رد: ابن التلاميد السنقيطي -قتيلُ المُخَصَّص-
25-12-2017, 10:52 PM

مشاكسات ابن التَّلاميد: مجمع الأدَب ومنبع الشَّغَب


خالد حمودة (مع تصرف يسير)


الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّه ومصطفاه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإنَّ في أعلام الأمَّة مُعْتَبَرا، وفي أخبارهم ـ لمن وعى ـ مدَّكرا.
تنظر في أحوالهم فيَبِينُ لك أسبابُ رِفعة من ارتفع، ومزالقُ بها اتَّضع من اتَّضع، ومراتع وقع فيها من وقع، فمن تأمَّل ذلك تبصَّر به وانتفع.

***

محمَّد محمود ابن التَّلاميد شنقيطيٌّ من قبيلة «تُرْكُز»، رحل إلى المشرق فدخل مكَّة وهو قريبٌ من الأربعين، وتردَّد بينها وبين المدينة، إلى أن أخرجه أهل المدينة، فانتقل إلى مصر واستقرَّ بها إلى أن مات رحمه الله.
له أحوال في أهل العلم غريبة، وسيرة في علماء الأدب عجيبة، و في سيرته مواطن للذِّكرى والاتِّعاظ، ومواقف لاستنهاض الهمم والإيقاظ.

فهو رجلٌ تأبى عليه سيرته إلا أن يُقرنَ أَدَبُه بشغبه، وحفظُه بلفْظِهِ، ورفعُه بخفضِه.
وذلك لأنَّه اعتركت فيه أسباب الإجلال ودوافع الإهمال.

وإنِّي لا أريد أن أسرد حياته أو أتقصَّى ترجمته، لكن أردت أن أنبِّه إلى مغزى أذكره آخر المقالة، بعد الوقوف على مرتبته في الأدب ومرقبته في الشَّغب.

مرتبته في العلم والأدب

بلغ ابن التَّلاميد في علم العربيَّة والأنساب مرتبة عالية، وشأوًا بعيدا، ولذا حلَّاه الزِّركلي في «الأعلام» بقوله: «علامة عصره في اللُّغة والأدب»، وقال البرقوقي ـ وهو ممَّن جالسه ودرس عليه، أخذ عنه المعلَّقات و«الكامل» للمبرِّد ـ: «كان رحمه الله نادرة الفلك في الحفظ والاستظهار، وكان آيةً في اللُّغة والحديث وعلم الأنساب».
وقد قيل: إنَّه ادَّعى أنَّه يحفظ «القاموس»، فاختبر في ذلك فوُجِدَ كما قال.
ومن دلائل تبحُّره أنَّ أسكار الثَّاني مِلِكُ السُّويد لما أزمع عقد مؤتمر علمي لعلوم اللُّغة العربيَّة أرسل إلى السلطان عبد الحميد أن يرسل إليه ابن التَّلاميد، ولمَّا لم يتمَّ ذلك بسبب شروط اشترطها ابن التَّلاميد لقي سفير أسكار فطلب منه هذا أن يكتب قصيدة على طريقة العرب العرباء يذكر فيها أشياء سمَّاها له، فكتب قصيدته الفريدة الَّتي كاد أن يدَّعي فيها الإعجاز، وسمَّاها «حظ الجَدِّ من المِبْنَاه» وهو مَثَلٌ مشهور، تُطلبُ قصَّته من كتب الأمثال.
وله في هذه الميميَّة فرائد، فقد ذكر فيها مشهور قبائل العرب، وسمَّى مرتِّبًا أعلام النَّحو من سيبويه عمرو بن عثمان إلى حرمة الرَّحمن، وممَّا اتفق له من شريف المعاني ـ ولعلَّه لم يُسبَق إليه ـ قوله:
أنا المغربـي المشرقـيُّ حميَّــــة // أذبُّ عن القطرين بالسَّيف والسَّهمِ
بسيف لسانٍ يَفْلِقُ الصَّخر غَرْبُهُ // وسهم بيانٍ صَائبٍ ثُغرةَ المرمِي
فهو له نسبتان: مغربي المولد، مشرقِيُّ الحميَّة، فلذلك هو يذبُّ عن القُطرين كليهما، وَلاؤه للمغرب الإسلاميِّ بحكم الأصل، وولاؤه للمشرق لأنَّه منبع الرِّسالة، وعقر دار الإسلام.
وممَّا يشهد لعلمه وحفظه ونبوغه عملُه في تصحيح «المخصّص» لابن سِيدَه، وقد افتخر بذلك في ميميَّته فقال:


مخصِّصُها المطبوع يشهد مفصِحًا // بما حاز من ضبطي الصَّحيح ومن رَمِّي

وله رحمه الله يدٌ على العلم وأهله مشكورة، في جمع الكتب وتصحيحها، فكم من الكتب الَّتي طُبعت على نُسَخٍ بخطِّه أو بتصحيحه، أو هو من أوقف أصولها، وفي ذلك يقول:
أنا الَّذي لا أزال الدَّهر ذا طرب ... سرًّا وجهرًا لتسياري ومضطربي
لضبط علم وكُتبٍ أبتغي بهما ... وجه الإله وفوزي بعد منقلبي
أنا الَّذي لا أزال الدَّهر ذا شغف ... بنقدي الكتب أبدي خافي الكذبِ
أنا الَّذي لا أزال الدَّهر ذا فرحٍ ... بما أنميه من علمي ومن كتبي
تجول بي همَّتي في الأرض مجتهدًا ... في جمعها من بلاد العجم والعربِ
تسرُّني غربتي في النَّاس منفردًا ... لكسبها لا لكسب المال والنَّشبِ
وما سُررت بشيء قد ظفرت به ... مسرَّتي بكتاب نلتُه عربِـي
ألهـو بـه طول ليلي والنَّهارَ معًا ... مجـانبًا لـهو خـود عذبةِ الشَّنَبِ

وقد رأيت صاحب «قطف العناقيد» عمل مسردًا لما صحَّحه أو وُجد بخطِّه من الكتب.

ومن لطيف خبره مع الكتب أنَّ السُّلطان عبد الحميد بعثه إلى (إسبانيا) للبحث عمَّا فيها من كُتب الأندلسيِّين، فشرط ابن التَّلاميد لذلك شروطًا، منها مكافأة عند رجوعه، فذهب وكَتَب أسماء الكتب النَّادرة فلمَّا رجع فبعث إليه السلطان بأن يُقَدِّم الأوراق الَّتي عنده، فأبى أن يقدِّمها إلَّا بعد أَخْذِ أتعابه، فبعث إليه السُّلطان بأنَّ مكافأته ستأتيه، فامتنع، فردَّ عليه السُّلطان بأن لا حاجة له في الأوراق، فبقي دفتره عنده، قال صاحب «الوسيط»: «فضاع سفره بغير فائدة».
وقد قيل: إنَّ هذا الدَّفتر موجودٌ في دار الكتب الوطنيَّة بتونس، فالله أعلم.

مرتبته في التَّشويش والشَّغب


حمله علمه الواسع وطبعه الحادُّ على انتقاد علماء زمانه، فقلَّ أحدٌ منهم اختلط معه أو التقى به إلَّا نابذه وتندَّر به، أو جهَّله وتنقصَّه، وتفرَّد بغرائب، وذبَّ عنها نثرًا ونظمًا وتعصَّب، حتى صار يضرب به المثل في الشُّذوذ الإغراب، فألَّف بعض علماء مكَّة نظمًا في بعض العلوم قال فيه:
وصنتُه جهدي عن التَّخليطِ // فلم يكن كَثُعَل الشَّنقيطي
* وكانت مسألة «ثُعل» هذه من أوَّل ما عرف به ابن التَّلاميد من المسائل، كان يذهب إلى أنَّها مصروفة، ووقع بينه وبين أحمد زيني دحلان الصُّوفي الرَّافضي محاورةٌ في ذلك في مكَّة.

* وممَّا ذُكر من تشغيبه أنَّه كان يجلس إلى بعض شارحي البخاري في مكَّة المكرَّمة فيقعد حيث يسمع هو المدرِّس ولا يراه، فإذا قال شيئًا يراه ابن التَّلاميد خطأ صاح به: أخطأت، فيغضب ذلك المدرِّس ويقوم من المجلس.

* ولمَّا وفد عاكش اليمني على الشَّريف عبد الله بمكَّة ومعه شرحٌ على لاميَّة الشَّنفرى، طلب الأمير عبد الله من ابن التَّلاميد أن يردَّ عليه، فردَّ عليه بكتاب «إحقاق الحقِّ وتبريئ العرب»، جهَّله فيه وسفهَّه، وتاهَ بعلمٍ جَمٍّ واطِّلاع واسعٍ، والكتاب مطبوعٌ، وقد وقع بين يديَّ فلم أشتَرِهِ فواندماه!!

* ووقع بينه وبين شيخ المالكيَّة في زمنه الأستاذ سليم البشري وقعةٌ مشهورةٌ، تدلُّ على طريقته في مجالس العلم، وذلك أنَّه لما قدم إلى القاهرة ونزل على توفيق البكري نقيب الأشراف، وكان يوم عيد فجاء إلى البكري جماعة من العلماء يعيِّدون عليه، وفيهم الشيخ سليم البشري شيخ الجامع الأزهر إذ ذاك والشَّيخ عبد القادر الرَّافعي، فلمَّا اطمأنَّ بهم المجلس أراد الشَّيخ الرَّافعي أن يداعبه أو يحرِّش بينه وبين الشَّيخ سليم، وكان يعرفه من قبل، فقال: لقد تنصَّرت بعدنا يا مولانا إذ تلبس الخف الأسود ـ وكان النَّصارى مشهورين بلبس الخفِّ الأسود ـ، فقال الشَّيخ البِشري: «أُجمع على كراهة لبس الخفِّ الأسود»، فقال الشِّنقيطي: «ثبت في الصَّحيح أنَّ النَّجاشيَّ أهدى إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خفَّين ومسح عليهما، فما لونهما؟ فقال البشري: لا أدري، فقال الشِّنقيطي: عجباً لك!! تدَّعي الإجماع ثمَّ تقول: لا أدري!! فسكت الجمع، ثمَّ قال بعضُ من كان في المجلس للشِّنقيطي: أفدنا إذن يا مولانا عن لون الخفَّين المذكورين، فقال له: «سأُعَلِّمُهُ للعوامِّ فتلقَّوه من هناك».
وانفض المجلس على ذلك، ثمَّ أراهم الشَّيخ الشِّنقيطي بعد ذلك كتاب «الشَّمائل»، وأنَّ الخفَّين كانا أسودين، فلمَّا بلغ ذلك الشَّيخ البشري قال: إنَّ في رواته ضعيفين فهو غير مقبول ووضع في ذلك رسالة، فلمَّا اتَّصل ذلك بالشِّنقيطي قال ما معناه: إنَّ الضعيف لا يُرَدُّ إلَّا بما هو أصحُّ منه، والشَّيخ البشري أضعف منهما!!

* ووقع بينه وبين عبد الجليل برَّادة، ومن عجب أن هذا كان آخر من يصافي ابن التَّلاميد ويصبر عليه ولم يبق بالمدينة أحد ينسب إلى العلم إلَّا وبينه وبينه معاداة وبغضاء تامَّة إلَّا هذا الرَّجل، فأبت عليه أخلاقه إلَّا أن يقلبه عليه، وذلك أنَّه دخل مجمعًا من شانئيه هو فيهم فلم يقم له أحدٌ حتَّى عبد الجليل هذا فقال: «بال حمار فاستبال أحمرة» فانقلب عليه، وهجاه بهجاء لاذعٍ، من عاليه ـ ولا علوَّ فيه ـ قولُه:
متى تسألوا شِنقيط عن شرّ أهلِها ... تُجِبْكُم بأعلا الصَّوْتِ: «تُرْكُز تُرْكُزُ»
فتركُزُ في شنقيط شرُّ قبيلةٍ ... لدائرَةِ اللُّؤمِ المحيطةِ مركزُ

وقد تهاجيا بقصائد كثيرة، وتفنَّن كل منهما في هجاء صاحبه، وقد وصف الزِّركلي الحال في ترجمة برَّادة فقال: «لمَّا نزل الشَّيخ محمَّد محمود التُّركزي الشِّنقيطي في الحجاز، كان صديقًا لعبد الجليل، ثمَّ فسد ما بينهما، فتهاجيا بقصائد كانت حديث النَّاس».

* وليس عبد الجليل آخر من نابذه ابن التَّلاميد من أهل ودِّه، فإنَّه كما تقدَّم لما أُخرج من المدينة نزل على توفيق البكري فأكرمه وسعى له في وظيفة وراتب، فلما طبع كتاب أراجيز العرب باسم توفيق البكري نازعه فيه ابن التَّلاميد وارتفعا إلى القضاء! فوقعت بينهما نفرة بسبب ذلك.

* ووقع بينه وبين أحمد البرزنجي منافرة ومهاجاة كثيرة بسبب أنَّ البرزنجي كان يخطِّئُ مالكًا في عبارة ذكرها في «الموطأ»، والبرزنجي هذا هو الَّذي قال فيه الإبراهيمي في «آثاره»: «حضرت طائفةً من دروسه في «صحيح البخاري» على قلَّتها وتقطُّعها، وأشهد أنِّي كنت أسمع منه علمًا وتحقيقًا».
لكن ابن التَّلاميد كان يُجهِّلُه ويطعن في نسبه، ويسمِّيه أحمر برزنج، تشبيهًا له بأحمر ثمود، والعبارة المذكورة هي قول مالكٍ: «إن لم يجد إلَّا هي»، ألَّف البرزنجي في توجيه إعرابها رسالةً سمَّاها «إصابة الدَّاهي شاكلة إعراب إن لم يجد إلَّا هي»، طبعت بالمطبعة الحميدية سنة (1316)، وعوَّل على أنَّ «يجد» يقتضي مفعولين، فما بعد «إلَّا» محلُّه النَّصب، فلهذا الصَّواب عنده أن يُقال: «إن لم يجد إلَّا إياها»، والحقُّ في هذه المسألة مع ابن التَّلاميد، وأنَّ «يجد» في كلام مالكٍ رحمه الله فعلٌ لازم معناه «يغنى»، كما في نظائره في القرآن، من نحو قوله تعالى: «فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام»، ولكنَّ ابن التَّلاميد أقذع في الإنكار على البرزنجي.
وانعكست قضيَّة النَّقد والدِّفاع في أبي الفضل عياضٍ، وذلك أنَّ ابن التَّلاميد خطَّأ القاضي عياضًا في مسألة «فابن لبون ذكر»، زعم عياضٌ أنَّ «ذكر» ليست تأكيدًا مجرَّدًا، بل لها معنى زائد، وخطأَّه ابن التَّلاميد، فانتصب البرزنجي للانتصار للقاضي عياض، وفي ذلك يقول عبد الجليل برَّادة:
ظنَّ منْ حُمْقـهِ بأنَّ عياضاً ... عاكـشٌ، خـاب ظنُّهُ والـرَّجاءُ

هذه منافراته.

وأمَّا غرائبه، فأغربها مسألة عمر، فيدَّعي أنَّه غير ممنوعٌ من الصَّرف، وأنَّ العلماء منذ اثني قرنًا من الزَّمان أخطأوا في ذلك وافتروا على العرب، وزعم أنَّ عنده مائةٍ شاهدٍ على صرفه لم يقف عليها النُّحاة، وأنَّه ألَّف في ذلك كتابًا، وبالغ حتَّى قال:
وما لهم غيرَ الضَّرورة حُجَّةٌ // وتقليدُ مَيْتٍ مخطئ والهوى المُعْمِي
ولو كان ذاك الميْتُ حيًّا وجاءني // لتاب وخصَّ الرِّجل منِّيَ باللَّثْمِ

وقد ردَّ عليه جماعة، منهم أحمد بن الأمين الشِّنقيطي صاحب «الوسيط»، فقد نقض مباني قوله لمَّا ترجم له في «الوسيط»، وأفرد لذلك رسالة سماها «الدُّرر في صرف عمر»، استفتحها استفتاحًا لطيفًا قال فيه (ص: 2): «اعلم أنَّه حدثت مسألة كثر فيها الكلام وتشتت الأفهام في القرن الرَّابع عشر، وهي خلاف حصل بين سيبويه النَّحوي البصري والشَّيخ محمد محمود بن التَّلاميد التُّركزي الشَّنقيطي، في عمر الَّذي على وزن فُعَل...» وساق الرِّسالة.

وهو ـ أعني ابن التَّلاميد ـ مع شَغَبِهِ صاحبُ فخرٍ وإدلاءٍ، توقيعه في كتبه ورسائله: «إمام العلم بالحرمين، وخادمه بالمشرقين والمغربين: محمد محمود بن التَّلاميد التُّركُزي».
وهو القائل في ميميته:
أنا القرشيُّ الأحمسيُّ حقيقةً // أنا المدنِـيْ المكيُّ والعالم الحِرْمِي
أنا ابنُ جَلَا المشهور شرقًا ومغربًا // طلَّاعُ نَجْدِ العلمِ في الوُجْدِ والعُدْمِ

وقد توفِّي رحمه الله عام (1322)، فقال بعضهم:
مات الإمام التُّركزِيُّ وانقضى // وبموته مات السِّبَابُ والشَّغَبْ

وأنصفُ منه لو قال:
مات الإمام التُّركزيُّ وانقضى // وبموته ماتت الآداب والشَّغَبْ


والمغزى ممَّا تقدَّم جميعه:
أنَّ زينة العالم تواضعه، وإنَّ التَّائه المعجَبَ منبوذٌ ولو كان أعلم النَّاس، فابن التَّلاميد لو كان ألين خُلُقًا وأقرب مودَّة لبلغ من النَّاس أعلى المنازل، فلما عَكَس انعكس، وكذلك غيرُه، هذا القاضي أبو بكر ابن كامل، كان رأسًا في العلم كاملًا ـ كاسمه ـ في أدواته، وصفه الصاحب ابن عبَّاد في «الرُّوزنامجة» وكان رآه لمَّا ورد بغداد فقال: «والقاضي أبو بكر بن كامل، بقيَّة الدُّنيا في علوم شتَّى، يعرف الفقه والشُّروط والحديث، وما ليس من حديثنا، ويتوسَّع في النَّحو توسُّعًا مستحسنًا وله في حفظ الشِّعر بضاعة واسعة، وفي جودة التَّصنيف قوَّة تامَّة».
ولهذا لمَّا اختُرم ابن جرير الطَّبري قبل إكمال كتابه «تهذيب الآثار» لم يتعرَّض أحدٌ لإتمامه لكونه سلك فيه طريقةً تقف دون الوفاء ببعضها أماني المحصِّلين، إلَّا ابن كاملٍ هذا شرع في إكماله، ومع هذا كلِّه كان فيه تيهٌ وعُجبٌ أهلكاه، وأخملاه، قال فيه الحافظ الذَّهبيُّ: «كان من بحور العلم، فأخمله العُجْب».

ومن فوائد هذه السِّيرة أنَّ المطارحة العلميَّة والمباحثة النَّقديَّة حُفظ بسببها كثيرٌ من دقيق العلم، وحرِّرت فيها نفائس المسائل، وتحصَّلت منها عزيز الفوائد، فلا يزهدنَّ طالبٌ في المباحثة ولا في قراءة كتب النَّقدِ.

وإنَّ ممَّا يستفاد من سيرة هذا الرَّجل أيضًا أنَّ العالم مهما كان كعبه في العلم عاليًا، فلا بدَّ من أن يكسوه من الأدب حُلِيًّا، حتَّى يكون عند النَّاس مقبولًا حَالِيًا.

وأنَّ العلم سلطانٌ لا يُعْزَلُ صاحبه ولو أجلبت عليه الرَّكائب، فإنَّه بُرْدٌ يستر المعائب، ويبلغ بصاحبه حيث لا تبلغ كرام النَّجائب.

وقد تصرَّمت المقالة، فرَفَعَ القلمُ سِنَّه، والحمد لله بكرةً وعشيَّة.
وَفِي الأَرْضِ مَنْأَى لِلكَرِيِم عَنِ الأَذَى*** وَفِيهَا لِمَـن خَافَ القِلَى مُتَعَزَّلُ.