رد: القول المبين في الرد على أباطيل شمس الدين [ بروبي ]
23-05-2009, 07:04 AM
القول المبين في الرد على أباطيل شمس الدين [الجزء 6]
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية وهو إمام في اللغة [1] : أنه لم يثبت أن لفظ استوى في اللغة بمعنى استولى ؛ إذا الذين قالوا ذلك عمدتهم هذا البيت المشهور : ثم استوى بشر على العراق .. البيت قال : ولم يثبت نقل صحيح أنه شعر عربي وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه وقالوا : أنه بيت مصنوع لا يعرف في اللغة ، وقد علم أنه لو احتج من احتج لهذا القول بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحتاج ذلك إلى صحته وثبوته ؛ فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده ،وقد طعن فيه أئمة اللغة ؛ وذكر عن الخليل بن أحمد كما ذكره أبو المظفر في كتابه الإفصاح قال : سئل الخليل هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى ؟ فقال: هذا ما لاتعرفه العرب ؛ ولا هو جائز في لغتها ، وهو إمام في اللغة على ما عرف من حاله؛ فحينئذ حمله على ما لايعرف حمل باطل .
وقال ابن القيم رحمه الله : [2] إن ظاهر الاستواء وحقيقته هو العلو والارتفاع كما نص عليه جميع أهل اللغة ، وأهل التفسير المقبول .
فالرجل يورد تفسير المعتزلة ومن وافقهم للاستواء بمعنى الاستيلاء بما لا يعرف أنه من لغة العرب،كما رأيت في كلام كبار علماء اللغة كإبن عبد البر ، وابن الأعرابي ، والخليل ابن أحمد وأبو منصور ، وابن تيمية وغيرهم ، ثم يعقبه بقوله : ولا ننكر على من فسره بذلك إذا كان من أهله.
قلت : وكأن علماء السلف الذين فسروه بالعلو والارتفاع ليسوا من أهله لما فسروه باللائق بجلال الله وكماله .حتى أتى أؤلئك المخالفون لهم ففسروه بذلك التأويل الذي لا يليق بالله .
فهو لا يرد ولا ينكر على من خالف منهج السلف ؛ مع أن أهل العلم من أهل السنة والجماعة ردوا ذلك التأويل بقوة وأنكروا بشدة على من فسره بذلك أو عطله وعدوه مبتدعا ، كما ثبت عن الإمام مالك رحمه الله وغيره ،وهذه بعض النقول عنهم :قال ابن بطال وهو من كبار علماء المالكية كما في الفتح : [ج13/ص417]فأما قول المعتزلة استوى بمعنى استولى ففاسد ..
--------------------
1 - مجموع الفتاوى [ج5/ 146].
3 - مختصر الصواعق المرسلة[ص318].
الصفحة [2]
ونقل ابن حجر في الفتح [ج13/ ص417]عن أبي إسماعيل الهروي في كتابه [ الفاروق] بسنده إلى داود بن علي بن خلف قال : كنا عند أبي عبد الله بن الأعرابي يعني محمد بن زياد اللغوي فقال له رجل : ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ فقال هو على العرش كما أخبر، قال يا أبا عبد الله إنما معناه استولى ، فقال : اسكت لا يقال استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد.
وقد ذكرت في المقدمة عن ابن جرير الطبري كيف رد على من فسره بالاستيلاء ، وذكرت أيضا عن ابن عبد البر المالكي شيئا من ذلك . وسيأتي قول الإمام مالك وكيف رد على السائل وزجره وعده رجل سوء ، وأن ما قاله مالك يعتبر قاعدة في جميع الصفات ؛وذلك قول علماء السلف قاطبة قبله، وفي عصره ومن بعده يعدون من نفى صفة من صفات الله أو أولها بتأويل فاسد –أي كان- مبتدعا ضالا خارجا عن منهج الطائفة المنصورة والفرقة الناجية المرضية .
6-سادسا: ومع عدم إنكاره على من خالف منهج السلف الصالح في المسألة و ترضيه عليهم وعدم دفاعه عنهم - لأن دينه مميع - أثبت عقيدته الفاسدة بقوله :[ أما في خاصة نفسي فأنا أجري فيها مجرى غالبية السلف رضي الله عنهم من الإيمان بها وإمرارها كما جاءت وترك تحديث معناها لله تعالى ].فقوله : وترك تحديد معناها لله تعالى ، هذا تفويض للمعنى المعلوم ، وإنما يفوض السلف الصالح الكيفية ، فإمرارها كما جاءت على المعنى المعلوم لذا العرب، فالله لا يخاطب العرب بالألغاز وإنما خاطبهم بما يفهمون من لغتهم ، لذلك لم يرد عن الصحابة تفسير هذه النصوص لأنهم لم يكونوا يحتاجون إلى تفسيرها ، وإنما آمنوا بها على مراد الله ومراد رسوله على المعنى اللائق بالله تعالى مما يفهمونه من لغتهم ،ومعهود خطابهم، أما الكيفية فهي التي يفوضونها، لأنه لا يبلغن كنه وصف الله واصفه ولا يحيط به علما من افتكرا ، فتبين من هذا أن الرجل مفوض مرة ومؤول مرة أخرى كما سنذكر عقيدته في المجيء والإتيان – إن شاء الله – ونسبته تفويض المعنى إلى السلف الصالح خطأ بين وفاحش ،إلا إذا كان يقصد بالسلف سلفه هو ممن قصرت عقولهم عن إدراك منهج السلف الصالح ، من ذلك الخليط الذي ينتسب إليهم ويدافع عنهم من أهل وحدة الوجود ، والأشاعرة والكرامية والمفوضة، والماتردية ، والمرجئة والحزبيين من قطبيين تكفيريين وطرقيين صوفيين وغيرهم...ممن يرتضيهم ويدافع عنهم ، ولم نجده نقل عن واحد من علماء السلف تفسير الاستواء ولا دافع عن عقيدة السلف الصالح ولو مرة واحدة، بل طعن فيهم بطريق غير مباشر مرة ، ومباشرة مرات لأن الطعن في علماء السلف طعن في المنهج .
الصفحة [3]
عقيدة السلف في الاستواء ، وأنهم يثبتون المعنى ويفوضون الكيفية ، وإليك بيان ذلك .
صفة الاستواء لله على عرشه من الصفات الفعلية التي ورد ذكرها في القرآن في سبعة مواضع وهي :
1- قال تعالى : ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ﴾ [ الأعراف :54].
2 – وقال تعالى : ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ﴾ [يونس : 3].
3 - وقال تعالى : ﴿ الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش ﴾ [الرعد :2].
4 – وقال تعالى : ﴿ الرحمن على العرش استوى﴾ [ طه :5].
5 – وقال تعالى : ﴿ الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام استوى على العرش الرحمن فسئل به خبيرا﴾ [ لفرقان :59].
6 – وقال تعالى: ﴿الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ..﴾[ السجدة :04]
7 – وقال تعالى : ﴿ هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ﴾ [ الحديد : 04]
وهذه الآيات السبع تدل دلالة صريحة على أن الله تعالى مستو على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ففي سبعة مواضع ذكر الله الاستواء على العرش نصا صريحا واضحا ، فأضاف الاستواء على العرش بعلى الدالة على العلو أي علوت عليه واستقررت عليه ، ودليل هذا في كاتبه الكريم وهو قوله تعالى : ﴿وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون * لتستووا على ظهوره﴾ الزخرف :12-13 ] أي تعلوا عليها وتستقروا عليها ، واعلم أخي المؤمن أن الاستواء يرد في اللغة العربية على أربعة وجوه :
1- مطلق . - 2 – مقيد بإلى . - 3 – مقيد بعلى . - 4 – ومقيد بالواو .
فإذا كان مطلقا فالمراد به الكمال والخروج عن طور الشباب كما قال الله تعالى : ﴿ ولما بلغ أشده واستوى﴾ القصص : 14] أي كمل .
وإذا ورد مقرونا بإلى صار معناه الانتهاء إلى الشيء في كمال ،كقوله تعالى : ﴿ ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾ فصلت : 11] .
وإذا كان مقيدا بعلى كان معناه العلو والاستقرار ، كهذه الآيات السبع التي ذكرناها في قوله تعالى : ﴿ ثم استوى على العرش﴾ ففي جميع مواقعها في اللغة العربية لا تقتضي إلا العلو والاستقرار .
وإذا اقترن بالواو صار معناه المساواة كقولهم : استوى الماء والخشبة ، أي ساوى الماء الخشبة.
الصفحة [4]
ومعنى الاستواء العلو والارتفاع .قال أبو العالية : استوى على السماء ،أي ارتفع. وقال مجاهد : استوى : علا على العرش .فتح الباري :[ج13/ص414].
وذكر ابن القيم رحمه الله في النونية [1/233 ] شرح خليل هراس ، أنه ورد عن السلف في ذلك أربعة معاني:
1 – علا 2 – واستقر .
3 – وارتفع . 4 – وصعد .
هذا هو الذي يعلم من معنى الاستواء في لغة العرب ، وأما الكيفية فلا أحد يعلم بذلك إلا الله وهذا هو الذي عليه السلف الصالح رحمهم الله تعالى ، في هذه الصفة وفي غيرها من الصفات إمرارها كما جاءت بفهم المعنى من غير وصف للكيفية .
كما قال السفاريني رحمه الله في عقيدته :
سبحانه قد استوى كما ورد من غير كيف قد تعالى أن يحد
وقد تواتر القول عن علماء السلف الصالح رحمهم الله في القول بهذه الصفة والإيمان بها على الحقيقة ؛ وبغيرها من الصفات دون الكلام على كيفيتها .
قال علي بن الحسن بن شقيق : قلت لابن المبارك : كيف نعرف ربنا ؟ قال : على السماء السابعة على عرشه ، بائن من خلقه . رواه الدارمي في الرد على الجهمية [ص41-42] وعبد الله بن أحمد في السنة [1/307].
وقال الشافعي:إن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف يشاء وينزل إلى السماء الدنيا كيف يشاء .ذكره الذهبي في كتابه العلو [ص120]وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية [165].
وقال عبد الله بن أحمد : قيل لأبي :ربنا تبارك وتعالى – فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه ، وقدرته وعلمه بكل مكان ؟ قال : نعم . شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي [3/401-402]واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم [ص200].
وقال الأوزاعي :كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله فوق عرشه ، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته . رواه البيهقي في الأسماء والصفات [ص515]والحافظ في الفتح [ج13/ص417] وقال أخرجه البيهقي بسند جيد .
أما الإمام مالك رحمه الله تعالى فقد اشتهر وتواتر عنه المقالة المشهورة في إثبات الاستواء لله عز وجل، وتلك المقولة تعتبر قاعدة جليلة في الإيمان بالصفات عموما والاستواء على وجه الخصوص . وقد نقلها غير واحد.
قال سحنون :أخبرني بعض أصحاب مالك أنه كان قاعدا عند مالك فأتاه رجل فقال : يا أبا عبد الله مسألة : فسكت عنه ، ثم قال له : مسألة ؛ فسكت عنه ، ثم عاد فرفع إليه مالك رأسه كالمجيب له، فقال له السائل: يا أبا عبد الله ، ﴿ الرحمن على العرش استوى﴾ فكيف كان استواؤه ؟ قال: فطأطأ مالك رأسه ساعة ثم رفعه فقال: سألت عن غير مجهول ، وتكلمت في غير معقول ، ولا أراك إلا امرأ سوء أخرجوه .[البيان والتحصيل 16/367-368].
وقال جعفر بن ميمون: سئل مالك بن أنس عن قوله تعالى:﴿ الرحمن على العرش استوى﴾ كيف استوى ؟قال: الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وما أراك إلا ضالا ، وأمر به أن يخرج من مجلسه .[عقيدة السلف للصابوني : ص17]وذكره في العتبية كما في البيان والتحصيل [11/ 367-368 ].
وقال عبدالله بن نافع : قيل لمالك : ﴿ الرحمن على العرش استوى﴾ كيف استوى ؟ فقال رحمه الله : استواؤه معقول ، وكيفيته مجهولة ، وسؤالك عن هذا بدعة وأراك رجل سوء. التمهيد لابن عبد البر : [ج7/151].
وقد أورد هذه المقولة عن مالك كل من جعفر بن عبد الله، رواها عنه الصابوني في عقيدة السلف [ص17/19]وأبو نعيم في الحلية [ج6/326 ]وذكره ابن أبي زيد القيرواني في الجامع [ ص123] والدارمي في الرد على الجمهية [ص55-56] وذكره ابن قدامة في إثبات صفة العلو [ص172/ رقم 88].
الصفحة [5]
وعبد الله بن وهب ، أخرجها البيهقي في الأسماء والصفات [ج2/150] وعنه الذهبي في كتابه العلو وقال إسنادها صحيح [ص103] وكذلك أوردها الحافظ ابن حجر في فتح الباري [ج13 /417] وكذلك يحي بن يحي التميمي ، ذكرها عنه أبو بكر البيهقي في الأسماء والصفات [ج2/ 150-151] وابن عبد الهادي في إرشاد السالك [ص56] .
وكذلك نقلها مهدي بن جعفر ، ذكرها عنه ابن عبد البر في التمهيد [ج7/151]وسفيان بن عيينة ذكرها عنه القاضي عياض في ترتيب المدارك[ج2/ص39]والذهبي في السير[ج8/106-107] وجعفر بن ميمون ذكره عنه الصابوني في عقيدة السلف [ص17 رقم 24]وغير هؤلاء كثير ولو جئت لأحصي الذين نقلوا هذه القاعدة عن الإمام مالك بأسانيد صحيحة ثابتة لجمعت في ذلك مجلدا .وأن كل من رواها ذكرها على سبيل اعتقاد مذهب السلف .
ومقولة الإمام مالك روي نحوها عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكرها الحافظ ابن حجر في الفتج [ج13/414] عن اللالكائي في كتاب السنة من طريق الحسن البصري عن أمه عن أم سلمة أنها قالت :الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ، والإقرار به إيمان ، والجحود به كفر . وسكت عنها . إلا أن هذه الرواية لا تصح عنها؛ كما قاله الذهبي في كتابه العلو [ص65] وقبله شيخ الإسلام ابن تيمية قال: ليس إسنادها مما يعتمد عليه. الفتاوى [ج5/ص365].
وجاء عن ربيعة بن عبد الرحمن شيخ الإمام مالك نحوه، فقد سئل عن قوله تعالى ﴿ الرحمن على العرش استوى﴾ كيف استوى ؟ قال : الإستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، ومن الله الرسالة ، وعلى الرسول البلاغ ، وعلينا التصديق. أخرجه اللالكائي في شرح السنة [ج3/ 398/رقم 665] والبيهقي في الأسماء والصفات [ج2/150] والذهبي في العلو [ص98].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ومثل هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك .الفتاوى [ج5/365] . وقال في الفتوى الحموية : روى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن عيينة قال: سئل ربيعة فذكر نحوه ..[ص24] قال ابن قدامة في ذم التأويل بعد ذكره لقول أم سلمة وربيعة ومالك : وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى واللفظ ، فمن المحتمل أن يكون ربيعة ومالك بلغهما قول أم سلمة فاقتديا بها فقالا مثل قولها لصحته وحسنه وكونه قول أحد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأقتديا بها ، ومن المحتمل أن يكون الله تعالى وفقهما للصواب وألهمهما من القول السديد ما ألهمها [ص26]. ولمزيد من الفائدة في مسألة العلو وما ورد فيها من آثار السلف أنظر كتاب العلو للعلي العظيم للحافظ الذهبي .فإنه مفيد .
الصفحة [6]
فأقول له: هذه أقوال سلفنا الصالح بأن الاستواء معناه العلو والارتفاع ،وأزيدك هنا بعضا منها قال ابن بطال وهو من علماء المالكية كما في الفتج [ج13/ص417] وأما تفسير استوى بمعنى علا فهو صحيح وهو المذهب الحق . وأن الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ، وفي بعض الروايات : الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة أي السؤال عن الكيفية . كما مر في قول مالك وشيخه ربيعة .
وأخرج البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي قال: كان سفيان الثوري وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك بن عبد الله وأبو عوانة لا يحددون ولا يشبهون ، ويروون هذه الأحاديث ولا يقولون كيف . قال : أبو داود وهو قولنا . قال البيهقي وعلى هذا مضى أكابرنا . فتح الباري للحافظ ابن حجر [ج13/418].
ومن طريق الوليد بن مسلم قال سألت الأوزاعي ومالكا والثوري والليث بن سعد عن الأحاديث التي فيها الصفة فقالوا أمروها كما جاءت بلا كيف . الفتح [ج13/ ص418] . قال ابن حجر بعد ما نقل عن غير واحد من أهل العلم قولهم أمروهم كما جاءت بلا كيف : وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة. الفتح : [ج 13/418].
وقال ابن عبد البر وهو يشدد النكير على أهل الكلام : الذي أقول : إنه من نظر إلى إسلام أبي بكر وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وطلحة ، وسعد ، وعبد الرحمن ، وسائر المهاجرين والأنصار ، وجميع الوفود الذين دخلوا في الإسلام أفواجا ، علم أن الله عز وجل لم يعرفه واحد منهم إلا بتصديق النبيين بأعلام النبوة ودلائل الرسالة ، لا من قبل حركة ، ولا من باب الكل والبعض ، ولا من باب كان ويكون ، ولو كان النظر في الحركة والسكون واجبا ، وفي الجسم ونفيه والتشبيه ونفيه لازما ، ما أضاعوه ، ولو أضاعوا الواجب ما نطق القرآن بتزكيتهم وتقديمهم ، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم ، ولو كان ذلك من عملهم مشهورا أو من أخلاقهم معروفا ، لاستفاض عنهم ولشهروا به كما شهروا بالقرآن والروايات ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :<< ينزل ربنا إلى السماء الدنيا >> عندهم مثل قوله عز وجل : ﴿ فلما تجلى ربه للجبل ﴾ [ الأعراف :143].
الصفحة [7]
ومثل قوله : ﴿ وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ [الفجر :22]ومثل قوله : ﴿ الرحمن على العرش استوى﴾في سبع مواضع من القرآن الكريم كلهم يقول : ينزل ويتجلى ويجيء ، ويستوي ، بلا كيف ، لا يقولون كيف يستوي ؟ وكيف يجيء ؟ وكيف ينزل؟ ولا من أين جاء ؟ ولا من أين تجلى ؟ ولا من أين ينزل ؟ لأنه ليس كشيء من خلقه ، وتعالى عن الأشياء ، ولا شريك له .
قلت : أرأيت قولهم أيها الدعي الأفاك أمروها بلا كيف ، ولم يقولوا نترك معناها لله تعالى لأن ذلك معلوم عند العرب في معهود خطاباتها .فهؤلاء كلهم عندك حشوية ،من رذالة الأمة عاملك الله بما تستحق .
وأما تأويلك استوى بمعنى استولى فهو باطل من عدة وجوه :
1 – أنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف، فظاهراللفظ﴿ الرحمن على العرشاستوى﴾ فلا يوجد استولى في أي موضع من المواضع التي ورد فيها الاستواء .معنى الإستلاء.
والسلف مجمعون على أن استوى معنى علا .ولعل قائل يقول : ما الذي أعلمكم بأنهم مجمعون ؟ نقول له : لأن هذا هو معنى استوى على الشيء في اللغة العربية ، والسلف لغتهم عربية ، وقد بيّنا قول كبار علماء العربية بأن استولى لم ترد بها اللغة ، ولو كان مراد الله في الآية سوى ما تقتضيه لغتهم لبينوه غاية البيان ،لأنهم فهموا مراد الله من لغتهم التي خاطبهم بها؛ فلما لم يأت عنهم ما يخالف مقتضى اللغة العربية بهذه الكلمة علم أنهم يقولون فيها بمقتضى لغتهم ، وذلك يعد إجماعا منهم على أن استوى بمعنى علا على العرش واستقر .
2 – أننا إذا قلنا : استوى بمعنى استولى ، لصح أن يقال : إنه استوى على الأرض وعلى الشمس وعلى السماء وما أشبه ذلك مما هو ملك لله ، ولا يمكن أن يقول به قائل ، لا يمكن أن تقول : إن الله استوى على الشمس وعل السماء وعلى الأرض وما أشبه ذلك .
3 – أن نقول : من أين لكم في العربية أن استوى تأتي بمعنى استولى ، والقرآن نزل بلسان عربي مبين ؟وهاتوا موضعا واحدا من السبعة المواضع ، ذكر الله فيه أنه استولى على العرش ، فإذا قالوا :عندنا دليل ، وهو قول القائل :
قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق .
ومعنى استوى بشر على العراق : يعني استولى على العراق .
فالجواب عن ذلك من وجوه :
أولا – أن هذا البيت قائله كجهول،ولا يمكن أن يستدل على شيء من العقيدة المتعلقةبالله ببيت شعر مجهول قائله،ولا يعرف أنه من الشعر العربي ، فالاحتجاج به مردود من الأصل. انظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية :[5/146] ومختصر الصواعق المرسلة ابن القيم [2/359]
ثانيا : أنتم لا تأخذون بأحاديث الآحاد في العقيدة ، فكيف صاغ لكم أن تأخذوا ببيت من الشعر مجهول صاحبه ، ولا يعرف إسناده ، وصفة الاستواء من مسائل العقيدة ؟
ثالثا : نقول : فرضا لو ثبت أن قائله من العرب العرباء الذين لم تغيرهم اللكنة ولا العجمة ، فإن المانع من جعل الاستواء هنا بمعنى العلو ؛ قرينة ظاهرة وهو أن بشرا لم يكن يرتفع على العراق حتى يكون العراق تحته كالكرسي ، فيكون لدينا قرينة تمنع من إرادة العلو ، ولم توجد هذه القرينة في قوله تعالى : ﴿ الرحمن على العرش استوى﴾. مختصر الصواعق المرسلة [ج2/359].
رابعا : يمكن أن نجعل استوى بمعنى علا، فنقول: قد علا بشر على العراق، لكنه علو معنوي كقوله تعالى : ﴿ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وانتم الأعلون﴾[ محمد : 35] أي علو معنوي ، هذا إن صح أن قائل هذا البيت من العرب العرباء ، مع أنه لم يصح لا سندا ولا متنا ، فبطل الاستدلال بهذا البيت على أن استوى بمعنى استولى والحمد لله رب العالمين .
يتبع إن شاء الله ...