ابن التلاميد السنقيطي -قتيلُ المُخَصَّص-
01-12-2017, 01:53 PM
شذرات من أخبار ابن التلاميد التركزي الشنقيطي
محمد صالح الولاتي


الشذرة الأولى :
جاء في "وحي الرسالة" (ص248-1963م )ضمن مقال للأستاذ أحمد حسن الزيات ما يلي:

((كنت في مولد هذا القرن غلاما ناشئا أهوى الأدب وأحفظ الشعر وأعالج القريض. وكان مجلسي المختار يقع في الركن الغربي من الرواق العباسي بالأزهر في رفقة من الطلاب كانوا كأنجم الثريا لا يفترقون لا في الدروس ولا في المذاكرة ولا في الرياضة...
وكان حديثنا وحديث المتأدبين يدور على ما تتناقله الأصوات وتتداوله الصحف من الجدال المضطرم الحاد بين الحافظ الحجة الشيح محمد محمود الشنقيطي وخصومه من علماء الأزهر وأدباء العصر.
وقد كان الشيخ قد هاجر منذ قريب من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قاهرة المعز فوجد من الإمام محمد عبده لقاء جميلا وعطفا كريما فأجرى عليه رزقا من الأوقاف ووكل إليه إصدار الأمهات العربية الكبرى. فنشر المخصص وحرر القاموس وأملى الأراجيز.
وإلى ذلك يشير في رثائه لنفسه من قصيدته الميمية المطولة:


تذكرتُ من يبكي عليَّ فلم أجِـدْ==سوى كتب تختان بعديَّ أو علمــي
وغير الفتى المفتي محمدُ عبـــدُهُ==صديقي الصدوق الصادق القول والكلم
فعُصْمُ العلوم كنتُ أنزلها لَـــهُ==إذا اعتامتْ أرواها على كل ذي فهْـمِ
مخصصها المطبوع يشهد مفصحـا==بحفظي عند الحذف والبتر والخــرم
بذا شهد المفتي وأصحاب طبعـه==ولا يكتمون الحق كتمان من يكمـي
وقاموسها المشهور يشهد بالضحي==بذاك وفي بيض الليالي وفي الدهــم

وكان الأزهر قد درج طويلا على إغفال اللغة والأدب من مناهجه حتى أدخلها الأستاذ الإمام في الدراسة الحرة وجعل دراسة اللغة للشيخ الشنقيطي ودراسة الأدب للشيخ المرصفي.
وكان ابن التلاميد آية من آيات الله في حفظ اللغة والحديث والشعر والأخبار والأمثال والأنساب لا يند عن ذهنه من كل أولئك نص ولا سند ولا رواية.
وكان شرس الطبع حاد البادرة قوي العارضة يجادل عن نفسه بالجواب الحاضر والدليل المفحم واللسان السليط.
كان لا ينفك يتحدى رجال اللغة بالمسائل الدقيقة والنوادر الغريبة مستعينا جهلهم بعلمه وعلى نسيانهم بحفظه حتى هابوا جانبه وكرهوا لقاءه…
ترامى إلينا ونحن بالرواق ذات ليلة أن الشيخ الشنقيطي قد نشر كتابا سماه "الحماسة السنية الكاملة المزية في الرحلة العلمية الشنقيطية التركزية" صدرها بمطولة في خمسة ومائتي بيت من بحر الطويل وقافية الميم مطلعها:

ألا طرقتْ ميٌّ فتًى مطلعَ النجـمِ==غريبا عن الأوطان في أمم العجم

روى فيها حديث سفره إلى استوكهولم عاصمة السويد استجابة لدعوة ملكها أوسكار الثاني ليشهد مؤتمر المستشرقين الثامن الذي اجتمع بها في سنة 1306هـ. فوصف الرحلة ومدح الداعيَ وذكر جملة من تحقيقاته ثم ختمها برثاء نفسه وسرد أسماء أشهر القبائل العربية جريا على المنهج الذي اقترحه عليه سفير السويد بمصر...
كان الشيخ لا يبيع هذا الكتاب وإنما يهديه إلى من يحسن القراءة فيه من طلاب العلم. وكنت في ذلك الحين هش العود لا أظنني أثبت على عجمه فتفاديت ذلك الحرج بنظم قصيدة في مدحه متوكلا على الله وذهبت إليه...
لم أكن رأيت الشيخ من قبل كان شخصا ينصر –كما يقولون- في صرة هيكل ضئيل وبدن نحيل ووجه ضامر ولون أخضر وصوت خفيض. فمن يراه لأول مرة لا يصدق أن هذا الجرم الصغير قد جاب البر والبحر وطاف الشرق والغرب وكافح الأنداد والخصوم ووعى صدره الضيق معاجم اللغة وصحاح السنة ودواوين الشعراء وعلوم الأدب.
وكان يلبس قفطانا أبيض من القطن ويرتدي جبة دكناء من الصوف ويغتم بعمامة مكية قد أرخى لها عذبة على ظهره...
ثم أخرجت القصيدة من جيبي وأخذت أتلوها في رجفة خفية وهيبة ظاهرة والشيخ يستمع ولا تظهر على مخايل وجهه البرونزي ما ينم عن استحسانه أو استهجانه حتى بلغت قولي:


دفعتَ دِرَفْسَ الدين بالعلم والتقــــى==وصنت لسان العرب بالحفظ والفهـــم

فقال: ما الدرفس؟ قلت: الراية. فقال: أتحفظ شاهدا عليها؟ قلت: نعم. قول البحتري:

والمنايا مواثل وأنوشــــــرْ==وانَ يزجي الصفوف تحت الدرفـــس

فقال: أحسنت بارك الله فيك.
وانتهت التلاوة والزيارة بأخذ النسخة. ثم لزمته بعد ذلك إلى أن فارقنا إلى لقاء ربه. لزمته أنا وأربعة أو خمسة من الرفاق فكنا نصلي معه الجمعة من كل أسبوع ثم نجلس أمامه بالجانب الأيمن من المنبر فنقرأ عليه ساعة أو بعض الساعة ثم ينصرف إلى داره.
قرأنا عليه كتابه الحماسة ثم ديوان المعلقات وكانت طريقته في التلقين أن يُعنَى بدقة الضبط وصحة الرواية. ولا يشرح لفظا ولا يفسر معنى إلا إذا سألناه...
رحم الله الشيخ... على ما قدم للغة القرآن وفقه السنة وعلم العربية من حسن القول وإخلاص العمل وصدق الخبر)).

وَفِي الأَرْضِ مَنْأَى لِلكَرِيِم عَنِ الأَذَى*** وَفِيهَا لِمَـن خَافَ القِلَى مُتَعَزَّلُ.