تفسير سورة الزلزلة
06-11-2017, 10:01 AM
سورة الزلزلة { المصدر:تفسير السعدى والطبرى والقرطبى }
************************************************** *
{1} إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا *{2} وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا *{3} وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا *{4} يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا *{5} بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا *{6} يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ *{7} فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *{8} وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ *
{1} إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا } ::
أَيْ حُرِّكَتْ مِنْ أَصْلهَا . كَذَا رَوَى عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَكَانَ يَقُول : فِي النَّفْخَة الْأُولَى يُزَلْزِلهَا - وَقَالَهُ مُجَاهِد - ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " يَوْم تَرْجُف الرَّاجِفَة . تَتْبَعهَا الرَّادِفَة " [ النَّازِعَات : 6 - 7 ] ثُمَّ تُزَلْزَل ثَانِيَة , فَتُخْرِج مَوْتَاهَا وَهِيَ الْأَثْقَال .
قَالَ الْعُلَمَاء : وَهَذِهِ السُّورَة فَضْلهَا كَثِير , وَتَحْتَوِي عَلَى عَظِيم رَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ قَرَأَ " إِذَا زُلْزِلَتْ " , عُدِلَتْ لَهُ بِنِصْفِ الْقُرْآن . وَمَنْ قَرَأَ " قُلْ يَا أَيّهَا الْكَافِرُونَ " [ الْكَافِرُونَ : 1 ] عُدِلَتْ لَهُ بِرُبْعِ الْقُرْآن , وَمَنْ قَرَأَ " قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد " [ الْإِخْلَاص : 1 ] عُدِلَتْ لَهُ بِثُلُثِ الْقُرْآن ) . قَالَ : حَدِيث غَرِيب , وَفِي الْبَاب عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ قَرَأَ إِذَا زُلْزِلَتْ أَرْبَع مَرَّات , كَانَ كَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآن كُلّه ) . وَرَوَى عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ " إِذَا زُلْزِلَتْ " بَكَى أَبُو بَكْر ; فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْلَا أَنَّكُمْ تُخْطِئُونَ وَتُذْنِبُونَ وَيَغْفِر اللَّه لَكُمْ , لَخَلَقَ أُمَّة يُخْطِئُونَ وَيُذْنِبُونَ وَيَغْفِر لَهُمْ , إِنَّهُ هُوَ الْغَفُور الرَّحِيم ) .
{2} وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا } ::
وَأَخْرَجَتْ الْأَرْض مَا فِي بَطْنهَا مِنْ الْمَوْتَى أَحْيَاء , قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْأَخْفَش : إِذَا كَانَ الْمَيِّت فِي بَطْن الْأَرْض , فَهُوَ ثِقَل لَهَا . وَإِذَا كَانَ فَوْقهَا , فَهُوَ ثِقَل عَلَيْهَا . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد : " أَثْقَالهَا " : مَوْتَاهَا , تُخْرِجهُمْ فِي النَّفْخَة الثَّانِيَة , وَمِنْهُ قِيلَ لِلْجِنِّ وَالْإِنْس : الثَّقَلَانِ .
{3} وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا } ::
يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَ النَّاس إِذَا زُلْزِلَتْ الْأَرْض لِقِيَامِ السَّاعَة : مَا لِلْأَرْضِ وَمَا قِصَّتهَا يَوْمئِذٍ تُحَدِّث أَخْبَارهَا. ؛ وَقِيلَ : أَرَادَ كُلّ إِنْسَان يُشَاهِد ذَلِكَ عِنْد قِيَام السَّاعَة فِي النَّفْخَة الْأُولَى : مِنْ مُؤْمِن وَكَافِر . وَهَذَا قَوْل مَنْ جَعَلَهَا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَشْرَاط السَّاعَة ; لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ جَمِيعًا مِنْ أَشْرَاط السَّاعَة فِي اِبْتِدَاء أَمْرهَا , حَتَّى يَتَحَقَّقُوا عُمُومهَا ; فَلِذَلِكَ سَأَلَ بَعْضهمْ بَعْضًا عَنْهَا . وَعَلَى قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُرَاد بِالْإِنْسَانِ الْكُفَّار خَاصَّة , جَعَلَهَا زَلْزَلَة الْقِيَامَة ; لِأَنَّ الْمُؤْمِن مُعْتَرِف بِهَا , فَهُوَ لَا يَسْأَل عَنْهَا , وَالْكَافِر جَاحِد لَهَا , فَلِذَلِكَ يَسْأَل عَنْهَا
{4} يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا } ::
أَيْ تُخْبِر الْأَرْض بِمَا عُمِلَ عَلَيْهَا مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ يَوْمئِذٍ . ثُمَّ قِيلَ : هُوَ مِنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى . وَقِيلَ : مِنْ قَوْل الْإِنْسَان ; أَيْ يَقُول الْإِنْسَان مَا لَهَا تُحَدِّث أَخْبَارهَا ; مُتَعَجِّبًا . وَفِي التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَة " يَوْمئِذٍ تُحَدِّث أَخْبَارهَا " قَالَ : ( أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارهَا - قَالُوا اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم , قَالَ : فَإِنَّ أَخْبَارهَا أَنْ تَشْهَد عَلَى كُلّ عَبْد أَوْ أَمَة بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرهَا , تَقُول عَمِلَ يَوْم كَذَا كَذَا وَكَذَا . قَالَ : ( فَهَذِهِ أَخْبَارهَا ) .
{5} بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا } ::
أَيْ إِنَّهَا تُحَدِّث أَخْبَارهَا بِوَحْيِ اللَّه " لَهَا " , أَيْ إِلَيْهَا .. وَقِيلَ : " أَوْحَى لَهَا " أَيْ أَمَرَهَا
{6} يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ } ::
أَيْ فِرَقًا ; جَمْع شَتّ . قِيلَ : عَنْ مَوْقِف الْحِسَاب ; فَرِيق يَأْخُذ جِهَة الْيَمِين إِلَى الْجَنَّة , وَفَرِيق آخَر يَأْخُذ جِهَة الشِّمَال إِلَى النَّار ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " يَوْمئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ " [ الرُّوم : 14 ] " يَوْمئِذٍ يَصَّدَّعُونَ " [ الرُّوم : 43 ] . وَقِيلَ : يَرْجِعُونَ عَنْ الْحِسَاب بَعْد فَرَاغهمْ مِنْ الْحِسَاب . " أَشْتَاتًا " يَعْنِي فِرَقًا فِرَقًا .ليروا ثَوَاب أَعْمَالهمْ . وَهَذَا كَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَا مِنْ أَحَد يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا وَيَلُوم نَفْسه , فَإِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَيَقُول : لِمَ لَا اِزْدَدْت إِحْسَانًا ؟ وَإِنْ كَانَ غَيْر ذَلِكَ يَقُول : لِمَ لَا نَزَعْت عَنْ الْمَعَاصِي ) ؟
{7} فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ } ::
كَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول : مَنْ يَعْمَل مِنْ الْكُفَّار مِثْقَال ذَرَّة خَيْرًا يَرَهُ فِي الدُّنْيَا , وَلَا يُثَاب عَلَيْهِ فِي الْآخِرَة , وَمَنْ يَعْمَل مِثْقَال ذَرَّة مِنْ شَرّ عُوقِبَ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَة , مَعَ عِقَاب الشِّرْك , وَمَنْ يَعْمَل مِثْقَال ذَرَّة مِنْ شَرّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يَرَهُ فِي الدُّنْيَا , وَلَا يُعَاقَب عَلَيْهِ فِي الْآخِرَة إِذَا مَاتَ , وَيُتَجَاوَز عَنْهُ , وَإِنْ عَمِلَ مِثْقَال ذَرَّة مِنْ خَيْر يُقْبَل مِنْهُ , وَيُضَاعَف لَهُ فِي الْآخِرَة . وَفِي بَعْض الْحَدِيث : ( الذَّرَّة لَا زِنَة لَهَا ) وَهَذَا مَثَل قول اللَّه تَعَالَى : أَنَّهُ لَا يَغْفُل مِنْ عَمَل اِبْن آدَم صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة . وَهُوَ مِثْل قَوْله تَعَالَى : " إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة " [ النِّسَاء : 40 ] .
{8} وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } ::
قَالَ : أَهْل التَّأْوِيل ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 29219 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَيْسَ مُؤْمِن وَلَا كَافِر عَمِلَ خَيْرًا وَلَا شَرًّا فِي الدُّنْيَا , إِلَّا أَتَاهُ اللَّه إِيَّاهُ. فَأَمَّا الْمُؤْمِن فَيُرِيه حَسَنَاته وَسَيِّئَاته , فَيَغْفِر اللَّه لَهُ سَيِّئَاته. وَأَمَّا الْكَافِر فَيَرُدّ حَسَنَاته , وَيُعَذِّبهُ بِسَيِّئَاتِهِ . وَقِيلَ فِي ذَلِكَ غَيْر هَذَا الْقَوْل , فَقَالَ بَعْضهمْ : أَمَّا الْمُؤْمِن , فَيُعَجَّل لَهُ عُقُوبَة سَيِّئَاته فِي الدُّنْيَا , وَيُؤَخَّر لَهُ ثَوَاب حَسَنَاته , وَالْكَافِر يُعَجَّل لَهُ ثَوَاب حَسَنَاته , وَيُؤَخَّر لَهُ عُقُوبَة سَيِّئَاته .
وَهُوَ مِثْل قَوْله تَعَالَى : " إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة " [ النِّسَاء : 40 ] .
. 29222 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَيُّوب , قَالَ : وَجَدْنَا فِي كِتَاب أَبِي قِلَابَة , عَنْ أَبِي إِدْرِيس : أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ يَأْكُل مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { فَمَنْ يَعْمَل مِثْقَال ذَرَّة خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَل مِثْقَال ذَرَّة شَرًّا يَرَهُ } فَرَفَعَ أَبُو بَكْر يَده مِنْ الطَّعَام , وَقَالَ : إِنِّي لَرَاءٍ مَا عَمِلْت , قَالَ : لَا أَعْلَمهُ إِلَّا قَالَ : مَا عَمِلْت مِنْ خَيْر وَشَرّ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ مَا تَرَى مِمَّا تَكْرَه فَهُوَ مَثَاقِيل ذَرّ شَرّ كَثِير , وَيَدَّخِر اللَّه لَك مَثَاقِيل ذَرّ الْخَيْر حَتَّى تُعْطَاهُ يَوْم الْقِيَامَة " وَتَصْدِيق ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه : { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير } .

منقول


سحر الحرف والكلام


شكرا للأخ صقر الأوراس على التوقيع