أمازيغي مسلم
21-04-2013, 03:52 PM
صد العدوان المبين على جمعية العلماء المسلمين
قال الحق جل وعلا في محكم التنزيل:[ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) ].
قال الشيخ السعدي – رحمه الله – في تفسيره:(1/269):" يقول تعالى - مسليا لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم- وكما جعلنا لك أعداء يردون دعوتك، ويحاربونك، ويحسدونك، فهذه سنتنا، أن نجعل لكل نبي نرسله إلى الخلق أعداء، من شياطين الإنس والجن يقومون بضد ما جاءت به الرسل.
{ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا } أي: يزين بعضهم لبعض الأمر الذي يدعون إليه من الباطل، ويزخرفون له العبارات حتى يجعلوه في أحسن صورة، ليغتر به السفهاء، وينقاد له الأغبياء، الذين لا يفهمون الحقائق،ولا يفقهون المعاني، بل تعجبهم الألفاظ المزخرفة، والعبارات المموهة،فيعتقدون الحق باطلا والباطل حقا، ولهذا قال تعالى: { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ } أي: ولتميل إلى ذلك الكلام المزخرف{أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ } لأن عدم إيمانهم باليوم الآخر وعدم عقولهم النافعة، يحملهم على ذلك،{ وَلِيَرْضَوْهُ } بعد أن يصغوا إليه، فيصغون إليه أولا، فإذا مالوا إليه ورأوا تلك العبارات المستحسنة، رضوه وزين في قلوبهم، وصار عقيدة راسخة وصفة لازمة، ثم ينتج من ذلك أن يقترفوا من الأعمال والأقوال ما هم مقترفون، أي: يأتون من الكذب بالقول والفعل، ما هو من لوازم تلك العقائد القبيحة، فهذه حال المغترين بشياطين الإنس والجن المستجيبين لدعوتهم،وأما أهل الإيمان بالآخرة وأولو العقول الوافية والألباب الرزينة، فإنهم لا يغترون بتلك العبارات ولا تخلبهم تلك التمويهات، بل همتهم مصروفة إلى معرفة الحقائق، فينظرون إلى المعاني التي يدعو إليها الدعاة، فإن كانت حقا قبلوها وانقادوا لها، ولو كسيت عبارات ردية وألفاظا غير وافية، وإن كانت باطلا ردوها على من قالها كائنا من كان، ولو ألبست من العبارات المستحسنة ما هو أرق من الحرير.
ومن حكمة الله تعالى في جعله للأنبياء أعداء، وللباطل أنصارا قائمين بالدعوة إليه: أن يحصل لعباده الابتلاء والامتحان، ليتميز الصادق من الكاذب، والعاقل من الجاهل، والبصير من الأعمى.
ومن حكمته: أن في ذلك بيانا للحق، وتوضيحا له، فإن الحق يستنير ويتضح إذا قام الباطل يصارعه ويقاومه، فإنه – حينئذ - يتبين من أدلة الحق وشواهده الدالة على صدقه وحقيقته، ومن فساد الباطل وبطلانه، ما هو من أكبر المطالب التي يتنافس فيها المتنافسون". انتهى كلامه.
لقد نال علماء التوحيد والسنة بعض ما أصاب الأنبياء من العداوة والأذية،لأنهم ورثتهم بشهادة المصطفى عليه الصلاة والسلام القائل:" من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر " . رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه والدارمي.
قال الشيخ الألباني رحمه الله في:"المشكاة":(1/46):"حسن".
ولأنه:"لكل قوم وارث"،ناصب أهل البدع والأهواء العداوة لعلماء التوحيد والسنة،فآذوهم بالقول والفعل،لا لشيء سوى:[ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9)]،فقد استشاط أهل البدع والأهواء من دعوة علماء التوحيد،لأنها هدمت أنصابهم،وزلزلت عروشهم،وسفهت أحلامهم،وكشفت عوارهم وفضحت دعوتهم التي قال عنها جل وعلا:[ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46)].
قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره:(1/726):"ينكر تعالى على من اتخذ من دونه شفعاء يتعلق بهم ويسألهم ويعبدهم،{ قُلْ} لهم - مبينا جهلهم، وأنها لا تستحق شيئا من العبادة -: { أَوَلَوْ كَانُوا } أي: من اتخذتم من الشفعاء:{ لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا } أي: لا مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، بل وليس لهم عقل يستحقون أن يمدحوا به، لأنها جمادات من أحجار وأشجار وصور وأموات، فهل يقال: إن لمن اتخذها عقلا؟ أم هو من أضل الناس وأجهلهم وأعظمهم ظلما؟.
{ قُلْ } لهم: { لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا } لأن الأمر كله للّه،وكل شفيع فهو يخافه، ولا يقدر أن يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فإذا أراد رحمة عبده: أذن للشفيع الكريم عنده أن يشفع رحمة بالاثنين، ثم قرر أن الشفاعة كلها له بقوله:{ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: جميع ما فيهما من الذوات والأفعال والصفات، فالواجب أن تطلب الشفاعة ممن يملكها وتخلص له العبادة.{ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }: فيجازي المخلص له بالثواب الجزيل، ومن أشرك به بالعذاب الوبيل.
ويذكر تعالى حالة المشركين، وما الذي اقتضاه شركهم، أنهم:{ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ }:توحيدا له، وأمر بإخلاص الدين له، وترك ما يعبد من دونه:أنهم يشمئزون وينفرون، ويكرهون ذلك أشد الكراهة.
{ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ } من الأصنام والأنداد، ودعا الداعي إلى عبادتها ومدحها، { إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } بذلك، فرحا بذكر معبوداتهم، ولكون الشرك موافقا لأهوائهم، وهذه الحال أشر الحالات وأشنعها، ولكن موعدهم يوم الجزاء، فهناك يؤخذ الحق منهم، وينظر:هل تنفعهم آلهتهم التي كانوا يدعون من دون اللّه شيئا؟.
ولهذا قال { قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: خالقهما ومدبرهما، { عَالِمَ الْغَيْبِ }: الذي غاب عن أبصارنا وعلمنا{ وَالشَّهَادَةِ }:الذي نشاهده.
{ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }:وإن من أعظم الاختلاف:اختلاف الموحدين المخلصين القائلين: إن ما هم عليه هو الحق، وإن لهم الحسنى في الآخرة دون غيرهم، والمشركين الذين اتخذوا من دونك الأنداد والأوثان، وسووا فيك من لا يسوى شيئا، وتنقصوك غاية التنقص، واستبشروا عند ذكر آلهتهم، واشمأزوا عند ذكرك، وزعموا مع هذا أنهم على الحق وغيرهم على الباطل، وأن لهم الحسنى.".انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
لقد اقتضت حكمة الله عزوجل:أن يعادى أهل توحيده ويؤذوا من مخالفيهم،فهم ورثة الرسل دعاة التوحيد الذين جاء في شأنهم وشأن من اتبعهم:قول ورقة بن نوفل للرسول عليه الصلاة عند أول نزول الوحي:" ... لم يأت رجل بما جئت به إلا أوذي..."
قال الألباني رحمه الله:"صحيح":انظر:فقه السيرة:(ص 84).
احتدم النقاش مؤخرا في الجزائر حول الدعوة السلفية وأثرها على المجتمع الجزائري، ومدى تطابق منهج جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مع المنهج السلفي، فاختلفت الآراء بين مؤيد لفكرة تطابق المنهجين ومعارض له، والناظر المنصف لما كتبه الطرفان،يدرك دون عناء صحة رأي من قال بتطابق المنهجين للأدلة التي ساقها أصحاب هذا الرأي من بيان أصول دعوة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي قامت عليها دعوتهم والتي توافق أصول المنهج السلفي،أضف إلى ذلك مؤلفات أعضائها وخطبهم ورسائلهم،و:"الإقرار سيد الأدلة".
ذلك الحراك العلمي الذي أثارته جريدة:"الشروق"، نفض الغبار عن إرث علمي وافر من تراث الجمعية: لا يعرفه كثير من طلبة
العلم فضلا عن العوام، والسبب في ذلك هو:"التغييب المقصود لمنهج الجمعية، لتحل محله:" أقانيم سدنة ديوان الصالحين!!؟" من مرتزقة القبورية المنتفعين من:"عائدات الزردات والوعدات المقامة على الأضرحة والمقامات!!؟".
ولما أحس سدنة المعبد القبوري بأن أرزاقهم مهددة من قبل الموحدين،خرجوا من دهاليزهم المظلمة،ليطفئوا نور التوحيد الذي أقض مضجعهم،وأحيا مواجعهم التي وجدها أسلافهم من دعوة جمعية العلماء المسلمين،ومن هؤلاء الذين غاضهم إحياء السلفيين لمنهج جمعية العلماء المسلمين:"أحد مقدمي الفرقة التيجانية":الذي تعرض بالسوء للجمعية وعلمائها،وذلك اقتداء بأسلافه كما سيتضح بيانه.
لقد كان في سكوت هذا المدعي:ستر لجهله وغيه،وغطاء لضلاله وباطله،لكنه أبى ذلك،فأشبه بذلك:"عنزة السوء التي بحثت عن حتفها بظلفها!!!؟؟؟؟"، وشبه الشاعر - من نحا نحوها - قائلا:
فكان كعنز السوء قامت بظلفها # إلى مدية تحت التراب تثيرها
ولأن من حق جمعية العلماء علينا:نشر دعوتها والدفاع عنها وعن مشايخها:كان هذا المقال أداء لبعض ما يجب علينا نحوها نصرة لدعوة السنة والتوحيد، فنقول وبالله التوفيق:
إن الذي دعا الفرقة:"التيجانية" لمعاداة دعوة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هو:"كشفها لضلال هذه الفرقة،ومخالفتها لعقيدة المسلمين الفطرية:عقيدة التوحيد"،أضف إلى ذلك التاريخ الأسود المظلم لهذه الطائفة التي تحالفت مع الاستدمار الفرنسي الكافر ضد الشعب الجزائري المسلم،ولعلنا نذكر طرفا من هذه الحقيقة قبل الحديث عن بعض ضلالات التيجانية العقدية،فنقول:
لقد تعاون التيجانيون مع المستدمر الفرنسي إبان احتلاله للجزائر وخير دليل على ذلك الخطبة التي ألقاها الشيخ"سيد محمد الكبير" خليفة الشيخ التيجاني آنذاك بين يدي الكولونل "سكوني"الفرنسي الذي ترأس بعثة من الضباط قامت بنزهة استطلاعية في الجنوب الجزائري، فأقام لهم الخليفة التجاني مأدبة فاخرة قرئت فيها بالنيابة عنه خطبة طويلة يقول فيها:
" في سنة 1838 كان جدي سيد محمد الصغير قد أظهر شجاعة نادرة في مقاومة أكبر عدو لفرنسا الأمير عبد القادر الجزائري.."
ومما قاله:" وفي سنة 1864 م كان عمي سيدي أحمد مهد السبيل لجنود "الدوك دومال" ،وسهل عليهم السير إلى مدينة بسكرة وعاونهم على احتلالها ".
وقال:" وفي سنة 1881م كان المقدم سي عبد القادر بن أحميدة مات شهيدا مع الكونونل "أفلاتين"، حيث كان يعاونه على احتلال بعض النواحي الصحراوية".
وقال:" وفي سنة 1894م طلب منا موسيو "جول كوميون" والي الجزائر العام يومئذ أن نكتب رسائل توصية فكتبنا عدة رسائل وأصدرنا عدة أوامر إلى أحباب طريقتنا في بلاد الهكار "الطوارق" و"السودان":يقصد:(مالي والسنغال)، نخبرهم بأن حملة "فود ولامي "الفرنسية هاجمة على بلادهم ونأمرهم أن لا يقابلوها إلا بالسمع والطاعة وأن يعاونوها على احتلال تلك البلاد وعلى نشر العافية فيها".
ويقول:" وفي سنة( 1906-1907م) أرسل موسيو"جونار" والي الجزائر العام يومئذ ضابطه المترجم مدير الأمور الأهلية بالولاية العامة سيدي "مورانت" برسالة إلى أبي المأسوف عليه سيدي البشير، فأقام عنده في زاوية كوردان شهرا كاملا لأداء مهمة سياسية، ولتحرير رسائل وأوامر أمضاها سيدي البشير والدي رئيس التجانية يومئذ، ثم وجهت إلى كبراء مراكش وأعيانها وزعماء تلك البلاد وجلهم - أو قال أكثرهم - تجانيون من أحباب طريقتنا، نبشرهم بالاستعمار الفرنسي، ونأمرهم بأن يتقبلوه بالسمع والطاعة، والاستسلام والخضوع التام، وأن يحملوا الأمة على ذلك وأن يسهلوا على جيوش فرنسا تلك البلاد.
وفي الحرب العالمية الكبرى أرسلنا ووزعنا في سائر أقطار شمال إفريقية منشورات تلغرافية وبريدية استنكارا لتدخل الأتراك في الحرب ضد فرنسا الكريمة وضد حلفائها الكرام، وأمرنا أحباء طريقتنا بأن يبقوا على عهد فرنسا وعلى ذمتها ومودتها.
وفي سنة 1913م إجابة لطلب الوالي العام للجزائر،أرسلنا بريدا إلى المقدم الكبير للطريقة التيجانية في السنغال "سيد الحاج مالك عثمان سي"، نأمره بأن يستعمل نفوذنا الديني الأكبر هنالك في السودان لتسهيل مأمورية "كلوزيل" الوالي العام للجزء الشمالي من افريقية الغربية، أي لكي يسهل عليه احتلال واحة شنقيط: وهي:(موريتانيا حاليا)،وفي سنة 1916م إجابة لطلب المارشال "ليوتي"عميد فرنسا في مراكش كان سيدي علي - صاحب السجادة الرئيس الذي كان قبلي - كتب مائة وثلاث عشرة رسالة توصية، وأرسلها إلى الزعماء الكبار وأعيان المغاربة يأمرهم بإعانة فرنسا في تحصيل مرغوبها وتوسيع نفوذها... - إلى أن قال:" وبالجملة فإن فرنسا ما طلبت من الطائفة التيجانية نفوذها الديني إلا وأسرعنا بكل فرح ونشاط بتلبية طلبها وتحقيق رغائبها وذلك كله لأجل عظمة ورفاهية وفخر حبيبتنا فرنسا النبيلة، والله المسؤول أن يخلد وجودها بيننا لنتمتع برضاها الخالد".انتهى .
ولم يقاوم المستدمر الفرنسي من التيجانيين إلا"عمر الفوتي" وقد تبرؤوا منه وخذلوه، وقالوا بأنه غير مأذون بذلك.
انظر لما سبق نقله:"مجلة الأزهر":(سنة 29 1/8-10)، ومجلة "الفتح":(العدد 257 بتاريخ 16 صفر 1350 هـ. )،وانظر أيضا
"كشف الحجاب":(ص 336).
ويؤكد حقيقة تعاون"التيجانية" مع الفرنسيين الشيخ طنطاوي جوهري في كتابهِ " الجواهر في تفسيرِ القرآنِ ":(9/137-138) حيث قال:" إن كثيراً من الصوفيةِ قد تنعموا وعاشوا في رغدٍ من العيشِ ، وأغدق الناسُ عليهم المالَ من كلٍ جانبٍ ، وحُببت إليهم الثمراتُ، وهوت إليهم القلوبُ لما ركز في النفوسِ من قربهم إلى اللهِ، فلما رأو الفرنجةَ أحاطوا بالمسلمين لم يسعهم إلا أن يسلموا لهم القيادةَ ليعيشوا في أمنٍ وسلامٍ ، وهذا هو الذي حصل في أيامنا ، وذكرهُ الفرنسيون في جرائدهم قبل الهجومِ على مراكش وقرأنا نحن فيها ؛ إذ صرحوا بأن المسلمين خاضعون لمشائخِ الطرقِ ، وأن الشرفاءَ القائمين في تلك البلادِ ورجالَ الصوفيةِ هم الذين يسلموننا البضاعةَ فعلى رجالِ السياسيةِ أن يغدقوا النعمَ على مشائخِ الطرقِ ، وعلى الشريفِ الذي يملكُ السلطةَ في تلك البلادِ " .
وبلغ التيجانيون مبلغا عظيما من موالاة الفرنسيين والتقرب منهم لما تزوج شيخهم وسيدهم من العميلة الفرنسية:" أوريلي بيكار "
قَالَ عَلِيُّ بنُ بَخَيْتٍ الزَّهْرَانِيُّ فِي كِتَابِ " الانْحِرَافَاتُ العَقَدِيةُ وَالعِلْمِيَّةُ فِي القَرْنين الثَّالِث عَشَر وَالرَّابِع عَشَر " (1/541) : " وكان شيوخُ الطرقِ الخائنون يقومون بكتابةِ عرائض بتوقيعاتهم وتوقيعاتِ أتباعهم يملؤونها بالثناءِ والشكرِ لفرنسا التي كانت تعتبرهم ممثلين للشعبِ ...
وفي عامِ:( 1870 م) حمل سيدي أحمد تشكرات الجزائريين ، وبرهن على ارتباطه بفرنسا ، فتزوج " أوريلي بيكار " وبفضلها تحولت منطقةُ " كودران " من أرضٍ صحراويةٍ إلى قصرٍ منيفٍ رائعٍ ، وهو أولُ مسلمٍ تزوج بأجنبيةٍ ...
وقد كافأتها السلطاتُ الفرنسيةُ لقاء ما قدمتهُ من خدماتٍ بوسامِ جوقة الشرف ، وقالت عنها في براءةِ التوجيه : " إن هذه السيدةَ قد أدارت الزاويةَ التيجانية إدارةً حسنةً كما تحبُ فرنسا وترضى ، وساقت إلينا جنوداً مجندةً من أحبابِ هذه الطريقة ومريديها ، يجاهدون في سبيل فرنسا كأنهم بنيانٌ مرصوصٌ " .ا.هـ.
وقالَ الرئيسُ فيليب فواندس المستعمرُ الفرنسي في "الاستعمار الفرنسي في أفريقيا السوداء " ( ص 52 ) : " لقد اضطر حكامنا الإداريون وجنودنا في أفريقيا إلى تنشيطِ دعوةِ الطرقِ الدينيةِ الإسلاميةِ لأنها أطوعُ للسلطةِ الفرنسيةِ وأكثرُ تفهماً وانتظاماً من الطرقِ الوثنيةِ " .
وقال مؤلفوا كتاب ِ " تاريخِ العربِ الحديثِ والمعاصرِ " ( ص 373 ) تحت عنوانِ : " المتعاونون مع فرنسا في الجزائرِ " : " وتتألفُ هذهِ الفئةُ من بعضِ الشبابِ الذين تثقفوا في المدارسِ الفرنسيةِ ، وقضى الاستعمارُ على كلِ صلةٍ لهم بالعروبةِ، يضافُ إليهم بعضُ أصحابِ الطرقِ الصوفيةِ الذين أشاعوا الخرافاتِ والبدعَ، وبثوا روحَ الانهزاميةِ والسلبيةِ في النضالِ، فاستعملهم الاستعمارُ كجواسيس، ثم فئةٌ من الموظفين والنوابِ والعسكريين الذين شاركوا الإدارةَ الفرنسيةَ في أعمالها " .
قال الدكتور عمر فروخ: يقول الصوفية:"إذا سلط الله على قوم ظالماً، فليس لأحد أن يقاوم إرادة الله أو أن يتأفف منها."!!؟،
لا ريب أن الأوروبيين قد عرفوا في الصوفية هذا المعتقد، فاستغلوه في أعمالهم، فقد ذكر الزعيم الوطني مصطفى كامل المصري في كتابه "المسألة الشرقية" قصة غريبة عن سقوط "القيروان" قال:" ومن الأمور المشهورة عن الاحتلال الفرنسي للقيروان في تونس أن رجلاً فرنسياً دخل الإسلام وسمى نفسه "سيد أحمد الهادي"، واجتهد في تحصيل الشريعة حتى وصل إلى درجة عالية، وعين إماماً لمسجد كبير بالقيروان.. فلما اقترب الجنود الفرنسيون من المدينة استعد أهلها للدفاع عنها.. وجاءوا يسألونه أن يستشير الضريح الذي في المسجد، ودخل "سيدي أحمد الهادي" الضريح.. ثم خرج يقول: إن الشيخ ينصحكم بالتسليم لأن وقوع البلاد صار محتماً.. فاتبع القوم كلمته، ودخل الفرنسيون آمنين في( 26 أكتوبر سنة 1881) .
ثم يعقب الدكتور "عمر فروخ" بقوله:" من أجل ذلك يجب ألا نستغرب إذا رأينا المستعمرين لا يبخلون بالمال أو التأييد بالجاه للطرق الصوفية.. وكل مندوب سامي أو نائب الملك.. لابد أنه يقدم شيخ الطرق الصوفية في كل مكان، وقد يشترك المستعمر إمعاناً في المداهنة في حلقات الذكر.
والطريقة التيجانية التي كانت تسيطر على الجزائر أيام الاستعمار معروف أنها كانت تستمد وجودها من فرنسا، وأن إحدى الفرنسيات من عميلات المخابرات تزوجت شيخاً فلما مات تزوجت بشقيقه، وكان الأتباع يطلقون عليها "زوجة السيدين" ويحملون التراب الذي تمشي عليه لكي يتيمموا به، وهي كاثوليكية مازالت على شركها.. وقد أنعمت عليها فرنسا بوسام الشرف، وجاء في أسباب منحها الوسام.. أنها كانت تعمل على تجنيد مريدين يحاربون في سبيل فرنسا كأنهم بنيان مرصوص.
ومن كتاب "في التصوف" لمحمد فهر شقفة السوري:(ص217) يقول: "نرى من واجبنا خدمة الحقيقة والتاريخ أن نذكر - أن الحكومة الفرنسية في زمن الانتداب على سوريا حاولت نشر هذه الطريقة، واستأجرت بعض الشيوخ لهذه المهمة.. فقدمت لهم المال والمكان لتنشئة جيل يميل إلى فرنسا.. لكن مجاهدي المغرب لفتوا انتباه المخلصين من أهل البلاد إلى خطر الطريقة التيجانية، وأنها فرنسية استعمارية تتستر بالدين.. فهبت "دمشق" عن بكرة أبيها في مظاهرات صاخبة".انتهى كلامه.
وعمالة بعض الطرقيين للمستدمر الفرنسي:أمر لا ريب فيه،فقد ثبث بشهادة شرفاء الجزائريين،بل وبشهادة هؤلاء الطرقيين وأولياء نعمتهم الفرنسيين،ومن باب:[ ولكن ليطمئن قلبي] نورد
البيان الذي أصدره الكاتب العام للشؤون الأهلية والشرطة العامة " ميشال " بتاريخ ( 16 فبراير 1933 م )،وهو مشهور مطبوع
وقد أصدره بتحريض من شيوخ السوء الطرقيين لإدارة الاحتلال الفرنسي على علماء دعوة التوحيد السلفية:"علماء الجمعية".
ونص البيان هو:
" أُنهي إليَّ من مصادر متعددة أن الأهالي دخلت عليهم الحيرة والتشويش بسبب دعاية تنشر في أوساطهم، يقوم بها إما دعاة استمدوا فكرتهم من الحركة الوهابية السائدة بمكة، وإما حجاج جزائريون تمكنت فيهم عاطفة التعصب الإسلامي... وإما جمعيات كجمعية العلماء المؤسسة بالجزائر بقصد افتتاح مدارس عربية حرة لتعليم القرآن والعربية...
إن المقصد العام من هذه الدعاية هو نشر التعاليم والأصول الوهابية بين الأوساط الجزائرية، بدعوى الرجوع بهم إلى أصول الدين الصحيح وتطهير الإسلام من الخرافات القديمة التي يستغلها أصحاب الطرق وأتباعهم ، ولكن لا يبعد أن يكون في نفس الأمر وراء هذه الدعاية مقصد سياسي يرمي إلى المس بالنفوذ الفرنسوي .
لا يخفى أن أكثر رؤساء الزوايا وكثيرا من المرابطين المعظَّمين في نفوس الأهالي اطمأنت قلوبهم للسيادة الفرنسوية ، وبمقتضاه صاروا يطلبون الاعتماد على حكومتنا لمقاومة الأخطار التي أمست تهددهم من جراء تلك الجمعية التي لا يزال أنصارها يتكاثرون يوما فيوما بفضل دعاية متواصلة الجهود ماهرة الأساليب ، وعلى الأخص فيما بين الناشئة المتعلمة بالمدارس القرآنية."
إلى أن قال :"وعليه فإني أعهد إليكم أن تراقبوا بكامل الاهتمام ما يروج في الاجتماعات والمسامرات الواقعة باسم الجمعية التي يترأسها السيد ابن باديس ، ولسانها الرسمي في الجزائر [ العاصمة ] الشيخ الطيب العقبي ، كما يجب أن تشمل مراقبتكم المكاتب القرآنية المقصود استبدال الطلبة القائمين بها بطلبة اعتنقوا الفكرة الوهابية".
ولا نستغرب هذا التقارب:"التيجاني - الفرنسي!!؟"،لأن من عقائدهم ما قاله صاحب كتاب:"جواهر المعاني": (1/136):" المحبة الرابعة العامة: وهي للكفار خاصة، فإنهم يحبون الله محبة الألوهية لما هو عليه من كمال الألوهية وعمومها، إلا أنهم مختلفون في هذه المرتبة، منهم من أحب الله تعالى مع معرفتهم بألوهيته كاليهود مثلا ،ومنهم من أحب الله تعالى غلطا منه بنسبة الألوهية لغيره، إلا أن الحق سبحانه وتعالى تجلى لهم في تلك الألباس لكمال ألوهيته، فأحبوه وعبدوه من حيث لا يشعرون، فلولا أنهم تجلى لهم في تلك الألباس وجذبهم بذلك التجلي إلى محبة ألوهيته، ما كانوا يلتفتون إلى تلك الأوثان، ولا أن يلموا بها فضلا عن أن يعبدوها، وهم محبون لله عابدون له من حيث لا يشعرون " اهـ
ولينظر القارئ إلى هذا الدفاع المستميت عن عبدة الأوثان واليهود المغضوب عليهم،وليقارنه بتهجم التيجانية على علماء التوحيد وتضليلهم إياهم، ليعلم ضلالهم وبعدهم عن الحق.
قال الشيخ:"الإبراهيمي" رحمه الله في هذه المسألة:"...ومع أنَّنا نعلم أنَّ الطرق منتشرةٌ في العالَم الإسلاميِّ وأنَّ آثارها فيه متشابهةٌ، وأنها هي السبب الأقوى في كثيرٍ ممَّا حلَّ به من الأرزاء والنكبات، وكثيرًا ما كانت مفتاحًا لاستعمارِ ممتلكاته"،
ثم بين رحمه الله بعض حقائق قلعة الطرقية،فقال:".. فأصبحت قلعةً محصَّنة تُؤوي كلَّ فاسقٍ، وكلَّ زنديقٍ، وكلَّ ممخرقٍ، وكلَّ داعرٍ، وكلَّ ساحرٍ، وكلَّ لصٍّ، وكلَّ أفَّاكٍ أثيمٍ. وانظر «طبقات الشعراني الكبرى» وما طُبع على غرارها من الكتب تجدْ أصناف المحتمين بهذه القلعة -وهم ببركة حمايتها- طلقاءُ من قيود الشريعة، وإنَّ هذه القلعة لَهِيَ المعقل الأسمى والملاذ الأحمى لأصحابنا اليوم، فكلُّ راقصٍ صوفيٌّ، وكلُّ ضاربٍ بالطبلِ صوفيٌّ، وكلُّ عابثٍ بأحكام الله صوفيٌّ، وكلُّ ماجنٍ خليعٍ صوفيٌّ، وكلُّ مسلوب العقل صوفيُّ، وكلُّ آكلٍ للدنيا بالدين صوفيٌّ، وكلُّ مُلحدٍ في آيات الله صوفيٌّ، وهلمَّ سحبًا، أَفيَجْمُلُ بجنودِ الإصلاح أن يَدَعُوا هذه القلعة تحمي الضَّلال وتُؤْويه، أم يجب عليهم أن يحملوا عليها حملةً صادقةً شعارُهم: «لا صوفيَّةَ في الإسلام» حتَّى يدكُّوها دكًّا، وينسفوها نسفًا، ويَذَرُوها خاويةً على عروشها؟... والحقيقة أنَّ الطرقيِّين أرادوا أن يصبغوا طرقهم بالقدسيَّة الدينيَّة، فانتحلوا لها هذه الأباطيل، وأعطَوْها خصائص الدين كلَّها".[الآثار:(1/175)].
وللإنصاف:لم تكن كل الطرق الصوفية عميلة للاستدمار،بل إن منها من أبلى بلاء حسنا في جهاده المستدمر الفرنسي،ونذكر على سبيل المثال لا الحصر:" ثورة الأمير عبد القادر" رحمه الله
التي لم تنج من مكائد ودسائس عملاء التيجانية بشهادتهم كما سبق،ولا يتعب التيجانيون أنفسهم – ذرا للرماد في أعين الناس-
فيذكروا – زعما - صور مقاومتهم للفرنسيين، فإن كان قد حصل شيء من ذلك حقيقة على أرض الواقع،فإنما هو شذوذ واستثناء
من قاعدة عمالتهم للفرنسيين، و:"الشاذ يحفظ ولا يقاس عليه!"
والدليل على ذلك:"تبرؤهم من:"عمر الفوتي"، الذي قاوم المستدمر الفرنسي لوحده،فقد تبرؤوا منه وخذلوه، وقالوا بأنه غير مأذون بذلك.
أما فيما يخص ضلالات التيجانية العقدية،فبحر من الظلمات بعضها فوق بعض،وهي للتذكير مدونة في كتبهم المعتمدة،ومن يطلع عليها لأول مرة،سيخرج بأحد احتمالين:" لا ثالث لهما إلا بالفرى والمين!!؟":إما أن يكون قائلها قد خلع ربقة الإسلام من عنقه،وإما أن يكون مجنونا قد رفع عنه القلم!!!؟؟؟،ولن نذكر كل ضلالات التيجانية،بل سنذكر منها ما يغني عن غيرها،إذ أن:
"البعرة تدل على البعير!!؟"، ولتكن:"صلاة الفاتح" مثالا:
قال أحمد التجاني: " ثم أمرني بالرجوع - - صلى الله عليه وسلم - إلى صلاة الفاتح لما أغلق، فلما أمرني بالرجوع إليها سألته - - صلى الله عليه وسلم - عن فضلها، فأخبرني أولا بأن المرة الواحدة منها تعدل من القرآن ست مرات، ثم أخبرني ثانيا أن المرة الواحدة منها تعدل من كل تسبيح وقع في الكون، ومن كل ذكر ومن كل دعاء كبيرا أو صغيرا، ومن القرآن ستة آلاف مرة لأنه من الأذكار ".انظر:"جواهر المعاني":( 1/100)، و"الدرة الخريدة":( 4/218) اهـ.
قال صاحب الرماح: " أما المرتبة الظاهرة في الفاتح لما أغلق مهما قرأها أحد بشرطها، كتب الله له فيها أن يأخذ جميع تلك الأذكار من تسبيح وتهليل وتكبير وتحميد واستغفار وصلاة عليه - - صلى الله عليه وسلم - وقراءة القرآن وغيره من الكتب الإلهية كلها: مثل التوراة والإنجيل، مثلا من أول منشأ العالم إلى بروز تلك الصلاة من الذاكر، وتجمع تلك الجمعية المذكورة وتتضاعف ستة آلاف مرة، ثم تحسب ألسنة جميع المخلوقات من كل ما سوى الله تعالى، وتتضاعف فيها تلك الجمعية بعد مضاعفتها ستة آلاف مرة ".:"رماح حزب الرحيم"( 2/441).
ولنا أن نسأل كل عاقل:"أي حظ في الإسلام يبقى لمن قال هذا القول واعتقده!!؟"،وبالمناسبة:نلتمس من الدكتور:"بن بريكة" أن يبدي رأيه جهارا في عقائد"التيجانية" كما يجاهر بعداوته للموحدين،لكن بشرط أن لا يستخدم الهرطقة الفلسفية والرمزية،
ليستغفل بذلك مريديه مدعيا:"أن أقوال التيجانية ومن شاكلهم من العلم الباطن،وهو لخاصة الخاصة،ويسمونه أيضا:"علم الحقيقة"
وهذا لا نفهمه نحن – كما يدعون!!؟ -، لأن العامة لهم العلم الظاهر، أو ما يصطلح عليه ب:"علم الشريعة"،ننتظر جوابه!؟.
ولأننا بصدد الكلام عن سبب عداوة"التيجانيين" لجمعية العلماء،
وقد علم بعضه المتمثل في كشف علماء الجمعية لضلالات التيجانية،نذكر بخصوص:"صلاة الفاتح"،ما قاله رئيس جمعية العلماء المسلمين الشيخ العلامة:"ابن باديس" رحمه الله في فتوى له جوابا عن سؤال متعلق بصلاة الفاتح.
نص الفتوى
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله وسلم
جواب صريح
تمهيد :
ورد سؤال على الأستاذ الجليل محمد بن الحسن الحجوري وزير معارف الحكومة المغربية من الشيخ حافظ إبراهيم ربيشطي من أهل العلم ببلدة شقودرة بمملكة ألبانيا، عن أشياء منها ما يتعلق بالطريقة التيجانية، فأجاب الأستاذ عن تلك المسائل كلها ونشر جوابه في مجلة (الرسالة) حيث نشر السؤال، ولقد أجاد الأستاذ في جوابه غير أنه أحاط كلامه في شأن الطريقة التيجانية بشيء من الغموض، حمله عليه فيما أظن مركزه ومحيطه، وليس له في هذا عذر عند الله، فإن السؤال كان واضحا، والموضوع عظيماً هاما، والموقف محتاجا إلى صراحة لا يخاف فيها إلا الله، فرأيت من واجبي الديني أن أجيب بصراحة، وأن آتي من كلام الأستاذ بما هو مؤيد لجوابي مع التعليق عليه، لا أقصد من ذلك - علم الله – إلا النصح لإخواني الذين ضلوا بهذه الطريقة عن الصراط المستقيم، هدانا الله كلنا إليه.
تلخيص السؤال:
يدعي المنتسبون للطريقة التيجانية :
1- أن قراءة (صلاة الفاتح):أفضل من تلاوة القرآن ستة آلاف مرة، متأولين بأن ذلك بالنسبة لمن لم يتأدب بآداب القرآن.[راجع ج2، م 5 من الشهاب].
2- أن (صلاة الفاتح):من كلام الله القديم، ولا يترتب عليها ثوابها إلا لمن اعتقد ذلك.[راجع ج4، م 5 من الشهاب].
3- وأن (صلاة الفاتح):علمها النبي – صلى الله عليه وآله وسلم - لصاحب الطريقة ولم يعلمها لغيره.
4- وأن مؤسس الطريقة التجانية أفضل الأولياء.
5- وأن من انتسب إلى تلك الطريقة يدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب، وتغفر ذنوبه الصغار والكبار حتى التبعات.
فهل الاندماج فيها غير مناف للشريعة الغراء؟
الجواب :
1- القرآن كلام الله و(صلاة الفاتح) من كلام المخلوق، ومن اعتقد أن كلام المخلوق أفضل من كلام الخالق فقد كفر، ومن جعل ما للمخلوق مثل ما لله، فقد كفر بجعله لله نداً، فكيف بمن جعل ما للمخلوق أفضل مما للخالق!!؟.
هذا إذا كانت الأفضلية في الذات، فأما إذا كانت الأفضلية في النفع فإن الأدلة النظرية والأثرية قاضية بأفضلية القرآن على جميع الأذكار، وهو مذهب الأئمة من السلف والخلف، قال سفيان الثوري - رحمه الله-:"سمعنا أن قراءة القرآن أفضل من الذكر"، نقله القرطبي في الباب السابع من كتاب (التذكار)، وقال النووي - رحمه الله –:"وأعلم أن المذهب الصحيح المختار الذي عليه من يعتمد من العلماء: أن قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل وغيرهما من الأذكار، وقد تظاهرت الأدلة على ذلك"، قاله في الباب الثاني من كتاب "التبيان"، ومخالفة مثل هذا موجب للتبديع والتضليل.
2- وأما زعم من زعم - متأولا لتلك الأفضلية الباطلة – بأن "صلاة الفاتح":خير لعامة الناس من تلاوة القرآن، لأن ثوابها محقق، ولا يلحق فاعلها إثم، والقرآن إذا تلاه العاصي كانت تلاوته عليه إثماً لمخالفته لما يتلوه، واستدلوا على هذا بقول أنس - رضي الله عنه – الذي تحسبه العامة حديثاً:"رب تال للقرآن والقرآن يلعنه"، فهو زعم باطل لأنه مخالف لما قاله أئمة السلف والخلف من أن القرآن أفضل الأذكار، ولم يفرقوا في ذلك بين عامة وخاصة، ولا بين مطيع وعاص، ومخالف لمقاصد الشرع من تلاوة القرآن، وذلك من وجوه:
الأول : أن المذنبين مرضى القلوب، فإن القلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، فكل معصية يأتي بها الإنسان هي من فساد في القلب ومرض به، والله تعالى قد جعل دواء أمراض القلب تلاوة القرآن: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ".[يونس:57] ،"وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا".[الإسراء:82]، فمقصود الشرع من المسلمين أن يتلوه ويتدبروه، ويستشفوا بألفاظه ومعانيه من أمراضهم ومن عيوبهم وذنوبهم، وذلك الزعم الباطل يصرف المذنبين - وأيُّنا غير مذنب؟ - عن تلاوته.
الثاني:أن القلوب تعتريها الغفلة والقسوة،والشكوك والأوهام والجهالات، وقد تتراكم عليها هذا الأدران كما تتراكم الأوساخ على المرآة، فتطمسها وتبطل منفعتها، وقد يصيبها القليل منها أو من بعضها، فلا تسلم القلوب على كل حال من إصابتها، فهي محتاجة دائماً وأبداً إلى صقل وتنظيف بتلاوة القرآن، وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى هذا فيما رواه البيهقي في " الشعب " والقرطبي في "التذكار" : "إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، قالوا: يا رسول اله فما جلاؤها، قال: تلاوة القرآن" فمقصود الشرع من المذنبين، أن يتلوا القرآن لجلاء قلوبهم، وذلك الزعم الباطل يصرفهم عنه.
الثالث:أن الوعيد والترهيب قد ثبتا في نسيان القرآن بعد تعلمه، وذهابه من الصدور بعد حفظه فيها، فروى أبو داوود عن سعد -مرفوعاً- :"ما من امرئ يقرأ القرآن، ثم ينساه إلا لقي الله أجذم"، وروى الشيخان عن عبد الله - مرفوعاً - :"وأستذكروا القرآن فأنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم"، فمقصود الشرع دوام التلاوة لدوام الحفظ ودفع النسيان، وذلك الزعم الباطل يؤدي إلى تقليلها أو تركها.
ومثل هذا الزعم في البطلان والضلال:" زعم أن تالي القرآن يأثم بقراءته مع مخالفته"، فإن المذنب يكتب عليه ذنبه مره واحدة، ولا يكتب عليه مرة ثانية إذا ارتكب ذنباً آخر، وإنما يكتب عليه ذلك الذنب الآخر، فيكف يكتب عليه ذنب إذا باشر عبادة التلاوة؟ والأصل القطعي - كتاباً وسنة - أن ما جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها، وهو يبطل أن تجدد له سيئاته إذا جاء بتلاوة القرآن.
وأما قول أنس - رضي الله عنه – "رب تال للقرآن والقرآن يلعنه"، فليس معناه أن القرآن يلعنه لأجل تلاوته، كيف وتلاوته عبادة ؟، وإنما معناه أنه ربما تكون له مخالفه لبعض أوامر القرآن أو نواهيه من: كذب أو ظلم مثلاً، فيكون داخلاً في عموم لعنه للظالمين والكاذبين،وهذا الكلام خرج مخرج التقبيح للإصرار على مخالفة القرآن مع تلاوته بعثاً للتالي على سرعة الاتعاظ بآيات القرآن وتعجيل المتاب ، ولم يخرج مخرج الأمر التلاوة والانصراف عنها، هذا هو الذي يتعين حمل كلام هذا الصحابي الجليل بحكم الأدلة المتقدمة، ونظيره ما ثبت في الصحيح: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، قال الشراح - واللفظ للقسطلاني -: "وليس المراد الأمر بترك صيامه إذا لم يترك الزور، إنما معناه التحذير من الزور،فهو كقوله عليه الصلاة والسلام: "من باع الخمر فليشقص الخنازير"أي: يذبحها، ولم يأمره بشقصها، ولكنه التحذير والتعظيم لإثم شار بالخمر، وكذلك حذر الصائم من قول الزور والعمل به، ليتم له أجره"، هذا فيمن يرتكب الزور وهو صائم فيكون متلبساً بالعبادة والمخالفة في وقت واحد، فكيف بمن كان ذنبه في غير وقت عبادة التلاوة؟، فالمقصود من كلام أنس تحذيره من الإصرار على المخالفة، وترغيبه في المبادرة بالتوبة ليكمل له أجر تلاوته بكمال حالته.
3- وليس عندنا من كلام الله إلا القرآن العظيم، هذا إجماع المسلمين حتى أن ما يلقيه جبريل - عليه السلام - في روع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- سماه الأئمة بالحديث القدسي ، وفرقوا بينه وبين القرآن العظيم، ولم يقولوا فيه كلام الله، ومن الضروري عند المسلمين أن كلام الله هو القرآن وآيات القرآن، فمن اعتقد أن"صلاة الفاتح":من كلام الله فقد خالف الإجماع في أمر ضروري من الدين، وذلك موجب للتفكير.
4- قد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - معلما كما صح عند[كذلك في الأصل والكلام ناقص وربما يكون أصله أو عنه]، وعاش معلما آخر لحظة من حياته، فتوفاه الله تعالى نبينا ورسولاً ونقله للرفيق الأعلى، وقد أدى الرسالة وبلغ الأمانة، وانقطع الوحي وانتهى التبليغ والتعليم، وترك فينا ما إن تمسكنا به لن نضل أبدا، وهو" كتاب الله وسنته" كما صح عنه، هذا كله مجمع عند المسلمين وقطعي في الدين، فمن زعم أن محمداً مات وقد بقي شيء لم يعلمه للناس في حياته، فقد أعظم على الله الفرية وقدح في تبليغ الرسالة، وذلك كفر، فمن اعتقد أن "صلاة الفاتح" علمها النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لصاحب الطريقة التجانية دون غيره، كان مقتضى اعتقاده هذا: أنه مات ولم يبلغ وذلك كفر، فإن زعم أنه علمه إياها في المنام، فالإجماع على أنه لا يؤخذ شيء من الدين في المنام، مع ما فيه من الكتم وعدم التبليغ المتقدم.
هذا وقد ثبت في الصحيح أن الصحابة - رضي الله عنهم - سألوا النبي - صلى الله عليه وآله وسلم _ كيف يصلون عليه، فانتظر الوحي وعلمهم الصلاة الإبراهيمية، وقد تواترت في الأمة تواتراً معنوياً، ونقلها الخلف عن السلف طبقة عن طبقة، وأجمع الناس على مشروعيتها في التشهد، ومن مقتضى الاعتقاد الباطل المتقدم أنه - صلى الله عليه وآله وسلم - كتم عن أفضل أمته ما هو الأفضل، وحرم منه قرونا من أمته، وهو الأمين على الوحي وتبليغه، الحريص على هداية الخلق وتمكينهم من كل كمال وخير، فمن قال عليه ما يقتضي خلاف هذا، فقد كذب عليه وكذب ما جاء به، ومن رجح صلاته على ما علمه هو - صلى الله عليه وآله وسلم - لأصحابه - رضي الله عنهم - بوحي من الله واختيار منه تعالى فقد دخل في وعيد: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا".[الأحزاب:36].
5- لا تثبت الأفضلية الشرعية إلا بدليل شرعي، ومن أدعاها لشيء بدون دليل، فقد تجرأ على الله، وقفا ما ليس به علم، وقد أجمعت الأمة على تفضيل القرون المشهود لها بالخيرية من الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام، فاعتقاد أفضلية صاحب الطريقة التجانية: تزكية على الله بغير علم وخرق للإجماع، موجب للتبديع والتضليل.
6- عقيدة الحساب والجزاء على الأعمال قطعية الثبوت، ضرورية العلم، فمن اعتقد أنه يدخل الجنة بغير حساب فقد كفر.
فالمندمج في الطريقة التيجانية على هذه العقائد:"ضال كافر"، والمندمج فيها دون هذا العقائد:"عليه إثم من كثر سواد البدعة والضلال".
ثم هاكم من جواب الأستاذ عن فصول السؤال، مما يؤيد جوابنا مع تعليقنا عليه:
"ومن المكر الخفي والكيد للإسلام المنطوي تحت هذه المقالة: تزهيد الناس في القرآن العظيم وفي تلاوته، ثم الإعراض عنه إلى ما هو أخف عملا، وفي الميزان أثقل في زعمهم الباطل، وإني لأعجب لمسلم استنار بنور القرآن، يقبل هذه المقالة في الإسلام، فلا حول ولا قوه إلا بالله".
لهذه وغيره نقول:" إن "الطريقة التجانية" ليست كسائر الطرق في بدعها، والمشاهد اليوم من أضرارها، ودعنا من حديث ماضيها بما فيه، بل هي طريقة موضوعة لهدم الإسلام تحت اسم الإسلام، فان كتبها وأقوال أصحاب صاحبها مطبقة على هذه الأفكار وأكثر منها، فلا تجد في كتبهم ما هو خالص منها حتى يمكن أن يكون هو الأصل، وأن غيره مدسوس، وإنك لتجد هذه الكتب محل الرضى والقبول والتقديس عند جميع أتباع الطريقة عالمهم وجاهلهم، ولو كان عالمهم بالكلمة المنسوبة إلى صاحب الطريقة،والله أعلم بصحة نسبتها: "زنوا كلامي بميزان الكتاب والسنة": لأعدموا تلك الكتب، أو حرموا على جماعتهم قراءتها أو حذفوا منها هذه الكفريات والأضاليل، وأعلنوا البراءة منها للناس، لكن شيئا من ذلك لم يقع، وإنما يطنطنون بتلك الكلمة قولياً، ويقرون تلك الكتب وما فيها عمليا، وماذا يفيد القول مع التقرير والعمل، ولهذا رغم من كان في هذه الطريقة من أناس مشهورين بالعلم كالشيخ "الرياحي" فإن الحالة هي الحالة، وتلك الكفريات والأضاليل: فاشية منتشرة في أتباع الطريقة إلى اليوم.
قال الأستاذ الحجوري بعدما نقل أقوالهم في ضمان شيخهم ومضاعفة الأجور لهم، ودخولهم الجنة بغير حساب: "فكأنها "الطريقة التجانية": ورقة حماية من دولة لها سلطة عالية، تعالى من يجير ولا يجار عليه، فكأنهم نسوا القرآن".
فبهذا صارت الطريقة التجانية في نظر أهل العلم بالسنة والكتاب كأنها مسجد الضرار ضد الإسلام، فالله يقول في نبيه خاتم النبيين، وهم يقولون في الشيخ التجاني هو الختم، وهو لبنة التمام للأولياء، فحجروا على الله ملكه، وقطعوا المدد المحمدي وهم لا يبالون أو لا يشعرون، وحتى إن شعروا: فالمقصد يبرر الواسطة، وإذا سمعوا أن النبي أفضل النبيين قالوا إن التيجاني رجله على رقبة كل ولي لله، بهذه العبارة الجافة من كل أدب الجارحة لعواطف كل مسلم، لأن الولي في عرفهم يشمل النبي إذ يقولون: إن ولاية النبي أفضل من نبوته، ولا يبالون أن يكون أصحابهم أفضل من أبي بكر وعمر والعشرة المبشرين بالجنة الذين كانوا يخافون الحساب ولا يأمنون العقاب، ولم يكن عندهم بشارة بالنجاة منهما، إذ لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون".
دعا الإسلام إلى الجد ومحاسبة النفس، والعمل على الخوف والرجاء في جميع نواحي الحياة الدنيا، على أن يكون ذلك على السداد والإخلاص، ليكون ذخراً لسعادة الأخرى، فجاءت عقيدة ضمان الشيخ ودخول الجنة بلا حساب :هادمة لذلك كله، وقد ظهرت آثارها بالفعل كما حكاه الأستاذ الحجوري فيما يلي:
"حكي لي بعض القضاة قال: كان في محكمتي تسعون عدلا في البادية، وقد تقصيت أخبار الصالح والطالح منهم، لأعلم مقدار ثقتي بهم في حقوق المسلمين، فوجدت عشرين منهم متساهلين لا يؤتمنون على الحقوق، وحين دققت النظر في السبب تبين لي أنهم جميعاً تجانيون، فبقيت متحيرا حتى انكشف لي أن السبب هو اتكالهم على أنه لا حساب ولا عقاب يترصدهم، فانتزع الخوف من صدورهم".
هذا في العدول وهم من أهل العلم فكيف بالعامة؟، فهذه الطريقة ما وضعت إلا لهدم الإسلام، ولا اجزم بأن صاحبها هو الذي وضعها هذا الوضع، فقد يكون فيمن اتصل به من كاد هذا الكيد، ودسّ، وليس مثل هذا الكيد جديداً على الإسلام، قال الإمام ابن حزم في كتاب "الأحكام":(ج3 ص21): "فإن هذه الملة الزهراء الحنيفة السمحة كيدت في وجوه جمة، وبغيت لها الغوائل من طرق شتى، ونصبت لها الحبائل من سبل خفية، وسعي عليها بالحيل الغامضة، وأشد هذه الوجوه سعي من تزيا بزيهم، وتسمى باسمهم، ودسّ لهم سم الأساود، في الشهد والماء البارد، فلطف لهم من مخالفة الكتاب والسنة، فبلغ ما أراد ممن شاء الله تعالى خذلانه، وبه تعالى نستعين من البلاء، ونسأله العصمة بمنه،لا إله إلا هو".
"كلمة إلى العلماء".
[ وفي مقدمتهم صديقي العلامة الأستاذ البشير النيفر التونسي].
إنني أدعوا كل عالم تجاني إلى النظر في فصول السؤال والجواب فإن اقروا ما أنكرناه، فليعلنوا إقرارهم له، وإذا أنكروا ما أنكرناه فليعلنوا إنكارهم له، يصرحوا:
1- بأن "صلاة الفاتح": ليست من كلام الله.
2- وأنها ليست مثل الصلاة الإبراهيمية.
3- وأن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم لم يعلمها لصاحب طريقتهم.
4- وأن لا فضل له ولا لأتباعه إلا بتقوى الله.
5- وأن المنتسب إلى طريقتهم لا يمتاز من المسلمين عن غير المنتسب إليها.
ومن لم يصرح بهذا، باء بوزره ووزر الهالكين من الجاهلين وكان عليه إثم الكاتمين من العالمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين.
عبد الحميد بن باديس.
انظر: الشهاب : ج 7 ، م 14 ، ص 49 - 57 غرة رجب 1357 هـ - سبتمبر 1938،وانظر أيضا: كتاب ابن باديس حياته وآثاره، جمع ودراسة: د.عمار الطالبي دار الغرب الإسلامي، ط.2 سنة 1403هـ، الجزء الثالث، ص(142-174).
وفي حدود معلوماتي،لم تكن هناك استجابة من التيجانيين لمطالب العلامة:"ابن باديس" رحمه الله،وإلا فليأتنا التيجانيون بخلاف ذلك موثقا توثيقا علميا،ونحن في الانتظار.
وللعلامة "البشير الابراهيمي" كلام ماتع بخصوص صلاة الفاتح
حيث أنه شبهها – فيما أذكر – بترانيم النصارى للإنجيل!!؟، ولعل بعض إخواننا الكرام: يضيفه هنا،فقد نسيته لبعد العهد به، و من باب:"ما لا يدرك كله، لا يترك جله"،نذكر شيئا من كلام الشيخ:"الإبراهيمي" بخصوص الطرقية ومنهم التيجانية،إذ يقول - رحمه الله – كما في:"أثار الإبراهيمي":(1/172): "...وانظر الآن إلى الطُّرق وإلى أهل الطّرق بعد أن باعدوا بين الأمّة الإسلامية وبين قرآنها، وخلا لهم وجهها، وخلت جنبات النّفوس من الحارس اليقظ، ومكّنوا فيها خُلُق الخوف منهم والرجاء فيهم والطّاعة والخضوع لهم ... إنّهم بعد أن أفسدوا فطرتها وأماتوا ما غرسه الإسلام فيها من فضيلة، وفكّكوا كلّ ما أحكم بينها من روابط أخوّة، وراضوها على الذلّ والمهانة والخضوع وسدّوا عليها منافذ النّور فاستقامت لهم على ذلك، فرّقوها فرقا وقسّموها إلى مناطق نفوذ يتزاحمون على استغلالها واستعمارها، وأغروا بينها العداوة والتضريب والبغضاء، وإنّك لتسمعهم يقولون الأخوّة والإخوان، فاعلم أنّهم لا يريدون أخوّة الإسلام العامّة ولا يرعون من حقوقها حقّا، وإنّما يريدون أخوّة الشّيخ وأخوّة الطّريق، وكلّ ما يجب عليك من حقّ فهو لأخيك في الطّريق – أعاذك الله منها -، وأنّ هذه الأخوّة القاطعة تفرض عليهم: أن يبغضوا كلّ مَن لم يتصل معهم بحبل الشّيخ، ويُنابذوه ولا يجتمعوا معه، ولو في العبادات الشّرعيّة كالصّلاة وقراءة القرآن، أو البدعيّة كحِلَقِهم الخصوصيّة، بل يبلغ الغلو ببعضهم "كالتيجانيّة": أن لا يصلّوا خلفه ولا يصاهروه ... لعمرك إنّ الطرقيّة في صميم حقيقتها احتكار لاستغلال المواهب والقوى، واستعمار بمعناه العصري الواسع، واستبداد بأفظع صوره ومظاهره ..." أهـ.
قال الدكتور الفاضل:"مختار حمحامي" حفظه الله في رده العلمي الثاني على الكاتب الجزائري المتشيع:"الصادق سلايمية" ما يأتي
" قال "سلايمية" إنّ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ضمّت بين صفوفها أشخاصا من الطرقية، ومثَّلَ لذلك بالشّيخ محمّد آل خليفة شاعر الجمعية – رحمه الله – وقال: إنّه تيجاني. والسؤال المتبادر - إن صحّ كون محمّد آل خليفة نشأ تيجانيا – هل بقي الشّيخ يمارس أوراد طريقته وطقوسها بعد انخراطه في نشاطات جمعية العلماء المسلمين؟، أم أنّه صار عالما إصلاحيا، يحمل فكر الجمعية ومبادئها؟، ومن المعلوم المشهور أنّ الصّراع كان - ومازال – بين الجمعية وبين الطّرق الصّوفية محتدما، ومنشورات الجمعية مستوعِبةٌ لمقالات الشّيخ البشير الإبراهيمي، منكرة على الطرق الصوفية بدعهم وانحرافهم ومن بينها الطريقة التيجانية، وفي هذا المقام ننقل بعض كلام الشّيخ الإبراهيمي في علاقة الجمعية بالطرقية وموقفها منها، قال - رحمه الله -: "لم يكن تأسيس جمعية العلماء المسلمين خفيف الوقع على الجماعات التي ألِفت استغلال جهل الأمّة وسذاجتها وعاشت على موتها، ولكن التيار كان جارفا لا يقوم له شيء، فما كان من تلك الجماعات إلاّ أن سايرت الجمعية في الظّاهر، وأسرّت لها الكيد في الباطن، وكان المجلس الإداري الذي تألّف بالاختيار في السّنة الأولى غير منقّح ولا منسجم، لمكان العجلة والتّسامح، فكان من بين أعضائه أولو بقيّة يخضعون للزوايا وأصحابها رَغَبا ورَهَبا، وكان وُجودهم في مجلس الإدارة مُسلّيا لشيوخ الطّرق ومخفّفا من تشاؤمهم بالجمعية لسهولة استخدامهم لهم عند الحاجة، فإمّا أن يتخذوهم أدوات لإفساد الجمعية وإسقاطها، وإمّا أن يتذرّعوا بهم لتصريفها في مصالحهم وأهوائهم،أمّا المصلحون فقد صرّحوا من أوّل يوم بأنّهم سائرون بهذه الجمعية على المبدأ الذي كانوا سائرين عليه من قبلها، ومنه محاربة البدع والخرافات والأباطيل والضلالات، ومقاومة الشّر من أي ناحية جاء". [أثار محمد البشير الإبراهيمي:(1: 188)]. أهـ.
وننتقل إلى ذكر موقف آخر لأحد علماء الجمعية الأفذاذ،وهو الشيخ العلامة:"الطيب العقبي" رحمه الله،الذي رد على أحد أكبر مشايخ التيجانية،وأهم مراجعهم العلمية المغربي:"أحمد سكيرج" صاحب كتاب:" كشف الحجاب عمن تلاقى مع الشيخ التجاني من الأصحاب" ،وقد كتب الشيخ "العقبي" في ذلك مقالته:" بل نجيب ولعنة الله على الكاذبين" !.
وهو مقال يبين صلابة موقف رجال جمعية العلماء في سبيل الحق، ووقوفهم في وجه جميع الدجالين والمشعوذين، وفضحهم لهم وكشفهم لأكاذيبهم وادعاءاتهم، ومنهم هذا المدعو" أحمد سكيرج "ـ القاضي الطرقي الذي انضم إلى زمرة العليويين، فسَّخر نثره وشعره في هجو منتقدي البدع ومحاربي التخريف، وقد تحدى رجال جمعية العلماء المسلمين المصلحين ودعاهم للمباهلة، بل كذب عليهم وادعى أنهم لا يجيبون إذا دعوا إليها، فتصدى له الشيخ السلفي العقبي ،وقد أيده في دعوته جمع غفير من العلماء، لكن صاحب الدعوة لم يرد عليهم!!؟
فإلى المقال: " بل نجيب ولعنة الله على الكاذبين !..."
وقفت في العدد: (17) من جريدة الطرقيين الجديدة التي سموها "البلاغ الجزائري"، وما هي إلا بلاغ عليوي فقط...على مقال طويل تحت عنوان:" كلمة في الإصلاح"، وقد أنعمت تلك الجريدة على صاحب هذا المقال بألقاب ضخمة جدا... وهي هذه حضرة الكاتب..المقتدر جلالة الأستاذ الأبر ، فهالني لأول وهلة ما رأيت من عنوان المقال ومدلول هذه الألقاب المشوقة "التي لا وجود لها إلا في معامل الطرقيين، وجرائدهم الحرة السالكة ذات الخصوصية".
وبكل تكلف أتممت مطالعة ذلك المقال، وأنا التمس إمضاء صاحبة المقتدر جلالة الأستاذ ...فإذ به هكذا:"خديم الحضرة المحمدية عبد ربه أحمد سكيرج"،فحمدت الله حيث لم تمنح كل هذه الألقاب إلا لمن سمي نفسه خديم الحضرة المحمدية، ومن هذا الإمضاء المبارك عرفنا صاحب الجلالة الأستاذ، وعرفنا الوجه المستعار الذي برز به هذه المرة، ليمثل لنا دور أحد المصلحين على مسرح جريدة العلويين! ،ومن وقف في ما سبق على مقالات صاحبنا "سكيرج" وعلى قصيدته المنشورة في هذه الجريدة نفسها: عرف معنى هذا الرجل، وعرف كيف يجري الاستعارة في وجهه هذا، وفي وجوه كلامه كلها.
أما أنا فإني: لا أحاول في هذا الموقف مع قاضي الجديدة أو صاحب الوجه الجديد: إطالة الكلام في فصول مقاله، والبحث عما يصح من وجوه دلالتها عربية وتركيبا وما لا يصح ، كما أني لا أريد تحليل مواد هذا المقال وجمله، لأني لا ابتغي تعذيب صاحبه بمناقشة الحساب فيه...
نعم في هذا المقال على طوله نقطة واحدة استلفتت نظري بالخصوص وأنطقتني، وما كنا ذا رغبة في الكلام مع هؤلاء الكتاب المقتدرين، وأصحاب الجلالة من الأستاذين... ولولا أن الشيخ أكرهني على النزول إلى هذا الميدان لما نزلت...
كتب الأستاذ في هذا المقال ما شاء وشاء له الهوى، ثم نصب نفسه للحكم بين المتصوفة وخصومهم - ولعل ذلك بعد الأعذار والإنذار والتلوم، وإجهاد النفس بما لا مزيد عليه لمستزيد – فقال: " ولو تجردت هذه الفئة للمباهلة مع السادة الصوفية ما أجابوا قولهم:[ ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين]، هكذا قال جلالته!... وهو في كل مقاله الذي يحاول به الإصلاح - على زعمه -، يسير على غير الهدى في تعسف، ويتحكم ويحكم بغير الحق!
ينتصب للحكم بين فريقين، تصور وجودهما في مخيلته وخلق لهما صفات حسب إرادته ومشيئته، فسمى من انتصر إليهم من فريقه : صوفية! متصوفة! أهل الاعتقاد! المتدينين! أهل الله! أهل الدين !..أهل النسبة... الخ
وسمى الفريق الآخر: أهل الانتقاد ( في مقابلة أهل الاعتقاد) المتمدنين ( في مقابلة المتدينين، لأن التمدن عنده غير الدين، والدين ضد التمدن!..) أهل النكير على أهل الله! المتجردين للطعن على أهل الدين الخ..ما وصف كلا ممن ذكر وسمى من الفريقين وكل الناس على بينة من أمر هذا المصلح الجديد وحزبه، وما حزبه إلا جماعة الطرقيين الذين سماهم المتصوفة.. الخ ،وما خصومهم الذين أنعم عليهم جلالته بكل تلك الصفات والأسماء التي سماهم بها - إلا نحن الكتاب "جماعة حزب الإصلاح الديني" وخصوصا من يكتب بجريدة:"الشهاب"، و"البرق اللامع".
لم يكن مقال "جلالة الأستاذ الأبر" عندي من الأهمية بالمكان الذي يستحق تعقب جمله، ومتابعة تراكيبه بالرد والتزييف وشرح ما عميت أنباؤه من مغامزه ومراميه، حتى تتبين للناس درجة كاتبه المقتدر كما قالوا، فقد رأيته في مجموعة- ولا سيما مقدمته وصدره -:"أشبه برطانة عجمية منه بكلمات عربية مفهومة." ونحن نعذره في هذا فإن لأرباب الخصوصية أحوالا!!؟،كما أن للواصلين منهم ألسنا أعجمية!!؟ ... لهذا تركت الكلام مع جلالة الأستاذ في غبر تلك النقطة الوحيدة التي هي بيت القصيد وموضوع الكلام مع حضرة الشيخ القاضي ...
قلتم يا"جناب عبد ربه خديم الحضرة المحمدية! ":"ولو تجردت هذه الفئة للمباهلة مع السادة الصوفية ما أجابوا قولهم الخ ..." وأنا أقول لك:"من هي هذه الفئة التي تعنيها، وتدعوها أنت وأشياعك للمباهلة؟، ومن هم السادة الصوفية في نظر حضرتك؟ لا بل من أنت نفسك؟ وفي أي زمن وجدت؟ ومع من تتكلم؟ وبأي لسان تنطق؟ وبالآخر هل أنت يقضان وتتكلم، أم أنت في سنة الكرى تقول ما لا تعقل وتحكى ما لا يُفهم؟
أجبني بربك يا سكيرج! أجبني سريعا ولا تتأخر!
وإني أؤكد عليك في طلب الجواب لعلمي أنك من العارفين اصطلاحا...أتعني بالفئة التي تدعوها إلى المباهلة:" حزب عبد الحميد ابن باديس"، و"كتاب الشهاب " أجمعين؟ أتعني بالسادة الصوفية رجال طرقك اليوم وسادتك العليويين؟ أأنت سكيرج قاضي الجديدة، وأحد أبناء هذا العصر الحاضر؟ أمع رجال "حزب الإصلاح الديني": تتكلم وبلسان عربي مبين تنطق؟؟، إن كنت تحسب هذا فإن أمرك لغريب! وإن شأنك يا هذا في نفسك لأغرب!
دعوتنا إلى المباهلة، وإنك لتدعونا إلى عظيم، فخذ حذرك وأجمع عليك أمرك ورشدك ,ارجع إلى عقلك ثم نباهلك! وتذكر قبل الإقدام على تنفيذ هذه العملية الشاقة أنك: تعلم الحقيقة من أمر الطرق والدعاية إليها، وتعلم ما هي حال أهلها اليوم؟ وأنت قد وصفتهم بتلك الأوصاف، وشهدت لهم تلك الشهادة التي ستكتب لك، وعنها ستسأل لا محالة زورا وبهتانا، ووصفتنا نحن الداعين إلى الله وحده العاملين لرد الأمة إلى طريق محمد صلى الله عليه وسلم والتقيد بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بما وصفتنا به ظلما وعدوانا!...وهل تستطيع بعد هذه الذكرى أن تباهل حزب الله المؤمنين وأنصار دينه الموحدين في شأن الطرق وخرافات المبتدعين ؟؟..
تالله إنك لجرئ إذا على لعن نفسك ومقتك ...نحن نباهلك ولا حرج، ولكن نخشى عليك الهلاك، فارفق بنفسك إن كان لك بها حاجة، واعلم أن ربك بالمرصاد ، وما هي من الظالمين ببعيد، وإنا لننذرك صاعقة قوم هود، فعد لمثلها إن شئت، ولك أن تتوب ولا تعود.
قل لي بربك يا سكيرج:"ما غرك بنا معشر السلفيين، وما الذي غرك على مباهلة حزب الله المصلحين!؟"..أتظن يا جناب الأستاذ الأبر! أن الجو قد خلا لك، وانك تستطيع أن تقول وتتقول وتخترع من الأوصاف ما شئت، وبالآخر تدعونا الى المباهلة، ثم لا تجد من يقف في وجهك، ويرد عليك قولك من أهل التوحيد الصادقين، ودعاة المصلحين الذين يسميهم حزب جريدتك العليوية " جماعة الملاحدة، شرذمة الضلال، أعداء الدين والملة والوطن...الخ". وتصفهم أنت أيضا بما يقرب من هذه الأوصاف، والله يعلم على من هي منطبقة وصادقة حقيقة وحكما!.
إن كنت تظن هذا يا حضرة الشيخ! فقد ظننت عجزا، ولتكن على ثقة بأن هذا الظن لك: إثم من وحي الشيطان، وعمل أوليائه الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وما هم من المحسنين...... وما كفى حزبك ولا كفاك: ما انتم عليه من ذلك حتى قمت تتكلم بلسانهم وفي جريدتهم كمصلح في زعمك داعيا عباد الله المخلصين ودعاته الهادين إلى مباهلة من سميتهم - ولعلك لا تزال تسميهم السادة الصوفية -، وتدعي جهلا منك أو تجاهلا وتضليلا للأفكار:أنهم لو تجردوا لمباهلتهم ما أجابوا، ووالله وتالله وثالله لقد جئت شيئا فريا.
فها نحن ندعوك، ورجال كل الطرق عموما وأصحاب تلك الجريدة العليوين خصوصا لمثل ما دعوتنا إليه - وسمنا ما شئت من تلك الأسماء كلها! وسم حزبك كيفما شئت، و[ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسنَا وَأَنْفُسكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِل فَنَجْعَل لَعْنَة اللَّه عَلَى الْكَاذِبِينَ].
وإني أتكلم معك بلساني وبلسان كل فرد من أفراد " حزب الإصلاح الديني": الذين هم على مذهبي وفكري، يعتقدون اعتقادي، ويدعون الناس لما ادعوهم إليه من الرجوع إلى الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح، ورفض كل طريقة غير طريقة محمد ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
تلك الطريق التي هي سبيل الله السوي وصراطه المستقيم ...
ولكي نخفف عليك وعلى حزبك ونقرب لكم المسافة، نضرب لك من الآن موعدا نلتقي فيه للمباحثة والمناظرة على رؤوس الأشهاد وأمام العالمين، أو المباهلة والملاعنة إن شئت وشاءت طائفة الطريقة العليوية وجماعة الطرقيين، وأختار أن يكون الموعد والملتقى في الجامع الكبير بعاصمة الجزائر يوم الجمعة الأخيرة من شهر ذي الحجة الحرام من عامنا هذا، فهل يعجبك هذا ويرضيك؟، وهل ترانا أجبناك لما دعوتنا إليه؟، وهل تجيب حضرتك لما دعوتنا إليه أم تتأخر ولا تجيب!!؟:[ قتقعد ملوما محصورا].
...وإني أطارحك سلفا نص الملاعنة والمباهلة، فأقول:"اللهم إن كنت تعلم أن سكيرج وجماعة الطرقيين فيما هم عليه اليوم، وما يدعون الناس إليه، ويقرونهم على فعله في طرقهم محقون، وأن ذلك هو دينك الذي ارتضيته وشرعته لعبادك بواسطة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فالعني ومن معي لعنا كثيرا، وإن كنت ـ يا الله، يا ربنا ورب كل شيء!! ـ تعلم أن ما عليه الطرقيون اليوم فيما هم فيه من أمرهم ودعايتهم الناس إلى طرقهم هو من الحدث في دينك، والباطل الذي لا يرضيك ولا يرضي نبيك، فالعن سكيرج ـ قاضي الجديدة ـ ومن معه لعنا كبيرا!! واجعل مقتك الأبدي وخزيك ولعنتك الدائمة على الكاذبين، ـ آمين آمين آمين.
هكذا أباهلك وألاعنك يا سكيرج!، فلاعني بمثلها، وإياك أن تنهزم يوم اللقاء! !؟".
وعساك تشهد لنا وحزبك بأنا قد أتيناك بالحديث على وجهه وكنا من الصادقين، فما عليكم إلا أن تصدقونا الحديث كما صدقناكم، وتستجيبوا لنا كما استجبنا لكم إن كنتم من المحقين، فقد حصحص الحق وتبين الصبح لذي عينين، ولتعلمن نبأه بعد حين، "وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين."
بسكرة:" الطيب العقبي"
"الشهاب": العدد:( 97 )، الخميس 17 ذي الحجة 1345 هـ/ 20 ماي 1927م ، الصفحات من 2 إلى 6..
وقد بين الدكتور الفاضل:"مختار حمحامي" في مقاله المشار إليه سابقا:سبب تحالف "سكيرج التيجاني" مع "الفرقة العليوية" ضد الجمعية وعلمائها،حيث قال:"... ونتيجة فضح أمر الطرقية في الجزائر سعت الطريقة "العْلِيوِيَة" - التي كان شيخها يومئذ أحمد بن عليوة المستغانمي - في محاولة يائسة لاغتيال الشيخ عبد الحميد بن باديس مساء 09 جمادى الآخرة 1345هـ الموافق لـ 14 ديسمبر 1926م". ينظر: "صراع بين السنة والبدعة"، للشيخ "أحمد حماني": (1/60) وما بعدها. انتهى كلام الدكتور الفاضل:"مختارحمحامي".
فرغم اختلاف الطرقية فيما بينها:"اسما ومسمى"،ومعاداتها لبعضها البعض،إلا أنها اتفقت جميعها على معاداة جمعية العلماء وقد بين الشيخ "الإبراهيمي" رحمه الله سبب ذلك،فقال:" وكيف لا يحقدون عن هادمة أنصابهم، وهازمة أحزابهم؟ فتراهم لاضطغانهم عليها يريدون أن يسبُّوها فيسبُّوننا بها من غير أن يتبيَّنوا حقيقتها أو حقيقتنا، والقوم جهَّالٌ ملتخون من الجهل، وحسْبُهم هذا".[الآثار:(1/198)].
أما فيما يخص اختلاف الطرقيين فيما بينهم،فقد جاء في كتاب "الإسلام الصحيح" ، بعد أن ذكر مؤلفه : الزواوي : " اختلاف أصحاب الطرق " ، و " أنها مختلفة بقدر تعددها، ولو لم تختلف لاتحدت" ... وبالفعل نرى أصحاب الطرق متنازعين ومتشاكسين ومتشاجرين كل واحد من أتباع تلك الطرق ... يقول للآخر : طريقتنا نحن ولست هكذا وشيخنا ليس كشيخكم وذكرنا وحضرتنا ليس كذكركم وحضرتكم " ، ثمَّ قال:" سئل شيخ الطريقة القادرية بطرابلس الشام في القرن الماضي عن سبب تعدد الطرائق واختلاف أعلامها وألوان عمائم شيوخها وخلفائها ، فأجاب وكان منصفًا لا دجالاً بقوله : تغيير شكل ، لأجل الأكل!!!!؟؟؟؟ " .
ولم تقتصر معاداة التيجانية على علماء التوحيد،بل تعدى الأمر إلى احتقار بقية الطرق،جاء في كتاب:" الرماح"( 2/405):" أن الشيخ التجاني قال ذات ليلة في مجلسه أين السيد محمد الغالي؟ فجعل أصحابه ينادون: أين السيد محمد الغالي؟ على عادة الناس مع الكبير إذا نادى أحدا، فلما حضر بين يدي الشيخ قال - رضي الله عنه - وأرضاه وعنا به: " قدماي هاتان على رقبة كل ولي لله تعالى "، فقال سيد محمد الغالي وكان لا يخافه لأنه من أكابر أحبائه وأمرائهم:" يا سيدي أنت في الصحو والبقاء أو في السكر والفناء"، فقال - رضي الله عنه - وأرضاه وعنا به:" أنا في الصحو والبقاء، وكمال العقل ولله الحمد "، وقال:" قلت ما تقول بقول سيدي عبد القادر - رضي الله عنه - قدمي هذه على رقبة كل ولي لله تعالى"، فقال " صدق - رضي الله عنه - يعني أهل عصره "، وأما أنا فأقول: "قدماي هاتان على رقبة كل ولي لله تعالى من لدن آدم إلى النفخ في الصور"!!؟.
وجاء في:"جواهر المعاني":( 1/98) دار الكتب العلمية 1417،
قال التجاني:"... وهذا غاية إدراك النبيين والمرسلين والأقطاب يصلون إلى هذا المحل ويقفون، ثم استأثرت بألباس من الأنوار الإلهية أخرى وبها سميت عقلا، ثم استأثرت بألباس من الأنوار الإلهية أخرى فسميت بسببها قلبا، ثم استأثرت بألباس من الأنوار الإلهية الأخرى فسميت بسببها نفسا ".
قال التجاني:" قال لي - صلى الله عليه وسلم - لك في الجنة أربعون مقاما من مقامات الأنبياء " ."الدرة الخريدة":( 1/ 54)
وفي هذا الكلام السخيف غاية الاحتقار والازدراء لجميع أولياء الله تعالى من الأنبياء فمن دونهم من أهل العلم والصلاح.
ولعلنا نختم بياننا لبعض ضلالات التيجانية،باتهامهم النبي صلى الله عليه وسلم بكتمان العلم، رغم علمهم بقوله تعالى:[الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا]، وقوله عليه الصلاة والسلام فيما أورده الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة تحت حديث:(1803):" ما بقي من شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم" :( صحيح )،و عن أبي ذر قال :"تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علما"، قال : فقال صلى الله عليه وسلم : فذكره، وله شاهد من رواية عمرو عن المطلب مرفوعا بلفظ :"ما تركت شيئا مما أمركم الله به إلا قد أمرتكم به وما تركت شيئا مما نهاكم عنه إلا قد نهيتكم عنه" :وإسناده مرسل حسن.
وقال عليه الصلاة والسلام أيضا:" قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ..."."الصحيحة":(حديث:937).
صدق عليه الصلاة والسلام،فقد زاغ كثير من الطرقيين لما خالفوا
سنة نبيهم عليه الصلاة والسلام،وارتضوا بدلا عنها الأهواء والبدع ،فصدق فيهم قوله تعالى:[ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ]،وقد حذر الله تعالى عباده المؤمنين من اتباع سبيل أهل الأهواء الضالين،فقال تعالى:[ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ].
ويتضح اتهام التيجانيين للنبي صلى الله عليه وسلم بكتمان العلم
ما جاء في:"جواهر المعاني":[ ج 1 ص 119] لصاحبه علي حرازم:"قال" قلت لسيدنا - رضي الله عنه - وهل كان سيد الوجود - صلى الله عليه وسلم - عالما بهذا؟. قلت: لم يذكره لأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، لما فيه من هذا الخير الذي لا يكيف". قال:" منعه أمران: الأول أنه علم بتأخر وقته، وعدم وجود من يظهره الله على يديه في ذلك الوقت ".
ونداء أختم به مقالي، أدعو فيه كل عاقل تيجاني، ليراجع عقله وإيمانه حتى يتحرر بذلك من أغلال الخرافة وقيود الوهم، ويعتق رقبته من النار،بعد أن يكون قد أعتق قلبه وعقله من سطوة شيوخ الضلالة،فالنجاة في:" اتباع الكتاب والسنة وهدي سلف الأمة"، فأقول وبالله التوفيق:
إلى أتباع الطريقة التيجانية المصرين على الباطل، المقلدين لأشياخهم دون بصيرة، المعارضين للحق بعدما:"سطعت أدلته، وأشرقت براهينه،وأنارت حججه، وأزهرت بيناته"،أذكركم جميعا بقوله تعالى:[ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّار(167) ِ].
وقوله تعالى:[ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33) ]. وقوله تعالى:[ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68)] .
فيا أيها التيجانيون:"قد علمتم ما أنتم عليه من انحراف عقدي،وطريق بدعي":اسمعوا للحق إذ يقول:[ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)] ،واستعدوا لذلك اليوم بزاد التوحيد المنجي:[ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104) ].
قال مجاهد والحسن وغيرهما:{ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } يعني:سليما من الشرك.
نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى:"أن يهدي التيجانيين لتوحيده،والتمسك بسنة نبيه،وهدي أصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه،وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه،وآخر دعائنا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه: أحمد يوسفي
الأحد:11جمادى الآخرة 1434
الموافق: 21 أبريل 2013
قال الحق جل وعلا في محكم التنزيل:[ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) ].
قال الشيخ السعدي – رحمه الله – في تفسيره:(1/269):" يقول تعالى - مسليا لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم- وكما جعلنا لك أعداء يردون دعوتك، ويحاربونك، ويحسدونك، فهذه سنتنا، أن نجعل لكل نبي نرسله إلى الخلق أعداء، من شياطين الإنس والجن يقومون بضد ما جاءت به الرسل.
{ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا } أي: يزين بعضهم لبعض الأمر الذي يدعون إليه من الباطل، ويزخرفون له العبارات حتى يجعلوه في أحسن صورة، ليغتر به السفهاء، وينقاد له الأغبياء، الذين لا يفهمون الحقائق،ولا يفقهون المعاني، بل تعجبهم الألفاظ المزخرفة، والعبارات المموهة،فيعتقدون الحق باطلا والباطل حقا، ولهذا قال تعالى: { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ } أي: ولتميل إلى ذلك الكلام المزخرف{أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ } لأن عدم إيمانهم باليوم الآخر وعدم عقولهم النافعة، يحملهم على ذلك،{ وَلِيَرْضَوْهُ } بعد أن يصغوا إليه، فيصغون إليه أولا، فإذا مالوا إليه ورأوا تلك العبارات المستحسنة، رضوه وزين في قلوبهم، وصار عقيدة راسخة وصفة لازمة، ثم ينتج من ذلك أن يقترفوا من الأعمال والأقوال ما هم مقترفون، أي: يأتون من الكذب بالقول والفعل، ما هو من لوازم تلك العقائد القبيحة، فهذه حال المغترين بشياطين الإنس والجن المستجيبين لدعوتهم،وأما أهل الإيمان بالآخرة وأولو العقول الوافية والألباب الرزينة، فإنهم لا يغترون بتلك العبارات ولا تخلبهم تلك التمويهات، بل همتهم مصروفة إلى معرفة الحقائق، فينظرون إلى المعاني التي يدعو إليها الدعاة، فإن كانت حقا قبلوها وانقادوا لها، ولو كسيت عبارات ردية وألفاظا غير وافية، وإن كانت باطلا ردوها على من قالها كائنا من كان، ولو ألبست من العبارات المستحسنة ما هو أرق من الحرير.
ومن حكمة الله تعالى في جعله للأنبياء أعداء، وللباطل أنصارا قائمين بالدعوة إليه: أن يحصل لعباده الابتلاء والامتحان، ليتميز الصادق من الكاذب، والعاقل من الجاهل، والبصير من الأعمى.
ومن حكمته: أن في ذلك بيانا للحق، وتوضيحا له، فإن الحق يستنير ويتضح إذا قام الباطل يصارعه ويقاومه، فإنه – حينئذ - يتبين من أدلة الحق وشواهده الدالة على صدقه وحقيقته، ومن فساد الباطل وبطلانه، ما هو من أكبر المطالب التي يتنافس فيها المتنافسون". انتهى كلامه.
لقد نال علماء التوحيد والسنة بعض ما أصاب الأنبياء من العداوة والأذية،لأنهم ورثتهم بشهادة المصطفى عليه الصلاة والسلام القائل:" من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر " . رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه والدارمي.
قال الشيخ الألباني رحمه الله في:"المشكاة":(1/46):"حسن".
ولأنه:"لكل قوم وارث"،ناصب أهل البدع والأهواء العداوة لعلماء التوحيد والسنة،فآذوهم بالقول والفعل،لا لشيء سوى:[ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9)]،فقد استشاط أهل البدع والأهواء من دعوة علماء التوحيد،لأنها هدمت أنصابهم،وزلزلت عروشهم،وسفهت أحلامهم،وكشفت عوارهم وفضحت دعوتهم التي قال عنها جل وعلا:[ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46)].
قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره:(1/726):"ينكر تعالى على من اتخذ من دونه شفعاء يتعلق بهم ويسألهم ويعبدهم،{ قُلْ} لهم - مبينا جهلهم، وأنها لا تستحق شيئا من العبادة -: { أَوَلَوْ كَانُوا } أي: من اتخذتم من الشفعاء:{ لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا } أي: لا مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، بل وليس لهم عقل يستحقون أن يمدحوا به، لأنها جمادات من أحجار وأشجار وصور وأموات، فهل يقال: إن لمن اتخذها عقلا؟ أم هو من أضل الناس وأجهلهم وأعظمهم ظلما؟.
{ قُلْ } لهم: { لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا } لأن الأمر كله للّه،وكل شفيع فهو يخافه، ولا يقدر أن يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فإذا أراد رحمة عبده: أذن للشفيع الكريم عنده أن يشفع رحمة بالاثنين، ثم قرر أن الشفاعة كلها له بقوله:{ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: جميع ما فيهما من الذوات والأفعال والصفات، فالواجب أن تطلب الشفاعة ممن يملكها وتخلص له العبادة.{ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }: فيجازي المخلص له بالثواب الجزيل، ومن أشرك به بالعذاب الوبيل.
ويذكر تعالى حالة المشركين، وما الذي اقتضاه شركهم، أنهم:{ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ }:توحيدا له، وأمر بإخلاص الدين له، وترك ما يعبد من دونه:أنهم يشمئزون وينفرون، ويكرهون ذلك أشد الكراهة.
{ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ } من الأصنام والأنداد، ودعا الداعي إلى عبادتها ومدحها، { إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } بذلك، فرحا بذكر معبوداتهم، ولكون الشرك موافقا لأهوائهم، وهذه الحال أشر الحالات وأشنعها، ولكن موعدهم يوم الجزاء، فهناك يؤخذ الحق منهم، وينظر:هل تنفعهم آلهتهم التي كانوا يدعون من دون اللّه شيئا؟.
ولهذا قال { قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: خالقهما ومدبرهما، { عَالِمَ الْغَيْبِ }: الذي غاب عن أبصارنا وعلمنا{ وَالشَّهَادَةِ }:الذي نشاهده.
{ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }:وإن من أعظم الاختلاف:اختلاف الموحدين المخلصين القائلين: إن ما هم عليه هو الحق، وإن لهم الحسنى في الآخرة دون غيرهم، والمشركين الذين اتخذوا من دونك الأنداد والأوثان، وسووا فيك من لا يسوى شيئا، وتنقصوك غاية التنقص، واستبشروا عند ذكر آلهتهم، واشمأزوا عند ذكرك، وزعموا مع هذا أنهم على الحق وغيرهم على الباطل، وأن لهم الحسنى.".انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
لقد اقتضت حكمة الله عزوجل:أن يعادى أهل توحيده ويؤذوا من مخالفيهم،فهم ورثة الرسل دعاة التوحيد الذين جاء في شأنهم وشأن من اتبعهم:قول ورقة بن نوفل للرسول عليه الصلاة عند أول نزول الوحي:" ... لم يأت رجل بما جئت به إلا أوذي..."
قال الألباني رحمه الله:"صحيح":انظر:فقه السيرة:(ص 84).
احتدم النقاش مؤخرا في الجزائر حول الدعوة السلفية وأثرها على المجتمع الجزائري، ومدى تطابق منهج جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مع المنهج السلفي، فاختلفت الآراء بين مؤيد لفكرة تطابق المنهجين ومعارض له، والناظر المنصف لما كتبه الطرفان،يدرك دون عناء صحة رأي من قال بتطابق المنهجين للأدلة التي ساقها أصحاب هذا الرأي من بيان أصول دعوة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي قامت عليها دعوتهم والتي توافق أصول المنهج السلفي،أضف إلى ذلك مؤلفات أعضائها وخطبهم ورسائلهم،و:"الإقرار سيد الأدلة".
ذلك الحراك العلمي الذي أثارته جريدة:"الشروق"، نفض الغبار عن إرث علمي وافر من تراث الجمعية: لا يعرفه كثير من طلبة
العلم فضلا عن العوام، والسبب في ذلك هو:"التغييب المقصود لمنهج الجمعية، لتحل محله:" أقانيم سدنة ديوان الصالحين!!؟" من مرتزقة القبورية المنتفعين من:"عائدات الزردات والوعدات المقامة على الأضرحة والمقامات!!؟".
ولما أحس سدنة المعبد القبوري بأن أرزاقهم مهددة من قبل الموحدين،خرجوا من دهاليزهم المظلمة،ليطفئوا نور التوحيد الذي أقض مضجعهم،وأحيا مواجعهم التي وجدها أسلافهم من دعوة جمعية العلماء المسلمين،ومن هؤلاء الذين غاضهم إحياء السلفيين لمنهج جمعية العلماء المسلمين:"أحد مقدمي الفرقة التيجانية":الذي تعرض بالسوء للجمعية وعلمائها،وذلك اقتداء بأسلافه كما سيتضح بيانه.
لقد كان في سكوت هذا المدعي:ستر لجهله وغيه،وغطاء لضلاله وباطله،لكنه أبى ذلك،فأشبه بذلك:"عنزة السوء التي بحثت عن حتفها بظلفها!!!؟؟؟؟"، وشبه الشاعر - من نحا نحوها - قائلا:
فكان كعنز السوء قامت بظلفها # إلى مدية تحت التراب تثيرها
ولأن من حق جمعية العلماء علينا:نشر دعوتها والدفاع عنها وعن مشايخها:كان هذا المقال أداء لبعض ما يجب علينا نحوها نصرة لدعوة السنة والتوحيد، فنقول وبالله التوفيق:
إن الذي دعا الفرقة:"التيجانية" لمعاداة دعوة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هو:"كشفها لضلال هذه الفرقة،ومخالفتها لعقيدة المسلمين الفطرية:عقيدة التوحيد"،أضف إلى ذلك التاريخ الأسود المظلم لهذه الطائفة التي تحالفت مع الاستدمار الفرنسي الكافر ضد الشعب الجزائري المسلم،ولعلنا نذكر طرفا من هذه الحقيقة قبل الحديث عن بعض ضلالات التيجانية العقدية،فنقول:
لقد تعاون التيجانيون مع المستدمر الفرنسي إبان احتلاله للجزائر وخير دليل على ذلك الخطبة التي ألقاها الشيخ"سيد محمد الكبير" خليفة الشيخ التيجاني آنذاك بين يدي الكولونل "سكوني"الفرنسي الذي ترأس بعثة من الضباط قامت بنزهة استطلاعية في الجنوب الجزائري، فأقام لهم الخليفة التجاني مأدبة فاخرة قرئت فيها بالنيابة عنه خطبة طويلة يقول فيها:
" في سنة 1838 كان جدي سيد محمد الصغير قد أظهر شجاعة نادرة في مقاومة أكبر عدو لفرنسا الأمير عبد القادر الجزائري.."
ومما قاله:" وفي سنة 1864 م كان عمي سيدي أحمد مهد السبيل لجنود "الدوك دومال" ،وسهل عليهم السير إلى مدينة بسكرة وعاونهم على احتلالها ".
وقال:" وفي سنة 1881م كان المقدم سي عبد القادر بن أحميدة مات شهيدا مع الكونونل "أفلاتين"، حيث كان يعاونه على احتلال بعض النواحي الصحراوية".
وقال:" وفي سنة 1894م طلب منا موسيو "جول كوميون" والي الجزائر العام يومئذ أن نكتب رسائل توصية فكتبنا عدة رسائل وأصدرنا عدة أوامر إلى أحباب طريقتنا في بلاد الهكار "الطوارق" و"السودان":يقصد:(مالي والسنغال)، نخبرهم بأن حملة "فود ولامي "الفرنسية هاجمة على بلادهم ونأمرهم أن لا يقابلوها إلا بالسمع والطاعة وأن يعاونوها على احتلال تلك البلاد وعلى نشر العافية فيها".
ويقول:" وفي سنة( 1906-1907م) أرسل موسيو"جونار" والي الجزائر العام يومئذ ضابطه المترجم مدير الأمور الأهلية بالولاية العامة سيدي "مورانت" برسالة إلى أبي المأسوف عليه سيدي البشير، فأقام عنده في زاوية كوردان شهرا كاملا لأداء مهمة سياسية، ولتحرير رسائل وأوامر أمضاها سيدي البشير والدي رئيس التجانية يومئذ، ثم وجهت إلى كبراء مراكش وأعيانها وزعماء تلك البلاد وجلهم - أو قال أكثرهم - تجانيون من أحباب طريقتنا، نبشرهم بالاستعمار الفرنسي، ونأمرهم بأن يتقبلوه بالسمع والطاعة، والاستسلام والخضوع التام، وأن يحملوا الأمة على ذلك وأن يسهلوا على جيوش فرنسا تلك البلاد.
وفي الحرب العالمية الكبرى أرسلنا ووزعنا في سائر أقطار شمال إفريقية منشورات تلغرافية وبريدية استنكارا لتدخل الأتراك في الحرب ضد فرنسا الكريمة وضد حلفائها الكرام، وأمرنا أحباء طريقتنا بأن يبقوا على عهد فرنسا وعلى ذمتها ومودتها.
وفي سنة 1913م إجابة لطلب الوالي العام للجزائر،أرسلنا بريدا إلى المقدم الكبير للطريقة التيجانية في السنغال "سيد الحاج مالك عثمان سي"، نأمره بأن يستعمل نفوذنا الديني الأكبر هنالك في السودان لتسهيل مأمورية "كلوزيل" الوالي العام للجزء الشمالي من افريقية الغربية، أي لكي يسهل عليه احتلال واحة شنقيط: وهي:(موريتانيا حاليا)،وفي سنة 1916م إجابة لطلب المارشال "ليوتي"عميد فرنسا في مراكش كان سيدي علي - صاحب السجادة الرئيس الذي كان قبلي - كتب مائة وثلاث عشرة رسالة توصية، وأرسلها إلى الزعماء الكبار وأعيان المغاربة يأمرهم بإعانة فرنسا في تحصيل مرغوبها وتوسيع نفوذها... - إلى أن قال:" وبالجملة فإن فرنسا ما طلبت من الطائفة التيجانية نفوذها الديني إلا وأسرعنا بكل فرح ونشاط بتلبية طلبها وتحقيق رغائبها وذلك كله لأجل عظمة ورفاهية وفخر حبيبتنا فرنسا النبيلة، والله المسؤول أن يخلد وجودها بيننا لنتمتع برضاها الخالد".انتهى .
ولم يقاوم المستدمر الفرنسي من التيجانيين إلا"عمر الفوتي" وقد تبرؤوا منه وخذلوه، وقالوا بأنه غير مأذون بذلك.
انظر لما سبق نقله:"مجلة الأزهر":(سنة 29 1/8-10)، ومجلة "الفتح":(العدد 257 بتاريخ 16 صفر 1350 هـ. )،وانظر أيضا
"كشف الحجاب":(ص 336).
ويؤكد حقيقة تعاون"التيجانية" مع الفرنسيين الشيخ طنطاوي جوهري في كتابهِ " الجواهر في تفسيرِ القرآنِ ":(9/137-138) حيث قال:" إن كثيراً من الصوفيةِ قد تنعموا وعاشوا في رغدٍ من العيشِ ، وأغدق الناسُ عليهم المالَ من كلٍ جانبٍ ، وحُببت إليهم الثمراتُ، وهوت إليهم القلوبُ لما ركز في النفوسِ من قربهم إلى اللهِ، فلما رأو الفرنجةَ أحاطوا بالمسلمين لم يسعهم إلا أن يسلموا لهم القيادةَ ليعيشوا في أمنٍ وسلامٍ ، وهذا هو الذي حصل في أيامنا ، وذكرهُ الفرنسيون في جرائدهم قبل الهجومِ على مراكش وقرأنا نحن فيها ؛ إذ صرحوا بأن المسلمين خاضعون لمشائخِ الطرقِ ، وأن الشرفاءَ القائمين في تلك البلادِ ورجالَ الصوفيةِ هم الذين يسلموننا البضاعةَ فعلى رجالِ السياسيةِ أن يغدقوا النعمَ على مشائخِ الطرقِ ، وعلى الشريفِ الذي يملكُ السلطةَ في تلك البلادِ " .
وبلغ التيجانيون مبلغا عظيما من موالاة الفرنسيين والتقرب منهم لما تزوج شيخهم وسيدهم من العميلة الفرنسية:" أوريلي بيكار "
قَالَ عَلِيُّ بنُ بَخَيْتٍ الزَّهْرَانِيُّ فِي كِتَابِ " الانْحِرَافَاتُ العَقَدِيةُ وَالعِلْمِيَّةُ فِي القَرْنين الثَّالِث عَشَر وَالرَّابِع عَشَر " (1/541) : " وكان شيوخُ الطرقِ الخائنون يقومون بكتابةِ عرائض بتوقيعاتهم وتوقيعاتِ أتباعهم يملؤونها بالثناءِ والشكرِ لفرنسا التي كانت تعتبرهم ممثلين للشعبِ ...
وفي عامِ:( 1870 م) حمل سيدي أحمد تشكرات الجزائريين ، وبرهن على ارتباطه بفرنسا ، فتزوج " أوريلي بيكار " وبفضلها تحولت منطقةُ " كودران " من أرضٍ صحراويةٍ إلى قصرٍ منيفٍ رائعٍ ، وهو أولُ مسلمٍ تزوج بأجنبيةٍ ...
وقد كافأتها السلطاتُ الفرنسيةُ لقاء ما قدمتهُ من خدماتٍ بوسامِ جوقة الشرف ، وقالت عنها في براءةِ التوجيه : " إن هذه السيدةَ قد أدارت الزاويةَ التيجانية إدارةً حسنةً كما تحبُ فرنسا وترضى ، وساقت إلينا جنوداً مجندةً من أحبابِ هذه الطريقة ومريديها ، يجاهدون في سبيل فرنسا كأنهم بنيانٌ مرصوصٌ " .ا.هـ.
وقالَ الرئيسُ فيليب فواندس المستعمرُ الفرنسي في "الاستعمار الفرنسي في أفريقيا السوداء " ( ص 52 ) : " لقد اضطر حكامنا الإداريون وجنودنا في أفريقيا إلى تنشيطِ دعوةِ الطرقِ الدينيةِ الإسلاميةِ لأنها أطوعُ للسلطةِ الفرنسيةِ وأكثرُ تفهماً وانتظاماً من الطرقِ الوثنيةِ " .
وقال مؤلفوا كتاب ِ " تاريخِ العربِ الحديثِ والمعاصرِ " ( ص 373 ) تحت عنوانِ : " المتعاونون مع فرنسا في الجزائرِ " : " وتتألفُ هذهِ الفئةُ من بعضِ الشبابِ الذين تثقفوا في المدارسِ الفرنسيةِ ، وقضى الاستعمارُ على كلِ صلةٍ لهم بالعروبةِ، يضافُ إليهم بعضُ أصحابِ الطرقِ الصوفيةِ الذين أشاعوا الخرافاتِ والبدعَ، وبثوا روحَ الانهزاميةِ والسلبيةِ في النضالِ، فاستعملهم الاستعمارُ كجواسيس، ثم فئةٌ من الموظفين والنوابِ والعسكريين الذين شاركوا الإدارةَ الفرنسيةَ في أعمالها " .
قال الدكتور عمر فروخ: يقول الصوفية:"إذا سلط الله على قوم ظالماً، فليس لأحد أن يقاوم إرادة الله أو أن يتأفف منها."!!؟،
لا ريب أن الأوروبيين قد عرفوا في الصوفية هذا المعتقد، فاستغلوه في أعمالهم، فقد ذكر الزعيم الوطني مصطفى كامل المصري في كتابه "المسألة الشرقية" قصة غريبة عن سقوط "القيروان" قال:" ومن الأمور المشهورة عن الاحتلال الفرنسي للقيروان في تونس أن رجلاً فرنسياً دخل الإسلام وسمى نفسه "سيد أحمد الهادي"، واجتهد في تحصيل الشريعة حتى وصل إلى درجة عالية، وعين إماماً لمسجد كبير بالقيروان.. فلما اقترب الجنود الفرنسيون من المدينة استعد أهلها للدفاع عنها.. وجاءوا يسألونه أن يستشير الضريح الذي في المسجد، ودخل "سيدي أحمد الهادي" الضريح.. ثم خرج يقول: إن الشيخ ينصحكم بالتسليم لأن وقوع البلاد صار محتماً.. فاتبع القوم كلمته، ودخل الفرنسيون آمنين في( 26 أكتوبر سنة 1881) .
ثم يعقب الدكتور "عمر فروخ" بقوله:" من أجل ذلك يجب ألا نستغرب إذا رأينا المستعمرين لا يبخلون بالمال أو التأييد بالجاه للطرق الصوفية.. وكل مندوب سامي أو نائب الملك.. لابد أنه يقدم شيخ الطرق الصوفية في كل مكان، وقد يشترك المستعمر إمعاناً في المداهنة في حلقات الذكر.
والطريقة التيجانية التي كانت تسيطر على الجزائر أيام الاستعمار معروف أنها كانت تستمد وجودها من فرنسا، وأن إحدى الفرنسيات من عميلات المخابرات تزوجت شيخاً فلما مات تزوجت بشقيقه، وكان الأتباع يطلقون عليها "زوجة السيدين" ويحملون التراب الذي تمشي عليه لكي يتيمموا به، وهي كاثوليكية مازالت على شركها.. وقد أنعمت عليها فرنسا بوسام الشرف، وجاء في أسباب منحها الوسام.. أنها كانت تعمل على تجنيد مريدين يحاربون في سبيل فرنسا كأنهم بنيان مرصوص.
ومن كتاب "في التصوف" لمحمد فهر شقفة السوري:(ص217) يقول: "نرى من واجبنا خدمة الحقيقة والتاريخ أن نذكر - أن الحكومة الفرنسية في زمن الانتداب على سوريا حاولت نشر هذه الطريقة، واستأجرت بعض الشيوخ لهذه المهمة.. فقدمت لهم المال والمكان لتنشئة جيل يميل إلى فرنسا.. لكن مجاهدي المغرب لفتوا انتباه المخلصين من أهل البلاد إلى خطر الطريقة التيجانية، وأنها فرنسية استعمارية تتستر بالدين.. فهبت "دمشق" عن بكرة أبيها في مظاهرات صاخبة".انتهى كلامه.
وعمالة بعض الطرقيين للمستدمر الفرنسي:أمر لا ريب فيه،فقد ثبث بشهادة شرفاء الجزائريين،بل وبشهادة هؤلاء الطرقيين وأولياء نعمتهم الفرنسيين،ومن باب:[ ولكن ليطمئن قلبي] نورد
البيان الذي أصدره الكاتب العام للشؤون الأهلية والشرطة العامة " ميشال " بتاريخ ( 16 فبراير 1933 م )،وهو مشهور مطبوع
وقد أصدره بتحريض من شيوخ السوء الطرقيين لإدارة الاحتلال الفرنسي على علماء دعوة التوحيد السلفية:"علماء الجمعية".
ونص البيان هو:
" أُنهي إليَّ من مصادر متعددة أن الأهالي دخلت عليهم الحيرة والتشويش بسبب دعاية تنشر في أوساطهم، يقوم بها إما دعاة استمدوا فكرتهم من الحركة الوهابية السائدة بمكة، وإما حجاج جزائريون تمكنت فيهم عاطفة التعصب الإسلامي... وإما جمعيات كجمعية العلماء المؤسسة بالجزائر بقصد افتتاح مدارس عربية حرة لتعليم القرآن والعربية...
إن المقصد العام من هذه الدعاية هو نشر التعاليم والأصول الوهابية بين الأوساط الجزائرية، بدعوى الرجوع بهم إلى أصول الدين الصحيح وتطهير الإسلام من الخرافات القديمة التي يستغلها أصحاب الطرق وأتباعهم ، ولكن لا يبعد أن يكون في نفس الأمر وراء هذه الدعاية مقصد سياسي يرمي إلى المس بالنفوذ الفرنسوي .
لا يخفى أن أكثر رؤساء الزوايا وكثيرا من المرابطين المعظَّمين في نفوس الأهالي اطمأنت قلوبهم للسيادة الفرنسوية ، وبمقتضاه صاروا يطلبون الاعتماد على حكومتنا لمقاومة الأخطار التي أمست تهددهم من جراء تلك الجمعية التي لا يزال أنصارها يتكاثرون يوما فيوما بفضل دعاية متواصلة الجهود ماهرة الأساليب ، وعلى الأخص فيما بين الناشئة المتعلمة بالمدارس القرآنية."
إلى أن قال :"وعليه فإني أعهد إليكم أن تراقبوا بكامل الاهتمام ما يروج في الاجتماعات والمسامرات الواقعة باسم الجمعية التي يترأسها السيد ابن باديس ، ولسانها الرسمي في الجزائر [ العاصمة ] الشيخ الطيب العقبي ، كما يجب أن تشمل مراقبتكم المكاتب القرآنية المقصود استبدال الطلبة القائمين بها بطلبة اعتنقوا الفكرة الوهابية".
ولا نستغرب هذا التقارب:"التيجاني - الفرنسي!!؟"،لأن من عقائدهم ما قاله صاحب كتاب:"جواهر المعاني": (1/136):" المحبة الرابعة العامة: وهي للكفار خاصة، فإنهم يحبون الله محبة الألوهية لما هو عليه من كمال الألوهية وعمومها، إلا أنهم مختلفون في هذه المرتبة، منهم من أحب الله تعالى مع معرفتهم بألوهيته كاليهود مثلا ،ومنهم من أحب الله تعالى غلطا منه بنسبة الألوهية لغيره، إلا أن الحق سبحانه وتعالى تجلى لهم في تلك الألباس لكمال ألوهيته، فأحبوه وعبدوه من حيث لا يشعرون، فلولا أنهم تجلى لهم في تلك الألباس وجذبهم بذلك التجلي إلى محبة ألوهيته، ما كانوا يلتفتون إلى تلك الأوثان، ولا أن يلموا بها فضلا عن أن يعبدوها، وهم محبون لله عابدون له من حيث لا يشعرون " اهـ
ولينظر القارئ إلى هذا الدفاع المستميت عن عبدة الأوثان واليهود المغضوب عليهم،وليقارنه بتهجم التيجانية على علماء التوحيد وتضليلهم إياهم، ليعلم ضلالهم وبعدهم عن الحق.
قال الشيخ:"الإبراهيمي" رحمه الله في هذه المسألة:"...ومع أنَّنا نعلم أنَّ الطرق منتشرةٌ في العالَم الإسلاميِّ وأنَّ آثارها فيه متشابهةٌ، وأنها هي السبب الأقوى في كثيرٍ ممَّا حلَّ به من الأرزاء والنكبات، وكثيرًا ما كانت مفتاحًا لاستعمارِ ممتلكاته"،
ثم بين رحمه الله بعض حقائق قلعة الطرقية،فقال:".. فأصبحت قلعةً محصَّنة تُؤوي كلَّ فاسقٍ، وكلَّ زنديقٍ، وكلَّ ممخرقٍ، وكلَّ داعرٍ، وكلَّ ساحرٍ، وكلَّ لصٍّ، وكلَّ أفَّاكٍ أثيمٍ. وانظر «طبقات الشعراني الكبرى» وما طُبع على غرارها من الكتب تجدْ أصناف المحتمين بهذه القلعة -وهم ببركة حمايتها- طلقاءُ من قيود الشريعة، وإنَّ هذه القلعة لَهِيَ المعقل الأسمى والملاذ الأحمى لأصحابنا اليوم، فكلُّ راقصٍ صوفيٌّ، وكلُّ ضاربٍ بالطبلِ صوفيٌّ، وكلُّ عابثٍ بأحكام الله صوفيٌّ، وكلُّ ماجنٍ خليعٍ صوفيٌّ، وكلُّ مسلوب العقل صوفيُّ، وكلُّ آكلٍ للدنيا بالدين صوفيٌّ، وكلُّ مُلحدٍ في آيات الله صوفيٌّ، وهلمَّ سحبًا، أَفيَجْمُلُ بجنودِ الإصلاح أن يَدَعُوا هذه القلعة تحمي الضَّلال وتُؤْويه، أم يجب عليهم أن يحملوا عليها حملةً صادقةً شعارُهم: «لا صوفيَّةَ في الإسلام» حتَّى يدكُّوها دكًّا، وينسفوها نسفًا، ويَذَرُوها خاويةً على عروشها؟... والحقيقة أنَّ الطرقيِّين أرادوا أن يصبغوا طرقهم بالقدسيَّة الدينيَّة، فانتحلوا لها هذه الأباطيل، وأعطَوْها خصائص الدين كلَّها".[الآثار:(1/175)].
وللإنصاف:لم تكن كل الطرق الصوفية عميلة للاستدمار،بل إن منها من أبلى بلاء حسنا في جهاده المستدمر الفرنسي،ونذكر على سبيل المثال لا الحصر:" ثورة الأمير عبد القادر" رحمه الله
التي لم تنج من مكائد ودسائس عملاء التيجانية بشهادتهم كما سبق،ولا يتعب التيجانيون أنفسهم – ذرا للرماد في أعين الناس-
فيذكروا – زعما - صور مقاومتهم للفرنسيين، فإن كان قد حصل شيء من ذلك حقيقة على أرض الواقع،فإنما هو شذوذ واستثناء
من قاعدة عمالتهم للفرنسيين، و:"الشاذ يحفظ ولا يقاس عليه!"
والدليل على ذلك:"تبرؤهم من:"عمر الفوتي"، الذي قاوم المستدمر الفرنسي لوحده،فقد تبرؤوا منه وخذلوه، وقالوا بأنه غير مأذون بذلك.
أما فيما يخص ضلالات التيجانية العقدية،فبحر من الظلمات بعضها فوق بعض،وهي للتذكير مدونة في كتبهم المعتمدة،ومن يطلع عليها لأول مرة،سيخرج بأحد احتمالين:" لا ثالث لهما إلا بالفرى والمين!!؟":إما أن يكون قائلها قد خلع ربقة الإسلام من عنقه،وإما أن يكون مجنونا قد رفع عنه القلم!!!؟؟؟،ولن نذكر كل ضلالات التيجانية،بل سنذكر منها ما يغني عن غيرها،إذ أن:
"البعرة تدل على البعير!!؟"، ولتكن:"صلاة الفاتح" مثالا:
قال أحمد التجاني: " ثم أمرني بالرجوع - - صلى الله عليه وسلم - إلى صلاة الفاتح لما أغلق، فلما أمرني بالرجوع إليها سألته - - صلى الله عليه وسلم - عن فضلها، فأخبرني أولا بأن المرة الواحدة منها تعدل من القرآن ست مرات، ثم أخبرني ثانيا أن المرة الواحدة منها تعدل من كل تسبيح وقع في الكون، ومن كل ذكر ومن كل دعاء كبيرا أو صغيرا، ومن القرآن ستة آلاف مرة لأنه من الأذكار ".انظر:"جواهر المعاني":( 1/100)، و"الدرة الخريدة":( 4/218) اهـ.
قال صاحب الرماح: " أما المرتبة الظاهرة في الفاتح لما أغلق مهما قرأها أحد بشرطها، كتب الله له فيها أن يأخذ جميع تلك الأذكار من تسبيح وتهليل وتكبير وتحميد واستغفار وصلاة عليه - - صلى الله عليه وسلم - وقراءة القرآن وغيره من الكتب الإلهية كلها: مثل التوراة والإنجيل، مثلا من أول منشأ العالم إلى بروز تلك الصلاة من الذاكر، وتجمع تلك الجمعية المذكورة وتتضاعف ستة آلاف مرة، ثم تحسب ألسنة جميع المخلوقات من كل ما سوى الله تعالى، وتتضاعف فيها تلك الجمعية بعد مضاعفتها ستة آلاف مرة ".:"رماح حزب الرحيم"( 2/441).
ولنا أن نسأل كل عاقل:"أي حظ في الإسلام يبقى لمن قال هذا القول واعتقده!!؟"،وبالمناسبة:نلتمس من الدكتور:"بن بريكة" أن يبدي رأيه جهارا في عقائد"التيجانية" كما يجاهر بعداوته للموحدين،لكن بشرط أن لا يستخدم الهرطقة الفلسفية والرمزية،
ليستغفل بذلك مريديه مدعيا:"أن أقوال التيجانية ومن شاكلهم من العلم الباطن،وهو لخاصة الخاصة،ويسمونه أيضا:"علم الحقيقة"
وهذا لا نفهمه نحن – كما يدعون!!؟ -، لأن العامة لهم العلم الظاهر، أو ما يصطلح عليه ب:"علم الشريعة"،ننتظر جوابه!؟.
ولأننا بصدد الكلام عن سبب عداوة"التيجانيين" لجمعية العلماء،
وقد علم بعضه المتمثل في كشف علماء الجمعية لضلالات التيجانية،نذكر بخصوص:"صلاة الفاتح"،ما قاله رئيس جمعية العلماء المسلمين الشيخ العلامة:"ابن باديس" رحمه الله في فتوى له جوابا عن سؤال متعلق بصلاة الفاتح.
نص الفتوى
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله وسلم
جواب صريح
تمهيد :
ورد سؤال على الأستاذ الجليل محمد بن الحسن الحجوري وزير معارف الحكومة المغربية من الشيخ حافظ إبراهيم ربيشطي من أهل العلم ببلدة شقودرة بمملكة ألبانيا، عن أشياء منها ما يتعلق بالطريقة التيجانية، فأجاب الأستاذ عن تلك المسائل كلها ونشر جوابه في مجلة (الرسالة) حيث نشر السؤال، ولقد أجاد الأستاذ في جوابه غير أنه أحاط كلامه في شأن الطريقة التيجانية بشيء من الغموض، حمله عليه فيما أظن مركزه ومحيطه، وليس له في هذا عذر عند الله، فإن السؤال كان واضحا، والموضوع عظيماً هاما، والموقف محتاجا إلى صراحة لا يخاف فيها إلا الله، فرأيت من واجبي الديني أن أجيب بصراحة، وأن آتي من كلام الأستاذ بما هو مؤيد لجوابي مع التعليق عليه، لا أقصد من ذلك - علم الله – إلا النصح لإخواني الذين ضلوا بهذه الطريقة عن الصراط المستقيم، هدانا الله كلنا إليه.
تلخيص السؤال:
يدعي المنتسبون للطريقة التيجانية :
1- أن قراءة (صلاة الفاتح):أفضل من تلاوة القرآن ستة آلاف مرة، متأولين بأن ذلك بالنسبة لمن لم يتأدب بآداب القرآن.[راجع ج2، م 5 من الشهاب].
2- أن (صلاة الفاتح):من كلام الله القديم، ولا يترتب عليها ثوابها إلا لمن اعتقد ذلك.[راجع ج4، م 5 من الشهاب].
3- وأن (صلاة الفاتح):علمها النبي – صلى الله عليه وآله وسلم - لصاحب الطريقة ولم يعلمها لغيره.
4- وأن مؤسس الطريقة التجانية أفضل الأولياء.
5- وأن من انتسب إلى تلك الطريقة يدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب، وتغفر ذنوبه الصغار والكبار حتى التبعات.
فهل الاندماج فيها غير مناف للشريعة الغراء؟
الجواب :
1- القرآن كلام الله و(صلاة الفاتح) من كلام المخلوق، ومن اعتقد أن كلام المخلوق أفضل من كلام الخالق فقد كفر، ومن جعل ما للمخلوق مثل ما لله، فقد كفر بجعله لله نداً، فكيف بمن جعل ما للمخلوق أفضل مما للخالق!!؟.
هذا إذا كانت الأفضلية في الذات، فأما إذا كانت الأفضلية في النفع فإن الأدلة النظرية والأثرية قاضية بأفضلية القرآن على جميع الأذكار، وهو مذهب الأئمة من السلف والخلف، قال سفيان الثوري - رحمه الله-:"سمعنا أن قراءة القرآن أفضل من الذكر"، نقله القرطبي في الباب السابع من كتاب (التذكار)، وقال النووي - رحمه الله –:"وأعلم أن المذهب الصحيح المختار الذي عليه من يعتمد من العلماء: أن قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل وغيرهما من الأذكار، وقد تظاهرت الأدلة على ذلك"، قاله في الباب الثاني من كتاب "التبيان"، ومخالفة مثل هذا موجب للتبديع والتضليل.
2- وأما زعم من زعم - متأولا لتلك الأفضلية الباطلة – بأن "صلاة الفاتح":خير لعامة الناس من تلاوة القرآن، لأن ثوابها محقق، ولا يلحق فاعلها إثم، والقرآن إذا تلاه العاصي كانت تلاوته عليه إثماً لمخالفته لما يتلوه، واستدلوا على هذا بقول أنس - رضي الله عنه – الذي تحسبه العامة حديثاً:"رب تال للقرآن والقرآن يلعنه"، فهو زعم باطل لأنه مخالف لما قاله أئمة السلف والخلف من أن القرآن أفضل الأذكار، ولم يفرقوا في ذلك بين عامة وخاصة، ولا بين مطيع وعاص، ومخالف لمقاصد الشرع من تلاوة القرآن، وذلك من وجوه:
الأول : أن المذنبين مرضى القلوب، فإن القلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، فكل معصية يأتي بها الإنسان هي من فساد في القلب ومرض به، والله تعالى قد جعل دواء أمراض القلب تلاوة القرآن: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ".[يونس:57] ،"وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا".[الإسراء:82]، فمقصود الشرع من المسلمين أن يتلوه ويتدبروه، ويستشفوا بألفاظه ومعانيه من أمراضهم ومن عيوبهم وذنوبهم، وذلك الزعم الباطل يصرف المذنبين - وأيُّنا غير مذنب؟ - عن تلاوته.
الثاني:أن القلوب تعتريها الغفلة والقسوة،والشكوك والأوهام والجهالات، وقد تتراكم عليها هذا الأدران كما تتراكم الأوساخ على المرآة، فتطمسها وتبطل منفعتها، وقد يصيبها القليل منها أو من بعضها، فلا تسلم القلوب على كل حال من إصابتها، فهي محتاجة دائماً وأبداً إلى صقل وتنظيف بتلاوة القرآن، وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى هذا فيما رواه البيهقي في " الشعب " والقرطبي في "التذكار" : "إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، قالوا: يا رسول اله فما جلاؤها، قال: تلاوة القرآن" فمقصود الشرع من المذنبين، أن يتلوا القرآن لجلاء قلوبهم، وذلك الزعم الباطل يصرفهم عنه.
الثالث:أن الوعيد والترهيب قد ثبتا في نسيان القرآن بعد تعلمه، وذهابه من الصدور بعد حفظه فيها، فروى أبو داوود عن سعد -مرفوعاً- :"ما من امرئ يقرأ القرآن، ثم ينساه إلا لقي الله أجذم"، وروى الشيخان عن عبد الله - مرفوعاً - :"وأستذكروا القرآن فأنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم"، فمقصود الشرع دوام التلاوة لدوام الحفظ ودفع النسيان، وذلك الزعم الباطل يؤدي إلى تقليلها أو تركها.
ومثل هذا الزعم في البطلان والضلال:" زعم أن تالي القرآن يأثم بقراءته مع مخالفته"، فإن المذنب يكتب عليه ذنبه مره واحدة، ولا يكتب عليه مرة ثانية إذا ارتكب ذنباً آخر، وإنما يكتب عليه ذلك الذنب الآخر، فيكف يكتب عليه ذنب إذا باشر عبادة التلاوة؟ والأصل القطعي - كتاباً وسنة - أن ما جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها، وهو يبطل أن تجدد له سيئاته إذا جاء بتلاوة القرآن.
وأما قول أنس - رضي الله عنه – "رب تال للقرآن والقرآن يلعنه"، فليس معناه أن القرآن يلعنه لأجل تلاوته، كيف وتلاوته عبادة ؟، وإنما معناه أنه ربما تكون له مخالفه لبعض أوامر القرآن أو نواهيه من: كذب أو ظلم مثلاً، فيكون داخلاً في عموم لعنه للظالمين والكاذبين،وهذا الكلام خرج مخرج التقبيح للإصرار على مخالفة القرآن مع تلاوته بعثاً للتالي على سرعة الاتعاظ بآيات القرآن وتعجيل المتاب ، ولم يخرج مخرج الأمر التلاوة والانصراف عنها، هذا هو الذي يتعين حمل كلام هذا الصحابي الجليل بحكم الأدلة المتقدمة، ونظيره ما ثبت في الصحيح: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، قال الشراح - واللفظ للقسطلاني -: "وليس المراد الأمر بترك صيامه إذا لم يترك الزور، إنما معناه التحذير من الزور،فهو كقوله عليه الصلاة والسلام: "من باع الخمر فليشقص الخنازير"أي: يذبحها، ولم يأمره بشقصها، ولكنه التحذير والتعظيم لإثم شار بالخمر، وكذلك حذر الصائم من قول الزور والعمل به، ليتم له أجره"، هذا فيمن يرتكب الزور وهو صائم فيكون متلبساً بالعبادة والمخالفة في وقت واحد، فكيف بمن كان ذنبه في غير وقت عبادة التلاوة؟، فالمقصود من كلام أنس تحذيره من الإصرار على المخالفة، وترغيبه في المبادرة بالتوبة ليكمل له أجر تلاوته بكمال حالته.
3- وليس عندنا من كلام الله إلا القرآن العظيم، هذا إجماع المسلمين حتى أن ما يلقيه جبريل - عليه السلام - في روع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- سماه الأئمة بالحديث القدسي ، وفرقوا بينه وبين القرآن العظيم، ولم يقولوا فيه كلام الله، ومن الضروري عند المسلمين أن كلام الله هو القرآن وآيات القرآن، فمن اعتقد أن"صلاة الفاتح":من كلام الله فقد خالف الإجماع في أمر ضروري من الدين، وذلك موجب للتفكير.
4- قد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - معلما كما صح عند[كذلك في الأصل والكلام ناقص وربما يكون أصله أو عنه]، وعاش معلما آخر لحظة من حياته، فتوفاه الله تعالى نبينا ورسولاً ونقله للرفيق الأعلى، وقد أدى الرسالة وبلغ الأمانة، وانقطع الوحي وانتهى التبليغ والتعليم، وترك فينا ما إن تمسكنا به لن نضل أبدا، وهو" كتاب الله وسنته" كما صح عنه، هذا كله مجمع عند المسلمين وقطعي في الدين، فمن زعم أن محمداً مات وقد بقي شيء لم يعلمه للناس في حياته، فقد أعظم على الله الفرية وقدح في تبليغ الرسالة، وذلك كفر، فمن اعتقد أن "صلاة الفاتح" علمها النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لصاحب الطريقة التجانية دون غيره، كان مقتضى اعتقاده هذا: أنه مات ولم يبلغ وذلك كفر، فإن زعم أنه علمه إياها في المنام، فالإجماع على أنه لا يؤخذ شيء من الدين في المنام، مع ما فيه من الكتم وعدم التبليغ المتقدم.
هذا وقد ثبت في الصحيح أن الصحابة - رضي الله عنهم - سألوا النبي - صلى الله عليه وآله وسلم _ كيف يصلون عليه، فانتظر الوحي وعلمهم الصلاة الإبراهيمية، وقد تواترت في الأمة تواتراً معنوياً، ونقلها الخلف عن السلف طبقة عن طبقة، وأجمع الناس على مشروعيتها في التشهد، ومن مقتضى الاعتقاد الباطل المتقدم أنه - صلى الله عليه وآله وسلم - كتم عن أفضل أمته ما هو الأفضل، وحرم منه قرونا من أمته، وهو الأمين على الوحي وتبليغه، الحريص على هداية الخلق وتمكينهم من كل كمال وخير، فمن قال عليه ما يقتضي خلاف هذا، فقد كذب عليه وكذب ما جاء به، ومن رجح صلاته على ما علمه هو - صلى الله عليه وآله وسلم - لأصحابه - رضي الله عنهم - بوحي من الله واختيار منه تعالى فقد دخل في وعيد: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا".[الأحزاب:36].
5- لا تثبت الأفضلية الشرعية إلا بدليل شرعي، ومن أدعاها لشيء بدون دليل، فقد تجرأ على الله، وقفا ما ليس به علم، وقد أجمعت الأمة على تفضيل القرون المشهود لها بالخيرية من الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام، فاعتقاد أفضلية صاحب الطريقة التجانية: تزكية على الله بغير علم وخرق للإجماع، موجب للتبديع والتضليل.
6- عقيدة الحساب والجزاء على الأعمال قطعية الثبوت، ضرورية العلم، فمن اعتقد أنه يدخل الجنة بغير حساب فقد كفر.
فالمندمج في الطريقة التيجانية على هذه العقائد:"ضال كافر"، والمندمج فيها دون هذا العقائد:"عليه إثم من كثر سواد البدعة والضلال".
ثم هاكم من جواب الأستاذ عن فصول السؤال، مما يؤيد جوابنا مع تعليقنا عليه:
"ومن المكر الخفي والكيد للإسلام المنطوي تحت هذه المقالة: تزهيد الناس في القرآن العظيم وفي تلاوته، ثم الإعراض عنه إلى ما هو أخف عملا، وفي الميزان أثقل في زعمهم الباطل، وإني لأعجب لمسلم استنار بنور القرآن، يقبل هذه المقالة في الإسلام، فلا حول ولا قوه إلا بالله".
لهذه وغيره نقول:" إن "الطريقة التجانية" ليست كسائر الطرق في بدعها، والمشاهد اليوم من أضرارها، ودعنا من حديث ماضيها بما فيه، بل هي طريقة موضوعة لهدم الإسلام تحت اسم الإسلام، فان كتبها وأقوال أصحاب صاحبها مطبقة على هذه الأفكار وأكثر منها، فلا تجد في كتبهم ما هو خالص منها حتى يمكن أن يكون هو الأصل، وأن غيره مدسوس، وإنك لتجد هذه الكتب محل الرضى والقبول والتقديس عند جميع أتباع الطريقة عالمهم وجاهلهم، ولو كان عالمهم بالكلمة المنسوبة إلى صاحب الطريقة،والله أعلم بصحة نسبتها: "زنوا كلامي بميزان الكتاب والسنة": لأعدموا تلك الكتب، أو حرموا على جماعتهم قراءتها أو حذفوا منها هذه الكفريات والأضاليل، وأعلنوا البراءة منها للناس، لكن شيئا من ذلك لم يقع، وإنما يطنطنون بتلك الكلمة قولياً، ويقرون تلك الكتب وما فيها عمليا، وماذا يفيد القول مع التقرير والعمل، ولهذا رغم من كان في هذه الطريقة من أناس مشهورين بالعلم كالشيخ "الرياحي" فإن الحالة هي الحالة، وتلك الكفريات والأضاليل: فاشية منتشرة في أتباع الطريقة إلى اليوم.
قال الأستاذ الحجوري بعدما نقل أقوالهم في ضمان شيخهم ومضاعفة الأجور لهم، ودخولهم الجنة بغير حساب: "فكأنها "الطريقة التجانية": ورقة حماية من دولة لها سلطة عالية، تعالى من يجير ولا يجار عليه، فكأنهم نسوا القرآن".
فبهذا صارت الطريقة التجانية في نظر أهل العلم بالسنة والكتاب كأنها مسجد الضرار ضد الإسلام، فالله يقول في نبيه خاتم النبيين، وهم يقولون في الشيخ التجاني هو الختم، وهو لبنة التمام للأولياء، فحجروا على الله ملكه، وقطعوا المدد المحمدي وهم لا يبالون أو لا يشعرون، وحتى إن شعروا: فالمقصد يبرر الواسطة، وإذا سمعوا أن النبي أفضل النبيين قالوا إن التيجاني رجله على رقبة كل ولي لله، بهذه العبارة الجافة من كل أدب الجارحة لعواطف كل مسلم، لأن الولي في عرفهم يشمل النبي إذ يقولون: إن ولاية النبي أفضل من نبوته، ولا يبالون أن يكون أصحابهم أفضل من أبي بكر وعمر والعشرة المبشرين بالجنة الذين كانوا يخافون الحساب ولا يأمنون العقاب، ولم يكن عندهم بشارة بالنجاة منهما، إذ لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون".
دعا الإسلام إلى الجد ومحاسبة النفس، والعمل على الخوف والرجاء في جميع نواحي الحياة الدنيا، على أن يكون ذلك على السداد والإخلاص، ليكون ذخراً لسعادة الأخرى، فجاءت عقيدة ضمان الشيخ ودخول الجنة بلا حساب :هادمة لذلك كله، وقد ظهرت آثارها بالفعل كما حكاه الأستاذ الحجوري فيما يلي:
"حكي لي بعض القضاة قال: كان في محكمتي تسعون عدلا في البادية، وقد تقصيت أخبار الصالح والطالح منهم، لأعلم مقدار ثقتي بهم في حقوق المسلمين، فوجدت عشرين منهم متساهلين لا يؤتمنون على الحقوق، وحين دققت النظر في السبب تبين لي أنهم جميعاً تجانيون، فبقيت متحيرا حتى انكشف لي أن السبب هو اتكالهم على أنه لا حساب ولا عقاب يترصدهم، فانتزع الخوف من صدورهم".
هذا في العدول وهم من أهل العلم فكيف بالعامة؟، فهذه الطريقة ما وضعت إلا لهدم الإسلام، ولا اجزم بأن صاحبها هو الذي وضعها هذا الوضع، فقد يكون فيمن اتصل به من كاد هذا الكيد، ودسّ، وليس مثل هذا الكيد جديداً على الإسلام، قال الإمام ابن حزم في كتاب "الأحكام":(ج3 ص21): "فإن هذه الملة الزهراء الحنيفة السمحة كيدت في وجوه جمة، وبغيت لها الغوائل من طرق شتى، ونصبت لها الحبائل من سبل خفية، وسعي عليها بالحيل الغامضة، وأشد هذه الوجوه سعي من تزيا بزيهم، وتسمى باسمهم، ودسّ لهم سم الأساود، في الشهد والماء البارد، فلطف لهم من مخالفة الكتاب والسنة، فبلغ ما أراد ممن شاء الله تعالى خذلانه، وبه تعالى نستعين من البلاء، ونسأله العصمة بمنه،لا إله إلا هو".
"كلمة إلى العلماء".
[ وفي مقدمتهم صديقي العلامة الأستاذ البشير النيفر التونسي].
إنني أدعوا كل عالم تجاني إلى النظر في فصول السؤال والجواب فإن اقروا ما أنكرناه، فليعلنوا إقرارهم له، وإذا أنكروا ما أنكرناه فليعلنوا إنكارهم له، يصرحوا:
1- بأن "صلاة الفاتح": ليست من كلام الله.
2- وأنها ليست مثل الصلاة الإبراهيمية.
3- وأن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم لم يعلمها لصاحب طريقتهم.
4- وأن لا فضل له ولا لأتباعه إلا بتقوى الله.
5- وأن المنتسب إلى طريقتهم لا يمتاز من المسلمين عن غير المنتسب إليها.
ومن لم يصرح بهذا، باء بوزره ووزر الهالكين من الجاهلين وكان عليه إثم الكاتمين من العالمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين.
عبد الحميد بن باديس.
انظر: الشهاب : ج 7 ، م 14 ، ص 49 - 57 غرة رجب 1357 هـ - سبتمبر 1938،وانظر أيضا: كتاب ابن باديس حياته وآثاره، جمع ودراسة: د.عمار الطالبي دار الغرب الإسلامي، ط.2 سنة 1403هـ، الجزء الثالث، ص(142-174).
وفي حدود معلوماتي،لم تكن هناك استجابة من التيجانيين لمطالب العلامة:"ابن باديس" رحمه الله،وإلا فليأتنا التيجانيون بخلاف ذلك موثقا توثيقا علميا،ونحن في الانتظار.
وللعلامة "البشير الابراهيمي" كلام ماتع بخصوص صلاة الفاتح
حيث أنه شبهها – فيما أذكر – بترانيم النصارى للإنجيل!!؟، ولعل بعض إخواننا الكرام: يضيفه هنا،فقد نسيته لبعد العهد به، و من باب:"ما لا يدرك كله، لا يترك جله"،نذكر شيئا من كلام الشيخ:"الإبراهيمي" بخصوص الطرقية ومنهم التيجانية،إذ يقول - رحمه الله – كما في:"أثار الإبراهيمي":(1/172): "...وانظر الآن إلى الطُّرق وإلى أهل الطّرق بعد أن باعدوا بين الأمّة الإسلامية وبين قرآنها، وخلا لهم وجهها، وخلت جنبات النّفوس من الحارس اليقظ، ومكّنوا فيها خُلُق الخوف منهم والرجاء فيهم والطّاعة والخضوع لهم ... إنّهم بعد أن أفسدوا فطرتها وأماتوا ما غرسه الإسلام فيها من فضيلة، وفكّكوا كلّ ما أحكم بينها من روابط أخوّة، وراضوها على الذلّ والمهانة والخضوع وسدّوا عليها منافذ النّور فاستقامت لهم على ذلك، فرّقوها فرقا وقسّموها إلى مناطق نفوذ يتزاحمون على استغلالها واستعمارها، وأغروا بينها العداوة والتضريب والبغضاء، وإنّك لتسمعهم يقولون الأخوّة والإخوان، فاعلم أنّهم لا يريدون أخوّة الإسلام العامّة ولا يرعون من حقوقها حقّا، وإنّما يريدون أخوّة الشّيخ وأخوّة الطّريق، وكلّ ما يجب عليك من حقّ فهو لأخيك في الطّريق – أعاذك الله منها -، وأنّ هذه الأخوّة القاطعة تفرض عليهم: أن يبغضوا كلّ مَن لم يتصل معهم بحبل الشّيخ، ويُنابذوه ولا يجتمعوا معه، ولو في العبادات الشّرعيّة كالصّلاة وقراءة القرآن، أو البدعيّة كحِلَقِهم الخصوصيّة، بل يبلغ الغلو ببعضهم "كالتيجانيّة": أن لا يصلّوا خلفه ولا يصاهروه ... لعمرك إنّ الطرقيّة في صميم حقيقتها احتكار لاستغلال المواهب والقوى، واستعمار بمعناه العصري الواسع، واستبداد بأفظع صوره ومظاهره ..." أهـ.
قال الدكتور الفاضل:"مختار حمحامي" حفظه الله في رده العلمي الثاني على الكاتب الجزائري المتشيع:"الصادق سلايمية" ما يأتي
" قال "سلايمية" إنّ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ضمّت بين صفوفها أشخاصا من الطرقية، ومثَّلَ لذلك بالشّيخ محمّد آل خليفة شاعر الجمعية – رحمه الله – وقال: إنّه تيجاني. والسؤال المتبادر - إن صحّ كون محمّد آل خليفة نشأ تيجانيا – هل بقي الشّيخ يمارس أوراد طريقته وطقوسها بعد انخراطه في نشاطات جمعية العلماء المسلمين؟، أم أنّه صار عالما إصلاحيا، يحمل فكر الجمعية ومبادئها؟، ومن المعلوم المشهور أنّ الصّراع كان - ومازال – بين الجمعية وبين الطّرق الصّوفية محتدما، ومنشورات الجمعية مستوعِبةٌ لمقالات الشّيخ البشير الإبراهيمي، منكرة على الطرق الصوفية بدعهم وانحرافهم ومن بينها الطريقة التيجانية، وفي هذا المقام ننقل بعض كلام الشّيخ الإبراهيمي في علاقة الجمعية بالطرقية وموقفها منها، قال - رحمه الله -: "لم يكن تأسيس جمعية العلماء المسلمين خفيف الوقع على الجماعات التي ألِفت استغلال جهل الأمّة وسذاجتها وعاشت على موتها، ولكن التيار كان جارفا لا يقوم له شيء، فما كان من تلك الجماعات إلاّ أن سايرت الجمعية في الظّاهر، وأسرّت لها الكيد في الباطن، وكان المجلس الإداري الذي تألّف بالاختيار في السّنة الأولى غير منقّح ولا منسجم، لمكان العجلة والتّسامح، فكان من بين أعضائه أولو بقيّة يخضعون للزوايا وأصحابها رَغَبا ورَهَبا، وكان وُجودهم في مجلس الإدارة مُسلّيا لشيوخ الطّرق ومخفّفا من تشاؤمهم بالجمعية لسهولة استخدامهم لهم عند الحاجة، فإمّا أن يتخذوهم أدوات لإفساد الجمعية وإسقاطها، وإمّا أن يتذرّعوا بهم لتصريفها في مصالحهم وأهوائهم،أمّا المصلحون فقد صرّحوا من أوّل يوم بأنّهم سائرون بهذه الجمعية على المبدأ الذي كانوا سائرين عليه من قبلها، ومنه محاربة البدع والخرافات والأباطيل والضلالات، ومقاومة الشّر من أي ناحية جاء". [أثار محمد البشير الإبراهيمي:(1: 188)]. أهـ.
وننتقل إلى ذكر موقف آخر لأحد علماء الجمعية الأفذاذ،وهو الشيخ العلامة:"الطيب العقبي" رحمه الله،الذي رد على أحد أكبر مشايخ التيجانية،وأهم مراجعهم العلمية المغربي:"أحمد سكيرج" صاحب كتاب:" كشف الحجاب عمن تلاقى مع الشيخ التجاني من الأصحاب" ،وقد كتب الشيخ "العقبي" في ذلك مقالته:" بل نجيب ولعنة الله على الكاذبين" !.
وهو مقال يبين صلابة موقف رجال جمعية العلماء في سبيل الحق، ووقوفهم في وجه جميع الدجالين والمشعوذين، وفضحهم لهم وكشفهم لأكاذيبهم وادعاءاتهم، ومنهم هذا المدعو" أحمد سكيرج "ـ القاضي الطرقي الذي انضم إلى زمرة العليويين، فسَّخر نثره وشعره في هجو منتقدي البدع ومحاربي التخريف، وقد تحدى رجال جمعية العلماء المسلمين المصلحين ودعاهم للمباهلة، بل كذب عليهم وادعى أنهم لا يجيبون إذا دعوا إليها، فتصدى له الشيخ السلفي العقبي ،وقد أيده في دعوته جمع غفير من العلماء، لكن صاحب الدعوة لم يرد عليهم!!؟
فإلى المقال: " بل نجيب ولعنة الله على الكاذبين !..."
وقفت في العدد: (17) من جريدة الطرقيين الجديدة التي سموها "البلاغ الجزائري"، وما هي إلا بلاغ عليوي فقط...على مقال طويل تحت عنوان:" كلمة في الإصلاح"، وقد أنعمت تلك الجريدة على صاحب هذا المقال بألقاب ضخمة جدا... وهي هذه حضرة الكاتب..المقتدر جلالة الأستاذ الأبر ، فهالني لأول وهلة ما رأيت من عنوان المقال ومدلول هذه الألقاب المشوقة "التي لا وجود لها إلا في معامل الطرقيين، وجرائدهم الحرة السالكة ذات الخصوصية".
وبكل تكلف أتممت مطالعة ذلك المقال، وأنا التمس إمضاء صاحبة المقتدر جلالة الأستاذ ...فإذ به هكذا:"خديم الحضرة المحمدية عبد ربه أحمد سكيرج"،فحمدت الله حيث لم تمنح كل هذه الألقاب إلا لمن سمي نفسه خديم الحضرة المحمدية، ومن هذا الإمضاء المبارك عرفنا صاحب الجلالة الأستاذ، وعرفنا الوجه المستعار الذي برز به هذه المرة، ليمثل لنا دور أحد المصلحين على مسرح جريدة العلويين! ،ومن وقف في ما سبق على مقالات صاحبنا "سكيرج" وعلى قصيدته المنشورة في هذه الجريدة نفسها: عرف معنى هذا الرجل، وعرف كيف يجري الاستعارة في وجهه هذا، وفي وجوه كلامه كلها.
أما أنا فإني: لا أحاول في هذا الموقف مع قاضي الجديدة أو صاحب الوجه الجديد: إطالة الكلام في فصول مقاله، والبحث عما يصح من وجوه دلالتها عربية وتركيبا وما لا يصح ، كما أني لا أريد تحليل مواد هذا المقال وجمله، لأني لا ابتغي تعذيب صاحبه بمناقشة الحساب فيه...
نعم في هذا المقال على طوله نقطة واحدة استلفتت نظري بالخصوص وأنطقتني، وما كنا ذا رغبة في الكلام مع هؤلاء الكتاب المقتدرين، وأصحاب الجلالة من الأستاذين... ولولا أن الشيخ أكرهني على النزول إلى هذا الميدان لما نزلت...
كتب الأستاذ في هذا المقال ما شاء وشاء له الهوى، ثم نصب نفسه للحكم بين المتصوفة وخصومهم - ولعل ذلك بعد الأعذار والإنذار والتلوم، وإجهاد النفس بما لا مزيد عليه لمستزيد – فقال: " ولو تجردت هذه الفئة للمباهلة مع السادة الصوفية ما أجابوا قولهم:[ ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين]، هكذا قال جلالته!... وهو في كل مقاله الذي يحاول به الإصلاح - على زعمه -، يسير على غير الهدى في تعسف، ويتحكم ويحكم بغير الحق!
ينتصب للحكم بين فريقين، تصور وجودهما في مخيلته وخلق لهما صفات حسب إرادته ومشيئته، فسمى من انتصر إليهم من فريقه : صوفية! متصوفة! أهل الاعتقاد! المتدينين! أهل الله! أهل الدين !..أهل النسبة... الخ
وسمى الفريق الآخر: أهل الانتقاد ( في مقابلة أهل الاعتقاد) المتمدنين ( في مقابلة المتدينين، لأن التمدن عنده غير الدين، والدين ضد التمدن!..) أهل النكير على أهل الله! المتجردين للطعن على أهل الدين الخ..ما وصف كلا ممن ذكر وسمى من الفريقين وكل الناس على بينة من أمر هذا المصلح الجديد وحزبه، وما حزبه إلا جماعة الطرقيين الذين سماهم المتصوفة.. الخ ،وما خصومهم الذين أنعم عليهم جلالته بكل تلك الصفات والأسماء التي سماهم بها - إلا نحن الكتاب "جماعة حزب الإصلاح الديني" وخصوصا من يكتب بجريدة:"الشهاب"، و"البرق اللامع".
لم يكن مقال "جلالة الأستاذ الأبر" عندي من الأهمية بالمكان الذي يستحق تعقب جمله، ومتابعة تراكيبه بالرد والتزييف وشرح ما عميت أنباؤه من مغامزه ومراميه، حتى تتبين للناس درجة كاتبه المقتدر كما قالوا، فقد رأيته في مجموعة- ولا سيما مقدمته وصدره -:"أشبه برطانة عجمية منه بكلمات عربية مفهومة." ونحن نعذره في هذا فإن لأرباب الخصوصية أحوالا!!؟،كما أن للواصلين منهم ألسنا أعجمية!!؟ ... لهذا تركت الكلام مع جلالة الأستاذ في غبر تلك النقطة الوحيدة التي هي بيت القصيد وموضوع الكلام مع حضرة الشيخ القاضي ...
قلتم يا"جناب عبد ربه خديم الحضرة المحمدية! ":"ولو تجردت هذه الفئة للمباهلة مع السادة الصوفية ما أجابوا قولهم الخ ..." وأنا أقول لك:"من هي هذه الفئة التي تعنيها، وتدعوها أنت وأشياعك للمباهلة؟، ومن هم السادة الصوفية في نظر حضرتك؟ لا بل من أنت نفسك؟ وفي أي زمن وجدت؟ ومع من تتكلم؟ وبأي لسان تنطق؟ وبالآخر هل أنت يقضان وتتكلم، أم أنت في سنة الكرى تقول ما لا تعقل وتحكى ما لا يُفهم؟
أجبني بربك يا سكيرج! أجبني سريعا ولا تتأخر!
وإني أؤكد عليك في طلب الجواب لعلمي أنك من العارفين اصطلاحا...أتعني بالفئة التي تدعوها إلى المباهلة:" حزب عبد الحميد ابن باديس"، و"كتاب الشهاب " أجمعين؟ أتعني بالسادة الصوفية رجال طرقك اليوم وسادتك العليويين؟ أأنت سكيرج قاضي الجديدة، وأحد أبناء هذا العصر الحاضر؟ أمع رجال "حزب الإصلاح الديني": تتكلم وبلسان عربي مبين تنطق؟؟، إن كنت تحسب هذا فإن أمرك لغريب! وإن شأنك يا هذا في نفسك لأغرب!
دعوتنا إلى المباهلة، وإنك لتدعونا إلى عظيم، فخذ حذرك وأجمع عليك أمرك ورشدك ,ارجع إلى عقلك ثم نباهلك! وتذكر قبل الإقدام على تنفيذ هذه العملية الشاقة أنك: تعلم الحقيقة من أمر الطرق والدعاية إليها، وتعلم ما هي حال أهلها اليوم؟ وأنت قد وصفتهم بتلك الأوصاف، وشهدت لهم تلك الشهادة التي ستكتب لك، وعنها ستسأل لا محالة زورا وبهتانا، ووصفتنا نحن الداعين إلى الله وحده العاملين لرد الأمة إلى طريق محمد صلى الله عليه وسلم والتقيد بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بما وصفتنا به ظلما وعدوانا!...وهل تستطيع بعد هذه الذكرى أن تباهل حزب الله المؤمنين وأنصار دينه الموحدين في شأن الطرق وخرافات المبتدعين ؟؟..
تالله إنك لجرئ إذا على لعن نفسك ومقتك ...نحن نباهلك ولا حرج، ولكن نخشى عليك الهلاك، فارفق بنفسك إن كان لك بها حاجة، واعلم أن ربك بالمرصاد ، وما هي من الظالمين ببعيد، وإنا لننذرك صاعقة قوم هود، فعد لمثلها إن شئت، ولك أن تتوب ولا تعود.
قل لي بربك يا سكيرج:"ما غرك بنا معشر السلفيين، وما الذي غرك على مباهلة حزب الله المصلحين!؟"..أتظن يا جناب الأستاذ الأبر! أن الجو قد خلا لك، وانك تستطيع أن تقول وتتقول وتخترع من الأوصاف ما شئت، وبالآخر تدعونا الى المباهلة، ثم لا تجد من يقف في وجهك، ويرد عليك قولك من أهل التوحيد الصادقين، ودعاة المصلحين الذين يسميهم حزب جريدتك العليوية " جماعة الملاحدة، شرذمة الضلال، أعداء الدين والملة والوطن...الخ". وتصفهم أنت أيضا بما يقرب من هذه الأوصاف، والله يعلم على من هي منطبقة وصادقة حقيقة وحكما!.
إن كنت تظن هذا يا حضرة الشيخ! فقد ظننت عجزا، ولتكن على ثقة بأن هذا الظن لك: إثم من وحي الشيطان، وعمل أوليائه الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وما هم من المحسنين...... وما كفى حزبك ولا كفاك: ما انتم عليه من ذلك حتى قمت تتكلم بلسانهم وفي جريدتهم كمصلح في زعمك داعيا عباد الله المخلصين ودعاته الهادين إلى مباهلة من سميتهم - ولعلك لا تزال تسميهم السادة الصوفية -، وتدعي جهلا منك أو تجاهلا وتضليلا للأفكار:أنهم لو تجردوا لمباهلتهم ما أجابوا، ووالله وتالله وثالله لقد جئت شيئا فريا.
فها نحن ندعوك، ورجال كل الطرق عموما وأصحاب تلك الجريدة العليوين خصوصا لمثل ما دعوتنا إليه - وسمنا ما شئت من تلك الأسماء كلها! وسم حزبك كيفما شئت، و[ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسنَا وَأَنْفُسكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِل فَنَجْعَل لَعْنَة اللَّه عَلَى الْكَاذِبِينَ].
وإني أتكلم معك بلساني وبلسان كل فرد من أفراد " حزب الإصلاح الديني": الذين هم على مذهبي وفكري، يعتقدون اعتقادي، ويدعون الناس لما ادعوهم إليه من الرجوع إلى الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح، ورفض كل طريقة غير طريقة محمد ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
تلك الطريق التي هي سبيل الله السوي وصراطه المستقيم ...
ولكي نخفف عليك وعلى حزبك ونقرب لكم المسافة، نضرب لك من الآن موعدا نلتقي فيه للمباحثة والمناظرة على رؤوس الأشهاد وأمام العالمين، أو المباهلة والملاعنة إن شئت وشاءت طائفة الطريقة العليوية وجماعة الطرقيين، وأختار أن يكون الموعد والملتقى في الجامع الكبير بعاصمة الجزائر يوم الجمعة الأخيرة من شهر ذي الحجة الحرام من عامنا هذا، فهل يعجبك هذا ويرضيك؟، وهل ترانا أجبناك لما دعوتنا إليه؟، وهل تجيب حضرتك لما دعوتنا إليه أم تتأخر ولا تجيب!!؟:[ قتقعد ملوما محصورا].
...وإني أطارحك سلفا نص الملاعنة والمباهلة، فأقول:"اللهم إن كنت تعلم أن سكيرج وجماعة الطرقيين فيما هم عليه اليوم، وما يدعون الناس إليه، ويقرونهم على فعله في طرقهم محقون، وأن ذلك هو دينك الذي ارتضيته وشرعته لعبادك بواسطة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فالعني ومن معي لعنا كثيرا، وإن كنت ـ يا الله، يا ربنا ورب كل شيء!! ـ تعلم أن ما عليه الطرقيون اليوم فيما هم فيه من أمرهم ودعايتهم الناس إلى طرقهم هو من الحدث في دينك، والباطل الذي لا يرضيك ولا يرضي نبيك، فالعن سكيرج ـ قاضي الجديدة ـ ومن معه لعنا كبيرا!! واجعل مقتك الأبدي وخزيك ولعنتك الدائمة على الكاذبين، ـ آمين آمين آمين.
هكذا أباهلك وألاعنك يا سكيرج!، فلاعني بمثلها، وإياك أن تنهزم يوم اللقاء! !؟".
وعساك تشهد لنا وحزبك بأنا قد أتيناك بالحديث على وجهه وكنا من الصادقين، فما عليكم إلا أن تصدقونا الحديث كما صدقناكم، وتستجيبوا لنا كما استجبنا لكم إن كنتم من المحقين، فقد حصحص الحق وتبين الصبح لذي عينين، ولتعلمن نبأه بعد حين، "وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين."
بسكرة:" الطيب العقبي"
"الشهاب": العدد:( 97 )، الخميس 17 ذي الحجة 1345 هـ/ 20 ماي 1927م ، الصفحات من 2 إلى 6..
وقد بين الدكتور الفاضل:"مختار حمحامي" في مقاله المشار إليه سابقا:سبب تحالف "سكيرج التيجاني" مع "الفرقة العليوية" ضد الجمعية وعلمائها،حيث قال:"... ونتيجة فضح أمر الطرقية في الجزائر سعت الطريقة "العْلِيوِيَة" - التي كان شيخها يومئذ أحمد بن عليوة المستغانمي - في محاولة يائسة لاغتيال الشيخ عبد الحميد بن باديس مساء 09 جمادى الآخرة 1345هـ الموافق لـ 14 ديسمبر 1926م". ينظر: "صراع بين السنة والبدعة"، للشيخ "أحمد حماني": (1/60) وما بعدها. انتهى كلام الدكتور الفاضل:"مختارحمحامي".
فرغم اختلاف الطرقية فيما بينها:"اسما ومسمى"،ومعاداتها لبعضها البعض،إلا أنها اتفقت جميعها على معاداة جمعية العلماء وقد بين الشيخ "الإبراهيمي" رحمه الله سبب ذلك،فقال:" وكيف لا يحقدون عن هادمة أنصابهم، وهازمة أحزابهم؟ فتراهم لاضطغانهم عليها يريدون أن يسبُّوها فيسبُّوننا بها من غير أن يتبيَّنوا حقيقتها أو حقيقتنا، والقوم جهَّالٌ ملتخون من الجهل، وحسْبُهم هذا".[الآثار:(1/198)].
أما فيما يخص اختلاف الطرقيين فيما بينهم،فقد جاء في كتاب "الإسلام الصحيح" ، بعد أن ذكر مؤلفه : الزواوي : " اختلاف أصحاب الطرق " ، و " أنها مختلفة بقدر تعددها، ولو لم تختلف لاتحدت" ... وبالفعل نرى أصحاب الطرق متنازعين ومتشاكسين ومتشاجرين كل واحد من أتباع تلك الطرق ... يقول للآخر : طريقتنا نحن ولست هكذا وشيخنا ليس كشيخكم وذكرنا وحضرتنا ليس كذكركم وحضرتكم " ، ثمَّ قال:" سئل شيخ الطريقة القادرية بطرابلس الشام في القرن الماضي عن سبب تعدد الطرائق واختلاف أعلامها وألوان عمائم شيوخها وخلفائها ، فأجاب وكان منصفًا لا دجالاً بقوله : تغيير شكل ، لأجل الأكل!!!!؟؟؟؟ " .
ولم تقتصر معاداة التيجانية على علماء التوحيد،بل تعدى الأمر إلى احتقار بقية الطرق،جاء في كتاب:" الرماح"( 2/405):" أن الشيخ التجاني قال ذات ليلة في مجلسه أين السيد محمد الغالي؟ فجعل أصحابه ينادون: أين السيد محمد الغالي؟ على عادة الناس مع الكبير إذا نادى أحدا، فلما حضر بين يدي الشيخ قال - رضي الله عنه - وأرضاه وعنا به: " قدماي هاتان على رقبة كل ولي لله تعالى "، فقال سيد محمد الغالي وكان لا يخافه لأنه من أكابر أحبائه وأمرائهم:" يا سيدي أنت في الصحو والبقاء أو في السكر والفناء"، فقال - رضي الله عنه - وأرضاه وعنا به:" أنا في الصحو والبقاء، وكمال العقل ولله الحمد "، وقال:" قلت ما تقول بقول سيدي عبد القادر - رضي الله عنه - قدمي هذه على رقبة كل ولي لله تعالى"، فقال " صدق - رضي الله عنه - يعني أهل عصره "، وأما أنا فأقول: "قدماي هاتان على رقبة كل ولي لله تعالى من لدن آدم إلى النفخ في الصور"!!؟.
وجاء في:"جواهر المعاني":( 1/98) دار الكتب العلمية 1417،
قال التجاني:"... وهذا غاية إدراك النبيين والمرسلين والأقطاب يصلون إلى هذا المحل ويقفون، ثم استأثرت بألباس من الأنوار الإلهية أخرى وبها سميت عقلا، ثم استأثرت بألباس من الأنوار الإلهية أخرى فسميت بسببها قلبا، ثم استأثرت بألباس من الأنوار الإلهية الأخرى فسميت بسببها نفسا ".
قال التجاني:" قال لي - صلى الله عليه وسلم - لك في الجنة أربعون مقاما من مقامات الأنبياء " ."الدرة الخريدة":( 1/ 54)
وفي هذا الكلام السخيف غاية الاحتقار والازدراء لجميع أولياء الله تعالى من الأنبياء فمن دونهم من أهل العلم والصلاح.
ولعلنا نختم بياننا لبعض ضلالات التيجانية،باتهامهم النبي صلى الله عليه وسلم بكتمان العلم، رغم علمهم بقوله تعالى:[الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا]، وقوله عليه الصلاة والسلام فيما أورده الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة تحت حديث:(1803):" ما بقي من شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم" :( صحيح )،و عن أبي ذر قال :"تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علما"، قال : فقال صلى الله عليه وسلم : فذكره، وله شاهد من رواية عمرو عن المطلب مرفوعا بلفظ :"ما تركت شيئا مما أمركم الله به إلا قد أمرتكم به وما تركت شيئا مما نهاكم عنه إلا قد نهيتكم عنه" :وإسناده مرسل حسن.
وقال عليه الصلاة والسلام أيضا:" قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ..."."الصحيحة":(حديث:937).
صدق عليه الصلاة والسلام،فقد زاغ كثير من الطرقيين لما خالفوا
سنة نبيهم عليه الصلاة والسلام،وارتضوا بدلا عنها الأهواء والبدع ،فصدق فيهم قوله تعالى:[ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ]،وقد حذر الله تعالى عباده المؤمنين من اتباع سبيل أهل الأهواء الضالين،فقال تعالى:[ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ].
ويتضح اتهام التيجانيين للنبي صلى الله عليه وسلم بكتمان العلم
ما جاء في:"جواهر المعاني":[ ج 1 ص 119] لصاحبه علي حرازم:"قال" قلت لسيدنا - رضي الله عنه - وهل كان سيد الوجود - صلى الله عليه وسلم - عالما بهذا؟. قلت: لم يذكره لأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، لما فيه من هذا الخير الذي لا يكيف". قال:" منعه أمران: الأول أنه علم بتأخر وقته، وعدم وجود من يظهره الله على يديه في ذلك الوقت ".
ونداء أختم به مقالي، أدعو فيه كل عاقل تيجاني، ليراجع عقله وإيمانه حتى يتحرر بذلك من أغلال الخرافة وقيود الوهم، ويعتق رقبته من النار،بعد أن يكون قد أعتق قلبه وعقله من سطوة شيوخ الضلالة،فالنجاة في:" اتباع الكتاب والسنة وهدي سلف الأمة"، فأقول وبالله التوفيق:
إلى أتباع الطريقة التيجانية المصرين على الباطل، المقلدين لأشياخهم دون بصيرة، المعارضين للحق بعدما:"سطعت أدلته، وأشرقت براهينه،وأنارت حججه، وأزهرت بيناته"،أذكركم جميعا بقوله تعالى:[ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّار(167) ِ].
وقوله تعالى:[ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33) ]. وقوله تعالى:[ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68)] .
فيا أيها التيجانيون:"قد علمتم ما أنتم عليه من انحراف عقدي،وطريق بدعي":اسمعوا للحق إذ يقول:[ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)] ،واستعدوا لذلك اليوم بزاد التوحيد المنجي:[ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104) ].
قال مجاهد والحسن وغيرهما:{ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } يعني:سليما من الشرك.
نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى:"أن يهدي التيجانيين لتوحيده،والتمسك بسنة نبيه،وهدي أصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه،وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه،وآخر دعائنا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه: أحمد يوسفي
الأحد:11جمادى الآخرة 1434
الموافق: 21 أبريل 2013