مشاهدة النسخة كاملة : من ترجماتي
لحسن عيساني
24-12-2008, 03:52 PM
أليس شركي
(file:///E:/data/doc/18/Article16.html#_ftn1#_ftn1)
فانون والاستلاب النفسي المرضي
ترجمة : لحسن عيساني
إن الحديث عن فانون من وجهة نظر الطب النفسي هو لا محالة تقطيع اعتباطي، إذ كما تعلمون، فقد انصب بحث فانون على استلاب الإنسان- والاستلاب كلمة لم تعد تستعمل اليوم قط، تماما مثل كلمة دخيل أو دعي- في جميع المجالات البشرية.
كان فانون يتابع بلا هوادة تساؤله عن أسباب الاستلاب، وعن آثاره والوسائل التي يجب استعمالها لمحاولة الخروج منه. كما أن لا شيء منفصل لديه عن ولعه بالجنون وأكثر من ذلك بالنفس ومعركته السياسية وممارسته الكتابة.
ويصعب الفصل بين فانون محلل التمييز العنصري و فانون الذي يتفق مع مانوني
(1) علم نفس الاحتلال، وفانون الذي يبرز أنه لا يمكن اختزال وضعية احتلال عالمين منفصلين أحدهما عن الآخر، والمواجهة بين قوتين متنافستين وغير متكافئتين تقصي إحداهما الأخرى، ولا يدع للمحتل خيارا آخر سوى التحجر الخاضع أو ثورة فانون بكتابه الظاهرة ''الشمال- أفريقية'' للعامل المهاجر، المشيء في الخطاب الطبي، والمقطوع عن جذوره وغاياته، وفانون المكافح من أجل أن يدخل إلى الـ HPB العلاج الاجتماعي لدى الأجراء الذين كانوا آنذاك يدعون أهالي مسلمين، أو إقامته آنذاك في تونس مؤسسة طلائعية، لمستشفى نهاري.
والمريض في هذه المؤسسة لا يقطع صلته بمحيطه العائلي وأحيانا المهني الذي لا يخمد فيه علم الأعراض العقلي تكلفا عن طريق الحجز الذي تمنع خلاله الأعراض من الظهور فقط وأحيانا تخفى ولكنها لا تحل.
وقد أصبح هذا النقد من جديد حاليا بصورة حديثة وغريبة، بما في ذلك في فرنسا اليوم: ففي نوفمبر2001 صدرت ''Lettre de la Psychiatrie française'' بعنوان ''Au feu, exclusion de la psychopathologie’’، '' حذار....هناك إقصاء لعلم العلاج النفسي'' وهي صيحة إنذار بالاستيلاء على سلطة الطب العقلي البيولوجي، والجزيء المضاد للاكتئاب أو الذهان،الذي يفرغ كل البعد المرضي النفسي والأنثربولوجي من طب الأمراض العقلية، وهذا حتى في تكوين أطباء الأمراض العقلية.
و يتيح لي هذا الاقتحام للحالي حركة دائبة حول هذه النقاط الثلاث:
- نقد الطب العقلي الاستعماري
- تقدم فانون على الركود الذي كان يميز تطور النفسية البشرية عبر الأجيال، والصلة مع التاريخ والصدمة التي لا تخلو من علاقة بكتابته الفريدة: تفكيك اللغة المسيطرة، والانطلاق مجددا من الجسد، ومن المشاعر والإدراكات التي تتسلل مجددا بصورة سميولوجية إلى اللغة.
- وأخيرا إذا ما بقي لدينا بعض الوقت، فسنتطرق إلى ما يميز فانون عن ثقافوية الطب العقلي العرقي.
نقد الطب العقلي الاستعماري:
كان فانون قد تميز بوضوح في فرنسا عن الطب العقلي الكلاسيكي وعن المنفى (كان ذلك قبل ظهور مهدئات الأعصاب) مصحة عقلية تصف فقط الأعراض والأمراض وتمثل منفى، مؤسسة ميتة، تقوم بوظيفة الحراسة. وفي سانت ألبان وجد له موضع قدم مع توسكال Tosquelles وتأسيس علاج نفسي مؤسساتي مؤ، ا.
وتفترض مؤسسة الطب العقلي''العيش معا لبشر مجانين وغير مجانين''، معالجين ومرضى، من أجل بناء، نصوص ومسارح، داخل المؤسسة نفسها حتى يلعب من جديد ويمثل ما كان قد لعب بشكل سيء أو حتى لم يكن لعبه ممكنا. ويدرس فضاء الجنون في علاقته الوثيقة بالاستلاب الاجتماعي، والثقافي أيضا.
يجب القضاء على استلاب مؤسسة الطب العقلي وجعلها فضاء يخترع فيه المعالجون والمرضى، والمرضى عقليا وغير المرضى هذه القواعد. ويجد فانون هنا، عكس تجاربه السابقة، لدى Dechaume وكذا في مستشفى Dole نقطة التقاء، حيث يدرس الاستلاب في جميع أشكاله في مكان التقاء الجسدي بالنفسي، والمؤسسة بالتاريخ.
وقد تبنى فانون هذا التصور الأقلي جدا وحمله معه إلى الجزائر الاستعمارية، والحال أنه، ليس فقط أن العلاج النفسي المؤسساتي لم يكن قد توغل في هذه المنطقة، بل أنه كانت تعيث فسادا حينذاك، وربما وجب تذكير صغار السن بذلك، نظرية مدرسة الجزائر العاصمة-لا تلك الخاصة بالأدب إنما تلك الخاصة بالطب العقلي 'Porot, Sutter' وآخرون.
كان مذهب بدائية الأهلي المسلم الذي وضع العنصرية البيولوجية في مرتبة أنثربولوجيا المرض العقلي. وقد وقع سوتر، تلميذ بورو، الذي حرر أطروحته عام,1938 معه عام 1939 مقالة عن ''بدائية الأهالي الأفريقيين الشماليين وانعكاساتها في المرض العقلي'' وكلاهما يلحان على وصف الأهلي ككائن بدائي تنتظم حياته الخاملة أساسا والغريزية بواسطة بدماغه المتوسط (...) وهي حالة خاصة للمعمار، على الأقل للتسلسل الحركي للمراكز العصبية، أي عن طريق تدن في النمو الدماغي.
ومع أنه قدم نفسه في سنوات الخمسينيات على أنه كاثوليكي ليبرالي، فإن سوتر يشارك سواء تماهيا مع المعلم أو عن اقتناع شخصي، وإن بكل ابتذال، في مذهب الأطباء العقليين لـ ''مدرسة الجزائر العاصمة'' ألا وهو البدائية....ووفق هذا المذهب، يتميز الأهالي الإفريقيون الشماليون بنمو نفسي بدائي وتسيطر على حياتهم النفسية الغرائز، وقلما تلجأ إلى أكثر القدرات العقلية تطورا.
ولأنهم فاقدو إرادة، يفتقرون إلى الفضول الفكري، فإنهم يبدون فقدان شهية فطري للعمل، ويفتقرون إلى العناية والمنطق في نشاطاتهم المهنية. ويبدون ميلا واضحا إلى الكذب والوقاحة، ويخضعون إلى نزق إجرامي يجعلهم شديدي الخطورة. و يعود أصل هذه الخصائص إلى عدم نضج محدد وراثيا للنمو الدماغي، ويهيمن العقل الأدنى(الدماغ المتوسط) عند الأهلي على البنيات القشرية العليا.
ومن هذا المنظور فإن '' هؤلاء البدائيين لا يستطيعون ولا ينبغي لهم أن يستفيدوا من تطورات الحضارة الأوروبية'' وهم غير قادرين على التمتع بها وكل محاولة لمنحهم إياها لا يمكنها إلا أن تصيبهم باضطراب خطير.
و تظهر هذه الأطروحة، مع أنها مرتبطة بصورة وثيقة بالنظام الاستعماري وسنوات الثلاثينيات، في الدليل الأبجدي للطب العقلي الذي نشر عام ,1952 والذي نجد فيه إلى جانب1960-1959، سوتر، أوبان وباردونا.
ويبدو أنها ستستمر بشكل ماكر، لأنها أعيدت في طبعة 1975 من هذا الدليل الذي حرره أعضاء '' مدرسة الجزائر العاصمة''، وهو دليل كان إلى غاية صدور وجيز Henry Ey عام 1960-1959 ، العمل الوحيد باللغة الفرنسية الذي هو في متناول الطلبة ويروق لهم.
ويقول Bernard Doray بتذمر في العدد 14 من '' Nord Sud Algéries'' : ''لم يحدث ذلك في ألمانيا الثلاثينيات إنما في دائرة فرنسية من الخمسينيات'' ولن يكن لفانون مواجهة مباشرة مع هذه النظرية وقد كتب فيما بعد مقالة في
''Consciences maghrébines'' يقرب فيها هذه النظرية من كلام Carothers الذي يقول فيه أن ''الأفريقي العادي هو أوروبي محدود الذكاء''. وتوجد إجابة فانون في عمله في البليدة، وإدخاله علم الاجتماع في مصلحته.
وسيتحول الفشل مع المرضى المسلمين إلى تساؤل خصب '' أي اضطراب في الحكم جعلنا نعتقد انه يمكن وجود علم اجتماع من وحي غربي يضع بين قوسين جميع الأطر الجغرافية والتاريخية والثقافية والاجتماعية، في مصلحة للمستلبين المسلمين ؟''
ألم نعتمد دون تفكير سياسة الإدماج ؟ ومن هذا المنظور فعلا ليس الأهلي في حاجة إلى أن يفهم في تفرده الثقافي، وعليه هو أن يجتهد كي يشبه النموذج الذي يقترحه المحتل عليه. ولا يفترض الإدماج في إطار المجتمع المحتل التبادل، إنما اختفاء ثقافة بأكملها لحساب ثقافة مهيمنة.
ومن الضروري أيضا، يقول فانون، أن تأتي المبادرة من داخل المعالجين أنفسهم الذين جربوا الانتقاص والرفض وإقصاء مرجعيات لغتهم وتاريخهم وثقافتهم وأن يتحرروا، نقول اليوم ، من النسبة إلى هذا الآخر الذي كان يدعي أنه مالك مكان الآخر، جميع الآخرين ويطرد خارج الحضارة أو ما يسمى كذلك وحتى من رتبة البشر، أي شخص يرفض ''الاحتكار الإمبراطوري الفادح'' Doray.
وسأتوقف هنا عند نقد الطب النفسي لا الاستعماري فحسب بل بعد -الاستعماري أيضا، إذ كما ذكرتكم في بداية حديثي فقد عوض الـ DSM3 ثم 4 ثم قريبا 5 بصورة دقيقة جدا وصف الأمراض هذا الذي يعود للخمسينيات وانتصرت البيولوجيا، بما في ذلك في الجانب الآخر للمتوسط، على الإصغاء للشخص المقصى من تاريخ السياسي والموضوع موضع شيء مقطوع عن جذوره وعن أهدافه.
تقدم فانون على ما كان متوقفا منقطعا في تطور النفس البشرية عبر الأجيال والعلاقة مع التاريخ والصدمة. ويقرأ هذا التقدم بصورة أقل بروزا لكنه يدرس ظروف النمو النفسي للإنسان منذ ولادته، في العالم.
فكل طفل يبتلع مع عصيدته أصوات العالم وكذا الصمت وسينهل منها صوره الخاصة، وتراكيبه الوظيفية، والآثار النفسية ووسائل مصيره المحتمل.
وأكثر مما نظر لها، طرح فانون بطريقة جد استباقية أسئلة عما يعرقل التطور الذاتي، ووصف آثار مصادرات اللغات وعنف التاريخ على الموضوع، والرفض عبر الأجيال، وانتقاص القيمة وإقصاء المرجعيات والأنساب، والصدمات المتوقفة الجامدة في إعداد مستحيل بسبب الإنكار والخنق.
ويبين الآثار العيادية، والخزي، والذهول والانطواء على جسد منهك ومتحجر، والعنف المتواتر اللانهائي. وهذه الحوادث الذاتية التي لا تجد، كي تتنقل وتترجم وتظهر، نقاط استقبال أو دعم في الاجتماعي والسياسي والثقافي، تتردد على عيادات الأطباء السرير يين والمؤسسات المسماة مؤسسات ضواحي.
وقد أكد فانون عن قرب على الواقع وعلى ضرورة واستحالة مشهد عندما يكون مطبوعا بإنكارات الوجود، وإنكارات الذاكرة ويجعل من الصعب بل من المستحيل وضع قواعد لإعادة كتابة ذاكرة ممنوعة.
وسواء أكان ذلك في ذهول الشاب الأسود( هو في هذه الحالة) المشار إليه بالأسود أو الشخص المستعمر أو أي شخص أخر تعرّض لعنف شديد، لا يملك الوسائل لإعداد المشهد.
وقد حرص فانون على إظهار آثار الذهول من جديد على أجساد صامتة، تغوص في اضطراب صورة الذات، والخزي والقنوط، والعنف المتواتر.
ولهذا في فترة كان فيها التحليل النفسي محصورا في غالبيته في الجعجعة الأوديبية الخالية من التاريخ وبلغة واحدة، يحاول فيها أحد النادرين القلة ك Bettelheim عبثا أن يقول أن الشعور بالخزي هو علامة بعيدة عن شعور أوديبي بالذنب لا شعوري مرتبط بصور أبوية جدا.
وكان فانون يحمل في تجربته ذاتها هذا السؤال الذي وضحه في عمله كطبيب أمراض عقلية (لاسيما مع صدمات الحرب) وكذا في أبحاثه ابتداء بـ PNMBخضوع للأحادية اللغوية للآخر، وخاصة إخفاء الرق في الـ Antilles وبعيدا عن الإبادة وبعيدا عن الاحتلال.
وزيادة على ذلك فهو يلخص ما هو أكثر صدمة '' ليس أن هذه الثقافة تدمر إنما أنها لا تختفي كليا''. في احتضار لا ينتهي وتتحنط وتتكيس. ونحن قريبون جدا، حتى في المصطلحات، من كل ما يجعل الصدمة لا متناهية، والتكيس واستحالة الغياب، والدفن.
وهو يبحث عن الأدوات التي تستطيع أن تعرض هذا الذهول الذاتي وهذا الاضطراب في صورة الجسد، ويدرس مفهوم الصدمة عند Freud ثم عند Ferenczi فيما بعد. ويبحث عن صورة الجسد عند L'Hermite وطبعا ظاهراتية Merleau Ponty Sartre أكثر في رأيي منHegel الذي تخلى عنها بسرعة.
ميراث هذا الصمت: الإعداد المشطوب، التوقف عند صورة وعند جسد منهك. ما لعمل ؟ من ناحية إيجاد أماكن للإظهار، والكتابة وإظهار السلطة، ربما في المدينة، ومن ناحية أخرى إصلاح المرجعيات الرمزية للثقافة وللسياسي.
ويهيم أبناؤنا في الواقع بين الخجل من الذات وكراهية كل شيء، لنقل إن الكلمات لا تقول شيئا، على أجسادهم علامات، ورموز هيروغليفية تبحث عن من يفكها. وكان فانون قد شعر بوجوده، ولو مع يتامى دور الأطفال في تونس، المسكونين جميعهم في لحظة معينة بالصمت والذهول والغموض أمام الناس و يعصف بهم عنف لا متناه.
وفي هذا الإطار، كان الأمر بالنسبة لفانون يتعلق بتوليد أشكال جديدة لذات لا متحجرة ولا مشيئة، إنما مبحرة في ما هو مأساة كل إنسان. ربما كان هذا ما يحاول اليوم بعناية أن يمحوه أطباء الأمراض العقلية المدمنون على العقاقير إلى درجة تجعلنا نتساءل إن لم يكونوا هم مروجو مخدرات القرن الحادي والعشرين، على غرار عدد معتبر من معاصريهم،حتى عندما يذكرهم فعل متوهج في العالم وطأة الشعور بالقنوط.
ماالذي يميز فانون عن الطب العقلي العرقي ؟
حول هذا الموضوع أكد Olivier Douville من ناحية و Bernard Doray عند قراءة كتابي على هذه النقاط، أفضل مما أستطيع فعله، بخبراتهما كعالمي نفس، ومحللين نفسانيين ويعملان في الميدان اليوم. ثم ألسنا من أجل هذا نتحدث ونكتب كي يمتد القارئ الآخر، ويخطو خطوة إضافية. أليس من أجل هذا اجتمعنا اليوم؟
من خلال هذا الصوت الثلاثي سأشير إلى ما يلي :
وقعت الثقافوية في فخ إنكار السياسي وتشييء الوضعيات سواء على أساس شخصية قاعدية أو شخصية ثقافية، ''لديها ولع بالجغرافيا ورهبة من التاريخ'' ويستند Olivier Douvilleإلى هياكل ثقافية لا زمنية للحركة.
وسيبدي فانون نفورا من كل أشكال الحبس الثقافوي للأشخاص ويتخلى بسرعة عن منطق يكاد يصبح ثنائيا ''زنوجة وبياض''، واضعا الثقافات المتحركة كمعالم للدخول إلى الكلية.
وقد شجع تأثير الثقافة على نفسها وتشهد على ذلك عدة فصول من السنة الخامسة من الثورة وما كان مهما هو تحديد استحالة الثقافة في إطار السيطرة الاستعمارية بين اتجاهين: إما تصليب الثقافة السلفية في شكل تقاليد منمطة وقليلة الإنتاج أو اكتساب ثقافة المحتل بصورة مجنونة.
الخروج من السيطرة الاستعمارية هو تمكين ثقافتين أن تغني إحداهما الأخرى للوصول إلى الكلية. وبهذا المعنى يرد بلباقة شديدة على Shariati حول الإسلام. وهنا أيضا تعد الأنثربولوجيا الثقافية لفانون متقدمة بشكل رائع مقارنة بالعودة الارتدادية الحالية للطب العقلي العرقي مستندة إلى ثقافوية كان فانون دائما يحذرها ويتقيها.
ويعد تشييء ذهنيات خاصة بهذا العهد الثقافي أو ذاك و خاصة مطابقة الأشخاص، بشكل مسبق، مع الثقافة التي يفترض أنهم أعضاء منها، أي إعطائهم هوية مصممة ومعدة مسبقا جوهر الثقافوية في فرنسا اليوم، ويقترن تماما مع وصف عودة هوية.
والحال انه إن كان فانون كعالم أنثربولوجيا ثقافية قد ذكر الآثار المدمرة للاضطهاد الذي يمليه انشغال سياسي للسيطرة، على الأفراد وعلى ثقافتهم، مؤديا إلى تكيس هذه الأخيرة و''تحنطها'' وإن كان قد استعمل في ممارسة العلاج الاجتماعي في البليدة مرجعيات دالة لهذه الثقافة بالنسبة للمرضى، فلقد كان دائما ضد التوفيق بين عقليات ثابتة وسلاسل ثقافية، وإن كان قد استطاع أن يلاحظ أن مرجعيات مطحونة بالثقافة المسيطرة كان يجب أن ترمم للسماح للشخص أن يشكل فضاء رمزيا، فإنه لم يكن يظن أنه- وهذا ما كان يفعله أطباء العقل العرقيون- بنسبة شخص إلى هذه الثقافة المسماة أصلية يتم تحريره، أو بمعنى آخر شفاؤه.
وكان يناضل أيضا بصورة متكررة من أجل ثقافة متحركة، تغيرها دائما الوضعيات الجديدة. ومنذ انتقاده مانوني، أكد فانون انه لا وجود لعالم تقليدي سليم، فهذا الأخير فاسد بعد ويجب أن يجد في الحداثة طريقه لامتلاك موقع الإنسانية والكونية.
و ما يزال هذا الموقف اليوم يزعج التقليديين والمحافظين، فهو مفرط الثقافوية بالنسبة لبعضهم ومفرط الكونية للبعض الآخر، في هذه الحركة المزدوجة لخرق المرجعيات والانتقال إلى أمر آخر، وإنتاج شيء قابل لأن يصبح كونيا.
إن فانون هو ابن الواقع وهو مفرط الكونية بالنسبة لبعض المحللين النفسانيين أو بعض المفكرين الذين يعتقدون أنه يجب إعادة امتلاك الهوية الأصلية.
وهو مفرط التفاضلية بالنسبة للبعض الآخر لأنه أكد على أهمية الاختلافات بين الثقافات، بينما ينصب اهتمامه على التعرف على المرجعيات التي تطبع الشخص في هذه الثقافات من جيل إلى جيل، والانتقال من المفرد إلى الجمع- لا من الفردانية إلى الكونية.
كان هذا النقاش في قلب قضية نهاية قرننا، لأنها تدرس، في إفلاس الكليات، مكانة الشخص كفاعل إما أن يختفي أو أن يتصرف، وهذا العمل هو عمل شخص السياسي. ويشكل مسار فانون الممتد من تحرير الشخص إلى دراسة السياسي، سؤالا ما يفتأ يلح على مجتمعاتنا العصرية. والشخص المسؤول، الذي يكون مواطنا فاعلا لا شخصا منفعلا ومخضعا، هو في قلب التفكير بشأن سياسي اليوم، عندما لا نعلن طبعا عن اختفائه.
و سأعود من جديد من دون قصد إلى بداية كلامي ألا وهو استحالة الفصل، بصورة أخرى غير التعسف بين فانون طبيب الأمراض العقلية وبين المفكر و الكاتب والإنسان الملتزم سياسيا.
الهوامش
(file:///E:/data/doc/18/Article16.html#_ftnref1#_ftnref1) محللة نفسانية
لحسن عيساني
24-12-2008, 03:54 PM
NAQD n°19-20 (javascript:top.openResultPage('(Number:%7b19-20%7b)%20AND%20(ArticleLevel:principal)','Sommaire ',0);), automne-hiver 2004, pages 5-9 (arabe).
محمد حشماوي
السياسة في الجزائر والمغرب وفي بلدان الجنوب
أنظمة الحكم وعلاقات السلطة في المجتمع
ترجمة : لحسن عيساني
(javascript:openWindow('Note15.html','Fiche',%2030 0,%20300))
من خلال تعارضها الحدّي، تتحدى العلاقات بين "الدولة" و"المجتمع" في الجزائر والمغرب وفي كثير من بلدان الجنوب النماذج التي خصصت لها في أفضل تصنيفاتها.
وشبكات التأويل التي تقترحها النظريات - المهيمنة - لـ "الحداثة" و"التبعية" قد فشلت في الواقع غالبا في إدراك فكرة ظواهر متنوعة كالزبائنية والإسلاموية الراديكالية والمشترك (الشعور الأولي) اللاشكلي أو العنف بغير الثنائيات من قبيل تقليدا/عصرنة، دولة/لا دولة، مجتمع/طائفة، المركز/المحيط. ففي التشكيلات حيث مجالات النشاط الاجتماعي لا تختلف إلا قليلا لم يفعل الاستدلال الثنائي الذي هو الأصل في هذه القراءات في النهاية سوى إفساد فهم ظواهر اجتماعية ذات الهجانة الحادة.
لذا يجب الانطلاق من هذا التهجين الاجتماعي بدل أن نطرح كمصادرة ضمنية المفاضلة الاجتماعية التي هي في صلب النظرية الاجتماعية والسياسية المعاصرة.
وهذا يعني إلحاح تفكيك يعني التخلي عن اللغتين الجدليتين ألا وهما: تلك التي تعمل بتبديل النماذج النظرية المعدة لدراسة "المجتمعات الحديثة" وتلك التي تسلم بـ "الخصوصية الثقافية" التي لا يستهان بها لـ "المجتمع المسلم".
وقد بنى النهج الأول تحليلاته لعملية تكوين الرأسمالية أو العصرنة بفئات مفهومية ("صراع الطبقات"، "الأطوار الفاضلة" للتحرير الاقتصادي الذي يؤدي إلى الديمقراطية، "المجتمع المدني" الخ) التي هي في النهاية لا تصلح لإدراك العقليات الطائفية والنهبية والزبائنية التي تعمل عملها في ظل الدولة الوطنية والتصنيع والتحديث والانتقال الديمقراطي.
أما الثاني فباشر نماذج تحليله الذاتي بمنظور لا تاريخي يسلم بديمومة ثقافية للجهاد وللمجزأ وللطائفي...الخ، في المجتمعات التي تشغلنا ديمومة تجعل هذه المجتمعات غير قابلة في النهاية "بطعم" العصرنة والديمقراطية والليبرالية.
ورغم بعض المبادرات الطيبة هنا وهناك فإن تحليل السياسي في مجتمعات المغرب لم يحد عن هذه المناهج في التفكير. وانطلاقا من هذا الواقع يريد هذا العدد من "نقد بأن يساهم ولو بالقليل في تجديد تحليل السياسي في البلدان العربية وفي بلدان أخرى من الجنوب بتناوله من زوايا نظر أخرى غير تلك التي خصصت له عادة : في تعارضه وهجانته البنيوية. وفي قطيعة مع المقاربة المؤسساتية التي تمدي فئات التحليل بإفراط ("مؤسسات الدولة"، "المجتمع المدني، "الطبقات الاجتماعية "، الانتقال"...الخ).
وعليه فنحن نود أن نبدأ بتفكيك هذه المفاهيم الفضفاضة لفهم تداخل البنى وتشابك المستويات والاستراتيجيات والمسارات و الوقائع الاجتماعية.
وفق هذا المنظور يود هذا التحليل أن يترسخ ضمن مصفوفة عرض العلاقة السياسية في السياقات المحلية والوطني والجهوي للسنوات العشر الأخيرة.
ومن خلاله سنتولى تحليل منطق الوصول إلى أماكن السلطة ؟ من أعلى إلى أسفل "التراتبية المؤسساتية"؟ والاستراتيجيات والتكنولوجيات السياسية المجندة لهذا الغرض من طرف أجهزة السلطة المركزية والفاعلين الآخرين للفضاء الاجتماعي.
ويجب أن نتفق أن قراءة السياسي وفق هذا المنظور تساوي دراسة السلطة على خطى ميشال فوكو لا كـ"مكان وحيد للسيادة تشع منه أشكال مشتقة ونازلة"، وإنما بالأحرى باعتباره "القاعدة المتحركة لعلاقات القوة التي تولد دون توقف، بتباينها، حالات قوة [...] دائما محلية غير مستقرة".
نأمل بهذا أن نبين كيف تندمج اللعبة السياسية في اللعبة الاجتماعية وكيف أن الدولة والمجتمع منتظمان بنيويا من خلال الزبائن والأجهزة والجماعات... الخ متداخلة.
ولنتمكن من ذلك سنعتمد على محورين أساسيين للتحليل:
- تفكير نظري عن الدولة والأنظمة السياسية.
- سوسيولوجيا (أنثروبولوجيا) للعلاقة السياسية.
في المحور الأول، نود أن ندرك "تاريخية الدولة" بمنظور يجتهد أن يوضح العقليات الثقيلة لتأسيسها (منذ الاستقلال بالنسبة لبلدان المغرب). وفي هذا الصدد نأمل أن نتناول جوانب المسألة (دائما بالنسبة لبلدان: المغرب) مع استعراض الأطروحات المناقشة:
خارجانية الدولة، استيراد الدولة، انتظام الدولة في المجتمع.
بعد ذلك، نود أن نباشر بالتحليل البوليتولوجي للأنظمة السياسية للبلدان العربية وبصفة أعم بلدان الجنوب منذ انتهاء عقد الثمانينات. والهدف المنوط بهذا الجزء كان إعادة دراسة تطبيق "التحرير التسلطي" الذي باشرته الأنظمة التي تشغلنا: تحليل كيف سمح التحرير السياسي في الأخير بتثبيت الأنظمة الاستبدادية وكيف تجد هذه الأخيرة فوائد (موارد الاستمرار) من وراء "الدمقرطة" أكثر منها في ظل الصيغ السياسية شديدة القمع، وكيف يتم فصل "نزع الطابع الليبرالي" مع التحرير الاقتصادي.
وفي المحور الثاني نود أن نعكف على سجلات عرض العلاقة السياسية : الزبائنية السياسية، قبلنة النظام السياسي، الإثنية، السياسات الدينية، الخ.
ويسمح العديد من المحللين بإدراك هذه الأشكال. ويمكن أن نحتفظ هنا بـ:
اللعبة الانتخابية، التمثيل السياسي، الحماية والاقتصاد السياسي.
ويسمح المحلل الأول مراجعة السلاسل الانتخابية عن طريق مفهوم اللعبة الانتخابية. ونعني باللعبة الانتخابية هذه الصفقة التي تتم في اللعبة السياسية في كل شكل انتخابي، بين الوكلاء والجماعات الاجتماعية، والأجهزة الانتخابية، المترشحين، الوسطاء والسماسرة، والهيئات (شكلية وغير شكلية) للسلطة المحلية حول العرض الانتخابي.
سنفترض أن الأجهزة الحزبية المهتمة باللعبة الانتخابية والراغبة في الفوز بأصوات أو إنشاء قواعد زبائنية، تأخذ بعين الاعتبار بالضرورة، في اختيار مرشحها، أولويات من نوع خاص للشكل الانتخابي المنشود.
وفق هذا المنظور، فإن عملية إعداد قوائم المرشحين يمكن أن ينظر إليها باعتبارها علاقة قوة بين أفراد، أو جماعات وفاعلين في اللعبة الانتخابية مهتمين بالعرض الانتخابي (الموارد التي يتيح التمثيل الوصول إليها، شراء الأصوات، المفاصلة التي يتيحها إعداد قوائم المرشحين، الخ).
وفي هذه الصفقة تطرح بداية ثم تتشابك بعد ذلك ثم تتحد في النهاية علاقات القوة بين الجماعات الاجتماعية وشبكات الزبائن وعقليات التوحيد وموارد الأشخاص، استراتيجيات التعبئة الانتخابية وأخيرا وليس آخرا التبادل الاجتماعي للمزايا.
وسيسمح هذا المنظور بإلقاء الضوء على التصوير غير الشكلي للسياسي: علاقات الزبائنية، الاتجار بالانتخاب، الحماية وشخصنة العلاقة السياسية.
ويسمح أيضا بإبراز عقليات التوحيد والتضامنات التي يثيرها فاعلو اللعبة الاجتماعية في وضعية انتخابية : المحلية، الجهوية، الطائفية، القبلية، الإثنية، الاتجار، المن، المواطنة، الخ.
ويسمح كذلك بفهم مستويات تمفصل عقد التشابك ين الدولة والنظام السياسي وفاعلي المجتمع: العروض الانتخابية وأخذ الكائنات الاجتماعيين لها. ويسمح في الأخير بتحديد - خاصة بالنسبة للحالة الجزائرية - الحدود "نزع التحرير السياسي" بأن يبين دوافع الهزيمة الانتخابية.
وتسمح سوسيولوجيا التمثيل السياسي على غرار سوسيولوجيا النخب بتوضيح الاستراتيجيات المجندة من قبل الوكلاء الاجتماعيين لدخول أماكن السلطة والتشكيلات التي تتم في صميم الأنظمة. نأمل في هذا الإطار أن نتوقف عند الدخول السياسي للمقاولين الاقتصاديين" المغربيين، وحتى عند علاقات الزبائنية، والحماية (أو الأبوية) التي يقيمها "رجال الأعمال" مع الحكومات في البلدان العربية في ظل" نزع التحرير الاقتصادي".
وعلى صعيد المنهج، يود هذا العدد من نقد أن يستفيد من التطور الاستكشافي لعلم الاجتماع الشامل. وعكس المقاربات الجبرية والنفعية التي تحبس الكائن في بنيات أو استراتيجيات جامدة جميعها، فإن التفكير السوسيولوجي حول السياسي الذي نأمل بدأه هنا يريد أن يعمل على فهم تعدد المعاني التي تحملها الكائنات والوقائع الاجتماعية.
والمسعى الشامل، باستغنائه عن النموذج الاستراتيجي - للفاعل العقلاني وكذا عن المذهب الاجتماعي الموضوعاتي - الذي يدعي تجاوز ذاتية الكائن الاجتماعي -، يتطلع إلى تقليص "الضغط التحليلي" بين البنية والفعل.
في هذا الإطار الإبستيمولوجي، لنقل أنه ليست هناك حقيقة (أولى) لكن فقط تجربة حسية وتأويلات مسيّقة وهذا ما يفسر الشرط الأولي الإبستيمولوجي للأهمية المعطاة للسلوكات والأقوال وإرادة القول للكائنات الاجتماعية.
القضية مفهومة : يجتهد إطار معقولية التناقضات الذي يريد هذا التفكير عن السياسي أن يندرج فيه أن يتجاوز تناقضات بين "التحديدات البنيوية" و"أنساق الذاتية"، عقلانية ولا عقلانية.
وللإحاطة بهذين الخطين، أحدهما جبري والآخر جوهري ،يهدف التحليل إلى فهم عقليات فعل الكائنات الاجتماعية وفق ثلاثة مستويات : السياق، الوضع والموقف. وعليه سيتم التركيز على المسارات الاجتماعية، ومسارات التراكم، وبنية الفرص، مخزون الموارد، الكفاءات وسجلات النشاط.
لحسن عيساني
24-12-2008, 03:56 PM
NAQD n°17 (javascript:top.openResultPage('(Number:%7b17%7b)% 20AND%20(ArticleLevel:principal)','Sommaire',0);)، printemps-eté 2003، pages 5-8 (arabe).
دحو جربال - نظيرة اﻠﻌقون عقلوش
جمالية الأزمة في الجزائر
ترجمة: لحسن عيساني
(javascript:openWindow('Note15.html','Fiche',%2030 0,%20300))
تبدو الممارسة الفنية في جزائر التسعينات، مشوبة باضطرابات غاية في الخطورة تطرأ على حياة الأفراد والجماعات، فبالنظر إلى الأزمة التي تعصف بالبلاد يبدو لنا انه من الضروري مباشرة تحليل استعادي ونقدي لتحولات الحقل الجمالي.
وإذا ابتعدنا في الزمن واغتنمنا فرصة هدوء نسبي فربما كان مفيدا اليوم أن نسائل الإنتاج الجمالي وكذا القيم التي ينتجها في قلب العاصفة.
وبمقدار ما نتساءل عن آثار الأزمة في ميادين الثقافة، والاقتصاد والمجتمع وفي لاوعي الأفراد والجماعات، فبإمكاننا أيضا أن نتساءل عما حدث حقيقة في الميدان الجمالي.
ألم يحن الوقت اليوم لمعرفة ما حدث في حقل التمثيل والتعبير؟ في أي حدود تم ذلك وعلى أي شكل؟ ونحن هنا أمام الكثير من الأسئلة التي تطرح نفسها لدى رؤية بعض التظاهرات الفنية أو تظاهرات أخرى تعتبر نفسها كذلك.
ومن عدة جوانب، وإذا ما صدقنا بعض النقاد الفنيين فسيكون من حقنا أن نتساءل إن كان قد حدث فعلا شيء في هذا الميدان وان كانت الأزمة و امتداداتها القصوى لم تصعق، بشكل أو بآخر دائرة الإنتاج الجمالي كما فعلت بمجالات أخرى.
ولا شك أن المقاربة ليست سهلة، فالفن من وجهة نظر معينة يعبر عن علاقتنا بالعالم وعن طريقتنا في امتلاكه و منه إدراك ما هو واقعي جماليا.
وتترجم هذه العلاقة التي نقيمها مع العالم بواسطة الأشكال، والرموز والخطابات والصور التي يندرج فيها تطور سلوكاتنا، ومشاعرنا وأحاسيسنا وحتى هلعنا .
ويمتد تأثير هذه التمثيلات الجمالية التي نحملها حتى عمق هذا الخليط من اللاعقلانية التي تغذي الإيداع الفني.
وتحمل الصور التي ننتجها مآسينا أو أفراحنا، قلقنا أو إشباعنا العاطفي وهي تملك هذه القدرة الحقيقية والفعلية أن تمارس، بدورها عن طريق تحويل ربما أو تعويض فعلا على الواقع: تصعيد، تأليه، تقديس، تنجيم، تسطيح واختفاء الشيء.أين نحن في ميدان الفن ؟
وهذه المسألة تحديدا والخاصة بالأثر المشترك للواقع ولصورته التي تؤثر في عالم الجمال هي التي نريد أن نتطرق لها في هذا العدد.
وإذا كان الإنتاج المعتبر للصور والتمثيلات المؤمثلة أو المشوهة أو المصعدة التي تملأ الحقل الفني لم يكن سوى محاولة لخلق هوية مستقلة نسبيا عن الواقع، في نوع من الهروب أو اليأس، فكيف سيكون يا ترى اثر هذه الأزمة في هذا البناء؟ وماذا ستكون آثار هذه الصدمات المتعاقبة التي يتعرض لها المجتمع في ''النماذج الوجودية التي تنشأ ؟
ولا تنحصر الأزمة في مجرد أن يمر في اللاوعي القلق والصدمة اللذان يحدثهما الوجود الكلي للموت إنما هي أيضا في إعادة بناء تشخيصات نرجسية جديدة، نوع من الرغبة في التقييد اللفظي وإعادة الإنشاء والتطبيع مهما كلف الأمر للحركة الاستيهامية كما يقول علماء النفس وهي أخيرا في التكيف مع الظرف مع كل ما يحمله من أمور عشوائية، أو وقائعية أو طارئة لكننا هنا ندخل في بعد آخر من الجمالية أو ما يقدم نفسه على انه كذلك.
وإذا كان الفن ينتمي إلى هذا الشكل من الوعي الاجتماعي حيث تلتقي قيم عاطفية، ومثل أمزجة وأحلام أو حتى كوابيس تغذي علاقة الكائن بالعالم، أليس كذلك خاضعا للتحولات الايجابية التي يعرفها الواقع؟ عن طريق وقوفه في ملتقى الإكراهات الرسمية والإغراءات التجارية، باللجوء إلى وصفات خيال مدجن تماما بالامتثال[1] (file:///E:/data/doc/17/Article15.html#_ftn1#_ftn1)الاجتماعي.
ألا يخفي تعبيرنا الفني الحاضر؟ ألا يعمل متعمدا خارج الزمن المعيش الذي نحن أبعد من أن نكون قد استنفدنا ثروته الانفعالية أو شحنته الدرامية ؟
وفي الوقت الذي يقدم نفسه باعتباره ضامنا لـ ''الهوية'' يعود الحضور الكلي للتمثيل أو لعناصر تدرك آنيا في الحقيقة إلى نظرة شائعة جدا عن المعرفة الجمالية، فهي في الجزائر تقدم على أنها نوع من المعرفة يبثها فن أكثر مباشرة وأقل فكرا.
ويبدو انه قد حصل مقابل هذا على مكانة الفن الجزائري الخالص المميز لا بمجتمعه الخاص فقط إنما أيضا بهذا '' التغريب الكوني'' الذي يحصر الجنوب في الدور العقيم، لإنتاج معطيات خام، وصور بدرجة الأولى.
وأبعد ما نكون عن فكرة الحكم على أوروبا (الغرب) في نوع من اللازمة المتكررة التي تبقينا في وضع الضحية الأبدية.
وأبعد ما نكون عن الحكم على أوربا (الغرب) في صورة لازمة متكررة تجعلنا نبقى في وضع الضحية الأبدية نحن هنا أمام خطاب يحجب مشكلاتنا الخاصة ويعرضنا لأن نكون مجرد هدف لنظرة إثنوغرافية متعجرفة،وهو نوع من عقدة التبعية التي توجد أيضا في الفن.
ومع ذلك فالحقيقة أن هذه النظرة الإثنوغوافية التي تبعد الأشياء عن وظائفها الاجتماعية وتحصر الأفراد فيها، قد تبناها كثير من الفنانين واستبطنوها من قبل الكثير من الفنانين.
ويخلط البعض منهم بين الفلكلور والأصالة فيضمنون بذلك، في أن واحد، اعتراف تيار محافظ رجعي وكذا بعض النقاد الغربيين.
أن اقتصار الفن على صور مسطحة، مفرغة من محتواها الروحي يكشف هذا الموقف الـ ''ثقافي'' جدا الذي يتناول الظاهرة الفنية كترفيه معاكس للعلم والفلسفة.
وتثير الأعمال النادرة التي تبعث على التساؤل أو التي تحمل مفاهيم ديناميكية، عن طريق تفردها ومقاربتها المتشددة اللافهم وحتى الشك.
وإذا لم يكن العمل الفني يتطابق مع التناسق البصري المعتاد أو يستعير رموزا يمكن فكها نسبيا، فإنه سيعتبر غالبا ''عناء ضائعا'' وخربشات تستعصي على الفهم.
وعلى الطرف النقيض يحدث غالبا أن تقتصر بعض الأعمال التي تعتبر رائدة على تشويه الرموز الكلاسيكية الأجنبية لتقترحها كأدلة على حداثة غير واضحة.
عندئذ تنمو ثقافة الحدث والاحتفال مما يجعل ما هو مقترح للمشاهدة هو المتحف أو المعرض أكثر منه العمل والمهرجان أكثر منه المسرحية أو الحفل كل شيء يتم وكأنه ليست هناك قواعد أو مقاييس للحكم في وقاحة واستخفاف تامين فالفنانون أنفسهم وهم أفضل من يعبر عن الخيال الجماعي يدعون الشك والغموض يخيمان على نزاهة دوافعهم والقيم الجمالية التي ينتجونها.
وقد يكون الخوف من الأصالة والتفرد سبب ذلك، ولكن الضعف الغريب للشحنة الانفعالية والروحية في الأعمال الفنية، بينما البلاد غارقة في الأزمة هو أيضا وراء هذه المواقف.
ويبدو أن الهندسة قد تخلت عن وضعها كشكل فنيً تكديس من غير نظام، ولا تناسق ولا تهذيب يثير شعورا بالفزع (...) ولا ندري أي النماذج هي السائدة، ربما كانت نماذج موضة لا شكل لها تنتقل من مثال إلى آخر ''[2] (file:///E:/data/doc/17/Article15.html#_ftn2#_ftn2).
فالنحت خاضع للطلب العام وحصرت الصورة ضمن عتاد الإعلام.وصار المسرح بلا أي أسلوب خاص ولا أي صلة مع الحياة ولا مع الفن، وهو ما يعطي الانطباع بأن هذا النوع من النشاط يمكن أن يقوم به أي شخص المهم أن يحسن الكلام والصراخ والرقص وأن يقوم أحيانا بدور المهرج فوق الخشبة.
وتجعلنا أشكال التعبير هاته التي أقل ما يقال عنها أنها غريبة نتساءل ترى هل المجتمع عن طريق الفنانين أو بواسطتهم، خائف من مواجهة جمالية مع تاريخه الخاص؟
ترى هل يخشى قوة انفعالاته وقناعاته وشكوكه والعمق الأكيد لمشاعره الجمالية؟ وأخيرا هل تنقصه الجرأة على أن يكون ذاته؟
''إن اليد التي تنشر النظام في هذا الكون المنظم أساسا كما في حرب بلا هوادة مع اضطراب ممكن و تفش للفوضى التي تتربص انطلاقا من العالم، هذه اليد هي يد الروح النمطية للدوّار التي لا تعترف بالزمن.
(...) هنا نستطيع التحقق من الحاجة إلى المسرح كتسلية ولكن هذا المسرح نشأ من الحياة نفسها وليس منفصلا عنها ولا حتى عن طريق مهنة ممثل : كل واحد هو ممثل مسرحه المجازي كل واحد هو مجاز حي ولا أحد يستطيع أن يفر من هذا القدر.
ولكن إضافة إلى هذه الحاجة إلى مسرح حي، أو بالضبط وبصورة مأساوية جدا لا محالة إلى هذه الضرورة نفسها لإظهار الحياة دون لعب كمسرح وأن ندخل في روح الدوّار المشؤومة بعض التمثيل على الأقل للحياة أو الحياة ذاتها
Radomir Kostantinovic،La philosophie de bourg
الهوامش
[1] (file:///E:/data/doc/17/Article15.html#_ftnref1#_ftnref1) Mostefa Lacheraf. Littératures de combat، .Ed. Bouchéne Alger 1991
[2] (file:///E:/data/doc/17/Article15.html#_ftnref2#_ftnref2) j.j.Deluz محاضرة في المدرسة متعددة التقنيات للهندسة المعمارية و العمران- الجزائر
لحسن عيساني
24-12-2008, 03:59 PM
NAQD n°19-20 (javascript:top.openResultPage('(Number:%7b19-20%7b)%20AND%20(ArticleLevel:principal)','Sommaire ',0);), automne-hiver 2004, pages 89-121 (arabe).
عبد السلام المغراوي
(file:///E:/data/doc/19-20/Article17.html#_ftn1#_ftn1)
دمَقرطة الفسادِ في المغرب : إصلاحات سياسية في ثقافة سلطة ثابتِة
ترجمة :لحسن عيساني
(javascript:openWindow('Note17.html','Fiche',%2030 0,%20300))
المقدمة:
قضايا نظرية
أشار اختصاصيو التغييرِ الديمقراطيِ، خلال العقد الماضي، إلى تعدد الأنظمة "شبه الديمقراطية" أو "شبه نصف الاستبدادية" ومَيّزوا الحدود النّظرية لب النموذج الانتقالي التوضيح طبيعة هذه الأنظمةِ السّياسيةِ الهجينةِ (1). غير أن هذه الأدبيات لا تزال حبيسة البناء النظريِ المطلق الذي تحاول أن تتجاوزه.
وبينما يشير نقاد النموذج الانتقالي بشكل صحيح إِلى الحقيقةِ التّجريبيةِ للسياسةِ الاستبدادية المستمرة داخل مؤسساتِ ديمقراطيةِ فإنهم يرون الظّاهرةَ على أنها تحول أكثر امتدادا إلى نظام أكثر استقرارا وتعددية و ديمقراطية.ومن هنا، يبدو أن الطّرق المؤدية إِلى الأنظمةِ الهجينةِ تَتبع المنطق نفسه، والديناميكية نفسها، وسلسلة المعاهدات المؤدية إِلى انهيار الأنظمةِ الاستبدادية في النموذج الانتقالي.
وبالمثل، تَعتمدُ إمكانية التّحولِ الدّيمقراطيِ على قوة الإصلاحيين المؤيدين للديمقراطية على الَفوز بمجموعة من الاستحقاقات في المجال الانتخابي والتّشريعيِ والقضائيِ، والحقوق المدنيةِ.
وإجمالا ما يزال نقاد النموذج الانتقالي متشبثين بالقضاياِ المفهومية للمعاهدات، والعمليات التدريجية، وبناء مؤسسات ديمقراطية، حتى وإن كانوا أقل تأكدا بشأن النّتيجةِ الدّيمقراطيةِ وأكثرِ اهتماما بالعواملِ التّاريخيةِ والثّقافيةِ في تحولِ النّظامِ.
وما ينقص كلا التّحليلين هو مفهمة ملائمة لقضايا القوة السّياسية والسلطةِ في سياقاتِ تّاريخيةِ وثّقافيةِ مختلفةِ.وكلا النموذجين أي "الانتقال الدّيمقراطي" و"تحول النظام"ا يَفترضُ تفاهمَا مُشَترَكَا بين المواطنين والفاعلين السّياسيين على طبيعةِ النظام السّياسي وأسسِ السلطةِ الشّرعيةِ.ويعتبر المثالان، في العالمين العربيِ والإسلامي حيث ما تزال هذه القضاياِ لم تسوٌ بعد، غير ملائمين لتوضيح منطق ودينامكية الإصلاحاتِ أو غيابها.
ومن أجل فهم منطق وديناميكية الانتقال الدّيمقراطيِ أو تحول النّظامِ في سياقِ العالمِ العربيِ، لابد أَنْ نحلّلَ مسار الإصلاحات الإجرائيةِ والمؤسساتيةِ في ضوءِ علاقات السلطة المهيمنةِ.
في حالةِ المغرب الأقصى، تبين هذه الورقةِ أن مشكلة "هجانة" النّظامِ أو الإصلاحات الديمقراطية بدون دمقرطة مرتبطة بثقافة خاصة للقوةِ والسلطة، ومرتبطة هامشيا فقط بالمسارات العالميةِ والإستراتيجياتِ المحددة في أدبِيات الدّمقرطةِ.
سأَدرس ميادين متعدّدة للإصلاحاتِ الدّيمقراطيةِ لأبين أن النّظام السّياسي المغربي استندَ لعقودِ على "نظام تعددي لا ديمقراطي" يَسْمح باختيار تدريجي وأوسع للنَخبِ بدون أن يصبِح ديمقراطيا .لكني سأهتم بشكل خاص بالعمليةِ الانتخابية لأنها تعتبر أهم ميدان للسجال الديمقراطيِ في أدبِيات الدّمقرطةِ.
الانتخابات والدّيمقراطية
يثير غياب التّقدمِ الدّيمقراطيِ في العالمِ العربيِ، حيث أَصبحت الانتخابات شبه-التعدديةِ في العديد من البلدانِ جزءا لا يتجزأ من عمليةِ الشرعنة، سؤالا ملحا ألا وهو : هل يمكن للانتخابات في الأنظمةِ غيرِ الدّيمقراطيةِ أن تفتحِ بشكل تدريجي فضاء ديمقراطيِا أو أن تساهم في تعزيز الأنظمة الاستبدادية ؟
والحقيقة أن لعبة الانتخابات في حفنةِ من الدّولِ العربيةِ، حيث الأحزابِ السياسيةِ قانونيةُ، وتشيع اتفاقات النخبِ، و ينمو دور البرلماناتِ، قد أثارت الحماس حول احتمالاتِ الدّمقرطةِ.
ولا يزال بقاء الحكم الاستبدادي في البلدان نفسها يثير الشكوكِ حول السياسةِ الانتخابية باعتبارها طريقا محتملا إِلى التّغييرِ الدّيمقراطيِ في المنطقة.
ويُحلّلُ هذا الجزء كيف تُعزّزُ الانتخابات في المغرب علاقات سلطة غير ديمقراطيةَ في نفس الوقت الذي تَفْتح فيه فضاءَ شبه ديمقراطي للتعددية الديمقراطية واتفاقات النُخَبِ، والسياسة التّشريعية.
ويثير التناقض المغربي أسئلة تتجاوز الانتقادات المكررة المألوفة ضد الانتخابات الإجرائيِة ويَدْعو إلى إعادة التفكير في الإصلاحات الديمقراطيةَ في علاقتها مع الثقافة المهيمنة للقوةِ والسلطةِ.
وبينما تَختلف أدبيات الانتقال الدّيمقراطيِ على وتيرة ونطاق وتسلسل الإصلاحاتِ السّياسيةِ أو الاقتصادية التي تقودِ إِلى الدّيمقراطيةِ، هنالك تأكيد قوي على الانتخابات باعتبارها عنصرا رئيسيا في عمليةِ الدّمقرطةِ .إن تفضيل الانتخابات بوصفها الطّريقِ المرغوبِ أكثر والأكثر احتمالا إِلى الدّيمقراطيةِ يستند على أربع حججِ أساسيةِ وهي :
أولا : أن الانتخابات العادلة والحرّة توفر الآلية المؤسساتية الأكثر توقّعا وشفافية للتنافسِ بين الزّعماءِ على الأصواتِ للوصول إلى بعض القراراتِ السّياسيةِ.
ثانيا:لأبعاد الأخرى للدّيمقراطيةِ على غرار التفويض السياسي والعدالة النزيهة، أو المساواة الاجتماعية وان كانت وثيقة الصلة بالموضوع، فهي تعتمدُ على سياقات أخلاقيةِ أو ثّقافيةِ لا يُمكنُ أَنْ تُقَيّمَ بشكل تجريبي.
ثانيا : أن التداول على السلطة يحتمل أكثر أن يقَبل من اللاعبين السّياسيين الرّئيسيين ودوائرهم الانتخابية إذا ما تم من خلال انتخابات عادلةِ وشفّافة.
إن احتمالات الانتقال الدّيمقراطيِ السلمي وتّعزيزه تَعتمد في الحقيقة على ضمان أنه يمكن للفائزين اليوم أن يغادروا الحكم من خلال الآليةِ نفسها التي أتت بهم.
ثالثا : أن الانتخابات تُعمّقُ وتُمأسس المسؤولية الديمقراطية .وسواء أكانت محلية أو وطنية، فإن الانتخابات تَشجع المسؤوليةَ الديمقراطيةَ بتَوسيعِ المشاركة والتمثيلِ السياسيين ووضعِ السيادةِ الشعبيةِ في صميمِ الشّرعيةِ السّياسيةِ.
وأخيرا، فإن الانتخابات تستدعي قبول التعددية السياسيِة والتنوع الأيديولوجي باعتبارهما مبدءا سياسيِا أساسيِا.
إنه لمن الصعب حقاً أَنْ نَتخيّل كيف يمكن للنُخَب أَنْ تُشكّل مواثيق وللأحزاب السياسية أن تَتفاوضَ على ائتلافات حكوميةَ في غيابِ حساباتِ انتخابية.
وكون أنّه لم تكن هناك دمقرطة ناجحة في القرنِ العشرين الماضي دون انتخابات قَدْ مَنع المحلّلين من إعادة دراسة هذه المجادلاتِ الأساسيةِ بطريِقة معتبرة.
ومن ناحية ثانية، يَتطلّبُ تصوير أدقّ لمكانة الانتخابات في أدبِيات الدّمقرطةِ تحفظين مهمين .أولهما أنهّ حتى التصورات المعتدلة للدّيمقراطيةِ، ألا وهي تلك التي تكاد تركز بشكل خاص على الإجراءاتِ، لا تَساوي تماماً بين الانتخابات بالدّيمقراطيةِ.
ويَعترفُ المنظرون المعتدلون مثل روبرت داهل، جوزيف شومبيتر، وآدم برزيورسكي أو يَفترضُون أن مجموعة من الحرياتِ أساسية للانتخابات حتى تَكونَ ذات مغزى سياسيا.
وعلاوة على ذلك، يؤكّد محلّلو ديمقراطيةِ آخرين مثل فيليبي شميتير، تيري كارل، وماس لاري المدركون لـ "المغالطة الانتخابية" على بعض الشروطَ الواقعيةَ التي سَتَكُونُ الديمقراطيةَ الانتخابية دونها مستحيلة.
ومع هذا، ففي كل من التعريف المعتدل للدّيمقراطيةِ و"التصور الواقعي" للدّيمقراطيةِ تَبْقى الانتخابات مركزيةَ. ولربما كان صموئيل هانتينغتون مميزا في معسكر المعتدلين، إذ أنه يعتبر غياب المنافسةِ الانتخابية الميزةِ العامةِ الوحيدةِ التي تُمَيِّز الأنظمةِ غيرِ الدّيمقراطيةِ ويُؤكد بأنّ "الانتخابات المَفْتوحة والحرةّ والنزيهة هي جوهر الدّيمقراطيةِ، وشرطها المحتوم".(3)
وفي المعسكرِ الواقعيِ، غالباً ما يعني التأكيد على "الظروف المُحيطة" للدّيمقراطيةِ ببساطة ضمان البيئةَ الملائمةَ للمنافسة الحرّةِ والمشاركِة الحرةِّ في العمليةِ الانتخابية.
العملية الانتخابية في المغرب
تتمثل الميزة الرئيسية للانتخابات المغربية في كونها لم تستهدف قط تغيير الأمور من الأسفل أو تحويل علاقات السلطة والهيمنة فمنذ الستينات أجرى المغرب عشر انتخابات محلية وتشريعية بانتظام يمكن اعتبارها مفتوحة وتنافسية نسبيا.
غير أن هذه الانتخابات كان ينظر لها على أنها آلية للسيطرة على النخب وتجديدها من خلال عملية إدارية لإعادة الهيكلة والمكافأة والإقصاء واختيار الزميل (4).
وقد تطلب الأمر عشريتين من الزمن واستراتيجية مزيجا من الفساد والقهر وجميع أنواع الحيل السياسية والقانونية والإدارية لوضع آلية ينتقي من خلالها الحكم الملكي حلفاءه السياسيين وكذا معارضيه الشرعيين .فعلى سبيل المثال، يتيح غياب قانون انتخاب واحد للإدارة إمكانية إدماج مرشحين أو إقصاؤهم والتلاعب بالعملية الانتخابية كما تشاء.
وتتضمن الوثائق المتعددة التي تراكمت منذ عام 1958 عشرات المراسيم والظهائر والمراسيم القانونية والقوانين الإدارية والمناشير الوزارية التي تعدًل وتستند إلى بعضها بعضا وتجعل من شبه المستحيل تحديد أفعال التزوير أو إصلاح أكثرها وضوحا(5).
ولم تفلح المحاولات الأخيرة لإعداد قانون انتخابات ووضع التزامات بالسير الحسن وإصلاحات قانونية لقمع الفساد وشراء أصوات الناخبين في تغيير طبيعة العملية الانتخابية في المغرب.
كما استعملت أدوات أخرى للسيطرة على الانتخابات مع الحفاظ على التعددية الحزبية والمنافسة المفتوحة.
ثانيا:نتشار أحزاب سياسية صنعتها الإدارة وتكفلت بها، ولأن الأحزاب مسيًرة من رجال مقربين من الملك فقد كانت تميل إلى السيطرة على المنافسات الانتخابية خلال السنوات الخمسة والثلاثين الأخيرة.
ثانيا : تفكيك القطاعات الانتخابية لتفجير المناطق الحضرية الأكثر استقلالية.
رابعا: يسمح تنظيم الانتخابات في مجلس الشورى بعد انتخاب مجلس النواب للإدارة بتصحيح الاختلالات السياسية غير المتوقعة بتدارك جزاءات أو عقوبات غير مستحقة في مجلس النواب.
رابعا : يسمح نظام غير رسمي للحصص بالسيطرة على الأحزاب و بزرع الأمل في الجميع في الوقت نفسه بأنه سيأتي يوم ترتفع فيه حصتهم بما يكفي لتشكيل حكومة .وفي الأخير، هناك المشكلة الممتدة لبيع الأصوات وشرائها.
ومع أن السيطرة على العملية الانتخابية قد قيدت النخبة السياسية، فإن هذه السيطرة قد أضعفت تسيير التعبئة السياسية من الأسفل.
ولا يحمل المواطنون هذه الانتخابات على محمل الجد لأنهم يعلمون أن اللعبة الانتخابية مزورة كما يعبر عنه صراحة في المغرب.
كما تعكس نسب المشاركة المتردية والنسبة المرتفعة للأصوات الملغاة أو غير المقبولة في تشريعيات عام 1993(6) والتشريعيات الجزئية لعام 2000(7) خيبة الجمهور إزاء العملية الانتخابية.
إن اليأس السياسي للجماهير ليس المظهر السلبي الوحيد للتلاعب الانتخابي، فقد نسفت العملية شرعية المؤسسات السياسية الرسمية للبلاد عموما (لصالح الجماعات الإسلامية التي لا يفتأ تأثيرها السياسي يتزايد).
وحسب عمليات سبر آراء حديثة، فإن الشباب الحضري نافر تماما من النظام السياسي ويعتبره غير ملائم للتعبير عن مطالبه وتمثيلها(8). ومثل الاستيلاء على الأراضي الكولونيالية بعد الاستقلال الذي جاء ليطارد النظام بعد ثلاثين سنة فقد خلق التلاعب بالعملية الانتخابية فراغا سياسيا قد يفيد الجماعات الإسلامية وهي أكثر المنافسين للملكية فاعلية على الصعيد الإيديولوجي.
وقد أظهرت أكبر جماعتين إسلاميتين ألا وهما حزب العدالة والتنمية الرسمي وحزب العدل والإحسان غير الرسمي قدرة فائقة على تعبئة الجماهير أكثر من أي حزب أخر في المغرب.(9)
وربما استطاعت اعتداءات الدار البيضاء التي وقعت في السادس عشر من شهر ماي عام 2003 أن تغير هذه المعادلة إذا ما دخل حزب العدالة والتنمية اللعبة السياسية للقصر.
لكن لحد الساعة، تظل المشاعر الشعبية موالية للإسلاميين وللقلاع التقليدية لأحزاب اليسار القومي (الثانويات، الجامعات، المراكز الثقافية، جماعات الأحياء وحتى النقابات) وهي في يد الإسلاميين .وقد باءت بالفشل جهود النظام في الثمانينيات وبداية التسعينيات لإنعاش الأحزاب السياسية التي انبثقت عن الحركة القومية.
ولم يرافق هذه الدعوة أي إصلاح دستوري وسياسي ولم تكن جهود التحرير المحتشمة في جميع الميادين كافية لإصلاح الكوارث التي حدثت في غضون السنوات الخمسة والثلاثين الماضية. إن الأداء المخيب للحكومة الاشتراكية للوزير الأول عبد الرحمن يوسفي التي جاءت إلى السلطة في شهر مارس من عام 1998 ومجرد كون هذه الحكومة البديلة قد عينت بقرار ملكي لهو أمر يذكي الشكوك حول المؤسسات السياسية الرسمية في المغرب.
وحتى على صعيد الحريات، فإن إجراء انتخابات منتظمة وأكثر انفتاحا لا يبدو أنه يعكس تغيرا ايجابيا بل على العكس، فتقارير فريدوم هاوس تشير إلى تدهور محسوس بين سنوات السبعينيات والثمانينيات والعشريتين الأخيرتين.
أنظر الجدول (1) :
كرونولوجيا الانتخاببلدية:ددية في المغرب 1960 - 2003
* أرقام 1997 مجالس بلدية : 247؛ بلديات ريفية : 1297؛ مقاعد مَجْمُوعة : 24,253.
** في عام 1997، كَانَ الـ325 عضوا منِ دارِ الممثلين كلهم منتخبينِ بشكل مباشر .
ينتخب أعضاء المجلسِ التشريعي ال 275 من خلال سلسلةِ انتخابات موحدة في كافة أنحاء البلاد من بين الغرفِ المهنيةِ المتعدّدةِ، والمنظمات العمالِية، وممثلي المجالسِ المحليةِ.
*** هذا يحيل فقط إِلى التّعديلاتِ الدّستوريةِ الخاصة بعمل المؤسساتِ الدّيمقراطيةِ.
**** منذ عام 1972نَشرتْ فريدوم هاوس ت, 1وير سنوية عن وضع الحريةِ في العالمِ بتَقييمِ ظروفِ ''الحقوق السياسية'' و'' الحقوق المدنية'' والبلدان التي يقع مَتوسّطُها بين 0,1 و 5,2 هي بلدان '' حرّة'' والتي متوسطها بين 0,3 و 5,5 بلدان ''حرّة بشكل جزئي'' والتي متوسطها بين 5,5 و 0,7 ''لَيسَت حرّة'' . ''وبالمقارنة مع المغرب، معدلِ فرنسا 2,1و المكسيك 2, 4والجزائر 6, 6و الصين 7,.
النوع المثالي لديمقراطيةِ الشورى: انتخابات 1993.
في خطابِ له عام 1995 عن الأزمةِ الاجتماعية الاقتصادية الحادّةِ التي شَلّت البلد، انتقد الملك الحسن الثاني البرلمان بحدة لعدمالتنفيذيةِ.َنْالأمةِ.ِلى مستوى المناسبةِ ويَصُوغ حلولا لمشاكلِ الأمةِ .ووَصفَ مناقشات مساء الأربعاء البرلمانيةَ على أنها "سيرك" لا يُمكنُ أَنْ يستجيب لتوقعات الشعب. إنّ إقالة الملكِ الشفوية للبرلمانِ لأمر مريب، لأن النّوابِ يتمتعون بسلطات تشريعية محدودة جداً ولَيْسَ لهم سيطرةُ على السلطة التنفيذيةِ .واللامبالاة الشّعبية العامّة بنشاطات البرلمانِ أبلغ تععام,ن توزيعِ السلطات في المغرب. والحقيقة أنه، إذا كان الدستور في النظامِ السّياسيِ المغربي يعدِ قبل كل شيء "ميثاقا مقدّسا" أو بيعة، بين الملكِ وشعبه، فإن البرلمان يعمل تقريباً عمل مؤسسة استشاريةِ.
قالَ الملك الحسن الثاني بمناسبةِ الاستفتاء الدّستوريِ عام ,1972 "إن ممارسة السلطة" تَعُودُ إلى الشعبِ الذي فوضها من خلال البيعة .والبيعة تحت إشرافنا. وهذه المسؤولية لا يُمكنُ أَنْ تقتسم أو تفوض .إنها ثقة مقدّسة، والمؤمن الذي لا يَحترم تلك الثّقة قَدْ فَقد إيمانه".
وبعد ذلك بست سَنَوات، وصف الملك عملية الدّمقرطة في المغرب بأنها تُوافق روحِ كل من "الشورى والقانون الدستوري الحديث" لكن الشورى وليس نظام الحكم الدستوري الحديث هي التي تَصفُ بصورة أفضل خواص البرلمانِ ووظائفه في النّظامِ السّياسيِ المغربيِ.
وتؤكد الانتخابات التّشريعية لعام 1993 الطابع الأولوي للشورى الذي يُريدُ الحكم الملكي أَن يعطيه للبرلمانِ .أجري الدّور الأول للاقتراع، الذي انتخب ثلثي أعضاء البرلمان من خلال التّصويتِ المباشرِ، في حزيران /يونيوِ. وتَلى حملةَ انتخابية استطاعت خلالها أحزاب المعارضةِ أَنْ تَعلن عن وجهات نظالحكوميِ.ها البديلة .وبمعايير أكثر ديمقراطية، كان هذا الدور الأول خاليا بشكل ملحوظ من التّدخلِ الحكوميِ.ومع أن حالات التزوير قد أبرزت، فقد وَصفها العديد من المراالأولِ.ها الانتخابات الأنزه في التّاريخِ المغربيِ الحديث. وقد تمخض عنها تقدم كبيرِ لأحزابِ المعارضةِ الأربعة، وخاصة حزب الإتحاد الاشتراكي للقوىِ الشّعبيةِ (USFP)وحزب الاستقلال، الذي حاز العدد الأعظم من المقاعدِ (48 و43 على التوالي).وحازت المعارضة مجتمعة (محددة هنا بالـ USFP، والاستقلال والـ OADP 99مقعدا من أصل الـ222 مقعدا المتنَافس عليها خلال الدور الأول.
وعلى أساس هذه النَّتائِجِ، كان ينتظر من المعارضة أَنْ تَلْعبَ دورا مهما في حكومةِ تحالفِ مع التجمع الوطني للمستقلين (RNI). ولكن هذا ما لم يكن. وقد وفرت الانتخابات غير المباشرة للممثلين المهنيين في أيلول/سبتمبرِ فرصة إداريةَ لـ "تصحيح" نَتائِج الدّورِ الانتخابي الأول، بين كل من الأغلبيةِ والمعارضةِ، وضمن كل معسكرِ.
وقد ضاعفت المخالفات والتّدخل الإداري من تأثيرات نظامِ يعطي أحزاب وسط-اليمين أفضلية مبطنة ومكّنت هذه الأحزابِ من أَنْ تحقق أغلبية برلمانية مريحة من 195 مقعدا من أصل 333. و قَدْ تَبخّر موقع القوةِ الذي بلغته المعارضة بعد الدّور الأولِ .وفي حركة مثيرةِ أَكَّدت غضبِ المعارضةِ وكذا عجزها عن تغيير النظام، استقال زعيم الـ USFP عبد الرحمن يوسفي من منصب الأمين العامِ للحزبِ.
وبينما تستمر قيادة أحزابِ المعارضةِ في لعب لعبة الشورى لأنه، من ناحية، يَبدو وكأنها لا تملك بديلا آخر، يتعاظم السخطُ الشعبي واسع الانتشار على سياسةِ الحزبِ وعدم الاكتراث للبرلمانِ. ويُشيرُ المستوى المتناقصِ للمشاركِة والعددِ المرتفع للأصواتِ الملغاةِ وسط المجموعاتِ الحضريةِ خلال الانتخابات التّشريعيةِ لعام 1993 إِلى اتجاه مقلق في السياسةِ المغربيةِ:ألا وهو الفتور واللامبالاة السياسيان.
وطبقاً للأرقام الرّسمية، فإن نسبة المشاركِة في الانتخابِات التّشريعيةِ لعام 1993 كَانَت 63،75% بينما كانت نسبةَ الامعينة.ِ الملغاة والفارغةِ 13،02%، لَرُبَما بدت هذه النِّسَب للوهلة الأولى معقولة إذا كانت الأرقام الرسميةَ دقيقة، وهو أمر يُحتملَ أن لا يكون كذلك.
لكن حتى وإن وثقتا في هذه الأرقامِ، فإن نظرة أقرب تظهر نوعا من خيبة الأمل المتزايدة بين مجموعاتِ اجتماعية واقتصادية معينة .وبالمقارنة مع الانتخابات التشريعية السابقة، فإن نِسَب المشاركة كَانت وما زالت تَنقص بثبات: 93، 16 %عام1970و 82, 36 % عام 1977 و67, 43 عام 1984. والزّيادة بالمقابل في الاقتراعاتِ الملغاةِ والفارغةِ تُؤكّدُ لا اللامبالاة , 8%سياسةِ الانتخابية فحسب بل الخوفَ المستمر أيضا وسط بعض المواطنين الذين يخشون مُقاطعة الانتخابات. ومجددا، وحتى طبقاً للأرقام الرّسمية، فإن نسبة الأصواتِ الملغاةِ زِادتْ من 0,8% عام 1970 إِلى 13% عام 1993.
وما يبين أكثر، ربما، نَقْصِ نِسَبِ المشاركةِ وزيَاْدَةِ الأصواتِ الملغاةِ هو أنها تَحْدث في الغالب في المناطق الحضريةِ حيث النّاسِ أكثرُ تعلّماً وتسيسا وأكثر شبابا .وفي الانتخابات التّشريعيةِ السّابقةِ، سجلت النِّسَب الأعلى للغياب والأصوات والملغاة في أربع ولاياتِ حضريةِ وهي الرباط و الدار البيضاء وفاس ومكناس .وتُؤكّدُ نَتائِج انتخابات عام 1993 هذا المثال وامتداده إِلى المناطق الحضريةِ الجديدةِ بأصواتِ ملغاةِ تَصلُ نسبها إلى 20% في المحمدية وأغادير، 30 % في مركزِ وجدة، 37% في مراكش -المدينة و50% في مركزِ طنجة. وبعد أربعين سَنة من التَّطَوّرِ الاقتصادي والتّمدنِ السّريعِ، ما يزال الرّيف يُوفر القاعدة الاجتماعية الوحيدة لمساندةِ الحكم الملكيِ.
هنالك سببُ آخرُ يمكن أن يجعل الحكم الملكي ضعيفا وهو أن نِسَبة التغيب والاقتراعات الملغاة المتزايدةُ بثبات هي أيضا إشارةُ على أن المعارضة التقليدية تُشوه لفائدةِ الإسلاميين الذين لا يُشاركُون في اللّعبةِ الانتخابية.
ليس مصادفة أن تسجل النّسبة الأعلى للأصواتِ الملغاةِ والتغيب في طنجة والولايات الشّمالية، قلعة الإسلاميين المغربيِين ومسقط رأس أكثر المغاربةِ المتورطين في تفجيرات 11 مارس/آذار 2004 لمحطاتِ القطارِ في مدريد.
وإذا كانت أحزابَ المعارضةِ حقا تخسر التأييد بعد خمس وثلاثين سنة من المشاركة غير الفعالة، فلرُبَما نظرنا بتشكك كبير إلى عدد المقاعدِ التي حَصلت عليها في تشريعيات.1993 بينما يُريدُ الحكم الملكيَ أَنْ يبقي المعارضة تحت المراقبةِ، فهو لا يُريدُ أَنْ يَرى "وسطاءه الاجتماعيين" فاقدين للمصداقية تماما. لكن هَلْ يُمكنُ للمعارضة التّقليدية أن تَستعيدَ المصداقية سياسيا في حين تخلت عن القضاياِ السّياسيةِ الأساسيةِ للسلطةِ والحكم في النّظامِ السّياسيِ المغربيِ ؟
ما بعد الانتخابات: نزع الطابع السياسي عن السياسة
في سنوات الخمسينيات كان المغرب واحدا من الدّول النّادرة المستقلة حديثاً التي تَنخرط في نهج التعددية السياسيِة واقتصاديات السوقِ.وخلال العقودِ التّاليةِ، باشرت حكومات متعاقبة بإصلاحات مؤسسة نظاما سياسيا واقتصاديا مفتوحا نسبيا. و بشكل تناقضي، ما يزال المغرب متسلطا.
لماذا ؟ مع أنّها مؤيدة للدّيمقراطيةِ ظاهريا، فإن إصلاحات البلدِ الليبراليةِ قد نزعت في الحقيقة الطابع السياسي عن مجاله العام. واَعْني بـ ''نزع الطابع السياسي'' تهميش قضايا الحكم والسلطةِ وفي الحالةِ المغربيةِ بشكل خاصً أعني به الصّدارةِ السّياسيةِ الملازمةِ التي تعطى للقضاياِ الاقتصادية.
بعد ما اَطّرَ القضايا الاقتصادية بشكل متواصل بمصطلحات تّقنيةِ صرفة، نجح الحكم الملكي في تفادي مناقشة أساسية حول مصادرِ السلطة وتوزيعِها في النّظامِ السّياسيِ المغربيِ. والأحزاب التي كَانَ يمكنُ أَنْ تَتزعّمَ الإصلاح الديمقراطي خَفّفت من مطالبها في غضون ذلك وتبنت ادعاء الحكم الملكي أن البلد لا يحتاج سوى لإدارة اقتصادية أفضل.
ومسار المغرب على مدار العقودِ الخمسة الماضيةِ يُسلّطُ الضوء على التّقدّمِ البطيء للدّمقرطةِ و العلاقة بين الإصلاحِ السّياسيِ والاقتصادي في العالمِ العربيِ، مشيرا إلى أن الآمال المعلقة على الإصلاحِ اللّيبراليِ التّدريجيِ هناك قد تكون في غير محلها.
وعبر المنطقة، قد نَجد تأييدا واسعا لترشيدِ العلاقاتِ الاقتصادية (خصوصاً بين مندوبي الأعمال والنخب التكنوقراطية)، والعدالة والإالعربيةِ.صاديين (بين الأحزابِ القوميةِ، ونقابات العمال، والجماعات الإسلامية)، أو التأهيل المدني المستخلصة من فلسفةِ سياسيةِ واضحةِ للحقوقِ (مجموعات حقوقِ إنسان والحقوق الثقافيةِ على سبيل المثال).
لكن تأييد مساندةَ المبادئِ الدّيمقراطيةِ يبقى ضئيلا ومتناقضا وأرى أنّ هذا الاختلال يَنْتجُ عن نزع الطابع السياسي عن المجتمعاتِ العربيةِ .وفي المغرب خصوصاً، عَرقل توقيف النقاشِ السّياسيِ الأساسيِ التَطَوّر الديمقراطي، حتى وان كان النّظامِ قَدْ باشر بإصلاحات ليبرالية هامّة .
وفي التسعينات حَدثت إصلاحات تّحريرِ اقتصاديِ هامّة في الجزائر ومصر والأردن والكويت و لبنان وسوريا واليمن (16). لكن الإصلاحات السياسيةَ لم تتَخلّفْ عن التعديل الاقتصادي فحسب (17) إذ استعملت الضرورات الاقتصادية استراتيجيا لتأخير الإصلاح السياسي.
فعلى سبيل المثال، طلب الملك الحسن الثاني من البنك العالمي أَنْ يُقدم تقريرا عن حالة الاقتصاد في المغرب استعمله في المرافعة في البرلمانِ لصالح أولويةِ الإصلاحاتِ الاقتصادية على التّغييرِ الدّستوريِ. ومؤخراً، قام رؤساء كل من الأردن وسوريا والجزائر بمرافعات مشابهة. وقد كانت إستراتيجية السيطرة على الحقوقِ السّياسية باسمِ الضرورات الاجتماعية والآن الاقتصادية ميزة أكثر الأنظمةِ السّياسيةِ العربيةِ منذ الاستقلال(18).
أ. التحرير الاقتصادي وتراجع السياسة
انخرط المغرب، منذ استقلاله عام, 1956 في ثلاثة أطوار من التّحريرِ الاقتصادي: 1) فترة التثبيت النّقديِ (1983-1965)، 2 برنامج تعديلِ هيكليِ (1992-1983)، و 3 برنامج تسوية (أو "إعادة هيكلة داخلية قوية") الغرض منها زِيادَة قدرة وتنافسية الشّركاتِ المغربيةِ استعدادا للتجارة الحرّةِ مع أوروبا (من عام 1995 إِلى الآن).
1- التثبيت: في عام ,1960 ألغى المغرب فجأة خطته الوطنية الأولى التي تَلت النموذج الممركز في الدّولة الذي كان شائعا آنذاك بين الأممِ المستقلةِ حديثاً. وانخرطت الحكومة فيِ "اقتصاد مختلط" جديد يلعب فيه القطاع العامِ دورَ المحفز للمبادرة الحرّةِ، ووَقّعَت سلسلة من اتفاقيات المساعداتِ و القروضِ مع البنك العالميِ وصندوق النقد الدوليِ لتقوية المقاولات الخاصّة. دامتْ برامج التثبيتِ تقريباً إلى غاية عام 1983 ورَكّزت على مدخراتِ الميزانيةِ من خلال فرض ضرائبِ أعلىِ والتقليص في البرامجِ الاجتماعية والإعانات الماليةِ(19).
و لكن في النهاية فَشلتْ الإجراءات في حلّ مشاكل المغرب الاقتصادية لأن البناء السّياسيَ ذاته الذي أوجدها في المقام الأول بَقي على حاله.
خلال إنشاء الشركاتِ الحكوميةِ في أكثر صناعات البلدِ ربحيةً (مثل الزراعة المسقية، الصناعة الغذ(r.، السياحة، الصيرفة، الإنشاء والصِناعة)، استعمل الحكم الملكي القطاع العام ليسيطر على الحلفاء المحليين البارزين ويُكافئهم.
وعلى نحو نموذجي، اشترت الدّولةُ الشركاتَ المفلسة وأعادت بيعها بأسعارِ اسمية لشركاءِ الملك بعد أن أصبحت مربحةَ بعد أن دَفعت الخزينةِ العموميّةِ ثمن الهيكل الجديدِ واَمّن القطاع العامِ عقودَا مفيدةَ .وبدلاً من خَلْق طبقة أعمالِ دينامكية واستعمال القطاع العامِ لتَغذية المبادرة الخاصة ففد جَعلَ رجال الأعمال المغاربة معتمدين على الدّولةِ في الخدماتِ التّقنيةِ، والمزايا المالية، والقروض المدعومة.
ولعل الحدث المحوري في هذه الموجةِ الأولىِ من نزع الطابع السياسي كَان قرار الملكِ الحسن الثاني (r . 99- 1962)أَنْ يُطلقَ "المسيرة الخضراء" إلى الصحراء الغربية في تشرين الثاني/نوفمبرِ.1975 بعد انسحاب أسبانيا من المنطقة مبكرا في تلك السّنةِ، إذ أمر الملك 300000 رعيةَ غير مسلّحين أَنْ يَدْخلواَ المنطقة و"يَستعيدُوها" للمغرب.
وهمشت المناقشات البرلمانية عن عجزِ الميزانيةِ وسوء استعمال الممتلكاتِ العامّة وتَدَهْوُر الظروفِ الاجتماعية عن طريق الخطاباتِ عن السلامة الترابيةِ للمغرب والخلاف مع أسبانيا. ووجدت أحزاب المعارضةِ التي استمدت شرعيتها من اشتراكها مع حركةِ الاستقلال نفسها الآن محصورة في "إجماع وطني مقدّس" على قضيةِ الصحراء الغربية، عاجزة عن أَنْ تَتحدّى السياسات الاقتصادية والاجتماعية على صعد أخرى غير الصعد التّقنيةِ أو الصعد الأخلاقيةِ الضيّقة.
وما نتج من تحييد للمعارضةِ السّياسيةِ، في وقت كانت تَسُوءِ فيه الظروف الاقتصادية والاجتماعية أدى إِلى التّوتراتِ بين الأحزابِ السّياسيةِ والنقابات المنتسبةِ لها. وانتقل مكان الاحتجاج إِلى الشّوارعِ، حيث بقيت منذ ذاك الحين ( وحيث اندلعتْ في النهايةً في الثمانينات والتسعينات أعمال شغب دامية تستعصي على السيطرة).
2- التعديل الهيكلي : انتهى طورُ التّثبيتَ حين اتضح أن مشاكلَ المغرب الاقتصادية العميقةِ كانت تتَطلّب إصلاحات تنظيمية وإدارية. تم تحت إشرافِ البنك العالميِ وصندوق النقد الدوليِ، طور ثان أكثر مغامرة من التّحريرِ الاقتصادي بين عامي 1983 و 1992. اتّبعتْ حكومات متعاقبة بجسارة برامج تعديل هيكلي ( SAPs ).وهذه تتَضمّن نموذجي الخوصصة ونهاية الإعانات الماليةِ والتحكم بالأسعارِ، وتَقليص الحواجز التجارية .وعلى الرغم من التكاليف الاجتماعية المعتبرة والأخطار السّياسية التي جَلبتْها هذه الإصلاحاتِ، فقد طَبّقها المغرب بعناية وأصبح مثالا ظاهرا للنجاح في التّعديلِ الهيكليِ.
بينما نتجت عن التعديل الهيكلي بعض الإنجازاتِ الهامّةِ، ومن ضمنها التقلصات في اختلالات الاقتصاد الكلي و التنافسية الدولية المتزايدة، و بَقي نمو المغرب الاقتصادي شاذا ويعتمد على كميّات التساقط والحوالات الماليةِ التي تأتي في الغالب من المغاربةِ العاملينِ في أوروبا (21).
ومن جديد، كَانت المشكلة الأساسية سياسيَة، ومرة ثانية تم تجاهلها بشكل كبير .كانت أغلب التدابير التي نادت بها برامج التعديل الهيكلي، سواء تلك الخاصة بالميزانية أو المالية، تفترض وجود مؤسسات دولةِ شفّافة تكنوقراطية مستقلةِ نسبيا وهي أمور لم يكن شيء منها متوفرا في المغرب.
بينما كَانتْ الأغلبيات البرلمانيةَ مهتمة بالإصلاح في هذه الفترةِ، كان الوزراء مسؤولين أمام الملكِ وحده .وفي حين كان البنك المركزي المغربي دائما مستقلا رسمياً، فالحقيقة أنّ الملك ينتقي بعناية مديره وكبار إطاراته. وعلاوة على ذلك، مع كل وزير الدولةِ مسؤول بشكل فردي بشكل حصري وتقريباً أمام الملكِ، لم تكن هناك إستراتيجيةُ إصلاحِ متماسكةِ أو تنسيقِ بين وزارات الماليةِ والتجارة والاستثمار والسياحة والتجارة والخوصصة.
وفي الوقت نفسه، كانت المناقشات البرلمانية والعامّة حول سياساتِ التّعديلِ الهيكليِ بالكاد تَذْكرِ الارتباط بين أزمةِ المغرب الاقتصادية والهيكل السّياسي الذي أوجدها.
3- التسوية: ما تزال اليوم، في منتصف الطور الحالي للإصلاحِ الليبراليِ الذي بَدأَ عام 1995 وترجمت منذ ذلك الحين بـ niveau mise وتبقى الطّبيعة السّياسية لمشاكلِ المغرب الاقتصادية مهملة. ومع ذلك فإن الحكومة، ومندوبي الأعمال، والنقابات العمالية يُؤكّد كل منها على عناصر مختلفة من هذه الإصلاحاتِ، والفكرة الأساسية هي أنّ اتفاقية التجارة الحرّةِ مع أوروبا التي وَقّعتْ عام 1995، وتطبيقها الكاملِ في حدود عام 2010، سَتُجبرُ الشركات المغربية على أنْ تَكُونَ أكثرَ إنتاجاً وشفافية.
وإعادة الهيكلة ا التّلقائية ا للمبادرة الحرّةِ التي سَيَجْلبُها هذا ظاهريا ينظر إليها على نحو واسع على أنها نموذجِ للاقتصاد وللحكومةِ ككل (22).هنا ثانية، أبعدت من جدول الأعمال أيَ إعادة تفاوض على تقسيمِ السلطات بين الفروعِ المتعدّدةِ للحكومةِ، كما حدث مع أي إعادة تعريف واضحِة للصلاحيات السّياسيةِ للحكم الملكيِ.
ب . تنامي التحرير السياسي وفتور الديمقراطية 1962-2000
لا يَعني نزع الطابع السياسي، في السّياقِ المغربيِ، غياب السياسة الحزبِية. وفي الحقيقةِ، فإن دستور البلدِ الأولِ الذي صودق عليه عام 1962، حظر نظامِ الحزبِ الواحد ووفر مجلسا تشريعيا تعدديا منتخبا بالاقتراع العام.
وبين عامي 1963 و2002 نظمت مجموعة منِ الانتخابات الوطنيةِ والمحليةِ، بينما جعلت لاستفتاءات الشعبيةَ على التّعديلاتِ الدّستوريةِ النظام السّياسي المغربي أكثر انفتاحا و تحرّراً. وخلال العقد الماضي، شَهدَ البلد إصلاحات أخرى في مجال حقوق الإنسان و أتاح حرية أكثر في التّعبيرِ وإنشاء الجمعيات.
كما أن إصلاح ما بعد الاستقلال لم يمَسّ إلا نادراً الشكل الأساسي للنظام السّياسي فما يزال نظام ملكي غير مسؤول يحكم.
والحقيقة أنه بما أن أهم التطورات الليبرالية لم تنجز إلا بعد عام ,1975 عندما لم تعد صلاحيات الحكم الملكيِ موضع احتجاج معلن، فمباشر.يل أَنَ منع أي نقاشِ جدّيِ حول صلاحيات الملكِ كَان شرطَا ضروريَا للتّحريرِ السّياسيِ.
وتجارب المغرب مع الإصلاحِ الدّستوريِ والسياسةِ التّشريعيةِ ترى بصورة أفضل على أنها تمت في ثلاث فتراتِ رئيسية. أولاها، تلك التي دامتِ من عام 1962 إلى عام 1975و كُانت الأكثر "سياسية" وكانت هذه سنَوات الصراع على السلطة الذي ثار بين الحكم الملكي ضد الحزبين الرّئيسين الذين انبثقا عن حركةِ الاستقلال ألا وهما :الاستقلال القومي المحافظ والإتحاد الوطني للقوى الشّعبيةِ ذي الاتجاه اليساري (UNFP).
وقد شهدت هذه الفترةِ نقاشاَ سياسياَ أساسياَ حول صلاحيات الملكِ ودورِ المجلس التشريعيِ ومجلس الوزراءِ، وحول توزيعِ السلطات بين الفروعِ المتعدّدةِ للحكومة. لكن الملكَ الحسن جند الشبكات التقليديةَ المؤثرة المؤلفة من شيوخ العشائر واعيان الأرياف والجماعات الصوفية والعائلات الحضرية البارزة وما شابه ذلك كي يُوازنَ الأحزابَ القوميةَ المتواجدة في المدينة. وفي النّهايةِ، فازَ الملكُ وأحكم سيطرته. وقد تمخضت دساتير المغرب الأولى والتّجارب المبكّرة مع السياسةِ البرلمانيةِ عن تعزيزِ نظامِ سياسيِ مغلقِ(23).
وقد خول دستور عام 1962 الـسلطات التنظيميةَ إلى مجلس وطنيِ مؤلف من مجلس نواب منتخبِ بشكل مباشر ومن مجلس تشريعي منتخب بشكل غير مباشر .لكن هذه السلطات فوضت فعلا على هوى الملكِ.
فقد عين الملكُ رئيس الوزراء ومجلس الوزراء وأقالهما، ويُمكنُه أَنْ يحل البرلمان ويَتولى السلطات المتبقية في ظل قوانينِ الطوارئ.في عام 1970، كرس دستورِ جديدِ ضعف المجلس التشريعيِ والحكومةِ مُؤسّسا بشكل فعلي تشريعَا طارئَا كَانَ الملكَ (بشكل غير دستوري) قد سنه بعد أعمال الشغبِ العنيفةِ التي هَزّتْ الدار البيضاء في عام 1965.
وبعد انقلابين، صودق على دستور آخر عام 1972. وفي حين عزز هذا السلطات التّنظيميةِ للمجلس التشريعيِ والحكومةِ، فقد كرس أيضا عملية نزع الطابع السياسي. فالمادة 19، على سبيل المثال، اَسّسَت قداوهما:ملكِ باعتباره "الممثل الأعلى للأمة" و"أمير المؤمنين" منيطا بذلك رسمياً السيادةِ الوطنيةِ بنظام ملكيِ يدعي شرعية إلهية.
كما مَنعتْ سلسلة مواد أخرىِ المناقشات المنتقدة للخطب الملكيةِ الموجهة البرلمانِ أو للشعب عامة، ونزعت الحصانة البرلمانية عن المشرّعين الذين يعتقد أنْهم يشككون في الحكم الملكي أو في الإسلام أو في قوانين الأمةِ.
نظمت الانتخابات المغربية التّشريعية الأولى في 1963 وَتمخضت عن أزمة في مجلس النواب، بتحالفِ ملكيِ في مواجهة حزبي المعارضة الرّئيسيينِ. وأثار التّوزيع المتساوي تقريبًا للمقاعدِ بين الكتلتين مناقشات نشيطة لا حول السّياساتِ الاجتماعية والاقتصادية فحسب بل على توزيعِ السلطةِ وطبيعةِ النّظامِ أيضا.
طالب بعض المشرّعين من حزب الاستقلال وال UNFP بأنّ "يملك الملك ولا يحكم" وهو مطلب لم يسْمع ثانية في البرلمانِ حتى أواخر الـسبعينات، بعد ذلك عَلّقَ الملك الهيئة التشريعية مرّتين (أولا من عام 1970 إِلى عام 1965 وبعد ذلك ثانية من عام 1972 إِلى عام 1977 وحَكمِ وحده .أما الفترة من عام 1962 إلى عام 1975 فقد سيطر عليها صراع على السلطةِ بين الحكم الملكيِ وأحزابِ المعارضةِ القوميةِ على طّبيعةِ الحكمِ ومستقبله، و شهدت الفترة الثّانية (1975-1992) صياغة إجماعِ وطنيِ ابعد مثل هذه القضاياِ السّياسيةِ من برنامجِ الإصلاحِ. وقد عجل حدثان رئيسيان بهذا الإجماعِ ألا وهما :حملة الصحراء الغربية عام 1975 وصدور ميثاق عام جديدِ عام 1976.
وفي تشرين الثاني/نوفمبرِ 1975، أمر الملك الحسن بـ "المسيرة الخضراء" السّلميَة الهائلةَ، التي أراد بها بشكل مثير أَنْ يدعم مطالبة بلده بالولاياتِ المغربيةِ السابقة للصحراء الغربية، التي ضَمّتها إسبانيا في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وقد زادت قضيةَ الصحراء الغربية كثيرا من شرعيةِ الملك باعتباره مدافعا عن السلامة الترابية للبلدِ ورمزِ سيادته الوطنيةِ، وأمال ميزان القوى لصالحه حتى توفي في السبعين من العمرِ عام 1999.
بمثل هذا الإجماعِ السّياسيِ المضمون حول الحكم الملكي، أرسل الملك إشارات إسترضائيةَ لـ "تطبيع" الحياة السياسية. وخففت السيطرة السياسية والقمع وأصبحت أحزاب المعارضةِ الآن "تُستَشار" وسمح لها أَنْ تَنتقد سياسات الحكومةَ وتقود حملات تعبئة.َ وفي الخطاب الرسمي، سميت هذه الإصلاحاتِ بـ "العملية الدّيمقراطية"، لتوحي بالتزام بإحياءِ المؤسساتِ الدّيمقراطيةِ. وقد حسن الإجماع الجديد البيئة السّياسية ودعم التحرير، لكنه لم يفعل شيئَا للدّمقرطةِ .ومع أن أحزاب المعارضةِ استعملت الآن البرلمانِ للتَنْديد بانعدام الكفاءة الاقتصادية والتكاليف الاجتماعية لبرنامجِ التّعديلِ، ولم تؤَثّر هذه الأحزابِ في أي سياسة ولا أطّرتْ أي قوانين. والأكثر ضررا بعد، أنهم فَشلوا في أن يَصُوغوا سياستهم الأساسيةَ من حيث التّمثيلِ والسّيادةِ، وَتمسّكُوا بشكل متزمت بلغة تَتحدث فقط عن الكفاءةِ والأمانةِ، مَنشغلين بـ "تّرشيد" و"أخلقة" الفضاء العام.
مع نقادِ محتملين منغلقين على ذواتهم بهذه الطريقة، بدا الحكم الملكي وصلاحياته المزعومة أكثر شرعية. وللسخريةً، فقد زاد الأمورَ سوءاَ قرار أحزابِ المعارضةِ إنهاء 15 سنة من المقاطعة والمشاركة في الانتخابِات المحلية لعام 1976. وكي تَغري أحزاب المعارضةَ بأَنْ تخوض الانتخابات في البلدياتِ الحضالمحليةِ.احي الريفيةِ، أصدرت وزارة الدّاخليةِ المسؤولة مباشرة وحصريا أمام الملكِ ميثاقا عاما جديدا عام 1976.
وقد وسّعَ الميثاق الجديد الميزانيات، والاستقلال، وسلطات المجالسِ المحليةِ .بالإضافة إلى ذلك، فقَدْ روجعتْ إجراءات التسجيل للانتخابات وجُدّدتْ من أجل المزيد من الشّفافية التي تشيتحقق.ِا قديما للمعارضةِ وأسس مجلسِ وطنيِ للإشرافِ على الانتخابات يضم ممثلين من كل الأحزاب السّياسية.
لكن حتى الهدفَ المتواضع المتمثل في التسيير الفعال للإداراتِ المحليةِ ووضع أمثلة للحكومةِ الوطنيةِ لم يتحقق .ولافتقادهما للهيكل السياسيِ الضّروري للتَنافس على المستوى الوطني، سَجّلَ الاستقلال والـ USFP المرشحين المحليين ذوي الشّعبية الذين لَيْسَ لْدَيهم التزام تجاه أحزابهم والذين كَانوا لذلك يرغبون في تغيير انتمائهم السياسي تحت الضّغوطِ الإداريةِ أو إذا وافق ذلك اهتماماتهم.
وفقاً لذلك، بينما فازت أحزاب المعارضةِ بأغلبياتِ مقاعدِ المجلسِ في بِضع بلدياتِ، فقَدْ شُلّت بتَغيير الانتماءات الحزبِية (و علاوة على ذلك، عوّقَتها فضائحِ الفسادِ، لأن المجالسِ كَانت مصادرَ ثّروةِ هائلة).
خلال طوره الثالث من التّحريرِ السياسيِ، الذي يشمل العقدَ من عام 1992 إلى عام 2000 باشر المغرب سلسلة من الإصلاحاتِ كي يعزز حكم القانونِ، ونظم استفتاءين دستوريين وَسّعا من سلطات البرلمانِ، وانتخبَ مجلسين وطنيين فازت فيهما المعارضةُ بحصص كبيرة من المقاعد.
وفي سلسلةِ من المراسيمِ، اَسّسَ الملك أيضا مجلسَا استشاريا ووزارة لحقوق الإنسان، ومجموعة محاكمِ إداريةِ أنيط بها التحقيق في استغلال النفوذ، و مجلسا دستوريا ليحلَ النزاعات على دستورية القوانينِ، ومجلسا استشاريا للحوارِ الاجتماعي ليَتوسّطَ في نزاعات العملَ.
وللمرة الأولى أعطى دستور عام 1992 للبرلمان سلطة أن يقبل أو يَرْفضَ حكومة جديدة عيّنها الملكِ ويحل حكومة من خلال تصويتِ لسحب الثقة.
كما أن تعديلا في عام 1996، اَسّسَ الانتخاب المباشرَ لكل أعضاء مجلس النواب (مطلب رئيسي لأحزابِ المعارضةِ) وأعاد تأسيس المجلسِ التشريعي (انتخب بشكل غير مباشر من الجمعياتِ المهنيةِ، ونقابات العملِ والمجالس البلدية وجماعات المصالح). وقد توّجَت عملية التّحرير بتداول على السلطة لطالما انتظر طويلاً عندما طلب الملكِ الحسن عام 1998 من الزعيم الاشتراكي عبد الرحمن يوسفي أَنْ يقَودَ الحكومة. وسترمز الانتخابات التّشريعية لأيلول/سبتمبرِ 2002 للمرة الأولى منذ الاستقلال التي تنهي فيها حكومة تحالفِ بقيادة المعارضةِ عهدتها كاملة.
قد لا يكون المغرب أقربَ اليوم إِلى إنجازِ ديمقراطيِ حاسمِ كما كان الأمر قبل أربعة عقود. فالدّستور ما زالَ يُحدّدُ السيادة صراحة في الملكِ، حاصرا بذلك دور الحكومةِ والبرلمانِ في تسيير الشؤون الاجتماعية والاقتصادية. وقد قبلت الأحزاب الرّئيسية "تقسيم العمل" هذا وتخلت عملياً عن المجالِ السّياسيِ.
وقد أصبح استقرار هذا التّنظيم ظاهرا مؤخرا عندما تورط إطارات سامون كَان قَدْ عيّنهم الملكِ الحسن في سلسلة من الاختلاسات الماليةِ الفظيعة من القطاعِ العام. (في حالةِ واحدة فقط، كان المبلغ المختلس يساوي 80 بالمائة من مجموعِ الدّينِ المغربي الخارجي). ولتُهدّئَ من الغضب العام، وَضعتْ الحكومة أمام البرلمانِ قانونا لتحسين "تسيير" المؤسسات العمومية.
ووصف الفساد والأداءِ الضعيف لشركات الدّولة بتعابير أخلاقيةِ و تقنيةِ يهمّشُ قضية المسؤوليةِ السّياسيةِ. إن الملك هو الذي ينتقي الإطارات العليا للقطاع العامِ والكثير من المشاكلِ المزمنةِ تتعلق بنقص المسؤولية .
في غضون ذلك، باشر الملكِ محمد السادس، منذ اعتلائه العرشِ عام 1999 بتعيينِ نخبة لا سياسية تكنوقراطية في مناصب رئيسية في الإدارةِ والاقتصاد(25).
وحتى وإن كانت هذه التّعييناتِ في بعض الأوقات فعّالة (فالتكنوقراط أكثرُ كفاءة عموماً في تقديمِ خدمات للمواطنين لأنهم غير منخرطين في السجال السياسيِ الحزبِي)، فإنها تَعادل تأسيسِ حكومةِ ظلِ تعمل بالموازاة معِ مجلس الوزراءِ الرّسميِ، وغالباً في تعِارض معه.
وهناك إشارة أخرى على نزع الطابع السياسي الجاري وهي حملةُ الانتخابات التشريعية لأيلول/سبتمبرِ 2002. فالأحزاب السّياسية تكاد جميعها تقريباً تقلل من شأن برامجها السّياسية وتَمتدح ضماناتها التكنوقراطية والإدارية بدلاً عنها. وفي الوقت نفسه، يهدد فاعلون اقتصاديون خواص بأَنْ يدخلوا السّجال السّياسي بنيةِ تَطبيق سياساتِهم للتسوية في المجالِ السّياسيِ.
وقَدْ تَقدّمَ تحرير المغرب الطّويل والتّدريجي بسهولة نسبيا في كلا المجالين الاقتصادي والسّياسي، لكنه لم يؤد إِلى الدّيمقراطيةِ .وما يقلق أكثر بعد، هو أن منطق نزع الطابع السياسي يخدم الجماعاتِ الإسلاميِة التي تَبْقى متشككة حول الدافع السّياسيِ بوصفه مصدرا ملائما للحكمِ السّياسيِ.
وبتأكيدهم على أن أفضل وقاية من استغلال النفوذ السّياسيِ، والظلم الاجتماعي، والمحاباة الاقتصادية هي التّطبيقُ الصّارمُ لنظام أخلاقيِ دينيِ، يَتحدّى إسلاميو المغرب الحكم الملكي أَنْ يُنفذ ادعاءه الخاص بأن السيادة السياسية تكمن أَساسا في "أمير المؤمنين" لا في هيئة منتخبَة شعبيا. الخاتمة:كه بِتصور غير مسيَس وأخلاقي، للنظام والسلطة يشبه كثيرا تصور الإسلاميين ، فالحكم الملكي، بالمقابل إنما يَحْمي نفسه فقط بشكل مريب ضد تحديهم.
الخاتمة :
دمقرطة النّظامِ أو دمقرطة الفساد ؟
إن الطّريق الطّويل للإصلاحاتِ السّياسيةِ بدون دمقرطة حقيقيِة في المغرب، بعد أكثر من ثلاثة عقودِ من المفاوضاتِ والأحلافِ بين النُّخَبِ السّياسيةِ يتحدّى مجادلة أساسية في الأدبِيات الحاليِة عن الانتقال الدّيمقراطيِ .وقد أكد محلّلو الدمقرطة أن تلك المواثيق بين نُخَبِ بلدِ ما أساسيةُ للانتقال الدّيمقراطيِ وذلك لثلاثة أسباب :
حل المصالح الاجتماعية والاقتصادية المُتَضاربة بقوة، صوغ اتفاقيات لبناء الثقةَ، ومأسسة سقوط الشكوكِ البطيئة التي ترافق عادة الانتقال الديمقراطي (26).
في حالة المغرب، حلت ابرز النزاعاتِ أو الخلافات بين الحكم الملكيِ ومؤيديه المخلصين اللامشروطين، من ناحيةِ، والأحزاب السياسية القومية المؤيدة للديمقراطية، من ناحية أخرى، بطريقة بدا أنها تدعم الإصلاحاتِ الدّيمقراطيةِ.
وقد منح الحكم الملكيُ امتيازات سياسية وقانونية و اجتماعية وإدارية ودستورية، وأيديولوجية متعاقبة للنُّخَبِ السّياسيةِ .فعلى سبيل المثال، وسعت سلطات البرلمانِ؛ وخضع دور الإدارةِ في الانتخاب لرقابة الأحزابِ وإشرافِها؛ وأسست هيئات مستقلة متعدّدة لمُراقبَة الانتخابات؛ و تحسّنتْ كثيرا الصلاحيات الرسمية للحكومةِ .و كانت الأحزاب المناصرة للديمقراطية بالكاد تستطيع أَنْ تَجاري أيديولوجيا دعوة الحكم الملكي إلى ممارسة الديمقراطيةَ في كل مكان، بما في ذلك الأحزاب.
وعلاوة على ذلك تبدو إصلاحاتِ المغرب التي تقودها النخب أشبه بنظام تعددي لا ديمقراطي منها بدمقرطةِ حقيقيِة .وامتفش:الذي يجعل النُخَبِ السياسيةِ المغربيةِ ترغب في دعم الإصلاحات السياسية التي تَعرف أنها لَن تُحوّلَ طبيعة النظام السّياسيِ وعلاقاتِ السلطةِ هو الفسادُ.
وحدوث الرشوة التي تعَرّف بأنها استعمال الممتلكاتِ العامة أو الخاصّةِ من أجل تحقيق مصالح خاصة غير مشروعة أمر متفش : وتَتخلّلُ كل جوانب الحياةِ العامّةِ، من الانتخابات إلى تأسيس تجارة، من إنجاز الخدماتِ العامة الروتينِية إلى التهرب من دفع الضرائب الكبيرة .
والرشوة أيضا شاملة: فهي عنصر أساسي في الأنظمة القضائية والاقتصادية والسّياسيِة والإدارية. فقَدْ "طًبعت" و"تمأَسست" خلال عقود من الحكم الاستبدادي في ظل الحاكم السّابقِ، الملك الالعامِّ.ي.
كما أصبحت محاربة الفسادِ سياسةَ رسميةَ منذ عامر1999 (1). وَوضعَت حكومة رئيس الوزراءِ الاشتراكي، عبد الرحمن يوسفي، محاربة الفسادِ في صلب الخطاب العامِّ .وبدا القصر متحمسا لموَاجهَة المشكلة.
وفي خطابِ ملكيِ للبرلمانِ في تشرين الأول/أكتوبرِ 2000، تلته رسالةِ رسميةِ أعلن عنها بشكل جيدِ إِلى رئيس الوزراءِ في عام 2002، حَثَّ الملك الحكومةَ على أَنْ تقضي على الرشوة بتَبْسيطِ الإجراءاتِ الإداريةِ للمواطنين والمستثمرين.
ولأول مرة، سُمِحَ لمنظمة المغرب للشّفافية المعتمدة حديثاً، وهي فرع محلي لمنظمة الشّفافيةِ الدّوليِة، أَنْ تعلن عن اكتشافاتها عن حادثةِ الرشوة في نيسان/أبريلِ 1999.
وفي السّنة نفسها، بَدأَ الإتحاد المغربي للأعمالِ المغربيةِ (CGEM) وشبكة من حوالي 40 مجموعة دفاعِ مستقلة الأقوياء.ادون بشكل علني بالإصلاحاتِ ويُنظّمُون حملات ضد الفساد.
وكان ردّ فعل الحكومةِ الأوليِ ايجابياَ .وبالتّعاونِ مع البنك العالميِ، نَظّمت الحكومة سلسلةَ ورشاتِ أعلن عنها بشكل كبير حول الرشوة لتُبين التزامها بالشّفافية في الشؤون العامة. وموازاة مع ذلك، شَرّعَ مجلس وزراء يوسفي قوانينَ جديدةَ ضدَ الرشوةَ ورَقّى القوانين الموجودة وقاضى وعاقب المئات من القضاةِ وأعوانِ الشرطة المتهمين بالرشوةِ؛ وخَوّلَ الوزارة المُؤَسَّسة حديثاً للخدمة المدنيةِ والإصلاحِ الإداريِ أَنْ ترشّد الإجراءات الإدارية وتراقب سوء تصرف الموظفين.
ولكي تَجْعلَ العملية الانتخابية أكثر شفّافية، سنّت الحكومة عام 2002 قانونا انتخابيا جديدِا فرض غرامات قاسية وأحكاما بالسجنِ لتزوير الانتخابات.
لكن هذه التدابير لم تكَن كافيَة واستهدفت الرشوة التافهة بشكل كبير وما تزال الرشوة الكبيرة على حالها لأن لَها جذورا سياسية عميقةُ وتمس مصالح حَصينة وقوية مثل القوّات المسلحة والشركات الكبرى، والحكم الملكي.
في بدايات السبعينيات استعمل الملك الحسن الثاني الممتلكاتِ العامّةِ كوسيلة لضمان الولاء السّياسي للفاعلين الأقوياء .وهكذا بعد محاولتين انقلابيتين عسكريتين في عامي 1970 و 1971 وَزّع الحسن الثاني مئات من آلافِ أجود الأراضي الفلاحية المغربية على كبار الضباط العسكريين.
وقد عزز الدور المحوري للقوّات المسلحةِ الملكيةِ بين عامي سَنَوات.1 في حماية الصحراء الغربية، وهي إقليم صحراوي واسع تتنازعه حركة حرب عصاباتِ، قوة الجيشِ وقداسته .وطبقاً للدّستور، تعتبر القوّات المسلحةِ الملكية مؤسسةُ مقدّسة وجزءا من المجال السيد للملك.
ويصوّت على ميزانية الجيشِ السّنويةِ المقدرة ب 2 مليار دولار - حوالي 12 من أموالِ الدّولةِ الكليّةِ في البرلمانِ بدون مناقشة وتوَافق عليها الحكومةِ دون أي سؤال.
ويعاقب على انتقاد الجيشِ بالسّجنِ لمدة تصل إلى غاية ثلاث سَنَوات .وعندما ظهرت معلومات في الصّحافةِ خلال الفترة بين عامي 1999 و2001 عن تورط ضباط كبار في مخططاتِ صيد السالمغلقة؛حة واختلاس المواد الغذائية المدعومةِ، والوقود، ومواد البناء، راقبت الحكومة المعلوماتَ وأغلقت المنشورات.
وعوقب أولئك الذين أثاروا البلبلة في صفوف الجيشِ وحوكموا وتم اعتقالهم .وتعرض نقيب في القوات الجويةِ، يدعى مصطفى أديب، ندد بالاتجار في الوقودِ في الجيشِ عام 1998 إلى التحويل من قاعدةِ إلى أخرى، ونبذ وعوقب ورفض طلبه الاستقالةُ من الجيشِ. وعندما رفع قضيته إِلى الأوساطِ الدّوليةِ عام 1999 اعتقلَ وحُكِمَ عليه في محكمةِ عسكريةِ بالسّجنِ 5 سَنَواتِ.
وطبقاً لمنظمة الشّفافية الدّولية، التي منحته "جائزة النزاهةِ" عام 2000، فقد جرت المحاكمة خلف الأبواب المغلقة ؛ ولم يستمع إلى الشّهود الذين استدعاهم الدّفاعِ وكان من بين القضاةِ ضابطَ كان النقيبِ أديب قَدْ رفع عليه دعوى سابقاً.
وخفض الحكم إِلى سنتين ونصف السنةِ في محكمةِ عسكريةِ ثانية، لكن الحكم بـ "عدم البراءة" اُيّد.
وفي تشرين الأول/أكتوبرِ 2002، نشرت صحيفة التجديد، وهي يومية إسلامية قانونية، خبَر توقيف وسجن الضباط العرفاء، إبراهيم جلطي وجمال الزعيم، لشجبِهم تورط رؤسائهم في تجارةِ الوقودِ.
نَشرت أسبوعية لوجورنال ولوموند عريضة لمجموعةِ كبيرة على ما يبدو من ضبّاطِ الجيشِ يعملون في الصحراء الغربية شجبت "سلطة الجنرالات والضبّاطِ الكبار الذين يسحبون بطريقة غير شرعية من أموالِ أسلاك الجيشِ المختلفة".
لكن القوّات المسلحةَ لم تكَن المستفيد الوحيد من سخاء الحكم الملكيِ. فلثلاثة عقودِ، استغلت عائلات حضرية بارزة ذات صلات تاريخية وسياسية قويةِ بالحكم الملكيِ موقعها العاليَ في الحكومة والقطاع العامِ لجمع ثروات ضخمة خاصّة. ومن خلالِ تسهيلات القروض المريبةِ، و الخدماتِ المدعومة من الدولة، والعقود العامة غير التنافسية، والمعاملة المالية التفضيلية، واستغلال أفضل الشّركاتِ المغربية العامّة لتحقيق المكاسبِ الخاصّةِ، أسست هذه العائلاتِ احتكارا على القطاعاتِ الرّئيسيةِ للاقتصاد.
بَدأ مدى الفسادِ ضمن شركاء الأعمال التّقليديين للحكم الملكيِ يَظْهر منذ عام 1999 عندما كَشفت الصّحافةَ المستقلةَ ولجان التّحقيقِ البرلمانيةِ اختلاسات هائلة في البنوك، والضمان اجتماعي، والقروض الزراعية والإسكانية، والشركات العمومية، ومشاريع المساعدةِ الدوليةِ.
وفي عام 2002، قدر مجموع الأموالِ المُختَلَسةِ من القطاع العامِ ب 15مليار دولار أي ما يعادل الدّينِ المغرب الأجنبي. وعلى الرغم من المطالبات المتكرّرة بتحقيقات كاملة وشفّافة، لا أحد من المسؤالفسادِ.ار حُوكم بسبب "نقص الأدلة".
والأحزاب السّياسية، من خلال العملية الانتخابية، متورطة في نوعِ مختلفِ من الفسادِ .حتى منذ الـستينيات نظم المغرب انتخابات محلية وتشريعية منتظمة كَانت مفتوحة وتعددية بشكل نسبي، لكنها لم يكن المراد منها أن تكفل حق إبداء الرأي أو أن تَجْلب تغييرا سياسيا.بل كانت قد قَدْ صُمّمت كي تقدم آلية لسيطرةِ النّخبةِ والتّجديدِ من فوق من خلال عمليةِ إداريةِ لإعادة الهيكلة والمكافأة والإقصاء واختيار الزميل.
بالإضافة إِلى امتيازات وفوائدِ أخرىِ، يتلقى كل عضو في البرلمانِ 3600 دولار شهرياً في بلدِ حيث متوسط الدّخل السّنوي أقل من 2000 دولار .وهناك إشارة أخرى لاختيار الزميل وهي تضّخمُ المؤسساتِ التّمثيلِية. فبالمقارنة مع أعضاء الكونغرس الأمريكي ال 535 تَتنافسُ النُّخَب السّياسية المغربية على 595 مقعدا برلمانيا (325 مقعدا في الغرفة السفلى، 270 مقعد في مجلس الشيوخ) و23689 نائبا في المجالسِ المحليةِ يمثّلون ال 30 مليون نسمة في ا لمغرب.
اعتبرت الانتخابات التّشريعية لعام ـ2002 والـ والانتخابات البلدية لعام 2003، الأولى في عهدِ الملكِ محمد السادس الاقتراعات الأكثر شفافية في المغرب منذ عام 1963. لكن ما تزال مشاكل جدّيةَ تُقوّض العملية الانتخابية.
ومع أن العديد من المواد في القانون الانتخابي الجديدِ تنص على فرض غرامات وأحكام بالَسجن في حق سلوكِ التزوير، النّص غالباً غير منسجم مع إجراءاتِ التصويت.
وما زال مرشحون وممثلو السلطة عديمي الضمير يجدون المجال للتلاعب بالعملية والنتائج كما شاءوا .وتَتضمّنُ مشاكل أخرى ظهور حوالي 62 حزبِا سياسية دون برامج أو ببرامج يتعذر تمييزهاُ؛ تمزيق المناطقِ الانتخابية لإضعاف الصّوت الحضري المستقل نسبيا؛ تنظيم الانتخابات في مجلس الشيوخ بعد انتخابات الغرفة السفلى، مما يسْمحُ للأحزاب المهيمنة والإدارة بـ "تصحيح" التوازنات السياسية غير المتوقّعة في الغرفة السفلى ؛ ونظام حصصِ شكليِ للإبقاء على الأحزاب، خاصةً الإسلامية تحت السيطرة والظاهرة واسعة الانتشار لشراء وبيع الأصواتِ.
وأخيراً، فإن الأحزاب السّياسية توفر غطاء مؤسساتيا لأعضاءِ مجلس الوزراءِ الذين ليست لديهم مشكلة انتماء حزبِي والذين يختارهم القصرِ لخدمتهَ .وهكذا بالإضافة إِلى الوزارات الرسميةِ للسّيادةِ (الدفاع، الشؤون الخارجية، الشؤون الدينية، والداخلية)، يستخدم الحكم الملكي غطاءَ الأحزابِ السّياسيةِ ليُعيّنَ وزراءه التكنوقراطيين.
الهوامش
(file:///E:/data/doc/19-20/Article17.html#_ftnref1#_ftnref1) عبد السلام المغراوي مدير مشارك لبحوثِ ودراسات العالمِ الإسلامي في برنامج البحوثِ والدِّراساتِ بمعهد الولايات المتحدة للسّلامِ
لحسن عيساني
24-12-2008, 04:06 PM
NAQD n°17 (javascript:top.openResultPage('(Number:%7b17%7b)% 20AND%20(ArticleLevel:principal)','Sommaire',0);), printemps-eté 2003, pages 41-43 (arabe).
عبد الحفيظ حمدي شريف
عبد الحميد شبيح... أو وعود فجر متجدد
ترجمة :لحسن عيساني
(javascript:openWindow('Note18.html','Fiche',%2030 0,%20300))
يقال أنه عندما يرفع العلم يذهب الذكاء أدراج الرياح لكن ها هي حالة يرفع فيها العلم دون أن يذهب الذكاء حيث يعمل على العكس من ذلك على إيقاظه ومنحه معالم ويبقيه يقضا.
والفنان عبد الحميد شبيح هو لا محالة ما يمكن أن ندعوه ''المواطن الصالح'' صهرته المحن القاسية لليتم والترحال وهو يسكن في مكان تطبعه العدالة الاجتماعية ومنفتح على الإنسانية جمعاء.
هو رجل مؤمن وتقي وفيّ في التزاماته وفي صداقته ويزدري الانقسامات الإيديولوجية ويتخذ كصديق أثير منذ أكثر من ثلاثين عاما شخصا أصبح مناضلا شيوعيا.
ولمن يعرف قوة الانقسامات في الجزائر فان هذا يعتبر أمرا مفاجئا.
ويلذ له أن يتحدث عن أصدقائه الشعراء لكنه يحرص على أن يعرف نفسه بوصفه شاعرا شعبيا لأنه حتى وإن كان يكتب باللغة العربية الفصحى (فهو حاصل على شهادة الليسانس في اللغة العربية ولطالما درّس أدبها) فإن مجاله الحقيقي يبقى دائما كما يقول هو'' الملحون''.
ولأنه خجول وانطوائي فهم بعيد عموما عن المنابر الرسمية سواء بإرادته أو بسبب الرقابة.
ولأنه ينحدر من الحضنة التي ولد فيها عام 1955 فانه لم يغادر حياة البدو إلا مؤخرا جدا ولأنه يدرس في سطيف و لم يكن يملك فيها سكنا فقد واصل السفر خلال عدة أعوام بين المكانين: هناك حيث يعمل والمسيلة حيث يقيم.
ولأنه مثل جميع الرّحل فإن هذا الشاعر لا يسكن مكانا إنما يسكن فضاء، وحتى حين حصل على سكن لم يكد يستقر فيه، إذ أنه قرر عندئذ أن يتقاعد حتى يكون أكثر حرية.
ومع أن ثقافته تكاد تنحصر في العربية فليس من الصدفة أن تكون القصيدة التي أثرت فيه إلى الأبد هي رائعة :Liberté Eluard Paul
والمثير فيه هو أنه ليس شاعر مناسبات فقد تعودنا حتى الآن في مجال الشعر الشعبي الذي يتناول قضايا سياسية نسبيا على كتابات المجاملة أو الاحتفالات والمدح الذي يتملق سادة اللحظة.
ولكن لا شيء من هذا عند شبيح فنحن أمام شخص على الرغم من أنه يدور في فلك الشعر التقليدي، على غرار أساتذة هذا النوع ألا وهم بن كريو وبن قيطون وسماتي...الخ فإنه يضمّن نصوصه محتوى واضحا وشجاعا وناقدا، وإجمالا محتوى معاصرا.
ويكمن عالمه برمته في البيت الأول من قصيدة'' قوافل عز'': التل وقمحه الأسطوري ودقلة نور تمر الصحراء.وهنا بين الهضاب العليا للبلاد في سطيف، ذات الجمال الساكن والجاف، ولكن حيث تحمل الريح عبق التربة الندية وبين هذه الأقاليم على تخوم الصحراء, مترددا بين جدب الإستبس وروعة الرمال، يتناثر الشعر محاولا في كل ثنايا التمرد أن يقول ذكرى الأموات وشرف الأحياء.
هناك في شعر شبيح حزن لأنه يتغنى بإباء الفقراء إنما ليس ذلك استسلاما، بل على العكس هو ''دمار ''أي أنه بمعنى آخر مفعم غضبا وسخطا.
ويضفي هذا الحزن الغاضب و هذه الثورة نفحة ملحمية على غالبية نصوصه.وتعالج تلك التي اخترنا أن نقدمها لكم هنا ثلاثة أحداث كبرى تعد لحظات قطيعة في تاريخ الجزائر: ماي 1945 وأكتوبر1988 وكمرجعية للاثنين نوفمبر1954.
وهي مبنية على ذهاب وإياب مستمرين بين ماض وحاضر، حيث يستدعى الماضي لا كاحتفال سلبي بالذكرى إنما من أجل التقييم: ماالذي آلت إليه العهود والوعود المقطوعة ؟ أين نحن مما كان بمقدورنا وينبغي علينا فعله؟ لهذا وظفت رمزية أماكن كبيرة : الأوراس، جرجرة، الصومام, مغرس، بوسلام، خراطة، قالمة و سطيف طبعا.
وقد حولت هذه الرموز إلى أساطير لكن لا لأغراض شعرية.فالملحمة تسجل أيضا أثرا تلعب فيه هذه الأساطير دور الحرس والرقباء والعسس.حتى نعيد عبارة طاهر جاووت لأن الشاعر يسائل ويحاكم باسم نوفمبر والأوراس وجرجرة والصومام، أولئك الذين سيهرقون الدم في أكتوبر 1988 ! وباسم ماي 1945 يقيّم الاستغلال والقمع الذي ن يمارسان اليوم.
ويتم التنديد بالظلم الذي يشكل ثابتا عنده باسم الوعود التي حملتها هاته الثورات، ولا تستثنى من هذا أي قصيدة من قصائده إلى درجة أنه بعد أن رأى أن الأمور ما فتئت تزداد سوءا، هاهو الآن يخاطب الأطفال الذين وجه إليهم قصائده الأخيرة.
غير أن هذه الميثولوجيا لا تؤدي فقط إلى الاحتفال السلبي بل إلى نوع من اليقظة الحذرة كما في نهاية قصيدة أكتوبر 1988 :
عد رجالك لا تامن شي حكام
وهذا نوع من إضفاء الطابع الأسطوري/ نزع التضليل. إضفاء طابع أسطوري يستعمل الأساطير لكشف الغاصبين.أولئك الذين يستغلونها من أجل مصالحهم الخاصة والذين باسم الذاكرة ينتفعون.
تاريخ الأجداد راقد فيه توام
والنقد الواضح والحاد الذي يوجهه شبيح لكل أشكال الاستغلال خاصة استغلال المقدس والدين والعلم:
مرة باسم الدين مرة باسم لعلام
وهو يستهدف لا محالة، في المقام الأول القادة والأنظمة لكنه لا يستثني الشعب أيضا والمجتمع، عندما يفقد الشجاعة.وشعره في هذا ليس لا ديماغوجيا ولا شعبويا.فالبلد بالنسبة له هو نوع من المطلق.
وتتضاعف الأسطرة/ نزع التضليل في ذات الوقت باعتراف وإنكار.اعتراف للأسلاف والأماكن الرموز لما ندين لهم به: ،تاريخ واسم ومجد، وكذلك تنكر لأن ميراثهم قد شوّه،و خطابهم قد تعرّض للخيانة.
ولم نعد نعرف أنفسنا وهذا يذكرنا بالكلمات الجميلة التي قالها محمد قاسيمي الذي شبّه الجزائر بشخص عزيز نلقاه وقد احترق وجهه، وجه ''نستطيع أمامه أن نصرخ من الفزع لنتحدث عن فظاعة استحالته،أو نداعبه قليلا ونبحث تحت الجرح عن ملامح الجمال التي أرادت النار أن تطمسها''.
والجواب يقول قاسيمي هو ''أن لا ندع المأساة تتحدث وحدها، ولكن أن نقطع عليها حديثها حتى نجد شطر الحياة الذي تدعي أنها تجهله.
وشطر الحياة هذا هو ما يحاول شعر شبيح أن يوقظه عن طريق إعادة الوعود بهذا الفجر المتجدد الذي كانته جميع المعارك من أجل الحرية والمساواة.
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2026, TranZ by Almuhajir