مشاهدة النسخة كاملة : الدعوة السلفية ليست أفكار بشرية
أبو عبد الرحمن2
27-12-2008, 12:52 PM
هذه هي الدعوة السلفية
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإنَّ الدعوة إلى دين الإسلام وظيفة الرسل وأتباعهم، وإنَّ الرسل لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً، وإنَّما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، وإنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قاموا بتبليغ ما أمروا به لأممهم وبينوا الشرائع أتم البيان، واقتفى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم سبيلهم في ذلك فأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، وترك أمته على محجة بيضاء ليلها ونهارها سواء، واتبعه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم فبلغ الشاهد الغائب، حتى وصلنا هذا الدين غضًّا طريًّا.
فلزم حماة الدين وأتباع الرسل الدعوة إليه والعمل على نشره وتبليغه؛ إذ هو الميراث الذي ورثوه، ودعوتهم إلى الدين مبنية على أصول نطق بها الكتاب وجاءت بها السنة وعمل بها الصحابة الكرام ومَن جاء بعدهم من أئمة الهدى، وقد بُنيت على قواعد وأصول كفيلة بتحقيق الوصول إلى غاية المأمول، وهي:
أوَّلاً: الاِعتِصَامُ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالىَ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلَّم:
لأنَّهما سبيل الهدى، والعُروة الوثقى؛ من استمسك بها فقد اهتدى، ومن أعرض عنها فقد ضلَّ وغوى، وخاب وهوى، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم فَإِن تَنَازَعتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُم تُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأوِيلاً﴾ [النساء: 59]، قال عطاء في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم﴾ قال: "أولي الفِقه وأولي العِلم، وطاعةُ الرَّسول اتِّباعُ الكتاب والسُّنَّة". وقال مجاهد: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم﴾ قال: أهل العِلم وأهل الفِقه، ﴿فَإِن تَنَازَعتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال: كتابُ الله وسنَّة نبيِّه، ولا تردُّوا إلى أولي الأمر شيئًا"([1]).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تَركتُ فِيكُم شَيئَينِ، لَن تَضِلُّوا بَعدَهُمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي، وَلَن يَتَفَرَّقَا حَتىَّ يَرِدَا عَلَيَّ الحَوضَ"([2]).
ثانيًا: التَّمَسُّكُ بِمَا كَانَ عَلَيهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَالاِقتِدَاءُ بِهِم وَاتِّبَاعُ سَبِيلِهِم.
وذلك لما خصَّهم اللهُ جلَّ وعلا به من فصاحة اللِّسان، وصفاء الأذهان، وقوَّة البيان، ومُعايَشة القرآن، ومُصاحبَة سيِّد ولَد عدنان صلى الله عليه وسلم، وحماية شرائِع الإيمان. فمنهجهم أَقوم، ورأيُهم أسلَم، وفهمُهم أَحكم، وهم بِمُراد اللهِ ورسولِه أَعلم.
قال عزَّ وجلَّ: ﴿اِهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِم﴾، قال عبد الرَّحمن بن زَيد: "النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ومن معه"([3]).
وقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِع غَيرَ سَبِيلِ المُؤمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَت مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿والسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُم وَرَضُوا عَنهُ وَأَعَدَّ لَهُم جَنَّاتٍ تَجرِي تَحتَهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة: 100].
وروى ابنُ مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَيرُ النَّاسِ قَرنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم ..."([4])، وقال ابنُ مسعود رضي الله عنه: "مَن كان منكم مُستَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بمن قد مات؛ فإنَّ الحيَّ لا تُؤمَن عليه الفِتنةُ، أولئك أصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم كانوا أفضلَ هذه الأمَّة، وأبرَّها قلوبًا، وأعمَقَها عِلمًا، وأقلَّها تَكلُّفًا، قَومٌ اختارهم الله لصُحبة نبيِّه وإقامة دينِه، فاعرِفُوا لهم فضلَهم، واتَّبِعوهم في آثارهم، وتمسَّكوا بما استطعتم من أخلاقِهم ودينِهم، فإنَّهم كانوا على الهدى المستقِيم".
وقال أيضًا: "إنَّ الله نظَر إلى قلوب العباد فوجَد قلب محمَّد صلى الله عليه وسلم خيرَ قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فابتَعثَهُ برسالة، ثمَّ نظر إلى قلوب العباد بعد محمَّد فوجد قلوب أصحابه خيرَ قلوب العباد، فجعلهم وُزَرَاء نبيِّه؛ يقاتِلون على دينِه، فما رَأَى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسنٌ، وما رَأَوه سيِّئًا فهو عند الله سيِّءٌ"([5]).
ثالثًا: العَمَلُ عَلَى جمَعِ كَلِمَةِ المُسلِمِينِ وَتَوحِيدِ أَفكَارِهِم عَلَى هَذَا الهَديِ المُستَقِيمِ وَالمَنهَجِ القَوِيمِ.
قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَاعتَصِمُوا بِحَبلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَلاَ إِنَّ مَن قَبلَكُم مِن أَهلِ الكِتَابِ افتَرَقُوا عَلَى ثِنتَينِ وَسَبعِينَ مِلَّةً، وَإِنَّ هَذِهِ المِلَّةَ سَتَفتَرِقُ عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبعِينَ؛ ثِنتَانِ وَسَبعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الجَنَّةِ، وَهِيَ الجَمَاعَةُُ"([6]).
رابعًا: تَبنِّي مَنهَجِ الإِصلاَحِ فِي الدَّعوَةِ إِلىَ اللهِ جَلَّ وَعَلاَ بَعِيدًا عَنِ المُستَهتَرَاتِ السِّياسيَّة ومَضايِقِ الحِزبِيَّةِ.
ـ إصلاح الدِّين وتصفيته ممَّا لابسه من البِدع والضَّلالات.
ـ إصلاح التَّوحيد وتنقيته ممَّا شابه من الشِّرك والخرافات.
ـ إصلاح النُّفوس وتزكيتها ممَّا شانها من الانحرافات والمهلِكات.
ـ إصلاح العِلم وتطهيره ممَّا لبسه من الأوهام والخيالات، قال عزَّ وجلَّ: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا استَطَعتُ﴾ [هود: 88].
خامسًا: العِنَايَةُ بِالعِلمِ وَنَشرُهُ وَبَثُّهُ وَتَعظِيمُ حَمَلَتِهِ وَرِجَالِهِ، وَالحَثُّ عَلَى طَلَبِهِ وَتَحصِيلِهِ، وَتَيسِيرُ طُرُقِهِ، وَمُحَارَبَةُ الجَهلِ المُخَيِّمِ بِكَلاَكِلِهِ عَلَى البِلاَدِ، المُعَشِّشِ بخُيُوطِهِ عَلَى عُقُولِ العِبَادِ.
قال ابنُ القيِّم : في "إعلام الموقعين" (2/ 238): "... ولم يُوجِب الله سبحانه من ذلك على الأمَّة إلاَّ بما فيه حِفظ دينها ودُنياها وصلاحها في مَعاشها ومَعادها، وبإهمالها ذلك تَضِيع مصالحُها وتفسُد أمورُها، فما خَراب العالَـم إلاَّ بالجهل، ولا عمارته إلاَّ بالعلم، وإذا ظهر العلم في بَلد أو مَحَلَّة، قلَّ الشَّرُّ في أهلها، وإذا خَفي العلم هناك ظَهر الشَّرُّ والفساد، ومن لم يعرف هذا فهو ممَّن لم يجعل الله له نورًا، قال الإمام أحمد: "ولولا العلم كان النَّاس كالبهائم"، وقال: "النَّاس أَحوج إلى العلم منهم إلى الطَّعام والشَّراب، لأنَّ الطَّعام والشَّراب يُحتاج إليه في اليوم مرَّتين أو ثَلاثًا، والعِلم يُحتاج إليه في كلِّ وقت".اهـ
سادسًا: الدَّعوَةُ إِلَى إِبقَاءِ بَابِ الاِجتِهَادِ مَفتُوحًا([7]) فيِ مَسَائِلِ النَّوَازِلِ، بِشُرُوطِهِ وَضَوَابِطِهِ، وَنَبذِ التَّعَصُّبِ المذهَبِيِّ، وَالتَّقلِيدِ الأَعمَى لِلأئِمَّةِ، فِي ظِلِّ احتِرَامِهِم وَتَقدِيرِهِم وَمَعرِفَةِ فَضلِهِم وَحُقُوقِهِم وَمَرَاتِبِهم.
قال العلاَّمة البَشير الإبراهيميُّ رحمه الله: "...وقد استَحدث العِمران أنواعًا جديدة من المعاملات الدُّنيويَّة لا عَهدَ للإسلام الفِطريِّ بها، وصُوَرًا شتَّى من المعايِش ووُجوه الكَسب، لم تَكن معروفةً، فمِن سماحة التَّشريع الإسلاميِّ ومُرونَته أن تُتَناولَ هذه المستَحدَثات الجدِيدة بأنظار جدِيدةٍ، وتُستَنبَط مِن أُصولِه أحكامٌ لفُروعِها، وكلُّ هذِه لا حَرج فيه، وليس داخلاً فيما نَشكوه، بل نحن أوَّلُ من يَقدِرُ قَدرَ تِلك الأنظار الصَّائِبة والمدارِك الرَّقيَّة، ويُقيمها دليلاً على اتِّساع التَّشريع الإسلاميِّ لمصالح النَّاس، وصلاحيَّته لجميع الأزمنة، ويُنكر على من سَدَّ هذا الباب على الأُمَّة، فزَهَّدَها في استِجماع وسائِله، ونحن أوَّل من يَقدِرُ قَدرَ أُولِئك الأَئِمَّة العِظام الَّذين هم مفاخِر الإسلام.
والمذاهِب الفِقهيَّة في حدِّ ذاتها ليست الَّتي فرَّقت المسلِمين، وليس أصحابُها هم الَّذين أَلزَموا النَّاس بها أو فَرَضوا على الأُمَّة تقلِيدَهم، فحَاشَاهُم من هذا، بل نَصحُوا وبَلَغُوا الجهد في الإبلاغ، وحَكَّمُوا الدَّليل ما وجدوا إلى ذلِك السَّبيلَ، وأَتَوا بِالغَرائِب في باب الاستِنباط والتَّعليل، والتَّفرِيع والتَّأصِيل، ولهم في باب استِخراج عِلَل الأَحكَام، وبناء الفُرُوع على الأصول، وجَمع الأَشباهِ بالأَشبَاهِ، والاِحتِياط ومُراعاة المصَالح ما فَاقُوا به المتَشَرِّعِين في جميع الأُمَم.
وإنَّما الَّذي نَعُدُّه في أسباب تَفرُّق المسلِمين هُوَ هذِه العصبيَّة العَميَاء الَّتي حَدثَت بعدَهم لِلمذاهِب والَّتي نَعتقِد أنَّهم لو بُعِثوا من جديد إلى هذا العالمَ لأنكروها على أتباعهم ومُقَلِّدِيهم، وتبرَّأوا إلى الله منهم ومنها، لأنَّها ليست من الدِّين الَّذي ائتُمِنوا عليه، ولا من العِلم الَّذي وَسَّعوا دائِرَتَه.
وكيف يَرضَون هذِه العصبيَّة الرَّعناء ويُقِرُّون عليها مُقلِّدِيهم، ومن آثارها فيهم جَعلُ كلام غيرِ المعصُوم أَصلاً وكلامِ اللهِ ورسولِهِ فَرعًا يُذكَر للتَّقوِية والتَّأيِيد إن وَافَق، فإِن خالَف أُرغِم بالتَّأويل حتَّى يُوافِق، وهذا شرُّ ما بَلَغته العصبيَّةُ بأهلِها.
ومن آثارها فِيهم معرفَة الحقِّ بالرِّجال، ومن آثارها فيهم اعتِبَار المخالِف في المذهَب كالمخالِف في الدِّين يختلف في إمامَتِه ومُصاهرَتِه وذَكاتِه وشَهادتِه إلى غير ذلك ممَّا نَعُدُّ منه ولا نُعَدِّدُه.
وقد طَغَت شُرور العصبيَّة للمذاهِب الفِقهيَّة في جميع الأقطار الإسلاميَّة، وكان لها أَسوأُ الأَثَر في تَفرِيق كلِمة المسلِمين، وأنَّ في وجه التَّاريخ منها.
أمَّا آثارها في العلوم الإسلاميَّة فإنَّها لا تمدُّها إلاَّ بنَوع سخِيف من الجدل المكابِر، لا يُسمِن ولا يُغنِي مِن جُوع، ولا عَاصِم مِن شُرور هذه العصبيَّة إلاَّ صَرفُ النَّاشِئَة إلى تعلِيمٍ فِقهيٍّ بِسَنَدٍ على الاستِقلال في الاستِدلال، وإِعدادِها لبُلُوغ مراتِبِ الكَمال، وعَدم التَّحجِير علَيها في استِخدام مَواهِبِها إلى أَقصى حَدٍّ).اهـ([8])
سابعًا: البَدَاءَةُ بِالأَهَمِّ فَالأَهَمِّ وَمُرَاعَاةُ أُُصُولِ الشَّرعِ وَقَوَاعِدِهِ، وَمَصَالِحِهِ وَمَقَاصِدِهِ، عملاً بالقاعِدة العَظِيمة مِن قواعِد الإِسلام في بِناء الأَحكام وتحقِيق مصالح الأنام، وتَميِيز الحلال عن الحرام: (دَرءُ المفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلبِ المَصَالِحِ) و(تَحصِيلُ أَعلَى المصلَحَتَينِ وَإِن فَاتَت أَدنَاهُمَا، وَدَفعُ أَعلَى المفسَدَتَينِ وَإِن وَقَعَ أَدنَاهُمَا).
قال العَلاَّمة ابنُ القيم : في "مفتاح دار السَّعادة" (2/ 362 ـ 363 علي): "فإذا تأمَّلت شرائِع دينِه الَّتي وضعها بين عباده، وجدتها لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالِصَة أو الرَّاجِحة بحسَب الإمكان، وإن تزاحمت قُدِّم أهمُّها وأجلُّها وإن فاتَت أدناهما، وتَعطِيل المفاسِد الخالِصَة أو الرَّاجِحة بحسَب الإِمكان، وإن تزاحمت عُطِّل أعظمُهُما فسادًا، باحتِمال أدناهما، وعلى هذا وَضَعَ أَحكَمُ الحاكِمِين شرائِعَ دِينِه دالَّةً علَيه، شاهِدَة له بكمال عِلمِه وحِكمَتِه، ولُطفِه لعباده، وإِحسانِه إِليهم، وهذِه الجُملة لا يستَرِيب فيها مَن له ذَوقٌ من الشَّريعَة، وارتَضَع من ثَديِها، ووَرَد من صَفوِ حَوضِها، وكلَّما كان تَضَلُّعه منها أعظمَ كان شُهُوده لمحاسنِها ومصالحِها أكملَ، ولا يُمَكِّن أحدًا من الفُقَهاء أن يتكلَّم في مأخذ الأحكام وعِلَلها والأوصاف المؤثِّرَة فيها حقًّا وفَرقًا إلاَّ على هذِه الطَّريقة" اهـ.
عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلَّم لما بَعث مُعاذًا إلى اليَمن قال له: "إنَّكَ تَأتِي قَومًا مِن أَهلِ الكِتَابِ، فَليَكُن أَوَّلَ مَا تَدعُوهُم إِلَيه شَهَادَة أَن لاََّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فَإِن هُم أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فََأَعلِمهُم أَنَّ اللهَ افتَرَضَ عَلَيهِم خَمسَ صَلَوَاتٍ فيِ كُلِّ يَومٍ وَلَيلَةٍ، فَإِن هُم أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعلِمهُم أَنَّ اللهَ افتَرَضَ عَلَيهِم صَدَقَةً تُؤخَذُ مِن أَغنِيائِهِم فَتُرَدُّ إِلَى فُقَرَائِهِم، فَإِن هُم أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَموَالِهِم، وَاتَّقِ دَعوَةَ المَظلُومِ فَإِنَّهُ لَيسَ بَينَها وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ"([9])
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: "يَا عَائِشَةُ لَولاَ قَومُكِ حَدِيثٌ عَهدُهُم بِكُفرٍ لَنَقَضتُ الكَعبَةَ فَجَعَلتُ لَهَا بَابَينِ، بَابٌ يَدخُلُ النَّاسُ مِنهُ، وَبَابٌ يَخرُجُونَ"([10])
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في بيان ما يستفاد من هذا الحديث: "ومنه تركُ إنكار المنكر خَشيةَ الوُقُوع في أنكرَ مِنهُ"([11])
وقال العلاَّمة ابنُ القيِّم رحمه الله في "إعلام الموقعين" (3/ 15 ـ 16): "إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم شرع لأمَّته إيجابَ إنكار المنكر، ليحصُل بإنكاره مِن المعروف ما يحبُّه اللهُ ورسولُه، فإذا كان إنكار المنكر يستلزِم ما هو أنكرَ منه وأبغضَ إلى الله ورسوله، فإنَّه لا يَسُوغ إنكاره، وكان الله يُبغِضُه ويَمقُتُ أهلَه، وهذا كالإنكار على الملوك والوُلاة بالخروج عليهم؛ فإنَّه أساسُ كلِّ شرٍّ وفِتنة إلى آخر الدَّهر، وقد استأذن الصَّحابةُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في قِتال الأُمَراء الَّذين يؤخِّرون الصَّلاة عن وقتها، وقالُوا: أفلا نُقاتِلهم؟ فقال: "لاَ مَا أَقَامُوا الصَّلاَةَ"، وقال: "مَن رَأَى مِن أَمِيرِهِ مَا يَكرَهُ فَلْيَصبِرْ وَلاَ يَنزِعَنَّ يَدًا مِن طَاعَتِهِ".
ومن تأمَّل ما جرى على الإسلام في الفِتن الكِبار والصِّغار رآها مِن إِضاعة هذا الأَصل وعَدم الصَّبر على المنكر؛ فطلب إزالته فتولَّد منه ما هو أكبرُ منه، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بمكَّة أكبرَ المنكرَاتِ ولا يَستطِيع تغيِيرَها، بل لمَّا فتح اللهُ مكَّة وصارت دار إسلام عَزَم على تغيِير البَيت وردِّهُ على قواعِدِ إبراهيم، ومَنَعه من ذلك مَعَ قُدرته عليه خَشيَةُ وقوعِ ما هو أعظمُ منه من عدم احتِمال قُرَيش لذلك لِقُرب عَهدِهم بالإسلام وكونهم حَدِيثي عَهدٍ بكُفر، ولهذا لم يأذَن في الإنكار على الأُمَراء باليَد؛ لما يترتَّب عليه من وُقوع ما هو أعظمُ مِنه كما وُجد سواء". اهـ
ثامنًا: النُّهُوضُ بِالأُمَّةِ لاِستِردَادِ سِيَادَتِهَا وَاستِئنَافِ الحَيَاةِ الإِسلاَمِيَّةِ الرَّاشِدَةِ عَلَى مِنهَاجِ النُّبُوَّةِ.
عن حُذَيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: "تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُم مَا شَاءَ اللهُ أَن تَكُونَ، ثُمَّ يَرفَعُهَا اللهُ إِذَا شَاءَ أَن يَرفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةٌ عَلَى مِنهَاجِ النُّبُوَّةِ فََتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَن تَكُونَ، ثُمَّ يَرفَعُهَا اللهُ إِذَا شَاءَ أَن يَرفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَن تَكُونَ، ثُمَّ يَرفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللهُ أَن يَرفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيًّا فََتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَن تَكُونَ، ثُمَّ يَرفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَن يَرفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةٌ رَاشِدَةٌ عَلَى مِنهَاجِ النُّبُوَّةِ"، ثُمَّ سَكَتَ.([12])
هذه دعوتُنا الَّتي نَدعُو النَّاسَ إِلَيها، وهذَا مَنهجُنا الَّذِي نَسِير علَيه، والهدَف الَّذي نَرمي إِليه، مُتوسِّطين، لا غالِين ولا مُقصِّرين، ولا مُفْرِطِين ولا مُفَرِّطِين. فَهِي دعوةٌ نبويَّةٌ نقيَّةٌ، وطريقَةٌ سلَفِيَّةٌ سويَّةٌ، لا كلاميَّةٌ ولا صوفيَّةٌ، ولا حزبيَّةٌ ولا عصبيَّةٌ، زيتونةٌ لا شرقيَّةٌ ولا غربيَّةٌ.
ونحن نَدعو المسلِمين إلى الرُّجوع إلى هذا المنهج المتِين، لأنَّنا نعتَقِد جازِمِين، ونقول مؤكِّدِين، إنَّه ما أصاب الأمَّةَ الإسلاميَّةَ من ذُلٍّ وهَوَانٍ، وحلَّ بها مِن ضَعَةٍ وخُذلانٍ، وتَقَهقُرٍ في كلِّ مَيدَان، حتَّى لَعِب بها الزَّمان، وصارَت لُقمَةً سائِغَة لأعدائِها في كلِّ مكان، إلاَّ بإعراضِها عن منهج السُّنَّة والقرآن، وهَديِ سلَفِها عليهم الرِّضوانُ، فلا سبيلَ لها لاستِرجاع سِيادَتها، واستِرداد قِيادتها إلاَّ بالرُّجوع إلى دينها الصَّحيح.
عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا تَبَايَعتُم بِالعِينَةِ وَأَخَذتُم أَذنَابَ البَقَرِ وَرَضِيتُم بِالزَّرعِ وَتَرَكتُم الجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيكُم ذُلاًّ لاَ يَنزِعُهُ حَتَّى تَرجِعُوا إِلَى دِينِكُم"([13])
وهذه شَهادَةٌ مُهمَّة من مُصلِح الأمَّة، الَّذي عايَشَ البَلاءَ، وشَخَّص الدَّاء، ووصَف الدَّواء، مَفخَرَة الجزائِر، العَلاَّمة محمَّد البَشِير الإبراهِيميّ : حيث يقول: "إنَّ علَّة العِلَل في سُقُوط المسلِمين وتأخُّرِهم وَرَاء الأُمَم، وانحِطاطِهم عن تِلك المكانَة الَّتي كانت لهم في سالِف الزَّمن، هي بُعدُهم عن ذلك الهديِ الرُّوحانيِّ الأَعلَى، وأنَّه لا يُرجَى لهم فَلاحٌ في الدُّنيا ولا في الآخِرَة، ولا صلاحٌ حتَّى يستَتبع صلاح المآل، ولا عزَّةُ جانِب، تَرُدُّ عنهم عادِيَةَ الغاصِبِين مِن الأجانِب، إلاَّ إذا راجعوا بصائِرَهم، واستَرجَعوا ذلك الهديَ الَّذي لم يَغصِبه مِنهم غاصِبٌ، وإنَّما هَجَروه عن طَوعٍ أَشبَه بالكُره، واختِيارٍ أَشبَه بالاِضطِرار، فبَاءُوا بالمَهَانَة والصَّغَار، والضَّعَة والخَسَار"([14])
ويقول في موضِع آخَر: "وما أخَّر المسلِمين إلاَّ هذا الشِّركُ الَّذي أَبعَدَ المسلِمين عن عِبادَة الله، لأنَّ الإنسان إذا تَلَفَّت إلى جِهاتٍ مُتعدِّدة فإنَّه يُصبِح بلا إرادة وما الإنسان إلاَّ إِرادةٌ وعزيمةٌ فإذا صَلَحت إِرادتُه صَلحَت عزيمتُه، وإذا أراد الإنسان إرادةً وسَعَى لها سَعيَها فإنَّ إِرادَتَه تُؤدِّي به إلى نَيل سَعادَة الآخِرَة، ومَن أَصبح بلا إِرادَة أَصبَح مُسَيَّرًا، ونحن الآن مُسَيَّرُون في كلِّ شَيءٍ، فانظُرُوا ذاتَ اليَمِين وذاتَ الشِّمال تَجِدُوا المسلِمِين مُسَيَّرِين مُتأخِّرِين في كلِّ شَيءٍ.
فإن أَرادُوا أن يَكُونُوا كغَيرِهم مِن الأُمَم فعَلَيهم أن يكُونُوا كَمَا كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَعَبِّرُوا بما شِئتُم مِن تَعَابِير، فَسَمُّوها بحرَكَةِ أُخُوَّة أَو حَرَكَةِ إِحيَاءٍ، لا إِحيَاء الإِسلام؛ لأنَّ الإسلام حَيٌّ، بَل إِحياء الإسلام في نُفُوسنا، وإنَّ الإسلام لا يَقُوم بالكَمِّ، بل بالكَيفِ، وتَدَبَّروا آياتِ سُورَة الأَنفَال، ولم يُرِدِ الله إِرهَاقَنَا بل أَرَاد أن يُثَبِّتَنا على القُوَّة الحَقَّة الَّتي هي قُوَّة النُّفوس الَّتي تَسكُنُ في الإِرادَات"([15])
وقال أيضًا: "أمَّا الباحِثُون في أحوال المسلِمين مِن المسلِمين فَهُم ينقسِمون فرِيقَين بَعد اتِّفاقِهم على أنَّ الجِسمَ الإسلاميَّ مَريضٌ، وأنَّ مَرَضَه عُضالٌ: فَريقٌ مِنهم هُدِيَ إلى الحقِّ فَعرف أنَّ الجِسمَ الإسلاميَّ لا مَطمَعَ في شِفائِه إلاَّ إذا عُولِج بالأَشفِيَة القَديمَة الَّتي صحَّ بها جِسمُ سَلَفِه، وغُذِي بالأَغذِيَة الصَّالحة الَّتي قَوِيَ بها سَلَفُه، وذلِك أنَّه أقام الدِّين فاستَقَامَت له الدُّنيا، وانقَادَ إلى الله فانقَادَ له عِبادُ الله، وأَخذَ كتابَ الله بقُوَّةٍ، فمَشَى على نُورِهِ إلى السَّعادَة في الدَّارَين، وأَرشَده إلى أنَّ سَعادَة الدُّنيا عِزٌّ وسُلطانٌ، وعَدلٌ وإِحسانٌ، وأنَّ سعادَة الآخِرَة حَياةٌ لا نَصَبَ فِيها ولا نِهايَةَ، واطمِئنانٌ لا خَوفَ مَعَه ولا كَدَرَ في أَثنائِه، ورِضوانٌ مِن الله أَكبَرُ..."([16])
ويقول أيضًا: "إنَّ شُيُوع ضَلالاَتِ العَقائِد وبِدَعِ العِباداتِ والخِلافِ في الدِّين هو الَّذي جرَّ علَى المسلِمين هذا التَّحَلُّل مِن الدِّين، وهذا البُعد عن أَصلِيَّة الأَصلَين، وهو الَّذي جرَّدهم مِن مزايَاه وأخلاقِه حتَّى وَصلُوا إِلى ما نَرَاه.
وتِلك الخِلال مِن إِقرَار البِدَع والضَّلالاتِ هِي الَّتي مَهَّدَت السَّبِيلَ لدُخُول الإلحَادِ علَى النُّفُوس، وهَيَّأَت النُّفُوس لقَبُول الإِلحادِ، ومُحَال أَن يَنفُذَ الإلحَادُ إِلى النُّفُوس المؤمِنَة؛ فإنَّ الإيمانَ حِصنٌ حَصِين للنُّفوس الَّتي تحمِلُه، ولَكنَّ الضَّلالاَتِ والبِدَعَ تَرمِي الجِدَّ بالهُوَينَا، وتَرمِي الحَصَانَة بالوَهن، وتَرمِي الحقِيقَة بالوَهم، فإِذَا هذِه النُّفوس كالثُّغور المفتُوحَة لكُلِّ مُهاجِمٍ"([17])
([1]) رواهما اللالكائي في "أصول الاعتقاد" (1/72، 73).
([2]) رواه الحاكم وسنده صحيح، "صحيح الجامع" (رقم 2934).
([3]) رواه ابن جرير في تفسيره (1/76).
([4]) متفق عليه.
([5]) رواه أحمد 1/379) بسند حسن، وقد روي مرفوعا ولا يصح، انظر "الأحاديث الضعيفة" (رقم 533) للشيخ الألباني رحمه الله.
([6]) رواه أبو داود وغيره، وهو حديث صحيح مشهور، انظر "الصحيحة" (رقم 204).
([7]) عبرت هكذا لأنه اشتهر على ألسنة المتأخرين قول (فتح باب الاجتهاد) وباب الاجتهاد لم يغلق – ولن يغلق، لأن ما فتحه الله تعالى لا تغلقه أيدي المتعصبة – حتى يفتح من جديد، وإنما المقصود منه الرد على الدعاوى العارية التي تدعو إلى غلق باب الاجتهاد.
([8]) "آثار البشير" (1/95، 96).
([9]) متفق عليه.
([10]) متفق عليه.
([11]) "فتح الباري" (1/271).
([12]) رواه أبو داود بإسناد حسن، انظر "الصحيحة" (رقم 5).
([13]) رواه أبو داود وأحمد وهو حديث صحيح، انظر "الصحيحة" (رقم 11).
([14]) "الآثار" (1/110).
([15]) "الآثار" (4/168، 169).
([16]) "الآثار" (4/222).
([17]) "الآثار" (4/410).
حكيم حبيب
27-12-2008, 02:43 PM
التعريف بالسلفية الوهابية
تعريف الوهابية
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
الفصل الأول
التعريف بالوهابية
تعريف الوهابية
خرافة الالتزام بفهم السلف
ابن تيمية الحراني
ابن القيم الشفيق بإبليس
محمد بن عبد الوهاب
الألباني محدث السلفية
الشيخ عبدالله فيلبي
تعريف الوهابية
فِرقة خرجت على حين ضعفٍ وفُرقةٍ بين المسلمين ، خرجت في آخر الزمان ، تركت قتال أهل الأوثان ، وقاتلت أهل الإسلام ، واعتبرتهم مشركين ، مالم يكونوا وهابية ويهاجروا إلى دار هجرتهم نجد ، وذلك في بداية دعوتهم كما أثبت ذلك الشيخ سليمان بن عبد الوهاب النجدي في معرض رده على أخيه محمد في كتابه (الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية) ، نجد تلك التي قال عنها الرسول الكريم (هناك الزلازلُ والفِتَنُ ومنها يخرج قرنُ الشيطان) وأبى أن يدعو لها بخير كما دعا لغيرها[1]
ولم ينقم الوهابية على المسلمين أموراً جوهرية ، بل جادلوا في مسائل ثانوية ، وكفَّروا المسلمين على أساسها ، ويدَّعون اتباع السلف لتقليدهم ابن تيمية وأذياله ؛ ولتعلقهم بظاهر القرآن والسنَّة مع المحاربة لإعمال العقل في فهم النص أو التأويل ، إلا أنَّ أفكارهم سرعان ما انكشف تهافتها ووهنها لكثير من العقلاء ، وعلماؤهم لا يستطيعون الوقوف أمام حجج المسلمين وبراهينهم ، فهم إن تحدَّثوا فكثيراً ما تسمع عيَّهم كمتحدثين ، وضعفهم في لغة القرآن الكريم ، ويهربون من كلِّ مناظرة علمية تهدف إلى تبيين الحق لأنهم يعلمون أن لا قِبَل لهم بذلك.
الشهادة بجهل الوهابية:
إن الجهل والسطحية لدى علماء الوهابية ، قد شهد بها الكثير ممن احتكوا بهذه الفرقة ، فقد روى الشيخ إبراهيم المنصوري أن ابن عبد الوهاب (كان يمنع أتباعه من مطالعة كتب الفقه والتفسير والحديث[2] ، وقد أحرق كثيراً منها وأذن لكل من اتبعه أن يفسر القرآن الشريف بحسب فهمه ... فكل واحد منهم يفعل ذلك حتى ولو كان لا يحفظ من القرآن شيئاً)[3] وهذا ليس بغريب على زعيم الوهابية ، فمن يقرأ تاريخه الحقيقي غير المزوَّر يدري بأنه جاء بعد تدريب مكثَّف بالعراق على أيدي المستشرقين الإنجليز لهدم الإسلام ، بل كانت الخطة – كما ذكر ذلك المستر هامفر أستاذ محمد بن عبد الوهاب في مذكراته - هدم الكعبة وإضافة المنسوخ من القرآن ، ولكنه اعتذر لأسياده عن فعل ذلك بحجة أن الدولة العثمانية سترسل إليه جيشاً جراراً يقضي على حركته إن فعل ذلك .
وذكر الشيخ محمد سليم الكيلاني [4]أن أحد المفتين الوهابيين ويدعى عبدالله بن خلف حضر إلى دمشق ، وطلب منه أن يعطيه كتابا في علم النحو ، وشيئا من فن الصرف ، فأمره أن يحضر مع صغار الطلبة الذين يدرسون كتاب (قطر الندى) وكتاب(النبأ في الصرف) ، وكذلك فعل القاضي الشيخ عبدالله مرعي ، ويعلق الشيخ الكيلاني على مستواهم هذا بقوله (فإذا كان هذا مبلغ علم قاضيهم ومفتيهم فما بالك في بقية علمائهم) ، ويضيف ( إني اجتمعت بكثير من علمائهم فوجدتهم من الجهل بمكان ، ومن العلم بمعزل).
ولا تعجب أخي القاريء ، فقدوتهم محمد بن عبد الوهاب كان جاهلا مغرورا ، وقد ذكر جهله أخوه سليمان بن عبد الوهاب في كتابه (الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية) ونسب إليه القصور العلمي وذلك في قوله : (ابتلي الناس بمن ينتسب إلى الكتاب والسنة ويستنبط من علومهما ولا يبالي من خالفه . وإذا طلبت منه أن تعرض كلامه على أهل العلم لم يفعل بل يوجب على الناس الأخذ بقوله وبمفهومه ومن خالفه فهو عنده كافر. هذا وهو لم يكن فيه خصلة واحدة من خصال الاجتهاد ، ولا والله ولا عُشر واحدة ، ومع ذلك راج كلامه على كثير من الجهال)[5].
ونحن ندعو من يشك في أمر جهل الوهابيين - إن كان يقول أن هؤلاء الذين يكتبون في الإنترنت هم جهال الوهابية - ندعوه ليس فقط إلى تأمل أفكارهم ، وما تنم عنه من معارف جزئية وسطحية ، كقولهم بعدم دوران الأرض ، بل إلى مطالعة أساليبهم الكتابية الركيكة الواضحة في كتبهم ورسائلهم وفتاويهم ، وأن يسمع كبار علمائهم عندما يتحدثون.
على أنه لم يستطع حتى من دافع عن الوهابيين إلا أن يعترف بجهلهم ، فهم يقولون أن الجهل كان سائداً في مناطق نجد بشكل عام . فقد جاء في شرح محمد حامد الفقي لأسباب نجاح الوهابية في حين فشل ابن تيمية وابن القيم الجوزية ، قوله (على نهج شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم سلك شيخ الإسلام[6] محمد بن عبد الوهاب ، ولكنه كان قد هُيأ له من الظروف مالم يتهيأ للشيخين . فبلاد نجد البدوية (حيث انطلقت دعوة ابن عبد الوهاب) غير مصر والشام (حيث نشط ابن تيمية ثم تلميذه ابن القيم) التي كانت تعج بالملوك والأمراء والجيوش والقواد والمدارس والحضارات وتكايا المتصوفة المختلفة ، والقضاة والعلماء والمدرسين في جميع المذاهب)[7] فهذا اعتراف منهم بجهلهم ، وبجهل من انطوت عليهم أفكارهم الفاسدة ، فأكثر أتباع الوهابية اليوم هم من الذين أغلقت أمام أعينهم وسائل معرفة الحقيقة ، فلا تدخل كتب المسلمين إلى ديارهم إلا إذا لمستها يد التحريف لتتناسب ومنظور التضليل الوهابي.[8]
تسميتهم بالحشوية والمشبِّهة والمجسِّمة:
الحشوية هم طوائف مرَّت على مدار التاريخ الإسلامي منهم (الكرامية) و (البربهارية) و (السالمية) وآخر العقد هم الوهابية (الوهابية) والتي خرجت منها فرقة أخرى اليوم تسمى (الجامية) ، وهم أصناف المجسمة عموماً.
وسبب تسمية الذين يُدخلون في العقيدة ما ليس منها بالحشوية : أن طائفة من أسلافهم حضروا مجلس الحسن البصري بالبصرة ، وتكلموا بالسقط عنده فقال : ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة – فتسامع الناس بذلك وسموهم (الحشَوية) بفتح الشين ويصح إسكانها – وناسبهم لقولهم بالتجسيم ، لأن الجسم محشو ، فالحشوية هم الذين حادوا عن التنـزيه ، وتقولوا على الله بأفهامهم المعوجَّة[9].
يقول الشيخ محمد زاهد الكوثري (وكان أهل الحق يلقبونهم بألقاب تكشفهم لمن لا يعرفهم : بالمشبهة لتشبيههم الحق تبارك وتعالى بخلقه في وصفه بما هو من خواص الخلق. وبالمجسمة لقولهم في الله تعالى بالاتصاف بما هو من لوازم الجسم لزوماً بينا .. وبالحشوية نسبة إلى الحشو بسكون الشين ، وهو اللغو الذي لا اعتبار له ، فضلا عن أن يكون منسوباً إلى الله وإلى رسوله ، أو مذهباً يدان الله تعالى به …)[10].
وسيأتيك بهذا الكتاب بإذن الله ما يشرح صدرك بما يثبت استحقاق الوهابية لهذه التسميات بل وما هو أعظم.
خرافة الالتزام بفهم السلف
منقول نصاً من كتاب صحيح شرح العقيدة الطحاوية للشيخ حسن بن علي السَّقاف[11]
خرافة الالتزام بفهم السلف
يدعي البعض بأنه يجب فهم الكتاب والسنة بفهم السلف ، وهم بذلك يعتبرون فهم السلف من الأدلة الشرعية الواجب اتباعها وهذا يتضمن مغالطتين:
أن السلف غير متفقين في فهم المسائل فليس لهم مذهب موّحد معروف حتى يصح أن يقال مذهب السلف أو فهم السلف أو يجب فهم الأمور بفهم السلف ، وسترى بعد قليل إن شاء الله تعالى أمثلة اختلاف السلف في مسائل عقائدية وغير عقائدية في فصل خاص وبالله التوفيق[12].
وهؤلاء الذين يدعون الناس إلى فهم السلف نراهم ينافرون فهم الأئمة الأربعة للمسائل الشرعية ويَحثُّون إما على تقليدهم في فهمهم للأمور أو على فهم أناس بعد القرون الثلاثة المسماة بقرون السلف!!
والمغالطة الثانية : أنه ليس في الكتاب والسنة دليل يفيد أنه يجب تعطيل العقول التي وهبنا الله سبحانه وتعالى إياها وفهم الكتاب والسنة بفهم غيرنا ما دام أن المرء وصل إلى درجة الفهم والاجتهاد!!
بل نقول لهؤلاء: إن النصوص الشرعية تخاطبنا مباشرة لنفهم أوامر الله تعالى ونواهيه دون تحريف أو ليٍّ لها ، فقول الله تعالى في آيات كثيرة مثلاً { يا أيها الذين آمنوا } عام يشمل السلف والخلف والمتقدم والمتأخر إلى قيام الساعة.
بل يقطع الشغب في هذه المسألة قوله تعالى { ولو ردُّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } هو صريح بأن علم أو فهم أولي الاستنباط وهم المجتهدون في كل عصر ومصر معتَبَر ، ولم يُخَصَّ ذلك بالسلف ، حيث لم يقل بأن أهل الاستنباط من السلف هم الذين يعلمون الأحكام ويفهمونها دون غيرهم من الخلَف ، وفي هذا دليل واضح على هدم الاستدلال بفهم السلف وجعله أحد الأدلة الشرعية ، بل الصواب أن يقال : إن فهم المجتهدين سواء كانوا من الخلف أو السلف معتبر شرعاً بالنسبة للعامي الذي يتأهل لفهم الأحكام من الكتاب والسنة مباشرة ، وإجماع هؤلاء المجتهدين في أي عصر من العصور سواء في زمن السلف أو الخلف هو معتبر شرعاً وهو من الأدلة الشرعية ، وما سوى ذلك هذيان!!
ثم إن الله تعالى يقول في كتابه العزيز : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ولم يقل ردوه إلى فهم السلف لهما!!
ويؤيد هذا ما جاء في صحيح البخاري (1/204) وغيره عن أبي جحيفة قال : قلت لعلي (رضوان الله عليه) هل عندكم كتاب ؟ قال : (( لا إلا كتاب الله أو فهم أٌُعطيهِ رجل مسلم …)).
قلت : ولم يقيد ذلك بالسلف فلم يقل إلا فهم السلف للكتاب والسنة !! بل قال (( فهم أعطيه رجل مسلم)) وهذا يعم المسلمين في كل عصر ومصر ولا يختص بالسلف !! فمن تأهل للفهم كان له ذلك وليس لأحد أن يلزمه بفهم السلف !! ونعتقد أن القائلين بوجوب اتباع فهم السلف متخابطون متناقضون في هذه المسألة[13]!!
وجاء في الحديث الصحيح ((مثَلُ أُمتي مثَلُ المطر ، لا يُدرى أوَّلُه خيرٌ أم آخِرُه ))[14]
وقال الحافظ ابن الجوزي في ((دفع شبه التشبيه)) ص (111) : (( وقد سئل الإمام أحمد عن مسألة فأفتى فيها فقيل له : هذا لا يقول به ابن المبارك ، فقال : ابن المبارك لم ينـزل من السماء))!!
قلت (أي فضيلة الشيخ السَّقاف)أي أن فهم السلف ليس بحجة يلزمنا العمل بها فانظره.
ابن تيمية الحراني[15]
ابن تيمية الحراني
هو أحمد بن عبد الحليم بن تيمية حفيد الفقيه المجد بن تيمية الحنبلي المشهور، ولد بحران ببيت علم من الحنابلة سنة 661 هـ، وقد أتى والده الشيخ عبد الحليم مع ذويه من هناك إلى الشام خوفاً من المغول سنة 667هـ .
تميَّز ابن تيمية بذكاء وقّاد وقدرة على جمع العلم والاستيعاب حتى نال ثناء الكثير من العلماء في أول أمره ، قال الحافظ ابن حجر في ترجمة ابن تيمية (كان يتكلم على المنبر على طريقة المفسرين مع الفقه والحديث فيورد في ساعة من الكتاب والسنَّة واللغة والنظر مالا يقدر أحد أن يورده في عدة مجالس ، كأن هذه العلوم بين عينيه ، فيأخذ منها ما يشاء ويذر ، ومن ثمَّ نسب أصحابه إلى الغلو فيه ، واقتضى له ذلك العُجب بنفسه ، حتى زها على أبناء جنسه ، واستشعر أنه مجتهد فصار يرد على صغير العلماء وكبيرهم ، قويهم وحديثهم حتى انتهى إلى عمر t فخطأه في شيء… وقال في حقِّ علي أخطأ في سبعة عشر شيئاً خالف فيها نص الكتاب…)[16]
وقد تخلى عنه معاصروه كالتاج الفزاري المعروف بالفركاح وابنه البرهان والجلال القزويني والكمال الزملكاني ومحمد بن الحريري الأنصاري والعلاء القونوي وغيرهم بعد أن بدأ في إذاعة فتنه ولم يأبه بالنصح .
قال عنه المحدِّث الحافظ الفقيه ولِيُّ الدِّين العراقي في كتابه (الأجوبة المرضية على الأسئلة المكية ) : (علمه أكبر من عقله) وقال أيضاً ( إنه خرق الإجماع في مسائل كثيرة قيل تبلغ ستين مسألة بعضها في الأصول وبعضها في الفروع خالف فيها بعد انعقاد الإجماع عليها).أ.هـ ، وتبعه على ذلك خلقٌ من العوام وغيرهم ، فأسرع علماء عصره في الرد عليه وتبديعه ، منهم الإمام الحافظ تقي الدين علي ابن عبد الكافي السبكي ، قال في (الدرَّة المضيئة) ما نصه : ( أما بعد فإنه بعد ما أحدث ابن تيمية ما أحدث في أمور العقائد ، ونقض من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد ، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنة ، مظهراً أنه داعٍ إلى الحق هادٍ إلى الجنة ، فخرج عن الاتباع إلى الابتداع ، وشذّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع ، وقال بما يقتضي الجسمية في الذات المقدَّس ، وأن الافتقار إلى الجزء – أي افتقار الله إلى الجزء تعالى الله – ليس بمحال ، وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى ...) واستمر في تعديد مخالفات ابن تيمية كالقول بقدم العالم ، وقد أورد كثيراً منها أيضاً الحافظ أبو سعيد العلائي شيخ الحافظ العراقي نقل ذلك المحدِّث الحافظ المؤرخ شمس الدِّين بن طولون ، ونقتطف منها ما يلي :
(ذكر المسائل التي خالف فيها ابن تيمية الناس في الفروع والأصول :
فمنها ما خالف فيه الإجماع ، ومنها ما خالف فيه الراجح من المذاهب ، فمن ذلك يمين الطلاق ، قال بأنه لا يقع عند وقوع المحلوف عليه بل عليه كفارة يمين ، ولم يقل بالكفارة أحد من المسلمين البتة ... ، وأن طلاق الحائض لا يقع وكذلك الطلاق في طهر جامع فيه زوجته[17] ... وأن الحائض تطوف بالبيت من غير كفارة وهو مباح لها[18] ... وصرّح في بعض مؤلفاته بأن الله تعالى بقدر العرش لا أكبر منه ولا أصغر ، وصنَّف جزءاً في أنَّ علم الله لا يتعلق بما لا يتناهى كنعيم أهل الجنة ، وأنه لا يحيط بالمتناهي ، ومنها أن الأنبياء غير معصومين ... وأن عذاب أهل النار ينقطع ولا يتأبد ... ومن أفْراده أيضاً أنَّ التوراة والإنجيل لم تبدل ألفاظهما بل هي باقية على ما أنزلت وإنما وقع التحريف في تأويلها ، وله فيه مصنَّف ، هذا آخر ما رأيت ، وأستغفر الله عن كتابته فضلاً عن اعتقاده )[19] أ.هـ.
وهذه الشطحات تثير العجب ؛ ولنضرب على ذلك بمثالين بسيطين من قوله ، وهما طواف الحائض وتحريف التوراة والإنجيل ؛ فكيف يؤتم بمن يخالف قوله صريح كلام رب العالمين بأن أهل الكتاب {يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله} فيأتي هذا الزائغ ليقول كلا إنَّ التوراة والإنجيل لم يحرفا ؟! وكيف يؤتم بمن يخالف دلالة السنة ويخالف إجماع الأمة بأن الحائض لا تطوف بالبيت لأن الطواف صلاة فيأتي هذا ليقول بجواز أن أن تطوف الحائض بالبيت؟!
وله حادثة شهيرة في صحن المسجد الأموي ضربه الناس فيها بالنعال حيث يروي أبو الحسن علي الدمشقي عن أبيه قال : ( كنا جلوساً في مجلس ابن تيمية فذكر ووعظ ، وتعرض لآيات الاستواء ثمَّ قال : واستوى الله على عرشه كاستوائي هذا قال فوثب الناس عليه وثبة واحد وأنزلوه من الكرسي ، وبادروا إليه ضرباً باللكم والنعال ...الخ)[20]
وكان الذهبي – وهو من أساتذة المدرسة الحشوية - من معاصريه وممن أعجب بذكائه وعلمه فمدحه في أول الأمر ثمَّ لما تبين له حاله وتحكم الكِبر والغرور به قال عنه في رسالته (بيان زغل العلم والطلب) ما نصه : ( ما وجدت أخَّره بين أهل مصر والشام ومقتته نفوسهم وازدروا به وكذَّبوه وكفَّروه إلا الكِبر والعُجب وفرط الغرام في رئاسة المشيخة والازدراء بالكبار ، فانظر كيف وبال الدعاوى وحبه الظهور ، نسأل الله المسامحة )[21]
وقد كان ابن تيمية ينهج أسلوباً غريباً لنصرة مذهبه مبني على أمور أهمها:
(أ) حكايته لإجماعات وهمية للسلف لا وجود لها على أرض الواقع ليجعل رأيه في حكم المسلَّم به ، وذلك كثير عجيب في كتبه ؛ فعندما يتحدث عن آيات الصفات يقول (إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها ، وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة ، وما رووه من الحديث ، ووقفت على ما شاء الله تعالى من الكتب الكتاب والصغار أكثر من مائة تفسير ، فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئاً من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف)[22] فانظر إلى إصراره على إيهام الناس بأنه استقصى الموضوع بحثاً ثم يخرج بهذه النتيجة التي تخالف الواقع مع من لديه أدنى اطلاع على كتب التفسير والحديث ، فالطبري الذي مدح ابن تيمية تفسيره بأنه تفسير ليس فيه بدعة ، يقول (اختلف أهل التأويل في معنى الكرسي ، فقال بعضهم هو علم الله تعالى ذكره)[23] وذكر ذلك منقولا من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس . وهو كثير جداً لا يحصيه إلا كتاب متخصص ككتاب (الأسماء والصفات) للإمام البيهقي.[24] وزعم الإجماع هذا هو عين ما ادعاه في قضية التحيز والعلو الحسي حين زعم أن الذات العلية محدودة بالمكان في عقيدته الحموية الكبرى[25]وقال (..ثم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ، ولا عن أحد من سلف الأمة ولا من الصحابة والتابعين ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف حرف واحد يخالف ذلك لا نصاً ولا ظاهرا ، ولم يقل أحد منهم قط أن الله ليس في السماء) وهذا ادعاء باطل يعلم بطلانه ابن تيمية ذاته ، ورد عليه عدد غفير من العلماء يبينون عوار شطحته ، فالله سبحانه وتعالى يقول {فأينما تولوا فثم وجه الله} ، ورسوله المصطفى r يقول (إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقُ قِبَلَ وَجْهِهِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى )[26] وقال (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ)[27]، فالله سبحانه لا تحيط به الأقطار ؛ فكيف يحدّ بالسماء ، أما أقوال الصحابة والتابعين فلا يسعها بحثنا المختصر ، ويكفي للإشارة إليها أن نسوق رد العلامة شهاب الدين بن جهبل[28] الحلبي الشافعي المعاصر لابن تيمية في قوله : (وفي هذا الفريق –أي أدعياء السلفية – من يكذب على السابقين الأولين من الأنصار والمهاجرين ويزعم أنهم يقولون بمقالته ، ولو أنفق ملء الأرض ذهباً ما استطاع أن يروج عليهم كلمة تصدِّق دعواه ، وتستَّر هذا الفريق بالسلف حفظاً لرياسته والحطام الذي يجتلبه {يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم} ، وهؤلاء يتحلون بالرياء والتقشف فيجعلون الرَّوث مُفَضَّضا[29] ، والكنيف[30] مبيَّضا ، ويزهدون في الذرة ليحصلوا الدرة)[31]
(ب) تضعيفه وأشياعه لكل حديث يخالف منهجهم ، من غير عودة إلى العلل الحقيقية في الحديث لتضعيفه ، فيكفي لذلك أنه مخالف لمنهجهم ، فالحديث يجب أن يتبعهم لا أن يتبعوه ولهذا قال الذهبي مخاطبا ابن تيمية (يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك ؛ بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف والإهدار ، أو التأويل والإنكار)[32]
(ج) تشنيعه وأتباعه على مخالفيهم حتى تتشوه صورهم في الأذهان ، وقد كانوا لا يترددون في رمي المسلمين بالشرك الأكبر لأتفه الأسباب.[33]
ولمثل ذلك فقد استتيب مرات ، وهو ينقض مواثيقه وعهوده في كل مرة ، ومنع من الفتوى ؛ وعُزِّر وحُبس مراراً ، وكان حبسه الأخير بفتوى من القضاة الأربعة[34] ، وحكموا عليه بأنه ضال يجب التحذير منه كما قال ابن شاكر الكتبي في عيون التواريخ ، وهو من تلامذة ابن تيمية ، وأصدروا عليه حكماً سُمي مرسوم الملك ابن قلاوون يقضي بسجن ابن تيمية بعد أن خاض في مسائل الذات والصفات وأظهر البدع ، وبمنعه من التصرف والظهور ، وبمنع من أصر على أتباعه من القضاء والولاية ؛ وننقل ههنا مقدمة المرسوم :
(بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله الذي تنـزّه عن الشبيه والنظير وتعالى عن المثل فقال عزَّ وجل {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} أحمده على أن ألهمنا العمل بالسنَّة والكتاب ، ورفع في أيامنا أسباب الشك والارتياب ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة من يرجو بإخلاصه حسن العقبى والمصير ، وينزِّه خالقه عن التحيُّز في جهة لقوله تعالى {وهو معكم أينما كنتم}وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي نهج سبيل النجاة لمن سلك سبيل مرضاته ، وأمر بالتفكر في آلاء الله ونهى عن التفكر في ذاته ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين علا بهم منار الإيمان وارتفع ، وشيّد الله بهم من قواعد الدِّين الحنيف ما شرع ، وأخمد بهم كلمة من حاد عن الحق ومال إلى البدع .
وبعد فإن العقائد الشرعية ، وقواعد الإسلام المرعية ، وأركان الإيمان العلية ومذاهب الدين المرضية ، هي الأساس الذي يبنى عليه ، والموئل الذي يرجع كل أحد إليه ، والطريق التي من سلكها فقد فاز فوزاً عظيما ، ومن حاد عنها فقد استوجب عذاباً أليما ، فلهذا يجب أن تنفذ أحكامها ويؤكد دوامها ، وتصان عقائد الملة عن الاختلاف ، وتزان قواعد الأئمة بالائتلاف ، ويفرَّق من فِرَقِها ما اجتمع.
وكان ابن تيمية في هذه المدة قد بسط لسان قلمه ، ومدَّ بجهله عنان كلمه ، وتحدَّث في مسائل الذات والصفات ، ونصَّ في كلامه الفاسد على أمور منكرات ، وتكلَّم فيما سكت عنه الصحابة والتابعون ، وفاه فيما اجتنبه الأئمة الأعلام الصالحون ، وأتى في ذلك بما أنكره أئمة الإسلام ، وانعقد على خلافه إجماع العلماء والحكام ، وشهر من فتاويه في البلاد ما استخفَّ به عقول العوامّ ، وخالف في ذلك فقهاء عصره ، وعلماء شامه ومصره ، وبعث برسائله إلى كل مكان ، وسمّى فتاويه بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان… الخ المرسوم)[35]
لقد خاض ابن تيمية في علم الكلام والفلسفة إلى حدٍ كبير – يعمي السلفية عنه أبصارهم - حتى وصل إلى مرحلة آمن فيها بأن الله ليس خالق كل شيء ، ويقول والأعجب من ذلك حكاية[36] الإجماع على كفر من نازع في أنه سبحانه لم يزل وحده لا شيء معه..)[37] فهل من عجب أن يموت بعد ذلك ابن تيمية في حبسه غير مأسوف عليه بعد أن أشرك مع الله أشياء في القِدَم ؟!
لقد مات بسجن القلعة في دمشق ليلة 22 من ذي القعدة سنة 728هـ.
ونحن نتساءل بعد هذا عن سرِّ هالة التقديس التي يضعها الوهابية اليوم على ابن تيمية ، ما سرُّها والرجل هذا حاله وهذا حكم معاصريه من علماء الإسلام عليه ؟ بل وأي مشيَخة تلك التي يوصف بها فيقال شيخ الإسلام!، إن ذلك بحق تزوير للحقيقة وتشويه للإسلام ليس إلا ، وكأن الإسلام كتب عليه أن يعيش ناقصاً قرابة السبعة قرون حتى يظهر له شيخه ، سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.[38]
ابن القيِّم الشفيق بإبليس
ابن القيم الشفيق بابليس
لقد انخدع الكثير من الناس بترويج الحشوية لأرباب نحلتهم ، وإغراقهم المكتبات والمحاضرات بأسماء ينفخونها بنفسهم الخبيث ، كمن يدعُونهما زوراً شيخ الإسلام وتلميذه شمس الدين! ، فيذكرون أقوالهما ويستشهدون بها أكثر من استشهادهم بكتاب الله وسنة رسوله ، وكأن هؤلاء حجة الله على خلقه بين العالمين ، ونحن هنا بصدد تعريف الناس بهذا الملقب بشمس الدين.
هو محمد بن أبي بكر الزرعي ، المعروف بابن قيم الجوزية ، ولد - على رواية ابن رجب - سنة 691 هـ ومات سنة 751 هـ ، وبين ذلك لازم أستاذه ابن تيمية في درسه وفي سجنه بعد أن حكم علماء المسلمين بزيغهما ، ويروي أتباعه بأن هذه الصحبة لم تستمر بعد مماتهما في الآخرة بنفس المنـزلة فيروون أنه (رأى قبل موته شيخه تقي الدين - أي ابن تيمية - في النوم ، وسأله عن منـزلته فأشار إلى علوها فوق بعض الأكابر (لم تحددهم الرواية) ، ثمَّ قال له وأنت كدت تلحق بنا ، ولكن أنت الآن في طبقة ابن خزيمة!)![39]
ونحن لن نعلِّق على هذه الرواية ، ولكن سنذكر شيئاً من علم ابن القيم الذي ينادي به من غير خجل ليرى الناس لماذا حكم عليه علماء المسلمين بالزيغ ، فأودع السجن في دمشق مع أستاذه.
ابن القيم له كتاب يدعى (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطِّلة) نادى فيه بأن الحكمة تقتضي أن لا يعذِّب الله أحدا عذاباً أبدياً في النار فهذا يتنافى مع رحمة الله على حدِّ زعمه ، وبناء على ذلك فإنه يرى أن كلَّ من في النار سيخرج منها إلى الجنة ، وستفنى النار بعد ذلك ، وبهذا سيكون إبليس اللعين وأبو جهل وأبي ابن خلف وفرعون وهامان وقارون مع الأنبياء والصديقين والشهداء.
فهو يُمَهِدُّ لمراده هذا بقوله (كم من بلاءٍ جلب عافية ، وكم من ذلٍ جلب عزَّا ، وكسرٍ جلب جبراً ، إذا اعتبرت أكثر الخيرات والمسرات واللذات وجدتها إنما ترتَّبت على الآلام والمشاق ، وأعظم اللَّذة وأجلها ما كان سببه أعظمه ألماً ومشقة)[40] ، ولو كان كلامه هذا في تحمل المشاقِّ في الدنيا بالجهاد في سبيل الله ، فما كان أعظمَه وأجملَه ، ولكن المؤسف أنه يعني عذاب أهل النار ، ففي نظره أن أعظمهم مشقة هو أعظمهم نعيما ، فيكون إبليس اللعين صاحب المشقة العظمى في النار هو صاحب أعظم نعيم في الجنة!.
ويستمر في مثل الكلام تمهيداً لما يريده ، حتى يبدأ في البحث عن الحجج لإخراج المشركين من النار فيحتج بأن في قلوبهم أكثر من مثقال الذرة من الإيمان فهم {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولون الله} والحديث يقول (أخرجوا من النار من كان في قلبه من الخير ما يزن ذرة أو برة)[41]
، وبناء عليه فهم سيخرجون من النار إلى الجنة !، فهو يقول بعد ذلك (فإن النار إنما سعَّرها الشرك والظلم فلا يمتنع في الرحمة والحكمة والعدل! أن يطفئها ويذهبها بعد أن أخذ الحق منهم)[42] ، وسبحان الله أي عدل هذا الذي يجمع بين رسول الله r وأبي بن خلف في جنة الفردوس ! ، ويقول (إنما سعرت بغضب الجبار تبارك وتعالى ، فإذا زال السبب الذي سعرها ، فكيف لا تطفأ ؛ وقد طفئ غضب الرب وزال!)[43] ويستمر في هذا السبيل مماحكاً ، والعجب أنه يستدل بآيات من القران وهي فاضحةٌ لمقصده بيِّنة الدلالة بالخلود ؛ ليُثبت بها فناء نار جهنم ؛ وكأنه مشفق على إبليس وحزبه ، فينقلهم من النار إلى رحمة الله .
وهذا كلام من السخافة بحيث ترى أن لا مدعاة للردِّ عليه ، ويكفي أن لا يوجد نصٌ يدلُ عليه إلا التأويل الأعوج - والغريب أن ابن القيم هذا يصرح بحربه للتأويل في كتابه المذكور[44] - بينما آي القرآن مصرحة بالخلود في النعيم والعذاب ومنها قوله سبحانه وتعالى: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا} وقد حكم سبحانه وتعالى حكماً جازماً على الكافرين في قوله{إنَّ الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا لِيَهديهم طريقا * إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداْ وكان ذلك على الله يسيرا} ، ويقول سبحانه {ولهم عذاب مقيم} ، { و لا يجدون عنها محيصاً} ، { ليس مصروفاً عنهم} ، {ثمَّ لا يموت فيها ولا يحيا} ، { وما هم بخارجين من النار} ، {وما هم عنها بغائبين} وغيرها الكثير من الآيات المصرحة بالخلود الأبدي في النار وأن لا طريق للكافرين غيرها فأين المفر من صريح القرآن ، وأحاديث الرسول الكريم واضحة الدلالة بالخلود في النار كذلك ، ومنها قولُ رَسُولِ اللَّهِ r :( يُؤْتَى بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُوقَفُ عَلَى الصِّرَاطِ فَيُقَالُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَطَّلِعُونَ خَائِفِينَ وَجِلِينَ أَنْ يُخْرَجُوا مِنْ مَكَانِهِمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ ثُمَّ يُقَالُ يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَطَّلِعُونَ مُسْتَبْشِرِينَ فَرِحِينَ أَنْ يُخْرَجُوا مِنْ مَكَانِهِمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ فَيُقَالُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا قَالُوا نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ قَالَ فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ عَلَى الصِّرَاطِ ثُمَّ يُقَالُ لِلْفَرِيقَيْنِ كِلَاهُمَا خُلُودٌ فِيمَا تَجِدُونَ لَا مَوْتَ فِيهَا أَبَدًا)[45] ، وكذلك قوله r: ( مَنْ حَسَا سُمًّا فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) ، فقوله r (خلود فيما تجدون لا موت فيها أبدا ) و ( فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا )[46] في غير ما حاجة إلى شرح أو تأويل ، والمسلم العاقل الذي يقرأ كتاب الله لا يحتاج إلى دليلٍ لمعرفة الحقِّ في ذلك ، ولكن العجب أن نجد من يروِّج لهذا الفكر السقيم ، ونخصُّ بالذكر الوهابية الذين أحيوا فكر ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، وما ذلك إلا لحبِّ محمد بن عبد الوهاب ومن تبعه - عالماً بطريقته أو مغرراً به - لتشويه دين الله وبلبلة عقول المسلمين ، كما خطط لذلك أساتذة محمد بن عبد الوهاب النصارى الذين لم يكتفوا بتلقينه أصول اللعبة في العراق بل رافقوه حتى بعد عودته إلى نجد حيث الزلازل والفتن كما وصفها رسول الله r ، ليتأكدوا من سيره على المنهج الذين رسموه له كأمثال (هامفر) ، والذين خلفوه من بعد كالمدعو (الكابتن شكسبير) الذي قتل أثناء حرب الوهابية لابن رشيد وقومه ، ومن بعده (جون فيلبي) الذي يسميه الوهابية (الشيخ عبدالله فيلبي!) الذي خطب بهم خطبة فتحهم لمكة المكرمة وأذَّن وصلى بهم ! كما أوضحنا ذلك مع ذكر مصادره التاريخية عند حديثنا عن هجومهم على مكة المكرمة خلَّصها الله من أيديهم اللئيمة.
لماذا انخدع الكثير من الناس بكلام ابن القيم؟
انخدع الكثير من الناس بفكر ا بن القيِّم لسببين رئيسين:
أولهما : الدعاية المغرِّضة التي ينشرها عبدة فكره بين الناس (الحشوية) ، فهم ينفقون أموالهم في سبيل ذلك ليل نهار ، يتمثل ذلك في نشر كتبه ودراسة شخصه وآثاره في جامعات الوهابية بما يشبه التقديس ، والكتابة عنه في المجلات والمنشورات ، وحشر اسمه في كلِّ شيء فلا تكاد تمرُّ معهم خطبة أو درس أو محاضرة إلا واسم ابن القيم وأستاذه ابن تيمية واسطة عقدها ، وهذا سبب تشويشاً كبيراً في أذهان الناشئة وأنصاف المتعلمين حتى كبُرا في أعينهم ، فهما يُذكران قبل الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام وبعده ، حتى أخذ العامة أقوالهما كمسلَّمات ، ولو علموا حقيقتهما لفروا منهما فرار السليم من الأجرب.
ثانياً: ابن القيم كاتب يزوِّر كلامه ويُنَمِّقُه ، فلسفيٌّ في منطِقه ، خبيثٌ في مقاصِدِه ، يلبس الحقَّ بالباطل ، فتراه يُمهِّدُّ لمقصده تمهيداً طويلاً ، وله دهاءٌ عظيم في ليِّ أعناق الآيات والأحاديث النبوية حتى إنه لَيستعين بالأحاديث الموضوعة ، كي يوصل مراده إلى أذهان الناس من غير مفاجئة ، وإن كان ما يريده داهية من الدواهي وطامة من الطامَّات ، ولا يتردد في أن يعمد إلى الآيات والأحاديث التي تخالف مقصوده فيدخلها كشواهد له ، حتى إذا مرَّ عليها القارئ غير البصير ظنَّ أنَّ الشيخ قد سوَّر بناءه بسور متين ، فلم تبق آية إلا وقد استشهد بها ، وهو أسلوب خبيث يدلُّ على مكرٍ عظيم ، واقتداءٍ بأستاذ الشياطين ،إبليس اللعين.
و لايفوتنا هنا أن ننوه بأن بعض الوهابية اليوم اقتنعوا بعدم فناء النار ، ولكنهم يرون أن اجتهاد ابن القيم وأستاذه ابن تيمية في بعض الروايات عنه اجتهادٌ يؤجرون عليه ، مع أنه اجتهاد مخالف للنص الصريح ، فلماذا يؤجر هؤلاء ويُؤزر غيرهم من الذين لا يخالف اجتهادهم النص؟!
ختاماً يجب أن نذكر بإكبار علماء أهل السنّة الفضلاء الذين ردُّوا على ابن تيمية وتلميذه هذا ردوداً مطوَّلة ، ونخص منهم علماء الحنابلة – لأن هذين يدعيان أنهما منهم – الذين جزموا بخروج هذين من الملة الإسلامية لآرائهما المتطرفة ، وقد ذكرنا ستين عالماً من أهل السنة ممن ردوا على ابن تيمية في هذا الكتاب.
محمد بن عبد الوهاب[47]
محمد بن عبدالوهاب
ينسب مذهب الوهابية إلى محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي[48].
ولد محمد بن عبد الوهاب بقرية العيينة سنة [49]1111 وتوفي سنة [50]1207هـ فيكون عمره ستاً وتسعين سنة وأخذ في أول أمره عن كثير من علماء مكة والمدينة وكانوا يتفرسون فيه الضلال والإضلال وكان والده عبد الوهاب من العلماء الصالحين وكان يتفرس فيه ذلك ويذمَّه كثيرا ويحذر الناس منه[51] وكذا أخوه سليمان بن عبد الوهاب أنكر عليه ما أحدثه وألف كتابا في الرد عليه .
وكان في أول أمره مولعا بمطالعة أخبار مدعي النبوة كمسيلمة وسجاح والأسود العنسي وطليحة الأسدي وأمثالهم ، وابتدأ ظهور أمره سنة 1143 هـ.
وكان يتردد على مكة والمدينة في صغره للأخذ من علمائها بتوجيه من أبيه ، وممن جالسه في المدينة من العلماء : الشيخ محمد بن سليمان الكردي ، والشيخ محمد حياة السندي ، وكان الشيخان المذكوران وغيرهما من المشايخ الذين أخذ عنهم يتفرسون فيه الغواية ، والإلحاد ويقولون : سيضل الله تعالى هذا ، ويضل به من أشقاه من عباده فكان الأمر كذلك ، وكان أبوه عبد الوهاب (وهو من العلماء الصالحين ) يتفرس فيه الإلحاد ، ويحذر الناس منه ، وكذلك أخوه الشيخ سليمان . .[52].
وكان جده سليمان راعيا فقيراً رأى في منامه كأن شعلة نار خرجت منه وانتشرت في الأرض وصارت تحرق من قابلها فقصها على معبر فعبرها بأن ولدا له يحدث دولة قوية فتحققت الرؤيا في حفيده محمد بن عبد الوهاب .
تعريف سليمان هذا:
يروي مشايخ نجد أن سليمان هذا اسمه الحقيقي شولمان قرقوزي (أي بائع البطيخ) من يهود الدونمة ، خرج من بلدة بورصة بتركيا ، مع زوجته إلى بلاد الشام ، فأصبح اسمه سليمان بن علي ، واستقر في ضاحية ( دوما ) في دمشق ، وأخذ يتاجر بالدين هذه المرة لا بالبطيخ ، فاكتشفه أهالي سوريا ، ورفضوا تجارته ، وربطوا قدميه ، وضربوه ضرباً أليما ، وبعد عشرة أيام أفلت من رباطه ، وهرب إلى مصر ، وما هي إلا مدة وجيزة وطرده المصريون ، فسار إلى الحجاز واستقر في مكة ، وأخذ يشعوذ فيها باسم الدين فاكتشفه أهالي مكة فطردوه ، فسار إلى المدينة المنورة ، لكنهم أيضا طردوه .. كل ذلك في مدة لا تتجاوز الأربع سنوات ، فغادر إلى نجد واستقر في بلدة اسمها العيينة ، وهناك وجد مجالا خصباً للشعوذة ، فاستقر بنجد وادَّعى أنه من سلالة ربيعة ، وأنه سافر به والده صغيراً إلى المغرب العربي.[53]
ورغم أننا نؤمن أن من الأعراب من هو أشد خطراً على الإسلام من اليهود والنصارى ، حتى قال الله سبحانه وتعالى فيهم { الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله } فإن هذه الرواية لا تستبعد ، و لا يضير ذلك عبد الوهاب وابنه سليمان حيث اشتهرا بحسن الإسلام ، ويكون هذا المدعو محمداً قد نزغه عرقه اليهودي ، وفي تدميره لبلدته العيينة دليل على ذلك ، إذ حب الوطن من الإيمان وكيف لمسلم قتل أهله وعشيرته الموحدين ، ومن رأى صورة الحفيد محمد هذا في كتاب الفرقة الوهابية في خدمة من ؟! وهو يخطب على أجساد المسلمين في النجف بالعراق بعد أن غزاها وأنصاره لن يشك في يهوديته.
مبدأ الشيخ:
زوَّج أمير العيينة عثمان بن حمد بن معمر ابنة عمه الجوهرة بنت عبدالله بن معمر لمحمد بن عبدالوهاب فقال الشيخ للأمير (إني آمل أن يهبك الله نجداً وعربانها)[54] !! ولك أن تتأمل في هذا الكلام وتحلل شخصية قائلها على ضوئها ، فقيمة المسلمين في نظر شيخ الإسلام الذي جاء ليحرر البشرية في جزيرة العرب من نير الشرك وأغلال الضلال لا تتجاوز أن يكونوا عبيداً يوهبون وأرضهم للسادة الأمراء ؛ ولكن الأمير لم يلبث أن طلب منه الخروج من أرضه بعد إصرار قائد الإحساء والقطيف سليمان بن محمد بن غرير الحميدي القوي[55] وأهل حريملاء والبصرة على قتله لإثارته القلاقل والفتن ؛ فالتجأ إلى أمير الدرعية محمد بن سعود فما كان من الشيخ إلا أن وعده أيضاً (أن تكثر الغنائم عليه والأسلاب الحربية التي تفوق ما يتقاضاه من الضرائب)[56] ثم انقلب على ختنه فاغتاله في المسجد !
إن مبدأ الشيخ كان واضحا (الوهابية أو السيف).
ظهور أمره:
يقول مفتي مكة المكرمة الشيخ أحمد بن زيني دحلان في كتابه (خلاصة الكلام في أمراء البيت الحرام): (كان ابتداء ظهور محمد بن عبد الوهاب سنة 1143هـ واشتهر أمره بعد الخمسين فاظهر العقيدة الزائفة بنجد وقراها فقام بنصره محمد بن سعود أمير الدرعية فحمل أهلها على متابعته فتابعوه وما زال يطيعه كثير من أحياء العرب حتى قوي أمره فخافته البادية وكان يقول لهم إنما أدعوكم إلى التوحيد وترك الشرك بالله) .
ويقصد بالتوحيد عقيدة التجسيم ودعوى فناء النار ، وهذا أكثر ما أثر في دعوته التي ورثها عن ابن تيمية وابن القيِّم ، يقول الألوسي في تاريخه : ( أن ابن عبد الوهاب نشأ في بلد العيينة من بلاد نجد فقرأ على أبيه الفقه على مذهب أحمد بن حنبل وكان من صغره يتكلم بكلمات لا يعرفها المسلمون وينكر عليهم أكثر الذي اتفقوا على فعله لكنه لم يساعده على ذلك أحد فسافر من العيينة إلى مكة المشرفة ثم إلى المدينة ثم عاد إلى نجد ثم رحل إلى البصرة وأظهر هناك من الزيغ ما دعا المسلمين إلى طرده فخرج هاربا إلى بلد (حريملاء) فوقع بينه وبين أهلها نزاع بسبب آرائه فنهاه أبوه عن ذلك فسكن إلى أن مات أبوه بعد سنتين أي عام 1153 هـ ، فتجرأ على إظهار عقائده التي ترمي أهل الإسلام بالشرك ، وتبعه حثالة من الناس إلى أن غص أهل البلد من مقالاته فهموا بقتله فانتقل من حريملة إلى العيينة ، ورئيسها يومئذ عثمان بن أحمد بن معمر ، وطلب منه مناصرته وقال له : (إن نصرتني ملكت نجداً) فلم يسمع منه وخرج إلى الدرعية سنة 1160 هـ ، وهي بلدة مسيلمة الكذاب ، فبايعه محمد بن سعود فخرجا لقتال المسلمين . ومات ابن عبد الوهاب سنة 1206هـ)[57]
لقد كان بقاء محمد بن عبد الوهاب هذا في البصرة نقطة تحول جذري في حياته ، حيث وجد فيه رجال المخابرات البريطانية ضالتهم ، فهو شاب مهووس بجنون العظمة ، يتجرأ على الفتيا ويدعي الاجتهاد ، ويريد الوصول إلى الشهرة بأقصر السبل ، فما كان من ضابط بالمخابرات البريطانية ، ويدعى المستر همفر إلا أن تبنى قضيته ، ولازمه في صداقة حميمة ، ليصنع منه زعيماً روحياً تموت على يديه روح الجهاد المقدس ضد المستعمرين النصارى والتي عانى منها الإنجليز الأمرَّين في شبه القارة الهندية ، ويتحول الجهاد إلى فتك بالمسلمين بدعوى محاربة الشرك والوثنية وعبادة القبور على الرغم من أن الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم قد نصَّ على أن الشيطان قد آيس أن يعبده المسلمون عموماً وأهل الجزيرة خصوصاً في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ )[58] ، وقوله : (إنَّ الشَّيطانَ قد أيِس أنْ يَعبدَه المصلُّونَ في جَزيرةِ العَربِ ولكنْ في التَّحريشِ بينَهم )[59] ، وقوله في آخر حياتهr (.. وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا)[60]
لقد عاد حفيد شولمان المسمى زوراً محمد ، كما سُمِّي المستر فيلبي زورا (الشيخ عبدالله ) من البصرة هارباً إلى العيينة يرافقه أستاذه همفر - الذي كتب مذكراته[61] مع ابن عبد الوهاب - ومجموعة من رجال المخابرات البريطانية في صورة رقيق اشتراهم من البصرة ، وسرعان ما اتفق مع محمد بن سعود أمير مدينة الدرعية في نجد فقوي كل منهما بالآخر حيث تقاسما السلطة : لابن سعود السلطة السياسية ، ولابن عبد الوهاب السياسة الدينية ، حيث ما يزال عقبه يتولون الزعامة الدينية ويُدعَون (آل الشيخ ).[62]
ولقد خرجت حملاتهم تستبيح الدماء وتسبي الذراري وتغنم المسلمين ؛ فكانت حروبهم (جهاداً) وغاراتهم (غزوات) وانتصاراتهم (فتوحات) ورعاياهم (مسلمون) والخروج على طاعتهم (رِدَّه)![63]
أول غاراته على المسلمين:
لقد سارت أول سرية للإغارة على المسلمين في بلاد الجزيرة بمباركة الشيخ حيث يقول مؤرخ الوهابية عثمان بن بشر النجدي: ( ثم أمر الشيخ (أي محمد بن عبد الوهاب) بالجهاد وحضهم عليه فامتثلوا ، فأول جيش غزا سبع ركايب ، فلما ركبوها وأعجلت بهم النجائب في سيرها سقطوا من أكوارها لأنهم لم يعتادوا ركوبها، فأغاروا أظنه على بعض الأعراب فغنموا ورجعوا سالمين)[64] ونحن نتساءل عن الموجب للإغارة على هؤلاء الأعراب ؟! وما هو المسوغ لأخذ مالهم غنيمة ؟! .
وبعد خمس عشرة سنة اتسعت ولاية الوهابية نتيجة الغارات ؛ وتركيع القبائل البدوية المجاورة التي كان يغلب عليها الجهل فتبعت المذهب الوهابي ، حيث جمعوا أموالاً عظيمة من الغارات ، وصار جيشهم يربو على مائة وعشرين ألف مقاتل .
تقواه وورعه:
نسرد هنا مثالين بسيطين من أفعاله كافية لأن تهوي به في قعر نار جهنم ، تحقيقاً لقول الله سبحانه في قاتل المؤمن متعمداً وبغير حق ، وإلا فإن تأريخ قدوة الوهابية هذا زاخر بدماء المسلمين:
1. قال الشيخ أحمد زيني دحلان : (وهم يمنعون من الصلاة على النبي r على المنائر بعد الأذان حتى إن رجلا صالحا كان أعمى وكان مؤذنا وصلى على النبي r بعد الأذان بعد أن كان المنع منهم ، فأتوا به إلى محمد بن عبد الوهاب فأمر به أن يقتل فقتل ، ولو تتبعت لك ما كانوا يفعلونه من أمثال ذلك لملأت الدفاتر والأوراق وفي هذا القدر كفاية)اهـ.
2. . لقد هجم محمد بن عبد الوهاب على بلدته الأصلية العيينة فجعلها قاعاً صفصفاً ؛ حيث اغتال حاكمها عثمان بن حمد بن معمر في مصلاه بالمسجد يوم الجمعة وسماه مشركاً ، وهو كما قالت عاتكة:
شَلَّت يمينك إنْ قتلتَ لمسلماً حَلَّتْ عليك عقوبةُ المتعمِّد
ثمَّ قتل رجالها كلهم وهدم بيوتها وأحرق أشجارها وقطع نخيلها واستولى على النساء والحيوانات وتركها خراباً ، وحرَّم بناءها أو سكناها منذ مئتي سنة وزعم كذباً وفجوراً أن الله أرسل للعيينة الجراد فأكلها عن آخرها![65]
أمانته:
يقول مؤرخهم عثمان بن بشر النجدي في كتابه (عنوان المجد في تاريخ نجد)[66] : (وكان الشيخ -رحمه الله- لما هاجر إليه المهاجرون[67] ، يتحمل الدَّين الكثير في ذمته لمؤونتهم وما يحتاجون إليه ، وفي حوائج الناس وجوائز الوفود إليه من أهل البلدان والبوادي ، ذكر لي أنه حين فتح الرياض وفي ذمته أربعون ألف محمدية (عملة نقدية) فقضاها من غنائمها)[68] مع أن أهل الرياض كانوا حنابلة لكنهم استباحوا أموالهم ، فترى أنه قضى أربعين ألف محمدية من أموال أهل الرياض ، كيف استباح الشيخ ذلك من هؤلاء الناس ؟! أليسوا أهل عقيدة ؟! ألا يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله ؟! أما في كلمة لا إله إلا الله معصم لهؤلاء ؟! تم قال : (وكان لا يمسك على درهم ولا دينار، وما أوتي إليه من الأخماس) ولنقف عند كلمة الأخماس ، فإنه لا يخمَّس إلا ما يغنم من مال المشرك أما مال المسلم فلا يخمس بأي حال من الأحوال .
يقول : (وما أوتى إليه من الأخماس والزكاة يفرقه في أوانه ، وكان يعطى العطاء الجزيل بحيث إنه يهب خمس الغنيمة العظيمة للاثنين أو الثلاثة ، فكانت الأخماس والزكاة وما يجبى إلى الدرعية من دقيق الأشياء وجليلها تدفع إليه بيده ، ويضعها حيث يشاء)[69]. أليس هذا وبكل وضوح هو أسلوب عصابات اللصوص قطَّاع الطرق الذين يتقاسمون المسروقات بعد كلِّ غارة ؟!.
بل وكان من عادة ابن عبد الوهاب وأتباعه أسر النساء والأطفال ، ولم تنتشر سرقة الأطفال في أرض الجزيرة العربية وبيعهم في أسواق نجد إلا بعد ظهور الوهابية.[70]
من أفعال الشيخ
كان يمنع أصحابه من مطالعة كتب التفسير والفقه والحديث ويحرقها ، وينكر علم النحو واللغة ويقول إن ذلك بدعة![71].
وكان يأذن لأتباعه أن يفسّروا القرآن بحسب أفهامهم بلا التفات إلى القواعد الصرفية والبيانية والمنطقية ، ويقول لعماله : اجتهدوا بحسب فهمكم ونظركم واحكموا بما ترونه مناسباً لهذا الدين ولا تلتفتوا لهذه الكتب التي فيها الحق والباطل[72].
وإذا أراد أحد أن يدخل دينه يقول له بعد الإتيان بالشهادتين: (إشهد على نفسك إنك كنت كافرا ، واشهد على والديك أنهما ماتا كافرين ، واشهد على فلان وفلان – ويسمِّي له جماعة من أكابر العلماء الماضين – أنهم كانوا كفارا ، فإن شهدوا قَبِلَهم وإلا أمر بقتلهم. وكان يصرِّح بتكفير الأمة منذ ست مائة سنة.[73]
وكان يكفِّر كل من لا يتَّبعه وإن كان من اتقى المتَّقين فيسمِّيهم مشركين ، ويستحل دماءهم وأموالهم.
ويثب الإيمان لمن اتبعه وإن كان من أفسق الفاسقين.
وكان ينتقص النبي r بعبارات مختلفة زاعماً أن قصده المحافظة على التوحيد.
وكان يسمي جماعته من أهل بلده الأنصار ويسمّي من اتبعه من الخارجين المهاجرين ، وإذا تبعه أحد وكان قد حجّ حجة الإسلام يقول له : حجَّ ثانيا فإنّ حجتك الأولى فعلتها وأنت مشرك فلا تقبل ، ولا تُسقط عنك الفرض ! [74]
ومن البدع التي أخرجها هو وقومه ترك العمائم ، مع أنها من السنة ، وهي تيجان العرب ، فترى أتباعه اليوم شغلهم الأكبر في صلاتهم إصلاح هيئة الخرق الحمراء ! التي تنسدل على جباههم وجنوبهم .
عقيدته:
أهم ما يميز العقيدة التي تبناها الشيخ الجوانب الأربعة التالية:
1. تجسيم وتشبيه الله سبحانه وتعالى بخلقه وفرية أنه التحيُّز في جهة تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
2. دعوى محاربة عبادة القبور وتحريم التوسل بالنبي r وزيارته.
3. تكفير المسلمين ورميهم بالشرك.
4. استحلال دماء المخالفين وأموالهم.
علمه:
حينما تسمع بدعوى التجديد تحسب أن هذا الشيخ قد ترك الكثير من النفائس الفكرية ، وأنه قد ملأ المكتبة الإسلامية علماً ونوراً ، ولكن الحقيقة بخلاف ذلك تماماً فلا يوجد للشيخ متن واحد في العلم يصلح أن يدرس ، بينما ترك نتفاً هي في أضخم أحوالها كتيبات ، وهي مع ذلك مليئة بالجهل والتخليط والانتصار بالأحاديث الضعيفة والموضوعة ، ولدلالة على ذلك فقد اخترنا أشهرها لديهم وهو (كتاب التوحيد) وعرضنا بعض ما فيه من جهل وتخبيط يريك ما عليه شيخ النجدية من ضلالة.
من أقوال العلماء فيه[75]:
أقوال العلماء في هذا الزائغ لا يتسع لها مقالنا ولكن نورد التالي:
· قال له أخوه سليمان يوماً : كم أركان الإسلام يا محمد ؟ فقال خمسة ، فقال أنت جعلتها ستة ، السادس : من لم يتبعك فليس بمسلم.
· وقال عنه الأمير الصنعاني صاحب سبل السلام :
وقد جاء من تأليفه برسائـل يكفِّر أهل الأرض فيها على عمد
ولفق في تكفيرهم كل حجة تراها كبيت العنكبوت لدى النقد
وصدق والله
· وقال عنه مفتي الحنابلة في مكة المكرمة الشيخ محمد بن عبدالله النجدي الحنبلي ت 1295هـ في كتابه (السحب الوابلة علىضرائح الحنابلة) في ترجمة والد محمد بن عبد الوهاب ما نصه : ( وهو والد محمد صاحب الدعوة التي انتشر شررها في الآفاق ، لكن بينهما تباين مع أن محمداً لم يتظاهر بالدعوة إلا بعد موت والده وأخبرني بعض من لقيته عن بعض أهل العلم عمّن عاصر الشيخ عبد الوهاب أنه كان غضبان على ولده محمد لكونه لم يرض أن يشتغل بالفقه كأسلافه وأهل جهته ويتفرس فيه أن يحدث منه أمر ، فكان يقول للناس : يا ما ترون من محمد الشر ، فقدر الله أن صار ما صار .. ثم قال عن تمجيده لابن تيمية وابن القيم : ..يرى كلامهما نصاً لا يقبل التأويل ، ويصول به على الناس .. وقال عن تسليم الله لأخيه سليمان من شره بعد أن ألَّف رسالته (فصل الخطاب في الرد على محمد بن عبد الوهاب)..إنه كان إذا باينه أحد ولم يقدر على قتله مجاهرة يرسل إليه من يغتاله في فراشه أو في السوق ليلاً لقوله بتكفير من خالفه واستحلاله قتله) فكيف لمن كان هذا حاله أن يبرز في العلم وهو لم ينفر للتفقه في الدين ، وكيف له أن يفلح عند الله وقد أغضب والده الصالح؟!
· وقال عنه الشيخ محمد أمين بن عابدين الحنفي في رد المحتار على الدر المختار (4/262) كتاب البغاة عند حديثه عن الوهابية : (خرجوا من نجد وتغلَّبوا على الحرمين ، وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة ، لكنهم اعتقدوا أنهم هم المسلمون وأن من خالف اعتقادهم مشركون)
· وقال عنه العلامة جميل صدقي الزهاوي في الفجر الصادق : (الوهابية فرقة منسوبة إلى محمد بن عبد الوهاب . وابتداء ظهور محمد هذا كان سنة (1143 هـ ) ، وإنما اشتهر أمره بعد الخمسين فأظهر عقيدته الزائفة في نجد، وساعده على إظهارها محمد بن سعود أمير الدرعية بلاد مسيلمة الكذاب مجبرا أهلها على متابعة ابن عبد الوهاب هذا، فتابعوه ، ومازال ينخدع له في هذا الأمر حي بعد حي من أحياء العرب حتى عمت فتنته ، وكبرت شهرته ، واستفحل أمره فخافته البادية. وكان يقول للناس : ما أدعوكم إلا إلى التوحيد، وترك الشرك بالله تعالى في عبادته ، وكانوا يمشون خلفه حيثما مشى حتى اتسع له الملك)[76].
· وقال الشريف عبد الله بن الشريف حسين باشا في (صدق الخبر في خوارج القرن الثاني عشر )الصفحة الأولى: إن ابتداء ظهور ابن عبد الوهاب ببدعته في نجد كان سنة 1143 هجرية ثم كان استيلاء الوهابيين على مكة سنة 1218 هـ فتسمية الوهابيين بخوارج القرن الثاني عشر هي مبنية على ابتداء ظهور بدعتهم ، لا على ابتداء استيلائهم الأول على مكة).
وقد رد بعض أتباع الأئمة الأربعة عليه وعلى مقلديه بتآليف كثيرة جيدة:
وأول من ردَّ عليه أكبر أساتذته الشيخ محمد بن سليمان الكردي مؤلف حواشي شرح ابن حجر على متن بافضل (وهو متن مشهور في المذهب الشافعي) ، فقال في جملة من كلامه (يا ابن عبد الوهاب كفَّ لسانك عن المسلمين) والمؤسف أنه لم يكف لا لسانه ولا يده .
وممن رد عليه من الحنابلة : أخوه سليمان بن عبد الوهاب في كتابين تعرضنا لأحدهما .
ومن حنابلة الشام : آل الشطّي ، والشيخ عبد القدومي النابلسي في رحلته ، أما من المعاصرين فعدد لا يحصى من العلماء .
وممن نص على خروجه من الملة:
العلامة المحقق ابن عابدين الحنفي في حاشيته (رد المحتار على الدر المختار)، في باب البغاة،
والشيخ الصاوي المصري في حاشيته على الجلالين لتكفيره أهل (لا إله إلا الله محمد رسول الله ) برأيه.
انخداع الناس به:
لقد وجد الشيخ في نجد مرتعاً خصباً ، حيث عشش الجهل فيها وباض ، فسارت في ركابه رضاً وكرها ، وتسامع الناس بدعوته التي تحول قطاع الطرق في نجد إلى دعاة للتوحيد وهدم القباب والقبور ، فانخدع الكثير من البسطاء به ، بل وانخدعت به طائفة من العلماء الذين يسمعون به ولا يرونه لبعدهم عنه ، مثلما انخدع الكثير من الناس بالطاغية أتاتورك ، حتى قال فيه شوقي :
(يا خالد الترك جدِّد خالد العربِ) ، وممن انخدع به العلامة الصنعاني صاحب سبل السلام ، فقال فيه:
سلامٌ على نجدٍ ومن حلَّ في نجْــــدِ وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي
حتى إذا أتاه الخبر اليقين قال:
رجعت عن القول الذي قلت في النجدي فقد صحَّ لي عنه خلاف الذي عندي[77]
ومنها ما ذكرنا في مقالنا ، وكذلك انخدع به السيد محمد رشيد رضا منشئ مجلة المنار فألف كتابه الوهابيون والحجاز ، وما ذلك إلا لكراهيته للأشراف وحبه في زوال دولتهم فليتنبه المسلم.
دعوى رجوعه إلى الحق:
بعد انقسام الوهابية اليوم إلى عدة جبهات ، تدعي بعضها أن الشيخ تاب مما كان عليه ، بعد أن رأى أن الأمر قد خرج عن دائرة الدعوة إلى قتل المسلمين وسرقة أموالهم وسبي نسائهم ، وطلب الدنيا بتوسيع رقعة النفوذ بأي ثمن كان. وهذا الكلام مردود باطل لا يقوله إلا متابع للعاطفة لا للحقيقة ، فإن الغارات وفرق الاغتيال من مبتدئها ما كانت تخرج إلا بمباركة الشيخ وتوجيهه وذلك باعتراف أشياع الشيخ ، أما قعوده في آخر حياته فيوضحه مؤرخ الوهابية الشيخ عثمان النجدي بقوله ( فلما فتح الله الرياض واتسعت ناحية الإسلام وأمنت السبل وانقاد كل صعب من بادٍ وحاضر جعل الشيخ الأمر بيد عبد العزيز وفوض أمور المسلمين وبيت المال إليه وانسلخ منها ولزم العبادة وتعليم العلم ، ولكن ما يقطع عبد العزيز أمراً دونه ولا ينفذه إلا بإذنه)[78] هذه هي الحقيقة باعتراف الوهابية ، وفي هذه المقالة أكثر من جانب للتحليل عن تواطؤ الشيخ على الإسلام والمسلمين ، ويجب أن تتنبه إلى إشارته إلى اتساع رقعة الإسلام بفتح الرياض !! فإلى هذا التاريخ لم يدخل الوهابية مكة والمدينة أي أن الإسلام لم يدخلهما بعد !!!
هذا باختصار شديد ، وإلا فإن شخصاً كمحمد بن عبد الوهاب يحتاج إلى دراسة متأنية لخطورة دعوته ، وعموم فتنته.
الألباني محدِّث السلفية
الالباني محدث السلفية
الشيخ ناصر الألباني يصرح الوهابية بأن الأرض أجدبت من أهل الحديث حتى ظهر هو ، فيصفه ابن باز بأنه أعلم من على أديم الأرض بالحديث ، ويصفونه بقولهم (محدِّث العصر) ، وفي المقابل فإنَّ علماء الحديث من غير الوهابية يسمُّون الألباني (بالشيخ المتناقض) فما سرُّ هذا التضارب في التسميات يا ترى ، ومن هو على الصواب ؟!
لتعلم الحق يقيناً فإنني سأنقل لك الحقائق والبراهين موثقة ، وباختصار من عدَّة كتب ، أولها كتاب ( تناقضات الألباني الواضحات فيما وقع له في تصحيح الأحاديث وتضعيفها من أخطاء وغلطات)[79] للشيخ حسن بن علي السقاف الشافعي المذهب ، وما سأنقله لا يشكل إلا شيئاً يسيراً من الجزء الأول:
1. الألباني يعيب على أئمة الحديث الجهل به وهو مخطئ :
الألباني مثله مثل باقي الحشوية لا يتردد في الانتقاص من المسلمين حتى وإن كانوا قد انتقلوا إلى الدار الآخرة وحتى وإن كانوا أئمة الحديث ؛ فيصف الحافظ السيوطي بأنه (يجعجع ) (السلسلة الضعيفة 4/198) ويقول عنه في نفس الكتاب (3/479) : (فيا عجباً للسيوطي كيف لم يخجل من تسويد كتابه …) ويصفه بالتناقض (4/182) ويصف الإمام الذهبي بهذا الوصف أيضا في نفس الكتاب (4/442) ويصف بذلك أيضاً الحافظ ابن الجوزي بالتناقض والإساءة (سلسلته الصحيحة 1/193) وكذلك يصف ابن حبان بالتناقض (الضعيفة 3/267) ولا يتردد أن يصف الحافظ ابن حجر بذاك أيضاً (الضعيفة 3/266) وقد كان في كلِّ أحواله مثال التناقض الواضح وإليك مثالاً واحداً على تخبطه :
· عاب على الإمام السيوطي والمناوي والإمام المحدِّث عبدالله بن الصديق الغماري إيرادهم لحديث (أفش السلام ، وأطعم الطعام ، وصل الأرحام ، وقم بالليل والناس نيام ، ثمَّ ادخل الجنة بسلام ) فقال في (سلسلته الضعيفة) (3/492) بعدما عزاه لأحمد (2/295) وغيره : (قلت وهذا إسناد ضعيف ، قال الدارقطني : أبو ميمونة عن أبي هريرة ، وعنه قتادة :مجهولٌ متروك) ثمَّ قال الألباني في نفس الصحيفة : (تنبيه : قد وقع للسيوطي ثم للمناوي خبط في لفظ هذا الحديث وسياقه ، بينته في المصدر الآنف الذكر برقم (517) وكذا أخطأ الغماري بإيراده في كنـزه ) اهـ.
أقول (أي الشيخ السقاف) : بل أنت وقعت في الخبط والخطأ الأعظم ، بل والتناقض الأكبر ، والدليل على ذلك أنك صححت هذا الحديث بعينه وبنفس سنده في موضع آخر وأنت لا تدري ، حيث قلت في (إرواء غليلك) (3/238) ما نصُّه : أخرجه أحمد (2/259) والحاكم … من طريق قتادة عن أبي ميمونة . قلت (أي الشيخ الألباني) : وإسناده صحيح ، رجاله رجال الشيخين غير أبي ميمونة وهو ثقة ، كما في (التقريب) وقال الحاكم : صحيح الإسناد ووافقه الذهبي))اهـ.
2. الألباني يخطئ المحدِّثين والحفاظ في عزوهم أحاديث لبعض كتب السنَّة مع كون تلك الأحاديث موجودة فيها :
مثال ذلك ما قاله الألباني في صحيحته (1/760 حديث 468 الطبعة 4) في حديث (إذا نعس أحدكم في المسجد يوم الجمعة فليتحول من مجلسه ذاك إلى غيره ) : (( قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم ! ووافقه الذهبي ! كذا قالا ! وابن إسحق مدلِّس ، وقد عنعنه في جميع الطرق عنه …)اهـ ، أقول (أي الشيخ السقاف) : كذا قال وانظر كيف يغلِّط الحافظ الترمذي وكذا الحافظ الذهبي ، علماً بأنه هو الغلطان الواهم ، وذلك لأن ابن إسحق لم يعنعنه في جميع الطرق بل قد صرَّح بالسماع في كتاب مطبوع بين يدي الألباني وأمام عينيه ، وذلك الكتاب هو مسند الأمام أحمد ، فلينظره فيه (2/135)[80] وليتدبر ذلك) .
3. الألباني يعزو الحديث إلى بعض كتب الحديث مع كون الحديث غير موجود فيها :
يفعل الألباني ذلك في مواضع كثيرة ، وخصوصاً في (صحيح الجامع وزيادته) و (ضعيف الجامع وزيادته) تابعاً في ذلك من نقل عنه فينقل حتى الأخطاء ، مثال ذلك :
يقول الألباني في كتاب (صفة الصلاة) الطبعة 6 ، ص (170) عن حديث وائل بن حُجْر الذي ذكر فيه وضع اليدين في التشهد فقال : (ثمَّ رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها)[81] ما نصه : (رواه أبو داود…)اهـ.
قلت : ليس كذلك ، والحديث لم يروه أبو داود ، وإنما رواه غيره .
4. قصور إطلاع الألباني في مواضع لا تحصى وأمثلة على ذلك :
الألباني يرمي العلماء بالقصور العلمي ويزدريهم على ذلك ، ويحاول التشبه بالحفاظ السابقين بقوله عن بعض الأحاديث : (لم أقف على سنده) ويرمي الكثير من الحفاظ بالغفلة مع أنه أهل ذلك وإليك الأمثلة:
· أََثَرُ سيدنا علي t : (إذا بلغ النساء الحقاق فالعصبة أولى ، ومن شهد فليشفع بخير) قال الألباني في (إرواء الغليل)(6/251 برقم 1847) في تخريجه : (لم أقف على إسناده)اهـ. ، أقول (أي الشيخ السقاف) : كذا قال ! ولو كان جهبذاً لعرف أنه في سنن البيهقي (7/121) ، وهناك إسناده مذكور بأكمله.
· قال الألباني في (إرواء الغليل) (3/283) (حديث ابن عمر (القبلات ربا) لم أقف على سنده)اهـ. قلت : كذا قال !! مع أنه مذكور بسنده في فتاوى الشيخ ابن تيمية المصرية (3/295) ورجاله رجال الصحيح .
· حديث ابن مسعود t : (أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حد مطلع ) قال الألباني في تخريج (مشكاة المصابيح )لشرح السنَّة مانصه : (لينظر في أي مكان رواه في (شرح السنَّة) فإني راجعته في (العلم) وفي (فضائل القرآن) منه فلم أره)اهـ. ، قلت (أي الشيخ السقاف) : كذا قلت !! ولو كنت راجعتَه حقاً في (العلم) لوجدته في (باب الخصومة في القرآن) من (شرح السنَّة) (1/262) ، وقد رواه ابن حبان وأبو يعلى والطحاوي والبزار والهيتمي وعزاه للبزار وأبي يعلى والطبراني في (الأوسط) وقال : رجال أحدهما ثقات.
5. الألباني يحرف كلام العلماء أو يبتر منه ما ليس في صالحه[82]:
ولخطورة هذا الباب فإننا سنذكر هنا أكثر من مثال ، وقد ضرب الشيخ السقاف صفحاً عن كل نقولات الألباني لكلام العلماء الذي يفهمه على غير وجهه ويقتطع من سياقه وسباقه أو من وسطه وإليك الأمثلة:
· أراد الألباني أن يضعِّف حديثاً خالف رأيه ، فلم يدر كيف السبيل إلى ذلك ، فاحتال لذلك أن نقل جزءاً من ترجمة رجل في سنده من الثقات من (كامل) ابن عدي وحرَّفها ، والرجل هو (عائذ بن حبيب) فقال عنه في إروائه (2/243): (الثالث : لو كان صريحاً في الرفع فهو شاذ أو منكر ، لأنَّ (عائذ بن حبيب) وإن كان ثقة فقد قال فيه ابن عدي : (روى أحاديث أنكرت عليه).. قلت : ولعل هذا منها…)اهـ.
أقول (أي الشيخ السقاف): كلا ، هذا ليس منها ، وابن عدي لم يقل ما ذكرته عنه ، بل إن نقلك عنه كان محرفاً ، فابن عدي قال في الكامل (5/1993) : (روى عن هشام بن عروة أحاديث أنكرت عليه وسائر أحاديثه مستقيمة)اهـ فأين هذا مما نقلت ، وخصوصاً أنّ هذا الحديث لم يروه حبيب عن هشام بن عروة ! فليتأمل المنصفون ، وليرجع المعاندون !! إن كانوا يتقون الله تعالى !!.
· نقل الألباني في كتابه (تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد) ص (34)[83] نصاً عن العلامة الفقيه ابن حجر الهيتمي وحذف من وسطه ما ليس في صالحه ، تحقيقاً للأمانة العلمية التي يتمتع بها ! وقد ابتدأ بنقل كلام ابن حجر ففتح قوسين ( (( ) وخَتَمَه كذلك بقوسين ( )) ) وبلفظة انتهى تأكيداً لتغرير القراء وتضليلهم عن تمام ذلك النقل ، وإنني أورد لكم تمام الكلام وأضع ما حذفه باللون الأسود الواضح بين قوسين ، فإليكم ذلك .
قال في (تحذير الساجد) ص (34) : (مذهب الشافعية أنه كبيرة : قال الفقيه ابن حجر الهيتمي في (الزواجر عن اقتراف الكبائر) (1/120): الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون اتخاذ القبور مساجد ، وإيقاد السُرُجِ عليها ، واتخاذها أوثاناً ، والطواف بها واستلامها والصلاة إليها.
ثم ساق – ابن حجر – بعض الأحاديث المتقدمة وغيرها ، ثم قال ص (111) : (( تنبيه : عَدُّ هذه الستة من الكبائر وقع في كلام بعض الشافعية ، وكأنه أخذ ذلك مما ذكرته من الأحاديث ، (ووجه اتخاذ القبور مسجداً منها واضح)[84] لأنه لعن من فَعَل ذلك بقبور أنبيائه ، وجعل من فعل ذلك بقبور صلحائه شر الخلق عند الله تعالى يوم القيامة ، ففيه تحذير لنا كما في رواية : (( يحذر ما صنعوا )) أي يحذِّر أمَّتَه بقوله لهم ذلك من أن يصنعوا كصنع أولئك ، فليُلعنوا كما لُعنوا ، (واتخاذ القبر مسجداً معناه الصلاة عليه أو إليه ، وحينئذ فقوله ((والصلاة إليها)) مكرر إلا أن يراد باتخاذها مساجد الصلاة عليها فقط ، نعم إنما يتجه هذا الأخذ إن كان القبر قبر معظَّم من نبيّ أو وليّ كما أشارت إليه رواية : ((إذا كان فيهم الرجل الصالح))[85])
ومن ثمَّ قال أصحابنا : تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركاً وإعظاماً فاشترطوا شيئين …) الخ انتهى كلام ابن حجر [86].اهـ كلام الألباني.
· أراد الشيخ الألباني أن يضعف حديثاً فيه جواز تحلية النساء بالذهب المحلق وفي سند الحديث (محمد بن عمارة) فزعم أن أبا حاتم قال عنه : (ليس بذاك القوي) انظر كتاب (حياة الألباني وآثاره…) الجزء الأول ص (207) ، والحقيقة أن أبا حاتم الرازي قال كما في (الجرح والتعديل) (8/45) : (صالحُ الحديث ، ليس بذاك القوي) فحذف الألباني كما ترون لفظة (صالح الحديث)!!.
6. الألباني يحكم على حديث بأنه صحيح في موضع ويحكم عليه بأنه منكر جداً في موضع آخر:
أورد الألباني في (مختصر العلو)[87] ص (98) برقم (38) حديث قتادة بن النعمان سمع النبي r يقول : (لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه) فقال : (رواته ثقات ، رواه أبو بكر الخلال في كتاب السنَّة له )اهـ[88]
أقول (أي الشيخ السقاف): لا أدري كيف يصفك المفتونون بك بأنك (محدِّث الديار الشامية) و (حافظ العصر والوقت) و (أنك ما رأيت مثل نفسك) وأنه لو حلف بين الركن والمقام على ذلك لم يحنث [89] … ولو ساق الألباني سند الحديث الذي صححه هنا من كتاب (الخلال) لتبين له أنه موضوع منكر ولما صححه ، وهاك إسناده أخي القارئ لتتحقق نكارته ووهاءه :
قال الخلال : حدثنا أحمد بن الحسين الرقي حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثنا محمد بن فليح حدثني أبي عن سعيد بن الحارث عن عبيد بن حنين ، قال : بينما أنا جالس في المسجد إذ جاءني قتادة بن النعمان يحدِّث وثاب إليه الناس ، فقال سمعتُ رسول الله r يقول : (إن الله لما فرغ من خلقه استوى على عرشه واستلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى ، وقال إنها لا تصلح لبشر). اهـ.
أقول (أي الشيخ السقاف) ولا يشك عاقل أن هذا كذب على الله ورسوله r ، تعالى الله عن ذلك.
وانظر الحديث في (الأسماء والصفات) للإمام الحافظ البيهقي ص (355-356) والتعليق عليه ، وقد حكم عليه الحافظ البيهقي بالنكارة ، وعدَّه الحافظ الذهبي في (ميزان الاعتدال)(3/365) من منكرات فليح ، وفليح ضعَّف الألباني حديثه في مواضع لا تحصى من كتبه[90] فكيف يقول عن حديثه في (مختصر العلو) هنا رجاله ثقات ، وصحيح على شرط البخاري؟!!
ويدل تصحيحه للحديث هنا في (مختصر العلو) على شدَّة غفلته وتناقضه لأنه قد حكم على الحديث بأنه منكر جداً في موضع آخر من كتبه وذلك في (سلسلته الضعيفة) (2/177 حديث 775) ونحن نتركه في الموضع الثاني – الضعيفة – يرد على الموضع الأول !
ولا نشك أن هذا الحديث له علاقة وثيقة بعقيدة اليهود الوثنية التي ردَّ الله تعالى عليها في كتابه العزيز حيث قال : {ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ، فاصبر على ما يقولون}
وهذا دليل على تساهل الألباني في تخريج الحديث في الكتب المختصة بالعقيدة ، وهذا من غلطه فإن الكتب المختصة بالعقيدة يجب أن تكون فيها الأحاديث الصحيحة الخالية عن المعارض ، أما الضعيفة والمنكرة والمعارضة بالقطعي فمما ينبغي أن تصان عنه .
وقد أورد الشيخ السقاف في الجزء الأول فقط من كتابه عددَ : مائتين وخمسين (250)حديثاً ضعفها الألباني في موضع وصححها أو حسَّنها في موضع آخر !!! ، فلله الأمر من قبل ومن بعد وكيف يغتر الناس بمثل هذا المتناقض[91] .
7. الألباني متناقض في ثنائه على أشخاص في موضع وثلبهم والنيل منهم في موضع آخر:
ومثال ذلك : قوله في مقدمة (صحيح الترغيب والترهيب) ص (36) مثنياً على الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي: ((واعلم أنَّ ما شجعني على نشرهما أنني رأيت الكتاب المطبوع تخت عنوان ……وعلَّق عليه العالم الشهير الجليل الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي …))اهـ.
وقال أيضاً في نفس الصحيفة : ((ومما زادني رغبة في الإقبال عليه ، أنَّ محققه الفاضل الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي قد صرَّح…))اهـ.
وهذا الكلام من الألباني الذي فيه الثناء الكبير على الشيخ المحدث حبيب الرحمن الأعظمي ناقضه في مقدمة آداب زفافه (الطبعة الجديدة) ص (8) حيث قال: (( واستعان الأنصاري بآخر رسالته بأحد أعداء السنَّة وأهل الحديث ودعاة التوحيد المشهورين بذلك ألا وهو الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي ... لجبنه وفقدانه الشجاعة العلمية والأدبية… )) اهـ باختصار . فتأملوا !!!
8. الألباني ضعيف في اللغة العربية مثله مثل أي حشوي آخر من أدعياء السلفية:
ولا بدّ هنا أن نذكر أكثر من مثال :
· قال في (صحيحته) (4/88) : ((وجوب الأخذ بيد الظالم))اهـ
وهذا لحن وخطأ ، والصواب أن يقول : (وجوب الأخذ على يد الظالم) لأنَّ الأخذ بيد الظالم لغةً هو مساعدته في ظلمه ، وقد اغتر الشيخ! بورود هذه الكلمة في بعض طرق الحديث الذي غلط فيه أحد رواته!
· قال في (صحيحته) (2/254) في حديث : ( ثلاثة لا يقبل منهم صلاة : ورجل صلى على جنازة ولم تويز) وعلَّق في الحاشية على لفظة (تويز) فقال : (كذا الأصل المصوَّر ، ولم يتبين ليَ الصواب )اهـ .
قلت (أي الشيخ السقاف) : (تويز) لا معنى لها في اللغة العربية ولا دخل لها في هذا الحديث ، والصواب والأصل هو (يؤمر) فتكون الجملة : (ورجل صلى على جنازة ولم يؤمر ) فلم يستطع قراءتها مع أنها مرَّت عليه في الترغيب والترهيب (ص 195 رقم الحديث 484 صحيح الترغيب!) ، ولكنه كثير الغفلة !!
9. أمثلة من أوهام الشيخ الألباني وأخطائه الكبيرة في فن الحديث :
· قال في (صحيحته) (1/812 في آخر سطر ) عن حديث هناك : (قلت : وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم) اهـ
أقول (أي الشيخ السقاف) كذا قال ! وفي السند سهل بن عثمان البجلي وليس هو من رجال مسلم بل لم نعثر له على ترجمة ! فكيف يقول : إسناد صحيح ؟!)
أقول (القحطاني) : وهذا دليل على تخليطه أيضاً فما من شكٍّ أنه قد خلط هنا بين البجلي هذا وسهل بن عثمان الكندي الذي هو من رجال مسلم فتأمل !
· قال في صحيحته (1/175 السطر الخامس من أسفل) : (فإن ابن زيد هو محمد بن زيد بن عبدالله بن عمر بن الخطاب وهو ثقة ..) اهـ
قلت (الشيخ السقاف) : كذا قال ! وليس كذلك ، فإن ابن زيد هذا هو عبدالرحمن بن زيد وهو ضعيف جداً !
· قال في صحيحته (3/399) في السطر الأول : (وابن عرزب مجهول) اهـ
قلت (الشيخ السقاف) : كلا ، بل هو ثقة كما قال الحافظ في التقريب برقم (2917) فتأمل.
· قال في صحيحته (3/191): - عن حديث هناك - : ( ورجاله ثقات رجال الستَّة غير عباد بن سالم فلم أجد له ترجمة )اهـ.
أقول (الشيخ السقاف) : كذا قال ! وعباد مترجم له في تاريخ البخاري (6/38) والجرح والتعديل (6/80) وثقات ابن حبان (7/159) فليستيقظ!
· قال الألباني في صحيحته (2/99-100) في حديث (نعم سحور المؤمن التمر) أخرجه ابن حبان والبيهقي .. ثم قال ص (100) : (تنبيه : عزى الحديث المنذري في الترغيب 2/94 وتبعه عليه الخطيب التبريزي في المشكاة (1998) إلى أبي داود ، وذلك وهم لا أدري من أين جاءهما!) اهـ
قلت (الشيخ السقاف) : كذا قال ! وهذا وهم وقع فيه لا أدري كيف نطق به ، وذلك لأن الحديث ثابت في سنن أبي داود برقم (2345) فإلى الله المشتكى ممن يتعالم على الحفاظ!!
10. الألباني جاهل بعلم الجرح والتعديل :
يقول العلامة المحدِّث محمود سعيد ممدوح في مقدمة كتابه (النقد الصحيح لما اعترض عليه من حديث المصابيح):
· عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي :
قال الألباني (1/214) وعمرو هذا في عداد المجهولين وإن صحح له الترمذي .اهـ.
قلت (الشيخ محمود) : هذا تطاول غير مقبول على أحد أئمة الحديث الذي قال له البخاري : استفدنا منك أكثر مما استفدت منا .
أقول (القحطاني): وممن وثقه وصحح حديثه الإمام الترمذي وابن حبان وابن خزيمة والذهبي فانظر بالله عليك وتأمل في الألباني الذي يجهل العمالقة ويتعالم !!
· عبيدالله بن أبي بردة :
(قال الألباني (1/87) : لم يوثقه أحد حتى ولا ابن حبان ، فلا تغتر بقول المنذري : ورجاله ثقات .اهـ.)
قلت (أي الشيخ محمود): قال الحافظ في التهذيب (7/94) : أخرجه الضياء في المختارة ، ومقتضاه أن يكون عبيدالله عنده ثقة .اهـ. فالرجل ثقة ، والحافظ المنذري أصاب في قوله : (رجاله ثقات) ، والله أعلم.
· جُرَيّ بن كُليب النَّهدي الكوفي :
قال الألباني (1/97): لم يرو عنه غير أبي إسحق السبيعي . اهـ.
قلت (الشيخ محمود): بل روى عنه غيره ؛ قال الحافظ في التهذيب (2/78) : روى عنه أيضاً يونس بن أبي إسحاق ، وعاصم بن أبي النَّجُود وحديثهما عنه في مسند أحمد . اهـ. والذي أوقع الألباني فيما تراه هو اعتماده على كتاب واحد هو الميزان فانظره (1/397).
وفي معرض ردِّ العلامة المحدِّث سعيد بن مبروك القنوبي في كتابه النَّيِّر (الإمام الربيع مكانته ومسنده ص 28–105) على قول من قال بأن الشيخ الألباني يجهل الإمام الربيع فيكون بذلك الإمام الربيع نكرة ، فما كان من الشيخ سعيد إلا أن ذكر – وعلى عجالة - خمسين مثالاً تدل على جهل الألباني بفن الحديث (...جهلاً يكاد يكون مركَّباً في بعض الأحيان ، ولا أدل على ذلك من جهله بكثير من الرواة منهم مَن هو من رجال الشيخين ، وعدم معرفته بوجود كثير من الأحاديث ؛ كثير منها أحاديث الصحيحين اللذين اختصرهما بنفسه بحسب زعمه ، وكثير منها من كتب أخرى مشهورة متداولة...) وإليك بعض الأمثلة مما ذكر :
· قال في ضعيفته (4/200) : ( وسليمان بن شرحبيل …ولم أجد في هذه الطبقة من اسمه سليمان بن شرحبيل أو شراحيل ) كذا قال ، وسليمان هذا اسمه بالكامل : سليمان بن عبدالرحمن بن عيسى بن ميمون ابن بنت شرحبيل ، ويختصرونه أحياناً إلى ما رأيت ، وهو مترجم في : (رجال البخاري للكلاباذي 1/314) و (التاريخ الكبير 4/24) و(الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 4/29) و ( علل الحديث ... وقد ذكر الشيخ القنوبي بعد ذلك عشرين مرجعاً في علم الحديث غير التي ذكرنا ترجمت لهذا الرجل )
وهو من رجال البخاري الأربعة !!!!
· عبدالأعلى بن عبدالله بن أبي فروة
قال في ضعيفته 1/213 : (وهو مجهول لم أجد له ترجمة) كذا قال ، وليس الأمر كما قال ؛ وذلك لأن عبدالأعلى هذا مترجم له في كتب كثيرة جداً منها : (التاريخ الكبير للبخاري 6/71) و (تاريخ ابن معين) و (الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 6/27) …. ثم ذكر الشيخ القنوبي عشرة مراجع ترجمت له وقد قال الحافظ في (تقريب التقريب ص331) فيه : ثقة فقيه ، وقد وثقه ابن معين ويعقوب بن أبي سفيان والدارقطني !!!
· سعيد بن أشوع
قال في إرواء الغليل 3/121 (لم أجد له ترجمة ) مع أنه ترجم له في الكثير من الكتب منها : (رجال البخاري) و (رجال مسلم) و (التاريخ الكبير) و (تاريخ ابن معين) وقد ذكر ستة عشر مرجعاً آخر له فيها ترجمة .
· امرأة ابن عمر
قال في صحيحته التالفة (4/269) : (ورجال إسناده ثقات كلهم غير امرأة ابن عمر فلم أعرفها) اهـ.
وامرأة ابن عمر هذه معروفة مشهورة ، واسمها صفية بنت أبي عبيد الثقفية روى لها الإمام مسلم والإمام البخاري[92] في التعاليق ، وهاك بعض الكتب التي ترجمت لها (وذكر الشيخ هنا ثلاثة عشر كتاباً لها فيها ترجمة!)
هذا هو الألباني محدِّث أدعياء السلفية[93] ، وما نقلناه هو غيض من فيض ولو حاولنا نقل مقتطفات مما رصده غير هؤلاء العلماء كالمحدث الشيخ عبدالله الهرري وغيره لما وسعنا المجال وفي هذا كفاية للمحتاط لدينه ليحذر من تصحيح وتضعيف الألباني للأحاديث النبوية الشريفة.
الشيخ عبدالله فيلبي!
الشيخ عبدالله فيلبي
لقد ذكرنا أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب عاد من البصرة وحوله كوكبة من النصارى المستشرقين الإنكليز ، في صورة رقيق اشتراهم الشيخ خلال رحلته ، ولم يكن هؤلاء بطبيعة الحال إلا الجماعة المشرفة على المخطط المعد في وزارة المستعمرات البريطانية لإنشاء إسلام جديد بعد تجربتهم المريرة مع المسلمين في شبه القارة الهندية الذين رفعوا راية الجهاد ضدَّ المستعمر الإنجليزي ، فرأى الإنجليز لزاماً عليهم – وهم أهل المكر والدهاء - إن أرادوا البقاء في العالم الإسلامي أن يصمموا إسلاماً جديداً يفرضونه على المسلمين فرضا ، راية الجهاد فيه خافقة ولكن ليس ضد النصارى بل في رقاب المسلمين! ، فيكون بأس المسلمين بينهم شديد ، فتم داخل وزارة المستعمرات البريطانية تصميم حركة جديدة صورتها صورة الإسلام ، وليكن تطبيقها بالقرب من أقدس أماكن المسلمين ؛ ولكن ما يميز هذه الحركة أن الجهاد هذه المرة مسلَّطٌ على رقاب المسلمين حيث أصبحوا مشركين عبدة قبور وأصنام في الشريعة الوهابية ، لا على رقاب دول الاستعمار ، كما كان حال المسلمين في العالم عموماً ، فاستحمَّ القتل في أهل شبه الجزيرة العربية ، ووصل إلى العراق وبعض بقاع بلاد الشام ، والوقوف أمام أي تحرك لجمع كلمة المسلمين.
لقد اهتم النصارى الإنجليز اهتماماً كبيراً برعاية الحركة الوهابية الناشئة ، كيف لا وفيها بارقة الأمل لا على القضاء على ذروة سنام الإسلام فحسب بل إلى شغل المسلمين بأنفسهم ، فأخذوا يرعونها بواسطة عملائهم ، منذ المستر هامفرد مروراً بشكسبير الذي قتل في معركة الجراب بين الوهابية وآل رشيد ثمَّ جون فيلبي ، وفي مقالنا هذا سنتعرض لهذه الشخصية بشيء من التعريف نتيجة لدورها في القيادة المباشرة للوهابية عسكرياً وسياسياً ردحاً طويلا من الدهر.
من هو فيلبي؟:
هو الكولونيل هاري جون سانت فيلبي ولد في 3 أبريل 1885 في جزيرة سيلان (سريلانكا)[94] ، وانتقل مع أبيه إلى بربطانيا سنة 1891 وأكمل دراسته في جامعة كامبردج سنة 1907 ، ثم درس التاريخ والقانون الهندي ، وتعلم اللغات الفرنسية والألمانية والهندستانية والفارسية والعربية ، وعاد إلى الشرق ضمن أفواج المخابرات البريطانية ، أمثال كتشنر ولورنس ومكماهون ، وكوكس ومس بل وكلايتون ، وغلوب وولسون وغيرهم.
أرسل فيلبي إلى الهند عام 1908ليعمل في المخابرات الإنجليزية هناك ، وترقى عام 1914 ليصبح نائب حاكم (لايلابور) ثم انتقل ليرأس دائرة الصحافة في البنجاب ، ولكن بعد انفجار الحرب العالمية الأولى بدأت بريطانيا تعد العدة لانتزاع ما يمكن انتزاعه من ممتلكات الدولة العثمانية وفي مقدمتها العراق ، فشقت البحرية البريطانية طريقها إلى البصرة في نوفمبر 1914 يترأسها السير برسي كوكس ومن أبرز معاونيه المستر فيلبي الذي عيِّن ضمن الجهاز الإداري الذي يرأسه كوكس.
بعد عام واحد عيِّن فيلبي مساعداً مالياً في البصرة وأنيط به تحرير صحيفة (الأوقات البصْرية) التي تصدرها دائرة المندوب السياسي البريطاني. وقد كان لجولاته في جنوب العراق لجمع المعلومات ولقائه بديكسون في سوق الشيوخ أثر بالغ عليه للولع بالعمل في الصحراء.
بعد احتلال بغداد في 17 مايو 1916 عين فيلبي مساعداً ثانياً للحاكم هناك واشترك مع القسيس ماري الكرملي في إصدار صحيفة (العرب) فكان رئيس تحريرها.
دخول الجزيرة العربية:
بعد مقتل الكابتن شكسبير في معركة الجراب سنة 1915، في مواجهة آل رشيد الذين رأت فيهم بريطانيا ولاءً للسلطة العثمانية ، والذين استطاع الوهابية مشاغلتهم فلم ينجدوا السلطة العثمانية ساعة احتلال القوات البريطانية للبصرة ، توجه زعيم الوهابية في حينه إلى البصرة[95] ليسلحه الإنجليز بقائد آخر جديد يدبِّر له أموره ، ولم يكن هذا القائد إلا المستر فيلبي ، فوصل في بعثة متكاملة لدراسة الوضع الجديد ومعه المال والسلاح للوهابية إلى ميناء العقير بالأحساء بتاريخ 17 أكتوبر 1917 مرتدياً الملابس العربية واتجه إلى الرياض ليستقبله هاملتون الوكيل السياسي البريطاني بالكويت[96] ، ولكنه لم يلبث طويلاً حيث كانت مهمته اختراق ما اقترح لتكوينه كمملكة متكاملة من الجنوب إلى الشمال فعاد إلى بغداد عن طريق الصحراء إلى الحجاز فمصر ومن هناك بالبحر إلى البصرة مخططاً المنطقة المطلة على البحر الأحمر.
بعد أن سلَّم فيلبي مخططه لكوكس في بغداد ما لبث أن عاد إلى نجد يحمل معه المال والسلاح الإضافي والتقى بزعيم الوهابية في صحراء الدهناء .
كانت مهمة فيلبي تتمثل في ثلاثة محاور هي:
المحور الأول: المساهمة في جمع المعلومات للمخابرات البريطانية عن الجزيرة العربية.
المحور الثاني: تربية جيل يستطيع حمل المهمة من بعده يلبس لبوس أهل البلاد.
المحور الثالث: القضاء على نفوذ الدولة العثمانية المتمثل في:
(أ) آل رشيد في الشمال الشرقي.
(ب) الأسرة الهاشمية في الحجاز.
أما بالنسبة للمحورين الأول والثاني فقد قام بهما فيلبي خير قيام الواقع خير متحدث بهما[97] ، وقد أشرف على تربية أكثر من بديل للزعامة الوهابية ، أما بالنسبة للمحور الثالث فبعد وصوله وجد أن القوات الوهابية قد انسحبت إلى بريدة ، وانسحب آل رشيد إلى القصيم ، فكانت الأوامر البريطانية بضرورة سرعة إعادة تحريك القوات الوهابية لاستئناف التحرشات بابن رشيد ، وقد تم الاتفاق مع الوهابية على المباشرة بمهمتهم فور وصول الإمدادات اللازمة ، وقد تعهدت بريطانيا بتقديم الأموال والأسلحة والمشورة العسكرية.[98]
وقد بدأت كميات الأسلحة تصل تباعاً ، وكانت دفعة منها تبلغ خمسة آلاف بندقية ومائة صندوق ذخيرة.
ونشبت أولى المعارك ضد آل رشيد بقيادة جون فيلبي الذي لم يجرؤ على المشاركة الفعلية خوفاً من مصير شبيه بمصير النقيب شكسبير ، بل اكتفى بمراقبتها من شرفة عالية في برج قريب[99].
وخلال هذه الفترة عمد إلى تكتيك جديد وهو استخدام المال وتقديم المغريات كوسيلة لتحريك الحساسيات والعصبيات ، فساعدهم بعض آل رشيد على الاستيلاء على بعض قرى منطقة حائل عاصمة آل رشيد.
وكان هذا من مسهلات معركة (الروضة) حيث احتلت قريتا (بيضاء نثيل) و (الشعبية) وقتل الوهابية المصلين عند الصباح بالمساجد في شهر رمضان على أساس أنهم من المشركين ، كما هتكت الأعراض ونهبت الأموال.
ثمَّ استطاعوا بمعاونة بعض العملاء من الاستيلاء على جبل شمَّر (جبل طيء سابقاً : أجأ وسلمى) وأخذوا يمارسون الإرهاب ضدَّ أهله ، ولا سيما في قرية (عقدة) ، وبعض القرى المجاورة ، حيث قتلوا عدداً من الفلاحين الآمنين[100] ، وهكذا انفتح الطريق أمام الوهابيين إلى حائل وكان للخيانة - كما خطط لها فيلبي - دور كبير في سقوطها ، بعد أن حشد لها الوهابية جيشاً كبيراً ، فسقطت في أيديهم في 29 صفر 1340 / 2 نوفمبر 1922[101].
أما بالنسبة للأشراف في الحجاز : فبعد أن رفض الشريف حسين قبول الاتفاقات التي نعرفها اليوم بين الإنجليز والفرنسيين والصهاينة بخصوص ما أسموه بمنطقة الشرق الأوسط من ا
حكيم حبيب
27-12-2008, 02:46 PM
هذه هدية الى الاخ ابداع بمناسبة السنة الجديدة ...لك حق اقتباسها وكتابتها كعنوان لمشاركة جديدة
وشكرا
أبو عبد الرحمن2
28-12-2008, 09:03 AM
هذه هدية الى الاخ ابداع بمناسبة السنة الجديدة ...لك حق اقتباسها وكتابتها كعنوان لمشاركة جديدة
وشكرا
الرد على رسالة من الأحساء مشتملة على الكذب والبهتان]
وله أيضا صب الله عليه من شآبيب بره ووالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنوره أهل العمى؛ فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، ومن تائه ضال قد هدوه؛ فما أحسن أثرهم على الناس! وما أقبح أثر الناس عليهم!
ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا أعنة الفتنة؛ فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب مجمعون على مخالفة الكتاب، يقولون على الله وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم; فنعوذ بالله من فتن المضلين.
أما بعد: فإنه قد ألقي إلينا رسالة من الأحساء مشتملة على الكذب والبهتان، والإثم والعدوان، قد صدرها صاحبها بشبهة تنبئ عن شكه في الدين وانحرافه عن سبيل المؤمنين.
وهذه الشبهة التي ألقاها، هي التي أوردها شياطين أهل نجد، على شيخنا شيخ الإسلام، محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، لما دعاهم إلى أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، ويتركوا عبادة ما كانوا يعبدونه، من القبور والطواغيت، والأشجار والأحجار.
ص -370- وممن أورد هذه الشبهة: عبد الله المويس في سدير، وابن إسماعيل في الوشم، وابن سحيم وابنه في الرياض، وسليمان بن عبد الوهاب في حريملاء، زعموا: أن هذه الأمة لا يقع فيها شرك ولا بدعة؛ فورثهم هذا الجاهل المرتاب، فقال بقولهم سواء بسواء.
وقد رد شيخنا، رحمه الله، شبهة أولئك المنكرين لدين الإسلام والدعوة إليه، وأبطل شبههم بالآيات المحكمات البينات، وبالسنة الصحيحة الصريحة، وبالعقل والفطرة، وبين بالأدلة والبراهين أن هذا الذي يفعله أولئك وغيرهم، في تلك الأوقات، أنه الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله.
وبين أن الذي دهى هؤلاء، وصدفهم عن معرفة الدين الذي بعث الله به المرسلين، هو عدم معرفتهم للتوحيد، وجهلهم بالشرك في العبادة والتنديد؛ وقد ألفوا هذا الشرك واعتادوه، فأنكروا ما خالف تلك العوائد، واشمأزت قلوبهم من الدعوة إلى الإخلاص في العبادة.
فأبطل الله ما أوردوه من الشبهات، فصمموا على الإنكار، وصاحوا عند الظلمة والفجار، فأظهر الله - وله الحمد - هذه الدعوة، وقبلها من أراد الله هدايته، وهم الخلق الكثير والجم الغفير، وأقر بها كثير من أهل الأمصار. وانتشرت بحمد الله في هذه الأعصار، ونفع الله بها أناسا من أهل تلك الأقطار، فاطمأنت بها القلوب، وذلت بها الألسن، فلم
ص -371- يبق لأهلها فيها مجادل ولا معاند، ولا مماحل. فلله الحمد على ظهور الحجة، وبيان المحجة، لا نحصي ثناء عليه، ولا ملجأ منه إلا إليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم إن هذا الجاهل أظهر تلك الشبهة في هذا الوقت القريب، وصدر به كتابه الذي ألقاه، وأخفى نفسه، فقال فيما ضمنه رسالته: أيها الرجل الجاهل المعجب بنفسه، لقد غويت وجهلت باعتقادك في هذه الأمة المحمدية، الذين قال الله فيهم: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [سورة آل عمران آية : 110]، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [سورة البقرة آية : 143] أي: عدلا خيارا.
وقال صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة، هي خيرها وأكرمها عند الله" 1، وذكر أحاديث في فضل الأمة قد حرفها، كما حرف هذا الحديث، وكتم من الآيتين اللتين ذكرهما، ما هو دليل عليه.
ثم قال: وأنت جعلتهم ما بين مشرك ومبتدع، وفاسق وجاهل وظالم، ولا هنا مسلم حقيقي إلا أنت؛ وكم نفر من الذي تشتهي، ولا سبقك أحد بهذا الاعتقاد.
فأقول: الله أكبر!! ما أعظم هذه الفرية على الله وعلى كتابه، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم! فإنه ادعى أني أنا الذي جعلت الأمة، ما بين مشرك ومبتدع، وظالم وجاهل، والله تعالى هو الذي ذكر الكفار، وأعمالهم، والمشركين وشركهم،
-----------------------
1 الترمذي : تفسير القرآن (3001) , وابن ماجه : الزهد (4288) , وأحمد (4/446) , والدارمي : الرقاق (2760).
ص -372- ورد عليهم في كتابه، وأباح دماءهم وأموالهم، وسبي ذراريهم ونسائهم، وأعد لهم نار جهنم والخلود فيها؛ وكذلك المنافقين، وكل من عصى الله من هذه الأمة، ناله من الوعيد بحسب ما فعل من المعصية.
والقرآن من أوله إلى آخره، في بيان الشرك والكفر، والتحذير منه، والنهي عن الفسوق والعصيان، والدعوة إلى ما يحبه الله ويرضاه، من توحيده وطاعته، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فيما دعا إليه وأمر به، والانتهاء عما حرمه ونهى عنه؛ ومن له أدنى مسكة من عقل، يعرف أن ما عبر به هذا الجاهل ينبئ عن غاية الجهل والضلال، وأنه لا يدري عن القرآن، ولا عما فيه من تمييز الهدى من الضلال، ومعرفة أهل الحق من أهل الباطل.
وقوله: ما هنا مسلم حقيقي، إلا أنت؛ وكم نفر من الذي تشتهي.
فأقول: سبحانك هذا بهتان عظيم! اللهم إني أعوذ بك من بهتان أهل البهتان، وظلم أهل الظلم والعدوان; لا ريب أن الأمة لا تخلو من المسلمين، في كل زمان إلى أن تقوم الساعة; وفي القرون الثلاثة المفضلة، المسلمون قد ملؤوا الأمصار، في المشارق والمغارب، والحجاز واليمن.
فالحمد لله الذي كثر المسلمين والمؤمنين من هذه الأمة، وإن كان عدوهم من هذه الأمة أكثر، فلهم العزة والظهور،
ص -373- يقلون تارة ويكثرون أخرى، ويظهر عدوهم عليهم تارة، وتكون لهم العاقبة؛ وهذا أمر مجمع عليه، لا يرتاب فيه من عرف الأمة، وما جرى منها وما عليها.
وقوله: ولا سبقك أحد بهذا الاعتقاد.
فأقول: ما أعظمها من فرية! فكل مسلم يعلم أن في الأمة من هذه الأصناف الخمسة كثيرا، في جميع الأعصار، من حين بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة؛ فما عاداه - صلوات الله وسلامه عليه - هو وأصحابه، إلا الكفار، والمشركون، وهم من هذه الأمة. وبعد هجرته ظهر النفاق في دار الهجرة، وقد رمته العرب عن قوس العداوة، وذلك لكفرهم وشركهم وضلالهم؛ وهذا أمر ظاهر لا يرتاب فيه مسلم، ولا يمكن أحد أن يجحده، اللهم إلا أن يكون مثل هذا الجاهل، الذي لا يدري إلا عما أكل أو شرب أو لبس.
وهل يشك أحد أن الله بعث نبيه صلى الله عليه وسلم إلى الأسود والأحمر، والإنس والجن، بالهدى ودين الحق، فآمن به من آمن، وكفر به من كفر، ونافق من نافق؟
وفي كل سورة من القرآن من السور المكية، يذكر تعالى فيها محاجته للمشركين، والرد عليهم، وبيان ضلالهم; وبعد الهجرة أمره بقتالهم، فقال تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ
ص -374- عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [سورة النساء آية : 84].
فأوجب تعالى أن يقاتلوا لكفرهم، فقال تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [سورة التوبة آية : 36]، وقال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} [سورة محمد آية : 1] إلى قوله: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} [سورة محمد آية : 4]، إلى غير ذلك من الآيات.
وكل من دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى التوحيد من قريب أو بعيد، فهم من أمته الذين أرسل إليهم، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سورة التغابن آية : 2]، وقال تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [سورة البقرة آية : 26]، والمراد من بعث النبي صلى الله عليه وسلم إليهم. فإذا كان الأمر كذلك، فلا يخلو صاحب هذه الشبهة من أحد أمور ثلاثة: إما أن يقول: إن الذين سماهم الله كفارا ومشركين ومنافقين، وأمر نبيه والمؤمنين بقتالهم، ليسوا من أمة محمد؛ وهذا لا يقوله إلا جاهل، أو مكابر معاند.
الأمر الثاني: أن يقول: إن الكفار والمنافقين والمبتدعة من هذه الأمة كلهم من خير أمة أخرجت للناس; فهذا من أبين البطلان، وأعظم الضلال، لعدم الإيمان
ص -375- بالقرآن، وبمن أنزل القرآن، وبمن بلغه صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: {لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ} [سورة الحشر آية : 20]، وقال: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [سورة ص آية : 28].
فإن أقر بأنهم من هذه الأمة، وأنهم كفار، ومنافقون، ومشركون، رجع عن قوله، وأبطل شبهته. وينبغي بسط الجواب، مع الاقتصار على بعض، لتحصل به الفائدة؛ فلعل هذا الجاهل ألقى هذه الشبهة على بعض من لا بصيرة له، فتعلق بقلبه؛ فيتعين كشفها عمن ألقيت إليه.
والله أسأل أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، موجبا للفوز بجنات النعيم، وفي الأثر "إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، والعقل الكامل عند حلول الشهوات".
فنقول وبالله التوفيق، قال الله تعالى:
(بسم الله الرحمن الرحيم)، {حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ} [سورة فصلت آية : 1-2-3-4] إلى قوله {فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ}[ سورة فصلت آية : 5] ؛ فأخبر تعالى في هذه الآيات أن الأكثر أعرضوا عن هذا القرآن الذي أوحاه الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يقبلوا
ص -376- ما جاءهم به، وهم الذين بعث فيهم صلى الله عليه وسلم من قريش وغيرهم، ولا ريب أنهم من أمته صلى الله عليه وسلم؛ فصاروا فريقين، فريق آمنوا به واتبعوه، والأكثر أعرضوا عنه، ونصبوا له العداوة ولأتباعه، وهؤلاء كثير، منهم من مات على كفره، ومنهم من قتل ببدر، وأحد، والخندق، ولا يمكن أحدا له أدنى مسكة من عقل أن يقول: إن هؤلاء ليسوا من أمة محمد، ولا أن الكفار الذين ماتوا على الكفر، وقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أنهم من خير أمة أخرجت للناس.
فظهر بهذا الدليل الواضح الجلي، أن خير الأمة هم المؤمنون، الذين عزروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصروه، واتبعوه في حياته، وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم، ومن اتبع سبيلهم إلى يوم القيامة، بخلاف من عاداهم وخالفهم، فأولئك شرار الأمة في كل زمان ومكان.
ولما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، أقام بمكة ثلاث عشرة سنة، يوحى إليه السور المكية، وكلها جدال مع المشركين، ونهي عن الشرك بالله في العبادة، وبيان للتوحيد بأدلته، من الآيات المحكمات.
وبعد ذلك، شرع الله الهجرة لنبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فهاجروا إلى المدينة، فأمره الله بقتال المشركين من قريش وغيرهم، قال تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ
ص -377- الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [سورة محمد آية : 4]، وقال تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة النساء آية : 84]، ونحو هذه الآيات في القرآن كثير.
فأمر تعالى بقتال الكفار والمشركين، من أهل الكتاب وغيرهم، كما قال تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [سورة التوبة آية : 29] ؛ فهؤلاء وأمثالهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهم من شرار الأمة بلا ريب.
وقد أخبر تعالى عن الكفار، من أهل الكتاب والمشركين، أنهم في نار جهنم، وأنهم شر البرية، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [سورة البينة آية : 6].
فدلت هذه الآيات أن في هذه الأمة كفارا ومشركين، وأنهم في النار، وأنهم شر البرية. فبعدا لرجل ادعى أن أولئك الذين هم شر البرية، من الأمة الوسط، ومن خير أمة أخرجت للناس! أما علم أن قوله محادة لله ولرسوله ولدينه، وأنه لا يقول هذا إلا من ليس له عقل ولا دين، وليس معه من الإسلام إلا مجرد الدعوى. نعوذ بالله من الضلال وسوء الحال.
ص -378- ونقول أيضا: لا ريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل كعب بن الأشرف اليهودي، وأجلى بني قينقاع، والنضير، وقتل بني قريظة، لما نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهم من أمة الدعوة بلا ريب، لكنهم من شرار الأمة لا من خيرها.
فيلزم هذا الجاهل، على قوله الذي قدمنا ذكره، أن يقول: هؤلاء من الأمة الوسط، ومن خير أمة أخرجت للناس؛ ولا يخفى أن هذا لا يقوله مسلم أصلا.
وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لا يسمع بي رجل من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار" 1، ولأحمد عن أبي هريرة مثله; وهذا الحديث نص على أن اليهود والنصارى من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن من لم يؤمن به، فهو من أهل النار.
وقد دل على أنهم من أمته، قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} [سورة الأعراف آية : 158]، وقوله: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [سورة الفرقان آية : 1]، وقوله تعالى: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [سورة الأنعام آية : 19].
ولما فرغ صلى الله عليه وسلم من قتال العرب، أخذ في قتال أهل
-----------------------
1 مسلم : الإيمان (153) , وأحمد (2/317 ,2/350).
ص -379- الكتاب، فقتل اليهود بخيبر، وبعث سريته إلى الشام لقتال النصارى، وغزاهم بنفسه حتى بلغ تبوك، فلم يلق كيدا، فرجع صلى الله عليه وسلم.
وعن بريدة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميرا على جيش أو سرية، أوصاه بتقوى الله تعالى، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: "اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله" 1 الحديث.
فعلم من هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل من كفر بالله في حياته، وبعث السرايا لقتالهم، وهم من أمة الدعوة، وليسوا من خير أمة أخرجت للناس، إلا من دخل منهم في الإسلام؛ وهذا وغيره يبطل شبهة أهل الريب، ويبين أنهم لا علم لهم ولا دين، لمعارضتهم لنصوص الكتاب والسنة بالجهل والعناد؛ فإنهم حاولوا نبذ الإسلام وراء الظهر، ويأبى الله إلا أن يتم نوره.
وقد كنت أحب لهؤلاء المنحرفين عن دعوة الإسلام، أن يقبلوا الحق، ويعتقدوه، ويعملوا به، لكني أخشى عليهم أن يكونوا، كمن قال الله فيهم: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} [سورة البقرة آية : 18].
نسأل الله الثبات على الإسلام، والاستقامة عليه والوفاة عليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
-----------------------
1 مسلم : الجهاد والسير (1731) , والترمذي : الديات (1408) والسير (1617) , وأبو داود : الجهاد (2613) , وابن ماجه : الجهاد (2858) , وأحمد (5/352 ,5/358) , والدارمي : السير (2439).
ص -380- وأما الجواب عما استدل به من الآيتين والأحاديث، فأقول: قد وصف الله تعالى خير أمة أخرجت للناس بثلاث صفات، فقال: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [سورة آل عمران آية : 110]، كما قال تعالى في سورة براءة: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} [سورة التوبة آية : 71] الآية، والآية التي بعدها.
فمن تدبر هذه الأوصاف، علم يقينا أن خير الأمة هم الأقلون عددا، الأعظمون قدرا عند الله، وهم المؤمنون خاصة؛ قال الحسن رحمه الله: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال.
ووصف المنافقين في هذه السورة، بعكس هذه الصفات، فقال تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [سورة التوبة آية : 67] ؛ فوصفهم بالكفر تارة، وبالفسوق أخرى، ولعنهم; فقال: {لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [سورة التوبة آية : 66]. وقال في سورة الأحزاب:
{لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [سورة الأحزاب آية : 60] إلى قوله: {مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً} [سورة الأحزاب آية : 61].
ص -381- وقد كانوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وكانوا معه في الحضر والسفر، يشهدون أن لا إله إلا الله بألسنتهم، ويصلون، وينفقون، فلم ينفعهم ذلك، لعدم إيمانهم بما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم; ولا ريب أنهم لم يكونوا من خير أمة أخرجت للناس، بل هم من شرار الأمة.
وذكر العماد بن كثير، رحمه الله تعالى، في تفسير سورة براءة، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة أسياف، سيف للمشركين {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [سورة التوبة آية : 5]، وسيف للكفار، أهل الكتاب {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [سورة التوبة آية : 29] وسيف للمنافقين: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} [سورة التوبة آية : 73] وسيف للبغاة: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}" [سورة الحجرات آية : 9] قال رحمه الله: وهذا يقتضي أنهم يجاهَدون بالسيوف، إذا أظهروا النفاق، وهو اختيار ابن جرير.
قلت: وأحسب أن هذا الرجل الذي أورد الشبهة، قد ظهرت مشابهته للمنافقين، في كراهته أهل الأمر بالمعروف، وعداوته لهم وموالاته لأهل الإلحاد،
ص -382- والإعراض عما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم ممن لم يرفع بهذا الدين رأسا; وما أسرّ عبد سريرة، إلا ألبسه الله رداءها على صفحات وجهه، وفلتات لسانه.
فتبين أن خير أمة أخرجت للناس هم المؤمنون الذين يوالون في الله، ويعادون فيه، ويأمرون بالمعروف، وأعظمه توحيد الله بالعبادة، وجميع ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال، وينهون عن المنكر، وأعظمه الشرك بالله في العبادة، والإلحاد في أسمائه وصفاته، ووصفه بما لا يليق بجلاله وعظمته.
وأما الجواب عما استدل به من الآية الأخرى، وهي قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [سورة البقرة آية : 143] أي: عدلا خيارا {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [سورة البقرة آية : 143]، فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهم المعنيون بهذا؛ ويلحق بهم من سلك سبيلهم من المؤمنين.
بخلاف الكفار والمشركين والمنافقين الذين هم أهل النار، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، ويعادون أهل المعروف ويبغضونهم، ويوالون أهل المنكر ويحبونهم؛ وهم الذين شاقوا الله ورسوله، وقد قال فيهم: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} [سورة النساء آية : 115].
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2026, TranZ by Almuhajir