19
أولها : أن حديث البخاري ومسلم نفسه يرد عليهم، فالصحابة لم يستمروا على الاقتداء بأبي بكر، لكن النبي صلّى الله عليه و سلّم صرح بجواز ذلك ، حيث قال لأبي بكر رضي الله عنه في الرواية نفسها: “ يا أبا بكر ! ما منعك أن تثبت إذ أمرتك ” وما كان صلّى الله عليه و سلّم ليأمره بعمل منهي عنه ! ثانيها : أن الترك ليس مرويًا، أي لم يقل أحد من الرواة إن الصحابة لم يطلبوا الدعاء من النبي صلّى الله عليه و سلّم ، بل هذا عدم رواية ، أي لم يتعرض الرواة لذكره بنفي و لا إثبات لو صحت دعوى الترك ، و لم تصح كما يأتي بيانه إن شاء الله وهذا أمر آخر، و هو يسمى الاستصحاب ، و هو أضعف الأدلة ، و لا يعمل به إلا عند انتفاء جميع الأدلة ، فكيف يقدم عدم الرواية على الرواية الثابتة عن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم وعن عثمان بن حنيف، فهذا يدل على خطأ هذا الادعاء. ثالثها : أن فعل الصحابة نوعاً من التو سل ليس منعًا من الأنواع الأخرى الثابتة ، و لو صحت هذه الدعوى لكان تركهم التوسل بأسماء الله في هذه الحادثة دليلاً على المنع ، و لا أحد يقول ذلك، بل المدار على ثبوت الدليل، و قد ثبت حديث الضرير، و بطل تأويلهم له. رابعها : أن العدول عن الأفضل إلى الفاضل ليس دل يلاً على منع التوسل بالأفضل، فقد تركوا التوسل بالعشرة المبشرين، وهم أفضل من العباس، فهل يدل على منع التوسل بهم. خامسها : أنه لو افترضنا أن قد صحت دعوى الترك ، و صح الاستدلال بها لكانت دليلاً على منع طلب الدعاء منه بعد وفاته صلّى الله عليه و سلّم ؛ لأن هذا هو المقابل لذلك الذي طلبوه من العباس ، لا على منع سؤال الله به صلّى الله عليه و سلّم ، و لكن لم تصح. فقد جاء رجل إلى قبر النبي صلّى الله عليه و سلّم فطلب منه الدعاء، وأخبر عمر فأقره، كما سيأتي إثبات الرواية، ودفع الشبهات عنها في بيان هذا النوع من التوسل.