العالم المظلم للمرتزقة في ليبيا.. كم يبلغ عددهم ومن يمولهم وكيف يتم نقلهم؟
17-06-2020, 02:06 PM



كشفت صحيفة الإندبندنت البريطانية في تحقيق مطول حمل عنوان "العالم المظلم للمرتزقة في ليبيا"، عن أبرز الأدوار التي تقوم بها هذه المجموعات، وأجابت عن أسئلة حول نقلهم إلى خطوط القتال، ومن يقف وراء تمويلهم وكيف ساهموا في تغيير موازين الحرب على الأرض.
في أبريل 2019، بدأ المشير خليفة حفتر الحرب على طرابلس وحقق مكاسب سريعة، لاعتماده على الطائرات بدون طيار وطائرات مقاتلة وأنظمة دفاع "بانتسير" التي يعتقد خبراء غربيون أن الإمارات وروسيا هما من زودتاه بها.
وعلى الأرض، تم تزويده بـ 1200 مرتزق روسي من شركة فاغنر، وما يصل إلى 2000 مقاتل سوري تم تجنيدهم من مناطق سيطرة النظام، وفقاً لتحقيق للأمم المتحدة، كما أخبر دبلوماسيون دوليون اطلعوا على تحقيق الأمم المتحدة أنه تم تزويد حفتر بـ 2000 مقاتل سوداني في نوفمبر الماضي.

قلب موازين المعركة


وفي أبريل الماضي، قبل أيام فقط من موعد بدء محادثات السلام التي دعت لها الأمم المتحدة في مدينة غدامس، توقف تقدم قوات حفتر وتغيرت موازين المعركة لصالح حكومة الوفاق المدعومة تركياً.
ونشرت تركيا حينها مجموعات من قواتها الخاصة، وأرسلت طائرات بدون طيار من طراز "Bayraktar TB2"، وأنظمة الدفاع الجوي Korkut، وثلاثة فرقاطات مما أدى إلى إنشاء نظام دفاع جوي نجح في حماية طرابلس ومصراتة.
وفي الوقت نفسه، نقلت ما يصل إلى 3000 من المرتزقة السوريين إلى ليبيا، وفقاً لتقرير الأمم المتحدة، لكن المقاتلين السوريين في ليبيا أخبروا الصحيفة أن العدد الحقيقي كان أقرب إلى 6000، بسبب زيادة التجنيد خلال الشهرين الماضيين، حتى أن تفشي فيروس كورونا لم يبطئ نقل القوات.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول عسكري بحكومة الوفاق الوطني في طرابلس أن انسحاب المرتزقة الروس من قوات حفتر كانت بداية انهيار المشير، قائلاً: "كان هذا هو العامل الرئيسي الذي أدى إلى انسحاب قوات حفتر في المعارك الأخيرة".
وقال أحد المرتزقة السوريين في حكومة الوفاق الوطني: "بانسحاب المرتزقة الروس اختفت كل المقاومة التي واجهناها على جميع الجبهات في ليلة واحدة".
ومع وجود رعاة أجانب أثرياء وآلاف المرتزقة المنتشرين على كلا الجانبين، فإن الصراع في ليبيا تحول إلى أحدث حرب بالوكالة بين القوى العالمية.
وكما قال أحد الدبلوماسيين البارزين المشاركين في محاولة تطبيق قرار حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة: "ليبيا هي سوريا الجديدة، ولكن هذه المرة على عتبة أوروبا".
ويظهر التحقيق أن كلا الجانبين تعاقدا مع المرتزقة، حتى أصبح السوريون يحاربون بعضهم البعض مرة أخرى، ولكن هذه المرة في عاصمة أخرى دمرتها الحرب على بعد آلاف الكيلومترات من منازلهم.


حال المرتزقة السوريين في ليبيا


أما عن وضع المرتزقة، فقال أبو أحمد أحد المقاتلين السوريين في صفوف حكومة الوفاق، إن أوضاع المرتزقة السوريين بائسة، مضيفا: "البعض يائسون للغاية ويريدون العودة إلى منازلهم، لدرجة أن بعضهم أطلقوا النار على أرجلهم حتى يتمكنوا من الخروج من المعركة".
وأوضح الشاب البالغ من العمر 27 عامًا أنه وافق فقط على القتال في ليبيا لأنه افترض أنه من السهل ركوب قارب مهاجر إلى أوروبا، مشيرا ًإلى أن أغلب السوريين هنا منذ فترة طويلة ينصحونه بعدم الثقة بأحد ومحاولة العودة إلى المنزل في أسرع وقت.
وذكر أنه بعد سنوات من القتال مع الفصائل المتمردة ضد قوات النظام السوري، انضم أبو أحمد إلى الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا في العام الماضي، حيث قاد عملية توغل أنقرة في شمال سوريا التي يسيطر عليها الأكراد، ثم انضم إلى صفوف حكومة الوفاق في فبراير 2020.
وتابع: "هنا في ليبيا يعاملوننا وكأننا كيس من المال، الليبيون يكرهوننا ولا يثقون بنا على الإطلاق، نريد فقط العودة إلى ديارنا".
وكشف تحقيق الصحيفة الإنكليزية أن أنقرة أوكلت لكبار قادة الكتائب السورية المدعومة من تركيا مهمة تجنيد المرتزقة، ووعدتهم بدفع 2000 دولار شهريا لمدة 4 أشهر، وهو أكبر بكثير من الراتب الذي يتقاضونه في سوريا للمحاربة إلى جانب القوات التركية حيث يبلغ 70 دولار شهريا.
وبحسب العديد من المقاتلين في ليبيا والمدنيين في شمال غرب سوريا، فإن أمثال فهيم عيسى، الذي يقود كتيبة السلطان مراد و "أبو عمشة"،من كتيبة سليمان شاه، قد حققوا أرباح كبيرة من تجنيد مقاتليهم في ليبيا.


من سوريا إلى طرابلس


وأما عن خط سير الرحلة من سوريا إلى طرابلس، فذكر أبو أحمد أن رحلته بدأت من نقطة حوار كلس الحدودية بين سوريا وتركيا، ثم صعد على متن طائرة عسكرية من مدينة غازي عنتاب جنوب تركيا إلى إسطنبول، ثم طائرة تجارية إلى طرابلس غرب ليبيا، مشيراً إلى أن رحلته استغرقت أسبوع.
وذكر مقاتل آخر في حكومة الوفاق الوطني، كان من بين الاوائل الذين ذهبوا إلى ليبيا، وقد عاد في يناير إلى سوريا، أن السوريين الذين قاتل إلى جانبهم خاب أملهم، حتى الرواتب لم يحصلوا عليها كاملة.
بينما أخبر عمر، مقاتل آخر، أن 200 دولار من راتبهم الشهري يتم تحويله إلى لوائهم في سوريا، وقال: "الوضع في ليبيا مثل سوريا نحن نقاتل دون أي تخطيط، بعض السوريين كانوا مكتئبين لدرجة أنهم هددوا بأنهم إذا لم يعودوا إلى منازلهم سيقتلون أي شخص يقف في وجههم".
كما قال رجل من عفرين أنه في حال فشل الحصول على مقاتلين، يستهدفون المدنيين، وأنه تم الاتصال به للمساعدة في تجنيد المدنيين من مخيمات النازحين، وعٌرض عليه الحصول على 200 دولار مقابل كل مدني ينجح في تجنيده للقتال في ليبيا.

مرتزقة حفتر


بحلول شهر مايو الماضي، أدرك حفتر أنه يخسر الحرب، وأن شحن المقاتلين السوريين أتى ثماره وانقلبت موازين المعركة، واستدار إلى سوريا بالتعاون مع حلفائه، وبالفعل بدأت الشركات العسكرية المرتبطة بالكرملين بتجنيد الشباب في المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري.
ويعتقد خبراء الأمم المتحدة، الذين يحققون في انتهاكات حظر الأسلحة، أنه بين 1 يناير و10 مارس، كانت هناك 33 رحلة طيران لأجنحة الشام من دمشق إلى بنغازي، من المحتمل أن تنقل مرتزقة سوريين.
وأفاد نفس التحقيق أن الشركات الروسية وعدت المقاتلين السوريين براتب شهري قيمته 800 دولار، ثم رفعته إلى 1000، وهو أعلى بكثير من الراتب الشهري الذي يحصلون عليه عند القتال مع الأسد 30 دولار شهريا، مشيراً إلى أن المرتزقة تم تجميعهم من القرى الصغيرة بالقرب من محافظة السويداء، مركز الأقلية الدينية الدرزية في سوريا ثم تم نقلهم إلى درعا في مارس الماضي.
وقال عمران مسلمة، وهو ناشط سوري من درعا، على اتصال وثيق مع القرى التي استهدفتها حملة التجنيد، إن الشركات الروسية وعدت المقاتلين براتب شهري 1200 دولار ووقف مضايقات الأمن وانتهاكاتها لهم، وإنه تم إخبارهم بأن المهمة ستكون تأمين حقول النفط والمنشآت الروسية.
لكن عندما وصلوا إلى معسكرات التدريب في حمص، علموا أنهم سيقاتلون مع حفتر ضد الحكومة في طرابلس، فرفض الكثير وعادوا إلى منازلهم.
بحلول شهر أبريل، تكررت القصة نفسها في القنيطرة، وأوضحت إليزابيث تسوركوف، الخبيرة السورية في معهد أبحاث السياسة الخارجية التي تحدثت إلى أفراد المجتمع، إن الرجال وقعوا العقود لأن عائلاتهم "كانت جائعة".
وكشف التحقيق أن المقاتلين يتم نقلهم من قاعدة حميميم الجوية الروسية في اللاذقية إلى قاعدة خادم الجوية التي أنشأتها الإمارات شرق ليبيا على متن طائرة أجنحة الشام التابعة للنظام السوري.

من يدفع رواتبهم؟


يقدر المحققون في الأمم المتحدة أن عقدا لمدة ثلاثة أشهر في ليبيا لجميع المقاتلين يكلف حوالي 175 مليون دولار، مؤكدين أن حفتر لا يمكنه تمويل ذلك بمفرده.
ويزعم البعض أن رجل الأعمال الروسي يفغيني بريغوجين، المقرب من بوتين، هو الممول الغامض لفاغنر، كما يتهم الرئيس التركي أبو ظبي بدعم المرتزقة الذين يقاتلون إلى جانب حفتر، وهو الأمر الذي تنفيه الإمارات جملة وتفصيلا مؤكدة دعما للحل السلمي السياسي.
ووجد تحقيق سري أجرته الأمم المتحدة مؤخرًا أنه في منتصف معركة طرابلس، دفع حفتر لفريق من 20 مرتزقًا أجنبيًا، 120 ألف دولار لإنشاء قوة ضاربة بحرية لمنع وصول الإمدادات التركية إلى حكومة الوفاق، إلا أنهم اختلفوا مع حفتر وغادروا بعد أيام من وصولهم.