ادمان بعير
09-08-2019, 10:22 PM
13::13:أمسك بخطام الناقة و رافقها نحو حظيرة الابل القريبة من الحي.
كان قلب أبو سالم يخفق بشدة و يكاد يقفز من بين أضالعه لسببين. فزوجه أم سالم بالحمل و سوف تضع قريبا.
و السبب الآخر هو أن ناقته الشهباء - و ذلك لقبها - حامل أيضا و هي على وشك أن تلد.
كان الكهل لا يزال مشدود الأعصاب و شارد الأفكار...دس يده في جيب العباءة و استخلص منها علبة صغيرة جدا.
فتحها و حمل بين أنامله شيئا من -الشمة - و قربها من أنفه و استنشقها طويلا حتى جحظت عيناه....و شعر أبو سالم بشيء من الدعة يغشى أوصاله و سائر جسده و يبدد الصخب الذي يستوطن عقله.
لقد كان -للشمة - مفعول سحري لذيذ. حمل اليه عالما حالما من المتعة و الاسترخاء.
لكنه في الوقت نفسه كان يلوم نفسه على تعاطي - الشمة - لسنوات مسرفة في الطول و دون انقطاع. و فكر فجأة :
- اللعنة عليك يا رابح أنت من ورطتني مع - الشمة -
لقد كانا صبيين يافعين هو و رابح... يسرحان بأغنام أعيان البلدة في المراعي الخصيبة. و ذات يوم همس رابح في سمع رفيقه عندما كانا مسترخيين فوق التلة:
- أتيتك اليوم بالشمة. خذ استنشق برفق يا صديقي -
و منذ ذلك اليوم اللعين أصبحت - الشمة - هي رفيق الأحزان للعم أبو سالم.
مضى يوم و يوم و أنجبت أم سالم بنتا بهية الطلعة . الرضيعة جميلة مثل والدتها تماما. و المصادفة الرائعة حقا أن الشهباء ولدت في نفس اليوم حوارا جميلا.
فرح أبو سالم و احتفى بهذه المناسبة و ذبح عجلا سمينا و فرقه على الأيتام و المساكين في البلدة...و مع الأيام نمى شيء من المحبة بين الكهل و الحوار اللطيف.
بين الفينة و الأخرى كان الكهل يضم الحوار الى صدره و قد يبالغ في الحنو عليه أحيانا ويقرب علبة - الشمة - الى منخريه الصغيرين.
لكن الحوار أمسى مع الأيام متهافتا على - الشمة - اللعينة. و لا يتورع عن الدنو من أبو سالم و يمتسح بعباءته برفق و لا ينصرف حتى يستنشق نفسا من علبة - الشمة - .
و كان الكهل مغتبطا كل الأغتباط بهذا الحوار الغريب الأطوار و سرعان ما يفكر ضاحكا:
- لقد أصبح الحوار مشدودا الى - الشمة - مثل سيده -
و تتصرم الأيام و تسحب معها سنوات العمر و يصبح الحوار اللطيف جملا ناضجا مفعما بالقوة و الحيوية.
لكن الجمل مع الأيام زاد ولعه -بالشمة - و صار لا يطيق الفكاك عنها و قد يشتد هياجه و سخطه اذا تأخر عنه أبو سالم بتلك العلبة السحرية.
في الأيام الأخيرة أصبح أبو سالم مغتاظا من سلوك الجمل. لم يعد ذلك الحوار الوديع المحبوب من جميع أهل الحي. بل صار جملا عظيم الجسد و سريع الغضب و لا يدري المرء مدى سلوكه اذا لم يجد - الشمة -
فى موسم الرعي كانت السهول و الروابي منتعشة بألوان الحشائش و الكلأ و العلف..و خرج أبو سالم في قطيع من الأبل يتقدمهم ذلك الجمل الناضج.
نصب الكهل خيمته الصغيرة في بطن الوادي و أطلق عنان جماله لتقتات من تلك المراعي الفيحاء..
روائح البنفسج و القرنفل كانت تزاحم الأنوف. و بسط أبو سالم سجادة فوق الحشائش و أسلم جسده الناحل لسنة من النوم.
لكن شيئا ما يفسد عليه لذة النوم الجميل..لقد شعر بوجه الجمل يداعب عباءته و فكر الكهل:
- الجمل في حاجة الى استنشاق -الشمة -
و على الفور أخرج العلبة من جيبه و فتحها ببطء شديد و هتف بصوت جريح :
- العلبة فارغة تماما يا صديقي الجمل -
لكن الجمل دنى بمنخريه الى العلبة و استنشق رائحة - الشمة - و سرعان ما تملكته نشوة غريبة و طوح برقبته في الهواء و هرول ملتحقا بقطيع الابل و ترك أبو سالم مذعورا.
فكر الكهل و هو يغادر خيمته نحو اتجاه مجهول:
- لقد نفد ما في العلبة من - الشمة -و يجب أن أختبيء في مكان آمن قبل أن يظفر بي الجمل -
كان قرارا صبيانيا من طرف أبو سالم.
و لاذ أخيرا بشجرة سدر عظيمة و تغلغل في وسطها بصعوبة بالغة و مكث بها ساعة أو بعض ساعة.
سمع الكهل رغاء جمله من بعيد. لقد كان مهتاجا مثل عاصفة رملية غير متوقعة. و جحظت عينا أبو سالم و أدرك مدى المصيبة التي تحدق به.
وصل الجمل أخيرا نحو شجرة السدر يلتمس - الشمة - من سيده. و راح الجمل يزيح أشواك شجرة السدر برأسه حينا و بسنامه حينا آخر و قد ارتفع رغاءه و خرج زبد كثيف من منخريه....
و خشي أبو سالم على نفسه و صوب بندقيته نحو البعير الهائج و هو يصيح بصوت متهدج :
- سامحني يا بعيري العزيز -
و انطلقت من فوهة البندقية ثلاث رصاصات مزقت هدوء المكان :
- طخ طخ طخ -