مشاهدة النسخة كاملة : إن هي إلاّ خواطر وسوانح .
علي قسورة الإبراهيمي
30-07-2015, 05:45 PM
بسم الله الرحمن الرحيم.
آل " الشروق "
ذروني أن أحييكم بتحية هؤلاء
" يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما"
ثم أقول لكم :
دأبي أنني لا أستطيب الحياة إلاّ مع مجالس أنس الضاد، مع من يتقنونها من العباد، فتنبعث الأفراح تهدر حتى وأنها تخرج من صدر مهموم وكظيمٍ، لا شيء سوى أنها نمطية العيش وقد ألقتها علينا رتابة الحياة.
لا أدري كيف أصف لكم نفسي؟
مع فقر حالي كـ " أديب " من معين هذه اللغة الجميلة.
وقد أردتُ دخول دهاليزها وغشيانها لَعلّي أجد مع البحث فورة أهتدي بها لرشدٍ أو هدى، أو اقتفى أثرًا أو منارة استرشد بها بعد ما أجهدت نفسي المفاوز، وأضلتني المتاهات.
هذه خواطر بالبهاء ذات الحللِ، وسوانح يستعيض بها عن الملل.
قد تغري بالمفردات المؤتلفة، وربما تسرُّ بالمعاني المختلفة.
جميلٌ جدًّا ما تعلّمناه ذلك الذي مرّ وفات، ولكن الأجمل منه حاضر نبنيه فَتيًّا بما هو آت.
حتى لا أطيل يا سيدات وسادة، فلا تلوموني إن كسّرت العادة.
أردتُ هذه المرة
أن اتسلق قامة، وأعلو هامة.
إنه ابن الجوزي و" صيد الخاطر " وأتبعه بـ " سوانحي "، ولو أن الفرقَ شاسعٌ، والبونَ واسعٌ
فإن راقت لكم فبِالدعاءِ أجزلوا، وإن كانت غير ذلك.
فرحم الله من أصلح عيبًا، وغض الطرف عن زلل.
ودمتم يا من تمرون هنا بكل خيرٍ أيها الأعزاء.
علي قسورة الإبراهيمي
30-07-2015, 06:12 PM
العلامة ابن الجوزي وماذا قال؟
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه المستعان وعليه التكلان
قال الشيخ الإمام العالم أبو الفرج؛ عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي رحمة الله عليه:
الحمدُ لله حمداً يبلغ رِضاه، وصلى الله على أشرف من اجتباه، وعلى من صاحبه ووالاه، وسلم تسليماً لا يدرك منتهاه.
لمّا كانت الخواطر تجول في تصفح أشياء تعرض لها، ثم تعرض عنها فتذهب، كان من أولى الأمور حفظ ما يخطر لكيلا يُنسى.
وقد قال عليه الصلاة والسلام:
" قيدوا العلم بالكتابة"
وكم قد خطر لي شيء، فأتشاغل عن إثباته فيذهب، فأتأسف عليه.
ورأيتُ من نفسي أنني كلما فتحتُ بصر التفكر، سنح له من عجائب الغيب، ما لم يكن في حساب، فأنثال عليه من كثيب التفهيم ما لا يجوز التفريط فيه، فجعلت هذا الكتاب قيداً - لصيد الخاطر - والله ولي النفع، إنه قريب مجيب.
علي قسورة الإبراهيمي
30-07-2015, 07:20 PM
وبما يريد أن يقول صاحبنا؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كما حمده الملائكة الأطهار، وسبحه الأنبياء الأخيار ، وكلّ الخلائق أناء الليل وأطراف النهار.
وصلّ اللهم على المصطفى المختار، وعلى آله وصحبه الأبرار سلم تسليمًا كثيرا.
أجدُ نفسي مع همة بين مجرة العلماء مجراها، وسفينة علم في بحار الضاد مجراها ومرساها.
له المقدمة في الخواطر، وله السبق في ذلك الميدان، ولا أقول أنني معه كفرسي رهانٍ.
فأين الثرى من الثريا؟ وأين النجم في السماء، ومن النجم وهو بجوار الماء؟
ومع ذلك أريد أن أطرق هذا الباب، وليس في ذهني لا أوبة بإيّاب.
أريد أن أعلو إلى عقلٍ تحصيلاً، وأسلك طريقًا جملةً وتفصيلاً.
أغذي نفسي بعفاف العلم والحكمة، من علوم العلامة ابن الجوزي ذي الهمة.
وبعدما قرأتُ ما جالت به قريحة علامتنا من خواطر
وجدتُ نفسي أدير رتاج الباب، وكأنني في مروج عبقر، وجدتُ من هو في العلم يغرف من بحر، وفي البلاغة ينحت من صخر.
وها أنذا أنختُ الركاب بوادٍ أنيس، وروضٍ بالوردِ حبيس
وأخال نفسي أنني مدثر بجاهه وعرضه، ومتعزز بسماء علمه وأرضه.
رغم نقص ما بذات اليد من العلم والفهم.
ومع ذلك طرق هذا الباب.
علي قسورة الإبراهيمي
30-07-2015, 08:28 PM
واستأنف ابن الجوزي بما أصطاده خاطره.
فصل بين اليقظة والغفلة
قد يعرض عند سماع المواعظ للسامع يقظة، فإذا انفصل عن مجلس الذكر عادت القسوة والغفلة ! فتدبرت السبب في ذلك، فعرفته.
ثم رأيت الناس يتفاوتون في ذلك، فالحالة العامة أن القلب لا يكون على صفة من اليقظة عند سماع الموعظة وبعدها، لسببين.
أحدهما: أن المواعظ كالسياط، والسياط لا تؤلم بعد انقضائها إيلامها وقت وقوعها.
والثاني:
أن حالة سماع المواعظ يكون الإنسان فيها مزاح العلة، قد تخلى بجسمه وفكره عن أسباب الدنيا، وأنصت بحضور قلبه، فإذا عاد إلى الشواغل اجتذبته بآفاتها، وكيف يصح أن يكون كما كان؟!.
وهذه حالة تعم الخلق، إلا أن أرباب اليقظة يتفاوتون في بقاء الأثر.
فمنهم من يعزم بلا تردد، ويمضي من غير التفات، فلو توقف بهم ركب الطبع لضجوا كما قال حنظلة عن نفسه:
نافق حنظلة!.
ومنهم أقوام يميل بهم الطبع إلى الغفلة أحياناً، ويدعوهم ما تقدم من المواعظ إلى العمل أحياناً، فهم كالسنبلة تميلها الرياح!
وأقوام لا يؤثر فيهم إلا بمقدار سماعه، كما دحرجته على صفوان!
في انتظار من من قرر الرد بسوانح ذهنه.
علي قسورة الإبراهيمي
30-07-2015, 09:09 PM
وإليكم وصاحبنا بماذا ردّ بما أجاب؟
ابن الجوزي يا علاّمتنا، أنر لنا عقولنا وأزل عنّا بخواطرك العنا
إننا في يقظة ونحن نائمون، نظنّ أن لنا فهمًا ونحن غافلون.
مواعظٌ ولا هناك من سامعٍ، تجنٍّ على الضادٍ ولا هناك من رادعٍ.
فالناس نيام، كأنهم جرادٌ وهوام.
ولا هناك من فرج بادٍ، ولا حياة لمن تنادي.
يا علامة زمانك، وفريد عصرك وأوانك.
ألا تعلم أنني قد قلتُ عن حالنا هذه المرة، حين وقعت العثرة:
وبعد أن جفا الزمان، وتبدل الخلان، وتداخلت في التظاهر بالتدين الألوان، والغشاوة عمت المكان، فلا أفق ولا أمان، والرداءة أصبحت العنوان، ونكست الرؤوس و الأبدان، واستبيحت الأوزان.
بل أن قول " الحق " من الشيطان، والعبث طال الأرصفة والجدران.
فلا الموعظة أصبحت كالسياط، حين أصبح كل واحد يتذمر من قول الحق ويحتاط.
والواحد لمن هو من شيعته يآزر ويجامل، ولمن عاداه ضده وعليه بالباطل يتحامل.
يا أمامنا في زماننا هذا اختزلت الأشياء، وعند بني يعرب تناطحت الأهواء،
وعظم البلاء، وتحزبت الغوغاء، واسترجلت حواء، والرجل الشهم قد غيّب عن الأضواء
وسيأتي الوقت أن تلعن كل فرقة أختها.
حين يقال:
أنجُ يا سعد فقد هلك سعيد.
وما ذلك عن العُربِ ببعيد.
وقال صلى الله عليه وسلم:
ويل للعرب من شرّ قد اقترب.
ولعلنا نحن فيه.
علي قسورة الإبراهيمي
30-07-2015, 10:31 PM
وواصل سماحته ما يجول في خاطره.
فصل روابط النفس بالدنيا
جواذب الطبع إلى الدنيا كثيرة ثم هي من داخل، وذكر الآخرة أمر خارج عن الطبع، من خارج.
وربما ظن من لا علم له أن جواذب الآخرة أقوى، لما يسمع من الوعيد في القرآن.
وليس كذلك. لأن مثل الطبع في ميله إلى الدنيا، كالماء الجاري فإنه يطلب الهبوط، وإنما رفعه إلى فوق يحتاج إلى التكلف.
ولهذا أجاب معاون الشرع: بالترغيب والترهيب يقوى جند العقل.
فأما الطبع فجواذبه كثيرة، وليس العجب أن يَغلِب، إنما العجب أن يُغلب.
ترى بما يجيب به صاحينا؟
علي قسورة الإبراهيمي
30-07-2015, 11:30 PM
ومع ذلك أجاب صاحبنا، وقال:
أ يا عالمنا وإلى المُدارسة قدوتنا.
ذرني أقول لك وأن زادي من العلم قليل:
إن لكل عصرٍ وله أذانُ.
ففي عصرنا هناك من تظاهر بزي النسك، وما له في ذلك من دليل، سوى أنه يلوك ذلك بترهات وأقاويل.
فلا هو يظهر طبعه، ولا هو يخفي جشعه.
ولا هو أتبع ما قالت به الأئمة، وقد كفر بالنعمة.
نعم حدث عند بعض القوم الكثير، والأمر هامٌّ وخطير، فلا كبير ولا صغير، وكل من هبّ ودبّ يريد يحكم و يُدير، ولو المتاجرة ببيع الخمر ولحم الخنزير.
والكل إلى الدنيا مجاذب، ولا أمانة إلاّ ولها مخاصم ومحارب.
ثم أن القرآن صار مهجورا، و" من أين لك " صار محظورا.
وتحول أمر الدين ملك المغالبة، وفي ربوع ديار الإسلام القتال والمجاذبة،
بل وقع الشقاق في الخلاف، وبرز الشر من الغلاف.
القوم نسوا أُخراهم.
حيث باتت الرعية على اضطراب لا تهدأ، حين ساسوها حكّامًا هم الداء الذي لا يبرأ.
والكل في تخدير، والامة بلا ألباب تسير.
والمصيبة أن الكل يعلم بأن لا أحد سيسلم، ولو ارتقى بسلّم مصاف الأمم، فلا محالة من نصيبه الألم، والموت القادم الذي لا يرحم، فالطالع ندم، والحاضر سقم
والآخرة أدهى وأمرّ.
علي قسورة الإبراهيمي
31-07-2015, 06:34 AM
يواصل في خواطر فريد عصره، ووحيد مصره، وهو يقول:
فصل تقدير العواقب
من عاين بعين بصيرته تناهي الأمور في بداياتها، نال خيرها، ونجا من شرها.
ومن لم ير العواقب غلب عليه الحس، فعاد عليه بالألم ما طلب منه السلامة وبالنصب ما رجا منه الراحة.
وبيان هذا في المستقبل، يتبين بذكر الماضي، وهو أنك لا تخلو، أن تكون عصيت الله في عمرك، أو أطعته.
فأين لذة معصيتك؟ وأين تعب طاعتك؟
هيهات رحل كل بما فيه! فليت الذنوب إذ تخلت خلت! وأزيدك في هذا بياناً:
مثل ساعة الموت، وأنظر إلى مرارة الحسرات على التفريط، ولا أقول:
كيف تغلب حلاوة اللذات، لأن حلاوة اللذات استحالت حنظلاً، فبقيت مرارة الأسى بلا مقاوم.
أَ تُراك ما علمت أنّ الأمرَ بعواقبه؟
فراقب العواقب تسلم، ولا تملّ مع هوى الحس فتندم.
علي قسورة الإبراهيمي
31-07-2015, 06:36 AM
وبعد أن دارت الأيام دورتها، والشهور تعاقبت غرّتها، والأعوام وتتابعها، والقرون وتلاحقها.
جاء من يريد أن يكون على أثر ابن الجوزي ليقول:
إن القول مفهومٌ، والدرس معلوم
إلاّ من من عاند وكابر، وأخذته العزة بالإثم حين جادل وناظر.
صار الناس لا ينظرون إلاّ للآخر، ولا ينتظرون العواقب.
وكأنهم بالأولى يخلدون، ولا إلى الأخرى يذهبون.
والكل يظن أن ما يقوم به إنما هو على حق.
وكفى بهذا الاعتقاد شينًا وشنارا، وهو في أعراض العبادِ سبة وعارا.
لعمري يا إمامنا
كيف يتألم من فقد الإحساس، وبلسانه ويراعه ظلم الناس؟
ويظن أنه يحسن صنعا.
إنها الطامة الكبرى.
إن ماضينا لمشرق، وبخصال رجال لمزهر ومورق، ولكن حالنا لا في انحطاط إلى أسفل سافلين.
وما تبعنا خيرة أسلافنا من الاولين.
فهل نقول قدر الله، ولا مردّ لنا مجراه؟
وهًا! لنا فقد أضعنا دنيانا وخسرنا الأخرى.
معاصٍ تنثال إثر معاصٍ، فانظر فليس هنا إلاّ كل مذنبٍ وعاصٍ.
نفعل أفعالا يختلط فيها الحق بباطله، وليس منهم سوى الغرور وحاصله.
كيف نراقب أعمالنا، ما دام فينا من شكك في الذي يراقبنا؟
وكما قلتُ سابقًا، وأعيد الآن ولا حقًا.
فالحاضر سقم، والآخرة ندم.
وأنّى لنا الذكرى؟
Karim Ibn Karim
31-07-2015, 12:09 PM
يال هذا الحوار الشيق
امتعتنا حفظكم الله و رعاكم
حقا يا استاذ
جهل من لم يعرف قدركم
جود الكلمات
31-07-2015, 12:17 PM
السَّلامُ علَــــيكُم
اعتذر ....... اقتحمت المتصفح
لأقووووووووووووووول
أنتظر منك
تأليف كتااااااااااب
" مهّاني "
أسْتَغْفِرُ الله وأتُوبُ اليْه
علي قسورة الإبراهيمي
31-07-2015, 05:10 PM
يال هذا الحوار الشيق
امتعتنا حفظكم الله و رعاكم
حقا يا استاذ
جهل من لم يعرف قدركم
مرحبًا بالاخ الفاضل.
وأهلا وسهلاً بكريم بن كريم وابن الكريم.
ما دام شهد لي كريم بذلك.
فشهادته وسام أتقلده.
لأنه لا يعرف قدر الرجال إلاّ من كان رجلاً.
ومثل كريم يمهني ماذا يعبر وماذا يقول.
أخي العزيز
إن ما أقدمه من حين لآخر تعلّمته من حروفك أيها الرجل الطيب.
واعيد القول:
شهادتك أعتز بها.
زادك الله من عنده فضلاً على فضلِ.
تحياتي
علي قسورة الإبراهيمي
31-07-2015, 05:17 PM
السَّلامُ علَــــيكُم
اعتذر ....... اقتحمت المتصفح
لأقووووووووووووووول
أنتظر منك
تأليف كتااااااااااب
" مهّاني "
أسْتَغْفِرُ الله وأتُوبُ اليْه
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
جود الكلمات / يا أختاه
حيّاكِ الله وبيّاكِ، ورفع قدركِ ورقاكِ.
شرفني مروركِ.
جعلني أتيه فخرًا.
ومع ذلك أقول لأختي:
كيف أؤلف كتابًا؟
لعمري
ما هي سوى سوانح وخواطر فقط.
أردتُ بها أن ادخل معترك " مجابهة " الذين سبقونا إلى هذا العلم.
ومع ذلك فالطريق شاق وطويل.
بارك الله فيكِ يا بنت الكرام.
تحياتي
Karim Ibn Karim
31-07-2015, 05:27 PM
صدقني يا اخي
ليس من السهل ان نخسر رجلا
قد اتاه الله علما و باعا في الادب
رجلا ليس كغيره من الرجال
متميزا بحرفه
كما انه ليس من السهل على هذا الرجل
ان يتواضع و يضع جل وقته او اغلبه او حتى القليل منه
في خدمة من هم في بداية المشوار
و فوق ذلك يصبر و يصبر
فاين شهادتي انا العبد البسيط
في كاتب مثلك
فانا اقول
شاكر لك و قتك الثمين الذي انت تبذله
في مصلحة المنتدى
و تحياتي اليك
علي قسورة الإبراهيمي
31-07-2015, 06:14 PM
وها هو علامتنا يتابع " صيد خاطره "
فصل متاع الغرور
من تفكر في عواقب الدنيا، أخذ الحذر، ومن أيقن بطول الطريق تأهب للسفر.
ما أعجب أمرك يا من يوقن بأمر ثم ينساه، ويتحقق ضرر حال ثم يغشاه " وتخشى الناس واللّه أحق أن تخشاه " .
تغلبك نفسك على ما تظن، ولا تغلبها على ما تستيقن.
أعجب العجائب، سرورك بغرورك، وسهوك في لهوك، عما قد خبىء لك.
تغتر بصحتك وتنسى دنو السقم، وتفرح بعافيتك غافلاً عن قرب الألم.
لقد أراك مصرع غيرك مصرعك، وأبدى مضجع سواك - قبل الممات - مضجعك.
وقد شغلك نيل لذاتك، عن ذكر خراب ذاتك:
كأنّك لم تسمع بأخبار من مضى ** ولم تر في الباقين ما يصنع الدهر !
فإن كنت لا تدري فتلك ديارهم ** محاها مجال الرّيح بعدك والقبر !
كم رأيت صاحب منزل ما نزل لحده، حتى نزل!.
وكم شاهدت والي قصر، وليه عدوه لما عزل !.
فيا من كل لحظة إلى هذا يسري، وفعله فعل من لا يفهم ولا يدري...
وكيف تنام العين وهي قريرة؟ ** ولم تدر من أيّ المحلين تنزل؟
علي قسورة الإبراهيمي
31-07-2015, 06:16 PM
ها هو صاحبنا يريد أن يقول: أنه ما زال في جعبته بعض الكلام، فماذا يقول؟
يا إمام!
سفري بعيدٌ وزادي قليل، ولا أراه مبلغي.
أتراني أبكي عن زادي؟ أم أخشى عدتي وعتادي؟
والطريق طويل، ولكن لابد يوم هناك رحيل.
يكفي أن القوم مروا من هنا.
وستأتي يومًا لحظة فراق، فهل هناك مع أحبة من تلاق؟
ومع ذلك فالزمان قد جار، والفكر قد أحتار.
وصدق من قال:
جار الزمان علينا في تصرفه ** و أيّ دهر على الأحرار لم يجر.
عندي من الدهر ما لو أن يسره ** يلقي على الفلكِ الدوّار لم يدر.
رحل من رحل ولم نتعظ.
ومنهم من كان هنا في ظلّ ظليل، ثم أنفل نجمه ولا من سبيل.
ولسان الحال يقول:
ما دام موتٌ وأمراضٌ وتكــليسُ
ما دام في الأرض رحيل وتغليسُ
إن شئتَ تغيير حكمٍ فاتخذ سكنًا
لا موتٌ فيه، ولا داءٌ وتفـليس
وما تتنزّل المناجاة إلاّ على أنفسٍ قد أضناها الانتظار، وقد مسها من الدهر خطوب.
وكم قلتُ وأعدتُ القول:
هل أتاكم نبأٌ على أنّ العرسَ قد حان موعدهُ؟ وأنّ السماطَ قد قرُب نشرهُ ومُدّهُ؟
فإليه الرحيل.
مرة التقى عارفان بالله، فقال أحدهم للآخر:
كيف أنتم والنعمة؟
فأجاب الآخر:
نحن إذا أُعطينا شكرنا، وإذا مُنعنا صبرنا.
فرد عليه الذي هو يحاوره:
هذا حالُ الكلابِ عندنا.. أما نحن إذا ما أُعطينا آثرنا، وإذا مُنعنا شكرنا.
يظهر أن ذاكرتنا قد علاها النسيان، فإن يومًا رحلنا سيخلو منا المكان.
وأين الذين كانوا هنا؟
وقد سألتُ الدار عن أخبارهم ** فتمايلت عجبًا و لم تبدي.
حتى مررتُ على الكنيف فقال لي: ** أموالهم و نوالهم عندي
سوانح عادية لتعيها آذان واعية.
علي قسورة الإبراهيمي
31-07-2015, 07:09 PM
صدقني يا اخي
ليس من السهل ان نخسر رجلا
قد اتاه الله علما و باعا في الادب
رجلا ليس كغيره من الرجال
متميزا بحرفه
كما انه ليس من السهل على هذا الرجل
ان يتواضع و يضع جل وقته او اغلبه او حتى القليل منه
في خدمة من هم في بداية المشوار
و فوق ذلك يصبر و يصبر
فاين شهادتي انا العبد البسيط
في كاتب مثلك
فانا اقول
شاكر لك و قتك الثمين الذي انت تبذله
في مصلحة المنتدى
و تحياتي اليك
مرحبًا
وقد عاد الأصيل.
الذي أحبّ حضوره في متصفحي.
كريم/ يا طيب.
إن أي ردّ أو مداخلة ليفوح عبقها متى ما كانت صادقة.
وأن الحروف التي تكون من القلب، ليتلقّفها القلب.
ويعلم الله
أن ما يخطه بنانك لفيه من المصداقية الشيء الكثير.
بل المصداقية الكاملة.
لأجل ذلك
لعمري
أنني أصدق كل ما يقول به أخي الغالي.
قضية كيف المرء هنا؟
صدقني
حاولتُ وأحاول أن نرقى بالفكر ومدارسة العلم.
ولكن للأسف الشديد.
وكما يقال:
إن وراء الأكمة ما وراءها.
المهم أن اتدارس الفكر مع أمثال / كريم بن كريم.
فذلك فيه الخير الكثير.
ومن سوى ذلك لم أعد أحفل به.
أكتب ما أكتبه يُتفع به
إن كان على قدر المقام.
هذا كل ما في الأمر.
بارك الله فيك يا أخي.
ولك قوافل شكري تترى.
تحياتي
جود الكلمات
31-07-2015, 07:55 PM
السَّلامُ علَــــيكُم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
جود الكلمات / يا أختاه
حيّاكِ الله وبيّاكِ، ورفع قدركِ ورقاكِ.
شرفني مروركِ.
جعلني أتيه فخرًا.
ومع ذلك أقول لأختي:
كيف أؤلف كتابًا؟
لعمري
ما هي سوى سوانح وخواطر فقط.
أردتُ بها أن ادخل معترك " مجابهة " الذين سبقونا إلى هذا العلم.
ومع ذلك فالطريق شاق وطويل.
بارك الله فيكِ يا بنت الكرام.
تحياتي
والله يا عم وبشهادة الجميع انك مبدع في الكتابات ، كل ما تكتبه راق ماشاء الله ، فصاحتك في القمة ، حتى الكلمات والأحرف تخونني وتخجل بالرد على مواضيعك فأكتفي بالقراءة والاستفادة
كلنا يعلم ان مواضعك جد متميزة وتحوي عالما من المعلومات واسلوبك في الكتابة جد رائع
عن نفسي اخاف الرد .... اقولها ويأعلى صوت أخاف الرد على مواضعك ، لأنني أرى كلماتي لا تليق بمقامك ... وأشجعك أستاذي بتأليف كتاب ....أنت تقدر وأنا متأكدة والكل يوافقني الرأي
أنتظر الكتاب
"مهّااااني "
أسْتَغْفِرُ الله وأتُوبُ اليْه
علي قسورة الإبراهيمي
31-07-2015, 09:59 PM
السَّلامُ علَــــيكُم
والله يا عم وبشهادة الجميع انك مبدع في الكتابات ، كل ما تكتبه راق ماشاء الله ، فصاحتك في القمة ، حتى الكلمات والأحرف تخونني وتخجل بالرد على مواضيعك فأكتفي بالقراءة والاستفادة
كلنا يعلم ان مواضعك جد متميزة وتحوي عالما من المعلومات واسلوبك في الكتابة جد رائع
عن نفسي اخاف الرد .... اقولها ويأعلى صوت أخاف الرد على مواضعك ، لأنني أرى كلماتي لا تليق بمقامك ... وأشجعك أستاذي بتأليف كتاب ....أنت تقدر وأنا متأكدة والكل يوافقني الرأي
أنتظر الكتاب
"مهّااااني "
أسْتَغْفِرُ الله وأتُوبُ اليْه
أهلاً ببنتنا المثقفة الفاضلة/ جود الكلمات.
ذريني
أقول لكِ:
إنني أقلّ مما تظنين.
وأني لأرى بنتنا قد عملقت قزمًا، الذي هو أنا.
ثم صدقيني.
حتى وأن لي بعض المطبوعات فيما يخص تخصصي بلغة أخرى.
وأن الذي أكتبه بالعربية يدخل في أطار الترويح عن النفس، حتى لا افقدها أو أنساها.
لأن جل وقتي أقضيه سواء كان عملاً أو محادثة بلغات غير العربية.
شكرًا لجميل ردكِ.
بارك الله فيك.
وزادكِ الله شرفًا على شرفٍ
يا بنت الاصول.
تحياتي
شاعرة المستقبل
01-08-2015, 12:09 PM
كم رأيت صاحب منزل ما نزل لحده، حتى نزل!.
وكم شاهدت والي قصر، وليه عدوه لما عزل !.
هنا رسمت لوحة
عمو سجل اعجابي واقترابي من هذا السرح الانيق
ساحة بل واحة وارفة الاحاسيس الدفاقة والحروف البهية
دعني اقولها صريحة .... ابدعت والابداع هنا بلا حدود
تعلمنا و تعلمنا الكثير الكثير الكثير ...
باركك الله وحفظك وحفظ لك قلمك
يرفع ويثبت ويوسم بخمس نجوم
منتهى الروعة
علي قسورة الإبراهيمي
01-08-2015, 02:15 PM
كم رأيت صاحب منزل ما نزل لحده، حتى نزل!.
وكم شاهدت والي قصر، وليه عدوه لما عزل !.
هنا رسمت لوحة
عمو سجل اعجابي واقترابي من هذا السرح الانيق
ساحة بل واحة وارفة الاحاسيس الدفاقة والحروف البهية
دعني اقولها صريحة .... ابدعت والابداع هنا بلا حدود
تعلمنا و تعلمنا الكثير الكثير الكثير ...
باركك الله وحفظك وحفظ لك قلمك
يرفع ويثبت ويوسم بخمس نجوم
منتهى الروعة
مرحبًا بالمشرفة المبجلة/ شاعرة " الحاضر " و المستقبل.
هو فعلا قد أبدع إمامنا في متصفحي.
وهو للابداع والبيان عنوان.
كما أشكر بنت أختي لتثبيتها لموضوعي المتواضع هذا.
ثبتكِ الله على الحق، وسددك و زادكِ قوةً وبيانا.
تحياتي
علي قسورة الإبراهيمي
01-08-2015, 05:20 PM
هذا ما أتي على بال وخاطر ابن الجوزي إمامنا، وفي اللغة علاّمتنا، وفي بوح الخاطر قدوتنا، وإليكم ماذا كتب وقال:
فصل لا تحم حول الحمى
من قارب الفتنة بعدت عنه السلامة. ومن ادّعى الصبر، وكل إلى نفسه.
ورب نظرة لم تناظر!.
وأحق الأشياء بالضبط والقهر، اللسان والعين.
فإياك إياك أن تغتر بعزمك على ترك الهوى، مع مقاربة الفتنة. فإن الهوى مكايد.
وكم من شجاع في صف الحرب اغتيل فأتاه ما لم يحتسب ممن يأنف النظر إليه ! واذكر حمزة مع وحشي.
فتبصَّر ولا تشِم كلّ برقٍ ** ربّ برقٍ فيه صواعق حينِ
واغضُضِ الطرفَ تسترح من غرامٍ ** تكتسي فيه ثوب ذلٍّ وشينِ
فبلاءُ الفتى موافقةُ النفس ** وبدءُ الهوى طموحُ العينِ
علي قسورة الإبراهيمي
01-08-2015, 05:23 PM
وصاحبنا أراد أن يجيب، فقال يومًا، حين صفى له فكره، فدبج بنانه سواحنه ونثره.
ومنذ زمن هو كذلك قال:
يا إمامنا
إنّ الحذر من النفسِ كل الحذر منها.
والكلام عنها له تفاصيل، وما في الخاطر يتبعه تأويل
ومن لا يقمع أمّارته بالسوء لهو جاهلٌ ظلومٌ، والانصاف من أتخذ إلهه نفسه وهواه معدوم.
وقد قيل من مأمنه يؤتي الحذر.
ثم ها أنذا قد مسحتُ المنظار، وصقلتُ لوحة الأفكار.
وما تبوح به النفس أجمله وأصدقه ما يُوافق الخبر والخبر، و يتطابق تطابق العين بالأثر
فقد أعياني العيش حتى ظننتُ أن بيني وبين الحزن نسبا، وكأن الدهر قد مضى بي مع أشجاني حُقبا.
فيا لها من نفوسٍ في ملكوتِ الجلال طائرة، وأرواح في مشاهدةِ الحبيب زائرة، وليس لهم إلى الخلائق سكونٌ، وإلى الخلاّق يكون، إجلالاً لعز حبيب الذي يقول للشيء كن فيكون.
و أننا نموت في كل حين ثم نحيا.
" وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه "
ثم نعود أمواتًا، ولنا في كل يومٍ عمر جديد.. وليسأل المرء إن هو شاعرٌ بذلك؛ أ بائس هو؟ أم سعيد؟ أم تراه من الذين على قلوبهم أقفالها؟
آهٍ ! كم تمرّ بنا الأوقات سُراعًا، و تكرّ الأيام تِباعًا.
ثم " إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم"
صدق من لا ينطق عن الهوى.
علي قسورة الإبراهيمي
01-08-2015, 08:07 PM
ومع ابن الجوزي نستمر ونواصل:
فصل حالة القلب مع العبادة
أعظمُ المعاقبة أن لا يحس المعاقب بالعقوبة. وأشد من ذلك أن يقع السرور بما هو عقوبة، كالفرح بالمال الحرام، والتمكن من الذنوب.
ومن هذه حاله، لا يفوز بطاعة.
وإني تدبرت أحوال أكثر العلماء والمتزهدين فرأيتهم في عقوبات لا يحسون بها، ومعظمها من قبل طلبهم للرياسة.
فالعالم منهم، يغضب إن رد عليه خطؤه، والواعظ متصنع بوعظه، والمتزهد منافق أو مراء.
فأول عقوباتهم، إعراضهم عن الحق شغلاً بالخلق.
ومن خفي عقوباتهم، سلب حلاوة المناجاة، ولذة التعبد.
إلا رجال مؤمنون، ونساء مؤمنات، يحفظ الله بهم الأرض، بواطنهم كظواهرهم، بل أجلى، وسرائرهم كعلانيتهم، بل أحلى، وهممهم عند الثريا، بل أعلى.
إن عرفوا تنكروا، وإن رئيت لهم كرامة، أنكروا.
فالناس في غفلاتهم، وهم في قطع فلاتهم، تحبهم بقاع الأرض، وتفرح بهم أملاك السماء.
نسأل الله عز وجل التوفيق لاتباعهم، وأن يجعلنا من أتباعهم.
علي قسورة الإبراهيمي
01-08-2015, 08:09 PM
ويواصل صاحبنا في المواجهة، يريد أن يكون له بعض الصيت في ديباجة الخواطر.
يا علامتنا
إن في زمننا إن العقوبة لا تُسلط إلاّ على الرعية من هؤلاء الحكّام.
ذرني أخوض في هذا الأمر، حتى وإن أتهمتُ أنني مع الخائضين.
فمال الحرام صار مباحًا، وتسلط ولي الأمر على بيت المال صار بواحًا
سرًّا وعلانية، حين رضي الناس بالدونية، والقوم من بلية إلى بلية
وعاد من يهدد القوم بمقولة من سبقه :
"أيها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه ومن سكت مات بدائه"
وهؤلاء الحكام يقولون بلسان الحال:
ونحن المالكون الناس قسرا ** نسومهم المذلة والنكالا
ونوردهم حياض الخسف ذلا ** وما نالوهم الا خبالا
ثم أن ترتيبنا الذيل، وبنا طفح الكيل، علوج في بلادنا تصول، ويقعدنا الذهول.
وما زال فينا من لا هم له سوى تكرار:
" سلطان غشوم، خيرٌ من فتنة تدوم "
هؤلاء الذين يقال عنه " علماء ".
كل هذا المجون، والكفر المجنون، وما يهدد البطون. فالخلق أصابها الأرق، وقد قتلها القلق، والصدر ضاق و فاض، وتهددت الحياض.
ولو كان في زمانك يا أمامنا
فماذا كنت تفعل أو تقول؟
علي قسورة الإبراهيمي
02-08-2015, 12:00 AM
هذا ما كتبه سماحة العلاّمة ابن الجوزي في " صيد الخاطر" حتى يقرأه الآخر،
فصل دعوة إلى علو الهمة
من علامة كمال العقل علو الهمة ! والراضي بالدون دنيء!!.
ولم أر في عيوب الناس عيباً ** كنقص القادرين على التمام
علي قسورة الإبراهيمي
02-08-2015, 12:02 AM
وصاحبنا ما عليه إلاّ أن يجيب، وهكذا قال:
يا إمام!
فقائل الحق لا يعاتب ولا يُلام.
في زماننا هذا تغيّر الزمان.
فوطننا العربي كُثرت فيه الأوطان، ورخصت فيه قيمة الإنسان.
كثر الفساد، وضاعت البلاد، والحكّام ظلموا العباد.
وصار الإسلام غريبًا في الديّار، والقول إلاّ لصاحب الدرهم والدينار .
والدائرة لا تدور إلاّ على الناس، والرعيّة بين التردد والباس، والرجاء والياس.
فلا الخير والاحوال في الشر، والجهل والفقر.
والحكّام مع الدنيا ونعيمها، والشعوب في وضاعتها وجحيمها.
وصدق من قال:
ألقاب مملكة في غير موضعها ** كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد.
علي قسورة الإبراهيمي
02-08-2015, 08:38 AM
ومع ما قال به ابن الجوزي ننتقل إلى خاطرة أخرى.. فها هو يقول:
فصل المحبة الإلهية
سبحان من سبقت محبته لأحبابه، فمدحهم على ما وهب لهم، واشترى منهم ما أعطاهم، وقدم المتأخر من أوصافهم، لموضع إيثارهم، فباهى بهم في صومهم، وأحب خلوف أفواههم.
يا لها من حالة مصونة لا يقدر عليها كل طالب ! ولا يبلغ كنه وصفها كل خاطب.
علي قسورة الإبراهيمي
02-08-2015, 08:39 AM
وإليكم بما ردّ صاحبنا وأجاب.
يا إمام
ذرني أكمل ما بدأتموه وأزيد، من القول ما أريد، فقد نظرت ما رشمتموه وقدّرت، ثم تأملتُ في خواطركم وبصّرتُ، فهاؤمُ ما جال به جناني، وخطّه بناني، وقد نطق به لساني:
سبحانك ربي سبحانك، ما أعظم شانك، وأوسع سلطانك!
سبحانك يا من أعز خلائق حين قرّبهم من لطفه وأدناهم، وأذل آخرين ومن جنته أقصاهم
ألا تعلم يا إمام وأنت الفطن الأريب، وفي بحر الضاد أنت الجهبذ الأديب؟
أن من امتثل لأوامر الله واجتنب نواهيه ورزق الخوف منه لا خلقِه، وقنع بما عنده وأكل فقط من رزقه، واجتهد في عبادة ربه وطاعته، وبحث عن أمر كسبه وقناعته، ووقف عند ما لا حد له ورجع عن كل ما لا يعلم حكمه، فهو صالح وسعيد، وغيره طالح وهو مكابر وعنيد.
ثم يا ابن الجوزي أيها الإمام: إن أعلى درجة حصول الورع بالتمام، هو ترك الطمع وبغض الدينا ـــــ إلا من كان طيّبًا حلالا ــــ ومن التمسك بها، والفرار من دواعيها ومن أهلها، والرضى باليسير منها.
فتلك درجات الصالحين والمتقين والترقي إلى درجات المحسنين
وما أجمل ما قاله رب العزة عن هؤلاء حين قال:
"إنّ المتقين في جناتٍ وعيونٍ، آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين، كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، وبالاسحار هم يستغفرون، وفي أموالهم حق للسائل والمحروم"
جعلني الله منهم.
علي قسورة الإبراهيمي
02-08-2015, 09:58 AM
ما زال الجوزي في " صيد خاطره " يشرح ويقول:
فصل دوام اليقظة
الواجب على العاقل أخذ العدة لرحيله، فإنه لا يعلم متى يفجؤه أمر ربه، ولا يدري متى يستدعى؟.
وإني رأيت خلقاً كثيراً غرهم الشباب ونسوا فقد الأقران، وألهاهم طول الأمل.
وربما قال العالم المحض لنفسه: أشتغل بالعلم اليوم ثم أعمل به غداً فيتساهل في الزلل بحجة الراحة، ويؤخر الأهبة لتحقيق التوبة، ولا يتحاشى من غيبة أو سماعها، ومن كسب شبهة يأمل أن يمحوها بالورع.
وينسى أن الموت قد يبغت فالعاقل من أعطى كل لحظة حقها من الواجب عليه. فإن بغته الموت رئي مستعداً، وإن نال الأمل ازداد خيراً.
علي قسورة الإبراهيمي
02-08-2015, 10:00 AM
فأجابه صاحبنا بسانحة من سوانحه وقال:
آهِ! يا إمام.
في دنياي هذه يظهر أنني أضعتُ الطريق، وسبقني الرفيق.
وبقيتُ ولا أنا أدري.
وحالى كمن هتف وصال، حين أنشد وقال:
باللهِ إن كنت قد خيمت عندهم ** بالمنحنى بين أنجاد وأجوادِ
هاتِ الحديث عنِ المغنى وساكنِه ** وارفع لسنّتِه العلياءِ إسنادي
وأروني من حديث الصحبِ أعذبه ** فإنه الريُّ يشفي غنّةَ الصادي
في النفس لوعة من ذنوبٍ وغُلّة، وفي الجسم داء من مرضٍ ومن علّة، زادت في الطين بلّة، ونسيت أن هناك من الأخلّة.
وقد قرأت في كتابه ــــ جلّ في علاه، وهو يقول:
"الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين"
آهٍ! يا لها من أيام ما أقصرها، ونحن بها نلهو.
طوبى لمن قلبه بالله مشتغلُ ** يبكي النهارَ وطول الليل يبتهلُ
خوفُ الوعيد وذكرُ النار أحرقَهُ ** والدمع منه على الخدّين ينهملُ
وهكذ حالي، يغني عن سؤالي، وقد طرحتُ مقالي.
علي قسورة الإبراهيمي
02-08-2015, 03:06 PM
وتابع ابن الجوزي قوله:
فصل الذنب، وعقوبته
خطرت لي فكرة فيما يجري على كثير من العالم من المصائب الشديدة، والبلايا العظيمة، التي تتناهى إلى نهاية الصعوبة.
فقلت: سبحان الله! إن الله أكرم الأكرمين، والكرم يوجب المسامحة.
فما وجه هذه المعاقبة؟.
فتفكرت، فرأيت كثيراً من الناس في وجودهم كالعدم، لا يتصفحون أدلة الوحدانية، ولا ينظرون في أوامر الله تعالى ونواهيه، بل يجرون ـــ على عاداتهم ـــ كالبهائم.
فإن وافق الشرع مرادهم، وإلا فمعولهم على أغراضهم.
وبعد حصول الدينار لا يبالون، أمن حلال كان أم من حرام.
وإن سهلت عليهم الصلاة فعلوها، وإن لم تسهل تركوها.
وفيهم من يبارز بالذنوب العظيمة، مع نوع معرفة المناهي.
وربما قويت معرفة عالم منهم، وتفاقمت ذنوبه.
فعلمت أن العقوبات، وإن عظمت دون إجرامهم.
فإذا وقعت عقوبة لتمحص ذنباً، صاح مستغيثهم: ترى هذا بأي ذنب؟.
وينسى ما قد كان، مما تتزلزل الأرض لبعضه.
وقد يهان الشيخ في كبره حتى ترحمه القلوب، ولا يدري أن ذلك لإهماله حق الله تعالى في شبابه.
فمتى رأيت معاقباً، فاعلم أنه لذنوب.
علي قسورة الإبراهيمي
02-08-2015, 03:07 PM
ورد عليه صاحبنا:
ابن الجوزي يا علاّمة ووحيد زمانك وعصرك، وفريد مكانك ومصرك.
حدث ويحدث في زماننا الشيء الكثير، والأمر خطير.
فلم يعد للتربية مهدًا، ولا للعربيّ عهدًا، ولا للبيد فهدًا.
وهل صار للجار حرمة؟ لا تصادم ولا أزمة.
ثم أن للكرامة أمانة لا تُصنع بالمال، بل إخلاص الرجال، فالعزم والتضحية نضال في نضال.
صار العربي في بلاد التي يسرق فيها السلطان، ويُباع فيها الضمير بأبخس الأثمان.
حتى صارت أوطان الإسلام نهبة للناهبِ، وغنيمة للغاصبِ، ومطمع للكالبِ المتكالبِ.
وقد ساس الرعيّة من بنى قصورًا يلهو فيها ويلعب، و شعبه يشقى ويلغب، وهناك من جمع الحرام من الأموال، وأذاق شعبه أشكالا من الوبال، بعد أن ألبَسه الثياب من الأسمال.
كأن الشاعر يعنينا ، حين قال فينا :
جهلٌ، ومرضٌ، وظلمٌ فادحٌ ** ومخافةٌ، ومجاعةٌ، وإمامُ.
هناك من الدراويش من " أفتى " أن هؤلاء حكّام " الإسلام "
ولا برز ممن وصفوا أنهم " علماء "، من قال لهؤلاء الحكام: "أخلاقكم دقاق، وعهدكم شقاق، ودينكم نفاق، وماؤكم زعاق "
تُرى أنّ القوم بعضهم من بعض حوبة، وأن " كل قائب من قوبة "
وهم لا صلاة صلوها، ولا حدود أقاموها، وشرع الله ساسوا به العباد.
وأن من هؤلاء الحكام من أهان كرامته، وخان دينه وأمته.
وهكذا نحن يا إمام.
علي قسورة الإبراهيمي
02-08-2015, 08:05 PM
وما زال ابن الجوزي يقول:
فصل حقيقة زهد العلماء
تأملت التحاسد بين العلماء، فرأيت منشأه من حب الدنيا، فإن علماء الآخرة يتوادون ولا يتحاسدون، كما قال عز وجل: " ولا يجدون في صدورِهِم حاجة ممّا أوتوا " وقال تعالى:
" والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ".
وقد كان أبو الدرداء: يدعو كل ليلة لجماعة من إخوانه.
وقال الإمام أحمد بن حنبل لولد الشافعي: أبوك من الستة الذين أدعو لهم كل ليلة وقت السحر.
والأمر الفارق بين الفئتين: أن علماء الدنيا، ينظرون إلى الرياسة فيها، ويحبون كثرة الجمع والثناء.
وعلماء الآخرة، بمعزل من إيثار ذلك، وقد كانوا يتخوفونه، ويرحمون من بلي به.
وكان النخعي: لا يستند إلى سارية.
وقال علقمة: أكره أن يوطأ عقبي.
وكان بعضهم: إذا جلس إليه أكثر من أربعة، قام عنهم.
وكانوا يتدافعون الفتوى، ويحبون الخمول، مثل القوم، كمثل راكب البحر، وقد خب، فعنده إلى أن يوقن بالنجاة.
وإنما كان بعضهم يدعو لبعض، ويستفيد منه لأنهم ركب تصاحبوا فتوادوا، فالأيام والليالي مراحلهم إلى سفر الجنة.
علي قسورة الإبراهيمي
02-08-2015, 08:08 PM
وهذا كذلك ما يريد قوله صاحبنا:
أراك ـــ أيها الإمام ـــ تكلمتَ عن العلماء.
ففي زماننا هذا
فإين العلماء غفر الله لهم؟
فالعالم هو من لا ينطلق في لومه لسان لائمٍ، ولا تتجه عليه ظنة إلاّ من ظالمٍ
فهل مثل هؤلاء لهم في صرعنا وجودٌ؟
فهذا العصر ابتلى بأناسٍ قيل عنهم " علماء " .
وإن شاء المرء تكلم عن سكوتهم عن الحق؛ فحدث عن البحر ولا حرج، فيجد نفسه أحفظ من حمادٍ وأجمع من أبي الفرج.
ألا تعلم يا إمام أن منهم من ألف كتابًا وأملاه، وبـ "
إسكات الكلب العاوي... " أسماه.
ترى مثل هذا من الدين؟
ثم دعني ربما أجاريك عن هؤلاء
بعذب الكلامِ من النثرِ، واتبعه بمعسولِ الشعرِ
وأريد أن أمتثل بمن قال:
قد أحدثَ الناسُ أمورًا فلا ** تعمل بها إنّي امرؤٌ ناصحُ
فما جماع الخير إلاّ الذي ** كان عليه السلف الصالحُ
وهل سباب هؤلاء لبعضهم كان يفعله من سلفنا ونحن لهم عقب وخلف؟
ثم ذرني أريد أن أبسط عنان الخطاب، وعن "العلماء" أمدّ اطناب الإطناب، ثم أطلب المدد في الإسهاب.
وحُقّ لي أن أخاطب أهل العقول، وأقول:
أرنوا ببصركم إلى الأوطان والدوّلِ، يرجع إليكم البصر خاسئا من الأول.
لأن المرء لن يرى ما يسر.
وما يمنع هؤلاء " العلماء" من العمل بالحق؟ و يضيّق عليهم من قول الصدق؟
أو يكونوا كأسلافنا أشداء على الكفا، رحماء بالأبرار؟
الدين يمنعنهم من ذلك، أنهم فرّطوا في حبل الله المتين، وابتعدوا عن الدين.
يكمنُ كل ذلك أنهم ـــ إلاّ من رحم ربي ـــ استبدالوا الذي هو أدنى بالذي هو خير وأعم .
علي قسورة الإبراهيمي
03-08-2015, 12:40 PM
وواصل علاّمتنا ــــ ابن الجوزي ــــ يكتب و يقول:
فصل ثمار الطاعة
من أحب تصفية الأحوال، فليجتهد في تصفية الأعمال.
قال الله عز وجل: " وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقًا "
وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل:
" لو أن عبادي أطاعوني لسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد".
وقال صلى الله عليه وسلم:
"البر لا يبلى، والإثم لا ينسى والديان لا ينام وكما تدين تدان"
وقال أبو سليمان الداراني:
" من صفى صفي له ومن كدر كدر عليه، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله"
وكان شيخ يدور في المجالس، ويقول:
" من سره أن تدوم له العافية، فليتق الله عز وجل"
وكان الفضيل بن عياض، يقول:
"إني لأعصي الله، فأعرف ذلك في خلق دابتي، وجاريتي"
واعلم - وفقك الله - أنه لا يحس بضربة مبنج، وإنما يعرف الزيادة من النقصان المحاسب لنفسه.
ومتى رأيت تكديراً في حال فاذكر نعمة ما شكرت، أو زلة قد فعلت، واحذر من نفار النعم، ومفاجأة النقم، ولا تغتر بسعة بساط الحلم، فربما عجل انقباضه.
وقد قال الله عز وجل: " إنّ اللّه لا يغيرُ ما بقومٍ، حتى يغيرُوا ما بأنفسهم " .
وكان أبو علي الروذباري يقول:
" من الاغترار أن تسيء، فيحسن إليك، فتترك التوبة، توهماً أنك تسامح في العقوبات" .
علي قسورة الإبراهيمي
03-08-2015, 12:49 PM
وما زال صاحبنا في " مواجهة ومجابهة "، لا علينا فليقال في حوار ومُدارسة:
ابن الجوزي أيها القدوة، أقرأ ما جاء في سِفركِ فأنت الصفوة.
أراك قد أتيتَ بما قيل عن الطاعة.
والكلام في ذلك ليطول، في ذلك سرّ الاسرار، وكذلك علانية كوضح النهار
فقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم:
" يكون الولد غيظاً وأن يكون المطر فيظاً وأن تفيض الأشرار فيضاً، ويغيض الكرام غيضاً"
ولابد الطاعة للواحد تبقى سرمدية ودائمة.
يقول جلّ في علاه:
" وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون"
سبحانك ربي!
قلتَ في ما رواه الحبيب المصطفى ــــ صلى الله عليه وسلم ــــ عنك، في الحديث القدسي :
"يا ابن آدم لا تخافنّ من ذي سلطان مادام سلطاني باقياً وسلطاني لا ينفذ أبداً، يا ابن آدم لا تخشى من ضيق الرزق وخزائني ملآنة وخزائني لا تنفذ أبداً، يا ابن آدم لا تطلب غيري وأنا لك فإن طلبتني وجدتني، وإن فتني فتك وفاتك الخير .
يا ابن آدم خلقتك للعبادة فلا تلعب، وقسمت لك رزقك فلا تتعب، فإن رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك، وكنت عندي محموداً، وإن لم ترض بما قسمته لك فوعزتي وجلالي لأسلطنّ عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البرية، ثم لا يكون لك منها إلا ما قسمته لك، وكنت عندي مذموماً
يا ابن آدم خلقت السماوات السبع والارضين السبع ولم أعي بخلقهن، أيعييني رغيف عيشٍ أسوقه لك بلا تعب؟؟
يا ابن آدم أنا لم أنس من عصاني فكيف من أطاعني ؟ وأنا رب رحيم وعلى كل شيء قدير.
يا ابن آدم لا تسألني رزق غد كما لم أطالبك بعمل غد .
يا ابن آدم أنا لك محب فبحقي عليك كن لي محباً"
مع أنه هناك من علّمنا، أنكَ يا إمام قلتُ:
"ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع"
وما أريد ألاّ أن أكون في خواطري أنشد الصدق والمصداقية.
وما أصدقه من قال:
"على نفسه فليبك من ضاع عمره سدىً، وليس له فيها نصيب ولا سهم"
ثم يا قارئي!
أن أحد العارفين بالله كان يدعو قائلاً:
"اللهم إني أخاف ألاّ تثيبني على طاعتي؛ لأنني أصبحتُ أشتهيها، وقد أمرتنا يا ربّ أن نخالف شهوة النفس لذلك أخاف ألاَّ تثيبني عليها "
فهل يصل أحدنا لمثل تلك العبادة والطاعة؟
ذلك ما آمله وأرجوه.
فعن فضالة بن عبَيدٍ ، قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم في حجة الوداع:
" أَلا أُخبركم بالمؤمن؟ من أَمنه الناس على أَموالهم وأَنفسهم، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، المهاجر من هجر الخطايا والذنوب"
وما أجمل سانحتي إن ختمتها هذا الدعاء.
"اللّهم متعني بسمعي وبصري، اجعلهما الوارث منِّي، وانصرني على من يظلِمني، وخذ منه بثأْري"
آمين
علي قسورة الإبراهيمي
03-08-2015, 09:57 PM
إن العلامة الجوزي له ما يقول:
فصل ما يطيقه البشر وما لا يطيقونه من التكليف
تفكرت يوماً في التكليف، فرأيته ينقسم إلى سهل، وصعب.
فأما السهل، فهو أعمال الجوارح، إلا أن منه ما هو أصعب من بعض، فالوضوء والصلاة أسهل من الصوم، والصوم ربما كان عند قوم أسهل من الزكاة.
وأما الصعب فيتفاوت، فبعضها أصعب من بعض.
فمن المستصعب، النظر، والاستدلال، الموصلان إلى معرفة الخالق. فهذا صعب عند من غلبت عليه أمور الحس، سهل عند أهل العقل.
ومن المستصعب غلبة الهوى، وقهر النفوس، وكف أكف الطباع عن التصرف فيما يؤثره، وكل هذا يسهل على العاقل النظر في ثوابه، ورجاء عاقبته، وإن شق عاجلاً.
وإنما أصعب التكاليف وأعجبها، أنه قد ثبتت حكمة الخالق عند العقل، ثم نراه يفقر المتشاغل بالعلم، المقبل على العبادة، حتى يعضه الفقر بناجذيه، فيذل للجاهل في طلب القوت.
ويغني الفاسق مع الجهل، حتى تفيض الدنيا عليه.
ثم تراه ينشئ الأجسام ويحكمها، ثم ينقض بناء الشباب في مبدأ أمره، وعند استكمال بنائه، فإذا به قد عاد هشيماً.
ثم تراه يؤلم الأطفال، حتى يرحمهم كل طبع.
ثم يقال له: إياك أن تشك في أنه أرحم الراحمين.
ثم يسمع بإرسال موسى إلى فرعون، ويقال له: أعتقد أن الله تعالى أضل فرعون واعلم أنه ما كان لآدم بد من أكل الشجرة وقد وبخ بقوله: " وعصى آدمُ ربهُ " .
وفي مثل هذه الأشياء تحير خلق، حتى خرجوا إلى الكفر والتكذيب.
ولو فتشوا على سر هذه الأشياء، لعلموا أن تسليم هذه الأمور، تكليف العقل ليذعن، وهذا أصل، إذا فهم، حصل السلامة والتسليم.
نسأل الله عز وجل أن يكشف لنا الغوامض، التي حيرت من ضل، إنه قريب مجيب.
علي قسورة الإبراهيمي
03-08-2015, 09:59 PM
لصاحبنا له من القول بما تعلّمه وأحاط به فهما:
علاّمتنا يا إمام، ورافع لواء العلم يا همام.
بعد أن قرأتُ ما كتبتَ، وفهمتُ ما دبجتَ.
ألا يجوز لي بعض الكلام؟
كنتُ مرة قد رشمتُ ما جال في خاطري
فأعيد رشمه هنا،
ربما يقارب أو يناظر ما قال به أمامنا، وقلتُ:
إنّ التكليفَ حسب الاستطاعة
لمّا كان القصدُ من التكليفِ اقترانه أو ربطه بالإجراءِ الاختياري،كان وقوعه مقدورًا عليه ضرورةً، لأنه إن كان غير مقدورٍ عليهِ كان مستحيلاً،
وإجراءُ ما يستحيلُ إجراؤه غير ممكن.
فالتكليفُ الواقع على هذا المثال حمل النفس على عدم الامتثال، حيث تصبح المؤاخذة على ذلك ظلم عظيم.
ولهذا قال جلّ في علاه: " لا يكلّفُ الله نفسًا إلاّ وسعها" وقال كذلك: "اتقوا الله ما استطعتم".
ولمّا كانتِ الضرورات قد تؤدي إلى عملٍ أو ترك لا تجوزه الاستطاعة ما دامت موجودة وقد أعدمتها اسقط حكم الواقع على ذلك الفعل أو الترك الذي كان يجب أن يترتّبَ عليه وجودها بقوله تعالى: " فمن أضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه".
والتكليف إمّا باعتقاد أو عمل وترك ولا تتوفر إلاّ بالعلم إذ لا اعتقاد ولا عمل بدونه لأنه علّة الإقدام أو الإحجام بالطوع والإرادة
وقلتُ ما قلته لأنني أطلعتُ على كتب أمامنا.
ولم أدّعِ أنني أخالف، أو انقض ما أتت به الأوائل.
سوى أنني أردتُ بما كتب:
أن لكل عصرٍ وله آذان.
وما دام العقل ما خالف النقل.
Karim Ibn Karim
03-08-2015, 10:31 PM
متابعون بشغف
واصل استاذ
كلماتك هذه
كحبات المطر
على الارض الجدباء
تحياتي
علي قسورة الإبراهيمي
03-08-2015, 10:43 PM
متابعون بشغف
واصل استاذ
كلماتك هذه
كحبات المطر
على الارض الجدباء
تحياتي
مرحبًا بالرجل الطيب، والأخ العزيز/ كريم بن كريم،و ابن الكرام.
وما دام شهد على متصفحي من هم في علم وفهم كريم الرجل المثقف.
فإن ذلك يحثني على المواصلة.
وكما يقال لا يعرف قدر الرجال إلاّ من كان رجلاً
وكذلك أنت يا كريم.
لك تحياتي كلها، ومحبتي لك تسبقها.
علي قسورة الإبراهيمي
04-08-2015, 09:14 AM
ما زال ابن الجوزي بخواطره يصول ويجول:
فصل أهمية الزمن
ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة.
ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل. ولتكن نيته في الخير قائمة، من غير فتور بما لا يعجز عنه البدن من العمل، كما جاء في الحديث: " نية المؤمن خير من عمله " .
وقد كان جماعة من السلف يبادرون اللحظات. فنقل عن عامر بن عبد قيس أن رجلاً قال له: "كلمني"، فقال له: "أمسكِ الشمس".
وقال ابن ثابت البناني: ذهبت ألقن أبي، فقال: "يا بني دعني، فإني في وردي السادس".
ودخلوا على بعض السلف عند موته، وهو يصلي، فقيل له.
فقال: الآن تطوى صحيفتي.
فإذا علم الإنسان ـــ وإن بالغ في الجد ـــ بأن الموت يقطعه عن العمل، عمل في حياته ما يدوم له أجره بعد موته.
فإن كان له شيء من الدنيا، وقف وقفاً، وغرس غرساً، وأجرى نهراً، ويسعى في تحصيل ذرية تذكر الله بعده، فيكون الأجر له. أو أن يصنف كتاباً من العلم، فإن تصنيف العالم ولده المخلد.
وأن يكون عاملاً بالخير، عالماً فيه، فينقل من فعله ما يقتدي الغير به.
فلذلك الذي لم يمت.
قد مات قومٌ وهم في الناس أحياء.
علي قسورة الإبراهيمي
04-08-2015, 09:15 AM
وصاحبنا لا يزال يرد على الإمام ويقول:
على رسلك يا إمامنا.
أنه قال من قبلنا: "الوقت كالسيف إن تقطعه قطعك"، بل غدر بك ولم ينفع ما معك.
وماذا جمعت في دنياك فهو ليس لك.
ترحل وقد تركت ما أقمت من حدائق، زاهية كبساط ونمارق، وحصون وقصور، عليها الحسن كمقصور، و فتنك منظرها الجميل، وقضيت عمرك زهوًا بها من صبحك إلى وقت الأصيل.
وعملت منها بهجة وإشراقا، وألبستها نضرة وإيراقا.
وغرك الأمل.
وهناك من يعلم السر وأخفى يقول:
" كم تركوا من جناتٍ وعيون، وزروعٍ ومقامٍ كريم، ونعمةٍ كانوا فيها فاكهين، كذلك وأورثناها قوما آخرين "
إي والله ! سبحانك ربي! ما أعظمك " وأورثناها قوما آخرين "
كانوا هنا، ورحلوا، وقد:
رفعوا الأنامل "للشهادة " وكبّروا ** فبدا الخشوعُ بخوفهم يترنّمُ
وبدت سواكب دمعهم مسبولةً ** خوفًا لما قد أخّروا أو قدّموا
هذي " حياة " المتقين وغيرهم ** نائي الفؤاد لسانه يتكلّم.
وهكذا الحال.
والعمر يمضي.
وهناك في الأعماق من ينادي:
"لو دامت لغيرك لما وصلت إليك "
ولكن عند البعض وكأنه ينادي من مكانٍ بعيدٍ.
ولا يزالون وراء الفانية يلهثون حتى وإن ردّ الواحد منهم إلى أرذل العمر وأقترب، وبات على خطوتين من القبر وقرُب، وهو يظن أن عمره ما له نظير، به بهجة ونضير، وبدر شبابه مستدير.
وهو لا يدري.
أن زمانه في ملذات الدنيا أضاعه، وعمره بأبخس الأثمان باعه
والسعيد من أحسن في الدين والدنيا إذا اجتمعا
علي قسورة الإبراهيمي
04-08-2015, 12:54 PM
ويواصل ابن الجوزي " صيد خاطره " وهو يقول:
فصل شرف العالم غناه بعمله
رأيت من أعظم حيل الشيطان ومكره، أن يحيط أرباب الأموال بالآمال، والتشاغل باللذات القاطعة عن الآخرة وأعمالها.
فإذا علقهم بالمال ء تحريضاً على جمعه، وحثا على تحصيله ء أمرهم بحراسته بخلا به.
فذلك من متين حيله، وقوي مكره.
ثم دفن في هذا الأمر من دقائق الحيل الخفية، أن خوف من جمعه المؤمنين، فنفر طالب الآخرة منه، وبادر التائب يخرج ما في يده.
ولا يزال الشيطان، يحرضه على الزهد، ويأمره بالترك، ويخوفه من طرقات الكسب، إظهاراً لنصحه وحفظ دينه. وفي خفايا ذلك عجائب من مكره.
وربما تكلم الشيطان على لسان بعض المشايخ الذين يقتدي بهم التائب، فيقول له: اخرج من مالك وادخل في زمرة الزهاد.
ومتى كال لك غداء أو عشاء، فلست من أهل الزهد، ولا تنال مراتب العزم.
وربما كرر عليه الأحاديث البعيدة عن الصحة والواردة على سبب ولمعنى.
فإذا أخرج ما في يده. وتعطل عن مكاسبه، عاد يعلق طموحه بصلة الإخوان. أو يحسن عنده صحبة السلطان، لأنه لا يقوى على طريق الزهد والترك إلا أياماً، ثم يعود الطبع فيتقاضى مطلوباته، فيقع في أقبح مما فر منه.
ويبذل أول السلع في التحصيل دينه وعرضه، ويصير متمندلاً به، ويقف في مقام اليد السفلى.
ولو أنه نظر في سير الرجال نبلائهم، وتأمل صحاح الأحاديث، عن رؤسائهم، لعلم أن الخليل عليه الصلاة والسلام كان كثير المال، حتى ضاقت بلدته بمواشيه.
وكذلك لوط عليه الصلاة والسلام، وكثير من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والجمع الغفير من الصحابة.
وإنما صبروا عند العدم، ولم يمتنعوا من كسب ما يصلحهم، ولا من تناول المباح عند الوجود.
وكان أبو بكر رضي الله عنه يخرج للتجارة والرسول صلى الله عليه وسلم حي.
وكان أكثرهم يخرج فاضل مما يأخذ من بيت المال، ويسلم من ذل الحاجة إلى الإخوان.
وقد كان ابن عمر لا يرد شيئاً، ولا يسأل.
وإني تأملت أكثر أهل الدين والعلم على هذه الحال، فوجدت العلم شغلهم عن المكاسب في بداياتهم، فلما احتاجوا إلى قوام نفوسهم ذلوا، وهم أحق بالعز.
وقد كانوا قديماً يكفيهم بيت المال فضلات الإخوان، فلما عدمت في هذا الأوان، لم يقدر متدين على شيء إلا يبذل شيء من دينه.
وليته قدر فربما تلف الدين لم يحصل له شيء.
فالواجب على العاقل أن يحفظ ما معه، وأن يجتهد في الكسب ليربح مداراة ظالم، أو مداهنة جاهل، ولا يلتفت إلى ترهات المتصوفة، الذي يدعون في الفقر ما يدعون.
فما الفقر إلا مرض العجزة، وللصابر على الفقر ثواب الصابر على المرض.
اللهم إلا أن يكون جباناً عن التصرف، مقتنعاً بالكفاف، فليس ذلك من مراتب الأبطال، بل هو من مقامات الجبناء الزهاد.
وأما الكاسب ليكون المعطي لا المعطى، والمتصدق لا المتصدق عليه، فهي من مراتب الشجعان الفضلاء.
ومن تأمل، هذا علم شرف الغنى ومخاطرة الفقر.
علي قسورة الإبراهيمي
04-08-2015, 12:58 PM
وما زال صاحبنا يقرأ ما جادت به قريحة ابن الجوزي، ثم يحلل ويرد عليه:
ذرني يا إمام أن انظر إلى الموضوع من جهة أو زاوية أخرى، ولكن الأفكار كما هي تتناقح فلا محالة ستتلاقح.
ولوضع الصورة في إطارها، والفكرة في مسارها.
فهذا ما كتبته يوما في هذا الأمر:
قالوا: أنّ قاعدة الدين الإسلامي في شموله هي مصالح العباد في الدارين، وذلك دفعًا لما قد يتأوّله البعض، حتى لا يذهب بعضهم على أنّ دين الإسلام لم يُؤمر فيه إلاّ بأمر الآخرة والزهد في الدنيا وترك الاشتغال بها، بل التجرد للعبادة فقط.
ورفعًا لما يتوهمه بعض الفلاسفة وخصوصًا جلّ المستشرقين منهم، الذين أرادوا أن يحكموا على الإسلام بما حكموا بها على بعض الأديان الأخرى وخصوصًا " مسيحيّتهم "، وللأسف الشديد تبعهم ودار في فلكهم بعض المحسوبين على الإسلام:
"من أنه ـــــــ أي، الإسلام ــــــ غير صالحٍ لإدارة مصالح الدنيا
ولذلك ــــ كما زعموا ويزعمون ــــــ يلزم التفريق بين الدين والأمور السياسية، من أبسطها إلى أعظم معضلاتها، وكذلك الأمور الإدارية مع كل الحقوق ونظام الحكم بأجمعها، زيادة عن العلوم والفنون والفلسفة منها، وكذلك الصناعات والأمور الفلاحية والأعمال النافعة ".. أهـ
وعندما يتأمل أهل المشورة والرأي في كلامٍ مثلما سبق.
يجد أن كل ذلك ـــ أي، ما ذهب إليه هؤلاء وأولئك ــــــ ما هو سوى كلام باطلٍ وخيالٍ ما أشبه ما يكون هو من الخرافة بمكان.
وكم كان صادقًا بصير معرّة النعمان وهو ينشد ويقول:
والنجمُ تستصغر الأبصار رؤيته ** ولعيب العين لا للنجم في الصغير.
وليس القول سوى أن يقول أي عاقل:
أن جهل هؤلاء بأصول الدين، وكذلك عدم معرفتهم بقواعد التحري والبحث والاستنباط منها، أو تضليل ومغالطة خلق الله وخصوصًا فيما حث عليه ديننا الإسلامي، حتى يكون لهم مسوغًا ليزعموا به " حجة " على " عدم صلاحية الدين " لكل ما يزعمون ويلفقون، وكأنهم يضللون الناس، على أن ما أمر وتكلمّ به الإسلام هي أقوال " خارجة عن دائرة صلاحيته " في الامور السياسية والمدنية.
بينما التمدن الحقيقي نابع من الإسلام في كل مجالات الحياة في الأعمال الدنيوية التي هي الممر بالعمل الصالح إلى الجزاء الأخروي، يقول جلّ في علاه:
" وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى، م يجزاه الجزاء الأوفى، وأن إلى ربك المنتهى".
ذهب أهل العلم، أنّ كلّ عملٍ من الأعمالِ أو حرفة أو صنعة من صنائع الحياة لا يمكن أن يستفيدَ به المجتمع أو الأفراد إلاّ بنسبة إتقانه، أو القيام بحقّه على أكمل وجهٍ.
يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم:
" إِنّ اللَّه تعالى يُحبّ إذا عمِل أحدكم عملاً أن يُتقِنه"
وكذلك استعماله في أكمل أوجهه ذلك العمل، وعدم التعرض لعمله ولا يمكن لعمل أي عملٍ إلاّ بعد دراية وعلمٍ كافٍ الذي يجعل النفس تطمئن لذلك، وترتاح عندما تحس بالقدرة عليه، بشرط أن يكون ذلك العمل فيه المنفعة العامة التي تكون الغالبة على مضرته، كما أنه لابد أن تكون الحاجة إلى ذلك العمل حاجة صحيحة غير رياءٍ، ولا ذلك العمل يقصد به الأذى أو ضرر الخلق، وإلاّ لكان ذلك العمل مضرًّا، وتركه أحرى.
وكل ما ذكر عبارة عن نمطٍ لمقارنة الأعمال المعنوية أو المادية بأسرها.
ويدخل تحت ذلك أدنى الأعمال والصنائع والحرف وكذلك الوظائف وأوسطها إلى كل درجاتها حتى أعاليها.
فكل صنعة أو حرفة أو وظيفة لها اشتراك في منافع المجتمع بحسب تعلّقها به ومنفعته منها بنسبة تزيد أو تنقص حسب الحاجة لها.
وخلاصة ذلك.
فإذا حصل لعملٍ على مقتضى تلك لا يجد المرء في الدنيا مجتمعًا سعيدًا أسعد من المجتمع العامل بها، ولن يعمل بها مجتمع مطلقَا إلاّ إذا كان به من سمات التدين الصحيح، أو كان ذلك المجتمع متديّنًا بدينٍ يقضى به بتقوى الله تعالى في كل عملٍ بما يناسبه؛ أن يعتقد أنّ كلّ عملٍ عظيمٍ كان أو عملٍ حقيرٍ هو أمانة من أمانات الله التي يجد مراعاتها ورعايتها.
و من أو ل أعمال المراعاة أو الرعاية عدم الإقدام عليها إلاّ بعد العلم بها، والعلم بقدرة النفس على ذلك العمل، وكذلك حسن النية، والقصد فيه، وأنّ كل فردٍ مجزي على ذلك بالثواب على حسن القيام، وكذلك مجزي باللوم أو حتى بالعقاب عن القصور الذي قد يتعمّده، وأنه لا يفوته من الجهتين شيء فذلك بالطبع سائق له على العمل بالأصلح، زاجر له عن القصور على ذلك إن كان عمدًا.
وليمكن من معرفة المصلح من غير المصلح المتعمد فلابد من أحتياج المسلم إلى حكومة إسلامية، حتى تقضي بين الناس في أمور دنياهم ،
ولا يتأتّى ذلك إلاّ القيام بإنشاء قوة التي تسهل على أحوال الناس من قوات من الأمن، وأناس في العدالة للقضاء بين الناس.
وكل ذلك هو تدبير أمور المجتمع الذي يساعد على التعاون والتناصر على تعميم الفضائل، والعمل على دفع ودرء الرذائل.
فإن كان كل ذي عملٍ أو صاحب تجارة، أو صنعة أو حرفة أو وظيفة في مأمورية المأموريات، أو مهمّة من المهمّات، أو وظيفة من الوظائف لا يقدم إلاّ بعد معرفة ما يتكلّف به، وكذلك معرفة الصلاحية الكافية من نفسه للقيام بواجبات ذلك العمل، ثم يُرى أنه مسؤول عن نتيجة أعماله مكافئًا على خيرها وشرها أمام حكومته بالامور الرسمية الشرعية، وأمام الله بالأمور الدينية.
عندما يحس الفرد أن ذلك يظهر ذلك بين البشر في الأولى أي الحياة الدنيا، ويظهر ذلك في الأخرى أي بين يدي الله الذي لا تخفى عليه خافية، ولا تُنسى عنده ماضية من سيئة أو حسنة في الدار الآخرة، وأنه يجزى بعمله فلا بخافٍ أنه يفوته ثواب ذرة من خيرٍ ، أو أنّ ينجو من عقابٍ يناسب ذرة من شرٍّ ، أو بأي حيلةٍ من الحيل إلاّ بالرجوع إلى الحكم الشروع.
فإن هذه الأحوال تدعو إلى تكاثر أعمال الخير وتنشيط أهلها، كما تجبر على تقليل أو عدم القيام على أعمال الشر وتضعيف أو تقييد عزائم مرتكبيها، فيتمّ الاستباق إلى الخير ليصير وكأنه مَلكة راسخة للمجتمع وبين أفراده.
تلك المَلكة التي لا يقوى على مقاومتها أهل الشرور إلاّ نادرًا.
ولا يخفى حال المجتمع الذي يكون على هذه الصفة على المشتغلين بعلوم الإدارة والحقوق والتجارة والاقتصاد وتدبير سياسة الحكم ورقي الأمم وتطورها إلاّ من عمل لدنياه كما هو يعمل لآخرته
علي قسورة الإبراهيمي
05-08-2015, 12:45 AM
وقال علاّمتنا:
فصل الندم على ما فات
تأملت أحوال الفضلاء، فوجدتهم - في الأغلب - قد بخسوا من حظوظ الدنيا، ورأيت الدنيا - غالباً - في أيدي أهل النقائص.
فنظرت في الفضلاء، فإذا هم يتأسفون على ما فاتهم مما ناله أولو النقص، وربما تقطع بعضهم أسفاً على ذلك.
فخاطبت بعض المتأسفين فقلت له: ويحك تدبر أمرك، فإنك غالط من وجوه.
أحدها: أنه إن كانت لك همة في طلب الدنيا، فاجتهد في طلبها تربح التأسف على فوتها، فإن قعودك - متأسفاً على ما ناله غيرك، مع قصور اجتهادك غاية العجز.
والثاني: أن الدنيا إنما تراد لتعبر لا لتعمر، وهذا هو الذي يدلك عليه علمك ويبلغه فهمك. وما يناله أهل النقص من فضولها يؤذي أبدانهم وأديانهم. فإذا عرفت ذلك ثم تأسفت على فقد ما فقده أصلح لك، وكان تأسفك عقوبة لتأسفك على ما تعلم المصلحة في بعده، فاقنع بذلك عذاباً عاجلاً، إن سلمت من العذاب الآجل.
والثالث: أنك قد علمت بخس حظ الآدمي في الجملة، من مطاعم الدنيا ولذاتها بالإضافة إلى الحيوان البهيم.
لأنه ينال ذلك أكثر مقداراً ، مع أمن، وأنت تناله مع خوف، وقلة مقدار.
فإذا ضوعف حظك من ذلك كان ذلك لاحقاً بالحيوان البهيم، من جهة أنه يشغله ذلك عن تحصيل الفضائل. وتخفيف المؤن يحث صاحبه على نيل المراتب.
فإذا آثرت - مع قلة الفضول - الفضول، عدت على ما علمت بالإزراء، فشنت علمك، ودللت على اختلاط رأيك...
علي قسورة الإبراهيمي
05-08-2015, 12:47 AM
وهذا ما ردّ به صاحبنا:
ويح إمامنا، وحامل لواء خواطرنا.
وهل ينفع الندم على ما فات؟ والتجهيز للرحيل لما هو آت؟
لعمري فليس كل بهرجة الدنيا مما يدوم شكره، أو يساق مهره.
وكم من قائلٍ:
اِعلم يا أمجد الأمجاد، وأجود الاجواد أن الدنيا معيوبة، وهي رأس الفتن، وشجرة المحن.
ثم الصادق المصدوق ـــ صلى الله عليه وسلم ــــ قال:
" حب الدنيا رأس كل خطيئة"
كما أنه جاء في الاثر ومصادر الخبر:
" وتسمى والدة الموت تقتل أولادها بنفسها تهب ثم تسترجع تعدو ولا تفي تنادي كل يوم أنا المركب القموس أنا الفتنة الدهياء، أنا بيت الافاعي أنا حية الوادي أنا أهين من أكرمني وأكرم من أهانني وأخذل من توكل علي فالدنيا جيفة وبنوها مثل الكلاب يتكالبون ويتهارشون على جيفها تهارش الكلاب على الجيف فما رؤى في عالم الله تعالى أخلف وأكذب من الدنيا ولقد كان نبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام تمنى أن يرى صورتها"
وأن المتشبث بها هو كما تظاهر بالتدين وقد ساء خلقُه، وانتظر صبحًا تبلدت غيوم فلقه، أو كمن يريد أن يحلّ عقدًا توّلى الدهر شده، أو يشب في دنياه ضرامًا أصلد الزمان زنده.
وهذه الدنيا ونواقصها.
ترى فما المرء بأمره فاعل، ولآخرته هو جاعل؟
ذرهم وأمانيهم.
فإن الكريم إذا نهض لفضيلة لم يقف، وإذا عاهد على تطليق الدينا لم يُخلِف
ومن عباد الله من طلّقها طلاقًا بائنًا، وعمل على الأخرى.
ألا أن الدهر شر كلُّه، مفصّله ومجملُه.
وهناك من همه الحرص عليه.
وهناك يجري وراء شهواته ويماري في أمرٍ كان محتومًا.
وكذلك هناك من أجل شيء هو إلى زوال يعيش في خنوعٍ حتى ولو صاحب لئامًا، وأرتكب حرامًا.
وليته اِتعظ بمن قال:
"والله ، والله ، مرتين ، لحفر بئرين بإبرتين ، وكنس أرض الحجاز بريشتين ، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين ، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين ـ هذه كلها مستحلات ـ أهون عليّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين"
وصدق شاعرنا إذ قال:
إذا كانت النفوس كبارًا ** تعبت في مرادها الاجسام.
والدنيا هي هي.
فكيف الندم على ما فات؟
اماني أريس
05-08-2015, 11:41 AM
وصاحبنا لا يزال يرد على الإمام ويقول:
على رسلك يا إمامنا.
أنه قال من قبلنا: "الوقت كالسيف إن تقطعه قطعك"، بل غدر بك ولم ينفع ما معك.
وماذا جمعت في دنياك فهو ليس لك.
ترحل وقد تركت ما أقمت من حدائق، زاهية كبساط ونمارق، وحصون وقصور، عليها الحسن كمقصور، و فتنك منظرها الجميل، وقضيت عمرك زهوًا بها من صبحك إلى وقت الأصيل.
وعملت منها بهجة وإشراقا، وألبستها نضرة وإيراقا.
وغرك الأمل.
وهناك من يعلم السر وأخفى يقول:
" كم تركوا من جناتٍ وعيون، وزروعٍ ومقامٍ كريم، ونعمةٍ كانوا فيها فاكهين، كذلك وأورثناها قوما آخرين "
إي والله ! سبحانك ربي! ما أعظمك " وأورثناها قوما آخرين "
كانوا هنا، ورحلوا، وقد:
رفعوا الأنامل "للشهادة " وكبّروا ** فبدا الخشوعُ بخوفهم يترنّمُ
وبدت سواكب دمعهم مسبولةً ** خوفًا لما قد أخّروا أو قدّموا
هذي " حياة " المتقين وغيرهم ** نائي الفؤاد لسانه يتكلّم.
وهكذا الحال.
والعمر يمضي.
وهناك في الأعماق من ينادي:
"لو دامت لغيرك لما وصلت إليك "
ولكن عند البعض وكأنه ينادي من مكانٍ بعيدٍ.
ولا يزالون وراء الفانية يلهثون حتى وإن ردّ الواحد منهم إلى أرذل العمر وأقترب، وبات على خطوتين من القبر وقرُب، وهو يظن أن عمره ما له نظير، به بهجة ونضير، وبدر شبابه مستدير.
وهو لا يدري.
أن زمانه في ملذات الدنيا أضاعه، وعمره بأبخس الأثمان باعه
والسعيد من أحسن في الدين والدنيا إذا اجتمعا
السلام عليكم
راقني جدا ما نثرت هنا معان قيّمة تغذي الروح استوقفتني سانحتك هذه فلله دره من كلام فالانسان الذي يعيش لاجل آخرته عاكفا على النظر الى السماء وموعدها وقصّر في خدمة نفسه وغيره بما اتاح له الله من حق الحياة وآلائها ونقيضه الذي يعيش لدنيا الزوال ويجعلها اكبر همه ومبلغ علمه كلاهما اسوء من بعض والا لما أنزلنا الله الى الارض وعمرها بمخلوقاتها ؟؟؟ غاية خلق الانسان واستخلافه في الارض انما لتكون له له عبادة متميزة عن بقية خلقه عبادة قوامها العمل الصالح ونفع غيره فيكون بذلك ادى رسالة وجوده كما ارادها الله .
علي قسورة الإبراهيمي
05-08-2015, 10:25 PM
السلام عليكم
راقني جدا ما نثرت هنا معان قيّمة تغذي الروح استوقفتني سانحتك هذه فلله دره من كلام فالانسان الذي يعيش لاجل آخرته عاكفا على النظر الى السماء وموعدها وقصّر في خدمة نفسه وغيره بما اتاح له الله من حق الحياة وآلائها ونقيضه الذي يعيش لدنيا الزوال ويجعلها اكبر همه ومبلغ علمه كلاهما اسوء من بعض والا لما أنزلنا الله الى الارض وعمرها بمخلوقاتها ؟؟؟ غاية خلق الانسان واستخلافه في الارض انما لتكون له له عبادة متميزة عن بقية خلقه عبادة قوامها العمل الصالح ونفع غيره فيكون بذلك ادى رسالة وجوده كما ارادها الله .
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ويح المثقفة الفاضلة/ أماني أريس
أنا أقلّ مما خلعتِ عليّ من قولٍ بكثير.
ولكنكِ كبيرة قدرًا.
فلا محالة ترين كل شيءٍ في مقامكِ
يا ذات المقام.
تحياتي
إخلاص
06-08-2015, 10:27 AM
مرة التقى عارفان بالله، فقال أحدهم للآخر:
كيف أنتم والنعمة؟
فأجاب الآخر:
نحن إذا أُعطينا شكرنا، وإذا مُنعنا صبرنا.
فرد عليه الذي هو يحاوره:
هذا حالُ الكلابِ عندنا.. أما نحن إذا ما أُعطينا آثرنا، وإذا مُنعنا شكرنا.
أثّرت فيّ جدّا هذه المقولة!! :19:
و عليكم السّلام و رحمة الله و بركاته
مرحبا بأخ أخته الفاضل
طلبت منّا الدّعاء فأسأله سبحانه أن يؤتيك سؤلك منه
و يجازيك عن كلّ حرف بعشر حسنات إلى سبعمائة و الله يضاعف لمن يشاء
و نفع بك و بعلمك.
متابعة بشغف ...
تحيّة تليق
علي قسورة الإبراهيمي
06-08-2015, 12:41 PM
مرة التقى عارفان بالله، فقال أحدهم للآخر:
كيف أنتم والنعمة؟
فأجاب الآخر:
نحن إذا أُعطينا شكرنا، وإذا مُنعنا صبرنا.
فرد عليه الذي هو يحاوره:
هذا حالُ الكلابِ عندنا.. أما نحن إذا ما أُعطينا آثرنا، وإذا مُنعنا شكرنا.
أثّرت فيّ جدّا هذه المقولة!! :19:
و عليكم السّلام و رحمة الله و بركاته
مرحبا بأخ أخته الفاضل
طلبت منّا الدّعاء فأسأله سبحانه أن يؤتيك سؤلك منه
و يجازيك عن كلّ حرف بعشر حسنات إلى سبعمائة و الله يضاعف لمن يشاء
و نفع بك و بعلمك.
متابعة بشغف ...
تحيّة تليق
وأنا أقرأ رد أختي يعلم الله أنه فجأةً طرق ذهني قوله تعالى:
" وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون، ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون "
ثم تأكدت أن النحل شرفها الله أنها لا تقع إلا على ما حسن ونضر من الازهار.
فدخلني شعور غمرني فرحة وخيلاء.
وذلك أن أختي/ إخلاص.
لا تطوف إلا في الأعالي.
عندها تيقنت أن في "سوانحي " بعض ما يليق.
أختاه
شرفت متصفح أخيك زادكِ الله شرفًا وشموخا يا أصيلة
ولكِ بما دعوتِ ومثله، ومثله، ومثله ويزيد.
دمتِ أختًا لي بحق.
تحياتي
دائمة الذكر
14-10-2021, 01:51 PM
رووووعة روووووعة و الله روووووووووعة
لا امل من قراءة مواضيعك يا استاذي الفاضل
Karim Ibn Karim
06-11-2021, 08:56 PM
حقا مواضيع جميلة و شيقة جداا
اين انت يا قسورة . و اين ايامك عندما كنت تغدق علينا بنثرك الجميل ..
تحياتي
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2026, TranZ by Almuhajir