مشاهدة النسخة كاملة : التنمية البشرية بين مرحب و منفر


كوادر صناع الجزائر
28-05-2007, 05:01 PM
التنمية البشرية: نهضة للأمة، أم ''عيش بالهف''؟

تعيش الجزائر منذ سنوات القليلة الماضية على وقع ظاهرة جديدة "وافدة من الشرق" تعرف بالتنمية البشرية، شهدت انتشار كبيرا لها، وإقبالا واسعا عليها، تتحدث عن كل ما هو "نهضة" و"تألق" و"نمو" و"تفوق"، وغيرها من المصطلحات التي تسوّقها مراكز-تختص في هذا المجال- على شكل دورات وأمسيات وورشات. هذا المجال الذي لا يزال يثير جدلا كبيرا في أوساط المثقفين و المختصين. وأمام انتشار هذه الظاهرة ارتأت الشروق اليومي أن تنزل إلى الميدان وتسأل المختصين فيها وروادها من الجزائر ومن خارجها، كما حاولت الشروق أن تجس نبض الشارع ورأيه ومدى تفاعله مع هذا النوع من التنمية..فكان هذا الاستطلاع:

المهارات التي يتم "تسويقها" في هذه الدورات تفوق العشرين تخصصا، مجملة في أربعة محاور هي: فهم الذات، فهم الآخرين، التأثير في الذات و التأثير في الآخرين، بأسعار تقدر مابين 20ألف دينارو35دينار، ويصل بعضها إلى 170ألف دينار.. ويعتقد مروّجو هذا الفن أن الأمم تقدمت بتبنيها هذه العلوم، وبالتالي لا سيبل إلى ذلك"الهدف" إلاّ بإتباع منهجها. ويضرب هؤلاء المثل بماليزيا، التي انطلقت إلى ركاب الحضارة بفضل هذه العلوم، حيث أضحت متطورة جدّا في الإدارة، والتعليم والصحة والعمران والأسرة..وغيرها"، وهي مواضيع تهتم التنمية البشرية بها، "وتهتم بتطوير أداء الموظفين فيها".

ومن الدول العربية أيضا يقول متبنّو هذا "الوافد"، التي قطعت أشواطا كبيرة فيه دولةُ قطر، ودول الخليج عموما، وهذا لما يلاحظ عليها من رقيّ في المعلومات و تشييد في البنايات، وتطور في مستوى التعليم و السياحة والإدارات..

نبض الشارع: بين الاحتضان..والجهل به:
وخلال استطلاعنا للشارع الجزائري، سجلنا عدة ملاحظات تخص موضوع التنمية البشرية: حيث تبين لنا أنه منقسم إلى فئتين: فئة تحتضنه وتتبناه وتعتبره ضروريا للأمة"إذ فيه النهضة و التقدم والازدهار واللحاق بركب الأمم المتقدمة"وهي كبيرة من الطلبة ولعل أغرب حالة لاقيناها، تعبير الطالب عبد الله عن شدة حبه لهذا الفن حين قال: لو طلب مني أن أعمل "عبدا" عند أحدهم ويعلمني هذا العلم لقبلت". وأما الفئة الأخرى، فالغالبية، العظمى منها جاهلة ب"التنمية البشرية"، مترنّحة بين "سمعت بها" و"والله ما نكذب عليك"، في حين التقينا عددا يكاد يكون مهملا من المعارضين الذين ينظرون إلى هذا الوافد بـ"التدين الجديد"، في حين اعتبره آخرون"تجارة جديدة بالدين".

الملاحظة الثانية التي يمكن رصدها في هذا السياق هي أن الأغلبية الساحقة من المتمسكين ب "حبل" التنمية البشرية إنما يتخذون من المدرسة المصرية منهجا، والإخوان المسلمين فكرا لهم، ولذلك كثيرا ما نراهم يستدلون في أحاديثهم و مناقشاتهم بكتّاب ينتمون لهذا الفكر أو قريبون منه ككتاب "جدد حياتك" لمؤلفه محمد الغزالي، أو كتاب "لا تحزن" للدكتور عائض القرني، وحتى كتب بعض الغربيين المترجمة، والتي تصب في هذا الموضوع، ككتاب "دع القلق وابدأ حياتك" للمفكر الأمريكي دايل كارنيغي.

سيطرة الجنس اللطيف وتواجده الكثيف في الأمسيات والمحاضرات والدورات يكاد يكون واضحا، وهي النقطة التي علق عليها أحد الأخصائيين النفسانيين، بقوله:" إن العنصر النسوي في مجتمعاتنا عانت القهر و الاضطهاد و التهميش –ولازال- و بالتالي تشبّثهن بهذه الموجة طبيعي جدا" وأضاف:" النساء يعتبرن العنصر الرجالي مهيمن ومتغطرس ومحتكر، فكيف لهن أن يرفضن هذا الوافد وهو يدعوهن إلى إثبات وجودهن والتميّز؟" وبالرغم من كل الفوارق بين هؤلاء وأولئك، إلاّ أنهم اتفقوا على نقطة واحدة وهي استهجانهم للغلاء "الفاحش" في أسعار الدورات، حيث عبر لنا الكثير منهم عن أسفه لعدم تمكنه من المشاركة في هذه الدورات معلقا أحدهم على أنه " سأكتفي بالأمسيات المجانية التي تنظمها هذه المراكز، فالعين بصيرة واليد قصيرة"، وقالت إحدى السيدات:" أعتقد أن هذا العلم موجّه للطبقة المرفّهة من المجتمع، فلا داعي لئن يتغنى هؤلاء بأنهم يعملون لنهضة الأمة" وأضافت:"الورشات التي ينظمونها بـ500دينار أراها أنا قارورة زيت تكفي بيتي لمدة شهر"

الرافضون: "ما يحدث تحويل في القيم"..
يلاحظ في هذا السياق غياب النظرة النقدية في الجزائر لهذه العلوم المنتشرة جدا في العالم واقتصر الأمر على إبداء تحفظات من طرف كثير من المثقفين بحجة أن "الأمر جديد وتشخيصه صعب في الوقت الراهن"، ويرى آخرون أنه "من حق هؤلاء إبراز بضاعتهم ورؤية النتائج، ثم الحكم عليها".. لكن الأخصائي في العلاج الطبيعي الدكتور لحسن بوجناح، يعتقد أن قطع الطريق أمام هؤلاء "أكثر من ضروري" ذلك أنهم يروّجون لتقنيات "دون أخذ احتياطات لعدم إحداث تحويل في القيم".. ويحلّل المختص في تدريب تقنية الألماني "شولتز" في الاسترخاء هذه الظاهرة بقوله أن هذه "الموجة" -التي أدخلها مركز الراشد للجزائر لأول مرة- روجت لها المقعرات الهوائية، حيث استغلت شغف الشعوب لئن "ينمو كباقي البشر"، فأبدعت في "إيهامه بحياة أفضل وأسرع"..

ويسترسل رئيس جمعية العافية في تشكيكه مشخّصا الخلل-حسبه- في "سرعة" تقديم المعلومات، وبأن "الوقت غير كاف"، وتساءل:"كيف يُعقل تقديم دبلوم ممارس في البرمجة اللغوية العصبية في ثمانية أيام، يستغله المشارك في الضحك على الناس؟"، كاشفا عن أنه لا يعطي دبلومات ممارس التقنية إلا بعد ثمانية عشر شهرا من التدريب و المتابعة.. واعتبر الدكتور القادم من سويسرا أن منهج تقديم الدورات هذا خاطئ، لأنه "لا يفرق بين دكتور الجامعة، ومن له مستوى الابتدائي في تقديم المعلومات"، وأضاف:"أن اللغة مهمة جدا في التواصل، مشددا على ضرورة أن يكون كل ذلك ضمن استراتيجية واضحة"وأن تختم الدورة ب"تقييم" يُمنح بعده دبلوم. وأبدى الأستاذ استغرابه من "الأسعار الخيالية للدورات، متسائلا عمّن يقف وراء تحديدها؟ وعن سبب عدم تبني جامعاتنا والطب العام لهذه التقنيات، مؤكدا على أن مدة صلاحية هذه التقنيات لا تتعدّى الشهر أو الشهرين، كما طالب بإجراء تحقيق صحفي عميق "يفضح تصرفات هؤلاء"..

المؤيدون: التنمية البشرية نهضة للأمة، وليس"عيش بالهف":
في خضمّ تحضيرنا لهذا الاستطلاع، حاولنا التواصل مع أول من أدخل هذا العلم للجزائر، وهو المركز الراشد لكن الاتصالات انقطعت مع مديرته الأستاذة فتوحة سعيد، واعتبرت ما نقوم به"خبطة صحفية". واتجهنا إلى مركز ثان وهو مركز صناع الحياة على اعتبار أن مديره يملك شهادة كبير مدربي البرمجة اللغوية العصبية في المغرب العربي من الاتحاد العالمي للبرمجة اللغوية العصبية (INLPTA)، كما أنه يمثل الأكاديمية العالمية للتدريب والاستشارات في المغرب العربي وطرحنا عليه "الانتقادات العلمية" المعني بها مباشرة..

وقد استهل حديثه بالاعتراف بأن هناك بعض الأشخاص، يركبون موجة التنمية البشرية ولا علاقة لهم بها حيث أنهم يستعملون الدبلومات الممنوحة لهم بالضحك على الناس و النصب عليهم لكن –يضيف- أن هؤلاء فئة قليلة وحالات شاذة، لا يجوز تعميم تجاوزاتهم.. وأكد الأستاذ كمال سعد الله على أن "البضاعة الرديئة" لا يمكن لها أن تعمّر طويلا لأن الناس سيعرفون المدرب الكفء ممن هو دون ذلك، داعيا الجميع إلى عدم التركيز على السلبيات والأخذ بعين الاعتبار الإيجابيات.. وعن "الغلاء الفاحش" للأسعار، قال الوكيل الحصري لقناة النجاح بالجزائر بأن العملية حسابية"بسيطة" كفيلة بمعرفة الفرق بين أسعار الدورات في الجزائر وخارجها، وأضاف بأن هناك من المدربين من يشترط 10ألاف دولار عن اليوم الواحد.. وبعد إصرار منا وإلحاح، كشف الأستاذ سعد الله عن بعض الأرقام التي تصاحب الدورات، حيث أكد على أن سعر قاعة التدريب يبلغ 100ألف دينار، بالإضافة إلى أن غداء مشارك واحد يصل إلى 3500 دينار مع فطورين بمبلغ قدره 1600دينار، ويضاف إليها إقامة المدرب، و الحملة الإعلامية لدورته التي بلغت إحداها 1,5 مليون دينار، "مما جعلنا نخسر في بعضها"..

وأردف مدير صناع الحياة بأن هناك معاهد جزائرية كالمعهد العالي للتسيير والتخطيط (ISGP)يقدم تكوينا يصل إلى 700ألف دينار بمعدل لا يتجاوز 36 يوما في العام، ف" لماذا التحامل على هذا المركز ؟" يضيف.. وعن سؤالنا عما إذا كان التدريب سيحلّ محل التكوين الأكاديمي ، نفى محدّثنا أن يكون التدريب على اكتساب المهارات بديلا عن ذلك وأكد على أن الشركات العالمية الحديثة في أمريكا وأوروبا والشرق الأوسط لا تنظر إلى شهادة خرّيج الجامعة بل إلى "ماهية المهارات التي يمكن أن يضيفه هذا الفرد للشركة"..

وقد استغلت "الشروق" فرصة تواجد المستشار جمال الملاّ في الجزائر، وطرحت عليه بعض الأسئلة التي تخص طريقة تقديمه للدورات، فأكد على أنه لا يقبل في دورته مادون الثانوي، كما أنه يقيّم المشاركين في دورته قبل منحهم الشهادة، وأضاف:" ومن لم يستفد من الدورة فله الحق بأن يسترد ماله".. وبدا المستشار "الذي لا يُعترف في أمريكا إلاّ بشهادته" ممتعضا جدا على من "زادونا بلاوي على بلاوي"، وقال:"بأننا عانينا من أشباه المدربين، في الكويت، الذين يستغلون طيبة الناس للترويج لعلم ليسوا بأهله". وأوضح بأن الحصول على دبلوم في البرمجة اللغوية العصبية ليس معناه بان "تبدأ تدرب الناس، كما يتصوره كثير منهم" متسائلا: هل إذا وقع طبيب في خطإ -ويا لكثرتها- نحمّل الطب مسؤوليته؟.. وكشف أول مدرب معتمد للقراءة التصويرية بأن وزارة الأوقاف الكويتية لا ترقّي موظفيها من لم يأخذ دورتين على الأقل.. وصرح الخبير الكويتي بأن الدول الغربية تتطور بسرعة لماّ اهتمت بموضوع التدريب ووصلت إلى مستويات خيالية من التقدم :ونحن ما زلنا نناقش ونعطل بعضنا البعض، هل هذا صواب أم لا" داعيا الجزائريين إلى التأمل في دبي الآن ومقارنتها مع الجزائر قبل 30 سنة فقط.

وقال الدكتور جمال بأنه "قبل 40 سنة كان المتميز فينا هو من يستطيع أن يكتب رسالة، وقبل 30 سنة كان الخرّيج من الجامعة هو المتميز، وقبل 10 سنوات كان من يتقن استخدام الكمبيوتر هو المتميز، ومع بداية الألفية الجديدة صار المتميز هو من يملك مهارات التعلم السريع".. وفي لقاء سريع مع الشروق، دافع الدكتور الإماراتي علي الحمادي، عن منهج التنمية البشرية، ودعا إلى تعميم التدريب، واعتبر وجود هذه المراكز:أكثر من ضروري"، متمنيا أن تتبنى الدولة هذه العلوم وتعمّمها في المدارس والوزارات والإدارات، وقال:"إن إحدى الدراسات التي اُجريت، اعتبرت أن مهارات الموظف و الجدّ في العمل هما العاملان الرئيسيان لتطور أي شركة، وأضاف "لاحظ أنها قدمت المهارات ولم تذكر حتى التخطيط الاستراتيجي للشركة".

هشام موفق

نجيب نون
16-06-2007, 03:02 PM
بسم الله الرحمان الرحيم
كمشاركة مني حول هذا الموضوع، ارتأيت أن اقدم للسادة زوار الموقع هذا المقال الذي يتناول التنمية البشرية كمصطلح جديد، حاولت فيه أن أبين معنى التنمية البشرية وإلى ما ذا تهدف.
بقي أن أذكر القراء الأعزاء أنني حضرت عدة دورات في برامج مختلفة في الميدان، وعليه فانا أعتبر نفسي مختص في التنمية البشرية(وأحسب الأمر كذلك)، فأرجو أن أكون موفقا وإليكم المقال:
مدخل إلى الــــتنمية البشرية
يتداول الناس في أيامنا هذه مصطلح التنمية البشرية دون أن يعرف الكثير منهم معناه ومدلولاته والذي عرف المعنى غابت عنه أسرار المصطلح وكنهه، وغرق الجميع في ترديد ما اشتملت عليه العبارة حتى ليخيل للمرء وكأنها موضة وصرعة ستنتهي بانتهاء الموسم.
ومصطلح التنمية البشرية مصطلح استعملته لأول مرة هيئة الأمم المتحدة ابتداء من سنوات التسعينات وجعلته شعارا لبرنامجها الإنمائي، ويقوم مفهوم التنمية البشرية لدى الأمم المتحدة على: "أن البشر هم الثروة الحقيقية للأمم، وأن التنمية البشرية هي توسيع خيارات البشر".
وجاء هذا المصطلح على أنقاض مصطلح التنمية الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية والذي يعني قدرة جميع الناس في الحصول على التعليم والأمن والرعاية الصحية والمأكل والملبس.
هذا معنى المصطلح في أديبات الأمم المتحدة، أما المصطلح الذي يتناوله الناس بكثير من الحديث فله معنى آخر اختلف على تعريفه وتقديمه بشكل مقبول دون أن يثير ضجة، فهناك من قال أن التنمية البشرية عبارة عن علوم تهتم بالتطوير والتغيير الذاتي، والكثير من المحللين والمتابعين ينفون صفة العلم عن المصطلح بسبب أنه لم يتم لحد الآن تبنيه من أية جامعة وإدخاله إلى برامجها التعليمية، وهناك من يعتبر التنمية البشرية عبارة عن مهارات وتقنيات وبرامج تهدف إلى إحداث تغيير ذاتي ينتج عنه دفع إلى النجاح بكل مقاييسه، وهذا التعريف هو الأقرب إلى أذهان الناس.
إذن فالتنمية البشرية مصطلح ومفهوم واسع مركب من مجموعة من المعطيات والأوضاع والأفعال والحركات تتمحور حول بعدين اثنين هما:
• بعد يهتم بالإنسان من حيث هو كذلك، فيهتم بنموه وتنمية قدراته وطاقاته البدنية والعقلية والنفسية والاجتماعية.
• وبعد يهتم بالأنشطة الاقتصادية التي تنتج الثروة لتنمية قدرات الإنسان الذي بدوره ينمي الاقتصاد وأنشطته.
والذي أود تناوله بالحديث في هذا المقام هو البعد الأول، البعد الذي يهتم بالإنسان ليأخذ بيده إلى النجاح وتحقيق السعادة والطموحات والأحلام في كل مناحي الحياة سواء الروحية والأسرية والاجتماعية والمهنية، وباختصار فالتنمية البشرية التي يتناولها الناس بالحديث هي تلك التي تهتم بالدعوة إلى التغيير والتطوير الذاتي وتقديم المهارات والتقنيات والكيفية التي يتم بها هذا التغيير والتطوير الذاتي.
وانطلاقا من هذا يمكن تقديم التنمية البشرية على أنها مجموعة من التطبيقات هدفها اكتشاف الذات، الأمر الذي سيساعد على اتصال داخلي فعال ومثمر يسمح بحياة دون عقد وتعقيدات.
وتتمحور هذه التطبيقات حول الطرق التي تسمح بتنظيم المعلومات التي نستقبلها عبر حواسنا،وكذلك تنظيم علاقة صحيحة وسليمة مع عالمنا الداخلي والعالم الخارجي مما سيسمح بتشكيل الصورة الحقيقية عن العالم كما هي في حقيقتها وليس كما نرغب نحن في رؤيتها.
وبالنظر إلى التنمية البشرية من حيث تطبيقاتها فإنه يمكن التطرق لها من عدة أوجه ومن عدة زوايا:
• زاوية الأهداف التي تسعى إليها التنمية البشرية
• زاوية المقاربات التي تتصل بالتنمية البشرية
• زاوية المفاهيم
وكل زاوية من هذه الزوايا تستطيع أن توصلنا إلى مفهوم وتعريف يختلف عن الآخر من خلال الانشراح النفسي للفرد الممارس لمهارات وبرامج التنمية البشرية.
فبالنسبة إلى الأهداف، فالتنمية البشرية ليست خلاصة أو جوهر، بالقدر الذي يسمح بتعريف اختصاصات كثيرة متنوعة ولكنها مجموعة أهداف ليست بالضرورة متبناة من طرف هذه الاختصاصات، تستطيع أن تكون مجتمعة وتطبق أثناء دورات جماعية أو حتى تدريبات فردية.
مثلا هناك من يمارس التأمل العميق من أجل الراحة النفسية والانشراح النفسي، وهذا ما يعطي معنى للتنمية البشرية عبر الأهداف، أي بمعنى أن التنمية البشرية يحدد معناها الهدف الذي تود إحرازه من خلال ممارسة تطبيقاتها وأدواتها.
ولكن التأمل العميق يمكن أن يمارس خارج منظومة التنمية البشرية كأن يمارس في إطار روحاني تعبدي كما في اليوغا مثلا.
إذن فممارسة التقنيات والمهارات والأدوات التي تقترحها مختلف برامج التنمية البشرية الهدف منها في النهاية هو الوصول إلى إحداث تغيير في نمط حياة الفرد، بحيث أن هذه التغييرات تنطلق من داخله لتضفي على حياته نوعا من الاتزان والنجاح الحقيقي، وكذلك تحقيق اتفاق بين ما يكون عليه هذا الفرد وبين قدراته الحقيقية.
والأدوات التي تستعملها التنمية البشرية عبر برامجها المختلفة ترتكز على مبدأين أساسيين هما بث روح الحماس والنشاط داخل الإنسان المتلقي، وتجميع الطاقة التي بداخله لتحقيق أفضل النتائج وهذا بالوصول إلى الهدف المرغوب فيه.
أما من زاوية المقاربات التي تعتمدها التنمية البشرية فهي متصلة عبر محاكاة:
• الممارسات الروحانية المستوحاة من قيم الصوفية والبوذية وحتى من مبادئ الفنون القتالية وكلها تتمحور حول التحكم في الذات والسيطرة عليها وتوجيهها الوجهة الصحيحة التي تخدم أهداف الفرد.
• نظريات علم النفس الحديث
• تقنيات الاتصال
• تقنيات ومهارات القيادة والتسيير
• وفي الأخير مقاربات التفكير الإيجابي والملاحظة الخلاقة وتحليل الأوضاع والمواقف.
من حيث زاوية المفاهيم فالتنمية البشرية لها سبعة جوانب يجب تغييرها ثم تطويرها باستمرار، حتى وإن اختلف حول تسمية هذه الجوانب وعددها فيبقى أهمها هو:
الجانب الإيماني، والجانب الصحي، والجانب الذاتي، والجانب الأسري، والجانب المهني والاجتماعي وفي الأخير الجانب المادي.
التنمية البشرية تعتمد اعتمادا كليا على مبادئ علم النفس لحل المشاكل والأزمات النفسية التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان في مشوار حياته، خاصة وأن طبيعة الحياة التي نحياها الآن تتميز بالتعقيد على كل المستويات، وهذا الكلام لا يعني بأي حال من الأحوال أن تحل التنمية البشرية بمختلف برامجها محل علم النفس، فقط المهارات والأدوات التي تقدمها مختلف برامج التنمية البشرية تتميز بسهولة الاستخدام وإمكانية تطبيقها وتعزيز السلوك الأنجع للتغيير والتطور.
إن الإنسان هو الثروة الحقيقية وهو صانع التنمية إذا كان مؤهلا ومدربا بطريقة تجعله يتكيف ويتأقلم مع كل جديد ويتعامل معه بكفاءة عالية، والسؤال الذي طرحه واضعو أسس التنمية البشرية كيف يمكننا الحصول عمليا على عدد كبير من الأفراد المؤهلين والمدربين ذوي الكفاءات العالية والذين بإمكانهم النجاح وإنجاح سواء حياتهم وحياة من هم تحت مسؤولياتهم أو النجاح وإنجاح المشروعات التي يتولون إدارتها.
والملاحظ في حياتنا أن هناك أفراد ينجحون وآخرون يفشلون بالرغم من توفر نفس الظروف ونفس المؤهلات ونفس القدرات والإمكانيات، والسؤال لماذا يحدث هذا؟
من هنا كانت الإجابة التي جاءت بها برامج التنمية البشرية على اختلاف توجهاتها وذلك بالاعتماد على طرح سؤالين مهمين: كيف نعمل لننجح؟ وأين نعمل حتى ننجح؟
بمعنى آخر، ماهي الأساليب والطرق والأدوات التي علي أن أستعملها حتى أصل إلى النجاح، كما أنه يتعين علي أن أغير نظرتي إلى الأمور، وأن أطور أدائي.
وعلي كذلك اختيار الميدان الذي أنا كفء فيه ولدي مقدرات عقلية وبدنية تتلاءم معه، فلا يمكنني مثلا أن أمتهن الحياة العسكرية، وقدراتي البدنية لا تسمح بذلك، أو أن أتسلم وظيفة لا أفهم منها سوى الاسم.
من كل ما سبق أقول أن التنمية البشرية هي دعوة للخير ودعوة للنجاح، يجب استغلال الجانب الخيري فيها وترك الجانب الذي يمكن أن لا يتماشى مع القيم والمعتقدات الإسلامية، كما أنها برأيي المتواضع دعوة للتخلي عن التنافس السلبي والإحباط، فالخير سجال بين البشر لا يستطيع أحد أن يمنعه.
نجيب نون
مختص في التنمية البشرية.
وهذا بريدي الاليكتروني لمن أراد أن يتواصل معي.
nadjibnoune@yahoo.fr

كوادر صناع الجزائر
17-06-2007, 05:44 AM
"التنمية البشرية هي دعوة للخير ودعوة للنجاح"

شكرا لك أخي نجيب موضوعك جدير بالقراءة والتحليل والمناقشة ننتظر منك التواصل اكثر في هدا الركن فلدينا الكثير...