منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   جديد العلوم والمعارف (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=46)
-   -   هل أنت مستكشف، أم لا؟ (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=322145)

منير7 11-11-2015 08:53 AM

هل أنت مستكشف، أم لا؟
 
إيرين بلوك

http://ichef-1.bbci.co.uk/news/ws/66...y_nocredit.jpg
ركوب الدراجات في الصحراء الاسترالية

تعرّف عزيزي القارئ على السبب الذي قد يحدو بك لأن تظل قابعا في مكتبك، بدلا من أن تُقدِمَ على خوض محاولتك الأولى لاستكشاف معالم القطب الجنوبي.
يتسم الوضع في القارة القطبية الجنوبية خلال شهر يوليو/ تموز من كل عام بأنه لا يطاق. فالطبيعة هناك غادرة للغاية إلى حد أن المستكشفين؛ أبسلي تشيري-جيرارد، بيل ويلسون وهنري باورس، عادوا إلى قاعدتهم بأحد المعسكرات في يوم ما من أيام عام 1911 بأسنان مهشمة، وأظافر تتصل بالكاد بأصابعهم.
وأشارت التقارير التي تناولت رحلتهم إلى أن ثيابهم مُزقت من فوق أجسادهم، وأن الخط الفاصل ما بين نسيج هذه الثياب وبين بشرة من كانوا يرتدونها ذاب قبل أميال عديدة من عودة أولئك الأشخاص إلى معسكرهم.
وكان الرجال الثلاثة قد توجهوا إلى منطقة كيب كروزيّر، لجمع عينات من بيض طائر البطريق الإمبراطوري، وكذلك للمساعدة في الكشف عن الصلة التي تربط بين الزواحف والطيور في سلسلة تطور الكائنات الحية.
ولمدة 35 يوما، قطع أولئك المستكشفون 70 ميلا وسط رياح قطبية وحرارة تدنت إلى مستوى يقل عن 60 درجة مئوية تحت الصفر. وهكذا كان هؤلاء يمضون إلى حتفهم المحتمل.

http://ichef.bbci.co.uk/news/ws/624/...k_nocredit.jpg
المناطق النائية الأسترالية الوعرة تلهمك لاستكشاف الطبيعة

الآن نأتي للجزء المجنون من القصة؛ فكل الرجال الثلاثة الذين نكلت بهم تلك الرحلة عادوا لخوضها من جديد.
ولكن لماذا فعلوا ذلك؟ ما الذي يكمن في الاستكشاف من إثارة تدفع البشر إلى الإقدام على مثل هذه المجازفات الهائلة؟ لماذا يسارع البعض منّا بالزج بنفسه في حومة الخوف من المجهول، حتى حينما يكون الموت على المحك؟ بينما يكتفي آخرون منّا بالحلم؟ لماذا نظل قابعين في مكاتبنا، بدلا من أن نُقدِمَ على أولى محاولاتنا لاستكشاف معالم القطب الجنوبي على سبيل المثال؟
في هذا الصدد، يقول روف سميث، وهو مصور يعمل لحساب قناة "ناشيونال جيوغرافيك" كما أنه قائد لبعثات استكشاف ومشارك كذلك في مثل هذه البعثات، : " أعشق الحرية.. تنتابني دهشة مشوبة بالحيرة عندما يقول لي شخص ما إنه لا يشعر بالفضول للتعرف على ما يمكن أن يكون كامنا بعد المنعطف المقبل".
ويبحث سميث بنشاط عن بقاعٍ تمثل ما يمكن أن يُعرف بـ"حافة العالم". ومن بين أبرز رحلاته التي لا تُنسى، رحلة استغرقت تسعة أشهر وقطع خلالها نحو 16 ألف كيلومتر على دراجته، وطاف فيها مختلف المناطق النائية في استراليا.
ويقول سميث في هذا الشأن: "كان أمرا غريبا. فعندما كنت أصف لاحقا بعض الصعوبات الكامنة في التنقل على متن دراجة بين أنحاء منطقة كيمبرلي، وصحراء الرمل الكبرى وصحراء نولاربور، قال لي أحدهم إنهم كانوا يراهنون على أنه لابد وأنني كنت أفكر دوما في التخلي عن الرحلة كلها .. لكن أتعلم؟ لم يحدث لي ذلك قط، ولو لمرة واحدة. لم يخطر ذلك ببالي على الإطلاق. لم يكن ذلك لأنني كنت اتصرف على نحو بطولي، لكن لم يحدث ببساطة أن (فكرت) في إمكانية التوقف".
هل أنت مُجازِف؟
ويدرس البروفيسور جون دبليو فانميتر، وهو خبير في المخ والأعصاب وأستاذ مشارك بجامعة جورج تاون الأمريكية، مسألة خوض البعض للمخاطر من أجل الكسب المادي، وقد بلّور فكرة جيدة حول السبب الذي يحول دون أن يراود أناس مثل سميث أي أفكار بشأن التوقف عن الإقدام على مثل هذه المجازفات. فقد تبين أن هناك منطقتين في المخ، تعزز إحداهما النزعة للتصرف على نحو ينطوي على مجازفة، وتثبط الأخرى المضي قدما على هذا الطريق. إحدى هاتين المنطقتين تُعرف باسم "الجهاز الحوفي"، ويحركها السعي وراء كل ما هو جديد، وتتسم على الأخص بحساسية حيال ما يمكن أن يعود بالنفع على المرء جراء تعرضه للمحفزات الإيجابية والسلبية. على الجانب الآخر، تتولى المنطقة الثانية التي تُعرف باسم "القشرة الأمام جبهية"، وهي القشرة المخية التي تغطي القسم الأمامي من الفص الجبهي، اتخاذ القرارات التنفيذية والتي تتضمن اتخاذ إجراءات بعينها. وتعطل هذه المنطقة اتخاذ القرارات التي تنطوي على مجازفة. ويوضح فانمير أنه قد يكون حجم النشاط الذي تشهده منطقة "الجهاز الحوفي" لدى من ينزعون إلى استكشاف كل ما هو جديد، يفوق نظيره في منطقة "القشرة الأمام جبهية".
ويضيف الرجل بالقول إن "مخ المرء قد يكون أكثر تطورا من ذلك أو أقل .. وربما تكون الصلات بين هاتين المنطقتين في الدماغ لدى شخص ما، أكثر تناغما من نظيرتها لدى شخص آخر".

http://ichef.bbci.co.uk/news/ws/624/...y_nocredit.jpg
بعض العقول أكثر قدرة على تحمل المخاطر والاستكشاف

وعلى أي حال، فلا يشكل سميث المثال الوحيد من نوعه على من يشعرون بأن انخراطهم في أنشطة الاستكشاف قد عاد عليهم بالنفع والفائدة. فالكثير من المغامرين يراودهم الشعور بالإنجاز حينما يدركون أنهم قهروا مخاوفهم، أو قطعوا الشوط الذي كان يحسب الآخرون أنه ليس بوسعهم قطعه.
ويرى بروغ أوسلاند، وهو مستكشف نرويغي للمناطق القطبية يخوض حاليا غمار مغامرة يسعى خلالها لغزو أعلى 20 قمة جليدية في العالم، أن خوض مثل هذه المغامرات يساعده على الشعور بأنه أكثر ارتباطا واتصالا بالحياة من حوله.
ويقول أوسلاند في هذا الشأن: "عندما أكون في تلك الرحلات، يصبح لي وجود أكبر في حياتي نفسها .. لأنه يتعين عليّ في هذه الحالة التركيز على المكان والزمان اللذين أكون فيهما".
ويضيف: " عندما أعود للمنزل، ينصب تركيزي دوما على ما يحدث من أشياء في المستقبل. (خلال البعثات الاستكشافية) يتوقف الزمن، وتصبح أشبه برجل من العصر الحجري، تتصرف بناء على غرائزك، وأنت تعرف أنك جزء من الكون. ذاك شعور من بين أكثر المشاعر قيمة التي ساورتني على الإطلاق."
هل تحقق نجاحا أكبر بفضل الحصول على تعزيز إيجابي؟
تُذكي مادة كيمياوية موجودة في الدماغ، يُطلق عليها اسم "الدوبامين"، عملية التعزيز الإيجابي التي تعقب إحساس المرء بأنه حقق إنجاز ما. وتؤدي هذه المادة إلى أن تنتاب المرء مشاعر ثمالة طبيعية، وتخلق لديه كذلك حالة من النشوة. ووفقا لما يقوله بول فيليبس، الأستاذ المشارك في علميّ النفس والعقاقير بجامعة واشنطن؛ فإنه كلما كان العائد الإيجابي أكبر كلما زاد تدفق "الدوبامين". كما أن هناك علاقة ارتباط مباشرة بين وجود مستويات عالية من هذه المادة لدى المرء واتباعه سلوكيات تنطوي على مجازفات ومخاطر.
وبينما توجد مادة "الدوبامين" في أجسادنا جميعا بمستويات مختلفة، فإن دوافع أخرى مثل الحاجة لأن ينعم المرء بالسلامة وأن يحظى بالأمن تؤثر على الطريقة التي نتفاعل بها مع عملية التعزيز الإيجابي. وعلى ذلك، فإن مستويات مادة "الدوبامين" التي توجد عادة في جسد المرء، هي التي تُملي عليه اختياره ما بين البقاء قريبا من داره ووطنه أو المضي قدما على طريق استكشاف بقاع جديدة.
ولكن انضمامك إلى ركب المستكشفين، لا يعني اضطرارك لأن تستقل دراجة تجوب بها البقاع النائية من استراليا، أو أن تواجه الطبيعة القاسية للتضاريس في القارة القطبية الجنوبية. فبالنسبة للبعض، يمكن أن تُشْبع الرغبة في الاستكشاف بمجرد القيام بزيارة عرضية لمكان جديد، وتوسيع نطاق ما يحظون به من معرفة.

http://ichef-1.bbci.co.uk/news/ws/62...0_nocredit.jpg
لا يمكن الوصول إلى جزيرة "تريستان دا كونا" إلا عن طريق القوارب

ولنتناول هنا مثال أندرو إيفانز؛ وهو كاتب متخصص في أدب الرحلات ورحالة يجوب العالم من خلال وسائل الاتصال والتواصل الرقمية، فضلا عن كونه مقدم برامج تليفزيونية. فلم تكن لدى هذا الرجل قط الرغبة في ممارسة رياضة مثل القفز من أماكن شاهقة الارتفاع بينما تحيط بكاحليه أشرطة مطاطية، كما لم يسع إلى أداء مهام تتطلب قدرات جسدية تفوق ما لديه بالفعل. بدلا من ذلك، اختار إيفانز الخروج مما يُعرف في علم النفس بـ"منطقة الراحة" الخاصة به، إذ أنه يهوى ببساطة أن يتملكه الشعور بتلك الإثارة الناجمة عن وجوده في مكان مجهول.
ويقول الرجل في هذا الشأن: "نشأت في أوهايو. (تلك المنطقة) الآمنة التي يمكن التنبؤ (بما ستشهده). بالنسبة لي، يشكل جهلي بالمكان الذي سأخلد فيه للنوم خلال الليل أمرا مثيرا على نحو لا يصدق".
ويمضي قائلا: "أشعر كما لو أن الذهاب إلى ما هو أبعد من الأفق الذي يلوح أمام ناظرينا، هو طبيعة بشرية. وبمجرد إدراك أحد هذه الأفاق، نواصل المضي قدما صوب الأفق التالي، ومن ثم ما يليه" وهكذا.
هل تدفع بنفسك خارج "منطقة الراحة" الخاصة بك؟
تعود الفكرة الخاصة بالعمل على تجاوز الحدود المُقيدة لنا وتوسيع نطاقها إلى أسلافنا وإلى الأنماط الأساسية التي نتبعها للبحث عن الطعام، والتي يشير فيليبس إلى أنه يمكن صياغتها في صورة نظرية تحمل عنوان "الاستهلاك مقابل الاستكشاف". ففي بداية تطور أجدادنا، كان من يصادف منطقة وافرة الثمار خلال بحثه عن طعام؛ يجد نفسه إزاء اختيار ما بين البقاء في هذه المنطقة واستهلاك واستغلال ما فيها وحدها من خيرات، أو مواصلة السعي للعثور على منطقة أكثر خصوبة واخضرارا.
ويقول فيليبس إن هذه المنظومة الموجودة في الدماغ ذات سمات تختلف من دماغ كل شخص لآخر. ويستطرد بالقول: "إن لها دورا مركزيا فيما يتعلق بالسبب الذي يحدو بنا للابتعاد عن ديارنا واستكشاف العالم" إذ أن هؤلاء ممن يواصلون الاعتقاد بأن هناك الكثير مما يمكن لهم اكتسابه من خلال الابتعاد عما هو معروف ومألوف، يرون أن الإقدام على المجازفة والمخاطرة يستحق الإثابة والمكافأة.
وقد سافر إيفانز مؤخرا إلى جزيرة بركانية تحمل اسم "تريستان دا كونا"، ويبلغ عدد سكانها نحو 300 نسمة. وتشكل هذه الجزيرة أكثر تجمع سكاني ناءٍ على ظهر كوكب الأرض. ولا يمكن للمرء الوصول إلى هذه المنطقة الخاضعة للسيادة البريطانية على متن رحلة تجارية سواء بحرا أو جوا. وتستغرق الرحلة ما بين خمسة إلى سبعة أيام. ولكن بمجرد وصولك إلى هناك، تتخذ السلطات المحلية قرارا بشأن ما إذا كان سيُسمح لك بالبقاء على أرض الجزيرة من عدمه. ولاشك في أنها رحلة طويلة لكي يجازف أحد بأن يقطعها في حين تنطوي على احتمال عودته فورا إلى المكان الذي أتى منه، ولكن العائد الذي يجنيه المرء منها – بنظر إيفانز – يستحق المخاطرة.
ويستعيد الرجل ذكرياته في هذا الشأن قائلا: "إنه لشعور عاتٍ ذاك الذي يغمرك وأنت تحدق في المحيط أزرق اللون، بينما تعلم أن العالم بأسره قد بات كيانا غير منظور أو ملموس تقريبا".
وعلى كل حال ستبقى المسألة المتعلقة بالسبب الذي يدفعنا لاستكشاف كل ما هو جديد سؤالا يسعى المستكشفون والباحثون للإجابة عليه. فرغم أنها غريزة بشرية تلك التي تدفع المرء لأن يمضي قدما على ذلك الطريق وأن يكون فضوليا أيضا، فإن أدمغتنا تضطلع كذلك بدور كبير على صعيد المجازفات؛ سواء تلك التي نقرر الإقدام عليها أو الإحجام عنها. فسواء ما كان المرء بصدد الشروع في أولى رحلاته الشاقة المرهقة عبر الطريق السريع الممتد على طول ساحل المحيط الهادي بولاية كاليفورنيا، أو أنه يستعد لبدء محاولاته للتسلق الحر (أي تسلق الصخور دون أدوات مساعدة) في سويسرا، فإنه إما أن يكون مُجهزا لأن يكون مستكشفا أم لا. والسؤال لك الآن عزيزي القارئ من أي الفئتين أنت؟


الساعة الآن 07:38 AM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى