هام للدعاة حساب العوائد والتكاليف
23-04-2018, 09:23 AM
هام للدعاة حساب العوائد والتكاليف
د.مشعل بن عبد العزيز الفلاحي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده؛ أما بعدُ:

كنت في برنامج تدريبي، وبينما كنت أقدّم فكرة مشروع العمر، وضرورة العمل لدين الله تعالى، ووجود قضية يعيش من أجلها الإنسان، رفع أحد الحاضرين يديه، وسأل قائلاً:
" نحن في زمن لم يعد يحتفل بجهود الإنسان، ربما تعيش سنوات، وأنت تحاول إقناع طالبك بفكرة أو عادة إيجابية أو مفهوم من المفاهيم، فتتفاجأ في النهاية: أنه لم يحتفل من ذلك بشيء للدرجة التي تشعر بأنه: لا قيمة لجهدك ورسالتك وعملك!!؟".
قالها ومشاعره تنزف ألماً وحسرة على واقع بات يتعمّد إضاعة كل شيء.

ذكرني حينها بأحد المفاهيم الضخمة في كتاب الله تعالى، وهو مفهوم: (حساب العوائد والتكاليف )، فقلت له يا صاحبي:
" كل شيء يمكن أن تحسب عوائده وتكاليفه، لترى أرباحك فيه من خسائرك إلا مشروع الدعوة والإصلاح، وإعادة تأهيل الناس للحياة، فهذا المشروع بالذات لا يقبل فيه هذه الحسابات، ولا يجري التعامل معه بهذه الطريقة مطلقاً.
هذا المشروع عليك أن تستنفد فيه كل ما تملك، وليس من حقك أن تبحث فيه عن العوائد والتكاليف العاجلة.
لقد خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه سلم، وهو في عمق هذا المشروع بقوله:[ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ]، وبيّن له: أن دورك وجهدك مقصور على بذل وسعك فحسب:[ فَذَكِّر إِنَّما أَنتَ مُذَكِّر. لَستَ عَلَيهِم بِمُصَيطِرٍ].
ولمّا ذهب صلى الله عليه وسلم يحسب تكاليفه وجهده الذي بذله في هذا الطريق، قال الله تعالى له:[ لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ أَو يَتوبَ عَلَيهِم أَو يُعَذِّبَهُم فَإِنَّهُم ظالِمونَ].
دورك الكبير: أن تستنفد كل ما تملك في سبيل إقناع من حولك وفي دائرة تأثيرك ومساحتك الممكنة بدين الله تعالى، ثم لا تلتفت حتى بقلبك فضلاً عن بصرك إلى حساب شيء من العوائد العاجلة.
إياك أن تحسب جهدك المبذول لإصلاح ولدك أو طالبك أو ما يجري في مساحتك.
لا تنشغل بالحاضرين درسك وخطبتك، أو المتخلفين عن موعظتك، أو المتابعين لك في وسائل التواصل الاجتماعي، أو حتى المستفيدين من أفكارك وجهودك، فذلك كله ليس من شأنك.
حسبك: أن تبلغ وسعك في مد مساحة الربيع، وتقليص مسافات الصحراء فحسب.
وفي الحديث الصحيح:" عرضت علي الأمم، فجعل يمر النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي ومعه الرهط، والنبي وليس معه أحد".

خفّف عن قلبك ومشاعرك، وتوجه بقلبك وجهدك لله تعالى، ولا ترقب فيه شيئاً عاجلاً، فقد تكون أنت الساقي لأشجار الربيع، وأمتك في أيامها القادمة هي: الآكلة من ثمارها، والمنتفعة بتلك الظلال.