•• المـؤرخ رابـح بـونـار .. شـهـيـد المـخـطـوطـات
12-09-2017, 09:11 PM
•• المـؤرخ رابـح بونـار .. شهـيد المخـطـوطـات






رابح بونار ( 1923- 1974 ) … اسم مقرون بالكتاب والمخطوط ، كان رابح بونار لا يجد المتعة إلا بين ثنايا الكتب، ولا يشعر بالراحة إلا عند إكمال مقال أو نشر كتاب، فسعادته محصورة في عالم الكتاب قراءة وتأليفا، فقد حرم نفسه من مباهج الحياة من أجل بعث وجمع التراث الثقافي الجزائري ، وقد حز في نفسه أن يبقى متناثرا في كم هائل من المصادر المغاربية والمشرقية، دون أن يلتفت إليه الدارسون في الكثير من المؤسسات العلمية العربية في عهده. كان رابح بونار مشروعا كبيرا للفكر والثقافة، لكن يد المنون اختطفته وهو في قمة العطاء الفكري. ورغم عمره القصير (51 سنة) فقد ملأه بجلائل الأعمال الفكرية، التي لا يحققها عادة إلا من رزقه الله بعمر مديد. ولعل المفارقة العجيبة في حياة هذا الرجل الفذ أن جعل الله الكتاب سببا لوفاته، حين أصيب بمرض السرطان أثناء إشرافه على فهرسة مخطوطات المكتبة الوطنية. وهذه نبذة عن حياته ، وأعماله الفكرية التي صنعت له عمرا ثان لا يدركه الفناء.
المولد والنشأة
ولد رابح بونار في قرية أرجاونه قرب مدينة تيزي وزو، يوم 25 أفريل سنة 1923، لكنه لم يلبث أن فقد والده في الرابعة من عمره، فكفله جده لأمه بمعية أخواله بقرية أولاد وارث بسيدي نعمان(ذراع بن خدة)، وغمره أخواله بالحنان والرعاية اللازمة. وبعد أن تتلمذ على كتاب القرية أرسله جده إلى عدد من زوايا بلاد القبائل كزاوية الشيخ الطيب بثيزغوين( قرب دلس)، وزاوية الشيخ الشريف بقرية ثيمليلين
( قرب مدينة ثيقزيرت)، ثم قصد زاوية سيدي أعمر واشريف بيسّر حيث أكمل حفظ القرآن، وتلقى مبادئ العربية والشريعة الإسلامية.
وعلى غير عادة طلبة بلاد الزواوة الذين كانوا يقصدون قسنطينة للدراسة في معهد بن باديس، سافر رابح بونار إلى مدينة تبسة، فتتلمذ على يد الشيخ العربي التبسي، ولما لاحظ الأستاذ آثار النجابة على تلميذه كلفه بالتدريس بمدينة الكويف وعمره آنذاك (19) سنة.
انتسابه إلى جامـع الزيتونة
كان رابح بونار من طينة أهل الطموح الذين يستلذون ركوب الصعاب من أجل إكمال الدراسة، اقتداء بفطاحل العلماء الذين تغربوا طلبا للعلم، ورغم العوائق الكأداء التي كانت تكتنف سفريات طلب العلم، فإنها لم تثبط عزيمته، فسافر إلى تونس سنة 1941م، والتحق بجامع الزيتونة حيث تحصل على شهادة الأهلية بعد جهد جهيد سنة 1944م، وقفل راجعا اثر ذلك إلى قرية أخواله( أولاد وارث)، فعيّن مدرسا وإماما بمسجدها، وادخل إصلاحات تربوية على وظيفة التعليم ، باستعمال السبورة وأسلوب المحادثة في تلقين المعلومات لتلامذته،أما العوام فكان يجتهد أيضا من أجل تنوير عقولهم عن طريق تقديم دروس الوعظ والإرشاد باللغتين الأمازيغية والعربية خاصة بعد صلاة المغرب. هذا ومن الطبيعي أن يذيع صيته في أرجاء المنطقة باعتباره أحد أعلام الإصلاح، الذي تشبع بأفكار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فاشتد الإقبال على دروسه لمن استطاع إليها سبيلا. ومكنته حالة الاستقرار هذه من إكمال نصف دينه.
ثم لم يلبث أن عاوده الحنين إلى مقاعد الدراسة، فرحل من جديد إلى تونس سنة 1948م، ليعود بعد سنتين حاملا شهادة التحصيل، التي أهلته للتدريس في مدرسة الشبيبة بمدينة تيزي وزو، التابعة لجمعية العلماء، وكان ذلك سنة 1950م.هذا وبموازاة تعاطيه مهنة التعليم ، ذكر الأستاذ محمد الصالح الصديق في كتابه الموسوم[ أعلام من المغرب العربي] أن الأستاذ رابح بونار قد شارك في الثورة ، وكلف بالفصل في النوازل(1).
نشاط الأستاذ رابح بونار بعـد الاستقلال
عين الأستاذ رابح ونار أستاذا في ثانوية الإدريسي بالجزائر العاصمة سنة 1966م، بعد أن تحصل على شهادة الكفاءة المهنية من جامعة الجزائر. وانتدب في سنة 1969م إلى المكتبة الوطنية عضوا في الفريق المكلف بإكمال فهرسة المخطوطات، وبموازاة عمله هذا انتسب إلى كلية الحقوق فتحصل على شهادة الليسانس سنة 1972م. ثم شرع - حسب المعلومات المستقاة من نجله مصطفى- في إعداد شهادة دكتوراه الدرجة الثالثة في الأدب حول موضوع: الحياة العلمية والأدبية في عهد بني زيان، في القرنين7،و 8 الهجريين، لكن الوفاة حالت دون إكمال هذه الدراسة.
وفـاتـه
نشرت جريدة المساء مقالا بتاريخ 25 جوان 1991م، بعنوان: رابح بونار قتلته المخطوطات، وقعه كاتبه باسم " محافظ بالمكتبة الوطنية" شرح فيه ظروف العمل الصعبة التي كان المرحوم يعمل فيها، إذ لم توفر له الإدارة حتى الحد الأدنى من شروط العمل الضرورية للوقاية من أخطار الرطوبة والسموم والجراثيم، الأمر الذي جعل الأستاذ رابح بونار (المكلف بفهرسة المخطوطات) يضع إصبعه على شفته السفلى ليبللها بريقه، كلما احتاج إلى قلب أوراق المخطوطات، و أدى ذلك بمرور الأيام إلى إصابة الأستاذ بمرض السرطان في شفته السفلى، ولم يتفطن لهذا المرض الخبيث إلا بعد أن تمكن منه واستعصى علاجه، لذلك لم ينفعه طلب العلاج في فرنسا. فتوفي يوم الجمعة 25 أكتوبر 1974م، ودفن زوال يوم السبت بمسقط رأسه، وكانت جنازته من الأيام المشهودة في قريته، قصدها الناس زرافات ووحدانا، لإلقاء النظرة الأخيرة على هذا الرجل المصلح الذي أوقف حياته لخدمة وطنه وإحياء ثقافته وبعث تاريخه المجيد. وتلقى أهله سيلا من التعازي ، وفي مقدمتها رسالة الوزير أحمد طالب الإبراهيمي.
هذا وقد أبّـنـه الشيخ محمد الصغير خروبي بمقال يليق بمقام المرحوم ، نشره في جريدة الشعب، ذكر فيه نبذة عن حياة الأستاذ ومناقبه واشتغاله بالتأليف وتحقيق المخطوطات، وجهوده العلمية الكبيرة رغم قصر العمر، ذاكرا أن الجزائر قد فقدت بموته قامة كبيرة في عالم الثقافة.
رابح بونار الإنسان
كان الأستاذ رابح بونار هادئ الطبع ، مجبول بالطيبة، ومرصّع بالتواضع في سلوكه اليومي، ولعل خير مثال على ذلك سعيه لتعلم الفرنسية بمساعدة طلبته في مدرسة الشبيبة بتيزي وزو، وعرف أيضا بالجدية في العمل، الأمر الذي أكسبه احترام محيطه منذ مرحلة الدراسة في جامع الزيتونة، لذلك اختاره زملاؤه ليترأس تنظيم الطلبة الجزائريين في تونس. واعتبارا للمكانة المرموقة التي كان يتمتع بها في ثانوية الادريسي، فقد اختاره أساتذة الثانوية رئيسا للفرع النقابي، لتمكين جميع العمال من المشاركة في تحسين ظروف العمل وترقية مردودهم التربوي. وكان الأستاذ يعشق الطبيعة ويجد المتعة في التجول في أحضانها، كما كان أيضا هاويا لرياضة الدراجات خلال فترة شبابه، فجعلها وسيلته المفضلة للتنقل بين ذراع بن خدة وتيزي وزو، وبين المسافات القريبة. وعُرف بحسن معاملته للأطفال ، فكان يوزع عليهم الحلويات ، ويقرأ لهم مختلف القصص التربوية الهادفة. وفضلا عن ذلك فقد كان أبا عطوفا، يغمر أفراد عائلته بالحب والحنان.
آثاره العـلمية
رغم قصر عمره فقد ترك الأستاذ رابح بونار آثارا علمية غزيرة ومتنوعة ، كالمؤلفات والمقـالات، والحصص الإذاعية والمسرحيات. ولعل أهم كتبه المطبـــوعة كتاب: المغرب العربي تاريخه وثقافته، فلو اقتصر عمله على هذا الكتاب لكفاه مجدا، إذ كان محاولة كبيرة لجمع التـــراث الثقافي الجزائري في العصر الإســـلامي(القرون الوسطى)، ورغم ضخامة الموضوع المطروق، فقد كان سباقا لوضع اللبنة الأولى له. هذا وقد صدرت طبعته الثالثة( مزيدة ومنقحة) عن دار الهدى بمدينة عين مليلة سنة 2000م ، وهي مرصّعة بمقدمة للدكتور محمد الأمين بلغيث.
أما عن الأسباب التي دفعته إلى ركوب قلمه للغوص في الأسفار القديمة لجمع المادة العلمية المتناثرة في مصادر عدة، فقد ذكرها قائلا: <<...إن الباعث الحقيقي على تأليف هذا الكتاب هو إيفاء الحركة الثقافية وتاريخها بالقطر الأول (الجزائر) وقد أغفله مؤرخو الآداب إغفالا، وجهل كثير من الدارسين نشاط علمائه وأدبائه في مختلف العصور. ولما كان بحث هذه الحركة الثقافية في الجزائر( المغرب الأوسط) لا يتم إلا بإلقاء أضواء على الحركة الثقافية في أخويه لاحتكاكه بهما، وتكامل ثقافته بثقافتهما، ولأسباب أخرى سأذكرها، رأيت لزاما عليّ أن اخص كل واحد منهما ببحث موجز في حركته الثقافية وفي تراجم أعماله.>>(2)
وساعدته وظيفته بالمكتبة الوطنية على الاطلاع على العديد من المخطوطات، فقام – فضلا عن فهرستها – بتحقيق ونشر بعضها، منها :
- عنوان الدراية، لأبي العباس أحمد الغبريني( من القرن 13م)
- مصباح الأرواح في أصول الفلاح،لابن عبد الكريم التلمساني المتوفى سنة1503م
كما ألف كتبا مدرسية وهي : الطريف في النحو والصرف والإملاء، والمطالعة الأدبية للسنة الرابعة من التعليم المتوسط. وله عدة كتب مخطوطة سلم بعضها للشركة الوطنية للنشر والتوزيع سابقا، منها كتاب : تاريخ بايات وهران المتأخرين، ديوان عبد الله المنداسي. وسلم أيضا بعض كتبه المخطوطة للناشر شريف الأنصاري لنشرها ببيروت، منها تاريخ قسنطينة لأحمد مبارك، وغيرها.
هذا وكان قد شرع في تأليف كتاب عن الشاعر الأمازيغي الكبير سي محند اُمحند ْ
( 1845-1906)، و أراني نجله مصطفى هذا المشروع ، حرّر منه حوالي أربع وستين صفحة خصّصها لقصائده الشعرية، كتبها بالحرف العربي.
وترك الأستاذ رابح بونار عشرات المقالات حول أعلام الثقافة الجزائرية، نشرت في عدة صحف ومجلات ، خاصة في مجلة الأصالة، أبرز فيها إسهامات الجزائريين في إثراء الحضارة العربية الإسلامية، سواء في بلاد الزواوة أو غيرها من المناطق كتلمسان والجزائر وقسنطينة وغيرها من المدن الجزائرية، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
- أبو بكر محمد بن داوود، كاتب يغمراسن بن زيان(الأصالة،العدد الثالث،ص21، أوت 1971م.)
- مخطوط أزهار الأحجار، لأحمد بن يوسف التيفاشي القسنطيني(الأصالة،العدد الخامس، نوفمبر1971م، ص 128.)
- القاضي سعيد العقباني التلمساني، الأصالة،العدد السادس، جانفي 1972م، ص65.
- علي بن أبي الرجال التاهرتي ، الأصالة، العدد 6، جانفي 1972م. ص 121.
- الشاعر إبراهيم بن أحمد الفجيجي، الأصالة، العدد 11، نوفمبر 1972م، ص 139.
- بجاية من خلال بعض الرحالة المسلمين، الأصالة ، العدد19، مارس/ أفريل1974م، ص61.
- مخطوط عن بجاية للسان الدين بن الخطيب، الأصالة، العدد19، مارس/ أفريل 1974م، ص 89.
- عبقرية المشذاليين العلمية في بجاية، الأصالة، العدد19، مارس / أفريل 1974م، ص303.
أما في الميدان الإذاعي فقد أنتج عدة حصص ، عن حياة عبد الحميد بن باديس
( 30 حلقة)، وحياة النبي (30حلقة) وغيرها من المواضيع.
وتقديرا لجهوده العلمية، فقد أدرج اسمه ضمن العلماء المكرّمين من طرف الرئيس الشاذلي بن جديد سنة 1987م، بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لاسترجاع الاستقلال الوطني.



ـــ الهوامش :
1- محمد الصالح الصديق،أعلام من المغرب العربي، ج2، ص753،موفم للنشر2000.
2- رابح بونار، المغرب العربي، تاريخه وثقافته، ص7، ط3، دار الهدى 2000.



( بقلم الدكتور : محمد أرزقي فـراد )


« رَبِّ اغـفـر لـي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت خَيرُ الـراحمين »


التعديل الأخير تم بواسطة ** رشاد كريم ** ; 12-09-2017 الساعة 09:16 PM