المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من روائع الرافعي ...


algeroi
28-05-2008, 11:19 AM
البيان للكاتب الكبير/مصطفي صادق الرافعي من كتابه (وحي القلم)

لا وجود للمقالة البيانية إلا في المعاني التي اشتملت عليها يقيمها الكاتب على حدود ويديرها على طريقة مصيباً بألفاظه مواقع الشعور مثيراً بها مكامن الخيال آخذاً بوزن تاركاً بوزن لتأخذ النفس كما تشاء وتترك.

ونقل حقائق الدنيا نقلاً صحيحاً إلى الكتابة أو الشعر هو انتزاعها من الحياة في أسلوب وإظهارها للحياة في أسلوب آخر يكون أوفى وأدق وأجمل لوضعه كل شيء في خاصّ معناه وكشف حقائق الدنيا كشفةً تحت ظاهرها الملتبس وتلك هي الصناعة الفنية الكاملة تستدرك النقص فتتممه وتتناول السر فتعلنه وتلمس المقيد فتطلقه وتأخذ المطلق فتحده وتكشف الجمال فتظهره وترفع الحياة درجة في المعنى وتجعل الكلام كأنه وجد لنفسه عقلاً يعيش به.

والكاتب الحق لا يكتب ما يكتب ولكنه أداة في يد القوة المصورة لهذا الوجود تصور بها شيئاً من أعمالها فناً من التصوير. الحكمة الغامضة تريده على التفسيرتفسير الحقيقة والخطأ الظاهرة تريده على التبيين تبيين الصواب والفوضى المائجة تسأله الإقرار إقرار التناسب وما وراء الحياة يتخذ من فكره صلة بالحياةوالدنيا كلها تنتقل في مرحلة نفسية لتعلوا به أو تنزل. ومن ذلك لا يخلق الملهم أبداً إلا وفيه أعصابه الكهربائيه وله في قلبه الرقيق مواضع مهيأة للإحراق تنفذ إليها الأشعة الروحانية وتتساقط منها بالمعاني.
وإذا اختير الكاتب لرسالة ما شعر بقوة تفرض نفسها عليه منها إسناد رأيه ومنها إقامة برهان ومنها جمال ما يأتي به فيكون إنساناً لأعمالها وأعمالها جميعاً له بنفسه وجود وله بها وجود آخر. ومن ثم يصبح عالماً بعناصره للخير أو الشر كما يوجه ويلقي فيه مثل السر الذي يلقي في الشجرة لإخراج ثمرها بعمل طبيعة يرى سهلاً كل السهل حين يتم ولكنه صعب أي صعب حين يبدأ.

هذه القوة هي التي تجعل اللفظة المفردة في ذهنه معنىً تاماًوتحول الجملة الصغيرة إلى قصة وتنتهي باللمحة السريعة إلى كشف عن حقيقة هي التي تخرجه من حكم أشياء ليحكم عليها وتدخله في حكم أشياء غيرها لتحكم عليه وهي التي تميز طريقته وأسلوبه وكما خلق الكون من الإشعاع تضع الإشعاع في بيانه.
ولا بد من البيان في الطبائع الملهمة ليتسع به التصرف إذ الحقائق أسمى وأدق من أن تعرف بيقين الحاسة أو تنحصر في إدراكها فلو حدت الحقيقة لما بقية حقيقة ولو تلبس الملائكة بهذا اللحم والدم لبطل أو يكونوا ملائكة ومن ثم فكثرة الصور البيانية الجميلة للحقيقة الجميلة هي كل ما يمكن أو يتسنى من طريقة تعريفها للإنسانية.

وأي بيان في خضرة الربيع عند الحيوان من آكل العشب إلا بيان الصورة الواحدة في معدته؟ غير أن صورة الربيع في البيان الإنساني على اختلاف الأرض والأمم تكاد تكون بعدد أزهاره ويكاد الندى ينضرها حسناً كما ينضره. ولهذا ستبقى كل حقيقة من الحقائق الكبرى ـ كالإيمان والجمال والحب والخير والحق ـ ستبقى محتاجة في كل عصر إلى كتابة جديدة من أذهان جديدة.

وفي الكتاب الفضلاء باحثون ومفكرون تأتي ألفاظهم ومعانيهم فناً عقلياً غايته صحة الأداء وسلامة النسق فيكون البيان في كلاهم على نذرة كوخز الخضرة في الشجرة اليابسة هنا وهنا. ولكن الفن البياني يرتفع على ذلك بأن غايته قوة الأداء مع الصحة وسمو التعبير مع الدقة وإبداع الصورة زائداً جمال الصورة أولئك في الكتابة كالطير له جناح يجري به ويرف ولا يطير وهؤلاء كالطير الآخر له جناح يطير به ويجري ولو كتب الفريقان في معنى واحد لرأيت المنطق في الأحد الأسلوبين وكأنه يقول: أنا هنا في معان وألفاظ وترى الإلهام في الأسلوب الآخر يطالعك أنه هنا في جلال وجمال وفي صور وألوان.

ودورة العبارة الفنية في نفس الكاتب البياني دورة خلقٍ وتركيب تخرج بها الألفاظ أكبر مما هي كأنها شبت في نفسه شباباً وأقوى ما هي كأنما كسبت من روحة قوة وأدل مما هي كأنما زاد فيها بصناعته زيادة. فالكاتب العلمي تمر اللغة منه في ذاكرة وتخرج كما دخلت عليها طابع واضعيها ولكنها من الكاتب البياني تمر في مصنع وتخرج عليها طابعة هو . أولئك أزاحوا اللغة عن مرتبة سامية وهؤلاء علو بها إلى أسمى مراتبها وأنت مع الأولين بالفكر ولا شيء إلا بالفكر والنظر والحكم غير أنك مع ذي الحاسة البيانية لا تكون إلا بمجموع ما فيك من قوة الفكر والخيال والإحساس والعاطفة والرأي.

والكتابة التامة المفيدة مثل الوجهين في خلق الناس ففي كل الوجوه تركيب تام تقوم به منفعة الحياة ولكن الوجه المنفرد يجمع إلى تمام الخلق جمال الخلق ويزيد على منفعة الحياة لذة الحياة وهو لذلك وبذلك يرى ويؤثر ويعشق.

وربما عابوا السمو الأدبي بأنه قليل ولكن الخير كذلك وبأنه مخالف ولكن الحق كذلك وبأنه محير ولكن الحسن كذلك وبأنه كثير التكاليف ولكن الحرية كذلك.
إن لم يكن البحر فلا تنتظر اللؤلؤة وإن لم يكن النجم فلا تنتظر الشعاع وإن لم تكن شجرة الورد فلا تنتظر الورد وإن لم يكن الكاتب البياني فلا تنتظر الأدب .......... انتهى عن منتدى لك

algeroi
28-05-2008, 11:19 AM
عن رسائل الأحزان .......

كان لي صديق خلطته بنفسي زمناً طويلاً وكنت أعرفه معرفة الرأي كأنه شئ في عقلي ، ومعرفة القلب كأنه شئ في دمي . ثم وقع فيما شاء الله من أمور دنياه حتى نسيني ، وطار على وجهه حتى غاب عن بصري ، والتفت عليه مذاهبه فما يقع إلى من ناحيته خبر ، وأمتد بيني وبينه حول كامل خلا من شخصه وامتلأ من الفكر فيه .
وطلعت الشمس يوماً في غيم (......) من سنة 1994هـ فأحسست قلبي من الذعر كالطائر ينفض ندى جناحيه في أشعتها ، ولم تكد ترتفع وتتلألأ حتى وافى البريد يحمل إلي خطه وإذا فيه :

ياعزيزي الحبيب !

فقدتني زمناً إن يكن في قلبك منه وخزة ففي قلبي منه كحز السيف ، لم أنسك نسيان الجحود وإن كنت لم أذكر ذكرى الوفاء فأبعث إليك بخبر يترجم عني ،
إذا كنت في سجنٍ وأنا الساعة منطلق منه . لا تجزع ولا تحسبنه سجن الحكومة ..... إن هو إلا سجن عينين ذابلتين كان قلبي المسكين يتمرغ في أشعة الحاظهما كما يكون المقضئ عليه إذا أحاطت به السيوف وجعل بريقها يتخاطف معاني الحياة من روحه قبل أن يخطف هذه الروح . بل سجن فكري الذي ابتليت به وبخياله معاً فلا يزال واحد منهما يبالغ في إدراك الجمال والآخر يبالغ في تقديره حتى تكاد تطلع نفسي من نواحيها لكثرة ما يسرفان عليهما كما يريد الأطفال أن يملأوا القدح ليستفيض لا ليمتلئ ،وليرسل الماء لا ليمسكه ، فلو أنهم صبوا فيه ملء بحرٍ بأمواجه لجرى البحر من حافة قدحٍ صغير .

ماأحسبني قط رأيت أمرأة جميلة كما هي في نفسها وتركتها كما هي في نفسها بل هناك نفسي . وآهٍ من نفسي . وما أسرع ما يمتزج في هذه النفس بعض الأنسانية المحبة ببعض الإنسانية المحبوبة فإذا أنا بشئ إلهي قد خرج لي من الإنسانيتين .

هو هذا الشعر ، هو هذا البلاء ، هو هذا الحب .

فررت منك ومن سواك ياعزيزي مُصيف إلى امرأةٍ كالتي جعلت آدم يفر حتى من الجنة ومن الملائكة ، وقد يكون اتصال رجل واحدٍ بامرأةٍ واحدةٍ كافياً أحياناً لتكوين عالمٍ كاملٍ يسبح في فلكٍ وحده .

عالم مسحور ، في فلكٍ مسحور، لا يخضع إلا لجاذبية السحر ، ولا يعرف إلا تهاويل السحر .

على أنك لم تفقد مني في هذه السنة إلا بضعة كتبٍ وكلاماً كنا نترسل به وليس فيه إلا الحبر ، فسأرد عليك من ذلك كتب سنوات وأعوضك برسائلي كلاماً فيه دمع العين ودم القلب . فقدتني صديقاً يهز يديك بتحية والآن أعود إليك شاعراً يهز قلبك بأنينه . فقدتني شخصاً وسأرجع إليك كتاباً .

أما أنت فأكتب لي رجع كل رسالةٍ من قلبي واذكر لي موقعها من نفسك وكيف كان دبيبها أو طيرانها عندك ، فإني راميك بأسهم لا قاصرات عن قلبك تنزل دونه ولا زائداتٍ تمر عليه وتتجاوزه ، بل مسدداتٍ يقعن فيه .
وأرجو ، عافاك الله ، أن لا تتطلع في قلمي بنقدٍ أو أعتراضٍ أو تعقيب بل دعني وما أكتبه فإن لكل شئٍ طرفين وإن طرفي الجمال هما الحب والبغض ، ورسائلي هذه ستأتيك بالجمال من طرفيه ، فلقد والله أحببت حتى أبغضت ، ولقد والله يضجر العمل السامي إذا أصاب غير موضعه كما يضجر العمل السافل إذا نزل في موضعه .

ومتى انقطع هذا المدد المتلاحق من كتبي فاجمع الرسائل وقدم لها كلمة بقلمك وسمها (( رسائل الأحزان )) ، إنها كانت عواطف ثارت وقتاً ما ليحدث منها تاريخ وسكنت بعد ذلك ليحدث منها شعر وكتابة .

فإن نجتمع بعد نظرنا فيها معاً وقرأتها عيناك لقلبي ، وإن ارتاح الله لي برحمته رفت عليها روحي فأسمع صوتك في الغيب سرسل إلى هذه الروح تحية من أنغام قلبها الميت .
صديقك...........)

gamalove2002
28-05-2008, 11:24 AM
شكرا اخي على هذه المقتطفات
و انا افتخر انني قرات وحي القلم
و استمتعت بما راق من اساليب اللغة
شكرا في انتظار المزيد:)

algeroi
28-05-2008, 12:01 PM
شكرا اخي على هذه المقتطفات
و انا افتخر انني قرات وحي القلم
و استمتعت بما راق من اساليب اللغة

شكرا في انتظار المزيد:)



شكرا على مرورك اخي الكريم..

ان هي الا كلمات بل نفحات تسموا بالروح عاليا في سماء الحياة فتجلوا بجمالها بعض الاكدار ..
وتشرق من بين جنباتها نورا يخترق بوهجه ظلام الكون

"نور" تزهوا لبريقه ازهار الادب لتهدي نفسها على طبق الرافعي انهارا بل بحورا من السرور يجرف طوفانها نهر الاحزان ليحيله افراحا تتلالا بل تطير عاليا مثل الطيور .... لك مني احلى سلام

حمبراوي
28-05-2008, 08:36 PM
شكرا لاختيارك الرافعي الذي عد والبشيرالابراهيمي وشكيب ارسلان من ارباب البيان العربي ولكنه كزميليه سجي ثرى النسيان وغلقت دونه الأبواب وأوصدت بأقفال من حديد
شكرا أخي مرة أخرى

algeroi
31-05-2008, 11:43 AM
شكرا لاختيارك الرافعي الذي عد والبشيرالابراهيمي وشكيب ارسلان من ارباب البيان العربي ولكنه كزميليه سجي ثرى النسيان وغلقت دونه الأبواب وأوصدت بأقفال من حديد
شكرا أخي مرة أخرى


هي اسماء خالدة في سطور التاريخ ونجوم لامعة في سماء الادب ليس من السهل ان يصيبها النسيان بطيه ذلك ان انوارها تملؤ القلوب اشراقا هناك حيث لا سلطان للبغي ولا مكان للاكدار .. سلام

algeroi
31-05-2008, 11:46 AM
وحي الهجرة/ للاديب والكاتب الكبير ..
مصطفى صادق الرافعي رحمه الله تعالى

بدأ الإسلام في رجل "النبي" وامرأة "خديجة" وغلام "علي" .. ثم زاد حرًّا "أبا بكر" وعبدًا.."بلال".
أليست هذه الخمس هي كل أطوار البشرية في وجودها .. مخلوقة في الإنسانية والطبيعة، ومصنوعة في السياسة والاجتماع ؟!
فها هنا مطلع القصيدة، وأول الرمز في شعر التاريخ !
ولبث النبي – صلى الله عليه وسلم – ثلاث عشرة سنة ..
لا يبغيه قومه إلا شرًّا، على أنه دائب يطلُب.. ثم لا يجِد، ويعرض..
ثم لا يُقبل منه!
ويُخفِق..
ثم لا يعتريه اليأس!..
ويجهد..
ثم لا يتخونه الملل!
ويستمر ماضيًا لا يتحرَّف، ومعتزمًا لا يتحوَّل.
أليست هذه هي أسمى معاني التربية الإنسانية .. أظهرها الله كلها في نبيه، فعمل بها، وثبُت عليها، وكانت ثلاثة عشرة سنة في هذا المعنى كعمر طفلٍ وُلد ونشأ وأحكم تهذيبه الحوادث، حتى تسلمته الرجولة الكاملة بموانيها من الطفولة الكاملة بوسائلها..!

أفليس هذا فصلاً فلسفيًّا دقيقًا يُعلِّم المسلمين كيف يجب أن ينشأ المسلم: غناه في قلبه، وقوته في إيمانه، وموضعه في الحياة موضوع النافع قبل المنتفع، والمُصْلِح قبل المقلد.. وفي نفسه من قوة الحياة ما يموت به في هذه النفس أكثر ما في الأرض والناس من شهوات ومطامع!

ثم ..
أليست تلك العوامل الأخلاقية هي هي التي ألقيت في منبع التاريخ الإسلامي ليَعُبَّ منها تياره، فتدفعه في مجراها بين الأمم، وتجعل من أخص الخصائص الإسلامية في هذه الدنيا الثبات على الخطوة المتقدمة .. وإن لم تتقدم، وعلى الحق وإن لم يتحقق، والتبرؤ من الأثرة .. وإن شحَّت عليها النفس، واحتقار الضعف وإن حكم وتسلط، ومقاومة الباطل وإن ساد وتغلب، وحمل الناس على محض الخيرة وإن ردوا بالشر، والعمل للعمل .. وإن لم يأت بشيء، والواجب للواجب .. وإن لم يكن فيه كبير فائدة، وبقاء الرجل رجلاً .. وإن حطَّمه كل ما حوله ؟!

قالوا: إن عمه – صلى الله عليه وسلم- أبا طالب. بعث إليه حين كلمته قريش، فقال له: يا ابن أخي.. إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا.. فأَبْعِد عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق.

فظن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قد بدأ لعمله فيه بداء، وأنه خاذله ومُسلِمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه.. فقال: يا عمَّاه.. لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري .. على أن أترك هذا الأمر؛ ما تركته .. حتى يُظهِره الله أو أهلك فيه ما تركته ثم استعبر – صلى الله عليه وسلم – فبكى!
يا دموع النبوة ! لقد أثبت أن النفس العظيمة لن تتعزى عن شيء منها بشيء من غيرها.. كائنًا ما كان .. لا من ذهب الأرض وفضتها، ولا من ذهب السماء وفضتها، إذا وُضعت الشمس في يد، والقمر في الأخرى!

وكل حوادث المدة قبل الهجرة على طولها ليست إلا دليل ذلك الزمن على أنه زمن نبي، لا زمن ملك أو سياسي أو زعيم .. ودليل الحقيقة على أن هذا اليقين الثابت ليس يقين الإنسان الاجتماعي من جهة قوته، بل يقين الإنسان الإلهي من جهة قلبه. ودليل الحكمة على أن هذا الدين ليس من العقائد الموضوعة التي تنشرها عدوى النفس للنفس .. فها هو ذا لا يبلغ أهله في ثلاث عشرة سنة أكثر مما تبلغ أسرة تتوالد في هذه الحقبة. ودليل الإنسانية على أنه وحي الله بإيجاد الإخاء العالمي والوحدة الإنسانية. أفلم يكن خروجه عن موضوعه هو تحققه في العالم ؟!

هذه هي حكمة الله في تدبيره لنبيه قبل الهجرة .. قبض عنه أطراف الزمن، وحصره من ثلاث عشرة سنة في مثل سنة واحدة .. لا تصدر به الأمور مصادرها كي تبث أنها لا تصدر به، ولا تستحق به الحقيقة لتدل على أنها ليست من قوته وعمله.

وكان – صلى الله عليه وسلم – على ذلك – وهو في حدود نفسه، وضيق مكانه – يتسع في الزمن من حيث لا يرى ذلك أحد ولا يعلمه، وكأنما كانت شمس اليوم الذي سينتصر فيه – قبل أن تُشرق على الدنيا بثلاث عشرة سنة – مشرقة في قلبه – صلى الله عليه وسلم-!

والفصل من السنة لا يقدمه الناس ولا يؤخرونه، لأنه من سير الكون كله.. والسحابة لا يُشعلون بَرْقها بالمصابيح ! ومع النبي من مثل ذلك برهان الله على رسالته .. إلى أن نزل قوله – تعالى-: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كلُّهُ لله[.. فحَلَّ الفصل.. وانطلقت الصاعقة.. وكانت الهجرة!

تلك هي المقدمة الإلهية للتاريخ..

وكان طبيعيًّا أن يَطَّرِد التاريخ بعدها، حتى قال الرشيد للسحابة وقد مرت به: أمطري حيث شئت .. فسيأتيني خراجُك! .

algeroi
31-05-2008, 09:59 PM
يقول الاديب الكبير محمد صادق الرافعي
" متفجّعا لمجد الشرق القديم .. وضاربا الأمثال للشرقيين لعلهم يتذكرون " ..

تمايل دهرك حتى اضطـــــرب ........ وقد ينثني العِطف لا مِن طــرب
ومرّ زمانٌ وجــــاء زمــــــــــــانٌ ... وبين الزمانين كلّ العــــــــجب
فقوم تدلّوا لتحــــــت الثـــــرى ..... وقوم تعالوا لفوق الشهـــــب
لقد وعظتنا خطوب الزمــــــان ..... وبعض الخطوب كبعض الخُطـب
ولو عرف الناس لم تهدهـــــم ...... سبيل المنافع إلا النـــــــــــوبْ
فيــــا رَبّ داء يكــــــــــون دواءً ... إذا عجز الطبّ والمستــــــطبّ
ومن نكد الدهر أنّ الــــــــذي ...... أزاح الكروب غدا في كُــــــــــرب
وانّ امرأ ً كان في السالبيـــن ... فأصبح بينــــهم ُ يستـلـــــــــــب
ألست ترى العرب الماجديــن ... وكيف تهدّم مجــــد العــــــــرب ؟!
فأين الذي رفعتــــــــه الرماح ... وأين الذي شيّدته القضــــــــب ؟!
وأين شواهــــق عز لنــــــــا ... تكاد تمسّ ذراها السـحـــــــــــب ؟!
لقد أشرق العلم من شرقنـا ... وما زال يضؤل ختى غـــــــــــــــرُب
وكنا صعدنا مراقي المعالـــــي ... فأصبح صاعدنا في صَبَـــــــــبْ
وكم كان منّا ذوو همـــــــــــة ٍ ... سمت بهم لمعالي الرّتـــــــــــب
وكم من هِزَبْر تهز البرايـــــــــا ... بوادرُه إن ونى أو وثــــــــــــــب
وأقسم لولا اغترار العقـــــــول ... لما كفّ أربـــــابـــــــــها عن أرب
ولولا الذي دبّ ما بينهــــــــــم ... لما استصعبوا في العـلا ما صعب
ومن يطعم النفس ما تشتهي ... كمن يطعم النار جــــــــزل الحطب
إلا رحِم الله دهــــرا مضــــــى ... وما كاد يبسَــــــم حتى انتــــــحب
وحيّا ليالي كنــــّـا بهـــــــــــــا ... رعاة على من نأى واقتـــــــــــرب
فملكا نُقيل إذا ما كبــــــــــــا ... وعرشا نقيم إذا ما انقلـــــــــــــــب
سلو ذلك الشرق ماذا دهــــــاه ... فأرسله في طريق العطـــــــــــب
لَوَ ان بنيه أجلّـــــــوا بنيــــــــــه ... لأصبح خائبهم لم يخــــــــــــــب
فقد كان منهم مقرّ العلــــــــــوم ... كما كان فيــــهم مقـــــــــرّ الأدب
وهل تنبت الزهر أغصانــــــــــــه ... إذا مـــــــاء كل غدير نضــــــــب ؟!
وكم مرشــــد بات ما بينــــــــــهم ... يسام الهوان وسوء النصــــــــب !
كأن لم يكن صدره منبعـــــــــــــــا ... لما كان من صدره ينســـــــــــكب
ومن يستبق للعــــــلا غايــــــــــة ... فأولى به من سواه التعـــــــــــب
وليس بضائر ذي نطـــــــــــــــــلب ... إذا كفه الناس عمّا طلـــــــــــب
فكم من مصابيح كانت تضـــــــــيء ... (م) بين الرياح إذا لم تهـــــــــب
وما عِيب من صدف لؤلــــــــــــــؤٌ ... ولا عاب قدر التراب الذهـــــــــب
بني الشرق أين الذي بينـــــنــــا ... وبين رجال العلا من نســــــــــب ؟!
لقد غابت الشمس عن أرضكـــــــم ... إلى حيثُ لو شئتم ُ لم تغــــــب
إلى الغرب حيثُ أولاءِ الرجـــــــــال ُ ... وتيك العلوم وتلك الكتـــــــــب
فّن كان هذا بحكم الزمـــــــــــــــان ... فتبّت يدا ذا الزمان وتــــــــــــبّ
وإن كان مما أردتم فمـــــــــــــــــــا ... تنال العلا من وراء الحجـــــــــب
فدوروا مع الناس كيف استـــــــداروا ... فإن لحكم الزمان الغــــــــلــَب
ومن عاند الدهر فيما يُحـــــــــــــــبّ ... رأى من أذى الدهر ما لا يحب

ويقول ايضا ...

لأمرٍ فيهِ يرتفعُ لسحابُ......ولا يسمو إلى الأفقِ الترابُ
وما استوتِ النفوسُ بشكلِ جسمٍ......وهل ينبيكَ بالسيفِ الترابُ
وما سيانَ في طمعٍ وحرصٍ......إذا ما الكلبُ أشبههُ الذئابُ
رأيتُ الناسَ كالأجسادِ تعلو......لعزتِها على القدمِ الرقابُ
فليسَ من العجيبِ سموُّ أنثى......على رجلٍ تُرَجِّلُهُ الثيابُ
و لو نفساهما بدتا لعيني......لما ميزتُ أيّهما الكعابُ
إنَّ لباطنِ الأشياءِ سرّاً......بهِ قد أعجزَ الأسدَ الذئابُ
فيا لرجالِ قومي من شموسٍ......إذا قُرِنوا بها انقشعَ الضبابُ
نساءٌ غيرَ أنَّ لهنَّ نفساً......إذا همّتْ تسهلتِ الصعابُ
فإن تلقَ البحاَر تكنْ سفيناً......و إن تردِ السما فهي الشِّهابُ
ضعافٌ غيرَ أنَّ لهنَّ رأياً......يسددهُ إلى القصدِ الصوابُ
و ما من شيمةٍ إلا وفيها......لهنَّ يدٌ محامدها خضابُ
و قومي مثلُ ما أدري و تدري......فهمْ لسؤالِ شاعرهمْ جوابُ
رجالٌ غيرَ أنَّ لهمْ وجوهاً......أحقُّ بها لعمرهمُ النّقابُ
غطارفةٌ إذا انتسبوا ولكن......إذا عُدُّوا تصعلكَ الانتسابُ
جدودهمُ لهم في الناسِ مجدٌ......وهمْ لجدودهمْ في الناسِ عابُ
و من يقلِ الغرابُ ابنُ القماري......يكذبهُ إذا نعبَ الغرابُ
عجيبٌ والعجائبُ بعدُ شتَّى......بأنّا في الورى شيءٌ عجابُ
تقدمنا النسا ونفوسُ قومي......من اللائي عليهنَّ الحجابُ
و ما غيرُ النفوسِ هي البرايا......وأنثاها أو الرجلِ الإهابُ

algeroi
05-06-2008, 01:20 PM
يقول الاديب الكبير محمد صادق الرافعي كما في "اوراق الورد"

زجاجة عطر


وأهدى لها مرة زجاجة من العطر الثمين وكتب معها….

يا زجاجة العطر :
اذهبي إليها وتعطري بمس يديها وكوني رسالة قلبي لديها…

وها أنذا أنثر القبلات على جوانبك ، فمتى لمستك فضعي قبلتي على بنانها ، وألقيها خفية ظاهرة في مثل حنو نظرتها وحنانها، والمسيها من تلك القبلات معاني افراحها في قلبي ومعاني أشجانها..

وها أنذا اصافحك فمتى أخذتك في يدها فكوني لمسة الأشواق ..وها أنذا أضمك إلى قلبي فمتى فتحتك فانثري عليها في معاني العطر لمسات العناق.


*******************


إنها الحبيبة يا زجاجة العطر وما أنت كسواك من كل زجاجة ملأت سائلا ، ولا هي كسواها من كل امرأة ملأت حسنا ، وكما افتتنت الصناعة في إبداعك واستخراجك افتتنت الحياة في جمالها وفتنتها…حتى لأحسب أسرار الحياة في غيرها من النساء تعمل بطبيعة وقانون، وفيها وحدها تعمل بفن وظرف وأنت سبيكة عطر كل موضع منك يأرج ويتوهج ،وهي سبيكة جمال كل موضع فيها يستبي ويتصبى؟

وما ظهرت معانيك إلا أفعمت الهواء من حولك بالشذا ، ولا ظهرت معانيها إلا افعمت القلوب من حولها بالحب .

وكلتاكما لا تمس أحد منهما إلا تلبس بها فلا يستطيع أن يخلص منها.

أنت عندي أجمل أنثى في الطيب من بنات الزهر ، وهي عندي أجمل أنثى في الحب من بنات آدم..

قولي لها يا زجاجة العطر إنك خرجت من أزهار كأنها شعل نباتية ، وكانت في الرياض على فروعها كأنه تجسمت من أشعة الشمس والقمر فلما ابتعتك وصرت في يدي ، خرجتِ من شعل غرامية وأصبحت كأنك تجسمت من أِواقي وتحياتي ولمسات فكري، ولذلك أهديتك…

وقلي لها إن شوق الأرواح العشقة يحتاج دائما إلى تعبير جميل كجمالها ، بليغ كبلاغتها ينفذ إلى قلب الحبيب بقوة الحياة سواء رضي أو لم يرض وهذا الشوق النافذ كان الأصل الذي من أجله خلق العطر في الطبيعة ، فحينما تسكب الجميلة قطرة من الطيب على جسمها ، تنسكب في هذا الجسم أشواق وأشواق من حيث لا تدري ولا تدري …ولذلك بعثتك..

وقولى لها انك اتساق بين الجمال والحب، فحين تهدَي زجاجة العطر من محب إلى حبيبته فإنما هو يهدي إليها الوسيلة التي تخلق حول جسمها الجميل الفاتن جو قلبه العاشق المفتون ولو تجسم هذا المعنى حينئذ فنظره ناظر لرآها محاطة بشخص أثيري ذائب من الهوى واللوعة يفور حولها في الجو ويسطع ولذلك يا زجاجة العطر أرسلتك…..

أيها العطر كانت أزهارك فكرة في فن الحسن توثبت وطافت زمنا على مظاهر الكون الجميلة كي تعود آخرا فتكون من فن الحب وفي ذلك مازجت الماء العذب ولامست أضواء القمر والنجوم وخالطت أشعة الشمس واغتسلت بمائة فجر منذ غرسها إلى إزهارها لتصلح بعد ذلك أن يمس عطرها جسم الحبيبة ويكون رسالة حبي لديها…

أيها العطر لقد خرجت من أزهار جميلة وستعلم حين تسكبك على جسمها أنك رجعت إلى أجمل أزهارك وأنك كالمؤمنين تركوا الدنيا ولكنهم نالو الجنة ونعيمها…

مُحِبة السلف
05-06-2008, 02:24 PM
جزاكم الله خير الجزاء

أحب أسلوب الرافعي و فكره

سأقرأها عند التفرغ بإذن الله

algeroi
05-06-2008, 04:47 PM
جزاكم الله خير الجزاء

أحب أسلوب الرافعي و فكره

سأقرأها عند التفرغ بإذن الله


لك من بستان الرافعي زهرة
عبقها يملا سماء العربية انساما يصل شذاها المشرق بالمغرب بل الحاضر بالماضي ليختصر التاريخ في كلمة كلنا نحب نغمتها التي تطرب القلوب قبل الآذان "السلف" فلنكن جميعا من محبي "السلف" ... سلام

algeroi
05-06-2008, 05:49 PM
يقول الاديب الكبير محمد صادق الرافعي كما في "اوراق الورد"

القمر ..

وكانت تأنس بضوء القمر ويعجبها نوره على الحديقة خاصة فسألته مرة أن يناجي هذا الجميل في رسالة فقال حبا وكرامة..(للقمر) وكتب:

إني لأراك أيه القمر منذ عقلت معاني ما أرى ولكنني لم أعرف أنك أنت كما أنت إلا بعد ان وضع الحب فيها بينك وبين من اهواها كما يوضع التفسير إلى جانب الكلمة الدقيقة …
عندئذ وصلتك قرابة الجمال بوجهها فاتصل بك شعوري وبت على بعدك في أفلاك السماء تسبح أيضا في دائرة قلبي واستةيت متسقا كأن عملك لي أن تتم فن جمالها بإظهارها أجمل منك وأمسيت عندي ولك مثلها شكل السر المبهم المحيط بالنفس المعشوقة ، يدخل كل جمال في تفسيره ولا يكمل تفسيره أبدا…

ومن شبهك بوجهها أزهر الضوء فيك ما يزهر اللحم والدم فيها، فتكاد أشعتك تقطف منها القبلة ، ويكاد جوك يساقط من نواحيه تنهدات خافته وتكاد تكون مثلها يا قمر مخلوقا من الزهر والندى وأنفاس الفجر…

أما قبل حبها فكنت اراك أيها القمر بنظرات لا تحمل أفكارا …

كنت جميلا ولك جمال ورق الزهر الأبيض وكنت في رقعتك المضيئة تشبه النهار مطويا بعضه على بعض حتى يرجع في قدر المنديل…وكنت ساطعا في هذه الزرقاء ولكن سطوع المصباح الكهربائي على منارة قائمة في ماء البحر وكنت زينة السماء ولكن كما تناط مرآة صغيرة من البلور إلى حائط فتشبه من صفائها موجة ضوء أمسكت ووضعت في إطار معلق..

وكنت يا قمر ...كنت ملء الوجود ولكنك ضائع في فكري...

************

وأما بعد حبها فأمسيت أراك أيها القمر ولست إلا طابع الله على أسرار الليل في صورة وجه فاتن كما أن كل وجه معشوق هو طابع الله على أسرار القلب الذي يحبه..

فأنت فاتن تحاكي في ضوئك وجهها لولا أنك بلا تعبير..

وانت ساطع بين النجوم ولو تجسمت صورة من أجمل ضحكات ثغر معشوق لكانتك ولو تجسمت القبلات المنتثرة حول هذا الثغر لكانتها..

وأنت زينة السماء ولكن السماء منك كمرأة سحرية اطلعت فيها حورية من حور الجنة فأمسكت خيال وجهها في لجة من النور ، فأنت خيال وجهها..

وأنت يا قمر .....
أنت ملء الوجود ولكنك أيضا ملء فن الحب

****************

أتذكر أيها القمر إذ طلعت لنا في تلك الحديقة وتفيأت بنورك عليها فغمرت أرضها وسماءها بروح الخلد حتى وقع في وهمنا انك وصلتها من سحر أشعتك بطرف من أطراف الجنة فهي ناحية منها..؟

أتذكر وقد رأيتك ثمة قريب من الحبيبة تصب عليها النور حتى خيل إلى أنها إحدى الحور العين متكئة في جنتها على رفرف خضر وقد وقف لخدمتها قمر..

أتذكر إذ نزلت علينا بآيات سحرك فخيلت لي أن العالم قد تحول فيها هي إلى صورة جميلة مرئية أمست لي وحدي فملكت العالم كله في ساعة من حيث لم أملك إلا الحب..

أتذكر ساعة جئتها بها من فوق الزمن وكان فيها للحديقة جو من زهر وجو من قمر وجو من امراة أجمل من القمر ومن الزهر..

*********************

أترى يا قلبي كأن في الوجود الذي حولنا أنوثة وذكورة فهو بالقمر تحت الليل يعبر عن نفسه تعبيرا نسائيا في منتهى الرقة ، لأنه قوي شديد وفي غاية التفتر لأنه مشبوب متضرم وفي غاية الدلال، لأنه في كمال الإغراء وفي أقصى الحياء ، لأنه يبعث بهذا الحياء فيما حوله أقصى الجرأة...

تعبير امرأة معشوقة جميلة ترف بأندائها وليس فيها إلا صفات...

وبالشمس على النهار يعبر الوجود عن نفسه تعبير رجل مقدام ليس فيه غير القوة والحركة والاندفاع ..

تعبير رجل جبار يحمل عزائمه التي يحترق بها وليس فيه إلا صفات النار(في الهامش: هذا رأي لنا لم نجده لأحد فكأن من المرأة مظلمة أبدا كليالي المحاق ومنها مضيئة ولكن على تفاوت باختلاف الأسباب ومنها ليلة البدر وهي الحبيبة عند محبها...كلها جمال ووحي وضوء ورقة وسحر...)

أترى يا قلبي كأن مدينة الحياة في النهار بصراعها وهمومها تحتاج إلى قفر طبيعي يفر إليه أهل القلوب الرقيقة بضع ساعات، فلذلك يخلق لهم القمر صحراء واسعة من الضوء يجدون فيها بعد تلك المادية الجياشة المصطخبة روحانية الكون وروح العزلة وسكينة الضمير ويدو فيها كل ما يقع عليه النور كأنه حي ساكن بفكر..

أترى ياقلبي كأن ضوء القمر صنع صنعة بخصائصها ليبعث في القلوب معاني القلوب الروحية من الفكر والحب كما صنع نور الشمس ليبعث في الأجسام قواها ومعانيها المادية من الحياة والدم..

أترى يا قلبي كأن هذا القمر يلقي إنما يلقي النور على الحلم الروحاني اللذيذ الغامض الذي يحلم به كل عاشق من أول درس في الحب ساعة ترسل الحبيبة إلى قلبه رسالة عنها ، ولا يحلم بمثله في غير العشاق إلا أعظم الفلاسفة ، وفي آخر دروس فلسفته وبعد أن تكون الليالي الطويلة قد أطلعت في سماء عمره قمر الشيخوخة من شعره الأبيض...

أترى ياقلبي أن هذا القمر تليسكوب يكبر صوره العواطف حين تبث في ضوئه فلا يطلع على الحبيبين أبدا إلا كبر أحدهما في عين الآخر..

أترى ياقلبي إنه ليس في الحب إلا عواطف مكبرة يثيرها دائما وجه الحبيب فلابد أن يكون وجه الحبيب طالعة فيه روح القمر؟؟

أتى يا قلبي.....آه أترى....

****************

algeroi
06-06-2008, 07:39 AM
يقول الاديب الكبير محمد صادق الرافعي كما في "اوراق الورد"

صلاة في المحراب الأخضر

شجراتي

"ولما غضبت ويبس ما بينهما ضاق بهجرها فانصرف إلا شجرات كان يخلو إلا نفسه في ظلها ونضرتها ونسميها وما فيها وما حولها وظن أنها تنبت شيئا في جدب الهوى أو ترمي بظل على رمضاء القلب فكان في وهمه كالذي يحاول أن يجد نساء من الشجر ..وهناك كتب هذه الرسالة في الربيع ...والتي بعدها في الشتاء.....

لي صديقات نم الشجر أعرفهن ويعرفنني منذ سنوات وهن ينزلن مني بعض الأحيان منزلة الحب لأن فيها شيئا من دلال النساء الخفرات أجد أثره في قلبي ولا أجد برهانه على لساني فإذا هممت أن أبن عنه وأبتغيه بالعبارة أخفته العبارة حتى لا يزيده البيان إلا غموضا وسوء معرض ولكن لكن إذا مضيت أفكر فيه تبينته أشد تبين فأحسست في ظلهن المستحي ونسيمهن المتنهد وغصونهن المنثنية شمائل حبيبة إلا نفسي ورأيت لها معاني لا تقع إلا في القلب ثم لا تقع نته إلا في الموضع الذي مسته يوما نفحة أو قبلة أو تنهد..

وإنما قيمة الأشياء بما فيها من أثر القلب أو بما لها من في القلب من أثر ولرب شيء تافه لا خطر له ولا غناء فيه ثم يكون في يد ك محب من حبيبه النائي أو الممتنع الهاجر فإذا هو قد تحول بموقعه من القلب إلى غير حقيقته فأطلعه الهوى من مطلع آخر ليس في الطبيعة فيرتفع ثم يرتفع حتى كأنه عند صاحبه ليس شيئا في الدنيا بل الدنيا شيء فيه ويكون ماهو كائن وينبعث منه روح ذات جلال أقل ما فيه أنه فوق الجلال الإنساني

هذه صغار الحياة حتى خالطها القلب أصبحت في الحياة أكبر كبائرها كأن قلب كل إنسان هو النقطة المحدودة له من الكون والكون كله مبعثر من حوله فلا بداية لشيء ولا نهاية لشيء ولا قرب ولا بعد ولا صغر ولا كبر ما يكون له قياس إلى القلب .........
والحب قدرة إنسان على قلب إنسان فهو من ثم قدرة قدرة على الكون التنصل بالعاشق وهو بهذه القدرة أشبه بألوهية لو ساغ في الظن أن توجد ألوهية عاجزة عن كل شيء إلا عن التصرف في مخلوق واحد وهو بكل ذلك إما حقيقة كبرى او سخرية كبرى.....

*************

تقوم شجراتي على مسيل من الماء في قاصية بعيدة عن المدينة وتراهن فوق الماء صفا إحداهن إلى إحداهن كأن هناك بقعة من الجنة قامت فيها قصور الزمرد على طريق أرضها من الفضة البيضاء المجلوة .

وأراهن كلا سنة يتجردون من الأوراق ليكتسين أوراقا مثلها لا تخلفها في شيء من الهيئة ولا تباينها في معنى الطبيعة ولكن بين ما يخلعن وما يلبسن تزيد فيهن الحياة وتشب الروح وتتجدد القوة فتلقى الشجرة أوراقها وتستقبل الشتاء مقشعرة جرداء لتظهر في الربيع كاسية جميلة ، جديدة في حسنها تتبرج بروحها قبل ثيابها ، كالحسناء الفاتنه أو ما يتحرك في دمها الحب...

كذلك لا تتبرج الروح إلا خارجة من شقاء أو مقبلة على شقاء ، وما أشبه الحب في الناس بهذا الربيع في الشجر هو الطريق الأخضر يمتد إلى الجدب واليبس والألم وإما إلى غاية منسية مهملة في الجفاء أو السلوة!

و>هبت في ضحوة النهار إلى صديقاتي أحييهن كعهدي بين حين وحين وما أكرمه عهدا لمن لا يختلفن من ملل ولا يتغيرن من ك>ب ولا يتبدلن من خيانة فلما جئتهن تحفين بي وتناولن قلبي يمسحنه ويتحببن إليه واقبلن يغازلنه ويأخذن فيه مأخذ من تحب فيمن يحبها حتي لم أشعر منه إلا ما اشعر من زهرة فيها أرجها العاطر أو ثمرة فيها ماؤها الحلو أو نبتة فيها لونها الأخضر...

ونبهن فيه برفقهن هذه القوة المتواضعة المظلومة التي تتوجه بالإنسان إلى ربه فتكون عبادة وإلى الناس فتكون رحمة وإلى بعض الناس فتكون الحب،فإني لتحت ظلالهن الوارفة وكأنني من السمو لتحت اجنحة الملائكة ، وإني لمع أغصانهن النضرة وكأني من السرور أداعب أطفالا صغارا تبسم لي وإني لبين أنفاسهن وكأني من النشوة مع الخيال الذي اتخيل...

تجلت علي القوة التي تحول الشعاع إلى ظل ، والهواء إلى نسيم والزمن إلى ربيع فكنت في الشجر الصامت شجرة متكلمة وانسللت من الطبيعة إلى طبيعة غيرها ووقفت بين عفو الله وعافيته في هذا المحراب الأخضر ومن ٌلبي المتألم أرسلت إلى السماء هذه التسابيح ذاهبة مع تغريد الطير ..

*************

يامن غرسني في الحياة كهذا الغراس بين الماء والنور ولكنه جعل جذوري كلها مستقرة مثله في الطين ..

يامن لا يؤتيني معنى شريفا ساميا على هذه الأرض إلا إذا عرفت بإزائه معنى وضيعا سافلا ، ولا ينضج ثماري ويحليها إلا بعد ان تنبت فجة مرة لا تذاق...

يا خلقني إنسانا ولكنه قضى على أن أقطع الحياة كلها أتعلم كيف أكون إنسانا ، كالبذرة : تقضي عمرها في إخراج شجرتها ونموها حتى إذا كملت الشجرة قطعت لأغراض أخرى غير التي من أجلها نبتت...

يا من وهب عبادة العقل بين هذه النواميس التي لا تعقل حتى لا يتم أبدا عقل إنسان ولا تكمل أبدا حكمة حكيم فيظل باب الخطأ مفتوحا لأكبر العقول واصغرها ، وتكون الحيرة قاعدة من قواعد العقل ، ليخرج من ذلك أن يكون التسليم قاعدة من قواعد القلب..

يا من جعل من شفائنا بالعلم داء آخر من العلم حتى لا يرتفع المضر من الأرض ولو صار اهل الأرض كلهم علماء....

يا من جعل النــاس في الحياة كأوراق الشجر ، من اليابسة التي تتقصف إلى جانب الخضراء التي ترف ، ثم إذا الناس جميعا كالأوراق جميعا ،يبست فارفتت(يعني تفتت) فطارت بها الريح تذروها فلا يعلم مستقرها ومستودعها إلا هو ..

ويامن خصني بهذا القلب العاشق الذي يتألم ويضطرب حتى عندما ألمس كتابا أعرف ان فيه قصة حب وهو مع ذلك يتكبر على كل آلامه ولا يخضع أبدا إلا جوابا على خضوع آخر فكأنه لا يدنيني ممن أحبهم إلا لأعرف ما أكرهه فيهم ، وهو من فرط رقته آلة إحساس جامدة لا قلب حي..!

ويامن جعل هذا القلب فيَّ كجناح الطائر لا يطير ولا يرتفع ولا يسمو ولا يتقاذف إلا إذا نشر هو جناحه الآخر فلا ابحث عن الحب لأجد الحبيبة وجمالها وحبها ، بل قوتي وسموي وكبريائي

يا إلهي :تقدست وتباركن، إني لا أنكر حكمة آلامي فما أنا إلا كالنجم :إن يسخط فليسخط ما شاء إلا ظلمة ليله التي تشب لونه وتجلوه ولولاها لما رأت العين شعاعة تلمع.....

لم تعطني يا رب ما أشتهي كما أشتهيه ولا بمقدار مني ، وجعلت حظي من آمالي الواسعة كالمصباح في مطلعه من النجوم التي لا عدد لها ولكن سبحانك اللهم لك الحمد بقدر ما لم تعط وما أعطيت ، لك الحمد أن هديتني إلى الحكمة وجعلتني أرى أن نور المصباح الضئيل الذي يضيء جوانب بيتي هو أكثر نورا في داخل البيت من كل النجوم التي ترى على السطح وإن ملأت الفضاء...

سبحانك اللهم ، إن هذا الشجر ليتجرد ويذوي ثم لا يمنع ذلك ان يكون حيا يتماسك ويشب وإنه ليخضر ويورق ثم لا يعصمه ذلك أن يعود إلى تجرده ويبسه ، فما السعادة أن نجد الزينة الطارئة ولا الشقاء أن نفقدها ، وما الشجرة إلا حكمة منك لعبادك تعلمهم أن الحياة والسعادة والقوة ليست على الأرض إلا في شيء واحد هو نضرة القلب..!

سبحانك ، إن الساخط على الحياة والحياة منك ، ليس إلا كورقة في شجرة قد بدا لها فسخطت شجرتها وعملها ونظامها ولونها وانتزعت نفسها وهوت في التراب لتخلق أوهامها وتخرج من نفسها على ما تحب شجرة جمال ولون وثمر فإذا هي اهون على الأرض والسماء من أن تكون إلا ورقة يابسة قد هلكت حمقا وارفتت رغما وهوانا

وضاعت فيما يضيع.


سبحانك .سبحانك.

اللهم لا تجعل ما يرفعني يقذفني.

ولا ما يمسكني يرميني.

ولا ما ينضرني يجفو بي..

**************

ولما فرغت من ابتهالاتي ، اتكأت على حبيبة منهن وجعت أفكر وأنا أحس كأن كل شجرة تضع قبلة ندية على قلبي أو كأن غصنا مطلولا ينفض طل الصباح قطرات في دمي ..

وسالت نفسي: لم لا يكتس الشجر كل عام جنسا من الورق ، فإذا اخضر هذا العام احمر من قابل ، ثم يصفر في الذي بعده ، ثم يكتسي من الوشي الأزرق في الذي يتلوه ، ثم يطلع في الديباج الأسود وهلم إلى عدد الألوان خالصة او متمازجة؟؟

أذلك لأن الطبيعة عاجزة عن التفنن ، أم لأنها شحيحة مقتصدة ؟أم لأن تركيب العام قائم على أن تبقى الحقيقة قائمة كما هي لا تتغير ، ام لأن كل شيء يستمر على ونيرة واحدة ليظهر جانبا معينا من حكمة الله؟ فينشئ جانبا معينا من ذوق الإنسان وفكره ، أم العالم كله كلمات صريحة تقول لهذا الإنسان :...إنك أنت وحدك المتقلب المتلون؟

*************

ثم مددت يدي فصرت غصنا من تلك الأماليد الناعمة اللينة، فإذا هو ريان تجد مس الماء في قلبه ، ولكنه اقبل في يدي بعد قليل على الموت وأنشأ يذوي مضمحلا ، فجعلت اتأمله فلم أرَ جزعا ولا خورا ولا إشفاقا من أمر يأتي ولا إشفاقا من أمر يأتي ولا حنينا إلى شيء مضى ، فعلمت أن القوة كل القوة ألا يجزع الحي ، فإذا هو لم يجزع يجبن ، وإذا أمن الجبن لم يستذله شيء ولم يكن الشقاء في رأيه شقاء بل مصادمة بالحياة لبعض نواميس الحياة ومضى كما هو جزءا على وضعه في الكل الذي هو فيه فتساوق مع الكل وبقوة هذا الكل ، فامن المنافرة واتقى على نفسه آلامها فإن لم ينعم بشيء فقد نعم بأنه راض مطمئن وما في المهنا أكثر من الرضا!

قال لي ذلك الغصن الأملد وهو يموت في يدي ويعاج سكراته : أيها الإنسان الضعيف ، هاأنت ذا تراني رؤية العين وتعرف بي سرعة انقطاع الحياة وتستيقن مني ان ما يجيء بطيئا يذهب حين يذهب سريعا، وأن طرفة عين من ساعة الموت تمسح السنسن الطويلة والعمر المتقادم وتقفل الباب على هذا العالم كله فكن غصنا في شجرة الحياة، ولكن اعلم مثلي أن الشجرة لا تعلمك مثبتا فيها بالمسامير ولا مشدودا إليها بقوة أزلية ، فلك منها المنبت على أن تمون قابلا للكسر ، ولك منها الزينة على أن تكون قابلا للتجرد وإنما أنت فيها كما أنت لتظهر فيك حقيقتها كما هي فليس لك أنت حقيقة .

أيها الإنسان ، إن للشجرة تماثيل يرفعها الله في كل مكان يوجد فيه الإنسان لتقول له كن دائما ذا فروع لتظلل بأبنائك موضعك من التاريخ ، كريما في حياتك تعطي مما تأخذ كن طاهرا تعرف كيف تستمد من كل شيء شيئا واحدا يعيش عليك ، كن مع جنسك مختلف الظاهر على جرثومتك وموضعك فذو ثمر أو زهر أو شوك....... ولكن ابق مع غيرك من الناس على قانون واحد.

يا شجراتي ما أنتن إلا من بعض صور الحب ولكن حبكن من النعمة والعافية ، إذ لا تنتهي في النفس معاني شهواتها ، بل معاني لذاتها فقط..

أنتن المثل الهنيء الذي لا بؤس فيه ولا حظ كالمعبد الذي تحمل إله الآلام والأوجاع لتنسى فيه هنية من الزمن ولهذا يقبل عليكن الحكماء وأهل النفوس الحاسة والطباع الرقيقة ، ياتون بالأنفس الذابلة والقلوب المتوهجة في ضعفة وسأم ليرجعو في هذه وهذه باللون الأخضر وبرح النسم في قوة عزيمة..

**************

لا بؤس ولا حظ في القاعدة الطردة التي تجري على وتيرة واحدة وكن حين تختار الحكمة الإلية شخصا بعينه لتجري عليه الحكم الشاذ من القاعدة وتهيئ له الأحوال الشاذة فهناك إما حقيقة البؤس وإما حقيقة الحظ .وما أصل الهم والشقاء في الإنسان إلا أن كل إنسان يتمنى لنفسه ان يشذ من قاعدة ما ..........

algeroi
06-06-2008, 02:33 PM
يقول الاديب الكبير محمد صادق الرافعي كما في "اوراق الورد"

قال القمر

ياليل : هيجت أشواقا أداريها .....فسل بها البدر :إن البدر يدريها
رأى حقيقة هذا الحس غامضة ....فجاء يظهرها للناس تشبيها
في صورة من جمال البدر ننظرها...وننظر البدر يبدو صورة فيها

**************
يأتي بملء سماء من محاسنه....لمهجتي وأراه ليس يكفيها
وراحة الخلد تأتي في أشعته ..... تبغي على الأرض من في الأرض يبغيها
وكم رسائل تلقيها السماء بها .....للعاشقين فيأتيهم ويلقيها

*************
يقول للعاشق المهجور مبتسما :......خذني خيالا أتى ممن تسميها
وللذي أبعدته في مطارحها ......يد النوى ، أنا من عينيم أدنيه
وللذي مضه يس الهوى فسلا:......أنظر إلى ولا تترك تمنيها

*********
أما أنا فأتاني البدر مزدهيا .....وقال جئت بمعنى من معانيها
فقلت : من خدها ، أم من لواحظها .....أم من تدللها أم من تأبيها
أم من معاطفها أم من عواطفها..........أم من مراشفها ام من مجانيها
أم من تفترها ، أم من تكسرها .......أم من تلفتها أم من تثنيها!؟
كن مثلها لي .جذبا في دمي وهوى ...أو كن دلالا وكن سحرا وكن تيها
فقال وهو حزين : ما استطعت سوى ........أني خطفت ابتساما لاح من فيها

ياسمين
06-06-2008, 02:36 PM
السلام عليكم

أخي العزيز algeroi أشكرك جزيل الشكر علي ما قدمته ولا تزال تقدمه لنـــــــــــــــا

أثمن لك هذا المجهود الجبــــــــــــــــــــــــــــــــــاّر

تحيـــــــــــــــــــــــــــــاتي الفـــــــــــــــــــــــــائقة

algeroi
06-06-2008, 03:02 PM
السلام عليكم


أخي العزيز algeroi أشكرك جزيل الشكر علي ما قدمته ولا تزال تقدمه لنـــــــــــــــا

أثمن لك هذا المجهود الجبــــــــــــــــــــــــــــــــــاّر


تحيـــــــــــــــــــــــــــــاتي الفـــــــــــــــــــــــــائقة


حسبي ان اكون "ناقلا" لهذه الجواهر المغمورة بمحيط النسيان عسى ان تقدم لزوار الشروق رسائل عن جمال لغتنا وروعة اساليبها وشاعرية ادبائها هم "وحدهم" من قدم ولا زال يقدم مجهودا "جبارا" ينفض عن نفسه بنفسه ركام الذكرى وياتي بالجديد المفيد لشعراء وادباء حاكمهم خصومهم لفكرهم واقاموا على رفاتهم محاكم للتفتيش تمنع دون الغوص في اعماقها واستخراج دررها رواسب من اوهام
هي "محطات" اتوقف عندها كلما اتعبني السفر على بساط الشروق
لعلها تدعوا غيري اليها فتصير كصدقة جارية بل كواحة غناء في صحراء الافكار ..
شرفني مرورك لك مني اعطر سلام

algeroi
07-06-2008, 08:39 AM
يقول الاديب الكبير محمد صادق الرافعي كما في "اوراق الورد"



نظراتها....




أكتب إليك يا حبيبت كتاب عيني ، إذ أكتب عن نظرتك السحرية التي أجد لها في قلبي معرض فن كامل من صور المعاني الجميلة فإن نظرة الحب تقع موقعها في العين وحقيقة معناها في القلب ، كأختها قبلة الحب :هي في الفم وحلاوة طعمها في الفكر..



أتدرين يا حبيبتي كيف أراك ، إن في عيني من أثر حبك ما جعل في نظري قوة خلق معنوي تريني كل شيء من فوق معانيه...كأني خلقت فيه جمالا أو معنى ، أو خلقت فيه القدرة على أن يسمو في روحي ويرتفع بها فوق ما هو في نفسه وحقيقته وعلى الجملة فكأني أسبغ الفن على المادة ، فإذا كل شيء يُرى هو في عيني شيء ألبس مجازا أو استعارة أو نحوهما مما يحقق فيه مع صنع مادته عمل فكري وخيالي..



في نظري من أثر حبك حس من الفكرة ، فهو نظر وتقدير معا والأشياء لديه مادة وعبارة سواء ، والإدراك به حقيقة وخيال جميعا، وبكل ذلك فالجمال في نظري جمال في نظري جمال من ناحيتين: حسنه في ذاته ...وحسنه في خيالي الذي يجعله أسمى من ذاته.



ولو أردت مثلا أضربه لقلت لك :


خذي جمالين في معنى واحد فإني أنشأت حديقة زهر .ولكني لا أقول لك أنت غرست حديقة بل أقول لك غرست الفجر..



ومن ذلك يبدع لي الحب فكرة عنك لو هي كانت في خاطر ملك من الملائكة يمر بها في السماوات لما زادت ولا ارتفعت عما هي في نفسي ولو دخل بها الجنة....



بهذه الفكرة أراك وفيك الجمال النسوي كله فإذا نظرت إلي غيرك لم أر فيها إلا شخصها هي حسبه..( هامش حسب :فقط والهاء هاء السكوت للوقوف على الكلمة)



كذلك أراك بحس الشاعر الذي يضيف دائما إلى الحياة والطبيعة زوائده وفنونه ، ولكني اراك أيضا بحس الطفولة التي تضيف غليها الحياة والطبيعة دائما مثل تلك الزوائد والفنون فما احسبني رأيتك مرة إلا وكأني رأيت فيك اول أنثى وكأنما الحب هو بدأ الدنيا مرة ثانية من أولها ، أي ولادة خيالية : إن لم تولد بها الأشياء في أشكال جديدة فبألوان جديدة ، أي زخرفة الوجود كله ونقشه لعين العاشق بجمال المعشوق كأن الوجود بيت قد طلي ونقش وزخرف لأنه ستدخله عروس الحب!



وانظري الآن يا حبيبتي صور نظراتك من قلبي فإن لها بعثات من ورائها بعثات وفيها المعاني من تحتها المعاني..



فهذه نظرات تمتد تأمر تشعرني قوة سلطانها كأنها تقول :


أريـــد...أريــد...ثم لا يرضيها الرضا فكانها تقول أريد منك أكثر مما أريد...


ونظرات تجيء تشعر النفس قوة سحرها فلا تتفتر بها عيناك حتى أرى الحياة وقد ملأت وجهك بفن من الأنوثة الساحرة كأنما ابدعته لك خاصة..



ونظرات من عين ساجية ساكنة الطرف كأنها تقول لي :


إن نظراتي إليك بعض أفكاري فيك...



ونظرات بتقطع الطرف بيني وبينك فيها ..كأنها تقول لي أفهمت ....



ونظرة طويلة صارمة لها سيماء قاض محقق تبحث فيّ عن توكيد لتهمة أو براءة!


ونظرات من عين تسال متجاهلة وقد شطرت بصرها كأن فيها فكرين أحدهما يقول أعرفك والآخر يقول لا أعرفك...



ونظرات الحبيبة لألآت بعينيها كأنها تقول لقلبي أنت جرئ كالفراشة ...


ولكن على الشعلة المحرقة .


ونظرات الجميلة المزهوة كأن فيها شيئا أعلى من أرواحنا يوضح لمحات من الجمال الأزلي ..


ونظرات الضاحكة اللعوب تنفر وتتدلل كأنما تقول لي :


إنها تحس أفكاري تداعبها وتلمسها .


ونظرات الخفرة الحيية التي كأنما تحاول أن تخفي سر قلبين تحت كسرة طرف ضعيفة...


ونظرات أراها محدجة كما تنظر من روعة وفزع حين لا فزع ولا روعة ،فأعلم أن الجمال يهاجمني بسلاح خوفه..



وهذه نظرة _نظرة واحة _يقول من يعرف أساب معاني الحب :


إنها ربما كانت أخت القبلة ....فهي قصيرة لا ينفتح بها الجفن حتى ينطبق....



وهذه نظرة طويلة قوية في جذبها ، فربما كانت أخت العناق..



وهذه نظرة يجشع فيها بصر لأن تهمة لك من عيني التقت مرة باعتذار لي من عينك .


وهذه نظرة من معنيين تحتمل كليهما إساءة الدلال إلى وإحسانه علي ..



وهذه نظرة بين اللقاءين (لقاء الغضب ولقاء الرضا)تجذب في قلبي الخوف والأمل بمقدار واحد ......


تلك يا حبيبتي صور نظراتك في معرض قلبي وتقابلها هناك الصور الأخرى التي لا تريدين أن أصفها لك ....


لأنها الصور المسكينة ....


صور أحلامي....



**********************

آآآه يا دزاير !
07-06-2008, 03:09 PM
طبعا أسلوب الرافعي أسلوب مميز جدا و له بصمته الخاصة
شكرا جزائري

algeroi
07-06-2008, 03:15 PM
طبعا أسلوب الرافعي أسلوب مميز جدا و له بصمته الخاصة
شكرا جزائري

لا شكر على واجب لك مني .. سلام

algeroi
08-06-2008, 07:14 AM
يقول الاديب الكبير محمد صادق الرافعي كما في "اوراق الورد"

من قلمها..

وهذه فصول منتزعة من رسائلها نشرناها مقتضبة تلمح بمعانيها لمحا ليكون في هذا الاقتضاب شيء من الإبهام فتكون مع الإبهام كأنها لم تنشر ، مادامت هي تقول إنها لم تكتبها لتنشر....

فلسفة تأخير الرد..

أخرت جواب رسالتك لتجيب عني بظنك ..
وستجيب بأنواع متناقضة ما يسوؤك ويسرك ..
وتضع في أجوبتك مئة نعم ومئة لا ..
ثم يأتيك بعد كلامي فينزل من نفسك منازل لا منزلة واحدة ، إذ تقابله بكل ما قدرت في نفسك من قبل ، فيسرك على قدر ما أحزنت هذه النفس ، ثم يعطيك من اليقين ما يسرك من ناحية أخرى بمحو الظن!!
هذه سياسة بعض ما يحتاج إلى الشرح في بعض علاقات النفوس يكون السكوت الطويل فيها هو أطول شرح للكلام الذي يأتي بعده....
يفسره تفسيرا غير مكتوب

algeroi
08-06-2008, 04:53 PM
يقول الاديب الكبير محمد صادق الرافعي كما في "اوراق الورد"

طفولة فلسفية..

أظن هذه الفترة التي انقضت في سكون ظاهر كانت كلها أحاديث ، أحاديث طويلة لم تعلم ..
إذا أنا سألتك مرة :أين البرهان ...
لم يعجزك أن تأتي به من بلاغتك،وقد لا تكون ثمة قضية يقوم برهانها ، ولكنك تجعل البلاغة الساحرة نفسها قضية على ما ترسم ،كأنك مهندس منطق وبذلك تطمئن دائما لتأثير قوة يراهينك ،أي لإقناعي أنا.راضية أو غير راضية...
أما أنا فأقدم براهيني بسذاجة الأطفال الذين لا يعرفون ولا يستطيعون إلا أن يكونوا أطفالا وأقوى برهان الطفل أن يكون الطفل نفسه برهان عليه ....
فما عساك تقول أترى الطفل هو عنك أيضا قضية بلاغة؟..
لله من الكناية إليك!
ما أشدها طربا وأشدها صعوبة في وقت معا ، فأنا أخافك لأنك تستشف من الأحرف مالا يتبينه سواك من الصفحات ، وغريب أنني مع شدة هذا الخوف لا أكاد أمسك القلم حتى أسير به أو يسير بي أو نسير معا..
ليس في أحد تروية ولا حذر ،كأنني أخاطب نفسي أو هو يكتب مذكراتي ...
أي من قلبي لقلبي ...
أتعجبك هذه الطفولة في الحديث...
نعم هي ألفاظ كالتي في ألسنة الأطفال ، لا في تلك التي في الكتب أو في صناعة البيان ، ولكن إذا أنت لم تغض عن ظاهرها فأين إذا الحفاوة بالمكنونات التي لا يراها إلا من خبئت له.....؟

gamalove2002
08-06-2008, 06:53 PM
شكرا جزيلا لك اخي
لازلت تتحفنا بما لذ وطاب من ادب
اديبنا الكبير الرافعي
ننتظر دوما المزيد

فالاعمال التي الفها تنقل لنا دوما شيئا
من حسه الراقي
تحياتي لك:)

algeroi
09-06-2008, 09:10 AM
يقول الاديب الكبير محمد صادق الرافعي كما في "اوراق الورد"

قياس الأشياء في الحب...

كم أراك تحتاط بطريقة ناعمة لا تصدم كبرياء النفس إلا قليلا ولكن أيذهب عنك انها حين تصدمها قليلا تكون قد صدمتها وكفى ..

ليس كل قليل هو قليلاً(هذا الضمير في مثل الموضع يسمى ..ضمير فصل ...وهو حرف لا اسم ) ولا كل كثير هو الكثير فقياس الأشياء بين الأصدقاء(انظر !!) لا يكون في الأشياء ذاتها بل في صلة الإحساس التي تكون في أنفسهم ...

لأنها إنما تقدر بمقادير الشعور لا بمقادير المادة ...

أما رأيت هذه الصلة الوثيقة أيام كنت مريضا ...قد جعلتك مريضين!!
إذا كنت على ثقة من هذه القضية فأنا الآن راضية عن هذه الابتسامة الطويلة التي أثق أنك تبتسم بها وإن كنت لا أراها

algeroi
09-06-2008, 09:56 AM
يقول الاديب الكبير محمد صادق الرافعي كما في "اوراق الورد"

البربرية

باركت الوخزة التي فجرت منك هذه الآيات الساحرة وكدت أدعو لك بالآلام والأوجاع مادت لا تكتب إلا من جرح ………….

أتعجبك تمنيات هذه الصديقة البربرية

ألا فليهنأ بك هذا القلم الذي اوتيته فن ما كتبت به سيبقى دائما على آفاق هذه اللغة سحابة وحي تحمل تنزيلها.

وتالله من يتذوق طعم البراءة التي تقطر بها براعتك ، ليظل من بعدها في جوع دائم كجوع الأغنياء للذهب.

أراك تبتسم الآن بسمة الرضا : أفيعجبك ثناء هذه الصديقة البربرية…؟

السيد

تقول إن حبك مسرف وعداوتك متقصدة وإن هذا الحب كخضوع المستبد، والاستبداد في نفسه قوة فهو إذا خضع كان واثقا أن خضوعه قوة أيضا وإن هان وإن ذل..

يا صديقي السيد …
نعم ثم نعم ولكن كلمتك تجعلني أرى في صلتنا هذه نوعا من تطفل الفتاة على سيادة الرجل ، إذا تقتحم بها الفتاة وإذ تجرء ألا تضع هذه الصلة موضعها الطبيعي؟ إن هي إلا خضوع وطاعة وعبودية للسيد…..

أليس كذلك ايها السيد…..

أما والله إن الرجل مهما يغلب نفسه ويحملها على الرقة ليصليها بنعومة الأنوثة من جانبها المصقول الناعم، فلا بد ان تغلبه نفسه مرارا حتى تظهر حقيقته الجافية الخشنة التي خلق منها ولها..

ولو أن حجرا أحد جوانبه ماس رقيق وسائر جوانبه الاخرى حجر ثم مسته الحياة فتمثل بشرا سويا لكان رجلا متحببا متظرفا مثلك يا سيدي ….وهو من جانب واحد يعتبر المحب ، أي الماس ومن ثلاثة جوانب يعتبر السيد أي …أي الحجر…!!

السيد ايضا…..

لا يسوؤك أيها الصديق ! فوالله ما أنا بالتي ترغب الإساءة إلى عدو …فكيف بها إلى صديق …
وإلى صديق عزيز ؟؟
أيغضب السيد من وصفه بالسيد…..!

ولكن ما كانت الصداقة لتحمل في يدها ميزان العدل لكل كلمة وكل معنى وكل إشارة، بل إنها لتصفح كثيرا عن كثير لتجعل الحق الذي لها أن تستوفيه كاملا كأنها حق عليها تؤديه كاملا فتكبر بتسامحها وتنمو…

كن أنت الحاكم على نفسك انتصافا لما ظلمت به نفسا أخرى …

وإني اهز يدك بقوة تؤكد لك أن حرارة الإخلاص هي ابدا قوية من أنها إخلاص، متجددة من أنها قوية، باقية من أنها متجددة………
وبكل هذا هي الحب وهي الصداقة…

هو المرض ولكن

نعم هو المرض الذي استحق منى كل هذه العناية ، ولكنه المرض على أنه في جسمك

أنا إنسانية اعطف على كل احزان العالم ، ولكني لو تألمت لكل المتألمين لما أثاروا في نفسي إلا الجزء الأصغر مما تثيره فيًّ آلام صديق…

ولو تألمت بنفسي أو لنفسي لاحتملت ، ولكن المي بك وشفاؤه فيك …
فهو الم وجزع واضطراب …
أتألم بثلاثة من حيث لا تتألم انت إلا بأحدها…

نعم إن المرض هو الذي أثار فيّ كل هذا ، ولكنه المرض على انه في جسمك !!!!

جو طليق وحرية..

أنت كما تقول :
في الجو الطليق وفي حريتي المعبودة ، يحويني الفضاء وأحويه ولا قيد ولا حد ولكن مع كل هذا فهناك هماك في الجو جاذبية ، وهناك للحرية أشواق ، وما يعين لنا حدود مسراتنا إلا آلامنا…

أضيفك كلمتك إلى سجل هفواتك في حق هذه المخلوقة التي لا ذنب لها سوى طيبة نفسها …
ومن استحق أن تكون طيبة نفسه من ذنبه ، فقد استحق أن تكون من عقابه عند نفسه أتريد مني التوبة عن أن أكون لك طيبة النفس……؟

algeroi
10-06-2008, 07:51 AM
يقول الاديب الكبير محمد صادق الرافعي كما في "اوراق الورد"

افتح للشمس ….

أعجب لقلبك ، يأبى أن يحتبس في هذه الفكرة المظلمة التي توهمك أني أسأت إليك وقصدت بالمهانة ....هل القلب يعادي صاحبه أحيانا فيعاديك قلبك ويأبى عليك إلا أن تصر وتكابر وتغلق النافذات كلها ثم تذهب تتهم الشمس ؟؟

ما حيلة الشمس في الحيطان والأبواب التي أنت تقيمها ؟؟
افتح لها تدخـــــــل...

من بعـــــــــــيد..

أكاد والله أنسى أني بعيدة عنك هذا البعد كله ، بعدا يتقاذف بكلماتي مسافات ومسافات إلى أن تؤدي إليك شعوري ولا أعلم هل يسلبها البعد هذه الصيغة الحقيقية التي أراها لها وانا أكتبها....

وأراها لها حين تتركني ذاهبة إلى البريد؟

وأنا على هذا البعد حين أقرؤك أراك وإنك لأقرب إليّ ممن هو أقرب إلى ، وأشعر بالكلمات حارة متنفسة بين يدي كساعة كتابتها ....كأن قلبي كان عندك وأنت تكتبها فلما جاءته .جاءته على عهده بها ....

هناك مهما ابتعدت دائرة أنس لنفسي تسكن إليها وتتعلق بها ، ولا تجعل محيط أفكارها إلا منها ، فأنا بنفسي في هذه الجهة البعيدة التي تفصلك عني ..ولكني بها أيضا في المكان الذي أنت فيه ...


***

هاأنذا يا حبيبتي أجلس لكتاب الشوق ، وفي يدي القلم ومعانيك مني قريبة تكاد تحس وتلمس على تباعد ما بيننا ....

لأن ما فيك هو في قلبي.

وهذه عينك الظاهرة دائما بمظهر استفهام عن شيء ، لأن وراءها نفسا متعنتة تأبى أن ترضى ...
أو حائرة لا تكفيها معرفة أو غامضة تريد ألا تفسر ، أو على الحقيقة لأن وراءها نفسا فيها التعنت والحيرة والغموض ، إذ عرفت أنها معشوقة...

هذه عينك من وراء البعد تلقي علي نظرات استفهامها فتدع كل ما حولي من الأشياء مسائل تطلب جوابها من حضورك ومرآك لا غير وبذلك يهفو إليك القلب بأشواق لا تزال تتوافى ، فلا تبرح تتجدد ، فهي لا تهدأ ولا تسكن و ، وكأن غيابك سلب الأشياء في نفسي حالة عقلية كانت لها ، كما سلبني أنا حالة عقلية..

وآه من تباريح الحب! إنها لوحوش من الأحزان ثائرة ، فكل راجفة من رواجف الصدر كأنها من حر الشوق ضربة مخلب على القلب...

الشوق ...

وما الشوق إلا صاعقة تنشئها كهرباء الحب في سحاب الدم يمور ويضطرب ويصدم بعضه بعضا من الغليان، فيرجف فيه حين الرعد القلبي يتردد صداه آه آه آه ...

******

والآن يا حبيبتي ألقت عينك الساحرة عليّ نظرة استفهام أخرى بالصبابة ورقة الشوق، فأحسست بروحي كالغصن المخضر أثقله الزهر وقد طفقت أزهاره تتفتح وتسلم النسيم ودائع الجنة من نفحاتها وتسليماتها عليك..

وأشعر بالقلم في يدي وكأن له شأنا مع الكلمات التي أكتبها لك ، فهو يخطها حرفا حرفا ، ويقبلها كذلك حرفا حرفا...وكأنه الساعة ذو هيئة إنسانية (الريشة) التي فيه تمتد إلى الكلام امتداد الشفة الظمأى بالقبلات الكثيرة المخبوءة فيها!

وأشعر بالقرطاس وكأنه قد علم أن سيحمل أشواقي وأسرار قلبي فلا يعد صحيفة ورق تموج بالألفاظ بل صحيفة صدر ملأها جو من التنهد ....
آه آه آه ....

******

وبنظرة استفهام أخرى من عينيك أشعر بحقيقتك النسوية من حولي حافة بي..

فمرتجة في صدري ، فملقية على قلبي المسكين من كل خطرة شوق لسعة ألم ...

نعم إنك يا حبيبتي ترسلين الأنوار في هذا القلب ، غير انها لم تكن أنوارا إلا من أنها شعلا مضطرمة ، والمحب الذي يضيئه عشقه ويظهر للجمال، وجوده الغرامي ، إنما ينيره احتراقه وفناء وجوده الذاتي ، كل قدر من النور بقر مضاعف من الاحتراق...

وكذلك البطل العظيم في الحرب تنهش من لحمه السيوف ويثقب في عظامه الرصاص وما مرقه الموت بهذه ولا تلك ولكن مزقه مجده !!

أما إنك يا حبيبتي لو ضربتني بسيف لقتلتني قتلة معطرة ...

أما إنك لو ضربتني بسيف لما كانت قد زدت بسيفك وضربتك على أن تكوني خلقت الحسن في نظرة قاسية من نظرات عينيك..
وهكذا علمتني حقيقتك أن الحب إن هو إلا تفسير كل شيء في العالم تفسيرا من القلب

******

أنت ممزوجة بآلامي وآلامي منك هي أشواقي ، وأشواقي إليك هي أفكاري ، وأفكاري فيك هي معانيك في نفسي ...

ومعانيك هي الحب ....

ولكن ما هو الحب إلا ان يكون آلامي و أشواقي وأفكاري ومعانيك في نفسي .؟

ولروحك أنفاس تناسمني فأستنشقها مهما انصدعت المسافات بيننا ، كأن ما ملء النفس يملء الكون فمن شعوري الدائم بانسكاب روحك في روحي ينبعث غرامي ويرصد بهواك لي في منفذ كل معنى لى نفسي ، ومن هذا تنبعث أشواقي الحزينة ما دمت لا أراك وإذا كان الغرام هو سكر الروح بالروح ، فما الشوق إلا التمرد العنيف من حواس الجسم المحب إذا حرم أن يسكر بالجسم الذي يحبه ...

******

في بعدك لا أشعر بالزمن يفنى من الساعات والأيام ، بل مني ومن حياتي ، فأنا من بعدك أذوب ، أذوب فناء ، أي أذوب شوقا ، وأفنى صبرا وعمرا بين كل ساعة وساعة!

يا رحمة للمشتاق حين يكون فيما حوله وهو بعيد عنه ، وقد يتكلم بالكلمة وهو مسيرة شهر من معناها ....

ويعيش في سكوت ملأته أرواح ألفاظ محبوبة تريد بما وسعه أن تتكلم ..

ولا يمكن أن تتكلم ...
إذ الفم الجميل الذي ينطقها بعيد في وديعة النوى ، ويروي أنه هو وحبيبه ناحية فكرية من نواحي الدنيا بعيدة عن الناس والأشياء ، كأنهما معتكفان في عزلة ، ومع ذلك فالحبيب عنه في بعـيد ، فكأنما المسكين غريب في دنياه وفكره معا ...

ويحس الآلام لا تنتهي ،إذ كانت هي أشواقه الدائمة الحنين إلى من يهواه ، فالألم فيه يبدأ ولا يزال يبدأ....

ومن ذلك فأشواقي لك يا حبيبتي دائما تبدأ ولا تزال تبدأ ...وأنا دائما في أولها ..
آه من هذه الأفكار الحزينة التي جاءت تبحث عن دموعي ...
وما هذا المعنى الناري الذي يطير في دمي ...
وما هذا الرعد القلبي الراجف يتردد صداه : آه آه آه...

algeroi
11-06-2008, 02:24 PM
يقول الاديب الكبير محمد صادق الرافعي كما في "اوراق الورد"

رسالة الطيف

ألم بي طيفها بالأمس ، فاقتحم بناء النسيان الذي رفعته بيني وبينها وألقيت كبريائي في أساسه حتى لا يرجف ولا يتصدع وأعليته بهمومي منها وشددته بعزائمي وثقتي وجعلته بإزائها كالمعبد من الزنديق إن لا يكن لا يسخر من ذلك إلا هذا فما يلعن هذا إلا من ذلك ....
ولم ينكشف الليل حتى رأيت معبدي أطلالا دارسة قد خلعتها روح السماء فلبستها روح الأرض فتحول كما يتحول الزاهد في سمته ووقاره وتعففه إلى الشحاذ في تبذله وحرصه وإلحافه، وتصدع فنونا وتبدل أشكالا وسرى طيفها في نيتي مسرى الزلزلة الراجفة في بقعتها من أرضها تشق في الأرض والصخر والجبل ما يشق المقراض قي سرقة من الحرير (يعني شقة من الحرير الرقيق والجمع سَرَق) بل اسرع وأقطع وأمضى ...

ولو حدث بعد الذي فعل طيفها أن مدفعا من المدافع ألقى ظله على الأرض فانفجرت من ظله القنابل تخرب وتدمر وتأتي على ما تناله والمدفع ذاته قار ساكت لقلت عسى ولعله ، وأمر قريب ، ولعل المدفع كان امراة...

*****************

ولكن تحت أطلال نسياني وما تخرب من عزيمتي انكشف لي كنز من الخيال دخلته وملكته، ولم أر فيه الدر والجوهر والألماس والياقوت في جسم الأرض ، بل رايت فيه الحبيبة تسطع من جسمها البديع حقائق كل هذه الجواهر الكريمة حتى لكأنها والله في غرابة الحلم حسناء من در و ألماس وجوهر وأشعة تتلألأ ، وما شئت أن ارى صفاء ولا جمالا ولا حسنا ولا فتنة إلا رأيت فيها ......

طيف جاء الروح المهجورة بالحبيبة فاستنشتها كما هي نسمة طائفة على روضة من الورود ومر بروحي التي جفتها هي وجرحتها مرورا أنعم من لمس الشفة للشفة ، وغمرها بمحاسن تملؤها ذوقا وطيبا ، وتحول هو معها روح قبلة مشهاة على انتظار طويل ففيه مسها ولذتها وحلاوتها .

وفي الحلم يتجلى الحبيب لمحبه كما هو داخل في نظام عقله وكما هو مستقر في امانيه ، فيكون على ذلك كأنه من خلق النفس وتصويرها، فتفتن به أشد الفتنة وكأنها لم تر معانيه في أحد قط ولا فيه هو نفسه ، ومن هذا قلما ناجى الحبيب في رؤياه أو طارحه الهوى أو الحديث أو نوله مما يشتهي إلا انتبه المحب وكأنه لم يلم به من هذا كله شيء ، بل ذاب هذا كله في دمه حلاوة روح لها طعم ومذاق...

يا للرحمة من طيف يعذب العاشق بالرحمة ...إذ ينقل الحبيب كله إلا الحبيب نفسه ....ويحقق المحب أمانيه إلا بهذه الاماني ويختم على ظلمة الصدر بألوان من نهار يموت قبل النهار ....وفي عالم معذب من الهواجس والخيالات العاشقة المستلبة إرادتها ، ينصب عالم نعيم من الهواجس والخيالات المعشوقة مستلب الإرادة أيضا فكأنها سخرية النفس من جنون صاحبها ........

ياللرحمة.

وتحت أطلال نسياني وما تخرب من عزيمتي . . . ظفرت بقصورة كأنها من مقاصير الجنة لها جو عبق نافج مليء من الإحساس الخالد والشعور الطروب ، كما مليء بالأسرار والألغاز ، ترف عليه معاني الضحكات والنظرات والابتسامات . . تمازجه تعابير الصوت والموسيقى والثياب الحريرية والروائح العطرة يسبح في ذلك كله جلال الحب وجمال المحبوب وروحي العاشقة ! !

وارتفعت حقيقتنا كلينا إلى عالم الكنايات والمجازات والاستعارات ، فكان الحب ثمة يتخذ شكله السماوي فيتسع بالإدراك في كل شيء إذ يجعل الحاسية كأنها من حواس الخلود . فلا نهاية لمسرة تتصل بها ، ولا نهاية للذة تخالطها . ومن ذلك لا نهاية لأفراح قلبي في الحلم . . .
وكانت هي كل تقاسيمها تعبيرات معنوية حتى لكأنها صورة متجسمة من أوصاف بارعة في الحب والجمال خصصت بعلمها أنا وحدي إذ لا يمكن أن يهتدي إليها إلا فيها وحدي وكنت مع طيفها كأني ملقى في حالة من حالات الوحي لا في ساعة من ساعات الكرى ...

ورايت حبا رائعا اشعرني إذ ملكته في تلك الخطرات أن الإنسان قد يملك من الجنة نفسها ملكا وهو على الأرض في دار الشقاء إذا هو احتوى بين ذراعيه من يحبه . . .

**********

وقالت نفسها لنفسي :

هلمي يا حبيبتي في غفلة من هذين العقلين العدوين نهدم عليهما المنطق الذي يعذبنا بأقيسته وقضاياه وإنما نحن روحان فوق الأقيسة والقضايا .

هلمي إلى حكم الحب في رقدة الفلسفة العنيدة القائمة بصاحبينا قيام محكمة بقاضيين جاهلين معا مكابرين معا فلا يرى كلاهما إلا أن صاحبه هو الجاهل وبذلك تتضاعف البلية منهما متى حكما . . . !

هلمي من وراء هذين المتغاضبين إلى شريعة الرضافليست إحدانا من الأخرى إلا كالصدى يجيب على الكلمة بالكلمة نفسها . . .

إذ ليست إحدانا إلا الأخرى . . .

*********

عاد الحب أكبر من كلمة ..ورجع الرضا أكبر من ابتسام الشفتين وصارت الأذرع حدودا بعد أن كانت على فضاء وفراغ وحيا طيفها وسلم . . .

حيا وسلم ثم صافح تاركا

يده على الكبد التي أدماها

وأتى ليعتذر الغزال ، ولجلجت

كلمات فيه ، ففي فمي أخفاها

ودنا ليغترف الهوى فتهالكت

أسراره ، فرمت به فرماها

قلب الحبيب متى تكلم لم تجد

كلما ، ولكن اذرعا وشفاها...

algeroi
12-06-2008, 08:19 AM
يقول الاديب الكبير محمد صادق الرافعي كما في "اوراق الورد"

لمـاذا لمـــاذا؟

وكتب إليها :

قرأت كتابك وهو أسطر قليلة ، ولكنها إما ساحرة أو مسحورة ، فلقد خيل إلي أنها تنتهي ، إذ كنت فيها كأني أطارد معنى فارا مذعورا لا تمسكه الألفاظ فلا يبرح فوق السطور ، إذا بلغ آخرها وثب إلى أولها فإذا كان في أولها عاد إلى آخرها دواليك بدأ وعودا . ويتلجلج مثل ذلك في صدري فلا ينتهي حتى ينتهي عنه

تقولين يا حبيبتي : أي شيء عندك هو جديد في ؟ ولماذا لا تراني رؤيتك غيري ؟ وكيف بعدت في نظرك المسافة بين وجه امرأة ووجه امرأة أخرى ؟ وهل في وجوه النساء طريق متشعبة تذهب برجل يمينا وتلوي بغيره شمالا ، وتتوافى إلى غاية وتتفرق عن غاية ؟ ثم ما الذي جعلني عندك لغزا لا تفسير له ، وجعل النساء من دوني واضحات مفسرات كألفاظ الحياة الجارية في العادة والواقع المبذولة بمعانيها لمداولة الأخذ والعطاء ، على حين تزعم أني كالعبارة العقلية التي يضرب فيها الظن على وجوه شتى ، وأني كما تقول كلمة بسرها ؟

لا أكاد افهم يا صديقي (لاحظ أنه كان يناديها يا حبيبتي وكانت لا تكتب له إلا يا صديقي !!!!!)معنى كلمة بسرها ولا معنى قولك الذي قلت لي :إن الحب فيك انت كتعتيق الخمر يضيف إليها الوقت كل يوم أسرارا وقوى وخيالا وعملا وسطوة ورقة واراه في سواك كتعتيق الماء ....

لماذا لماذا ؟
ليس عندي جواب كلامك إنما هو عندك إذ تجاوز قدر معرفتي يا صديقي . . .

**********

وأما قبل . . .

يا صديقتي فلا أزال أقول لك ما قلته : إن من النساء في مقابلة أشعة النفوس معاني .
فمعنى كحائط ومعنى كمرآة . وواحدة تمسخ ظلا طامسا أراني فيها تحت الشعاع كأني ظل ممدود على التراب .والأخرى تبرق وتتلألأ وأراني فيها سويا كاملا كأني خلقت في ضوئها .

ومن النساء في مقابلة أهواء القلوب معان فمعنى كالقفر ، ومعنى كالحديقة ، وواحدة يكون وجودها حول فراغها ... والأخرى وجودها القلب فهو حولها .

لماذا لماذا ؟ لأن الإنسان غامض وتفسيره ليس فيه ولا بد من تفسيره وإلا كان كل شيء عبثا .إن الوجود كله مفسر للطفل تفسيرا صغيرا مثله في حب أمه وحنانها . .

وكذلك تبدأ الحياة من أول أنفاسها بالحب ولعل أول قبلة على وجه الطفل من أمه ساعة ينفصل منها إنما هي استقبال الحب لهذا الإنسان الجديد ومسه من شفتي أمه بالطابع الذي لو قرئ نقشه لكان هكــــذا : أنت وحدك . . .

فإذا كبر الوليد فلابد من تغير التفسير حالا بعد حال ولا يزال كذلك تغيره الأشياء والحوادث حتى يبلغ أسلوب الفلسفة العليا إذا انتهى إلى العشق وحينئذ تكون قبلة الحبيبة إنما هي استقبال الحب لهذا الإنسان المتجدد ومسه من شفتي حبيبته بالطابع الذي لو قرئ نقشه لكــــان " أنا وحــــدي"

لذا أنت يا حبيبتي الفلسفة العليا وأنت "كلمة بسرها" أما غيرك من النساء فجمالها عندي جمال الشكل لا جمال السر . . .

ومن ثم فهي مفسرة واضحة إذ لا يرى قلبي فيها ما يعسر فهمه ولا ما يبحث عن تفسيره ولا ما يفسر لي معنى من المعاني .

ومن ذلك فليس الجمال المعشوق إلا انطواء الجميل على أسرار مبهمة وبذلك فكل نظر في المرأة لا يرجع إلا بزيادة الوضوح فيها يعلو منها وما ينزل ، على حين كل ما في الحبيبة يزيد على تكرار النظر غموضا كأنه شيء جديد ويأبى جمالها ان يفسر ، إذا كان تفسير الشيء إنما هو إضافته إلى ما فرغت النفس منه . . .

إن جمالك أيتها الحبيبة ليس جمالك كما تظنين وإلا فقد شركتك الحسان فيه . لكنه بكلمة واحدة فن قلبي أنا .

والحياة التي تفيض عليك تملؤك وتملؤني معا ولذلك فكل معنى منك له معنى آخر في .

algeroi
13-06-2008, 10:18 AM
يقول الاديب الكبير محمد صادق الرافعي كما في "اوراق الورد"

يا للجلال

في عينيك يا حبيبتي سحر ظاهر بمعاينيه يلقى الحب على من ينظر إليه.
أهو سر الضرورة الذي يشعرنا من معانيك الرحيمة بمعانيك القاسية، أم هو روح اضطراب مجهول أودعتك إياه ليخلق حولك العواطف القلبية؟

أم هو استبداد الجمال الذي خصصت به ليكون قلبك وحده في قوة القلوب كلها..
أم هو ذلك المعنى الخالق الذي يفيض على جمالك تميز جملتك البديعة في شيء شيء وفي حسن حسن؟

أم أنت أنت وذلك السر في عينيك معنى أنت؟

دائما يضيف وجهك على كلامك بلاغة إلـهية..

ولو نطقت بألفاظ القوة التي تشبه أجراسها صلصلة السلاح لخرجت من شفتيك متنهدة...
ولو تكلمت بأشد ألفاظ القسوة لذابت في حلاوة شفتيك...ومتى نطقت باسمي خرج من فمك سكران....
أي سر هذا الذي يجعلك على كل أحوالك تفيضين بالقوة كأنما بنيت على شكل لا يزال يجمعها في نفسه ويبثها من نفسه؟

وإنه ولا ريب طابع الجاذبية على القوة ..

وأي إبداع هو الذي يظهرك في محاسنك مظهر كون خلق كله من الزهر وهو جميل في مجموعه بأجزائه وفي أجزائه بمجموعه!!

إنه ولا ريب طابع الألوهية على المعجزة.

حولك ما نحسه ولا نعرف منه إلا أنه حولك وحسب.
والجو الذي أنت فيه ينعكس على جمالك في صورة سحرية فلو أنني طفت العالم كله لرايته من حولي أينما كنت وأبصرت وجهك دائما امام عيني كأني محدود بك في حدود مسحورة تدعك حيث أنت وتمضي معي حيث أكون!

وما الوجود إلا انسياب قوى المادة بعضها في بعض وفي هواك تنساب القوى من روحك إلى روحي فالأصل الذي بني عليه الكون في منافعه بنيت أنت عليه في محاسنك كأنه هو يعرض قوانينه التي تحس ولا تُرى في صورة منك تُحس وترى وتزيد على الرؤية أنها آخر حدود العشق ...

أما والله لو ناديتك بغير اسمك لوضعت لك اسما من معانيك ...

ولو سميتك بهذه المعاني لما ناديتك إلا بهذا الاسم العظيم.....
يا نسوية العالم .....

رغم انني لا اتفق مع اديبنا الكبير في بعض الا لفاظ التي يستخدمها في مقطوعاته الا اني نقلتها لجمالها

algeroi
14-06-2008, 10:02 AM
يقول الاديب الكبير محمد صادق الرافعي كما في "اوراق الورد"

استمداد فلسفة ....

وكتب إليها ..

جاءني كتابك ، بل جئتني أنت في كتابك ، فضممت الصحيفة إلى قلبي ضمة عرفتك فيها من خفقات هذا القلب واضطرابه !وقبلت الكلمات قبلا شعرت من سحرها في نفسي أن هذه الألفاظ قد خرجت من فمك الوردي فجاءت عطرا وحياة وجمالا ونقلت في الكتاب جوا رقيقا نديا كان مطيفا بشفتيك عند كتابتها كأنه نسمة من الفجر حول وردة تتنفس بعطرها الذكي .

كلما قرأت لك شيئا نفذ إلى روحي بالعطر الذي عطرك الله به . كأن الكلام بيننا أثير تسبح فيه مادة نفسينا : ولو كل الجميلات في العالم لفظن كلمة واحدة ثم لفظتها أنت لكنت أنت وحدك القادرة على أن تصنع روح الجمال وروح الحب وروح المرأة في تلك الكلمة لأن روحي لا تعرف الجمال والحب في المرأة إلا فيك .

تريني حين أقرأ كتابتك بين سحرين تظاهرا من ألفاظك ومعانيك فتجدينني كالنائم تخلق الذاكرة في خياله أجسام المعاني المحفوظة لتخرج له من الاسم صاحب الاسم وترد عليه من الحكاية واقعة الحكاية ، وتجرد منه شخصا لا حقيقة له ينطلق في عالم مسحور ليست له حقيقة ويألم النائم ويلذ كأنه من اليقظة لم يزل !

يذكرني هذا بما جادلتك فيه يوما من أن هناك عالما معنويا يخلق مما ننساه ونحن ننتقل إليه أحيانا بالنوم ، وأن هذا تمثيل لمعنى الخلود أو هو بعض أدلته ، إذ لست أرى الموت إلا رجعة الروح إلى عالم أنشئ لها من أعمالهاا في رحمة الله ونقمته ، فنحن على الأرض نبني لأرواحنا في السماء ، ومنا من يبتني لنفسه المدينة العظيمة بخيراته وحسناته ومن يبني لروحه السجن الضيق الوعر بآثامه وجرائمه !!

مالي أراني قد اندفعت إلى ما وراء الحياة ؟ولكن هل الحب إلا روحانية ترجع بنا إلى ما وراء أنفسنا لتضيف بعض المجهول إلى وجودنا ، وتزيد لنا نعيم الدنيا وآلامها ما لا يزيده شيء آخر غير الحب ؟

لو سألتني من هو العاشق لأجبتك إنه لن يكون عاشقا إلا من أحس أنه قذف به في الابتسامات والنظرات بمرة واحدة إلى مهبط السموات فيشعر أن نعيمه أهناأ من نعيم الأرض وأن عذابه أشد من عذابها وكأنه غذ يتنعم لم يصب أسباب النعيم بل أسباب الخلود في الجنة ، وإذ يتألم لم يجد مادة الألم . بل مادة نارية خالدة على قلبه .

كذلك لا يبدأ الحب إلا من آخر الدنيا فهو دائما على طرفها ، ولو نصب ميزان لعاشق من العشاق المتيمين ووضعت كرة الأرض بكنوزها وممالكها في كفة منه ثم وضع حبيبه في الكفة الأخرى لرجحت هذه عنده لأن فيها حبيبه وقلبه ، وبقيت الأخرى كأن لم يكن فيها شيء وإن كان فيها المشرق والمغرب!

وأعجب من هذا أننا نجد من الزهاد والمتنسكين من يقطع دهره كله متعبدا منصرفا عن الدنيا إلى ما بعدها جاعلا لسان حواسه الأرضية دائما سماوي اللغة ثم لا يجد من يقول إنه كالملائكة على حين أن الكلمة الأولى التي يقولها العاشق في وصف حبيبه ساعة يمس قلبه : إنه كالملك وإنه من السماء وإنه قانون من قوانين القدر وإنه الوجود كله مختصرا في نفس إنسانية ، والطبيعة كلها ممثلة في ذات لذات أخرى وإنه مظهر من مظاهر التقديس لا تحيط به إلا معاني الجلال والعبادة فلا يزال القلب يركع أمامه ويسجد !!!

أتذكرين ما قلته لك ذات مرة وقد رأيت كلبك الصغر الجميل كأنه من تراميه عليك ومن معاني نظراته لك –عاشق يريد أن تفهميه . . فقلت لك : إنني أراه يحبك بقوة أحسبها تحاول أن تقلبه إنسانا يحب . فإن كان هذا الحيوان ولم يزد عن معاني الوفاء والأمانة شيئا ، فليت شعري كيف تصنع هذه القوة في الإنسان وهي فيه أمانة ثم رغبة زائدة عليه ، ووفاء ثم غاية أعلى منه وحب إنساني ذاهب إلى طرفه الإلهي وشيء معلوم ثم شيء مجهول في المعلوم ؟

إنها والله لن تدعه إنسانا ابدا ما دامت لا تدعه في نفسه . آه . آه . !

ما أرى الحب إلا قوة تخرج النفس وتشيعها في الوجود كله أو تدخل الوجود كله إلى النفس وتدعه شائعا فيها ، ولهذا فمهما يبلغ من سعة العالم فإنه لن يمتلئ عند المحب إلا بواحد فقط . هو الذي يحبه .

أعرف هذا منك أيته العزيزة لأني في هذا البعد أراك في كل مكان حتى لكأن هذا الوجود كله ورقة تصوير حساسة مصوبة بآلتها إلى قلبي تلتقط رسمك منه وتلقيه على كل شيء صرفت إليه عيني ، وهذا – ولا ريب- معنى من معاني اللا نهاية فلعل ناموس الحب لم يخلق إلا لترك منه الإنسانية ما يقرب لها الفكرة ما لا ينتهي ، فمادة الحبيب الممثلة في جسمه لا تفنى بل هي تنصب من عيني محبه على كل شيء وملء كل شيء .
الحبيب محدود بعاشقه فقط . . .
وهذا مثال يقرب للعقل كيف يفهم الخلود الذي لا ينتهي لأنه أبدا ممتد مع الخالق الأزلي الذي لا ينتهي ولا يفنى .

عذرا أيتها الحبيبة فمهما أكتب فلا يزال وراء الكلام ذلك المعنى الدقيق الذي لا يظهره الكلام وذلك المعنى المعجز الذي هو بلاغة فوق البلاغة . ذلك المعنى الجميل هو أنت . . . . .

algeroi
16-06-2008, 02:15 PM
يقول الاديب الكبير محمد صادق الرافعي كما في "اوراق الورد"


وألم الحب

اما ألم الحب فذاك حين يأتي على اللحم والدم معنى لو تجسم لكان هو الذي يصهر الحديد في موج من لهب النار ويحطم الصخر في زلزلة من ضربات المعاول . . .
هناك الألم المدمر لا يكابده إلا إنسان كأنما يراد خلقه مرة ثانية فيهدم ويبني أو يزاد تنقيحه فيغير ويحول ..

وأعظمه لأعاظم الحكام والشعراء فهم وحدهم الخارجون دائما عن هندسة الحياة المنسجمة وهم وحدهم الذين يتحول كل شيء في أنفسهم إلى حقيقة عاملة فلا يبرحون في تغيير ومن ثم فلا بد فيهم من هدم . . .

ولا بد لهم من آلام على قياس العظمة تكون لكل منهم كالبراهين عن نفسه أنه غير إله وأنه حين يكون بين حكمتين غنما يكون بين ضربتين . . .

تجد الشاعر العظيم وإنه ليكاد يملأ الكزن ، فلا يضرب بالحب إلا الضربة الداوية تنطبق بها أقطار المشرق والمغرب. . .

وإنه لضغط بالوجود نفسه على بعض الناس ، كضغط الأرض بآلاف الأجيال على بعض الفحم المطمور في أعراقها ليتحول فيكون منه الألماس الكريم المتلألئ !.. ألا ما اهولها قوة في تبيض الأسود بطبيعته ، إلى جوهر النور بطبيعته ، وفي خلق شمس وألماسية وهاجة ، ولكن من ظلمة حالكة انعقدت في التراب . .

وما أهول مثلها من الآلام في مضاعفة الحكيم أو الشاعر بقدر إنسانيتين ، ليتسع لبؤس من الأشقياء وسرورها جميعا ، وليكون على مدرجة بين الخليقة وخالقها وليقى دائما من ضغط الوجود عليه كأنه محصور في عمر ساعة ألم قد جمدت حوله !

أولئك يتأوهون لا بالأنين كغيرهم من الناس ولكن برعد الأرواح يرجف إذ تنفجر بكهربائها ، ويبكون لا بالدموع ، ولكن بسحائب من معانيهم يؤلفها القدر ويراكمها ويضربها فيسوقها لتمطر على ناحية الجدب الإنساني

أولئك يتألمون لا بالألم ولكن بتمزيق في أنفسهم كتمزيق الأرض حين تودع أسرار الزرع ويتوجعون لا بمقدار عمل الواحد منهم بنفسه ولكن بمقدار عمل الدنيا به ، وليسمنهم البائس الحزين الذي نزل به الألم رغما وذلا ، ولكن البائس الجميل الذي اتخذته الحكمة ليبدع الصورة الكلامية من جمال نفسه لجمال الكون شعرا وبيانا وفنا . .

في موضع تقع الشرارة لتنطفئ ، وقد تنطفئ قبل وقوعها . . .
وفي موضع آخر تقع وكأنها ولدت ثمة لتحيا وتكبر . . .
فإذا هي من بعد نار تعمل أعمالها . . .
وكذلك الألم ومن يتألمون . . .

"وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة "

ومن قسوة القدر على الشاعر العظيم أن لا يجعل حبه حبا خالق الوحي إلا في امرأة على قدر تألهه عظة وسخرية .
يقول عنها : ما أحوجني إلى معجزة نبي تحول الحجر الذي في ضلوعها إلى القلب . . . وتقول هي عنه :ما أحوجني إلى بعض الملائكة والشياطين ليكشف لي سر نفسه المخبوءة تحت مكان الصبر في قلبه !

ويعيشان في الحب كما يعيش اثنان في قصة . . . وضعها مؤلف خيالي فأحكم عقدتها . . .وتخاصم سعادة كل منهما سعادة الآخر ويعملان كما يعمل الغني الشحيح . يفقد الحياة لينال الدنيا . ثم إذا سأت ذلك المسكين الأعظم : ما لذة هذا الحب الأليم اللهفان ؟ قال لك لذته أنه حب . . .

هي حينئذ كل العذوبة السيالة في روحه وهي بذاتها كل الاقذاء التي ألقيت في ينبوع نفسه ، وآلامها ميلاد حقيقي لمعانيه ، ولذاتها أكفان حقيقية لموتى هذه المعاني إذا أريد لها الموت ، وكلما يضع الآلام والأوجاع فيه يضع منها النور في كلماته !

من كونها هي في قلبه يشعر أن الكون فيه ، حتى ليقول في وحيه للجبال الراسية على أعضاد الأرض : آلمتني يا أعضائي . . .

وتقي في حياته ألوان عينيها وخديها وثغرها ألوانا وألوانا ، فإذا حياة فنية مزخرفة منقوشة بأبدع وأجمل مما في الطبيعة ورياضها وألوانها .

ولاتصالها بموضع السر من روحه تشعر السر العجيب سر الحب الذي يحير العاشق حين تفتنه من يهواها فيحسب كأن الجنس كله مستحيل وأمكنت واحدة ، أو كأن الجنس كله ممكن واستحالت واحدة .فكأنه لا جنس بل واحدة فقط

وتتصرف به في دلالها وهواها تارة وضدها ، فيراها حينا كما ينظر طفل إلى سكرة ، وحينا كما ينظر المريض إلى مقبرة

وإذا هي أنفقت أهلكت بلذة .... وإذا هي امتنعت أنفقت بألم . . . داء لا يدري أنى ي}تى له
يارحمة للمحب الذي يتوجع بآلامه وحقائقها ثم بمعانيها في روحه وأمانيه ثم بالصبر عليهما :

ثلاثة آلام في ألم واحد.

ويا آلام الحب ، أنت ثقيلة ثقيلة ، لأنك نظام التراب في روحانيتي !
ويا آلام الحب أنت جميلة جميلة لأنك إشراق السر الأعلى في نفسي.
ويا آلام الحب أنت حبيبة ولو أنك آلام ....بل حبيبة لأنك آلام ...

haroun59
16-06-2008, 02:37 PM
السلام عليكم ورحمة الله
اشكرك كثيرا على هده الروائع وما فيها من فلسفة وحكمة ...
حقا ان الام المحب ثلاث....الحب ،الثقل ،الجمال ...
اخوك أ.بوشطيبة...
تحياتي الخالصة...

algeroi
18-06-2008, 08:46 AM
السلام عليكم ورحمة الله
اشكرك كثيرا على هده الروائع وما فيها من فلسفة وحكمة ...
حقا ان الام المحب ثلاث....الحب ،الثقل ،الجمال ...
اخوك أ.بوشطيبة...
تحياتي الخالصة...

رائع .. انت
في خواطرك وتعليقاتك ..
حروفك و كلماتك ..
فان نسيت فلن انسى "الآهات" ولها في "امي" اخوات من جنسها فلا "اتمثلك" منها بها ولا عنها لها الا واقفا على "قارعة طريق" "مدينة الاحزان" فلك مني .. سلام

algeroi
19-06-2008, 02:09 PM
يقول الاديب الكبير محمد صادق الرافعي كما في "اوراق الورد"

شجرات الشتاء

يممتهن اليوم فإذا هن ذابلات عليهن الضحى عريانا وكن من ورقهن في حلل الظل ، وفيهن انكسار ذي العارية وكان يتجمل بعاريته ثم ردها فما يتوارى إلا من الأعين التي كان يتعرض لها من قبل ، ويحس أنه أصبح لحنا من خطأ فاحش في لغة النعمة واليسار ، لا يكاد يظهر نفسه إلا قيل له : يا غلطة تحتاج إلى من يصححها ...
ورأيتهن واقفات في مثل ذلك الحزن النسائي الغرامي الذي يخلط المرارة في حلاوة المرأة الجميلة فتبدي عن عاطفة مسكينة لا يصورها لك إلا أن ...
أن تتخيل جزع لؤلؤة تخسى أن تتحول إلى حصاة ..
ذليلات ذليلات كأنهن مطلقات الربيع ....

****

وقالت لي صديقة منهن : لقد كنت في جانب منا ، أفمنحرف أنت إلى الجانب الآخر ؟ وكان لك فينا من رأي الحب ما يكسونا مع كسوتنا ، أفيكون لك من رأي البغض ما يجردنا مع تجردنا ؟ أم ستقول : طاووس انسل ريشه الجميل فرده القبح دجاجة ، وشجرة سلبت زينتها فعادت كأن لم يخلقها الله ولكن أقانها نجار . . .
أم انت رادنا إلى المسخ فمجر علينا حكم الرجل على المرأة ، متى قبحت في عينه قبحت في قلبه إذ لا يطلب إلا معنى فيها تحت الرونق لمعنى فيه تحت الدم ، فإذا هي لم تعد من إيمانه . . .كفى ذلك وحده أن يجعلها من كفره ...

أظالمني أنت فتعرف لي ذلا بعد عوة ، وتصف لي خضوعا بعد كبرياء ، ولا تضع بإزائي في ميزان قلبك إلا المعاني الثقيلة التي تلقيها تزن بها ما تكره لكي تمتلأ نفسك منه بغضا وكراهة ؟

*****

كلا يا صديقتي ! إنما تتحولين لأجد منك معنى جديدا في نفسي . فكأنك تخرجين مني رجلا في الربيع ورجلا في الشتاء ، وكأني أعرف بك كيف أتحول في بعض معاني الحياة من نسيم إلى عاصفة ، أنت كالحبيبة المخلصة التي تبالغ في إصفاء الود ، فتمتنع وتهجر لتهب محبها الفكر في جمالها كما وهبته النعمة بجمالها ، فيصيب اللذة ومعناها ، ثم يجد الشوق الذي يضاعف معناها ، فإني رأيت الذي لا يفكر في معاني الجمال حين يمتنع ويبعد لا يدرك كل معانيه حين يمكن ويدنو.

***

ومن امتلأ مِن فقد السرور ، كان حقيقا أن يكون هو الذي يمتلئ من وجوده ، فاللذة لذة واحدة بنفسها ، ولكنها تتعدد بموقعها وبحالتها بمقدار فهمها وبقوة الشوق إليها ، وما أشبه النفس في هذا المعنى بقصر العروس ، إن لم تتقدم العروس معانيها فتزين القصر وتزخرفه وتكسوه وتجعل في كل مكان منه جمالا يومئ إليها وزينة تشاكلها وحسنا يتمها أو يفسر منها –لم تكن العروس على القصر إلا أرملة .

كلا يا شجراتي ، فلست ظالما فأجري عليكن حكم المرأة في شتاء حبها ، فإن المرأة متى بردت . . .ظهرت كالسحب الثقيلة المطبة بأرجائها السوداء : لها في سمائها لون الوحل قبل أن تستوحل بها الأرض . . . . وبها من الظلمة ملء ليل طويل يموت فيه النهار الطالع وشمسه معا . . .ويكلح بها وجه الحب ويبرد ويظلم لتكون في بلائها مادة إنسانية تقع منها صاعقة . . .

آه لو أن شجرة لم تحمل كل أغصانها إلا من قشور الثمر المطروحة في الطريق ، لكانت هذه المرأة أسخف منها ، ولو أن شجرة حين أورقت لم تورق من جذعها إلى بواسقها وأعاليها إلا بأجنحة الذباب . . .ليتقذر صاحبها .لأشبهتها هذه المرأة !! كلا يا شجراتي ، فقد ذهب ربيعي مثلكن ولم يكن ربيعا في قلبي ، فسأقضي شتائي وأنتظر أنا وجذوري ، إنه عهد ليس أشقى منه لوعة ولا أسعد منه ذكرى إذا جعلنا نحن إلى حياة ليست في حياتنا ، بل ذهبت عنا بحبيب نأى أو حبيب هجر.
***
عجبا!ماذا يحدث في الحياة من هنات وهنات ؟ تمرض الشجرة فصلا من سنتها وتشرف على الموت فصلا آخر ثم يطير فيها لهب الشمس فإذا هي تغلي بالشعاعا وعليها ضبابة خضراء من غليان ألوان الشمس في جوفها ، فليس من جمال إلا وبعض مادته في أصلها من القبح كما ترى ، يظهر لك في الطبيعة الجميلة ، لأنها عدوة التصنع ، ويخفى في النساء الجميلات ، لأنهمن عدوات الطبع ، حتى أجمل ما في المرأة ا لجميلة ، لا تراه بعيدا من أقبح ما فيها حتى دلال المرأة التي تحبها ، فهو بعينه لو حققت ، هو معنى ظريف رقيق من . . من . . وقاحتها . . .

****

أين الجزء المسكر في الكأس إلا مع غير المسكر فيها ؟ وأين المرأة الجميلة إلا مع مكروهاتها يغرك منها ما يغر ؟

لهفي لأشجار المحبة مر فصل ربيعها
جد الهوى في عرسها ليجد في تقطيعها
كل الفتوق لها الرقاع ترم من تصديعها
وإذا تمزقت المحبة حرت في ترقيعها ....!

رغم انني لا اتفق مع اديبنا الكبير في بعض الا لفاظ التي يستخدمها في مقطوعاته الا اني نقلتها لجمالها

سيف الدين القسام
23-06-2008, 11:22 AM
بارك الله فيك اخي العاصمي
ونحن في انتظار مواصلة نثر هذه الدرر فلا تطل الغيبة
جزاك الله خيرا والسلام

algeroi
23-06-2008, 04:35 PM
بارك الله فيك اخي العاصمي
ونحن في انتظار مواصلة نثر هذه الدرر فلا تطل الغيبة
جزاك الله خيرا والسلام

وفيك بارك الله اخي ..

فقط !!
انا لا احب الكتابة في فصل "الانفعال" وان كان في "الروائع" بعض سلوان اتوقف عندها واعود اليها كما تعود الطيوربعد موسم الهجرة بل كما تعود الاشجار لحلتها بعد فصل الشتاء القارص فلك منها واحدة ومن العجائب ان تكون في العتاب ولا عتب على مثلك الا كعتب الطفل على امه او عتب الاعمى على الشمس في رابعة النهار

algeroi
24-06-2008, 04:13 PM
يقول الاديب الكبير محمد صادق الرافعي كما في "اوراق الورد"

في العتاب


" وكتب إليها مرة كتاب هوى ، فتفترت في الرد عليه تريد أن يطول به الانتظارفيؤلمه ، أو تريد أن تزيد به الشوق فيؤلمه أو كأنها تطمعه بألا تطمعه ليتألم "!!


فلما انتهى فيه دلالها إلى الضجر ، كتب إليها هذه الرسالة يؤلمها بها وجعلها على طريقة السجع التي كان يتراسل بها فحول الكتاب في القرن الرابع للهجرة وما بعده ، لأنها هي تكره هذه الطريقة وتجد لها ألما في نفسها ، ولذلك مضى بها مسجوعة إلى آخرها ، ليبالغ في إيلامها والتهكم بها وبفلسفتها ، وردت في الرسائل بكل ذلك إرادتها ،

وهذه هي الرسالة :
كتبت إليك من أيام يشفع لها قربك من نفسي فلا أقول إنها بعيدة وتمر قديمة ولكن ما في هذه النفس منها ومن آلامها يجعلها دائما جديدة وكأنها تجري بي إلى الفناء فهي تطول إلى غير حد ، وتأخذ معنى اليأس الذي يمضي به الأمس فتقي به في معنى الأمل الذي يأتي به الغد ، والأيام تعد بالأرقام ولكنك أنت جعلت هذه الأيام تعد بانها لا تعد .


وانتظرت رد كتابي أو ورقة من شجر عتابي ، فما زالت تتقطع الساعة من الساعة ويلتقي اليوم باليوم ، ويذهب اللوم إلى العتاب ويجيء العتاب إلى اللوم ، وكتابك على ذلك كأنه مغمى عليه لا هو في يقظة ولا هو في نوم . . .

فسبحان من علم آدم الأسماء كلها لينطق بها وعلمك أنت من دون أبنائه وبناته السكوت . . .والسلام عليك في ازلية جفائك التي لا تنتهي .أما أنا فالسلام على يوم ولدت ويوم أموت .!!

ما هذا يا سيدتي وليس خيط عمري في إبرتك ولا ما يتمزق من أيامي تصلحه (ماكينة الخياطة )بقدرتك ، وإن كنت أنا أقل من (أنا )فلست أنت باكثر من( أنت ) وما علمنا أنك مع القدر تحركت ولا مع القدر سكنت !!

أتحسبينك لما خفت المحاكم في قتلي جعلت تقتلين بهجرك أيامي ، ولما عرفت أنك من اشد سروري أردت أن أعرف كذلك أنك من اشد آلامي ، أم أنت في نورك وظلامك تريدين أن تنقصي من الأعمار كما ينقص منها الليل والنهار ؟ أم تحسبيننا خلقنا بهذه الرقة لنعرف بها كيف يتحجر قلبك ويجمد وأنبتنا الله في مزرعة العمر ليجيئنا منك صاحب المزرعة فيحصد ؟ أم انت خلقت في يد الله إرادة ماضية وخلقنا عليها اتكالا ، وجئنا على الطاعة شكلا واحدا وجئت أنت من يد الله في الكبرياء أشكالا ...؟


فإن كان قلبك يا سيدتي قلبا غير القلوب فما نحن شيئا غير الناس ، وإن كنت هندسة وحدها في بناء الحب ، فما خلقت أعمارنا في هندستك للقياس ، وهبي قلبك خلق مربعا ، أفلا يسعنا ضلع من أضلاعه ، أو مدورا أفلا يمسكنا فحيطه في نقطة من انخفاضه أو ارتفاعه ، وهبيه مثلثا فاجعلينا منه بقية في الزاوية ، أو مستطيلا فدعينا نمتد معه ولو إلى ناحية ....!

ما بال كتابنا يمضي ((سؤالا ))من القلب فيبقى عندك بلا ( جواب ) ونبنيه نحن على (( حركة ))قلوبنا فتجعلينه أنت مبنيا على السكون . . ثم لا محل له من الإعراب . . .وما بالنا نقطع في انتظار الرد مسافة من هجرك، ولو طار فيها البريد لانتهى بكل الحسنات والسيئات إلى السماء . ولو طاف الأرض لتقدم حتى لا يبقى في الأرض أمام ، وتأخر حتى لا يبقى في الأرض وراء ، فإن كنت تضنين أن توجهي إلينا من عرشك خطابا ، أو تنزلي علينا من سمائك كتابا ، فقد أقفل باب النبوة من قبلنا ..فما هذا الباب ؟ واحتجب الوحي من زمن بعيد ...فيا سيدتي ما هذا الحجاب ؟

لقد هممت أن أعاقب القلم الذي كتبت به إليك فأحطم سنه ، وأجعله من ناحيتي في خبر كان حتى لا يبقى من ناحيتك في خبر (إنه)، وقلت :كيف –ويحك-سودت وجه صحيفتي بما هو في سواده مداد مع المداد ، وفي نفسه سواد أقبح من السواد ؟ فقال : وهل أنا في نغمات حبك إلا عود ، وهل صورت إلا حركات وجدك من قيام وقعود، وسل الدواة من أمدها ، والصحيفة من أعدها ، وسل أناملك كيف كانت تضغط على كأنها تسلم على الحبيبة سلاما ، ولا تخط إليها كلاما ، وسل نفسك كيف كانت في حركتي تضطرب ، وقلبك كيف كان من كلمة يبتعد ومن كلمة يقترب ؟

فما نعلم يا سيدتي وقد أحببناك أنعدك من ذنوب الزمان أم من أعذاره وهل نأخذك في الحب من وقائعه أم في الجفاء من أخباره ؟ فإن أبيت أن تكوني منا إلا كالسماء من أرضها ، وأن نكون من ك كالسُّنة من فرضها ، وأبيت أنت وأنت مفرد الحسن إلا أن نعدك أنت وكبرياءك مثنى بألف ونون ، وإلا أن تكوني على غير ما نريده ثم لا نكون إلا كما أردت أن نكون فإن خاطبناك قالنا يا فلانتان ... ويا أيتها الحبيبتان ويا غضباوان وراضيتان وأنشدنا في هواك : ((ولو كان هم واحد .. .ولكنه هم وثان .. .))

وإن أبيت إلا ما نأبى ولم ترضي مع صدقنا في حبك إلا كذبا ، قلنا لك بلغة اليأس منك : لشد ما أصاب الزمان فينا وأخطأ فليصب بك أو ليخطئ ، وكثيرا ما أعطانا الدهر وأخّ ، فلتكوني فيما يأخذ أو يعطي ، ونقول مع الذكر والنسيان ، وما عسى أن ينقص العالم بإنسانة أو إنسان ، ومن ظن (بصرفنا )عن نفسه أنه كبير ، جعلناه من (نحونا ) في باب التصغير ، ومثلنا لا يتكلم غلا بفائدة ، ولا يسكت إلا بفائدة فإن أخطأنا معك في واحدة أصلحنا واحدة ، وما أكثر ما يجد الكاتب إذا عز عليه أن يعاتب ، وفي ذكائك لا محالة ، بقية الرسالة .

ولعلنا ولعلك ..... والسلام !

سيف الدين القسام
24-06-2008, 04:22 PM
ما هذا يا سيدتي وليس خيط عمري في إبرتك ولا ما يتمزق من أيامي تصلحه (ماكينة الخياطة )بقدرتك ، وإن كنت أنا أقل من (أنا )فلست أنت باكثر من( أنت ) وما علمنا أنك مع القدر تحركت ولا مع القدر سكنت !!
جميل عتابه واجمل منه عزة نفسه
ولو ان كل حبيب عانى من جفاء حبيبه جعل هاته الكلمات شعاره لما اهتم ولا حزن
مشكور اخي

algeroi
24-06-2008, 04:42 PM
ما هذا يا سيدتي وليس خيط عمري في إبرتك ولا ما يتمزق من أيامي تصلحه (ماكينة الخياطة )بقدرتك ، وإن كنت أنا أقل من (أنا )فلست أنت باكثر من( أنت ) وما علمنا أنك مع القدر تحركت ولا مع القدر سكنت !!
جميل عتابه واجمل منه عزة نفسه
ولو ان كل حبيب عانى من جفاء حبيبه جعل هاته الكلمات شعاره لما اهتم ولا حزن
مشكور اخي

ابيات في العتاب كنت قداهديتها لغيرك يوما فلم يفهمها :


اقرأ كتابـك واعتبره قريبـــا ... فكفى بنفسك لي عليك حسيبـا
أكذا يكون خطاب إخوان الصفا ... إن أرسلوا جعلوا الخطاب خطوبا؟
ما كان عذري إن أجبت بمثلـه ... أوكنت بالعتـب العنيف مجيبـا
لكنني خفت انتقاص مودتــي ... فيعد إحساني إليك ذنــوبـا

.
.
.
من روائع المنفلوطي .. (http://207.210.95.221/~echorouk/montada/showthread.php?t=27554) (http://207.210.95.221/~echorouk/montada/Ops_Ramadan_2007/misc/multipage.gif 1 (http://207.210.95.221/~echorouk/montada/showthread.php?t=27554) 2 (http://207.210.95.221/~echorouk/montada/showthread.php?t=27554&page=2) 3 (http://207.210.95.221/~echorouk/montada/showthread.php?t=27554&page=3))

birtoo1
24-06-2008, 07:57 PM
شكرااااااااااااااااااااااااااااااا.

سيف الدين القسام
24-06-2008, 08:02 PM
ابيات في العتاب كنت قداهديتها لغيرك يوما فلم يفهمها :


اقرأ كتابـك واعتبره قريبـــا ... فكفى بنفسك لي عليك حسيبـا
أكذا يكون خطاب إخوان الصفا ... إن أرسلوا جعلوا الخطاب خطوبا؟
ما كان عذري إن أجبت بمثلـه ... أوكنت بالعتـب العنيف مجيبـا
لكنني خفت انتقاص مودتــي ... فيعد إحساني إليك ذنــوبـا

.
.
.
من روائع المنفلوطي .. (http://207.210.95.221/~echorouk/montada/showthread.php?t=27554) (http://207.210.95.221/~echorouk/montada/Ops_Ramadan_2007/misc/multipage.gif 1 (http://207.210.95.221/~echorouk/montada/showthread.php?t=27554) 2 (http://207.210.95.221/~echorouk/montada/showthread.php?t=27554&page=2) 3 (http://207.210.95.221/~echorouk/montada/showthread.php?t=27554&page=3))
من احب الاغراض الشعرية الى قلبي اخي العتاب لان فيه مسحة وقبضة من كل شيء جميل في هذه الدنيا فمشكور اخي
وبالنسبة لروائع المنفلوطي فهي لا تقل جمالا ولا روعة بل ان فيها ما يميزها عن شقيقتها الرافعية فلك الف شكر واحلى سلام

algeroi
30-06-2008, 05:32 PM
يقول الاديب الكبير محمد صادق الرافعي كما في "اوراق الورد"

وهم الجمال ...... !!

" وبعد أن تكافأت مقادير نفسه واعتدلت من اضطرابها وأشرف على السلوان ، كتب هذه الرسالة ":

هذه رسالة احسبها برئت في معناها من السلوة والحب جميعا ، وخرجت بموضعها عن الرضا والغيظ معا ، ولم تجئ من برد على الكبد ولا من في الصدر ، فلا يخيل إلي فيها أني أنسكب في نعبيري كما كان يعتصرني هذا القلم في غيرها حنينا وغراما، أو سخطا وموجدة .

أكتبها وقد تكافأ جانبا الحب في نفسي هونا هونا ، واعتدلت مقاديرها شيئا شيئا ، فلا أعتد بسبب تصغر به الحقيقة الكبيرة ، أو تكبر الصغيرة ، أو يجاوز بعنى حده ، أو يقصر بمعنى آخر عن حقه ولا أحجر فيها على كلام صحيح أن يتصرف بقدر بقدر أدلته وبراهينه لما أخشى من سوء موقعه في الحب ، ولا أطلق فيها لكلام مزور أن يتزايد في مغالطته وكذبه لما أرجو من حسن أثره عند الحبيب .

وأكتبها وقد أصبحت أرى وجهها الذي تحمله كالصورة يحملها الحائط ، وعدت أراها هي وأمثالها من الحبيبات كفقاقيع الرغوة في ألوانها وجمالها واتفاخها ..... وفراغها، وصرت أعتقد ان الهول الهائل من النساء الجميلات إن هو إلا كذلك الرعب المخيف من جبال الثلج في القطب لا يمسك الجبل الشامخ بما حوله إلا خيوط واهنة من غزل الماء لو قطعتها نسمة لانهار وانكفأ.

وأكتبها وقد خرجت إلى دنيا الناس وكنت في الحب وإياها كالمنقطع في صحراء ضل فيها ضلال القفر ، واختب مكن خبال الوحشة ، فهو يرى اجتماع اثنين في ذلك التيه وقيامهما معا كأنه تكوين دولة من الدول العظمى ..

************

إن البلاغة التي كتبت بها رسائلي من قبل وما احتلت لها به وما صورت من فنونها ، هي بعينها التي تنتهي في هذه الرسالة إلى أن جمال المرأة الجميلة ليس في ذات نفسه إلا أسلوبا من الخداع ، كالذي يكون في تزويق الكلام وتمويه الحقيقة ببلاغة التركيب ، غير أنه أسلوب حي من لحم ودم ...ثم تزيد المرأة بفنونها تزويرا وتعمية لأن جمالها في صورة أخرى من صوره الكثيرة هو نفسه الرق والاستعباد محببا في خلقة جميلة ليطلب ويعشق . استعباد حي متى بدأ استمر يقوى ولا يضعف . وينمو ولا ينقص ومن هذا كان قيد الجمال لا ينفك أبدا إذا غل به أسيره من العاشق ، بل يكسر كسرا ، ويصبح فيه أمر العاشق من حبيبه كالاستقلال من الأمم المستعبدة : لا يعطي بل يأخذ ، ولا بد فيه من الجرأة والمصابرة والاقتحام وسلاح من الأسلحة أيها كان ، إما حاطما أو مفزعا أو متهددا أو محتالا أو سلاح الرضا أو سلاح الثمن . . . وما غليها لابد من سطوة ينقلب بها الأسير المستعبد إلا أن يكون ملكا بوجه من وجوه التملك في تلك المنطقة الإنسانية السحرية المسماة في لغات الناس بالحبيب . . .

******************

وفكر المحب كالسائل الذي يغلي ، فما دامت ناره من تحته فهو كله لا مقر له بين أعلاه واسفله / وما دام يهدر على فورته فكله في الأعلى وكله في الأسفل وكله بين ذلك ولا قرار له على وضع إلا أن ينكسر وينفثئ .

وكل شيء جميل في الطبيعة تراه يتخذ من هذا الأصل شبها عند متأمله والناظر فيه ، حتى لكأن الجمال يقول للإنسان : إذا أردت أن تسر أيها الإنسان وتبتهج بي فلا تفهمني في نفسي أنا بل في نفسك أنت ولا تأخذني على ما أنا للوجود والطبيعة بل على ما أكون لك ولأغراضك ولا تدعني لذاتي بل غيرني في وهمك وخواطرك ، فإنك إن غيرتني فقد خلقتني وإن خلقتني فقد جعلتني لك .

******************

وعلى ذلك فجمال المرأة المعشوقة إن هو إلا خرافة رجل من الناس وبكونها خرافة عادت لا حقيقة لجمالها وكأن الحب إن هو إلا زيادة شعاع في العين تنظر النفس به نظرا نظرا نافذا إلى موضع لذتها أو فكرها أو هواها ، فإذا خطف هذا الشعاع على من يضيء في وجهه بالحب ، نقل إليه النفس ببقيتها ووهمها جميعا فاختلط على تلك الصورة فهما هناك شيء واحد : الوهم هو اليقين واليقين هو الوهم ، فكل شيء من ذلك الجمال هو عقيدة ثابتة لا موضع فيها لجدل ولا مساغ لنقض ولا محل لرد ، وحينئذ لا يكون أكبر عمل المحبوب في سياسته وتدبيره إلا أن يلم أو يوفق بين عقله هو وبين جنون عاشقه ، وأن يحاول الملاءمة بين حياة الخيال الشارد في إرادة هذا الجنون وبين حياة الواقع الراهن فيه هو ، وبذلك فلن ترى حبيبا إلا هو من محبه بمنزلة الطبيب من مريضه يطب له أو يزيد في علته ، أو يهلكه . . .هذا حين ينبعث ذلك الشعاع فأما حين يخمد فمنذا الذي تراه مطيقا أن يصعد السماء إلى النجم الذي انطفأ ليضيئه كما كان يضيء ؟


************

والطفل يرى في أمه البداية والنهاية جميعا ، لأن طفولته ستار بينه وبين ما وراءها وكذلك العاشق يرى في حبيبته بداية ونهاية معا ، لأن حبه ستار بينه وبين ما عداه ويحصره بين أول وآخر في امرأة واحدة ، أفلا يكفي هذا دليلا على بلاهة العاشق وغرارته وأن الحب كالانتكاس إلى الطفولة في جهة واحدة من جهات النفس ؟
وترى الصغير إذا فارقته أمه نظر حوله ليستشف ما انفصل من آثارها المحبوبة على كل الأشياء التي يفيها حنين نفسه وكذلك يفعل المحب في كل ما مسته حبيبته ، حتى كل شيء عليه لمحة منها . . . حتى ليرى بعض الأشياء يكاد يبتسم له . . . وبعضها يكاد يرنو إليه وبعضها يكاد يتدلل ويصــــد .

**********************

خلقت المرأة لتلد الإنسان ، وهي تلد هذه الحقيقة في الإنسانية ولكن وجهها يلد في الإنسانية الضلالة .

****************

قال الشيطان : أنا لون هذه المرأة الجميلة حين أكون منافقا . . . ولون هذه المرأة القبيحة إذ أكون صريحا . .

قلنا : فلعله لذلك لا تتجمل إلا الجميلة ليتم بها نفاق الشيطان . .

*************************

والسلام عليـــــــــــــــــــــــــها

Hambraoui
05-07-2008, 01:33 PM
وانا بدوري سأقدم لكم نبذة عن حياة هذا العملاق وأرجو أن تنال إعجابكم


ماذا أضفت للحياة؟
(أعمالنا في الحياة هي وحدها الحياة، لا أعمارنا ولا حظوظنا) الرافعي




سمو المعاني ودقة الألفاظ بالإضافة إلى سمات إسلامية بارزة ستقودك إلى أدب "الرافعي" وكتاباته، يبدو أنه كان محقًا عندما قال: (سيأتي يوم إذا ذُكر فيه "الرافعي" قال الناس: هو الحكمة العالية مصوغة في أجمل قالب من البيان).



مصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن عبد القادر الرافعي وينتهي نسبه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وفد جده الشيخ عبد القادر من الشام إلى مصر في منتصف القرن الثالث عشر الهجري، وعلى يده تخرج كبار علماء مصر. أبصرت عيناه النور في قرية بهتيم (محافظة القليوبية – مصر) في أوائل المحرم من عام 1291 من الهجرة، الموافق يناير 1880 ميلادي.



عمل والده عبد الرازق رئيساً للمحاكم الإسلامية الشرعية في كثير من الأقاليم، حتى عمل رئيساً لمحكمة طنطا الشرعية. عرف عنه الشدة في الحق، والورع الصادق، والعلم الغزير. أمه هي ابنة الشيخ الطوخي من أصول حلبية، وكان والدها تاجراً تسير قوافله ما بين الشام ومصر، وأقام في قرية بهتيم. عج منزل والده بالعلماء من كل حدب وصوب، وزخرت مكتبة والده بنفائس الكتب، وأتم حفظ القرآن قبل بلوغه العاشرة من عمره. انتسب إلى مدرسة دمنهور الابتدائية، ثم انتقل إلى مدرسة المنصورة الأميرية، التي حصل منها على الشهادة الابتدائية وعمره آنذاك سبع عشرة سنة.



أصابه مرض لم يتركه حتى أضعف سمعه وفي سن الثلاثين أضحى أصماً تماماً. اضطره المرض إلى ترك التعليم الرسمي، واستعاض عنه بمكتبة أبيه الزاخرة، إذ عكف عليها حتى استوعبها وأحاط بما فيها. عمل في عام 1899 ككاتب محكمة في محكمة طخا، ثم انتقل إلى محكمة طنطا الشرعية، ثم إلى المحكمة الأهلية، وبقي فيها حتى لقي وجه ربه الكريم.



في يوم الاثنين العاشر من مايو لعام 1937 استيقظ فيلسوف القرآن لصلاة الفجر، ثم جلس يتلو القرآن، فشعر بحرقة في معدته، تناول لها دواء، ثم عاد إلى مصلاه، ومضت ساعة، ثم نهض وسار، فلما كان بالبهو سقط على الأرض، ولما هب له أهل الدار، وجدوه قد فاضت روحه الطيبة إلى بارئها، وحمل جثمانه ودفن بعد صلاة الظهر إلى جوار أبويه في مقبرة العائلة في طنطا. مات مصطفى صادق الرافعي عن عمر يناهز 57 عاماً.



نظم الرافعي الشعر في بدايات شبابه، قبل بلوغه العشرين من عمره، وأصدر ديوانه الأول في عام 1903 الذي كان له صدى عظيماً بين كبار شعراء مصر، إذ كتب فيه البارودي والكاظمي وحافظ ابراهيم شعراً، كما أرسل له الشيخ محمد عبده وزعيم مصر مصطفى كامل له مهنئين.



تزوج الرافعي في عام 1904 من ابنة عائلة البرقوقي من مدينة المنصورة.



انقطع لتأليف كتاب تاريخ آداب العرب من منتصف عام 1909 إلى نهاية عام 1910 ليدخل به مسابقة الجامعة المصرية في تاريخ الأدب العربي، ثم طبعه على حسابه الخاص في عام 1911، وفي عام 1912 أصدر جزءه الثاني وعنونه إعجاز القرآن والبلاغة النبوية.



إصداره للجزء الثاني جعل الناس يعرفون ويتذوقون قدرة الرافعي على البلاغة وفنونها، وكتب له زعيم الأمة سعد زغلول مهنئاً إياه، ومعترفاً له بعلمه الغزير وأسلوبه.



رحل في عام 1912 إلى لبنان، حيث ألف كتابه حديث القمر، وصف فيه مشاعر الشباب وعواطفهم وخواطر العشاق في أسلوب رمزي على ضرب من النثر الشعري البارع.



بعد وقوع الحرب العالمية الأولى، ونزوع المستعمر إلى تحويل كل خيرات البلاد لهذه الحرب، ما ترك أهلها ضحايا للجوع والفقر، ما جعل أرقام هؤلاء تزيد عن ضحايا الحرب ذاتها. نظر الرافعي حوله فرأى بؤساً متعدد الألوان، مختلف الصور والأشكال، فانعكس ذلك كله في كتابه كتاب المساكين. في عام 1924 أخرج كتاب رسائل الأحزان، عن خواطر في الحب، ثم أتبعه بكتاب السحاب الأحمر والذي تحدث فيه عن فلسفة البغض وطيش الحب. تلى ذلك كتابه أوراق الورد. وعند الغاء المحاكم الشرعية في مصر في عهد الإشتراكيين اصدرة كتابة ثورة يوليو.



((أخي الكريم ثورة يوليو كانت سنة 1952 و الرافعي توفي سنة 1937 كما ورد في مقالك. فإما تاريخ وفاته في مقالك غير صحيح و إما أن هذه الملاحظه أنه لحق بعهد الإشتراكين غير صحيحه أو غير دقيقه.))



وجد الرافعي دعوة التجديد قناعاً للنيل من اللغة العربية مصورة في أرفع أساليبها (الشعر الجاهلي) وباباً يقصد منه الطعن في القرآن الكريم والتشكيك في إعجازه، ومدخلاً يلتمس فيه الزراية بالأمة منذ كان للعرب شعراً وبياناً. لذا ما أنفتأ يقاوم هذه الدعوة، جهاداً تحت راية القران، فجمع في كتابه تحت راية القرآن كل ما كتب عن المعارك التي دارت بين القديم وكل ما هو جديد، ما جعله أفضل الكتب العربية في النقد ومكافحة الرأي بالرأي، ما جعله أعلى كتبه مكانة بعد رائعته وحي القلم.



في عام 1934 بدأ الرافعي يكتب كل أسبوع مقالة أو قصة، ليتم نشرها أسبوعياً في مجلة الرسالة، والتي أجمع الأدباء والنقاد على أن ما نشرته الرسالة لهو أبدع ما كتب في الأدب العربي الحديث والقديم، جمع أكثرها في كتاب وحي القلم. == من وحي القلم ==الذي تكلم فيه في البداية عن حياته



ولد مصطفى صادق الرافعي على ضفاف النيل في قرية بهتيم من قرى مدينة القليوبية بمصر في يناير عام 1880م. لأبوين سوريَّين؛ حيث يتصل نسب أسرة والده بعمر بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم في نسب طويل من أهل الفضل والكرامة والفقه في الدين. وقد وفد من آل الرافعي إلى مصر طائفة كبيرة اشتغلوا في القضاء على مذهب الإمام الأكبر أبي حنيفة النعمان حتى آل الأمر أن اجتمع منهم في وقت واحدٍ أربعون قاضياً في مختلف المحاكم المصرية؛ وأوشكت وظائف القضاء أن تكون حِكراً عليهم، وقد تنبه اللورد كرومر لذلك وأثبتها في بعض تقارير إلى وزارة الخارجية البريطانية.



أما والد الرافعي الشيخ عبد الرزاق سعيد الرافعي فكان رئيساً للمحاكم الشرعية في كثير من الأقاليم المصرية، وقد استقر به المقام رئيساً لمحكمة طنطا الشرعية، وهناك كانت إقامته حتى وفاته، وفيها درج مصطفى صادق وإخوته لا يعرفون غيرها، ولا يبغون عنها حولاً.



أما والدته فهي من أسرة الطوخي وتُدعى " أسماء " وأصلها من حلب، سكن أبوها الشيخ الطوخي في مصر قبل أن يتصل نسبهم بآل الرافعي. وهي أسرة اشتهر أفرادها بالاشتغال بالتجارة وضروبها.



ثقافته وأدبه



لهذه الأسرة المورقة الفروع ينتمي مصطفى صادق وفي فنائها درج، وعلى الثقافة السائدة لأسرة أهل العلم نشأ؛ فاستمع من أبيه أول ما استمع إلى تعاليم الدين، وجمع القرآن حفظاً وهو دون العاشرة، فلم يدخل المدرسة إلا بعدما جاوز العاشرة بسنة أو اثنتين، وفي السنة التي نال فيها الرافعي الشهادة الابتدائية وسنه يومئذٍ 17 عاماً أصابه مرض التيفوئيد فما نجا منه إلا وقد ترك في أعصابه أثراً ووقراً في أذنيه لم يزل يعاني منه حتى فقد حاسة السمع وهو بعد لم يجاوز الثلاثين.



وكانت بوادر هذه العلة هي التي صرفته عن إتمام تعليمه بعد الابتدائية. فانقطع إلى مدرسته التي أنشأها لنفسه وأعد برامجها بنفسه؛ فكان هو المعلم والتلميذ، فأكبَّ على مكتبة والده الحافلة التي تجمع نوادر كتب الفقه والدين والعربية؛ فاستوعبها وراح يطلب المزيد، وكانت علته سببًا باعد بينه وبين مخالطة الناس، فكانت مكتبته هي دنياه التي يعيشها وناسها ناسه، وجوها جوه وأهلها صحبته وخلانه وسمّاره، وقد ظل على دأبه في القراءة والاطلاع إلى آخر يوم في عمره، يقرأ كل يوم 8 ساعات لا يكل ولا يمل كأنه في التعليم شادٍ لا يرى أنه وصل إلى غاية.





نتاجه الأدبي والفكري



استطاع الرافعي خلال فترة حياته الأدبية التي تربو على خمسٍ وثلاثين سنة إنتاج مجموعة كبيرة ومهمة من الدواوين والكتب أصبحت علامات مميزة في تاريخ الأدب العربي.



دواوينه الشعرية:



كان الرافعي شاعراً مطبوعاً بدأ قرض الشعر وهو في العشرين، وطبع الجزء الأول من ديوانه في عام 1903 وهو بعد لم يتجاوز الثالثة والعشرين، وقد قدّم له بمقدمة بارعة فصّل فيها معنى الشعر وفنونه ومذاهبه وأوليته. وتألق نجم الرافعي الشاعر بعد الجزء الأول واستطاع بغير عناء أن يلفت نظر أدباء عصره، واستمر على دأبه فأصدر الجزأين الثاني والثالث من ديوانه. وبعد فترة أصدر ديوان النظرات، ولقي الرافعي حفاوة بالغة من علماء العربية وأدبائها قلّ نظيرها، حتى كتب إليه الإمام محمد عبده قائلاً: " أسأل الله أن يجعل للحق من لسانك سيفاً يمحق الباطل، وأن يقيمك في الأواخر مقام حسان في الأوائل ".



كتبه النثرية:



قلّ اهتمام الرافعي بالشعر عما كان في مبتدئه؛ وذلك لأن القوالب الشعرية تضيق عن شعوره الذي يعبر عن خلجات نفسه وخطرات قلبه ووحي وجدانه ووثبات فكره، فنزع إلى النثر محاولاً إعادة الجملة القرآنية إلى مكانها مما يكتب الكتاب والنشء والأدباء، أيقن أن عليه رسالة يؤديها إلى أدباء جيله، وأن له غاية هو عليها أقدر، فجعل هدفه الذي يسعى إليه أن يكون لهذا الدين حارساً يدفع عنه أسباب الزيغ والفتنة والضلال، وينفخ في هذه اللغة روحاً من روحه، يردّها إلى مكانها ويرد عنها فلا يجترئ عليها مجترئ، ولا ينال منها نائل، ولا يتندر بها ساخر إلا انبرى له يبدد أوهامه ويكشف دخيلته. فكتب مجموعة من الكتب تعبر عن هذه الأغراض عُدت من عيون الأدب في مطلع هذا القرن. وأهمها:



1-تحت راية القرآن: المعركة بين القديم والجديد: وهو كتاب وقفه –كما يقول- على تبيان غلطات المجددين الذي يريدون بأغراضهم وأهوائهم أن يبتلوا الناس في دينهم وأخلاقهم ولغتهم، وهو في الأصل مجموعة مقالات كان ينشرها في الصحف في أعقاب خلافه مع طه حسين الذي احتل رده على كتاب " في الشعر الجاهلي " معظم صفحات الكتاب.



2-وحي القلم: وهو مجموعة من مقالاته النقدية والإنشائية المستوحاة من الحياة الاجتماعية المعاصرة والقصص والتاريخ الإسلامي المتناثرة في العديد من المجلات المصرية المشهورة في مطلع القرن الماضي مثل: الرسالة، والمؤيد والبلاغ والمقتطف والسياسة وغيرها.



3-تاريخ الأدب العربي: وهو كتاب في ثلاثة أجزاء، الأول: في أبواب الأدب والرواية والرواة والشواهد الشعرية، والثاني: في إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، وأما الثالث: فقد انتقل الرافعي إلى رحمة ربه قبل أن يرى النور؛ فتولى تلميذه محمد سعيد العريان إخراجه؛ غير أنه ناقص عن المنهج الذي خطه الرافعي له في مقدمة الجزء الأول.



4-حديث القمر: هو ثاني كتبه النثرية وقد أنشأه بعد عودته من رحلة إلى لبنان عام 1912؛ عرف فيها شاعرة من شاعرات لبنان ( مي زيادة ) ، وكان بين قلبيهما حديث طويل، فلما عاد من رحلته أراد أن يقول فكان " حديث القمر ".



5-كتاب المساكين: وهو كتاب قدّم له بمقدمة بليغة في معنى الفقر والإحسان والتعاطف الإنساني، وهو فصول شتى ليس له وحدة تربطها سوى أنها صور من الآلام الإنسانية الكثيرة الألوان المتعددة الظلال. وقد أسند الكلام فيه إلى الشيخ علي الذي يصفه الرافعي بأنه: " الجبل الباذخ الأشم في هذه الإنسانية التي يتخبطها الفقر بأذاه "، وقد لقي هذا الكتاب احتفالاً كبيراً من أهل الأدب حتى قال عنه أحمد زكي باشاً: " لقد جعلت لنا شكسبير كما للإنجليز شكسبير وهيجو كما للفرنسيين هيجو وجوته كما للألمان جوته ".



6-رسائل الأحزان: من روائع الرافعي الثلاثة؛ التي هي نفحات الحب التي تملكت قلبه وإشراقات روحه، وقد كانت لوعة القطيعة ومرارتها أوحت إليه برسائل الأحزان التي يقول فيها " هي رسائل الأحزان لا لأنها من الحزن جاءت؛ ولكن لأنها إلى الأحزان انتهت؛ ثم لأنها من لسان كان سلماً يترجم عن قلب كان حرباً؛ ثم لأن هذا التاريخ الغزلي كان ينبع كالحياة وكان كالحياة ماضياً إلى قبر ".



7-السحاب الأحمر: وقد جاء بعد رسائل الأحزان، وهو يتمحور حول فلسفة البغض، وطيش القلب، ولؤم المرأة.



8-أوراق الورد رسائله ورسائلها: وهو طائفة من خواطر النفس المنثورة في فلسفة الحب والجمال، أنشأه الرافعي ليصف حالةً من حالاته ويثبت تاريخاً من تاريخه، كانت رسائل يناجي بها محبوبته في خلوته، ويتحدث بها إلى نفسه أو يبعث بها إلى خيالها في غفوة المنى، ويترسل بها إلى طيفها في جلوة الأحلام.



9-على السَّفُّود: وهو كتاب لم يكتب عليه اسم الرافعي وإنما رمز إليه بعبارة إمام من أئمة الأدب العربي؛ وهو عبارة عن مجموعة مقالات في نقد بعض نتاج العقاد الأدبي.



الرافعي ومعاركه الأدبية



كان الرافعي ناقداً أدبياً عنيفاً حديد اللسان والطبع لا يعرف المداراة، ولا يصطنع الأدب في نضال خصومه، وكانت فيه غيرة واعتداد بالنفس، وكان فيه حرص على اللغة كما يقول: " من جهة الحرص على الدين إذ لا يزال منهما شيء قائم كالأساس والبناء لا منفعة بأحدهما إلا بقيامهما معاً ". وكان يهاجم خصومه على طريقة عنترة، يضرب الجبان ضربة ينخلع لها قلب الشجاع، فكانت له خصومات عديدة مع شخصيات عنيدة وأسماء نجوم في الأدب والفكر والثقافة في مطلع القرن، فكانت بينه وبين المنفلوطي خصومة ابتدأها هذا الأخير بسبب رأي الرافعي في شعراء العصر. وكانت له صولات مع الجامعة المصرية حول طريقة تدريس الأدب العربي، وجولات أخرى مع عبد الله عفيفي وزكي مبارك. على أن أكثر معاركه شهرةً وحدة هو ما كان بينه وبين طه حسين، وبينه وبين العقاد، بل لعلها أشهر وأقسى ما في العربية من معارك الأدب.



خصومته مع طه حسين:



كانت هذه الخصومة بسبب كتاب طه حسين " في الشعر الجاهلي " الذي ضمّنه رأيه في أن جُلّ الشعر الجاهلي منحول، وهي مقولة خطيرة تنبه لها الرافعي؛ فحمل عليه حملة شعواء في الصحافة المصرية واستعدى عليه الحكومة والقانون وعلماء الدين، وطلب منهم أن يأخذوا على يده وأن يمنعوه من أن تشيع بدعته بين طلاب الجامعة، وترادفت مقالاته عاصفة مهتاجة تفور بالغيظ والحميّة الدينية والعصبيّة للإسلام والعرب، كأن فيها معنى من معاني الدم، حتى كادت هذه الحملة تذهب بـ " طه " وشيعته؛ إذ وقف معقود اللسان والقلم أمام قوة قلم الرافعي وحجته البالغة، وقد أسرّ " طه " هذا الموقف للرافعي، فما سنحت له سانحة ينال بها من الرافعي إلا استغلها كي يرد له الصاع صاعين. غير أن الرافعي كان يقارعه حجة بحجة ونقداً بنقد حتى توفي رحمه الله.



خصومته مع العقاد:



وكان السبب فيها كتاب الرافعي " إعجاز القرآن والبلاغة القرآنية " إذ كان العقاد يرى رأياً مخالفاً لما يرى الرافعي، وقد نشبت بينهما لذلك خصومة شديدة تجاوزت ميدانها الذي بدأت فيه، ومحورها الذي كانت تدور عليه إلى ميادين أخرى؛ جعلت كلا الأديبين الكبيرين ينسى مكانه، ويغفل أدبه ليلغو في عرض صاحبه، ويأكل لحمه من غير أن يرى ذلك مَعابة عليه، وكان البادئ الرافعي في مقالاته " على السفود " التي جمعها له في كتاب صديقه إسماعيل مظهر، وتوقفت المعركة بينهما فترة وجيزة ما لبثت أن اشتعل أوارها مرة أخرى عندما نشر العقاد ديوانه " وحي الأربعين " فكتب الرافعي نقداً لديوانه، تلقفه العقاد بالسخرية والتهكم والشتم والسباب، ولم تزل بينهما الخصومات الأدبية حتى توفي الرافعي رحمه الله.



وفاته:



توفي الرافعي في مايو سنة 1937 عن عمر يناهز 57 عاماً وكان الرافعي إذ ذاك ما يزال يعمل كاتباً ومحصلاً مالياً في محكمة طنطا، وهو العمل الذي بدأ به حياته العملية عام 1900م.

قالوا وكتبوا عنه:
صدر عن الرافعي عدة كتب ودراسات منها:
"حياة الرافعي" لمحمد سعيد العريان.
و"الجانب الإسلامي في أدب مصطفى صادق الرافعي" لعبد الستار علي السطوحي.
كما كتبت عن فكره وأدبه رسائل جامعية عديدة في جامعات مصر والسعودية وسوريا.
وقد كان للرافعي مقام كبير بين أدباء عصره، وهذه جمل من أقوالهم فيه يقول الشيخ محمد عبده: "أسأل الله أن يجعل اق من لسانك سيفًا يمحق الباطل وأن يقيمك في الأواخر مقام حسان مع الأوائل...".
وقال سعد زغلول عن كتابه "إعجاز القرآن": "بيان كأنه تنزيل من التنزيل أو قبس من نور الذكر الحكيم".
أما العقاد فقال: "إنه ليتفق لذا الكاتب من أساليب البيان مثله لكاتب من كتاب العربية في صدر أيامها.".
وقال عنه أحمد زكي باشا الملقب بشيخ العروبة: " لقد جعلت لنا شكسبير كما للإنجليز شكسبير، وهوجو كما للفرنسيين هوجو، وجوته كما للألمان جوته".
وقد مات الرافعي –رحمه الله- مطمئن البال لمستقبل الإسلام في قلوب الشباب حين طالب طلاب الجامعة -قبل وفاته بقليل –بمكان يخصص للصلاة ويفصل الفتيان عن الفتيات؛ فحياهم بمقالة كتبها في مجلة الرسالة ولم ينس أن يغمز فيها طه حسين.





في الختام أهدي هذا الجهد لكل من إحب أن ينهل من العلوم

والمعرفه فـ أن هذا الرجل لهو دلاله على ان المحروم في الدنيا

ليس من حرم سمعً او بصر بل من حرم العلم والمطالعه

وقد متعه الله بتلك النعمتين


تحيه أجلال لذلك العالم

رميته
05-07-2008, 02:13 PM
الرافعي رحمه الله رحمة واسعة , من أعظم الأدباء المسلمين الذين مزجوا بين الأدب والدين بطريقة عجيبة لا يقدر عليها إلا هو .
هو والبشير الإبراهيمي وغيرهما كانوا بحق من عمالقة الأدب الإسلامي .
ووحي القلم من أعظم وأحسن ما قرأتُ من الكتب الدينية والأدبية , وذلك منذ حوالي 25 سنة .
بارك الله في صاحب الموضوع .
شكرا جزيلا لك , ثم شكرا جزيلا لك أخي الكريم .
وفقنا الله وإياك لكل خير , آمين .

Hambraoui
05-07-2008, 03:38 PM
نماذج من أعماله

عَرُوسٌ تُزفُّ إلى قبرِها





كان عمرُها طاقةَ أزهارٍ تُسمى أيامًا.



كان عمرُها طاقةَ أزهارٍ يَنْتَسِق فيه اليومُ بعدَ اليوم، كما تَنْبُتُ الورقةُ الناعمة في الزهرة إلى ورقة ناعمة مِثلِها.



أيام الصِّبا المرحة حتى في أحزانها وهمومها؛ إذ كان مجيئها من الزمن الذي خُصّ بشباب القلب، تبدو الأشياء في مجاري أحكامها كالمسحورة؛ فإن كانت مفرحة جاءت حاملة فَرَحَيْن، وإن كانت محزنة جاءت بنصف الحزن.



تلك الأيام التي تعمل فيها الطبيعة لشباب الجسم بقوى مختلفة: منها الشمس والهواء والحركة، ومنها الفرح والنسيان والأحلام!



وشبت العذراء وأفرغت في قالب الأنوثة الشمسي القمري، واكتسى وجهها ديباجة من الزهر الغض، وأودعتها الطبيعة سرها النسائي الذي يجعل العذراء فن جمالها لأنها فن حياة، وجعلتها تمثالاً للظرف: وما أعجب سحر الطبيعة عندما تجمل العذراء بظرف كظرف الأطفال الذين ستلدهم من بعد! وأسبغت عليها معاني الرقة والحنان وجمال النفس، وما أكرم يدَ الطبيعة عندما تَمْهُر العذراء من هذه الصفات مهرها الإنساني!



وخُطبت العذراء لزوجها، وعُقد له عليها في اليوم الثالث من شهر مارس في الساعة الخامسة بعد الظهر.



وماتت عذراء بعد ثلاث سنين، أُنزلت إلى قبرها في اليوم الثالث من شهر مارس في الساعة الخامسة بعد الظهر!



وكانت السنوات الثلاث عمر قلب يقطعه المرض، ينتظرون به العرس، وينتظر بنفسه الرَّمْس(1).



يا عجائب القدر! أذاك لحن موسيقي لأنين استمر ثلاث سنوات، فجاء آخره موزونًا بأوله في ضبط ودقة؟



أكانت تلك العذراء تحمل سرًّا عظيمًا سيغير الدنيا، فردت الدنيا عليها يوم التهنئة والابتسام والزينة، فإذا هو يوم الولولة والدموع والكفن؟



واهًا لك أيها الزمن! من الذي يفهمك وأنت مدة أقدار؟



واليوم الواحد على الدنيا هو أيام مختلفة بعدد أهل الدنيا جميعًا، وبهذا يعود لكل مخلوق سر يومه، كما أن لكل مخلوق سر روحه، وليس إليه لا هذا ولا هذا.



وفي اليوم الزمني الواحد أربعمائة مليون يوم إنساني على الأرض! ومع ذلك يُحْصِيه عقلُ الإنسان أربعًا وعشرين ساعة؛ يا لَلْغباوة..!



وكل إنسان لا يتعلق من الحياة إلا بالشعاع يُضيء المكان المظلم في قلبه، والشمس بما طلعت عليه لا تستطيع أن تنير القلب الذي لا يُضيئه إلا وجهُ محبوب.



وفي الحياة أشياء مكذوبة تُكَبِّر الدنيا وتُصَغِّر النفسَ، وفي الحياة أشياءُ حقيقية تُعَظِّم بالنفس وتصغر بالدنيا؛ وذَهَبُ الأرض كله فقر مُدْقَع حين تكون المعاملة مع القلب.



أيتها الدنيا؛ هذا تحقيرك الإلهي إذا أكبرك الإنسان!



ويا عجبًا لأهل السوء المُغْتَرِّين بحياة لا بد أن تنتهي! فماذا يرتقبون إلا أن تنتهي؟ حياة عجيبة غامضة؛ وهل أَعْجَبُ وأَغْمَضُ من أن يكون انتهاء الإنسان إلى آخرها هو أول فكرة في حقيقتها؟



فعندما تحين الدقائقُ المعدودة التي لا تَرْقُبُها الساعةُ ولكن يَرْقُبُها صدرُ المُحْتَضَر.. عند ما يكون مُلْك الملوك جميعًا كالتراب لا يَشتري شيئًا ألبتة..



ماذا يكون أيها المجرم بعدما تقترف الجناية، ويقوم عليك الدليل، وترى حولك الجند والقضاة، وتقف أمامك الشريعة والعدل؟



أعمالنا في الحياة هي وحدها الحياة، لا أعمارنا، ولا حظوظنا. ولا قيمة للمال، أو الجاه، أو العافية، أو هي معًا – إذا سُلب صاحبها الأمن والقرار! والآمِن في الدنيا مَن لم تكن وراءَه جريمةٌ لا تزال تجري وراءَه. والسعيدُ في الآخرة من لم تكن له جريمةٌ تطارده وهو في السماوات.



كيف يمكن أن تخدع الآلة صاحبَها وفيها (العَدَّاد) : ما تتحرك من حركة إلا أشعرته فَعَدَّها؟ وكيف يمكن أن يكذب الإنسانُ ربَّه وفيه القلب: ما يعمل من عمل إلا أشعره فعدَّه؟



* * *



ورأيت العروس قبل موتها بأيام



أفرأيتَ أنت الغِنى عندما يُدبر عن إنسان ليتركَ له الحسرة والذكرى الأليمة؟ أرأيت الحقائق الجميلة تذهب عن أهلها فلا تترك لهم إلا الأحلام بها؟ ما أتعبَ الإنسانَ حين تتحول الحياة عن جسمه إلى الإقامة في فكره!



وما هي الهموم والأمراض؟ هي القبر يستبطئ صاحبه أحيانًا؛ فينفض في بعض أيامه شيئًا من ترابه…!



رأيتُ العروس قبل موتها بأيام، فَيَالَلَّهِ من أسرار الموت ورهبته! فرغ جسمها كما فرغت عندها الأشياء من معانيها! وتخلى هذا الجسم عن مكانه للروح تظهر لأهلها وتقف بينهم وقِفة الوداع!



وتحول الزمن إلى فكر المريضة؛ فلم تعد تعيش في نهار وليل، بل في فكر مضيء أو فكر مظلم!



يا إلهي! ما هذا الجسم المتهدم المقبل على الآخرة؛ أهو تمثال بطل تعبيره أم تمثال بدأ تعبيره؟



لقد وثقت أنه الموت، فكان فكرها الإلهي هو الذي يتكلم؛ وكان وجهها كوجه العابد: عليه طيف الصلاة ونورها. والروح الإنسانية متى عبرت لا تعبر إلا بالوجه.



ولها ابتسامة غريبة الجمال؛ إذ هي ابتسامة آلام أيقنت أنها موشكة أن تنتهي! ابتسامة روح لها مثل فرح السجين قد رأى سَجَّانه واقفًا في يده الساعة يرقب الدقيقة والثانية ليقول له: انطلق!



* * *



ودخلتُ أعُودُها فرأت كأنني آتٍ من الدنيا…! وتنسمت مني هواء الحياة. كأنني حديقة لا شخص!



ومَن غير المريض الْمُدْنَف، يعرف أن الدنيا كلمة ليس لها معنى أبدًا إلا العافية؟ مَن غير المريض المُشفي على الموت، يعيش بقلوب الناس الذين حوله لا بقلبه؟



تلك حالة لا تنفع فيها الشمس ولا الهواء ولا الطبيعة الجميلة، ويقوم مقام جميعها للمريض أهلها وأحباؤه!



وكان ذووها من رهبة القدر الداني كأنهم أسرى حرب أُجلسوا تحت جدار يريد أن ينقض! وكانت قلوبهم من فزعها تنبض نبضًا مثل ضربات المعاول.



وباقتراب الحبيب المحتضر من المجهول، يصبح من يحبه في مجهول آخر، فتختلط عليه الحياة بالموت، ويعود في مثل حيرة المجنون حين يمسك بيده الظل المتحرك ليمنعه أن يذهب! وتعروه في ساعة واحدة كآبة عمر كامل، تهيئ له جلال الحس الذي يشهد به جلال الموت!



* * *



وحانت ساعة ما لا يفهم، ساعة كل شيء، وهي ساعة اللاشيء في العقل الإنساني! فالتفتت العروس لأبيها تقول: "لا تحزن يا أبي…" ولأمها تقول: "لا تحزني يا أمي…!"



وتبسمت للدموع كأنما تحاول أن تكلمها هي أيضًا؛ تقول لها: "لا تبكي…!" وأشفقت على أحيائها وهي تموت، فاستجمعت روحها ليبقى وجهها حيًّا من أجلهم بضع دقائق! وقالت: "سأغادركم مبتسمة فعيشوا مبتسمين، سأترك تذكارًا بينكم تذكار عروس!…".



ثم ذكرت الله وذكرتهم به، وقالت: "أشهد أن لا إله إلا الله" وكررتها عشرًا! وتملأت روحها بالكلمة التي فيها نور السماوات والأرض، ونطقت من حقيقة قلبها بالاسم الأعظم الذي يجعل النفس منيرة تتلألأ حتى وهي في أحزانها.



ثم استقبلت خالق الرحمة في الآباء والأمهات! وفي مثل إشارة وداع من مسافر انبعث به القطار، ألقت إليهم تحية من ابتسامتها وأسلمت الروح!



يالَعجائب القدر! مَشينًا في جنازة العروس التي تُزف إلى قبرها طاهرة كالطفلة ولم يبارك لها أحد! فما جاوزنا الدار إلا قليلاً حتى أبصرت على حائط في الطريق إعلانًا قديمًا بالخط الكبير الذي يصيح للأعين؛ إعلانًا قديمًا عن (رواية) هذا هو اسمها: "مبروك…!".



واخترقنا المدينة وأنا أنظر وأتقصى، فلم أرَ هذا الإعلان مرة أخرى! واخترقنا المدينة كلها، فلما انقطع العمران وأشرفنا على المقبرة، إذا آخر حائط عليه الإعلان: "مبروك…!".







أيها المسلمون!







نهضت فلسطينُ تَحُلّ العُقْدةَ التي عُقِدت لها بين السيف والمكر والذَّهَب. عُقْدة سياسية خبيثة، فيها لذلك الشعب الحر قتلٌ وتخريبٌ وفقر. عُقدة الحكم الذي يحكم بثلاثة أساليب: الوعد الكذب، والفناء البطيء ، ومطامع اليهود المتوحشة.

أيها المسلمون، ليست هذه مِحنة فلسطين، ولكنها محنة الإسلام، يريدون ألا يُثْبِتَ شخصيتَه العزيزةَ الحرة.

كل قرش يُدفع الآن لفلسطين، يذهب إلى هناك ليجاهد هو أيضًا.

أولئك إخواننا المجاهدون، ومعنى ذلك أن أخلاقنا هي حُلفاؤهم في هذا الجهاد.

أولئك إخواننا المنكوبون، ومعنى ذلك أنهم في نكبتهم امتحانٌ لضمائرنا نحن المسلمين جميعًا.

أولئك إخواننا المُضطهدون، ومعنى ذلك أن السياسة التي أذلتهم تسألنا نحن: هل عندنا إقرار للذل؟

ماذا تكون نكبة الأخ إلا أن تكون اسمًا آخر لمروءة سائر إخوانه أو مذلتهم؟

أيها المسلمون، كل قرش يُدفع لفلسطين، يذهب إلى هناك ليفرضَ على السياسةِ احترامَ الشعورِ الإسلامي.

ابْتَلَوْهُمْ باليهود يحملون في دمائهم حقيقتين ثابتتين: مِن ذُلّ الماضي وتشريد الحاضر، ويحملون في قلوبهم نِقْمتين طاغيتين: إحداهما من ذَهَبِهم، والأُخرى من رذائلهم.

ويُخبئون في أدمغتهم فكرتين خبيثتين: أن يكون العربُ أقلية، ثم أن يكونوا بعد ذلك خدمَ اليهود.

في أنفسهم الحقد، وفي خيالهم الجنون، وفي عقولهم المكر، وفي أيديهم الذَّهَبُ الذي أصبح لئيمًا؛ لأنه في أيديهم.

أيها المسلمون، كل قرش يُدفع لفلسطين، يذهب إلى هناك ليتكلم كلمة تَردّ إلى هؤلاء العقل.

ابْتَلَوْهُم باليهود يمرون مرور الدنانير بالربا الفاحش في أيدي الفقراء.

كل مائة يهودي ـ على مذهب القوم ـ يجب أن تكون في سنة واحدة مائةً وسبعين.. حساب خبيث يبدأ بشيء من العقل، ولا ينتهي أبدًا وفيه شيءٌ من العقل.

والسياسة وراءَ اليهود، واليهود وراءَ خيالهم الديني، وخيالهم الديني هو طَرْد الحقيقة المسلمة.

أيها المسلمون، كل قرش يُدفع لفلسطين، يذهب إلى هناك ليُثْبِتَ الحقيقةَ التي يُريدون طردها.

يقول اليهود: إنهم شعب مُضطهد في جميع بلاد العالم.

ويَزعمون: أن من حقهم أن يعيشوا أحرارًا في فلسطين، كأنها ليست من جميع بلاد العالم..

وقد صنعوا للإنجليز أسطولاً عظيمًا لا يَسبح في البحار، ولكن في الخزائن..

وأراد الإنجليز أن يطمئنوا في فلسطين إلى شعب لم يتعود قَطّ أن يقول: أنا.

ولكن لماذا كَنَسَتْكُمْ كلُّ أمة من أرضها بمِكنسة أيها اليهود؟

أجهلتم الإسلام؟ الإسلام قوة كتلك التي تُوجد الأنيابَ والمخالبَ في كل أسد.

قوة تُخرج سلاحها بنفسها؛ لأن مخلوقها عزيز لم يوجد ليُؤْكَل، ولم يُخلق ليُذل.

قوة تجعل الصوت نفسه حين يزمجر، كأنه يعلن الأسديةَ العزيزة إلى الجهات الأربع.

قوة وراءها قلب مشتعل كالبركان، تتحول فيه كل قطرة دم إلى شرارة دم. ولئن كانت الحوافر تهيئ مخلوقاتهم ليركبها الراكب، إن المخالب والأنياب تهيئ مخلوقاتها لمعنى آخر.

لو سئلت ما الإسلام في معناه الاجتماعي؟ لسألتكَ كم عددُ المسلمين؟

فإن قيل: ثلاثمائة مليون ( هذا أيام الرافعي). قلت: فالإسلام هو الفكرة التي يجب أن يكون لها ثلاثمائة مليون قوة.

أيجوع إخوانكم أيها المسلمون وتشبعون؟ إن هذا الشبع ذنب يُعاقِب اللهُ عليه.

والغِنَى اليومَ في الأغنياء الممسكين عن إخوانهم، هو وصفُ الأغنياء باللؤم لا بالغنى.

كل ما يَبذله المسلمون لفلسطين، يدل دلالات كثيرة، أقلها سياسة المقاومة.

كان أسلافكم أيها المسلمون، يفتحون الممالك، فافتحوا انتم أيديكم..

كانوا يَرمون بأنفسهم في سبيل الله غير مكترثين، فارموا أنتم في سبيل الحق بالدنانير والدراهم.

لماذا كانت القبلة في الإسلام إلا لتعتادَ الوجوهُ كلها أن تتحول إلى الجهة الواحدة؟

لماذا ارتفعت المآذن إلا ليعتادَ المسلمون رَفْعَ الصوتِ في الحق؟

أيها المسلمون، كونوا هناك. كونوا هناك مع إخوانكم بمعنًى من المعاني.

لو صام العالم الإسلامي كله يومًا واحدًا وبذل نفقات هذا اليوم الواحد لفلسطين،لأغناهم.

لو صام المسلمون كلُّهم يومًا واحدًا لإعانة فلسطين، لقالَ اليهودُ اليومَ ما قاله آباؤهم من قبل: "إن فيها قومًا جبارين…"

أيها المسلمون، هذا مَوْطِنٌ يزيد فيه معنى المال المبذول فيكون شيئًا سماويًّا.

كل قرش يبذله المسلمُ لفلسطين، يتكلم يومَ الحساب يقول: يا رب، أنا إيمانُ فلان!





ربنا إياك ندعو





ربّنا إياكَ ندعـو ربّـنا آتنـا النصرَ الذي وعدتنـا



إننا نبغي رضاك إنـنـا ما ارتضينا غير ما ترضى لنا



أنفساً طاهرةً طهرَ الحرمْ تملأ التاريخَ مجـداً وكـرمْ



وافيات بالعهود والذممْ راقـيات للمعالي والهـممْ



العلا إن العلا واجبات المسلمِ



خيرُ عالمٍ خلا كان فينا ينتمي



للعلا فإنـنا أمـة التـقدمِ



للعلا وها أنا بحـياتي و دمي



يا شبابَ العـالم المحـمدي ينقص الكونَ شبابٌ مـهتدي



فأروه دينـكم ليـقتـدي دينَ عقـلٍ وضـمـير ويـدِ



يا شباب العـزمات المبرمـةْ عرفوا الكـون العلا و المكرمةْ



عرفوا الكون الهدى و المرحمةْ عرفوا الكـون النفوس المسلمةْ



إننا الطـهر الأماجـيد الألى نزلت فينا السـما مذ أنـزِلَ



ذلـك القرآنَ أخلاقاً علـى كوكب الأرض محـمد العـلا



ليس كالمسلم في الخلق أحـدْ ليس خلقَ اليوم بل خلق الأبـدْ



إنما الإسلام في الصحرا امتهدْ ليجـيء كـل مسـلم أسـدْ



في ضميري دائماً صوت النبي آمـراً: جاهـدْ وكابدْ و اتعبِ



صائحاً: غالبْ وطالبْ وادأبِ صـارخا ً: كنْ أبدأ حـراً أبي



كن سواءً ما اختفى وما علنْ كـن قوياً بالضمير و البـدنْ



كن عزيزاً بالعشير والوطـنْ كن عظيماً في الشعوب الزمـنْ



ربِّ بالإسلام قـد هديـتـني رب من نـورك قـد آتيـتَني



فعـليّ العـهدُ مـا أحـييتني أحـرسُ الكـنزَ الذي وهبتني



أو أموتَ دونه مـوت البـطلْ ثابتاً أحـيا بقلب مـن جبل



نيّراً أحيـا بروح من شُـغلْ جاهداً أحـيا بجسـم من عملْ


واقدم لكم روابط تحميل لبعض كت بالرافعي وانصحكم بقرائتها وبعد ذالك أعطوني آراءكم فيها



1- وحي القلم الجزء 01
http://www.4shared.com/file/38996288..._____.html?s=1
2- وحي القلم الجزء 02
http://www.4shared.com/file/39020790..._____.html?s=1

3- وحي القلم الجزء 03
http://www.4shared.com/file/39001105..._____.html?s=1


وهذا
تاريخ آداب العرب الجزء الأول
http://www.4shared.com/file/39027247..._____.html?s=1
تاريخ آداب العرب الجزء الثاني
http://www.4shared.com/file/39032671..._____.html?s=1

تاريخ آداب العرب الجزء الثالث
http://www.4shared.com/file/39004463..._____.html?s=1

وهذا كتاب آخر للرافعي وهو : رسائل الرافعي
http://www.4shared.com/file/38992643.../____.html?s=1

algeroi
14-08-2008, 01:17 PM
عَرُوسٌ تُزفُّ إلى قبرِها

صادق الرافعي (منقول)

------------------------------------------------

كان عمرُها طاقةَ أزهارٍ تُسمى أيامًا.
كان عمرُها طاقةَ أزهارٍ يَنْتَسِق فيه اليومُ بعدَ اليوم، كما تَنْبُتُ الورقةُ الناعمة في الزهرة إلى ورقة ناعمة مِثلِها.
أيام الصِّبا المرحة حتى في أحزانها وهمومها؛ إذ كان مجيئها من الزمن الذي خُصّ بشباب القلب، تبدو الأشياء في مجاري أحكامها كالمسحورة؛ فإن كانت مفرحة جاءت حاملة فَرَحَيْن، وإن كانت محزنة جاءت بنصف الحزن.
تلك الأيام التي تعمل فيها الطبيعة لشباب الجسم بقوى مختلفة: منها الشمس والهواء والحركة، ومنها الفرح والنسيان والأحلام!
وشبت العذراء وأفرغت في قالب الأنوثة الشمسي القمري، واكتسى وجهها ديباجة من الزهر الغض، وأودعتها الطبيعة سرها النسائي الذي يجعل العذراء فن جمالها لأنها فن حياة، وجعلتها تمثالاً للظرف: وما أعجب سحر الطبيعة عندما تجمل العذراء بظرف كظرف الأطفال الذين ستلدهم من بعد! وأسبغت عليها معاني الرقة والحنان وجمال النفس، وما أكرم يدَ الطبيعة عندما تَمْهُر العذراء من هذه الصفات مهرها الإنساني!
وخُطبت العذراء لزوجها، وعُقد له عليها في اليوم الثالث من شهر مارس في الساعة الخامسة بعد الظهر.
وماتت عذراء بعد ثلاث سنين، أُنزلت إلى قبرها في اليوم الثالث من شهر مارس في الساعة الخامسة بعد الظهر!
وكانت السنوات الثلاث عمر قلب يقطعه المرض، ينتظرون به العرس، وينتظر بنفسه الرَّمْس(1).
يا عجائب القدر! أذاك لحن موسيقي لأنين استمر ثلاث سنوات، فجاء آخره موزونًا بأوله في ضبط ودقة؟
أكانت تلك العذراء تحمل سرًّا عظيمًا سيغير الدنيا، فردت الدنيا عليها يوم التهنئة والابتسام والزينة، فإذا هو يوم الولولة والدموع والكفن؟
واهًا لك أيها الزمن! من الذي يفهمك وأنت مدة أقدار؟
واليوم الواحد على الدنيا هو أيام مختلفة بعدد أهل الدنيا جميعًا، وبهذا يعود لكل مخلوق سر يومه، كما أن لكل مخلوق سر روحه، وليس إليه لا هذا ولا هذا.

وفي اليوم الزمني الواحد أربعمائة مليون يوم إنساني على الأرض! ومع ذلك يُحْصِيه عقلُ الإنسان أربعًا وعشرين ساعة؛ يا لَلْغباوة..!

وكل إنسان لا يتعلق من الحياة إلا بالشعاع يُضيء المكان المظلم في قلبه، والشمس بما طلعت عليه لا تستطيع أن تنير القلب الذي لا يُضيئه إلا وجهُ محبوب.
وفي الحياة أشياء مكذوبة تُكَبِّر الدنيا وتُصَغِّر النفسَ، وفي الحياة أشياءُ حقيقية تُعَظِّم بالنفس وتصغر بالدنيا؛ وذَهَبُ الأرض كله فقر مُدْقَع حين تكون المعاملة مع القلب.
أيتها الدنيا؛ هذا تحقيرك الإلهي إذا أكبرك الإنسان!

ويا عجبًا لأهل السوء المُغْتَرِّين بحياة لا بد أن تنتهي! فماذا يرتقبون إلا أن تنتهي؟ حياة عجيبة غامضة؛ وهل أَعْجَبُ وأَغْمَضُ من أن يكون انتهاء الإنسان إلى آخرها هو أول فكرة في حقيقتها؟
فعندما تحين الدقائقُ المعدودة التي لا تَرْقُبُها الساعةُ ولكن يَرْقُبُها صدرُ المُحْتَضَر.. عند ما يكون مُلْك الملوك جميعًا كالتراب لا يَشتري شيئًا ألبتة..

ماذا يكون أيها المجرم بعدما تقترف الجناية، ويقوم عليك الدليل، وترى حولك الجند والقضاة، وتقف أمامك الشريعة والعدل؟

أعمالنا في الحياة هي وحدها الحياة، لا أعمارنا، ولا حظوظنا. ولا قيمة للمال، أو الجاه، أو العافية، أو هي معًا – إذا سُلب صاحبها الأمن والقرار! والآمِن في الدنيا مَن لم تكن وراءَه جريمةٌ لا تزال تجري وراءَه. والسعيدُ في الآخرة من لم تكن له جريمةٌ تطارده وهو في السماوات.

كيف يمكن أن تخدع الآلة صاحبَها وفيها (العَدَّاد) : ما تتحرك من حركة إلا أشعرته فَعَدَّها؟ وكيف يمكن أن يكذب الإنسانُ ربَّه وفيه القلب: ما يعمل من عمل إلا أشعره فعدَّه؟

* * *
ورأيت العروس قبل موتها بأيام
أفرأيتَ أنت الغِنى عندما يُدبر عن إنسان ليتركَ له الحسرة والذكرى الأليمة؟ أرأيت الحقائق الجميلة تذهب عن أهلها فلا تترك لهم إلا الأحلام بها؟ ما أتعبَ الإنسانَ حين تتحول الحياة عن جسمه إلى الإقامة في فكره!
وما هي الهموم والأمراض؟ هي القبر يستبطئ صاحبه أحيانًا؛ فينفض في بعض أيامه شيئًا من ترابه…!

رأيتُ العروس قبل موتها بأيام، فَيَالَلَّهِ من أسرار الموت ورهبته! فرغ جسمها كما فرغت عندها الأشياء من معانيها! وتخلى هذا الجسم عن مكانه للروح تظهر لأهلها وتقف بينهم وقِفة الوداع!
وتحول الزمن إلى فكر المريضة؛ فلم تعد تعيش في نهار وليل، بل في فكر مضيء أو فكر مظلم!
يا إلهي! ما هذا الجسم المتهدم المقبل على الآخرة؛ أهو تمثال بطل تعبيره أم تمثال بدأ تعبيره؟
لقد وثقت أنه الموت، فكان فكرها الإلهي هو الذي يتكلم؛ وكان وجهها كوجه العابد: عليه طيف الصلاة ونورها. والروح الإنسانية متى عبرت لا تعبر إلا بالوجه.

ولها ابتسامة غريبة الجمال؛ إذ هي ابتسامة آلام أيقنت أنها موشكة أن تنتهي! ابتسامة روح لها مثل فرح السجين قد رأى سَجَّانه واقفًا في يده الساعة يرقب الدقيقة والثانية ليقول له: انطلق!

* * *
ودخلتُ أعُودُها فرأت كأنني آتٍ من الدنيا…! وتنسمت مني هواء الحياة. كأنني حديقة لا شخص!

ومَن غير المريض الْمُدْنَف، يعرف أن الدنيا كلمة ليس لها معنى أبدًا إلا العافية؟ مَن غير المريض المُشفي على الموت، يعيش بقلوب الناس الذين حوله لا بقلبه؟
تلك حالة لا تنفع فيها الشمس ولا الهواء ولا الطبيعة الجميلة، ويقوم مقام جميعها للمريض أهلها وأحباؤه!

وكان ذووها من رهبة القدر الداني كأنهم أسرى حرب أُجلسوا تحت جدار يريد أن ينقض! وكانت قلوبهم من فزعها تنبض نبضًا مثل ضربات المعاول.
وباقتراب الحبيب المحتضر من المجهول، يصبح من يحبه في مجهول آخر، فتختلط عليه الحياة بالموت، ويعود في مثل حيرة المجنون حين يمسك بيده الظل المتحرك ليمنعه أن يذهب! وتعروه في ساعة واحدة كآبة عمر كامل، تهيئ له جلال الحس الذي يشهد به جلال الموت!

* * *
وحانت ساعة ما لا يفهم، ساعة كل شيء، وهي ساعة اللاشيء في العقل الإنساني! فالتفتت العروس لأبيها تقول: "لا تحزن يا أبي"…" ولأمها تقول: "لا تحزني يا أمي…!""
وتبسمت للدموع كأنما تحاول أن تكلمها هي أيضًا؛ تقول لها: "لا تبكي"…!" وأشفقت على أحيائها وهي تموت، فاستجمعت روحها ليبقى وجهها حيًّا من أجلهم بضع دقائق! وقالت: "سأغادركم مبتسمة فعيشوا مبتسمين، سأترك تذكارًا بينكم تذكار عروس!…"."
ثم ذكرت الله وذكرتهم به، وقالت: "أشهد أن لا إله إلا الله" وكررتها عشرًا! وتملأت روحها بالكلمة التي فيها نور السماوات والأرض، ونطقت من حقيقة قلبها بالاسم الأعظم الذي يجعل النفس منيرة تتلألأ حتى وهي في أحزانها.

ثم استقبلت خالق الرحمة في الآباء والأمهات! وفي مثل إشارة وداع من مسافر انبعث به القطار، ألقت إليهم تحية من ابتسامتها وأسلمت الروح!

يالَعجائب القدر! مَشينًا في جنازة العروس التي تُزف إلى قبرها طاهرة كالطفلة ولم يبارك لها أحد! فما جاوزنا الدار إلا قليلاً حتى أبصرت على حائط في الطريق إعلانًا قديمًا بالخط الكبير الذي يصيح للأعين؛ إعلانًا قديمًا عن (رواية) هذا هو اسمها: "مبروك"…!"."

واخترقنا المدينة وأنا أنظر وأتقصى، فلم أرَ هذا الإعلان مرة أخرى! واخترقنا المدينة كلها، فلما انقطع العمران وأشرفنا على المقبرة، إذا آخر حائط عليه الإعلان: "مبروك"…!"."

إخلاص
16-08-2008, 07:20 PM
أوراق متناثرة حوت أجمل العبارات و أرقّها لكاتبنا الكبير الرّافعي

لكنّني أعارض جملته الموالية

امرأةٍ كالتي جعلت آدم يفر حتى من الجنة ومن الملائكة

فما فرّ سيّدنا آدم من الجنّة و لا فرّ من الملائكة

بل نزل إلى الأرض بأمر من ربّه

قد يكون لها معنى آخر لكن أظنّ لا يحوز قولها

بوركت أخي العاصمي على جمال طرحك

رياض...
16-08-2008, 07:30 PM
شكرا لك اخي

فالرافعي يعمد مدرسة في الادب العربي

على كل اديب ان يمر عليها

تحياي

algeroi
18-08-2008, 07:40 PM
أوراق متناثرة حوت أجمل العبارات و أرقّها لكاتبنا الكبير الرّافعي


لكنّني أعارض جملته الموالية

امرأةٍ كالتي جعلت آدم يفر حتى من الجنة ومن الملائكة

فما فرّ سيّدنا آدم من الجنّة و لا فرّ من الملائكة

بل نزل إلى الأرض بأمر من ربّه

قد يكون لها معنى آخر لكن أظنّ لا يحوز قولها


بوركت أخي العاصمي على جمال طرحك


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
احسنت بملاحظتك القيمة اختي الكريمة ولست ادري كيف غاب عني التنبيه على مثل هذا الخطاء الجسيم واستغفر الله من نقله دون تعقيب .... بورك فيك ... وجزيت الجنة

algeroi
18-08-2008, 07:53 PM
شكرا لك اخي

فالرافعي يعمد مدرسة في الادب العربي

على كل اديب ان يمر عليها

تحياي

مرور عطر وكلمات بليغة لا يوفيها حقها الا ما قاله العلامة الاديب محمود شاكر في ذكرى الرافعي :
جزعي عليك يمسك لساني ان يقول ويرسل دمعي ليتكلم والاحزان تجد الدمع الذي تذوب فيه لتهون وتضاءل ولكن احزاني عليك تجد الدمع الذي تروى منه وتنتشر
ليس في قلبي مكان لم يرف عليه حبي لك وهواي فيك فليس في القلب مكان لم يحرقه حزني فيك وجزعي عليك هذه دموعي تترجم عن احزان قلبي ولكنها دموع لا تحسن تتكلم ... (ص5 /المقالات)

algeroi
14-01-2009, 10:41 AM
في محنة فلسطين أيها المسلمون
صادق الرافعي

قوة تخرج سلاحها بنفسها، لأن مخلوقها عزيز لم يوجد ليؤكل، ولم يخلق ليذل.
قوة تجعل الصوت نفسه حين يزمجر، كأنه يعلن الأسدية العزيزة إلى الجهات الأربع.
قوة وراءها قلب مشتعل كالبركان، تتحول فيه كل قطرة دم إلى شرارة دم ولئن كانت الحوافر تهيئ مخلوقاتها ليركبها الراكب، إن المخالب والأنياب تهيئ مخلوقاتها لمعنى آخر.
لو سئلت ما الإسلام في معناه الاجتماعي؟ لسألت: كم عدد المسلمين؟
فإن قيل: ثلاثمائة مليون. قلت: فالإسلام هو الفكرة التي يجب أن يكون لها ثلاثمائة مليون قوة.
أيجوع إخوانكم أيها المسلمون وتشبعون؟ إن هذا الشبع ذنب يعاقب الله عليه.
والغني اليوم في الأغنياء الممسكين عن إخوانهم، وهو وصف الأغنياء باللؤم لا بالغنى.
كل ما يبذله المسلمون لفلسطين، يدل دلالات كثيرة، أقلها سياسة المقاومة.
كان أسلافكم أيها المسلمون يفتحون الممالك. فافتحوا أنتم أيديكم...
كانوا يرمون بأنفسهم في سبيل الله غير مكترثين، فارموا أنتم في سبيل الحق بالدنانير والدراهم.
لماذا كانت القبلة في الإسلام إلا لتعتاد الوجوه كلها أن تتحول إلى الجهة الواحدة؟
لماذا ارتفعت المآذن إلا ليعتاد المسلمون رفع الصوت في الحق؟
أيها المسلمون! كونوا هناك. كونوا هناك مع إخوانكم بمعنى من المعاني.
لو صام العالم الإسلامي كله يوما واحدًا وبذل نفقات هذا اليوم الواحد لفلسطين لأغناها.
لو صام المسلمون كلهم يوما واحدًا لإعانة فلسطين، لقال النبي مفاخرًا الأنبياء: هذه أمتي!
لو صام المسلمون جميعا يومًا واحد لفلسطين، لقال اليهود اليوم ما قاله آباؤهم من قبل: إن فيها قومًا جبارين...
أيها المسلمون! هذا موطن يزيد فيه معنى المال المبذول فيكون شيئا سماويًا.
كل قرش يبذله المسلم لفلسطين، يتكلم يوم الحساب يقول: يا رب، أنا إيمان فلان!