![]() |
تكلموا بلغتِكُم
إنَّ للُّغةِ العربيَّةِ مكانةً تقصرُ عنْ وصْفِهَا العباراتُ، وقدسيَّةً انفرَدَتْ بِهَا عَنْ سائِرِ اللُّغاتِ، فهِيَ محفوظةٌ بِحفظِ كتابِ اللهِ الَّذِي حفظَ لَهَا وجوداً متميزاً خالداً، وهِيَ محفوفةٌ بعنايةِ أُولِي الألبابِ ، وملائمةٌ للعلومِ والآدابِ، فهِيَ عذبةُ الألفاظِ، جميلةُ المعانِي، حقًّا إِنَّهَا لغةُ القرآنِ العجيبةِ ، منْ دخلَ في جوفِ غزارتِها ، وجدَ المتعةَ البلاغيةَ ، والرحابةَ اللفظيةَ فالقرآنُ الكريمُ ، هو كتابُ اللهِ المبينُ، جعلَهُ اللهُ هدًى لِلْعالمينَ نزلَ بهِ الرُّوحُ الأمينُ بلسانٍ عربِيٍّ مُبينٍ لِيكونَ لنَا عزًّا ومجدًا، يقولُ عزَّ وجَلَّ (لَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) تَحدَّى اللهُ بهِ الفصحاءَ، وأفحمَ بِهِ البلغاءَ ، وأثنى بهِ على العلماءِ ، ضمنَ لهُ الغلبةَ والبقاءَ ، وَلِمَنْ عملَ بِهِ الفوزَ والفلاحَ والارتقاءَ، أنزلَهُ اللهُ باللِّسانِ العربِيِّ الْمُبينِ، وامتنَّ بِهِ علَى الناسِ أجمعينَ، يقولُ تعالَى (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ. مَا أعظمَ هذِهِ اللُّغةَ العربيةَ الَّتِي نزَلَ القرآنُ الكريمُ بِهَا، وحُقَّ لأهلِهَا أنْ يفخَرُوا بِهَا ، حُقَّ لنا أنْ نفخرَ بها ، ونتمسَّكَ بِهَا، ونَعَضَّ عليهَا بالنَّواجذِ، فرَحِمَ اللهُ مَنْ قالَ علَى لسانِهَا، واقتبسَ مِنْ بيانِهَا، وهدى اللهُ منْ ظنَّ أنها لا تستوعبُ مصطلحاتِ الحضارةِ وهي تقولُ على لسانِ شاعرِها : حافظ إبراهيم وسعْتُ كتابَ اللهِ لفظاً وغايةً ومَا ضقْتُ عنْ آيٍ بهِ وعظاتِ فكيفَ أضيقُ اليومَ عنْ وصفِ آلةٍ وتنسيقِ أسماءٍ ومخترعاتِ أنَا الْبَحْرُ فِي أحشَائهِ الدُّرُ كامنٌ فهَلْ ساءَلُوا الغواصَ عنْ صدفاتِي إنَّ الُّلغةَ العربيَّةَ شعارُ الإيمانِ ولغةُ القرآنِ، اختارَهَا اللهُ تعالَى وعاءً لشريعتِهِ، ولغةً لأفضلِ رسلِهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ فالعنايةُ بِهَا مِنْ أفضلِ القرباتِ، والاهتمامُ بِهَا مِنْ أَوْلَى الأَوْلَوِيَّاتِ لتعلُّقِهَا بكتابِ اللهِ، وسنَّةِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ وقدْ نصَّ العلماءُ علَى أنَّ الاشتغالَ بعلومِهَا يَحصُلُ بِهِ الأجرُ العظيمُ والثَّوابُ الجزيلُ، لِمَا يترتَّبُ علَى معرفتِهَا مِنَ الْمقَاصِدِ الشَّرعيَّةِ، قالَ عمرُ بنُ الخطابِ رَضيَ اللهُ عنهُ : تَعَلَّمُوا الْعَرَبِيَّةَ فَإِنَّهَا تُثَبِّتُ الْعَقْلَ ، وَتَزِيدُ فِي الْمُرُوءَةِ ( رواه البيهقي في شعب الإيمان( إنَّ اللُّغةَ دعامةٌ مِنْ دعائِمِ وجودِ المجتمعِ، وقدْ حافظَ المسلمونَ علَى اللغةِ العربيةِ ِ، وبذَلُوا فِي سبيلِهَا الغالِيَ والنَّفيسَ خدمةً لكتابِ اللهِ تعالَى، وتعلقاً بِالدِّينِ ، فكانَ مِنْهُمْ مَنْ صرَفَ هِمَّتَهُ إلَى النَّحوِ والصَّرفِ والبلاغةِ، وكانَ مِنْهُمْ مَنِ اعتنَى بالشِّعرِ رِوَايةً ودرايةً، ذكر القرطبي في تفسيره أن ابنَ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهُمَا قالَ: إَذَا سَأَلْتُمُونِي عَنْ غَرِيبِ الْقُرْآنِ فَالْتَمِسُوهُ فِي الشِّعْرِ، فَإِنَّ الشِّعْرَ دِيوَانُ الْعَرَبِ. ومِنْ أعظمِ هؤلاءِ الَّذِينَ حافظُوا علَى هذِهِ اللغةِ أولئكَ الَّذِينَ أنفقُوا أعمارَهُمْ فِي خدمةِ كتابِ اللهِ حفظاً وتفسيرًا وإعراباً، ونقلُوا لنَا القرآنَ الكريمَ بكلِّ رواياتِهِ، وبكلِّ قراءاتِهِ، وضبطُوا قواعدَ اللغةِ، وكتبُوهَا فِي مؤلفاتٍ عظيمةٍ، أفلاَ يجدُرُ بنَا أنْ نتأسَّى بهم، ونُحافِظَ علَى لغتِنَا نتعلَّمَهَا نحنُ وأبناؤُنَا، ونغرسَ فِي نفوسِهِمْ حبَّ لغتِهِمْ والاعتزازَ بِها إِنَّ اللغةَ هِيَ الهويةُ الناطقةُ المعبِّرةُ عَنِ الشعبِ الَّذِي يحملُهَا، ولِهَذَا قِيلَ : اللسانُ العربِيُّ شعارُ الإسلامِ وأهلِهِ، واللغاتُ مِنْ أعظمِ شعائرِ الأممِ الَّتِي بِهَا يتميزُونَ . وإنَّ الواجبَ علَى الجميعِ أَنْ يحرصُوا علَى إعلاءِ شأنِ اللغةِ العربيةِ بالحديث بِهَا فيمَا بينَهم دائمًا وخاصةً فِي المحاورِ العلميةِ ومجالسِ المناقشاتِ ذاتِ الشأنِ، وفي الإعلامِ وهوَ صاحبُ الدَّوْرِ الْمُهمِّ ، وكذلكَ المؤسساتُ العلمية والتعليمية عليهَا أنْ تحافظَ علَى لسانِنَا العربِيِّ المبينِ الَّذِي نزلَ بِهِ كتابُنَا الحكيمُ حاملاً رسالةَ العلمِ للناسِ كافةً، فلنجعَلِ اللغةَ العربيةَ صاحبةَ مكانةٍ لائقةٍ فِي ميدانِ التعليمِ، وفِي المدارسِ والجامعاتِ وكافةِ المؤسساتِ التعليميةِ . ألا وإنَّ اللغاتِ الأجنبيةَ وإنْ كانتْ لغاتِ الصناعةِ والتقنيةِ والعلومِ الدنيويةِ ، ينبغي علينا أنْ نحصرَها في نطاقِها وأنْ تكونَ لغتُنا العربيةُ هي الأساسَ في كلِّ شيءٍ ، وهي الواجهةُ الرسميةُ في كلِّ مرفقٍ من المرافقِ . وإني لأعجبُ من أناسٍ يكسرونَ لغتَهم ويلحنونَ في كلامِهم ويعجِنونَ في نُطقِهم عندما يخاطبونَ العمالةَ الأجنبيةَ ظناَّ منهم أنَّ هذا التكسيرَ يسهِّلُ على العاملِ الفهمَ مما خلقَ في أوساطِناَ لغةً عماليةً تستحيي الأذنُ العربيةُ من سماعِها . تكلموا بلغتِكُم وصدقوني أنَّ هؤلاءِ العمالةَ سيتعلمونَها على الوجهِ الصحيحِ ، الرجلُ الغربيُّ على سبيلِ المثالِ لا يمكنُ أن يكسِّرَ في لغتِهِ من أجلِنا ، ينطقُ بلغتِهِ السليمةِ , وعلى سبيلِ المثالِ الصينُ الآنَ وهي بلدٌ قدْ أصبحَ في مقدمةِ الدولِ صناعياً واقتصادياً ، لا يتكلمُ أهلُها هناكَ إلا باللغةِ الصينيةِ ، فالأمرُ ياعبادَ اللهِ استشرى في كلِّ مكانٍ ، وفي كلِّ الأوساطِ ، نحنُ نغرِّبُ أنفسَنا ونقصي ألسنتَنا عن لغتِنا ، حتى المحلاتِ التجاريةَ والدكاكينَ والمراكزَ التجاريةِ والفنادقَ ، تغربَتْ بأسمائِها ، فأينَ المسؤولونَ عن ذلك ، فسبحانَ اللهِ كأنَّ لغةَ القرآنِ ضاقتْ بهذا التاجرِ ، فلم يجدْ إلا هذه الأسماءَ الأجنبيةَ . إن تغريبَ المجتمعِ ، وصرفَهُ عن لغتِه يُنتجُ أجيالاً تتحدثُ خليطاً من اللغاتِ ، التي يصعبُ عليها تقويمُهُ فيما بعد ، سيصعبُ استعادةُ اللسانِ العربيِّ الذي ضاعَ بين العاميةِ والأجنبيةِ ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ ، ومن ألقى سمعَهُ للدولِ التي تعرضَتْ للإستعمارِ ، علمَ خطورةَ هذا الأمرِ ، لقد تكسَّرتْ لغتُها ، ولولا حفظُ اللهِ للقرآنِ ووجودُ السنةِ النبويةِ لما استطاعَ العربيُّ في بلدٍ منَ البلدانِ أنْ يفهمَ أخاهُ العربيَّ في بلدٍ آخرٍ لغتُكم لغةُ القرآنِ ، إستوعبتْ شريعةَ اللهِ وتعاليمِه ، أفلا تكونُ قادرةً على حَملِ أمتعةِ دنياكُم إنها بحرٌ متلاطمٌ ، وواللهِ إني لأعرفُ أناساً أجانبَ يتمنى أحدُهم أنْ ينطقَ العربيةَ بطلاقةِ أهلِها فاللَّهمَّ زِدْنَا حبًّا لِلغةِ القرآنِ، وأعنَّا علَى المحافظةِ عليهَا، وارزقْنَا فَهْمَ كتابِكَ والعملَ بِهِ يَا أرحمَ الرَّاحمينَ ُ . إنها ليستْ دعوةً لعدمِ تعلمِ اللغاتِ الأخرى التي نحتاجُ إليها في بلادِنا في مجالاتِ التطويرِ والتنميةِ بل وحتى مجالاتِ الدعوةِ إلى اللهِ ، لكنْ أنْ تُستعملَ هذه اللغاتُ في حقولِها ومجالاتِها فقط ، مثلُ الإنسانِ إذا أرادَ أن يعومَ في بركةِ سباحةٍ إرتدى لباسَ السباحةِ وإذا فرغَ من السباحةِ عادَ فلبسَ ثيابَهُ ، فلمْ يكنْ به حاجةٌ لإبقاءِ لباسِ السباحةِ عليهِ دائماً ، هكذا تكونُ حاجتُنا إلى اللغةِ الأجنبيةِ ، لكنْ أنْ تكونَ مع أكلِنا وشربنِا وأنفاسِنا ، بل وبعضُهُم ربمَّا فضَّلها على لغةِ القرآنِ ، هذا الذي لا ينبغي علينا أنْ نكونَ عليهِ حفاظاً على لغتِنا وثقافتِنا ووحدةِ مجتمعاتِنا ، فاتَّقُوا اللهَ تعالَى، وأحبُّوا لغةَ كتابِهِ المبينِ، واعلمُوا أنَّ منْ مقتضياتِ العنايةِ باللُّغةِ العربيَّةِ أنْ نربِّيَ أبناءَنَا علَى حبِّهَا والاعتزازِ بِهَا، والتَّحدثِ بِهَا، وأنْ نوجههم لتعلُّمِ كتابِ اللهِ، ونعوِّدَهُمْ علَى حفْظِ مَا يَجمُلُ مِنَ الشِّعْرِ والنَّثْرِ وعلَى المدرسينَ أنْ يغرِسُوا فِي نفوسِ الطُّلابِ الوعْيَ بأهميةِ هذِهِ اللُّغةِ، ويعمَلُوا علَى تنميةِ الذَّوقِ الأدبِيِّ فِي نفوسِهِمْ . و السلام عليكم و رحمة الله صَلِّي اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ تحيات المهيدي |
رد: تكلموا بلغتِكُم
بارك الله فيك أخي "المهيدي" على غيرتك على لغة القرأن ومادة الإسلام. قال: أبو منصور الثعالبي النيسابوري رحمه الله-: ((من أحب الله تعالى أحب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، ومن أحبَّ الرسول العربي أحبَّ العرب، ومن أحبَّ العرب أحبَّ العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحبَّ العربية عُنيَ بها، وثابر عليها، وصرف همَّته إليها، ومن هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان وآتاه حسن سريرة فيه، اعتقد أن محمداً صلى الله عليه وسلم خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ثم هي لإحراز الفضائل، والاحتواء على المروءة وسائر أنواع المناقب، كالينبوع للماء والزند للنار. ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها والوقوف على مجاريها ومصارفها والتبحر في جلائها ودقائقها، إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن، وزيادة البصيرة في إثبات النبوة، لبتي هي عمدة الإيمان، لكفى بهما فضلا يَحْسُنُ فيهما أثره، ويطيب في الدارين ثمره، فكيف وأيسر ما خصَّها الله عزَّ وجلَّ به من ضروب الممادح يُكِلُّ أقلام الكتبة ويتعب أنامل الحسبة)). وقال الخوارزمي وهو فارسي الأصل: (( والله لأن أهجى بالعربية خير لي من أن أمدح بالفارسية )). و قال: شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله-:((اللسان العربي شعار الإسلام وأهله)). و قال: الشاطبي الأندلسي -رحمه الله-: ((وعلى الناظر في الشريعة والمتكلم فيها أصولاً وفروعاً ألا يتكلم في شيء من ذلك حتى يكون عربياً أو كالعربي في كونه عارفاً باللسان العربي، بالغاً فيه مبلغ العرب)). وقال: ابن قيّم الجوزيّة رحمه الله-: ((وإنّما يعرف فضل القرآن مَنْ عرف كلام العرب، فعرف علم اللغة وعلم العربية، وعلم البيان، ونظر في أشعار العرب وخطبها ومقاولاتها في مواطن افتخارها، ورسائلها )). ورُوِيَ عَن الأصمَعي قال: اجتَزتُ بِبَعضِ أحياءِ العربِ، فرأيتُ صَبِيَّةً مَعَها قِربةٌ فيها ماءٌ وقد انحَلَّ وِكاءُ فَمِها. فقالت: يا عَمّ، أدرِكْ فاها ، قَد غَلبَني فوها، لا طاقَةَ لي بِفيها فأعنتُها، وقُلت: يا جارية، ما أفصحكَ! فقالت يا عمّ، وهل تَركَ القرآنُ لأحدٍ فصاحةً ؟ وفيه آيةٌ فيها خَبران وأمران ونَهيان وبِشارَتان ! قلت: وما هي ؟ قالت: قوله تبارك وتعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ } [ القصص 7 ] قال: فَرَجَعتُ بِفائدةٍ، وكأنّ تلك الآية ما مرّت بِمسامِعي مِن قبل! وكما تعلمون العربية بحر لا ساحل له،فالعرب أفصح الأمم منطقاً. |
رد: تكلموا بلغتِكُم
فيك بركة العزيز فهذا واجب على كل واحد منا
حُقَّ لنا أنْ نفخرَ بها ، ونتمسَّكَ بِهَا،ونَعَضَّ عليهَا بالنَّواجذِ. لأنهادعامةٌ مِنْ دعائِمِ وجودِ نـــــــــا. |
| الساعة الآن 09:59 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى