•• كيـف فـرّ البطل مصطفى بن بو العيد ورفاقه من سجن الاستـعـمار ؟
13-11-2017, 01:21 PM








ببلدة تكوت (باتنة) النائمة بين أحضان الأوراس ما إن يذكر اسم المجاهد محمد بزيان إلا ويتبادر إلى الذهن هروب مصطفى بن بولـعـيد الأسطوري من سجن الكدية بقسنطينة.
فالرجل الذي مازال يحتفظ بحيوية الشباب رغـم سنوات عـمره التي قاربت الثمانين يجد متعـة كبيرة في الحديث عـن ذكريات الثورة ونضاله السياسي الذي بدأه مـع أب الثورة الجزائرية ، لكنه يستمتـع أكثر وهو يستعـيد أدق تفاصيل المغـامرة التي شاء القدر أن يكون أحد أبطالها في يوم 10 من نوفمبر 1955 وسنه لم تكن تتعـدى آنذاك 22 سنة.
و في جلسة حميمة جمعـته بـ ( وأج ) [*] ذات صباح خريفي من شهر أكتوبر لهذه السنة عـاد المجاهد بزيان بذاكرته إلى بداية الثورة التحريرية وقال "قصتي مع سجن الكدية تعـود إلى أواخر ديسمبر من سنة 1954 عـندما ألقي القبض عـليَّ بتهمة الإجرام والمساس بأمن الدولة الفرنسية و حكم عـلي بالإعـدام حيث حُولت إليه بعـد 20 أوت 1955".
فرغـم تأخر فوجنا ـــ يضيف المتحدث عـن اجتماع دشرة أولاد موسى ـــ إلا أن بن بوالعـيد أرسل لنا السلاح وقمنا عـند الساعـة الصفر من ليلة أول نوفمبر 1954 بقطـع أسلاك الهاتف بتكوت ومهاجمة مقر الدرك الفرنسي ثم تفجير المكان المسمى "القصر".


•• سجن الكدية لم يكن من الكرتون ولا حُـرّاسه كانوا من ورق :

بدأ المجاهد يروي تلك الحادثة التي زعـزعـت كيان المستعـمر آنذاك بالتأكيد و لمرات عـديدة عـلى أن سجن الكدية لم يكن من الكرتون ولا حراسه كانوا من الورق ، وكأنه يريد الإشارة الى أن الهروب الأسطوري منه كان معـجزة وما هو إلا واحد من اثنين عـايشاه ، ما زالا إلى حد الآن عـلى قيد الحياة ويتمثل الثاني في المجاهد الطاهر زبيري.
لكن المتحدث لم يُخف بعـدها وهو يمرر باهتمام كبير أصابعـه عـلى شاربيه الأنيقين بأنه ظل قرابة الشهر غـير مصدق بأنه وبعـض رفاق زنزانة المحكوم عـليهم بالإعـدام في هذا السجن الحصين أصبحوا أحرارا.


•• قال لنا بن بو الـعـيد سيذكرنا التاريخ مهما كانت النتيجة :

يشهد بزيان أن بن بوالعـيد كان حريصا عـلى رفـع معـنويات رفاقه في الزنزانة و ذكر لـ ( وأج ) "قال لنا سي مصطفى في الاجتماع الذي تَـقرر فيه الهروب من سجن الكدية بأن التاريخ سيذكرنا نجحنا أو أخفقنا وحكم الإعـدام الذي نشترك فيه جعـلنا متساويـن في المسؤولية أمام الله والثورة والوطن".
و أضاف بزيان وهو يعـود بذاكرته إلى الوراء بــ 56 سنة "يومها طلب منا بن بو الـعيد تقديم اقتراحات حول كيفية المساهمة في الثورة من وراء القضبان أولا ، ثم طرح بعـدها فكرة الهروب لتأتي الخطة من حجاج بشير وهو أحد المساجين السابقين بالكدية وينحدر من الخروب".
و رد حجاج عـلى بن بوالعـيد "السبيل الوحيد هو حفر نفق في الزنزانة يؤدي إلى الغـرفة المجاورة التي هي عـبارة عـن مخزن لا يُفتح إلا من حين لآخر ، ويؤدي بابه الخشبي إلى فناء ينتهي بحائط يُطل هو الآخر عـلى حائط يطل عـلى ممر للراجلين" مضيفا بأن الاقتراح تمت الموافقة عـليه بالإجماع.


•• مزلاج و صابون و بَـرَكة إلهية هزمت المستحيل :

كان الأساس في تنفيذ خطتنا يومها ــ يستطرد المجاهد بزيان طيلة ال 28 يوما من عمر المغامرة ــ مزلاجا انتزعـناه من نافذة الزنزانة وقطـع صابون رطب نعـجنها بالتراب ثم نخفي بها آثار القطعـة الحديدية التي كنا نتناوب عـلى حفر الأرضية الإسمنتية بها ثم نخفيها في مكنسة من الحلفاء لأن كل محتويات الزنزانة تفتش أو تغـير دوريا إلا هي.
و كان عـملنا محصورا يضيف المتحدث بين الـ 11 صباحا والثانية زوالا مقطوعـا بلحظات توقف كل ربـع ساعـة موعـد تفقد الحراس لنا ثم بين الخامسة والنصف والسادسة والنصف مساء ، و هي الفترة التي تشهد فترة تبادل المناوبة الليلية .
لكن من حسن حظنا ــ يتابـع بزيان ــ كان باب زنزانتنا مواجها للقبلة وكذا باب فناء السجن فعـمدنا إلى وضـع بطانية أمام الباب الذي كان يفصله عـن الأرضية فراغ مـعـتبر نوعـا ما ثم يستلقي أحدنا عـلى بطنه فوقها لمتابعـة كل التحركات بالخارج ، وفي حالة قدوم أحد يقف وكأنه يصلي بحيث توكل المهمة كل مرة إلى أحد السجناء حتى لا تثار الشكوك.
و يروي هذا المجاهد أن نزع قطعـة من أرضية الزنزانة وكانت مربعـة الشكل بحوالي 50 سنتيمترا استغـرق 12 يوما ساعـدنا في العـملية التي شاركنا فيها جميعـا دون استثناء الخَـلّ الذي كان يشتريه بن بوالعـيد من مطـعـم السجن ونضعـه عـلى الإسمنت فيجعل الأرضية هشة في حين تُصفَّى الأتربة من الحجارة وتوضع في المرحاض بعـد سده بقطعة من بطانية قديمة ثم يُـداس بالرجلين مع قليل من الماء حتى يصبح سائلا فتنزع قطعـة البطانية وتفتح الحنفية ويذهب الخليط مـع الماء.
أما الحجارة فتجمـع في منديل ــ يضيف بزيان ــ ثم توضع في زاوية من الزنزانة مخفية عن الأعـين بمـعـطف أحد النزلاء المعـلق دوما في مقبض باب الزنزانة بطريقة لا يراها الحارس إذا أطل من الفتحة الموجودة في وسط الباب ، ونعـمد إلى إرجاعـها في مكانها في الحفرة قُـبيل أن يُـسمح لنا بالخروج إلى الفناء .
و كان هذا المجاهد من حين لآخر يُـذَكّر ( وأج َ) بالصعـاب التي واجهتهم طيلة المغـامرة خاصة الظلام في الجهة الأخرى من الزنزانة ، فكان عـلينا ــ يقول بزيان ــ افتعـال العـراك وإحداث جروح عـمدية للحصول عـلى قطـع القطن التي نداوي بها ، ونحتفظ بها خلسة لتتحول بعـد وضعـها مع شيء من الدسم في صحن حديدي سرقناه من المطبخ إلى فتيل يساعـدنا عـلى رؤية المكان.
و استطعـنا بفضل مجهود جماعـي ذابت فيه الفردية ــ يواصل المتحدث ــ من حفر حوالي متر و نصف ، ما بين الزنزانة والغ،رفة المجاورة ، لنجدها بعـد انتهاء العـملية كما وصفها لنا حجاج بشير ، وهنا وبأمر من بن بو العـيد قمنا بإفراغ فراشين من القش ووزعـنا محتوياتهما عـلى أفرشتنا بالزنزانة تحت الحراسة المشددة في حين قطعـنا قطعـتي القماش بواسطة جزء من شفرة حلاقة التقطناه في غـفلة من حلاق السجن إلى قطع طويلة ، حولناها إلى حبال لنتسلق بها حائط السجن .


•• كان باستطاعـتنا قتل الحراس لكننا لسنا مجرمين :

و يكمل هذا المجاهد المعـروف في أوساط رفقاء السلاح بالمنطقة بصدقه في نقل الأحداث : بعـد أن أصبح الطريق جاهزا لتنفيذ الهروب أوصانا بن بو العـيد بعـدم الالتقاء خارج أسوار السجن وعـدم اللجوء إلى غـابة جبل الوحش ، لكن لم ينس في خضم تلك الأحداث أن يترك رسالة لإدارة السجن كتب عـليها : « كان بإمكاننا قتل الحراس ، لكننا لسنا مجرمين ، فقط نحن ضد الحكومة الفرنسية » .
و كان الموعـد أمسية الـ 10 نوفمبر 1955 ، انتظرنا بفارغ الصبر ــ يحكي بزيان ــ وما إن دقت الساعـة الخامسة والنصف حتى بدأنا في تنفيذ خطتنا يتقدمنا مصطفى بن بوالـعـيد ، و المجاهد الراحل محمد العيفة لتشمل قائمة الذين تمكنوا من الفرار يومها : المتحدث ، و الطاهر زبيري ، وطيبي إبراهيم ، و حفطاري عـلي ، وزايدي سليمان ، وعـريف حسين ، وكرومة حمادي ، و مشري لخضر ، وبوشمال أحمد ، و لم يتمكن 19 سجينا آخرين من الفرار لأن حُـراس السجن اكتشفوا بعـد انقضاء الساعـة التي يتم فيها عـادة تبادل الحراس بين فترة النهار والليل أن الزنزانة فارغـة.
و قتها ، كنت أنا وزايدي سليمان ضمن المجموعـة الأخيرة التي تـخطت أسوار السجن ، بعـد انكشاف أمر الهروب ، يضيف هذا المجاهد الذي أكد بفخر : أتذكر جيدا ، عـندما دوّت صـفارة الإنذار ، كان سجن الكدية وراءنا فأطلقنا سيقاننا للريح ، باتجاه منطقة القـرارم بميلة.
لكن هانت الصعـاب التي واجهناها بعـد ذلك ، عـبر الأحراش والجبال التي قطعـناها جريا ، ثم مشيا عـلى الأقدام ، والليالي البيضاء التي قضيناها في العَـراء ــ يقول بزيان محمد ــ وعـيناه مُغـرورقتان بالدموع ، لكن كان عـزاؤنا الوحيد ، وقتها ، أن الفرار من سجن الكدية العـتيد كان مستحيلا ، لكن سيسجل التاريخ أنـه هُـزم بإرادة جزائرية .


ـــ هامش ـــ
[*] ( واج ) ، أي : وكالة الأنباء الجزائرية .


ـــ نـقلاً عـن مـوقع ( وكالة الأنباء الجزائرية )
[ بـتـصـرّف يـسيـر ]









« رَبِّ اغْـفِـرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَـمُ الـرَّاحِمِينَ »
التعديل الأخير تم بواسطة ** رشاد كريم ** ; 13-11-2017 الساعة 05:50 PM