![]() |
جوزيف ماك كيب ينعى للبشرية غرناطة و قرطبة و إشبيلية
بسم الله الرحمان الرحيم. هذه مقتطفات من كتاب (مدنية المسلمين في الأندلس) للكاتب جوزيف ماك كيب - و هو على فكرة يعادي الإسلام و المسيحية لكنه رجل منصف في زمن أصبح فيه المنصف أعز من الكبريت الأحمر- و قد ترجمه إلى العربية العلامة محمد تقي الدين الهلالي رحمه الله. و هذا الكتاب: رد على من ألصق بالمسلمين التخلف و الهمجية أثناء سيادتهم لإسبانيا. تقدم الصليبيون و هم مزيج من كل جنس إلى قرطبة و إشبيلية في القرن الثالث عشر, ومن ذلك العهد أخذت قرطبة التي كانت في علياء المجد تتقلص و تتضاءل حتى صارت قرطبة القرن التاسع عشر قرية حقيرة. و دمر هؤلاء تقريبا كا أية و إن دقّت من أيات المغربيين و ذكريات فنونهم, حتى سووا كل ذلك بالتراب. نعم بقيت هناك منارة صغيرة و لكنها فخيمة, تسمى جيرالدا لتخبر العالم ماذا خسر هناك. و عمد أولئك الهمج إلى الألات العلمية فحطموها و جعلوها رميما. لأنهم كما قال سكوت " كانوا يعتقدون اعتقادا جازما أن تلك الألات خطرة و يظنون أنها ألات جهنمية لأعمال السحر و استخدام العفاريت". و أخرجوا الكتب و كانت لا تحصى كثرة و جعلوها أكواما في الأزقة و أوقدوا فيها النيران. و أسلمت القصور المشيدة الجميلة و الحدائق البهيجة لأيدي الخراب و الضياع. و لما رأى الملك أنه ليس له قصر ملكي في المدينة التي كانت أكثر المدن مساكن عالية و قصورا فخيمة أفاق من سباته و بعث في طلب الصناع المتفننين و العملة من المغربيين فبنوا له "ألكزر" القصر الذي نزوره اليوم. و حجراته مثل المقصورة المسماة "هال أوف أمبسدورز-مقصورة السفراء" تخبرنا بأن المغربيين كانوا يعرفون كيف يعيشون. استراح الإسبانيون قرنين كاملين و بقي الشعبان عائشين في سلم و أمان كالأخوين. و كان الإسباني بطبعه يحب أن يعيش مع جيرانه في سلام و يعظم الشعب الذي كان يراه بالغا ذروة العبقرية. و لكن القسيسين الذين بلغوا في العصبية الحضيض الأسفل كانوا يضادون ذلك الميل. فمازالوا يفتلون للحكام في الذروة و الغارب و يحرضونهم على عدم التسامح في المدن النصرانية الجديدة مع القوم الذين هم بناتها و هم مزينوها, و أخيرا نجحوا في مطلبهم. و هو أن كل مسلم يوجد في بلدانهم يخير بين أمرين إما التعميد و التنصر و إما الجلاء. فاختار المغربيون الجلاء فرارا بدينهم و شعبهم ليعيشوا في جو أمان و اطمئنان. فنشأت منهم مملكة في ناحية غرناطة عدد نفوسها ثلاثة ملايين و كان ذلك في القرن الخامس عشر و هو من عجائب الدنيا و مخازي الأمم النصرانية. فالبلاد التي نشاهدها في غاية الفقر و الخراب كانت هي فردوس أوربة في زمان المغربيين. و قد جلب المغربيون مياه كثيرة من الجبال و أعالي الأنهار بسبب علمهم و نشاطهم اللذين ليس لهم نظير فوصلت الفلاحة و الغرس بذلك إلى أوج رقيهما.قال سكوت :"لقد فاقت في علو قدرها و أهميتها في نتائجها العملية جهود جميع الأمم المتقدمة و المتأخرة" قلت و لاشك أن هذه مبالغة في التقدير, و لا يقبل هذا الكلام حتى لو قيل قبل عشرين سنة, لكن مقابلة زراعة المغربيين بما كانت عليه أوربا من البؤس و العدم على وجه العموم تجعل لها أعظم وقع في النفس. و النتيجة أن الأقوات كانت كثيرة و رخيصة في الأندلس و كانت أنواعا مختلفة و صارت غرناطة مثل قرطبة غنية و جميلة جدا.و كانت جنات الكرم و التوت الواسعة تؤتى أهلها أجود الحرير. و كانت الفرض-الموانئ- التي وراء الجبال على البحر المحيط تمدهم بجميع الطرف و مواد النعمة و الرفاهية النادرة التي كانت توجد في قرطبة. وكانت الصناعات المغربية أيضا في أوج ارتقائها و كانت هناك مقادير عظام من الجواهر تجعل فيها من الزينة و الزخرفة مالا يأتي عليه الوصف و كان ذلك الزخرف في الأسلحة البديعة و الحلل الفاخرة و الأثاث النفيس. و من حسن الحظ بقي قصر الحمراء الملكي ليرينا الجلالة و التأنق و الإبداع في فنون المغربيين. و حتى هذه الدرة أصابها ما أصابها على يد الإسبانيين و كانت سائرة في طريق الخراب لولا أن بقية أوربا و أمريكا أجبروهم على أن يقنوا شيئا من الحياء. و حتى في هذا اليوم يجد فيها الإنسلن معنى هذا اللفظ "أرض عبقر" حين يخرج من دهليزها المظلم إلى عرصة الأسود. فيرى سواري المرمر الدقيقة كأغصان البان و يتملى بالنظر إلى سطور الأساطين المستقيمة و سقوفها المصبوغة بالألوان الزاهية إذا نظرت إليها خلتها زرابي فارسية مرشقة, أو رياض أزهار بهيجة قد اشتبكت فيها أشجار الصناعة العجيبة. و لها طنوف مشرفة قد أفرغت في قوالب بديعة يحار الواصف في وصفها. و أما جدرانها ففيها من الترقيش العربي و التشجير و الزخرف و الأمثال و الجكم المسطورة بأجمل شكل شيء يذهب العقل و يروع الناظرين. و لكن ينبغي لنا أن نتصورها في القرنين الرابع عشر و الخامس عشر حين كانت الثياب التي ترى فيها كلها من الحرير الخالص و حين كانت جدرانها تتلألأ بألوان اللازورد و الأرجوان و الذهب, و حين كان الأس و الإترج و الورد, و مباخر الفضة يحترق فيها عود الطيب تفعم جوها بالروائح الطيبة. و كانت على الجبل المجاور لها و سهوله الواسعة الأرجاء عشرات الألوف من القصور الفخام التي لا تقل جمالا و إبداعا من الذوق عن الحمراء, إلا أنها أقل تلألءا بالذهب و الفضة و الجواهر. قال سكوت متلهفا" ماذا عوضنا الغازي الصليبي القشتالي الهمجي عن تلك القصور؟ و أي فائدة يجنيها النوع البشري من وراء تخريبها؟". فليجب عن هذا السؤال أولئك الذين يمجدون طرد الكفار من أوربة. و كان الإسبانيون قد أحرزوا جندا عظيما. أما المغربيون فقد نقص عددهم من ثلاثين مليونا إلى ثلاثة ملايين. و لم يكن ملك إسبانيا فرديناند و ملكتها إيزابيلا عديمي شهامة و عظمة كشهامة المغربيين و عظمتهم فقط, بل لم يكن لهما شيء من المروءة العامة و الحياء. أغار هذا الملك على أموالهم-أموال المسلمين- فنهبها و تركهم يموتون جوعا و بذلك قهرهم و ألجأهم إلى التسليم. حتى الناقدة النصرانية ليدي تشارلوت يونج رق قلبها لما أصاب المغربيين فقالت في( ص190) تذكر العهود و المواثيق التي أعطاها الإسبانيون المغربيون و الشروط التي اشترطها المور عليهم ما نصه: " تكون غرناطة حرما أمنا لكل من يلتجئ إليها من المسلمين من جميع الأقطار, و يكون لأبي عبد الله (الملك) ضيعة في أرض البشرات و أن جميع سكان البلد حتى الذين أسلموا من النصارى يكونون أمنين على أنفسهم و أموالهم و بيوتهم و سلاحهم و خيلهم و لا يسلمون إلا الأسلحة النارية, و أن يتمسكوا بشريعتهم و عاداتهم و لغتهم و لباسهم, و أن تكون مساجدهم مصونة من أي استعمال في غير عبادتهم. و أن دعاويهم تفصل على أيدي قضاتهم المحكمين من قبل الحكام الإسبانيين, و أنهم يؤدون لملك قشتالة من الخراج مثل ما كانوا يدفعون لملوكهم لا غير, و أنهم يعفون من دفع الخراج مدة ثلاث سنين ليستحمعوا و يستردوا ما فقدوا من أموالهم بسبب الحرب و الحصار". ثم أخذت المؤلفة النصرانية المسكينة تتململ في سائر ما بقي من صفحات كتابها من أجل غدر الملك و الملكة الإسبانيين و نقض عهودهما التي أعطياها المغربيين,لم تشعر الملكة الناسكة بوجوب معاملة المغربيين بمقتضى الشرف, بل لم تشعر إلا بشيئ واحد و هو أنه يجب عليها أن تؤسس (مملكة نصرانية) كاد الناس يتميزون من الغيظ, كيف يتولى عليهم حاكم محمدي كافرأخذ من المسلمين أحد مساجدهم و جعل كنيسة. قالت المؤلفة المذكورة( و كان ذلك نقدا للعهود ثم نفى اليهود و عوملوا بأعظم همجية وحشية). و لم ينجح القسيسون في تنصير المغربيين مع أنهم أحرقوا مصاحفهم و كتبهم علانية. و جعل أمر المسلمين من الوجهة الدينية إلى رئيس أساقفة طليطلة "المقدس" زيمنس... و باختصار قد نقض كل سطر من سطور المعاهدة. و غدر الإسبانيون و أهانوا عهودهم, فهاجر قسم عظيم من المغربيين تاركين و راءهم كلما يملكونه, وذهبوا إلى إفريقية. و لكن القسم الأعظم بقوا هناك ينافقون بإظهار النصرانية. و من لم يقبل النفاق منهم صاروا عبيدا للنصارى الغادرين. ثم جاءت المحنة (محاكم التفتيش) فحرم عليهم كل شيئ من أمور دينهم حتى الإغتسال في حماماتهم, و نهبت مئات من بيوت المغربيين و اليهود و طردوا من البلاد التي مدنوها و عمروها, و لم يبق هناك منهم إلا العجزة الذين لا يستطيعون حيلة و لا يهتدون سبيلا فكانوا يسجدون لصورة المسيح في الملأ و يبصقون عليه في خلواتهم. و بينما فرديناند و إيزابيلا يختمان عهد القرون الوسطى تحت سلطان البابا إذ بالنهضة الأوربية الحديثة تأتي على ذلك البنيان من القواعد فتنسفه نسفا و تمحوا سلكانه من إيطالية. و يقول ستانلي لين بول المؤرخ اليقظ " بينما كان زينس رئيس محاكم المحنة في إسبانيا يصدر أوامره بمنع المسلمين من الإستحمام و اختيار صفة الوسخ التي يتصف بها فاتحوهم كان نصف أهل أوربة يرفضون دعاوي الفاتيكان و يتخذونها سخريا و كان العلماء يضمون أساس العلم الحديث". مدنية المسلمين في إسبانيا ص 101-109 |
| الساعة الآن 04:52 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى