رد: العيد عبادة أم عادة؟ لا عيد إلا عيدي الفطر والأضحى
05-03-2009, 05:59 AM
قال الإمام العلامة عبد الله الحسيني المكي الهاشمي رحمه الله تعالى [ " الإحتفال بالمولد النبوى مناقشات بين المؤيدين و المعترضين " ، صفحة 16-22 ] :
وقد صدر مؤخراً كتاب نفيس من مشيخة الأزهر الشريف عمره الله بالعلم والعلماء، وأزال كربته، وأعاد مجده، بعنوان "بيان للناس من الأزهر الشريف" (قدم له وأشرف عليه فضيلة شيخ الأزهر الإمام جاد الحق علي جاد الحق رحمه الله تعالى . وصدر الكتاب في مجلدين) وعالج هذا الكتاب كثيراً من القضايا الفكرية والمسائل الاعتقادية ، وأنقل من الكتاب ما يتعلق بحكم الاحتفال بالأعياد والمناسبات ( بيان للناس من الأزهر الشريف 2 : 373 - 379 )

الاحتفال بالأعياد والمناسبات

" كلمة احتفال تعطى في اللغة معنى الاهتمام والكثرة والاجتماع ، يقال: فلان لم يحفل أو لم يحتفل بكذا، أي لم يبال ولم يهتم به، ويقال: العروس تكتحل وتحتفل، أي تتزين وتحتشد للزينة ، ويقال: شاة حافل أي كثيرة اللبن والجمع حفل، وبقرة محفلة، أي جمع لبنها في ضرعها ولم يحلب أياماً لترويج بيعها، والمحفل مجتمع الناس .

والاهتمام الفردي أو الجماعي بأمر من الأمور شيء من طبيعة البشر، يدفع إليه جلب خير أو دفع شر، والمحتفل به قد يكون أمراً واقعاً حاضراً أو ماضياً، أو منتظراً وقوعه .

فمن الاحتفال بالواقع الحاضر: الفرح بالمولود عند ولادته أو ختانه، وبالزواج عند العقد أو الزفاف، والترحيب بالضيف وقدوم الغائب، والفرح بالنجاح في الامتحان، أو الانتصار في المعركة، وبوفرة المحصول عند الحصاد .
من الاحتفال بالماضي: تذكر أحداث وقعت في أماكن أو أوقات محدودة، تستعيدها الذاكرة لتجدد فرحها وسرورها ، أو لتأخذ العبرة والموعظة منها .

ومن الاحتفال بما ينتظر وقوعه، الاستعداد لقدوم غائب عزيز مثلاً .

وهذه المناسبات التي يحتفل بها قد تكون دنيوية محضة، وقد تكون دينية، أو عليها مسحة دينية ضرورة عدم الفصل التام بين أمور الدنيا وأمور الدين، والإسلام بالنسبة لما هو دنيوي لا يمنع منه إلا ما كانت النية فيه غير طيبة، وما كانت مظاهره خارجة عن حدود الشرع، وما ينتج نتيجة سيئة .

أما ما هو ديني فقد يكن منصوصاً على الاحتفال به، وقد يكون غير منصوص عليه، فما كان منصوصاً فهو مشروع بشرط أن يؤدى على الوجه الذي شرع، ولا يخرج عن حدود الدين العامة .

أما ما لم يكن منصوصاً عليه فللناس فيه موقفان: موقف المنع لأنه بدعة، وموقف الجواز لعدم النص على منعه .

ولتفصيل ذلك نقول:

لاشك أن في الإسلام تشريعاً وتاريخاً اهتمامات كثيرة يحتفل بها، بصرف النظر عن تسميتها أعياداً، ففيه الفرح بالمولود وذبح العقيقة عنه، وبالزواج وعمل الولائم وإباحة الغناء، وبقدوم الغائب واستقبال الضيف بالأغاني والطرب :
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع "عند قدوم النبي مهاجراً إلى المدينة ، أو عودته من غزوة تبوك".

وفيه فرح بقدوم رمضان ، وتهنئة المسلمين بعضهم بعضاً به ، وفيه اهتمام بالمستقبل بالعمل للدار الآخرة ، والاجتهاد في العبادة من أجل الفوز بالجنة، وفيه اهتمام بالماضي بالنظر في أحوال الأنبياء والأمم السابقة . ففي قصصهم عبرة لأولي الألباب ، وتثبيت لفؤاد النبي (ص)، وموعظة وذكرى للمؤمنين ، وفيه توجيه للسير في الأرض والنظر في آثار السابقين، وفيه قول الله في القرآن لموسى - سورة إبراهيم: الآية 5 -: { وذكرهم بأيام الله }

بل فيه تشريعات مرتبطة بذكريات لا تنسى، وهي بلغة العصر احتفالات بتخليد هذه الذكريات، تتجدد هذه الاحتفالات في مواعيد ثابتة أطلق عليها اسم الأعياد .

إن الصيام قد فرضه الله أياماً معدودات، فلماذا اختار الله له شهراً معيناً من بقية شهور العام، وهو شهر رمضان؟ أليس ذلك - إلى جانب حكمة الصيام عامة - تخليداً لذكرى الرسالة ونزول القرآن الذي هدى الله به العرب بعد ضلالة وأخرج الناس من الظلمات إلى النور؟ إننا نلمح ذلك في اختيار وصف لشهر رمضان يدل على ذلك، قال تعالى - سورة البقرة: الآية 185 -: { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان هدىً للناس وبيناتٍ من الهدى والفرقان }
إن الحج إلى مكان مقدس كما قال تعالى - سورة الحج: الآية 34 -: { ولكل أمةٍ جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام }

لماذا اختار الله مكة بالذات ؟ أليس ذلك _ إلى جانب الحكم الأخرى _تخليداً لذكرى بناء أول بيت وضع للناس في مكان غير ذي زرع، وجدت فيه أسرة عربية مهدت لولادة أكرم نبي، وبعثة خاتم المرسلين، وتخليداً لذكرى سعي هاجر بين الصفا والمروة من أجل حياة الوليد الذي سيولد من ذريته محمد عليه الصلاة والسلام ، وتخليداً لذكرى فداء الله لهذا الوليد، بذبح عظيم .
إن مشاعر الحج وتوقيته بأشهر معلومات، وتحديد يوم الاجتماع الأكبر، وذكر الله في أيام معلومات معدودات، كل ذلك يدل على اهتمام التشريع بتخليد الذكريات.

ومن أجل هذا كان عيد الفطر المبارك بعد شهر القرآن، وعيد الأضحى بعد الحج، وهما يتجددان في كل عام .

فهل يوجد في الإسلام احتفالات وأعياد غير عيدي الفطر والأضحى؟ من الثابت _ كما رواه النسائي وابن حبان بسند صحيح _ أن أنساً رضي الله عنه قال: قدم النبي (ص) المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "قد أبدلكم الله تعالى بهما خيراً منها، يوم الفطر ويوم الأضحى" .

وقد سمي هذان اليومان بالعيدين، كما سمي يوم الجمعة أيضاً عيداً، وجاء ذلك في روايات كثيرة، منها ما رواه مسلم أن أبا بكر رضي الله عنه دخل على عائشة رضي الله عنها في أيام منى فوجد عندها جاريتين تغنيان، فلما استنكر ذلك قال (ص) : "يا أبا بكر، إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا " .

وما رواه أبو داود في اجتماع يومي العيد والجمعة أنه قال: "قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون " .

ويلاحظ في هذه الأحاديث أمور منها :

1- أن النبي (ص) لم يحصر الأعياد الإسلامية في هذين العيدين، بل ذكر فضلهما على أعياد أهل المدينة التي نقلوها عن الفرس، ومنها عيد النيروز في مطلع السنة الجديدة في فصل الربيع، وعيد المهرجان في فصل الخريف (نهاية الإرب للنويري ج 1) . وبدليل أنه سمى يوم الجمعة عيداً .

2- أن الفرح والسرور من مظاهر الأعياد، فإلى جانب الصلاة المخصوصة والخطبة والذكر والتوسعة بزكاة الفطر وذبح الأضاحي، يكون الفرح باللهو البريء، وكذلك بالنظافة والتطيب ولبس الملابس الجديدة، يشترك في ذلك كل المسلمين، رجالاً ونساءً، كما صح في البخاري ومسلم عن أم عطية الأنصارية: أمرنا أن نخرج العواتق _ البنات الأبكار _ والحُيَّض في العيدين، يشهدن الخير ودعوة المسلمين، ويعتزل الحيض المصلى .

وجاء في هذه الرواية قول امرأة للنبي (ص): "أعلى إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب ألا تخرج فقال: "لتلبسها صاحبتها من جلبابها، ولتشهد الخير ودعوة المسلمين" .

وروى ابن ماجة والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله (ص) كان يخرج نساءه وبناته في العيدين .

وحيث أنه لم يرد نص بمنع الفرح والسرور في غير هذين العيدين فلا مانع منه في مناسبات أخرى، سواء أكان الفرح فردياً أو جماعياً، مؤقتاً أم مستمراً .

ولقد سجل القرآن الكريم فرح المسلمين بانتصار وقع لغيرهم من أهل الكتاب فقال سبحانه - سورة الروم: الآيات 1 - 5 -: {الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذٍ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم* }
إن النبي(ص) لما وجد اليهود يعظمون يوم عاشوراء، لأن الله نجى فيه موسى وأغرق فرعون ، قال: "نحن أولى بموسى منهم" فصامه وأمر المسلمين أن يصوموه، ذلك نوع من تخليد الذكرى، وكان بتشريع دائم .

كما أحس (ص) بنعمة ربه عليه في يوم ولادته وبعثه، فكان يحتفل بذكرى اليوم الذي كرمه الله فيه بذلك، وهو يوم الاثنين فيصومه كما ثبت في صحيح مسلم .

إن في التاريخ الإسلامي ذكريات يجب ألا تنسى أبداً ففيها تمجيد وتكريم لها ، وفي الاحتفال بها استمداد للقوة منها .
أليس كمال الدين وتمام النعمة على المسلمين مناسبة تملأ قلب كل مؤمن فرحاً وسروراً، وتدفعه إلى شكر الله عليه بالأسلوب المناسب .
لقد صح أن يهودياً قال لعمر رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا نزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيداً . قال وأي آية ؟ قال : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً } فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي أنزلت فيه، نزلت على رسول الله (ص) بعرفة في يوم جمعة .

أليست الهجرة من مكة إلى المدينة حدثاً تاريخياً عظيماً فرق الله به بين الحق والباطل فخلدها سيدنا عمر رضي الله عنه فجعلها مبدأ للتاريخ، بعد أن عرضت عليه اقتراحات أخرى وجد الهجرة أفضلها وأنسبها؟ ولم يرفض تلك الاقتراحات لهوان أمرها، فما كان يقترح إلا الشيء العظيم، ولكنه اختار منها أفضلها، وكل منها له فضله ومكانته .
أليست الانتصارات في بدر والخندق وخيبر و فتح مكة، واليرموك والقادسية وحطين وعين جالوت، مناسبات ينبغي أن نقف أمامها معجبين متفكرين دارسين مستلهمين قوة تفيدنا في الحاضر والمستقبل؟
إننا لا نرى بأساً في الاحتفال بأية مناسبة دينية أو دنيوية، على شرط ألا يكون الاحتفال خارجاً عن حدود الشرع، وأن يكون الهدف صحيحاً .

وهناك نقطتان يثيرهما من يمنعون هذه الاحتفالات التي لم ينص عليها، وهما :

1- أنها بدعة لم تكن على أيام الرسول وصحابته، وأبسط رد على ذلك أنه ليس كل جديد بدعة مذمومة، وسيأتي توضيح ذلك ، فقد قال عمر عندما رأى اجتماع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح: "نعمت البدعة هذه" ولم ينكر عليه أحد .

2- أن هذه الاحتفالات يطلق عليها أعياد، وليس في الإسلام إلا عيدان، عيد الفطر وعيد الأضحى، وأبسط رد على ذلك أن اسم العيد لم ينص على منع إطلاقه على غيرهما بالأسلوب الذي تحدث فيه الرسول عليه الصلاة والسلام عنهما، فقد أطلقه هو على يوم الجمعة كما سبق ذكره .
كما يرد على ذلك بأن العبرة ليست بالأسماء، بل بالمضمون والمسميات، فهل لو سميت الخمر باسم آخر يحل شربها؟ إن التحايل بالشكليات بابه واسع، على أن إطلاق اسم العيد على الاحتفال بأية مناسبة قد يكون من بابه التشبيه بالأعياد الدينية، في إشاعة الفرح والسرور بها، وللحقيقة والمجاز دور كبير في البلاغة العربية .

وبعد، فلعل في الاحتفال بهذه المناسبات واستخلاص العبر منها-ربطاً لقلوب المسلمين بالدين وتاريخه وأمجاده، حتى لا تنسى في غمرة الاحتفالات الدنيوية الأخرى التي تحشد لها الاستعدادات وتنفق الأموال وتعلو الشعارات.
وليس في الاحتفالات الدينية تشريع جديد من صلاة وصيام ونحوهما مما شرع في عيدي الفطر والأضحى، وعلى هذا فليس هناك إحداث في الدين ما ليس منه حتى يرد، والمهم أن يتم كل ذلك في إطار الحدود المشروعة، وعدم التعصب للشكليات فالعبرة بالجوهر، وعلى الله قصد السبيل، والأعمال بالنيات" .انتهى