المقالات العامة : التذكير بالأعمال الصالحة بعد انتهاء موسم الحج !
25-12-2008, 05:39 PM
فضيلة العلامة د. صالح بن فوزان الفوزان : الحمد لله رب العالمين ، يوالي على عباده مواسم الخير ، ويحثهم على اغتنامها بالطاعة ، ليكفر عنهم سيئاتهم ، ويرفع من درجاتهم ، تفضلاً منه وإحسانًا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، أول سابق إلى الخيرات ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذي لا تمر بهم فرصة للخير إلا شغلوها بالأعمال الصالحة ﴿ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُون . [ المؤمنون : 61 ] . أما بعد :
أيها الناس : اتقوا الله تعالى واغتنموا أعماركم بالأعمال الصالحة فإنها تنقضي سريعة ، واعلموا أنها تمر بكم أوقات الفضائل ومواسم الخيرات والنفحات فالسعيد من تنبه لها واستفاد منها ، والشقي من غفل عنها وضيع نفسه ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( الكيس من دان نفسه - يعني حاسبها - وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ) .
عباد الله : مضت أشهر الحج إلى بيت الله الحرام ، وطوى بمضيها صفحة من صفحات أعمارنا قد سجل فيها ما علمناه في تلك الأشهر من خير أو شر ، لقد مضت أشهر الحج بخيراتها وبركاتها فلنحاسب أنفسنا ماذا عملنا فيها ، فإن كان خيرًا حمدنا الله وسألناه القبول والزيادة من الخير ، وإن كان شرًا استغفرنا الله منه وأتبعناه بالحسنات التي تمحوه .
أجل لقد مضت أشهر الحج التي دعا الله عباده فيها لزيارة بيته العتيق : ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ ﴾ . [ الحج : 28 ] ، فأتوا من كل فج عميق ، لبيك اللهم لبيك : ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ . [ الحج : 29 ] ، فمن تقبله الله منهم رجع بحج مبرور : ( والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) . ( ومن أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ) .
لقد مضت تلك الأيام وأوقع المسلمون فيها الحج ، منهم المفترض ومنهم المتنفل ، ورجع المقبولون منهم مغفورة لهم خطاياهم كيوم ولدتهم أمهاتهم ، مضت تلك الأيام التي فيها عشر ذي الحجة التي قال فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر ، قالوا : يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله !؟ قال : ولا الجهاد في سبيل الله ، إلا رجلاً خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء ) . [ رواه البخاري ] .

وقد أقسم الله تعالى بها في كتابه الكريم حيث قال : ﴿ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ . [ الفجر : 2 ] ، وفي تلك العشر يوم عرفة الذي فيه الوقوف بعرفة : وهو ركن الحج الأعظم . قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( الحج عرفة ) ، ويوم عرفة : هو يوم العتق من النار ، وفي " صحيح مسلم " عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدًا من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة ) ، وفي تلك العشر يوم عيد الأضحى المبارك : الذي هو يوم الحج الأكبر ، لما انتهى يوم عرفة وأعتق الله عباده المؤمنين من النار اشترك المسلمون كلهم في العيد بعده يتقربون إليه بذبح الهدي والأضاحي ؛ فأهل الحج في ذلك اليوم يرمون الجمرة ويكملون مناسكهم ، وأهل الأمصار يجتمعون على ذكر الله وتكبيره والصلاة له ، ثم أعقب ذلك أيام التشريق : التي هي أيام أكل وشرب وذكر لله - عز وجل - وهي الأيام المعدودات التي قال الله تعالى فيها : ﴿ وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ﴾ . [ البقرة : 203 ] ، وهي ثلاث أيام بعد يوم النحر .
عباد الله : لقد انتهت تلك الأيام العظيمة والمواسم الجليلة بخيراتها وبركاتها فماذا استفدنا منها ؟ ولنحاسب أنفسنا ، فمن قدم خيرًا فليحمد الله ويواصل أعمال الخير ، ومن فرط في تلك الأيام وضيع تلك الفضائل فليستغفر الله ويحفظ بقية عمره ويصلح في مستقبله .
عباد الله : لقد شرع الله الاستغفار بعد انتهاء العبادات وانقضاء مواسم الخيرات ، فلنكثر من الاستغفار فإنه يجبر النقص ويسد الخلل ، ثم لنعلم أننا بعد أيام قليلة سنودع عامنا هذا ونستقبل عامًا جديدًا أوله شهر الله المحرم ، الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله ، الذي تدعونه المحرم ، وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل ) . [ رواه مسلم ] ، وهكذا لا ينتهي موسم من مواسم الخير إلا ويعقبه موسم آخر ، وهكذا فضل الله يتوالى على عباده .
عباد الله : لنتذكر بانتهاء الأيام والشهور انقضاء الأعمار ، والرحيل إلى دار القرار ، وأن الدنيا ليست بدار مقام ، وإنما هي ممر إلى الآخرة ، وسوق يتزود منه المسافر زاد سفره ، فتزودوا منها بالأعمال الصالحة ﴿ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ . [ البقرة : 197 ] ، فما عيبت الدنيا بأكثر من ذكر فنائها وتقلب أحوالها ، وهو أول دليل على انقضائها وزوالها ، فتتبدل صحتها بالسقم ، ووجودها بالعدم ، وشبيبتها بالهرم ، ونعيمها بالبؤس ، وحياتها بالموت ، وعمارتها بالخراب ، واجتماعها بفرقة الأحباب ، وكل ما فوق التراب تراب .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ . [ البقرة : 200 ] إلى قوله : ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ . [ البقرة : 202 ] .
بارك الله لي ولكم في القرآن .