمة الغنيمة فقال عبدالله مهلا أما علمتم ما عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه و سلم فأبوا فانطلقوا فلما أتوهم صرف الله وجوههم فأصيب من ا لمسلمين سبعون
حدثني محمد بن سعد قال حدثني أبي قال حدثني عمي قال حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قال أقبل أبو سفيان في ثلاث ليال خلون من شوال حتى نزل أحدا وخرج النبي صلى الله عليه و سلم فأذن في الناس فاجتمعوا وأمر الزبير على الخيل ومعه يومئذ المقداد بن الأسود الكندي وأعطى رسول الله صلى الله عليه و سلم اللواء رجلا من قريش يقال له مصعب بن عمير وخرج حمزة بن عبد المطلب بالحسر وبعث حمزة بين يديه وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين ومعه عكرمة بن أبي جهل فبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم الزبير وقال استقبل خالد بن الوليد فكن بإزائه حتى أوذنك وأمر بخيل أخرى فكانوا من جانب آخر فقال لا تبرحن حتى أوذنكم وأقبل أبو سفيان يحمل اللات والعزى فأرسل النبي صلى الله عليه و سلم إلى الزبير أن يحمل فحمل على خالد بن الوليد فهزمه الله ومن معه فقال ولقد صدقكم الله وعده إلى قوله من بعد ما أراكم ما تحبون ( 1 ) وإن الله عز و جل وعد المؤمنين أن ينصرهم وأنه معهم وأن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث ناسا من الناس فكانوا من ورائهم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم كونوا ها هنا فردوا وجه من فرمنا وكونوا حراسا لنا من قبل ظهورنا وأن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما هزم القوم هو وأصحابه قال الذين كانوا جعلوا من ورائهم بعضهم لبعض ورأوا النساء مصعدات في الجبل ورأوا الغنائم انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأدركوا الغنيمة قبل أن يسبقونا إليها وقالت طائفة أخرى بل نطيع رسول الله صلى الله عليه و سلم فنثبت مكاننا فذلك قوله لهم منكم من يريد الدنيا الذين أرادوا الغنيمة ومنكم من يريد الآخرة الذين قالوا نطيع رسول الله ونثبت مكاننا فكان ابن مسعود يقول ما شعرت أن أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يومئذ
حدثني محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط عن السدي قال لما برز رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المشركين بأحد أمر الرماة فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين وقال لهم لا تبرحوا مكانكم إن رأيتم أننا قد هزمناهم فإنا لا نزال غالبين ما تبتم مكانكم وأمر عليهم عبدالله بن جبير أخا خوات بن جبير ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال يا معشر أصحاب محمد إنكم تزعمون
(2/62)
________________________________________
أن الله يعجلنا بسيوفكم إلى النار ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة فهل منكم أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة أو يعجلني بسيفه إلى النار فقام إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى أعجلك بسيفي إلى النار أو تعجلني بسيفك إلى الجنة فضربه علي فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته فقال أنشدك الله والرحم يا بن عم فتركه فكبر رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال لعلي ما منعك أن تجهز عليه قال إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته فاستحييت منه ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم وحمل النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه فهزموا أبا سفيان فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة فانقمع فلما نظر الرماة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه بادروا الغنيمة فقال بعضهم لا نترك أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم وانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر فلما رأى خالد قلة الرماة صاح في خيله ثم حمل فقتل الرماة وحمل على أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم فلما رأى المشركون أن خيلهم تقاتل تنادوا فشدوا على المسلمين فهزموهم وقتلوهم
فحدثني بشر بن آدم قال حدثنا عمرو بن عاصم الكلابي قال حدثنا عبيد الله بن الوازع عن هشام بن عروة عن أبيه قال قال الزبير عرض رسول الله صلى الله عليه و سلم سيفا في يده يوم أحد فقال من يأخذ هذا السيف بحقه قال فقمت فقلت أنا يا رسول الله قال فأعرض عني ثم قال من يأخذ هذا السيف بحقه فقمت فقلت أنا يا رسول الله فأعرض عني ثم قال من يأخذ هذا السيف بحقه قال فقام أبو دجانة سماك بن خرشة فقال أنا آخذه بحقه وما حقه قال حقه ألا تقتل به مسلما وألا تفر به عن كافر قال فدفعه إليه قال وكان إذا أراد القتال أعلم بعصابة قال فقلت لأنظرن اليوم ما يصنع قال فجعل لا يرتفع له شيء إلا هتكه وأفراه جنة تمنخة لة مسزو في سفج جبل معهن دفوف لهن فيهن امرأة تقول ... نحن بنات طارق ... إن تقبلوا نعانق ... ونبسط النمارق ... أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق ...
قال فرفع السيف ليضربها ثم كف عنها قال قلت كل عملك قد رأيت أرأيت رفعك للسيف عن المرأة بعدما أهويت به إليها قال فقال أكرمت سيف رسول الله أن أقتل به امرأة رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم من يأخذ هذا السيف بحقه فقام إليه رجال فأمسكه عنهم حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بني ساعدة فقال وماحقه يا رسول الله قال أن تضرب به في العدو حتى ينحني فقال أنا آخذه بحقه يا رسول الله فأعطاه إياه وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب إذا كانت وكان إذا أعلم بعصابة له حمراء يعصبها على رأسه علم الناس أنه سيقاتل فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه و سلم أخذ عصابته تلك فعصب بها رأسه ثم جعل يتبختر بين الصفين
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني جعفر بن
(2/63)
________________________________________
عبد الله بن أسلم مولى عمر بن الخطاب عن رجل من الأنصار من بني سلمة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم حين رأى أبا دجانة يتبختر إنها لمشية يبغضها الله عز و جل إلا في هذا الموطن وقد أرسل أبو سفيان رسولا فقال يا معشر الأوس والخزرج خلوا بيننا وبين ابن عمنا ننصرف عنكم فإنه لا حاجة لنا بقتالكم فردوه بما يكره
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة أن أبا عامر عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان بن أمة أحد بني ضبيعة وقد كان خرج إلى مكة مباعدا لرسول الله صلى الله عليه و سلم معه خمسون غلاما من الأوس منهم عثمان بن حنيف وبعض الناس يقول كانوا خمسة عشر فكان يعد قريشا أن لو قد لقي محمدا لم يختلف عليه منهم رجلان فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر في الأحابيش وعبدان أهل مكة فنادى يا معشر الأوس أنا أبو عامر قالوا فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق و كان أبو عامر يسمى في الجاهلية الراهب فسماه رسول الله صلى الله عليه و سلم الفاسق فلما سمع ردهم عليه قال لقد أصاب قومي بعدي شر ثم قاتلهم قتالا شديدا ثم راضخهم بالحجارة وقد قال أبو سفيان لأصحاب اللواء من بني عبد الدار يحرضهم بذلك على القتال يا بني عبدالدار إنكم وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فسنكفيكموه فهموا به وتواعدوه وقالوا نحن نسلم إليك لواءنا ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع وذلك الذي أراد أبو سفيان فلما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض قالت هند بنت عتبة في النسوة اللواتي معها وأخذن الدفوف يضربن خلف الرجال ويحرضنهم فقالت هند فيما تقول ... إن تقبلوا نعانق ... ونفرش النمارق ... أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق ... وتقول ... ويها بني عبد الدار ... ويها حماة الأدبار ... ضربا بكل بتار ...
واقتتل الناس حتى حميت الحرب وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس وحمزة بن عبدالمطلب وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين فأنزل الله عز و جل نصره وصدقهم وعده فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم وكانت الهزيمة لا شك فيها
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن يحبى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه عن جده قال قال الزبير والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل كثير إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب وخلوا ظهورنا للخيل فأتينا من أدبارنا وصرخ صارخ ألا إن محمدا قد قتل فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم أن اللواء لم
(2/64)
________________________________________
يزل صريعا حتى أخذت سمرة بنت علقمة الحارثية فرفعته لقريش فلاثوا به وكان اللواء مع صواب غلام لبني أبي طلحة حبشي وكان آخر من أخذه منهم فقاتل حتى قطعت يداه ثم برك عليه فأخذ اللواء بصدره وعنقه حتى قتل عليه وهو يقول اللهم هل أعذرت فقال حسان بن ثابت في قطع يد صواب حين تقاذفوا بالشعر ... فخرتم باللواء وشر فخر ... لواء حين رد إلى صواب ... جعلتم فخركم فيها لعبد ... من الأم من وطي عفر التراب ... ظننتم والسفيه له ظنون ... وما إن ذاك من أمر الصواب ... بأن جلادنا يوم التقينا ... بمكة بيعكم حمر العياب ... أقر العين أن عصبت يداه ... وما إن تعصبان على خضاب ...
حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا حبان بن علي عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده قال لما قتل علي بن أبي طالب أصحاب الألوية أبصر رسول الله صلى الله عليه و سلم جماعة من مشركي قريش فقال لعلي احمل عليهم فحمل عليهم ففرق جمعهم وقتل عمرو بن عبدالله الجمحي قال ثم أبصر رسول الله صلى الله عليه و سلم جماعة من مشركي قريش فقال لعلي احمل عليهم فحمل عليهم ففرق جماعتهم وقتل شيبة بن مالك أحد بن عامر بن لؤي فقال جبريل يا رسول الله إن هذه للمواساة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إنه مني وأنا منه فقال جبريل وأنا منكما قال فسمعوا صوتا ... لا سيف إلا ذو الفقا ... ر ولا فتى إلا علي ...
قال أبو جعفر فلما أتي المسلمون من خلفهم انكشفوا وأصاب منهم المشركون وكان المسلمون لما أصابهم ما أصابهم من البلاء أثلاثا ثلث قتيل وثلث جريح وثلث منهزم وقد جهدته الحرب حتى ما يدري ما يصنع وأصيبت رباعية رسول الله صلى الله عليه و سلم السفلى وشقت شفته وكلم في وجنتيه وجبهته في أصول شعره وعلاه ابن قميئة بالسيف على شقه الأيمن وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص
حدثنا ابن بشار قال حدثنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس بن مالك قال لما كان يوم أحد كبرت رباعية رسول الله صلى الله عليه و سلم وشج فجعل الدم يسيل على وجهه وجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى الله عز و جل فأنزل الله عز و جل ليس لك من الأمر شيء ( 1 ) الاية قال أبو جعفر وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم حين غشيه القوم من رجل يشري لنا نفسه
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني الحصين بن عبدالرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن محمود بن عمرو بن يزيد بن السكن قال فقام زياد بن السكن في نفر خمسة من الأنصار وبعض الناس يقول إنما هو عمارة بن زياد بن السكن فقاتلوا دون رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلا ثم رجلا يقتلون دونه حتى كان آخرهم زياد أو عمارة بن زياد بن السكن
(2/65)
________________________________________
فقاتل حتى أثبتته الجراحة ثم فاءت من المسلمين فئة حتى أجهضوهم عنه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أدنوه مني فأدنوه منه فوسد قدمه فمات وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم وترس دون رسول الله صلى الله عليه و سلم أبو دجانة بنفسه يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه حتى كثرت فيه النبل ورمى سعد بن أبي وقاص دون رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال سعد فلقد رأيته يناولني ويقول ارم فداك أبي وأمي حتى إنه ليناولني اسهم ما فيه نصل فيقول ارم به
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته
حدثنا إبن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ردها بيده فكانت أحسن عينيه وأحدهما قال أبو جعفر وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله صلى الله عليه و سلم ومعه لواؤه حتى قتل وكان الذي أصابه ابن قميئة الليثي وهو يظن أنه رسول الله ص فرجع إلى قريش فقال قتلت محمدا فلما قتل مصعب بن عمير أعطى رسول الله صلى الله عليه و سلم اللواء علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطأة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء ثم مر به سباع بن عبد العزى الغيشاني وكان يكنى بأبي نيار فقال له حمزة بن عبد المطلب هلم إلي يابن مقطعة البظور وكانت أمه أم أنمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفي وكانت ختانة بمكة فلما التقيا ضربه حمزة فقتله فقال وحشي غلام جبير بن مطعم والله إني لأنظر إلى حمزة يهذ الناس بسيفه ما يليق شيئا يمر به مثل الجمل الأورق إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى فقال له حمزة هلم إلي يا بن مقطعة البظور فضربه فكأنما أخطأ رأسه وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في لبته حتى خرجت من بين رجليه وأقبل نحوي فغلب فوقع فأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتي ثم تنحيت إلى العسكر ولم يكن لي بشيء حاجة غيره وقد قتل عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح أخو بني عمرو بن عوف مسافع بن طلحة وأخاه كلاب بن طلحة كلاهما يشعره سهما فيأتي أمه سلافة فيضع رأسه في حجرها فتقول يا بني من أصابك فيقول سمعت رجلا حين رماني يقول خذها وأنا ابن الأقلح فتقول أقلحي فنذرت لله إن الله أمكنها من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر وكان عاصم قد عاهد الله ألا يمس مشركا أبدا ولا يمسه
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني القاسم بن عبدالرحمن بن رافع أخو بني عدي بن النجار قال انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم فقال ما يجلسكم قالوا قتل محمد رسول الله قال فما تصنعون بالحياة بعده قوموا فموتوا [ كراما ] على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل وبه سمي أنس بن مالك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني حميد الطويل عن
(2/66)
________________________________________
أنس بن مالك قال لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة وطعنة فما عرفه إلا أخته عرفته بحسن بنانه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال كان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد الهزيمة وقول الناس قتل رسول الله صلى الله عليه و سلم كما حدثني ابن شهاب الزهري كعب بن مالك أخو بني سلمة قال عرفت عينيه تزهران تحت المغفر فناديت بأعلى صوتي يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم فأشار إلي رسول الله صلى الله عليه و سلم أن أنصت فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه و سلم نهضوا به ونهض نحو الشعب معه علي بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وطلحة بن عبيدالله والزبير بن العوام والحارث بن الصمة في رهط من المسلمين فلما أسند رسول الله صلى الله عليه و سلم في الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول أين محمد لا نجوت إن نجوت فقال القوم يا رسول الله أيعطف عليه رجل منا قال دعوه فلما دنا تناول رسول الله صلى الله عليه و سلم الحربة من الحارث بن الصمة قال يقول بعض الناس فيما ذكر لي فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه و سلم انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البيعير إذا انتفض بها ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا وكان أبي بن خلف كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن صالح بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف يلقى رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة فيقول يا محمد إن عندي العود أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه فيقول رسول الله صلى الله عليه و سلم بل أنا أقتلك إن شاء الله فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم قال قتلني والله محمد قالوا ذهب والله فؤادك والله إن بك بأس قال إنه قد كان بمكة قال لي أنا أقتلك فوالله لو بصق علي لقتلني فمات عدو الله بسرف وهم قافلون به إلى مكة قال فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى فم الشعب خرج علي بن أبي طالب حتى ملأ درقته من المهراس ثم جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ليشرب منه فوجد له ريحا فعافه ولم يشرب منه وغسل عن وجهه الدم وصب على رأسه وهو يقول اشتد غضب الله على من دمى وجه نبيه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني صالح بن كيسان عمن حدثه عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يقول والله ما حرصت على قتل رجل قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقاص وإن كان ما علمت لسيء الخلق مبغضا في قومه ولقد كفاني منه قول رسول الله صلى الله عليه و سلم اشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله
حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط عن السدي قال أتى ابن قميئة الحارثي أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة فرمى رسول الله صلى الله عليه و سلم بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله وتفرق عنه أصحابه ودخل بعضهم المدينة وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها وجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعو الناس إلي عباد الله إلي عباد الله فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فجعلوا يسيرون بين يديه فلم يقف أحد إلا طلحة وسهل بن حنيف فحماه طلحة فرمي بسهم في يده فيبست يده واقبل أبي بن خلف الجمحي وقد حلف ليقتلن النبي
(2/67)
________________________________________
صلى الله عليه و سلم فقال بل أنا أقتله فقال يا كذاب أين تفر فحمل عليه فطعنه النبي صلى الله عليه و سلم في جيب الدرع فجرح جرحا خفيفا فوقع يخور خوار الثور فاحتملوه وقالوا ليس بك جراحة فما يجزعك قال أليس قال لأقتلنك لو كانت بجميع ربيعة ومضر لقتلتهم فلم يلبث إلا يوما أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح وفشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد قتل فقال بعض أصحاب الصخرة ليث لنا رسولا إلى عبدالله بن أبي فيأخذ لنا أمنة من أبي سفيان يا قوم إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم قال أنس بن النضر يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل وانطلق رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه فأراد أن يرميه فقال أنا رسول الله فقرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه و سلم حيا وفرح رسول الله صلى الله عليه و سلم حين رأى أن في أصحابه من يمتنع به فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ذهب عنهم الحزن فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا فقال الله عز و جل للذين قالوا إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ( 1 ) فأقبل أبو سفيان حتى أشرف عليهم فلما نظروا إليه نسوا ذلك الذي كانوا عليه وأهمهم أبو سفيان فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ليس لهم أن يعلونا اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم فقال أبو سفيان يومئذ اعل هبل حنظلة بحنظلة ويوم بيوم بدر وقتلوا يومئذ حنظلة بن الراهب وكان جنبا فغسلته الملائكة وكان حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر وقال أبو سفيان لنا العزى ولا عزى لكم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لعمر قل الله مولانا ولا مولى لكم فقال أبو سفيان أفيكم محمد أما إنها قد كانت فيكم مثلة ما أمرت بها ولا نهيت عنها ولا سرتني ولا ساءتني فذكر الله عز و جل إشراف أبي سفيان عليهم فقال فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والغم الأول ما فاتهم من الغنيمة والفتح والغم الثاني إشراف العدو عليهم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة ولا ما أصابكم ( 2 ) من القتل حتى تذكرون فشغلهم أبو سفيان قال أبو جعفر وأما ابن إسحاق فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه بينا رسول الله صلى الله عليه و سلم في الشعب ومعه أولئك النفر من أصحابه إذ علت عالية من قريش الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم عن الجبل ونهض رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى صخرة من الجبل ليعلوها وقد كان بدن رسول الله صلى الله عليه و سلم وظاهر بين درعين فلما ذهب لينهض لم يستطع فجلس تحته طلحة بن عبيدالله فنهض حتى استوى عليها
(2/68)
________________________________________
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم كما حدثنا يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه عن عبدالله بن الزيير عن الزبير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول يومئذ أوجب طلحة حين صنع برسول الله ما صنع قال أبو جعفر وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى انتهى بعضهم إلى المنقى دون الأعوص وفر عثمان بن عفان وعقبة بن عثمان وسعد بن عثمان ( رجلان من الأنصار ) حتى بلغوا الجلعب ( جبلا بناحية المدينة مما يلي الأعوص ) فأقاموا به ثلاثا ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لهم لقد ذهبتم فيها عريضة قال أبو جعفر وقد كان حنظلة بن أبي عامر الغسيل التقى هو وأبو سفيان بن حرب فلما استعلاه حنظلة رآه شداد بن الأسود وكان يقال له ابن شعوب قد علا أبا سفيان فضربه شداد فقتله فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن صاحبكم يعني حنظلة لتغسله الملائكة فسلوا أهله ما شأنه فسئلت صاحبته فقالت خرج وهو جنب حين سمع الهائعة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لذلك غسلته الملائكة فقال شداد بن الأسود في قتلة حنظلة ... لأحمين صاحبي ونفسي ... بطعنة مثل شعاع الشمس ... وقال أبو سفيان بن حرب وهو يذكر صبره ذلك اليوم ومعاونة ابن شعوب شداد بن الأسود إياه على حنظلة ... ولو شئت نجتني كميت طمرة ... ولم أحمل النعماء لابن شعوب ... فما زال مهري مزجر الكلب منهم ... لدى غدوة حتى دنت لغروب ... أقاتلهم وأدعي يال غالب ... وأدفعهم عني بركن صليب ... فبكي ولا ترعي مقالة عاذل ... ولا تسأمي من عبرة ونحيب ... أباك وإخوانا له قد تتابعوا ... وحق لهم من عبرة بنصيب ... وسلى الذي قد كان في النفس أنني ... قتلت من النجار كل نجيب ... ومن هاشم قرما نجيبا ومصعبا ... وكان لدى الهيجاء غير هيوب ... ولو أنني لم أشف منهم قرونتي ... لكانت شجى في القلب ذات ندوب ... فأبوا وقد أودى الحلائب منهم ... لهم خدب من مغبط وكئيب ... أصابهم من لم يكن لدمائهم ... كفيا ولا في خطة بضريب ... فأجابه حسان بن ثابت فقال ... ذكرت القروم الصيد من آل هاشم ... ولست لزور قلته بمصيب ... أتعجب أن أقصدت حمزة منهم ... نجيبا وقد سميته بنجيب ... ألم يقتلوا عمرا وعتبة وابنه ... وشيبة والحجاج وابن حبيب ... غداة دعا العاصي عليا فراعه ... بضربة عضب بله بخضيب ...
وقال شداد بن الأسود يذكر يده عند أبي سفيان بن حرب فيما دفع عنه
(2/69)
________________________________________
ولولا دفاعي يابن حرب ومشهدي ... لأفيت يوم النعف غير مجيب ... ولولا مكري المهر بالنعف قرقرت ... ضباع عليه أو ضراء كليب ... وقال الحارث بنهشام يجيب أباسفيان في قوله ... وما زال مهري مزجر الكلب منهم ... وظن أنه يعرض به إذ فر يوم بدر ... وإنك لو عاينت ما كان منهم ... لأبت بقلب ما بقيت نخيب ... لدى صحن بدرا أو لقامت نوائح ... عليك ولم تحفل مصاب حبيب ... جزيتهم يوما ببدر كمثله ... على سابح ذي ميعة وشبيب ...
قال أبو جعفر وقد وقفت هند بنت عتبة فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني صالح بن كيسان والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يجدعن الآذان والأنوف حتى اتخذت هند من آذان الرجال وآنفهم خدما وقلائد وأعطت خدمها وقلائدها وقرطتها وحشيا غلام جبير بن مطعم وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها بما قالت من الشعر حين ظفروا بما أصابوا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني صالح بن كيسان أنه حدث أن عمر بن الخطاب قال لحسان يا بن الفريعة لو سمعت ما تقول هند ورأيت أشرها قائمة على صخرة ترتجز بنا وتذكر ما صنعت بحمزة فقال له حسان والله إني لأنظر إلى الحربة تهوي وأنا على رأس فارع يعني أطمة فقلت والله إن هذه لسلاح ما هي بسلاح العرب وكأنها إنما تهوي إلى حمزة ولا أدري أسمعني بعض قولها أكفيكموها قال فأنشده عمر بعض ما قالت فقال حسان يهجو هندا ... أشرت لكاع وكان عادتها ... لؤما إذا أشرت مع الكفر 5 ... لعن الإله وزوجها معها ... هند الهنود عظيمة البظر ... أخرجت مرقصة إلى أحد ... في القوم مقتبة على بكر ... بكر ثفال لا حراك به ... لا عن معاتبة ولا زجر ... وعصاك إستك تتقين بها ... دقي العجاية هند بالفهر ... قرحت عجيزتها ومشرجها ... من دأبها نضا على القتر ... ظلت تداويها زميلتها ... بالماء تنضحه وبالسدر ... أخرجت ثائرة مبادرة ... بأبيك وابنك يوم ذي بدر ... وبعمك المستوه في ردع ... وأخيك منعفرين في الجفر ... ونسيت فاحشة أتيت بها ... يا هند ويحك سبة الدهر
(2/70)

بنالعياط
19-11-2012, 11:28 PM
فرحعت صاغرة بلا ترة ... منا ظفرت بها ولا نصر ... زعم الولائد أنها ولدت ... ولدا صغيرا كان من عهر ...
قال أبو جعفر ثم إن أبا سفيان بن حرب أشرف على القوم فيما حدثنا هارون بن إسحاق قال حدثنا مصعب بن المقدام قال حدثنا إسرائيل
وحدثنا ابن وكيع قال حدثني أبي عن إسرائيل قال حدثنا أبو إسحاق عن البراء قال ثم إن أبا سفيان أشرف علينا فقال أفي القوم محمد فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تجيبوه مرتين ثم قال أفي القوم ابن أبي قحافة ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تجيبوه ثم قال أفي القوم ابن الخطاب ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تجيبوه ثم التفت إلى أصحابه فقال أما هؤلاء فقد قتلوا لو كانوا في الأحياء لأجابوا فلم يملك عمر بن الخطاب نفسه أن قال كذبت يا عدو الله قد أبقى الله لك ما يخزيك فقال اعل هبل اعل هبل فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أجيبوه قالوا ما نقول قال قولوا الله أعلى وأجل قال أبو سفيان ألا لنا العزى ولا عزى لكم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أجيبوه قالوا ما نقول قولوا الله مولانا ولا مولى لكم قال أبو سفيان يوم بيوم بدر والحرب سجال أما إنكم ستجدون في القوم مثلا لم آمر بها ولم تسؤني
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال في حديثه لما أجاب عمر أبا سفيان قال له أبو سفيان هلم يا عمر فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم إيته فانظر ما شأنه فجاءه فقال له أبو سفيان أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمدا فقال عمر اللهم لا وإنه ليسمع كلامك الآن فقال أنت أصدق عندي من ابن قميئة وأبر لقول ابن قميئة لهم إني قتلت محمدا ثم نادى أبو سفيان فقال إنه قد كان في قتلاكم مثل والله ما رضيت ولا سخطت ولا نهيت ولا أمرت وقد كان الحليس بن زبان أخو بني الحارث بن عبد مناة وهو يومئذ سيد الأحابيش قد مر بأبي سفيان بن حرب وهو يضرب في شدق حمزة بزج الرمح وهو يقول ذق عقق فقال الحليس يا بني كنانة هذا سيد قريش يصنع بابن عمه كما ترون لحما فقال اكتمها فإنها كانت زلة فلما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى إن موعدكم بدر للعام المقبل فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لرجل من أصحابه قل نعم هي بيننا وبينك موعد ثم بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم علي بن أبي طالب عليه السلام فقال اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون فإن كانوا قد اجتنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة فوالذي نفسي بيده لئن أرادهوا لأسيرن إليهم فيها ثم لأناجزنهم قال علي فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون فلما اجتنبوا الخيل وامتطوا الإبل توجهوا إلى مكة وقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال أي ذلك كان فأخفه حتى تأتيني قال علي عليه السلام فلما رأيتهم قد توجهوا إلى مكة أقبلت أصيح ما أستطيع أن أكتم الذي أمرني به رسول الله صلى الله عليه و سلم لما بي من الفرح إذ رأيتهم انصرفوا إلى مكة عن المدينة وفرغ الناس لقتلاهم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال
(2/71)
________________________________________
حدثني محمد بن إسحاق عن محمد بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي صعصعة المازني أخي بني النجار أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع وسعد أخو بني الحارث بن الخزرج أفي الأحياء هو أم في الأموات فقال رجل من الأنصار أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل فنظر فوجده جريحا في القتلى به رمق فقلت له إن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمرني أن أنظر له أفي الأحياء أنت أم في الأموات قال فأنا في الأموات أبلغ رسول الله عني السلام وقل له إن سعد بن الربيع يقول لك جزاك الله خير ما جزي نبي عن أمته وأبلغ عني قومك السلام وقل لهم إن سعد بن الربيع يقول لكم إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم صلى الله عليه و سلم وفيكم عين تطرف ثم لم أبرح حتى مات فجئت رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبرته خبره وخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما بلغني يلتمس حمزة بن عبدالمطلب فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ومثل به فجدع أنفه وأذناه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه و سلم حين رأى بحمزة ما رأى قال لولا أن تحزن صفية أو تكون سنة من بعدي لتركته حتى يكون في أجواف السباع وحواصل الطير ولئن أنا أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه و سلم وغيظه على ما فعل بعمه قالوا والله لئن ظهرنا عليهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق قال أخبرني بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس قال ابن حميد قال سلمة وحدثني محمد بن إسحاق قال وحدثني الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس قال إن الله عز و جل أنزل في ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه و سلم وقول أصحابه وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ( 1 ) إلى آخر السورة فعفا رسول الله صلى الله عليه و سلم وصبر ونهى عن المثلة قال ابن إسحاق وأقبلت فيما بلغني صفية بنت عبدالمطلب لتنظر إلى حمزة وكان أخاها لأبيها وأمها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لابنها الزبير بن العوام القها فارجعها لا ترى ما بأخيها فلقيها ا لزبير فقال لها يا أمه إن رسول الله صلى الله عليه و سلم يأمرك أن ترجعي فقالت ولم وقد بلغني أنه مثل بأخي وذلك في الله قليل فما أرضانا بما كان من ذلك لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله فلما جاء الزبير رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبره بذلك قال خل سبيلها فأتته فنظرت إليه وصلت عليه واسترجعت واستغفرت له ثم أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم به فدفن
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال فحدثني محمد بن إسحاق قال فزعم بعض آل عبدالله بن جحش وكان لأميمة بنت عبدالمطلب خاله حمزة وكان قد مثل به كما مثل بحمزة إلا أنه لم يبقر عن كبده أن رسول الله صلى الله عليه و سلم دفنه مع حمزة في قبره ولم أسمع ذلك إلا عن أهله
(2/72)
________________________________________
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني عاصم بن قتادة عن محمود بن لبيد قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أحد وقع حسيل بن جابر وهو اليمان أبو حذيفة بن اليمان وثابت بن وقش بن زعوراء في الآطام مع النساء والصبيان فقال أحدهما لصاحبه وهما شيخان كبيران لا أبا لك ما تنظر فوالله إن بقي لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار إنما نحن هامة اليوم أو غد أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله صلى الله عليه و سلم لعل الله عز و جل يرزقنا شهادة مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخذا أسيافهما ثم خرجا حتى دخلا في الناس ولم يعلم بهما فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون وأما حسيل بن جابر اليمان فاختلف عليه أسياف المسلمين فقتلوه ولا يعرفونه فقال حذيفة أبي قالوا والله أن عرفناه وصدقوا قال حذيفة يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين فأراد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يديه فتصدق حذيفة بديته على المسلمين فزادته عند رسول الله صلى الله عليه و سلم خيرا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قالت محمد بن إسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رجلا منهم كان يدعى حاطب بن أمية بن رافع وكان له ابن يقال له يزيد بن حاطب أصابته جراحة يوم أحد فأتي به إلى دار قومه وهو يموت فاجتمع إليه أهل الدار فجعل المسلمون يقولون من الرجال والنساء أبشر يا حاطب بالجنة قال وكان حاطب شيخا قد عسا في الجاهلية فنجم يومئذ نفاقه فقال بأي شيء تبشرونه أبجنة من حرمل غررتم والله هذا الغلام من نفسه وفجعتموني به
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة قال كان فينا رجل أتي لا يدرى من أين هو يقال له قزمان فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إذا ذكر له إنه لمن أهل النار فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديدا فقتل هو وحده ثمانية من المشركين أو تسعة وكان شهما شجاعا ذا بأس فأثبتته الجراحة فاحتمل إلى دار بني ظفر قال فجعل رجال من المسلمين يقولون والله لقد أبليت اليوم يا قزمان فأبشر قال بم أبشر فوالله إن قاتلت إلا على أحساب قومي ولولا ذلك ما قاتلت فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهما من كنانته فقطع رواهشه فنزفه الدم فمات فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أشهد أني رسول الله حقا وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق اليهودي وكان أحد بني ثعلبة بن الفطيون لما كان ذلك اليوم قال يا معشر يهود والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق قالوا إن اليوم يوم السبت فقال لا سبت فأخذ سيفه وعدته وقال إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء ثم غدا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقاتل معه حتى قتل فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما بلغني مخيريق خير اليهود
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال وقد احتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها ثم نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك وقال ادفنوهم حيث صرعوا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني أبي إسحاق بن يسار عن أشياخ من بني سلمة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال يومئذ حين أمر بدفن القتلى انظروا عمرو بن الجموح
(2/73)
________________________________________
وعبدالله بن عمرو بن حرام فإنهما كانا متصافيين في الدنيا فاجعلوهما في قبر واحد قال فلما احتفر معاوية القناة أخرجا وهما ينثيان كأنما دفنا بالأمس قال ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم راجعا إلى المدينة فلقيته حمنة بنت جحش كما ذكر لي فنعي لها أخوها عبدالله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له ثم نعي لها خالها حمزة بن عبدالمطلب فاسترجعت واستغفرت له ثم نعي لها زوجها مصعب بن عمير فصاحت وولولت فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن زوج المرأة منها لبمكان لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها وصياحها على زوجها قال ومر رسول الله صلى الله عليه و سلم بدار من دور الأنصار من بني عبدالأشهل وظفر فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه و سلم فبكى ثم قال لكن حمزة لا بواكي له فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير إلى دار بني عبدالأشهل أمر نساءهم أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله صلى الله عليه و سلم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني عبدالواحد بن أبي عون عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص قال مر رسول الله صلى الله عليه و سلم بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه و سلم بأحد فلما نعوا لها قالت فما فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم قالوا خيرا يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين قالت أرنيه حتى أنظر إليه فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت كل مصيبة بعدك جلل قال أبو جعفر فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال اغسلي عن هذه دمه يا بنية وناولها عليه السلام سيفه وقال وهذا فاغسلي عنه فوالله لقد صدقني اليوم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لئن كنت صدقت القتال لقد صدق معك سهل بن حنيف وأبو دجانة سماك بن خرشة وزعموا أن علي بن أبي طالب حين أعطى فاطمة عليهما السلام سيفه قال ... أفاطم هاك السيف غير ذميم ... فلست برعديد ولا بمليم ... لعمري لقد قاتلت في حب أحمد ... وطاعة رب بالعباد رحيم ... وسيفي بكفي كالشهاب أهزه ... أجد به من عاتق وصميم ... فما زلت حتى فض ربي جموعهم ... وحتى شفينا نفس كل حليم ...
وقال أبو دجانة حين أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه و سلم فقاتل به قتالا شديدا وكان يقول رأيت إنسانا يخمش الناس خمشا شديدا فصمدت له فلما حملت عليه بالسيف ولولت فإذا امراة فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه و سلم أن أضرب به امرأة وقال أبو دجانة ... أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النخيل ... ألا أقوم الدهر في الكيول ... أضرب بسيف الله والرسول ...
وكان رجوع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة يوم السبت وذلك يوم الوقعة بأحد فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني حسين بن عبدالله عن عكرمة قال كان
(2/74)
________________________________________
يوم أحد يوم السبت للنصف من شوال فلما كان الغد من يوم أحد وذلك يوم الأحد لست عشرة ليلة خلت من شوال أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه و سلم في الناس بطلب العدو وأذن مؤذنه ألا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس فكلمه جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام فقال يا رسول الله إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع وقال لي يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه و سلم على نفسي فتخلف على أخواتك فتخلفت عليهن فأذن له رسول الله صلى الله عليه و سلم فخرج معه وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم مرهبا للعدو وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال فحدثني عبدالله بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان أن رجلا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم من بني عبدالأشهل كان شهد أحدا قال شهدت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم أنا وأخ لي فرجعنا جريحين فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه و سلم بالخروج في طلب العدو قلت لأخي وقال لي أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه و سلم والله مالنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح ثقيل فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وكنت أيسر جرحا منه فكنت إذا غلب حملته عقبة ومشىعقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى انتهى إلى حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال فأقام بها ثلاثا الاثنين والثلاثاء والأربعاء ثم رجع إلى المدينة وقد مر به فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم معبد الخزاعي وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة رسول الله صلى الله عليه و سلم بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عليه شيئا كان بها ومعبد يومئذ مشرك فقال يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله كان أعفاك فيهم ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه و سلم بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه وقالوا أصبنا حد أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم فلما رأى أبو سفيان معبدا قال ما وراءك با معبد قال محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط قال ويلك ما تقول قال والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل قال فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم قال فإني أنهاك عن ذلك فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا من شعر قال وماذا قلت قال قلت ... كادت تهدمن الأصوات راحلتي ... إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل ... تردي بأسد كرام لا تنابلة ... عند اللقاء ولا خرق معازيل ... فظلت عدوا أظن الأرض مائلة ... لما سموا برئيس غير مخذول ... فقلت ويل ابن حرب من لقائكم ... إذا تغطمطت البطحاء بالجيل ... إني نذير لأهل البسل صاحية ... لكل ذي إربة منهم ومعقول
(2/75)
________________________________________
من جيش أحمد لا وخش قنابله ... وليس يوصف ما أنذرت بالقيل ...
قال فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه ومر به ركب من عبد القيس فقال أين تريدون قالوا نريد المدينة قال ولم قالوا نريد الميرة قال فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها إليه وأحمل لكم إبلكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها قالوا نعم قال فإذا جئتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا المسير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم فمر الركب برسول الله صلى الله عليه و سلم وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال ابو سفيان فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه حسبنا الله ونعم الوكيل قال أبو جعفر ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة بعد الثالثة فزعم بعض أهل الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ظفر في وجهه إلى حمراء الأسد بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص وأبي عزة الجمحي وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم خلف على المدينة حين خرج إلى حمراء الأسد ابن أم مكتوم وفي هذه السنة أعني سنة ثلاث من الهجرة ولد الحسن بن علي بن أبي طالب في النصف من شهر رمضان وفيها علقت فاطمة بالحسين صلوات الله عليهما وقيل لم يكن بين ولادتها الحسن وحملها بالحسين إلا خمسون ليلة وفيها حملت فيما قيل جميلة بنت عبدالله بن أبي بعبدالله بن حنظلة بن أبي عامر في شوال
(2/76)

بنالعياط
19-11-2012, 11:54 PM
ذكر الأحداث التي كانت في سنة أربع من الهجرة
ثم دخلت السنة الرابعة من الهجرة فكان فيها غزوة الرجيع في صفر وكان من أمرها ما حدثني به ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة قال قدم على رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد أحد رهط من عضل والقارة فقالوا له يا رسول الله إن فينا إسلاما وخيرا فابعث معنا نفر من اصحابك يفقهوننا في الدين ويقرءوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام فبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم معه نفرا سنة من أصحابه مرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبدالمطلب وخالد بن البكير حليف بني عدي بن كعب وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخا بني عمرو بن عوف وخبيب بن عدي أخا بني جحجبي بن كلفة بن عمرو بن عوف وزيد بن الدثنة أخا بني بياضة بن عامر وعبدالله بن طارق حليف لبني ظفر من بلي وأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم على القوم مرثد بن أبي مرثد فخرجوا مع القوم حتى إذا كانوا على الرجيع ( ماء لهذيل بناحية من الحجاز من صدور الهدأة ) غدروا بهم فاستصرخوا عليهم هذيلا فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا بالرجال في أيديهم السيوف قد غشوهم فأخذوا بأسيافهم ليقاتلوا القوم فقالوا لهم إنا والله ما نريد قتلكم ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة ولكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم فأما مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فقالوا والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا فقاتلوهم حتى قتلوهم جميعا وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبدالله بن طارق فلانوا ورقوا ورغبوا في الحياة فأعطوا بأيديهم فأسروهم ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبدالله بن طارق يده من القران ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه فقبره بالظهران وأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فقدموا بهما مكة فباعوهما فابتاع خبيبا حجير بن أبي إهاب التميمي حليف بني نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل وكان حجير أخا الحارث بن عامر لأمه ليقتله بأبيه وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف وقد كانت هذيل حين قتل عاصم بن ثابت قد أرادوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد وكانت قد نذرت حين أصاب ابنها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر فمنعته الدبر فلما حالت بينهم وبينه قالوا دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فتأخذه فبعث الله الوادي فاحتمل عاصما فذهب به وكان عاصم قد
(2/77)
________________________________________
أعطى الله عهدا ألا يمسه مشرك أبدا ولا يمس مشركا أبدا تنجسا منه فكان عمر بن الخطاب يقول حين بلغه أن الدبر منعته عجبا لحفظ الله العبد المؤمن كان عاصم نذر ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا في حياته فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه في حياته قال أبو جعفر وأما غير ابن إسحاق فإنه قص من خبر هذه السرية غير الذي قصه والذي غيره من ذلك ما حدثنا أبو كريب قال حدثنا جعفر بن عون العمري قال حدثنا إبراهيم بن إسماعيل عن عمرو أو عمر بن أسيد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث عشرة رهط وأمر عليهم عاصم بن ثابت فخرجوا حتى إذا كانوا بالهدأة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان فبعثوا إليهم مائة رجل راميا فوجدوا مأكلهم حيث أكلوا التمر فقالوا هذه نوى يثرب ثم اتبعوا آثارهم حتى إذا أحس بهم عاصم وأصحابه التجأوا إلى جبل فأحاط بهم الآخرون فاستنزلوهم وأعطوهم العهد فقال عاصم والله لا أنزل على عهد كافر اللهم أخبر نبيك عنا ونزل إليهم ابن الدثنة البياضي وخبيب ورجل آخر فأطلق القوم أوتار قسيهم ثم أوثقوهم فجرحوا رجلا من الثلاثة فقال هذا والله أول الغدر والله لا أتبعكم فضربوه فقتلوه وانطلقوا بخبيب وابن الدثنة إلى مكة فدفعوا خبيبا إلي بني الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف وكان خبيب هو الذي قتل الحارث بأحد فبينما خبيب عند بنات الحارث إذ استعار من إحدى بنات الحارث موسى يستحد بها للقتل فما راع المرأة ولها صبي يدرج إلا بخبيب قد أجلس الصبي على فخذه والموسى في يده فصاحت المرأة فقال خبيب أتخشين أني أقتله إن الغدر ليس من شأننا قال فقالت المرأة بعد ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب لقد رأيته وما بمكة من ثمرة وإن في يده لقطفا من عنب يأكله إن كان إلا رزقا رزقه الله خبيبا وبعث حي من قريش إلى عاصم ليؤتوا من لحمه بشيء وقد كان لعاصم فيهم آثار بأحد فبعث الله عليه دبرا فحمت لحمه فلم يستطيعوا أن يأخذوا من لحمه شيئا فلما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه قال ذروني أصل ركعتين فتركوه فصلى سجدتين فجرت سنة لمن قتل صبرا أن يصلي ركعتين ثم قال خبيب لولا أن يقولوا جزع لزدت وما أبالي ... على أي شق كان لله مصرعي ... ثم قال ... وذلك في ذات الأله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع ...
اللهم أحصهم عددا وخذهم بددا ثم خرج به أبو سروعة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف فضربه فقتله
حدثنا أبو كريب قال حدثنا جعفر بن عون عن إبراهيم بن إسماعيل قال وأخبرني جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثه وحده عينا إلى قريش قال فجئت إلى خشبة خبيب وأنا أتخوف العيون فرقيت فيها فحللت خبيبا فوقع إلى الآرض فانتبذت غير بعيد ثم التفت فلم أر لخبيب رمة فكأنما الأرض ابتلعته فلم تذكر لحبيب رمة حتى الساعة قال أبو جعفر وأما زيد بن الدثنة فإن صفوان بن أمية بعث به فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا
(2/78)
________________________________________
سلمة عن ابن إسحاق مع مولى له يقال له نسطاس إلى التنعيم وأخرجه من الحرم ليقتله واجتمع إليه رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا عندنا الآن مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك قال والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي قال يقول أبو سفيان ما رأيت في الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا ثم قتله نسطاس
ذكر الخبر عن عمرو بن أمية الضمري إذ وجهه رسول الله صلى الله عليه و سلم لقتل أبي سفيان بن حرب
ولما قتل من وجهه النبي صلى الله عليه و سلم إلى عضل والقارة من أهل الرجيع وبلغ خبرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث عمرو بن أمية الضمري إلى مكة مع رجل من الأنصار وأمرهما بقتل أبي سفيان بن حرب
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل قال حدثني محمد بن إسحاق عن جعفر بن الفضل بن الحسن بن عمرو بن أمية الضمري عن أبيه عن جده يعني عمرو بن أمية قال قال عمرو بن أمية بعثني رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد قتل خبيب وأصحابه وبعث معي رجلا من الأنصار فقال ائتيا أبا سفيان بن حرب فاقتلاه قال فخرجت أنا وصاحبي ومعي بعير لي وليس مع صاحبي بعير وبرجله علة فكنت أحمله على بعيري حتى جئنا بطن يأجج فعقلنا بعيرنا في فناء شعب فأسندنا فيه فقلت لصاحبي انطلق بنا إلى دار أبي سفيان فإني محاول قتله فانظر فإن كانت مجاولة أو خشيت شيئا فالحق بعيرك فاركبه والحق بالمدينة فأت رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبره الخبر وخل عني فإني رجل عالم بالبلد جريء عليه نجيب الساق فلما دخلنا مكة ومعي مثل خافية النسر يعني خنجرة قد أعددته إن عانقني إنسان قتلته به فقال لي صاحبي هل لك أن نبدأ فنطوف بالبيت أسبوعا ونصلي ركعتين فقلت أنا أعلم بأهل مكة منك إنهم إذا أظلموا رشوا أفنيتهم ثم جلسوا بها وأنا أعرف بها من الفرس الأبلق قال فلم يزل بي حتى أتينا البيت فطفنا به أسبوعا وصلينا ركعتين ثم خرجنا فمررنا بمجلس من مجالسهم فعرفني رجل منهم فصرخ بأعلى صوته هذا عمرو بن أمية قال فتبادرنا أهل مكة وقالوا تالله ما جاء بعمرو خير والذي يحلف به ما جاءها قط إلا لشر وكان عمرو رجلا فاتكا متشيطنا في الجاهلية قال فقاموا في طلبي وطلب صاحبي فقلت له النجاء هذا والله الذي كنت أحذر أما الرجل فليس إليه سبيل فانج بنفسك فخرجنا نشتد حتى أصعدنا في الجبل فدخلنا في غار فبتنا فيه ليلتنا وأعجزناهم فرجعوا وقد استترت دونهم بأحجار حين دخلت الغار وقلت لصاحبي أمهلني حتى يسكن الطلب عنا فإنهم والله ليطلبنا ليلتهم هذه ويومهم هذا حتى يمسوا قال فوالله إني لفيه إذ أقبل عثمان بن مالك بن عبيدالله التيمي يتخيل بفرس له فلم يزل يدنو ويتخيل بفرسه حتى قام علينا بباب الغار قال فقلت لصاحبي هذا والله ابن مالك والله لئن رآنا ليعلمن بنا أهل مكة قال فخرجت إليه فوجأته بالخنجر تحت الثدي فصاح صيحة أسمع أهل مكة فأقبلوا إليه ورجعت إلى مكاني فدخلت فيه وقلت لصاحبي مكانك قال واتبع أهل مكة الصوت يشتدون فوجدوه وبه رمق فقالوا ويلك من
(2/79)
________________________________________
ضربك قال عمرو بن أمية ثم مات وما أدركوا ما يستطيع أن يخبرهم بمكاننا فقالوا والله لقد علمنا أنه لم يأت لخير وشغلهم صاحبهم عن طلبنا فاحتملوه ومكثنا في الغار يومين حتى سكن عنا الطلب ثم خرجنا إلى التنعيم فإذا خشبة خبيب فقال لي صاحبي هل لك في خبيب تنزله عن خشبته فقلت أين هو قال هو ذاك حيث ترى فقلت نعم فأمهلني وتنح عني قال وحوله حرس يحرسونه قال عمرو بن أمية فقلت للأنصاري إن خشيت شيئا فخذ الطريق إلى جملك فاركبه والحق برسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبره الخبر فاشتددت إلى خشبته فاحتللته واحتملته على ظهري فوالله ما مشيت إلا نحو أربعين ذراعا حتى نذروا بي فطرحته فما أنسى وجبته حين سقط فاشتدوا في أثري فأخذت طريق الصفراء فأعيوا فرجعوا وانطلق صاحبي إلى بعيره فركبه ثم أتى النبي صلى الله عليه و سلم فأخبره أمرنا وأقبلت أمشي حتى إذا أشرفت على الغليل غليل ضجنان دخلت غارا فيه ومعي قوسي وأسهمي فبينا أنا فيه إذ دخل علي رجل من بني الديل بن بكر أعور طويل يسوق غنما له فقال من الرجل فقلت رجل من بني بكر قال وأنا من بني بكر ثم أحد بني الديل ثم اضطجع معي فيه فرفع عقيرته يتغنى ويقول ... ولست بمسلم ما دمت حيا ... ولست أدين دين المسلمينا ... فقلت سوف تعلم فلم يلبث الأعرابي أن نام وغط فقمت إليه فقتلته أسوأ قتلة قتلها أحد أحدا قمت إليه فجعلت سية قوسي في عينه الصحيحة ثم تحاملت عليها حتى أخرجتها من قفاه قال ثم أخرج مثل السبع وأخذت المحجة كأني نسر وكان النحاء حتى أخرج على بلد قد وصفه ثم على ركوبة ثم على النقيع فإذا رجلان من أهل مكة بعثتهما قريش يتحسسان من أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فعرفتهما فقلت استأسرا فقالا أنحن نستأسر لك فأرمي أحدهما بسهم فأقتله ثم قلت للآر استأسر فاستأسر فأوثقته فقدمت به على رسول الله صلى الله عليه و سلم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن سليمان بن وروان عن أبيه عن عمرو بن أمية قال لما قدمت المدينة مررت بمشيخة من الأنصار فقالوا هذا والله عمرو بن أمية فسمع الصبيان قولهم فاشتدوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يخبرونه وقد شددت إبهام أسيري بوتر قوسي فنظر النبي صلى الله عليه و سلم إليه فضحك حتى بدت نواجذه ثم سألني فأخبرته الخبر فقال لي خيرا ودعا لي بخير وفي هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه و سلم زينب بنت خزيمة أم المساكين من بني هلال في شهر رمضان ودخل بها فيه وكان أصدقها اثنتي عشرة أوقية ونشا وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث فطلقها
ذكر خبر بئر معونة

بنالعياط
20-11-2012, 09:20 PM
ذكر خبر بئر معونة
قال أبو جعفر وفي هذه السنة أعني سنة أربع من الهجرة كان من أمر السرية التي وجهها رسول الله صلى الله عليه و سلم فقتلت ببئر معونة وكان سبب توجيه النبي صلى الله عليه و سلم إياهم لما وجههم له ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال وحدثني محمد بن إسحاق قال فأقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرم وولي تلك الحجة المشركون ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد وكان من حديثهم ما حدثني أبي
(2/80)
________________________________________
إسحاق بن يسار عن المغيرة بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام وعبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيرهما من أهل العلم قالوا قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة وكان سيد بني عامر بن صعصعة على رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة وأهدى له هدية فأبى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يقبلها وقال يا أبا براء لا أقبل هدية مشرك فأسلم إن أردت أن أقبل هديتك ثم عرض عليه الإسلام وأخبره بما له فيه وما وعد الله المؤمنين من الثواب وقرأ عليه القرآن فلم يسلم ولم يبعد وقال يا محمد إن أمرك هذا الذي تدعو إليه حسن جميل فلو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إني أخشى عليهم أهل نجد فقال أبو براء أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك فبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة المعنق ليموت في أربعين رجلا من أصحابه من خيار المسلمين منهم الحارث بن الصمة وحرا م بن ملحان أخو بني عدي بن النجار وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر في رجال مسمين من خيار المسلمين
فحدثنا ابن حميدن قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن حميد الطويل عن انس بن مالك قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم المنذر بن عمرو في سبعين راكبا فساروا حتى نزلوا بئر معونة وهي أرض بين أرض بني عامر وحرة بني سليم كلا البلدين منها قريب وهي إلى حرة بني سليم أقرب فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى عامر بن الطفيل فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله ثم استصرخ عليهم بني عامر فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه وقاولوا لن نخفر أبا براء قد عقد لهم عقدا وجوارا فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم عصية ورعلا وذكوان فأجابوه إلى ذلك فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا السيوف ثم قاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النجار فإنهم تركوه وبه رمق فارتث من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ورجل من الأنصار أحد بني عمرو بن عوف فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر فقالا والله إن لهذه الطير لشأنا فأقبلا لينظرا إليه فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة فقال الأنصاري لعمرو بن أمية ماذا ترى قال أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه و سلم فنخبره الخبر فقال الأنصاري لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو وما كنت لتخبرني عنه الرجال ثم قاتل القوم حتى قتل وأخذوا عمرو بن أمية أسيرا فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه فخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا معه في ظل هو فيه وكان مع العامريين عقد من رسول الله صلى الله عليه و سلم وجوار لم يعلم به عمرو بن أمية وقد سألهما حين نزلا ممن أنتما فقالا من بني عامر فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما وهو يرى أنه قد اصاب بهما ثؤرة من بني عامر بما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه و سلم أخبره الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لقد قتلت قتيلين لأدينهما ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا عمل أبي براء قد كنت لهذا كارها متخوفا فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه وما أصاب رسول الله صلى الله عليه و سلم بسببه وجواره وكان فيمن
(2/81)
________________________________________
أصيب عامر بن فهيرة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه أ عامر بن الطفيل كان يقول إن الرجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء من دونه قالوا هو عامر بن فهيرة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن أحد بني جعفر رجل من بني جبار بن سلمى بن مالك بن جعفر قال كان جبار فيمن حضرها يومئذ مع عامر ثم أسلم بعد ذلك قال فكان يقول مما دعاني إلى الإسلام أني طعنت رجلا منهم يومئذ بالرمح بين كتفيه فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره فسمعته يقول حين طعنته فزت والله قال فقلت في نفسي ما فاز أليس قد قتلت الرجل حتى سألت بعد ذلك عن قوله فقالوا الشهادة قال فقلت فاز لعمر الله فقال حسان بن ثابت يحرض بني أبي البراء على عامر بن الطفيل ... بني أم البنين ألم يرعكم ... وأنتم من ذوائب أهل نجد ... تهكم عامر بأبي براء ... ليخفره وما خطأ كعمد ... ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي ... فما أحدثت في الحدثان بعدي ... أبوك أبو الحروب أبو براء ... وخالك ماجد حكم بن سعد ... وقال كعب بن مالك في ذلك أيضا ... لقد طارت شعاعا كل وجه ... خفارة ما أجار أبو براء ... فمثل مسهب وبني أبيه ... بجنب الرد ةمن كنفي سواء ... بني أم البنين أما سمعتم ... دعاء المستغيث مع المساء ... وتنويه الصريخ بلى ولكن ... عرفتم أنه صدق اللقاء ... فما صفرت عياب بني كلاب ... ولا القرطاء من ذم الوفاء ... أعامر عامر السوءات قدما ... فلا بالعقل فزت ولا السناء ... أأخفرت النبي وكنت قدما ... إلى السوءات تجري بالعراء ... فلست كجار جار أبي دواد ... ولا الأسدي جار أبي العلاء ... ولكن عاركم داء قديم ... وداء الغدر فاعلم شر داء ...
فلما بلغ ربيعة بن عامر أبي البراء قول حسان وقول كعب حمل على عامر بن الطفيل فطعنه فشطب الرمح عن مقتله فخر عن فرسه فقال هذا عمل أبي براء إن مت فدمي لعمي ولا يتبعن به وإن أعش فسأرى رأيي فيما أتي إلي
حدثني محمد بن مرزوق قال حدثنا عمرو بن يونس عن عكرمة قال حدثنا إسحاق بن أبي طلحة قال حدثني أنس بن مالك في أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم الذين أرسلهم رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أهل بئر معونة قال لا أدري أربعين أو سبعين وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري فخرج أولئك النفر من
(2/82)
________________________________________
أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم الذين بعثوا حتى أتوا غارا مشرفا على الماء قعدوا فيه ثم قال بعضهم لبعض أيكم يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه و سلم أهل هذا الماء فقال أراه ابن ملحان الأنصاري أنا أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه و سلم فخرج حتى أتى حواء منهم فاحتبى أمام البيوت ثم قال يا أهل بئر معونة إني رسول رسول الله إليكم إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فآمنوا بالله ورسوله فخرج إليه من كسر البيت برمح فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر فقال الله أكبر فزت ورب الكعبة فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه في الغار فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل قال إسحاق حدثني أنس بن مالك أن الله عز و جل أنزل فيهم قرآنا بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه ثم نسخت فرفعت بعدما قرأناه زمانا وأنزل الله عز و جل ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين ( 1 )
حدثني العباس بن الوليد قال حدثني أبي قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة الأنصاري عن أنس بن مالك قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى عامر بن الطفيل الكلابي سبعين رجلا من الأنصار قال فقال أميرهم مكانكم حتى آتيكم بخبر القوم فلما جاءهم قال أتؤمونني حتى أخبركم برسالة رسول الله صلى الله عليه و سلم قالوا نعم فبينا هو عندهم إذ وخزه رجل منهم بالسنان قال فقال الرجل فزت ورب الكعبة فقتل فقال عامر لا أحسبه إلا أن له أصحابا فاقتصوا أثره حتى أتوهم فقتلوهم فلم يفلت منهم إلا رجل واحد قال أنس فكنا نقرأ فيما نسخ بلغوا عنا إخوانا ان قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه وفي هذه السنة أعني السنة الرابعة من الهجرة أجلى النبي صلى الله عليه و سلم بني النضير عن ديارهم

بنالعياط
20-11-2012, 09:59 PM
ذكر خبر جلاء بني النضير
قال أبو جعفر وكان سبب ذلك ما ذكرنا قبل من قتل عمرو بن أمية الضمري الرجلين الذين قتلهما في منصرفه من الوجه الذي كان رسول الله صلى الله عليه و سلم وجهه إليه مع أصحاب بئر معونة وكان لهما من رسول الله صلى الله عليه و سلم جوار وعهد وقيل إن عامر بن الطفيل كتب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم إنك قتلت رجلين لهما منك جوار وعهد فابعث بديتهما فانطلق رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى قباء ثم مال إلى بني النضير مستعينا بهم في ديتهما ومعه نفر من المهاجرين والأنصار فيهم أبو بكر وعمر وعلي وأسيد بن حضير
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر اللذين قتل عمرو بن أمية الضمري للجوار الذي كان رسول الله صلى الله عليه و سلم عقده لهما كما حدثني يزيد بن رومان وكان بين بني النضير وبين بني عامر حلف وعقد فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه و سلم يستعينهم في دية ذينك القتيلين قالوا نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا إنكم لن تجدوا هذا الرجل على مثل حاله
(2/83)
________________________________________
هذه ورسول الله صلى الله عليه و سلم إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد فقالوا من رجل يعلو على هذ البيت فيلقي عليه صخرة فيقتله بها فيريحنا منه فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب أحدهم فقال أنا لذلك فصعد ليلقي عليه الصخرة كما قال ورسول الله صلى الله عليه و سلم في نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي فأتى رسول الله صلى الله عليه و سلم الخبر من السماء بما أراد القوم فقام وقال لأصحابه لا تبرحوا حتى آتيكم وخرج راجعا إلىالمدينة فلما استلبث رسول الله صلى الله عليه و سلم أصحابه قاموا في طلبه فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه عنه فقال رأيته داخلا المدينة فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى انتهوا إليه فأخبرهم الخبر بما كانت يهود قد أرادت من الغدر به وأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم ثم سار بالناس إليهم حتى نزل بهم فتحصنوا منه في الحصون فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بقطع النخل والتحريق فيها فنادوه يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه فما بال قطع النخل وتحريقها
قال أبو جعفر وأما الواقدي فإنه ذكر أن بني النضير لما تآمروا بما تآمروا به من إدلاء الصخرة على رسول الله صلى الله عليه و سلم نهاهم عن ذلك سلام بن مشكم وخوفهم الحرب وقال هو يعلم ما تريدون فعصوه فصعد عمرو بن جحاش ليدحرج الصخرة وجاء النبي صلى الله عليه و سلم الخبر من السماء فقام كأنه يريد حاجة وانتظره أصحابه فأبطأ عليهم وجعلت يهود تقول ما حبس أبا القاسم وانصرف أصحابه فقال كنانة بن صوريا جاءه الخبر بما هممتم به قال ولما رجع أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم انتهوا إليه وهو جالس في المسجد فقالوا يا رسول الله انتظرناك ومضيت فقال همت يهود بقتلي وأخبرنيه الله عز و جل ادعوا لي محمد بن مسلمة قال فأتي محمد بن مسلمة فقال اذهب إلى يهود فقل لهم اخرجوا من بلادي فلا تساكنوني وقد هممتم بما هممتم به من الغدر قال فجاءهم محمد بن مسلمة فقال لهم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم يأمركم أن تظعنوا من بلاده فقالوا يا محمد ما كنا نظن أن يجيئنا بهذا رجل من الأوس فقال محمد تغيرت القلوب ومحا الإسلام العهود فقالوا نتحمل قال فأرسل إليهم عبدالله بن أبي يقول لا تخرجوا فإن معي من العرب وممن انضوى إلي من قومي ألفين فأقيموا فهم يدخلون معكم وقريظة تدخل معكم فبلغ كعب بن أسد صاحب عهر دبني قريظة فقال لا ينقض العهد رجل من بني قريظة وأنا حي فقال سلام بن مشكم لحيي بن أخطب حيي أقبل هذا الذي قال محمد فإنما شرفنا على قومنا بأموالنا قبل أن تقبل ما هو شر منه قال وما هو شر منه قال أخذ الأموال سبي الذرية وقتل المقاتلة فأبى حيي فأرسل جدي بن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم إنا لا نريم دارنا فاصنع ما بدا لك قال فكبر رسول الله صلى الله عليه و سلم وكبر المسلمون معه وقال حاربت يهود وانطلق جدي إلى ابن أبي يستمده قال فوجدته جالسا في نفر من أصحابه ومنادي النبي صلى الله عليه و سلم ينادي بالسلاح فدخل ابنه عبدالله بن عبدالله بن أبي وأنا عنده فأخذ السلاح ثم خرج يعدو قال فأيست من معونته قال فأخبرت بذلك كله حييا فقال هذه مكيدة من محمد فزحف إليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم خمسة عشر يوما حتى صالحوه على أن يحقن لهم دماءهم وله الأموال والحلقة
(2/84)
________________________________________
فحدثني محمد بن سعد قال حدثني أبي قال حدثني عمي قال حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قال حاصرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم يعني بن النضير خمسة عشر يوما حتى بلغ منهم كل مبلغ فأعطوه ما أراد منهم فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم وأن يخرجهم من أرضهم وأوطانهم ويسيرهم إلى أذرعات الشأم وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء
حدثنا ابن عبدالأعلى قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن الزهري قال قاتلهم النبي صلى الله عليه و سلم حتى صالحهم على الجلاء فأجلاهم إلى الشأم على أن لهما ما أقلت الإبل من شيء إلا الحلقة والحلقة السلاح رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال وقد كان هرط من بني عوف بن الخزرج منهم عبدالله بن أبي بن سلول ووديعة ومالك بن أبي قوقل وسويد وداعس قد بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم وإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم تربصوا فلم يفعلوا وقذف الله في قلوبهم الرعب فسألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة ففعل فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشأم فكان أشرافهم ممن سار منهم إلى خيبر سلام بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب فلما نزلوها دان لهم أهلها
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر أنه حدث أنهم استقلوا بالنساء والأبناء والأموال معهم الدفوف والمزامير والقيان يعزفن خلفهم وأن فيهم يومئذ لأم عمرو صاحبة عروة بن الورد العبسي التي ابتاعوا منه وكانت إحدى نساء بني غفار بزهاء وفخر ما رئي مثله من حي من الناس في زمانهم وخلوا الأموال لرسول الله صلى الله عليه و سلم فكانت لرسول الله صلى الله عليه و سلم خاصة يضعها حيث يشاء فقسمها رسول الله صلى الله عليه و سلم على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقرأ فأعطاهما رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان يامين بن عمير بن كعب ابن عم عمرو بن جحاش وأبو سعد بن وهب أسلما على أموالهما فأحرزاها قال أبو جعفر واستخلف رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ خرج لحرب بني النضير فيما قيل ابن أم مكتوم وكانت رايته يومئذ مع علي بن أبي طالب عليه السلام وفي هذه السنة مات عبدالله بن عثمان بن عفان في جمادى الأولى منها وهو ابن ست سنين وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم ونزل في حفرته عثمان بن عفان وفيها ولد الحسين بن عليه عليه السلام لليال خلون من شعبان واختلف في التي كانت بعد غزوة النبي صلى الله عليه و سلم بني النضير من غزواته فقال ابن إسحاق في ذلك ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق قال ثم أقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة بعد غزوة بني النضير شهري ربيع وبعض شهر جمادى ثم غزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان
(2/85)
________________________________________
حتى نزل نخلا وهي غزوة ذات الرقاع فلقي بها جمعا من غطفان فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب وقد خالف الناس بعضهم بعضا حتى صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمسلمين صلاة الخوف ثم انصرف بالمسلمين وأما الواقدي فإنه زعم أن غزوة رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات الرقاع كان في المحرم سنة خمس من الهجرة قال وإنما سميت ذات الرقاع لأن الجبل الذي سميت به ذات الرقاع جبل به سواد وبياض وحمرة فسميت الغزوة بذلك الجبل قال واستخلف رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذه الغزوة على المدينة عثمان بن عفان
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد يعني ابن عبدالرحمن عن عروة بن الزبير عن أبي هريرة قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى نجد حتى إذا كنا بذات الرقاع من نخل لقي جمعا من غطفان فلم يكن بيننا قتال إلا أن الناس قد خافوهم ونزلت صلاة الخوف فصدع أصحابه صدعين فقامت طائفة مواجهة العدو وقامت طائفة خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم فكبر رسول الله صلى الله عليه و سلم فكبروا جميعا ثم ركع بمن خلفه وسجد بهم فلما قاموا مشوا القهقرى إلى مصاف أصحابهم ورجع الآخرون فصلوا لأنفسهم ركعة ثم قاموا فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ركعة وجلسوا ورجع الذين كانوا مواجهين العدو فصلوا الركعة الثانية فجلسوا جميعا فجمعهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بالسلام فسلم عليهم
قال أبو جعفر وقد اختلفت الرواية في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه الصلاة ببطن نخل اختلافا متفاوتا كرهت ذكره في هذا الموضع خشية إطالة الكتاب وسأذكره إن شاء الله في كتابنا المسمى بسيط القول في أحكام شرائع الإسلام في كتاب صلاة الخوف منه وقد حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن قتادة عن سليمان ا ليشكري أنه سأل جابر بن عبدالله عن إقصار الصلاة أي يوم أنزل أو في أي يوم هو فقال جابر انطلقنا نتلقى عير قريش آتية من الشأم حتى إذا كنا بنخل جاء رجل من القوم إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا محمد قال نعم قال هل تخافني قال لا قال فمن يمنعك مني قال الله يمنعني منك قال فسل السيف ثم تهدده وأوعده ثم نادى بالرحيل وأخذ السلاح ثم نودي بالصلاة فصلى نبي الله صلى الله عليه و سلم بطائفة من القوم وطائفة أخرى تحرسهم فصلى الذين يلونه ركعتين ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم فقاموا في مصاف أصحابهم ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين والآخرون يحرسونهم ثم سلم فكانت للنبي صلى الله عليه و سلم أربع ركعات وللقوم ركعتين ركعتين فيومئذ أنزل الله عز و جل في إقصار الصلاة وأمر المؤمنون بأخذ السلاح
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عمرو بن عبيد عن الحسن البصري عن جابر بن عبدالله الأنصاري أن رجلا من بني محارب يقال له فلان بن الحارث قال لقومه من غطفان ومحارب ألا أقتل لكم محمدا قالوا نعم وكيف تقتله قال أفتك به فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو جالس وسيف رسول الله صلى الله عليه و سلم في حجره فقال يا محمد انظر إلى سيفك هذا قال نعم فأخذه فاستله ثم جعل يهزه ويهم به فيكبته الله عز و جل ثم قال يا محمد أما تخافني قال لا وما أخاف منك قال أما تخافني وفي يدي السيف قال لا يمنعني الله منك قال ثم عمد السيف فرده إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأنزل الله عز و جل يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم
(2/86)
________________________________________
قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ( 1 )
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني صدقة بن يسار عن عقيل بن جابر عن جابر بن عبدالله الأنصاري قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة ذات الرقاع من نخل فأصاب رجل من المسلمين امرأة من المشركين فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم قافلا أتى زوجها وكان غائبا فلما اخبر الخبر حلف ألا ينتهي حتى يهريق في أصحاب محمد دما فخرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه و سلم فنزل رسول الله صلى الله عليه و سلم منزلا فقال من رجل يكلؤنا ليلتنا هذه فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار فقال نحن يا رسول الله قال فكونا بفم الشعب وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه قد نزلوا الشعب من بطن الوادي فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب قال الأنصاري للمهاجري أي الليل تحب أن أكفيكه أوله أو آخره قال بل اكفني أوله فاضطجع المهاجري فنام وقام الأنصاري يصلي وأتى زوج المرأة فلما رأى شخص الرجل عرف انه ربيئة القوم فرمى بسهم فوضعه فيه فنزعه فوضعه وثبت قائما يصلي ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه فنزعه فوضعه وثبت قائما يصلي ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد ثم أهب صاحبه فقال اجلس فقد أتيت قال فوثب المهاجري فلما رآهما الرجل عرف أنهم قد نذروا به ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال سبحان الله أفلا أهبتني أول ما رماك قال كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتىأنفدها فلما تتابع علي الرمي فآذنتك وايم الله لولا أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله صلى الله عليه و سلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفدها
ذكر الخبر عن غزوة السويق وهي غزوة النبي صلى الله عليه و سلم بدرا الثانية لميعاد أبي سفيان
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة من غزوة ذات الرقاع أقام بها بقية جمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجب ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبي سفيان حتى نزله فأقام عليه ثماني ليال ينتظر أبا سفيان وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية مر الظهران وبعض الناس يقول قد قطع عسفان ثم بدا له الرجوع فقال يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلا عام خصب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن وإن عامكم هذا عام جدب وإني راجع فارجعوا فرجع ورجع الناس فسماهم أهل مكة جيش السويق يقولون إنما خرجتم تشربون السويق فأقام رسول الله صلى الله عليه و سلم على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده فأتاه مخشي بن عمرو الضمري وهو والذي وادعه على بني ضمرة في غزوة ودان فقال يا محمد أجئت للقاء قريش على هذا الماء قال نعم يا أخا بني ضمرة وإن شئت مع ذلك رددنا إليك ما كان بيننا وبينك ثم جالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك فقال لا والله يا محمد ما لنا بذلك منك من حاجة وأقام رسول الله صلى الله عليه و سلم ينتظر أبا سفيان فمر به معبد بن أبي معبد الخزاعي وقد رأى مكان رسول الله صلى الله عليه و سلم وناقته تهوي به فقال
(2/87)
________________________________________
قد نفرت من رفقتي محمد ... وعجوة من يثرب كالعنجد ... تهوي على دين أبيها الأتلد ... قد جعلت ماء قديد موعدي ... وماء ضجنان لها ضحى الغد ... وأما الواقدي فإنه ذكر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ندب أصحابه لغزوة بدر لموعد أبي سفيان الذي كان وعده الالتقاء فيه يوم أحد رأس الحول للقتال في ذي القعدة قال وكان نعيم بن مسعود الأشجعي قد اعتمر فقدم على قريش فقالوا يا نعيم من أين كان وجهك قال من يثرب قال وهل رأيت لمحمد حركة قال تركته على تعبئة لغزوكم وذلك قبل أن يسلم نعيم قال فقال له أبو سفيان يا نعيم إن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام ترعى فيه الإبل الشجر ونشرب فيه اللبن وقد جاء أوان موعد محمد فالحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أنا في جمع كثير ولا طاقة لهم بنا فيأتي الخلف منهم أحب إلي من أن يأتي من قبلنا ولك عشر فرائض أضعها لك في يد سهيل بن عمرو ويضمنها فجاء سهيل بن عمرو إليهم فقال نعيم لسهيل يا أبا يزيد أتضمن هذه الفرائض وأنطلق إلى محمد فأثبطه فقال نعم فخرج نعيم حتى قدم المدينة فوجد الناس يتجهزون فتدسس لهم وقال ليس هذا برأي ألم يجرح محمد في نفسه ألم يقتل أصحابه قال فثبط الناس حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم فتكلم فقال والذي نفسي بيده لو لم يخرج معي أحد لخرجت وحدي ثم أنهج الله عز و جل للمسلمين بصائرهم فخرجوا بتجارات فأصابوا الدرهم درهمين ولم يلقوا عدوا وهي بدر الموعد وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام قال أبو جعفر واستخلف رسول الله صلى الله عليه و سلم على المدينة عبدالله بن رواحة قال الواقدي وفي هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه و سلم أم سلمة بنت أبي أمية في شوال ودخل بها قال وفيها أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود وقال إني لا آمن أن يبدلوا كتابي وولي الحج في هذه السنة المشركون
(2/88)

بنالعياط
20-11-2012, 10:19 PM
ثم كانت السنة الخامسة من الهجرة
ففي هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه و سلم زينب بنت جحش
حدثت عن محمد بن عمر قال حدثني عبدالله بن عامر الأسلمي عن محمد بن يحيى بن حبان قال جاء رسول الله صلى الله عليه و سلم بيت زيد بن حارثة وكان زيد إنما يقال له زيد بن محمد ربما فقده رسول الله صلى الله عليه و سلم الساعة فيقول أين زيد فجاء منزله يطلبه فلم يجده وقامت إليه زينب بنت جحش زوجته فضلا فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت ليس هو ها هنا يا رسول الله فادخل بأبي أنت وأمي فأبى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يدخل وإنما عجلت زينب أن تلبس إذ قيل لها رسول الله صلى الله عليه و سلم على الباب فوثبت عجلة فأعجبت رسول الله صلى الله عليه و سلم فولى وهو يهمهم بشيء لا يكاد يفهم إلا أنه أعلن سبحان الله العظيم سبحان الله مصرف القلوب قال فجاء زيد إلى منزله فأخبرته امرأته أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أتى منزله فقال زيد ألا قلت له ادخل فقالت قد عرضت عليه ذلك فأبى قال فسمعته يقول شيئا قالت سمعته يقول حين ولى سبحان الله العظيم سبحان الله مصرف القلوب فخرج زيد حتى أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله بلغني أنك جئت منزلي فهلا دخلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله لعل زينب أعجبتك فأفارقها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أمسك عليك زوجك فما استطاع زيد إليها سبيلا بعد ذلك فكان يأتي رسول الله صلى الله عليه و سلم فيخبره فيقول له رسول الله صلى الله عليه و سلم أمسك عليك زوجك ففارقها زيد واعتزلها وحلت فبينا رسول الله صلى الله عليه و سلم يتحدث مع عائشة إذ أخذت رسول الله صلى الله عليه و سلم غشية فسري عنه وهو يتبسم ويقول من يذهب إلى زينب يبشرها يقول إن الله زوجنيها وتلا رسول الله صلى الله عليه و سلم وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك ( 1 ) القصة كلها قالت عائشة فأخذني ما قرب وما بعد لما يبلغنا من جمالها وأخرى هي أعظم الأمور وأشرفها ما صنع الله لها زوجها فقلت تفخر علينا بهذا قالت عائشة فخرجت سلمى خادم رسول الله صلى الله عليه و سلم تخبرها بذلك فأعطتها أوضاحا عليها
حدثني يونس بن عبدالأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد كان النبي صلى الله عليه و سلم قد زوج زيد بن حارثة زينب بنت جحش ابنة عمته فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم يوما يريده وعلى الباب ستر من شعر
(2/89)
________________________________________
فرفعت الريح الستر فانكشف وهي في حجرتها حاسرة فوقع إعجابها في قلب النبي صلى الله عليه و سلم فلما وقع ذلك كرهت إلى الآخر قال فجاء فقال يا رسول الله إني اريد أن أفارق صاحبتي فقال مالك أرابك منها شيئ فقال لا والله يا رسول الله ما رابني منها شيء ولا رأيت إلا خيرا فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم أمسك عليك زوجك واتق الله فذلك قول الله عز و جل وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه تخفي في نفسك إن فارقها تزوجتها قال الواقدي وفيها غزا دومة الجندل في شهر ربيع الأول وكان سببها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بلغه أن جمعا تجمعو ابها ودنوا من أطرافه فغزاهم رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى بلغ دومة الجندل ولم يلق كيدا وخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري قال أبوجعفر وفيها وادع رسول الله صلى الله عليه و سلم عيينة بن حصن أن يرعى بتغلمين وما والاها قال محمد بن عمر فيما حدثني إبراهيم بن جعفر عن أبيه وذلك أن بلاد عيينة أجدبت فوادع رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يرعى بتغلمين إلى المراض وكان ما هنالك قد أخصب بسحابة وقعت فوادعه رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يرعى فيما هنالك قال الواقدي وفيها توفيت أم سعد بن عبادة وسعد غائب مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى دومة الجندل

بنالعياط
20-11-2012, 11:20 PM
ذكر الخبر عن غزوة الخندق
وفيها كانت غزوة رسول الله صلى الله عليه و سلم الخندق في شوال حدثنا بذلك ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق وكان الذي جر غزوة رسول الله صلى الله عليه و سلم الخندق فيما قيل ما كان من إجلاء رسول الله صلى الله عليه و سلم بني النضير عن ديارهم
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان مولى آل الزبير عن عروة بن الزبير ومن لا أتهم عن عبيدالله بن كعب بن مالك وعن الزهري وعن عاصم بن عمر بن قتادة وعن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعن محمد بن كعب القرظي وعن غيرهم من علمائنا كل قد اجتمع حديثه في الحديث عن الخندق وبعضهم يحدث مالا يحدث بعض أنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري وحيي بن أخطب النضري وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضري وهوذة بن قيس الوائلي وأبو عمار الوائلي في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل هم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه و سلم خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه و سلم وقالوا إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله فقالت لهم قريش يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خبر أم دينه قالوا بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه قال فهم الذين أنزل الله عز و جل فيهم ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا إلى قوله وكفى بجهنم سعيرا ( 1 )
(2/90)
________________________________________
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ما قالوا ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه و سلم فأجمعوا لذلك واتعدوا له ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاؤوا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إل حرب رسول الله صلى الله عليه و سلم وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه وأن قريشا تابعوهم على ذلك وأجمعوا فيه فأجابوهم فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في بني فزارة والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة ومسعود بن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبدالله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم وبما أجمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة فحدثت عن محمد بن عمر قال كان الذي أشار على رسول الله صلى الله عليه و سلم بالخندق سلمان وكان أول شهد شهده سلمان مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يومئذ حر وقال يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق فعمل رسول الله صلى الله عليه و سلم ترغيبا للمسلمين في الأجر وعمل فيه المسلمون فدأب فيه ودأبوا وأبطأ عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وعن المسلمين في عملهم رجال من المنافقين وجعلوا يورون بالضعف من العمل ويتسللون إلى أهاليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا إذن وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته نائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له فأنزل الله عز و جل إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبو احتى يستأذنوه إلى قوله واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم ( 1 ) فنزلت هذه الآية في كل من كان من أهل الحسبة من المؤمنين والرغبة في الخير والطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه و سلم ثم قال يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل ويذهبون بغير إذن رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا إلى قوله قد يعلم ما أنتم عليه ( 1 ) أي قد علم ما أنتم عليه من صدق أو كذب وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه وارتجزوا فيه برجل من المسلمين يقال له جعيل فسماه رسول الله صلى الله عليه و سلم عمرا فقالوا ... سماه من بعد جعيل عمرا ... وكان للبائس يوما ظهرا ...
فإذا مرو بعمرو قال رسول الله صلى الله عليه و سلم عمرا وإذا قالوا ظهرا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ظهرا
فحدثنا محمد بن باشر قال حدثنا محمد بن خالد بن عثمة قال حدثنا كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف المزني قال حدثني أبي عن أبيه قال خط رسول الله صلى الله عليه و سلم الخندق عام الأحزاب من أجم الشيخين طرف بني حارثة حتى بلغ المذاد ثم قطعه أربعين ذراعا بين كل عشرة فاحتق المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي وكان رجلا قويا فقالت الأنصار سلمان منا وقالت المهاجرون سلمان
(2/91)
________________________________________
منا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم سلمان منا أهل البيت قال عمرو بن عوف فكنت أنا وسلمان وحذيفة بن اليمان والنعمان بن مقرن المزني وستة من الأنصار في أربعين ذراعا فحفرنا تحت ذوباب حتى بلغنا الندى فأخرج الله عز و جل من بطن الخندق صخرة بيضاء مروة فكسرت حديدنا وشقت علينا فقلنا يا سلمان ارق إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبره خبر هذه الصخرة فإما أن نعدل عنها فإن المعدل قريب وإما أن يأمرنا فيها بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه فرقي سلمان حتى أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو ضارب عليه قبة تركية فقال يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا خرجت صخرة بيضاء من الخندق مروة فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما نحيك فيها قليلا ولا كثيرا فمرنا فيها بأمرك فإنا لا نحب أن نجاوز خطك فهبط رسول الله صلى الله عليه و سلم مع سلمان في الخندق ورقينا نحن ا لتسعة على شقة الخندق فأخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة صدعها وبرقت منها برقة أضاء ما بين لابتيها يعني لابتي المدينة حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه و سلم تكبير فتح وكبر المسلمون ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه و سلم الثانية فصدعها وبرق منها برقة أضاء منها ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه و سلم تكبير فتح وكبر المسلمون ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه و سلم الثالثة فكسرها وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه و سلم تكبير فتح وكبر المسلمون ثم أخذ بيد سلمان فرقي فقال سلمان بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيته قط فالتفت رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى القوم فقال هل رأيتم ما يقول سلمان قالوا نعم يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا قد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج فرأيناك تكبر فنكبر ولا نرى شيئا غير ذلك قال صدقتم ضربت ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق منها الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا يبلغهم النصر وأبشروا يبلغهم النصر وأبشروا يبلغهم النصر فاستبشر المسلمون وقالوا الحمد لله موعد صادق بار وعدنا النصر بعد الحصر فطلعت الأحزاب فقال المؤمنون هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ( 1 ) وقال المنافقون ألا تعجبون يحدثكم ويمنيكم ويعدكم الباطل يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرزوا وأنزل القرآن وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ( 1 )
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عمن لا يتهم عن أبي هريرة أنه كان يقول حين فتحت هذه الأمصار في زمن عمر وعثمان وما بعده افتتحوا ما بدا لكم فوالذي نفس أبي هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة ولا تفتتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطي محمد مفاتيحها قبل ذلك
(2/92)
________________________________________
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال كان أهل الخندق ثلاثة آلاف قال ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه و سلم من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من كنانة وأهل تهامة وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد وخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب هنالك عسكره وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام وخرج عدو الله حيي بن أخطب حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم كان قد وادع رسول الله صلى الله عليه و سلم على قومه وعاهده على ذلك وعاقده فلما سمع كعب بحيي بن أخطب أغلق دونه حصنه فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فناداه حيي يا كعب افتح لي قال ويحك يا حيي إنك امرؤ مشئوم إني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه إلا وفاء وصدقا قال ويحك افتح لي أكلمك قال ما أنا بفاعل قال والله إن أغلقت دوني إلا على جشيشتك أن آكل معك منها فأحفظ الرجل ففتح له فقال ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد قد عاهدوني وعاقدوني ألا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه فقال له كعب بن أسد جئتني والله بذل الدهر بجهام قد هراق ماءه يرعد ويبرق ليس فيه شيء ويحك فدعني ومحمدا وما أنا عليه فلم أر من محمد إلا صدقا ووفاء فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب حتىسمح له على أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك فنقض كعب بن أسد عهده وبرئ مما كان عليه فيما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم الخبر وإلى المسلمين بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس أحد بني عبدالأشهل وهو يومئذ سيد الأوس وسعد بن عبادة بن دليم أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج وهو يومئذ سيد الخزرج ومعهما عبدالله بن رواحة أخو بلحارث بن الخزرج وخوات بن جبير أخو بني عمرو بن عوف فقال انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا نعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم ونالوا من رسول الله صلى الله عليه و سلم وقالوا لا عقد بيننا وبين محمد ولا عهد فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه وكان رجلا فيه حد فقال له سعد بن معاذ دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فسلموا عليه ثم قالوا عضل والقارة أي كغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أصحاب الرجيع خبيب بن عدي وأصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق من بعض المنافقين حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى
(2/93)
________________________________________
وقيصر وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث يا رسول الله إن بيوتنا لعورة من العدو وذلك عن ملأ من رجال قومه فأذن لنا فلنرجع إلى دارنا فإنها خارجة من المدينة فأقام رسول الله صلى الله عليه و سلم وأقام المشركون عليه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر ولم يكن بين القوم حرب إلا الرمي بالنبل والحصار فلما اشتد البلاء على الناس بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة وعن محمد بن مسليم بن شهاب الزهري إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه فجرى بينه وبينهم الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة في ذلك ففعلا فلما أراد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يفعل بعث إلى سع بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر ذلك لهما واستشارهما فيه فقالا يا رسول الله أمر تحبه فنصنعه أم شيء أمرك الله عز و جل به لا بد لنا من عمل به أم شيء تصنعه لنا قال لا بل لكم والله ما أصنع ذلك إلا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم لأمر ما ساعة فقال له سعد بن معاذ يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله عن وجل وعبادة الأوثان ولا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة إلا قرى أو بيعا أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك نعطيهم أموالنا مالنا بهذا من حاجة والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فأنت وذاك فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال ليجهدوا علينا فأقام رسول الله صلى الله عليه و سلم والمسلمون وعدوهم محاصروهم لم يكن بينهم قتال إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود أبي قيس أخو بني عامر بن لؤي وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان ونوفل بن عبدالله وضرار بن الخطاب بن مرداس أخو بني محارب بن فهر قد تلبسوا للقتال وخرجوا على خيلهم ومروا على بني كنانة فقالوا تهيئوا يا بني كنانة للحرب فستعلمون اليوم من الفرسان ثم أقبلوا نحو الخندق حتى وقفوا عليه فلما رأوه قالوا والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيولهم فاقتحمت منه فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذ عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم وقد كان عمرو بن عبد ود قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد أحدا فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه فلما وقف هو وخيله قال له علي يا عمرو إنك كنت تعاهد الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى خلتين ألا أخذت منه إحداهما قال أجل قال له علي بن أبي طالب فإني أدعوك إلى الله عز و جل وإلى رسوله وإلى الإسلام قال لا حاجة لي بذلك قال فإني أدعوك إلى النزال قال ولم يا بن أخي فوالله ما أحب أن أقتلك قال علي ولكني والله أحب أن أقتلك قال فحمي عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره أو ضرب وجهه ثم أقبل على علي
(2/94)
________________________________________
فتنازلا وتجاولا فقتله علي عليه السلام وخرج خيله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة وقتل مع عمرو رجلان منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبدالدار أصابه سهم فمات منه بمكة ومن بني مخزوم نوفل بن عبدالله بن المغيرة وكان اقتحم الخندق فتورط فيه فرموه بالحجارة فقال يا معشر العرب قتلة أحسن من هذه فنزل إليه علي فقتله فغلب المسلمون على جسده فسألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يبيعهم جسده فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا حاجة لنا بجسده ولا ثمنه فشأنكم به فخلى بينهم وبينه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن أبي ليلى عبدالله بن سهل بن عبدالرحمن بن سهل الأنصاري ثم أحد بني حارثة أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق وكان من أحرز حصون المدينة وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن قالت عائشة وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب قالت فمر سعد وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه كلها وفي يده حربته يرقد بها ويقول ... لبث قليلا يشهد الهيجا حمل ... لا باس بالموت إذا حان الأجل ... قالت له أمه الحق يا بني فقد والله أخرت قالت عائشة فقلت لها يا أم سعد والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي قالت وخفت عليه حيث أصاب السهم منه قالت فرمي سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل رماه فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة حبان بن قيس بن العرقة أحد بني عامر بن لؤي فلما أصابه قال خذها وأنا ابن العرقة فقال سعد عرق الله وجهك في النار اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه اللهم وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة
حدثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا محمد بن بشر قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثني أبي عن علقمة عن عائشة قالت خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس فوالله إني لأمشي إذ سمعت وئيد الأرض خلفي تعني حس الأرض فالتفت فإذا أنا بسعد فجلست إلى الأرض ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم حدثنا بذلك محمد بن عمرو يحمل مجنه وعلى سعد درع من حديد قد خرجت أطرافه منها قالت وكان من أعظم الناس وأطولهم قالت فأنا أتخوف على أطراف سعد فمر بي يرتجز ويقول ... لبث قليلا يدرك الهيجا حمل ... ما أحسن الموت إذا حان الأجل ... قالت فلما جاوزني قمت فاقتحمت حديقة فيها نفر من المسلمين فيهم عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه تسبغة له قال محمد والتسبغة المغفر لا ترى إلا عيناه فقال عمر إنك لجريئة ما جاء بك ما
(2/95)
________________________________________
يدريك لعله يكون تحوز أو بلاء فوالله ما زال يلومني حتى وددت أن الأرض تنشق لي فأدخل فيها فكشف الرجل التسبغة عن وجهه فإذا هو طلحة فقال إنك قد أكثرت أين الفرار وأين التحوز إلا إلى الله عز و جل قالت فرمي سعد يومئذ بسهم رماه رجل يقال له ابن العرقة فقال خذها وأنا ابن العرقة فقال سعد عرق الله وجهك في النار فأصاب الأكحل منه فقطعه قال محمد بن عمرو زعموا أنه لم ينقطع من أحد قط إلا لم يزل يبض دما حتى يموت فقال سعد اللهم لا تمتني حتى تقر عيني في بني قريظة وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عمن لا يتهم عن عبيدالله بن كعب بن مالك أنه كان يقول ما اصاب سعدا يومئذ بالسهم إلا أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم فالله أعلم أي ذلك كان
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد عن عبدالله بن الزبير عن أبيه عباد قال كانت صفية بنت عبدالمطلب في فارغ ( حصن حسان بن ثابت ) قالت وكان حسان معنا فيه مع النساء والصبيان قالت صفية فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه و سلم ليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا ورسول الله صلى الله عليه و سلم والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم إن أتانا آت قالت فقلت يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن وإني والله ما آمنه أن يدل على عوراتنا من وراءنا من يهود وقد شغل عنا رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه فانزل إليه فاقتله فقال يغفر الله لك يا بنت عبدالمطلب والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا قالت فلما قال ذلك لي ولم أر عنده شيئا احتجزت ثم أخذت عمودا ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت يا حسان انزل إليه فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل قال مالي بسلبه من حاجة يا بنت عبدالمطلب قال ابن إسحاق وأقام رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه فيما وصف الله عز و جل من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم عليهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقا يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة وكان لهم نديما في الجاهلية فقال لهم يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم قالوا صدقت لست عندنا بمتهم فقال لهم إن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وقد ظاهرتموهم عليه وإن قريشا وغطفان ليسوا كهيئتكم البلد بلدكم به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره وإن قريشا وغطفان أموالهم وأبناؤهم ونساؤهم وبلدهم بغيره فليسوا كهيئتكم إن رأوا نهزة وغنيمة أصابوها وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم
(2/96)
________________________________________
وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ولا طاقة لكم به إن خلا بكم فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا حتى تناجزوه فقالوا لقد أشرت برأي ونصح ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش يا معشر قريش قد عرفتم ودي إياكم وفراقي محمدا وقد بلغني أمر رأيت حقا علي أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا علي قالوا نفعل قال فاعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد وقد أرسلوا إليه أن قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك عنا أن نأخذ من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم فأرسل إليهم أن نعم فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا ثم خرج حتى أتى غطفان فقال يا معشر غطفان أنتم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهمونني قالوا صدقت قال فاكتموا علي قالوا نفعل ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم فلما كانت ليلة السبت في شوال سنة خمس وكان مما صنع الله عز و جل لرسوله أن أرسل أبو سفيان وروؤس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان فقالوا لهم إنا لسنا بدار مقام قد هلك الخف والحافر فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه فأرسلوا إليهم أن اليوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابه ما لم يخف عليكم ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا فإنا نخشى أن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلدنا ولا طاقة لنا بذلك من محمد فلما رجعت إليهم الرسل بالذي قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان تعلمون والله أن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق فأرسلوا إلى بني قريظة إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا فقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا فإن وجدوا فرصة انتهزوها وإن كان غير ذلك تشمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل في بلادكم فأرسلوا إلى قريش وغطفان إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا فأبوا عليهم وخذل الله بينهم وبعث الله عز و جل عليهم الريح في ليال شاتية شديدة البرد فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ما اختلف من أمرهم وما فرق الله من جماعتهم دعا حذيفة بن اليمان فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثنا يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان يا أبا عبدالله رأيتم رسول الله وصحبتموه قال نعم يا بن أخي قال فكيف كنتم تصنعون قال والله لقد كنا نجهد فقال الفتى والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا فقال حذيفة يابن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم بالخندق وصلى هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع يشرط له رسول الله أنه يرجع أدخله الله الجنة فما قام رجل ثم صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال مثله فما قام منا رجل ثم صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع يشرط له رسول الله الرجعة
(2/97)
________________________________________
أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة فما قام رجل من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني فقال يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا قال فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء فقام أبو سفيان بن حرب فقال يا معشر قريش لينظر امرؤ جليسه قال فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي فقلت من أنت قال أنا فلان بن فلان ثم قال أبو سفيان يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره ولقينا من هذه الريح ما ترون والله ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء فارتحلوا فإني مرتحل ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو قائم ولولا عهد رسول الله ص إلي إلا أحدث شيئا حتى آتيه ثم شئت لقتلته بسهم قال حذيفة فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه مرحل فلما رآني أدخلني بين رجليه وطرح علي طرف المرط ثم ركع وسجد فأذلقته فلما سلم أخبرته الخبر سمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال فلما أصبح نبي الله صلى الله عليه و سلم انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون ووضعوا السلاح

لنا بناء فارتحلوا فإني مرتحل ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو قائم ولولا عهد رسول الله ص إلي إلا أحدث شيئا حتى آتيه ثم شئت لقتلته بسهم قال حذيفة فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه مرحل فلما رآني أدخلني بين رجليه وطرح علي طرف المرط ثم ركع وسجد فأذلقته فلما سلم أخبرته الخبر سمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال فلما أصبح نبي الله صلى الله عليه و سلم انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون ووضعوا السلاح

دائمة الذكر
15-12-2012, 12:02 PM
http://www.rooo7i.net/smiles/smiles/24/95b17b600fe6138d8a323a474316a5c0.gif

اتمنى ان تكون بخير استاذ بنالعياط

بنالعياط
18-12-2012, 09:36 PM
http://www.rooo7i.net/smiles/smiles/24/95b17b600fe6138d8a323a474316a5c0.gif

اتمنى ان تكون بخير استاذ بنالعياط


يسال عليك الخير أيتها الاخت الكريمة ..
و جزاك الله خيرا ..
عندي مشكلة مع فيروس مجنون..
و كذلك ذيقت الوقت مع الاصدقاء يحتاجوني في مهمة جمعية..
و بارك الله فيك و كل من سال علينا..
تحية خالصة و مودة راجيا من الله أن يسعد أسرتكم في الدنيا و الاخرة ضغيرها و كبيرها وشكرا..

**مصطفى**
19-12-2012, 06:39 PM
السلام عليكم

الحمد لله أنك بخير ودمت بعافية وخير

بنالعياط
19-12-2012, 09:36 PM
السلام عليكم

الحمد لله أنك بخير ودمت بعافية وخير

و عليكم السلام و رحمة الله تعالى و بركاته..
و جزاك الله خير و آقامنا وياك دنيا و آخرة

بنالعياط
19-12-2012, 10:38 PM
غزوة بني قريظة
فلما كانت الظهر أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه و سلم كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن ابن شهاب الزهري معتجرا بعمامة من إستبرق على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من ديباج فقال أقد وضعت السلاح يا رسول الله قال نعم قال جبريل ما وضعت الملائكة السلاح وما رجعت الآن إلا عن طلب القوم إن الله يأمرك يا محمد بالسير إلى بني قريظة وأنا عامد إلى بني قريظة فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم مناديا فأذن في الناس إن من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة وقدم رسول الله صلى الله عليه و سلم علي بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة وابتدرها الناس فسار علي بن أبي طالب عليه السلام حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه و سلم منهم فرجع حتى لقي رسول الله صلى الله عليه و سلم بالطريق فقال يا رسول الله لا عليك ألا تدنو من هؤلاء الأخابث قال لم أظنك سمعت لي منهم أذى قال نعم يا رسول الله لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا فلما دنا رسول الله صلى الله عليه و سلم من حصونهم قال يا إخوان القردة هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته قالوا يا أبا القاسم ما كنت جهولا ومر رسول الله صلى الله عليه و سلم على أصحابه بالصورين قبل أن يصل إلى بني قريظة فقال هل مر بكم أحد
(2/98)
________________________________________
فقالوا نعم يا رسول الله قد مر بنا دحية بن خليفة الكلبي على بغلة بيضاء عليها رحالة عليها قطيفة ديباج فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ذلك جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم فلما أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم بني قريظة نزل على بئر من آبارها في ناحية من أموالهم يقال لها بئر أنا فلاحق به الناس فأتاه رجال من بعد العشاء الآخرة ولم يصلوا العصر لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة لشيء لم يكن لهم منه بد من حربهم وأبوا أن يصلوا لقول النبي صلى الله عليه و سلم حتى تأتوا بني قريظة فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة فما عابهم الله بذلك في كتابه ولا عنفهم به رسول الله صلى الله عليه و سلم والحديث عن محمد بن إسحاق عن أبيه عن معبد بن كعب بن مالك الأنصاري
حدثنا ابن وكيع قال حدثنا محمد بن بشر قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثني أبي عن علقمة عن عائشة قالت ضرب رسول الله صلى الله عليه و سلم على سعد قبة في المسجد ووضع السلاح يعني عند منصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم من الخندق ووضع المسلمون السلاح فجاءه جبريل عليه السلام فقال أوضعتم السلاح فوالله ما وضعت الملائكة بعد السلاح اخرج إليهم فقاتلهم فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم بلأمته فلبسها ثم خرج وخرج المسلمون فمر ببني غنم فقال من مر بكم قالوا مر علينا دحية الكلبي وكان يشبه سنته ولحيته ووجهه بجبريل عليه السلام حتى نزل عليهم وسعد في قبته التي ضرب عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم في المسجد فحاصرهم شهرا أو خمسا وعشرين ليلة فلما اشتد عليهم الحصار قيل لهم انزلوا على حكم رسول الله فأشار أبو لبابة بن عبد المنذر إنه الذبح فقالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم انزلوا على حكمه فنزلوا فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم بحمار بإكاف من ليف فحمل عليه قالت عائشة لقد كان برأ كلمه حتى ما يرى منه إلا مثل الخرص رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب وقد كان حيي بن أخطب دخل على بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه فلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال كعب بن أسد لهم يا معشر يهود إنه قد نزل بكم من الأمر ما ترون وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم قالوا وما هن قال نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد كان تبين لكم أنه لنبي مرسل وأنه للذي كنتم تجدونه في كتابكم فتأمنوا على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم قالوا لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره قال فإذا أبيتم هذه علي فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف ولم نترك وراءنا ثقلا يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا شيئا نخشى عليه وإن نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء قالوا نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم قال فإذا أبيتم هذه علي فإن الليلة ليلة السبت وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة قالوا نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه من المسخ ما لم يخف عليك قال ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما قال ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبدالمنذر أخا بني عمرو بن
(2/99)
________________________________________
عوف وكانوا حلفاء الأوس نستشيره في أمرنا فأرسله رسول الله صلى الله عليه و سلم إليهم فلما رأوه قام إليه الرجال وبهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم وقالوا له يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد قال نعم وأشار بيده إلى حلقه إنه الذبح قال أبو لبابة فوالله ما زالت قدماي حتى عرفت أني خنت الله ورسوله ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده وقال لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت وعاهد الله ألا يطأ بني قريظة أبدا وقال لا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا لما بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم خبره وأبطأ عليه وكان قد استبطأه قال أما لو جاءني لاستغفرت له فأما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل قال حدثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبدالله بن قسيط أن توبة أبي لبابة أنزلت على رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو في بيت أم سلمة قالت أم سلمة فسمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم من السحر يضحك فقلت مم تضحك يا رسول الله أضحك الله سنك قال تيب على أبي لبابة فقلت ألا أبشره بذلك يا رسول الله قال بلى إن شئت قال فقامت على باب حجرتها وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب فقالت يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك قال فثار الناس إليه ليطلقوه فقال لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه و سلم هو الذي يطلقني بيده فلما مر عليه خارجا إلى الصبح أطلقه قال ابن إسحاق ثم إن ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد وهم نفر من بني هدل ليسوا من بني قريظة ولا النضير نسبهم فوق ذلك هم بنو عم القوم أسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظي فمر بحرس رسول الله صلى الله عليه و سلم وعليه محمد بن مسلمة الأنصاري تلك الليلة فلما رآه قال من هذا قال عمرو بن سعدى وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله صلى الله عليه و سلم وقال لا أغدر بمحمد أبدا فقال محمد بن مسلمة حين عرفه اللهم لا تحرمني عثرات الكرام ثم خلى سبيله فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة تلك الليلة ثم ذهب فلا يدرى أين ذهب من أرض الله إلى يومه هذا فذكر لرسول الله صلى الله عليه و سلم شأنه فقال ذاك رجل نجاه الله بوفائه
قال ابن إسحاق وبعض الناس يزعم أنه كان أوثق برمة فيمن أوثق من بني قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم فأصبحت رمته ملقاة لا يدرى أين ذهب فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فيه تلك المقالة والله أعلم قال ابن إسحاق فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم فتواثبت الأوس فقالوا يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج وقد فعلت في موالي الخزرج بالأمس ما قد علمت وقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل بني قريظة حاصر بني قينقاع وكانوا حلفاء الخزرج فنزلوا على حكمه فسأله إياهم عبدالله بن أبي بن سلول فوهبهم له فلما كلمه الأوس قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم قالوا بلى قال فذاك إلى سعد بن معاذ وكان سعد بن معاذ قد جعله رسول الله صلى الله عليه و سلم في خيمة امرأة من أسلم يقال لها رفيدة في مسجده كانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت
(2/100)
________________________________________
به ضيعة من المسلمين وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوذه من قريب فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه و سلم في بني قريظة أتاه قومه فاحتملوه على حمار قد وطئوا له بوسادة من أدم وكان رجلا جسيما ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهم يقولون يا أبا عمرو أحسن في مواليك فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم فلما أكثروا عليه قال قد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل فنعى لهم رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد بن معاذ عن كلمته ألتي سمع منه
قال أبو جعفر فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم والمسلمين قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما حدثنا ابن وكيع قال حدثنا محمد بن بشر قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثني أبي عن علقمة في حديث ذكره قال قال أبو سعيد الخدري فلما طلع يعني سعدا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم قوموا إلى سيدكم أو قال إلى خيركم فأنزلوه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم احكم فيهم قال فإن أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وأن تسبى ذراريهم وأن تقسم أموالهم فقال لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق وأما ابن إسحاق فإنه قال في حديثه فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم والمسلمون قال رسول الله صلى الله عليه و سلم قوموا إلى سيدكم فقاموا إليه فقالوا يا أبا عمرو إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم فقال سعد عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيها ما حكمت قالوا نعم قال وعلى من ها هنا في ا لناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه و سلم إجلالا له فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم نعم قال سعد فإني أحكم فيهم بأن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبدالرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن علقمة بن وقاص الليثي قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لسعد لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة قال ابن إسحاق ثم استنزلوا فحبسهم رسول الله صلى الله عليه و سلم في دار ابنة الحارث امرأة من بني النجار ثم خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى سوق المدينة التي هي سوقها اليوم فخندق بها خنادق ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق يخرج بهم إليه أرسالا وفيهم عدو الله حيي بن أخطب وكعب بن أسد رأس القوم وهم ستمائة أو سبعمائة المكثر لهم يقول كانوا من الثمانمائة إلى التسعمائة وقد قالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم أرسالا يا كعب ما ترى ما يصنع بنا فقال كعب في كل موطن لا تعقلون ألا ترون الداعي لا ينزع وأنه من ذهب به منكم لا يرجع هو والله القتل فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله صلى الله عليه و سلم وأتي بحيي بن أخطب عدو الله وعليه حلة له فقاحية قد شققها عليه من كل ناحية كموضع الأنملة أنملة أنملة لئلا يسلبها مجموعة يداه إلى عنقه بحبل فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال أما والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكنه من يخذل الله يخذل ثم أقبل على الناس فقال أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله كتاب الله وقدره وملحمة قد كتبت على بني إسرائيل ثم جلس فضربت عنقه فقال جبل بن جوال الثعلبي
(2/101)

بنالعياط
19-12-2012, 10:58 PM
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ... ولكنه من يخذل الله يخذل ... لجاهد حتى أبلغ النفس عذرها ... وقلقل يبغي العز كل مقلقل ...
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة قالت والله إنها لعندي تحدث معي وتضحك ظهرا وبطنا ورسول الله صلى الله عليه و سلم يقتل رجالهم بالسوق إذ هتف هاتف باسمها أين فلانة قالت أنا والله قالت قلت ويلك ما لك قالت أقتل قلت ولم قالت حدث أحدثته قالت فانطلق بها فضربت عنقها فكانت عائشة تقول ما أنسى عجبنا منها طيب نفس وكثرة ضحك وقد عرفت أنها تقتل وكان ثابت بن قيس بن شماس كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن ابن شهاب الزهري أتى الزبير بن باطا القرظي وكان يكنى أبا عبدالرحمن وكان الزبير قد من على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية قال محمد مما ذكر لي بعض ولد الزبير أنه كان من عليه يوم بعاث أخذه فجز ناصيته ثم خلى سبيله فجاءه وهو شيخ كبير فقال يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني قال وهل يجهل مثلي مثلك قال إني قد أردت أن أجزيك بيدك عندي قال إن الكريم يجزي الكريم ثم أتى ثابت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله قد كانت للزبير عندي يد وله علي منه وقد أحببت أن أجزيه بها فهب لي دمه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم هو لك فأتاه فقال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد وهب لي دمك فهو لك قال شيخ كبير لا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله أهله وولده قال هم لك فأتاه فقال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أعطاني امرأتك وولدك فهم لك قال أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله ماله قال هو لك فأتاه فقال إن رسول الله قد أعطاني مالك فهو لك قال أي ثابت ما فعل الذي كأن وجهه مرآة صينية تتراءى فيها عذارى الحي كعب بن أسد قال قتل قال فما فعل سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب قال قتل قال فما فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا كررنا عزال بن شمويل قال قتل قال فما فعل المجلسان يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة قال ذهبوا قتلوا قال فإني أسألك بيدي عندك يا ثابت إلا ألحقتني بالقوم فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير فماأنا بصابر لله قبلة دلو نضح حتى ألقى الأحبة فقدمه ثابت فضرب عنقه فلما بلغ أبا بكر قوله ألقى الأحبة قال يلقاهم والله في نار جهنم خالدا فيها مخلدا أبدا فقال ثابت بن قيس بن الشماس في ذلك يذكر الزبير بن باطا ... وفت ذمتي أني كريم وأنني ... صبور إذا ما القوم حادوا عن الصبر ... وكان زبير أعظم الناس منة ... علي فلما شد كوعاه بالأسر ... أتيت رسول الله كيما أفكه ... وكان رسول الله بحرا لنا يجري ...
قال وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أمر بقتل من أنبت منهم
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن أيوب بن عبدالرحمن بن
(2/102)
________________________________________
عبدالله بن أبي صعصعة أخي بني عدي بن النجار أن سلمى بنت قيس أم المنذر أخت سليط بن قيس وكانت إحدى خالات رسول الله قد صلت معه القبلتين وبايعته بيعة ا لنساء سألته رفاعة بن شمويل القرظي وكان رجلا قد بلغ ولاذ بها وكان يعرفهم قبل ذلك فقالت يا نبي الله بأبي أنت وأمي هب لي رفاعة بن شمويل فإنه قد زعم أنه سيصلي ويأكل لحم الجمل فوهبه لها فاستحيته قال ابن إسحاق ثم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قسم أموال بني قريظة ونسائهم وأبناءهم على المسلمين وأعلم في ذلك اليوم سهمان الخيل وسهمان الرجال وأخرج منها الخمس فكان للفارس ثلاثة أسهم للفرس سهمان ولفارسه سهم وللراجل ممن ليس له فرس سهم وكانت الخيل يوم بني قريظة ستة وثلاثين فرسا وكان أول فيء وقع فيه السهمان وأخرج من الخمس فعلى سنتها وما مضى من رسول الله صلى الله عليه و سلم فيها وقعت المقاسم ومضت السنة في المغازي ولم يكن يسهم للخيل إذا كانت مع الرجل إلا لفرسين ثم بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم سعد بن زيد الأنصاري أخا بني عبد الأشهل بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد فابتاع له بهم خيلا وسلاحا وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة إحدى نساء بني عمرو بن قريظة فكانت عند رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى توفي عنها وهي في ملكه وقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم عرض عليها أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت يا رسول الله بل تتركني في ملكك فهو أخف علي وعليك فتركها وقد كانت حين سباها رسول الله صلى الله عليه و سلم قد تعصت بالاسلام وأبت إلا اليهوديه فعزلها رسول الله صلى الله عليه و سلم ووجد في نفسه لذلك من أمرها فبينا هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال إن هذا لثعلبة بن سعية يبشرني بإسلام ريحانة فجاءه فقال يا رسول الله قد أسلمت ريحانة فسره ذلك فلما انقضى شأن بني قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ وذلك أنه دعا كما حدثني ابن وكيع قال حدثنا ابن بشر قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثني أبي عن علقمة في خبر ذكره عن عائشة ثم دعا سعد بن معاذ يعني بعد أن حكم في بني قريظة ما حكم فقال اللهم إنك قد علمت أنه لم يكن قوم أحب إلي أن أقاتل أو أجاهد من قوم كذبوا رسولك اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش على رسولك شيئا فأبقني لها وإن كنت قد قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك فانفجر كلمه فرجعه رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى خيمته التي ضربت عليه في المسجد قالت عائشة فحضره رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو بكر وعمر فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وإني لفي حجرتي قالت وكانوا كما قال الله عز و جل رحماء بينهم ( 1 ) قال علقمة أي أمه كيف كان يصنع رسول الله ص قالت كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنه كان إذا اشتد وجده على أحد أو إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق قال لم يقتل من المسلمين يوم الخندق إلا ستة نفر وقتل من المشركين ثلاثة نفر وقتل يوم بني قريظة خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو بن بلحارث بن الخزرج طرحت عليه رحى فشدخته شدخا شديدا ومات أبو سنان بن محصن بن حرثان أخو بني أسد بن خزيمة ورسول الله صلى الله عليه و سلم محاصر بني قريظة فدفن في مقبرة بني قريظة ولما انصرف
(2/103)
________________________________________
رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الخندق قال الآن نغزوهم يعني قريشا ولا يغزوننا فكان كذلك حتى فتح الله تعالى على رسول صلى الله عليه و سلم مكة وكان فتح بني قريظة في ذي القعدةأو في صدر ذي الحجة في قول ابن إسحاق وأما الواقدي فإنه قال غزاهم رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذي القعدة لليال بقين منه وزعم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمر أن يشق لبني قريظة في الأرض أخاديد ثم جلس فجعل علي والزبير يضربان أعناقهم بين يديه وزعم أن المرأة التي قتلها النبي صلى الله عليه و سلم يومئذ كانت تسمى بنانة امرأة الحكم القرظي كانت قتلت خلاد بن سويد رمت عليه رحى فدعا له رسول الله صلى الله عليه و سلم فضرب عنقها بخلاد بن سويد واختلف في وقت غزوة النبي صلى الله عليه و سلم بني المصطلق وهي الغزوة التي يقال لها غزوة المريسيع والمريسيع اسم ماء من مياه خزاعة بناحية قديد إلى الساحل فقال ابن إسحاق فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم غزا بني المصطلق من خزاعة في شعبان سنة ست من الهجرة وقال الواقدي غزا رسول الله صلى الله عليه و سلم المريسيع في شعبان سنة خمس من الهجرة وزعم أن غزوة الخندق وغزوة بني قريظة كانتا بعد المريسيع لحرب بني المصطلق من خزاعة وزعم ابن إسحاق فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم انصرف بعد فراغه من بني قريظة وذلك في آخر ذي القعدة أو في صدر ذي الحجة فأقام بالمدينة ذا الحجة والمحرم وصفرا وشهري ربيع وولي الحجة في سنة خمس المشركون
(2/104)

بنالعياط
19-12-2012, 11:05 PM
ذكر الأحداث التي كانت في سنة ست من الهجرة غزوة بن لحيان
قال أبو جعفر وخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في جمادي الأولى على رأس ستة أشهر من فتح بني قريظة إلى بني لحيان يطلب بأصحاب الرجيع خبيب بن عدي وأصحابه وأظهر أنه يريد الشأم ليصيب من القوم غرة فخرج من المدينة فسلك على غراب ( جبل بناحية المدينة على طريقه إلى الشأم ) ثم على مخيض ثم على البتراء ثم صفق ذات اليسار ثم على بين ثم على صخيرات اليمام ثم استقام به الطريق على المحجة من طريق مكة فأغذ السير سريعا حتى نزل إلى غران وهي منازل بني لحيان وغران واد بين أمج وعسفان إلى بلد يقال له ساية فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه و سلم وأخطأه من غرتهم ما أراد قال لو أنا هبطنا عسفان لرأى أهل مكة أنا قد جئنا مكة فخرج في مائتي راكب من أصحابه حتى نزل عسفان ثم بعث فارسين من أصحابه حتىبلغا كراع الغميم ثم كرا وراح قافلا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق قال والحديث في غزوة بني لحيان عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبدالله بن أبي بكر عن عبيد الله بن كعب قال ابن إسحاق ثم قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة فلم يقم إلا ليالي قلائل حتى أغار عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفازري في خيل لغطفان على لقاح رسول الله صلى الله عليه و سلم بالغابة وفيها رجل من بني غفار وامرأته فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللقاح

بنالعياط
20-12-2012, 11:14 PM
ذكر الأحداث التي كانت في سنة ست من الهجرة غزوة بن لحيان
قال أبو جعفر وخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في جمادي الأولى على رأس ستة أشهر من فتح بني قريظة إلى بني لحيان يطلب بأصحاب الرجيع خبيب بن عدي وأصحابه وأظهر أنه يريد الشأم ليصيب من القوم غرة فخرج من المدينة فسلك على غراب ( جبل بناحية المدينة على طريقه إلى الشأم ) ثم على مخيض ثم على البتراء ثم صفق ذات اليسار ثم على بين ثم على صخيرات اليمام ثم استقام به الطريق على المحجة من طريق مكة فأغذ السير سريعا حتى نزل إلى غران وهي منازل بني لحيان وغران واد بين أمج وعسفان إلى بلد يقال له ساية فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه و سلم وأخطأه من غرتهم ما أراد قال لو أنا هبطنا عسفان لرأى أهل مكة أنا قد جئنا مكة فخرج في مائتي راكب من أصحابه حتى نزل عسفان ثم بعث فارسين من أصحابه حتىبلغا كراع الغميم ثم كرا وراح قافلا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق قال والحديث في غزوة بني لحيان عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبدالله بن أبي بكر عن عبيد الله بن كعب قال ابن إسحاق ثم قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة فلم يقم إلا ليالي قلائل حتى أغار عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفازري في خيل لغطفان على لقاح رسول الله صلى الله عليه و سلم بالغابة وفيها رجل من بني غفار وامرأته فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللقاح
غزوة ذي قرد
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبدالله بن أبي بكر ومن لا أتهم عن عبيد الله بن كعب بن مالك كل قد حدث في غزوة ذي قرد بعض الحديث أنه أول من نذر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي غدا يريد الغابة متوشحا قوسه ونبله ومعه غلام لطلحة بن عبدالله وأما الرواية عن سلمة بن الأكوع بهذه الغزوة من رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد مقدمه المدينة منصرفا من مكة عام الحديبية فإن كان ذلك صحيحا فينبغي أن يكون ما روي عن سلمة بن الأكوع كان إما في ذي الحجة من سنة ست من الهجرة وإما في أول سنة سبع وذلك أن انصراف رسول الله صلى الله عليه و سلم من مكة إلى المدينة
(2/105)
________________________________________
عام الحديبية كان في ذي الحجة من سنة ست من الهجرة وبين الوقت الذي وقته ابن اسحاق لغزوة ذي قرد والوقت الذي روي عن سلمة بن الأكوع قريب من ستة أشهر حدثنا حديث سلمة بن الأكوع الحسن بن يحيى قال حدثنا أبو عامر العقدي قال حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي عن إياس بن سلمة عن أبيه قال أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة يعني بعد صلح الحديبية فبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم بظهره مع رباح غلام رسول الله وخرجت معه بفرس لطلحة بن عبيد الله فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن بن عيينة قد أغار على ظهر رسول الله صلى الله عليه و سلم فاستاقه أجمع وقتل راعيه قلت يا رباح خذ هذا الفرس وأبلغه طلحة وأخبر رسول الله أن المشركين قد أغاروا على سرجه ثم قمت على أكمة استقبلت المدينة فناديت ثلاثة أصوات يا صباحاه ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز وأقول أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع قال فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم فإذا رجع إلي فارس منهم أتيت شجرة وقعدت في اصلها فرميته فعقرت به وإذا تضايق الجبل فدخلوا في متضايق علوت الجبل ثم أرديهم بالحجارة فوالله ما زلت كذلك حتى ما خلق الله بعيرا من ظهر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا جعلته وراء ظهري وخلوا بيني وبينه وحتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وثلاثين بردة يستخفون بها لا يلقون شيئا إلا جعلت عليه آراما حتى يعرفه رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه حتى إذا انتهوا إلى متضايق من ثنية وإذا هم قد أتاهم عيينة بن حصن بن بدر ممدا فقعدوا يتضحون وقعدت على قرن فوقهم فنظر عيينة فقال ما الذي أرى قالوا لقينا من هذا البرح لا والله ما فارقنا هذا منذ غلس يرمينا حتى استنقذ كل شيء في ايدينا قال فليقم إليه منكم أربعة فعمد إلي أربعة منهم فلما أمكنوني من الكلام قلت أتعرفوني قالوا من أنت قلت سلمة بن الأكوع والذي كرم وجه محمد لا أطلب أحدا منكم إلا أدركته ولا يطلبني رجل منكم فيدركني قال أحدهم أنا أظن قال فرجعوا فما برحت مكاني ذاك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله صلى الله عليه و سلم يتخللون الشجر أولهم الأخرم الأسدي وعلى إثره أبو قتادة الأنصاري وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي فأخذت بعنان فرس الأخرم [ فولوا مدبرين ] فقلت يا أخرم إن القوم قليل فاحذرهم لا يقتطعوك حتى يلحق بنا رسول الله وأصحابه فقال يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة قال فحليته فالتقى هو وعبد الرحمن بن عيينة فعقر الأخرم بعبد الرحمن فرسه فطعنه عبد الرحمن فقتله وتحول عبدالرحمن على فرسه ولحق أبو قتادة عبد الرحمن فطعنه وقتله وعقر عبدالرحمن بأبي قتادة فرسه وتحول أبو قتادة على فرس الأخرم فانطلقوا هاربين قال سلمة فوالذي كرم وجه محمد لتبعتهم أعدو على رجلي حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم ولا غبارهم شيئا قال ويعدلون قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له ذو قرد يشربون منه وهم عطاش فنظروا إلي أعدو في آثارهم فحليتهم فما ذاقوا منه قطرة قال ويسندون في ثنية ذي أثير ويعطف علي واحد فأرشقه بسهم فيقع في نغض كتفه قلت ... خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع ...
فقال أكوعي غدوة قلت نعم يا عدو نفسه وإذا فرسان على الثنية فجئت بهما أقودهما إلى
(2/106)
________________________________________
رسول الله ولحقني عامر عمي بعدما أظلمت بسطيحة فيها مذقة من لبن وسطيحة فيها ماء فتوضأت وصليت وشربت ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو على الماء الذي حليتهم عنه عند ذي قرد وإذا رسول الله قد أخذ تلك الإبل التي استنقذت من العدو وكل رمح وكل بردة وإذا بلال قد نحر ناقة من الإبل التي استنقذت من العدو فهو يشوي لرسول الله صلى الله عليه و سلم من كبدها وسنامها فقلت يا رسول الله خلني فلأنتخب مائة رجل من القوم فأتبع القوم فلا يبقى منهم عين فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى بدا وقد بانت نواجذه في ضوء النار ثم قال اكنت فاعلا فقلت إي والذي أكرمك فلما أصبحنا قال رسول الله إنهم ليقرون بأرض غطفان قال فجاء رجل من غطفان فقال نحر لهم فلان جزورا فلما كشطوا عنها جلدها رأوا غبارا فقالوا أتيتم فخرجوا هاربين فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة بن الأكوع ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه و سلم سهمين سهم الفارس وسهم الراجل فجمعهما لي جميعا ثم أردفني رسول الله وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة فبينما نحن نسير وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدا فجعل يقول ألا من مسابق فقال ذاك مرارا فلما سمعته قلت أما تكرم غريما ولا تهاب شريفا فقال لا إلا أن يكون رسول الله فقلت يا رسول الله أبي أنت وأمي ائذن لي فلأسابق الرجل قال إن شئت قال فطفرت فعدوت فربطت شرفا أو شرفين فألحقه وأصكه بين كتفيه فقلت سبقتك والله فقال إني أظن فسبقته إلى المدينة فلم نمكث بها إلا ثلاثا حتى خرجنا إلى خيبر رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله يعني مع سلمة بن الأكوع معه فرس له يقوده حتى إذا علا على ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم فأشرف في ناحية سلع ثم صرخ واصباحاه ثم خرج يشتد في آثار القوم وكان مثل السبع حتى لحق بالقوم فجعل يردهم بالنبل ويقول إذا رمى خذها مني وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا ثم عارضهم فإذا أمكنه الرمي رمى ثم قال ... خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع ... قال فيقول قائلهم أويكعنا هو أول النهار قال وبلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم صياح ابن الأكوع فصرخ بالمدينة الفزع الفزع فتتامت الخيول إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فكان أول من انتهى إليه من الفرسان المقداد بن عمرو ثم كان أول فارس وقف على رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد المقداد من الأنصار عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن زعورا أخو بني عبد الأشهل وسعد بن زيد أحد بني كعب بن عبد الأشهل وأسيد بن ظهير أخو بني حارثة بن الحارث يشك فيه وعكاشة بن محصن أخو بني أسد بن خزيمة ومحرز بن نضلة أخو بني أسد بن خزيمة وأبو قتادة الحارث بن ربعي أخو بني سلمة وأبو عياش وهو عبيد بن زبد بن صامت أخو بني زريق فلما اجتمعوا إلىرسول الله صلى الله عليه و سلم أمر عليهم سعد بن زيد ثم قال اخرج في طلب القوم حتى ألحقك في الناس
(2/107)
________________________________________
وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما بلغني عن رجال من بني زريق لأبي عياش يا أبا عياش لو أعطيت هذا الفرس رجلا هو أفرس منك فلحق بالقوم قال أبو عياش فقلت يا رسول الله أنا أفرس الناس ثم ضربت الفرس فوالله ما جرى خمسين ذراعا حتى طرحني فعجبت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لو أعطيه أفرس منك وأقول أنا أفرس الناس فزعم رجال من بني زريق أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أعطى فرس أبي عياش معاذ بن ماعص أو عائذ بن ماعص ابن قيس بن خلدة وكان ثامنا وبعض الناس يعد سلمة بن عمرو بن الأكوع أحد الثمانية ويطرح أسيد بن ظهير أخا بني حارثة ولم يكن سلمة يومئذ فارسا وكان أول من لحق بالقوم على رجليه فخرج الفرسان في طلب القوم حتى تلاحقوا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال وحدثني محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة أن أول فارس لحق بالقوم محرز بن نضلة أخو بني أسد بن خزيمة ويقال لمحرز الأخرم ويقال له قمير وأن الفزع لما كان جال فرس لمحمود بن مسلمة في الحائط حين سمع صاهلة الخيل وكان فرسا صنيعا جاما فقال نساء من نساء بني عبد الأشهل حين رأى الفرس يجول في الحائط بجذع من نخل هو مربوط به يا قمير هل لك في أن تركب هذا الفرس فإنه كما ترى ثم تلحق رسول الله صلى الله عليه و سلم وبالمسلمين قال نعم فأعطنيه إياه فخرج عليه فلم ينثب أن بذ الخيل بجمامه حتى أدرك القوم فوقف لهم بين أيديهم ثم قال قفوا معشر اللكيعة حتى يلحق بكم من وراءكم من أدباركم من المهاجرين والأنصار قال وحمل عليه رجل منهم فقتله وجال الفرس فلم يقدروا عليه حتى وقف على آرية في بني عبد الأشهل فلم يقتل من المسلمين غيره وكان اسم فرس محمود ذا اللمة
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عمن لا يتهم عن عبيد الله بن كعب بن مالك الأنصاري أن محرزا إنما كان على فرس لعكاشة بن محصن يقال له الجناح فقتل محرز واستلب الجناح ولما تلاحقت الخيول قتل أبو قتادة الحارث بن ربعي أخو بني سلمة حبيب بن عيينة بن حصن وغشاه ببردته ثم لحق بالناس وأقبل رسول الله صد والمسلمون فإذا حبيب مسجى ببردة أبي قتادة فاسترجع الناس وقالوا قتل أبو قتادة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ليس بأبي قتادة ولكنه قتيل لأبي قتادة وضع عليه بردته لتعرفوا أنه صاحبه وأدرك عكاشة بن محصن أوبارا وابنه عمرو بن أوبار على بعير واحد فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعا واستنقذوا بعض اللقاح وسار رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى نزل بالجبل من ذي قرد وتلاحق به الناس فنزل رسول الله صلى الله عليه و سلم وأقام عليه يوما وليلة فقال له سلمة بن الأكوع يا رسول الله لو سرحتني في مائة رجل لاستنقذت بقية السرح وأخذت بأعناق القوم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما بلغني
إنهم الآن ليغبقون في غطفان وقسم رسول الله صلى الله عليه و سلم في اصحابه في كل مائة جزورا فأقاموا عليها ثم رجع رسول الله صلى الله عليه و سلم قافلا حتى قدم المدينة فأقام بها بعض جمادى الآخرة ورجب ثم غزا بلمصطلق من خزاعة في شعبان سنة ست
(2/108

بنالعياط
20-12-2012, 11:32 PM
ذكر غزوة بني المصطلق
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل وعلي بن مجاهد عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة وعن عبدالله بن أبي بكر وعن محمد بن يحيى بن حبان قال كل قد حدثني بعض حديث بني المصطلق قالوا بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم أن بالمصطلق يجتمعون له وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه و سلم فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل فتزاحف الناس واقتتلوا قتالا شديدا فهزم الله بني المصطلق وقتل من قتل منهم ونفل رسول الله صلى الله عليه و سلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءهم الله عليه وقد أصيب رجل من المسلمين من بني كلب بن عوف بن عامر بن ليث بن بكر يقال له هشام بن صبابة أصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت وهو يرى أنه من العدو فقتله خطأ فبينا الناس على ذلك الماء وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له جهجاه بن سعيد يقول له فرسه فازدحم جهجاه وسنان الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهني يا معشر الأنصار وصرخ جهجاه يا معشر المهاجرين فغضب عبد الله بن أبي بن سلول وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم غلام حديث السن فقال قد فعلوها قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا والله ما عدونا وجلابيب قريش ما قال القائل سمن كلبك يأكلك أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ثم أقبل على من حضره من قومه فقال هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم فسمع ذلك زيد بن أرقم فمشى به إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وذلك عند فراغ رسول الله صلى الله عليه و سلم من عدوه فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله مر به عباد بن بشر بن وقش فليقتله فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه لا ولكن أذن بالرحيل وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه و سلم يرتحل فيها فارتحل الناس وقد مشى عبدالله بن أبي ابن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بلغه ما سمع منه فحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به وكان عبدالله بن أبي في قومه شريفا عظيما فقال من حضر رسول الله صلى الله عليه و سلم من أصحابه من الأنصار يا رسول الله عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل حدبا على عبد الله بن أبي ودفعا عنه فلما استقل رسول الله صلى الله عليه و سلم وسار لقيه أسيد بن حضير فحياه تحية النبوة وسلم عليه ثم قال يا رسول الله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم أوما بلغك ما قال صاحبكم قال وأي صاحب يا رسول الله قال عبدالله بن أبي قال وما قال قال زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل قال أسيبد فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت هو والله الذليل وأنت العزيز ثم قال يا رسول الله ارفق به فوالله لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا
(2/109)
________________________________________
ثم متن رسول الله صلى الله عليه و سلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس فلم يكن إلا أن وجدوا مس الأرض وقعوا نياما وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبدالله بن أبي ثم راح بالناس وسلك الحجاز حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النقيع يقال له نقعاء فلما راح رسول الله صلى الله عليه و سلم هبت على الناس ريح شديدة آذتهم وتخوفوها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تخافوا إنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت احد بني قينقاع وكان من عظماء يهود وكهفا للمنافقين قد مات في ذلك اليوم ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في عبدالله بن أبي بن رسول ومن كان معه على مثل أمره فقال إذا جاءك المنافقون فلما نزلت هذه السورة أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم بأذن زيد بن أرقم فقال هذا الذي أوفى الله بأذنه
حدثنا أبو كريب قال حدثنا يحيى بن آدم قال حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن زيد بن أرقم قال خرجت مع عمي في غزاة فسمعت عبدالله بن أبي ابن سلول يقول لأصحابه لا تنفقوا على من عند رسول الله والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ( 1 ) فذكرت ذلك لعمي فذكره عمي لرسول الله صلى الله عليه و سلم فأرسل إلي فحدثته فأرسل إلى عبدالله وأصحابه فحلفوا ما قالوا قال فكذبني رسول الله صلى الله عليه و سلم وصدقه فأصابني هم لم يصبني مثله قط فجلست في البيت فقال لي عمي ما أردت إلى أن كذبك رسول الله ومقتك قال حتى أنزل الله عز و جل إذا جاءك المنافقون قال فبعث إلي رسول الله صلى الله عليه و سلم فقرأها ثم قال إن الله صدقك يا زيد رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق وبلغ عبدالله بن عبدالله بن أبي الذي كان من أمر أبيه فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة أن عبدالله بن عبدالله بن أبي ابن سلول اتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يارسول الله إنه قد بلغني أنك تريد قتل عبدالله بن أبي فيما بلغك عنه فإن كنت فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالده مني وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبدالله بن أبي يمشي في الناس فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم بل نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه ويتوعدونه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك عنهم من شأنهم كيف ترى يا عمر أما والله لو قتلته يوم أمرتني بقتله لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته قال فقال عمر قد والله علمت لأمر رسول الله أعظم بركة من أمري قال وقدم مقيس بن صبابة من مكة مسلما فيما يظهر فقال يا رسول الله جئتك مسلما وجئت أطلب دية أخي قتل خطأ فأمر له رسول الله صلى الله عليه و سلم بدية أخيه هشام بن صبابة فأقام عند رسول الله صلى الله عليه و سلم غير كثير ثم عدا على قاتل أخيه فقتله ثم خرج إلى مكة مرتدا فقال في شعر
(2/110)
________________________________________
شفى النفس أن قد بات بالقاع مسندا
... تضرج ثوبيه دماء الأخادع ...
وكانت هموم النفس من قبل قتله ...
تلم فتحميني وطاء المضاجع ...
حللت به وتري وأدركت ثؤرتي ...
وكنت إلى الأوثان أول راجع ...
تأرت به فهرا وحملت عقله ...
سراة بني النجار أرباب فارع ...

بنالعياط
21-12-2012, 09:01 PM
وقال مقيمن بن صبابة أيضا
... جللته ضربة باءت لها وشل ... من ناقع الجوف يعلوه وينصرم ... فقلت والموت تغشاه أسرته ... لا تأمنن بني بكر إذا ظلموا ...
وأصيب من بني المصطلق يومئذ ناس كثير وقتل علي بن أبي طالب منه مرجلين مالكا وابنه وأصاب رسول الله صلى الله عليه و سلم منهم سبيا كثيرا ففشا قسمه في المسلمين ومنهم جويرية بنت الحارث بن ابي ضرار زوج النبي صلى الله عليه و سلم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم قالت لما قسم رسول الله صلى الله عليه و سلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله صلى الله عليه و سلم تستعينه على كتابتها قالت فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي كرهتها وعرفت أنه سيرى منها مثل ما رأيت فدخلت عليه فقالت يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي فقال لها فهل لك في خير من ذلك قالت وما هو يا رسول الله قال أقضي كتابتك وأتزوجك قالت نعم يا رسول الله قال قد فعلت قالت وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد تزوج جويرية بنت الحارث فقال الناس أصهار رسول الله صلى الله عليه و سلم فأرسلوا ما بأيديهم قالت فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها

بنالعياط
21-12-2012, 09:37 PM
حديث الإفك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال وأقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم من سفره ذلك كما حدثني أبي إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة حتى إذا كان قريبا من المدينة وكانت معه عائشة في سفره ذلك قال أهل الإفك فيها ما قالوا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن علقمة بن وقاص الليثي وعن سعيد بن المسيب وعن عروة بن الزبير وعن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود قال الزهري كل قد حدثني بعض هذا الحديث وبعض القوم كان أوعى له من بعض قال وقد جمعت لك كل الذي حدثني القوم
(2/111)
________________________________________
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن ابيه عن عائشة قال وحدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري عن عمرة بنت عبدالرحمن عن عائشة قال وكل قد اجتمع حديثه في خبر قصة عائشة عن نفسها حين قال أهل الإفك فيها ما قالوا فكل قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعا ويحدث بعضهم ما لم يحدث بعض وكل كان عنها ثقة وكل قد حدث عنها بما سمع قالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه كما كان صنع فخرج سهمي عليهن فخرج بي رسول الله صلى الله عليه و سلم قالت وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العلق لم يهبجهن اللحم فيثقلن قالت وكنت إذا رحل بعيري جلست في هودجي ثم يأتي القوم الذين يرحلون هودجي في بعيري ويحملوني فيأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير فيشدونه بخباله ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به قالت فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه و سلم من سفره ذلك وجه قافلا حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا فبات فيه بعض الليل ثم أذن في الناس بالرحيل فلما ارتحل الناس خرجت لبعض حاجتي وفي عنقي عقد لي فيه جزع ظفار فلما فرغت انسل من عنقي ولا أدري فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده وقد أخذ الناس في الرحيل قالت فرجعت عودي على بدئي إلى المكان الذي ذهبت إليه فالتمسته حتى وجدته وجاء خلافي القوم الذين كانوا يرجلون لي البعير وقد فرغوا من رحلته فأخذوا الهودج وهم يظنون أني فيه كما كنت أصنع فاحتملوه فشدوه على البعير ولم يشكوا أني فيه ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به ورجعت إلى العسكر وما فيه داع ولا مجيب قد انطلق الناس قالت فتلففت بجلبابي ثم اضطجعت في مكاني الذي ذهبت إليه وعرفت أن لو قد افتقدوني قد رجعوا إلي قالت فوالله إني لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطل السلمي وقد كان تخلف عن العسكر لبعض حاجته فلم يبت مع الناس في العسكر فلما رأى سوادي أقبل حتى وقف علي فعرفني وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب فلما رآني قال إنا لله وإنا إليه راجعون أظعينة رسول الله وأنا متلففة في ثيابي قال ما خلفك رحمك الله قالت فما كلمته ثم قرب البعير فقال اركبي رحمك الله واستأخر عني قالت فركبت وجاء فأخذ برأس البعير فانطلق بي سريعا يطلب الناس فوالله ما أدركنا الناس وما افتقدت حتى أصبحت ونزل الناس فلما اطمأنوا طلع الرجل يقودني فقال أهل الإفك في ما قالوا فارتج العسكر ووالله ما أعلم بشيء من ذلك ثم قدمنا المدينة فلم أمكث أن اشتكيت شكوى شديدة ولا يبلغني شيء من ذلك وقد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وإلى أبوي ولا يذكران لي من ذلك قليلا ولا كثيرا إلا أني قد أنكرت من رسول الله صلى الله عليه و سلم بعض لطفه بي كنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي فلم يفعل ذلك في شكواي تلك فأنكرت منه وكان إذا دخل علي وأمي تمرضني قال كيف تيكم لا يزيد على ذلك قالت حتى وجدت في نفسي مما رأيت من جفائه عني فقلت له يا رسول الله لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرضتني قال لا عليك قالت فانتقلت إلى أمي ولا أعلم بشيء مما كان حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة قالت وكنا قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذها الأعاجم نعافها ونكرهها إنما كنا نخرج في فسح المدينة وإنما كان النساء يخرجن كل ليلة في حوائجهن فخرجت ليلة لبعض حاجتي
(2/112)
________________________________________
ومعي أم مسطح بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وكانت أمها بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم خالة أبي بكر قالت فوالله إنها لتمشي معي إذ عثرت في مرطها فقالت تعس مسطح قالت قلت بئس لعمر الله ما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدرا قالت أوما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر قالت قلت وما الخبر فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك قالت قلت وقد كان هذا قالت نعم والله لقد كان قالت فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي ورجعت فما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي قالت وقلت لأمي يغفر الله لك تحدث الناس بما تحدثوا به وبلغك ما بلغك ولا تذكرين لي من ذلك شيئا قالت أي بنية خفضي الشأن فوالله قلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها قالت وقد قام رسول الله صلى الله عليه و سلم في الناس يخطبهم ولا أعلم بذلك ثم قال أيها الناس ما بال رجاله يؤذونني في أهلي ويقولون عليهن غير الحق والله ما علمت منهن إلا خيرا ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا وما دخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي قالت وكان كبر ذلك عند عبدالله بن أبي بن سلول في رجال من الخزرج مع الذي قال مسطح وحمنة بنت جحش وذلك أن أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول الله صلى الله عليه و سلم [ ولم تكن من نسائه امرأة تناصبني في المنزلة عنده غيرها فأما زينب فعصمها الله وأما حمنة بنت جحش ] فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضارني لأختها زينب بنت جحش فشقيت بذلك فلما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم تلك المقالة قال أسيد بن حضير أخو بني عبد الأشهل يا رسول الله إن يكونوا من الأوس نكفكهم وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك فوالله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم قالت فقام سعد بن عبادة وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا فقال كذبت لعمر الله لا تضرب أعناقهم أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج ولو كانوا من قومك ما قلت هذا قال أسيد كذبت لعمر الله ولكنك منافق تجادل عن ا لمنافقين قالت وتثاوره الناس حتى كاد أن يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر ونزل رسول الله صلى الله عليه و سلم فدخل علي قالت فدعا علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد فاستشارهما فأما أسامة فأثنى خيلا وقاله ثم قال يا رسول الله أهلك ولا نعلم عليهن إلا خيرا وهذا الكذب والباطل وأما علي فإنه قال يا رسول الله إن النساء لكثير وإنك لقادر على أن تستخلف وسل الجارية فإنها تصدقك فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم بربرة يسألها قالت فقام إليها علي فضربها ضربا شديدا وهو يقول اصدقي رسول الله قالت فتقول والله ما أعلم إلا خيرا وماكنت أعيب على عائشة إلا أني كنت أعجن عجيني فآمرها أن تحفظه فتنام عنه فيأتي الداجن فيأكله ثم دخل علي رسول الله صلى الله عليه و سلم وعندي أبواي وعندي امرأة من الأنصار وأنا أبكي وهي تبكي معي فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس فاتقي الله وإن كنت قارفت سوءا مما يقول الناس فتوبي إلى الله فإن الله يقبل التوبةعن عباده قالت فوالله ما هو إلا أن قال ذلك تقلص دمعي حتى ما أحس منه شيئا وانتظرت أبوي أن يجيبا رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يتكلما قالت وأيم الله لأنا كنت أحقر في نفسي وأصغر شأنا من أن ينزل الله عز و جل في قرآنا يقرأ به في المساجد ويصلى به ولكني قد كنت أرجو أن يرى رسول الله في نومه شيئا يكذب الله به عني لما يعلم من براءتي أو
(2/113)
________________________________________
يخبر خبرا فأما قرآن ينزل في فوالله لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك فلما لم أر أبوي يتكلمان قالت قلت ألا تجيبان رسول الله قالت فقالا لي والله ما ندري بماذا نجيبه قالت وأيم الله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الأيام قالت فلما استعجما علي استعبرت فبكيت ثم قلت والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا والله لئن أقررت بما يقول الناس والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني لأقولن ما لم يكن ولئن أنا أنكرت ما تقولون لا تصدقونني قالت ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره ولكني أقول كما قال أبو يوسف فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت فوالله ما برح رسول الله صلى الله عليه و سلم مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه فسجي بثوبه ووضعت وسادة من أدم تحت رأسه فأما انا حين رأيت من ذلك ما رأيت فوالله ما فزعت كثيرا ولا باليت قد عرفت أني بريئة وأن الله غير ظالمي وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده ما سري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس قالت ثم سري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فجلس وإنه ليتحدر منه مثل الجمان في يوم شات فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك قالت فقلت بحمد الله وذمكم ثم خرج الى الناس فخطبهم وتلا عليهم ما أنزل الله عز و جل من القرآن في ثم أمر بمسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش وكانوا ممن أفصح بالفاحشة فضربوا حدهم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن أبيه عن بعض رجال بني النجار أن أبا أيوب خالد بن زيد قالت له امرأته أم أيوب يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة قال بلى وذلك الكذب أكنت يا أم أيوب فاعلة ذلك قالت لا والله ما كنت لأفعله قال فعائشة والله خير منك قال فلما نزل القرآن ذكر الله من قال من الفاحشة ما قال من أهل الإفك إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم ( 1 ) الاية وذلك حسان بن ثابت في أصحابه الذين قالوا ما قالوا ثم قال الله عز و جل لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ( 1 ) الآية أي كما قال أبو أيوب وصاحبته ثم قال إذ تلقونه بألسنتكم ( 2 ) الآية فلما نزل هذا في عائشة وفيمن قال لها ما قال قال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وحاجته والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا ولا أنفعه بنفع أبدا بعد الذي قال لعائشة وأدخل علينا ما أدخل قالت فأنزل الله عز و جل في ذلك ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى ( 3 ) الآية قالت فقال أبو بكر والله لأحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه وقال والله لا أنزعها منه أبدا ثم إن صفوان بن المعطل اعترض حسان بن ثابت بالسيف حين بلغه ما يقول فيه وقد كان حسان قال شعرا مع ذلك يعرض بابن المعطل فيه وبمن أسلم من ا لعرب من مضر فقال
(2/114)

بنالعياط
25-12-2012, 07:49 PM
أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا ... وابن الفريعة أمسى بيضة البلد ... قد ثكلت أمه من كنت صاحبه ... أو كان منتشبا في برثن الأسد ... ما لقتيلي الذي أغدو فآخذه ... من دية فيه يعطاها ولا قود ... ما البحر حين تهب الريح شامية ... فيغطئل ويرمي العبر بالزبد ... يوما بأغلب مني حين تبصرني ... ملغيظ أفري كفري العارض البرد ...
فاعترضه صفوان بن المعطل بالسيف فضربه ثم قال كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق ... تلق ذباب السيف عني فإنني ... غلام إذا هو جيت لست بشاعر ...
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن ثابت بن قيس بن الشماس أخا بلحارث بن الخزرج وثب على صفوان بن المعطل في ضربه حسان فجمع يديه إلى عنقه فانطلق به إلى دار بني الحارث بن الخزرج فلقيه عبدالله بن رواحة فقال ما هذا قال ألا أعجبك ضرب حسان بن ثابت بالسيف والله ما أراه إلا قد قتله قال فقال له عبدالله بن رواحة هل علم رسول الله صلى الله عليه و سلم بشيء مما صنعت قال لا والله قال لقد اجترأت أطلق الرجل فأطلقه ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم له ذلك فدعا حسان وصفوان بن المعطل فقال ابن المعطل يا رسول الله آذاني وهجاني فاحتملني الغضب فضربته فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لحسان يا حسان أتشوهت على قومي أن هداهم الله للإسلام ثم قال أحسن يا حسان في الذي قد أصابك قال هي لك يا رسول الله
وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أعطاه عوضا منها بيبرحا وهي قصر بني حديلة اليوم بالمدينة كانت مالا لأبي طلحة بن سهل تصدق بها إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأعطاها حسان في ضربته وأعطاه سيرين أمة قبطية فولدت له عبد الرحمن بن حسان قال وكانت عائشة تقول لقد سئل عن صفوان بن المعطل فوجدوه رجلا حصورا ما يأتي النساء ثم قتل بعد ذلك شهيدا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبد الواحد بن حمزة أن حديث عائشة كان في عمرة القضاء
قال أبو جعفر ثم أقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة شهر رمضان وشوالا وخرج في ذي القعدة من سنة ست معتمرا
ذكر الخبر عن عمرة النبي صلى الله عليه و سلم التي صده المشركون فيها عن ا لبيت وهي قصة الحديبية
حدثنا ابن حميد قال حدثنا الحكم بن بشير قال حدثنا عمر بن ذر الهمداني عن مجاهد أن النبي صلى الله عليه و سلم اعتمر ثلاث عمر كلها في ذي القعدة يرجع في كلها إلى المدينة
(2/115)
________________________________________
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال خرج النبي صلى الله عليه و سلم معتمرا في ذي القعدة لا يريد حربا وقد استنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب أن يخرجوا معه وهو يخشى من قريش الذي صنعوا به أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت فأبطأ عليه كثير من الأعراب وخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم ومن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه وليعلم الناس أنه إنما جاء زائرا لهذا البيت معظما له
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن محمد بن مسلم الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه قالا خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالا وساق معه سبعين بدنة وكان الناس سبعمائة رجل كانت كل بدنة عن عشرة نفر وأما حديث ابن عبدالأعلى فحدثنا عن محمد بن ثور عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة
وحدثني يعقوب قال حدثني يحيى بن سعيد قال حدثنا عبدالله بن مبارك قال حدثني معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم من الحديبية في بضعة عشر ومائة من أصحابه ثم ذكر الحديث
حدثنا الحسن بن يحيى حدثنا ابو عامر قال حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي عن إياس بن سلمة عن أبيه قال قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم الحديبية ونحن أربعة عشر ومائة
حدثنا يوسف بن موسى القطان قال حدثنا هشام بن عبدالملك وسعيد بن شرحبيل المصري قالا حدثنا الليث بن سعد المصري قال حدثنا أبو الزبير عن جابر قال كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة
حدثني محمد بن سعد قال حدثني أبي قال حدثني عمي قال حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قال كان أهل البيعة تحت الشجرة ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين
حدثنا ابن المثنى قال حدثنا ابو داود قال حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت عبدالله بن أبي أوفى يقول كنا يوم الشجرة ألفا وثلاثمائة وكانت أسلم ثمن المهاجرين
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبدالله الأنصاري قال كنا أصحاب الحديبية أربعة عشر ومائة
قال الزهري فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي فقال له يا رسول الله هذه قريش قد سمعوا بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذي طوي يحلفون بالله لا تدخلها عليهم أبدا وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم
قال أبو جعفر وقد كان بعضهم يقول إن خالد بن الوليد كان يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه و سلم مسلما
(2/116)
________________________________________
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن حميد قال حدثنا يعقوب القمي عن جعفر يعني ابن أبي المغيرة عن ابن أبزى قال لما خرج النبي صلى الله عليه و سلم بالهدي وانتهى إلى ذي الحليفة قال له عمر يا رسول الله تدخل على قوم هم لك حرب بغير سلاح ولا كراع قال فبعث النبي صلى الله عليه و سلم إلى المدينة فلم يدع فيها كراعا ولا سلاحا إلا حمله فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل فسار حتى أتى منى فنزل بمنى فأتاه عينه أن عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمائة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لخالد بن الوليد يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل فقال خالد أنا سيف الله وسيف رسوله فيومئذ سمي سيف الله يا رسول الله ارم بي حيث شئت فبعثه على خيل فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة ثم عاد في الثانية فهزمه حتى أدخله حيطان مكة ثم عاد في الثالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة فأنزل الله تعالى فيه وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم إلى قوله عذابا أليما ( 1 ) قال وكف الله النبي صلى الله عليه و سلم عنهم بعد أن أظفره عليهم لبقايا من المسلمين كانوا بقوا فيها من بعد أن أظفره عليهم كراهية أن تطأهم الخيل بغير علم رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا ويح قريش قد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب فإن هن أصابوني كان ذلك الذي أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة فما تظن قريش فوالله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة ثم قال من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر أن رجلا من أسلم قال أنا يا رسول الله قال فسلك بهم على طريق وعر حزن بين شعاب فلما أن خرجوا منه وقد شق ذلك على المسلمين وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي قال رسول الله صلى الله عليه و سلم للناس قولوا نستغفر الله ونتوب إليه ففعلوا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها
قال ابن شهاب ثم أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم الناس فقال اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض في طريق تخرجه على ثنية المرار على مهبط الحديبية من أسفل مكة قال فسلك الجيش ذلك الطريق فلما رأت خيل قريش قترة الجيش وأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد خالفهم عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش وخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته فقال الناس خلأت فقال ما خلأت وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها ثم قال للناس انزلوا فقيل يا رسول الله ما بالوادي ماء ننزل عليه فأخرج سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه فجاش الماء بالري حتى ضرب الناس عليه بعطن
(2/117)

بنالعياط
25-12-2012, 08:58 PM
فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم أن رجلا من أسلم حدثه أن الذي نزل في القليب بسهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ناجبة بن جندب بن عمير بن يعمر بن دارم وهو سائق بدن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال وقد زعم لي بعض أهل العلم أن البراء بن عازب كان يقول أنا الذي نزلت بسهم رسول الله صلى الله عليه و سلم قال وأنشدت أسلم أبياتا من شعر قالها ناجية قد ظننا أنه هو الذي نزل بسهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فزعمت أسلم أن جارية من الأنصار أقبلت بدلوها وناجية في القليب يميح على الناس فقالت ... يا أيها المائح دلوي دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا ... يثنون خيرا ويمجدونكا ...
وقال ناجية وهو في القليب يميح الناس ... قد علمت جارية يمانيه ... أني أنا المائح واسمي ناجيه ... وطعنة ذات رشاش واهيه ... طعنتها تحت صدور العاديه ...
حدثنا محمد بن عبدالأعلى الصنعاني قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا يحيى بن سعيد القطان قال حدثنا عبدالله بن المبارك قال حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا نزل رسول الله صلى الله عليه و سلم بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتبرضه الناس تبرضا فلم يلبثه الناس أن نزحوه فشكي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم العطش فنزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه فبينا هم كذلك جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه و سلم من أهل تهامة فقال إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال النبي صلى الله عليه و سلم إنا لم نأت لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاءوا ماددناهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره فقال بديل سنبلغهم ما تقول فانطلق حتى أتى قريشا فقال إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا فإن شئتم أن نعرضه عليهكم فعلنا فقال سفهاؤهم لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء وقال ذو الرأي منهم هات ما سمعته يقول قال سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه و سلم فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال أي قوم ألستم بالوالد قالوا بلى قال أو لست بالولد قالوا بلى قال فهل تتهمونني قالوا لا قال ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني قالوا بلى
وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري في حديثه قال كان عروة بن مسعود لسبيعة بنت عبد شمس
(2/118)
________________________________________
رجع الحديث إلى حديث ابن عبدالأعلى ويعقوب قال فإن هذا الرجل قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته فقالوا ائته فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه و سلم فقال النبي نحوا من مقالته لبديل فقال عروة عند ذلك أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك فهل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها وأوشابا من الناس خلقا أن يفروا ويدعوك فقال أبو بكر امصص بظر اللات واللات طاغية ثقيف التي كانوا يعبدون أنحن نفر وندعه فقال من هذا فقالوا أبو بكر فقال أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك وجعل يكلم النبي صلى الله عليه و سلم فكلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه و سلم ومعه السيف وعليه المغفر فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه و سلم ضرب يده بنعل السيف وقال أخر يدك عن لحيته فرفع عروة رأسه فقال من هذا قالوا المغيرة بن شعبة قال أي غدر ألست أسعى في غدرتك وكان المغيرة بن شعبة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي صلى الله عليه و سلم أما الإسلام فقد قبلنا وأما المال فإنه مال غدر لا حاجة لنا فيه وإن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم بعينه قال فوالله إن يتنخم النبي نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم وما يحدون النظر إليه تعظيما له فرجع عروة إلى أصحابه فقال أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت علىكسرى وقيصر والنجاشي والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا بأمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم وما يحدون النظر إليه تعظيما له وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها فقال رجل من كنانة دعوني آته فقالوا ائته فلما أشرف على النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه قال النبي صلى الله عليه و سلم هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعثت له واستقبله قوم يلبون فلما رأى ذلك قال سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت
وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن الزهري قال في حديثه ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة او ابن زبان وكان يومئذ سيد الأحابيش وهو أحد بلحارث بن عبد مناة بن كنانة فلما رآه رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم إعظاما لما رأى فقال يا معشر قريش إني قد رأيت ما لا يحل صده الهدي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله قالوا له اجلس فإنما أنت رجل أعرابي لا علم لك
وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر أن الحليس غضب عند ذلك وقال يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم أن تصدوا عن بيت الله من جاءه معظما له والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد قال فقالوا له مه كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به
(2/119)
________________________________________
رجع الحديث إلى حديث ابن عبدالأعلى ويعقوب فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال لهم دعوني آته قالوا ائته فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه و سلم هذا مكرز بن حفص وهو رجل فاجر فجاء فجعل يكلم النبي صلى الله عليه و سلم فبينا هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو وقال أيوب عن عكرمة إنه لما جاء سهيل قال النبي صلى الله عليه و سلم قد سهل لكم من أمركم
فحدثني محمد بن عمارة الأسدي ومحمد بن منصور واللفظ لابن عمارة قالا حدثنا عبيدالله بن موسى قال أخبرنا موسى بن عبيدة عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال بعثت قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبدالعزى وحفص بن فلان إلى النبي صلى الله عليه و سلم ليصالحوه فلما رآهم رسول الله فيهم سهيل بن عمرو قال سهل الله لكم من أمركم القوم ماتون إليكم بأرحامكم وسائلوكم الصلح فابعثوا الهدي وأظهروا التلبية لعل ذلك يلين قلوبهم فلبوا من نواحي العسكر حتى ارتجت أصواتهم بالتلبية قال فجاؤوا فسألوه الصلح قال فبينما الناس قد توادعوا وفي المسلمين ناس من المشركين وفي المشركين ناس من المسلمين قال ففتك به أبو سفيان قال فإذا الوادي يسيل بالرجال والسلاح قال إياس قال سلمة فجئت بستة من المشركين متسلحين أسوقهم ما يملكون لأنفهسم نفعا ولا ضرا فأتيت بهم النبي صلى الله عليه و سلم فلم يسلب ولم يقتل وعفا وأما الحسن بن يحيى فإنه حدثنا قال حدثنا أبو عامر قال حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي عن إياس بن سلمة عن أبيه أنه قال لما اصطلحنا نحن وأهل مكة أتيت الشجرة فكسحت شوكها ثم اضطجعت في ظلها فأتاني أربعة نفر من المشركين من أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه و سلم فأبغضتهم قال فتحولت إلىشجرة أخرى فعلقوا سلاحهم ثم اضطجعوا فبينا هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي يا للمهاجرين قتل ابن زنيم فاخترطت سيفي فشددت على أولئك الأربعة وهم رقود فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثا في يدي ثم قلت والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه و سلم لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه قال فجئت بهم أقودهم إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له مكرز يقوده مجففا حتى وقفنا بهم على رسول الله صلى الله عليه و سلم في سبعين من المشركين فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال دعوهم يكن لهم بدء الفجور فعفا عنهم قال فأنزل الله عز و جل وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة رجع الحديث إلى حديث محمد بن عمارة ومحمد بن منصور عن عبيدالله قال سلمة فشددنا على من في أيدي المشركين منا فما تركنا في أيديهم منا رجلا إلا استنقذناه قال وغلبنا على من في أيدينا منهم ثم إن قريشا بعثوا سهيل بن عمرو وحويطبا فولوهم صلحهم وبعث النبي صلى الله عليه و سلم عليا عليه السلام في صلحه
حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم يقال له زنيم اطلع الثنية من الحديبية فرماه المشركون فقتلوه فبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم خيلا فأتوه باثني عشر رجلا فارسا من الكفار فقال لهم نبي الله صلى الله عليه و سلم هل لكم علي عهد هل لكم علي ذمة قالوا لا قال فأرسلهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فانزل الله في ذلك القرآن وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة إلى قوله بما تعملون بصيرا
(2/120)
________________________________________
وأما ابن إسحاق فإنه ذكر أن قريشا إنما بعثت سهيل بن عمرو بعد رسالة كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أرسلها إليهم مع عثمان بن عفان حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم دعا خراش بن أمية الخزاعي فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على جمل له يقال له الثغلب ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا به جمل رسول الله وأرادوا قتله فمنعته الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني من لا أتهم عن عكرمة مولى ابن عباس أن قريشا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين رجلا وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه و سلم ليصيبوا لهم من أصحابه فأخذوا أخذا فأتى بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فعفا عنهم وخلى سبيلهم وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله صلى الله عليه و سلم بالحجارة والنبل ثم دعا النبي صلى الله عليه و سلم عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ولكني أدلك على رجل هو أعز بها مني عثمان بن عفان فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم عثمان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته فخرج عثمان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها فنزل عن دابته فحمله بين يديه ثم ردفه وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه و سلم فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ما أرسله به فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله صلى الله عليه و سلم إليهم إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به قال ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه و سلم فاحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم والمسلمين أن عثمان قد قتل
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال فحدثني عبدالله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم حين بلغه أن عثمان قد قتل قال لا نبرح حتى نناجز القوم ودعا الناس إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة
حدثني ابن عمارة الأسدي قال حدثني عبيدالله بن موسى عن موسى بن عبيدة عن إياس بن سلمة قال قال سلمة بن الأكوع بينما نحن قافلون من الحديبية نادى منادي النبي صلى الله عليه و سلم أيها الناس البيعة البيعة نزل روح القدس قال فسرنا إلى رسول الله وهو تحت شجرة سمرة قال فبايعناه قال وذلك قول الله تعالى لقد رضي الله عنها المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ( 1 )
حدثنا عبدالحميد بن بيان قال أخبرنا محمد بن يزيد عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر قال كان أول من بايع بيعة الرضوان رجلا من بني أسد يقال له أبو سنان بن وهب
حدثني يونس بن عبدالأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرنا القاسم بن عبدالله بن عمر عن
(2/121)
________________________________________
محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله أنهم كانوا يوم الحديبية أربعة عشر ومائة قال فبايعنا رسول الله صلى الله عليه و سلم وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة فبايعناه غير الجد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره قال جابر بايعنا رسول الله على ألا نفر ولم نبايعه على الموت وقد قيل في ذلك ما حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبر أبو عامر قال أخبرنا عكرمة اليمامي عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه أن النبي صلى الله عليه و سلم دعا الناس للبيعة في أصل الشجرة فبايعته في أول الناس ثم بايع وبايع حتى إذا كان في وسط من الناس قال بايع يا سلمة قال قلت قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس قال وأيضا ورآني النبي صلى الله عليه و سلم أعزل فأعطاني حجفة أو درقة قال ثم إن رسول الله بايع الناس حتى إذا كان في آخرهم قال ألا تبايع يا سلمة قلت يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم قال وأيضا قال فبايعته الثالثة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فأين الدرقة والحجفة التي أعطيتك قلت لقيني عمي عامر أعزل فأعطيته إياها فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال إنك كالذي قال الأول اللهم ابغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال فبايع رسول الله صلى الله عليه و سلم الناس ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة قال كان جابر بن عبدالله يقول لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته قد ضبأ إليها يستتر بها من الناس ثم أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن الذي كان من أمر عثمان باطل قال ابن إسحاق قال الزهري ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وقالوا له ائت محمدا فصالحه ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا فوالله لا تحدث العرب أنه دخل علينا عنوة أبدا قال فأقبل سهيل بن عمرو فلما رآه رسول الله صلى الله عليه و سلم مقبلا قال قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل فلما انتهى سهيل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم تكلم فأطال الكلام وتراجعا ثم جرى بينهما الصلح فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال يا أبا بكر أليس برسول الله قال بلى قال أولسنا بالمسلمين قال بلى قال أو ليسوا بالمشركين قال بلى قال فعلام نعطى الدنية في ديننا قال أبو بكر يا عمر الزم غرزه فإني أشهد أنه رسول الله قال عمر وأنا أشهد أنه رسول الله قال ثم أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله ألست برسول الله قال بلى قال أو لسنا بالمسلمين قال بلى قال أو ليسوا بالمشركين قال بلى قال فعلام نعطي الدنية في ديننا فقال أنا عبدالله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني قال فكان عمر يقول ما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به حتى رجوت أن يكون خيرا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي عن علقمة بن قيس النخعي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال ثم دعاني رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل لا أعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم فقال رسول الله اكتب باسمك اللهم فكتبتها ثم قال اكتب هذا ما صالح
(2/122)
________________________________________
عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو فقال سهيل بن عمرو لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك قال فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله سهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه من أتى رسول الله من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ومن جاء قريشا ممن مع رسول الله لم ترده عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال وأنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه فتواثبت خزاعة فقالوا نحن في عقد رسول الله وعهده وتواثبت بنو بكر فقالوا نحن في عقد قريش وعهدها وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا وأن معك سلاح الراكب السيوف في القرب لا تدخلها بغير هذا فبينا رسول الله صلى الله عليه و سلم يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم في نفسه دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا أن يهلكوا فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بلببه فقال يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا قال صدقت قال فجعل ينتره بلببه ويجره ليرده إلى قريش وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنونني في ديني فزاد الناس ذلك شرا إلى ما بهم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا أبا جندل احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم عقدا وصلحا وأعطيناهم على ذلك عهدا وأعطونا عهدا وإنا لا نغدر بهم قال فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب قال ويدني قائم السيف منه قال يقول عمر رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه قال فضن الرجل بأبيه فلما فرغ من الكتاب أشهد على الصلح رجالا من المسلمين ورجالا من االمشركين أبا بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وعبدالرحمن بن عوف وعبدالله بن سهيل بن عمرو وسعد بن أبي وقاص ومحمود بن مسلمة أخا بني عبدالأشهل ومكرز بن حفص بن الأخيف وهو مشرك أخا بني عامر بن لؤي وعلي بن أبي طالب وكتب وكان هو كاتب الصحيفة
حدثنا هارون بن إسحاق قال حدثنا مصعب بن المقدام وحدثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا أبي قالا جميعا حدثنا إسرائيل قال حدثنا أبو إسحاق عن البراء قال اعتمر رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى يقاضيهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام فلما كتب الكتاب كتب هذا ما تقاضى عليه محمد رسول الله فقالوا لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك ولكن أنت محمد بن عبدالله قال أنا رسول الله وأنا محمد بن عبدالله قال لعلي عليه السلام امح رسول الله قال لا والله لا أمحاك أبدا فأخذه رسول الله صلى الله عليه و سلم وليس يحسن يكتب فكتب مكان رسول الله محمد
(2/123)
________________________________________
فكتب هذا ما قاضى عليه محمد لا يدخل مكة بالسلاح إلا السيوف في القراب ولا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه ولا يمنع أحدا من أصحابه أراد أن يقيم بها فلما دخلها ومضىالأجل أتوا عليا عليه السلام فقالوا له قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم
حدثنا محمد بن عبدالأعلى قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا عبدالله بن المبارك قال حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في قصة الحديبية فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه و سلم من قضيته قال لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا قال فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت له أم سلمة يا نبي الله أتحب ذلك اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنتك وتدعو حالقك فيحلقك فقام فخرج فلم يكلم أحدا منهم كلمة حتى فعل ذلك نحر بدنته ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما
قال ابن حميد قال سلمة قال ابن إسحاق وكان الذي حلقه فيما بلغني ذلك اليوم خراش بن أمية بن الفضل الخزاعي
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال حدثني عبدالله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم يرحم الله المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال يرحم الله المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال يرحم الله المحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين قالوا يا رسول الله فلم ظاهرت الترحم للمحلقين دون المقصرين قال لأنهم لم يشكوا
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن أبان بن إسحاق عن عبدالله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال أهدى رسول الله صلى الله عليه و سلم عام الحديبية في هداياه جملا لأبي جهل في رأسه برة من فضة ليغيظ المشركين بذلك رجع الحديث إلى حديث الزهري الذي ذكرنا قبل ثم رجع النبي صلى الله عليه و سلم إلى المدينة زاد ابن حميد عن سلمة في حديثه عن ابن إسحاق عن الزهري قال يقول الزهري فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه إنما كان القتال حيث التقى الناس فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها وأمن الناس كلهم بعضهم بعضا فالتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه فلقد دخل في تينك السنتين في الإسلام مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر وقالوا جميعا في حديثهم عن الزهري عن عروة عن المسور ومروان فلما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة جاءه أبو بصير رجل من قريش قال ابن إسحاق في حديثه أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية وهو مسلم وكان ممن حبس بمكة فلما قدم على رسول الله كتب فيه أزهر بن عبد عوف والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وبعث رجلا من بني عامر بن لؤي ومعه مولى لهم فقدما على رسول الله صلى الله عليه و سلم
(2/124)
________________________________________
بكتاب الأزهر والأخنس فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ولا يصلح لنا في ديننا الغدر وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا قال فانطلق معهما حتى إذا كان بذي الحليفة جلس إلى جدار وجلس معه صاحباه فقال أبو بصير أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر قال نعم قال انظر إليه قال إن شئت فاستله أبو بصير ثم علاه به حتى قتله وخرج المولى سريعا حتى أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو جالس في المسجد فلما رآه رسول الله طالعا قال إن هذا رجل قد رأى فزعا فلما انتهى إلى رسول الله قال ويلك مالك قال قتل صاحبكم صاحبي فوالله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحا السيف حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله وفت ذمتك وأدي عنك أسلمتني ورددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم فقال النبي صلى الله عليه و سلم ويل أمه مسعر حرب وقال ابن إسحاق في حديثه محش حرب لو كان معه رجال فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم قال فخرج أبو بصير حتى نزل بالعيص من ناحية ذي المروة على ساحل البحر بطريق قريش الذي كانوا يأخذون إلى الشام وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة قول رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبي بصير ويل أمه محش حرب لو كان معه رجال فخرجوا إلى أبي بصير بالعيص وينفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو فلحق بأبي بصير فاجتمع إليه قريب من سبعين رجلا منهم فكانوا قد ضيقوا على قريش فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلىالشأم إلا اعترضوا لهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم فأرسلت قريش إلىالنبي صلى الله عليه و سلم ينشادونه بالله وبالرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن فآواهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقدموا عليه المدينة زاد ابن إسحاق في حديثه فلما بلغ سهيل بن عمرو قتل أبي بصير صاحبهم العامري أسند ظهره إلى الكعبة وقال لا أؤخر ظهري عن الكعبة حتى يودوا هذا الرجل فقال أبو سفيان بن حرب والله إن هذا لهو السفه والله لا يودى ثلاثا وقال ابن عبدالأعلى ويعقوب في حديثهما ثم جاءه يعني رسول الله نسوة مؤمنات فأنزل الله عز و جل عليه يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات حتى بلغ بعصم الكوافر ( 1 ) قال فطلق عمر بن الخطاب يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك قال فنهاهم أن يردوهن وأمرهم أن يردوا الصداق حينئذ قال رجل للزهري أمن أجل الفروج قال نعم فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية زاد ابن إسحاق في حديثه وهاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط في تلك المدة فخرج أخواها عمارة والوليد ابنا عقبة حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه و سلم يسألانه أن يردها عليهما بالعهد الذي كان بينه وبين قريش في الحديبية فلم يفعل أبى الله عز و جل ذلك وقال أيضا في حديثه كان ممن طلق عمر بن الخطاب طلق امرأتيه قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة
(2/125)
________________________________________
فتزوج بعده معاوية بن أبي سفيان وهما على شركهما بمكة وأم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية أم عبيدالله بن عمر فتزوجها أبو جهم بن حذافة بن غانم رجل من قومها وهما على شركهما بمكة وقال الواقدي في هذه السنة في شهر ربيع الآخر منها بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم عكاشة بن محصن في أربعين رجلا إلى الغمر فيهم ثابت بن أقرم وشجاع بن وهب فأغذ السير ونذر القوم به فهربوا فنزل على مياههم وبعث الطلائع فأصابوا عينا فدلهم على بعض ماشيتهم فوجدوا مائتي بعير فحدروها إلى المدينة قال وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم محمد بن مسلمة في عشرة نفر في ربيع الأول منها فكمن القوم لهم حتى نام هو وأصحابه فما شعروا إلا بالقوم فقتل أصحاب محمد بن مسلمة وأفلت محمد جريحا قال الواقدي وفيها أسرى رسول الله صلى الله عليه و سلم سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة في شهر ربيع الآخر في أربعين رجلا فساروا ليلتهم مشاة ووافوا ذا القصة مع عماية الصبح فأغاروا عليهم فأعجزوهم هربا في الجبال وأصابوا نعما ورثة ورجلا واحدا فأسلم فتركه رسول الله صلى الله عليه و سلم قال وفيها كانت سرية زيد بن حارثة بالجموم فأصاب امرأة من مزينة يقال لها حليمة فدلتهم على محلة بني سليم فأصابوا بها نعما وشاء وأسراء وكان في أولئك الأسراء زوج حليمة فلما قفل بما أصاب وهب رسول الله صلى الله عليه و سلم للمزنية زوجها ونفسها قال وفيها كانت سرية زيد بن حارثة إلى العيص في جمادى الأولى منها وفيها أخذت الأموال التي كانت مع أبي العاص بن الربيع فاستجار بزينب بنت النبي صلى الله عليه و سلم فأجارته قال وفيها كانت سرية زيد بن حارثة إلى الطرف في جمادى الآخرة إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا فهربت الأعراب وخافوا أن يكون رسول الله سار إليهم فأصاب من نعمهم عشرين بعيرا قال وغاب أربع ليال قال وفيها سرية زيد بن حارثة إلى حسمى في جمادى الآخرة قال وكان أول ذلك فيما حدثني موسى بن محمد عن أبيه قال أقبل دحية الكلبي من عند قيصر وقد أجاز دحية بمال وكساه كسى فأقبل حتى كان بحسمى فلقيه ناس من جذام فقطعوا عليه الطريق فلم يترك معه شيء فجاء إلى رسول الله قبل أن يدخل بيته فأخبره فبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم زيد بن حارثة إلى حسمى قال وفيها تزوج عمر بن الخطاب جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح أخت عاصم بن ثابت فولدت له عاصم بن عمر فطلقها عمر فتزوجها بعده يزيد بن جارية فولدت له عبدالرحمن بن يزيد فهو أخو عاصم لأمه قال وفيها سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى في رجب قال وفيها سرية عبدالرحمن بن عوف إلى دومة الجندل في شعبان وقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم إن أطاعوك فتزوج ابنة ملكهم فأسلم القوم فتزوج عبدالرحمن تماضر بنت الأصبغ وهي أم أبي سلمة وكان أبوها رأسهم وملكهم قال وفيها اجدب الناس جدبا شديدا فاستسقى رسول الله صلى الله عليه و سلم في شهر رمضان بالناس
(2/126)

healer
25-08-2025, 07:53 AM
مذكرة تخرج (https://www.sahla-dz.com/)
ميموار (https://www.sahla-dz.com/)
دكتوراه (https://lmd.sahla-dz.com/)
محاضرات (https://lmd.sahla-dz.com/)
Remote Work (https://jobs.sahla-dz.com/)
Freelance (https://jobs.sahla-dz.com/)
بحث جاهز بالمنهجية العلمية (https://ba7thi.sahla-dz.com/)
بحث pdf word (https://ba7thi.sahla-dz.com/)
psychologie (https://www.activemindly.com/)
psychologiques (https://www.activemindly.com/)
Comment aborder EMDR : (https://www.activemindly.com/comment-aborder-emdr-strategies-pratiques/)
10 faits essentiels sur (https://www.activemindly.com/10-faits-essentiels-sur-emdr/)
Les erreurs courantes concernant (https://www.activemindly.com/les-erreurs-courantes-concernant-emdr/)
Guide complet sur EMDR (https://www.activemindly.com/guide-complet-sur-emdr/)
Mythes et réalités à (https://www.activemindly.com/mythes-et-realites-a-propos-de-emdr/)
impact de EMDR (https://www.activemindly.com/limpact-de-emdr-sur-votre-vie-quotidienne/)
parler de EMDR (https://www.activemindly.com/comment-parler-de-emdr-avec-vos-proches/)
Que dit la science (https://www.activemindly.com/que-dit-la-science-a-propos-de-emdr/)
formes de EMDR (https://www.activemindly.com/les-differentes-formes-de-emdr/)
Pourquoi EMDR est important (https://www.activemindly.com/pourquoi-emdr-est-important-en-2025/)
technologie influence EMDR (https://www.activemindly.com/comment-la-technologie-influence-emdr/)
Histoires inspirantes liées à (https://www.activemindly.com/histoires-inspirantes-liees-a-emdr/)
meilleurs conseils pour EMDR (https://www.activemindly.com/les-meilleurs-conseils-pour-emdr/)
Les impacts psychologiques de (https://www.activemindly.com/les-impacts-psychologiques-de-emdr/)
Comment prévenir EMDR dans (https://www.activemindly.com/comment-prevenir-emdr-dans-votre-entourage/)
types de EMDR (https://www.activemindly.com/quels-sont-les-types-de-emdr-et-comment-les-reconnaitre/)
Questions fréquentes sur EMDR (https://www.activemindly.com/questions-frequentes-sur-emdr/)
L'évolution de EMDR au (https://www.activemindly.com/levolution-de-emdr-au-fil-du-temps/)
Qu'est-ce que données personnelles (https://www.activemindly.com/quest-ce-que-donnees-personnelles-et-sante-mentale-comprendre-en-profondeur/)
Causes, symptômes et solutions (https://www.activemindly.com/causes-symptomes-et-solutions-de-donnees-personnelles-et-sante-mentale/)
Comment aborder données personnelles (https://www.activemindly.com/comment-aborder-donnees-personnelles-et-sante-mentale-strategies-pratiques/)
10 faits essentiels sur (https://www.activemindly.com/10-faits-essentiels-sur-donnees-personnelles-et-sante-mentale/)
Les erreurs courantes concernant (https://www.activemindly.com/les-erreurs-courantes-concernant-donnees-personnelles-et-sante-mentale/)
Guide complet sur données (https://www.activemindly.com/guide-complet-sur-donnees-personnelles-et-sante-mentale/)
Mythes et réalités à (https://www.activemindly.com/mythes-et-realites-a-propos-de-donnees-personnelles-et-sante-mentale/)
L'impact de données personnelles (https://www.activemindly.com/limpact-de-donnees-personnelles-et-sante-mentale-sur-votre-vie-quotidienne/)
Comment parler de données (https://www.activemindly.com/comment-parler-de-donnees-personnelles-et-sante-mentale-avec-vos-proches/)
Que dit la science (https://www.activemindly.com/que-dit-la-science-a-propos-de-donnees-personnelles-et-sante-mentale/)
Les différentes formes de (https://www.activemindly.com/les-differentes-formes-de-donnees-personnelles-et-sante-mentale/)
Pourquoi données personnelles et (https://www.activemindly.com/pourquoi-donnees-personnelles-et-sante-mentale-est-important-en-2025/)
technologie influence données personnelles (https://www.activemindly.com/comment-la-technologie-influence-donnees-personnelles-et-sante-mentale/)
Histoires inspirantes liées à (https://www.activemindly.com/histoires-inspirantes-liees-a-donnees-personnelles-et-sante-mentale/)
Les meilleurs conseils pour (https://www.activemindly.com/les-meilleurs-conseils-pour-donnees-personnelles-et-sante-mentale/)
Les impacts psychologiques de (https://www.activemindly.com/les-impacts-psychologiques-de-donnees-personnelles-et-sante-mentale/)
prévenir données personnelles (https://www.activemindly.com/comment-prevenir-donnees-personnelles-et-sante-mentale-dans-votre-entourage/)
types de données personnelles (https://www.activemindly.com/quels-sont-les-types-de-donnees-personnelles-et-sante-mentale-et-comment-les-reconnaitre/)
Questions fréquentes sur données (https://www.activemindly.com/questions-frequentes-sur-donnees-personnelles-et-sante-mentale/)
L'évolution de données personnelles (https://www.activemindly.com/levolution-de-donnees-personnelles-et-sante-mentale-au-fil-du-temps/)
Qu'est-ce que art-thérapie ? (https://www.activemindly.com/quest-ce-que-art-therapie-comprendre-en-profondeur/)
Causes, symptômes et solutions (https://www.activemindly.com/causes-symptomes-et-solutions-de-art-therapie/)
Comment aborder art-thérapie : (https://www.activemindly.com/comment-aborder-art-therapie-strategies-pratiques/)
10 faits essentiels sur (https://www.activemindly.com/10-faits-essentiels-sur-art-therapie/)
Les erreurs courantes concernant (https://www.activemindly.com/les-erreurs-courantes-concernant-art-therapie/)
Guide complet sur art-thérapie (https://www.activemindly.com/guide-complet-sur-art-therapie/)
Mythes et réalités à (https://www.activemindly.com/mythes-et-realites-a-propos-de-art-therapie/)
L'impact de art-thérapie sur (https://www.activemindly.com/limpact-de-art-therapie-sur-votre-vie-quotidienne/)
Comment parler de art-thérapie (https://www.activemindly.com/comment-parler-de-art-therapie-avec-vos-proches/)
Que dit la science (https://www.activemindly.com/que-dit-la-science-a-propos-de-art-therapie/)
Les différentes formes de (https://www.activemindly.com/les-differentes-formes-de-art-therapie/)
Pourquoi art-thérapie est important (https://www.activemindly.com/pourquoi-art-therapie-est-important-en-2025/)
Comment la technologie influence (https://www.activemindly.com/comment-la-technologie-influence-art-therapie/)
Histoires inspirantes liées à (https://www.activemindly.com/histoires-inspirantes-liees-a-art-therapie/)
Les meilleurs conseils pour (https://www.activemindly.com/les-meilleurs-conseils-pour-art-therapie/)
Les impacts psychologiques de (https://www.activemindly.com/les-impacts-psychologiques-de-art-therapie/)
Comment prévenir art-thérapie dans (https://www.activemindly.com/comment-prevenir-art-therapie-dans-votre-entourage/)
Quels sont les types (https://www.activemindly.com/quels-sont-les-types-de-art-therapie-et-comment-les-reconnaitre/)
Questions fréquentes sur art-thérapie (https://www.activemindly.com/questions-frequentes-sur-art-therapie/)
L'évolution de art-thérapie au (https://www.activemindly.com/levolution-de-art-therapie-au-fil-du-temps/)
biais de confirmation (https://www.activemindly.com/quest-ce-que-biais-de-confirmation-comprendre-en-profondeur/)
biais de confirmation (https://www.activemindly.com/causes-symptomes-et-solutions-de-biais-de-confirmation/)
Comment aborder biais de (https://www.activemindly.com/comment-aborder-biais-de-confirmation-strategies-pratiques/)
biais de confirmation (https://www.activemindly.com/10-faits-essentiels-sur-biais-de-confirmation/)
Les erreurs courantes concernant (https://www.activemindly.com/les-erreurs-courantes-concernant-biais-de-confirmation/)
biais de confirmation (https://www.activemindly.com/guide-complet-sur-biais-de-confirmation/)
biais de confirmation (https://www.activemindly.com/mythes-et-realites-a-propos-de-biais-de-confirmation/)
L'impact de biais de (https://www.activemindly.com/limpact-de-biais-de-confirmation-sur-votre-vie-quotidienne/)
biais de confirmation (https://www.activemindly.com/comment-parler-de-biais-de-confirmation-avec-vos-proches/)
Que dit la science (https://www.activemindly.com/que-dit-la-science-a-propos-de-biais-de-confirmation/)
biais de confirmation (https://www.activemindly.com/les-differentes-formes-de-biais-de-confirmation/)
Pourquoi biais de confirmation (https://www.activemindly.com/pourquoi-biais-de-confirmation-est-important-en-2025/)
Comment la technologie influence (https://www.activemindly.com/comment-la-technologie-influence-biais-de-confirmation/)
Histoires inspirantes liées à (https://www.activemindly.com/histoires-inspirantes-liees-a-biais-de-confirmation/)
Les meilleurs conseils pour (https://www.activemindly.com/les-meilleurs-conseils-pour-biais-de-confirmation/)
Les impacts psychologiques de (https://www.activemindly.com/les-impacts-psychologiques-de-biais-de-confirmation/)
prévenir biais de confirmation (https://www.activemindly.com/comment-prevenir-biais-de-confirmation-dans-votre-entourage/)
biais de confirmation (https://www.activemindly.com/quels-sont-les-types-de-biais-de-confirmation-et-comment-les-reconnaitre/)
biais de confirmation (https://www.activemindly.com/questions-frequentes-sur-biais-de-confirmation/)
biais de confirmation (https://www.activemindly.com/levolution-de-biais-de-confirmation-au-fil-du-temps/)
Qu'est-ce que love bombing (https://www.activemindly.com/quest-ce-que-love-bombing-comprendre-en-profondeur/)
Causes, symptômes et solutions (https://www.activemindly.com/causes-symptomes-et-solutions-de-love-bombing/)
Comment aborder love bombing (https://www.activemindly.com/comment-aborder-love-bombing-strategies-pratiques/)
10 faits essentiels sur (https://www.activemindly.com/10-faits-essentiels-sur-love-bombing/)
Les erreurs courantes concernant (https://www.activemindly.com/les-erreurs-courantes-concernant-love-bombing/)
Guide complet sur love (https://www.activemindly.com/guide-complet-sur-love-bombing/)
Mythes et réalités à (https://www.activemindly.com/mythes-et-realites-a-propos-de-love-bombing/)
impact de love bombing (https://www.activemindly.com/limpact-de-love-bombing-sur-votre-vie-quotidienne/)
Comment parler de love (https://www.activemindly.com/comment-parler-de-love-bombing-avec-vos-proches/)
Que dit la science (https://www.activemindly.com/que-dit-la-science-a-propos-de-love-bombing/)
Les différentes formes de (https://www.activemindly.com/les-differentes-formes-de-love-bombing/)
love bombing est important (https://www.activemindly.com/pourquoi-love-bombing-est-important-en-2025/)
technologie influence love bombing (https://www.activemindly.com/comment-la-technologie-influence-love-bombing/)
Histoires inspirantes liées à (https://www.activemindly.com/histoires-inspirantes-liees-a-love-bombing/)
Les meilleurs conseils pour (https://www.activemindly.com/les-meilleurs-conseils-pour-love-bombing/)
Les impacts psychologiques de (https://www.activemindly.com/les-impacts-psychologiques-de-love-bombing/)
prévenir love bombing (https://www.activemindly.com/comment-prevenir-love-bombing-dans-votre-entourage/)
types de love bombing (https://www.activemindly.com/quels-sont-les-types-de-love-bombing-et-comment-les-reconnaitre/)
Questions fréquentes sur love (https://www.activemindly.com/questions-frequentes-sur-love-bombing/)
L'évolution de love bombing (https://www.activemindly.com/levolution-de-love-bombing-au-fil-du-temps/)
Qu'est-ce que langage corporel (https://www.activemindly.com/quest-ce-que-langage-corporel-comprendre-en-profondeur/)
Causes, symptômes et solutions (https://www.activemindly.com/causes-symptomes-et-solutions-de-langage-corporel/)