نساء الثورة.
16-11-2020, 10:46 AM
ما كان يخطر ببال أحد منهم أن يحدث ما حدث..

كان الأمر أشبه بأن تطبق السماء بكل ثقلها على صدرها حتى تكاد تختنق ويفور دمها الجزائري وقت الضيق معلنا عن ثورة كرامة مكنتها من تجاوز الخوف وأشعرتها أثناء وقوفها الطويل بالاهانة عند حواجز التفتيش على امتداد اشارع المكتظ بعساكر الاستعمار أمام الأسلاك الشائكةال
بخطوات جادة مستقيمة كانت فتاة في مقتبل العمر لم تتعد الثانية والعشرون من عمرها، ترتدي تنوره حمراء و قميص أبيض تسدل شعرها الأسود الطويل الذي يغطي كتفيها وصدرها.تسير في شارع ضيق قبل أن تدخل أحد المنازل الواقع على الشارع الرئيسي من بابه الخلفي.كانت على أثرها امرأة أخرى أكبر منها سنا على الهيئة نفسها ترتدي معطفا أسودا قاتما تحسبا من أن تسقط الدمعة المتحجرة في سماء حي القصبة من ذلك الصباح الباكر لذلك اليوم ا لخريفي الحزين .
دخلت جميلة هي الأخرى من الباب الخلفي وأغلقته وراءها.خلف الباب ساحة المنزل الواسعة التي كانت تشبه مدرسة خصوصية تديرها امرأة اكبر منهما سنا كانت تلك المدرسة بدورها تأوي غرفة صغيرة وجدت، بداخلها شخصا كان ينتظرهما في قلق وفي ركن من أركان الغرفة كانت هناك ثلاثة طرود عبارة عن علب من الكارتون متوسطة الحجم، بدت كأنها استجلبت منذ قليل من سوق العطور المجاور لتؤدي غرض ما لا بعرف سره إلا النسوة الثلاثة ورابعهم الذي كان في انتظارهم .
العاصمة تغلي ويخيم على أجوائها صمت رهيب والجبهة تبحث عن رد وشيك انتقاما لضحايا القصبة الذين سقطوا وهم امنين داخل بيوتهم بشارع "ثيباس" على يد الشرطي اشياري وفريقه المجرم..

يومها كل نسوة القصبة جاؤوا بالكامل للاشتراك في حفلة الصمت التي كانت من الممكن أن تكون صخبا ورقصا وتبادل التهاني والقبل في زفاف عبد الرحمان لو لم يكن هذا الذي حصل منذ شهر ونصف تقريبا، منذ أن ودعوا عبد الرحمان وسبعون شخصا من جيرانهم وفلذات كبدهم جراء ذلك الاعتداء الوحشي الجبان ليلة العاشر أوت 1956. لم تتمكن لا زهراء ولا رفيقتيها جميلة ولا سامية من نسيان تلك الحادثة التي غيرت مجرى حياتهم ولا تلك الصور لسكان العاصمة خاصة سكان حي القصبة وهم يتعرضون للاغتيالات والسجن ويقتادون كالقطعان إلى مراكز التعذيب أو يعذبون داخل منازلهم بأفظع الصور، اندهشوا حينها وهم يشاهدون الأبرياء من الشعب يقتادون إلى المحتشدات، بالمقابل شاهدوا الفرنسيين وهم يتلذذون بهذه الأوضاع ومما زاد في امتعاضهم رؤيتهم للخونة وهم يحتفلون مع أسيادهم الفرنسيين اعتقادا منهم إخماد نار الثورة والقضاء عليها بالقمع . كانت تقام لهم حفلات وسهرات فنية نهاية كل أسبوع في مختلف القاعات والمساحات المخصصة لمثل هذه المناسبات. صرخت زهرة وثارت جميلة وتألمت سامية وعبروا للرجل الواقف أمامهم عن آلامهم وعن استعدادهم للتضحية مهما كان الثمن المهم أن لا ينعم هؤلاء بالجزائر..

ما زالت كوابيس ضحايا القصبة تطاردهم حيث ما حلوا ولا زالت مشاهد البشاعة والغطرسة مرسومة أمام أعينهم.حاولوا جاهدين محو من ذاكرتهم كل تلك الصور لكنهم لم تستطيعوا.. كان سبر أغوار الوضع القائم صعب للغاية،لا ابتسامات ما عاد الدموع المتحجرة في المدامع، ولا مكان للكلمات السعيدة سوى الحسرة على ما وقع . وحدها زهراء طالبة الحقوق أضفت شيئا جديدا على الوضع القائم عندما أخذت تستذكر بصوت منقبض مآثر الثورة المباركة وشجاعة إخوانها الذين زفتهم شهداء من أجل حياة الوطن واسترداد الحرية المسلوبة .

كما دخلت زهرة ترتدي التنورة الحمراء والقميص الأبيض غادرت الغرفة مودعة أولا بنفس الملابس سوى أنها غيرت حقيبتها بحقيبة اكبر، تلتها جميلة بوحيرد بعد لحظات ثم غادرت بعدهما سامية لخضاري في اتجاه مغاير.

بخطوات جادة مستقيمة من غير أن تكون في إثرها جميلة التي رافقتها،عرجت زهرة على كشك بائع الورود واشترت بضع وردات حمر وعلبة سجائر،أشعلت سيجارة هي التي لا تدخن فقط لكي تظهر كالأوروبيات ،وهي في كامل زينتها ظلت في غنج تنفث دخان سيجارتها وتوزع الابتسامات في طريقها كلما ادعت الضرورة حتى أنها أهدت بعض من ورودها الحمراء لعساكر" لاكوست" المجرم وتلك الحيلة أبعدت عنها الشبهات ومكنتها من اجتياز كل المتاريس بسلاسة وبلا تفتيش .
لم تضيع زهراء وقتها بمجرد أن دخلت إلى مقهى "ميلك بار" اتخذت مجلسا لها وضعت الحقيبة بين رجليها ثم دفعتها تحت الطاولة وكانت الساعة تشير إلى السادسة وخمسة وعشرون دقيقة. لم يبق لها إلا عشر دقائق لمغادرة المكان والابتعاد.وعند رؤيتها لوجوه الزبائن قالت لا بد أن هناك أشخاص أبرياء وهي الطالبة المستجدة في كلية الحقوق ثم تساءلت في قرارة نفسها "أيمكن القتل من اجل قضية عادلة؟"

من بين الحشود المتواجدة بداخل "الميلك بار" اطل العريس الضحية عبد الرحمان ابن القصبة برأسه أمامها، ابتسمت وسمعت هاتفا يرد عليها وكأنه هو " قضيتنا عادلة لا بد لنا أن نقاتل من اجلها حتى وان استدعى الأمر أن نلجأ إلى أساليب غير عادلة".

انسحبت ببرودة أعصاب تاركة حقيبتها اليدوية تحت الطاولة التي لم ينتبه إليها أي احد من تلك الحشود التي تملأ القاعة.

فبعد برهة وهي على بعد مائتا متر عن المكان دوى انفجار ضخم، تهشم زجاج "الميلك بار" والعمارات والمكاتب القريبة، تعالت الأصوات هنا وهناك، تطاير الغبار وحجب الرؤية .سمعت صفارات الإنذار من بعيد، هرعت فرق الإنقاذ بسرعة وحضر رجال الإطفاء لإخماد ألسنة اللهيب التي طالت الطابق العلوي للمقهى.
حضر رجال الإعلام بكثافة ولفيف من العسكر فريق من المحققين، أغلقوا الشارع بأكمله ولم يسمح لأي ساكن أن يخرج منه أو يدخله وما تزامن ذلك الانفجار بدوي انفجار ثاني في مقهى أخر بشارع "ميشلي".عمت الفوضى والارتباك وسقطت أطروحة العاصمة مؤمنة.
بعد ساعة من عملية التمشيط والتأكد من الحادثة وحيثياتها أعلنت الحاكم العام في بيان مقتضب إن "ارهبيو" جبهة التحرير ضربوا مرة أخرى قلب العاصمة أعلنت فيه بأن عملية "الميلك بار" تعد عمل ارهبي نفذته امرأة حسب شهود عيان .وتوالت التقارير والتحليلات لهذا التطور الجديد في أسلوب جبهة التحرير واستنتج المحققون أن منفذة عملية "الميلك بار" كانت تحمل ملامح أوروبية.
هناك بأعالي العاصمة في مكان ما سري للغاية وصل رجل بعد نصف ساعة من الانفجار في صورة شحاذ ،ملابسه رثة يطلب حسنة ، خرج رجلا من بيت آيل للسقوط ادخل يده في جيبه وهو يسلم له الصدقة قال الله الشحاذ بصوت خافت " لقد أخذنا بثأر ضحايانا... العملية تمت بسلام، لا تقضي ليلتك هنا" رد الرجل "نعم..نحن ننتظر الأسوأ " وبالفعل لم يمضي كثير من الوقت حتى بدأت "معركة الجزائر " وهذه المرة لا رجعة فيها من كلتا الطرفين. كانت مرحلة أكثر عنف وأكثر وحشية مملوءة بالدم والدموع سحق فيها كثير من الأوروبيون وكثير من المسلمين وكان ذلك ثمنا للحرية التي ننعم بها اليوم.
ان احسست بالاختناق فابحث عن الحرية حيث ما تكون لكي لا تموت.