التسجيل
العودة   منتديات الشروق أونلاين > المنتدى الحضاري > سير أعلام النبلاء

روابط مهمة : دليل الاستخدام | طلب كلمة المرور | تفعيل العضوية | طلب كود تفعيل العضوية | قوانين المنتدى   







سير أعلام النبلاء تراجم علماء وشيوخ الجزائر والمغرب والمشرق

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 19-01-2017, 03:17 PM   #11   

أمازيغي مسلم
شروقي

الصورة الرمزية أمازيغي مسلم
أمازيغي مسلم غير متواجد حالياً


وسام التكريم 
افتراضي رد: عوامل العبقرية عند الإمام ابن تيمية


11 - أسرته وبيئته:
لقد تبوَّأ آل تيميَّة أعلى المنازل في دمشق وما حولها، ثم زاد من انتِشار صِيتِها بعضُ أفذاذ؛ منهم:( جد الإمام ابن تيميَّة: الإمام الشيخ مجد الدين بن عبد السلام صاحب "المنتقى")، ثم إنَّ:( أباه الإمام الشيخ شهاب الدين أبا المحاسن عبد الحليم بن عبد السلام): كان أيضًا ذا شهرة؛ إذ كان حاكم بلده وخطيبها وفقيهها، إضافةً إلى أنَّ دمشق كانت مَوئِل العلماء ومشكاتهم التي يَنطَلِقون منها، وكانت البيئة التي نشَأ فيها الإمام علميَّة؛ فهو يرى في والده إمامًا مشهورًا، وكذلك ما كان من مدارس الحديث، والتي درس فيها كِبار العلماء ممَّن شهدهم، أو صيتهم طبق الآفاق وسمع الإمام عنهم، وهو صغير، ومنه:(م الإمام النووي والعزُّ بن عبد السلام)، فكان مسلكه مرتبطًا بالأدلَّة أيَّما ارتِباط، وكانت أسرته تسلك مسلك الحنابلة في الأصول والفروع وعليه شَبَّ الإمام، حيث:"كان الحنابلة يسلكون في دِراسة عَقائِدهم مسلكهم في دراسة الفقه، يستَخرِجون العقائد من النُّصوص كما يستَخرِجون الأحكام الفرعيَّة من النصوص؛ لأنَّ الدين مجموع الأمرين، فما يُسلَك في تعرُّف أحدهما يسلك لا محالة لاستِخراج الثاني".[107].
ذلك أنَّ أسرته اتَّجهت للعلم والخطابة والدعوة إلى الله على بصيرة، فأثَّرت تلك الأسرة مع البيئة المُحِيطة به، فأصبَح مُحِبًّا للعلم شَغُوفًا بتحصيله، لا يبغي بدلاً منه شيئًا، وهذا واضحٌ فيه منذ صغره، وقد أراد أبوه أن يُشَجِّعه وهو صغيرٌ على حفظ القرآن الكريم؛ حيث حُكِي "عن شيخه الذي علَّمه القرآن المجيد قال: قال لي أبوه وهو صبي - يعني: الشيخ -: أحبُّ إليك أن تُوصِيه وتعده بأنَّك إن لم تنقَطِع عن القراءة والتلقين، أدفع إليك كلَّ شهر أربعين درهمًا، قال: ودفع إليَّ أربعين درهمًا، وقال: أعطه إيَّاها، فإنه صغير وربما يفرح بها؛ فيزداد حرصه في الاشتغال بحفظ القرآن ودرسه، وقل له: لك في كلِّ شهر مثلُها، فامتَنَع من قبولها، وقال:" يا سيِّدي، إني عاهدت الله - تعالى - ألاَّ آخُذ على القرآن أجرًا، ولم يأخذها".[108].
وهكذا ظهرت هذه النجابة؛ نتيجةً لما لمسه في أسرته وبيئته من اهتِمامٍ بالعلم والعمل ابتغاءَ وجه الله، "فنشأ بها أتَمَّ إنشاء وأزكاه، وأنبَتَه الله أحسن النبات وأوفاه، وكانت مَخايِل النجابة عليه في صغره لائحة، ودلائل العناية فيه واضحة، وقد لمع ذلك منذ صغره، وذلك أنَّه كان إذا أراد المُضِيَّ على المكتب: يعتَرِضُه يهوديٌّ كان منزله بطريقه بمسائل يَسألُه عنها؛ لِمَا كان يلوح عليه من الذكاء والفطنة، وكان يُجِيبُه عنها سريعًا حتى تعجَّب منه، ثم إنَّه صار كلَّما اجتاز به يُخبِره بأشياء ممَّا يدلُّ على بطلان ما هو عليه، فلم يَلبَث أنْ أسلم وحَسُنَ إسلامه".[109].
فبيئة الإنسان هي: المُوجِّه الأوَّل مع الأسرة إلى تَوجِيهه إلى التعلُّم أو ترك التعلُّم، وكذلك إلى تعلُّم فنٍّ من الفنون؛ لذا فقد اتَّجه الشيخ إلى الدِّراسة العلميَّة فحسب منذ صغره، وكان يحضر مَحافِل الكِبار، ويستَمِع إلى طرح القضايا العلميَّة واللغويَّة، وكيفيَّة إيراد الأدلَّة وماهيَّة استِنباطها؛ ممَّا جعل له ملكة علميَّة مميَّزة، انبَثَق منها بعد ذلك علمه، وانتشرت منها مَعارِفه التي طبقت الآفاق.



  
رد مع اقتباسإقتباس
قديم 24-01-2017, 11:09 AM   #12   

أمازيغي مسلم
شروقي

الصورة الرمزية أمازيغي مسلم
أمازيغي مسلم غير متواجد حالياً


وسام التكريم 
افتراضي رد: عوامل العبقرية عند الإمام ابن تيمية


12 - تبحُّره في علمي المنقول والمعقول:
الباحث في تراجم أعلام المسلمين ممَّن كانت لهم قدمٌ راسخة في العلوم الشرعيَّة، لا يجد صعوبةً تُذكَر من حيث التنقيب واستِخلاص المعلومات عن أمثال هؤلاء العلماء؛ لكثرتهم وكثرة مَن تَرجَم لهم؛ حيث وُصِفوا بأنَّ لهم قصب السبق في فهْم النصوص الشرعيَّة وحفظها واستِحضارها بأدلَّة باهرة قاطعة، وستكون مادَّة كتابته ثريَّة، وسيجد هناك أرضًا خصبة لتعدُّد مَن تَرجَم لعُلَماء الأمَّة الإسلاميَّة شرقًا وغربًا من ذلك الصِّنف الذين حملوا علوم الشريعة: حفظًا وعلمًا وعملاً، وتبيانًا وتعليمًا.
وكذلك الأمرُ بالنسبة لعلماء الأمَّة الإسلاميَّة الباحِثين في العلوم العربية أو العقلية أو الطبيعية والرياضيات والفلك... إلخ، ولكنَّ الصعوبة تَكمُن إذا أراد باحِثٌ أن يُتَرجِم لعلمٍ من أعلام الأمَّة الإسلاميَّة جمَع بين العلوم الشرعية والعربية والعقلية والمنطقية والديانات الأخرى في آنٍ واحد، وهذا لا يعني أنهم غير موجودين، لكن يحتاج الباحث إلى بعض العَناء وشيء من المشقَّة في التنقيب على أمثال هؤلاء، مع الاطِّلاع على ما كتبوه من كِتابات، وتلك الصعوبة وهذه المشقَّة اللتان ستُقابِلان الباحث في مُحاوَلة ترجمته لمثل هؤلاء الأماجد، تظهَر من عدم شهرة صاحب الترجمة في العلوم العقلية وشهرته في علوم الشريعة أو العكس، مع علوِّ كعبه في العلمين، ومن هذا الصِّنف الإمامان: حُجَّة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي، والإمام تقي الدين السبكي، ولكن هذين الإمامين درَسَا الفقه واشتَهرَا به من خِلال مذهب معيَّن، وكذلك دراستهما لبعض العلوم العقلية أو الفلسفية وعلم الكلام إنما هو بالقدر الذي يتمشَّى مع طريقة عقديَّة معيَّنة محدَّدة لا تُتجاوَز؛ فقد تضلَّعا في العلوم المختلفة لكن لخدمة مذهب معيَّن، ولسلوك عقدي محدَّد، ومن أعلام الأمَّة الإسلامية مَن تبحَّر وتضلَّع في كلِّ العلوم المختلفة بأنواعها دراسة مجرَّدة، ومن هذا الصنف: شيخ الإسلام: ابن تيميَّة رحمه الله ، فقد درس العلوم الشرعيَّة باختلاف مذاهبها، ولم تمنعه (تحمله) نشأته الحنبلية على الاقتصار على مذهب الحنابلة؛ بل تعدَّى التقليد والتعصُّب وترقَّى عنه، وأخَذ بما ترجَّح له دليلُه، كما تعمَّق في دراسة العربية بجميع فنونها، وكذلك الرياضيات والفلك والمنطق وعلم الكلام، وممَّا يشهَد لذلك شهادة خصمه الشهير الإمام تقي الدين السبكي حينما كتَب رسالةً موجهة إلى الإمام الذهبي، قائلاً في حقِّ الشيخ: "فالمملوك (يعني نفسه - رحمه الله - تواضُعًا منه مع مَن خالفه) يتحقَّق كبير قدره، وزخارة بحره، وتوسُّعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وبلوغه في كلٍّ من ذلك المبلغ الذي يَتجاوَز الوصف"[110].
وهكذا كان موسوعة علميَّة متنقِّلة، ومكتبة ناطقة؛ لأنَّه كان:"عارِفًا بالفقه واختِلاف الفقهاء والأصوليين، والنحو وما يتعلَّق به، واللغة والمنطق وعلم الهيئة، والجبر والمقابلة وعلم الحساب، وعلم أهل الكتابين وأهل البدع، وغير ذلك من العلوم النقليَّة والعقليَّة، وما تكلَّم معه فاضلٌ في فنٍّ من الفنون إلا ظنَّ أنَّ ذلك الفنَّ فنُّه، وكان حفظه للحديث مميزًا بين صحيحه وسقيمه، عارفًا برجاله، متضلِّعًا من ذلك"[111].
وكان يفهم كثيرًا من اللغة العبريَّة[112] كما كان يعرف اللغة التركيَّة[113]"، وهكذا نستطيع أن نقرِّر غير مُبالِغين أنه قرأ كتب العلوم الإسلاميَّة، وكتب الفلاسفة التي كانت معروفة في عصره، ويظهر أنه لم يكتَفِ بذلك؛ بل قرأ كتب النصارى والأدوار التي مرَّت عليها عقائد النصارى دراسةً فاحصة"[114].
فتعلَّم العلوم الشرعيَّة مع العلوم العقليَّة سواءً بسواء، وتبحَّر في كلِّ علم وُجِد في عصره، واطَّلع على كلِّ كتابٍ طالَتْه يداه، وما من سبيلٍ إلا سلَكَه ليُبَلِّغ دعوة الحق مُستَخدِمًا الأدلَّة من الكتاب والسنَّة "، ثم يقرب السنَّة بالعقل، فهو يستَخدِم العقل للتزكية لا للإنشاء، والتقريب لا للاهتِداء"[115]، ويدلُّ على تبحُّره أشياءُ كثيرة:

1 - شهادة علماء الأمَّة من مُعاصِريه ومَن بعدَهم بتبحُّره في علمي المنقول والمعقول.

2 - استدلاله واستشهاده في كتبه بسائر العلوم المُتاحَة في عصره، ويظهر ذلك من مراجعة فهارس:( مجموع الفتاوى[116]) له، ج36، ج37.

3 - قيام كثيرٍ من الباحثين بكتابة رسائل ومؤلَّفات في جانبٍ من الجوانب التربوية أو الدعوية في تخصُّصات مختلفة؛ مثل: موقفه من العقل، وموقفه من المنطق، وموقفه من المبتدعة، وموقفه من التكفير، وموقفه من الأشاعرة، والفكر التربوي عنده... إلخ.



  
رد مع اقتباسإقتباس
قديم 27-01-2017, 10:39 AM   #13   

aziz87
عضو متميز

الصورة الرمزية aziz87
aziz87 غير متواجد حالياً


افتراضي رد: عوامل العبقرية عند الإمام ابن تيمية


بارك الله فيك أخي "أمازيغي مسلم " على هذا الموضوع القيّم المُعرِّف بعوامل العبقرية عند شيخ الإسلام ''ابن تيمية " ، لا سيما في الآونة الأخيرة ،بعد أن طعن أحد الأقزام في عقيدته ، والحمد لله فقد هتك الله ستره وفضحه أمام الموافق والمخالف ،بأن أخطأ في عنوان كتابه ، وفي ذلك غنية عن تتبع السقطات التي يحويها كتابه.
ومن الطرائف العجبية التي قرأتها أن أحداً قال معلقاً على كتاب ذاك القزم (فيما معناه) :
" يختصر الناس العناوين الطويلة للمؤلفين بنسبة أول كلمة من العنوان إلى مُصنِّفِه ، كأن يقال : روى البخاري في صحيحه ، قال ابن خلدون في مقدمته ، ..... ، وبذلك سيشيع قول : قال القزم في جذور بلائه ، فسبحان الله ،كأن السامع سيفهم أن البلاء منسوب للقزم لا إلى خصومه ، فعاقبه الله على ذلك بنقيض قصده".
وهذا الأمر ذكرني بما قاله وارث علم ابن تيمية والتلميذ البار " ابن قيم الجوزية " في نونيته الشهيرة:


هذا وثمة لطيفة أخرى ... سلوان من قد سب بالبهتان
تجد المعطل لاعنا لمجسم ... ومشبه لله بالإنسان
والله يصرف ذاك عن أهل الهدى ... كمحمد ومذمم إسمان
هم يشتمون مذمما ومحمد ... عن شتمهم في معزل وصيان
صان الإله محمدا عن شتمهم ... في اللفظ والمعنى هما صنوان
كصيانة الأتباع عن شتم ... المعطل للمشبه هكذا الإرثان
والسب مرجعه إليهم إذ هم ... أهل لكل مذمة وهوان
وكذا المعطل يلعن اسم مشبه ... واسم الموحد في حمى الرحمن.

بالنسبة لابن تيمية فقد كان له اطلاع كبير على العلوم العقلية والتجريبية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلم الهيئة (الفلك) ، لا كما يزعمه بعض الموتورين أنه ضد العلوم الدنيوية ، ولا أدل على ذلك كتابه " الرسالة العرشية" وحتى كتبه الأخرى.



  
التعديل الأخير تم بواسطة aziz87 ; 31-01-2017 الساعة 08:56 PM
رد مع اقتباسإقتباس
قديم 02-02-2017, 12:33 PM   #14   

أمازيغي مسلم
شروقي

الصورة الرمزية أمازيغي مسلم
أمازيغي مسلم غير متواجد حالياً


وسام التكريم 
افتراضي رد: عوامل العبقرية عند الإمام ابن تيمية


الحمدُ لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده؛ أما بعدُ:

وفيك بارك الله أخانا الفاضل العزيز:" عزيز".
جزاك الله خيرا على إضافتك القيمة المتميزة، لقد صدقت وبررت في ردك على ذلك:" المدعي الغمر!!؟"، وليس لي ما أضيفه على تعليقك سوى قول الشاعر:

ما ضر بحر الفرات أمسى زاخرا * أن رمى فيه غلام بحجر

ومثله:
يا ناطح الجبلَ العالي ليَكْلِمَه * أَشفق على الرأسِ لا تُشْفِق على الجبلِ


ومثله:
كناطِحٍ صَخْرَةً يَوْماً لِيوهِنَها * فَلَمْ يَضِرْها، وَأَوَهى قَرْنَهُ الْوَعِلُ



وكنت قد رددت بتعليق مقتضب على دعوته ودعواه بعد إصداره لجذور بلائه!!؟، وتجد تعليقي تحت الرابط الآتي:
http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=360648


13 - جدُّه وحزمه مع النفس:
إنَّ النفس الطامحة للتحليق فوقَ العنان: نفيسة وتُتعِب الأبدان، ونفسٌ ظهرت وتَناقَلت الأخبار بمناقبها، لَجَدِيرةٌ بأن يكون صاحبها على درجةٍ عالية من الجدِّ والاجتهاد، فلا يتطرَّق إليها الملل، ولا يقتَرِب منها كسلٌ؛ بل دائمًا تُحاوِل مساواة الثريَّا، وكان لأسرته وبيئته العلميَّة العامل الأكبر في جِدِّه واجتهاده بعد توفيق الله - تعالى - له، "وكان من النتائج لهذه (الأسرة وتلك) البيئة العلميَّة: أن يتَّجِه الفتى الناشئ فيها إلى العلم، فاتَّجَه إليه الغلام ابن تيميَّة صغيرًا؛ فحفظ القرآن الكريم منذ حَداثَة سنِّه، وظلَّ حافظًا له إلى أن فاضَتْ رُوحُه إلى ربها، واتَّجَه بعد حفظ القرآن إلى حفظ الحديث واللغة، وتعرف الأحكام الفقهية، وحفظ ما يسعفه به الزمن، وقد بدا فيه منذ صغره ثلاثٌ من المزايا، هي التي تمَّت وظهرت ثمراتها في كبره:

أولاها: الجِدُّ والاجتهاد والانصِراف إلى المُجدي من العلوم والدراسات، لا يلهو لهو الصِّبيان، ولا يعبث عبثهم.

ثانيتها: تفتُّح نفسه وقلبه لكلِّ ما حولَه يُدرِكه ويَعِيه، فلم يكن الغلام المنقَطِع عن الأحياء والحياة إلى الحفظ والاستِذكار فقط.

والثالثة: الذاكرة الحادَّة، والعقل المستيقِظ، والفكر المستقيم، والنبوغ المبكِّر"[117]، حتى وُصِف بأنَّه "لم يزل منذ إبان صغره مستغرِقَ الأوقات في الجدِّ والاجتهاد"[118].

فشخصيَّةٌ كهذه كانت بدايتها جد واجتهاد ونظر إلى معالي الأمور، فلا بُدَّ أن "يقف وراءها روح وثَّابة، ونفس طموحة، وهمة عالية، وإرادة لا تعرف السأم ولا الملل، قد هانت عليها لذَّات الدنيا ومُتعها، والعجب الذي لا ينقَضِي أن تكون هذه المعاني في غلامٍ لم يبلغ مبلغَ الرجال بعدُ!، وهذا يحتِّم أن يكون وراءَ ذلك ربانيَّة وحكمة إلهيَّة؛ ليتحقَّق به خبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وموعوده لأمَّة الإسلام في تجديد الدين على رؤوس المئين"[119].
حتى عُرِف من بين أقرانه بتلك الهمَّة العالية:"وكان من صغره حريصًا على الطلب، مُجِدًّا في التحصيل والدأب، لا يُؤثِر على الاشتغال لذَّة، ولا يُؤثِر أن يضيع منه لحظة في البطالة، وقيل: إنَّ أباه وأخاه وجماعة من أهله وآخرين ممَّن يَلُوذُون بظلِّه، سألوه أن يذهب معهم يومَ سبتٍ ليُشاهِد، فهرب منهم، ولا ألوى عليهم ولا شاهَد، فلمَّا عادوا آخِر النهار ولاموه على تخلُّفه وتركه لاتِّباعهم وما في انفِراده من تكلفة، فقال:" أنتم ما تزيَّد لكم شيء ولا تجدَّد، وأنا حفظت في غيبتكم هذا المجلد"، وكان ذلك الكتاب:"روضة الناظر وجنَّة المناظر"، وهو مجلد صغير"[120].
فهِمَّتُهُ العالية بَدَتْ منذ صغره، ولازمَتْه حتى وفاته، وتنوَّعت جوانب همَّته؛ من همَّةٍ في كثرة التآليف، وهمَّةٍ عالية في كثرة العبادة والذِّكر والصلاة، إلى جانب همَّته العالية في الجِهاد في سبيل الله - عز وجل - وقد "كان كثيرًا ما ينشد:

تَمُوتُ النُّفُوسُ بِأَوْصَابِهَا *** وَلَمْ تَشْكُ عُوَّادَهَا مَا بِهَا
وَمَا أَنْصَفَتْ مُهْجَةٌ تَشْتَكِي *** هَوَاهَا إِلَى غَيْرِ أَحْبَابِهَا
مَنْ لَمْ يُقَدْ وَيُدَسَّ فِي خَيْشُومِهِ *** رَهَجُ الْخَمِيسِ فَلَنْ يَقُودَ خَمِيسَا[121]

ويؤكِّد علوَّ تلك الهمَّة وسموَّها: ما شرُف التاريخُ بتَسطِيره لحياة ذلك الإمام بجوانبه المتعدِّدة، وجعله روحه فداءً لوجه الله - عز وجل -.


  
رد مع اقتباسإقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:44 AM.


© جميع الحقوق محفوظة للشروق أونلاين 2017
قوانين المنتدى
الدعم الفني مقدم من شركة