القول المبين في الرد على أباطيل شمس الدين [الجزء الرابع ]
يقول الشيخ عبد المحسن العباد في شرح مقدمة ابن أبي زيد القيرواني [ص27]: فالسلف لايفوضون المعنى ، وإنما يفوضون الكيفية ، ومن زعم أن طريقة السلف من الصحابة ومن تبعهم تفويض في معاني الصفات ، فقد وقع في محاذير ثلاثة هي : جهله بمذهب السلف ، وتجهيله لهم ، والكذب عليهم .
أما جهله بمذهب السلف ، فلكونه لا يعلم ما هم عليه ، وهو الذي بينه الإمام مالك في كلامه المشهور في الاستواء . قلت : وسيأتي – إن شاء الله – .
وأما تجهيله لهم ، فذلك بنسبتهم إلى الجهل ، وأنهم لا يفهمون معاني ما خوطبوا به ، إذ طريقتهم - على زعمه- في الصفات أنهم يقولون : الله أعلم بمراده بها .
وأما الكذب عليهم ، فإنما هو بنسبة هذا المذهب الباطل إليهم ، وهم براء منه .
5 - القسم الخامس : قالوا : والله نحن ما نتكلم ، نقول : يجوز أن يكون المراد بها الظاهر اللائق بالله ، ويجوز أن يكون المراد بها الظاهر المماثل للمخلوقين ، ويجوز أن يكون المراد خلاف الظاهر ، ويجوز أن لايكون المراد بها شيء . كل هذا ممكن وجائز ، وما دامت الاحتمالات قائمة فالواجب الإمساك .والفرق بين المفوضة وبينهم أن المفوضة يقولون : لانقول شيء أبدا يعني لا يمكن أن تعلم المعنى ، وهؤلاء يقولون : يحتمل كذا ، ويحتمل كذا ولكن نكف عن القول ما دام هذه الاحتمالات واردة ، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال .ويسميهم البعض الواقفة .
6 - القسم السادس : قوم أعرضوا عن هذا كله وقالوا : أتركونا من الكلام في هذه الأمور ، لا تقولوا شيء في صفات الله تعالى ، فإن ذلك قد عفا عنه الزمان ، وذلك نبش للقبور ، وأن الكلام في ذلك لايخدم الدعوة ، ويأخرها ، فنحن نقرأ القرآن ونتعبد الله تعالى بقراءته ولا نتعرض لمعناه فيما يتعلق بالصفات إطلاقا ؟ لأن هذا سيفرق الأمة ، ولا يمكننا من الحكم .
اعتقد ما شئت ، قل أن ظاهرها اللائق بالله مراد ، أو غير مراد ،أو أن المعنى يحتمل خلاف الظاهر؛ أو يحتمل كذا وكذا من التأويلات ، المهم أن تعتقد في نفسك أي شيء وتسكت ، لأن ذلك لا يناسب الوقت ، ولايصلح للدعوة في هذا العصر ، أو أنه غير مهم ، وهؤلاء الساكتون في الظاهر المميعون بقلوبهم ، ما عرفوا خطاب الله ، ولا عرفوا ما جاءت به الرسل .
فيقال لهم : ما فائدة خطاب الله تعالى لنا بهذه الآيات الكثيرة التي تعرف إلينا بها ، ووصف لنا بها نفسه ، أم أنزلها عبثا ؟ لنمر عليها مرور الكرم ، أو لنعتقد فيها ما نشاء بأهوائنا المختلفة وعقولنا القاصرة ، ونترك مأاراد الله منا ، أم نرجيها ولا نعتقد فيها شيئا إلى أن تتحق النتيجة المزعومة في الحكم المزعوم ، وأين أنتم من دعوة الرسل ، فما جاء رسول إلا كان أول ما يدعو إليه التوحيد بأنواعه ، وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم بقي أكثر من ثلاثة عشر سنة يدعو إلى ذلك ، بل إنه لم يغفل الدعوة إلى التوحيد؛ ووصف الله تعالى بالصفات التي تليق به إلى آخر حياته صلى الله عليه وسلم فهذا القول من أبطل الباطل .. ومع ذلك هم يتكلمون في أشياء ليس من روائها طائل .
الصفحة [2]
منهج السلف هو الحق وطريقتهم أعلم وأحكم وأسلم:
ولما إنقسم أهل القبلة المنتسبون للإسلام إلى هذه الانقسامات ، كان مذهب السلف هو المذهب المنصور ، والحق الثابت المأثور ، وأهله هم الفرقة الناجية والطائفة المرحومة المرضية ، التي هي بكل خير فائزة ، ولكل مكرمة راجية ، من الشفاعة والورود على الحوض ، ورؤية رب البرية ، وغير ذلك من سلامة الصدر لمن وصفوا بالخيرية ، والإيمان بالقدر والأفضلية، والتسليم لما جاءت به النصوص من كتاب الله وسنة خير البرية ..
يقول الشيخ العتيمين رحمه الله في كتابه شرح السفارينية : فمن المحال أن يكون المخالفون أعلم من السالفين ، كما يقوله بعض من لاتحقيق له بذلك ؛ ممن لا يقدر قدر السلف الموصوفين بالعدالة والتزكية، ولاعرف الله تعالى ؛ ولا رسوله ، ولا المؤمنين به ؛ حق المعرفة المأمور بها ؛ وهي أن طريقة السلف أعلم وأحكم وأسلم .
وهؤلاء إنما أوتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث؛ من غير فقه لذلك، وأنها بمنزلة الأميين، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات؛وغرائب اللغات ،والتحريفات والتأويلات،فكانت بذلك أعلم وأحكم ..
وهذا الظن الفاسد ؛ أوجب تلك المقالة التي مضمونها ؛ نبذ منهج السلف وراء ظهورهم ، وقد كذبوا وأَفِكُوا على طريقة السلف الصالح ، وضلوا في تصويب طريقة الخلف ،فجمعوا بين باطلين ، الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم ، والجهل والضلال بتصويب طريقة غيرهم من الخلف .
قال ابن رجب في كتابه [ بيان فضل علم السلف على علم الخلف ] وفي زماننا يتعين كتابة كلام أئمة السلف المقتدى بهم إلى زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد ..
وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم ، فإنه حدث حوادث كثيرة ، وبدع عظيمة ، مثل كلام المتكلمين والفلاسفة فهو شر محض ، وقل من دخل في شيء من ذلك إلا وتلطخ ببعض أوضارهم ، كما قال الإمام أحمد رحمه الله : لا يخلو من نظر في الكلام إلا تجهم .
فإذا تأمل العاقل الفهيم نهاية ما يكره من أهل النظر والفلسفة والكلام من جميع طوائف المبتدعة يجد الذي في القرآن أكمل منه وأوضح بيانا مع سلامته من المراء والجدال ، وزبالات أفهام الرجال ، ومن لم يكن علمه متلقى من الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة فهو غير نافع في نفسه ولا منتفع به ، بل ضرره أكثر من نفعه ، وعلامة هذا – كما قال الحافظ ابن حجر – أن يكتسب صاحبه الزهو والفخر ، والعجب والخيلاء ، وطلب مباهاة العلماء ، ومماراة السفهاء ، وصرف وجوه الناس إليه .
الصفحة [3]
واعلم أن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم تنازعوا في كثير من المسائل الأحكام ، وهم سادات المؤمنين وأكمل الأئمة إيمانا بلا انفصام ، ولكن - بحمد الله تعالى – لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال .
بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة الصحيحة ، وعلى كل حال فكلمتهم واحدة ، من أولهم إلى آخرهم ، لم يسموها تأويلا ، ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلا ، ولم يبدوا لشيء منها إبطالا ، ولا ضربوا لها مثالا ، ولم يدفعوا في صدورها ، وأعجازها ، ولم يقل أحد منهم : يجب صرفها عن حقائقها ، وحملها على مجازها .
بل تلقوها بالقبول والتسليم ، وقابلوها بالإيمان والتعظيم ، ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع ، حيث جعلوا القرآن عضين ، فأقروا ببعض آيات الصفات ، وأنكروا بعضها من غير فرقان بيّن ، ومع أن اللازم لهم فيما أنكروه ، كاللازم لهم فيما أقروا به وأثبتوه .
فأهل الإيمان إذا تنازعوا في شيء من القرآن ، ردوه إلى الله ورسوله ، فكل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين ودقه وجله جليه وخفيه ، ردوه إليهما .
فلو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بيان ما تنازعوا فيه ، لم يأمر الله بالرد إليه .إذ من الممتنع أن يأمر الله تعالى بالرد عند التنازع إلى من لايوجد عنده فصل النزاع .
وقد أجمع الناس على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه ، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد إليه في حايته ، وإلى سنته بعد وفاته [1].
---------
1- مختصر لوامع الأنوار البهية [ ص08 ]. لمحمد بن علي بن سلوم ، حققه وضبطه محمد زهري النجار .
الصفحة [4]
وقد قعد علماء السلف قواعد في فوائد هامة تبين منهج أهل السنة والجماعة في إثبات العقيدة الصحيحة التي يجب أن يعتقدها كل مسلم ويتعبد الله بها حتى يسلم ولا يزيغ فيضيع بين تلك الفرق الهالكة التي خالفت منهج السلف أو ادعت الانتساب إليه جهلا وكذبا وزورا ،كالمردود عليه الذي جمع بين شر كل الفرق ، وإليك هذه القواعد ..
1- اتباع الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح :
اعلم أن عقيدة السلف الصالح مبنية على الدليل من كتاب الله عز وجل ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ، قال الله عز وجل :﴿ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولاتتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون ﴾[الأعراف:3] وقال : ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا﴾[الأحزاب :36] وقال :﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب ﴾[الحشر :7].
وقال﴿ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصبيهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ﴾ [النور :63]وقال: ﴿ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصييرا﴾[النساء :115] فقوله : سبحانه: ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ أي الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ،يبين هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض بن سارية :<< ... فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسسكوا بها وعضوا عليها بالواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ؛ فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلاله >>[1]. وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: << إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين مله ، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا واحدة ، وهي الجماعة >>[2].
---------
1 - رواه أبو داود [4607] وهذا اللفظ له، والترمذي [2676] وقال: حديث حسن صحيح .
2 - رواه أحمد [ح16937]وأبو داود [4597] وفي رواية : << ما أنا عليه اليوم وأصحابي >> .
الصفحة [5]
وهذا موضع الشاهد منه لأن كل هذه الفرق التي اختلفت وخالفت لايمكن أن تنكر الانتساب للكتاب والسنة ،بل كل منهم تدعي أنها على السنة، وأنها على الحق وغيرها على الباطل ، ولكنهم ينكرون فهم السلف الصالح؛ ويقولون هم رجال ونحن رجال ، أو أن ذلك عصر ونحن لنا عصرنا ، أو ينسبون إليهم أنهم لايفهمون ما خطبوا به من نصوص الكتاب والسنة فيقولون طريقة السلف أسلم ، وطريقتهم أعلم وأحكم ،وهذا بيّن البطلان لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى التمسك بطريقة أصحابه مبتدئا بما كان عليه خلفاؤه الراشدون ثم صحابته الكرام وهذا ما امتاز به أتباع منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة ،{{ التقيد بالكتاب والسنة على فهم الصحابة }} فهو المنهج الأعلم والأحكم والأسلم .والأدلة على ما نقول أكثر من تحصى وقد جمعت في ذلك مؤلفات، ولكن تغني الإشارة عن العبارة ، والتلميح عن التصريح ،بما ذكرنا من التوضيح .
وقد أوضح ما كان عليه الصحابة والتابعون في صفات الله عز وجل الشيخ أبو العباس أحمد بن علي المقريزي في كتابه الفذ{ المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار }[1 ]وعنه عبد المحسن العباد في شرح مقدمة ابن أبي زيد القيرواني [ص13].فليراجع، وكذلك نقل الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه العظيم الفتح عند شرحه باب قول الله تعالى:﴿ ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ﴾ [المائدة : 67] كلاما نفيسا لأبي المظفر السمعاني ، استدل به هذا الأخير على فساد طريقة المتكلمين وصحة ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته[2].
2 - عدم التفريق بين الكتاب والسنة بفهم الصحابة رضوان الله عليهم :
يقول محمد آمان الجامي رحمه الله : في كتابه :{ الصفات الإلهية في الكتاب والسنة }:يرى السلف أن السنة تبين الكتاب وتوضحه ، بل السنة خير تفسير يفسر به القرآن بعد القرآن ، بل قد يتوقف فهم بعض ما أجمل في القرآن إلا بواسطة السنة ، وقد ترد بعض صفات الله تعالى في السنة غير مذكورة في الكتاب ، فيجب الأخذ بها مع القرآن دون محاولة تفريق بينهما ، لأنها وحي من عند الله قال عز وجل :﴿ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ﴾[النجم :2-3] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :<< .. لاألفين أحدكم جالسا على أريكته شبعان يأتيه الأمر من أمري فيقول : دعونا من هذا وهاتوا كتاب الله ، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله ، ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليا الحوض >>.[3]
--------------------
1 - [ ج 2/ 356].
2 – الفتح [ج13/507]. 3- رواه أبو داود وغيره .
الصفحة [6]
قلت: وقوله : << لن يفترقا حتى يردا علي الحوض >> أي إلى يوم القيامة ، وهذا فيه استمرارية تلازمهما وحجيتهما ؛وأنهما صالحان لكل زمان ومكان، وعليهما صَلُحَ حال الرعيل الأول من هذه الأمة ولن يصلح آخرها إلا عليهما بذلك الفهم الصالح لخير القرون على الإطلاق بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ،فما كان السلف رضي الله عنهم يفرقون بين الأحاديث ويقولون هذه أحاديث متواترة قطعية الثبوت ؛ قطعية الحجية، وهذه أحاديث آحاد ظنية الثبوت ، ظنية الحجية ، وعليه لانثبت بها عقيدة من العقائد إلاإذا كانت ثابتة بالتواتر؛ بل كانوا يأخذون بكل ثابت عنه صلى الله عليه وسلم ويقولون نؤمن به كل من عند ربنا .
3 – تقديم النقل على العقل ورفض التأويل الفاسد :
ونقدم النقل -ونقصد به الوحي من الكتاب والسنة الثابتة - لأن مايجب أن يعتقد هو من علم الغيب ، ولايمكن معرفة ذلك إلا بالوحي كتابا وسنة ، وأن ماجاء فيهما فإن العقل السليم يوافقه ولا يعارضه ، ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتاب واسع جيد ،أثبت فيه صحة القاعدة التي تقول أن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح واسمه{درء تعارض العقل والنقل}وقد طبع .
يقول محمد أمان الجامي في كتابه المذكور آنفا : وتقريرنا بأن النقل مقدم على العقل لاينبغي أن يفهم منه أن السلف ينكرون العقل ، والتوصل به إلى المعارف ، والتفكير به في خلق السموات والأرض، وفي الآيات الكونية الكثيرة ، فهم لايعطلون العقل ، ولكنهم لا يسلكون في استعماله الطريقة التي سلكها علماء الكلام في الاستدلال بالعقل وحده في المطالب الإلهية من محاولة الاكتفاء به أحيانا ، وتقديسه بحيث يقدمونه على كلام الله خالق العقل والعقلاء وعلى سنة رسوله التي هي وحي أوتيه مع القرآن ...
وباختصار : إن السلف إنما يقدمون الأدلة النقلية على الأدلة العقلية إيمانا منهم بأن الله أرسل الرسل ، وأنزل عليهم الكتب من عنده ، وكلفهم ببيان ما يحتاج إلى بيان "لأمر له شأنه " وهو أنه ما جاء في هذه الكتب وبلغته الرسل يغني عن كل شيء . وأما غيره فلا يغني عنه . هذه النقطة هي "سر المسألة " فلا يسع الخلف إلا اتباع السلف على أساس أنهم أعلم؛ وطريقتهم أحكم وأسلم .
ولذلك رفضوا التأويل الفاسد الذي قصده أهل الكلام ،فلفظ التأويل قد صار مستعملا في ثلاثة معان على ماذكره شيخ الإسلام ابن تيمية بتعدد الاصطلاحات :
الصفحة [7]
أحدها : وهو اصطلاح كثير من المتأخرين – من المتكلمين – أن التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به ، وهذا هو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل النصوص ، وهو الذي يرفضه أتباع السلف الصالح قديما وحديثا ، لأنه يؤدي إلى القول على الله بغير علم .
النوع الثاني : التأويل الذي هو بمعنى التفسير والبيان ، وهو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن الكريم كابن جرير الطبري رحمه الله في كتابه تأويل آي القرآن وغيره من المتقدمين ، والقاسمي من المتأخرين وله كتاب اسمه محاسن التأويل .
النوع الثالث : التأويل بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الكلام ، كما قال تعالى :﴿ هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق﴾[البقرة :210] وأمثلة هذا النوع كثيرة في القرآن لاسيما ما يتعلق بأخبار المعاد .أفاده شيخ الإسلام ابن تيمية في الحموية الكبرى ، وتصرفت في شيء منه.
فالتأويل في اصطلاح المتكلمين إنما يعني اتخاذ العقل أصلا حتى يكون النقل تابعا له ؛ فإذا ظهر تعارض بينهما– في زعمهم – فينبغي تأويل النص حتى يوافق العقل.ولذلك قعدوا قاعدة لهم فقالوا : وكل نص أوهم التشبيها *** أوله أو فوضه ورم تنزيها .
ومن هنا كانت جناية التأويل بهذا المعنى على العقيدة الإسلامية الصحيحة جناية عظيمة ،أدت إلى افتراق الأمة { أيدي سبأ } ومزقتها كل ممزق ،وكل ما حصل في الأمة من شر كان بسب التأويل الفاسد [1].
4 – أن لايوصف الله عز وجل إلا بما وصف به نفسه ، أو وصفه رسوله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوز القرآن والحديث : قاله شيخ الاسلام ابن تيمية في الحموية .
فمن وصفه بما لم يصف به نفسه ، أو لم يصفه به رسوله فقد ضل ، وقال على الله بلا علم ، ومن ذلك صنيع الفلاسفة الذين سموه العقل الفعال ، والمعتزلة الذين جعلوا القِدم أخص صفاته ، وهذا الاسم إلى كونه ليس في كتاب الله فإنه لا يؤدي المعنى الذي أناطوه به . واللفظ الشرعي الوارد في قوله تعالى :﴿ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ﴾[الحديد:3] أدل على المعنى المطلوب وأرضى للرب .
--------------------
1 – أنظر كتاب جناية التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية ، لمؤلفه الدكتور أحمد لوح ، طبع دار عفان للنشر والتوزيع السعودية / الطبعة الأولى :1418هـ/1997م فإنه كتاب قيم ومفيد .
الصفحة [8]
فالسلف رضي الله عنهم أثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه سلم ، ونفوا عنه ما نفاه عن نفسه ، وما نفاه عنه رسوله ،على ما يليق بجلاله وكماله ، ويقولون : لا أحد أعلم من الله بنفسه ، ولا أحد أعلم بالله من رسوله صلى الله عليه وسلم .ودستورهم في ذلك قوله تعالى :﴿ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ﴾ .
قال الأوزاعي : كنا –والتابعون متوافرون- نقول : إن الله تعالى ذكره فوق عرشه ، ونؤمن بما وردت به السنة من الصفات . أنظر الأسماء والصفات للبيهقي .
5 – الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات ، والقول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر .
أهل السنة والجماعة يقولون إن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات ، فكما أننا نثبت لله ذات لا تشبه ذوات المخلوقين ، فيجب أن نثبت كل ما ثبت في الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة من الصفات دون أن يكون فيها مشابهة للمخلوقين ،فكما قلتم أن إثبات الذات إنما هو إثبات وجود لا كيفية ، فكذلك ينبغي عليكم أن تقولوا في الصفات إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية . ويقولون لمن أثبت بعض الصفات وأوّل بعضها ، وهم الأشاعرة ومن وافقهم : القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر ؛ فإن ما أثبتم من الصفات على وجه يليق بالله عز وجل ، يلزمكم إثبات الباقي على هذا الوجه اللائق بالله [1].
6 – الاعتصام بالألفاظ الشرعية :
الاعتصام بالألفاظ الشرعية الواردة في هذا الباب نفيا وإثباتا ،والتوقف في الألفاظ التي لم يرد نص بذكرها نفيا ولاإثباتا كلفظ الجسم ، والحيز والجهة ، والمكان ونحو ذلك ، والاستفصال عن مراد من أطلقها فإن كان المعنى الذي أراده صحيحا قُبل وعبر عنه باللفظ الشرعي ، وإن كان معنى باطلا لم يقبل .
يقول شيخ الإسلام في هذا المعنى : فالواجب أن ينظر في هذا الباب ، فما أثبته الله ورسوله أثبتناه ، وما نفاه الله ورسوله نفيناه ، والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي ، فنثبت ماأثبتته النصوص من الألفاظ والمعاني وننفي ما نفته النصوص من الألفاظ والمعاني .
-----------
1 - انظر توضيح هذين الأصلين في كتاب التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية [ ص31 /46].
الصفحة [9]
7– القطع بأنه ليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تمثيل أو تشبيه لصفاته بصفات المخلوقين:
فينبغي أن يقطع النظر والاعتقاد يقينا بأنه ليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم تمثيل أو تشبيه ،ومن شبه الله بخلقه أو مثله بهم فقد كفر كما قال نعيم بن حماد الخزاعي رحمه الله : من شبه الله بخلقه كفر ، ومن جحد شيئا مما وصف الله به نفسه كفر ، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيه أو تمثيل [1].
8 – قطع الطمع عن إدراك كيفية صفات الله سبحانه .
فهذه القاعدة كسابقتها، يجب الاعتقاد الجازم أنه يستحيل أن يدرك العقل مهما بلغ من العلم كيفية الصفات؛ وعليه يجب أن يسلم ويؤمن بها كما وردت بلا كيف ، ومن حاول إدراك شيء من ذلك خرج إلى ضروب من التشبيه والتمثيل ، والإلحاد [2].
9 – عقيدة أهل السنة والجماعة مطابقة للفطرة :
عقيدة أهل السنة والجماعة بسيطة لا تعقيد فيها ولا غموض ، فهي موافقة للفطرة ،قال النبي صلى الله عليه وسلم:<< كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه..>>[3].وفي صحيح مسلم [ح2865] عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه قال :<<.. وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم بأن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا.. >> .
وفي صحيح مسلم [ح 537] حديث الجارية التي سألها النبي صلى الله عليه وسلم أين الله ؟ قالت في السماء . هذه الجارية بفطرتها أجابت بأن الله في السماء .
-----------
1 - اللالكائي ، شرح أصول اعتقاد أهل السنة [ ج3 / ص532 ].
2 - أنظر : الشيخ الأمين الشنقيطي ، منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات [ص28] نشر الجامعة الإسلامية .
3 - البخاري [ح1385] ومسلم [ح2658].
الصفحة [10]
قال أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين في نصيحته لمشايخه من الأشاعرة : فمن تكون الجارية الراعية أعلم بالله منه لكونه لا يعرف وجهة معبوده فإنه لا يزال مظلم القلب ، لا يستنير بأنوار المعرفة والإيمان [1]. وفي ترجمة الرازي ، وهو من كبار المتكلمين الذين رجعوا في آخر حياتهم إلى معتقد أهل السنة والجماعة قال: من إلتزم دين العجائز فهو الفائز [2].
يتبع إن شاء الله ...