تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
موضوع مغلق
  • ملف العضو
  • معلومات
khalid
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 03-01-2007
  • المشاركات : 145
  • معدل تقييم المستوى :

    12

  • khalid is on a distinguished road
khalid
عضو فعال
أمــــراء الظــلام
19-12-2007, 04:00 PM
ـ السلام .
موضوع جديد سنتناول فيه مسيرة أمراء الظلام رواد الحركة الإسلامو/صهيونية التي تفتك أعراض المغلوبين و تسفك دماء المسلمين ، وكيف إستطاعت هده الحركة من توزيع الأدوار فيما بينها وخلق جو من الإبهام و ستار يحجب الرؤية الواضحة في مسائل الدين الحنيف و بالتالي جر الشباب المسلم الى برك الدماء .
من الحركة الوهابية الى حركة الإخوان المسلمين بمصر و إنتشارها في أكثر من مائة دولة حتى التزاوج مع الوطنيين و الإشتراكيين بل حتى الإقتباس المخابراتي الأمريكي في أفغانستان و إيران في نهاية الثمانينات .
كل دلك ببعض الإعترافات التي أدلى بها أمراء الموت و أمراء الحياة الظلامية .
أخي العضو في هدا المنتدى نطلب منك الإصغاء و الجدل العلمي المستقى من الحياة المعاشة و الأفكار المستنبطة من شرع الله تعالى و سيرة رسوله -صلى الله عليه و سلم -
  • ملف العضو
  • معلومات
khalid
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 03-01-2007
  • المشاركات : 145
  • معدل تقييم المستوى :

    12

  • khalid is on a distinguished road
khalid
عضو فعال
رد: أمــــراء الظــلام
21-12-2007, 08:48 AM
ـ الفقرة الأولــــى.


تاريخ الإرهاب


إن استخدام العنف أمر مرافق للبشرية منذ نشأتها وما قصة إبني آدم قابيل وهابيل إلا دليل أولي على ذلك. ثم إن القاعدة الأساسية التي كانت منذ بداية الحياة الأولي هي القاعدة المعروفة والتي مازال بريقها متألقاً وهي " البقاء للأقوى". ومع تطور الانسان ونزوعه الفطري إلى تكوين حياة اجتماعية ومدنية؛ ومع نشوء الحضارات ظهرت قواعد للسلوك تطلبت بعض القيود على القاعدة المتألقة دائماً. ومع ذلك ورغم وصول الانسان للفضاء وتطور اكتشافاته واختراعاته الرائعة إلا أننا نجد بأن القاعدة مستمرة ولكن مع ظهور قاعدة أخرى لا أقول تنافسها ولكن تكملها وهي " البقاء للأصلح". والأمر ليس مقصوراً على الأفراد أو الجماعات بل ينسحب على كل التنظيمات التي ابتدعها الانسان وفرضها التطور صعوداً إلى "الدولة" وإلى "المنظمات الدولية" مهما تعددت ميادينها، حتى أن بعض الدول – ولو أنها تقال بخوفٍ أو استحياء – تتحرك في الاطار الدولي أو الداخلي إرتكازاً على " القوة فوق الحق"( ). تتم ممارسة العنف بأشكال متنوعة يتوقف شكلها على الفاعلين والظروف والمجتمع والبيئة التي يمارس فيها العنف سواءً كان عنفاً مادياً أو معنوياً، ولأن العنف هو أحد أوجه السلوك الاجتماعي فإنه يتأثر في المجتمع ويؤثر فيه ، فالجرائم تتطور وتتغير تبعاً لتطور المجتمع وتغيره. ذبح البقر في الهند عند الهندوس جريمة، وذبحه عند المسلمين للغذاء وفي مجتمعات أخرى أكل لحوم البقر أكثر رقياً من أكل لحوم الضأن.

إن خطورة العنف الارهابي أيضاً خطورة متطورة ومتعاظمة إذ لم تكن لها في بدايتها –ولو أن في الأمر نسبيه- الهول الذي رأته بعض المجتمعات فاتسع نطاقه وتعددّت أشكاله مسخراً ما تفتق عنه العقل والقدرة البشرية من فكر ووسائل( ). وأصبح اللجوء إلى الارهاب في نظر البعض بديلاً للحروب التقليدية، ولدى البعض الآخر أكثر فاعليةً خاصةً إذا لم يكن في الحيلة غيره( ) وبما أن لكل فعل رد فعل، فهناك بالمقابل تطور موازٍ في سبل مكافحة هذه الآفة. ولو استفاق من قبره اليوم أحد عباقرة التاريخ مثل الاسكندر الكبير أو خالد بن الوليد، أو جنكيز خان، أو السلطان سليم أو نابليون لفرك الواحد منهم عينيه من هول الجبروت الذي امتلكه الانسان المعاصر؛ ولا بد أن عَجَبَهُم سيكون أشبه بالجنون فلا يصدِّقون مثلاً سقوط الاتحاد السوفيتي المدجج من أخمص قدمه إلى قمة رأسه بجميع أنواع الأسلحة غير التقليدية الفتاكة التي تكفي للقضاء على الكرة الأرضية أربع مرات، الذي خر مستجدياً ذليلاً على يديه وجبينه- وكما يقول الأردنيون حافي القدمين دارعاً عقاله برقبته( ).

كما ولا يصدقون مثلاً بزوغ قوى لا تملك أي سلاح محكوم عليها نتيجة هزيمتها في الحرب العالمية الثانية بأن تبقى منزوعة السلاح مثل ألمانيا واليابان( ). كما ولن يصدقوا " شعبطة" قوى لا تمتلك شيئاً إلى قمة مسرح العمليات تفتك بدون هوادة بأقوى قوى العالم تُمَرِّغُ أنفها في التراب( ).

كان الاتحاد السوفيتي السابق قوةً عظمى لا بل كان أحد القطبين العالميين في النظام الدولي السابق المنتهي سنة 1990. وكأي قوة عظمى فهو مضطر أو أسير لمحددات الجغرافيا والقانون الدولي والداخلي، والحال الاقتصادي، والايديولوجيا، والتوازن السياسي، والظروف السياسية. إذا كانت هذه القوة القطبية الثانية السابقة قد انحلت؛ فالقوة البديلة أو التي صعدت إلى "القطبية الثانية" هي" القوة الإرهابية" التي هي عبارة عن فدرالية إرهاب فيها من كل انحاء العالم ربما أبرزها على السطح أو القسم الذي يطفو على سطح الماء من ذلك الجبل الجليدي والتي عن قصد تم إبرازها والتركيز على هذا الأبراز ألا وهي "القاعدة لأبن لادن". هذه القطبية الارهابية لا قيود عليها لا بل متحررة من أي قيد أو محددات الأمر الذي يجعل منها الأخطر أو ربما الأقوى من أية دولة عظمى. وما العمليات التي حدثت في نيويورك وأندونيسيا وغيرها إلا بمثابة " لعب أطفال" قياساً لما يمكن أن يتفجر خاصة بعد سقوط العراق ومن يدري من بعد العراق-( ). ربما أن هناك مستقراً في الذهن لمقولة "كبلنج" الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا "التي شكلت مرجعية حقيقية في التاريخ وصارت متأصلة في الغرب أكثر من الشرق( ).

إن القيام بعمل يسبب إرهاب الآخرين قديم قدم التاريخ المكتوب ومن أقدم الأمثلة على ذلك الحركة الارهابية اليهودية في القدس المسماة "السيكاريون" وهم طائفة دينية على درجة عالية من التنظيم لعبت دوراً فعالاً في العمليات الارهابية "للزيلوت" في فلسطين في القرن الأول للميلاد بين سنة 66-73م إذ اتبعت أسلوباً جديداً خارجاً عن التقاليد والعرف فكانت تهاجم أهدافها في وضح النهار وفي مناسبات الأعياد وحيث يكثر الحشد الجماهيري في مدينة القدس مستخدمة سلاحها المفضل الذي هو سيف قصير يخفيه " السيكاري" تحت سترته( ). إن الارهاب ينحدر من جذور عتيقة أجداده في عصور غابرة.

ويحاول "لاكور" تشبيه السيكاريين Sigaris "بالحشاشين" من الطائفة الاسماعيلية رغم أن الحشاشين لم ينطلقوا من التعاليم الاسلامية، وعلى العكس من ذلك السيكاريون الذين انطلقوا من عقيدتهم الدينية اليهودية رغم عدم صلتها بالتوراة الحقيقية التي لم يعد يعرف عن أصلها شيٌْ بعد أن شوهها وما يزال يشوهها اليهود من رجال الدين مفضلين عليها فتاوي الحاخامات والتلمود والمزامير ( ). وكانت الأعمال الارهابية موضع ترحيب رجال الدين بل وتسامحهم ومباركتهم ولكن ذلك لم يفرز محاولات تؤسس على هذا التاريخ لوضع نظرية في الارهاب المسيحي أو اليهودي. ومن هنا لا يمكن لأي باحث جاد أن يقبل الاستنتاج الخاطئ بأن الاسلام دين ارهابي.

إن ذلك يدفع المرء للوقوف بقناعة وجرأة ليؤكد أن الارهاب لا دين له ولا وطن له ولا زمان له ولا جنسية له ولا شكل محدد له. كانت هناك جمعيات سرية تتبع أساليب مختلفة وأهداف مختلفة منذ عدة قرون في الصين والهند وفي البلاد الاسلامية وكذلك في أوروبا وأمريكا. ولكن الارهاب المنظم بدأ في القرن التاسع عشر – ولا داعي لاسقاط مفاهيم آنية على عصور غابرة – إذ شهدت المعمورة أعمال عنف متفرقة منظمة لها محركات عرقية أو عنصرية أو سياسية ترتكب في مواجهة أنظمة أو حكومات أو سيطرة أجنبية إستعمارية ( ).

إن قضية الصراع بين الخير والشر قضية أزلية منذ غادر الانسان جنته ونَزَلَ على الأرض مروراً بالتاريخ الانساني حتى يومنا هذا وستبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها( ).

إن موضوع الاغتيالات التي مورست عبر التاريخ وثيقة الصلة بالارهاب الذي نحن بصدده اليوم ، وتبقى عملية " اغتيال الطغاة " عملية معقدة في أصولها الاخلاقية والسياسية، وليس بالمقدور غفرانها أو شجبها تلقائياً وعلى الفور إذ لا يخفى على المتتبع للتسلسل التاريخي أنه قد مرت ظروف لم تتوفر وسائل أخرى للتغيير أو لمقاومة الطغيان إلا الدخول في عملية الاغتيال أو القتل.

قال أصحاب اعلان استقلال أمريكا عن " جورج الثالث" ملك انجلترا" لقد دمر بحارنا ودمر شواطئنا وحطم أرواح أهلنا" حينما لجأوا إلى الارهاب. وفي مثل هذه الحالات لم ينظر الأمريكيون إلى قتل الجنود الانجليز – أصحاب الستر الحمراء- والموالين على أنها جرائم ولكنهم اعتبروها أفعالاً وطنية( ).

ومنذ ما يقارب المئتي عام قام الأمريكيون بطرد وإبادة السكان الأصليين – الهنود الحمر- وفتح نصف المكسيك وتدمير منطقة الكاريبي وأمريكا الوسطى واحتلال هاييتي والفيلبين وقتل مائتي ألف فليبيني. وبعد الحرب العالمية الثانية وسع الأمريكيون سيطرتهم على العالم وقاموا دائماً بدور القاتل وكانت المعركة دائماً أيضاً خارج الأراضي الامريكية ( ).

والارهاب المعروف عبر التاريخ بأحداثه الكثيرة يؤكد أنه ليس معطياً جديداً من معطيات العصر الحاضر. فقد عرف التاريخ أحداثاً كبيرة – وإن لم تُسم إرهاباً في حين الحدث أو الحقبة ذاتها – يمكن تفسيرها بأثر رجعي وحسب المفهوم المعاصر للارهاب على أنها إرهاب ( ). وتكمن الصعوبة في أن الارهابيين قد ادعوا وعلى مر العصور أنهم ارتكبوا أعمالهم كمحررين يحاربون الاستبداد بما فيه من شراسة وأعمال قهر تفوق الوصف. وطبيعي أن أعمالهم هذه لم تكتسب الوصف الشرعي إلا بعد نجاحها فحسب. وكانت كل دولة لوحدها – وحسب أخلاقها – هي التي تضع معايير السلوك الذي يُبين اللائق من عدمه. والتاريخ يغص بالأمثلة التي ظهر فيها مرتكبو الإرهاب بأنهم محاربون من أجل الحرية. وبما أنهم نجحوا فالبعض منهم أصبح فيما بعد رئيساً للدولة، أما من فشل منهم فقد حفظ في الهامش مكفناً بأقذع الصفات، ومن يدري فقد ينبش تاريخهم من جديد ليمنحوا فيما بعد أوسمة البطولة( ).

ينحدر الارهاب تاريخياً من جذور عتيقة وهناك من يؤشر إلى أن فلسفة الالتجاء إلى الارهاب ومستلهماته في العالم اليوم قد تكون في النموذج السوفيتي المصمم بعناية وحذق، ولكن مثل هذه الاشارة تحتاج إلى تقليب أكثر لصفحات التاريخ.

إن الارهاب الموصوف بأقذع وأرذل الأوصاف في أيامنا هذه، كان في أعين " الثوريين في مطلع القرن التاسع عشر إيجابياً ويرون فيه رديفاً للعنف الثوري الذي قال عنه "كارل ماركس" إنه قاطرة التاريخ لقناعته بأن الطبقة الحاكمة لا تتخلى عن موقعها وامتيازاتها كما ولا تسمح بقيام نظام العدالة الانسانية الاشتراكية ؛ ولا طريق للاطاحة بها إلا بالعنف الذي يجب أن يبلغ درجة الارهاب". وقد ربط " تروتسكي" باعتزاز بين الارهاب والشيوعية في عنوان واحد من مؤلفاته المهمة الارهاب عنف. والعنف كان يعتبر ايجابياً في العصور الثورية لأنه موجه ضد فئات وقوى حاكمة تقوم هي نفسها باحتكار العنف وأدواته لأنها تمتلك سلطة الدولة القهرية القمعية كما تمتلك القدرات الاقتصادية والمواقع الاجتماعية اللازمة الضرورية التي تستخدمها ضد مواطنيها من القوى التقدمية.

وبعد انهيار القطب الذي قاد التيار المسمى ثورياً فأصبح الارهاب والعنف الذي كان آنذاك ظاهرة ايجابية، أصبح ظاهرةً "سلبية لا بد من التخلص منها سواءاً داخل الديار التي كانت اشتراكية أو خارجها في ديار العالم الحر إما لأنها أصبحت تمثل شكلاً من الخروج على القانون والنظام العام أو لأنها تنتهك احتكار السلطة للعنف. هذا إذا آمنا أن الارهاب هو فعل عنف تقوم به جهة غير رسمية أو بدون تكليف رسمي. وهذا يفضي إلى فهمين متضادين للارهاب: إما أنه عنف تقوم به جهة غير رسمية فهو إذن خروج على القانون يجب وقفه ومعاقبته، وإما أنه عنف تقوم به جهة رسمية فهو إذن عنف مشروع مغطى بقبول قانوني. إذن فكل عنف تمارسه جهات غير رسمية تقوم به خارج القانون هو إرهاب مهما كانت أغراضه ومسوغاته ؛ والارهابي هو كل شخص أو جهةٍ غير رسمية تستعد للقيام أو تقوم بأعمال عنف مخالفة للقانون ( ). وهذا فهم لا يحظى إلا بتفسير جهة واحدة فقط علماً بأن هناك جهات متعددة تتناقض تفسيراتها مع هذا التفسير رغم أنه يمثل حقبة تاريخية جزئية وليس كل الحقب وحتماً ليس كل التاريخ.

والارهاب شر في نظر ضحاياه المستهدفين، بينما أهدافه نبيلة في نظر ممارسيه لأنه الوسيلة السهلة لتحقيق قدر من توازن القوى عن طريق توازن الضرر ورفع الكلفة على القاهر والمحتل ( ). ولكن لا يفوتنا احترام الرأي الذي أبداه الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة وهو " ليس الارهاب كالكولسترول فيه الحميد وفيه الخبيث، لا بل كله خبيث"( ). كما ولا بد من احترام رأي غسان تويني الذي قال" ليس الارهاب عليَّ وعلى أعدائي يا رب، بل هو عليَّ وعليَّ فقط يارب"( ).

والحق أن العنف السياسي الذي هو دائماً من النوع غير المستساغ كان ملازماً للانسان طيلة العصور، فإذا كان اليوم يقوم الارهابيون باختطاف البشر كرهائن والاختطاف شكل من الأشكال المتعددة للإرهاب- ففي الماضي كانت قبائل " الأنكا" تستولي على أوثان القبائل الأخرى كرهائن تكبح فيها تمرد أهلها( ). وصور الشاعر الانجليزي الخالد " شكسبير" ، صور" بروتس" كصاحب مبادئ تحول إلى إرهابي عندما اشترك في اغتيال يوليوس قيصر. وذهبت مثلاً عبارة القيصر بعد تلقيه طعنة بروتس. " حتى أنت يا بروتس".

إن "روبن هود" و "وليم تل" وهما من أبطال الأساطير الفلوكلورية الذين شنوا -ببطولة محط الاعجاب- حربا ضد الطغاة، وأثبتا أن أصل الارهاب ينحدر من العهد الذي كان يمجد الثورة ضِدَّ الطغاة( ).

وبالامكان رد عمليات الاختطاف -من أجل الحصول على فدية- إلى القرن الثاني عشر عندما ألقي القبض على الملك البريطاني" ريتشارد قلب الأسد " كرهينة في احدى قلاع الرأين ولم يفرج عنه إلا بعد أن دفع رعاياه مبلغاً كبيراً لأسرة أرشيدوق النمسا والامبراطورية الرومانية المقدسة. وقد تم اختطاف البابا نفسه من روما في القرون الوسطى إلى مدينة "أفينون" في فرنسا وبقى مركز البابوية هناك ردحاً طويلاً من الزمن( ).

أصبح فيما بعد الأطفال هدفاً سهلاً ومستحباً للأختطاف ويسود الاعتقاد بأن أصل الكلمة الإنجليزية Kidnapping (وتعني اختطاف) جاءت من الفترة التي انتشرت فيها عمليات خطف الأطفال. وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر كان الأطفال يختطفون ويباعون في سوق الرقيق للمستعمرات في نيوانجلاند. ولا تنسى تلك المرحلة للاستعمار الاسباني والبرتغالي التي كانت سفنهم فيها تجوب السواحل الافريقية تختطف البشر لتبيعهم في سوق العبيد.

وفي القرن الثاني عشر والثالث عشر كانت فريضة الاغتيال" تأتي انفاذاً للأوامر السلطانية للسلاطين العثمانيين للخلاص من المعارضين والمنشقين – وأغرب ما في الأمر اغتيال أشقاء ولي العهد قطعاً لدابر المنافسة والانشقاق – وبعد ذلك بستة قرون انغمس حتى أذنيه روبسبير وسان جوست في وحلٍ من رعب الاغتيال تترجرج أصداؤه عبر التاريخ في ثنايا ما خلّدته الثورة الفرنسية لسنة 1789.( ).

وفي العصور الأحدث أعاد الأرمن في القرن التاسع عشر اكتشاف فاعلية ارهاب خطف الرهائن، وظهرت فكرة التنظيم الارهابي السياسي في نفس الوقت في كل من الجمعيات السرية في ايطاليا واسبانيا ثم انتقلت إلى المانيا قبل أن يعرفها الروس.

ويستطيب بعض الباحثين الغربيين في الارهاب – وواضحة ميولهم وثقافتهم الصهيونية – أن يؤرخوا للارهاب بتلك العملية الارهابية التي قامت بها المنظمة الفلسطينية " أيلول الأسود" التي قامت فيها بقتل 11 رياضياً إسرائيلياً في دورة الالعاب الأولمبية التي جرت في ميونخ في ألمانيا في 5/9/1972 حتى يقروا في الأذهان إن العرب والمسلمين إرهابيون بل وإن الإسلام دين ارهابي. وقبل ذلك بأربعة أشهر أي في شهر أيار /1972 قتل 28 شخصاً في عملية اطلاق رصاص في مطار اللد في القدس من قبل حدثين يابانيين ينتميان إلى الألوية الحمراء اليابانية التي ونتيجة اتفاق بين المنظمات الارهابية قامت بالعملية لحساب منظمة أيلول الأسود .

وكان من نتيجة عملية ميونخ وعملية مطار اللد أن تحركت الضغوط الدولية بعد أن حُرِّكَتْ خيوط لُعَبِها – كخيوط مسرح العرائس- فطلب كورت فالدهايم إدراج بند في جدول أعمال الجمعية العامة في دورتها السابعة والعشرين تحت عنوان " تدابير منع الارهاب واشكال العنف الأخرى التي تعرض حياة الناس للخطر أو تقضي على حياة الأبرياء أو تعرض الحريات الأساسية للخطر( ).

ولا يخفى على أي باحث أن السبب الحقيقي وراء النوح " وتعفير الوجوه وشق الثياب" بسبب الارهاب اعتباراً من أيلول سنة 1972 – وليس قبله وليس بعده- لم يكن نتيجة أن عنف الارهاب لم يبدأ قبل ذلك التاريخ بل بسبب أن الضرب طال الحبيب أي طال ( ) المصالح الحيوية للقوي المهيمن على الساحة الدولية فأصبحت مصالحه تشكل هدفاً لخصومٍ بالذات بأن طالت أولاً الحليف الاستراتيجي إسرائيل " هذه هي الحقيقة السافرة الكامنة وراء الاهتمام المفاجئ بظاهرة الارهاب"( ).

ثم أخذ الاهتمام بمكافحة الارهاب يزداد بعد انتهاء الحرب الباردة وذوبان الاتحاد السوفيتي وانفراد أمريكا بالعالم كقوة عظمى ولوحدها. يضاف إلى ذلك تغول إسرائيل على العرب كقوة هائلة لا يطاولها آخر – رغم النق الفارغ من هنا وهناك- في ساحة الشرق الأوسط.

واعتمد هذان الأوحدان في مَحْقْ إرادة الآخرين على قواتهما " العسكخبارية" - أي العسكرية والاستخبارية- واحتكار أسلحة الدمار الشامل والتفوق التكنولوجي. كما آمن هذان الأوحدان أن مقتلهما يكمن في الارهاب الذي ليس لديه لا جيوش نظامية باسلحتها الجوية، كما لا تتوفر له أية ميزات عسكرية، ولا تكنولوجيا رقمية علمية. ليس لديه أي من تلك بل ولا يحتاج إليها. لديه فقط أشخاص على استعداد للموت من أجل تحقيق هدف أثمن من حياتهم." إنهم يريدون أن يجروا مع جثثهم المتفجرة جلاديهم إلى محكمة دار الآخرة بعد أن أغلقت في وجوههم كل محاكم الدنيا بعد أن سقط القانون الدولي.

إن أمريكا بمساندتها اللامحدودة لإسرائيل أصبحت مسؤولة معها عن انتشار الارهاب، وتبدد الحل السلمي، وبالتالي عن انتشار البيئة الصالحة لتفريخ الارهاب وتجنيد الارهابيين. وكم من زعيم عربي حاول تقديم النصح لأمريكا – من الأصدقاء الصدوقين لأمريكا – بأن حل القضية الفلسطينية على أسس عادلة هو السحر الذي يمحو الارهاب. " ولكن في الأذن طينة وفي الأخرى عجينة". ولا ينسى الباحث في التاريخ السياسي أن إسرائيل قامت بالارهاب، كما أن أمريكا – كما هي حال الكثير من الدول التي استقلت- حققت استقلالها بالعنف ، ولا يشكل ذلك مأخذاً عليها.

يجب أن تتركز الجهود على معالجة الأسباب السياسية والاقتصادية، والاجتماعية المحفزة للارهاب فالاحتلال العسكري وغياب العدالة وعدم احترام الشرعية الدولية جميعها عوامل تسهم في تعزيز الميول نحو التطرف والعنف الأمر الذي يجعل من إزالة هذه العوامل أمراً مهماً للسلام والأمن الدوليين( ).

وقد استخدم الارهاب على مر العصور وفي مختلف أنحاء العالم: في اليونان سنة 349 ق.م وفي روما سنة 37م والحقيقة أن لا مكان ولا زمان مخصص للإرهاب. إذ عرفته البشرية قرناً تلو قرن وورثته الأجيال من جيل إلى جيل. عرفته فئات تنتمي إلى الديانات القديمة والحضارات السابقة والفلسفات العتيقة، وقد غالى البعض فرأى أن " اخناتون" كان متطرفاً بمعايير زمانه حينما نادى بوحدانية الله خارجاً عن معتقد شعبه وعن العادات والتقاليد . والسفسطائيون في اليونان كانوا متطرفي عصرهم إذ كانوا بارعين في الدفاع عن وجهة النظر وعن نقيضها بنفس الوقت. وظهرت حركات متطرفة تنتمي إلى الديانات السماوية الثلاث اليهودية والمسيحية والاسلام ( ).

هناك من يعتقد أن الدقة في تحديد متى بدأ الارهاب ومَنْ يقوم به أمران مهمان لدفع التهمة بأن الارهاب إسلامي ( ). فالدقة في معرفة أكيدة لهوية الفاعل أمر ضروري فالعالم ينظر إلى الحدث من زاوية واحدة ( )؛ إذ لا يرى إرهاباً ما ترتكبه إسرائيل في الوطن المحتل بل يرى الارهاب في دفاع الفلسطينيين عن أنفسهم. ولا يرى فيما تفعله أمريكا وحلفاؤها في افغانستان ارهاباً رغم الترويع الذي أصاب سكانها ليل نهار من الحمم الجوية المتتالية ؛ بل يرى الارهاب فيما يقوم به الطالبان والقاعدة. والمفارقة أنه حين كان المستهدف من المقاومة الاسلامية في افغانستان الاتحاد السوفيتي كان الفعل مشروعاً بل ومدعوماً كلياً من أمريكا وحلفائها. وحين أصبحت أمريكا هي الهدف صار ذات الفعل إرهاباً بغيضاً. لا نعتقد أن في ذلك عجباً فالإرهابي- ما دام أنها صفة للنذل الحقير المتوحش- هو الآخر ولستُ أنا ( ). ومصطلح الارهاب من المصطلحات التي تدل على الاهانة يستخدمها المُسَيْطِر المُهَدِد.‍‍ في القرن التاسع عشر كان الارهابي هو الشخص الذي يقوم بأعمال العنف ضد السلطة الرسمية. وللمصطلح استعمالات تقليدية وثورية وبراجماتية حسب مستعمله، وحسب من يقترفه أو من يئن تحت وطأته ( ).إن الغموض في المصطلح يُضَلَّلُ فهم كنه الارهابي والتهديد الذي يحدثه، فينزلق المصطلح وتزل قدمه ويبتعد عن الدقة، فالملاكمون يشتركون مع الإرهابيين في بعض الصفات.

" ظهر الارهاب الحقيقي على أيدي الاتحاد السوفيتي ضد الأطفال وضد الأبرياء في أفغانستان ، فترك المجاهدون العرب أعمالهم وأهلهم وعشيرتهم نصرةً لدين الله والمستضعفين من أبناء المسلمين. لذا لا يعقل أن يذهب هؤلاء اليوم لقتل الأبرياء كما يزعم الزاعمون. وحتى هذا التاريخ كانت أمريكا تؤيد كل من يجاهد وكل من يقاتل الروس فلما منّ الله على المجاهدين العرب أن ينصروا المستضعفين في فلسطين والأطفال الضعفاء غضبت أمريكا وقَلَبَتْ ظهر المجن لكل من قاتل في افغانتسان. إن الناس حتى وإن أصابهم بعض الظلم وبعض العدوان لا تستطيع أن تقتل الأطفال الأبرياء. وما عرف التاريخ أحداً يقتل الأطفال إلا نادراً وهو مذهب فرعون والله منَّ على بني إسرائيل إذ نجّاهم من فرعون. فتذبيح الأطفال أمر اشتهر به فرعون رأس الظلم والكفر, ولكن إسرائيل استعملت نفس الاسلوب ضد أبنائنا في فلسطين. والله بين أن النفس إذا بغت وقتلت النفس بغير حق فهذا أمر في غاية البشاعة والأبشع ( ) منه قتل الأطفال.

الجيل الثالث الارهابي:

وبما أن الانسان هو نتيجة بيئته ، فهو الان قلق جداً من الجو المخيم للارهاب المعاصر المسمى " عصر الجيل الثالث من الارهاب"، ذلك يعني أن هناك عصرين سبقا العصر الحالي. الكثير من شباب العصر – ومن بينهم ستفرز قيادات المستقل- يعيشون في المواقع المضطربة أو يتابعون أو يشاهدون أو يتأثرون بتلك المواقع، على سبيل المثال: منطقة الشرق الأوسط وليس فلسطين أو العراق فقط أو بيروت أو الرياض أو الدار البيضاء، وافغانستان، وكشمير واندونيسيا بل وأيضاً أوكلاهوما ونيويورك وواشنطن. من الأكيد أن أطفال فلسطين، والعراق ، وافغانستان وبيروت- في مرحلة الحرب الأهلية التي استمرت خمسة عشر عاماً في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي- وبلفاست لا يعرفون عالماً غير العالم المدجج بالسلاح والميليشيات وقاذفي القنابل والقناصة. أي أن حياتهم تتشكل في هذه البيئة ( ) فالعنف وليس غيره هو الذي يشكل حياتهم.

ولقد تسببت التجربة التي دخل فيها هؤلاء الأطفال في أن تعرفوا على الارهاب منذ أن تفتحت عيونهم على الحياة فظهر "الجيل الثالث من الارهابيين" الذي يتفوق على الجيلين الذين سبقاه في الشراسة وعدمية الحياة. ومن الأكيد أن العنف سيتصاعد عندما يصعد هؤلاء إلى مواقع القيادة. ولِيَتَلَمَّسَ كل مسؤول وفي أية بلد مجتمعة، إن إرهابيي القرن الواحد والعشرين هناك يحيون وموجودون حقيقة يتعرضون لهذه المؤثرات التكوينية التي تزرع فيهم العنف.

الارهاب ومراحل تاريخه:

يمكن تقسيم تاريخ الارهاب إلى المراحل التالية :

‌أ- المرحلة الموغلة في القدم من حيث ممارسة الانسان للعنف وكون العنف صفة ملازمة للانسان وسبق وتم ايراد أمثلة عديدة عليها؛ إنما تبقى ماثلة قصة ذلك القرصان الذي ألقي عليه القبض وجيء به أمام الاسكندر المكدوني صاحب الأمبراطورية الواسعة. فصاح في وجه الاسكندر محتجاً لأن محاسبة الارهابي البسيط مثله أمـر ممكـن وشرعي، ولكن لا يحاسب العظماء الكبار مثل الاسكندر رغم أنهم يتقرصنون ويذبحون ويستبيحون ولكن على مستوى أكبر، ولأن الصولجان في يدهم فلا يعتبرون خارجين على القانون.

‌ب- المرحلة الثانية في القرن التاسع عشر وفيها أعمال العنف التي وقعت في أوروبا وأمريكا الشمالية من قبل " الفوضويين " و " العدميين" و " القوميين". وكان أبرزها: اغتيال القيصر الروسي سنة 1881 الكسندر الثاني، واغتيال الارشيدوق فردناند/ ولي عهد إمبراطورية النمسا-المجر سنة 1914 إذ كان ذلك الاغتيال اشعالاً للحرب العالمية الأولى.

ظهر المتطرفون والخارجون على الاجماع في أوروبا في مجالات متعددة ؛ وكانت البدايات في جماعات السحر الأسود والهرطقة وتدفق النهر الأسود – يعني الارهاب- حتى بدأت موجات القرن التاسع عشر من الحركات " الفوضوية" و " العدمية" و "الشيوعية"، وهي عبارة عن حركات ذات طابع سياسي-أما في الأدب والفن فقد ظهرت " السيريالية( )" و "الوحشية "- تلاها بعد ذلك في القرن العشرين الحركات النازية والفاشية واليسارية والارهابية الدينية التي طغت واستشرت ردحاً طويلاً على مشاهد القرن.

وابتداء من أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين كان هناك تنظيمات "الجماعة الدولية"، العلم الأسود، وأبناء الطبيعة، وطليعة العمال، ومهما يكن، والأشغال الشاقة، والمتقززون، والمفلسون، والديناميت، وقلوب من حديد ، والفلاح الجائع وعديمو الأمل . وكان لكل تنظيم منها أطره وهي تنظيمات في معظمها متطرفة تَعَلَّمَ أعضاؤها الكيمياء كي يستطيع الواحد منهم أن يصنع بنفسه المتفجرات. وانتشرت فرق المتطرفين الفوضوين في معظم أنحاء العالم منطلقة من فرنسا إلى روسيا وإلى العواصم الأوروبية وإلى بعض الدول الآسيوية." وحدث في أواخر القرن التاسع عشر حالة من الرعب والفزع طالت الملوك والأمراء وكبار القوم كما طالت الجماهير أيضاً ( ).

وبلغت " العدمية" كمذهب متطرف أوج أَلَقِها في نهايات القرن التاسع عشر . إن أصول هذا المذهب العدمي قادمة من التطرف الديني الارثوذكسي إذ خُلِقَتْ ونمت في روسيا. كتب أحد المنتمين إلى هذا المذهب قائلاً" أية لذه أن تكره وطنك وأن تنتظر بفارغ الصبر تلك اللحظة التي تتهدم فيها كل مقوماته" . وهذا المذهب يكره ويحتقر العلم والفن والكنيسة والدولة.

أما بالنسبة للمذهب السيريالي فهو أكثر المذاهب تطرفاً في تاريخ الأدب وارتكب اتباعه أعمالاً جنونية متطرفة. كان "سلفادور" أَحَدَ أَهَمِّ أركان ألسيريالية يدخل معارضه من النافذة أو بتكسير زجاج الباب الأمامي. ويصف الكاتب الشهير" البيركامو" المذهب السريالي:" إنها عدمية وتخريب منظم ، وعصيان دائم وعباده للسخف". والسريالية في بدايتها محاكمة لكل شيء ولا تكاد تنتهي حتى تبدأ من جديد . وهناك تنظيم فني وأدبي آخر متطرف فَرَّخَتْهُ السيريالية في سويسرا واسمه "دادايزم" ضم العديد من الشعراء والفنانين.

وهناك عودة من جديد في أوروبا إلى النازية تحت إسم " النازيون الجدد" يتظاهرون ويحلمون بعودة النازي الجديد.

وغريب ظهور القس الكوري الذي أعلن موعداً للآخرة ويوم القيامة تاريخ 22/10/1992؛ فقام على الفور جمهور من أتباعه بلغ عددهم 160 شخصاً بالإنتحار إستعجالاً لصعودهم إلى السماء بدون إعاقة. وجاء الموعد ولم تقم القيامة فصار القس موضع انتقام أتباعه.

‌ج- المرحلة الثالثة التي بدأت إثر الحرب العالمية الثانية وانقسام العالم إلى معسكرين وإستشراء الحرب الباردة ومارس فيها الارهاب:

1- اليسار العلماني مثل جماعة "الوذرمن" في أمريكا، والجيش الأحمر في ألمانيا، والألوية الحمراء في ايطاليا، اللواء الغاصب في بريطانيا، الجيش الأحمر الياباني. مارست هذه التنظيمات التفجيرات ثم تخافتت في نهاية الثمانينات. وفي التسعينات إنبعث نشاط إرهابي يهدف إلى شل الحياة المدنية مثل طائفة " أوم شيزيكو" "الحقيقة المطلقة" التي نفثت الغازات السامة في نفق المترو في طوكيو سنة 1995، وبدأت المحكمة تنظر في قضية زعيمها الضرير في مايو /2003 ( ). وكذلك مثل عمليات التفجير في أوكلاهوما من قبل عناصر أمريكية يمينية سنة 1995 ما لبث أن صدر حكم بالموت على مرتكبها( ).

2- الأجهزة الرسمية أو غير الرسمية بفروعها المتشعبة التابعة للعملاقيين من ثورات وإنقلابات وغزوات.

3- ما وصفت بالأعمال الإرهابية المنسوبة إلى حركات المقاومة التي تناضل من أجل الاستقلال وحق تقرير المصير. وابرزها بدون شك المقاومة الفلسطينية. إن مقاومة هذه الحركات تقع في إطار المفهوم الارهابي في نظر الدول الاعظم.

4- مرحلة ما بعد الحرب الباردة إذ برز الارهاب على أرهب أشكاله وأنواعه فأصبح – بعد زوال القطب السوفييتي- هو القطب الأكثر انتشاراً وأثراً وربما قوة مما استدعى تمترساً عالمياً ضده.

5- ما سُمي "بالإرهاب الإسلامي" تخلل المرحلتين السابقتين إلى أن استقر الآن مُشَكِّلاً المرحلة الخامسة، ذلك ما هو مستقر في باطنية الذهن الغربي. ولا بد هنا من تبيان:

أولاً: إن العنف السياسي المستند إلى الدين ليس مقصوراً على الاسلام، بل استعان به اتباع المسيحية والهندوسية واليهودية والبوذية وجميع الملل الأخرى واستخدمه الذين يقفون ضد الدولة،كما استخدمته الدولة بدورها ضدهم. في الهند مثلاً تقوم مذابح ضد المسلمين يقوم بها اتباع الهندوسية بوسائل الدولة. كما أن إسرائيل غارقة حتى أذنيها في الإسناد الديني لإرهابها الذي قامت عليه الدولة؛ قال:" باروخ جولدشتاين" إنه انصاع لأوامر الله حينما قتل 29 فلسطينياً في الحرم الابراهيمي في الخليل سنة 1994. وفي إيرلندا استعان بالدين كل من البروتستانت والكاتوليك تبريراً لإرهابهم.

ثانياً: لا جدوى من تنسيب العنف إلى نصوص دينية فالعقيدة الدينية تجيز قراءتها بمعنى النزعة المسالمة والنزعة العنفية أيضاً كما أن في الأديان ما يسمى بالحرب العادلة، ويتوقف الأمر على التأويل والظرف والزمان.

ثالثاً: في حالة الإسلام هناك الحرب العادلة المشروعة في سبيل الله وإعلاء كلمة الحق.

رابعاً: هناك إساءة استخدام مقصودة حين مقارنة الإرهاب بالإسلام تهدف إلى نزع الشرعية عن نضال المسلمين دفاعاً عن حقوقهم وإلى قصر النقاش في الإرهاب على الدولة الاسلامية وحدها.

أَكَدَّتْ هيئة كبار العلماء في السعودية بعد تفجير المجمعات السكنية في الرياض أن شريعة الإسلام تحرم الاعتداء على النفس والمال والعرض وذلك يشمل غير المسلمين أيضاً، كما تحرم قتل النفس المعصومة بغير حق( ). ويرى حاكم العراق الأمريكي " بول بريمر" أن الأصولية الاسلامية هي الخصم وليس المسلمون المعتدلون ( ) بالاضافة إلا أن هنري كيسنجر/ وزير خارجية أمريكا الأسبق اليهودي الديانة ومهندس اتفاقات كامب ديفيد ومنشئ سياسة "الخطوة خطوة" يصف حرب الحلف العالمي ضد الارهاب بأنها زادت من قدرة المعتدلين في العالم الاسلامي على استعادة دينهم من المتعصبين( ).

تاريخ الإرهاب في فرنسا

من حيث تفسير لفظة إرهاب، فقد بدأت بمعنى رعب في النفس سببه عمل شرير terreur، وليس في اللفظة ما يفيد بالنسبة للوسيلة التي يستخدمها الرعب ولا بالنسبة للهدف السياسي والاجتماعي. ولم ترد لفظة torrorisme ( إرهاب) في اللغة الفرنسية إلا أواخر القرن الثامن عشر بمعناها ذي المفهوم الجديد . صحيح أن terrorisme تنتمي إلى terreur بحكم " الاشتقاق" ولكن ليس " بالمعنى". فالأولى فيها " إرعاب" مجرد والثانية فيها " إرعاب" يعني الوسيلة والهدف وجوهره السياسة. والمشكلة ليست في غنى اللغة العربية، إنما تقع المشكلة في الثقافة والوعي السياسي للمترجم أو للمستخدم إما جهلاً وهو الأكثر وإما خبثاً وهو الأقل – ربما في زماننا الحاضر المرهوب أصبح فيه التوصيف بالخبث لا يكفي-ومرت العبارة الفرنسية بالمراحل التالية مرافقةً للتطور الفكري الذي اكتسب فيه "غطاءً" سياسياً واضحاً:

1- لم يكن لها مضمون سياسي في المرحلة الأولى.

2- أصبح لها " مضمون " سياسي مترجرج في مرحلة لاحقة.

3- وأخيراً أصبح فيها المعنى والمضمون السياسي حتى وتأدلجت نتيجة التطور في الفكر الاجتماعي والسياسي.

وبقيت المرادفة العربية نفسها لكل من terreur و terrorisme ولم تطلق عليهما مرادفتين عربيتين منفصلتين حتى الآن كما في اللغات الأجنبية الأخرى علماً بأنهما لفظتان مختلفتان جداً بالمعنى والمضمون؛ ولكل منهما صفات مستقلة وصلت حد التناقض في فترة معينة من تاريخ فرنسا ( ). ربما أن الأمر سيبقى كذلك إلى أن يتم حسم الوضع السياسي رغم المحاولات الجادة من الباحثين الذين اقترحوا المقابل– فقط أصحاب المرجعية الدينية الاسلامية – " كالحرابة" و "الارعاب" ( ).

وعلى العموم استقر المعنى في نهاية القرن التاسع عشر بعد اكتمال المعالم الموضوعية واتضح المعنى الاجتماعي السياسي. ومرت اللفظة في مخاضات عسيرة في جوف الثورة الفرنسية وفي جوف " الحركة الفوضوية" وكذلك في جوف " الحركة العدمية" إلى أن تبلورت عناصرها السياسية ومركباتها الثابتة كوسيلة عنيفة لهدف سياسي. ولكنها ما زالت " تغوي" الكثير من التنظيمات والدول بين متعفف ومتعرّي.

إن علاقة الثورة الفرنسية بالارهاب لم تقتصر على وصف الرهبة terreur من حيث عناصرها الأساسية باعتبارها حالة نفسية أو انفعالاً يسببه شر أو خطر بل على ممارستها عملياً وتطبيق مضمونها . فالثورة الفرنسية سنة 1789 قد استفادت واستغلت خصائص الرهبة ورفعت شأنها إلى مستوى أنها الوسيلة للحكم والمحافظة عليه. لقد أبرزت الثورة البعد الاجتماعي الذي تحمله الرهبة وأضافت إليها مهمة سياسية الأمر الذي انتهى إلى " توليد " عبارة terrorisme بمعنى إرهاب.

إن الغوص في الفلسفة التنويرية الفرنسية لن يتيح تلمس الارهاب لأن أثرها على النخبة كان في اتجاه آخر وهو ابتداع فكر جديد مرتكز على الايمان وبالعقل ودحض فكرة " السلطة الإلهية" والسنن الكنيسية، كما كان في اتجاه تنمية الروح النقدية. ولم يلاحظ عليها الدعوة إلى ممارسة الارهاب. الدعوة إليه اتضحت في فكر " اليعاقبة" الذي جاء في خطابات كل من " روبسبير" و"سان جوست" الرنانة وكتاباتهما الأخاذة، وفي محاضر لجنة السلامة العامة وإجراءاتها السياسية.

والصحيح أن صفحةً قد انطوت ، وصفحة جديدة قد انفتحت بعد أن سيطر اليعاقبة على الحكم وقيادة الثورة. وكان على الحكومة اليعقوبية مواجهة مهمتين في غاية الصعوبة والتعقيد:

• تأسيس الجمهورية على دعائم قوية.

• عودة النظام والأمن داخل البلاد.

وتتداخل هاتان المهمتان إلى المستوى الذي يستحيل فيه تحقيق واحدة إلا بتحقيق الأخرى. ولكي تسود الجمهورية لا بد أن يسود النظام والأمن. وتصدى لليعاقبة في تحقيق ذلك الملكيون والبرجوازيون أنصار النظام السابق بجميع الوسائل بالاضافة إلى العدو الخارجي المتربص من أجل عودة النظام السابق والمتأهب للهجوم عسكرياً على فرنسا. لم تكن " بروسيا" تخفي مطامعها فهي تحشد جيوشها لاحتلال فرنسا وتصفية الثورة، وكانت كل من النمسا وانجلترا تساعدان المهاجرين الفرنسيين أنصار النظام السابق وتساعدان أعداء الثورة في الداخل وتعلنان عداءهما للنظام الفرنسي الجديدة وتهددان بالحرب.

لذلك كانت حكومة اليعاقبة محصورة بين عدوين: الداخلي المكون من تحالف الملكيين والبرجوازيين، والخارجي المكون من تحالف الأنظمة الملكية المحيطة بفرنسا( ). فإذا دخلت الحكومة في حرب مع العدو الخارجي سَتُعرِّض أمنها الداخلي للخطر من ثورة مضادة ستستغل الفرصة لوجود الجيش الفرنسي على الحدود من أجل الاطاحة بنظام الحكم.

وإذا قامت الحكومة بتوجيه الجيش ليضبط الأمن الداخلي سينفتح المجال للخطر الخارجي ليقوم باحتلال فرنسا فيؤول النظام للسقوط.

لم يكن في قدرة الجيش الفرنسي مواجهة الاحتمالين في نفس الوقت، وكان على الحكومة أن تقوم بإجراءات استثنائية فرأت في الارهاب الوسيلة الممكنة والفعالة والسريعة لتحقيق مهمتها المزدوجة : قمع العدو الداخلي وفرض النظام بواسطة الارهاب ؛ وتسيير القوات العسكرية إلى مواجهة العدو دون تحسبات داخلية، وبذلك استطاع الارهاب أن يفتح الثغرة في الطريق المسدود بوجه الحكومة اليعقوبية( ).

يعتقد اليعاقبة بأن الحرية لا تقوم إلا بالجمهورية ليحيا المواطن بكرامة وعدل، وكل ما عدا الحرية فهو استعباد وموت. أصرّ اليعاقبة أن أرادتهم هي الحقيقة المطلقة ولا بد من تحقيقها وبدونها ستنهار الثورة.

"إن الإنسان الذي يعتقد أنه يملك الحقيقة المطلقة هو إنسان شديد الخطر لأنه يرفض الحوار مع الآخرين ضارباً عرض الحائط إرادتهم وحقائقهم وعقائدهم، وعندما يختلط الحابل بالنابل وتنهار القيم حين القلاقل والأزمات، سيتطلَّب الأمر قيام مبادئ وقيم جديدة وحشوها بسرعة في المفهوم الاجتماعي فيُصبح لا مناص من استخدام العنف الفظيع الذي يصل إلى حد الارهاب ." ففي داخل كل إيديولوجي إرهابي ينتظر من يوقظه " ( ).

إن فترة الحكم المعروفة " بحكم الارهاب" في فرنسا هي بين 28/8/1792-27/7/1794 إذ أصبح فيها للإرهاب وقع سياسي للحاكم والمحكوم معاً وذلك عائد إلى:

أولاً: المرسوم الصادر بتاريخ 28/8/1792 الذي يجيز خرق حرمة المنازل من أجل نزع سلاح المشبوهين، وتم بموجبه اعتقال ثلاثة آلاف من أعداء الثورة.

وحتى 2/9/1792 كانت السجون الفرنسية تغص بالموقوفين، وتعرضت فرنسا للهجوم الخارجي الأمر الذي دعا المتطوعين أن يهبوا للدفاع عن فرنسا ولكن قبل ذلك كان لا بد من " حساب العدالة" مع أعداء الثورة في الداخل، فأنقضوا على السجون الباريسية وقضوا على جميع من فيها خوفاً من مساندتهم للعدو أثناء انشغال الثوار مع العدو الخارجي. وبعد ذلك قامت " لجنة المراقبة" في باريس بإبلاغ المدن الأخرى ما وقع في باريس قائلة " إن قسماً من المتآمرين المعتقلين قد تم إعدامهم على يد الشعب، إنه إجراء عادل وضروري من أجل السيطرة بواسطة الرهبة على آلاف الخونة المختبئين وراء جدران باريس ( ).

هذا الحدث بالذات كان البداية للإرهاب السياسي في تاريخ فرنسا ، وبعده "انفرطت المسبحة" وأخذت الأحداث تُدخل على مضمون الارهاب الطابع الرسمي والمؤسسي.

ثانياً: وبعد سنة من المجازر السابقة، جاء إلى باريس في 15/9/93 وفد من رؤساء المحافظات ومن بعض اليعاقبة ليشارك في جلسة المؤتمر الوطني فخطب رئيس الوفد/ محافظ باريس قائلاً " لقد حان وقت العدالة ليجز ساطورها الرؤوس، لقد حان وقت ترهيب المتآمرين؛ أيها المشرعون ضعوا الارهاب على جدول الأعمال، وسنوا سيف القانون على رقاب المجرمين"( ).

استجابت الحكومة لمطلب محافظ باريس وشكلت جيشاً ثورياً لتحقيق " عبارته " ضعوا الارهاب على جدول أعمالكم" مما يعني أن قادة الثورة قرروا فرض مبادئها السياسية بالقوة ملوحة بقهريات ليس أقلها القتل والتنكيل تحت ستار عدالة الشعب.

كان الارهاب وسيلة سريعة المفعول لدى اليعاقبة ثم أصبح نظام حكم للمؤسسة الرسمية وأجهزتها السياسية والعسكرية وبذا اقترنت الايديولوجية اليعقوبية بالارهاب ودوره في تسيير عجلة الحكم فهو الوسيلة الأصح لتأسيس الجمهورية( ).

أما بالنسبة للمقارنة بين الفكر اليعقوبي والفكر " الفوضوي". فإن ما ناضل من أجله اليعاقبة هو بناء الدولة على الشكل الذي أعجبهم، بينما الدولة عند الفوضويين لا بد من شطبها وشطب كل ما يمت لها بصلة . والفكر اليعقوبي أدى إلى ارهاب الدولة الذي تمارسه السلطة ضد المحكومين بينما الفكر الفوضوي أدى إلى الارهاب الذي يرتكبه المحكومون ضد الحكام وأجهزتهم، وعلى العموم فكلا الطرفين ارهابيان وكل على طريقته.

هذا وتم اطلاق التسمية "الإرهاب" على فترتين في الثورة الفرنسية"

• الارهاب الأول: من 10/8 إلى 20/9/1792 ، وكان بسبب تهديدات " بروسيا" باجتياح فرنسا، فتمَّ سن قوانين من أجل محاكمات سريعة . وبدأت مذابح أيلول وتم القاء القبض على " لويس السادس عشر ".

• الارهاب الثاني: من 5/9/1793 إلى 28/7/1794 الذي تلي القضاء على " الجيرونديين" من قبل " المونتنيارد" – أي الجبليين – وذلك من أجل ضمان الدفاع عن فرنسا ضد العدو الداخلي وضد العدو الخارجي. وتم في تلك الفترة اعتقال " نصف مليون من المشبوهين وتم قطع رأس أربعين ألفاً بالمقصلة. ووقع " الارهاب الكبير" في 10/6/1974 بقطع رأس "روبسبير" الذي قاد حكم الارهاب.

وعرفت فرنسا :

• " الإرهاب الأبيض" الأول – وهو اسم أطلق على الارهاب الذي مورس ضد القوى المعادية للثورة في أيار / حزيران سنة 1795 كعمليات انتقامية ضد أعوان روبسبير.

• الارهاب الأبيض الثاني – وهو الارهاب الذي وقع بعد معركة "واترلو" سنة 1815 ومورس ضد البونابارتيين والجمهوريين، وقام به أنصار الملكية في وسط فرنسا( ).

العدمية والفوضوية:

أما " العدمية" فهي حركة تنبع أصولها من " الفوضوية" ومن التيارات الاشتراكية الثورية وقد أطلقت هذه التسمية على الفوضويين في روسيا وهي تسمية أطلقها الشاعر " إيفا تورغينييف" على أحد أبطال روايته " آباء وبنون" سنة 1862 . والعدمية فلسفة تقوم على تحرير الذات من التقاليد والأعراف الموروثة ولا تعني العدم. والعدمي هو ذلك الارهابي المتمرد على الأعراف السائدة التي تحد من حريته مستعداً في سبيل ذلك حتى للتضحية بحياته. تبني الاشتراكيون الثوريون الروس العدمية نظرياً وعملياً توجهوا إلى الشارع يحثون الشعب على تأييدها الأمر الذي أدى إلى ارتكاب أعمال "إرهابية كانت ذات صدى وتأثير أعمق من ارهاب فوضويي أوروبا الذين انبهروا بها – مثل عملية اغتيال القيصر الكسندر الثاني- خاصة وأنهم كانوا يحلمون بالقنابل وبالاغتيالات وبالأعمال الباهرة والقادرة على سحق المجتمع البورجوازي( ).

يؤمن العدميون بأن العمل الارهابي قائم على تصفية رجال الحكم، لذا فقد تم التركيز على استعمال الارهاب كوسيلة سياسية للحط من هيبة وقدرة السلطة الرسمية ولاثارة الميول الثورية عند الشعب وتنمية اعتقاده بانتصار قضيته ولاعطاء المثل على النضال ضد السلطة . وقد جاء في البيان الصادر عن مؤتمرهم المنعقد في مدينة " ساراتوف" سنة 1893" إن الارهاب السياسي هو النهج الوحيد الذي يهيء لنا أوفر فرص النجاح "( ).

إن إرهاب الفوضويين إرهاب من الأسفل إلى الأعلى أي من الشعب نحو رأس الهرم السلطوي في موزاة مع الارهاب النازل من الأعلى إلى الأسفل. وهذان النموذجان الرئيسيان من الارهاب اللذان مازالا حتى اليوم في جدلية العلاقة بين السلطة الرسمية والمواطنين . وبين هذين النموذجين تصطف أشكال الارهاب على مدى التاريخ السياسي والاجتماعي. إرهاب السلطة لتثبيت الحكم ، وإرهاب مقابل لهدم الحكم.

أثبتت الثورة الفرنسية في أحد مراحلها وبَرهَنتْ جدوى الارهاب في تصميد السلطة، كما استولت الثورة البولشفية سنة 1917 على السلطة بعد أن لعب إرهاب الضعفاء ولمدة خمسين عاماً دوراً فعالاً في إهتراء النظام القيصري وفي خلق الظروف لانجاح الثورة.

وبما أن الركنين الأساسيين في الارهاب هما الركن السيكولوجي والركن السياسي؛ كان تأثير كل من العدمية والفوضوية واضحاً على الركن السياسي بأن أصبح الارهاب في ركنه السياسي يتضمن عنصرين أساسيين:

1- الارهاب نسق في الصراع السياسي يعتمد على وسيلة الرعب بهدف تغيير نظام سياسي.

2- يستخدم المحكومون هذا النسق بصورة غير قانونية ضد الحكام، كما يستخدم الحكام هذا النسق أيضاً ولكن بصورة قانونية ضد المحكومين ، إذن هناك إرهاب وهناك إرهاب مضاد.

أما من حيث تأثير الحركة الفوضوية والحركة العدمية فكان كماً واحداً إذ لم تشكل أي منهما مرحلة قائمة بذاتها فكانت إضافاتهما غير متباينة بل ساهمتا معاً في تاريخ الارهاب؛ فلا غرابة لأن مرجعيتهما الأيدويولوجية واحدة.

الموقف الرئيس " للفوضوية" هو الرفض المطلق " للسلطان" بمختلف أشكاله وتعبيراته وأشخاصه ومؤسساته ورفض القوى التي تسيطر على الانسان فرداً أو جماعة لتُملي عليه ارادتها وسلطتها. وترى الفوضوية أن كل تنظيم مُقَنِنْ يقيد حرية الفرد، وتحارب كل سلطة تقوم على الإكراه وتلغيها. إن الفوضوية من حيث المبدأ في مواجهة مع الدولة مفهوماً وواقعاً، وفي مواجهة مع حكم الدولة وسلطتها والاكراه الذي تمارسه ؛ بل وتعتبر كل دولة طغياناً فليس لها إلا هدف واحد وهو تقييد الفرد وتكبيله والحلول مكانه ؛ " وكل من يضع يده علي ليحكمني إنما هو مراب وطاغية لذلك فأنا أعلنه عدوي، " والدولة ليست إلا ذلك الشر الذي يجب استئصاله من حياة البشر والمجتمعات لأنه يسحق الحرية الفردية".

ولم يكتفِ " الفوضويون" بموقفهم هذا بالتهجم على الدولة الديمقراطية البرجوازية، بل وأيضاً تعداه إلى الدولة الاشتراكية الدكتاتورية وبعنف لا تقل حدته عـن الدولة الليبرالية . قال " باكونين":" إنني أكره الشيوعية لأنها نفي للحرية ولأنني لا أستطيع تصور أي شيء إنساني بدون حرية، ولأن الشيوعية تمتص كل قوى المجتمع وتركزها في الدولة، إنني أريد الغاء الدولة واقتلاع جذور مبدأ السلطة ووصاية الدولة، إن الدولة تحت ستار تشكيل الناس وتمدينهم قد استعبدتهم واستغلتهم واضطهدتهم. إنني أريد تنظيم المجتمع والملكية الجماعية من أسفل إلى أعلى عن طريق التداعي الحر وليس من أعلى إلى أسفل بواسطة أية سلطة كانت ( ). وما لبثت عملية الانفصال أن تمَّت بين الشيوعيين والفوضوية بانفصال ميشال باكونين عن كارل ماركس بعد المؤتمر الاشتراكي الذي انعقد في لاهاي سنة 1872.

تتوافق الفوضوية والشيوعية في العلاقة بين العمال وأرباب العمل، والنظام الطبقي في استغلال مالكي وسائل الإنتاج للعمال. ولكن الفوضوية ترفض جميع أنواع السلطة. فكان الخلاف بينهما قائماً على طبيعة العمل السياسي.

تاريخ الارهاب في روسيا

كان للثورة الروسية سنة 1917 أثر كبير على الحركات الثورية والفكر الثوري في القرن العشرين ليس لانبهار الآخرين بنجاحها فقط، بل لأن الوسائل والطرق السياسية والعسكرية التي استخدمتها صارت مثالاً لعدد من الشعوب لاستحضارها وتقليدها أملاً في انجاح مسعاها الثوري ، إن ما يهمنا هو الجزء المتعلق بالارهاب في الثورة البلشفية وقد عالجها زعيم الثورة وفيلسوفها " لينين" و " تروتسكي" بشكل خاص. وتم اتخاذ موقف جذري من الارهاب من حيث فائدته في العمل السياسي.

في المرحلة الأولى فيما يتعلق بعلاقة الثورة بالارهاب، فقد اعتبر لينين " ارهاب" الفوضويين سلاحاً تنصب أهميته على الأثر النفسي الذي يتركه لدى الأشخاص وليس على القضية التي يستخدم من أجلها. ولاحظ " لينين " وبعد عشرات السنين أن نجاح الارهاب" الفوضوي" كان في نطاق ضرب الأشخاص ولم ينجح في ضرب المؤسسات ؛ نجح في القضاء على أفراد رأسماليين وليس في القضاء على الرأسمالية القادرة على افراز بديل لأي فرد وفي الحال. نجح في اغتيال القيصر الكسندر الثاني، ووزير الداخلية " فون بليف"، و" الغراندوق" سيرج " ولكنه لم يسقط الحكم ولا السلطة.

لم يكن القيصر هدفاً للينين بل كان النظام القيصري هدفه وكذلك السياسة القيصرية ومؤسساتها ، كان هدفه النظام الرأسمالي ، وأهدافه هذه لا يمكن تحقيقها إلا بعمل دؤوب طويل النفس. وإذا لم يكن هناك شيء يخسره الفوضويون في ممارسة الارهاب الفردي، فإن لينين يرى فيه وسيلة " ترتد سلبياً على من يمارسه وتؤدي إلى عرقلة وتأخير تنظيم الجماهير ولهذا منع لينين إقتراف " الأخطاء المميتة".

وقام تروتسكي بدوره بإبراز هذا الموقف الماركسي نحو الارهاب الفردي " الفوضوي" واستنكر وجود أية فائدة في أن يُلقي الاغتيال الفردي الاضطراب أو الفوضى لدى الحاكمين( ). " وإذا كان التسلح بمسدس كافياً لإدراك الهدف فما الفائدة إذن من صراع الطبقات ؟ وإذا كانت حفنة من مسحوق البارود كافية لتفتيت رأس العدو فما الفائدة إذن من التنظيم الطبقي؟ وإذا كان تخويف أصحاب المقامات العليا ممكناً بفرقعة انفجار فما الفائدة إذن من الحزب. لذلك فإن الارهاب الفردي مرفوض من قبل الماركسية لأنه :( يحط من قدر الجماهير فيحبب إليها عجزها ويشد أنظارها ويوجه آمالها إلى المنتقم الكبير ذلك المحرر الذي تحلم بمقدمه ليتمم نيابة عنها عملها)( ).

وفي المرحلة الثانية وبعد الاحداث التي وقعت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر بدأ موقف لينين بتغيير اتجاه الارهاب إذ أصبح يرى فيه الايجابيات وبدأ يتعاطف معه ولكن دون الانغماس في محذوراته، وبعد " اليوم الأحمر" 22/1/1905 الذي قتل فيه جنود القيصر (500) قتيل وثلاثة آلاف جريح بالاضافة إلى النساء والأطفال، أصبح لينين مثل أساتذته من الارهابيين القدماء تأثراً باليوم الأحمر، ولم يكتف بالتعاطف مع الارهاب فحسب بل أصبح داعية بكل عزم للإرهاب، لا بل أصبح الارهاب بالنسبة له في تلك المرحلة الوسيلة الفريدة لتهيئة البيئة الملائمة للثورة ولتهيأة الثوار للمواجهة المنتظرة. وقد جاء في كتابه " من أين نبدأ"( ):

" من حيث المبدأ لم نرفض ولا يمكن أن نرفض الارهاب فهو شكل من أشكال الحرب يمكن أن يلائم أحد مراحل المعركة، لا بل ربما من المستحيل تغييبه عن بعض الظروف". وعلى نفس المنوال كانت آراء تروتسكي سنة 1902: " كانت مسألة الارهاب بالنسبة لنا ، نحن الثوريين الروس، مسألة حياة أو موت بالمعنى السياسي للكلمة وبالمعنى الشخصي والحرفي، لم يكن الارهابي بالنسبة لنا بطل رواية بل كان انساناً حياً وقريباً منا"( ).

فالارهاب الشيوعي في هذه المرحلة قبل سنة 1917 ليس مؤامرة تحيكها حفنة أفراد للقضاء على شخصية كريهة سياسية كانت أم عسكرية، وليس عملاً انتقامياً أو يائساً وليس حركة عُنْفٍ مهولة، الارهاب هو مدخل عمل الجيش الثوري إنه عمل مدروس وعمل كامل ينطلق من استراتيجية عسكرية وسياسية يرسمها الحزب الشيوعي ويطبقها في عمله النضالي. فالإرهاب ليس وسيلة منعزلة. ولم ينته الإرهاب السياسي الشيوعي بقيام ثورة البلاشفة بل استمر متخذاً وجوهاً عديدة يمكن وصفها باتجاهين:

1- لم يبق الإرهاب في إطار التكتيك بل أخذ أساساً عملياً لنظرية لينين في حرب الثوريين التي هي الوجه الآخر لحرب العصابات.

2- أصبح لإرهاب الدولة " في القرن العشرين جذور فكرية قام بوضعها لينين غير تلك الجذور المستمدة من الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر.

ومارس لينين الإرهاب في حكم الثورة بأن قامت السلطة بتأسيس الجهاز البوليسي المسمى " التشيكا" ومهمته المحافظة على الحكم ضد أعمال التخريب. كتب لينين سنة 1918 بعد أن تعرض هو وتروتسكي لمحاولات اغتيال؛ إلى قائد التشيكا في مدينة " بتروغراد " يجب تشجيع الاندماج الجماهيري والإرهاب الجماهيري ضد أعداء الثورة " فقامت بعد ذلك الجماهير في موسكو وبتروغراد بارتكاب مجازر مؤيدة للثورة- إنه عمل شبيه بما حصل في باريس إبان حكم اليعاقبة – كانت محصلتها قتل 800 شخص من الموقوفين في سجون بتروغراد وحدها( ). وصدر مرسوم عن مجلس السوفيت جاء فيه "إن ضمان الأمن بواسطة الإرهاب ضرورة قصوى".

وأحياناً اتخذ الإرهاب شكل الصراع الطبقي : فمن التوجيهات الصادرة للجهاز الأمني التشيكا " لا تبحثوا عن إثبات حتى تتأكدوا من وقوف سجينكم ضد السلطة، بل إسألوه عن الطبقة التي ينتمي اليها، ما هو أصله، مهنته، درجة ثقافته وعليها يتوقف مصيره وهذا هو جوهر معنى الإرهاب الأحمر "( ).

كما تبين فإن تاريخ الإرهاب طويل جداً شهد تطوراً معيناً في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. كان هدف العمليات الإرهابية غالباً وضع نهاية مميتة لقادة الدول فعلى سبيل المثال وكما ذكر سابقاً قام كل من " حيليابوف، وبيرونسكاياً بتكوين خلية صَفَّتْ القيصر الروسي الكسندر الثاني. واندلعت الحرب العالمية الأولى بعد أن صفي في "سراجيفو " الجراندوق النمساوي ولي العهد " فرانتس فرديناند". وفي مرسيليا 1934 صفي الملك اليوغسلافي " الكسندر الثاني ومعه وزير خارجية فرنسا " لويس بارتو".

وتواصلت الاغتيالات في النصف الثاني من القرن العشرين أيضاً فاغتال الباسك الانفصاليون الجنرال الإسباني "كاريو باركو"، وفي 1979 إغتال مقاتلو الجيش الجمهوري الإيرالندي اللورد "ماونتباتن". واغتيلت رئيسة وزراء الهند "انديراغاندي" 1984 على يد الإنفصاليين السيخ، واغتيل الرئيس المصري أنور السادات 1981 على يد الاسلامبولي، وفي 1951 اغتيل الملك عبد الله الأول/مؤسس المملكة الأردنية الهاشمية في القدس على يد مصطفى شكري عشو، واغتيل وصفي التل رئيس وزراء الأردن 1973 في القاهرة على يد منظمة أيلول الأسود، و1960 اغتيل رئيس الوزراء الأردني هزاع المجالي بتفجير مكتبه، 1995 اغتال المتعصبون اليهود اسحق رابين : رئيس وزراء إسرائيل. لقد وسع الإرهاب دائرته في فترة الاغتيالات السابقة ولكنه بقي عموماً محصوراً في النطاق الداخلي ولم يخرج إلى الساحة الدولية فكان الإرهابيون يمارسون إرهابهم داخل بلدانهم.

تطور الأمر وخرج الإرهاب من النطاق الداخلي إلى النطاق الدولي – هذا إذا استثنينا ما يسمى إرهاب الدولة الذي امتدت أذرعه فشملت كل أنحاء العالم تبعاً لقوة دولته العسكرية والاستخبارية منذ زمان طويل – لقد بدأت الحركات السياسية المتطرفة والحركات الدينية أفعالها ضد المدنيين على نطاق دولي في النصف الثاني من القرن العشرين، وارتفعت حدة الأمر بعد أن اندمج الإرهاب بشكله الدولي مع بعض الدول وأجهزتها.

ثم بدأت حدة هذا الإندماج أو بالأحرى هذا النموذج لإرهاب الدولة بالإنخفاض في نهاية القرن العشرين مع بقاء مظاهر دعم الدولة لبعض الجماعات الإرهابية ولكنها ما لبثت أن استمرت بالإنحسار نتيجة( ) لإدارة اللاعبين الكبار على الساحة الدولية الذين خرجوا من الحرب الباردة وفي مقدمتهم أمريكا والبلدان الأوروبية وروسيا مستخدمة " الضغط" على الدول التي تؤيد أو تؤوي بعض المنظمات الإرهابية، ومستخدمة أيضاً أسلوب " بصيص النور" في نهاية النفق". وراهنت الولايات المتحدة بصورة رئيسية على الضغوط وفرض العقوبات وحتى استخدام القوة العسكرية، بينما كانت روسيا- كما يدافع بريماكوف – تدعو إلى اتخاذ موقف متوازن واستخدام التدابير السياسية، ووقفت موقفاً مشابهاً لروسيا بعض دول أعضاء الاتحاد الأوروبي. ونجحت تدابير هذه الدول وكان لها دور حاسمٌ في تحويل مواقف بعض الدول المتهمة بمساندتها للإرهاب: فمثلاً أوقفت ليبيا الدعم المالي لجماعات إرهابية وتدريب المسلحين في أراضيها وقطعت علاقاتها في النصف الثاني من التسعينات مع الألوية الحمراء الإيطالية والجيش الجمهوري الإيرلندي، وأبعدت من البلاد " منظمة أبو نضال" ، وقطعت العلاقات مع " جبهة التحرير القيادة العامة "، و " الجهاد الإسلامي الفلسطيني"، وأبعدت الأشخاص المشتبه بتورطهم بالإرهاب والعاملين ضد الأنظمة في مصر واليمن والأردن. أما في إيران في أعوام التسعينات فقد حدثت تحولات إيجابية أيضاً إذ تخلت بصورة رئيسية عن "تصدير" الثورة الإسلامية. وبعد سقوط العراق في أيار 2003 وبعد تفجيرات الرياض والدار البيضاء أصبحت إيران تتجه إلى محاكمة المتهمين من منظمة القاعدة، وقامت سوريا بترحيل المطلوبين من النظام العراقي من أراضيها، وتم إغلاق مكاتب المنظمات الفلسطينية المصنفة إرهابيةً تحت إعلان النبأ بأن هذه المنظمات قامت بإغلاق مكاتبها إرادياً. ويمكن القول إن الصلات قد ضَعُفَتْ بين الدولة والجماعات الإرهابية إنصياعاً لإرادة "اللاعبين" الكبار الأمر الذي شكل مرحلة جديدة في تاريخ الإرهاب . ولكن إلى أين تسير هذه المرحلة التاريخية الجديدة ؟

كانت عملية 11/9/2001 في أمريكا أكبر عملية إرهابية في التاريخ ( ) كشفت بما لا يترك مجالاً للشك عن وجود شكل جديد من الإرهاب أكثر خطورة من أي شكل من الإرهاب تم التعرف عليه سابقاً وهو : وجود منظمة مكتفية ذاتياً لا ترتبط بأية دولة( ) اقتحمت الميدان الدولي مرتكبة جرائم أودت بحياة الآلاف مرة واحدة( ) باعتبارها لاعباً جديداً على الساحة الدولية.

إذا كانت التحالفات بين الدول والتعاون أو الحروب أو المواجهة تشكل مسار الوضع الدولي وهيئته حتى وقت قريب جداً أو بالأصح حتى الآونة الأخيرة، فالأمر ليس كذلك الآن.( )

إن مثل هذه المنظمة السرية الجديدة لا بد وأنها قوية جداً ولديها دعم مالي كبير وتعمل بصورة مستقلة ذاتياً، إن عدم التساوق أفرز الجديد الذي يجد العالم نفسه غارقاً فيه. والمرحلة الأخيرة في المراحل التاريخية التي يمر بها العالم تحت وطأة الأرهاب هي المرحلة التي انقسم فيها العالم إلى كيانين متبلورين:

" كيان الإرهاب "، و يقابله " الضد". والعجيب أن فيروس " الإرهاب يسري في عروق الضد" مما يجعل الباحث في الإرهاب يصل في النهاية إلى طريق مسدود فيخبط رأسه في الحيط مرهوباً أو – وهذا للتندر- تصيبه العدوى فينقلب إلى إرهابي ، ألم تمر علينا في هذا البحث عبارة " إن في أعماق كل أيديولوجي إرهابي يغطُّ في النوم ينتظر من يوقظه "‍‍!.

الإرهاب في تاريخ العرب

بما أن العنف صفة ملازمة للبشر، وبما أن الإرهاب لا مكان لم يدخله ولا زمان لم ينتشر فيه، وبما أن الإرهاب لا دين له، فالعرب إذن كغيرهم من شعوب الأرض يمكن النبش في تاريخهم لمحاولة تَتَبُّعِهِ.

في مرحلة ما قبل الإسلام أي المرحلة المسماة بالجاهلية كان حب القتال من الصفات المغروسة في نفوس العرب حتى تحول إلى شغف بالسيطرة والغلبة. التوصل إلى الحق لم يكن ممكناً إلا بالعنف وقد اعتبر البعض في الجاهلية " البغي " بأنه طريق جيد أو ربما وحيد إلى "المُبْتَغى". كان الحق هو القوة أو لاحق إلا بالقوة. وفي سبيل الوصول إلى الحق عشق العربي الموت أو القتل، فالميتة الكريمة عنده هي التي في ساحة الوغى. وبقيت هذه الروح لها صدى في النفس حتى جاء الإسلام فهذبها وأطّرها( ) . إن قصة الموت البطولي للنعمان بن المنذر في ديوان كسرى إمبراطور الفرس دِفاعاً عن قومه وعرضه قصة مشهورة في التاريخ العربي وشهامة ابنته "الهند" ستبقى مثار الإعجاب( ). ولكن العرب في الجاهلية أصبحوا عرباً مسلمين بعد أن مَنَّ الله عليهم بالإسلام وكرمهم بإنزال كتاب الله بلغتهم وباختياره رسوله الكريم محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وسلم – عربياً منهم. لذلك فالتـأريخ للعرب في مُجْمَلِهِ إنْصَبَّ على العرب المسلمين فولدت حضارة جديدة نعمت بفضلها البشرية كلها ألا وهي : " الحضارة العربية الإسلامية".

وللتاريخ العربي، كما هو شأن تاريخ الأمم العظيمة الأخرى، مساران: مسار حضاري، ومسار سياسي، وليس من الممكن فصل مسار عن الآخر، فألمسار الحضاري هو مسار لحضارة هي حضارة عربية إسلامية، والمسار السياسي هو مسار عربي مسلم، والمرجعية لكلا المسارين هي الإسلام الذي أنزل على العرب فتشرف العرب به وحملوه للإنسانية بأجمعها( ). ومع كل ذلك فالعرب هم بشر مثل الآخرين ولهم صفات عامة تنطبق على الجميع تميزهم عن أي شعب آخر كتميز هذا الآخر عن غيرهِ، ولكن يبقى للفرد العربي أيضاً صفاته الشخصية فالعرب ليسوا نتاج مصنع ينتج ملايين القطع بنفس النموذج كسيارات المرسيدس أو الجاجوار، وكذلك الفرد الأمريكي والفرد الفرنسي والفرد الصيني والفرد الياباني.

إن التاريخ العربي فيه الكثير من أعمال العنف في مرحلة الجاهلية، وفيه ايضا الكثير منها في مرحلة الإسلام؛ منها ما هو حسب التعاليم الإسلامية ومنها ما هو عدم التزام بها وخروج عليها. إذ لم تقم دولة تحكم بالإسلام إلا في مرحلة قصيرة.

ولكن هناك زوايا عنف كثيرة، كالتصفيات الجسدية وجز الرؤوس والقتل والاغتيال السياسي والإرهاب الفكري. وكان هناك " تفنن في قتل الخلفاء والقادة كعمليات سَمْلِ العيون والأخصاء وقطع الرقاب وقطع الألسنة وبتر الأطراف والشوي المرعب في التنور المسجور، أو على رأس خازوق حاد، أو سلخ الجلد أو شلع الأظافر لإنسانٍ حي، أو قتل الأخوة أو تنفيذ المجازر الجماعية أو سحق العظام أو القتل سحلاً( ) بالحبال أو بالتعليق على الأعمدة أو بالنهش بأنياب الحيوانات؛ إضافة إلى الاعتقالات والسجون المظلمة والترحيل الإجباري. إن إيراد تلك الأمثلة لا يعني أن العرب قد انفردوا بذلك النوع من الإرهاب، كما لا يعني أن تاريخ الأمم الأخرى كان مقصوراً على الاستمتاع بسماع الموسيقى والإبداع في فنون الرسم أو البناء أو إنتاج مئات الأنواع من الأجبان أو الخبز، بل كان تاريخها يطفح بالإرهاب كحرق العالِم المُجَدِّدْ أو المكتشف في الساحات العامة أو قاعات محاكم التفتيش( ).

والملاحظ أن العرب المسلمين كانوا قساة على أنفسهم وليس على الشعوب الأخرى، مارسوا نماذج الإرهاب السابق على مواطنيهم فقط ولم يحصل قط على الآخرين مهما بلغت حدة العداء وشدة الصراع. وقاتلوا أعداءهم حسب أسمى القوانين وأرقى الأعراف فلم يقتلوا طفلاً أو شيخاً أو متعبداً في صومعته ولم يغدروا فمن يكسر سيفه( ) لا يقتل إلا إذا عاد يحمل سيفاً ولم يقلعوا شجرة أو ذبحوا شاة إلا للتغذية( ).

بين اتباع كل ديانة مساحة للتشديد، وداخل مساحة التشدد هامش للتطرف الذي فيه حيز للغلو، إن التشدد والتطرف والغلو حقائق تتصل بطبيعة الإنسان أكثر من صلتها – إلى حد ما – بالأديان السماوية ولكن كما نزلت وليس كما حورت. ( )

والمقولة التي تكررت بأن الإسلام قد انتشر بحد السيف ليس مقولة صحيحة، وكذلك فإن مقولة " دين محمد دين السيف " ليست خاطئة فقط بل هي مدسوسة وهمجية. لقد بلغ عدد الغزوات الإسلامية سبعين غزوة كان عدد ضحاياها من المسلمين وغير المسلمين 386 ضحية فقط. وحين مقارنة هذا الرقم الضئيل بضحايا الحروب الدينية في اوروبا بين البروتستانت والكاثوليك لا يتجاوز نقطة في بحر، بلغت الضحايا في ألمانيا لوحدها 40% من الشعب الألماني في الوقت الذي اكتسح فيه الإسلام الشرك وظهر على جميع الأديان بكلفة 386 فرداُ..

والمعارك التي خاضها المسلمون كانت ضد قوى الفرس والروم المحتلة المهيمنة المستعمرة ولم يقاتل المسلمون شعوب المناطق التي افتتحوها بل قامت تلك الشعوب بالقتال إلى جانب المسلمين. إذ قاتل نصارى الشام مع جيش أبو عبيدة، وقاتل المجوس مع خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة. لم يوجه الإسلام سيفه إلا ضد المستعمر وبهدف نشر الإسلام طوعاً بعد تحرير إرادة الشعوب لتختار ما تريد. لقد فتح المسلمون مصر ولم يدخل المصريون الإسلام إلا بعد مائتي سنة تَلَتْ ذلك الفتح دون إكراه أو إجبار من أحد. وفتح المسلمون خلال ثمانين عاماً مساحات أوسع من الإمبراطورية الرومانية خلال ثمانية قرون لأن رجال الفتح آمنوا على يد الرسول صلى الله عليه وسلم فكانوا يقاتلون من أجل هداية الناس وتحرير إرادتهم. والنصرانية لم تزدهر في مصر إلا بعد دخول الإسلام لأنه أعاد لهم حرية العبادة "ولولا سماحة الإسلام لما استمرت النصرانية في مصر ولما كان هناك كنيسة قبطية "( ) لقد أعاد عمرو بن العاص الكنائس من مغتصبيها إلى أهلها، إنها المرة الأولى في التاريخ التي يحرر فيها قائد دور عبادة لإتباع دين آخر ويردها لهم. حرر المسلمون الشعوب وتركوها وما تدين ولم يجبروا أحداً على اعتناق الإسلام.

قالت امرأة لصاحبتها في بيت المقوقس/عظيم مصر وقد بلغها مجيء عمرو بن العاص وإقدامه على دخول مصر : "لا تخافي فإن هؤلاء قوم سيوفهم ذات أخلاق".( )

وأشهر ما يرد إلى الذهن للتنوير : عندما اعتدى ابن عمرو بن العاص والى مصر آنذاك على قبطي بإحساس السيد المتعالي قائلاً وهو يضربه " خذها وأنا ابن الأكرمين". استدعى الخليفة عمر بن الخطاب كلاً من عمرو بن العاص وابنه مع القبطي واقتص له فطلب منه أن يضرب ابن الأكرمين فضربه. لم يكتف الخليفة بذلك بل طلب منه أن يضرب أيضاً عمرو بن العاص نفسه قائلاً " فو الله ما ضربك إلا بسلطان أبيه". ففزع عمرو بن العاص فزعاً شديداً وقال لأمير المؤمنين "لقد اشتفيت يا أمير المؤمنين". ولم ينقذه إلا الشاب المصري الذي اعتذر قائلاً: "لقد ضربتُ من ضربني" ورفض أن يضرب ابن العاص احتراماً لشيخوخته. فلم يجبره بن الخطاب وقال له " والله لو ضربت بن العاص لما حلنا بينك وبينه حتى تكون أنت الذي تدعه"، ثم قال لابن العاص تلك العبارة التي تدارجت وما تزال على لسان العالم وكانت أساساً لحقوق الإنسان " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً. وقال للشاب المصري " انصرف راشداً فإن رابك شيء فأكتب إليّ"( ). لذا فكيف يُعقل أن يقدم المسلم – ليس الإسلامي – على قتل الأبرياء ما دام الإسلام في الاصل لم يسمح بإهانتهم أو الحط من كرامتهم!. ( )

لذا فإنه من مفارقات التاريخ وغرائبه أن يرتبط الإسلام في أذهان الكثرة الغربية بالعنف والإرهاب وأن " تختزل عظمة الإسلام العظيم –الذي أرسل الله به الرسل والأنبياء هدي للبشرية- "وتُقَزَّمَ" إلى "نُدْبة أمنية". يتبين من هذا التربيط للإرهاب بالإسلام حين الغوص في الأسباب أن هناك عواملَ شاركت في هذا التربيط:

أولاً : ما زال يتربع في الذاكرة الغربية ذلك الصراع القديم بين الغرب والمسلمين، وهو صراع حركته في بداياته المنافسة التي قامت بين أجهزة التبشير الاستخباراتية المسيحية والدعاة المسلمين إذ يسعى المبشرون إلى دعوةِ الآخرين لاعتناق المسيحية. وكان لحروب الفرنجة – الحروب الصليبية – دور الباعث من جديد لهذا الصراع إذ حاول الغربيون الاستيلاء على بلاد المسلمين وفرض سلطتهم عليها. وقد غرس " المستشرقون الاستخباريون " إسناداً لسياسة بلادهم الغربية في عقول الأجيال عندهم صورة سلبية للإسلام تستثير عداءهم وسخطهم، وحاولوا تفنيد وتتفيه أساسيات العقيدة الإسلامية وخاصة الجهاد الذي صوروهُ كقسرٍ وإكراهٍ وفرض الرأي على الآخرين.

ثم وقع العالم الإسلامي تحت النفوذ الغربي المباشر بعد أن انحسر المد الإسلامي. وقامت حركات لمقاومة الإستعمار الغربي متمسكة بدينها ومبادئه وكمثال على ذلك تمسك الثورة الجزائرية بدينها الإسلامي ولم تكن تعتبر نفسها إلا " مسلمة"، ولم تكن تعتبر العدو الفرنسي إلا "نصراني"( )، وكذلك كان حزب الاستقلال في المغرب وجميع فصائل الفدائيين التي قامت بالمواجهات العسكرية. فكانت لفظة المسلم " تعني : مواطن مخلص مجاهد يعتنق الإسلام". بينما "نصراني" تعني المستعمر الأجنبي الذي يعمل ضد الإسلام وضد البلاد". لذلك كانت الصورة في الوجدان الغربي أن الإسلام هو الذي يحرك العداء للغرب وأن المسلمين خطر على الحضارة الغربية كلها. ولذا بناء على هذه الخلفية فالعقل الغربي مهيء لقبول كل نقد موجه للإسلام وتصديق كل صورة سلبية عنه، بل وعقد الغربيون المؤتمرات الدولية من أجل ردع الإسلام والوقوف بوجه الحضارة العربية الإسلامية.

ثانياً : ظهرت على الساحة العربية حركات سياسية- ومعظمها ولد ولادة مشبوهة كأبناء السفاح- تحمل شعارات شتى ومنها من رفع شعارات إسلامية صدقاً أو عن جهل أو خبث. ومارست هذه الحركات القوة الانقلابية العسكرية التي انقَضَّتْ فيها على المجتمعات العربية تستبيح وتُصَفّي بما لم يُنزل الله به من سلطان فحطمت صورة المجتمع وجميع قدراته في الداخل وشوهت صورته لدى العالم الخارجي وجعلت منها مسخاً مُقزِزاً. وقد أتيحت الفرصة لجميع هذه التيارات القاصرة والمزورة بأن يجرب كل منها دوره في الحكم ولم يكن شهاب الدين إلا أسخف من أخيه!! إن الأثر السلبي الذي تركته مثل هذه الحركات لدى العالم الغربي كان أفعل حتى من جميع الحملات الغربية الحاقدة على الإسلام والمسلمين . وبالذات إن الحركات التي تَدَّعي الإسلام – والتسمية هذه محشوة في جوفها مليئة بالعفن وملفوفة للإغراء وشراء الضمائر بشرائح الذهب فغدت تصفي خصومها- تقوم على العنف والقتل. إن وجود مثل هذه الجماعات التي لا تفهم من الدين إلا الخمار بثقبين تتشَبْرَقُ من ورائها بياض عيون زائغة أو لحية طويلة تصل إلى طرف الثوب الذي يجب أن يكون أقصر بشبر عن القدمين! ولا ترى من الكبائر إلا الأنوثة!. ( )

ولا بأس من الإشارة إلى أن الأمر هنا ليس مناقشة الإسلام من حيث مبادؤه الثابتة ونصوصه القاطعة ومواقفه الواضحة إنما الأمر يتعلق بتحليل تيارات ثقافية جانبية أو تحتية ترفع بيرق الإسلام في الوقت الذي تتناقض فيه سلوكياتها مع الإسلام لا بل تخرق مبادئه وأخلاقياته. فالإسلام منظومة كاملة لمحددات العلاقة بين بني البشر حين يتفقون وحين يختلفون في أوقات النزاع وفي أوقات الوفاق. ولم يكن الإسلام في صدام مع الحضارات( )، فالمسلمون يقفون مع كل أفراد العالم وشعوبه ودوله ضد أي خطر يهدد الإنسانية. والإسلام قائم على التواصل والتعاون يحارب القطيعة والتقوقع ومبادؤه الكبرى في هذا المجال هي:

1- الإنسان مخلوق مكرم أياً كان لونه أو دينه أو جنسه أو أواصله. وهو مفضل على كل المخلوقات( )،وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ. الإسراء (70).

2- " التعددية" ثروة تغني البشرية فالتنوع والاختلاف نعمة وليس نقمة وليس خطراً. " وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ ". الحجرات(17).

3- الإسلام يعصم دم الإنسان وعرضه مهما كان دينه. أوصى نبي الإسلام الإنسانية كلها " أيها الناس إن دمكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم".

4- احترام المواثيق في السلم والحرب." الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ ". الرعد(20).

5- قَنَّنَ الإسلام الحرب وصار قانون الحرب جزءاً من الشريعة الإسلامية ولم تعد الحرب إرهاباً أو همجية خارج القاعدة القانونية تستعصى على المحددات. إن الأصل في العلاقات بين البشر هو السلام والود، والحرب خارجة عن هذا الأصل. ( ).

ومن الملفت للنظر ظاهرتان لصيقتان بالإرهاب الذي يرتكبه إسلاميون:

الأولى : حينما فشلت هذه التيارات في الوصول إلى السلطة، وفشلت في إ قناع الجمهور شعرت بأنها معزولة عن التيار العام فانحصرت داخل " حوزة" تنحت لنفسها " فقهاً "تتصوره جزءاً من الإسلام. إن نظرة فاحصة لهذا الفقه الحوزوي هو فقه إنعزالي يفسر النصوص تفسيراً ضيقاً لا يتسع إلا لوجهة نظر صماء وعمياء ينكر المجتمع حوله وقوانينه ويسعى للتغيير بأي ثمن وباستعلاء وفوقية مستخدماً ما تمتد اليه قدرته من وسائل بطش إرهابية.

الثانية : إن عزلة هذه الجماعات ولَّدت الريبة بكل ما حولها، بل الوسوسة والهلوسة تجاه محيطها فقامت بنحت فقه مكمل لفقه العزلة وهو " المكتومية" مما أسقطها أتوماتيكياً في النزعة العدوانية والسلوك المنحرف. ومن منابع فقه العزلة و المكتومية العناصر التالية :

1- "التقية" أي التمويه بإظهار ما لا يبطن مما زاد في عزلتها لثبوت عدم صدقها عند السلطة وعند الناس كما أدى إلى التيه" في صفوف منتسبيها وعدم التمييز.

2- استحلال اللجوء إلى العنف والإكراه للاستعجال في الوصول إلى السلطة والحط من الالتزام بالقواعد الأخلاقية للعمل العام فيضربون بعمى وبغير بصيره بل بغباء. مخالفين قوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ " النساء(94). وقول رسوله " إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً".

3- حين تصل هذه الجماعات إلى استخدام السلاح دفاعاً عن قضاياً عامة كانت مشروعة، أو تعتبرها هي مشروعة، لا تتركه بعد ذلك أبداً وتبقى متمسكة به لتستخدمه في قضايا غير قانونية وغير مشروعة الأمر الذي يؤدي إلى الفساد والوقوع في المفاسد، "إن القوانين التي لا يحميها السلاح تصبح محطَّ إزدراء، والأسلحة التي لا تلجمها القوانين تحكمها الفوضى"( ).

جذور الإرهاب في التاريخ العربي الإسلامي:

منذ البداية لا بد من التأكيد على أن الإسلام لا جذور فيه للإرهاب -سيرد تفصيل أكثر في الأبواب اللاحقة من هذا الكتاب- حسب المفهوم الحقيقي للإرهاب وليس حسب المفهوم الهوائي، وإذا لم تمسخ معاني المقاومة والعدالة والمساواة والأخلاق. أما إذا انطلقت الأعنة على هوى مطلقها فسنجد من يصف عصفوراً شادياً بالإرهاب حينما يقضم طرف عرقٍ من العشب. وإذا تم الولوج في مثل تلك التصورات، سنظهر وكأننا ننساق إلى أنفاق معتمة كَتِمَةٍ، وما أكثر المنساقين الموجهين عن بعد بالرموت كونترول.

يرى بعض الباحثين أن الإرهاب القائم على التطرف الديني قد بدأ مع بداية "الخوارج" ومنها تفرعت العديد من الحركات المنشقة على أثر التحكيم بين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ومعاوية بن سفيان 37هـ بعد معركة "صفين"( ). فَكَفَّرَ الخوارج علياً لأنه قبل بالتحكيم، وعمرو بن العاص وابا موسى الأشعري لأنهما قاما بالتحكيم. اعتبر الخوارج كل من خالفهم الرأي من المسلمين كافراً يحل قتله فلا يرحمون منهم الرضيع أو الطفل أو المرأة أو الشيخ الهرم. وانقسم الخوارج فرقاً منها :

- الأزارقة : نسبة إلى قائدهم " نافع بن الأزرق" الذي كَفّرَ كل من ليس مسلماً، ولا يقبلون من الناس إلا الدخول في عقيدتهم أو القتل ويحلّون ايضاً قتل أطفالهم ونسائهم فهم أيضاً مشركون. كما يستبيحون ممتلكاتهم بالإستيلاء عليها أو تدميرها. أعتقد أن الإرهاب الذي انتشر في الجزائر بعد مصادرة الانتصار الكاسح " لجبهة الإنقاذ الإسلامي" في الانتخابات التشريعية 1991 تعود جذوره إلى الأزارقه، إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال قبول البشاعات التي اقشعرت لها أبدان كل العالم مثل الذبح " من الوريد حتى الوريد" أو القتل بالفؤوس لأطفال ونساء أو إبادة لأسر كاملة. كما يجد جذوره أيضاً في الإرهاب الذي مارسه الاستعمار الفرنسي ضد الجزائرين بفظائع لم تكن أقل بشاعة من إرهاب الأزارقة الأمر الذي يبرهن على أن العنف لا يجر إلا العنف والإرهاب لا يولد إلا الإرهاب ولو بعد آجيال. الأمر الخطير جداً في الإرهاب أنه لا يموت أو الأصح أن البشرية لم تكتشف حتى الآن الوسيلة القاضية عليه( ).

- اليزيدية: وَمُنَظّرُهُم هو يزيد بن أنيسه " الذي اعتقد بأن الفرس سيكون منهم "نبي" يتلقّى من الله كتاباً يلغي شريعة محمد النبي العربي.

- "النجدات": الذين أباحوا أموال ودماء أهل الذمة. يتبعون "نجدة بن عامر".

- الميمونية : أنكروا سورة يوسف في القرآن الكريم لأنها قصة غرام لا يمكن تنزيلها من عند الله. أباحوا الزواج من بنات الأخ أومن بنات الأولاد. ُمَنظِّرُهُم "ميمون العجرودي".

الحشاشون :

لقد برع الحشاشون في الاغتيالات السياسية وزرعوا الذعر في المجتمع الإسلامي. وتعود تسميتهم بهذا الأسم إلى تناول المخدرات –الحشيش- قبل القيام بتنفيذ عملية الاغتيال. وهناك رأي آخر مستمد من الصليبيين الذين تحالفوا معهم واستغلوهم للقيام باغتيال الشخصيات المسلمة المقاومة للوجود الصليبي، فكانوا يسمونهم assassins أي " مغتالون" ثم حورت إلى العربية "حشاشون". ( ).

المؤسس لحركة الحشاشين: هو " الحسن بن الصباح" في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي في بلاد فارس وتوسع انتشارها إلى الجزيرة العربية وبلاد الشام. تعرضت للتصفية 1200م، إلا أن أتباعها ما زالوا موجودين في الهند وإيران وسوريا. والآغاخان رئيسها الفخري.

وتعود جذورها إلى الطائفة الشيعية الإسماعيلية. كانت شديدة التنظيم وابتكرت أسلوب الإرهاب بديلاً عن الحرب لقلة عدد أفرادها ومحدودية إمكاناتها، فكان من الصعب عليها أن تشن حرباً نظامية فعمدت إلى تكوين مجموعات تنفذ التصفيات الجسدية للقوى التي تريد السيطرة عليها( ) وهذا هو دَيْدَنُ الإرهاب الآن إذ يشنُّ حرباً سميت بحرب " غير متساوقة"( ).

تحول " الحشاشون إلى مساندة الصليبيين بل إلى عملاء لهم ينكلون بإخوانهم المسلمين بما عرف عنهم مِنْ فظاعة في القتل والتدمير فاغتالوا، ميمون "قائد المسلمين الذي تصدى للصليبين في طبريا 1113 م وهو يدخل المسجد لتأدية صلاة الجمعة الأمر الذي شكل نصراً للصليبين بتخلصهم من عدوٍ لدود على يد الحشاشين( ). واستمراراً لحقدهم على كل ما هو عربي ومسلم استمروا في إرهابهم وقاموا بمحاولات فاشلة لاغتيال نور الدين وصلاح الدين( ).

وقد سبب الحشاشون الإرهابيون نُدَبَاً في بنية المجتمع، إذ بسبب فظائعهم سيطر الهلع على الناس فأصبح " لا يثق الأخ بأخيه، والأب يخاف من ابنه، والأمير لا يستطيع أن يعرف مَن هو المخلص من عدم المخلص من أتباعه وحراسة، فالحشاشون قد سلبوا العقول بأفكارهم المريبة البراقة. ومن الأمور الخطيرة التي ارتكبوها قتل عدد كبير من العلماء( ) والقادة والأمراء لتخلو لهم الطريق لإرباك المجتمع.

القرامطه :

اعتقد القرامطة أن الحج الى بيت الله الحرام -وهو أحد الأركان الخمسة للإسلام-؛ من شعائر الجاهلية وهو عبارة عن عبادة الأصنام. فزحفوا الى مكة المكرمة في موسم الحج 317هـ بزعامة "أبو ظاهر القرمطي" ودخلوها محتلين ونزلوا تقتيلاً وذبحاً في أهلها وفي الحجاج وردموا بجثثهم بئر زمزم وبلغ عدد القتلى(80)ألفاً وسبوا زهاء ثلاثين ألفاء من النساء والأطفال ودكوا أركان الكعبة واقتلعوا الحجر الأسود حتى لا يبقى له أثر وأخذوه معهم رهينة لمدة عشرين عاماً حتى أفلح الفاطميون في إعادته إلى مكانه( ). وكادَ القرامطة يقوضون الخلافة الإسلامية في الفترة بين 883-886م فأقاموا دولة لهم في " الأحساء" ومن هناك بدأوا يغيرون على البلدان المجاروة.

أسس هذه الحركة "حمدان بن قُرْمُطْ" وهو رجل واسع الإطلاع من بين رجال الدعوة الإسلامية. انفصل عن الإسماعيلية الى جنوب العراق متخذاً من الفقراء والفلاحين قاعدة له مكوناً تنظيماً سرياً بطابع إشتراكي لا يؤمن بفروض العبادة والتقوى فأمَرَ أتباعه بترك الصلاة والصوم وأباح لهم سفك دماء الخصوم ونهب أموالهم. فغدا القرامطة عصابة من السفاحين الأشقياء مهمتهم نشر الدمار أينما حلوا( ).

لقد تَرَكَتْ هذه الفرق الباطنية الإرهابية آثاراً سيئة في المجتمع الإسلامي تضلل الشباب المراهق الذين تحولوا الى أداة طيعة تم محو عقلها وسحق إرادتها يحركها زعماء الباطنية لما يحقق أهدافهم الخبيثة فأرهبوا المجتمع( ).

مذبحة الخندق في الأندلس :

قمعاً للقلاقل التي كانت تتكرر في مدينة طليطلة أهم المدن في الخلافة الأندلسية، قرر الخليفة آنذاك " الحكم" عام 807 م القضاء على جميع زعماء المعارضة. فطلب من والي المدينة "عروس بن يوسف" إقامة حفل على شرف ابن الخليفة وولي عهده يدعو اليه زعماء المعارضة، وأمره أن يحفر خندقاً عميقاً داخل القلعة التي سيقام فيها الحفل. وكان جنود الخليفة في كمين للمدعويين يقطعون رأس كل من يدخل من المدعوين، وتم دفن جميع المدعويين في ذلك الخندق. ( )

مذبحة المماليك :

وبعد مذبحة طليطلة بألف عام، أقام والي مصر محمد علي 1811 حفل غداء لتوديع ابنه "طوسون" الذي كلفه بقيادة حملة للقضاء على الوهابيين في الحجاز بناءً على أوامر السلطان العثماني. دعا جميع زعماء المماليك الى هذا الحفل وتمت محاصرتهم في ممرٍ ضيق داخل القلعة ثم قتلهم واحداً تلو الآخر، ولم ينج منهم إلا واحداً استطاع القفز بحصانه والهرب. وبلغ عدد القتلى 500 قتيل، أرسل محمد علي الى السلطان 64 رأساً من رؤوس القتلى. ( )
  • ملف العضو
  • معلومات
khalid
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 03-01-2007
  • المشاركات : 145
  • معدل تقييم المستوى :

    12

  • khalid is on a distinguished road
khalid
عضو فعال
رد: أمــــراء الظــلام
13-02-2008, 05:36 PM
منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أصبح مصطلح "الإرهاب" الكلمة الأكثر تداولاً في الإعلام والسياسة الدولية على السواء. حدث ذلك بعد أن تم اختطاف المصطلح، وتجييره لخدمة السياسة الأمريكية، صاحبة اليد الطولى على امتداد العالم؛ إعلامياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

وسقط ضحية هذا الاختطاف المخطط والمقصود والمغلوط للمصطلح، أوطان وشعوب وحضارات، هي بالأساس دول وشعوب تدين بالإسلام.

ومع حالة الاختطاف الراهنة وأحداثها المتسارعة، وقع الخلط والغلط، حول مصطلح الإرهاب، وأصبح المتهم غير البرئ(!) في هذه الحالة الإسلام والمسلمين، وذلك دون فرصة للتوضيح أو حقٍ للدفاع المشروع، أو حتى سانحة للبحث في الأصول والدوافع والأسباب والأهداف.

ومن هنا كان من الواجب التوقف أمام هذا المصطلح؛ وإعادة تحريره وتجليته، ومحاولة الإجابة على تساؤلات من مثل: ما معناه؟ وما دلالته؟ وما دوافعه وأسبابه؟ ومن أين جاء؟ وكيف نشأ وتطور؟

وبداية؛ فإنَّ لكلمة "الإرهاب" في الثقافة العربية الإسلامية معناها اللغوي ودلالتها الشرعية، إذ هي مصدر للفعل الرباعي "أرْهب يُرهب إرْهاباً"، بمعنى: "أخاف يُخيف إخافة"، و"أرعب يُرعب إرعاباً"، وجذرها في الفعل الثلاثي "رهب" بمعنى: "خاف".

ودلالة الفعل هنا دلالة معنوية لا تتجاوز إلى الفعل المادي، بمعنى أنَّ التخويف لا يعني الضرب أو القتل، بل إظهار وسائل ودلائل الحزم والقوة لردع الآخر العدو، وإخافته وإرهابه.

وتظهر هذه الدلالة واضحة في الآية الكريمة التي ورد فيها لفظ "تُرْهِبون" في سورة الأنفال، في قول الله تعالى: "وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ" (الآية).

فالأمر بالإعداد هنا دعوة لرفع درجة الاستعداد الدائمة، وإبراز مظاهر القوة عياناً للعدو الظاهر المبارز بالعداوة، والعدو الخفي المتمثل في الطابور الخامس من العملاء والمنافقين والمتربصين.

وهنا نجد أنَّ مفهوم الإرهاب في الآية الكريمة مفهوم وقائي، يقوم على ردع العدو عن الإتيان بأفعال العدوان المادية، ودفعه للتفكير أكثر من مرة قبل الإقدام على ذلك، مما يضمن حالة من الاستقرار والسلام.

وهذا المفهوم للإرهاب أي الردع، أمر مشروع، تمارسه القوى الدولية بلا حرج، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي مارست هذا المبدأ كسياسة معلنة في السابق ضد الاتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة.

وقد سعى إليها الإتحاد السوفييتي أيضا بإنتاج السلاح النووي والصواريخ العابرة للقارات، فيما عرف بسياسة الردع المتبادل وتوازن الرعب.

أما الدلالة المعاصرة للمصطلح، والتي تتداولها السياسة الدولية ووسائل الإعلام، فهي دلالة مخالفة للأصل اللغوي والشرعي، وتعني العدوان المادي على أرواح الأبرياء، وهنا يظهر الفرق شاسعاً بين المعنيين والدلالتين؟!.

ومن هنا نفهم سعي الولايات المتحدة التي يهيمن عليها تحالف شركات السلاح وشركات البترول والمؤسسة العسكرية، أو ما يعرف بـ"المجمع العسكري الصناعي البترولي"، إلى إيجاد عدوٍ بديلٍ بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، حتى تستمر موازنات التسلح الضخمة والاستثنائية، والتي لم يعد هناك مبرر لها بعد سقوط العدو الشيوعي.

وقد كان البديل جاهزاً في نظر صقور الإدارة الأمريكية، وهو "الإرهاب الإسلامي"؛ فهو عدو تحدث عنه الرئيس الأمريكي السابق "ريتشارد نيكسون" في كتابه الذي صدر في الثمانينيات من القرن الماضي تحت عنوان:"نصر بلا حرب 1999م"، وهو الكتاب الذي بشر فيه بسقوط الاتحاد السوفييتي في عام 1999م، إلا أنه سقط قبل ذلك بعشر سنوات في عام 1989م.

لقد تمَّ إلباس المصطلح ثوب العنف والعدوان، وأثارت واشنطن حوله كثيراً من الضجيج والصخب في حملة من الحشد الإعلامي، استهدفت تغيير الصورة الذهنية في المِخْيَال الجمعي للرأي العام، والبعد به عن محاولة الفهم الموضوعي للمصطلح، ليجري تشكيل صورة ذهنية بإطار دلالي مرجعي جديد، يتفق وأهداف السياسة الأمريكية الجديدة، ويساهم في حشد الرأي العام خلفها، يؤيدها ويدعم تحركاتها العسكرية على الساحة الدولية.

وهكذا أصبح الإسلام الحليف التقليدي للولايات المتحدة بالأمس في مواجهة الشيوعية، عدواً بديلاً تجب مواجهته اليوم(!). ولكي تبدأ المعركة فلا بدَّ من حدث قوي وكبير ومثير يهز الرأي العام ويقنعه بمشروعية تلك الحرب، فكانت ضربة 11 سبتمبر في واشنطن ونيويورك.

وبالعودة إلى تاريخ الإرهاب بدلالته المعاصرة التي سعت واشنطن لتكريسها، نجد أنّه غير إسلامي، بل هو سابق على ظهور الإسلام ذاته.

فالمؤلفان الفرنسيان "جيرارد تشالياند، وأرنود بلين" يذكران في كتابهما "تاريخ الإرهاب: من العصور القديمة إلى القاعدة"؛ أنَّ الفعل الإرهابي كعمل إجرامي جماعي، كان أول من قام به هم اليهود ضد سلطة الرومان، ممثلين بجماعة تسمى الوُرَعَاء أو الأتقياء (zelotes).

وهم جماعة أطلق عليهم الرومان أنفسهم اسم "المخنجرين"، وذلك نظراً إلى أنهم كانوا يعتمدون الخنجر وحده في اغتيال ممثلي السلطة الرومانية، وكذلك في تصفية أبناء جلدتهم ممن كانوا يعتبرونهم كفاراً، أو مقصرين في التقيد بحرفية الشريعة التوراتية، كما يشير إلى ذلك الكاتب "جورج طرابيشي" في مقال له بجريدة الحياة (17صفر1426هـ).

لقد رأت فرقة المخنجرين النور أولاً كفكرة في رأس بعض المثقفين اليهود، وعلى رأسهم "يهوذا الجليلي" الذي قدَّم نفسه على أنه مصلح ديني ومرمم للعقيدة القويمة التوراتية، ومناضل في الوقت نفسه ضد الاحتلال الروماني، الذي كان قد جرد اليهود في مطلع القرن الأول للميلاد، مما كانوا يتمتعون به من استقلال ذاتي في عهد "هيرودوس".

وإزاء ضراوة القمع الروماني، الذي أخذ شكل عملية صلب جماعي لألفين من المتمردين، لم يكن أمام "الوُرَعَاء" لمواجهة "إرهاب الدولة" سوى التحول إلى حركة إرهابية سرية تعتمد الخنجر لغة بديلة في الصراع.

وعلى امتداد الألفية الأولى والثانية وبعد ظهور الإسلام، لم يعرف العالم حركات إرهابية تنتمي إلى العالم الإسلامي، وتتخذ من العنف المادي وسيلة للوصول إلى أهدافها، سوى حركة "الحشاشين" التي أسسها "الحسن الصباح" المنسوب إلى الطائفة الاسماعيلية النزارية؛ وهي حركة خارجة على الإجماع الإسلامي.

وقد تأسست حركة الحشاشين في جبال "الديلم" شمال إيران، بعد انشقاق أتباع ذلك المذهب عن الدولة الفاطمية، واتخذت طريق الاغتيالات بديلاً للتفاهم مع الخصوم السياسيين.

وفيما عدا ذلك ـ كما يرى المؤلفان الفرنسيان ـ فإنَّ الإرهاب كعمل جماعي إجرامي، هو ابن شرعي للحضارة الغربية، فكراً وممارسة.

فمع حلول عصر الأيدولوجيات في أوربَّا، بدأ يبرز إلى السطح الإرهاب السياسي. وكان قصب السبق في هذا يعود إلى الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي.

فـ"روبسبير" أحد قادة الثورة، هو الذي دشَّن ذلك العهد من الإرهاب عندما وقف خطيباً أمام الجمعية التشريعية في 5 فبراير 1794 وقال: "ينبغي أن يكون الشعار الأول لسياستكم هو: بالعقل يقاد الشعب وبالإرهاب يقاد أعداء الشعب". وكان من نتيجة هذه السياسة أن تم اقتياد ثلاثمائة ألف شخص إلى المقصلة بمن فيهم روبسبير نفسه!

وفي نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، ظهر كتاب بعنوان: "التعليم الديني الثوري" للمنظر الروسي الفوضوي "سيرجي نتشائيف". وفي هذا الكتاب وضع نتشائيف الأساس للإرهاب الانتحاري، حيث يقول: "الثوري هو إنسان ميت سلفاً"، ثمَّ يضيف: "الثوري هو عدو لا يهادن، ولا يحيا إذا ما استمر في الحياة إلا ليهدم ويدمر بمزيد من التصميم"!

هذه هي النظرة التاريخية للإرهاب كسلوك إجرامي جماعي كما يراه ويؤرخ له مؤلفان غربيان.

وقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية فاعلاً مؤثراً في تغذية حركات العنف الإسلامي في التاريخ المعاصر، وذلك في إطار الإستراتيجية الأيديولوجية الغربية لتطويق الاتحاد السوفييتي بحزام ديني عازل، ثم بعد ذلك بتنظيم عملية الجهاد ضد الغزو السوفييتي لأفغانستان ودعمه لوجستياً.

وإن كان الجهاد ضد الغزو السوفييتي لأفغانستان أمر مشروع، إلا أنَّ الاستغلال الأمريكي له وتغذية الآلة الإعلامية الغربية والمخابرات الأمريكية للتعصب الأعمى ذي الطابع الإسلامي، بعيدا عن الفقه الحقيقي للإسلام، هو الشيء غير المشروع.

ومن هنا؛ وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي، تحولت السياسة الأمريكية للبحث عن عدوٍ جديد يساهم في تقوية تماسكها الداخلي، ويعزز سيطرة المجمع العسكري الصناعي البترولي، ويكرس مصالحه، ويمنع بروز قوى عالمية جديدة مناوئة.

وقد وجدت واشنطن ضالتها فيما تسميه بـ"الإرهاب الإسلامي" كعدو بديل؛ سهل وهلامي، تستطيع من خلال سياسة التخويف منه، والحشد والتعبئة في مواجهته، أن تحقق أهدافها الداخلية والخارجية، والسيطرة على منابع البترول في الخليج العربي وآسيا الوسطى، ومن ثم الهيمنة والتحكم في القوى الصاعدة في أوروبا وآسيا، ومنع ظهور منافسين جدد على الساحة الدولية، وبالتالي بقاء القرن الحادي والعشرين قرناً أمريكيا بلا منازع.
  • ملف العضو
  • معلومات
khalid
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 03-01-2007
  • المشاركات : 145
  • معدل تقييم المستوى :

    12

  • khalid is on a distinguished road
khalid
عضو فعال
رد: أمــــراء الظــلام
13-02-2008, 05:42 PM
الدكتور خالد عبيدات

جولة واسعة لتعريف الإرهاب

نظرة عامة :

مادة الكلمة " الإرهاب" في اللغة العربية هي " رهب" ثلاثية الوزن ومعناها الفزع والخوف والرعب والذعر، أما حين التوجه إلى الله فيشمل معناها إزدواجاً من " الخوف والتعظيم. وحين يُقال: أصابته الرهبة من الله يكون القصد الخوف وبنفس الوقت التعظيم والإجلال. ورهب الشيء رَهْباً و رَهَبَاً ورَهْبَةً أي خافه. وأرهبه ورهبه وأسترهبه تعني : أخافه وأفزعه، وترهَّب الانسان تعني يخشى الله وأصبح " راهباً" ( ).

وتُشْتَقُّ كلمة " إرهاب" من الفعل المزيد " أرهب" ، وحين يُقال أرهب فلان فلاناً تعني فزَّعَهُ وخوَّفَهُ . و " رَهَّبَ- أي الفعل المضعف- تحمل نفس المعنى. ويأتي في نفس المعنى، الفعل المجرد " رَهِبَ، يَرْهَبُ، رُهْبَةً، رَهْباَ.

أما حين يُزاد على الفعل " رهب" حرف "ت" ليصبح " ترَهَّبَ" يكون معنـاه إنقطع لعبادة الله في الصومعة. والراهب، والرهبانية مشتقة منه، أما حين تعَدّي الفعل: أي ترهَّبَ فلان فلاناً يكون المعنى تَوَعَّدَهُ. وحين استعمال صيغة " استفعل " أي " إسترهبه" أي " رهَّبَهُ" ( ).

ووردت لفظة " إرهاب " عند الزمخشري إذ قال " يقشعِرُّ الأَهاب إذا وقع منه الإرهاب". وأورد الزمخشري ( في القرن الثاني عشر الميلادي) مثلاً عن فعل " رهب والاسم الرهبة" يقول فيه " وهو رجل مرهوب عدوه منه مرعوب" ( ).

أتت الكلمة " الرهبةُ" من الفعل رَهِبَهُ رهباً ورهبةً بمعنى خافه، وأرهبَ فلاناً أي فزَّعَهُ وخوفه( ).

وَرَهِبَ تعني خاف، ورهب الشيء رهْباً ورَهَباً ورهبةً، خافه.وأرهبه أخافه وأفزَعه( ).

وشرحاً لمعنى الكلمة " إرهاب" كما جاء في " مختار الصحاح " أنها مشتقة من الفعل رَهِبَ أي خاف، ورَهْبَةً، ورُهْباً. وحين يُقال رجل رَهَبوت تعني أنه مرهوب. ويُقال: رَهَبَوتُ خيرْ من رَحَموت أي لأن تُرهَبَ خيرٌ من أن تُرحم. والتَّرَهُّبْ والرهبانية معناها " التعبد ". والقول ترهَّبَ فلان أي أصبح راهباً يخشى الله، ومعنى " التَرَهُّبُ" هو التعبد، ويقول إبن الأثير أن الترهيب معناه التخويف ( ).

أما " المجمع اللغوي" للغة العربية فقد أقر كلمة " إرهاب " ككلمة حديثة في اللغة العربية وأصلها " رهب" بمعنى خاف وأرهب بمعنى خوف، وكلمة إرهاب هي مصدر الفعل أرهب، وتستعمل الرهبة في اللغة العربية للتعبير عن الخوف المشوب بالاحترام وهي بذلك تختلف عن الإرهاب الذي يعني الخوف والفزع الذي يتأتى من قوة سواءً قوة حيوانية أو طبيعية أو ماليَّة. والإرهابي هو وصف يُطلق على الذي يسلك سبيل العنف لتحقيق هدف سياسي كما جاء في المعجم الوسيط الصادر عن مجمع اللغة العربية ( ).

بدأ تعبير " الترويع" يأخذ طريقه إلى بعض كتابات الرواد بدلاً من تعبير الإرهاب " ذي المفهوم المشبوه". والبعض يستعمل اليوم تعبير " العمليات الترويعية ويكتفي آخرون باستعمال تعبير " الارهاب الإجرامي" ( ). وبعد 11/9/2001 صارت كلمة إرهاب في القاموس جزءاً من تبسيط المفردات والتحريض العاطفي بحيث أصبح الارهابيون هم الأناس السيئون في حين أن الباقين الذين يصفون كل شيء آخر بالإرهاب هم الناس الطيبون ( ).

وقد وردت مشتقات كلمة رهب في القرآن الكريم إثنتي عشرة مرة بمعاني متعددة لكن المعنى بمجمله ينحصر في الخوف والتحرز وهي كما يلي : يرهبون ، فأرهبونِ في النحل "51"، وفي البقرة "40" تكررت مرتين، ترهبون، إسترهبوهم، الرهب، رهبه، رهباً، رهباناً، رهبانهم، رهبانية، وجاءت في السور والآيات التالية: سورة البقرة آية 40، المائدة آية 82، الاعراف آية 116، 154، الأنفال آية 60، التوبة، آية 31، 34 ، النحل ، آية 51، الأنبياء، آية 90 ، القصص آية 32 ، الحديد آية 27 ، الحشر ، آية 13.

أحد هذه المعاني إخافة عدو الله وعدو المؤمنين حين الجهاد ((وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)).الأنفال 61 ، ووردت خمس مرات في معنى " مخافة الله وإجلاله"، ومرة حين وصفت حا ل الناس عندما شاهدوا ما عمله السحرة، وأربع مرات جاءت تسمية للرهبان.

وقد شرح الراغب الأصفهاني معنى رهب ومشتقاتها كما يلي:رهب: الرهبة والرهب بمعنى الخوف مع التحرز والاضطراب. قال تعالى:(( لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً)) و((جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ))،و((رَغَباً وَرَهَباً))،و((تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ))،و((إ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ)).والترهب يعني التعبد واستعمال الرهبة. والرهبانية غلو في تحمل التعبد من فرط الرهبة ، قال تعالى ((وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا )) ، وتأتي (( الرهبان)) بمعنى المفرد أو الجمع، وحين تكون مفرداً يكون جمعها رهابين ورهابنة. ( )

والارهاب فزع الأبل ومنه الرَّهْبُ من الأبل، وقالت العرب رَهبوت خير من رحموت، وقال مقاتل " خرجت التمسُ تفسير الرَّهب فلقيتُ أعرابية وأنا آكل، قالت يا عبد الله : تصدَّق عليَّ. فملأتُ كفي لأدفع إليها ؛ فقالت ههنا في رَهَبي أي كُمَّي(( ).

إن كلمة " إرهاب" تم إستعمالها بقوة وكمصطلح في الثورة الفرنسية وفي عهد الحكومة التي سُميت بحكومة الإرهاب حيث " روبسبير" ورفاقه كانوا يَرَوْنَ الإرهاب عنواناً للفضيلة إذ قال " روبسبير" أمام لجنة الصحة العامة التابعة لمحكمة الرهبة " يجب أن يكون الهدف الأول لسياساتنا هو إرشاد الشعب بالمنطق واعداء الشعب بالأرهاب؛ والارهاب ليس أكثر من العدالة الفورية والشديدة وغير المرنة ؛ لذلك فإن عنوان الفضيلة هو تحطيم أعداء الحرية بالأرهاب وسوف يقدركم الناس المؤسسون للجمهورية" ( ).

إن كلمة terreur الفرنسية أصلها لاتيني ومشتقة من الفعلين اللاتينيين : tersere و terrere ويعنيان جعله يرتعب ويرتجف، والاسم لهما terror و terroris ومنهما جاء الاسم الفرنسي terreur ومعناه اللغوي : رعب وخوف شديد؛ إضطراب تحدثه في النفس صورة شر حاضر أو خطر قريب( ). وقد وضحها قاموس الأكاديمية الفرنسية بتقديم المثال : يقال ألقى الرهبة بين الأعداء، ونشر الرهبة في جميع الأمكنة التي يمر فيها، زرع الرهبة في كل مكان. كما يقال عند الكلام عن زعيم كبير أو فاتح عظيم: إن اسمه يملأ الجو رهبة للإشارة إلى الرعب الذي ينشره حينما يذكر إسمه. إن هذا اللفظ في مراحله الأولى احتوى على عنصرين نفسي وجسدي ولم يكتسب بعداً إجتماعياً إلا في مطلع القرن الثامن عشر كما جاء في قاموس " فورتيير" ، وقاموس " ريشيليه" وقاموس الأكاديمية الفرنسية المنشور سنة 1740 ( )، ولم ترد التسمية الفرنسية terrorisme إلا مع بداية الثورة الفرنسية إذ تحول مفهومها تحولاً عميقاً فولَّدت مفهوماً جديداً ينتمي إليها بحكم الاشتقاق ولكنه مستقل عنها تماماً بالمفهوم الذي أصبح يدلُّ عليه.

هذه الكلمة " الارهاب" والتي جاءت من اللاتينية ثم انتشرت في لغات المجموعة اللاتينية وبعدها انتقلت إلى لغات أوروبية أُخرى إلى أن أصبحت الآن مستعملة ككلمة عالمية وفي جميع اللغات تقريباً. إن كلمة Terreur يقابلها باللغة العربية " رعب " أو " ذعر " أو " رهبة". كما أن كلمة terrorisme يقابلها أيضاً نفس الكلمات العربية، وبذا يتضح أن terreur، و terrorisme يقابلهما نفس المعنى باللغة العربية دون تمايز بين خصوصيات كل من الكلمتين. إن كلمة terreur الفرنسية، وكلمة terror الانجليزية تعني ذلك الترعيب المستخدم من قبل أصحاب السلطة كأداة للسيطرة . بينما ذلك الرعب المستخدم من قِبَل الذين ليسوا في السلطة - أي الضعفاء- فسمى بالفرنسية terrorisme، وبالانجليزية terrorism. وعلى كل حال فليس هناك من كلمة أكثر جدلاً واستخداماً في وسائل الأعلام العالمية منذ أحداث نيويورك وواشنطن في 11/9/2001 من كلمة terrorisme أي الارهاب( ).

حددت الأكاديمية الفرنسية في قاموسها الصادر في العام السادس من الجمهورية الفرنسية الأولى معنى " الرهبة " terreur بـ " الانفعال السيكولوجي" . ولم تورد الأكاديمية الأرهاب terrorisme إلا في الملحق لسنة 1829 وذكرت أن معناه هو : نظام نسق الأرهاب الذي ساد فرنسا خلال الثورة الفرنسية ( ).

ولتوضيح الفرق بين هاتين الكلمتين terreur، terrorisme وضعت الأكاديمية الفرنسية الفعلين( ):

الأول terrorifier ويعني " جَعَلَهُ يضطرب من الرهبةَ؛ ومن هذا الفعل يشتق الاسم terreur ويقابلها بالعربية " الارعاب" المجرد من كل معنى سياسي واجتماعي .

الثاني: terroriser ويعني يفرض نسق الرهبة أو نظامها ؛ ومن هذا الفعل يُشتق الاسم terrorisme، ويقابلها باللغة العربية الارهاب بكل معناه الاجتماعي السياسي.

ولم تستعمل كلمة " الارهاب" ذات المعنى والدلالة السياسية إلا مؤخراً إذ جاء في " المنجد" أن " الأرهابي هو مَنْ يستخدم الأرهاب لإقامة سلطة، كما أن الحكم الأرهابي هو ذاك النوع من الحكم الذي يقوم على العنف وتستخدمه حكومات أو جماعات ثورية ( ).

والأرهاب هو مصدر الفعل أرهب: أي أخاف ، خوَّف، راع، روّع، فهو الإخافة والترويع. يستعمله البعض بمعنى التخويف والتفزيع، ويستعمله آخرون بمعنى التهديد من أجل الابتزاز والأخذ. وكلمة " تهويل" أولى بهذا المعنى . كما ويستعمل بمعنى نشر الخوف الجماعي ونشر الذعر terreur، terrorisme وكلمة " رعب" أولى بهذا المعنى( ).

وفي قاموس

William Little et al. The Shorter Oxford English Dictionary (London: Oxford University Press, 1967. p. 2155-2156.

جاء معنى كلمة terrorism بأنها : سياسة أو أسلوب لإفزاع المعارضين للحكومة، بينما تعني كلمة terrorist الأسلوب الذين إستخدمه اليعاقبة وأعوانهم أثناء حكم الارهاب في الثورة الفرنسية ، كما أن كلمة إرهابي تعني الشخص الذي يسعى إلى استخدام الترويع أو الاكراه أو التهديد من أجل دعم رأيه.

- وطبقاً للمعجم القانوني الذي ألّفه " بلاك" فإن تعريف الرهبة (terror) هي الذعر أو الرعب أو الفزع، أو حالة ذهنية سببها الخوف من الأضرار التي يسببها حادث أو عمل معاد أو التهديد به، والأرهاب حسب المعجم نفسه هو : جريمة من جرائم العنف بهدف ترويع شخص أو التسبب بإرغامه على إخلاء بناء أو مكان إجتماع أو واسطة مواصلات أو غيرها لأحداث هلع عام، أو الأهمال الطائش بهدف نشر مثل هذا الهلع أو الضيق.

- وأول معنى جاء للإرهاب في قاموس اكسفورد : الحكم بطريق التهديد حسب إرادة الحزب المتولي للسلطة في فرنسا أي خلال حكم روبسبير.

هذا وحسب معتقد البعض فإن أعمالاً معينة قامت بها أنظمة دكتاتورية وخصوصاً التي اتبعت الخط الماركسي اللينيني - كالاتحاد السوفيتي سابقاً، تعد إرهابية " ولكن طبعاً الارهاب ليس هو تلك الأعمال الصادرة عن أنظمة حكم حليفة أو صديقة ..." ( ).

والارهابيون أربعة أنواع :

1- مجرم عادي يسعى لمكاسب شخصية كطلب فدية مثلاً: حين تم خطف وزراء نفط الأوبك.

2- شخص يقوم بعملية إرهابية لأنه مريض نفسياً كذلك الذي قام بقتل البنات الصغار في كليفورنيا سنة 1989 قبل أن ينتحر ، أو ذلك الذي قتل الأطفال في مدرسة إيرلندية سنة 1996.

3- شخص يعمل دعاية لمطلب ما أو يطلب إزالة ظلم ما .

4- شخص أو مجموعة ينطلق من عقيدة يُقْدِمْ على الإرهاب لأسباب سياسية واقعية أو هكذا يتصورها، وهذا هو النوع الملفت للإنتباه العالمي .

ويمكن أن يقوم بالارهاب شخص أو مجموعة أو دولة أو تحالف دول.

وفي قاموس

David Roberston , A Dictionary of Modern Politics (London, Europa Publication Limited, 1985. P314.

جاءت كلمة إرهابي وصفاً للجماعات السياسية التي تستعمل العنف لتضغط على السلطات الحكومية من أجل تأييد المطالبين بإحداث تغييرات إجتماعية عميقة( ).

وفي المنظومة :

Encyclopedia Universal (France: Soutine Tirso 1985 p.956.

نلاحظ أن الارهابي هو الذي يمارس العنف من خلال جماعة أو نظام وفقاً لاستراتيجية مرسومة .

أما في قاموس

Florence Elliot and Michael Summerskil, A Dictionary of Politics (U.S.A.: Penguin Books, 1961, p. 329.

فالإرهابي هو الذي يستعمل العنف من أجل الإطاحة بالنظام القائم ولتحقيق هدفه السياسي.

وفي قاموس( ):

Grand Larousse Encyclopedique, ( Paris, Librarie Larousse, 1964) TOME 10 " P. 261.

فالإرهابي هو الذي يستخدم العنف، والإرهاب هو أعمال عنيفة تمارسها جماعات ثورية، والإرهاب وأوصافه نشأت في حكم إرهاب اليعاقبة سنة 1793 في الثورة الفرنسية .

- والارهابي في معجم الوسيط " وصف يطلق على من يسلك سلوك العنف لتحقيق الهدف السياسي ".

- والارهابي في قاموس المنجد هو الذي يقيم سلطته بالعنف.

- وفي قاموس الرائد : الارهابي هو الذي يلجأ إلى القتل وإلقاء المتفجرات والتخريب لإقامة سلطة أو تقويضها. والحكم الإرهابي هو ذلك النوع من الحكم الاستبدادي الذي يحكم الشعب بالشدة والعنف حتى يقضي على النزاعات والحركات التحررية والاستقلالية. والارهاب رعب تحدثه أعمال عنف كالقتل أو إلقاء المتفجرات والتخريب.

- ويعرفه قاموس وبستر أنه أسلوب للحكم أو لمعارضة الحكم عن طريق التهديد ( ).





وفي القرآن الكريم جاءت لفظة " الرهبة " بمعاني متعددة ( ):

الخشية من الله : قال تعالى :

- " يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ". سورة البقرة آية 40.

- وقوله تعالى : " وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ " . الأعراف 154.

- وقال تعالى " لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ " النحل 51.

- " إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً " الأنبياء 90.

- " لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ " الحشر 130.

الرعب والخوف : قال تعالى :

- " وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ " القصص 32.

- " قَالَ أَلْقَوْاْ فَلَمَّا أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ". الأعراف، 116.

الرعب في المعارك العسكرية : قال تعالى :

- " وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ". الأنفال 60.

من الواضح أن " مهمة " اللغة، أي لغة في العالم الحضارية منها أو الأقل حضارة - مع الأخذ بعين الاعتبار قدرة وَسِعَةْ اللغة - هي إبلاغ الفكر والوجدان والأفصاح عنه، أي النقل الكامل والأمين لما يدور في خلد الانسان للبشر الآخرين. وهناك إجماع على أن اللغة هي الوعاء الحاضن ثم الناقل لإنسانية الانسان ، وكلما انتشرت اللغة وتوسعت وحضنت ونقلت كلما أصبحت أكثر إنسانية وبالتالي أكثر قبولاً في العالم. والصلة وثيقة جداً بين " المعنى" و " اللغة " وتظهر دقة ذلك عند الشخص نفسه الذي يتحدث عدة لغات بجودة وطلاقة. وحتماً سيكون العالم أفضل بكثير كلما إقترب من إستخدام لغة مشتركة أو شبه مشتركة.

ومفتاح السر يكمن دائماً في الكلمة - وهي الخلية التي تكون الجسم اللغوي- وجدليتها وحركة المعنى في داخليتها. والكلمة بحد ذاتها - إلى حد كبير ولكن ليس دائماً - بريئة فهي في الأصل لفظ وصوت يحمُّلها الانسان المعني الذي يريد فهي لا تُشع المعنى بل هي عاكس آلي وبالتالي أمين". إذن المعنى شمس يتألق في ملكوت الفكر واللفظة أو الكلمة قمر يستقبل المعنى" ، إن الإنسان نفسه هو الذي يشحن اللفظ بالمعنى ( ). فالإنسان المتحضر يُنتج " المعنى " ثم يتبعه باللفظ أي بعد أن تتولد الفكرة في ملكوت الذهن تعمد آلة التصويت والقلم في تشكيلها اللفظي والكتابي. " إن مَنْ يريد توليد المعنى من اللفظ قد ضاع وهلك" حسب رأي الفيلسوف العربي الكبير أبو حامد الغزالي. لقد وعى الامر كذلك الكاتب الاجتماعي العربي العالمي " ابن خلدون" حينما أكد ضرورة الاحتماء بفضاء الفكر حين الأشراف علىالسقوط في ضبابية الألفاظ وحمى المناقشات الصوتية المتوترة أي حين يتوقف العقل عن العمل.

والمعنى هو نفسه (وليس العكس) الذي يسعى لارتداء اللفظ والكتابة فهو الروح الداخلية للكلمة( ).

وتبقى اللغة دائماً طيعةً للإنسان تتطور تبعاً لمبتغاه، فهي ليست كائناً جامداً صلباً بل هي كائن حين ينمو ويزدهر ويتفتح ، وبنفس الوقت هي معرضة للمرض والتقهقر والجمود وحتى للموت طالماً نعرف أن هناك أجناساً قد إندثرت ولغات طمست وانتهت، ولغات حية ولغات ميتة.

وهناك من الأوصاف الكثيرة التي تسبغ على لغة دون غيرها كالفصاحة لأنها تُفصح، وبالبلاغة لأنها تُبلغ. ولكن للسياسة قدرتها الهائلة، وكلما كان السياسي أكثر قدرة وأوسع علماً ودراية وثقافة ، وذكاءاً والتزاماً وطنياً كلما كانت اللغة أكثر طوعاً لمكنوناته، وكثيراً ما ينأي عن الافصاح والأبلاغ حتى لا يفضح الطوايا والطويَّةَ، إذ ليس الفضح من حسن السياسة

وللسياسي حيله الكثيرة والمتكاثرة فلديه من طلاوة اللسان وبديع الكلام وحلاوة اللسان القدرة على إخفاء مرارة المعنى، كما أن كفاءته في براءة الصياغة تخفي لؤم المقاصد، والتاريخ زاخر بالأمثلة : منذ أن سُمي الاحتلال حمايةً أو وصايةً، أو إنتداباً والنهبُ إستعماراً. كما أن نقل التكنولوجيا لا يعني أكثر من التسويق للمنتوجات، والاعتماد المتبادل لا يعني أكثر من سيطرة القوي على الضعيف. وفي هذا المجال فإن إيراد قرار مجلس الأمن رقم 242 لسنة 1967 أكبر مثل على " ملوسة " الصياغة والألفاظ، إنها " اللوردية الكرادونية " ‍‍ ( )، نسبة إلى اللورد كرادون الذي كان حاكماً لنابلس أيام الانتداب البريطاني.

ومن أخطر الحيل السياسية والأعلامية اللغوية: التكرار من أجل التعويد، إذ يتم اللجوء إلى تكرار الكلمة بهدف تعويد المُتَلَقِّي عليها تلقائياً فلا يعود يفكر في تشريحها ولا مناقشتها فيتقبلها كوجبةٍ مطهية طازجةٍ كما شاء لها طاهيها( ). إن وسائل الأعلام تُلح منذ أربعين عاماً على كلمة " الأرهاب" فتقع على الأسماع وبالتالي تنخر في الوجدان فتستقر في باب الاتهام والشتم تشهيراً سياسياً بل وأخلاقياً ووحشياً بمن تتلبسهم أفراداً أو مجموعات أو منظمات أو دول حتى أصبحت من " أفعل" وسائل إغتيال الشخصية لتصبح مجردةً من أية فضيلة.

وفي " الارهاب " مثال رائع على تطويع السياسة للكلمة أو اللفظ. كما وأن الارهاب مثال على امتهان اللغة لأغراض السياسية . فكلمة الارهاب " أصبحت منحطة القوام تحمل طوفاناً من الاحتقار والشتائم والتهم النذلة الخسيسة يستخدمها موجهوها وبما توفر لهم من إستطاعه لنفث موجات إزدراء للخصم ليصبح الذي يدافع عن نفسه باغياً مُفترياً يحل نتف رموشه وتقليع أظافره وإستباحه دمه حتى والتشنيع بجثث الأطفال والنساء الأبرياء الذين في محيطه أو كنفه.

إن " الإرهاب هو الخطر الأعلى صوتاً في الإعلان عن نفسه وفي التخويف من سطوته، والارهاب ظاهرة موجودة في كل عصور التاريخ، ولكنه الآن - في المستقبل أكثر- أخذ وسوف يأخذ طابعاً مختلفاً من حيث مدى توسع خطورته ( ).

ولذلك فإن اللغة المشتركة هي الأساس الذي لا بد منه للأرضيه الحوارية ولا يمكن القفز عنها إذا كان الهدف الحقيقي هو إجراء حوار صحيح وصادق. إن غلبة لغة على لغة أو مفهوم على مفهوم ينسف أي أمل في حوار جاد إيجابي. كما وأن الوهم أو الانخداع أو الادعاء بفهمٍ مشترك " لن ينطلي على أحد ولا يستطيع الغاء " اللا تفاهم" القائم. إن التواطؤ المفهومي رغم إستعانته بجبروت القوة لا يمكن أن يؤدي إلى التفاهم المنشود بين الشعوب وانعدام اللغة المشتركة والمفاهيم المشتركة والإدراك المتجاوز أمور خطيرة على الانسانية ( ).

المحاولات الفقهية لتعريف الارهاب

الأرهاب: مذهب يعتمد على استخدام الذعر للوصول إلى أهدافه، ويرمي إلى القضاء على النظام الطبقي القائم وإلى تغيير الحكم رأساً على عقب ولا يتردد في ضرب ممثلي الدولة بهدف إنهيار الدولة ذاتها ( ).

الأرهاب: هو الاعتداء على الأرواح والممتلكات العامة أو الخاصة مخالفاً القوانين الدولية، وهو جريمة دولية لأنه يخترق القانون الدولي سواء تم إرتكابه من قبل دولة أو جماعة أو فرد . والتمييز العنصري إرهاب كذلك ( ).

الأرهاب: هو استخدام العنف أو التهديد باستخدامه ضد أفراد بما يعرض أرواحاً بشرية للخطر أو ينهيها أو يهدد حرية الفرد الأساسية من أحل تغيير موقفه أو سلوكه - سواء كان فرداً أو جماعةً - بغض النظر عمن هم الضحايا المباشرون( ).

الارهاب هو اللجوء إلى العنف المنظم للوصول إلى هدف سياسي من قبل جماعة أو فرد مثل عمل الانفجارات في تجمعات مدنية أو وسائط النقل العمومية أو تغيير مسار الطائرات أو الاختطاف وحجز الرهائن أو قتلهم ( ).

ومن الملاحظ أن التعريفات السابقة تُعَدُّ أعمالاً إرهابية ولكنها لا تضع تعريفاً للارهاب ( ).

- أما الفقيه Sottile فقد عرف الارهاب سنة 1938 بأنه الفعل الأجرامي المصحوب بالرعب والعنف أو فزع بقصد تحقيق هدف أو غرض معين.

وعرفه David Bikford سنة 1997 في المؤتمر الدولي لجمعية وتطوير القانون الجنائي في لندن :" تَسَبُّبْ الأرعاب والأفزاع بهدف الوصول إلى نتيجة مقصودة، وبقدر جسامة الرعب يكون مدى النجاح في تحقيق النتيجة ، ويضيف بأن الدول الإرهابية تتطلع إلى نشر الرعب في الجماهير المقصودة حتى ولو تم استخدام أسلحة الدمار الشامل. وتستخدم الجماعات الارهابية الارهاب أيضاً للوصول لأغراض سياسية أو كهجوم على السلطة أو بهدف الاجرام ( ويتحدث عن ارهاب الشركات والمشاريع التي تمارسها المنظمات الاجرامية للهيمنة على السوق المشروعة لترويج تجارتها غير المشروعة في السلع والخدمات أو للتمويه عليها( ).

- ويعرفه الفقيه Niko Gunzburg بأنه الاستخدام العمدي المنظم لأدوات ووسائل تستطيع صنع الخطر الذي يهدد الأرواح والأجساد أو الصحة أو الأموال العامة.

- أما الفقيه Lemkin فيعرف الارهاب بأنه مرتكز على إفزاع الناس باستخدام العنف.

- ويعرفه الأسباني Saldana بأنه كل جناية و جنحه إجتماعية أو سياسية تسبب نشر الخوف لما تحدثه من خطر عام.

- والفقيه Givanovitch يعرف الارهاب بأنه الأعمال التي تروع الآخرين.

- و يعرفه آخرون بأنه الرعب الذي يسببه فرد أو جماعة سواء كان ذلك لأغراض سياسية أو شخصية كما أنه يشمل إرهاب الدولة أيضاً.



- وفي نظر آخرين يشمل الارهاب:

أ- أعمال الحكومة التي تستهدف ترويع المواطنين لتخضعهم وتهيمن عليهم.

ب- الأعمال التي يقوم بها أفراد أو جماعات لأسباب متعددة، وهو أيضاً إستخدام العنف المنظم للوصول إلى هدف سياسي.

- الفقيه الفرنسي Levasseur يعرف الارهاب بأنه اللجوء المتعمد لأستخدام وسائل من شأنها نشر الأرعاب لتحقيق أهداف مقصودة، ولم يحصر الارهاب بوسائل العنف إذ هناك وسائل أخرى تسببه كالوسائل المعنوية التي من طبيعتها أيضاً إثارة الرعب والفزع.

- والأرهاب عند Thoronton هو استخدام الرعب كعمل رمزي بهدف التأثير على السلوك السياسي بوساطة وسائل استثنائية ينتج عنها استخدام التهديد أو العنف، إنه يركز على الوسائل الاستثنائية التي ينجم عنها الرعب.

- أما Walter فيعتقد أن عناصر الارهاب هي : فعل العنف أو التهديد به، وردَّة الفعل التي أثارها العنف، وإنعكاسات العنف على المجتمع.

- ولا يرى فقهاء آخرون لزومية استعمال العنف في الأرهاب، إنما لزومية توفر المضمون الأجرامي الذي يسبب رعباً وفزعاً في المجتع مثل دفن نفايات نووية تقتل الآخرين بإشعاعاتها، أو تسميم مياه الشرب أو استعمال الغازات السامة أو تلويث الأغذية بكيماويات مبيدة أو جرثومية قاتلة.

- " للأرهاب إيدولوجية استراتيجية تبرر استخدامه العنف أو غير العنف لتخويف المعارضة السياسية وردعها عن ذلك بضرب أهداف عشوائية ". ذلك ما يقوله الفقيه Turk.

- - Wardlaw يرى أن الارهاب هو استخدام العنف أو التهديد باستخدامه سواء من قبل فرد أو جماعة تعمل لصالح سلطة ما أو ضدها عندما يكون الهدف خلق حالة من القلق لدى مجموعة أكبر من الضحايا المباشرين للارهاب لأرغام الجهة المعينة على الموافقة على المطلب السياسي لمرتكبي الارهاب.

- Friedland يرى الارهاب بأنه الاستخدام التكتيكي للعنف لخلق جو من الذعر لدى غالبية الشعب.

- Mickolus يعرف الارهاب بأنه استثمار الرعب الناتج عن العنف أو التهديد باستخدامه لتحقيق مأرب سياسي بالتأثير على سلوك مجموعة استهدفها الارهاب أكثر من استهدافه للضحايا المباشرين( ).

- وعرف د. شريف بسيوني الارهاب بأنه " استراتيجية عنف محرم دولياً تحفزها بواعث عقائدية تتوخى إحداث رعب لدى شريحة محددة في مجتمع معين بهدف الوصول إلى السلطة ، أو الدعاية لمطلب أو مظلمة بغض النظر عما إذا كان مقترفو العنف يعملون من أجل أنفسهم أم نيابةً عن دولة ما( ).

- د. أحمد جلال عز الدين يقول بأن الارهاب عنف منظم ومتصل يقصد خلق حالة من التهديد الموجه إلى دولة أو جماعة سياسية ترتكبه جماعة سياسية منظمة بقصد تحقيق أهداف سياسية .

- د. محمد عبد العزيز شكري يقول بأن الارهاب الدولي عمل عنف وراءه دوافع سياسية أياً كانت وسيلته وهو مخطط بحيث يخلق حالة من الرعب والهلع في قطاع معين من الناس لتحقيق هدف بالقوة أو لنشر دعاية لمطلب أو خلافه سواء كان الفاعل يعمل لنفسه أم بالنيابة عن مجموعة تمثل منظمات كجماعات التحرر الوطني، أم نيابة عن دولة متورطة مباشرة أو غير مباشرة بالعمل المرتكب شريطة أن يتعدى العمل حدود الدولة إلى دولة أو مجموعة دول سواء ارتكب العمل في زمن السلم أو زمن الحرب ( ).

- سليم قوريشي يقول إن الأرهاب هو استخدام العنف لأحداث حالة من الخوف والاذعان لدى الضحية ، وهدف الارهاب ضمان تغيير في سلوك الضحية أو استخدامها كعبرةٍ للغير.

- Eric Moris يعرف الارهاب بأنه استخدام أو التهديد باستخدام عنف غير عادي وغير مألوف لتحقيق غايات سياسية وأفعال الارهاب عادة ما تكون رمزية لتحقيق أثر نفسي أكثر من مادي.

- وريمون آرون يقول إنه عمل من أعمال العنف ترجح فيه كفة التأثير النفسي على كفة النتائج المادية.

- ليونارد وينبرج : الارهاب هو كل جريمة ذات دافع سياسي وتهدف إلى التأثير والتعديل في سلوك المستهدفين بالعملية الارهابية.

- ليزلي جرين .. الارهاب هو كل نشاط يتضمن تهديداً لأولئك المُستهدفين بالفعل العنيف، فهو يشمل الابتزاز السياسي إذ يسعى الفاعل لتحقيق أهداف ليست مرتبطة مباشرة بالضحية ( ).

هناك تعريفات تُبَسِّط الأمر وتكشف ضحالة مطلقيها - هذا إذا لم يوصفو بسوء النية - مثل :

- الارهاب جريمة ، وهو تعريف يساوي بين الارهاب السياسي والجريمة العادية الأمر الذي ينتج عنه الضياع في تقرير أدوات مواجهته بل يحصرها في أداة واحدة وهي الأداة الأمنية. إن مواجهة الارهاب من قبل الأجهزة الامنية فقط لن يؤدي إلا إلى المزيد من الارهاب.

- الارهاب هو اليسار، الارهاب هو اليمين، الأرهاب هو العنصرية .

- الأرهاب هو قتل الأبرياء.

- الارهاب هو الأغتيال السياسي.

- الارهاب هو العنف لأغراض سياسية.

من الملاحظ أن التعريفات السابقة تعريفات قاصرة لأنها لا تحمل إلا عنصراً واحداً أو عنصرين من عناصر الارهاب.

- الارهاب عمل يستند إلى مذهب يتضمن سلوكاً غير قانوني.

- الارهاب هو الحرب. إنه تعريف قد يعني الحرب الأهلية، فيجر القوات المسلحة إلى المعمعة.

- الارهاب هو الأعمال الخفية للدولة، وهذا يناقض الرأي الذي يخـرج أي عمل للدولة من دائرة الأرهاب.

- الارهاب هو العنف السياسي المنظم وهذا التعريف يستثنى ( خطأً) الجرائم العادية من الارهاب.

- الأرهاب هو الأسلام. لقد سادت هذه النغمة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي في الدول الغربية وأمريكا حين بدأ الغرب يبحث عن عدو ليعلق عليه أسباب الفشل وليجد مبرراً لرفع الموازنات العسكرية والمخابراتية، كما أن العدائية والكره الصهيوني والغربي للعرب والاسلام والمسلمين وراء هذه النغمة أيضاً. وقد زادت الهجمة بشكل مروع بعد أحداث 11/9/2001 في أمريكا ( ).

أحد التعريفات المطولة للإرهاب بعد تجزأته وكل جزءٍ يشكل جانباً من جوانب الارهاب :

أ- هو أسلوب قتال الأمر الذي يعني أن الارهاب ليس أسلوب حوار أو اتفاق أو تعايش. طبعاً إن هذا ليس كافياً فالجيش له أسلوب قتال ولكنه يتحرك بشرعية، وكذلك الشرطة.

ب- له ضحايا عشوائية، ولكن الجرائم العادية والسياسية لها ضحايا عشوائية أيضاً.

جـ- للضحايا صفات جماعية أو طبَقَيِّة ، هذا الامر ينطبق أيضاً على جرائم متعددة .

د- ومن خلال عمليات العنف أو التهديد باستخدامها تتوسع دائرة الرهبة لأبعد من الضحايا المباشرة . وهذا يعني أن الواقعين في الدائرة الأوسع هم المقصودون أصلاً بالارهاب، إن هذه الجزئية تبرهن على أن الضحايا المباشرة مجرد ممر للوصول إلى الهدف الأوسع.

و- ويزداد تضخم أثر العملية الارهابية لدى المشاهدين بسبب بشاعة الفعل المباغت وفي مكان غير قتالي وبأسلوب يخترق قواعد القتال الدولية، ويزداد تعاظم الأثر بسبب وسائل الاعلام المرئية والمقروءة والرواة، وهدف هذا الاسلوب القتالي من توسيع دائرة الحرب هو تشتيت الانتباه أو جذب الانتباه أو التحضير لهدف ثانوي أو لتحقيق مصالح ومطالب للإرهابيين. وهذه النقطة تشرح الهدف النهائي للإرهابيين ( ).

علماء مسلمون يدعون إلى وضع تعريف للإرهاب:

انعقد مؤتمر يتمحور حول الارهاب في الرياض / المملكة العربية السعودية في 5/1/2002 بمشاركة علماء مسلمين من أجل وضع تعريف للأرهاب لمواجهة الحملة التي تستهدف إلصاق تهمة الأرهاب بالأسلام. وقال عبد الله تركي / أمين عام رابطة العالم الإسلامي في كلمة الافتتاح أن من واجب العلماء المسلمين التداعي إلى وضع تعريف جامع قاطع مانع واضح وموضوعي يتم تعميمه على الحكومات والمؤسسات الإٍسلامية التي تعمل من أجل ارساء السلام والامن في العالم حتى يكون المسلمون على بينةٍ من أمرهم لأن أعداء الأسلام في العالم سارعوا إلى الانقضاض على أسس الإسلام مُتَذَرعين بالأرهاب. وهناك دعوة لوقفة إسلامية للدفاع عن الاسلام لإزالة كل لبس من تهم وأباطيل تُلصق زوراً بالإسلام من قبل إعلام جائر وظلم يقلب الحقائق ويشنُّ حملات شرسة إجرامية ( ).

أما د. عبد الناصر حريز الذي قام من جانبه بإستعراض آراء الكثيرين من الباحثين القانونيين والمختصين، فقد قام بدوره بالأدلاء يدلوه واضعاً التعريف التالي:

الارهاب هو كل استخدام أو تهديد باستخدام عنف غير مشروع لخلق حالة من الخوف والرعب بقصد التأثير أو السيطرة على فرد أو مجموعة أو حتى المجتمع وصولاً إلى هدف معين، وعناصر الارهاب التي لا بد من توافرها هي :

- إستخدام أو تهديد باستخدام عنف على وجه غير مشروع وغير مألوف، يقوم به فرد أو مجموعة أو دولة، يوجه ضد فرد أو مجموعة أو دولة، يهدف إلى خلق حالة من الرعب، يبث رسالة ما ويخلق تأثيراً نفسياً يسمح بالتأثير على المستهدفين بالارهاب، عادة ما يتجاوز العمل الارهابي الضحية التي قد لا يكون لها علاقة بالأمر( ).

ويقول " أوري أفنيري" أنه منذ سنوات عديدة أطلق تعريفاً للإرهاب مازال يفتخر به حتى الآن وهو " الفرق بين المقاتلين من أجل الحرية والأرهابيين أن مقاتلي الحرية يقفون بجانبه أما الارهابيون فيقفون في الجانب الآخر".

وأصبحت " الموضة" بعد احداث نيويورك في 11/9/2001 الحديث عن الارهاب ففقد بذلك الارهاب كل معانيه الدقيقة ( ).

- هناك حاجة إلى " عدو من أجل إبقاء همة الشعب متوقدة ومتحفزة، وعدم وجود " العدو " يؤدي إلى الاسترخاء ثم إلى الضعف مما يجعل البلد أي بلد عرضةً لأطماع الآخرين فتفقد هيبتها ونفوذها. وحال العالم من هذه الناحية كان متوازناً ومريحاً في عهد القطبين : الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي، ولكن إنهيار الاتحاد السوفييتي أفقد العالم نعمة التوازن المريحة، وأفقد أمريكا " نعمة" وجود العدو الأمر الذي دفعها للبحث عن عدو فوجدت ضالتها " بالأرهاب" بالمعنى الذي تعرفه هي للأرهاب- والذي ثبت أنه مفيد جداً أيضاً لإسرائيل. من هذا المفهوم يمكن أن يكون " الارهاب" هو القطب الثاني أو الأول في حالة وجود القطب الآخر . طبيعي أن الأرهاب ليس دولة بالمعنى الذي نعرفه ( حتى الآن !) للدولة ولكنه قد يكون أكثر من دولة أو مجموعة عنكبوتية من أشياء أكثر أهمية( ). والارهاب بدوره ليس شخصاً بل هو معنى مجرد لم يتجسد في كائن حتى يمكن القاء القبض عليه ، ولكن الأرهاب هو هكذا الارهاب ( ).

إن التلاعب بالكلمات ومن ثم حشوها بما لا تستوعبه من معاني امر معروف في " بوكر" اللعبة السياسية، وبمقدار ما يكون هناك من توازن مقبول بين " السياسة " و " الاخلاق " بمقدار ما تشقى أو تسعد البشرية. وصحيح أن الارهاب قديم قدم التاريخ - طبعاً ليس بالمعنى الذي نكتوي به اليوم - ، ولكن بين 1970-1990 تم نشر حوالي ( 6000) كتاب ومقال وبحث عن الارهاب والارهاب المضاد كما ظهرت مجلات متخصصة ودور أبحاث ومراكز واتفاقات للموضوع نفسه . إن العدد اللامحصور في محاولات تحديده بنوعيها الهادف والمفخخ لم تحل الأشكالية - إلا إذا آمنا أن كلاً يغني على ليلاه وحلَّها فردياً -( ). وحسب الكاتب " شميد " فقد تم تسجيل 5831 مؤلفاً حتى سنة 1987 ولا شك أن أحداث11/9/2001 قد ضاعفت هذا العدد بشكل دراماتيكي( ).

ورغم كل الجهود لحصر الموضوع وتعريفه باتفاق عالمي. فالفلاح لم يحصل حتى هذه اللحظة، ولهذا الفشل مدلول كبير وتعبير واضح عن تضارب المصالح واختلاف المواقف السياسية . وبالخطوط العريضة إن دول العالم الثالث (التي اتسعت دائرتها مجازاً لتشمل ما لم يصنف يوماً ما ثالثاً) ترى الأمر ليس كما يراه ذوو الشأن في العالم . إن قرار مجلس الأمن رقم 1373 في 28/9/2001 الذي ألزم الدول بمحاربة الارهاب لم يعرف الارهاب وبقى الارهاب " مجهلاً " بدون تعريف وما زال باب الخلاف حوله مفتوحاً على مصراعيه، ولكن يبقى هَمُّ العرب والمسلمين أن ينحسر تعريف الارهاب عن " حركات التحرر الوطني " ( ).

إن الصعوبة في التعريف لها مبرراتها إلى حد كبير لأن الأسباب وراء الارهاب متعددة كما أن له أشكالاً كثيرة لا يسهل جمعها في إطار واحد كما أن موضوع " الضرب الوقائي" ضد هجمات مستقبلية محتملة أصبح أمراً جائزاً إن لم يكن مفهوماً أو مبرراً إن لم يكن مبلوعاً مجروعاً: إضافة إلى الخلاف على أفعال المقاومة ( ).

ويترتب على عدم وجود تعريف متفق عليه للأرهاب:

- إستحالة تسليم المجرمين لأن من شروط التسليم إزدواج التجريم للفعل لدي الدولتين.

- إستحالة تطبيق القاعدةة القانونية " إما التسليم أو المحاكمة .

- عدم توفر معيار دولي لمباشرة ردود الفعل ضد الأعمال الارهابية بشكل متوازن فهناك دول غالباً ما تتجاهل حقوق الانسان حينما يكون الامر إرهاباً.

- عدم تنفيذ القوانين، والامتناع عن المساعدات القضائية المتبادلة والأمر الأخطر اللجوء إلى استخدام القوات المسلحة كرد فعل.

- سيقوم الارهابيون باستغلال هذا الضعف من الروابط القانونية بين الدول( ).

على المستوى الدولي :

لقد استطاع المجتمع الدولي التوصل إلى " تعريف ومن ثم " وضع الحلول " للكثير من الموضوعات التي واجهته حينما كانت حاجته لذلك ماسة فطرح جانباً ما يجب طرحه لأن مصلحته تتطلب ذلك، إذ توفرت لديه القناعة بوجوب وضع الحلول. مثلاً - ولعل المثل الذي سأورده بعيداً عن المبالغة أو الانحياز: اختلف المجتمع الدولي بعد نشوء إسرائيل عن المجتمع الدولي قبل نشوئها بكل ما في الاختلاف من معنى. كما أن مفهوم " المقاومة " عالمياً قبل نشوء القضية الفلسطينية إختلف عنه بعد نشوئها . هناك أمثلة كثيرة أخرى متعددة ، ربما - التأكيد على ربما - معظمها ذات صلة بالقضية الفلسطينية . ويجب أن لا يفهم من ذلك أن " إسرائيل" أو " القضية الفلسطينية " تشكلان " التيار الكهربائي" الذي يُشغِّل " العقل" أو " الضمير " أو " الفاعلية " للمجتمع الدولي، ولكن منطقة الشرق الأوسط بما لها وما عليها هي محور الحدث الدولي على مر التاريخ .

إستطاع العالم التوصل - ومع المعاناة الشديدة - وبعد جهود استمرت خمسة وعشرين عاماً - بسبب ما ذكرت سابقاً - إلى تعريف " العدوان"( ).

وبسبب أن المثل الذي ذكرته أصبح متجذراً أكثر، مضى على العالم وقت أطول وهو يهيم في النفق أو الدهليز للاتفاق على تعريف محدد للإرهاب وما زال حتى الآن يهيم على وجهه كالمضبوع الذي فقد وعيه يسير طواعية وراء " الضبع " الذي خدّره "ليستدرجه إلى الموكرة" التي سيفترسه فيها( ).

إن المحاولات العلمية لتعريف الارهاب تعود إلى سنة 1930 حينما ذكر " هاردمان" أن الارهاب هو الاستخدام المنهجي للعنف لإنجاز المقصد . ثم قامت عصبة الأمم المتحدة سنة 1937 بوضع إتفاقية جنيف التي لم تر حيز النور إذ وقعها (23) دولة ولم يصدق عليها إلا الهند فقط أوردت في المادة الأولي ( ) وصفاً للارهاب - وليس تعريفاً - " إنه عمل إجرامي ضد الدولة يُفزع أفراداً بالذات، أو جماعات محددة أو الجمهور عموماً ". بينما عددت المادة الثانية أعمالاً إرهابية تهدف القضاء على أو تهدد سلامة أو حرية كلٍ من : رئيس الدولة أو عائلته أو ولي عهده أو خليفته ؛ أو الذين يشغلون مناصب قيادية ؛ أو نسف أو إيقاع الضرر بالممتلكات العامة؛ أو تعريض حياة الفرد للخطر ؛ أو محاولة إرتكاب تلك الجرائم، أو إنتاج أو إمتلاك أو توظيف الأسلحة لتنفيذ تلك الجرائم ( ).

كما أوردت الاتفاقية الأوروبية لمنع وقمع الارهاب لسنة 1977 في مادتها الأولى تسمية مجموعة أعمال تعتبرها ارهاباً:

- الجرائم المنصوص عليها في إتفاقية مونتريال سنة 1971 والمتعلقة بسلامة الطيران المدني.

- الجرائم ضد الأشخاص المتمتعين بحماية دولية.

- جرائم استعمال المتفجرات والأسلحة والرسائل الملغومة.

- محاولة ارتكاب أو الاشتراك في أي من الجرائم السابقة.

كما صاغ المجتمع الدولي إتفاقات دولية لأعمال محدودة وليس مطلقة اعتبرها إرهابية فأصبحت إرهاباً متفقاً عليه . ومن هذه الاتفاقات :

أ . إتفاقية طوكيو لسنة 14/9/1964 المتعلقة بالجرائم المرتكبة على متن الطائرة .

ب. إتفاقية لاهاي لمكافحة الاستيلاء غير المشروع على الطائرات في 16/12/1970.

ج، . إتفاقية مونتريال في 23/9/1971 لمكافحة الأعمال غير المشروعة ضد سلامة الطيران المدني .

د. إتفاقية واشنطون في 14/2/1973 ضد الجرائم الموجهة للأشخاص الذين يتمتعون بحماية دولية .

هـ. إتفاقية نيويورك في 17/12/1979 لمناهضة أخذ الرهائن.

و. إتفاقية فينا في 3/3/1980 للحماية المادية للمواد النووية.

تناولت " مجموعة الكبار " G7 سنة 1986 في المؤتمر الذي عقدته في طوكيو موضوع الارهاب وبعد أن أدانته بكافة صوره وأشكاله ونددت بالدول المساندة له أعلنت أن " ليبيا " دولة مساندة للإرهاب ( بعد قضية اسقاط الطاشرة Pan AM فوق لوكيربي ومقتل 270 راكباً عليها ) ( ).

وعلى المستوى الاقليمي تم إبرام عدة اتفاقيات لقمع الارهاب.

- الاتفاقية الأوروبية لقمع الارهاب الصادرة عن المجلس الاوروبي في 10/11/1976 التي بدأ نفاذها بعد استكمال تصديقها في آب /1978.

- إتفاقية الدول الأمريكية لمنع وقمع الارهاب المبرمة في واشنطن في 2/2/1971.

- الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب التي تم إبرامها في القاهرة بتاريخ 22/4/1998( ).

أما " لجنة القانون الدولي " فقد عرفت جريمة الارهاب في مشروع تقنين الجرائم الدولية في المادة 24 لسنة 1991 وفي مشروع إنشاء محكمة جنائية دولية لسنة 1993:-

كل شخص يكون ممثلاً لدولة أو يعمل لحسابها يرتكب أو يأمر بارتكاب أي من الأفعال الآتية : أن يقوم أو ينظم أو يساعد في تمويل أو يسمح بارتكاب أفعال ضد دولة أخرى موجهة إلى أشخاص أو أموال أو تسبب حالة من الفزع أو الرعب لدى الرسميين أو القياديين أو جماعات من الأشخاص أو الجمهور ( ).

ومن نافلة القول أن الارهاب ليس فرداً ولا حتى مجموعة من الأفراد أتفقوا على تصفية شخص مهما كانت أهميته إنتقاماً أو اتقاءاً ، كما أن الارهاب ليس جماعات يسار أو جماعات يمين من العصابات التي أرهقت مجتمعها وأنهكته. الارهاب هذه الأيام اخطبوط يتمدد عبر الحدود بل لا يعرف الحدود ولا تعيقه الثقافة أو اللغةأو الدين أو اللون أو الجنس أو السن له شبكة عنكبوتية معقدة متداخلة منتشرة رائعة الاتصال تفهم كل التكنولوجيا الحديثة وتستوعبها وتجيد تسخيرها . وهذه الشبكة فيها من البشر من شتى المشارب والمواقع من الناقمين والمحبطين والساخطين بل ومِنْ الغارقين في النعم الذين في أرجلهم أحذية من ذهب وليس فقط أفواههم المحشوة بكل ما لذ وطاب بملاعق من ألماس، وفيها " من التائهين ، في الماضي بغير عقل " ( ). شلعوا أنفسهم من الحاضر وعادوا يجذرون أنفسهم في الماضي السحيق ففقدناهم نحن وهم لم يكسبوا شيئاً، وفيها من الشاردين إلى المستقبل بدون روح. وجميع هؤلاء الذين ذكرتهم سابقاً -على اختلاف ما بينهم- كأن بينهم رباط يولد وابلاً من الزخم الضاغط والمتضارب " قد يعرف المرفوض بالنسبة له ولكنه لا يعرف ماذا يرغب. وليس من عجب أن نلاحظ تعاطف إرهابيين من الجيش الأحمر الياباني وأجنحة " بادر ما ينهوف" الألمانية وأيلول الأسود الفلسطينية وتنظيم القاعدة "الابن لادنية" والصراط المستقيم المغربي.. والمافيات الإيطالية، والجيش الإيرلندي و ... و ؟.. يجمعهم جميعاً "وحدة " الرفـض" للأمر الواقع. يقابل كل ذلك الطرف الآخر الذي بدأ يكون حلفاً بعد 11/9/2001 ليشنَّ حرباً لا هوادة فيها على هذا " الإرهاب " وتتأجج النار من باري /أندونيسيا، موسكو/روسيا، اشيشينيا، لسقوط إفغانستان، سقوط العراق، الدمار في الرياض، الدمار في الدار البيضاء/المغرب( ) والحبل على الجرار.

ونما الإرهاب كغيره بعملقة مسخراً - بل وصانعاُ - التكنولوجيا الحديثة في مجال الاتصالات والملاحظات والتجسس والتسلح والتمويه فأصبحت " يده طايلة " - كما يقول الأردنيون- بل واحتل مركز الطليعة في عصرنا.

ومع تحول العلم المعولم إلى شبكات لا متناهية، ومع البريد الإلكتروني والانهمار المتدفق للمعلومات عبر البريد الإلكتروني، فللأرهاب وسائله الميسورة للتواصل السهل بين جميع الناقمين المتمردين عبر الأوطان سواء الذين تجمعهم التنظيمات الخارجة على القانون او المتحايلين واللصوص وتجار المخدرات والبغاء وغسيل الأموال وتزييف الأوراق والمطحونين والساخطين والتائهين والمناضلين والقمعيين( ).

وليس عجباً أن نشأت مؤسسات مهمتها " صنع واستيراد وتصدير الإرهاب" عبر الدول وتطبع الكتالوجات عن الجيوش التي تمتلكها وأشخاصها وأسلحتها تبين قدرتها وتضع السعر لكل خدمة يراد تنفيذها. لقد ارتقى وتعاون منظمو الإرهاب بفضل التكنولوجيا مع الخارجين عن القانون من السياسة إلى الجريمة، التقوا على خلق كيان إرهابي يمارس الحروب بأنواعها هجوماً أو دفاعاً ضاربين عرض الحائط بالقيم والأخلاق والدين والإنسانية "( ).

واقتباساً من مرض الالتهاب الرئوي اللا نمطي - السارس - الذي انتشر في العالم هذه الأيام والذي سماه البعض " طاعون العصر " أقول إن الإهارب عمل أو فكر أو قتال لا نمطي ( ). إنه آفة العصر.

المواقف تجاه الإرهاب

هناك موقف عدائي يرفض كلياً وقطعياً الأرهاب بصورة وإشكاله المختلفة ويعمل هذا الموقف جاهداً وبجميع الوسائل لمحاربته لأنه يرى في الإرهاب مخالفة لجميع الأعراف والقوانين التي تنظم حياة البشر، ويحطم القيم الإنسائية بكل شناعة ولا أخلاقية، إنه رزء على صدر الإنسان يهدد دائماً الاستقرار والسلام. وبكل بساطة إنه الشر، إنه الهمجية. لقد وصفته فرنسا في اللجنة الخاصة التي شكلتها الجمعية العامة للأمم المتحدة 1972 بأنه " عمل بربري " ووصفته فنزويلا بأنه اغتصاب لكرامة الإنسان. ويتبين هذا الموقف بوضوح مما تعكسه جميع وسائل الأعلام العالمية كلما وقعت عملية إرهابية( ).

وهناك الموقف الذي يؤيد الإرهاب مكون من قسمين :

- القسم المؤمن بعقيدة أيديولوحية سياسية تتيح استخدام العنف من أجل إجراء التغيير.

- القسم الثاني وهو المنتمي إلىالمنظمات الإرهابية، أو أنهم هم أنفسهم إرهابيون.

أصحاب هذا الموقف يرون في الإرهاب قدرة نافدة لإنقاذ المجتمعات المُحَقَّرة والمستعبدة، كما يرون فيه " حاضنة " للشهامة والشهادة والبطولة والفداء ولا بد منه كمعين في تحريك عجلة التاريج قدماً. يقول الإرهابي الروسي " ستبنياك" : إن الإرهابي إنسان جميل، رهيب وخلاب بشكل لا يقاوم لأنه يجمع نموذجي العظمة الإنسانية، الشهيد والبطل. كما يقول مؤلف كتاب " التعليم الثوري " سنة 1869"، يجب القضاء على جميع الأفراد المضرين بالتنظيم الثوري، إن القضاء عليهم بعنف وسرعة أمر ينشر الرعب في صدور الحاكمين ، وحينما نحرمهم من أعوانهم الأذكياء - بالقضاء عليهم - تنهار قوتهم"( ).

والخطير في الأمر أن هذين الموقفين متحيزان ومنفعلان ينطلقان من نوايا سابقة ومقررة. الموقف الأول موقف رافض منطلقٌ من المنظومة الأخلاقية والقوانين السائدة. والموقف الثاني منطلق من إيديولوجية لا يرى إلا هي أو نتاج قضية سياسية محددة.

وصحيح أن الإنسان عموماً يعرف الشر والخير بمقدار ما ينعكس على حياته من نفع أو ضرر، والمصلحة لها الأثر الأكبر في مسيرة الأفراد، والمجتمعات والدول هي كالأفراد في هذا المجال. ومن هنا تتباين المواقف حسب تباين المصالح وصدق من قال ليس هناك مواقف دائمة بل هناك مصلحة دائمة. والموقف تجاه الإرهاب يقع في هذا الإطار، وكذلك الموقف تجاه أي شيءً أخر، لذلك فمن البديهي أن تختلف المواقف أو تتناقض أو تتناحر تجاه موضوع ما بل وتتعاظم تبعاً لأهمية الموضوع، وهل من موضوع أخطر وأهم من موضوع الإرهاب في الزمان الحاضر ! فتشابكت المفاهيم والتعريفات والتصرفات وتلوَّن مفهوم ومعنى الإرهاب تبعاً للغرض والمصلحة كما يتلون الماء القراح بلون الزجاج الذي ينساب فيه. وعليه فلا يمكن أن يُطلب من أية جهة أن تقف مرحبة بالهجوم عليها ومن العجب أن يطلب إليها ذلك! وفي الوقت نفسه لا يمكن للمقاوم حقاً أو باطلاً لأية سلطة أن يقوم هو بتجريم ذاته. وبين هذين الموقفين تنهمر كل الموبقات. ( ).

إن حياد الحق تجاه هذين الموقفين لدى المُنَظِّر الذي يحاول أن يصطاد تعريفاً للإ رهاب محايداً حياد العلم ومستقيماً استقامة المنطق أمر لا يتاح إلا لكائن قادم من كوكب آخر يبعد عنا ملايين السنين الضوئية! ولذلك فإن الحديث عن الإرهاب يتم تناوله وابتلاعه حسب ملاعق وشوك وسكاكين وكؤوس وأطباق طهاة وسائل الإعلام بكل ما فيها من أفكار وأقلام. وبالتالي فالإرهاب الوجبة التي تقدمها وسائل الإعلام ليس طبقاً طارئاً أو ظاهرة مفاجأة فلم يخلُ منه زمان أو مكان، فأرتال الخارجين على إرادة السلطان أو الذين يتحدون المجتمع بسبب الحرمان ظاهرة منذ أقدم الحضارات، في مصر، وروما ، وأثينا، وبابل والصين، وبلاد المسلمين. وفي زماننا لها ألوان واشكال كثيرة بمسمياتٍ متعددة والكل يدعم رأيه، وليس هناك حتى الآن سبيل إلى رأي قاطع مانع، وتبقى " إدانة" الإرهاب ليست محل نقاش ولكن كل طرف يلصقها بالآخر مبرئاً نفسه فتقوم حرب إعلامية وتضيع الحقائق. ( ).

ولم يتوحد العالم كما يتوحد اليوم في مخاوفه وآلامه تحت وطأة الإرهاب، ولم تنصهر الأسوار الشائكة بين الحضارات أو تنهار القلاع التي تتأسس وراءها الثقافات لتقف عارية من كل خرقها وجهاً لوجه كما هو اليوم في مسعى للفهم والتفاهم بعد وقوع الكوارث الإرهابية المروعة( ). ولم تتردد لفظه الإرهاب على الألسن العالمية كما تردد الآن ... ورغم ذلك لم تعِ الإنسانية بعد الدروس وتستفد منها لأنها لم تتحرك إيجابياً للحفر على جذور الإرهاب وبواعثه تمهيداً للقضاء علهيا واجتثاثها، وبدلاً من تسخير العقل والعلم والمعرفة التي يتمتع بها الإنسان، تم اللجوء إلى مواجهته بردَّة الفعل الغريزية - كباقي الكائنات الحية الحيوانية - وجوبه الإرهاب بارهاب أشد منه ودخل الجميع في الحلقة المفرغة والنفق المظلم.

هل هذه " التعرية للإرهاب نعمة أم نقمة على الإنسان ؟ وهل كان من الضرورة كل هذا السفك والدمار لتتكسر أصدافه وتنخلع أسماله المقنعة ؟ هل الوصول الى الحقيقة يتطلب كل هذه المجارف والفؤوس والمطارق لإخراجها من شرنقتها ليظهر وجهها ( ).

ما الذي يدفع الى ارتكاب الإرهاب ؟

الجواب لأول وهلة هو قصر النفس وفعالية الوسيلة القادرة على التكييف مع الظرف السياسي القائم. فالإرهاب وسيلة يتم اللجوء إليها في علم السياسة لفعاليتها. فالقوة هي الوسيلة النوعية في إطاعة السياسة مع ترك الأخلاق جانباً. لأن هاجس السياسة هو " الفعالية للوصول إلى النجاح والنجاح هو تحقيق المصلحة. وبقدر فعالية الوسيلة يتحقق النجاح – ولكن لا أخلاق فيه – وأصبحت السياسة في أبرز وجوهها عبارة عن مكاسرة إرادات.

إن المأزق الذي لا خروج منه يتجسد في أن السياسة هي فنيَّة استخدام وسائل تضمن الوصول إلى نتائج من نفس طبيعتها - طبعية الوسائل - في معزل عن الأخلاق وبذا تفقد الأخلاق معناها لأنها أصبحت رهينة مجال السياسة الذي شوه طبيعتها فانتفت كل علاقة بين الأخلاق والسياسة. وبالتالي فإن السياسة تنحط إلى مستوى الأعمال الهدامة العدمية المتزمتة.

وبصراحة ووضوح أين هي السياسة وأين هو السياسي الذي يختار الوسيلة إلا بمعزل عن الاخلاق؟ وأين هي السياسة أو السياسي الذي لا يلجأ إلى القوة حيـن الضرورة لتحقيق النجاح المرغوب فيه ؟ أين هو السياسي غير الانتهازي وغير الميكافيللي؟ لقد أصبحت الأخلاق مجرد وسيلة من الوسائل التي تستخدمها السياسة وتستعير قيمها فيما يتنافى مع القيم الذاتية للأخلاق.

ونتيجة لهذا المأزق هناك من يؤمن - وهم الكثرة الساحقة وهم الواقعيون - أن السياسة غير أخلاقية بخلقتها فتهوي وتنحط الى النشاط اللا أخلاقي . وعلينا أن نرى الأمور بعين ثاقبة فالأخلاق غير سياسية بطبيعتها فهي طوباوية خيالية ( ).

قبل إحداث 11/9/2001 كان النقاش في الإرهاب - لدى الكثيرين- ترفاً أكاديمياً فنيرانه لم تكن تصلي البعيد وتُفحِّم القريب. إن الإرهاب أصبح كل شيء في العلاقات الدولية المعاصرة. إننا نعيش هوس الإرهاب وليس التمييز العنصري، وليس " إبادة الجنس " ، وليس سباق التسلح، وليس سحق حقوق الإنسان والحريات الأساسية وحق تقرير المصير، -وبكل سخرية وحتى قهقهة - وليس التدخل غير المشروع في الشئون الداخلية للدول الأخرى، وليس الاستعمار الجديد .. إننا نعيش الإرهاب الذي أصبح الخطر الأكثر شيوعاً ووراء اللفظة تنحشد كل الجرائم والآثام( ). إن الإرهاب شر ومكافحته فضيلة.

ومع ذلك هناك انقسام عميق حوله على الرغم من انه يشكل تهديداً وخطراً لأمن وسلامة المجتمع الدولي كما أنه استفزاز عارم للضمير الإنساني ولمشاعر البشرية، إنه عامل التوتر في العلاقات الدولية.

والاختلاف في وجهات النظر حوله ليست العقبة الوحيدة في الوصول إلى تحديده إذ أن هناك صعوبات أخرى منها:

- تعدد البواعث والدوافع لارتكاب الإرهاب

- تنوع صور وأشكال الإرهاب.

- إختلاف نظرة القانون الجنائي الدولي لظاهرة الإرهاب عن نظرة القانون الجنائي المحلي للدول المختلفة بدورها( ).

وهناك في أوروبا من يحاول أن يلصق صفة الإرهاب بجميع الذين يتطلعون إلى تهديم النظام السياسي القائم وبالذين يعمدون إلى وسائل غير محددة بدقة في سبيل الإساءة إليه أو تدمير البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد. وحسب المنطق الأمني - البوليسي - لا يعود " الفعل " هو مادة التجريم الإرهابي بل " النيَّة " أو حتى "الفرد " نفسه باعتباره إنساناً خطراً . هذا التجريم للأرهاب الذي تسعى إلى تشريعه بعض الدول - الأوروبية - من شأنه أن يجرح الديمقراطية ، لأن تشريعاً مثل هذا سيستهدف الذين يطمحون إلى التغيير بصورة شرعية في البنى السياسة او الاجتماعية او الاقتصادية لأنهم لن يلاحقوا بسبب أفعالهم - التي لم يقوموا بها بعد - بل سبب الشكوك في نواياهم على القيام بها( ). هذا بالإضافة إلى أن هناك تجاهل كامل ومقصود للعنصر الوحيد الذي يميز العمل الإرهابي عن الجريمة العادية وهو العنصر السياسي الأمر الذي يجعل من المستحيل تعريف الإرهاب أو تحديده .

هناك نصان حديثا العهد ظهرت بهما عبارة " إرهاب " للمرة الأولى في القانون الدولي، ولكن العبارة فيهما بقيت غير محددة وهما :

- المعاهدة الدولية لمكافحة الاعتداءات الإرهابية باستعمال المتفجرات الموقعة في نيويوك في 15/12/1997.

- المعاهدة الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب - نيويورك 9/12/1999.

وحسب المعاهدة لمكافحة تمويل الإرهاب فإن توفير الاموال أو جمعها مباشرة أو غير مباشرة بطريقة غير مشروعة أو عن سابق تصميم بهدف استخدامها أو عن معرفة باستخدامها في ارتكاب أي فعل وارد في المعاهدتين السابقتين يشكل " خرقاً" - ولم تذكر عبارة إرهاباً - وكذلك كل فعلٍ من شأنه التسبب بالموت أو أي ضرر جسدي خطير يطال المدنيين أو أي أشخاص آخرين لا يشاركون في النزاع - في حال المواجهة المسلحة- عندما يهدف هذا العمل إلى ترويع السكان أو إرغام الحكومات أو المنظمات الدولية على القيام بأعمال معينة أو الامتناع عنها. إن هذه المحاولة لتعريف الإرهاب مستنبطة من القانون البريطاني الذي يعتبر الإرهاب " بأنه عمل حربي غير مشروع لأنه يتعرض للمدنيين الذين من المفترض إبقاؤهم بمنأى عن النزاع المسلح. وهكذا يعتبر الإرهاب " جريمة حرب " وفقاً لمباديءٍ محكمة نورمبيرج. وجريمة الحرب هي:

خرق قوانين الحرب وتقاليدها التي تشمل بصورة غير حصرية : الاغتيالات، وسوء المعاملة والإبعاد مع الأشغال الشاقة، وسوء معاملة سجناء الحرب أو الأفراد في عرض البحر، تصفية الرهائن، سلب الأملاك العامة أو الخاصة، التدمير المتعمد للمدن أو القرى أو أعمال الإجتّياح التي لا تبررها الضرورات العسكرية ( ).

الأممية الإرهابية

من المؤكد أن الإرهاب من الناحية العملية والواقعية هو الخطر الأساسي الذي يهدد أمن العالم واستقراره - نظرة سريعة في هذا اليوم 2/5/2003 إلى المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية والى الدول الأوروبية التي أخذت تتسارع لعقد مؤتمر بدعوة إيطالية، وإلى الولايات المتحدة التي أغلقت مؤقتاً ممثليتها في السعودية، وتصريح الأمير بندر/ السفير السعودي في واشطن الذي لديه شعور بأن ضربة قادمة ستحصل في السعودبة أو في أمريكا تبين مدى الهلع المهيمن، وهذا الهلع هو الإرهاب بعينه - ( ) ليس في بعض المناطق من الكرة الأرضية وإنما فيها جميعها. ولذلك يستطيع المرء أن يقول وبكل قناعة أنه قد تشكل في العالم نوع من " الأممية الإرهابية" التي تخطت جميع الحدود وتتوسع باستمرار. ولقد بينت الممارسات الإرهابية أنه ليس لها سقفاً بل لها فضاء لا نهائي وهذا ما أكدته تفجيرات المنازل في روسيا وأحداث 11/9/2001 في أمريكا وعملية الشيشان لاحجتاز (700) من الرهائن في احد المراكز الثقافية في موسكو انتهت بمصرع المئات( ).

وكان الحديث - في مرحلة قريبة جداً - عن الإرهاب يتجدد تحذيراً منه وإدانة له وبحثاً عن الوسائل الفعالة لمكافحته وبالتالي القضاء عليه كلما هبَّت كارثة إرهابية، ثم لا يلبث أن يخفت الحديث بعد أن تكون الحكومات او الشعوب قد تخيلت أنها نجحت في استئصال الإرهاب - بعد ان يكون قد تم القاء القبض على بعض الفعالين الذين أدلوا باعترافات إيجابية، أو بعد وضع اليد على بعض الأسلحة والمتفجرات- فيسترد الناس أنفاسهم والمجتمع إحساسه بالأمن فترة ما ثم فجأة يعود الحال مجدداً حين تهب كارثة جديدة( ). الآن الأمر مركز تماماً على الإرهاب وباستمرار فليس هناك فترة راحة لا للمجتمع ولا للإرهابين من الإرهاب؛ إذ لم يحظ أي سلوك إنساني بالمناقشات والجدل الذي حظي به الإرهاب والإرهابيون.

ورغم ذلك فما زال الباحثون يتلمسون تعريفه . وتبقى الضرورة قائمة للسباحة في محيط هذه الكارثة لتلمس الطريق. وهناك المئات من المحاولات التي وضعها المحاولون في شكل كتل متراصة من الكلمات التي لا فواصل بينها ولا نقاط بين جملها الامر الذي يضع المتلهف للمعرفة والمتطلع إلى وضع الحل في حيرة من أمره ( ).

في مرحلة ما كان عدد المحاولات الجادة لتعريف الإرهاب (109). وعدد المحاولات لوضع " مفهوم " له (19)، وطبيعي أن أعداد التعريفات والمفاهيم قد تراكمت أكواماً، وكادت الإحصاءات أن تسقط في يدها وتعلن عجزها. طبيعي أن هناك من يؤكد على أنه من غير المنطقي الأخذ بالمواقف الرسمية الحكومية تجاه " التعريف " أو " المفهوم " بصفة مطلقة فيصفونها بأنها ليست ذات معنى، بينما البعض الآخر يؤمن بها ويرتكز عليها. إن القاريء لكتاب يتحدث عن الإرهاب لا بد أن يلاحظ ماذا في ذهن المؤلف عند استخدامه لهذا المصلطح !! وحينما تزداد الكتب وتزداد القراءات سيلاحظ أيضاً بأن ليس هناك حتى الآن ما عليه إتفاق( ).وللمرء أن يتساءل إما مستنكراً أو مؤيداً هل صحيح أن في داخل كل أيديولوجي إرهابي ينتظز من يوقظه".

لقد وجدت بعض الدول مقتلها في الإرهاب لأنه لا يستخدم بل لا يحتاج لجيوش عسكرية جراره لا بد لها من أموال طائلة، ولا يحتاج مثل الجيوش لكل " الرقميات- رغم أنه يجيد استعمالها واستغلالها وهي عند غيره - ، بل إن عُدَّته الأساسية أفراد لدى الواحد منهم الرغبة والاستعداد للموت في سبيل هدف أغلى عليه من حياته حسب ثقافته وحسب إعداده ( ).

" ولا نخطيء" أو نضل الحقيقة حين الإشارة إلى أن الإرهاب هو " عدو دولي" وهو خادع لا وجه له ولا يخص دوله بذاتها يعززه التقدم السريع الذي حققته تكنولوجيا الاتصالات، قد تختلف دوافع الإرهابيين ولكنهم يميلون للعمل معاً تحقيقاً لأهدافهم المدمرة والفوضوية( ).

والإرهاب ليس له قيود أو حدود إنه حر يمارس تدميره في أي وقت وأي ظرف يقوم بالمفاجأة في أي مكان وأي وضع فينشر ذعره وتصبح الضحية على رأي المثل - كما يقول الكاتب الساخر محمود السعدني - " اللي لسعته الشوربة بينفخ في الزبادي " ويضيف " وعلى رأي عمنا المتنبي الذي وصف مقاتلاً لحست الحرب عقله فقال: كلما رأي غير شيءٍ ظنه رجلاً. مسكين لم يعد يميز بين الحجر والشجر والبني آدم فكلهم مقاتلون وكلهم يريدون قتله ( ).

ربما أن الإرهاب هو الذي تُعرِّفه غرفة العمليات " في واشنطن وليس ما يعرفه وزراء الداخلية العرب، أو منظمة المؤتمر الإسلامي، أو مجموعة عدم الانحياز، أو مجمع العلماء المسلمين في السعودية، أو مؤتمر المسلمين في بيروت أو ... أو .. أو الاتحاد الأوروبي. ولعدم إدراك هذه الحقيقة ورفض تصديق ما تراه العين وتلمسه اليد "فإننا نرى الكارثة التي وقعت في فلسطين والكارثة التي وقعت في العراق، كما أننا نلمس طلائع ومؤشرات كوارث تحوم حولنا "( )، كما نلاحظ الضغط الهائل على سوريا والذي تَمَّتْ الاستجابة إليه تدريجياً بإغلاق مكاتب فلسطينية، وطرد قياديين عراقيين.. " ومن سيبقى يُصِرُّ على المكابرة والمناكفة سيدفع الثمن والسعيد من اتعظ بغيره والشقي من اتعظ بنفسه. هذا الكلام تشخيص للواقع وليس لتثبيط العزائم".

يتضح من ذلك لزومية العلاقة الوثيقة بين الإرهاب والإعلام فالإرهابي بحاجة ماسة إلى الأعلام لأنه يخدم أهدافه وينشر أقواله وأفعاله ويضخم قوته.

لأن هدف الإرهاب دائماً هو :

- نشر الذعر والإضطراب وعدم الاستقرار داخل الدولة لأن مثل هذا المناخ المضطرب يفسح المجال للإرهابي بالتسلل إلى مقصده.

- نشر القضية أو ما يعتقد أنه قضية على نطاق واسع ( ).

وفي المحاولات الفقهية لتحديد الإرهاب :

هناك إتجاهات في محاولات التحديد :

- اتجاه يُضَيِّقُ مفهوم الإرهاب إلى الحد الأدنى بحيث يتم استبعاد أعمال عنف من الخطأ استبعادها ، إنه اتجاه حصري".

- اتجاه واسع تندرج فيه أعمال عنف لا تدخل في مفهوم الإرهاب بالمعنى النوعي لهذه الظاهرة . إنه إتجاه شمولي.

ولا ننسى أن أي تعريف هو تصور ذهني للواقع المحسوس وبمجرد أن يتم تطبيقة على الواقع سرعان ما تتكشف تفاصيل أو عناصر لم تكن ورادة في التعريف رغم قيمتها وأهميتها في التعريف بفعلٍ إنسانيٍ يغصُّ بالثقل النوعي والكثافة كالإرهاب السياسي المتشعب ذو الأشكال المتعددة المتغيرة والمتطورة والمتبدلة والمتناقضة التي يصعب حصرها في تذهنية مشتركة . كما أن محاولة وضع تعريف لا يعني رفض ما سبق منها أو ما يلحق فهي بالتأكيد سترتكز على ما سبق وستستشعر ما سيلحق تحاول الابتعاد عن الانتقائية وتحاول الالتزام بالموضوعية. وليس بخاف على المحلل التعريف المتحيز الذي يتدثر ستاراً من العلمية دفاعاً عن وجهة نظرهِ السياسية - وهو الأمر الواسع الانتشار-، وهنـاك –والله أعلم- التعريف الموضوعي يتبع النزاهة العلمية والارتقاء بها.

عندما بدأت الجمعية العامة في دورتها الثامنة والعشرين بحث موضوع الإرهاب اعتبر المندوب الأمريكي( ): الإرهاب فعلٌ قام به " كل شخصٍ قتل شخصاً آخر خرقاً للقوانين أو سبب ضرراً جسدياً بالغاً له أو قام بخطف شخص أو حاول خطفه أو شارك في مثل هذه الأعمال( ). وسرعان ما يلاحظ على مثل هذا التعريف أنه يُسقط الصفة السياسية للإرهاب ويحصره في أفعال فردية ينطبق عليها القانون الجنائي، كما أنه يسقط أيضاً "إرهاب الدولة " لأنه يعتبر أن ما يصدر عن الدولة أمراً مشروعاً، ولا يتطرق إلى الشعوب المقهورة ، ولا إلى الأقليات المضطهدة. فالتعريف الأمريكي يُلصق إرهاب الدولة بالآخرين إذ ليس هناك من دولة تعترف بأنها إرهابية بل الإرهاب في نظرها عند الآخرين وما تفعله هي هو من باب المقاومة للإرهاب. المعروف أن أمريكا هي الأقوى إذن فهي المعرضة للانتقاد والمعارضة والتمرد والثورة في وجهها وحتى للإرهاب. وهذا الأمر هو الذي يفسر التعريف الأمريكي للإرهاب وتبسيطه واقتصار الإرهاب على مجرد جريمة فردية بهدف النيل من هذه الجريمة وتحقيرها ومسخ أهميتها ومسخ قيمتها من أجل اللجوء إلى القوة لقمعها ومنع انتشارها. إن أمريكا ترى الحل الناجح للوقاية من الإرهاب هو القضاء عليه واستئصاله بالقوة( ).

وللانتقال إلى خطوة أكثر تطوراً من التعريف الأمريكي السابق، الإرهاب هو " القيام بأشكال من القتال قليلة الأهمية مثل قتل السياسيين أو الإعتداء على الممتلكات . ويشكل الإرهاب نسقاً صراعياً يرسمه جهاز أركان وينفذه أتباع يتم انتقاؤهم. وهنا يبرز عنصر جديد في مفهوم الإرهاب " النسق" فالإرهاب نسق في النزاع السياسي يتميز عن غيره من نُسُق الصراعات الأخرى. وهذا التعريف يبين أن الإرهاب السياسي يقوم به " الضعفاء" ضد " السلطة الرسمية" واستثنى بذلك " إرهاب الدولة " الذي تمارسه بأجهزتها العسكرية والأمنية ( ).

وللانتقال من جديد إلى خطوة أوسع ، فلا بد من أن يفصل عن التعريف الحالات الإرهابية التي ترنو إلى تحقيق مكاسب فردية، فالإرهاب إذا هو " الاستعمال المنسق للعنف أو التهديد باستعماله من أجل بلوغ أهداف سياسة". وبذا فإن كلا من الحكومات أي الدول والجماعات والأفراد يمكن أن يلجأوا إلى الارهاب فالعناصر التي يحتويها الارهاب هي: العنف والنسق بوجود تنظيم يسعى لتحقيق هدف سياسي محدد( ).

ولكن الحرب والثورة هما أيضاً لهما نسق وعنف، فما زلنا إذن في البحث عن الخاصية النوعية للإرهاب السياسي . إن " مالسيون " قد ساهم في إبراز العنصر السيكولوجي في الإرهاب، حينما استعمل عبارة " التهديد بالعنف لأن التهديد بالعنف هو تماماً كاستخدامه يخلق حالة من الهلع لدي المقابل. فالقتل مثلاً بالنسبة للإرهابي لا يشكل هدفاً مرغوباً بذاته إلا بقدر ما يشكل هلعاً أي عنصراً سيكولوجياً يمكن استغلاله من أجل بلوغ المقصد. يقول " ريمون آرون" إن ما نسميه فعلاً إرهابياً هو فعل العنف الذي تجاوز اهمية تأثيراته السيكولوجية أهمية نتائجه المادية البحتة" ( ).

وللتقدم أكثر فإن الإرهاب يقوم على إستعمال العنف دون تقدير أو تمييز بهدف تحطيم كل مقاومة وذلك بإنزال الرعب في النفوس. فالإرهاب لا يهدف فقط كما يهدف العنف إلى القضاء على الكائنات وتدمير الممتلكات بل أيضاً إخافة النفوس أي يستخدم جثث الضحايا الأبرياء التي يحققها العنف ليزرع اليأس في قلوب الأحياء ( ).

والإرهاب هنا لا يهدف إلى نتيجة بناءه وإيجابية بقدر ما يهدف إلى القضاء على إمكانيات الأفراد في التفكير والمقاومة.

تجمَّع لدينا حتى الآن العناصر التالية للإرهاب : العنف المنسق ، نسق النزاع السياسي النوعي، أداة سيكولوجية للتخويف، والعنصر الفاعل لأفراد أو جماعات، ويبقى عنصر الهدف النهائي الذي يرمي إليه الإرهاب.

وكل تعريف للإرهاب يغفل الهدف النهائي له، يفقد الأمر قيمته ومعناه ويحوله إلى عبث أو يقذف به إلى مستنقع الأجرام الرخيص أو في مصاف السـادية المرضية( )، يجب أخذ الإرهاب دائماً بكليته وإدخال عنصر الهدف النهائي المكون الأساسي للأرهاب.

في هذا قدم القانوني البولوني تعريفاً جاء فيه : الإرهاب السياسي هو منهج فعل إجرامي يرمي إلى السيطرة بالترويع على المجتمع أو الدولة من أجل المحافظة على علاقات اجتماعية معينة أو من أجل تغييرها او تدميرها ( ). هذا التعريف ركز على الصفة الإجرامية للأرهاب السياسي دون غيرها وهذا يعني أن الإرهاب مشروع إذا مارسته الحكومة، وهو إجرامي إذا مورس ضد الدولة.

يتمم د. أدونيس العكره العرض السابق بأن وضع هو شخصياً في النهاية تعريفه للإرهاب:

" الإرهاب السياسي منهج نزاع عنيف يرمي الفاعل بمقتضاه وبواسطة الرهبة الناجمة عن العنف إلى تغليب رأيه السياسي أو إلى فرض سيطرته على المجتمع أو الدولة من أجل المحافظة على علاقات اجتماعية عامة او من أجل تغييرها أو تدميرها".( )

والفقهاء بدورهم تختلف نظرتهم للموضوع إذ لكلٍ مشاربه وثقافته ووجهة نظره في تحديد تلك الظاهرة والعناصر المكونة لها( ).

يعرف " ويلكنسون " الإرهاب بأنه " العنف المتطرف الذي يرتكب من أجل الوصول إلى أهداف سياسة معينة يضحي من أجلها بكافة المعتقدات الإنسانية والأخلاقية. وأنواع الإرهاب في نظره هي الإرهاب الحربي، والقمعي، والثوري - لهدم النظام السياسي والاستيلاء على السلطة - وشبه الثوري( ).

" وثورنتون " يرى أن الإرهاب هو استخدام الرعب كعمل رمزي الغاية منه التأثير على السلوك السياسي بواسطة وسائل غير اعتيادية تستلزم اللجوء إلى التهديد والعنف. ويلاحظ أنه يهتم بالوسائل غير الاعتيادية في تعريف الإرهاب ويضع العنف الذي يهدف إلى إثارة الاضطراب السياسي في مرتبة أسمى من العنف المجرد، إن الطبيعة غير الاعتيادية لعنف الإرهاب هي التي تميزه عن أشكال العنف الأخرى ولكنه لم يقدم أية محددات للتمييز بين العمل غير الاعتيادي للإرهاب والعمل الاعتيادي الذي لا يشكل عملاً إرهابياً حسب مفهومه. ويتميز الإرهاب عنده بطبيعته الرمزية التي تجعل الحدث أكثر تأثيراً وفاعلية ( ).

والإرهاب السياسي حسبما يرى " واردلو " : استخدام العنف او التهديد باستخدامه من قبل فرد أو جماعة تعمل لصالح سلطة قائمة أو ضدها بهدف خلق حالة من الهلع الشديد لدى الضحايا المباشرين وإجبارها - السلطة - على الموافقة على المطالب السياسية لمرتكبي الحدث ( ).

أما " جروس " فيفرق بين الحالات التي يستخدم فيها العنف ومنها : النضال ضد حاكم متسلط، أو ضد الغزاة على الدولة واستعباد الشعب، أو أعمال على طريقة الأحزاب النازية او الفاشية.

ويقسم جروس العنف إلى أنواع : 1- عنف تكتيكي لتحقيق مكسب انتهازي كالإنتقام أو العقاب 2- عنف أعمى بدون هدف أو غاية. 3- عنف أعمى بطبيعته ولكن من أجل هدف محدد. 4- اغتيالات سياسية. 5- عنف في إطار واسع وشامل( ).

ويعرف " لاكور " الإرهاب بأنه عمل سياسي يتم توجيهه إلى هدف محدد، وهو يشمل التهديد المبالغ فيه ويتم تنفيذه للحصول على التأثير المادي، وضحاياه مجرد رموز ليست مقصودة لذاتها. والأرهاب يحتم الاستخدام المقصود للعنف أو التهديد باستخدامه ضد الهدف يؤدي فيما بعد إلى تهديد هدف أكثر اهمية، وهو بذلك يهدف إلى إثارة الخوف والقلق لكي يتم إجبار الهدف على الاستسلام أو تعديل موقفه ( ).

بينما الأرهاب لدى د. عبد العزيز سرحان هو في معظمه إستخدام غير شرعي للقوة ويقول " إن الإرهاب هو كل اعتداء على الحياة أو الممتلكات سواء العام أو الخاص منها خرقاً للقانون الدولي العام بمصادره المتعددة بما في ذلك المبادئ الأساسية لمحكمة العدل الدولية. ولأن للأرهاب طابع دولي فخرقه للقانون الدولي يُعتبر جريمة دولية الأمر الذي سبق واستندت إليه محكمة طوكيو ونورومبرغ حين محاكمة المجرمين الدوليين إثر الحرب العالمية الثانية. وإذا كانت دوافع الارهاب نصرة حقوق الأفراد والشعوب وحقوق الانسان وتقرير المصير ومقاومة الاحتلال فهي إستخدام مشروع للقوة حسب مبادئ القانون الدولي وبالتالي فلا عقاب عليها ( ).

والدكتور صلاح الدين عامر يرى الارهاب بأنه الاستخدام المنظم للعنف لتحقيق هدف سياسي وبصفة خاصة أعمال العنف التي تقوم بها منظمة سياسية لتخلق جواً من الفوضى مثل أخذ الرهائن واختطاف الأشخاص وقتلهم ووضع المتفجرات في أماكن تجمع المدنيين والتخريب وتغيير مسار الطائرات " ( ).

والدكتور عبد العزيز مخيمر " يصف الارهاب بأنه استخدام العنف لخلق جو من الرعب بهدف تحقيق أهداف محددة سياسية أو اجتماعية أو مذهبية ، سواء تم استخدامه من داخل الدولة أو قادماً من خارجها وسواء تم من قبل أفراد أو مجموعات أو دول. ويُدخل في نطاق الإرهاب حوادث الارهاب التي لها أهداف شخصية أو إجرامية كالخطف واحتجاز الرهائن حيث تعاقب هذه الأعمال طبقاً للقوانين المحلية إذا كانت لا علاقة لها بالتعاون الدولي والعلاقات الدولية ولم تشكل إنتهاكاً لحقوق الانسان ، كما لا يعتبر الأعمال الاجرامية التي ترتكب أثناء الأعمال الحربية العسكرية إرهاباً( ).

وحسب د. نبيل حلمي فالإرهاب هو استخدام غير مشروع للعنف أو التهديد باستخدامه من قبل مجموعة أفراد أو دولة ضد فرد أو جماعة أو دولة ينتج عنه رعب يعرض للخطر أرواحاً بشرية أو يهدد حريات أساسية ويهدف إلى الضغط على الجماعة أو الدولة لتغيير موقفها في الموضوع المطلوب( ).

و د. أحمد جلال عز الدين يقول إنه " عنف منظم متواصل بهدف صنع حالة من التهديد ترتكبه منظمة ضد جماعة أو دولة بهدف تحقيق مقاصد سياسية"( ).

وجورج سعد الذي يؤكد أن العالم لم يتوصل لوضع تعريف موضوعي محدد للإرهاب، يُرضي جميع الفرقاء، يرى أن الأمر إزداد صعوبة بعد أحداث 11/9/2001 في أمريكا كما يرى أن عدد الضحايا لا يؤثر على التحديد القانوني متسائلاً مَنْ قال إن إرهاب المساجين أقل إرهاباً من القتل الأعمى؟ لو كان الأمر كذلك لما إنتحر عشرات المساجين السياسيين الأتراك. وبإنتظار التوصل إلى تعريف عقلاني سيبقى الإرهاب . " مفهومة" Concept فلسفية سياسية بل " تقنية" سهلة الاستعمال في يد المتربعين على زمام الأمور في البلاد ذات الأنظمة الديمقراطية المتقدمة على حد سواء مع البلدان العالمثالثية ، ويتم اللجوء إلى هذه " المفهومة" بصورة انتقائية براغماتية :

" أنا أقمع الارهاب إذن فإن وجودي شرعي ومشروع في الحكم" . إن ذلك يفسر العمليات الارهابية التي تضخمها أو ترتكبها بعض الدول لا سيما في العالم الثالث. فالإرهاب مدوٍ والناس لا يعودون يلتفتون إلى الديمقراطية أو الاقتصاد بل إلى جبروت الحاكم البطل " رامبو" القامع للإرهاب والإرهابيين المزعومين .

لذا فالحاجة ماسة للتعريف العقلاني خاصة وأن التيار العقلاني في الفقه الدولي يتململ ليفرض نفسه ليعتمد التفسير التوسعي للإرهاب إذ لم يعد الارهاب يتمثل في خطف الطائرات بل له أشكال كثيرة لا تُحصى . ومن هذا المنظور التوسعي فالإرهابي هو أيضاً من يبيع السلاح، ومَنْ يُساعد نظاماً إرهابياً؛ وربما من يرهب إقتصادياً! ( ).

د. أحمد رفعت، د. صالح بكر الطيار، يعتقدان بأن نقطة البداية في دراسة موضوع الارهاب من قبل المجتمع الدولي من أجل مكافحته والقضاء على فاعليه واستئصال أساساته تنطلق من تحديده. فالإرهاب في نظرهما : استخدام العنف كوسيلة لنشر الرعب للإرغام على اتخاذ قرار مطلوب أو العدول عنه، وملامح الارهاب مختلفة عن الجرائم الأخرى ، ويتأجج الارهاب حين وجود مشاكل سياسية مثل الاعتداء على حقوق الأقليات، خرق حق تقرير المصير، وحقوق الانسان وحرياته الأساسية ؛ وبذا فإن الإرهاب ليس هو عمل عنف يولد الرعب فقط بل هو أيضاً وبمفهومه القانوني كل الأعمال التي تهدف إلى إحداث ضرر مادي في مكان الواقعة نفسها أو بالرهائن أو قتلهم أو تعذيبهم.

وجريمة الارهاب في نظرهما تختلف جوهرياً عن جريمة العدوان ضد سلامة واستقلال الدولة تقوم به دول أو دولة أخرى. كما يرى د. رفعت و د. طيار أن ليس هناك دولة إرهابية فليس هناك إذن ما يُسمى " بإرهاب الدولة" والدولة تكون " معتدية " وليس " إرهابية ". والأفراد لا يرتكبون جريمة " العدوان " بل جرائم أخرى منها الارهاب. " والعدوان" عندهما أشد خطراً من الارهاب.

وإذا وقع عدوان " وتهديد للسلم أو إخلال به فعلى " مجلس الأمن" مسؤولية التدخل لحفظ السلم. أما إذا وقعت عملية إرهابية من قبل ما يُسمى " بإرهاب الدولة" فإنه يصعب القول إن لمجلس الأمن إختصاص أصيل في هذه الحالة ( ).

د. عبد الوهاب حومد يرى " الارهاب مذهب يلجأ إلى إحداث الذعر للوصول إلى أهدافه. ولهذا المذهب وجهان: الأول إجتماعي يهدف إلى إزالة النظام الطبقي القائم كلياً وبمختلف أشكاله. والوجه الثاني وجه سياسي يهدف إلى قلب نظام الحكم رأساً على عقب والتنكيل بممثلي الدولة نفسها ( ).

وينظر الأستاذ Aloisi إلى الارهاب على أنه كل فعل يرمي إلى قلب الأوضاع القانونية والاقتصادية التي تقوم عليها الدولة.

والارهاب عند د.عصام رمضان هو إستخدام أو التهديد باستخدام العنف ضد الأفراد ويعرض للخطر أرواحاً بشرية بريئة أو يهلكها أو يهدد الحريات الأساسية للأفراد ، كل ذلك بهدف التأثير على سلوك أو مواقف مجموعة مستهدفة بغض النظر عن الضحايا المباشرين ( ).

أورد د. طيار ود. رفعت المجموعة التالية لتعريف الإرهاب من قبل أشخاص أوربيين ( ):

• إريك دافيد: الارهاب هو كل عمل من أعمال العنف المسلح بهدف تحقيق مطلب سياسي أو فلسفي أو إيديولوجي أو ديني.

• فريدلاند: الارهاب هو استخدام تكتيكي للعنف لخلق جو عام من الخوف والذعر لدى القسم الأكبر من الناس.

• ميكولوس: الارهاب هو استخدام أو التهديد باستخدام العنف غير العادي لخلق ذعر عام لتحقيق مطلب سياسي وذلك بالتأثير على سلوك الضحايا.

• تورك: الارهاب إستراتيجية إستخدام العنف ضد أهداف عشوائية وترويعها بقصد ردع الخصم السياسي.

• فيراكوتي: الارهاب جزء من النضال السياسي بهدف التأثير على سلطة الدولة أو السيطرة عليها، ويتضمن الارهاب أيضاً إستخدام العنف ضد أبرياء مسالمين.

• سوتيل: الارهاب عمل إجرامي مصحوب بالرعب والهلع بقصد تحقيق الهدف( ).

• الفقيه لومكين: يقوم الارهاب على تخويف الناس بواسطة أعمال العنف.

• جبانوفيتش: الارهاب هو أعمال من طبيعتها أن تثير لدى الفرد الإحساس بالتهديد والخوف ( ).

• سالاداني: الارهاب منهج لتطويع الجماهير وشل حركة زعمائها بواسطة الاكراه السيكولوجي والترهيب الإجرامي( ).

• نومي جال أور: الارهاب طريقة عنيفة للمعارضة السياسية تستخدم العنف أو التهديد به – العنف البدني أو النفسي . وقد تمارس ضد أبرياء أو أهداف لها إرتباط مباشر بالقضية التي يعمل الإرهابيون من أجلها ( ).

• د. مصطفى الفقي: لقد أثبتت أحداث 11/9/2001 في الولايات المتحدة بروز سلاح جديد يستجيب لوضع عدم التكافؤ في موازين القوى العالمية، رغم أن أمريكا هي الأقوى عسكرياً على مستوى العالم في زماننا القائم، لكن برز ميدان آخر بسلاح آخر يتناسب مع إمكانيات الطرف الأضعف الذي يستطيع أن يُحول جسده لقنبلة في أي وقت يشاء. إن ذلك يمثل نقلة نوعية في أسلوب تفكير الأضعف في مواجهة الأقوى وفتح باباً لا يُغلق ذلك هو الارهاب الآن ( ).

• د. أسامى الغزالي حرب: الارهاب كما سماه محمد سيد أحمد " القطب الجديد" لا يمثل ظاهرة جديدة فهو قديم قدم المجتمعات البشرية . كما أن الارهاب لا ينطوي على " قيمة " في حد ذاته، والارهاب شكل من أشكال العنف لا يقصد به الضرر فقط وإنما أيضاً ترويع البيئة المحيطة من احتمال تكرار هذا الضرر مرة أخرى . إستخدمته قوى وجماعات شديدة التباين: إستخدمته قوى ولم تُنتقد على ذلك لأن الطرف الأقوى عادة هو الذي يحدد العمل المشروع من غير المشروع . والارهاب نظراً لضآلة تكلفة ممارسته كما يقول د.بطرس غالي صار هو سلاح الطرف الأضعف في مواجهة الطرف الأقوى.

وحين التساؤل عن السبب الحقيقي اليوم لاعتبار تلك الظاهرة القديمة تهديداً جديداً، فالجواب ليس فقط بسبب ما أصبح يمتلكه الارهاب من أدوات جديدة، بل لأن تأثيره طال الدولة الأقوى عالمياً مما تحتم الوقوف ضده وتجريمه وردعه، خلافاً لما كان عليه الحال في الماضي حينما كانت دول العالم الغربي نفسها هي التي تمارس الارهاب. أصبحت النظرة إلى الارهاب أنه كمذهب يعرض مرتكبه للوصف بالاجرام. وبما أن العرب والمسلمين هم الطرف الأضعف وقامت جماعات منهم باستخدام الارهاب لتحقيق أغراضها أُلصق بهم الارهاب كرذيلة نابعة من أعماقهم، وأصبحت قضاياهم التي يدافعون عنها عرضة لترذيلها في ذاتها. ذلك هو الخطر الحقيقي لعدم وجود تعريف محدد للارهاب مما قد يسهل الصاقه كتهمة بأي عمل لا يتفق مع مصالح الأقوياء( ).

ووصف د. بطرس بطرس غالي الارهاب قائلاً:

• الارهاب هو دولي لأن قيادته في دولة وأمواله في دولة أخرى وأتباعه في دولة بعيدة وعملياته في دولة أبعد. ولم توفق الأمم المتحدة في وضع تعريف للإرهاب بسبب تضارب المصالح حول حق الشعوب في تقرير المصير ورغبة الدول الكبرى في السيطرة، وأصبح الإرهاب سلاحاً أقوى من جميع الأسلحة التي عرفتها البشرية إذ أن طائرة مدنية تتحول إلى صاروخ( ).

وصحيح أن جورج بوش الابن يغطي مفهوماً محدوداً للغاية من الارهاب -في عالم أحادي بعد زوال الاتحاد السوفيتي- إذ أنه يرى الارهاب شكلاً عنيفاً من أشكال الرفض للقيادة الأمريكية. وحين تحدث في خطاب له يصف أحداث 11/9/2001 قائلاً" قد عرف بلدنا اليوم الشر وخبر أسوأ ما في طبيعة الانسان "، وعلى الشعب الأمريكي أن يعرف أن العدو الذي يواجهه اليوم – الارهاب- مختلف تمام الاختلاف عن أعداء الماضي، إنه عدو يلبد في الظل ويستخف بحياة الانسان، عدو يجفل من الناس الأبرياء الذين هم فريسته، وحين ينجح في مهمته يهرع إلى مخبأ يحتمي به". ولكن الرئيس بوش يتوعد هذا العدو مؤكداً أنه لن يتمكن من الهروب إلى الأبد ( ).

• جاك شيراك/الرئيس الفرنسي : كان جاك شيراك / الرئيس الفرنسي قد صرح بأن الارهاب هو الحرب. ولم يكن أحد يعتقد أن عملية إرهابية مهما كانت ضخامتها تستوجب وبمجرد الشك إعلان حرب رسمية ضد مرتكبيها وأن تتحول أفغانستان بعد 11/9/2001 إلى مسرح عمليات حربية تقترف فيها باسم مكافحة الارهاب جرائم أشد وأفظع ( ).

الولايات المتحدة الأمريكية:

مازالت أمريكا غير راغبة بوضع تعريف للأرهاب تاركة المجال للتشريع الداخلي التصدي له . أمريكا تعلن حرباً عالمية ضد الارهاب دون أن تعطي مفهوماً له وها هي حشدت قوى تحالف دولي في حربها على الارهاب ضد أفغانستان فاسقطت نظام الحكم فيها وبعد ذلك احتلت العراق وأبادت نظام الحكم فيه دون أن تضع تعريفاً للارهاب وهي مستمرة في حربها ضد الارهاب بدون حدود.

لم يصبح الارهاب ذا صبغة دولية فقط ولكنه أصبح بمثابة "منظمة دولية" جديدة لها شخصية وسمات خاصة بدليل إن الولايات المتحدة أعلنت حرباً ضده بل وشكلت تحالفاً دولياً من أجل القضاء عليه. إن هذه الحرب يمكن تسميتها " بالحرب غير المتناظرة"، ويظهر عدم التناظر جلياً من الطبيعة الجديدة لأسلحةِ هذه الحرب ومن تكاليفها الهائلة، لم تكلف عملية 11/9/2001 تدريباً وتخطيطاً وحشداً وتمويلاً وتنفيذاً سوى أقل من نصف مليون دولار إلا أن الأضرار التي نتجت عنها تقدر ببلايين الدولارات، هذا بالإضافة إلى كلفة أخرى على العلاقات الدولية فقامت أمريكا باستبعاد هيئة الأمم المتحدة وهمشت دورها في مواجهة التهديد العالمي المتمثل بالارهاب والارهابيين بل وكذلك همشت دور حلفائها إضافة إلى تهميش دور روسيا والصين والهند. إن أحداث 11/9 ساعدت على زيادة الشرخ بين الشمال والجنوب لأن المواجهة بين العالم الغربي والإسلامي ستؤدي إلى تعزيز الشرخ بين الشمال والجنوب( ).

ولا بد من الاعتراف أن التيار المعادي لوضع تعريف للارهاب ما زالت له الغلبة بحيث تم كبح جميع الجهود وتعطيلها وترك الحرية للدول أن تكيف ما يقع على الساحة الدولية كل حسب هواها لتصف بعض الأعمال بالارهاب والآخر دفاعاً عن النفس أو "ضربه إستباقية" لتضيف مصطلحاً عالمياً جديداً على قاموس المصطلحات. وما إخراج الارهاب من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية إلا مؤشر على قوة هذا التيار.

إن الدوافع السياسية لذلك التيار حالت دون التوصل إلى وضع تعريف ليبقى الارهاب مصطلحاً سياسياً معناه: الارهاب هو ما يفعله الأشقياء فقط أما يفعله الأصدقاء- ولو كان من نوع فعل الأشقياء – فله كل الأسماء الأخرى ما عدا الارهاب . ومن ثم انطلقت دول تلك التيار – أي المعارضة لوضع تعريف – للتعامل مع ما تعتبره إرهاباً بوضع اتفاقيات قطّاعية بلغت اثنتي عشرة اتفاقية بعضها يتعلق بجرائم الطيران وعلى ظهر السفن (حادثة اكيلالارو) وبعضها بالجرائم المتعلقة بالرهائن، وبجرائم إستخدام المتفجرات البلاستيكية، وبعضها بجرائم الارهاب عن طريق القنابل وأرادوا تمرير اتفاقية عن الارهاب النووي فتم حصرها بارهاب الأفراد النووي ( وليس إرهاب الدولة النووي). وتم التوصل إلى إقرار اتفاقية مكافحة تمويل الأرهاب سنة 1999. وبالفعل تم التوصل إلى اثنتي عشرة اتفاقية قطاعية لمحاربة الارهاب.

ويقول د. عبد العزيز شكري " ما دام أن التيار الغالب يرفض وضع تعريف للارهاب ويحدد له عقوبة معينة فلماذا لا نسمي الأفعال باسمائها ؟ فالقتل قتل والحرق حرق، ونسف المنشآت هو نسف المنشآت… وهكذا.

ويبقى الارهاب مجرد مظلة تظلل تحتها جميع هذه الجرائم وما قد يتفتق عنه ذهن الانسان من جرائم إذا كان من الأعداء؛ أما إذا كان منا أو من أصدقائنا فهو قتل مجرد قتل ، أو حرق مجرد حرق ( ). ويتساءل هل نحتاج إلى اتفاقية جديدة كلما تفتق ذهن الانسان عن أداة جديدة للترويع ؟ إن ذلك منتهى الاعتباطية في السياسة الدولية. إن التعريف بأسلوب التعداد والإضافة الذي تتبعه الدول المعارضة لوضع تعريف لا يخدم مكافحة الارهاب والخشية إنه إذا ترك الأمر دون رادع قانوني أو أخلاقي سيدفع خصومه لتأجيج حمأة العنف.

وما دام أن المجتمع الدولي لم يوافق على وضع تعريف للارهاب من الناحية القانونية فليس هناك جريمة إرهاب مستقلة يمكن أن يوصم بها أحد بل هناك جرائم يمكن تجاوزاً تسميتها جرائم ذات صفة ترهيبية( ).

لكن سمو الشيخ حمد آل ثاني/ أمير قطر ورئيس منظمة المؤتمر الاسلامي يدعو إلى وجوب العمل على تفعيل دور الأمم المتحدة التي من الواجب عليها أن تقوم بالدعوة إلى عقد مؤتمر دولي ينعقد تحت مظلتها لوضع معاهدة دولية لمكافحة الارهاب تحدد تعريف الارهاب والعقوبات التي يستحقها والتمييز بينه وبين حق الشعوب في المقاومة والنضال؛ والتركيز على حق الشعب الفلسطيني وانقاذه من "ارهاب الدولة" الاسرائيلي، لأن إرهاب الدولة هو الذي يخلق إرهاب المنظمات ولن تنكسر هذه الحلقة إلا بتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني وتوفير الحماية الدولية له( ).

وفي خطاب لنائب رئيس وزراء ماليزيا / وزير الداخلية في اجتماع لمنظمة دول " الآسيان" / جنوب شرق آسيا أشار إلى أن هناك صعوبات تعترضهم وهم يحاولون وضع تعريف للارهاب يوافق عليه الجميع إنه أمر ليس سهلاً غير أن دول الاسيان تشترك في شيء واحد وهو التزام الجميع بمكافحة الارهاب ، وأنه ليس هناك ما يمنع من تفعيل التعاون بينها في هذا الشأن طالما أنه لم يتوفر بعد المفهوم المشترك للارهاب الذي يحظى بقبول الجميع ( ).

الباعث السياسي :

إن سبب هذا الاهتمام اللامحدود في الارهاب هو " المضمون السياسي" ، وما يمتُ إليه ذلك المضمون بأية صلة كالعقيدة والأيديولوجيا و… فمثلاً إذا قام " مختطف بخطف طائرة لدوافع شخصية كالحصول على مال أو حق الاقامة أو اللجوء السياسي، فإن هذا " الاختطاف" لا يُعد عملاً "إرهابياً" حسب التفكير القانوني السائد مع ما في عملية الاختطاف من العنف الذي ينشر الذعر – على الأقل لدى ركاب الطائرة الأبرياء-. إن ما يجعل العمل ارهابياً هو الدافع السياسي أو الأيديولوجي أو العقائدي للفاعل. فعملية اختطاف الطائرة تصبح " عملية ارهابية " حينما يكون الخاطف يستهدف أمراً سياسياً .

وهناك تساؤل: لماذا يجري التركيز على الحالة الشخصية والذهنية للفاعل بدلاً من التركيز على الماهية الموضوعية للفعل بحد ذاته؟ يجري كل ذلك في الوقت الذي يتم فيه التشديد والتأكيد على " تسييس" الجريمة الإرهابية " ولكن فقط في مرحلة التجريم وبعد ذلك تنزع منها " التسيسة" في مرحلة العقاب حتى يمنع "المُجرم" من الاستفادة من الحقوق الدولية التي تُمنح للمجرم السياسي أي لحرمانه مثلاً من "حق اللجوء السياسي". إنه أمر إن لم يوصف بإعجازية فهمه، فهو متناقض جداً!!

وخلاصة هذا الرأي:

- حتى يمكن وصف جريمة بأنها إرهابية، لا بد أن يكون حافزها سياسياً محضاً (أي تسييس الجريمة).

- وحتى يمكن إيقاع العقوبة القصوى بالمجرم على الجريمة التي حركتها بواعث سياسية يجب معاملة الفاعل كمجرم عادي ( أي نزع الصفة السياسية عن الجريمة).

- ولتوفير إمكانية إجراء محاكمة أسرع – والأصح أسهل – فلا بد من " ولاية دولية" الأمر الذي يستدعي توصيف الجريمة بأنها " دولية " ( أي إعادة التسييس للجريمة).

إنه توصيف متغير ومحير وغير منطقي للفعل نفسه، كل ذلك من أجل إجراء محاكمة أسهل منالاً لجرائم دُفِشَتْ عنوةً تحت بيرق " الارهاب" .

والأمر يتطلب بالفعل إجراء مقاربة شاملة لهذه الظاهرة السياسية وإلا فلن يتمكن الباحث الموضوعي أن يصون موضوعيته( ).

الجهود الدولية المستمرة لتحديد الارهاب

قام " إرهابيون" من منظمة " الأستاذا" المكدونية الانفصالية بإغتيال ملك يوغوسلافيا الكسندر الأول ووزير خارجية فرنسا حين زيارته لفرنسا في الجنوب في مدينة مرسيليا بتاريخ 9/10/1934 مما كان لهذه الجريمة أثر مروع في العالم الأمر الذي دفع فرنسا لطلب عقد إجتماع " لعصبة الأمم المتحدة" للتدارس في الموضوع. فكونت العصبة لجنة خاصة لأعداد ميثاق دولي حول الارهاب مكونة من (14) دولة منها بلجيكا، بريطانيا، إسبانيا، فرنسا، إيطاليا، بولندا، يوغسلافيا، رومانيا سويسرا وروسيا. وتم التوصل إلى اعداد هذا الميثاق الذي وقعت عليه 29 دولة في 16/11/1937 والميثاق مكون من اتفاقيتين الأولى لقمع الارهاب والثانية لمحاكمة مرتكبي هذه الجرائم أمام محكمة جنائية دولية على أن يكون اختصاص هذه المحكمة اختيارياً للدولة صاحبة الشأن ( ).

وجاء في المادة الأولى للاتفاقية الأولى أن المقصود بالارهاب هي الأفعال الجنائية المرتكبة ضد الدولة بهدف إثارة الفزع والرعب لدى شخصيات رسمية أو جماعات من الناس أو الجمهور، وبينت تلك الأفعال وهي:

1- الاعتداء المتعمد ضد سلامة أو حرية أو سمعة المذكورين تالياً:

‌أ. رؤساء الدول والحكومات أو ولي العهد أو خلفاؤهم بالوراثة أو التعيين .

‌ب. زوجاتهم.

‌ج. الأشخاص المكلفون بمهام عامة.

2- التخريب أو الحاق الضرر العمدي بالأموال العامة أو الأماكن التي يستخدمها الجمهور .

3- الخلق عن قصد لخطر عام يعرض حياة الانسان للخطر كاستخدام المتفجرات والمادة الحارقة أو تسميم الغذاء والماء.

4- الشروع في ارتكاب تلك الجرائم.

5- انتاج أو امتلاك أو الحصول أو تقديم أسلحة أو ذخائر أو مواد متفجرة بقصد تنفيذ جريمة من تلك الجرائم أينما كان.

6- المشاركة في العمل الارهابي سواء بالانتماء إلى جمعية ارهابية وبالاتفاق مع من يرتكب عملاً إرهابياً أو بالتحريض على إرتكابه.

كما أن الاتفاقية أسبغت "الدولية" على الجريمة الارهابية الموجهة ضد " دولة" أو مُرتكبةٌ من قبل دولة أو إذا تعددت الأماكن الحاضنة لأعداد العمل الأرهابي أو تنفيذه أو الأماكن التي لجأ إليها الفاعلون أو تعددت جنسياتهم أو جنسيات شركائهم. ووصفت الاتفاقية العمل الاجرامي الذي على صلةٍ بالعمل الارهابي بأنه عمل تحضيري للعمل الارهابي يتخذ صفته .

لم يكتب لهذا الميثاق النجاح ولم يدخل حيز التنفيذ بسبب نشوب الحرب العالمية الثانية وبسبب الضغوط السياسية الهائلة، أو بسبب أن الأغلبية الساحقة من ضحاياه لم يكونوا من البشر اللذين يسمع المجتمع الدولي أناتهم فلا تهتز أحاسيسه لقتلاهم ولا يجزع للدمار الذي حلَّ بهم لأنهم من العالم الثالث فلا يأبه لهم أصحاب الكلمة المسموعة دولياً( ).

ويؤخذ على الميثاق بأنه يرى الارهاب هو فقط الموجه ضد الدولة رغم أنه قد يقع ضد كيانات لم تكتمل دوليتها، أو قد يقع ضد شعوب شردت من أراضيها أو ضد حركات تحرر أو حركات ثورية( ).

وهناك الاتفاقية الأوروبية لسنة 1977 التي بدورها لم تقدم تعريفاً محدداً للارهاب بل قامت بتعداد أعمال إرهابية منها ما كان قد حُرم باتفاقات سابقة أو كان التعامل الدولي قد حرمها وأضافت عليها " كل الأفعال الخطرة" التي تسبب خطراً عاماً أو تخاطر بحياة الأشخاص وأموالهم، ثم أخرجت تلك الأعمال والأفعال من توصيف " الجريمة السياسية كي لا تنطبق عليها بنود الاتفاقية الدولية لتسليم المجرم السياسي لسنة 1957 حتى تحول دون تطبيق مبدأ " عدم تسليم المجرم السياسي".

هذا وقد جاءت الاتفاقية العربية التي وقعها وزراء الداخلية العرب لسنة 1998 بالتعريف التالي للارهاب حسب المادة الأولى:

" كل فعل من أفعال العنف أو التهديد أياً كانت بواعثه أو أغراضه يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، ويهدف إلى القاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو أمنهم للخطر؛ أو الحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو إحتلالها أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر"( ).

ويلاحظ أن هذا التعريف لم يذكر شيئاً عن البعد السياسي للارهاب، وطبيعي أن ذلك يعكس رغبة الدول الموقعة فمثلاً بقيت الجزائر ردحاً طويلاً – بعد إندلاع الارهاب فيها – تنكر البعد السياسي في أزمتها وتعيدها فقط إلى البعد الاقتصادي والاجتماعي رغم أنها كانت تصفها بأنها أزمة متعددة الجوانب – ما عدا الجانب السياسي – والمعروف أن الجزائر كانت تدفع الدول العربية باستمرار للوصول إلى اتفاقية ضد الارهاب وكذلك وضع مدونة للسلوك ، فالجزائر تلظت على نار الارهاب أكثر من غيرها – على الأقل حتى سنة 1995 ( ).

إن تجاهلها للبعد السياسي يعني أنها تساوي بين كل أعمال العنف أياً كانت بواعثها إذا كانت تخلق الرعب بين الناس؛ فهناك الكثير من الجرائم تسبب الرعب مثل قتل العجائز الوحيدات للإستيلاء على أموالهن وسرقتهن وأعمال الجريمة المنظمة كذلك ، لا تدخل في مفهوم الارهاب. كما اعتبرت الاتفاقية احتلال المرافق العامة والخاصة عملاً إرهابياً بينما الاحتلال يُعتبر عدواناً والاحتلال جريمة أخطر من العدوان( ).

وبرأي " جميل مروة" أن قمة منظمة المؤتمر الاسلامي المنعقدة في الدوحة في نوفمبر /2001 قد أضاعت الفرصة لوضع تحديد لمفهوم الارهاب، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا تقوم مؤسسات فكرية في هذه المهمة كأن تقوم جريدة الحياة اللبنانية بالدعوة إلى عقد مؤتمر لهذه المهمة، إن تجربة كهذه هي تطور بحد ذاتها( ).

وجاء في المادة الأولى من مشروع الاتفاقية التي أنتجتها " لجنة الارهاب الدولي سنة 1980 كتعريف للارهاب:

" جريمة الارهاب الدولي هي كل عمل عنيف خطير، أو التهديد به، يقوم به فرد أو مجموعات، موجه ضد الشخصيات أو الهيئات أو المقرات أو وسائط أو أنظمة النقل والاتصالات بقصد الموت أو الجرح للشخصيات أو تعطيل فعاليات الهيئات أو الحاق الخسائر أو الأذى أو الهدم للمقرات للوصول إلى تقويض علاقات الود والاحترام بين الدول أو مواطني الدول أو ابتزاز تنازلات من الدول ، وكذلك فإن التخطيط للقيام بأحد الجرائم السابقة أو القيام بها أو التحريض أو المشاركة بالقيام بها تعتبر جريمة إرهاب دولي. وهذا التعريف مهتم بالشخصيات المحصنة دولياً وكذلك المقرات الرسمية: البعثات الدبلوماسية والقنصلية والمنظمات الدولية أو المرافق الرسمية العامة ولا يهتم بالمجموعات البشرية التي تعاني من العدوان والفصل العنصري وإبادة الجنس، ومع ذلك فإن مشروع الاتفاقية لم يلاق رضاءاً من الدول القوية التي لا تؤيد وضع تحديد للارهاب إذ تحبذ أن يبقى عائماً للاستعانة به عند الحاجة ضد " الرجل الموجود في البيت المجاور" كما يقال ( ).

مجموعة دول عدم الانحياز

من المفروض أنها المجموعة التي يجب أن تبدي إهتماماً كبيراً في الموضوع لانعكاساته المباشرة عليها، وجاء تحديدها للارهاب معدداً أنواعه على النحو التالي:

• وبديهي أن يحتل قمة الأفضليات لتصنيفها للموضوع أعمال العنف التي تقوم بها الأنظمة الاستعمارية وما تمارسه من قهر وتمييز عنصري ضد الأمم التي تناضل للحصول على إستقلالها وحريتها- الاستقلال والحرية بالمعنى الحقيقي وليس الشكلي-( ) الأساسية.

• الأعمال التي تقوم بها الحشود من "الجنود المرتزقة" ، لحساب مستأجرها- ضد الدول ذات السيادة، والقارة الافريقية تزخر بمثل هذه الأمثلة، إذ هناك شركات متخصصة تقوم بذلك ( ).

• أعمال العنف التي تقوم بها مجموعات أو أفراد تعرض نفوساً بريئة أو الحريات الأساسية للخطر ما عدا تلك الأعمال الموجهة للدفاع عن الحق وإحقاقه كحق تقرير المصير الذي تسعى إليه الشعوب المحرومة منه، أو للوقوف ضد أشكال السيطرة الأجنبية أو دعماً لحركات التحرر الوطنية وخاصة نضال الشعب الفلسطيني في كفاحه المرير ضد الغزاة المستوطنين.

• العنف المرتكب من قبل أفراد أو مجموعات بهدف الحصول على مكاسب شخصية إذا عبر تأثيره الحدود السياسية للدولة( ).

مجموعة دول أمريكا اللاتينية:

ترى المجموعة أن الارهاب هو التهديد باستخدام العنف أو استخدامه ويعرض حياة الانسان البريء للخطر أو ينهيها أو حرياته الأساسية، سواء قام بذلك فرد أو مجموعة أفراد على أرض أجنبية أو في أعالي البحار أو على طائرة في الأجواء الدولية، بهدف نشر الرعب لتحقيق هدف سياسي. كما أن من الارهاب الأعمال القمعية التي تمارسها القوى الاستعمارية أو العنصرية، وكذلك كل الأعمال التي تقوم بها قوة أجنبية للسيطرة على غيرها وانكار حقها في الاستقلال وتقرير المصير والحقوق والحريات . وكذلك عمليات الاغتيال والجروح والاعتقال والرسائل المفخخة والخسائر في الممتلكات سواء أرتكبت على أرض أجنبية أو قام بها أجانب أو موجهة ضد أجانب بهدف الترويع لتحقيق مآرب سياسية لأن هذه الأعمال اعتداء على القيم الاجتماعية وانتهاك لكرامة الانسان ( ).

دول المجلس الأوروبي

أورد المجلس تعريف الارهاب في الميثاق الأوروبي " لمنع وقمع الارهاب" الموقع في 10/11/1976 وذلك بإجراء سرد للأعمال التي يراها إرهابية وهي : الجرائم الواردة في اتفاقيات دولية سابقة مثل ميثاق طوكيو حول الطيران 1962 ، ولاهاي سنة 1970 ، ومونتريال سنة 1971 وكذلك الجرائم الواردة في اتفاقيات المحافظة على حياة وسلامة وحرية الأشخاص الذين يتمتعون بالحصانة الدولية، وفي اتفاقية منع استعمال المتفجرات والأسلحة التي تعرض حياة الانسان للهلاك أو الخطر. كما أن الميثاق اعتبر الشروع في أيٍ من الأعمال السابقة أو التخطيط لها أو المشاركة فيها عملاً إرهابياً.

ملاحظات على "تعريف المجموعات" السابقة للإرهاب:

تميل مجموعة أمريكا اللاتينية " إلى " حصر" الارهاب الدولي على العمل الاجرامي الذي يقوم به " فرد " أو "مجموعة" داخل إقليم دولة أجنبية أو ضد رعايا دولة أجنبية.

بينما قامت دول عدم الانحياز بالربط بين الارهاب وأسبابه والتي هي الممارسات العنصرية والهيمنة السياسية والاقتصادية والتغريب. وطبيعي أن تستثني كل من مجموعة دول عدم الانحياز ، والمجموعة العربية، ومنظمة المؤتمر الاسلامي أعمال الكفاح والنضال الوطني من التوصيف الارهابي( ). من المعروف أن الموقف الغربي عموماً – طبعاً بما في ذلك إسرائيل- يعتبر أي عمل تحرري نضالي عملاً إرهابياً – يتضح ذلك من التعريف الذي وضعه المجلس الأوروبي-. وهنا يكمن جوهر الخلاف الذي سيشكل دائماً استحالة للاتفاق على تعريف. مثلاً لم يتم الاتفاق على تحديد معنى الارهاب في مؤتمر الأمم المتحدة المنعقد في القاهرة من 29/4-8/5/1995 في الوقت الذي تم فيه الاتفاق على ربط الارهاب بالجريمة المنظمة لتطابقهما في السمات. والهدف من ذلك نزع المضمون السياسي من الجريمة الارهابية ومساواته بالجريمة المنظمة لإباحة تسليم المجرم بحرمانه من الميزات التي يعطيها القانون الدولي للجريمة السياسية. وستبقى المشكلة موجودة ما لم يتم الاتفاق على المعنى.

وصحيح أن الارهاب يمكن أن يرتكبه فرد أو مجموعة أفراد أو هيئة أو منظمة أو " قاعدة ". والصحيح أيضاً أنه يمكن أن يرتكب من قبل دولة وحينها يطلق عليه " إرهاب الدولة " أو إرهاب تسانده أو ترعاه الدولة، فالدولة قد تقمع مواطنيها- وما أكثرها – فهي دولة استبدادية ، أو تقمع المقاومة ( فهي استعمارية أو عنصرية أو استيطانية ، ( وما أكثرها أيضاً) . ولكن إرهاب الدولة حسب رأي أكثرية الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة فإنه العمل العسكري أو شبه العسكري أو السري – الذي تقوم به الأذرع الأخطبوطية العنكبوتية الشبكاتية الاستخبارية.

لذلك فإن الفعل الاجرامي الذي يقوم به أشخاص والعابر للحدود والذي دوافعه سياسية هو الفعل الذي أصبح موضع إهتمام المجتمع الدولي ليس فقط من قبل " السياسة" بل و " القانون" أيضاً. أما الأشكال الأخرى للعنف فلا بأس من تجاهلها وإخراجها من الذاكرة فهي غير ذات بال بل وحتى غير موجودة!!.

إذن فالقصد واضح بيّن من التمسك والأصرار على " أن الارهاب هو صنع فرد أو أفراد وليس صناعة دول" ، أو هو عمل مدنيين ضد آخرين من المدنيين وليس من قبل عسكريين، ولا صفة سياسية له بل ولا تحركه بواعث سياسية ( ) ولا يفوت على البال أن " العنف" هو وسيلة للقهر تستخدم لتغيير الفكر والسلوك، أما " الدعاية " فهي أيضاً وسيلة لتغيير الفكر والسلوك ولكن بطريق " الاقناع". إذن فهما وسيلتان لاصقتان بالعمل الارهابي، فالدعاية أو الأعلام من الجانب الارهابي هي التي تكشف هوية العمل الارهابي فيما إذا كان جريمة عادية أم جريمة إرهابية سياسية، وطبيعي أن المجتمع سيتخذ التدابير للتعامل مع كل نمط حسب " وقع " هذا النمط عليه.

والملاحظ أن " المشرع الداخلي" استطاع أن يعرف الارهاب وأن يقنن فهمه للارهاب، لذلك هناك تعريف وطني للارهاب في معظم دول العالم بما فيها أمريكا أو فرنسا أو انجلترا أو مصر أو سوريا أو لبنان أو الأردن ، ولكن الأسرة الدولية فشلت حتى الآن في وضع مفهوم موحد له متفق عليه( ). ومن المعلوم أنه في ظل النظام العالمي الثنائي القطبية استطاع العالم التوصل إلى وضع تعريف للعدوان ولكن في ظل القطب الواحد استحال وضع تعريف للارهاب. لذا فإن المرء يستطيع أن يستنتج إن عدم الرغبة في توحد التعريف تعبر عن طبيعة الحال السياسي في العالم( ).

فالارهاب رد فعل مزدوج:

- فهو من ناحية رد فعل على القهر والظلم.

- وهو من جهة ثانية محاولة لكبح جماح رد ذلك الفعل.

إنه رد فعل تقوم به شعوب مغلوبة على أمرها من حكم استبدادي داخلي أو من هيمنة أجنبية، وهو رد فعل الحاكم المستبد الداخلي أو المهيمن الخارجي ضد المقاومة التي تشنها جماعات انتحارية أو استشهادية – سمها ما شئت-. فهو إذن " حلقة مفرغة" رد على رد وهكذا فلا يمكن للعالم أن يخرج من هذه الحلقة المفرغة إلا حينما يُرغم على ذلك! ولكن كيف؟ هل يتم ذلك بأن يُزيل طرف الطرف الآخر، يبدو أن ذلك هو الدارج حتى الآن ولكن الأمر يزداد تأججاً واشتعالاً، أم أن ذلك يمكن أن يتم بإزالة أسباب الظلم والقهر عن طريق علاجها، والأمر أيضاً يزداد تأججاً واشتعالاً حين يكون العلاج خطأً.

إن التحدي أمام الباحث للوصول إلى تعريف للإرهاب بوصفه ظاهرة سياسية هو أخذه مأخذ الجد ورفض التحريف المنتشر، وعليه بالاستقلال فالحاجة ماسة إلى موقف مستقل. إن من له علاقة بالوضع في إيرلندا، أو الوضع في الشرق الأوسط أو أي نزاع عرقي أو عقدي، يدرك تعقيد الارهاب وخطورته ابتداءاً من عدم وجود تعريف له؛ فإن ما يشكل ارهاباً لدى جهة ما، تفهمه جهة أخرى على أنه نضال مشروع وعمل بطولي . بالإضافة إلى أن هناك مَيْلٌ لتضخيم المسألة وتشويهها. فهناك من يرى الارهاب على أنه تهديد للعالم ( ). وهناك حكومات استغلته للبطش بالخصم أو التستر به كغطاء حين تمارس هي الارهاب الحقيقي ( ). ولا يستطيع أحد انتشال الارهاب من تلك البرامج السياسية إلا حين التوصل إلى توضيح مفهومه والتعمق في تاريخه، الارهاب هو مسألة " عرف" وليس شيئاً "معطي تلقائياً بالحقائق والتاريخ ولهذا العرف أربع جوانب:

1- الجانب الأول – إرهاب سيادة القانون أو ارهاب الحكومات أو إرهاب الدولة، فغالبية الأعمال الارهابية اقترفتها السلطة ضد من لا سلطة له سواء داخل إقليمها أو خارجه.

2- هناك أعمال عنف إرهابية منعزلة يقصد بها فقط إشاعة الارهاب كالأعمال التي ترتكب في بلد ثالث لا علاقة سياسية له بموضوع ذلك الارهاب من قريب أو بعيد كعمل تقوم به منظمة الجيش الجمهوري الايرلندي خارج انجلترا، أو كعمل فلسطيني خارج منطقة الشرق الأوسط. تلك طبعاً هي أعمال يتجسد فيها الارهاب الدولي بوضوح فهو ارهاب منظم بحد ذاته وعابر للحدود وله شبكة عالمية تقوم إما بمساعدته أو تقف وراءه أو تسانده.

3- الجانب الثالث: هناك جانب فضفاض واسع للإرهاب يلف تحت ردائه مثلاً أعمال العنف من حرب أهلية أو أطراف نزاع لا يتفق معها مطلق الأوصاف الارهابية. لذا فإن هذا المصطلح كثيراً ما يطلق هذه الأيام على أية حركة غير مستحسنة من قبل بعض الأشخاص أو الدول ( ).

4- الجانب الرابع: أصبح الارهاب قلقاً معولماً، وبالتالي أصبح هماً عاماً وقضية من قضايا الدولة وموضوعاً يفرض نفسه على الندوات ومؤسسات البحث أشبه ما يكون " بالسحر" أو " الجاسوسية" أو " الإباحية" وتم تضخيمه ليرمي خلفه العديد من الظواهر الأخرى، ولتبرير العمل السياسي وتوجيهه"( ).

لذا يقع ضمن " الارهاب" الموضوعات التالية : العنف الذي تقوم به السلطة الرسمية ضد مواطنيها؛ أعمال العنف المعزولة" حركات التحرر، وأخيراً تضخيم الارهاب من أجل أهداف سياسية.

إن النقطة الأساسية تبقي هي الاتفاق على معنى محدد وموحد. وهذه مشكلة تحصل في كل التجمعات الدولية التي تتعمد إثارة مسألة التعريف الجامع المانع للأرهاب لتبخر فيما بعد كل الجهود وتعصف بها وبفرص النجاح. يرى البعض أن التمسك بضرورة وضع تعريف أمر المقصود منه إعاقة الجهود المخلصة السليمة للقضاء على الارهاب حتى يبقى الوضع مناسباً تحركه الأهواء المتبدلة والسياسات المعلنة والسياسات المخفيِّة. وحتى يُترك المجال للأعمال القذرة التي تقوم بها الأجهزةُ الخفية. وبما أن وضع التعريف الجامع المانع أمر دونه القتاد وتختلف حوله الآراء، فلماذا – كما يرى البعض الآخر – لا نكتفي بضبط الأمر عن طريق تحديد العناصر والسمات الخاصة به وبواسطتها وعن طريقها يمكن تسمية الموضوع. وهنا يمكن القول بأن العمل الارهابي، "فعل إجرامي؛ تحركه دوافع دنيئة؛ يرتكبه فرد أو جماعات، بأسلوب يتعمد نشر الرعب في النفوس بغية تحقيق هدف أياً كان هذا الهدف" ( ) إن عنصر الرعب هو جوهر الفعل الارهابي ولا يعني أن الفعل الارهابي يُشترط أن يكون عنيفاً ورغم أن معظم الحالات تتوسل العنف لكن الوسيلة تبقى الوسيلة وليست الجوهر، فقد يحصل عمل إرهابي أشد فتكاً وبدون عنف حتى ولا التهديد به مثل تلويث مصادر المياه بالأوبئة ( ) والجراثيم والكيماويات أو إرسال الرسائل المغبرة بالانتراكس كما وقع في أمريكا بعد أحداث 11/9/2001 (أو المؤامرة التي تمَّ الكشف عنها بالأمس 22/5/2003 بأنه تم ضبط طرد مرسل إلى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات من الشرق الأقصى مغبراً بالمسحوق الأبيض الجمرة الخبيثة فخضع مرافقوه وحراسه منذ أسبوعين لتعاطي المضادات الحيوية كما أعلن الوزير نبيل شعث( )) أو دفن النفايات النووية أو تسحيب الأجواء بالغمام المشبع بالإشعاع النووي فوق المدينة كما حدث في قبرص سنة 1987 ( ).

هناك أحداث تاريخية أثبتت أن الارهاب بدأ بدون عنف، إذ بدأ بالدعاية بالقول ثم تحول فيما بعد إلى الدعاية بالعمل فكانت أشد خطراً وترويعاً. وكمثل على ذلك: في التاريخ العربي الخوارج والأزارقة والحشاشون والقرامطة (إذ اختطف زعيمهم الحجر الأسود من الكعبة لمدة عشرين عاماً وقتل معظم حجاج بيت الله الحرام في ذلك العام ورمي جثثهم في بئر زمزم ) ( ). وكمثل من تاريخ أوروبا إرهاب " النارونايا نوليا" الروسية، ثم الثورة الفرنسية وحكم اليعاقبة ، ثم الثورة البلشفية ، وإبان الحركة الفوضوية" والحركة " العدمية". وفي الفترة المعاصرة لاحظنا بعض " اللاعنف" في الارهاب مثل " الرعب الكيمائي" و" الرعب البيولوجي أو الجرثومي" ، وبشكل صارخ " إرهاب رأس المال" وغيرها من الأشكال التي لا تعتمد على العنف ولكن يبقى عنصر الرعب النفسي فيها جميعاً هو القاسم المشترك وكعنصر جوهري للإرهاب( ).

إن مشكلة الارهاب تبقى في هذا الكم الهائل من المصطلحات التي غالباً ما تطغي على المفهوم الجرمي مما يؤكد التركيز على مفهومه السياسي سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي. إن استمرار استخدام هذه الكثرة من المصطلحات من قبل السياسيين الرسميين في الفضائيات التي اخترقت كل الحواجز للوصول إلى أعماق المشاهد أمر يعود إلى عدم وجود اعلام مضاد يهديء من الروع أو يفرض صيغاً أخرى لِتُزيل اللبس المخيم في المفهوم " ويبدو أن ضعف دول المحيط مقارنة بدولة المحور ومن لف حولها هو سبب هذا الضياع والتخبط"( ).

تعريف بواسطة تحديد العناصر

وفي محاولة لتعريف الارهاب عن طريق ترتيب عناصره حسب أهميتها، يمكن إيراد العناصر التالية:

1- العنف واستخدام القوة(2) العنصر السياسي (3) الخوف والفزع والرهبة (4) التهديد باستخدام القوة أو التلويح بها(5) إحداث أثر نفسي ورد فعل أوسع لا ينحصر في الضحايا أو المشاهدين (6) اختيار الضحية من أجل ضمان تأثير أكبر لتحقيق الهدف (7) التخطيط والنظام (8) أسلوب القتال الاستراتيجية والتكتيك (9) خرق القوانين النافذة وتجاهل المبادئ الإنسانية (10) نشر الشعور بالاذعان باستخدام القهر (11) التركيز على الدعاية والاعلام (12) العشوائية وبدون تمييز (13) الضحايا مدنيون محايدون وغير مقاتلين بل هم خارج النزاع (14) تأكيد براءة الضحايا (15) وجود تنظيم جماعة أو حركة (16) جانب رمزي (17) المفاجأة وعدم اعطاء الفرصة للطرف المقابل للتنبؤ (18) السرِّية في العمل والموقف والتوقيت (19) التكرار واحداث مسلسل من العنف (20) ارتكاب جناية (21) الهدف له علاقة بطرف ثالث ( ).

ولكن رغم سرد هذه العناصر فإنها ليست كافية لوضع تعريف للارهاب لأنه ما زال تحت البحث والدراسة، ويجب أن لا تحول صعوبة الأمر دون المسعى العلمي. والنقد الموجه إلى هذا التعريف:

- رغم الاشارة إلى الجانب الرمزي- في البند السادس عشر- في الضحايا، فكثيراً ما يتم القتل لأشخاص معينين.

- ورغم الاشارة إلى العشوائية في البند (2) إلا أن معظم ضحايا الارهاب في احداث الصعيد في مصر مثلاً كانوا من الشرطة، الأمر الذي يستلزم الوعي بالتفريق بين الارهاب والاغتيال السياسي والتخريب.

- لم يعط الاهتمام الواجب للعمل التحضيري للارهاب مثل تأمين التمويل والتسليح ، وترسيخ المصداقية للمجموعة الارهابية، وتجنيد الانصار، وضمان الغطاء الشرعي.

- لم يذكر أن الارهاب يقوم به أفراد أو مجموعات أو حكومات.

- التعريف يعتبر أن الدولة لا تمارس الارهاب لأن ما تقوم به من استخدام للعنف هو من متطلبات الحكم.

- لم يتطرق ولم يبرز أن الارهاب يمكن أن يستخدم السلاح الكيماوي أو البيولوجي أو النووي لأن الدول النووية لا تقبل ربط الارهاب بالردع النووي في مواجهة شعوب ودول لا حوزة لها من تلك الاسلحة.

- الارهاب ليس قتالاً لأنه لا يلتزم بقوانين الحرب، بل هو مجموعة مسلحة في مواجهة مدنيين – غير مسلحين – تواجدوا بالصدفة وغير قادرين على ابداء أية مقاومة( ).

لقد أقدم Alex Shmid بعد أن درس عدداً من التعريفات للارهاب بلغت 109 على مغامرة بوضع تعريف يحتوي – حسب رأيه – جميع العناصر المشتركة في تلك التعريفات وهو ( ):

" الارهاب اسخدام العنف أو التهديد باستخدامه ضد ضحايا أفراد وجماعات منتقاة تم اختيارها بمواصفات محددة يسبب لها الهلع ويفقدها الاحساس بالأمن كهدف للارهاب. وهذا العنف مرفوض من قبل المشاهدين لفظاعته ولأنه وقع في زمن السلم وفي مكان غير ميدان القتال ولم يلتزم بقوانين القتال التقليدية. هذه الانتهاكات تنتشر لدى جمهور خارج نطاق الهدف، ويهدف الارهاب التأثير على هذا الجمهور إما لشل حركة الهدف أو لارباكه أو لاذعانه أو لفرض مطلب من السلطة مثلاً، أو لشد الانتباه أو لاحداث تغييرات على الموقف أو السلوك ليصبح متعاطفاً مع المطالب القصيرة المدى أو البعيدة لمرتكبي هذا الاسلوب من الصراع( )".

وطبقاً للاحصاءات التي أوردها " شميدت" ، و"جونجمان" سنة 1998 للمنظمات الارهابية في العالم. فإن عددها بلغ 2176 منظمة : منها 506 في آسيا، 229 في أفريقيا، 378/ في أمريكا اللاتينية، 655 في تركيا، 319 في البلاد العربية. وتشير الدراسة التي أجراها د. حسين شريف سنة 1997 إلى أن 25.4% من مجموع المنظمات الارهابية موجودة في الدول المتقدمة. ونصيب الدول الاسلامية منها 17.5%، ونصيب العالم الثالث 13%.

وتكمن المشكلة الرئيسية في تعريف الارهاب حتى الان في جملة من الأفعال حرمتها القوانين الوطنية في معظم الدول ، بالاضافة إلى أفعال محددة حرمتها اتفاقات دولية. وإذا كان الارهاب جريمة بحد ذاته في القوانين الوطنية، فهو ليس كذلك في القانون الدولي حيث يبدو أنه مجرد مظلة يندرج تحتها عدد من الجرائم المُعرّفة ( ).

وفي الحقيقة لقد كثر الحديث عن الارهاب مِن كل مَن هبَّ ودب وكثر حشوه بالمعاني بأكثر مما يحتمل كجميع المصطلحات التي برعت في استخدامها حقبة الحرب الباردة الآفلة التي ألقت القبض على كثير من الألفاظ وعبّأتها بالمعاني وحولتها إلى قذائف وجَّهتها ؛ ثم عادت لتصهرها من جديد بعد كل استعمال وتحشوها أيضاً من جديد بمعاني متجددة وتعيد توجيهها حتى أضاع اللفظ معناه وفقد صلته بمعناه الأول الذي في الأصل جرى نحته من أجله. إن ما جرى في الولايات المتحدة في 11/9/2001 هو عمل جنوني والجنون يمكن أن يكون إرهاباً، ولكن الارهاب ليس جريمة بالمعنى العادي للجريمة إذ لا علاقة شخصية بين الجاني والضحية وبالتالي لا توجد مصلحة مباشرة بينهما. فألارهاب فعل عام وليس فعلاً خاصاً وهذا ما يميزه عن الجريمة ( ).

والارهاب لم يحدث في أيامنا الحالية فقط مع نشوء القضية الفلسطينية أو الافغانية على سبيل المثال، وإنما تاريخه طويل إذ أصبح في القرن العشرين شكلاً من أشكال الثورة استخدمه المقهورون غير القادرين على شن حرب لعجز إمكاناتهم كما انهم لم يستطيعوا أن يشعلوا ثورة ضد جبروت الطغيان، فلم يبق أمامهم إلا الأقدام على أعمال يائسة فقبلوا بدفع حياتهم ثمناً للدفاع عن مطالبهم. وكذلك مارس الروس الارهاب في القرن التاسع عشر ضد القياصرة، والأرمن في وجه العثمانيين، والايرلنديون والهنود والمصريون واليهود ضد بريطانيا في النصف الأول من القرن العشرين. لقد كان الارهاب وسيلتهم الوحيدة للتعبير عن مطالبهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ومهما كانت التكلفة الحياتية عليهم وعلى غيرهم. وكان الارهاب الذي مارسوه يهدف إلى :

- إشهار القضية والاعلان عن أنفسهم باستخدام القوة.

- تأكيد النيّة في تحقيق الهدف مهما كانت التضحية.

- توجيه ضربة مفاجأة من قبل الضعيف إلى الخصم القوي ترهبه وتقلقه.

- دفع الخصم إلى الاضطرار إلى ارتكاب أعمال قمع ضد الشعب الأمر الذي يثير الشعب ضده وينفر منه، مما يشعر الارهاب بأن الجمهور قد تعاطف معه.

ويقول محمد حسنين هيكل: إذا كان الارهاب ثورة اليأس ضد القوة، فإن عصر العولمة نقل ظاهرة الارهاب من حدود الأوطان إلى اتساع القارات بحيث يمكن القول إن معظم أزمات زمننا الراهن وعقده الفكرية والنفسية ومعظم حركات التمرد والعصيان فيه هي بمثابة نوع من الحرب أو نوع من الثورة – لم يقل نوعاً من الارهاب ولكنه يقصده – يقوم بها قاع العالم ضد قمته "( ).

اعتبارات لا بُدَّ منها حين تعريف الارهاب:

1- الارهاب ليس وقفاً على فكر يساري أو يميني إنما هو " تقنية " يستعين بها كل من له مصلحة فيها، وليس بالضرورة أن يكون " إيديولوجية " لجماعة ما حتى تلجأ إليه، بل هو أسلوب عمل في مرحلة معينة.

2- لا ينتسب الارهاب إلى مرحلة تاريخية محددة، فالتاريخ على طوله حافل بالحركات الارهابية التي عرفتها البشرية.

3- يتعايش الكثيرون مع " الطغيان" والفقر والبطالة والاستبداد، بينما يغرقون في خوف كبير من الارهاب، الأمر الذي يُثبت أن الانسان يمكن تمرينه على قبول بعض المفاهيم ورفض الأخرى دون تفكير أو تحليل.

4- الارهاب شيء، والتقييم الاخلاقي لأسبابه شيء آخر.

قام بعض الفلسطينيين باختطاف الطائرات خرقاً للقانون الدولي في نهاية الستينات وبداية السبعينات، إن هذا العمل الارهابي لا يغير من عدالة القضية الفلسطينية ( ). ومن جهة أخرى قامت إسرائيل بتصفية عناصر فلسطينية وهم نيام آمنين في بيوتهم ولم تُتهم بأنها ارتكبت جرائم إرهابية.

فالعمل الارهابي ليس المقوم الحقيقي لدرجة عدالة القضية، هذا بالاضافة إلى " نسبية" مفهوم العدالة( ).

5- الوصف الجرمي للارهاب لا يتغير تبعاً لحجم الأضرار – أو عدد الضحايا. قد يكون هناك عمل " إرهابي" بدون أي ضحية ؛ وقد يكون هناك ضحايا عديدة وخسائر كبيرة من عمل لا يوصف بالارهاب.

6- العمل الارهابي ليس مقتصراً على آثاره المباشرة من خسائر وأرواح أو هلع؛ بل هناك الهدف الحقيقي- قد يكون الانتقام أو التهديد المبطن- وهو غير المباشر الذي قد يكون الدعاية لموضوع أو هدف ما. يعتمد الارهابي على إثارة فضول الرأي العام للبحث عن هدفه الجوهري.

7- قد يكون باعث الارهاب دنيئاً أو نبيلاً ، لكن ذلك لا يؤثر على موقف الدولة من حرمان الارهابي من التمتع بالحقوق التي تمنح للمجرم السياسي.

8- إن القضاء على الفقر والقهر والظلم وانهاء الاحتلال وضمان حق تقرير المصير وعدم التدخل في شئون الغير تساعد كثيراً للحد من الارهاب.

9- كل جرمٍ يولد ذعراً- ولكن محدوداً-، ولكن الذعر المهول من أكثر المظاهر المصاحبة للعملية الارهابية.

10- العامل السياسي هو الدافع للارهاب ولا يمكن فصل السياسة عن الارهاب وخاصة في حالة " ارهاب الدولة".

11- الارهاب هو " مفهوم Notion" أي أنه يشمل فعلاً أو أكثر حرّمه القانون الداخلي والقانون الدولي( ).

12- وفي غياب تعريف محكم للإرهاب سيتهم كل خصم خصمه بالارهاب وبذلك تدب الفوضى ويختلط الحابل بالنابل ويسهل اتهام المناضلين بانهم ارهابيون( ).

تعريف للارهاب في بعض التشريعات الوطنية:

على العموم إن عقدة تعريف الارهاب على المستوى الدولي ، قد تعافى منها المجتمع على المستوى الوطني هذا إن لم نقل لم يُصَب بها أصلاً. فهناك حوالي نصف دول العالم قد وضعت نصوصاً تشريعية لتجريم الارهاب والجرائم الارهابية سواء كانت هذه النصوص في قانون العقوبات أو في قوانين جنائية خاصة.

جمهورية مصر العربية:

ورد نص تعريف الارهاب في القانون رقم 97 لسنة 1992 حسب المادة 86 من قانون العقوبات على النحو التالي:

يقصد بالارهاب كل استخدام للقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع يلجأ إليه الجاني تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي بهدف الاخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر إذا كان من شأن ذلك إبادة الأشخاص أو القاء الرعب بينهم أو تعريض حياتهم وحرياتهم أو أمنهم للخطر والحاق الضرر بالبيئة أو بالاتصالات أو المواصلات أو الأموال أو المباني أو بالاملاك العامة أو الخاصة واحتلالها والاستيلاء عليها أو منع أو عرقلة ممارسة السلطات العامة أو دور العبادة أو معاهد العلم لأعمالها أو تعطيل الدستور أو القوانين أو اللوائح.

جرائم الارهاب في القانون المصري جرائم غير سياسية وهي من اختصاص محكمة أمن الدولة( ).

جمهورية لبنان

ورد تعريف الارهاب في المادة 314 من قانون العقوبات اللبناني لسنة 1943:

" الأعمال الارهابية هي جميع الأفعال التي ترمي إلى ايجاد حالة ذعر وترتكب بوسائل كالأدوات المتفجرة والمواد المحرقة والمنتجات السامة أو الوبائية أو الميكروبية التي من شأنها أن تحدث خطراً عاماً ( ).

الجمهورية العربية السورية

ورد في القانون الجنائي السوري لسنة 1949 حسب المادة 304 المضافة لسنة 1978 : "يقصد بالأعمال الارهابية تلك الأفعال التي ترمي إلى ايجاد حالة الذعر وترتكب بوسائل كالمواد المتفجرة والأسلحة الحربية والمواد الحارقة والمنتجات السامة والمحرمة والعوامل الوبائية أو الجرثومية التي من شأنها أن تحدث خطراً عاماً ( ).

الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب

الارهاب هو كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أياً كانت بواعثه وأغراضه يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ويهدف إلى القاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر أو الحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر( ).

في المملكة الأردنية الهاشمية

كان تعريف الارهاب قد ورد حسب المادة 147 من قانون العقوبات كما يلي: جميع الأفعال التي ترمي إلى ايجاد حالة ذعر ترتكب بوسائل كالأدوات المتفجرة والمواد الملتهبة والمنتجات السامة أو المحرقة أو العوامل الوبائية أو الجرثومية التي من شأنها أن تحدث خطراً عاماً.

وقد تم استبدال ذلك التعريف بتعريف جديد بـ " القانون المعدل لقانون العقوبات – قانون مؤقت رقم 54 لسنة 2001 فأصبح الارهاب: " استخدام العنف أو التهديد باستخدامه تنفيذاً لعمل فردي أو جماعي يهدف إلى الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر إذا كان من شأن ذلك القاء الرعب بين الناس وترويعهم أو تعريض حياتهم وأمنهم للخطر، ويشمل الافعال التي تلحق الضرر بالبيئة أو المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو الدولية أو البعثات الدبلوماسية أو باحتلال أي منها أو الاستيلاء عليها أو تعريض الموارد الوطنية للخطر أو تعطيل تطبيق أحكام الدستور والقوانين( ).

هذا القانون جاء تقريباً مماثلاً للتعريف العربي للارهاب الذي ورد في الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب ( ). ومنظمة العفو الدولية شعرت بقلق من استخدام كلمة " التهديد" لأنها تفتح الباب لاتهام الأشخاص بممارسة الارهاب مثلاً بسبب انتمائهم التنظيمي المزعوم إلى الجماعات المعارضة التي تستخدم العنف. إن عبارة الأفعال التي تلحق الضرر بالبيئة " عبارة غامضة يمكن أن تشمل الأضرار الطفيفة التي يتسبب بها المتظاهرون المسالمون.

كما أن عبارة " الاستيلاء على البعثات الدبلوماسية أو احتلالها" في غياب أي تعريف واضح للدرجة التي يعتبر فيها العمل عندها إرهاباً يمكن توجيه التهمة به ضد الذين يتظاهرون أمام احدى السفارات. إن ذلك يشكل خطراً على حرية التعبير وحرية الاشتراك في الجمعيات الأمران اللذان كفلهما الدستور الأردني.

هذا بالاضافة إلى أن المادة 147-2 تعتبر فعلاً من أفعال الارهاب أي فعل يتعلق بأي عملية مصرفية وبصورة خاصة إيداع أموال لدى أي بنك في المملكة أو أية مؤسسة مالية أو تحويل هذه الأموال من قبلها إذ تبين أنها أموال مشبوهة ولها علاقات بنشاط إرهابي.

وبموجب المادة 147-2-ج، ، فإن الإداري المسؤول في البنك أو المؤسسة المالية الذي أجرى العملية وهو عالم بذلك يعاقب بالحبس وتتم مصادرة الأموال التي تم التحفظ عليها.

كما ساور القلق منظمة العفو الدولية من إمكانية إدراج دعم الأنشطة السلمية تحت تعريف الارهاب وبالتالي تجريمه. كما أن القانون يوسع الجرائم الارهابية التي يُعاقب عليها القانون بالموت أو السجن المؤبد. في حين أن المادة 148-4(جـ) تقضي بعقوبة الاعدام إذا تم ارتكاب الفعل باستخدام المواد المتفجرة أو الملتهبة أو المنتجات السامة أو المحرقة أو الوبائية أو الجرثومية أو الكيميائية أو الاشعاعية أو ما شابهها سواءً أدى ذلك إلى الوفاة أم لا . ومن بين الأفعال التي يعاقب عليها القانون بالسجن المؤبد تعطيل سبل الاتصالات أو أنظمة الحاسوب أو اختراق شبكاتها أو التشويش عليها كما جاء في المادة 148-3(هـ) ( ).
  • ملف العضو
  • معلومات
khalid
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 03-01-2007
  • المشاركات : 145
  • معدل تقييم المستوى :

    12

  • khalid is on a distinguished road
khalid
عضو فعال
رد: أمــــراء الظــلام
13-02-2008, 05:44 PM
الدكتور خالد عبيدات



جولة واسعة لتعريف الإرهاب

نظرة عامة :

مادة الكلمة " الإرهاب" في اللغة العربية هي " رهب" ثلاثية الوزن ومعناها الفزع والخوف والرعب والذعر، أما حين التوجه إلى الله فيشمل معناها إزدواجاً من " الخوف والتعظيم. وحين يُقال: أصابته الرهبة من الله يكون القصد الخوف وبنفس الوقت التعظيم والإجلال. ورهب الشيء رَهْباً و رَهَبَاً ورَهْبَةً أي خافه. وأرهبه ورهبه وأسترهبه تعني : أخافه وأفزعه، وترهَّب الانسان تعني يخشى الله وأصبح " راهباً" ( ).

وتُشْتَقُّ كلمة " إرهاب" من الفعل المزيد " أرهب" ، وحين يُقال أرهب فلان فلاناً تعني فزَّعَهُ وخوَّفَهُ . و " رَهَّبَ- أي الفعل المضعف- تحمل نفس المعنى. ويأتي في نفس المعنى، الفعل المجرد " رَهِبَ، يَرْهَبُ، رُهْبَةً، رَهْباَ.

أما حين يُزاد على الفعل " رهب" حرف "ت" ليصبح " ترَهَّبَ" يكون معنـاه إنقطع لعبادة الله في الصومعة. والراهب، والرهبانية مشتقة منه، أما حين تعَدّي الفعل: أي ترهَّبَ فلان فلاناً يكون المعنى تَوَعَّدَهُ. وحين استعمال صيغة " استفعل " أي " إسترهبه" أي " رهَّبَهُ" ( ).

ووردت لفظة " إرهاب " عند الزمخشري إذ قال " يقشعِرُّ الأَهاب إذا وقع منه الإرهاب". وأورد الزمخشري ( في القرن الثاني عشر الميلادي) مثلاً عن فعل " رهب والاسم الرهبة" يقول فيه " وهو رجل مرهوب عدوه منه مرعوب" ( ).

أتت الكلمة " الرهبةُ" من الفعل رَهِبَهُ رهباً ورهبةً بمعنى خافه، وأرهبَ فلاناً أي فزَّعَهُ وخوفه( ).

وَرَهِبَ تعني خاف، ورهب الشيء رهْباً ورَهَباً ورهبةً، خافه.وأرهبه أخافه وأفزَعه( ).

وشرحاً لمعنى الكلمة " إرهاب" كما جاء في " مختار الصحاح " أنها مشتقة من الفعل رَهِبَ أي خاف، ورَهْبَةً، ورُهْباً. وحين يُقال رجل رَهَبوت تعني أنه مرهوب. ويُقال: رَهَبَوتُ خيرْ من رَحَموت أي لأن تُرهَبَ خيرٌ من أن تُرحم. والتَّرَهُّبْ والرهبانية معناها " التعبد ". والقول ترهَّبَ فلان أي أصبح راهباً يخشى الله، ومعنى " التَرَهُّبُ" هو التعبد، ويقول إبن الأثير أن الترهيب معناه التخويف ( ).

أما " المجمع اللغوي" للغة العربية فقد أقر كلمة " إرهاب " ككلمة حديثة في اللغة العربية وأصلها " رهب" بمعنى خاف وأرهب بمعنى خوف، وكلمة إرهاب هي مصدر الفعل أرهب، وتستعمل الرهبة في اللغة العربية للتعبير عن الخوف المشوب بالاحترام وهي بذلك تختلف عن الإرهاب الذي يعني الخوف والفزع الذي يتأتى من قوة سواءً قوة حيوانية أو طبيعية أو ماليَّة. والإرهابي هو وصف يُطلق على الذي يسلك سبيل العنف لتحقيق هدف سياسي كما جاء في المعجم الوسيط الصادر عن مجمع اللغة العربية ( ).

بدأ تعبير " الترويع" يأخذ طريقه إلى بعض كتابات الرواد بدلاً من تعبير الإرهاب " ذي المفهوم المشبوه". والبعض يستعمل اليوم تعبير " العمليات الترويعية ويكتفي آخرون باستعمال تعبير " الارهاب الإجرامي" ( ). وبعد 11/9/2001 صارت كلمة إرهاب في القاموس جزءاً من تبسيط المفردات والتحريض العاطفي بحيث أصبح الارهابيون هم الأناس السيئون في حين أن الباقين الذين يصفون كل شيء آخر بالإرهاب هم الناس الطيبون ( ).

وقد وردت مشتقات كلمة رهب في القرآن الكريم إثنتي عشرة مرة بمعاني متعددة لكن المعنى بمجمله ينحصر في الخوف والتحرز وهي كما يلي : يرهبون ، فأرهبونِ في النحل "51"، وفي البقرة "40" تكررت مرتين، ترهبون، إسترهبوهم، الرهب، رهبه، رهباً، رهباناً، رهبانهم، رهبانية، وجاءت في السور والآيات التالية: سورة البقرة آية 40، المائدة آية 82، الاعراف آية 116، 154، الأنفال آية 60، التوبة، آية 31، 34 ، النحل ، آية 51، الأنبياء، آية 90 ، القصص آية 32 ، الحديد آية 27 ، الحشر ، آية 13.

أحد هذه المعاني إخافة عدو الله وعدو المؤمنين حين الجهاد ((وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)).الأنفال 61 ، ووردت خمس مرات في معنى " مخافة الله وإجلاله"، ومرة حين وصفت حا ل الناس عندما شاهدوا ما عمله السحرة، وأربع مرات جاءت تسمية للرهبان.

وقد شرح الراغب الأصفهاني معنى رهب ومشتقاتها كما يلي:رهب: الرهبة والرهب بمعنى الخوف مع التحرز والاضطراب. قال تعالى:(( لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً)) و((جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ))،و((رَغَباً وَرَهَباً))،و((تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ))،و((إ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ)).والترهب يعني التعبد واستعمال الرهبة. والرهبانية غلو في تحمل التعبد من فرط الرهبة ، قال تعالى ((وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا )) ، وتأتي (( الرهبان)) بمعنى المفرد أو الجمع، وحين تكون مفرداً يكون جمعها رهابين ورهابنة. ( )

والارهاب فزع الأبل ومنه الرَّهْبُ من الأبل، وقالت العرب رَهبوت خير من رحموت، وقال مقاتل " خرجت التمسُ تفسير الرَّهب فلقيتُ أعرابية وأنا آكل، قالت يا عبد الله : تصدَّق عليَّ. فملأتُ كفي لأدفع إليها ؛ فقالت ههنا في رَهَبي أي كُمَّي(( ).

إن كلمة " إرهاب" تم إستعمالها بقوة وكمصطلح في الثورة الفرنسية وفي عهد الحكومة التي سُميت بحكومة الإرهاب حيث " روبسبير" ورفاقه كانوا يَرَوْنَ الإرهاب عنواناً للفضيلة إذ قال " روبسبير" أمام لجنة الصحة العامة التابعة لمحكمة الرهبة " يجب أن يكون الهدف الأول لسياساتنا هو إرشاد الشعب بالمنطق واعداء الشعب بالأرهاب؛ والارهاب ليس أكثر من العدالة الفورية والشديدة وغير المرنة ؛ لذلك فإن عنوان الفضيلة هو تحطيم أعداء الحرية بالأرهاب وسوف يقدركم الناس المؤسسون للجمهورية" ( ).

إن كلمة terreur الفرنسية أصلها لاتيني ومشتقة من الفعلين اللاتينيين : tersere و terrere ويعنيان جعله يرتعب ويرتجف، والاسم لهما terror و terroris ومنهما جاء الاسم الفرنسي terreur ومعناه اللغوي : رعب وخوف شديد؛ إضطراب تحدثه في النفس صورة شر حاضر أو خطر قريب( ). وقد وضحها قاموس الأكاديمية الفرنسية بتقديم المثال : يقال ألقى الرهبة بين الأعداء، ونشر الرهبة في جميع الأمكنة التي يمر فيها، زرع الرهبة في كل مكان. كما يقال عند الكلام عن زعيم كبير أو فاتح عظيم: إن اسمه يملأ الجو رهبة للإشارة إلى الرعب الذي ينشره حينما يذكر إسمه. إن هذا اللفظ في مراحله الأولى احتوى على عنصرين نفسي وجسدي ولم يكتسب بعداً إجتماعياً إلا في مطلع القرن الثامن عشر كما جاء في قاموس " فورتيير" ، وقاموس " ريشيليه" وقاموس الأكاديمية الفرنسية المنشور سنة 1740 ( )، ولم ترد التسمية الفرنسية terrorisme إلا مع بداية الثورة الفرنسية إذ تحول مفهومها تحولاً عميقاً فولَّدت مفهوماً جديداً ينتمي إليها بحكم الاشتقاق ولكنه مستقل عنها تماماً بالمفهوم الذي أصبح يدلُّ عليه.

هذه الكلمة " الارهاب" والتي جاءت من اللاتينية ثم انتشرت في لغات المجموعة اللاتينية وبعدها انتقلت إلى لغات أوروبية أُخرى إلى أن أصبحت الآن مستعملة ككلمة عالمية وفي جميع اللغات تقريباً. إن كلمة Terreur يقابلها باللغة العربية " رعب " أو " ذعر " أو " رهبة". كما أن كلمة terrorisme يقابلها أيضاً نفس الكلمات العربية، وبذا يتضح أن terreur، و terrorisme يقابلهما نفس المعنى باللغة العربية دون تمايز بين خصوصيات كل من الكلمتين. إن كلمة terreur الفرنسية، وكلمة terror الانجليزية تعني ذلك الترعيب المستخدم من قبل أصحاب السلطة كأداة للسيطرة . بينما ذلك الرعب المستخدم من قِبَل الذين ليسوا في السلطة - أي الضعفاء- فسمى بالفرنسية terrorisme، وبالانجليزية terrorism. وعلى كل حال فليس هناك من كلمة أكثر جدلاً واستخداماً في وسائل الأعلام العالمية منذ أحداث نيويورك وواشنطن في 11/9/2001 من كلمة terrorisme أي الارهاب( ).

حددت الأكاديمية الفرنسية في قاموسها الصادر في العام السادس من الجمهورية الفرنسية الأولى معنى " الرهبة " terreur بـ " الانفعال السيكولوجي" . ولم تورد الأكاديمية الأرهاب terrorisme إلا في الملحق لسنة 1829 وذكرت أن معناه هو : نظام نسق الأرهاب الذي ساد فرنسا خلال الثورة الفرنسية ( ).

ولتوضيح الفرق بين هاتين الكلمتين terreur، terrorisme وضعت الأكاديمية الفرنسية الفعلين( ):

الأول terrorifier ويعني " جَعَلَهُ يضطرب من الرهبةَ؛ ومن هذا الفعل يشتق الاسم terreur ويقابلها بالعربية " الارعاب" المجرد من كل معنى سياسي واجتماعي .

الثاني: terroriser ويعني يفرض نسق الرهبة أو نظامها ؛ ومن هذا الفعل يُشتق الاسم terrorisme، ويقابلها باللغة العربية الارهاب بكل معناه الاجتماعي السياسي.

ولم تستعمل كلمة " الارهاب" ذات المعنى والدلالة السياسية إلا مؤخراً إذ جاء في " المنجد" أن " الأرهابي هو مَنْ يستخدم الأرهاب لإقامة سلطة، كما أن الحكم الأرهابي هو ذاك النوع من الحكم الذي يقوم على العنف وتستخدمه حكومات أو جماعات ثورية ( ).

والأرهاب هو مصدر الفعل أرهب: أي أخاف ، خوَّف، راع، روّع، فهو الإخافة والترويع. يستعمله البعض بمعنى التخويف والتفزيع، ويستعمله آخرون بمعنى التهديد من أجل الابتزاز والأخذ. وكلمة " تهويل" أولى بهذا المعنى . كما ويستعمل بمعنى نشر الخوف الجماعي ونشر الذعر terreur، terrorisme وكلمة " رعب" أولى بهذا المعنى( ).

وفي قاموس

William Little et al. The Shorter Oxford English Dictionary (London: Oxford University Press, 1967. p. 2155-2156.

جاء معنى كلمة terrorism بأنها : سياسة أو أسلوب لإفزاع المعارضين للحكومة، بينما تعني كلمة terrorist الأسلوب الذين إستخدمه اليعاقبة وأعوانهم أثناء حكم الارهاب في الثورة الفرنسية ، كما أن كلمة إرهابي تعني الشخص الذي يسعى إلى استخدام الترويع أو الاكراه أو التهديد من أجل دعم رأيه.

- وطبقاً للمعجم القانوني الذي ألّفه " بلاك" فإن تعريف الرهبة (terror) هي الذعر أو الرعب أو الفزع، أو حالة ذهنية سببها الخوف من الأضرار التي يسببها حادث أو عمل معاد أو التهديد به، والأرهاب حسب المعجم نفسه هو : جريمة من جرائم العنف بهدف ترويع شخص أو التسبب بإرغامه على إخلاء بناء أو مكان إجتماع أو واسطة مواصلات أو غيرها لأحداث هلع عام، أو الأهمال الطائش بهدف نشر مثل هذا الهلع أو الضيق.

- وأول معنى جاء للإرهاب في قاموس اكسفورد : الحكم بطريق التهديد حسب إرادة الحزب المتولي للسلطة في فرنسا أي خلال حكم روبسبير.

هذا وحسب معتقد البعض فإن أعمالاً معينة قامت بها أنظمة دكتاتورية وخصوصاً التي اتبعت الخط الماركسي اللينيني - كالاتحاد السوفيتي سابقاً، تعد إرهابية " ولكن طبعاً الارهاب ليس هو تلك الأعمال الصادرة عن أنظمة حكم حليفة أو صديقة ..." ( ).

والارهابيون أربعة أنواع :

1- مجرم عادي يسعى لمكاسب شخصية كطلب فدية مثلاً: حين تم خطف وزراء نفط الأوبك.

2- شخص يقوم بعملية إرهابية لأنه مريض نفسياً كذلك الذي قام بقتل البنات الصغار في كليفورنيا سنة 1989 قبل أن ينتحر ، أو ذلك الذي قتل الأطفال في مدرسة إيرلندية سنة 1996.

3- شخص يعمل دعاية لمطلب ما أو يطلب إزالة ظلم ما .

4- شخص أو مجموعة ينطلق من عقيدة يُقْدِمْ على الإرهاب لأسباب سياسية واقعية أو هكذا يتصورها، وهذا هو النوع الملفت للإنتباه العالمي .

ويمكن أن يقوم بالارهاب شخص أو مجموعة أو دولة أو تحالف دول.

وفي قاموس

David Roberston , A Dictionary of Modern Politics (London, Europa Publication Limited, 1985. P314.

جاءت كلمة إرهابي وصفاً للجماعات السياسية التي تستعمل العنف لتضغط على السلطات الحكومية من أجل تأييد المطالبين بإحداث تغييرات إجتماعية عميقة( ).

وفي المنظومة :

Encyclopedia Universal (France: Soutine Tirso 1985 p.956.

نلاحظ أن الارهابي هو الذي يمارس العنف من خلال جماعة أو نظام وفقاً لاستراتيجية مرسومة .

أما في قاموس

Florence Elliot and Michael Summerskil, A Dictionary of Politics (U.S.A.: Penguin Books, 1961, p. 329.

فالإرهابي هو الذي يستعمل العنف من أجل الإطاحة بالنظام القائم ولتحقيق هدفه السياسي.

وفي قاموس( ):

Grand Larousse Encyclopedique, ( Paris, Librarie Larousse, 1964) TOME 10 " P. 261.

فالإرهابي هو الذي يستخدم العنف، والإرهاب هو أعمال عنيفة تمارسها جماعات ثورية، والإرهاب وأوصافه نشأت في حكم إرهاب اليعاقبة سنة 1793 في الثورة الفرنسية .

- والارهابي في معجم الوسيط " وصف يطلق على من يسلك سلوك العنف لتحقيق الهدف السياسي ".

- والارهابي في قاموس المنجد هو الذي يقيم سلطته بالعنف.

- وفي قاموس الرائد : الارهابي هو الذي يلجأ إلى القتل وإلقاء المتفجرات والتخريب لإقامة سلطة أو تقويضها. والحكم الإرهابي هو ذلك النوع من الحكم الاستبدادي الذي يحكم الشعب بالشدة والعنف حتى يقضي على النزاعات والحركات التحررية والاستقلالية. والارهاب رعب تحدثه أعمال عنف كالقتل أو إلقاء المتفجرات والتخريب.

- ويعرفه قاموس وبستر أنه أسلوب للحكم أو لمعارضة الحكم عن طريق التهديد ( ).





وفي القرآن الكريم جاءت لفظة " الرهبة " بمعاني متعددة ( ):

الخشية من الله : قال تعالى :

- " يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ". سورة البقرة آية 40.

- وقوله تعالى : " وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ " . الأعراف 154.

- وقال تعالى " لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ " النحل 51.

- " إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً " الأنبياء 90.

- " لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ " الحشر 130.

الرعب والخوف : قال تعالى :

- " وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ " القصص 32.

- " قَالَ أَلْقَوْاْ فَلَمَّا أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ". الأعراف، 116.

الرعب في المعارك العسكرية : قال تعالى :

- " وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ". الأنفال 60.

من الواضح أن " مهمة " اللغة، أي لغة في العالم الحضارية منها أو الأقل حضارة - مع الأخذ بعين الاعتبار قدرة وَسِعَةْ اللغة - هي إبلاغ الفكر والوجدان والأفصاح عنه، أي النقل الكامل والأمين لما يدور في خلد الانسان للبشر الآخرين. وهناك إجماع على أن اللغة هي الوعاء الحاضن ثم الناقل لإنسانية الانسان ، وكلما انتشرت اللغة وتوسعت وحضنت ونقلت كلما أصبحت أكثر إنسانية وبالتالي أكثر قبولاً في العالم. والصلة وثيقة جداً بين " المعنى" و " اللغة " وتظهر دقة ذلك عند الشخص نفسه الذي يتحدث عدة لغات بجودة وطلاقة. وحتماً سيكون العالم أفضل بكثير كلما إقترب من إستخدام لغة مشتركة أو شبه مشتركة.

ومفتاح السر يكمن دائماً في الكلمة - وهي الخلية التي تكون الجسم اللغوي- وجدليتها وحركة المعنى في داخليتها. والكلمة بحد ذاتها - إلى حد كبير ولكن ليس دائماً - بريئة فهي في الأصل لفظ وصوت يحمُّلها الانسان المعني الذي يريد فهي لا تُشع المعنى بل هي عاكس آلي وبالتالي أمين". إذن المعنى شمس يتألق في ملكوت الفكر واللفظة أو الكلمة قمر يستقبل المعنى" ، إن الإنسان نفسه هو الذي يشحن اللفظ بالمعنى ( ). فالإنسان المتحضر يُنتج " المعنى " ثم يتبعه باللفظ أي بعد أن تتولد الفكرة في ملكوت الذهن تعمد آلة التصويت والقلم في تشكيلها اللفظي والكتابي. " إن مَنْ يريد توليد المعنى من اللفظ قد ضاع وهلك" حسب رأي الفيلسوف العربي الكبير أبو حامد الغزالي. لقد وعى الامر كذلك الكاتب الاجتماعي العربي العالمي " ابن خلدون" حينما أكد ضرورة الاحتماء بفضاء الفكر حين الأشراف علىالسقوط في ضبابية الألفاظ وحمى المناقشات الصوتية المتوترة أي حين يتوقف العقل عن العمل.

والمعنى هو نفسه (وليس العكس) الذي يسعى لارتداء اللفظ والكتابة فهو الروح الداخلية للكلمة( ).

وتبقى اللغة دائماً طيعةً للإنسان تتطور تبعاً لمبتغاه، فهي ليست كائناً جامداً صلباً بل هي كائن حين ينمو ويزدهر ويتفتح ، وبنفس الوقت هي معرضة للمرض والتقهقر والجمود وحتى للموت طالماً نعرف أن هناك أجناساً قد إندثرت ولغات طمست وانتهت، ولغات حية ولغات ميتة.

وهناك من الأوصاف الكثيرة التي تسبغ على لغة دون غيرها كالفصاحة لأنها تُفصح، وبالبلاغة لأنها تُبلغ. ولكن للسياسة قدرتها الهائلة، وكلما كان السياسي أكثر قدرة وأوسع علماً ودراية وثقافة ، وذكاءاً والتزاماً وطنياً كلما كانت اللغة أكثر طوعاً لمكنوناته، وكثيراً ما ينأي عن الافصاح والأبلاغ حتى لا يفضح الطوايا والطويَّةَ، إذ ليس الفضح من حسن السياسة

وللسياسي حيله الكثيرة والمتكاثرة فلديه من طلاوة اللسان وبديع الكلام وحلاوة اللسان القدرة على إخفاء مرارة المعنى، كما أن كفاءته في براءة الصياغة تخفي لؤم المقاصد، والتاريخ زاخر بالأمثلة : منذ أن سُمي الاحتلال حمايةً أو وصايةً، أو إنتداباً والنهبُ إستعماراً. كما أن نقل التكنولوجيا لا يعني أكثر من التسويق للمنتوجات، والاعتماد المتبادل لا يعني أكثر من سيطرة القوي على الضعيف. وفي هذا المجال فإن إيراد قرار مجلس الأمن رقم 242 لسنة 1967 أكبر مثل على " ملوسة " الصياغة والألفاظ، إنها " اللوردية الكرادونية " ‍‍ ( )، نسبة إلى اللورد كرادون الذي كان حاكماً لنابلس أيام الانتداب البريطاني.

ومن أخطر الحيل السياسية والأعلامية اللغوية: التكرار من أجل التعويد، إذ يتم اللجوء إلى تكرار الكلمة بهدف تعويد المُتَلَقِّي عليها تلقائياً فلا يعود يفكر في تشريحها ولا مناقشتها فيتقبلها كوجبةٍ مطهية طازجةٍ كما شاء لها طاهيها( ). إن وسائل الأعلام تُلح منذ أربعين عاماً على كلمة " الأرهاب" فتقع على الأسماع وبالتالي تنخر في الوجدان فتستقر في باب الاتهام والشتم تشهيراً سياسياً بل وأخلاقياً ووحشياً بمن تتلبسهم أفراداً أو مجموعات أو منظمات أو دول حتى أصبحت من " أفعل" وسائل إغتيال الشخصية لتصبح مجردةً من أية فضيلة.

وفي " الارهاب " مثال رائع على تطويع السياسة للكلمة أو اللفظ. كما وأن الارهاب مثال على امتهان اللغة لأغراض السياسية . فكلمة الارهاب " أصبحت منحطة القوام تحمل طوفاناً من الاحتقار والشتائم والتهم النذلة الخسيسة يستخدمها موجهوها وبما توفر لهم من إستطاعه لنفث موجات إزدراء للخصم ليصبح الذي يدافع عن نفسه باغياً مُفترياً يحل نتف رموشه وتقليع أظافره وإستباحه دمه حتى والتشنيع بجثث الأطفال والنساء الأبرياء الذين في محيطه أو كنفه.

إن " الإرهاب هو الخطر الأعلى صوتاً في الإعلان عن نفسه وفي التخويف من سطوته، والارهاب ظاهرة موجودة في كل عصور التاريخ، ولكنه الآن - في المستقبل أكثر- أخذ وسوف يأخذ طابعاً مختلفاً من حيث مدى توسع خطورته ( ).

ولذلك فإن اللغة المشتركة هي الأساس الذي لا بد منه للأرضيه الحوارية ولا يمكن القفز عنها إذا كان الهدف الحقيقي هو إجراء حوار صحيح وصادق. إن غلبة لغة على لغة أو مفهوم على مفهوم ينسف أي أمل في حوار جاد إيجابي. كما وأن الوهم أو الانخداع أو الادعاء بفهمٍ مشترك " لن ينطلي على أحد ولا يستطيع الغاء " اللا تفاهم" القائم. إن التواطؤ المفهومي رغم إستعانته بجبروت القوة لا يمكن أن يؤدي إلى التفاهم المنشود بين الشعوب وانعدام اللغة المشتركة والمفاهيم المشتركة والإدراك المتجاوز أمور خطيرة على الانسانية ( ).

المحاولات الفقهية لتعريف الارهاب

الأرهاب: مذهب يعتمد على استخدام الذعر للوصول إلى أهدافه، ويرمي إلى القضاء على النظام الطبقي القائم وإلى تغيير الحكم رأساً على عقب ولا يتردد في ضرب ممثلي الدولة بهدف إنهيار الدولة ذاتها ( ).

الأرهاب: هو الاعتداء على الأرواح والممتلكات العامة أو الخاصة مخالفاً القوانين الدولية، وهو جريمة دولية لأنه يخترق القانون الدولي سواء تم إرتكابه من قبل دولة أو جماعة أو فرد . والتمييز العنصري إرهاب كذلك ( ).

الأرهاب: هو استخدام العنف أو التهديد باستخدامه ضد أفراد بما يعرض أرواحاً بشرية للخطر أو ينهيها أو يهدد حرية الفرد الأساسية من أحل تغيير موقفه أو سلوكه - سواء كان فرداً أو جماعةً - بغض النظر عمن هم الضحايا المباشرون( ).

الارهاب هو اللجوء إلى العنف المنظم للوصول إلى هدف سياسي من قبل جماعة أو فرد مثل عمل الانفجارات في تجمعات مدنية أو وسائط النقل العمومية أو تغيير مسار الطائرات أو الاختطاف وحجز الرهائن أو قتلهم ( ).

ومن الملاحظ أن التعريفات السابقة تُعَدُّ أعمالاً إرهابية ولكنها لا تضع تعريفاً للارهاب ( ).

- أما الفقيه Sottile فقد عرف الارهاب سنة 1938 بأنه الفعل الأجرامي المصحوب بالرعب والعنف أو فزع بقصد تحقيق هدف أو غرض معين.

وعرفه David Bikford سنة 1997 في المؤتمر الدولي لجمعية وتطوير القانون الجنائي في لندن :" تَسَبُّبْ الأرعاب والأفزاع بهدف الوصول إلى نتيجة مقصودة، وبقدر جسامة الرعب يكون مدى النجاح في تحقيق النتيجة ، ويضيف بأن الدول الإرهابية تتطلع إلى نشر الرعب في الجماهير المقصودة حتى ولو تم استخدام أسلحة الدمار الشامل. وتستخدم الجماعات الارهابية الارهاب أيضاً للوصول لأغراض سياسية أو كهجوم على السلطة أو بهدف الاجرام ( ويتحدث عن ارهاب الشركات والمشاريع التي تمارسها المنظمات الاجرامية للهيمنة على السوق المشروعة لترويج تجارتها غير المشروعة في السلع والخدمات أو للتمويه عليها( ).

- ويعرفه الفقيه Niko Gunzburg بأنه الاستخدام العمدي المنظم لأدوات ووسائل تستطيع صنع الخطر الذي يهدد الأرواح والأجساد أو الصحة أو الأموال العامة.

- أما الفقيه Lemkin فيعرف الارهاب بأنه مرتكز على إفزاع الناس باستخدام العنف.

- ويعرفه الأسباني Saldana بأنه كل جناية و جنحه إجتماعية أو سياسية تسبب نشر الخوف لما تحدثه من خطر عام.

- والفقيه Givanovitch يعرف الارهاب بأنه الأعمال التي تروع الآخرين.

- و يعرفه آخرون بأنه الرعب الذي يسببه فرد أو جماعة سواء كان ذلك لأغراض سياسية أو شخصية كما أنه يشمل إرهاب الدولة أيضاً.



- وفي نظر آخرين يشمل الارهاب:

أ- أعمال الحكومة التي تستهدف ترويع المواطنين لتخضعهم وتهيمن عليهم.

ب- الأعمال التي يقوم بها أفراد أو جماعات لأسباب متعددة، وهو أيضاً إستخدام العنف المنظم للوصول إلى هدف سياسي.

- الفقيه الفرنسي Levasseur يعرف الارهاب بأنه اللجوء المتعمد لأستخدام وسائل من شأنها نشر الأرعاب لتحقيق أهداف مقصودة، ولم يحصر الارهاب بوسائل العنف إذ هناك وسائل أخرى تسببه كالوسائل المعنوية التي من طبيعتها أيضاً إثارة الرعب والفزع.

- والأرهاب عند Thoronton هو استخدام الرعب كعمل رمزي بهدف التأثير على السلوك السياسي بوساطة وسائل استثنائية ينتج عنها استخدام التهديد أو العنف، إنه يركز على الوسائل الاستثنائية التي ينجم عنها الرعب.

- أما Walter فيعتقد أن عناصر الارهاب هي : فعل العنف أو التهديد به، وردَّة الفعل التي أثارها العنف، وإنعكاسات العنف على المجتمع.

- ولا يرى فقهاء آخرون لزومية استعمال العنف في الأرهاب، إنما لزومية توفر المضمون الأجرامي الذي يسبب رعباً وفزعاً في المجتع مثل دفن نفايات نووية تقتل الآخرين بإشعاعاتها، أو تسميم مياه الشرب أو استعمال الغازات السامة أو تلويث الأغذية بكيماويات مبيدة أو جرثومية قاتلة.

- " للأرهاب إيدولوجية استراتيجية تبرر استخدامه العنف أو غير العنف لتخويف المعارضة السياسية وردعها عن ذلك بضرب أهداف عشوائية ". ذلك ما يقوله الفقيه Turk.

- - Wardlaw يرى أن الارهاب هو استخدام العنف أو التهديد باستخدامه سواء من قبل فرد أو جماعة تعمل لصالح سلطة ما أو ضدها عندما يكون الهدف خلق حالة من القلق لدى مجموعة أكبر من الضحايا المباشرين للارهاب لأرغام الجهة المعينة على الموافقة على المطلب السياسي لمرتكبي الارهاب.

- Friedland يرى الارهاب بأنه الاستخدام التكتيكي للعنف لخلق جو من الذعر لدى غالبية الشعب.

- Mickolus يعرف الارهاب بأنه استثمار الرعب الناتج عن العنف أو التهديد باستخدامه لتحقيق مأرب سياسي بالتأثير على سلوك مجموعة استهدفها الارهاب أكثر من استهدافه للضحايا المباشرين( ).

- وعرف د. شريف بسيوني الارهاب بأنه " استراتيجية عنف محرم دولياً تحفزها بواعث عقائدية تتوخى إحداث رعب لدى شريحة محددة في مجتمع معين بهدف الوصول إلى السلطة ، أو الدعاية لمطلب أو مظلمة بغض النظر عما إذا كان مقترفو العنف يعملون من أجل أنفسهم أم نيابةً عن دولة ما( ).

- د. أحمد جلال عز الدين يقول بأن الارهاب عنف منظم ومتصل يقصد خلق حالة من التهديد الموجه إلى دولة أو جماعة سياسية ترتكبه جماعة سياسية منظمة بقصد تحقيق أهداف سياسية .

- د. محمد عبد العزيز شكري يقول بأن الارهاب الدولي عمل عنف وراءه دوافع سياسية أياً كانت وسيلته وهو مخطط بحيث يخلق حالة من الرعب والهلع في قطاع معين من الناس لتحقيق هدف بالقوة أو لنشر دعاية لمطلب أو خلافه سواء كان الفاعل يعمل لنفسه أم بالنيابة عن مجموعة تمثل منظمات كجماعات التحرر الوطني، أم نيابة عن دولة متورطة مباشرة أو غير مباشرة بالعمل المرتكب شريطة أن يتعدى العمل حدود الدولة إلى دولة أو مجموعة دول سواء ارتكب العمل في زمن السلم أو زمن الحرب ( ).

- سليم قوريشي يقول إن الأرهاب هو استخدام العنف لأحداث حالة من الخوف والاذعان لدى الضحية ، وهدف الارهاب ضمان تغيير في سلوك الضحية أو استخدامها كعبرةٍ للغير.

- Eric Moris يعرف الارهاب بأنه استخدام أو التهديد باستخدام عنف غير عادي وغير مألوف لتحقيق غايات سياسية وأفعال الارهاب عادة ما تكون رمزية لتحقيق أثر نفسي أكثر من مادي.

- وريمون آرون يقول إنه عمل من أعمال العنف ترجح فيه كفة التأثير النفسي على كفة النتائج المادية.

- ليونارد وينبرج : الارهاب هو كل جريمة ذات دافع سياسي وتهدف إلى التأثير والتعديل في سلوك المستهدفين بالعملية الارهابية.

- ليزلي جرين .. الارهاب هو كل نشاط يتضمن تهديداً لأولئك المُستهدفين بالفعل العنيف، فهو يشمل الابتزاز السياسي إذ يسعى الفاعل لتحقيق أهداف ليست مرتبطة مباشرة بالضحية ( ).

هناك تعريفات تُبَسِّط الأمر وتكشف ضحالة مطلقيها - هذا إذا لم يوصفو بسوء النية - مثل :

- الارهاب جريمة ، وهو تعريف يساوي بين الارهاب السياسي والجريمة العادية الأمر الذي ينتج عنه الضياع في تقرير أدوات مواجهته بل يحصرها في أداة واحدة وهي الأداة الأمنية. إن مواجهة الارهاب من قبل الأجهزة الامنية فقط لن يؤدي إلا إلى المزيد من الارهاب.

- الارهاب هو اليسار، الارهاب هو اليمين، الأرهاب هو العنصرية .

- الأرهاب هو قتل الأبرياء.

- الارهاب هو الأغتيال السياسي.

- الارهاب هو العنف لأغراض سياسية.

من الملاحظ أن التعريفات السابقة تعريفات قاصرة لأنها لا تحمل إلا عنصراً واحداً أو عنصرين من عناصر الارهاب.

- الارهاب عمل يستند إلى مذهب يتضمن سلوكاً غير قانوني.

- الارهاب هو الحرب. إنه تعريف قد يعني الحرب الأهلية، فيجر القوات المسلحة إلى المعمعة.

- الارهاب هو الأعمال الخفية للدولة، وهذا يناقض الرأي الذي يخـرج أي عمل للدولة من دائرة الأرهاب.

- الارهاب هو العنف السياسي المنظم وهذا التعريف يستثنى ( خطأً) الجرائم العادية من الارهاب.

- الأرهاب هو الأسلام. لقد سادت هذه النغمة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي في الدول الغربية وأمريكا حين بدأ الغرب يبحث عن عدو ليعلق عليه أسباب الفشل وليجد مبرراً لرفع الموازنات العسكرية والمخابراتية، كما أن العدائية والكره الصهيوني والغربي للعرب والاسلام والمسلمين وراء هذه النغمة أيضاً. وقد زادت الهجمة بشكل مروع بعد أحداث 11/9/2001 في أمريكا ( ).

أحد التعريفات المطولة للإرهاب بعد تجزأته وكل جزءٍ يشكل جانباً من جوانب الارهاب :

أ- هو أسلوب قتال الأمر الذي يعني أن الارهاب ليس أسلوب حوار أو اتفاق أو تعايش. طبعاً إن هذا ليس كافياً فالجيش له أسلوب قتال ولكنه يتحرك بشرعية، وكذلك الشرطة.

ب- له ضحايا عشوائية، ولكن الجرائم العادية والسياسية لها ضحايا عشوائية أيضاً.

جـ- للضحايا صفات جماعية أو طبَقَيِّة ، هذا الامر ينطبق أيضاً على جرائم متعددة .

د- ومن خلال عمليات العنف أو التهديد باستخدامها تتوسع دائرة الرهبة لأبعد من الضحايا المباشرة . وهذا يعني أن الواقعين في الدائرة الأوسع هم المقصودون أصلاً بالارهاب، إن هذه الجزئية تبرهن على أن الضحايا المباشرة مجرد ممر للوصول إلى الهدف الأوسع.

و- ويزداد تضخم أثر العملية الارهابية لدى المشاهدين بسبب بشاعة الفعل المباغت وفي مكان غير قتالي وبأسلوب يخترق قواعد القتال الدولية، ويزداد تعاظم الأثر بسبب وسائل الاعلام المرئية والمقروءة والرواة، وهدف هذا الاسلوب القتالي من توسيع دائرة الحرب هو تشتيت الانتباه أو جذب الانتباه أو التحضير لهدف ثانوي أو لتحقيق مصالح ومطالب للإرهابيين. وهذه النقطة تشرح الهدف النهائي للإرهابيين ( ).

علماء مسلمون يدعون إلى وضع تعريف للإرهاب:

انعقد مؤتمر يتمحور حول الارهاب في الرياض / المملكة العربية السعودية في 5/1/2002 بمشاركة علماء مسلمين من أجل وضع تعريف للأرهاب لمواجهة الحملة التي تستهدف إلصاق تهمة الأرهاب بالأسلام. وقال عبد الله تركي / أمين عام رابطة العالم الإسلامي في كلمة الافتتاح أن من واجب العلماء المسلمين التداعي إلى وضع تعريف جامع قاطع مانع واضح وموضوعي يتم تعميمه على الحكومات والمؤسسات الإٍسلامية التي تعمل من أجل ارساء السلام والامن في العالم حتى يكون المسلمون على بينةٍ من أمرهم لأن أعداء الأسلام في العالم سارعوا إلى الانقضاض على أسس الإسلام مُتَذَرعين بالأرهاب. وهناك دعوة لوقفة إسلامية للدفاع عن الاسلام لإزالة كل لبس من تهم وأباطيل تُلصق زوراً بالإسلام من قبل إعلام جائر وظلم يقلب الحقائق ويشنُّ حملات شرسة إجرامية ( ).

أما د. عبد الناصر حريز الذي قام من جانبه بإستعراض آراء الكثيرين من الباحثين القانونيين والمختصين، فقد قام بدوره بالأدلاء يدلوه واضعاً التعريف التالي:

الارهاب هو كل استخدام أو تهديد باستخدام عنف غير مشروع لخلق حالة من الخوف والرعب بقصد التأثير أو السيطرة على فرد أو مجموعة أو حتى المجتمع وصولاً إلى هدف معين، وعناصر الارهاب التي لا بد من توافرها هي :

- إستخدام أو تهديد باستخدام عنف على وجه غير مشروع وغير مألوف، يقوم به فرد أو مجموعة أو دولة، يوجه ضد فرد أو مجموعة أو دولة، يهدف إلى خلق حالة من الرعب، يبث رسالة ما ويخلق تأثيراً نفسياً يسمح بالتأثير على المستهدفين بالارهاب، عادة ما يتجاوز العمل الارهابي الضحية التي قد لا يكون لها علاقة بالأمر( ).

ويقول " أوري أفنيري" أنه منذ سنوات عديدة أطلق تعريفاً للإرهاب مازال يفتخر به حتى الآن وهو " الفرق بين المقاتلين من أجل الحرية والأرهابيين أن مقاتلي الحرية يقفون بجانبه أما الارهابيون فيقفون في الجانب الآخر".

وأصبحت " الموضة" بعد احداث نيويورك في 11/9/2001 الحديث عن الارهاب ففقد بذلك الارهاب كل معانيه الدقيقة ( ).

- هناك حاجة إلى " عدو من أجل إبقاء همة الشعب متوقدة ومتحفزة، وعدم وجود " العدو " يؤدي إلى الاسترخاء ثم إلى الضعف مما يجعل البلد أي بلد عرضةً لأطماع الآخرين فتفقد هيبتها ونفوذها. وحال العالم من هذه الناحية كان متوازناً ومريحاً في عهد القطبين : الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي، ولكن إنهيار الاتحاد السوفييتي أفقد العالم نعمة التوازن المريحة، وأفقد أمريكا " نعمة" وجود العدو الأمر الذي دفعها للبحث عن عدو فوجدت ضالتها " بالأرهاب" بالمعنى الذي تعرفه هي للأرهاب- والذي ثبت أنه مفيد جداً أيضاً لإسرائيل. من هذا المفهوم يمكن أن يكون " الارهاب" هو القطب الثاني أو الأول في حالة وجود القطب الآخر . طبيعي أن الأرهاب ليس دولة بالمعنى الذي نعرفه ( حتى الآن !) للدولة ولكنه قد يكون أكثر من دولة أو مجموعة عنكبوتية من أشياء أكثر أهمية( ). والارهاب بدوره ليس شخصاً بل هو معنى مجرد لم يتجسد في كائن حتى يمكن القاء القبض عليه ، ولكن الأرهاب هو هكذا الارهاب ( ).

إن التلاعب بالكلمات ومن ثم حشوها بما لا تستوعبه من معاني امر معروف في " بوكر" اللعبة السياسية، وبمقدار ما يكون هناك من توازن مقبول بين " السياسة " و " الاخلاق " بمقدار ما تشقى أو تسعد البشرية. وصحيح أن الارهاب قديم قدم التاريخ - طبعاً ليس بالمعنى الذي نكتوي به اليوم - ، ولكن بين 1970-1990 تم نشر حوالي ( 6000) كتاب ومقال وبحث عن الارهاب والارهاب المضاد كما ظهرت مجلات متخصصة ودور أبحاث ومراكز واتفاقات للموضوع نفسه . إن العدد اللامحصور في محاولات تحديده بنوعيها الهادف والمفخخ لم تحل الأشكالية - إلا إذا آمنا أن كلاً يغني على ليلاه وحلَّها فردياً -( ). وحسب الكاتب " شميد " فقد تم تسجيل 5831 مؤلفاً حتى سنة 1987 ولا شك أن أحداث11/9/2001 قد ضاعفت هذا العدد بشكل دراماتيكي( ).

ورغم كل الجهود لحصر الموضوع وتعريفه باتفاق عالمي. فالفلاح لم يحصل حتى هذه اللحظة، ولهذا الفشل مدلول كبير وتعبير واضح عن تضارب المصالح واختلاف المواقف السياسية . وبالخطوط العريضة إن دول العالم الثالث (التي اتسعت دائرتها مجازاً لتشمل ما لم يصنف يوماً ما ثالثاً) ترى الأمر ليس كما يراه ذوو الشأن في العالم . إن قرار مجلس الأمن رقم 1373 في 28/9/2001 الذي ألزم الدول بمحاربة الارهاب لم يعرف الارهاب وبقى الارهاب " مجهلاً " بدون تعريف وما زال باب الخلاف حوله مفتوحاً على مصراعيه، ولكن يبقى هَمُّ العرب والمسلمين أن ينحسر تعريف الارهاب عن " حركات التحرر الوطني " ( ).

إن الصعوبة في التعريف لها مبرراتها إلى حد كبير لأن الأسباب وراء الارهاب متعددة كما أن له أشكالاً كثيرة لا يسهل جمعها في إطار واحد كما أن موضوع " الضرب الوقائي" ضد هجمات مستقبلية محتملة أصبح أمراً جائزاً إن لم يكن مفهوماً أو مبرراً إن لم يكن مبلوعاً مجروعاً: إضافة إلى الخلاف على أفعال المقاومة ( ).

ويترتب على عدم وجود تعريف متفق عليه للأرهاب:

- إستحالة تسليم المجرمين لأن من شروط التسليم إزدواج التجريم للفعل لدي الدولتين.

- إستحالة تطبيق القاعدةة القانونية " إما التسليم أو المحاكمة .

- عدم توفر معيار دولي لمباشرة ردود الفعل ضد الأعمال الارهابية بشكل متوازن فهناك دول غالباً ما تتجاهل حقوق الانسان حينما يكون الامر إرهاباً.

- عدم تنفيذ القوانين، والامتناع عن المساعدات القضائية المتبادلة والأمر الأخطر اللجوء إلى استخدام القوات المسلحة كرد فعل.

- سيقوم الارهابيون باستغلال هذا الضعف من الروابط القانونية بين الدول( ).

على المستوى الدولي :

لقد استطاع المجتمع الدولي التوصل إلى " تعريف ومن ثم " وضع الحلول " للكثير من الموضوعات التي واجهته حينما كانت حاجته لذلك ماسة فطرح جانباً ما يجب طرحه لأن مصلحته تتطلب ذلك، إذ توفرت لديه القناعة بوجوب وضع الحلول. مثلاً - ولعل المثل الذي سأورده بعيداً عن المبالغة أو الانحياز: اختلف المجتمع الدولي بعد نشوء إسرائيل عن المجتمع الدولي قبل نشوئها بكل ما في الاختلاف من معنى. كما أن مفهوم " المقاومة " عالمياً قبل نشوء القضية الفلسطينية إختلف عنه بعد نشوئها . هناك أمثلة كثيرة أخرى متعددة ، ربما - التأكيد على ربما - معظمها ذات صلة بالقضية الفلسطينية . ويجب أن لا يفهم من ذلك أن " إسرائيل" أو " القضية الفلسطينية " تشكلان " التيار الكهربائي" الذي يُشغِّل " العقل" أو " الضمير " أو " الفاعلية " للمجتمع الدولي، ولكن منطقة الشرق الأوسط بما لها وما عليها هي محور الحدث الدولي على مر التاريخ .

إستطاع العالم التوصل - ومع المعاناة الشديدة - وبعد جهود استمرت خمسة وعشرين عاماً - بسبب ما ذكرت سابقاً - إلى تعريف " العدوان"( ).

وبسبب أن المثل الذي ذكرته أصبح متجذراً أكثر، مضى على العالم وقت أطول وهو يهيم في النفق أو الدهليز للاتفاق على تعريف محدد للإرهاب وما زال حتى الآن يهيم على وجهه كالمضبوع الذي فقد وعيه يسير طواعية وراء " الضبع " الذي خدّره "ليستدرجه إلى الموكرة" التي سيفترسه فيها( ).

إن المحاولات العلمية لتعريف الارهاب تعود إلى سنة 1930 حينما ذكر " هاردمان" أن الارهاب هو الاستخدام المنهجي للعنف لإنجاز المقصد . ثم قامت عصبة الأمم المتحدة سنة 1937 بوضع إتفاقية جنيف التي لم تر حيز النور إذ وقعها (23) دولة ولم يصدق عليها إلا الهند فقط أوردت في المادة الأولي ( ) وصفاً للارهاب - وليس تعريفاً - " إنه عمل إجرامي ضد الدولة يُفزع أفراداً بالذات، أو جماعات محددة أو الجمهور عموماً ". بينما عددت المادة الثانية أعمالاً إرهابية تهدف القضاء على أو تهدد سلامة أو حرية كلٍ من : رئيس الدولة أو عائلته أو ولي عهده أو خليفته ؛ أو الذين يشغلون مناصب قيادية ؛ أو نسف أو إيقاع الضرر بالممتلكات العامة؛ أو تعريض حياة الفرد للخطر ؛ أو محاولة إرتكاب تلك الجرائم، أو إنتاج أو إمتلاك أو توظيف الأسلحة لتنفيذ تلك الجرائم ( ).

كما أوردت الاتفاقية الأوروبية لمنع وقمع الارهاب لسنة 1977 في مادتها الأولى تسمية مجموعة أعمال تعتبرها ارهاباً:

- الجرائم المنصوص عليها في إتفاقية مونتريال سنة 1971 والمتعلقة بسلامة الطيران المدني.

- الجرائم ضد الأشخاص المتمتعين بحماية دولية.

- جرائم استعمال المتفجرات والأسلحة والرسائل الملغومة.

- محاولة ارتكاب أو الاشتراك في أي من الجرائم السابقة.

كما صاغ المجتمع الدولي إتفاقات دولية لأعمال محدودة وليس مطلقة اعتبرها إرهابية فأصبحت إرهاباً متفقاً عليه . ومن هذه الاتفاقات :

أ . إتفاقية طوكيو لسنة 14/9/1964 المتعلقة بالجرائم المرتكبة على متن الطائرة .

ب. إتفاقية لاهاي لمكافحة الاستيلاء غير المشروع على الطائرات في 16/12/1970.

ج، . إتفاقية مونتريال في 23/9/1971 لمكافحة الأعمال غير المشروعة ضد سلامة الطيران المدني .

د. إتفاقية واشنطون في 14/2/1973 ضد الجرائم الموجهة للأشخاص الذين يتمتعون بحماية دولية .

هـ. إتفاقية نيويورك في 17/12/1979 لمناهضة أخذ الرهائن.

و. إتفاقية فينا في 3/3/1980 للحماية المادية للمواد النووية.

تناولت " مجموعة الكبار " G7 سنة 1986 في المؤتمر الذي عقدته في طوكيو موضوع الارهاب وبعد أن أدانته بكافة صوره وأشكاله ونددت بالدول المساندة له أعلنت أن " ليبيا " دولة مساندة للإرهاب ( بعد قضية اسقاط الطاشرة Pan AM فوق لوكيربي ومقتل 270 راكباً عليها ) ( ).

وعلى المستوى الاقليمي تم إبرام عدة اتفاقيات لقمع الارهاب.

- الاتفاقية الأوروبية لقمع الارهاب الصادرة عن المجلس الاوروبي في 10/11/1976 التي بدأ نفاذها بعد استكمال تصديقها في آب /1978.

- إتفاقية الدول الأمريكية لمنع وقمع الارهاب المبرمة في واشنطن في 2/2/1971.

- الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب التي تم إبرامها في القاهرة بتاريخ 22/4/1998( ).

أما " لجنة القانون الدولي " فقد عرفت جريمة الارهاب في مشروع تقنين الجرائم الدولية في المادة 24 لسنة 1991 وفي مشروع إنشاء محكمة جنائية دولية لسنة 1993:-

كل شخص يكون ممثلاً لدولة أو يعمل لحسابها يرتكب أو يأمر بارتكاب أي من الأفعال الآتية : أن يقوم أو ينظم أو يساعد في تمويل أو يسمح بارتكاب أفعال ضد دولة أخرى موجهة إلى أشخاص أو أموال أو تسبب حالة من الفزع أو الرعب لدى الرسميين أو القياديين أو جماعات من الأشخاص أو الجمهور ( ).

ومن نافلة القول أن الارهاب ليس فرداً ولا حتى مجموعة من الأفراد أتفقوا على تصفية شخص مهما كانت أهميته إنتقاماً أو اتقاءاً ، كما أن الارهاب ليس جماعات يسار أو جماعات يمين من العصابات التي أرهقت مجتمعها وأنهكته. الارهاب هذه الأيام اخطبوط يتمدد عبر الحدود بل لا يعرف الحدود ولا تعيقه الثقافة أو اللغةأو الدين أو اللون أو الجنس أو السن له شبكة عنكبوتية معقدة متداخلة منتشرة رائعة الاتصال تفهم كل التكنولوجيا الحديثة وتستوعبها وتجيد تسخيرها . وهذه الشبكة فيها من البشر من شتى المشارب والمواقع من الناقمين والمحبطين والساخطين بل ومِنْ الغارقين في النعم الذين في أرجلهم أحذية من ذهب وليس فقط أفواههم المحشوة بكل ما لذ وطاب بملاعق من ألماس، وفيها " من التائهين ، في الماضي بغير عقل " ( ). شلعوا أنفسهم من الحاضر وعادوا يجذرون أنفسهم في الماضي السحيق ففقدناهم نحن وهم لم يكسبوا شيئاً، وفيها من الشاردين إلى المستقبل بدون روح. وجميع هؤلاء الذين ذكرتهم سابقاً -على اختلاف ما بينهم- كأن بينهم رباط يولد وابلاً من الزخم الضاغط والمتضارب " قد يعرف المرفوض بالنسبة له ولكنه لا يعرف ماذا يرغب. وليس من عجب أن نلاحظ تعاطف إرهابيين من الجيش الأحمر الياباني وأجنحة " بادر ما ينهوف" الألمانية وأيلول الأسود الفلسطينية وتنظيم القاعدة "الابن لادنية" والصراط المستقيم المغربي.. والمافيات الإيطالية، والجيش الإيرلندي و ... و ؟.. يجمعهم جميعاً "وحدة " الرفـض" للأمر الواقع. يقابل كل ذلك الطرف الآخر الذي بدأ يكون حلفاً بعد 11/9/2001 ليشنَّ حرباً لا هوادة فيها على هذا " الإرهاب " وتتأجج النار من باري /أندونيسيا، موسكو/روسيا، اشيشينيا، لسقوط إفغانستان، سقوط العراق، الدمار في الرياض، الدمار في الدار البيضاء/المغرب( ) والحبل على الجرار.

ونما الإرهاب كغيره بعملقة مسخراً - بل وصانعاُ - التكنولوجيا الحديثة في مجال الاتصالات والملاحظات والتجسس والتسلح والتمويه فأصبحت " يده طايلة " - كما يقول الأردنيون- بل واحتل مركز الطليعة في عصرنا.

ومع تحول العلم المعولم إلى شبكات لا متناهية، ومع البريد الإلكتروني والانهمار المتدفق للمعلومات عبر البريد الإلكتروني، فللأرهاب وسائله الميسورة للتواصل السهل بين جميع الناقمين المتمردين عبر الأوطان سواء الذين تجمعهم التنظيمات الخارجة على القانون او المتحايلين واللصوص وتجار المخدرات والبغاء وغسيل الأموال وتزييف الأوراق والمطحونين والساخطين والتائهين والمناضلين والقمعيين( ).

وليس عجباً أن نشأت مؤسسات مهمتها " صنع واستيراد وتصدير الإرهاب" عبر الدول وتطبع الكتالوجات عن الجيوش التي تمتلكها وأشخاصها وأسلحتها تبين قدرتها وتضع السعر لكل خدمة يراد تنفيذها. لقد ارتقى وتعاون منظمو الإرهاب بفضل التكنولوجيا مع الخارجين عن القانون من السياسة إلى الجريمة، التقوا على خلق كيان إرهابي يمارس الحروب بأنواعها هجوماً أو دفاعاً ضاربين عرض الحائط بالقيم والأخلاق والدين والإنسانية "( ).

واقتباساً من مرض الالتهاب الرئوي اللا نمطي - السارس - الذي انتشر في العالم هذه الأيام والذي سماه البعض " طاعون العصر " أقول إن الإهارب عمل أو فكر أو قتال لا نمطي ( ). إنه آفة العصر.

المواقف تجاه الإرهاب

هناك موقف عدائي يرفض كلياً وقطعياً الأرهاب بصورة وإشكاله المختلفة ويعمل هذا الموقف جاهداً وبجميع الوسائل لمحاربته لأنه يرى في الإرهاب مخالفة لجميع الأعراف والقوانين التي تنظم حياة البشر، ويحطم القيم الإنسائية بكل شناعة ولا أخلاقية، إنه رزء على صدر الإنسان يهدد دائماً الاستقرار والسلام. وبكل بساطة إنه الشر، إنه الهمجية. لقد وصفته فرنسا في اللجنة الخاصة التي شكلتها الجمعية العامة للأمم المتحدة 1972 بأنه " عمل بربري " ووصفته فنزويلا بأنه اغتصاب لكرامة الإنسان. ويتبين هذا الموقف بوضوح مما تعكسه جميع وسائل الأعلام العالمية كلما وقعت عملية إرهابية( ).

وهناك الموقف الذي يؤيد الإرهاب مكون من قسمين :

- القسم المؤمن بعقيدة أيديولوحية سياسية تتيح استخدام العنف من أجل إجراء التغيير.

- القسم الثاني وهو المنتمي إلىالمنظمات الإرهابية، أو أنهم هم أنفسهم إرهابيون.

أصحاب هذا الموقف يرون في الإرهاب قدرة نافدة لإنقاذ المجتمعات المُحَقَّرة والمستعبدة، كما يرون فيه " حاضنة " للشهامة والشهادة والبطولة والفداء ولا بد منه كمعين في تحريك عجلة التاريج قدماً. يقول الإرهابي الروسي " ستبنياك" : إن الإرهابي إنسان جميل، رهيب وخلاب بشكل لا يقاوم لأنه يجمع نموذجي العظمة الإنسانية، الشهيد والبطل. كما يقول مؤلف كتاب " التعليم الثوري " سنة 1869"، يجب القضاء على جميع الأفراد المضرين بالتنظيم الثوري، إن القضاء عليهم بعنف وسرعة أمر ينشر الرعب في صدور الحاكمين ، وحينما نحرمهم من أعوانهم الأذكياء - بالقضاء عليهم - تنهار قوتهم"( ).

والخطير في الأمر أن هذين الموقفين متحيزان ومنفعلان ينطلقان من نوايا سابقة ومقررة. الموقف الأول موقف رافض منطلقٌ من المنظومة الأخلاقية والقوانين السائدة. والموقف الثاني منطلق من إيديولوجية لا يرى إلا هي أو نتاج قضية سياسية محددة.

وصحيح أن الإنسان عموماً يعرف الشر والخير بمقدار ما ينعكس على حياته من نفع أو ضرر، والمصلحة لها الأثر الأكبر في مسيرة الأفراد، والمجتمعات والدول هي كالأفراد في هذا المجال. ومن هنا تتباين المواقف حسب تباين المصالح وصدق من قال ليس هناك مواقف دائمة بل هناك مصلحة دائمة. والموقف تجاه الإرهاب يقع في هذا الإطار، وكذلك الموقف تجاه أي شيءً أخر، لذلك فمن البديهي أن تختلف المواقف أو تتناقض أو تتناحر تجاه موضوع ما بل وتتعاظم تبعاً لأهمية الموضوع، وهل من موضوع أخطر وأهم من موضوع الإرهاب في الزمان الحاضر ! فتشابكت المفاهيم والتعريفات والتصرفات وتلوَّن مفهوم ومعنى الإرهاب تبعاً للغرض والمصلحة كما يتلون الماء القراح بلون الزجاج الذي ينساب فيه. وعليه فلا يمكن أن يُطلب من أية جهة أن تقف مرحبة بالهجوم عليها ومن العجب أن يطلب إليها ذلك! وفي الوقت نفسه لا يمكن للمقاوم حقاً أو باطلاً لأية سلطة أن يقوم هو بتجريم ذاته. وبين هذين الموقفين تنهمر كل الموبقات. ( ).

إن حياد الحق تجاه هذين الموقفين لدى المُنَظِّر الذي يحاول أن يصطاد تعريفاً للإ رهاب محايداً حياد العلم ومستقيماً استقامة المنطق أمر لا يتاح إلا لكائن قادم من كوكب آخر يبعد عنا ملايين السنين الضوئية! ولذلك فإن الحديث عن الإرهاب يتم تناوله وابتلاعه حسب ملاعق وشوك وسكاكين وكؤوس وأطباق طهاة وسائل الإعلام بكل ما فيها من أفكار وأقلام. وبالتالي فالإرهاب الوجبة التي تقدمها وسائل الإعلام ليس طبقاً طارئاً أو ظاهرة مفاجأة فلم يخلُ منه زمان أو مكان، فأرتال الخارجين على إرادة السلطان أو الذين يتحدون المجتمع بسبب الحرمان ظاهرة منذ أقدم الحضارات، في مصر، وروما ، وأثينا، وبابل والصين، وبلاد المسلمين. وفي زماننا لها ألوان واشكال كثيرة بمسمياتٍ متعددة والكل يدعم رأيه، وليس هناك حتى الآن سبيل إلى رأي قاطع مانع، وتبقى " إدانة" الإرهاب ليست محل نقاش ولكن كل طرف يلصقها بالآخر مبرئاً نفسه فتقوم حرب إعلامية وتضيع الحقائق. ( ).

ولم يتوحد العالم كما يتوحد اليوم في مخاوفه وآلامه تحت وطأة الإرهاب، ولم تنصهر الأسوار الشائكة بين الحضارات أو تنهار القلاع التي تتأسس وراءها الثقافات لتقف عارية من كل خرقها وجهاً لوجه كما هو اليوم في مسعى للفهم والتفاهم بعد وقوع الكوارث الإرهابية المروعة( ). ولم تتردد لفظه الإرهاب على الألسن العالمية كما تردد الآن ... ورغم ذلك لم تعِ الإنسانية بعد الدروس وتستفد منها لأنها لم تتحرك إيجابياً للحفر على جذور الإرهاب وبواعثه تمهيداً للقضاء علهيا واجتثاثها، وبدلاً من تسخير العقل والعلم والمعرفة التي يتمتع بها الإنسان، تم اللجوء إلى مواجهته بردَّة الفعل الغريزية - كباقي الكائنات الحية الحيوانية - وجوبه الإرهاب بارهاب أشد منه ودخل الجميع في الحلقة المفرغة والنفق المظلم.

هل هذه " التعرية للإرهاب نعمة أم نقمة على الإنسان ؟ وهل كان من الضرورة كل هذا السفك والدمار لتتكسر أصدافه وتنخلع أسماله المقنعة ؟ هل الوصول الى الحقيقة يتطلب كل هذه المجارف والفؤوس والمطارق لإخراجها من شرنقتها ليظهر وجهها ( ).

ما الذي يدفع الى ارتكاب الإرهاب ؟

الجواب لأول وهلة هو قصر النفس وفعالية الوسيلة القادرة على التكييف مع الظرف السياسي القائم. فالإرهاب وسيلة يتم اللجوء إليها في علم السياسة لفعاليتها. فالقوة هي الوسيلة النوعية في إطاعة السياسة مع ترك الأخلاق جانباً. لأن هاجس السياسة هو " الفعالية للوصول إلى النجاح والنجاح هو تحقيق المصلحة. وبقدر فعالية الوسيلة يتحقق النجاح – ولكن لا أخلاق فيه – وأصبحت السياسة في أبرز وجوهها عبارة عن مكاسرة إرادات.

إن المأزق الذي لا خروج منه يتجسد في أن السياسة هي فنيَّة استخدام وسائل تضمن الوصول إلى نتائج من نفس طبيعتها - طبعية الوسائل - في معزل عن الأخلاق وبذا تفقد الأخلاق معناها لأنها أصبحت رهينة مجال السياسة الذي شوه طبيعتها فانتفت كل علاقة بين الأخلاق والسياسة. وبالتالي فإن السياسة تنحط إلى مستوى الأعمال الهدامة العدمية المتزمتة.

وبصراحة ووضوح أين هي السياسة وأين هو السياسي الذي يختار الوسيلة إلا بمعزل عن الاخلاق؟ وأين هي السياسة أو السياسي الذي لا يلجأ إلى القوة حيـن الضرورة لتحقيق النجاح المرغوب فيه ؟ أين هو السياسي غير الانتهازي وغير الميكافيللي؟ لقد أصبحت الأخلاق مجرد وسيلة من الوسائل التي تستخدمها السياسة وتستعير قيمها فيما يتنافى مع القيم الذاتية للأخلاق.

ونتيجة لهذا المأزق هناك من يؤمن - وهم الكثرة الساحقة وهم الواقعيون - أن السياسة غير أخلاقية بخلقتها فتهوي وتنحط الى النشاط اللا أخلاقي . وعلينا أن نرى الأمور بعين ثاقبة فالأخلاق غير سياسية بطبيعتها فهي طوباوية خيالية ( ).

قبل إحداث 11/9/2001 كان النقاش في الإرهاب - لدى الكثيرين- ترفاً أكاديمياً فنيرانه لم تكن تصلي البعيد وتُفحِّم القريب. إن الإرهاب أصبح كل شيء في العلاقات الدولية المعاصرة. إننا نعيش هوس الإرهاب وليس التمييز العنصري، وليس " إبادة الجنس " ، وليس سباق التسلح، وليس سحق حقوق الإنسان والحريات الأساسية وحق تقرير المصير، -وبكل سخرية وحتى قهقهة - وليس التدخل غير المشروع في الشئون الداخلية للدول الأخرى، وليس الاستعمار الجديد .. إننا نعيش الإرهاب الذي أصبح الخطر الأكثر شيوعاً ووراء اللفظة تنحشد كل الجرائم والآثام( ). إن الإرهاب شر ومكافحته فضيلة.

ومع ذلك هناك انقسام عميق حوله على الرغم من انه يشكل تهديداً وخطراً لأمن وسلامة المجتمع الدولي كما أنه استفزاز عارم للضمير الإنساني ولمشاعر البشرية، إنه عامل التوتر في العلاقات الدولية.

والاختلاف في وجهات النظر حوله ليست العقبة الوحيدة في الوصول إلى تحديده إذ أن هناك صعوبات أخرى منها:

- تعدد البواعث والدوافع لارتكاب الإرهاب

- تنوع صور وأشكال الإرهاب.

- إختلاف نظرة القانون الجنائي الدولي لظاهرة الإرهاب عن نظرة القانون الجنائي المحلي للدول المختلفة بدورها( ).

وهناك في أوروبا من يحاول أن يلصق صفة الإرهاب بجميع الذين يتطلعون إلى تهديم النظام السياسي القائم وبالذين يعمدون إلى وسائل غير محددة بدقة في سبيل الإساءة إليه أو تدمير البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد. وحسب المنطق الأمني - البوليسي - لا يعود " الفعل " هو مادة التجريم الإرهابي بل " النيَّة " أو حتى "الفرد " نفسه باعتباره إنساناً خطراً . هذا التجريم للأرهاب الذي تسعى إلى تشريعه بعض الدول - الأوروبية - من شأنه أن يجرح الديمقراطية ، لأن تشريعاً مثل هذا سيستهدف الذين يطمحون إلى التغيير بصورة شرعية في البنى السياسة او الاجتماعية او الاقتصادية لأنهم لن يلاحقوا بسبب أفعالهم - التي لم يقوموا بها بعد - بل سبب الشكوك في نواياهم على القيام بها( ). هذا بالإضافة إلى أن هناك تجاهل كامل ومقصود للعنصر الوحيد الذي يميز العمل الإرهابي عن الجريمة العادية وهو العنصر السياسي الأمر الذي يجعل من المستحيل تعريف الإرهاب أو تحديده .

هناك نصان حديثا العهد ظهرت بهما عبارة " إرهاب " للمرة الأولى في القانون الدولي، ولكن العبارة فيهما بقيت غير محددة وهما :

- المعاهدة الدولية لمكافحة الاعتداءات الإرهابية باستعمال المتفجرات الموقعة في نيويوك في 15/12/1997.

- المعاهدة الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب - نيويورك 9/12/1999.

وحسب المعاهدة لمكافحة تمويل الإرهاب فإن توفير الاموال أو جمعها مباشرة أو غير مباشرة بطريقة غير مشروعة أو عن سابق تصميم بهدف استخدامها أو عن معرفة باستخدامها في ارتكاب أي فعل وارد في المعاهدتين السابقتين يشكل " خرقاً" - ولم تذكر عبارة إرهاباً - وكذلك كل فعلٍ من شأنه التسبب بالموت أو أي ضرر جسدي خطير يطال المدنيين أو أي أشخاص آخرين لا يشاركون في النزاع - في حال المواجهة المسلحة- عندما يهدف هذا العمل إلى ترويع السكان أو إرغام الحكومات أو المنظمات الدولية على القيام بأعمال معينة أو الامتناع عنها. إن هذه المحاولة لتعريف الإرهاب مستنبطة من القانون البريطاني الذي يعتبر الإرهاب " بأنه عمل حربي غير مشروع لأنه يتعرض للمدنيين الذين من المفترض إبقاؤهم بمنأى عن النزاع المسلح. وهكذا يعتبر الإرهاب " جريمة حرب " وفقاً لمباديءٍ محكمة نورمبيرج. وجريمة الحرب هي:

خرق قوانين الحرب وتقاليدها التي تشمل بصورة غير حصرية : الاغتيالات، وسوء المعاملة والإبعاد مع الأشغال الشاقة، وسوء معاملة سجناء الحرب أو الأفراد في عرض البحر، تصفية الرهائن، سلب الأملاك العامة أو الخاصة، التدمير المتعمد للمدن أو القرى أو أعمال الإجتّياح التي لا تبررها الضرورات العسكرية ( ).

الأممية الإرهابية

من المؤكد أن الإرهاب من الناحية العملية والواقعية هو الخطر الأساسي الذي يهدد أمن العالم واستقراره - نظرة سريعة في هذا اليوم 2/5/2003 إلى المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية والى الدول الأوروبية التي أخذت تتسارع لعقد مؤتمر بدعوة إيطالية، وإلى الولايات المتحدة التي أغلقت مؤقتاً ممثليتها في السعودية، وتصريح الأمير بندر/ السفير السعودي في واشطن الذي لديه شعور بأن ضربة قادمة ستحصل في السعودبة أو في أمريكا تبين مدى الهلع المهيمن، وهذا الهلع هو الإرهاب بعينه - ( ) ليس في بعض المناطق من الكرة الأرضية وإنما فيها جميعها. ولذلك يستطيع المرء أن يقول وبكل قناعة أنه قد تشكل في العالم نوع من " الأممية الإرهابية" التي تخطت جميع الحدود وتتوسع باستمرار. ولقد بينت الممارسات الإرهابية أنه ليس لها سقفاً بل لها فضاء لا نهائي وهذا ما أكدته تفجيرات المنازل في روسيا وأحداث 11/9/2001 في أمريكا وعملية الشيشان لاحجتاز (700) من الرهائن في احد المراكز الثقافية في موسكو انتهت بمصرع المئات( ).

وكان الحديث - في مرحلة قريبة جداً - عن الإرهاب يتجدد تحذيراً منه وإدانة له وبحثاً عن الوسائل الفعالة لمكافحته وبالتالي القضاء عليه كلما هبَّت كارثة إرهابية، ثم لا يلبث أن يخفت الحديث بعد أن تكون الحكومات او الشعوب قد تخيلت أنها نجحت في استئصال الإرهاب - بعد ان يكون قد تم القاء القبض على بعض الفعالين الذين أدلوا باعترافات إيجابية، أو بعد وضع اليد على بعض الأسلحة والمتفجرات- فيسترد الناس أنفاسهم والمجتمع إحساسه بالأمن فترة ما ثم فجأة يعود الحال مجدداً حين تهب كارثة جديدة( ). الآن الأمر مركز تماماً على الإرهاب وباستمرار فليس هناك فترة راحة لا للمجتمع ولا للإرهابين من الإرهاب؛ إذ لم يحظ أي سلوك إنساني بالمناقشات والجدل الذي حظي به الإرهاب والإرهابيون.

ورغم ذلك فما زال الباحثون يتلمسون تعريفه . وتبقى الضرورة قائمة للسباحة في محيط هذه الكارثة لتلمس الطريق. وهناك المئات من المحاولات التي وضعها المحاولون في شكل كتل متراصة من الكلمات التي لا فواصل بينها ولا نقاط بين جملها الامر الذي يضع المتلهف للمعرفة والمتطلع إلى وضع الحل في حيرة من أمره ( ).

في مرحلة ما كان عدد المحاولات الجادة لتعريف الإرهاب (109). وعدد المحاولات لوضع " مفهوم " له (19)، وطبيعي أن أعداد التعريفات والمفاهيم قد تراكمت أكواماً، وكادت الإحصاءات أن تسقط في يدها وتعلن عجزها. طبيعي أن هناك من يؤكد على أنه من غير المنطقي الأخذ بالمواقف الرسمية الحكومية تجاه " التعريف " أو " المفهوم " بصفة مطلقة فيصفونها بأنها ليست ذات معنى، بينما البعض الآخر يؤمن بها ويرتكز عليها. إن القاريء لكتاب يتحدث عن الإرهاب لا بد أن يلاحظ ماذا في ذهن المؤلف عند استخدامه لهذا المصلطح !! وحينما تزداد الكتب وتزداد القراءات سيلاحظ أيضاً بأن ليس هناك حتى الآن ما عليه إتفاق( ).وللمرء أن يتساءل إما مستنكراً أو مؤيداً هل صحيح أن في داخل كل أيديولوجي إرهابي ينتظز من يوقظه".

لقد وجدت بعض الدول مقتلها في الإرهاب لأنه لا يستخدم بل لا يحتاج لجيوش عسكرية جراره لا بد لها من أموال طائلة، ولا يحتاج مثل الجيوش لكل " الرقميات- رغم أنه يجيد استعمالها واستغلالها وهي عند غيره - ، بل إن عُدَّته الأساسية أفراد لدى الواحد منهم الرغبة والاستعداد للموت في سبيل هدف أغلى عليه من حياته حسب ثقافته وحسب إعداده ( ).

" ولا نخطيء" أو نضل الحقيقة حين الإشارة إلى أن الإرهاب هو " عدو دولي" وهو خادع لا وجه له ولا يخص دوله بذاتها يعززه التقدم السريع الذي حققته تكنولوجيا الاتصالات، قد تختلف دوافع الإرهابيين ولكنهم يميلون للعمل معاً تحقيقاً لأهدافهم المدمرة والفوضوية( ).

والإرهاب ليس له قيود أو حدود إنه حر يمارس تدميره في أي وقت وأي ظرف يقوم بالمفاجأة في أي مكان وأي وضع فينشر ذعره وتصبح الضحية على رأي المثل - كما يقول الكاتب الساخر محمود السعدني - " اللي لسعته الشوربة بينفخ في الزبادي " ويضيف " وعلى رأي عمنا المتنبي الذي وصف مقاتلاً لحست الحرب عقله فقال: كلما رأي غير شيءٍ ظنه رجلاً. مسكين لم يعد يميز بين الحجر والشجر والبني آدم فكلهم مقاتلون وكلهم يريدون قتله ( ).

ربما أن الإرهاب هو الذي تُعرِّفه غرفة العمليات " في واشنطن وليس ما يعرفه وزراء الداخلية العرب، أو منظمة المؤتمر الإسلامي، أو مجموعة عدم الانحياز، أو مجمع العلماء المسلمين في السعودية، أو مؤتمر المسلمين في بيروت أو ... أو .. أو الاتحاد الأوروبي. ولعدم إدراك هذه الحقيقة ورفض تصديق ما تراه العين وتلمسه اليد "فإننا نرى الكارثة التي وقعت في فلسطين والكارثة التي وقعت في العراق، كما أننا نلمس طلائع ومؤشرات كوارث تحوم حولنا "( )، كما نلاحظ الضغط الهائل على سوريا والذي تَمَّتْ الاستجابة إليه تدريجياً بإغلاق مكاتب فلسطينية، وطرد قياديين عراقيين.. " ومن سيبقى يُصِرُّ على المكابرة والمناكفة سيدفع الثمن والسعيد من اتعظ بغيره والشقي من اتعظ بنفسه. هذا الكلام تشخيص للواقع وليس لتثبيط العزائم".

يتضح من ذلك لزومية العلاقة الوثيقة بين الإرهاب والإعلام فالإرهابي بحاجة ماسة إلى الأعلام لأنه يخدم أهدافه وينشر أقواله وأفعاله ويضخم قوته.

لأن هدف الإرهاب دائماً هو :

- نشر الذعر والإضطراب وعدم الاستقرار داخل الدولة لأن مثل هذا المناخ المضطرب يفسح المجال للإرهابي بالتسلل إلى مقصده.

- نشر القضية أو ما يعتقد أنه قضية على نطاق واسع ( ).

وفي المحاولات الفقهية لتحديد الإرهاب :

هناك إتجاهات في محاولات التحديد :

- اتجاه يُضَيِّقُ مفهوم الإرهاب إلى الحد الأدنى بحيث يتم استبعاد أعمال عنف من الخطأ استبعادها ، إنه اتجاه حصري".

- اتجاه واسع تندرج فيه أعمال عنف لا تدخل في مفهوم الإرهاب بالمعنى النوعي لهذه الظاهرة . إنه إتجاه شمولي.

ولا ننسى أن أي تعريف هو تصور ذهني للواقع المحسوس وبمجرد أن يتم تطبيقة على الواقع سرعان ما تتكشف تفاصيل أو عناصر لم تكن ورادة في التعريف رغم قيمتها وأهميتها في التعريف بفعلٍ إنسانيٍ يغصُّ بالثقل النوعي والكثافة كالإرهاب السياسي المتشعب ذو الأشكال المتعددة المتغيرة والمتطورة والمتبدلة والمتناقضة التي يصعب حصرها في تذهنية مشتركة . كما أن محاولة وضع تعريف لا يعني رفض ما سبق منها أو ما يلحق فهي بالتأكيد سترتكز على ما سبق وستستشعر ما سيلحق تحاول الابتعاد عن الانتقائية وتحاول الالتزام بالموضوعية. وليس بخاف على المحلل التعريف المتحيز الذي يتدثر ستاراً من العلمية دفاعاً عن وجهة نظرهِ السياسية - وهو الأمر الواسع الانتشار-، وهنـاك –والله أعلم- التعريف الموضوعي يتبع النزاهة العلمية والارتقاء بها.

عندما بدأت الجمعية العامة في دورتها الثامنة والعشرين بحث موضوع الإرهاب اعتبر المندوب الأمريكي( ): الإرهاب فعلٌ قام به " كل شخصٍ قتل شخصاً آخر خرقاً للقوانين أو سبب ضرراً جسدياً بالغاً له أو قام بخطف شخص أو حاول خطفه أو شارك في مثل هذه الأعمال( ). وسرعان ما يلاحظ على مثل هذا التعريف أنه يُسقط الصفة السياسية للإرهاب ويحصره في أفعال فردية ينطبق عليها القانون الجنائي، كما أنه يسقط أيضاً "إرهاب الدولة " لأنه يعتبر أن ما يصدر عن الدولة أمراً مشروعاً، ولا يتطرق إلى الشعوب المقهورة ، ولا إلى الأقليات المضطهدة. فالتعريف الأمريكي يُلصق إرهاب الدولة بالآخرين إذ ليس هناك من دولة تعترف بأنها إرهابية بل الإرهاب في نظرها عند الآخرين وما تفعله هي هو من باب المقاومة للإرهاب. المعروف أن أمريكا هي الأقوى إذن فهي المعرضة للانتقاد والمعارضة والتمرد والثورة في وجهها وحتى للإرهاب. وهذا الأمر هو الذي يفسر التعريف الأمريكي للإرهاب وتبسيطه واقتصار الإرهاب على مجرد جريمة فردية بهدف النيل من هذه الجريمة وتحقيرها ومسخ أهميتها ومسخ قيمتها من أجل اللجوء إلى القوة لقمعها ومنع انتشارها. إن أمريكا ترى الحل الناجح للوقاية من الإرهاب هو القضاء عليه واستئصاله بالقوة( ).

وللانتقال إلى خطوة أكثر تطوراً من التعريف الأمريكي السابق، الإرهاب هو " القيام بأشكال من القتال قليلة الأهمية مثل قتل السياسيين أو الإعتداء على الممتلكات . ويشكل الإرهاب نسقاً صراعياً يرسمه جهاز أركان وينفذه أتباع يتم انتقاؤهم. وهنا يبرز عنصر جديد في مفهوم الإرهاب " النسق" فالإرهاب نسق في النزاع السياسي يتميز عن غيره من نُسُق الصراعات الأخرى. وهذا التعريف يبين أن الإرهاب السياسي يقوم به " الضعفاء" ضد " السلطة الرسمية" واستثنى بذلك " إرهاب الدولة " الذي تمارسه بأجهزتها العسكرية والأمنية ( ).

وللانتقال من جديد إلى خطوة أوسع ، فلا بد من أن يفصل عن التعريف الحالات الإرهابية التي ترنو إلى تحقيق مكاسب فردية، فالإرهاب إذا هو " الاستعمال المنسق للعنف أو التهديد باستعماله من أجل بلوغ أهداف سياسة". وبذا فإن كلا من الحكومات أي الدول والجماعات والأفراد يمكن أن يلجأوا إلى الارهاب فالعناصر التي يحتويها الارهاب هي: العنف والنسق بوجود تنظيم يسعى لتحقيق هدف سياسي محدد( ).

ولكن الحرب والثورة هما أيضاً لهما نسق وعنف، فما زلنا إذن في البحث عن الخاصية النوعية للإرهاب السياسي . إن " مالسيون " قد ساهم في إبراز العنصر السيكولوجي في الإرهاب، حينما استعمل عبارة " التهديد بالعنف لأن التهديد بالعنف هو تماماً كاستخدامه يخلق حالة من الهلع لدي المقابل. فالقتل مثلاً بالنسبة للإرهابي لا يشكل هدفاً مرغوباً بذاته إلا بقدر ما يشكل هلعاً أي عنصراً سيكولوجياً يمكن استغلاله من أجل بلوغ المقصد. يقول " ريمون آرون" إن ما نسميه فعلاً إرهابياً هو فعل العنف الذي تجاوز اهمية تأثيراته السيكولوجية أهمية نتائجه المادية البحتة" ( ).

وللتقدم أكثر فإن الإرهاب يقوم على إستعمال العنف دون تقدير أو تمييز بهدف تحطيم كل مقاومة وذلك بإنزال الرعب في النفوس. فالإرهاب لا يهدف فقط كما يهدف العنف إلى القضاء على الكائنات وتدمير الممتلكات بل أيضاً إخافة النفوس أي يستخدم جثث الضحايا الأبرياء التي يحققها العنف ليزرع اليأس في قلوب الأحياء ( ).

والإرهاب هنا لا يهدف إلى نتيجة بناءه وإيجابية بقدر ما يهدف إلى القضاء على إمكانيات الأفراد في التفكير والمقاومة.

تجمَّع لدينا حتى الآن العناصر التالية للإرهاب : العنف المنسق ، نسق النزاع السياسي النوعي، أداة سيكولوجية للتخويف، والعنصر الفاعل لأفراد أو جماعات، ويبقى عنصر الهدف النهائي الذي يرمي إليه الإرهاب.

وكل تعريف للإرهاب يغفل الهدف النهائي له، يفقد الأمر قيمته ومعناه ويحوله إلى عبث أو يقذف به إلى مستنقع الأجرام الرخيص أو في مصاف السـادية المرضية( )، يجب أخذ الإرهاب دائماً بكليته وإدخال عنصر الهدف النهائي المكون الأساسي للأرهاب.

في هذا قدم القانوني البولوني تعريفاً جاء فيه : الإرهاب السياسي هو منهج فعل إجرامي يرمي إلى السيطرة بالترويع على المجتمع أو الدولة من أجل المحافظة على علاقات اجتماعية معينة أو من أجل تغييرها او تدميرها ( ). هذا التعريف ركز على الصفة الإجرامية للأرهاب السياسي دون غيرها وهذا يعني أن الإرهاب مشروع إذا مارسته الحكومة، وهو إجرامي إذا مورس ضد الدولة.

يتمم د. أدونيس العكره العرض السابق بأن وضع هو شخصياً في النهاية تعريفه للإرهاب:

" الإرهاب السياسي منهج نزاع عنيف يرمي الفاعل بمقتضاه وبواسطة الرهبة الناجمة عن العنف إلى تغليب رأيه السياسي أو إلى فرض سيطرته على المجتمع أو الدولة من أجل المحافظة على علاقات اجتماعية عامة او من أجل تغييرها أو تدميرها".( )

والفقهاء بدورهم تختلف نظرتهم للموضوع إذ لكلٍ مشاربه وثقافته ووجهة نظره في تحديد تلك الظاهرة والعناصر المكونة لها( ).

يعرف " ويلكنسون " الإرهاب بأنه " العنف المتطرف الذي يرتكب من أجل الوصول إلى أهداف سياسة معينة يضحي من أجلها بكافة المعتقدات الإنسانية والأخلاقية. وأنواع الإرهاب في نظره هي الإرهاب الحربي، والقمعي، والثوري - لهدم النظام السياسي والاستيلاء على السلطة - وشبه الثوري( ).

" وثورنتون " يرى أن الإرهاب هو استخدام الرعب كعمل رمزي الغاية منه التأثير على السلوك السياسي بواسطة وسائل غير اعتيادية تستلزم اللجوء إلى التهديد والعنف. ويلاحظ أنه يهتم بالوسائل غير الاعتيادية في تعريف الإرهاب ويضع العنف الذي يهدف إلى إثارة الاضطراب السياسي في مرتبة أسمى من العنف المجرد، إن الطبيعة غير الاعتيادية لعنف الإرهاب هي التي تميزه عن أشكال العنف الأخرى ولكنه لم يقدم أية محددات للتمييز بين العمل غير الاعتيادي للإرهاب والعمل الاعتيادي الذي لا يشكل عملاً إرهابياً حسب مفهومه. ويتميز الإرهاب عنده بطبيعته الرمزية التي تجعل الحدث أكثر تأثيراً وفاعلية ( ).

والإرهاب السياسي حسبما يرى " واردلو " : استخدام العنف او التهديد باستخدامه من قبل فرد أو جماعة تعمل لصالح سلطة قائمة أو ضدها بهدف خلق حالة من الهلع الشديد لدى الضحايا المباشرين وإجبارها - السلطة - على الموافقة على المطالب السياسية لمرتكبي الحدث ( ).

أما " جروس " فيفرق بين الحالات التي يستخدم فيها العنف ومنها : النضال ضد حاكم متسلط، أو ضد الغزاة على الدولة واستعباد الشعب، أو أعمال على طريقة الأحزاب النازية او الفاشية.

ويقسم جروس العنف إلى أنواع : 1- عنف تكتيكي لتحقيق مكسب انتهازي كالإنتقام أو العقاب 2- عنف أعمى بدون هدف أو غاية. 3- عنف أعمى بطبيعته ولكن من أجل هدف محدد. 4- اغتيالات سياسية. 5- عنف في إطار واسع وشامل( ).

ويعرف " لاكور " الإرهاب بأنه عمل سياسي يتم توجيهه إلى هدف محدد، وهو يشمل التهديد المبالغ فيه ويتم تنفيذه للحصول على التأثير المادي، وضحاياه مجرد رموز ليست مقصودة لذاتها. والأرهاب يحتم الاستخدام المقصود للعنف أو التهديد باستخدامه ضد الهدف يؤدي فيما بعد إلى تهديد هدف أكثر اهمية، وهو بذلك يهدف إلى إثارة الخوف والقلق لكي يتم إجبار الهدف على الاستسلام أو تعديل موقفه ( ).

بينما الأرهاب لدى د. عبد العزيز سرحان هو في معظمه إستخدام غير شرعي للقوة ويقول " إن الإرهاب هو كل اعتداء على الحياة أو الممتلكات سواء العام أو الخاص منها خرقاً للقانون الدولي العام بمصادره المتعددة بما في ذلك المبادئ الأساسية لمحكمة العدل الدولية. ولأن للأرهاب طابع دولي فخرقه للقانون الدولي يُعتبر جريمة دولية الأمر الذي سبق واستندت إليه محكمة طوكيو ونورومبرغ حين محاكمة المجرمين الدوليين إثر الحرب العالمية الثانية. وإذا كانت دوافع الارهاب نصرة حقوق الأفراد والشعوب وحقوق الانسان وتقرير المصير ومقاومة الاحتلال فهي إستخدام مشروع للقوة حسب مبادئ القانون الدولي وبالتالي فلا عقاب عليها ( ).

والدكتور صلاح الدين عامر يرى الارهاب بأنه الاستخدام المنظم للعنف لتحقيق هدف سياسي وبصفة خاصة أعمال العنف التي تقوم بها منظمة سياسية لتخلق جواً من الفوضى مثل أخذ الرهائن واختطاف الأشخاص وقتلهم ووضع المتفجرات في أماكن تجمع المدنيين والتخريب وتغيير مسار الطائرات " ( ).

والدكتور عبد العزيز مخيمر " يصف الارهاب بأنه استخدام العنف لخلق جو من الرعب بهدف تحقيق أهداف محددة سياسية أو اجتماعية أو مذهبية ، سواء تم استخدامه من داخل الدولة أو قادماً من خارجها وسواء تم من قبل أفراد أو مجموعات أو دول. ويُدخل في نطاق الإرهاب حوادث الارهاب التي لها أهداف شخصية أو إجرامية كالخطف واحتجاز الرهائن حيث تعاقب هذه الأعمال طبقاً للقوانين المحلية إذا كانت لا علاقة لها بالتعاون الدولي والعلاقات الدولية ولم تشكل إنتهاكاً لحقوق الانسان ، كما لا يعتبر الأعمال الاجرامية التي ترتكب أثناء الأعمال الحربية العسكرية إرهاباً( ).

وحسب د. نبيل حلمي فالإرهاب هو استخدام غير مشروع للعنف أو التهديد باستخدامه من قبل مجموعة أفراد أو دولة ضد فرد أو جماعة أو دولة ينتج عنه رعب يعرض للخطر أرواحاً بشرية أو يهدد حريات أساسية ويهدف إلى الضغط على الجماعة أو الدولة لتغيير موقفها في الموضوع المطلوب( ).

و د. أحمد جلال عز الدين يقول إنه " عنف منظم متواصل بهدف صنع حالة من التهديد ترتكبه منظمة ضد جماعة أو دولة بهدف تحقيق مقاصد سياسية"( ).

وجورج سعد الذي يؤكد أن العالم لم يتوصل لوضع تعريف موضوعي محدد للإرهاب، يُرضي جميع الفرقاء، يرى أن الأمر إزداد صعوبة بعد أحداث 11/9/2001 في أمريكا كما يرى أن عدد الضحايا لا يؤثر على التحديد القانوني متسائلاً مَنْ قال إن إرهاب المساجين أقل إرهاباً من القتل الأعمى؟ لو كان الأمر كذلك لما إنتحر عشرات المساجين السياسيين الأتراك. وبإنتظار التوصل إلى تعريف عقلاني سيبقى الإرهاب . " مفهومة" Concept فلسفية سياسية بل " تقنية" سهلة الاستعمال في يد المتربعين على زمام الأمور في البلاد ذات الأنظمة الديمقراطية المتقدمة على حد سواء مع البلدان العالمثالثية ، ويتم اللجوء إلى هذه " المفهومة" بصورة انتقائية براغماتية :

" أنا أقمع الارهاب إذن فإن وجودي شرعي ومشروع في الحكم" . إن ذلك يفسر العمليات الارهابية التي تضخمها أو ترتكبها بعض الدول لا سيما في العالم الثالث. فالإرهاب مدوٍ والناس لا يعودون يلتفتون إلى الديمقراطية أو الاقتصاد بل إلى جبروت الحاكم البطل " رامبو" القامع للإرهاب والإرهابيين المزعومين .

لذا فالحاجة ماسة للتعريف العقلاني خاصة وأن التيار العقلاني في الفقه الدولي يتململ ليفرض نفسه ليعتمد التفسير التوسعي للإرهاب إذ لم يعد الارهاب يتمثل في خطف الطائرات بل له أشكال كثيرة لا تُحصى . ومن هذا المنظور التوسعي فالإرهابي هو أيضاً من يبيع السلاح، ومَنْ يُساعد نظاماً إرهابياً؛ وربما من يرهب إقتصادياً! ( ).

د. أحمد رفعت، د. صالح بكر الطيار، يعتقدان بأن نقطة البداية في دراسة موضوع الارهاب من قبل المجتمع الدولي من أجل مكافحته والقضاء على فاعليه واستئصال أساساته تنطلق من تحديده. فالإرهاب في نظرهما : استخدام العنف كوسيلة لنشر الرعب للإرغام على اتخاذ قرار مطلوب أو العدول عنه، وملامح الارهاب مختلفة عن الجرائم الأخرى ، ويتأجج الارهاب حين وجود مشاكل سياسية مثل الاعتداء على حقوق الأقليات، خرق حق تقرير المصير، وحقوق الانسان وحرياته الأساسية ؛ وبذا فإن الإرهاب ليس هو عمل عنف يولد الرعب فقط بل هو أيضاً وبمفهومه القانوني كل الأعمال التي تهدف إلى إحداث ضرر مادي في مكان الواقعة نفسها أو بالرهائن أو قتلهم أو تعذيبهم.

وجريمة الارهاب في نظرهما تختلف جوهرياً عن جريمة العدوان ضد سلامة واستقلال الدولة تقوم به دول أو دولة أخرى. كما يرى د. رفعت و د. طيار أن ليس هناك دولة إرهابية فليس هناك إذن ما يُسمى " بإرهاب الدولة" والدولة تكون " معتدية " وليس " إرهابية ". والأفراد لا يرتكبون جريمة " العدوان " بل جرائم أخرى منها الارهاب. " والعدوان" عندهما أشد خطراً من الارهاب.

وإذا وقع عدوان " وتهديد للسلم أو إخلال به فعلى " مجلس الأمن" مسؤولية التدخل لحفظ السلم. أما إذا وقعت عملية إرهابية من قبل ما يُسمى " بإرهاب الدولة" فإنه يصعب القول إن لمجلس الأمن إختصاص أصيل في هذه الحالة ( ).

د. عبد الوهاب حومد يرى " الارهاب مذهب يلجأ إلى إحداث الذعر للوصول إلى أهدافه. ولهذا المذهب وجهان: الأول إجتماعي يهدف إلى إزالة النظام الطبقي القائم كلياً وبمختلف أشكاله. والوجه الثاني وجه سياسي يهدف إلى قلب نظام الحكم رأساً على عقب والتنكيل بممثلي الدولة نفسها ( ).

وينظر الأستاذ Aloisi إلى الارهاب على أنه كل فعل يرمي إلى قلب الأوضاع القانونية والاقتصادية التي تقوم عليها الدولة.

والارهاب عند د.عصام رمضان هو إستخدام أو التهديد باستخدام العنف ضد الأفراد ويعرض للخطر أرواحاً بشرية بريئة أو يهلكها أو يهدد الحريات الأساسية للأفراد ، كل ذلك بهدف التأثير على سلوك أو مواقف مجموعة مستهدفة بغض النظر عن الضحايا المباشرين ( ).

أورد د. طيار ود. رفعت المجموعة التالية لتعريف الإرهاب من قبل أشخاص أوربيين ( ):

• إريك دافيد: الارهاب هو كل عمل من أعمال العنف المسلح بهدف تحقيق مطلب سياسي أو فلسفي أو إيديولوجي أو ديني.

• فريدلاند: الارهاب هو استخدام تكتيكي للعنف لخلق جو عام من الخوف والذعر لدى القسم الأكبر من الناس.

• ميكولوس: الارهاب هو استخدام أو التهديد باستخدام العنف غير العادي لخلق ذعر عام لتحقيق مطلب سياسي وذلك بالتأثير على سلوك الضحايا.

• تورك: الارهاب إستراتيجية إستخدام العنف ضد أهداف عشوائية وترويعها بقصد ردع الخصم السياسي.

• فيراكوتي: الارهاب جزء من النضال السياسي بهدف التأثير على سلطة الدولة أو السيطرة عليها، ويتضمن الارهاب أيضاً إستخدام العنف ضد أبرياء مسالمين.

• سوتيل: الارهاب عمل إجرامي مصحوب بالرعب والهلع بقصد تحقيق الهدف( ).

• الفقيه لومكين: يقوم الارهاب على تخويف الناس بواسطة أعمال العنف.

• جبانوفيتش: الارهاب هو أعمال من طبيعتها أن تثير لدى الفرد الإحساس بالتهديد والخوف ( ).

• سالاداني: الارهاب منهج لتطويع الجماهير وشل حركة زعمائها بواسطة الاكراه السيكولوجي والترهيب الإجرامي( ).

• نومي جال أور: الارهاب طريقة عنيفة للمعارضة السياسية تستخدم العنف أو التهديد به – العنف البدني أو النفسي . وقد تمارس ضد أبرياء أو أهداف لها إرتباط مباشر بالقضية التي يعمل الإرهابيون من أجلها ( ).

• د. مصطفى الفقي: لقد أثبتت أحداث 11/9/2001 في الولايات المتحدة بروز سلاح جديد يستجيب لوضع عدم التكافؤ في موازين القوى العالمية، رغم أن أمريكا هي الأقوى عسكرياً على مستوى العالم في زماننا القائم، لكن برز ميدان آخر بسلاح آخر يتناسب مع إمكانيات الطرف الأضعف الذي يستطيع أن يُحول جسده لقنبلة في أي وقت يشاء. إن ذلك يمثل نقلة نوعية في أسلوب تفكير الأضعف في مواجهة الأقوى وفتح باباً لا يُغلق ذلك هو الارهاب الآن ( ).

• د. أسامى الغزالي حرب: الارهاب كما سماه محمد سيد أحمد " القطب الجديد" لا يمثل ظاهرة جديدة فهو قديم قدم المجتمعات البشرية . كما أن الارهاب لا ينطوي على " قيمة " في حد ذاته، والارهاب شكل من أشكال العنف لا يقصد به الضرر فقط وإنما أيضاً ترويع البيئة المحيطة من احتمال تكرار هذا الضرر مرة أخرى . إستخدمته قوى وجماعات شديدة التباين: إستخدمته قوى ولم تُنتقد على ذلك لأن الطرف الأقوى عادة هو الذي يحدد العمل المشروع من غير المشروع . والارهاب نظراً لضآلة تكلفة ممارسته كما يقول د.بطرس غالي صار هو سلاح الطرف الأضعف في مواجهة الطرف الأقوى.

وحين التساؤل عن السبب الحقيقي اليوم لاعتبار تلك الظاهرة القديمة تهديداً جديداً، فالجواب ليس فقط بسبب ما أصبح يمتلكه الارهاب من أدوات جديدة، بل لأن تأثيره طال الدولة الأقوى عالمياً مما تحتم الوقوف ضده وتجريمه وردعه، خلافاً لما كان عليه الحال في الماضي حينما كانت دول العالم الغربي نفسها هي التي تمارس الارهاب. أصبحت النظرة إلى الارهاب أنه كمذهب يعرض مرتكبه للوصف بالاجرام. وبما أن العرب والمسلمين هم الطرف الأضعف وقامت جماعات منهم باستخدام الارهاب لتحقيق أغراضها أُلصق بهم الارهاب كرذيلة نابعة من أعماقهم، وأصبحت قضاياهم التي يدافعون عنها عرضة لترذيلها في ذاتها. ذلك هو الخطر الحقيقي لعدم وجود تعريف محدد للارهاب مما قد يسهل الصاقه كتهمة بأي عمل لا يتفق مع مصالح الأقوياء( ).

ووصف د. بطرس بطرس غالي الارهاب قائلاً:

• الارهاب هو دولي لأن قيادته في دولة وأمواله في دولة أخرى وأتباعه في دولة بعيدة وعملياته في دولة أبعد. ولم توفق الأمم المتحدة في وضع تعريف للإرهاب بسبب تضارب المصالح حول حق الشعوب في تقرير المصير ورغبة الدول الكبرى في السيطرة، وأصبح الإرهاب سلاحاً أقوى من جميع الأسلحة التي عرفتها البشرية إذ أن طائرة مدنية تتحول إلى صاروخ( ).

وصحيح أن جورج بوش الابن يغطي مفهوماً محدوداً للغاية من الارهاب -في عالم أحادي بعد زوال الاتحاد السوفيتي- إذ أنه يرى الارهاب شكلاً عنيفاً من أشكال الرفض للقيادة الأمريكية. وحين تحدث في خطاب له يصف أحداث 11/9/2001 قائلاً" قد عرف بلدنا اليوم الشر وخبر أسوأ ما في طبيعة الانسان "، وعلى الشعب الأمريكي أن يعرف أن العدو الذي يواجهه اليوم – الارهاب- مختلف تمام الاختلاف عن أعداء الماضي، إنه عدو يلبد في الظل ويستخف بحياة الانسان، عدو يجفل من الناس الأبرياء الذين هم فريسته، وحين ينجح في مهمته يهرع إلى مخبأ يحتمي به". ولكن الرئيس بوش يتوعد هذا العدو مؤكداً أنه لن يتمكن من الهروب إلى الأبد ( ).

• جاك شيراك/الرئيس الفرنسي : كان جاك شيراك / الرئيس الفرنسي قد صرح بأن الارهاب هو الحرب. ولم يكن أحد يعتقد أن عملية إرهابية مهما كانت ضخامتها تستوجب وبمجرد الشك إعلان حرب رسمية ضد مرتكبيها وأن تتحول أفغانستان بعد 11/9/2001 إلى مسرح عمليات حربية تقترف فيها باسم مكافحة الارهاب جرائم أشد وأفظع ( ).

الولايات المتحدة الأمريكية:

مازالت أمريكا غير راغبة بوضع تعريف للأرهاب تاركة المجال للتشريع الداخلي التصدي له . أمريكا تعلن حرباً عالمية ضد الارهاب دون أن تعطي مفهوماً له وها هي حشدت قوى تحالف دولي في حربها على الارهاب ضد أفغانستان فاسقطت نظام الحكم فيها وبعد ذلك احتلت العراق وأبادت نظام الحكم فيه دون أن تضع تعريفاً للارهاب وهي مستمرة في حربها ضد الارهاب بدون حدود.

لم يصبح الارهاب ذا صبغة دولية فقط ولكنه أصبح بمثابة "منظمة دولية" جديدة لها شخصية وسمات خاصة بدليل إن الولايات المتحدة أعلنت حرباً ضده بل وشكلت تحالفاً دولياً من أجل القضاء عليه. إن هذه الحرب يمكن تسميتها " بالحرب غير المتناظرة"، ويظهر عدم التناظر جلياً من الطبيعة الجديدة لأسلحةِ هذه الحرب ومن تكاليفها الهائلة، لم تكلف عملية 11/9/2001 تدريباً وتخطيطاً وحشداً وتمويلاً وتنفيذاً سوى أقل من نصف مليون دولار إلا أن الأضرار التي نتجت عنها تقدر ببلايين الدولارات، هذا بالإضافة إلى كلفة أخرى على العلاقات الدولية فقامت أمريكا باستبعاد هيئة الأمم المتحدة وهمشت دورها في مواجهة التهديد العالمي المتمثل بالارهاب والارهابيين بل وكذلك همشت دور حلفائها إضافة إلى تهميش دور روسيا والصين والهند. إن أحداث 11/9 ساعدت على زيادة الشرخ بين الشمال والجنوب لأن المواجهة بين العالم الغربي والإسلامي ستؤدي إلى تعزيز الشرخ بين الشمال والجنوب( ).

ولا بد من الاعتراف أن التيار المعادي لوضع تعريف للارهاب ما زالت له الغلبة بحيث تم كبح جميع الجهود وتعطيلها وترك الحرية للدول أن تكيف ما يقع على الساحة الدولية كل حسب هواها لتصف بعض الأعمال بالارهاب والآخر دفاعاً عن النفس أو "ضربه إستباقية" لتضيف مصطلحاً عالمياً جديداً على قاموس المصطلحات. وما إخراج الارهاب من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية إلا مؤشر على قوة هذا التيار.

إن الدوافع السياسية لذلك التيار حالت دون التوصل إلى وضع تعريف ليبقى الارهاب مصطلحاً سياسياً معناه: الارهاب هو ما يفعله الأشقياء فقط أما يفعله الأصدقاء- ولو كان من نوع فعل الأشقياء – فله كل الأسماء الأخرى ما عدا الارهاب . ومن ثم انطلقت دول تلك التيار – أي المعارضة لوضع تعريف – للتعامل مع ما تعتبره إرهاباً بوضع اتفاقيات قطّاعية بلغت اثنتي عشرة اتفاقية بعضها يتعلق بجرائم الطيران وعلى ظهر السفن (حادثة اكيلالارو) وبعضها بالجرائم المتعلقة بالرهائن، وبجرائم إستخدام المتفجرات البلاستيكية، وبعضها بجرائم الارهاب عن طريق القنابل وأرادوا تمرير اتفاقية عن الارهاب النووي فتم حصرها بارهاب الأفراد النووي ( وليس إرهاب الدولة النووي). وتم التوصل إلى إقرار اتفاقية مكافحة تمويل الأرهاب سنة 1999. وبالفعل تم التوصل إلى اثنتي عشرة اتفاقية قطاعية لمحاربة الارهاب.

ويقول د. عبد العزيز شكري " ما دام أن التيار الغالب يرفض وضع تعريف للارهاب ويحدد له عقوبة معينة فلماذا لا نسمي الأفعال باسمائها ؟ فالقتل قتل والحرق حرق، ونسف المنشآت هو نسف المنشآت… وهكذا.

ويبقى الارهاب مجرد مظلة تظلل تحتها جميع هذه الجرائم وما قد يتفتق عنه ذهن الانسان من جرائم إذا كان من الأعداء؛ أما إذا كان منا أو من أصدقائنا فهو قتل مجرد قتل ، أو حرق مجرد حرق ( ). ويتساءل هل نحتاج إلى اتفاقية جديدة كلما تفتق ذهن الانسان عن أداة جديدة للترويع ؟ إن ذلك منتهى الاعتباطية في السياسة الدولية. إن التعريف بأسلوب التعداد والإضافة الذي تتبعه الدول المعارضة لوضع تعريف لا يخدم مكافحة الارهاب والخشية إنه إذا ترك الأمر دون رادع قانوني أو أخلاقي سيدفع خصومه لتأجيج حمأة العنف.

وما دام أن المجتمع الدولي لم يوافق على وضع تعريف للارهاب من الناحية القانونية فليس هناك جريمة إرهاب مستقلة يمكن أن يوصم بها أحد بل هناك جرائم يمكن تجاوزاً تسميتها جرائم ذات صفة ترهيبية( ).

لكن سمو الشيخ حمد آل ثاني/ أمير قطر ورئيس منظمة المؤتمر الاسلامي يدعو إلى وجوب العمل على تفعيل دور الأمم المتحدة التي من الواجب عليها أن تقوم بالدعوة إلى عقد مؤتمر دولي ينعقد تحت مظلتها لوضع معاهدة دولية لمكافحة الارهاب تحدد تعريف الارهاب والعقوبات التي يستحقها والتمييز بينه وبين حق الشعوب في المقاومة والنضال؛ والتركيز على حق الشعب الفلسطيني وانقاذه من "ارهاب الدولة" الاسرائيلي، لأن إرهاب الدولة هو الذي يخلق إرهاب المنظمات ولن تنكسر هذه الحلقة إلا بتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني وتوفير الحماية الدولية له( ).

وفي خطاب لنائب رئيس وزراء ماليزيا / وزير الداخلية في اجتماع لمنظمة دول " الآسيان" / جنوب شرق آسيا أشار إلى أن هناك صعوبات تعترضهم وهم يحاولون وضع تعريف للارهاب يوافق عليه الجميع إنه أمر ليس سهلاً غير أن دول الاسيان تشترك في شيء واحد وهو التزام الجميع بمكافحة الارهاب ، وأنه ليس هناك ما يمنع من تفعيل التعاون بينها في هذا الشأن طالما أنه لم يتوفر بعد المفهوم المشترك للارهاب الذي يحظى بقبول الجميع ( ).

الباعث السياسي :

إن سبب هذا الاهتمام اللامحدود في الارهاب هو " المضمون السياسي" ، وما يمتُ إليه ذلك المضمون بأية صلة كالعقيدة والأيديولوجيا و… فمثلاً إذا قام " مختطف بخطف طائرة لدوافع شخصية كالحصول على مال أو حق الاقامة أو اللجوء السياسي، فإن هذا " الاختطاف" لا يُعد عملاً "إرهابياً" حسب التفكير القانوني السائد مع ما في عملية الاختطاف من العنف الذي ينشر الذعر – على الأقل لدى ركاب الطائرة الأبرياء-. إن ما يجعل العمل ارهابياً هو الدافع السياسي أو الأيديولوجي أو العقائدي للفاعل. فعملية اختطاف الطائرة تصبح " عملية ارهابية " حينما يكون الخاطف يستهدف أمراً سياسياً .

وهناك تساؤل: لماذا يجري التركيز على الحالة الشخصية والذهنية للفاعل بدلاً من التركيز على الماهية الموضوعية للفعل بحد ذاته؟ يجري كل ذلك في الوقت الذي يتم فيه التشديد والتأكيد على " تسييس" الجريمة الإرهابية " ولكن فقط في مرحلة التجريم وبعد ذلك تنزع منها " التسيسة" في مرحلة العقاب حتى يمنع "المُجرم" من الاستفادة من الحقوق الدولية التي تُمنح للمجرم السياسي أي لحرمانه مثلاً من "حق اللجوء السياسي". إنه أمر إن لم يوصف بإعجازية فهمه، فهو متناقض جداً!!

وخلاصة هذا الرأي:

- حتى يمكن وصف جريمة بأنها إرهابية، لا بد أن يكون حافزها سياسياً محضاً (أي تسييس الجريمة).

- وحتى يمكن إيقاع العقوبة القصوى بالمجرم على الجريمة التي حركتها بواعث سياسية يجب معاملة الفاعل كمجرم عادي ( أي نزع الصفة السياسية عن الجريمة).

- ولتوفير إمكانية إجراء محاكمة أسرع – والأصح أسهل – فلا بد من " ولاية دولية" الأمر الذي يستدعي توصيف الجريمة بأنها " دولية " ( أي إعادة التسييس للجريمة).

إنه توصيف متغير ومحير وغير منطقي للفعل نفسه، كل ذلك من أجل إجراء محاكمة أسهل منالاً لجرائم دُفِشَتْ عنوةً تحت بيرق " الارهاب" .

والأمر يتطلب بالفعل إجراء مقاربة شاملة لهذه الظاهرة السياسية وإلا فلن يتمكن الباحث الموضوعي أن يصون موضوعيته( ).

الجهود الدولية المستمرة لتحديد الارهاب

قام " إرهابيون" من منظمة " الأستاذا" المكدونية الانفصالية بإغتيال ملك يوغوسلافيا الكسندر الأول ووزير خارجية فرنسا حين زيارته لفرنسا في الجنوب في مدينة مرسيليا بتاريخ 9/10/1934 مما كان لهذه الجريمة أثر مروع في العالم الأمر الذي دفع فرنسا لطلب عقد إجتماع " لعصبة الأمم المتحدة" للتدارس في الموضوع. فكونت العصبة لجنة خاصة لأعداد ميثاق دولي حول الارهاب مكونة من (14) دولة منها بلجيكا، بريطانيا، إسبانيا، فرنسا، إيطاليا، بولندا، يوغسلافيا، رومانيا سويسرا وروسيا. وتم التوصل إلى اعداد هذا الميثاق الذي وقعت عليه 29 دولة في 16/11/1937 والميثاق مكون من اتفاقيتين الأولى لقمع الارهاب والثانية لمحاكمة مرتكبي هذه الجرائم أمام محكمة جنائية دولية على أن يكون اختصاص هذه المحكمة اختيارياً للدولة صاحبة الشأن ( ).

وجاء في المادة الأولى للاتفاقية الأولى أن المقصود بالارهاب هي الأفعال الجنائية المرتكبة ضد الدولة بهدف إثارة الفزع والرعب لدى شخصيات رسمية أو جماعات من الناس أو الجمهور، وبينت تلك الأفعال وهي:

1- الاعتداء المتعمد ضد سلامة أو حرية أو سمعة المذكورين تالياً:

‌أ. رؤساء الدول والحكومات أو ولي العهد أو خلفاؤهم بالوراثة أو التعيين .

‌ب. زوجاتهم.

‌ج. الأشخاص المكلفون بمهام عامة.

2- التخريب أو الحاق الضرر العمدي بالأموال العامة أو الأماكن التي يستخدمها الجمهور .

3- الخلق عن قصد لخطر عام يعرض حياة الانسان للخطر كاستخدام المتفجرات والمادة الحارقة أو تسميم الغذاء والماء.

4- الشروع في ارتكاب تلك الجرائم.

5- انتاج أو امتلاك أو الحصول أو تقديم أسلحة أو ذخائر أو مواد متفجرة بقصد تنفيذ جريمة من تلك الجرائم أينما كان.

6- المشاركة في العمل الارهابي سواء بالانتماء إلى جمعية ارهابية وبالاتفاق مع من يرتكب عملاً إرهابياً أو بالتحريض على إرتكابه.

كما أن الاتفاقية أسبغت "الدولية" على الجريمة الارهابية الموجهة ضد " دولة" أو مُرتكبةٌ من قبل دولة أو إذا تعددت الأماكن الحاضنة لأعداد العمل الأرهابي أو تنفيذه أو الأماكن التي لجأ إليها الفاعلون أو تعددت جنسياتهم أو جنسيات شركائهم. ووصفت الاتفاقية العمل الاجرامي الذي على صلةٍ بالعمل الارهابي بأنه عمل تحضيري للعمل الارهابي يتخذ صفته .

لم يكتب لهذا الميثاق النجاح ولم يدخل حيز التنفيذ بسبب نشوب الحرب العالمية الثانية وبسبب الضغوط السياسية الهائلة، أو بسبب أن الأغلبية الساحقة من ضحاياه لم يكونوا من البشر اللذين يسمع المجتمع الدولي أناتهم فلا تهتز أحاسيسه لقتلاهم ولا يجزع للدمار الذي حلَّ بهم لأنهم من العالم الثالث فلا يأبه لهم أصحاب الكلمة المسموعة دولياً( ).

ويؤخذ على الميثاق بأنه يرى الارهاب هو فقط الموجه ضد الدولة رغم أنه قد يقع ضد كيانات لم تكتمل دوليتها، أو قد يقع ضد شعوب شردت من أراضيها أو ضد حركات تحرر أو حركات ثورية( ).

وهناك الاتفاقية الأوروبية لسنة 1977 التي بدورها لم تقدم تعريفاً محدداً للارهاب بل قامت بتعداد أعمال إرهابية منها ما كان قد حُرم باتفاقات سابقة أو كان التعامل الدولي قد حرمها وأضافت عليها " كل الأفعال الخطرة" التي تسبب خطراً عاماً أو تخاطر بحياة الأشخاص وأموالهم، ثم أخرجت تلك الأعمال والأفعال من توصيف " الجريمة السياسية كي لا تنطبق عليها بنود الاتفاقية الدولية لتسليم المجرم السياسي لسنة 1957 حتى تحول دون تطبيق مبدأ " عدم تسليم المجرم السياسي".

هذا وقد جاءت الاتفاقية العربية التي وقعها وزراء الداخلية العرب لسنة 1998 بالتعريف التالي للارهاب حسب المادة الأولى:

" كل فعل من أفعال العنف أو التهديد أياً كانت بواعثه أو أغراضه يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، ويهدف إلى القاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو أمنهم للخطر؛ أو الحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو إحتلالها أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر"( ).

ويلاحظ أن هذا التعريف لم يذكر شيئاً عن البعد السياسي للارهاب، وطبيعي أن ذلك يعكس رغبة الدول الموقعة فمثلاً بقيت الجزائر ردحاً طويلاً – بعد إندلاع الارهاب فيها – تنكر البعد السياسي في أزمتها وتعيدها فقط إلى البعد الاقتصادي والاجتماعي رغم أنها كانت تصفها بأنها أزمة متعددة الجوانب – ما عدا الجانب السياسي – والمعروف أن الجزائر كانت تدفع الدول العربية باستمرار للوصول إلى اتفاقية ضد الارهاب وكذلك وضع مدونة للسلوك ، فالجزائر تلظت على نار الارهاب أكثر من غيرها – على الأقل حتى سنة 1995 ( ).

إن تجاهلها للبعد السياسي يعني أنها تساوي بين كل أعمال العنف أياً كانت بواعثها إذا كانت تخلق الرعب بين الناس؛ فهناك الكثير من الجرائم تسبب الرعب مثل قتل العجائز الوحيدات للإستيلاء على أموالهن وسرقتهن وأعمال الجريمة المنظمة كذلك ، لا تدخل في مفهوم الارهاب. كما اعتبرت الاتفاقية احتلال المرافق العامة والخاصة عملاً إرهابياً بينما الاحتلال يُعتبر عدواناً والاحتلال جريمة أخطر من العدوان( ).

وبرأي " جميل مروة" أن قمة منظمة المؤتمر الاسلامي المنعقدة في الدوحة في نوفمبر /2001 قد أضاعت الفرصة لوضع تحديد لمفهوم الارهاب، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا تقوم مؤسسات فكرية في هذه المهمة كأن تقوم جريدة الحياة اللبنانية بالدعوة إلى عقد مؤتمر لهذه المهمة، إن تجربة كهذه هي تطور بحد ذاتها( ).

وجاء في المادة الأولى من مشروع الاتفاقية التي أنتجتها " لجنة الارهاب الدولي سنة 1980 كتعريف للارهاب:

" جريمة الارهاب الدولي هي كل عمل عنيف خطير، أو التهديد به، يقوم به فرد أو مجموعات، موجه ضد الشخصيات أو الهيئات أو المقرات أو وسائط أو أنظمة النقل والاتصالات بقصد الموت أو الجرح للشخصيات أو تعطيل فعاليات الهيئات أو الحاق الخسائر أو الأذى أو الهدم للمقرات للوصول إلى تقويض علاقات الود والاحترام بين الدول أو مواطني الدول أو ابتزاز تنازلات من الدول ، وكذلك فإن التخطيط للقيام بأحد الجرائم السابقة أو القيام بها أو التحريض أو المشاركة بالقيام بها تعتبر جريمة إرهاب دولي. وهذا التعريف مهتم بالشخصيات المحصنة دولياً وكذلك المقرات الرسمية: البعثات الدبلوماسية والقنصلية والمنظمات الدولية أو المرافق الرسمية العامة ولا يهتم بالمجموعات البشرية التي تعاني من العدوان والفصل العنصري وإبادة الجنس، ومع ذلك فإن مشروع الاتفاقية لم يلاق رضاءاً من الدول القوية التي لا تؤيد وضع تحديد للارهاب إذ تحبذ أن يبقى عائماً للاستعانة به عند الحاجة ضد " الرجل الموجود في البيت المجاور" كما يقال ( ).

مجموعة دول عدم الانحياز

من المفروض أنها المجموعة التي يجب أن تبدي إهتماماً كبيراً في الموضوع لانعكاساته المباشرة عليها، وجاء تحديدها للارهاب معدداً أنواعه على النحو التالي:

• وبديهي أن يحتل قمة الأفضليات لتصنيفها للموضوع أعمال العنف التي تقوم بها الأنظمة الاستعمارية وما تمارسه من قهر وتمييز عنصري ضد الأمم التي تناضل للحصول على إستقلالها وحريتها- الاستقلال والحرية بالمعنى الحقيقي وليس الشكلي-( ) الأساسية.

• الأعمال التي تقوم بها الحشود من "الجنود المرتزقة" ، لحساب مستأجرها- ضد الدول ذات السيادة، والقارة الافريقية تزخر بمثل هذه الأمثلة، إذ هناك شركات متخصصة تقوم بذلك ( ).

• أعمال العنف التي تقوم بها مجموعات أو أفراد تعرض نفوساً بريئة أو الحريات الأساسية للخطر ما عدا تلك الأعمال الموجهة للدفاع عن الحق وإحقاقه كحق تقرير المصير الذي تسعى إليه الشعوب المحرومة منه، أو للوقوف ضد أشكال السيطرة الأجنبية أو دعماً لحركات التحرر الوطنية وخاصة نضال الشعب الفلسطيني في كفاحه المرير ضد الغزاة المستوطنين.

• العنف المرتكب من قبل أفراد أو مجموعات بهدف الحصول على مكاسب شخصية إذا عبر تأثيره الحدود السياسية للدولة( ).

مجموعة دول أمريكا اللاتينية:

ترى المجموعة أن الارهاب هو التهديد باستخدام العنف أو استخدامه ويعرض حياة الانسان البريء للخطر أو ينهيها أو حرياته الأساسية، سواء قام بذلك فرد أو مجموعة أفراد على أرض أجنبية أو في أعالي البحار أو على طائرة في الأجواء الدولية، بهدف نشر الرعب لتحقيق هدف سياسي. كما أن من الارهاب الأعمال القمعية التي تمارسها القوى الاستعمارية أو العنصرية، وكذلك كل الأعمال التي تقوم بها قوة أجنبية للسيطرة على غيرها وانكار حقها في الاستقلال وتقرير المصير والحقوق والحريات . وكذلك عمليات الاغتيال والجروح والاعتقال والرسائل المفخخة والخسائر في الممتلكات سواء أرتكبت على أرض أجنبية أو قام بها أجانب أو موجهة ضد أجانب بهدف الترويع لتحقيق مآرب سياسية لأن هذه الأعمال اعتداء على القيم الاجتماعية وانتهاك لكرامة الانسان ( ).

دول المجلس الأوروبي

أورد المجلس تعريف الارهاب في الميثاق الأوروبي " لمنع وقمع الارهاب" الموقع في 10/11/1976 وذلك بإجراء سرد للأعمال التي يراها إرهابية وهي : الجرائم الواردة في اتفاقيات دولية سابقة مثل ميثاق طوكيو حول الطيران 1962 ، ولاهاي سنة 1970 ، ومونتريال سنة 1971 وكذلك الجرائم الواردة في اتفاقيات المحافظة على حياة وسلامة وحرية الأشخاص الذين يتمتعون بالحصانة الدولية، وفي اتفاقية منع استعمال المتفجرات والأسلحة التي تعرض حياة الانسان للهلاك أو الخطر. كما أن الميثاق اعتبر الشروع في أيٍ من الأعمال السابقة أو التخطيط لها أو المشاركة فيها عملاً إرهابياً.

ملاحظات على "تعريف المجموعات" السابقة للإرهاب:

تميل مجموعة أمريكا اللاتينية " إلى " حصر" الارهاب الدولي على العمل الاجرامي الذي يقوم به " فرد " أو "مجموعة" داخل إقليم دولة أجنبية أو ضد رعايا دولة أجنبية.

بينما قامت دول عدم الانحياز بالربط بين الارهاب وأسبابه والتي هي الممارسات العنصرية والهيمنة السياسية والاقتصادية والتغريب. وطبيعي أن تستثني كل من مجموعة دول عدم الانحياز ، والمجموعة العربية، ومنظمة المؤتمر الاسلامي أعمال الكفاح والنضال الوطني من التوصيف الارهابي( ). من المعروف أن الموقف الغربي عموماً – طبعاً بما في ذلك إسرائيل- يعتبر أي عمل تحرري نضالي عملاً إرهابياً – يتضح ذلك من التعريف الذي وضعه المجلس الأوروبي-. وهنا يكمن جوهر الخلاف الذي سيشكل دائماً استحالة للاتفاق على تعريف. مثلاً لم يتم الاتفاق على تحديد معنى الارهاب في مؤتمر الأمم المتحدة المنعقد في القاهرة من 29/4-8/5/1995 في الوقت الذي تم فيه الاتفاق على ربط الارهاب بالجريمة المنظمة لتطابقهما في السمات. والهدف من ذلك نزع المضمون السياسي من الجريمة الارهابية ومساواته بالجريمة المنظمة لإباحة تسليم المجرم بحرمانه من الميزات التي يعطيها القانون الدولي للجريمة السياسية. وستبقى المشكلة موجودة ما لم يتم الاتفاق على المعنى.

وصحيح أن الارهاب يمكن أن يرتكبه فرد أو مجموعة أفراد أو هيئة أو منظمة أو " قاعدة ". والصحيح أيضاً أنه يمكن أن يرتكب من قبل دولة وحينها يطلق عليه " إرهاب الدولة " أو إرهاب تسانده أو ترعاه الدولة، فالدولة قد تقمع مواطنيها- وما أكثرها – فهي دولة استبدادية ، أو تقمع المقاومة ( فهي استعمارية أو عنصرية أو استيطانية ، ( وما أكثرها أيضاً) . ولكن إرهاب الدولة حسب رأي أكثرية الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة فإنه العمل العسكري أو شبه العسكري أو السري – الذي تقوم به الأذرع الأخطبوطية العنكبوتية الشبكاتية الاستخبارية.

لذلك فإن الفعل الاجرامي الذي يقوم به أشخاص والعابر للحدود والذي دوافعه سياسية هو الفعل الذي أصبح موضع إهتمام المجتمع الدولي ليس فقط من قبل " السياسة" بل و " القانون" أيضاً. أما الأشكال الأخرى للعنف فلا بأس من تجاهلها وإخراجها من الذاكرة فهي غير ذات بال بل وحتى غير موجودة!!.

إذن فالقصد واضح بيّن من التمسك والأصرار على " أن الارهاب هو صنع فرد أو أفراد وليس صناعة دول" ، أو هو عمل مدنيين ضد آخرين من المدنيين وليس من قبل عسكريين، ولا صفة سياسية له بل ولا تحركه بواعث سياسية ( ) ولا يفوت على البال أن " العنف" هو وسيلة للقهر تستخدم لتغيير الفكر والسلوك، أما " الدعاية " فهي أيضاً وسيلة لتغيير الفكر والسلوك ولكن بطريق " الاقناع". إذن فهما وسيلتان لاصقتان بالعمل الارهابي، فالدعاية أو الأعلام من الجانب الارهابي هي التي تكشف هوية العمل الارهابي فيما إذا كان جريمة عادية أم جريمة إرهابية سياسية، وطبيعي أن المجتمع سيتخذ التدابير للتعامل مع كل نمط حسب " وقع " هذا النمط عليه.

والملاحظ أن " المشرع الداخلي" استطاع أن يعرف الارهاب وأن يقنن فهمه للارهاب، لذلك هناك تعريف وطني للارهاب في معظم دول العالم بما فيها أمريكا أو فرنسا أو انجلترا أو مصر أو سوريا أو لبنان أو الأردن ، ولكن الأسرة الدولية فشلت حتى الآن في وضع مفهوم موحد له متفق عليه( ). ومن المعلوم أنه في ظل النظام العالمي الثنائي القطبية استطاع العالم التوصل إلى وضع تعريف للعدوان ولكن في ظل القطب الواحد استحال وضع تعريف للارهاب. لذا فإن المرء يستطيع أن يستنتج إن عدم الرغبة في توحد التعريف تعبر عن طبيعة الحال السياسي في العالم( ).

فالارهاب رد فعل مزدوج:

- فهو من ناحية رد فعل على القهر والظلم.

- وهو من جهة ثانية محاولة لكبح جماح رد ذلك الفعل.

إنه رد فعل تقوم به شعوب مغلوبة على أمرها من حكم استبدادي داخلي أو من هيمنة أجنبية، وهو رد فعل الحاكم المستبد الداخلي أو المهيمن الخارجي ضد المقاومة التي تشنها جماعات انتحارية أو استشهادية – سمها ما شئت-. فهو إذن " حلقة مفرغة" رد على رد وهكذا فلا يمكن للعالم أن يخرج من هذه الحلقة المفرغة إلا حينما يُرغم على ذلك! ولكن كيف؟ هل يتم ذلك بأن يُزيل طرف الطرف الآخر، يبدو أن ذلك هو الدارج حتى الآن ولكن الأمر يزداد تأججاً واشتعالاً، أم أن ذلك يمكن أن يتم بإزالة أسباب الظلم والقهر عن طريق علاجها، والأمر أيضاً يزداد تأججاً واشتعالاً حين يكون العلاج خطأً.

إن التحدي أمام الباحث للوصول إلى تعريف للإرهاب بوصفه ظاهرة سياسية هو أخذه مأخذ الجد ورفض التحريف المنتشر، وعليه بالاستقلال فالحاجة ماسة إلى موقف مستقل. إن من له علاقة بالوضع في إيرلندا، أو الوضع في الشرق الأوسط أو أي نزاع عرقي أو عقدي، يدرك تعقيد الارهاب وخطورته ابتداءاً من عدم وجود تعريف له؛ فإن ما يشكل ارهاباً لدى جهة ما، تفهمه جهة أخرى على أنه نضال مشروع وعمل بطولي . بالإضافة إلى أن هناك مَيْلٌ لتضخيم المسألة وتشويهها. فهناك من يرى الارهاب على أنه تهديد للعالم ( ). وهناك حكومات استغلته للبطش بالخصم أو التستر به كغطاء حين تمارس هي الارهاب الحقيقي ( ). ولا يستطيع أحد انتشال الارهاب من تلك البرامج السياسية إلا حين التوصل إلى توضيح مفهومه والتعمق في تاريخه، الارهاب هو مسألة " عرف" وليس شيئاً "معطي تلقائياً بالحقائق والتاريخ ولهذا العرف أربع جوانب:

1- الجانب الأول – إرهاب سيادة القانون أو ارهاب الحكومات أو إرهاب الدولة، فغالبية الأعمال الارهابية اقترفتها السلطة ضد من لا سلطة له سواء داخل إقليمها أو خارجه.

2- هناك أعمال عنف إرهابية منعزلة يقصد بها فقط إشاعة الارهاب كالأعمال التي ترتكب في بلد ثالث لا علاقة سياسية له بموضوع ذلك الارهاب من قريب أو بعيد كعمل تقوم به منظمة الجيش الجمهوري الايرلندي خارج انجلترا، أو كعمل فلسطيني خارج منطقة الشرق الأوسط. تلك طبعاً هي أعمال يتجسد فيها الارهاب الدولي بوضوح فهو ارهاب منظم بحد ذاته وعابر للحدود وله شبكة عالمية تقوم إما بمساعدته أو تقف وراءه أو تسانده.

3- الجانب الثالث: هناك جانب فضفاض واسع للإرهاب يلف تحت ردائه مثلاً أعمال العنف من حرب أهلية أو أطراف نزاع لا يتفق معها مطلق الأوصاف الارهابية. لذا فإن هذا المصطلح كثيراً ما يطلق هذه الأيام على أية حركة غير مستحسنة من قبل بعض الأشخاص أو الدول ( ).

4- الجانب الرابع: أصبح الارهاب قلقاً معولماً، وبالتالي أصبح هماً عاماً وقضية من قضايا الدولة وموضوعاً يفرض نفسه على الندوات ومؤسسات البحث أشبه ما يكون " بالسحر" أو " الجاسوسية" أو " الإباحية" وتم تضخيمه ليرمي خلفه العديد من الظواهر الأخرى، ولتبرير العمل السياسي وتوجيهه"( ).

لذا يقع ضمن " الارهاب" الموضوعات التالية : العنف الذي تقوم به السلطة الرسمية ضد مواطنيها؛ أعمال العنف المعزولة" حركات التحرر، وأخيراً تضخيم الارهاب من أجل أهداف سياسية.

إن النقطة الأساسية تبقي هي الاتفاق على معنى محدد وموحد. وهذه مشكلة تحصل في كل التجمعات الدولية التي تتعمد إثارة مسألة التعريف الجامع المانع للأرهاب لتبخر فيما بعد كل الجهود وتعصف بها وبفرص النجاح. يرى البعض أن التمسك بضرورة وضع تعريف أمر المقصود منه إعاقة الجهود المخلصة السليمة للقضاء على الارهاب حتى يبقى الوضع مناسباً تحركه الأهواء المتبدلة والسياسات المعلنة والسياسات المخفيِّة. وحتى يُترك المجال للأعمال القذرة التي تقوم بها الأجهزةُ الخفية. وبما أن وضع التعريف الجامع المانع أمر دونه القتاد وتختلف حوله الآراء، فلماذا – كما يرى البعض الآخر – لا نكتفي بضبط الأمر عن طريق تحديد العناصر والسمات الخاصة به وبواسطتها وعن طريقها يمكن تسمية الموضوع. وهنا يمكن القول بأن العمل الارهابي، "فعل إجرامي؛ تحركه دوافع دنيئة؛ يرتكبه فرد أو جماعات، بأسلوب يتعمد نشر الرعب في النفوس بغية تحقيق هدف أياً كان هذا الهدف" ( ) إن عنصر الرعب هو جوهر الفعل الارهابي ولا يعني أن الفعل الارهابي يُشترط أن يكون عنيفاً ورغم أن معظم الحالات تتوسل العنف لكن الوسيلة تبقى الوسيلة وليست الجوهر، فقد يحصل عمل إرهابي أشد فتكاً وبدون عنف حتى ولا التهديد به مثل تلويث مصادر المياه بالأوبئة ( ) والجراثيم والكيماويات أو إرسال الرسائل المغبرة بالانتراكس كما وقع في أمريكا بعد أحداث 11/9/2001 (أو المؤامرة التي تمَّ الكشف عنها بالأمس 22/5/2003 بأنه تم ضبط طرد مرسل إلى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات من الشرق الأقصى مغبراً بالمسحوق الأبيض الجمرة الخبيثة فخضع مرافقوه وحراسه منذ أسبوعين لتعاطي المضادات الحيوية كما أعلن الوزير نبيل شعث( )) أو دفن النفايات النووية أو تسحيب الأجواء بالغمام المشبع بالإشعاع النووي فوق المدينة كما حدث في قبرص سنة 1987 ( ).

هناك أحداث تاريخية أثبتت أن الارهاب بدأ بدون عنف، إذ بدأ بالدعاية بالقول ثم تحول فيما بعد إلى الدعاية بالعمل فكانت أشد خطراً وترويعاً. وكمثل على ذلك: في التاريخ العربي الخوارج والأزارقة والحشاشون والقرامطة (إذ اختطف زعيمهم الحجر الأسود من الكعبة لمدة عشرين عاماً وقتل معظم حجاج بيت الله الحرام في ذلك العام ورمي جثثهم في بئر زمزم ) ( ). وكمثل من تاريخ أوروبا إرهاب " النارونايا نوليا" الروسية، ثم الثورة الفرنسية وحكم اليعاقبة ، ثم الثورة البلشفية ، وإبان الحركة الفوضوية" والحركة " العدمية". وفي الفترة المعاصرة لاحظنا بعض " اللاعنف" في الارهاب مثل " الرعب الكيمائي" و" الرعب البيولوجي أو الجرثومي" ، وبشكل صارخ " إرهاب رأس المال" وغيرها من الأشكال التي لا تعتمد على العنف ولكن يبقى عنصر الرعب النفسي فيها جميعاً هو القاسم المشترك وكعنصر جوهري للإرهاب( ).

إن مشكلة الارهاب تبقى في هذا الكم الهائل من المصطلحات التي غالباً ما تطغي على المفهوم الجرمي مما يؤكد التركيز على مفهومه السياسي سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي. إن استمرار استخدام هذه الكثرة من المصطلحات من قبل السياسيين الرسميين في الفضائيات التي اخترقت كل الحواجز للوصول إلى أعماق المشاهد أمر يعود إلى عدم وجود اعلام مضاد يهديء من الروع أو يفرض صيغاً أخرى لِتُزيل اللبس المخيم في المفهوم " ويبدو أن ضعف دول المحيط مقارنة بدولة المحور ومن لف حولها هو سبب هذا الضياع والتخبط"( ).

تعريف بواسطة تحديد العناصر

وفي محاولة لتعريف الارهاب عن طريق ترتيب عناصره حسب أهميتها، يمكن إيراد العناصر التالية:

1- العنف واستخدام القوة(2) العنصر السياسي (3) الخوف والفزع والرهبة (4) التهديد باستخدام القوة أو التلويح بها(5) إحداث أثر نفسي ورد فعل أوسع لا ينحصر في الضحايا أو المشاهدين (6) اختيار الضحية من أجل ضمان تأثير أكبر لتحقيق الهدف (7) التخطيط والنظام (8) أسلوب القتال الاستراتيجية والتكتيك (9) خرق القوانين النافذة وتجاهل المبادئ الإنسانية (10) نشر الشعور بالاذعان باستخدام القهر (11) التركيز على الدعاية والاعلام (12) العشوائية وبدون تمييز (13) الضحايا مدنيون محايدون وغير مقاتلين بل هم خارج النزاع (14) تأكيد براءة الضحايا (15) وجود تنظيم جماعة أو حركة (16) جانب رمزي (17) المفاجأة وعدم اعطاء الفرصة للطرف المقابل للتنبؤ (18) السرِّية في العمل والموقف والتوقيت (19) التكرار واحداث مسلسل من العنف (20) ارتكاب جناية (21) الهدف له علاقة بطرف ثالث ( ).

ولكن رغم سرد هذه العناصر فإنها ليست كافية لوضع تعريف للارهاب لأنه ما زال تحت البحث والدراسة، ويجب أن لا تحول صعوبة الأمر دون المسعى العلمي. والنقد الموجه إلى هذا التعريف:

- رغم الاشارة إلى الجانب الرمزي- في البند السادس عشر- في الضحايا، فكثيراً ما يتم القتل لأشخاص معينين.

- ورغم الاشارة إلى العشوائية في البند (2) إلا أن معظم ضحايا الارهاب في احداث الصعيد في مصر مثلاً كانوا من الشرطة، الأمر الذي يستلزم الوعي بالتفريق بين الارهاب والاغتيال السياسي والتخريب.

- لم يعط الاهتمام الواجب للعمل التحضيري للارهاب مثل تأمين التمويل والتسليح ، وترسيخ المصداقية للمجموعة الارهابية، وتجنيد الانصار، وضمان الغطاء الشرعي.

- لم يذكر أن الارهاب يقوم به أفراد أو مجموعات أو حكومات.

- التعريف يعتبر أن الدولة لا تمارس الارهاب لأن ما تقوم به من استخدام للعنف هو من متطلبات الحكم.

- لم يتطرق ولم يبرز أن الارهاب يمكن أن يستخدم السلاح الكيماوي أو البيولوجي أو النووي لأن الدول النووية لا تقبل ربط الارهاب بالردع النووي في مواجهة شعوب ودول لا حوزة لها من تلك الاسلحة.

- الارهاب ليس قتالاً لأنه لا يلتزم بقوانين الحرب، بل هو مجموعة مسلحة في مواجهة مدنيين – غير مسلحين – تواجدوا بالصدفة وغير قادرين على ابداء أية مقاومة( ).

لقد أقدم Alex Shmid بعد أن درس عدداً من التعريفات للارهاب بلغت 109 على مغامرة بوضع تعريف يحتوي – حسب رأيه – جميع العناصر المشتركة في تلك التعريفات وهو ( ):

" الارهاب اسخدام العنف أو التهديد باستخدامه ضد ضحايا أفراد وجماعات منتقاة تم اختيارها بمواصفات محددة يسبب لها الهلع ويفقدها الاحساس بالأمن كهدف للارهاب. وهذا العنف مرفوض من قبل المشاهدين لفظاعته ولأنه وقع في زمن السلم وفي مكان غير ميدان القتال ولم يلتزم بقوانين القتال التقليدية. هذه الانتهاكات تنتشر لدى جمهور خارج نطاق الهدف، ويهدف الارهاب التأثير على هذا الجمهور إما لشل حركة الهدف أو لارباكه أو لاذعانه أو لفرض مطلب من السلطة مثلاً، أو لشد الانتباه أو لاحداث تغييرات على الموقف أو السلوك ليصبح متعاطفاً مع المطالب القصيرة المدى أو البعيدة لمرتكبي هذا الاسلوب من الصراع( )".

وطبقاً للاحصاءات التي أوردها " شميدت" ، و"جونجمان" سنة 1998 للمنظمات الارهابية في العالم. فإن عددها بلغ 2176 منظمة : منها 506 في آسيا، 229 في أفريقيا، 378/ في أمريكا اللاتينية، 655 في تركيا، 319 في البلاد العربية. وتشير الدراسة التي أجراها د. حسين شريف سنة 1997 إلى أن 25.4% من مجموع المنظمات الارهابية موجودة في الدول المتقدمة. ونصيب الدول الاسلامية منها 17.5%، ونصيب العالم الثالث 13%.

وتكمن المشكلة الرئيسية في تعريف الارهاب حتى الان في جملة من الأفعال حرمتها القوانين الوطنية في معظم الدول ، بالاضافة إلى أفعال محددة حرمتها اتفاقات دولية. وإذا كان الارهاب جريمة بحد ذاته في القوانين الوطنية، فهو ليس كذلك في القانون الدولي حيث يبدو أنه مجرد مظلة يندرج تحتها عدد من الجرائم المُعرّفة ( ).

وفي الحقيقة لقد كثر الحديث عن الارهاب مِن كل مَن هبَّ ودب وكثر حشوه بالمعاني بأكثر مما يحتمل كجميع المصطلحات التي برعت في استخدامها حقبة الحرب الباردة الآفلة التي ألقت القبض على كثير من الألفاظ وعبّأتها بالمعاني وحولتها إلى قذائف وجَّهتها ؛ ثم عادت لتصهرها من جديد بعد كل استعمال وتحشوها أيضاً من جديد بمعاني متجددة وتعيد توجيهها حتى أضاع اللفظ معناه وفقد صلته بمعناه الأول الذي في الأصل جرى نحته من أجله. إن ما جرى في الولايات المتحدة في 11/9/2001 هو عمل جنوني والجنون يمكن أن يكون إرهاباً، ولكن الارهاب ليس جريمة بالمعنى العادي للجريمة إذ لا علاقة شخصية بين الجاني والضحية وبالتالي لا توجد مصلحة مباشرة بينهما. فألارهاب فعل عام وليس فعلاً خاصاً وهذا ما يميزه عن الجريمة ( ).

والارهاب لم يحدث في أيامنا الحالية فقط مع نشوء القضية الفلسطينية أو الافغانية على سبيل المثال، وإنما تاريخه طويل إذ أصبح في القرن العشرين شكلاً من أشكال الثورة استخدمه المقهورون غير القادرين على شن حرب لعجز إمكاناتهم كما انهم لم يستطيعوا أن يشعلوا ثورة ضد جبروت الطغيان، فلم يبق أمامهم إلا الأقدام على أعمال يائسة فقبلوا بدفع حياتهم ثمناً للدفاع عن مطالبهم. وكذلك مارس الروس الارهاب في القرن التاسع عشر ضد القياصرة، والأرمن في وجه العثمانيين، والايرلنديون والهنود والمصريون واليهود ضد بريطانيا في النصف الأول من القرن العشرين. لقد كان الارهاب وسيلتهم الوحيدة للتعبير عن مطالبهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ومهما كانت التكلفة الحياتية عليهم وعلى غيرهم. وكان الارهاب الذي مارسوه يهدف إلى :

- إشهار القضية والاعلان عن أنفسهم باستخدام القوة.

- تأكيد النيّة في تحقيق الهدف مهما كانت التضحية.

- توجيه ضربة مفاجأة من قبل الضعيف إلى الخصم القوي ترهبه وتقلقه.

- دفع الخصم إلى الاضطرار إلى ارتكاب أعمال قمع ضد الشعب الأمر الذي يثير الشعب ضده وينفر منه، مما يشعر الارهاب بأن الجمهور قد تعاطف معه.

ويقول محمد حسنين هيكل: إذا كان الارهاب ثورة اليأس ضد القوة، فإن عصر العولمة نقل ظاهرة الارهاب من حدود الأوطان إلى اتساع القارات بحيث يمكن القول إن معظم أزمات زمننا الراهن وعقده الفكرية والنفسية ومعظم حركات التمرد والعصيان فيه هي بمثابة نوع من الحرب أو نوع من الثورة – لم يقل نوعاً من الارهاب ولكنه يقصده – يقوم بها قاع العالم ضد قمته "( ).

اعتبارات لا بُدَّ منها حين تعريف الارهاب:

1- الارهاب ليس وقفاً على فكر يساري أو يميني إنما هو " تقنية " يستعين بها كل من له مصلحة فيها، وليس بالضرورة أن يكون " إيديولوجية " لجماعة ما حتى تلجأ إليه، بل هو أسلوب عمل في مرحلة معينة.

2- لا ينتسب الارهاب إلى مرحلة تاريخية محددة، فالتاريخ على طوله حافل بالحركات الارهابية التي عرفتها البشرية.

3- يتعايش الكثيرون مع " الطغيان" والفقر والبطالة والاستبداد، بينما يغرقون في خوف كبير من الارهاب، الأمر الذي يُثبت أن الانسان يمكن تمرينه على قبول بعض المفاهيم ورفض الأخرى دون تفكير أو تحليل.

4- الارهاب شيء، والتقييم الاخلاقي لأسبابه شيء آخر.

قام بعض الفلسطينيين باختطاف الطائرات خرقاً للقانون الدولي في نهاية الستينات وبداية السبعينات، إن هذا العمل الارهابي لا يغير من عدالة القضية الفلسطينية ( ). ومن جهة أخرى قامت إسرائيل بتصفية عناصر فلسطينية وهم نيام آمنين في بيوتهم ولم تُتهم بأنها ارتكبت جرائم إرهابية.

فالعمل الارهابي ليس المقوم الحقيقي لدرجة عدالة القضية، هذا بالاضافة إلى " نسبية" مفهوم العدالة( ).

5- الوصف الجرمي للارهاب لا يتغير تبعاً لحجم الأضرار – أو عدد الضحايا. قد يكون هناك عمل " إرهابي" بدون أي ضحية ؛ وقد يكون هناك ضحايا عديدة وخسائر كبيرة من عمل لا يوصف بالارهاب.

6- العمل الارهابي ليس مقتصراً على آثاره المباشرة من خسائر وأرواح أو هلع؛ بل هناك الهدف الحقيقي- قد يكون الانتقام أو التهديد المبطن- وهو غير المباشر الذي قد يكون الدعاية لموضوع أو هدف ما. يعتمد الارهابي على إثارة فضول الرأي العام للبحث عن هدفه الجوهري.

7- قد يكون باعث الارهاب دنيئاً أو نبيلاً ، لكن ذلك لا يؤثر على موقف الدولة من حرمان الارهابي من التمتع بالحقوق التي تمنح للمجرم السياسي.

8- إن القضاء على الفقر والقهر والظلم وانهاء الاحتلال وضمان حق تقرير المصير وعدم التدخل في شئون الغير تساعد كثيراً للحد من الارهاب.

9- كل جرمٍ يولد ذعراً- ولكن محدوداً-، ولكن الذعر المهول من أكثر المظاهر المصاحبة للعملية الارهابية.

10- العامل السياسي هو الدافع للارهاب ولا يمكن فصل السياسة عن الارهاب وخاصة في حالة " ارهاب الدولة".

11- الارهاب هو " مفهوم Notion" أي أنه يشمل فعلاً أو أكثر حرّمه القانون الداخلي والقانون الدولي( ).

12- وفي غياب تعريف محكم للإرهاب سيتهم كل خصم خصمه بالارهاب وبذلك تدب الفوضى ويختلط الحابل بالنابل ويسهل اتهام المناضلين بانهم ارهابيون( ).

تعريف للارهاب في بعض التشريعات الوطنية:

على العموم إن عقدة تعريف الارهاب على المستوى الدولي ، قد تعافى منها المجتمع على المستوى الوطني هذا إن لم نقل لم يُصَب بها أصلاً. فهناك حوالي نصف دول العالم قد وضعت نصوصاً تشريعية لتجريم الارهاب والجرائم الارهابية سواء كانت هذه النصوص في قانون العقوبات أو في قوانين جنائية خاصة.

جمهورية مصر العربية:

ورد نص تعريف الارهاب في القانون رقم 97 لسنة 1992 حسب المادة 86 من قانون العقوبات على النحو التالي:

يقصد بالارهاب كل استخدام للقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع يلجأ إليه الجاني تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي بهدف الاخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر إذا كان من شأن ذلك إبادة الأشخاص أو القاء الرعب بينهم أو تعريض حياتهم وحرياتهم أو أمنهم للخطر والحاق الضرر بالبيئة أو بالاتصالات أو المواصلات أو الأموال أو المباني أو بالاملاك العامة أو الخاصة واحتلالها والاستيلاء عليها أو منع أو عرقلة ممارسة السلطات العامة أو دور العبادة أو معاهد العلم لأعمالها أو تعطيل الدستور أو القوانين أو اللوائح.

جرائم الارهاب في القانون المصري جرائم غير سياسية وهي من اختصاص محكمة أمن الدولة( ).

جمهورية لبنان

ورد تعريف الارهاب في المادة 314 من قانون العقوبات اللبناني لسنة 1943:

" الأعمال الارهابية هي جميع الأفعال التي ترمي إلى ايجاد حالة ذعر وترتكب بوسائل كالأدوات المتفجرة والمواد المحرقة والمنتجات السامة أو الوبائية أو الميكروبية التي من شأنها أن تحدث خطراً عاماً ( ).

الجمهورية العربية السورية

ورد في القانون الجنائي السوري لسنة 1949 حسب المادة 304 المضافة لسنة 1978 : "يقصد بالأعمال الارهابية تلك الأفعال التي ترمي إلى ايجاد حالة الذعر وترتكب بوسائل كالمواد المتفجرة والأسلحة الحربية والمواد الحارقة والمنتجات السامة والمحرمة والعوامل الوبائية أو الجرثومية التي من شأنها أن تحدث خطراً عاماً ( ).

الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب

الارهاب هو كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أياً كانت بواعثه وأغراضه يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ويهدف إلى القاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر أو الحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر( ).

في المملكة الأردنية الهاشمية

كان تعريف الارهاب قد ورد حسب المادة 147 من قانون العقوبات كما يلي: جميع الأفعال التي ترمي إلى ايجاد حالة ذعر ترتكب بوسائل كالأدوات المتفجرة والمواد الملتهبة والمنتجات السامة أو المحرقة أو العوامل الوبائية أو الجرثومية التي من شأنها أن تحدث خطراً عاماً.

وقد تم استبدال ذلك التعريف بتعريف جديد بـ " القانون المعدل لقانون العقوبات – قانون مؤقت رقم 54 لسنة 2001 فأصبح الارهاب: " استخدام العنف أو التهديد باستخدامه تنفيذاً لعمل فردي أو جماعي يهدف إلى الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر إذا كان من شأن ذلك القاء الرعب بين الناس وترويعهم أو تعريض حياتهم وأمنهم للخطر، ويشمل الافعال التي تلحق الضرر بالبيئة أو المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو الدولية أو البعثات الدبلوماسية أو باحتلال أي منها أو الاستيلاء عليها أو تعريض الموارد الوطنية للخطر أو تعطيل تطبيق أحكام الدستور والقوانين( ).

هذا القانون جاء تقريباً مماثلاً للتعريف العربي للارهاب الذي ورد في الاتفاقية العربية لمكافحة الارهاب ( ). ومنظمة العفو الدولية شعرت بقلق من استخدام كلمة " التهديد" لأنها تفتح الباب لاتهام الأشخاص بممارسة الارهاب مثلاً بسبب انتمائهم التنظيمي المزعوم إلى الجماعات المعارضة التي تستخدم العنف. إن عبارة الأفعال التي تلحق الضرر بالبيئة " عبارة غامضة يمكن أن تشمل الأضرار الطفيفة التي يتسبب بها المتظاهرون المسالمون.

كما أن عبارة " الاستيلاء على البعثات الدبلوماسية أو احتلالها" في غياب أي تعريف واضح للدرجة التي يعتبر فيها العمل عندها إرهاباً يمكن توجيه التهمة به ضد الذين يتظاهرون أمام احدى السفارات. إن ذلك يشكل خطراً على حرية التعبير وحرية الاشتراك في الجمعيات الأمران اللذان كفلهما الدستور الأردني.

هذا بالاضافة إلى أن المادة 147-2 تعتبر فعلاً من أفعال الارهاب أي فعل يتعلق بأي عملية مصرفية وبصورة خاصة إيداع أموال لدى أي بنك في المملكة أو أية مؤسسة مالية أو تحويل هذه الأموال من قبلها إذ تبين أنها أموال مشبوهة ولها علاقات بنشاط إرهابي.

وبموجب المادة 147-2-ج، ، فإن الإداري المسؤول في البنك أو المؤسسة المالية الذي أجرى العملية وهو عالم بذلك يعاقب بالحبس وتتم مصادرة الأموال التي تم التحفظ عليها.

كما ساور القلق منظمة العفو الدولية من إمكانية إدراج دعم الأنشطة السلمية تحت تعريف الارهاب وبالتالي تجريمه. كما أن القانون يوسع الجرائم الارهابية التي يُعاقب عليها القانون بالموت أو السجن المؤبد. في حين أن المادة 148-4(جـ) تقضي بعقوبة الاعدام إذا تم ارتكاب الفعل باستخدام المواد المتفجرة أو الملتهبة أو المنتجات السامة أو المحرقة أو الوبائية أو الجرثومية أو الكيميائية أو الاشعاعية أو ما شابهها سواءً أدى ذلك إلى الوفاة أم لا . ومن بين الأفعال التي يعاقب عليها القانون بالسجن المؤبد تعطيل سبل الاتصالات أو أنظمة الحاسوب أو اختراق شبكاتها أو التشويش عليها كما جاء في المادة 148-3(هـ) ( ).
  • ملف العضو
  • معلومات
حسن الصباح
مستشار
  • تاريخ التسجيل : 23-12-2006
  • الدولة : الجزائر
  • المشاركات : 2,967
  • معدل تقييم المستوى :

    14

  • حسن الصباح is on a distinguished road
حسن الصباح
مستشار
  • ملف العضو
  • معلومات
khalid
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 03-01-2007
  • المشاركات : 145
  • معدل تقييم المستوى :

    12

  • khalid is on a distinguished road
khalid
عضو فعال
رد: أمــــراء الظــلام
14-02-2008, 10:54 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حسن الصباح مشاهدة المشاركة
هل أنت ضد الاسلام أخي خوجة ؟؟؟
ـ السلام.

وهل أمراء و شيوخ الظلام هم الإسلام ؟ أنا ضد هؤلاء .....
  • ملف العضو
  • معلومات
حسن الصباح
مستشار
  • تاريخ التسجيل : 23-12-2006
  • الدولة : الجزائر
  • المشاركات : 2,967
  • معدل تقييم المستوى :

    14

  • حسن الصباح is on a distinguished road
حسن الصباح
مستشار
رد: أمــــراء الظــلام
14-02-2008, 09:40 PM
أمراء الظلام رواد الحركة الإسلامو/صهيونية
رابني وجود كلمة "اسلام" في التعريف
  • ملف العضو
  • معلومات
khalid
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 03-01-2007
  • المشاركات : 145
  • معدل تقييم المستوى :

    12

  • khalid is on a distinguished road
khalid
عضو فعال
رد: أمــــراء الظــلام
15-02-2008, 05:26 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حسن الصباح مشاهدة المشاركة
أمراء الظلام رواد الحركة الإسلامو/صهيونية
رابني وجود كلمة "اسلام" في التعريف
ـ السلام.

شيوخ ودعاة وشبه دعاة يحملون راية الفتاوي الصهيونية التي تجيز سفك دماء المؤمنين الأبرياء ، وهي عملية إستطاعت " الموساد" و غريمها "C.I.A" بهيكلة هذه الفئة من رواد الظلام و الذين إستطاعوا أن يجروا في فلكهم الكثير من الشباب . وعلى هذا يمكن لنا أن نسميهم بالحركة "إسلامو/صهيونية.
  • ملف العضو
  • معلومات
khalid
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 03-01-2007
  • المشاركات : 145
  • معدل تقييم المستوى :

    12

  • khalid is on a distinguished road
khalid
عضو فعال
رد: أمــــراء الظــلام
15-02-2008, 07:00 AM
السلام .
موضوع جديد سنتناول فيه مسيرة أمراء الظلام رواد الحركة الإسلامو/صهيونية التي تفتك أعراض المغلوبين و تسفك دماء المسلمين ، وكيف إستطاعت هده الحركة من توزيع الأدوار فيما بينها وخلق جو من الإبهام و ستار يحجب الرؤية الواضحة في مسائل الدين الحنيف و بالتالي جر الشباب المسلم الى برك الدماء .
من الحركة الوهابية الى حركة الإخوان المسلمين بمصر و إنتشارها في أكثر من مائة دولة حتى التزاوج مع الوطنيين و الإشتراكيين بل حتى الإقتباس المخابراتي الأمريكي في أفغانستان و إيران في نهاية الثمانينات .
كل دلك ببعض الإعترافات التي أدلى بها أمراء الموت و أمراء الحياة الظلامية .
أخي العضو في هدا المنتدى نطلب منك الإصغاء و الجدل العلمي المستقى من الحياة المعاشة و الأفكار المستنبطة من شرع الله تعالى و سيرة رسوله -صلى الله عليه و سلم -
تاريخ الإرهاب
إن استخدام العنف أمر مرافق للبشرية منذ نشأتها وما قصة إبني آدم قابيل وهابيل إلا دليل أولي على ذلك. ثم إن القاعدة الأساسية التي كانت منذ بداية الحياة الأولي هي القاعدة المعروفة والتي مازال بريقها متألقاً وهي " البقاء للأقوى". ومع تطور الانسان ونزوعه الفطري إلى تكوين حياة اجتماعية ومدنية؛ ومع نشوء الحضارات ظهرت قواعد للسلوك تطلبت بعض القيود على القاعدة المتألقة دائماً. ومع ذلك ورغم وصول الانسان للفضاء وتطور اكتشافاته واختراعاته الرائعة إلا أننا نجد بأن القاعدة مستمرة ولكن مع ظهور قاعدة أخرى لا أقول تنافسها ولكن تكملها وهي " البقاء للأصلح". والأمر ليس مقصوراً على الأفراد أو الجماعات بل ينسحب على كل التنظيمات التي ابتدعها الانسان وفرضها التطور صعوداً إلى "الدولة" وإلى "المنظمات الدولية" مهما تعددت ميادينها، حتى أن بعض الدول – ولو أنها تقال بخوفٍ أو استحياء – تتحرك في الاطار الدولي أو الداخلي إرتكازاً على " القوة فوق الحق"( ). تتم ممارسة العنف بأشكال متنوعة يتوقف شكلها على الفاعلين والظروف والمجتمع والبيئة التي يمارس فيها العنف سواءً كان عنفاً مادياً أو معنوياً، ولأن العنف هو أحد أوجه السلوك الاجتماعي فإنه يتأثر في المجتمع ويؤثر فيه ، فالجرائم تتطور وتتغير تبعاً لتطور المجتمع وتغيره. ذبح البقر في الهند عند الهندوس جريمة، وذبحه عند المسلمين للغذاء وفي مجتمعات أخرى أكل لحوم البقر أكثر رقياً من أكل لحوم الضأن.

إن خطورة العنف الارهابي أيضاً خطورة متطورة ومتعاظمة إذ لم تكن لها في بدايتها –ولو أن في الأمر نسبيه- الهول الذي رأته بعض المجتمعات فاتسع نطاقه وتعددّت أشكاله مسخراً ما تفتق عنه العقل والقدرة البشرية من فكر ووسائل( ). وأصبح اللجوء إلى الارهاب في نظر البعض بديلاً للحروب التقليدية، ولدى البعض الآخر أكثر فاعليةً خاصةً إذا لم يكن في الحيلة غيره( ) وبما أن لكل فعل رد فعل، فهناك بالمقابل تطور موازٍ في سبل مكافحة هذه الآفة. ولو استفاق من قبره اليوم أحد عباقرة التاريخ مثل الاسكندر الكبير أو خالد بن الوليد، أو جنكيز خان، أو السلطان سليم أو نابليون لفرك الواحد منهم عينيه من هول الجبروت الذي امتلكه الانسان المعاصر؛ ولا بد أن عَجَبَهُم سيكون أشبه بالجنون فلا يصدِّقون مثلاً سقوط الاتحاد السوفيتي المدجج من أخمص قدمه إلى قمة رأسه بجميع أنواع الأسلحة غير التقليدية الفتاكة التي تكفي للقضاء على الكرة الأرضية أربع مرات، الذي خر مستجدياً ذليلاً على يديه وجبينه- وكما يقول الأردنيون حافي القدمين دارعاً عقاله برقبته( ).

كما ولا يصدقون مثلاً بزوغ قوى لا تملك أي سلاح محكوم عليها نتيجة هزيمتها في الحرب العالمية الثانية بأن تبقى منزوعة السلاح مثل ألمانيا واليابان( ). كما ولن يصدقوا " شعبطة" قوى لا تمتلك شيئاً إلى قمة مسرح العمليات تفتك بدون هوادة بأقوى قوى العالم تُمَرِّغُ أنفها في التراب( ).

كان الاتحاد السوفيتي السابق قوةً عظمى لا بل كان أحد القطبين العالميين في النظام الدولي السابق المنتهي سنة 1990. وكأي قوة عظمى فهو مضطر أو أسير لمحددات الجغرافيا والقانون الدولي والداخلي، والحال الاقتصادي، والايديولوجيا، والتوازن السياسي، والظروف السياسية. إذا كانت هذه القوة القطبية الثانية السابقة قد انحلت؛ فالقوة البديلة أو التي صعدت إلى "القطبية الثانية" هي" القوة الإرهابية" التي هي عبارة عن فدرالية إرهاب فيها من كل انحاء العالم ربما أبرزها على السطح أو القسم الذي يطفو على سطح الماء من ذلك الجبل الجليدي والتي عن قصد تم إبرازها والتركيز على هذا الأبراز ألا وهي "القاعدة لأبن لادن". هذه القطبية الارهابية لا قيود عليها لا بل متحررة من أي قيد أو محددات الأمر الذي يجعل منها الأخطر أو ربما الأقوى من أية دولة عظمى. وما العمليات التي حدثت في نيويورك وأندونيسيا وغيرها إلا بمثابة " لعب أطفال" قياساً لما يمكن أن يتفجر خاصة بعد سقوط العراق ومن يدري من بعد العراق-( ). ربما أن هناك مستقراً في الذهن لمقولة "كبلنج" الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا "التي شكلت مرجعية حقيقية في التاريخ وصارت متأصلة في الغرب أكثر من الشرق( ).

إن القيام بعمل يسبب إرهاب الآخرين قديم قدم التاريخ المكتوب ومن أقدم الأمثلة على ذلك الحركة الارهابية اليهودية في القدس المسماة "السيكاريون" وهم طائفة دينية على درجة عالية من التنظيم لعبت دوراً فعالاً في العمليات الارهابية "للزيلوت" في فلسطين في القرن الأول للميلاد بين سنة 66-73م إذ اتبعت أسلوباً جديداً خارجاً عن التقاليد والعرف فكانت تهاجم أهدافها في وضح النهار وفي مناسبات الأعياد وحيث يكثر الحشد الجماهيري في مدينة القدس مستخدمة سلاحها المفضل الذي هو سيف قصير يخفيه " السيكاري" تحت سترته( ). إن الارهاب ينحدر من جذور عتيقة أجداده في عصور غابرة.

ويحاول "لاكور" تشبيه السيكاريين Sigaris "بالحشاشين" من الطائفة الاسماعيلية رغم أن الحشاشين لم ينطلقوا من التعاليم الاسلامية، وعلى العكس من ذلك السيكاريون الذين انطلقوا من عقيدتهم الدينية اليهودية رغم عدم صلتها بالتوراة الحقيقية التي لم يعد يعرف عن أصلها شيٌْ بعد أن شوهها وما يزال يشوهها اليهود من رجال الدين مفضلين عليها فتاوي الحاخامات والتلمود والمزامير ( ). وكانت الأعمال الارهابية موضع ترحيب رجال الدين بل وتسامحهم ومباركتهم ولكن ذلك لم يفرز محاولات تؤسس على هذا التاريخ لوضع نظرية في الارهاب المسيحي أو اليهودي. ومن هنا لا يمكن لأي باحث جاد أن يقبل الاستنتاج الخاطئ بأن الاسلام دين ارهابي.

إن ذلك يدفع المرء للوقوف بقناعة وجرأة ليؤكد أن الارهاب لا دين له ولا وطن له ولا زمان له ولا جنسية له ولا شكل محدد له. كانت هناك جمعيات سرية تتبع أساليب مختلفة وأهداف مختلفة منذ عدة قرون في الصين والهند وفي البلاد الاسلامية وكذلك في أوروبا وأمريكا. ولكن الارهاب المنظم بدأ في القرن التاسع عشر – ولا داعي لاسقاط مفاهيم آنية على عصور غابرة – إذ شهدت المعمورة أعمال عنف متفرقة منظمة لها محركات عرقية أو عنصرية أو سياسية ترتكب في مواجهة أنظمة أو حكومات أو سيطرة أجنبية إستعمارية ( ).

إن قضية الصراع بين الخير والشر قضية أزلية منذ غادر الانسان جنته ونَزَلَ على الأرض مروراً بالتاريخ الانساني حتى يومنا هذا وستبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها( ).

إن موضوع الاغتيالات التي مورست عبر التاريخ وثيقة الصلة بالارهاب الذي نحن بصدده اليوم ، وتبقى عملية " اغتيال الطغاة " عملية معقدة في أصولها الاخلاقية والسياسية، وليس بالمقدور غفرانها أو شجبها تلقائياً وعلى الفور إذ لا يخفى على المتتبع للتسلسل التاريخي أنه قد مرت ظروف لم تتوفر وسائل أخرى للتغيير أو لمقاومة الطغيان إلا الدخول في عملية الاغتيال أو القتل.

قال أصحاب اعلان استقلال أمريكا عن " جورج الثالث" ملك انجلترا" لقد دمر بحارنا ودمر شواطئنا وحطم أرواح أهلنا" حينما لجأوا إلى الارهاب. وفي مثل هذه الحالات لم ينظر الأمريكيون إلى قتل الجنود الانجليز – أصحاب الستر الحمراء- والموالين على أنها جرائم ولكنهم اعتبروها أفعالاً وطنية( ).

ومنذ ما يقارب المئتي عام قام الأمريكيون بطرد وإبادة السكان الأصليين – الهنود الحمر- وفتح نصف المكسيك وتدمير منطقة الكاريبي وأمريكا الوسطى واحتلال هاييتي والفيلبين وقتل مائتي ألف فليبيني. وبعد الحرب العالمية الثانية وسع الأمريكيون سيطرتهم على العالم وقاموا دائماً بدور القاتل وكانت المعركة دائماً أيضاً خارج الأراضي الامريكية ( ).

والارهاب المعروف عبر التاريخ بأحداثه الكثيرة يؤكد أنه ليس معطياً جديداً من معطيات العصر الحاضر. فقد عرف التاريخ أحداثاً كبيرة – وإن لم تُسم إرهاباً في حين الحدث أو الحقبة ذاتها – يمكن تفسيرها بأثر رجعي وحسب المفهوم المعاصر للارهاب على أنها إرهاب ( ). وتكمن الصعوبة في أن الارهابيين قد ادعوا وعلى مر العصور أنهم ارتكبوا أعمالهم كمحررين يحاربون الاستبداد بما فيه من شراسة وأعمال قهر تفوق الوصف. وطبيعي أن أعمالهم هذه لم تكتسب الوصف الشرعي إلا بعد نجاحها فحسب. وكانت كل دولة لوحدها – وحسب أخلاقها – هي التي تضع معايير السلوك الذي يُبين اللائق من عدمه. والتاريخ يغص بالأمثلة التي ظهر فيها مرتكبو الإرهاب بأنهم محاربون من أجل الحرية. وبما أنهم نجحوا فالبعض منهم أصبح فيما بعد رئيساً للدولة، أما من فشل منهم فقد حفظ في الهامش مكفناً بأقذع الصفات، ومن يدري فقد ينبش تاريخهم من جديد ليمنحوا فيما بعد أوسمة البطولة( ).

ينحدر الارهاب تاريخياً من جذور عتيقة وهناك من يؤشر إلى أن فلسفة الالتجاء إلى الارهاب ومستلهماته في العالم اليوم قد تكون في النموذج السوفيتي المصمم بعناية وحذق، ولكن مثل هذه الاشارة تحتاج إلى تقليب أكثر لصفحات التاريخ.

إن الارهاب الموصوف بأقذع وأرذل الأوصاف في أيامنا هذه، كان في أعين " الثوريين في مطلع القرن التاسع عشر إيجابياً ويرون فيه رديفاً للعنف الثوري الذي قال عنه "كارل ماركس" إنه قاطرة التاريخ لقناعته بأن الطبقة الحاكمة لا تتخلى عن موقعها وامتيازاتها كما ولا تسمح بقيام نظام العدالة الانسانية الاشتراكية ؛ ولا طريق للاطاحة بها إلا بالعنف الذي يجب أن يبلغ درجة الارهاب". وقد ربط " تروتسكي" باعتزاز بين الارهاب والشيوعية في عنوان واحد من مؤلفاته المهمة الارهاب عنف. والعنف كان يعتبر ايجابياً في العصور الثورية لأنه موجه ضد فئات وقوى حاكمة تقوم هي نفسها باحتكار العنف وأدواته لأنها تمتلك سلطة الدولة القهرية القمعية كما تمتلك القدرات الاقتصادية والمواقع الاجتماعية اللازمة الضرورية التي تستخدمها ضد مواطنيها من القوى التقدمية.

وبعد انهيار القطب الذي قاد التيار المسمى ثورياً فأصبح الارهاب والعنف الذي كان آنذاك ظاهرة ايجابية، أصبح ظاهرةً "سلبية لا بد من التخلص منها سواءاً داخل الديار التي كانت اشتراكية أو خارجها في ديار العالم الحر إما لأنها أصبحت تمثل شكلاً من الخروج على القانون والنظام العام أو لأنها تنتهك احتكار السلطة للعنف. هذا إذا آمنا أن الارهاب هو فعل عنف تقوم به جهة غير رسمية أو بدون تكليف رسمي. وهذا يفضي إلى فهمين متضادين للارهاب: إما أنه عنف تقوم به جهة غير رسمية فهو إذن خروج على القانون يجب وقفه ومعاقبته، وإما أنه عنف تقوم به جهة رسمية فهو إذن عنف مشروع مغطى بقبول قانوني. إذن فكل عنف تمارسه جهات غير رسمية تقوم به خارج القانون هو إرهاب مهما كانت أغراضه ومسوغاته ؛ والارهابي هو كل شخص أو جهةٍ غير رسمية تستعد للقيام أو تقوم بأعمال عنف مخالفة للقانون ( ). وهذا فهم لا يحظى إلا بتفسير جهة واحدة فقط علماً بأن هناك جهات متعددة تتناقض تفسيراتها مع هذا التفسير رغم أنه يمثل حقبة تاريخية جزئية وليس كل الحقب وحتماً ليس كل التاريخ.

والارهاب شر في نظر ضحاياه المستهدفين، بينما أهدافه نبيلة في نظر ممارسيه لأنه الوسيلة السهلة لتحقيق قدر من توازن القوى عن طريق توازن الضرر ورفع الكلفة على القاهر والمحتل ( ). ولكن لا يفوتنا احترام الرأي الذي أبداه الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة وهو " ليس الارهاب كالكولسترول فيه الحميد وفيه الخبيث، لا بل كله خبيث"( ). كما ولا بد من احترام رأي غسان تويني الذي قال" ليس الارهاب عليَّ وعلى أعدائي يا رب، بل هو عليَّ وعليَّ فقط يارب"( ).

والحق أن العنف السياسي الذي هو دائماً من النوع غير المستساغ كان ملازماً للانسان طيلة العصور، فإذا كان اليوم يقوم الارهابيون باختطاف البشر كرهائن والاختطاف شكل من الأشكال المتعددة للإرهاب- ففي الماضي كانت قبائل " الأنكا" تستولي على أوثان القبائل الأخرى كرهائن تكبح فيها تمرد أهلها( ). وصور الشاعر الانجليزي الخالد " شكسبير" ، صور" بروتس" كصاحب مبادئ تحول إلى إرهابي عندما اشترك في اغتيال يوليوس قيصر. وذهبت مثلاً عبارة القيصر بعد تلقيه طعنة بروتس. " حتى أنت يا بروتس".

إن "روبن هود" و "وليم تل" وهما من أبطال الأساطير الفلوكلورية الذين شنوا -ببطولة محط الاعجاب- حربا ضد الطغاة، وأثبتا أن أصل الارهاب ينحدر من العهد الذي كان يمجد الثورة ضِدَّ الطغاة( ).

وبالامكان رد عمليات الاختطاف -من أجل الحصول على فدية- إلى القرن الثاني عشر عندما ألقي القبض على الملك البريطاني" ريتشارد قلب الأسد " كرهينة في احدى قلاع الرأين ولم يفرج عنه إلا بعد أن دفع رعاياه مبلغاً كبيراً لأسرة أرشيدوق النمسا والامبراطورية الرومانية المقدسة. وقد تم اختطاف البابا نفسه من روما في القرون الوسطى إلى مدينة "أفينون" في فرنسا وبقى مركز البابوية هناك ردحاً طويلاً من الزمن( ).

أصبح فيما بعد الأطفال هدفاً سهلاً ومستحباً للأختطاف ويسود الاعتقاد بأن أصل الكلمة الإنجليزية Kidnapping (وتعني اختطاف) جاءت من الفترة التي انتشرت فيها عمليات خطف الأطفال. وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر كان الأطفال يختطفون ويباعون في سوق الرقيق للمستعمرات في نيوانجلاند. ولا تنسى تلك المرحلة للاستعمار الاسباني والبرتغالي التي كانت سفنهم فيها تجوب السواحل الافريقية تختطف البشر لتبيعهم في سوق العبيد.

وفي القرن الثاني عشر والثالث عشر كانت فريضة الاغتيال" تأتي انفاذاً للأوامر السلطانية للسلاطين العثمانيين للخلاص من المعارضين والمنشقين – وأغرب ما في الأمر اغتيال أشقاء ولي العهد قطعاً لدابر المنافسة والانشقاق – وبعد ذلك بستة قرون انغمس حتى أذنيه روبسبير وسان جوست في وحلٍ من رعب الاغتيال تترجرج أصداؤه عبر التاريخ في ثنايا ما خلّدته الثورة الفرنسية لسنة 1789.( ).

وفي العصور الأحدث أعاد الأرمن في القرن التاسع عشر اكتشاف فاعلية ارهاب خطف الرهائن، وظهرت فكرة التنظيم الارهابي السياسي في نفس الوقت في كل من الجمعيات السرية في ايطاليا واسبانيا ثم انتقلت إلى المانيا قبل أن يعرفها الروس.

ويستطيب بعض الباحثين الغربيين في الارهاب – وواضحة ميولهم وثقافتهم الصهيونية – أن يؤرخوا للارهاب بتلك العملية الارهابية التي قامت بها المنظمة الفلسطينية " أيلول الأسود" التي قامت فيها بقتل 11 رياضياً إسرائيلياً في دورة الالعاب الأولمبية التي جرت في ميونخ في ألمانيا في 5/9/1972 حتى يقروا في الأذهان إن العرب والمسلمين إرهابيون بل وإن الإسلام دين ارهابي. وقبل ذلك بأربعة أشهر أي في شهر أيار /1972 قتل 28 شخصاً في عملية اطلاق رصاص في مطار اللد في القدس من قبل حدثين يابانيين ينتميان إلى الألوية الحمراء اليابانية التي ونتيجة اتفاق بين المنظمات الارهابية قامت بالعملية لحساب منظمة أيلول الأسود .

وكان من نتيجة عملية ميونخ وعملية مطار اللد أن تحركت الضغوط الدولية بعد أن حُرِّكَتْ خيوط لُعَبِها – كخيوط مسرح العرائس- فطلب كورت فالدهايم إدراج بند في جدول أعمال الجمعية العامة في دورتها السابعة والعشرين تحت عنوان " تدابير منع الارهاب واشكال العنف الأخرى التي تعرض حياة الناس للخطر أو تقضي على حياة الأبرياء أو تعرض الحريات الأساسية للخطر( ).

ولا يخفى على أي باحث أن السبب الحقيقي وراء النوح " وتعفير الوجوه وشق الثياب" بسبب الارهاب اعتباراً من أيلول سنة 1972 – وليس قبله وليس بعده- لم يكن نتيجة أن عنف الارهاب لم يبدأ قبل ذلك التاريخ بل بسبب أن الضرب طال الحبيب أي طال ( ) المصالح الحيوية للقوي المهيمن على الساحة الدولية فأصبحت مصالحه تشكل هدفاً لخصومٍ بالذات بأن طالت أولاً الحليف الاستراتيجي إسرائيل " هذه هي الحقيقة السافرة الكامنة وراء الاهتمام المفاجئ بظاهرة الارهاب"( ).

ثم أخذ الاهتمام بمكافحة الارهاب يزداد بعد انتهاء الحرب الباردة وذوبان الاتحاد السوفيتي وانفراد أمريكا بالعالم كقوة عظمى ولوحدها. يضاف إلى ذلك تغول إسرائيل على العرب كقوة هائلة لا يطاولها آخر – رغم النق الفارغ من هنا وهناك- في ساحة الشرق الأوسط.

واعتمد هذان الأوحدان في مَحْقْ إرادة الآخرين على قواتهما " العسكخبارية" - أي العسكرية والاستخبارية- واحتكار أسلحة الدمار الشامل والتفوق التكنولوجي. كما آمن هذان الأوحدان أن مقتلهما يكمن في الارهاب الذي ليس لديه لا جيوش نظامية باسلحتها الجوية، كما لا تتوفر له أية ميزات عسكرية، ولا تكنولوجيا رقمية علمية. ليس لديه أي من تلك بل ولا يحتاج إليها. لديه فقط أشخاص على استعداد للموت من أجل تحقيق هدف أثمن من حياتهم." إنهم يريدون أن يجروا مع جثثهم المتفجرة جلاديهم إلى محكمة دار الآخرة بعد أن أغلقت في وجوههم كل محاكم الدنيا بعد أن سقط القانون الدولي.

إن أمريكا بمساندتها اللامحدودة لإسرائيل أصبحت مسؤولة معها عن انتشار الارهاب، وتبدد الحل السلمي، وبالتالي عن انتشار البيئة الصالحة لتفريخ الارهاب وتجنيد الارهابيين. وكم من زعيم عربي حاول تقديم النصح لأمريكا – من الأصدقاء الصدوقين لأمريكا – بأن حل القضية الفلسطينية على أسس عادلة هو السحر الذي يمحو الارهاب. " ولكن في الأذن طينة وفي الأخرى عجينة". ولا ينسى الباحث في التاريخ السياسي أن إسرائيل قامت بالارهاب، كما أن أمريكا – كما هي حال الكثير من الدول التي استقلت- حققت استقلالها بالعنف ، ولا يشكل ذلك مأخذاً عليها.

يجب أن تتركز الجهود على معالجة الأسباب السياسية والاقتصادية، والاجتماعية المحفزة للارهاب فالاحتلال العسكري وغياب العدالة وعدم احترام الشرعية الدولية جميعها عوامل تسهم في تعزيز الميول نحو التطرف والعنف الأمر الذي يجعل من إزالة هذه العوامل أمراً مهماً للسلام والأمن الدوليين( ).

وقد استخدم الارهاب على مر العصور وفي مختلف أنحاء العالم: في اليونان سنة 349 ق.م وفي روما سنة 37م والحقيقة أن لا مكان ولا زمان مخصص للإرهاب. إذ عرفته البشرية قرناً تلو قرن وورثته الأجيال من جيل إلى جيل. عرفته فئات تنتمي إلى الديانات القديمة والحضارات السابقة والفلسفات العتيقة، وقد غالى البعض فرأى أن " اخناتون" كان متطرفاً بمعايير زمانه حينما نادى بوحدانية الله خارجاً عن معتقد شعبه وعن العادات والتقاليد . والسفسطائيون في اليونان كانوا متطرفي عصرهم إذ كانوا بارعين في الدفاع عن وجهة النظر وعن نقيضها بنفس الوقت. وظهرت حركات متطرفة تنتمي إلى الديانات السماوية الثلاث اليهودية والمسيحية والاسلام ( ).

هناك من يعتقد أن الدقة في تحديد متى بدأ الارهاب ومَنْ يقوم به أمران مهمان لدفع التهمة بأن الارهاب إسلامي ( ). فالدقة في معرفة أكيدة لهوية الفاعل أمر ضروري فالعالم ينظر إلى الحدث من زاوية واحدة ( )؛ إذ لا يرى إرهاباً ما ترتكبه إسرائيل في الوطن المحتل بل يرى الارهاب في دفاع الفلسطينيين عن أنفسهم. ولا يرى فيما تفعله أمريكا وحلفاؤها في افغانستان ارهاباً رغم الترويع الذي أصاب سكانها ليل نهار من الحمم الجوية المتتالية ؛ بل يرى الارهاب فيما يقوم به الطالبان والقاعدة. والمفارقة أنه حين كان المستهدف من المقاومة الاسلامية في افغانستان الاتحاد السوفيتي كان الفعل مشروعاً بل ومدعوماً كلياً من أمريكا وحلفائها. وحين أصبحت أمريكا هي الهدف صار ذات الفعل إرهاباً بغيضاً. لا نعتقد أن في ذلك عجباً فالإرهابي- ما دام أنها صفة للنذل الحقير المتوحش- هو الآخر ولستُ أنا ( ). ومصطلح الارهاب من المصطلحات التي تدل على الاهانة يستخدمها المُسَيْطِر المُهَدِد.‍‍ في القرن التاسع عشر كان الارهابي هو الشخص الذي يقوم بأعمال العنف ضد السلطة الرسمية. وللمصطلح استعمالات تقليدية وثورية وبراجماتية حسب مستعمله، وحسب من يقترفه أو من يئن تحت وطأته ( ).إن الغموض في المصطلح يُضَلَّلُ فهم كنه الارهابي والتهديد الذي يحدثه، فينزلق المصطلح وتزل قدمه ويبتعد عن الدقة، فالملاكمون يشتركون مع الإرهابيين في بعض الصفات.

" ظهر الارهاب الحقيقي على أيدي الاتحاد السوفيتي ضد الأطفال وضد الأبرياء في أفغانستان ، فترك المجاهدون العرب أعمالهم وأهلهم وعشيرتهم نصرةً لدين الله والمستضعفين من أبناء المسلمين. لذا لا يعقل أن يذهب هؤلاء اليوم لقتل الأبرياء كما يزعم الزاعمون. وحتى هذا التاريخ كانت أمريكا تؤيد كل من يجاهد وكل من يقاتل الروس فلما منّ الله على المجاهدين العرب أن ينصروا المستضعفين في فلسطين والأطفال الضعفاء غضبت أمريكا وقَلَبَتْ ظهر المجن لكل من قاتل في افغانتسان. إن الناس حتى وإن أصابهم بعض الظلم وبعض العدوان لا تستطيع أن تقتل الأطفال الأبرياء. وما عرف التاريخ أحداً يقتل الأطفال إلا نادراً وهو مذهب فرعون والله منَّ على بني إسرائيل إذ نجّاهم من فرعون. فتذبيح الأطفال أمر اشتهر به فرعون رأس الظلم والكفر, ولكن إسرائيل استعملت نفس الاسلوب ضد أبنائنا في فلسطين. والله بين أن النفس إذا بغت وقتلت النفس بغير حق فهذا أمر في غاية البشاعة والأبشع ( ) منه قتل الأطفال.

الجيل الثالث الارهابي:

وبما أن الانسان هو نتيجة بيئته ، فهو الان قلق جداً من الجو المخيم للارهاب المعاصر المسمى " عصر الجيل الثالث من الارهاب"، ذلك يعني أن هناك عصرين سبقا العصر الحالي. الكثير من شباب العصر – ومن بينهم ستفرز قيادات المستقل- يعيشون في المواقع المضطربة أو يتابعون أو يشاهدون أو يتأثرون بتلك المواقع، على سبيل المثال: منطقة الشرق الأوسط وليس فلسطين أو العراق فقط أو بيروت أو الرياض أو الدار البيضاء، وافغانستان، وكشمير واندونيسيا بل وأيضاً أوكلاهوما ونيويورك وواشنطن. من الأكيد أن أطفال فلسطين، والعراق ، وافغانستان وبيروت- في مرحلة الحرب الأهلية التي استمرت خمسة عشر عاماً في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي- وبلفاست لا يعرفون عالماً غير العالم المدجج بالسلاح والميليشيات وقاذفي القنابل والقناصة. أي أن حياتهم تتشكل في هذه البيئة ( ) فالعنف وليس غيره هو الذي يشكل حياتهم.

ولقد تسببت التجربة التي دخل فيها هؤلاء الأطفال في أن تعرفوا على الارهاب منذ أن تفتحت عيونهم على الحياة فظهر "الجيل الثالث من الارهابيين" الذي يتفوق على الجيلين الذين سبقاه في الشراسة وعدمية الحياة. ومن الأكيد أن العنف سيتصاعد عندما يصعد هؤلاء إلى مواقع القيادة. ولِيَتَلَمَّسَ كل مسؤول وفي أية بلد مجتمعة، إن إرهابيي القرن الواحد والعشرين هناك يحيون وموجودون حقيقة يتعرضون لهذه المؤثرات التكوينية التي تزرع فيهم العنف.

الارهاب ومراحل تاريخه:

يمكن تقسيم تاريخ الارهاب إلى المراحل التالية :

‌أ- المرحلة الموغلة في القدم من حيث ممارسة الانسان للعنف وكون العنف صفة ملازمة للانسان وسبق وتم ايراد أمثلة عديدة عليها؛ إنما تبقى ماثلة قصة ذلك القرصان الذي ألقي عليه القبض وجيء به أمام الاسكندر المكدوني صاحب الأمبراطورية الواسعة. فصاح في وجه الاسكندر محتجاً لأن محاسبة الارهابي البسيط مثله أمـر ممكـن وشرعي، ولكن لا يحاسب العظماء الكبار مثل الاسكندر رغم أنهم يتقرصنون ويذبحون ويستبيحون ولكن على مستوى أكبر، ولأن الصولجان في يدهم فلا يعتبرون خارجين على القانون.

‌ب- المرحلة الثانية في القرن التاسع عشر وفيها أعمال العنف التي وقعت في أوروبا وأمريكا الشمالية من قبل " الفوضويين " و " العدميين" و " القوميين". وكان أبرزها: اغتيال القيصر الروسي سنة 1881 الكسندر الثاني، واغتيال الارشيدوق فردناند/ ولي عهد إمبراطورية النمسا-المجر سنة 1914 إذ كان ذلك الاغتيال اشعالاً للحرب العالمية الأولى.

ظهر المتطرفون والخارجون على الاجماع في أوروبا في مجالات متعددة ؛ وكانت البدايات في جماعات السحر الأسود والهرطقة وتدفق النهر الأسود – يعني الارهاب- حتى بدأت موجات القرن التاسع عشر من الحركات " الفوضوية" و " العدمية" و "الشيوعية"، وهي عبارة عن حركات ذات طابع سياسي-أما في الأدب والفن فقد ظهرت " السيريالية( )" و "الوحشية "- تلاها بعد ذلك في القرن العشرين الحركات النازية والفاشية واليسارية والارهابية الدينية التي طغت واستشرت ردحاً طويلاً على مشاهد القرن.

وابتداء من أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين كان هناك تنظيمات "الجماعة الدولية"، العلم الأسود، وأبناء الطبيعة، وطليعة العمال، ومهما يكن، والأشغال الشاقة، والمتقززون، والمفلسون، والديناميت، وقلوب من حديد ، والفلاح الجائع وعديمو الأمل . وكان لكل تنظيم منها أطره وهي تنظيمات في معظمها متطرفة تَعَلَّمَ أعضاؤها الكيمياء كي يستطيع الواحد منهم أن يصنع بنفسه المتفجرات. وانتشرت فرق المتطرفين الفوضوين في معظم أنحاء العالم منطلقة من فرنسا إلى روسيا وإلى العواصم الأوروبية وإلى بعض الدول الآسيوية." وحدث في أواخر القرن التاسع عشر حالة من الرعب والفزع طالت الملوك والأمراء وكبار القوم كما طالت الجماهير أيضاً ( ).

وبلغت " العدمية" كمذهب متطرف أوج أَلَقِها في نهايات القرن التاسع عشر . إن أصول هذا المذهب العدمي قادمة من التطرف الديني الارثوذكسي إذ خُلِقَتْ ونمت في روسيا. كتب أحد المنتمين إلى هذا المذهب قائلاً" أية لذه أن تكره وطنك وأن تنتظر بفارغ الصبر تلك اللحظة التي تتهدم فيها كل مقوماته" . وهذا المذهب يكره ويحتقر العلم والفن والكنيسة والدولة.

أما بالنسبة للمذهب السيريالي فهو أكثر المذاهب تطرفاً في تاريخ الأدب وارتكب اتباعه أعمالاً جنونية متطرفة. كان "سلفادور" أَحَدَ أَهَمِّ أركان ألسيريالية يدخل معارضه من النافذة أو بتكسير زجاج الباب الأمامي. ويصف الكاتب الشهير" البيركامو" المذهب السريالي:" إنها عدمية وتخريب منظم ، وعصيان دائم وعباده للسخف". والسريالية في بدايتها محاكمة لكل شيء ولا تكاد تنتهي حتى تبدأ من جديد . وهناك تنظيم فني وأدبي آخر متطرف فَرَّخَتْهُ السيريالية في سويسرا واسمه "دادايزم" ضم العديد من الشعراء والفنانين.

وهناك عودة من جديد في أوروبا إلى النازية تحت إسم " النازيون الجدد" يتظاهرون ويحلمون بعودة النازي الجديد.

وغريب ظهور القس الكوري الذي أعلن موعداً للآخرة ويوم القيامة تاريخ 22/10/1992؛ فقام على الفور جمهور من أتباعه بلغ عددهم 160 شخصاً بالإنتحار إستعجالاً لصعودهم إلى السماء بدون إعاقة. وجاء الموعد ولم تقم القيامة فصار القس موضع انتقام أتباعه.

‌ج- المرحلة الثالثة التي بدأت إثر الحرب العالمية الثانية وانقسام العالم إلى معسكرين وإستشراء الحرب الباردة ومارس فيها الارهاب:

1- اليسار العلماني مثل جماعة "الوذرمن" في أمريكا، والجيش الأحمر في ألمانيا، والألوية الحمراء في ايطاليا، اللواء الغاصب في بريطانيا، الجيش الأحمر الياباني. مارست هذه التنظيمات التفجيرات ثم تخافتت في نهاية الثمانينات. وفي التسعينات إنبعث نشاط إرهابي يهدف إلى شل الحياة المدنية مثل طائفة " أوم شيزيكو" "الحقيقة المطلقة" التي نفثت الغازات السامة في نفق المترو في طوكيو سنة 1995، وبدأت المحكمة تنظر في قضية زعيمها الضرير في مايو /2003 ( ). وكذلك مثل عمليات التفجير في أوكلاهوما من قبل عناصر أمريكية يمينية سنة 1995 ما لبث أن صدر حكم بالموت على مرتكبها( ).

2- الأجهزة الرسمية أو غير الرسمية بفروعها المتشعبة التابعة للعملاقيين من ثورات وإنقلابات وغزوات.

3- ما وصفت بالأعمال الإرهابية المنسوبة إلى حركات المقاومة التي تناضل من أجل الاستقلال وحق تقرير المصير. وابرزها بدون شك المقاومة الفلسطينية. إن مقاومة هذه الحركات تقع في إطار المفهوم الارهابي في نظر الدول الاعظم.

4- مرحلة ما بعد الحرب الباردة إذ برز الارهاب على أرهب أشكاله وأنواعه فأصبح – بعد زوال القطب السوفييتي- هو القطب الأكثر انتشاراً وأثراً وربما قوة مما استدعى تمترساً عالمياً ضده.

5- ما سُمي "بالإرهاب الإسلامي" تخلل المرحلتين السابقتين إلى أن استقر الآن مُشَكِّلاً المرحلة الخامسة، ذلك ما هو مستقر في باطنية الذهن الغربي. ولا بد هنا من تبيان:

أولاً: إن العنف السياسي المستند إلى الدين ليس مقصوراً على الاسلام، بل استعان به اتباع المسيحية والهندوسية واليهودية والبوذية وجميع الملل الأخرى واستخدمه الذين يقفون ضد الدولة،كما استخدمته الدولة بدورها ضدهم. في الهند مثلاً تقوم مذابح ضد المسلمين يقوم بها اتباع الهندوسية بوسائل الدولة. كما أن إسرائيل غارقة حتى أذنيها في الإسناد الديني لإرهابها الذي قامت عليه الدولة؛ قال:" باروخ جولدشتاين" إنه انصاع لأوامر الله حينما قتل 29 فلسطينياً في الحرم الابراهيمي في الخليل سنة 1994. وفي إيرلندا استعان بالدين كل من البروتستانت والكاتوليك تبريراً لإرهابهم.

ثانياً: لا جدوى من تنسيب العنف إلى نصوص دينية فالعقيدة الدينية تجيز قراءتها بمعنى النزعة المسالمة والنزعة العنفية أيضاً كما أن في الأديان ما يسمى بالحرب العادلة، ويتوقف الأمر على التأويل والظرف والزمان.

ثالثاً: في حالة الإسلام هناك الحرب العادلة المشروعة في سبيل الله وإعلاء كلمة الحق.

رابعاً: هناك إساءة استخدام مقصودة حين مقارنة الإرهاب بالإسلام تهدف إلى نزع الشرعية عن نضال المسلمين دفاعاً عن حقوقهم وإلى قصر النقاش في الإرهاب على الدولة الاسلامية وحدها.

أَكَدَّتْ هيئة كبار العلماء في السعودية بعد تفجير المجمعات السكنية في الرياض أن شريعة الإسلام تحرم الاعتداء على النفس والمال والعرض وذلك يشمل غير المسلمين أيضاً، كما تحرم قتل النفس المعصومة بغير حق( ). ويرى حاكم العراق الأمريكي " بول بريمر" أن الأصولية الاسلامية هي الخصم وليس المسلمون المعتدلون ( ) بالاضافة إلا أن هنري كيسنجر/ وزير خارجية أمريكا الأسبق اليهودي الديانة ومهندس اتفاقات كامب ديفيد ومنشئ سياسة "الخطوة خطوة" يصف حرب الحلف العالمي ضد الارهاب بأنها زادت من قدرة المعتدلين في العالم الاسلامي على استعادة دينهم من المتعصبين( ).

تاريخ الإرهاب في فرنسا

من حيث تفسير لفظة إرهاب، فقد بدأت بمعنى رعب في النفس سببه عمل شرير terreur، وليس في اللفظة ما يفيد بالنسبة للوسيلة التي يستخدمها الرعب ولا بالنسبة للهدف السياسي والاجتماعي. ولم ترد لفظة torrorisme ( إرهاب) في اللغة الفرنسية إلا أواخر القرن الثامن عشر بمعناها ذي المفهوم الجديد . صحيح أن terrorisme تنتمي إلى terreur بحكم " الاشتقاق" ولكن ليس " بالمعنى". فالأولى فيها " إرعاب" مجرد والثانية فيها " إرعاب" يعني الوسيلة والهدف وجوهره السياسة. والمشكلة ليست في غنى اللغة العربية، إنما تقع المشكلة في الثقافة والوعي السياسي للمترجم أو للمستخدم إما جهلاً وهو الأكثر وإما خبثاً وهو الأقل – ربما في زماننا الحاضر المرهوب أصبح فيه التوصيف بالخبث لا يكفي-ومرت العبارة الفرنسية بالمراحل التالية مرافقةً للتطور الفكري الذي اكتسب فيه "غطاءً" سياسياً واضحاً:

1- لم يكن لها مضمون سياسي في المرحلة الأولى.

2- أصبح لها " مضمون " سياسي مترجرج في مرحلة لاحقة.

3- وأخيراً أصبح فيها المعنى والمضمون السياسي حتى وتأدلجت نتيجة التطور في الفكر الاجتماعي والسياسي.

وبقيت المرادفة العربية نفسها لكل من terreur و terrorisme ولم تطلق عليهما مرادفتين عربيتين منفصلتين حتى الآن كما في اللغات الأجنبية الأخرى علماً بأنهما لفظتان مختلفتان جداً بالمعنى والمضمون؛ ولكل منهما صفات مستقلة وصلت حد التناقض في فترة معينة من تاريخ فرنسا ( ). ربما أن الأمر سيبقى كذلك إلى أن يتم حسم الوضع السياسي رغم المحاولات الجادة من الباحثين الذين اقترحوا المقابل– فقط أصحاب المرجعية الدينية الاسلامية – " كالحرابة" و "الارعاب" ( ).

وعلى العموم استقر المعنى في نهاية القرن التاسع عشر بعد اكتمال المعالم الموضوعية واتضح المعنى الاجتماعي السياسي. ومرت اللفظة في مخاضات عسيرة في جوف الثورة الفرنسية وفي جوف " الحركة الفوضوية" وكذلك في جوف " الحركة العدمية" إلى أن تبلورت عناصرها السياسية ومركباتها الثابتة كوسيلة عنيفة لهدف سياسي. ولكنها ما زالت " تغوي" الكثير من التنظيمات والدول بين متعفف ومتعرّي.

إن علاقة الثورة الفرنسية بالارهاب لم تقتصر على وصف الرهبة terreur من حيث عناصرها الأساسية باعتبارها حالة نفسية أو انفعالاً يسببه شر أو خطر بل على ممارستها عملياً وتطبيق مضمونها . فالثورة الفرنسية سنة 1789 قد استفادت واستغلت خصائص الرهبة ورفعت شأنها إلى مستوى أنها الوسيلة للحكم والمحافظة عليه. لقد أبرزت الثورة البعد الاجتماعي الذي تحمله الرهبة وأضافت إليها مهمة سياسية الأمر الذي انتهى إلى " توليد " عبارة terrorisme بمعنى إرهاب.

إن الغوص في الفلسفة التنويرية الفرنسية لن يتيح تلمس الارهاب لأن أثرها على النخبة كان في اتجاه آخر وهو ابتداع فكر جديد مرتكز على الايمان وبالعقل ودحض فكرة " السلطة الإلهية" والسنن الكنيسية، كما كان في اتجاه تنمية الروح النقدية. ولم يلاحظ عليها الدعوة إلى ممارسة الارهاب. الدعوة إليه اتضحت في فكر " اليعاقبة" الذي جاء في خطابات كل من " روبسبير" و"سان جوست" الرنانة وكتاباتهما الأخاذة، وفي محاضر لجنة السلامة العامة وإجراءاتها السياسية.

والصحيح أن صفحةً قد انطوت ، وصفحة جديدة قد انفتحت بعد أن سيطر اليعاقبة على الحكم وقيادة الثورة. وكان على الحكومة اليعقوبية مواجهة مهمتين في غاية الصعوبة والتعقيد:

• تأسيس الجمهورية على دعائم قوية.

• عودة النظام والأمن داخل البلاد.

وتتداخل هاتان المهمتان إلى المستوى الذي يستحيل فيه تحقيق واحدة إلا بتحقيق الأخرى. ولكي تسود الجمهورية لا بد أن يسود النظام والأمن. وتصدى لليعاقبة في تحقيق ذلك الملكيون والبرجوازيون أنصار النظام السابق بجميع الوسائل بالاضافة إلى العدو الخارجي المتربص من أجل عودة النظام السابق والمتأهب للهجوم عسكرياً على فرنسا. لم تكن " بروسيا" تخفي مطامعها فهي تحشد جيوشها لاحتلال فرنسا وتصفية الثورة، وكانت كل من النمسا وانجلترا تساعدان المهاجرين الفرنسيين أنصار النظام السابق وتساعدان أعداء الثورة في الداخل وتعلنان عداءهما للنظام الفرنسي الجديدة وتهددان بالحرب.

لذلك كانت حكومة اليعاقبة محصورة بين عدوين: الداخلي المكون من تحالف الملكيين والبرجوازيين، والخارجي المكون من تحالف الأنظمة الملكية المحيطة بفرنسا( ). فإذا دخلت الحكومة في حرب مع العدو الخارجي سَتُعرِّض أمنها الداخلي للخطر من ثورة مضادة ستستغل الفرصة لوجود الجيش الفرنسي على الحدود من أجل الاطاحة بنظام الحكم.

وإذا قامت الحكومة بتوجيه الجيش ليضبط الأمن الداخلي سينفتح المجال للخطر الخارجي ليقوم باحتلال فرنسا فيؤول النظام للسقوط.

لم يكن في قدرة الجيش الفرنسي مواجهة الاحتمالين في نفس الوقت، وكان على الحكومة أن تقوم بإجراءات استثنائية فرأت في الارهاب الوسيلة الممكنة والفعالة والسريعة لتحقيق مهمتها المزدوجة : قمع العدو الداخلي وفرض النظام بواسطة الارهاب ؛ وتسيير القوات العسكرية إلى مواجهة العدو دون تحسبات داخلية، وبذلك استطاع الارهاب أن يفتح الثغرة في الطريق المسدود بوجه الحكومة اليعقوبية( ).

يعتقد اليعاقبة بأن الحرية لا تقوم إلا بالجمهورية ليحيا المواطن بكرامة وعدل، وكل ما عدا الحرية فهو استعباد وموت. أصرّ اليعاقبة أن أرادتهم هي الحقيقة المطلقة ولا بد من تحقيقها وبدونها ستنهار الثورة.

"إن الإنسان الذي يعتقد أنه يملك الحقيقة المطلقة هو إنسان شديد الخطر لأنه يرفض الحوار مع الآخرين ضارباً عرض الحائط إرادتهم وحقائقهم وعقائدهم، وعندما يختلط الحابل بالنابل وتنهار القيم حين القلاقل والأزمات، سيتطلَّب الأمر قيام مبادئ وقيم جديدة وحشوها بسرعة في المفهوم الاجتماعي فيُصبح لا مناص من استخدام العنف الفظيع الذي يصل إلى حد الارهاب ." ففي داخل كل إيديولوجي إرهابي ينتظر من يوقظه " ( ).

إن فترة الحكم المعروفة " بحكم الارهاب" في فرنسا هي بين 28/8/1792-27/7/1794 إذ أصبح فيها للإرهاب وقع سياسي للحاكم والمحكوم معاً وذلك عائد إلى:

أولاً: المرسوم الصادر بتاريخ 28/8/1792 الذي يجيز خرق حرمة المنازل من أجل نزع سلاح المشبوهين، وتم بموجبه اعتقال ثلاثة آلاف من أعداء الثورة.

وحتى 2/9/1792 كانت السجون الفرنسية تغص بالموقوفين، وتعرضت فرنسا للهجوم الخارجي الأمر الذي دعا المتطوعين أن يهبوا للدفاع عن فرنسا ولكن قبل ذلك كان لا بد من " حساب العدالة" مع أعداء الثورة في الداخل، فأنقضوا على السجون الباريسية وقضوا على جميع من فيها خوفاً من مساندتهم للعدو أثناء انشغال الثوار مع العدو الخارجي. وبعد ذلك قامت " لجنة المراقبة" في باريس بإبلاغ المدن الأخرى ما وقع في باريس قائلة " إن قسماً من المتآمرين المعتقلين قد تم إعدامهم على يد الشعب، إنه إجراء عادل وضروري من أجل السيطرة بواسطة الرهبة على آلاف الخونة المختبئين وراء جدران باريس ( ).

هذا الحدث بالذات كان البداية للإرهاب السياسي في تاريخ فرنسا ، وبعده "انفرطت المسبحة" وأخذت الأحداث تُدخل على مضمون الارهاب الطابع الرسمي والمؤسسي.

ثانياً: وبعد سنة من المجازر السابقة، جاء إلى باريس في 15/9/93 وفد من رؤساء المحافظات ومن بعض اليعاقبة ليشارك في جلسة المؤتمر الوطني فخطب رئيس الوفد/ محافظ باريس قائلاً " لقد حان وقت العدالة ليجز ساطورها الرؤوس، لقد حان وقت ترهيب المتآمرين؛ أيها المشرعون ضعوا الارهاب على جدول الأعمال، وسنوا سيف القانون على رقاب المجرمين"( ).

استجابت الحكومة لمطلب محافظ باريس وشكلت جيشاً ثورياً لتحقيق " عبارته " ضعوا الارهاب على جدول أعمالكم" مما يعني أن قادة الثورة قرروا فرض مبادئها السياسية بالقوة ملوحة بقهريات ليس أقلها القتل والتنكيل تحت ستار عدالة الشعب.

كان الارهاب وسيلة سريعة المفعول لدى اليعاقبة ثم أصبح نظام حكم للمؤسسة الرسمية وأجهزتها السياسية والعسكرية وبذا اقترنت الايديولوجية اليعقوبية بالارهاب ودوره في تسيير عجلة الحكم فهو الوسيلة الأصح لتأسيس الجمهورية( ).

أما بالنسبة للمقارنة بين الفكر اليعقوبي والفكر " الفوضوي". فإن ما ناضل من أجله اليعاقبة هو بناء الدولة على الشكل الذي أعجبهم، بينما الدولة عند الفوضويين لا بد من شطبها وشطب كل ما يمت لها بصلة . والفكر اليعقوبي أدى إلى ارهاب الدولة الذي تمارسه السلطة ضد المحكومين بينما الفكر الفوضوي أدى إلى الارهاب الذي يرتكبه المحكومون ضد الحكام وأجهزتهم، وعلى العموم فكلا الطرفين ارهابيان وكل على طريقته.

هذا وتم اطلاق التسمية "الإرهاب" على فترتين في الثورة الفرنسية"

• الارهاب الأول: من 10/8 إلى 20/9/1792 ، وكان بسبب تهديدات " بروسيا" باجتياح فرنسا، فتمَّ سن قوانين من أجل محاكمات سريعة . وبدأت مذابح أيلول وتم القاء القبض على " لويس السادس عشر ".

• الارهاب الثاني: من 5/9/1793 إلى 28/7/1794 الذي تلي القضاء على " الجيرونديين" من قبل " المونتنيارد" – أي الجبليين – وذلك من أجل ضمان الدفاع عن فرنسا ضد العدو الداخلي وضد العدو الخارجي. وتم في تلك الفترة اعتقال " نصف مليون من المشبوهين وتم قطع رأس أربعين ألفاً بالمقصلة. ووقع " الارهاب الكبير" في 10/6/1974 بقطع رأس "روبسبير" الذي قاد حكم الارهاب.

وعرفت فرنسا :

• " الإرهاب الأبيض" الأول – وهو اسم أطلق على الارهاب الذي مورس ضد القوى المعادية للثورة في أيار / حزيران سنة 1795 كعمليات انتقامية ضد أعوان روبسبير.

• الارهاب الأبيض الثاني – وهو الارهاب الذي وقع بعد معركة "واترلو" سنة 1815 ومورس ضد البونابارتيين والجمهوريين، وقام به أنصار الملكية في وسط فرنسا( ).

العدمية والفوضوية:

أما " العدمية" فهي حركة تنبع أصولها من " الفوضوية" ومن التيارات الاشتراكية الثورية وقد أطلقت هذه التسمية على الفوضويين في روسيا وهي تسمية أطلقها الشاعر " إيفا تورغينييف" على أحد أبطال روايته " آباء وبنون" سنة 1862 . والعدمية فلسفة تقوم على تحرير الذات من التقاليد والأعراف الموروثة ولا تعني العدم. والعدمي هو ذلك الارهابي المتمرد على الأعراف السائدة التي تحد من حريته مستعداً في سبيل ذلك حتى للتضحية بحياته. تبني الاشتراكيون الثوريون الروس العدمية نظرياً وعملياً توجهوا إلى الشارع يحثون الشعب على تأييدها الأمر الذي أدى إلى ارتكاب أعمال "إرهابية كانت ذات صدى وتأثير أعمق من ارهاب فوضويي أوروبا الذين انبهروا بها – مثل عملية اغتيال القيصر الكسندر الثاني- خاصة وأنهم كانوا يحلمون بالقنابل وبالاغتيالات وبالأعمال الباهرة والقادرة على سحق المجتمع البورجوازي( ).

يؤمن العدميون بأن العمل الارهابي قائم على تصفية رجال الحكم، لذا فقد تم التركيز على استعمال الارهاب كوسيلة سياسية للحط من هيبة وقدرة السلطة الرسمية ولاثارة الميول الثورية عند الشعب وتنمية اعتقاده بانتصار قضيته ولاعطاء المثل على النضال ضد السلطة . وقد جاء في البيان الصادر عن مؤتمرهم المنعقد في مدينة " ساراتوف" سنة 1893" إن الارهاب السياسي هو النهج الوحيد الذي يهيء لنا أوفر فرص النجاح "( ).

إن إرهاب الفوضويين إرهاب من الأسفل إلى الأعلى أي من الشعب نحو رأس الهرم السلطوي في موزاة مع الارهاب النازل من الأعلى إلى الأسفل. وهذان النموذجان الرئيسيان من الارهاب اللذان مازالا حتى اليوم في جدلية العلاقة بين السلطة الرسمية والمواطنين . وبين هذين النموذجين تصطف أشكال الارهاب على مدى التاريخ السياسي والاجتماعي. إرهاب السلطة لتثبيت الحكم ، وإرهاب مقابل لهدم الحكم.

أثبتت الثورة الفرنسية في أحد مراحلها وبَرهَنتْ جدوى الارهاب في تصميد السلطة، كما استولت الثورة البولشفية سنة 1917 على السلطة بعد أن لعب إرهاب الضعفاء ولمدة خمسين عاماً دوراً فعالاً في إهتراء النظام القيصري وفي خلق الظروف لانجاح الثورة.

وبما أن الركنين الأساسيين في الارهاب هما الركن السيكولوجي والركن السياسي؛ كان تأثير كل من العدمية والفوضوية واضحاً على الركن السياسي بأن أصبح الارهاب في ركنه السياسي يتضمن عنصرين أساسيين:

1- الارهاب نسق في الصراع السياسي يعتمد على وسيلة الرعب بهدف تغيير نظام سياسي.

2- يستخدم المحكومون هذا النسق بصورة غير قانونية ضد الحكام، كما يستخدم الحكام هذا النسق أيضاً ولكن بصورة قانونية ضد المحكومين ، إذن هناك إرهاب وهناك إرهاب مضاد.

أما من حيث تأثير الحركة الفوضوية والحركة العدمية فكان كماً واحداً إذ لم تشكل أي منهما مرحلة قائمة بذاتها فكانت إضافاتهما غير متباينة بل ساهمتا معاً في تاريخ الارهاب؛ فلا غرابة لأن مرجعيتهما الأيدويولوجية واحدة.

الموقف الرئيس " للفوضوية" هو الرفض المطلق " للسلطان" بمختلف أشكاله وتعبيراته وأشخاصه ومؤسساته ورفض القوى التي تسيطر على الانسان فرداً أو جماعة لتُملي عليه ارادتها وسلطتها. وترى الفوضوية أن كل تنظيم مُقَنِنْ يقيد حرية الفرد، وتحارب كل سلطة تقوم على الإكراه وتلغيها. إن الفوضوية من حيث المبدأ في مواجهة مع الدولة مفهوماً وواقعاً، وفي مواجهة مع حكم الدولة وسلطتها والاكراه الذي تمارسه ؛ بل وتعتبر كل دولة طغياناً فليس لها إلا هدف واحد وهو تقييد الفرد وتكبيله والحلول مكانه ؛ " وكل من يضع يده علي ليحكمني إنما هو مراب وطاغية لذلك فأنا أعلنه عدوي، " والدولة ليست إلا ذلك الشر الذي يجب استئصاله من حياة البشر والمجتمعات لأنه يسحق الحرية الفردية".

ولم يكتفِ " الفوضويون" بموقفهم هذا بالتهجم على الدولة الديمقراطية البرجوازية، بل وأيضاً تعداه إلى الدولة الاشتراكية الدكتاتورية وبعنف لا تقل حدته عـن الدولة الليبرالية . قال " باكونين":" إنني أكره الشيوعية لأنها نفي للحرية ولأنني لا أستطيع تصور أي شيء إنساني بدون حرية، ولأن الشيوعية تمتص كل قوى المجتمع وتركزها في الدولة، إنني أريد الغاء الدولة واقتلاع جذور مبدأ السلطة ووصاية الدولة، إن الدولة تحت ستار تشكيل الناس وتمدينهم قد استعبدتهم واستغلتهم واضطهدتهم. إنني أريد تنظيم المجتمع والملكية الجماعية من أسفل إلى أعلى عن طريق التداعي الحر وليس من أعلى إلى أسفل بواسطة أية سلطة كانت ( ). وما لبثت عملية الانفصال أن تمَّت بين الشيوعيين والفوضوية بانفصال ميشال باكونين عن كارل ماركس بعد المؤتمر الاشتراكي الذي انعقد في لاهاي سنة 1872.

تتوافق الفوضوية والشيوعية في العلاقة بين العمال وأرباب العمل، والنظام الطبقي في استغلال مالكي وسائل الإنتاج للعمال. ولكن الفوضوية ترفض جميع أنواع السلطة. فكان الخلاف بينهما قائماً على طبيعة العمل السياسي.

تاريخ الارهاب في روسيا

كان للثورة الروسية سنة 1917 أثر كبير على الحركات الثورية والفكر الثوري في القرن العشرين ليس لانبهار الآخرين بنجاحها فقط، بل لأن الوسائل والطرق السياسية والعسكرية التي استخدمتها صارت مثالاً لعدد من الشعوب لاستحضارها وتقليدها أملاً في انجاح مسعاها الثوري ، إن ما يهمنا هو الجزء المتعلق بالارهاب في الثورة البلشفية وقد عالجها زعيم الثورة وفيلسوفها " لينين" و " تروتسكي" بشكل خاص. وتم اتخاذ موقف جذري من الارهاب من حيث فائدته في العمل السياسي.

في المرحلة الأولى فيما يتعلق بعلاقة الثورة بالارهاب، فقد اعتبر لينين " ارهاب" الفوضويين سلاحاً تنصب أهميته على الأثر النفسي الذي يتركه لدى الأشخاص وليس على القضية التي يستخدم من أجلها. ولاحظ " لينين " وبعد عشرات السنين أن نجاح الارهاب" الفوضوي" كان في نطاق ضرب الأشخاص ولم ينجح في ضرب المؤسسات ؛ نجح في القضاء على أفراد رأسماليين وليس في القضاء على الرأسمالية القادرة على افراز بديل لأي فرد وفي الحال. نجح في اغتيال القيصر الكسندر الثاني، ووزير الداخلية " فون بليف"، و" الغراندوق" سيرج " ولكنه لم يسقط الحكم ولا السلطة.

لم يكن القيصر هدفاً للينين بل كان النظام القيصري هدفه وكذلك السياسة القيصرية ومؤسساتها ، كان هدفه النظام الرأسمالي ، وأهدافه هذه لا يمكن تحقيقها إلا بعمل دؤوب طويل النفس. وإذا لم يكن هناك شيء يخسره الفوضويون في ممارسة الارهاب الفردي، فإن لينين يرى فيه وسيلة " ترتد سلبياً على من يمارسه وتؤدي إلى عرقلة وتأخير تنظيم الجماهير ولهذا منع لينين إقتراف " الأخطاء المميتة".

وقام تروتسكي بدوره بإبراز هذا الموقف الماركسي نحو الارهاب الفردي " الفوضوي" واستنكر وجود أية فائدة في أن يُلقي الاغتيال الفردي الاضطراب أو الفوضى لدى الحاكمين( ). " وإذا كان التسلح بمسدس كافياً لإدراك الهدف فما الفائدة إذن من صراع الطبقات ؟ وإذا كانت حفنة من مسحوق البارود كافية لتفتيت رأس العدو فما الفائدة إذن من التنظيم الطبقي؟ وإذا كان تخويف أصحاب المقامات العليا ممكناً بفرقعة انفجار فما الفائدة إذن من الحزب. لذلك فإن الارهاب الفردي مرفوض من قبل الماركسية لأنه يحط من قدر الجماهير فيحبب إليها عجزها ويشد أنظارها ويوجه آمالها إلى المنتقم الكبير ذلك المحرر الذي تحلم بمقدمه ليتمم نيابة عنها عملها)( ).

وفي المرحلة الثانية وبعد الاحداث التي وقعت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر بدأ موقف لينين بتغيير اتجاه الارهاب إذ أصبح يرى فيه الايجابيات وبدأ يتعاطف معه ولكن دون الانغماس في محذوراته، وبعد " اليوم الأحمر" 22/1/1905 الذي قتل فيه جنود القيصر (500) قتيل وثلاثة آلاف جريح بالاضافة إلى النساء والأطفال، أصبح لينين مثل أساتذته من الارهابيين القدماء تأثراً باليوم الأحمر، ولم يكتف بالتعاطف مع الارهاب فحسب بل أصبح داعية بكل عزم للإرهاب، لا بل أصبح الارهاب بالنسبة له في تلك المرحلة الوسيلة الفريدة لتهيئة البيئة الملائمة للثورة ولتهيأة الثوار للمواجهة المنتظرة. وقد جاء في كتابه " من أين نبدأ"( ):

" من حيث المبدأ لم نرفض ولا يمكن أن نرفض الارهاب فهو شكل من أشكال الحرب يمكن أن يلائم أحد مراحل المعركة، لا بل ربما من المستحيل تغييبه عن بعض الظروف". وعلى نفس المنوال كانت آراء تروتسكي سنة 1902: " كانت مسألة الارهاب بالنسبة لنا ، نحن الثوريين الروس، مسألة حياة أو موت بالمعنى السياسي للكلمة وبالمعنى الشخصي والحرفي، لم يكن الارهابي بالنسبة لنا بطل رواية بل كان انساناً حياً وقريباً منا"( ).

فالارهاب الشيوعي في هذه المرحلة قبل سنة 1917 ليس مؤامرة تحيكها حفنة أفراد للقضاء على شخصية كريهة سياسية كانت أم عسكرية، وليس عملاً انتقامياً أو يائساً وليس حركة عُنْفٍ مهولة، الارهاب هو مدخل عمل الجيش الثوري إنه عمل مدروس وعمل كامل ينطلق من استراتيجية عسكرية وسياسية يرسمها الحزب الشيوعي ويطبقها في عمله النضالي. فالإرهاب ليس وسيلة منعزلة. ولم ينته الإرهاب السياسي الشيوعي بقيام ثورة البلاشفة بل استمر متخذاً وجوهاً عديدة يمكن وصفها باتجاهين:

1- لم يبق الإرهاب في إطار التكتيك بل أخذ أساساً عملياً لنظرية لينين في حرب الثوريين التي هي الوجه الآخر لحرب العصابات.

2- أصبح لإرهاب الدولة " في القرن العشرين جذور فكرية قام بوضعها لينين غير تلك الجذور المستمدة من الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر.

ومارس لينين الإرهاب في حكم الثورة بأن قامت السلطة بتأسيس الجهاز البوليسي المسمى " التشيكا" ومهمته المحافظة على الحكم ضد أعمال التخريب. كتب لينين سنة 1918 بعد أن تعرض هو وتروتسكي لمحاولات اغتيال؛ إلى قائد التشيكا في مدينة " بتروغراد " يجب تشجيع الاندماج الجماهيري والإرهاب الجماهيري ضد أعداء الثورة " فقامت بعد ذلك الجماهير في موسكو وبتروغراد بارتكاب مجازر مؤيدة للثورة- إنه عمل شبيه بما حصل في باريس إبان حكم اليعاقبة – كانت محصلتها قتل 800 شخص من الموقوفين في سجون بتروغراد وحدها( ). وصدر مرسوم عن مجلس السوفيت جاء فيه "إن ضمان الأمن بواسطة الإرهاب ضرورة قصوى".

وأحياناً اتخذ الإرهاب شكل الصراع الطبقي : فمن التوجيهات الصادرة للجهاز الأمني التشيكا " لا تبحثوا عن إثبات حتى تتأكدوا من وقوف سجينكم ضد السلطة، بل إسألوه عن الطبقة التي ينتمي اليها، ما هو أصله، مهنته، درجة ثقافته وعليها يتوقف مصيره وهذا هو جوهر معنى الإرهاب الأحمر "( ).

كما تبين فإن تاريخ الإرهاب طويل جداً شهد تطوراً معيناً في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. كان هدف العمليات الإرهابية غالباً وضع نهاية مميتة لقادة الدول فعلى سبيل المثال وكما ذكر سابقاً قام كل من " حيليابوف، وبيرونسكاياً بتكوين خلية صَفَّتْ القيصر الروسي الكسندر الثاني. واندلعت الحرب العالمية الأولى بعد أن صفي في "سراجيفو " الجراندوق النمساوي ولي العهد " فرانتس فرديناند". وفي مرسيليا 1934 صفي الملك اليوغسلافي " الكسندر الثاني ومعه وزير خارجية فرنسا " لويس بارتو".

وتواصلت الاغتيالات في النصف الثاني من القرن العشرين أيضاً فاغتال الباسك الانفصاليون الجنرال الإسباني "كاريو باركو"، وفي 1979 إغتال مقاتلو الجيش الجمهوري الإيرالندي اللورد "ماونتباتن". واغتيلت رئيسة وزراء الهند "انديراغاندي" 1984 على يد الإنفصاليين السيخ، واغتيل الرئيس المصري أنور السادات 1981 على يد الاسلامبولي، وفي 1951 اغتيل الملك عبد الله الأول/مؤسس المملكة الأردنية الهاشمية في القدس على يد مصطفى شكري عشو، واغتيل وصفي التل رئيس وزراء الأردن 1973 في القاهرة على يد منظمة أيلول الأسود، و1960 اغتيل رئيس الوزراء الأردني هزاع المجالي بتفجير مكتبه، 1995 اغتال المتعصبون اليهود اسحق رابين : رئيس وزراء إسرائيل. لقد وسع الإرهاب دائرته في فترة الاغتيالات السابقة ولكنه بقي عموماً محصوراً في النطاق الداخلي ولم يخرج إلى الساحة الدولية فكان الإرهابيون يمارسون إرهابهم داخل بلدانهم.

تطور الأمر وخرج الإرهاب من النطاق الداخلي إلى النطاق الدولي – هذا إذا استثنينا ما يسمى إرهاب الدولة الذي امتدت أذرعه فشملت كل أنحاء العالم تبعاً لقوة دولته العسكرية والاستخبارية منذ زمان طويل – لقد بدأت الحركات السياسية المتطرفة والحركات الدينية أفعالها ضد المدنيين على نطاق دولي في النصف الثاني من القرن العشرين، وارتفعت حدة الأمر بعد أن اندمج الإرهاب بشكله الدولي مع بعض الدول وأجهزتها.

ثم بدأت حدة هذا الإندماج أو بالأحرى هذا النموذج لإرهاب الدولة بالإنخفاض في نهاية القرن العشرين مع بقاء مظاهر دعم الدولة لبعض الجماعات الإرهابية ولكنها ما لبثت أن استمرت بالإنحسار نتيجة( ) لإدارة اللاعبين الكبار على الساحة الدولية الذين خرجوا من الحرب الباردة وفي مقدمتهم أمريكا والبلدان الأوروبية وروسيا مستخدمة " الضغط" على الدول التي تؤيد أو تؤوي بعض المنظمات الإرهابية، ومستخدمة أيضاً أسلوب " بصيص النور" في نهاية النفق". وراهنت الولايات المتحدة بصورة رئيسية على الضغوط وفرض العقوبات وحتى استخدام القوة العسكرية، بينما كانت روسيا- كما يدافع بريماكوف – تدعو إلى اتخاذ موقف متوازن واستخدام التدابير السياسية، ووقفت موقفاً مشابهاً لروسيا بعض دول أعضاء الاتحاد الأوروبي. ونجحت تدابير هذه الدول وكان لها دور حاسمٌ في تحويل مواقف بعض الدول المتهمة بمساندتها للإرهاب: فمثلاً أوقفت ليبيا الدعم المالي لجماعات إرهابية وتدريب المسلحين في أراضيها وقطعت علاقاتها في النصف الثاني من التسعينات مع الألوية الحمراء الإيطالية والجيش الجمهوري الإيرلندي، وأبعدت من البلاد " منظمة أبو نضال" ، وقطعت العلاقات مع " جبهة التحرير القيادة العامة "، و " الجهاد الإسلامي الفلسطيني"، وأبعدت الأشخاص المشتبه بتورطهم بالإرهاب والعاملين ضد الأنظمة في مصر واليمن والأردن. أما في إيران في أعوام التسعينات فقد حدثت تحولات إيجابية أيضاً إذ تخلت بصورة رئيسية عن "تصدير" الثورة الإسلامية. وبعد سقوط العراق في أيار 2003 وبعد تفجيرات الرياض والدار البيضاء أصبحت إيران تتجه إلى محاكمة المتهمين من منظمة القاعدة، وقامت سوريا بترحيل المطلوبين من النظام العراقي من أراضيها، وتم إغلاق مكاتب المنظمات الفلسطينية المصنفة إرهابيةً تحت إعلان النبأ بأن هذه المنظمات قامت بإغلاق مكاتبها إرادياً. ويمكن القول إن الصلات قد ضَعُفَتْ بين الدولة والجماعات الإرهابية إنصياعاً لإرادة "اللاعبين" الكبار الأمر الذي شكل مرحلة جديدة في تاريخ الإرهاب . ولكن إلى أين تسير هذه المرحلة التاريخية الجديدة ؟

كانت عملية 11/9/2001 في أمريكا أكبر عملية إرهابية في التاريخ ( ) كشفت بما لا يترك مجالاً للشك عن وجود شكل جديد من الإرهاب أكثر خطورة من أي شكل من الإرهاب تم التعرف عليه سابقاً وهو : وجود منظمة مكتفية ذاتياً لا ترتبط بأية دولة( ) اقتحمت الميدان الدولي مرتكبة جرائم أودت بحياة الآلاف مرة واحدة( ) باعتبارها لاعباً جديداً على الساحة الدولية.

إذا كانت التحالفات بين الدول والتعاون أو الحروب أو المواجهة تشكل مسار الوضع الدولي وهيئته حتى وقت قريب جداً أو بالأصح حتى الآونة الأخيرة، فالأمر ليس كذلك الآن.( )

إن مثل هذه المنظمة السرية الجديدة لا بد وأنها قوية جداً ولديها دعم مالي كبير وتعمل بصورة مستقلة ذاتياً، إن عدم التساوق أفرز الجديد الذي يجد العالم نفسه غارقاً فيه. والمرحلة الأخيرة في المراحل التاريخية التي يمر بها العالم تحت وطأة الأرهاب هي المرحلة التي انقسم فيها العالم إلى كيانين متبلورين:

" كيان الإرهاب "، و يقابله " الضد". والعجيب أن فيروس " الإرهاب يسري في عروق الضد" مما يجعل الباحث في الإرهاب يصل في النهاية إلى طريق مسدود فيخبط رأسه في الحيط مرهوباً أو – وهذا للتندر- تصيبه العدوى فينقلب إلى إرهابي ، ألم تمر علينا في هذا البحث عبارة " إن في أعماق كل أيديولوجي إرهابي يغطُّ في النوم ينتظر من يوقظه "‍‍!.

الإرهاب في تاريخ العرب

بما أن العنف صفة ملازمة للبشر، وبما أن الإرهاب لا مكان لم يدخله ولا زمان لم ينتشر فيه، وبما أن الإرهاب لا دين له، فالعرب إذن كغيرهم من شعوب الأرض يمكن النبش في تاريخهم لمحاولة تَتَبُّعِهِ.

في مرحلة ما قبل الإسلام أي المرحلة المسماة بالجاهلية كان حب القتال من الصفات المغروسة في نفوس العرب حتى تحول إلى شغف بالسيطرة والغلبة. التوصل إلى الحق لم يكن ممكناً إلا بالعنف وقد اعتبر البعض في الجاهلية " البغي " بأنه طريق جيد أو ربما وحيد إلى "المُبْتَغى". كان الحق هو القوة أو لاحق إلا بالقوة. وفي سبيل الوصول إلى الحق عشق العربي الموت أو القتل، فالميتة الكريمة عنده هي التي في ساحة الوغى. وبقيت هذه الروح لها صدى في النفس حتى جاء الإسلام فهذبها وأطّرها( ) . إن قصة الموت البطولي للنعمان بن المنذر في ديوان كسرى إمبراطور الفرس دِفاعاً عن قومه وعرضه قصة مشهورة في التاريخ العربي وشهامة ابنته "الهند" ستبقى مثار الإعجاب( ). ولكن العرب في الجاهلية أصبحوا عرباً مسلمين بعد أن مَنَّ الله عليهم بالإسلام وكرمهم بإنزال كتاب الله بلغتهم وباختياره رسوله الكريم محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وسلم – عربياً منهم. لذلك فالتـأريخ للعرب في مُجْمَلِهِ إنْصَبَّ على العرب المسلمين فولدت حضارة جديدة نعمت بفضلها البشرية كلها ألا وهي : " الحضارة العربية الإسلامية".

وللتاريخ العربي، كما هو شأن تاريخ الأمم العظيمة الأخرى، مساران: مسار حضاري، ومسار سياسي، وليس من الممكن فصل مسار عن الآخر، فألمسار الحضاري هو مسار لحضارة هي حضارة عربية إسلامية، والمسار السياسي هو مسار عربي مسلم، والمرجعية لكلا المسارين هي الإسلام الذي أنزل على العرب فتشرف العرب به وحملوه للإنسانية بأجمعها( ). ومع كل ذلك فالعرب هم بشر مثل الآخرين ولهم صفات عامة تنطبق على الجميع تميزهم عن أي شعب آخر كتميز هذا الآخر عن غيرهِ، ولكن يبقى للفرد العربي أيضاً صفاته الشخصية فالعرب ليسوا نتاج مصنع ينتج ملايين القطع بنفس النموذج كسيارات المرسيدس أو الجاجوار، وكذلك الفرد الأمريكي والفرد الفرنسي والفرد الصيني والفرد الياباني.

إن التاريخ العربي فيه الكثير من أعمال العنف في مرحلة الجاهلية، وفيه ايضا الكثير منها في مرحلة الإسلام؛ منها ما هو حسب التعاليم الإسلامية ومنها ما هو عدم التزام بها وخروج عليها. إذ لم تقم دولة تحكم بالإسلام إلا في مرحلة قصيرة.

ولكن هناك زوايا عنف كثيرة، كالتصفيات الجسدية وجز الرؤوس والقتل والاغتيال السياسي والإرهاب الفكري. وكان هناك " تفنن في قتل الخلفاء والقادة كعمليات سَمْلِ العيون والأخصاء وقطع الرقاب وقطع الألسنة وبتر الأطراف والشوي المرعب في التنور المسجور، أو على رأس خازوق حاد، أو سلخ الجلد أو شلع الأظافر لإنسانٍ حي، أو قتل الأخوة أو تنفيذ المجازر الجماعية أو سحق العظام أو القتل سحلاً( ) بالحبال أو بالتعليق على الأعمدة أو بالنهش بأنياب الحيوانات؛ إضافة إلى الاعتقالات والسجون المظلمة والترحيل الإجباري. إن إيراد تلك الأمثلة لا يعني أن العرب قد انفردوا بذلك النوع من الإرهاب، كما لا يعني أن تاريخ الأمم الأخرى كان مقصوراً على الاستمتاع بسماع الموسيقى والإبداع في فنون الرسم أو البناء أو إنتاج مئات الأنواع من الأجبان أو الخبز، بل كان تاريخها يطفح بالإرهاب كحرق العالِم المُجَدِّدْ أو المكتشف في الساحات العامة أو قاعات محاكم التفتيش( ).

والملاحظ أن العرب المسلمين كانوا قساة على أنفسهم وليس على الشعوب الأخرى، مارسوا نماذج الإرهاب السابق على مواطنيهم فقط ولم يحصل قط على الآخرين مهما بلغت حدة العداء وشدة الصراع. وقاتلوا أعداءهم حسب أسمى القوانين وأرقى الأعراف فلم يقتلوا طفلاً أو شيخاً أو متعبداً في صومعته ولم يغدروا فمن يكسر سيفه( ) لا يقتل إلا إذا عاد يحمل سيفاً ولم يقلعوا شجرة أو ذبحوا شاة إلا للتغذية( ).

بين اتباع كل ديانة مساحة للتشديد، وداخل مساحة التشدد هامش للتطرف الذي فيه حيز للغلو، إن التشدد والتطرف والغلو حقائق تتصل بطبيعة الإنسان أكثر من صلتها – إلى حد ما – بالأديان السماوية ولكن كما نزلت وليس كما حورت. ( )

والمقولة التي تكررت بأن الإسلام قد انتشر بحد السيف ليس مقولة صحيحة، وكذلك فإن مقولة " دين محمد دين السيف " ليست خاطئة فقط بل هي مدسوسة وهمجية. لقد بلغ عدد الغزوات الإسلامية سبعين غزوة كان عدد ضحاياها من المسلمين وغير المسلمين 386 ضحية فقط. وحين مقارنة هذا الرقم الضئيل بضحايا الحروب الدينية في اوروبا بين البروتستانت والكاثوليك لا يتجاوز نقطة في بحر، بلغت الضحايا في ألمانيا لوحدها 40% من الشعب الألماني في الوقت الذي اكتسح فيه الإسلام الشرك وظهر على جميع الأديان بكلفة 386 فرداُ..

والمعارك التي خاضها المسلمون كانت ضد قوى الفرس والروم المحتلة المهيمنة المستعمرة ولم يقاتل المسلمون شعوب المناطق التي افتتحوها بل قامت تلك الشعوب بالقتال إلى جانب المسلمين. إذ قاتل نصارى الشام مع جيش أبو عبيدة، وقاتل المجوس مع خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة. لم يوجه الإسلام سيفه إلا ضد المستعمر وبهدف نشر الإسلام طوعاً بعد تحرير إرادة الشعوب لتختار ما تريد. لقد فتح المسلمون مصر ولم يدخل المصريون الإسلام إلا بعد مائتي سنة تَلَتْ ذلك الفتح دون إكراه أو إجبار من أحد. وفتح المسلمون خلال ثمانين عاماً مساحات أوسع من الإمبراطورية الرومانية خلال ثمانية قرون لأن رجال الفتح آمنوا على يد الرسول صلى الله عليه وسلم فكانوا يقاتلون من أجل هداية الناس وتحرير إرادتهم. والنصرانية لم تزدهر في مصر إلا بعد دخول الإسلام لأنه أعاد لهم حرية العبادة "ولولا سماحة الإسلام لما استمرت النصرانية في مصر ولما كان هناك كنيسة قبطية "( ) لقد أعاد عمرو بن العاص الكنائس من مغتصبيها إلى أهلها، إنها المرة الأولى في التاريخ التي يحرر فيها قائد دور عبادة لإتباع دين آخر ويردها لهم. حرر المسلمون الشعوب وتركوها وما تدين ولم يجبروا أحداً على اعتناق الإسلام.

قالت امرأة لصاحبتها في بيت المقوقس/عظيم مصر وقد بلغها مجيء عمرو بن العاص وإقدامه على دخول مصر : "لا تخافي فإن هؤلاء قوم سيوفهم ذات أخلاق".( )

وأشهر ما يرد إلى الذهن للتنوير : عندما اعتدى ابن عمرو بن العاص والى مصر آنذاك على قبطي بإحساس السيد المتعالي قائلاً وهو يضربه " خذها وأنا ابن الأكرمين". استدعى الخليفة عمر بن الخطاب كلاً من عمرو بن العاص وابنه مع القبطي واقتص له فطلب منه أن يضرب ابن الأكرمين فضربه. لم يكتف الخليفة بذلك بل طلب منه أن يضرب أيضاً عمرو بن العاص نفسه قائلاً " فو الله ما ضربك إلا بسلطان أبيه". ففزع عمرو بن العاص فزعاً شديداً وقال لأمير المؤمنين "لقد اشتفيت يا أمير المؤمنين". ولم ينقذه إلا الشاب المصري الذي اعتذر قائلاً: "لقد ضربتُ من ضربني" ورفض أن يضرب ابن العاص احتراماً لشيخوخته. فلم يجبره بن الخطاب وقال له " والله لو ضربت بن العاص لما حلنا بينك وبينه حتى تكون أنت الذي تدعه"، ثم قال لابن العاص تلك العبارة التي تدارجت وما تزال على لسان العالم وكانت أساساً لحقوق الإنسان " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً. وقال للشاب المصري " انصرف راشداً فإن رابك شيء فأكتب إليّ"( ). لذا فكيف يُعقل أن يقدم المسلم – ليس الإسلامي – على قتل الأبرياء ما دام الإسلام في الاصل لم يسمح بإهانتهم أو الحط من كرامتهم!. ( )

لذا فإنه من مفارقات التاريخ وغرائبه أن يرتبط الإسلام في أذهان الكثرة الغربية بالعنف والإرهاب وأن " تختزل عظمة الإسلام العظيم –الذي أرسل الله به الرسل والأنبياء هدي للبشرية- "وتُقَزَّمَ" إلى "نُدْبة أمنية". يتبين من هذا التربيط للإرهاب بالإسلام حين الغوص في الأسباب أن هناك عواملَ شاركت في هذا التربيط:

أولاً : ما زال يتربع في الذاكرة الغربية ذلك الصراع القديم بين الغرب والمسلمين، وهو صراع حركته في بداياته المنافسة التي قامت بين أجهزة التبشير الاستخباراتية المسيحية والدعاة المسلمين إذ يسعى المبشرون إلى دعوةِ الآخرين لاعتناق المسيحية. وكان لحروب الفرنجة – الحروب الصليبية – دور الباعث من جديد لهذا الصراع إذ حاول الغربيون الاستيلاء على بلاد المسلمين وفرض سلطتهم عليها. وقد غرس " المستشرقون الاستخباريون " إسناداً لسياسة بلادهم الغربية في عقول الأجيال عندهم صورة سلبية للإسلام تستثير عداءهم وسخطهم، وحاولوا تفنيد وتتفيه أساسيات العقيدة الإسلامية وخاصة الجهاد الذي صوروهُ كقسرٍ وإكراهٍ وفرض الرأي على الآخرين.

ثم وقع العالم الإسلامي تحت النفوذ الغربي المباشر بعد أن انحسر المد الإسلامي. وقامت حركات لمقاومة الإستعمار الغربي متمسكة بدينها ومبادئه وكمثال على ذلك تمسك الثورة الجزائرية بدينها الإسلامي ولم تكن تعتبر نفسها إلا " مسلمة"، ولم تكن تعتبر العدو الفرنسي إلا "نصراني"( )، وكذلك كان حزب الاستقلال في المغرب وجميع فصائل الفدائيين التي قامت بالمواجهات العسكرية. فكانت لفظة المسلم " تعني : مواطن مخلص مجاهد يعتنق الإسلام". بينما "نصراني" تعني المستعمر الأجنبي الذي يعمل ضد الإسلام وضد البلاد". لذلك كانت الصورة في الوجدان الغربي أن الإسلام هو الذي يحرك العداء للغرب وأن المسلمين خطر على الحضارة الغربية كلها. ولذا بناء على هذه الخلفية فالعقل الغربي مهيء لقبول كل نقد موجه للإسلام وتصديق كل صورة سلبية عنه، بل وعقد الغربيون المؤتمرات الدولية من أجل ردع الإسلام والوقوف بوجه الحضارة العربية الإسلامية.

ثانياً : ظهرت على الساحة العربية حركات سياسية- ومعظمها ولد ولادة مشبوهة كأبناء السفاح- تحمل شعارات شتى ومنها من رفع شعارات إسلامية صدقاً أو عن جهل أو خبث. ومارست هذه الحركات القوة الانقلابية العسكرية التي انقَضَّتْ فيها على المجتمعات العربية تستبيح وتُصَفّي بما لم يُنزل الله به من سلطان فحطمت صورة المجتمع وجميع قدراته في الداخل وشوهت صورته لدى العالم الخارجي وجعلت منها مسخاً مُقزِزاً. وقد أتيحت الفرصة لجميع هذه التيارات القاصرة والمزورة بأن يجرب كل منها دوره في الحكم ولم يكن شهاب الدين إلا أسخف من أخيه!! إن الأثر السلبي الذي تركته مثل هذه الحركات لدى العالم الغربي كان أفعل حتى من جميع الحملات الغربية الحاقدة على الإسلام والمسلمين . وبالذات إن الحركات التي تَدَّعي الإسلام – والتسمية هذه محشوة في جوفها مليئة بالعفن وملفوفة للإغراء وشراء الضمائر بشرائح الذهب فغدت تصفي خصومها- تقوم على العنف والقتل. إن وجود مثل هذه الجماعات التي لا تفهم من الدين إلا الخمار بثقبين تتشَبْرَقُ من ورائها بياض عيون زائغة أو لحية طويلة تصل إلى طرف الثوب الذي يجب أن يكون أقصر بشبر عن القدمين! ولا ترى من الكبائر إلا الأنوثة!. ( )

ولا بأس من الإشارة إلى أن الأمر هنا ليس مناقشة الإسلام من حيث مبادؤه الثابتة ونصوصه القاطعة ومواقفه الواضحة إنما الأمر يتعلق بتحليل تيارات ثقافية جانبية أو تحتية ترفع بيرق الإسلام في الوقت الذي تتناقض فيه سلوكياتها مع الإسلام لا بل تخرق مبادئه وأخلاقياته. فالإسلام منظومة كاملة لمحددات العلاقة بين بني البشر حين يتفقون وحين يختلفون في أوقات النزاع وفي أوقات الوفاق. ولم يكن الإسلام في صدام مع الحضارات( )، فالمسلمون يقفون مع كل أفراد العالم وشعوبه ودوله ضد أي خطر يهدد الإنسانية. والإسلام قائم على التواصل والتعاون يحارب القطيعة والتقوقع ومبادؤه الكبرى في هذا المجال هي:

1- الإنسان مخلوق مكرم أياً كان لونه أو دينه أو جنسه أو أواصله. وهو مفضل على كل المخلوقات( )،وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ. الإسراء (70).

2- " التعددية" ثروة تغني البشرية فالتنوع والاختلاف نعمة وليس نقمة وليس خطراً. " وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ ". الحجرات(17).

3- الإسلام يعصم دم الإنسان وعرضه مهما كان دينه. أوصى نبي الإسلام الإنسانية كلها " أيها الناس إن دمكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم".

4- احترام المواثيق في السلم والحرب." الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ ". الرعد(20).

5- قَنَّنَ الإسلام الحرب وصار قانون الحرب جزءاً من الشريعة الإسلامية ولم تعد الحرب إرهاباً أو همجية خارج القاعدة القانونية تستعصى على المحددات. إن الأصل في العلاقات بين البشر هو السلام والود، والحرب خارجة عن هذا الأصل. ( ).

ومن الملفت للنظر ظاهرتان لصيقتان بالإرهاب الذي يرتكبه إسلاميون:

الأولى : حينما فشلت هذه التيارات في الوصول إلى السلطة، وفشلت في إ قناع الجمهور شعرت بأنها معزولة عن التيار العام فانحصرت داخل " حوزة" تنحت لنفسها " فقهاً "تتصوره جزءاً من الإسلام. إن نظرة فاحصة لهذا الفقه الحوزوي هو فقه إنعزالي يفسر النصوص تفسيراً ضيقاً لا يتسع إلا لوجهة نظر صماء وعمياء ينكر المجتمع حوله وقوانينه ويسعى للتغيير بأي ثمن وباستعلاء وفوقية مستخدماً ما تمتد اليه قدرته من وسائل بطش إرهابية.

الثانية : إن عزلة هذه الجماعات ولَّدت الريبة بكل ما حولها، بل الوسوسة والهلوسة تجاه محيطها فقامت بنحت فقه مكمل لفقه العزلة وهو " المكتومية" مما أسقطها أتوماتيكياً في النزعة العدوانية والسلوك المنحرف. ومن منابع فقه العزلة و المكتومية العناصر التالية :

1- "التقية" أي التمويه بإظهار ما لا يبطن مما زاد في عزلتها لثبوت عدم صدقها عند السلطة وعند الناس كما أدى إلى التيه" في صفوف منتسبيها وعدم التمييز.

2- استحلال اللجوء إلى العنف والإكراه للاستعجال في الوصول إلى السلطة والحط من الالتزام بالقواعد الأخلاقية للعمل العام فيضربون بعمى وبغير بصيره بل بغباء. مخالفين قوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ " النساء(94). وقول رسوله " إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً".

3- حين تصل هذه الجماعات إلى استخدام السلاح دفاعاً عن قضاياً عامة كانت مشروعة، أو تعتبرها هي مشروعة، لا تتركه بعد ذلك أبداً وتبقى متمسكة به لتستخدمه في قضايا غير قانونية وغير مشروعة الأمر الذي يؤدي إلى الفساد والوقوع في المفاسد، "إن القوانين التي لا يحميها السلاح تصبح محطَّ إزدراء، والأسلحة التي لا تلجمها القوانين تحكمها الفوضى"( ).

جذور الإرهاب في التاريخ العربي الإسلامي:

منذ البداية لا بد من التأكيد على أن الإسلام لا جذور فيه للإرهاب -سيرد تفصيل أكثر في الأبواب اللاحقة من هذا الكتاب- حسب المفهوم الحقيقي للإرهاب وليس حسب المفهوم الهوائي، وإذا لم تمسخ معاني المقاومة والعدالة والمساواة والأخلاق. أما إذا انطلقت الأعنة على هوى مطلقها فسنجد من يصف عصفوراً شادياً بالإرهاب حينما يقضم طرف عرقٍ من العشب. وإذا تم الولوج في مثل تلك التصورات، سنظهر وكأننا ننساق إلى أنفاق معتمة كَتِمَةٍ، وما أكثر المنساقين الموجهين عن بعد بالرموت كونترول.

يرى بعض الباحثين أن الإرهاب القائم على التطرف الديني قد بدأ مع بداية "الخوارج" ومنها تفرعت العديد من الحركات المنشقة على أثر التحكيم بين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ومعاوية بن سفيان 37هـ بعد معركة "صفين"( ). فَكَفَّرَ الخوارج علياً لأنه قبل بالتحكيم، وعمرو بن العاص وابا موسى الأشعري لأنهما قاما بالتحكيم. اعتبر الخوارج كل من خالفهم الرأي من المسلمين كافراً يحل قتله فلا يرحمون منهم الرضيع أو الطفل أو المرأة أو الشيخ الهرم. وانقسم الخوارج فرقاً منها :

- الأزارقة : نسبة إلى قائدهم " نافع بن الأزرق" الذي كَفّرَ كل من ليس مسلماً، ولا يقبلون من الناس إلا الدخول في عقيدتهم أو القتل ويحلّون ايضاً قتل أطفالهم ونسائهم فهم أيضاً مشركون. كما يستبيحون ممتلكاتهم بالإستيلاء عليها أو تدميرها. أعتقد أن الإرهاب الذي انتشر في الجزائر بعد مصادرة الانتصار الكاسح " لجبهة الإنقاذ الإسلامي" في الانتخابات التشريعية 1991 تعود جذوره إلى الأزارقه، إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال قبول البشاعات التي اقشعرت لها أبدان كل العالم مثل الذبح " من الوريد حتى الوريد" أو القتل بالفؤوس لأطفال ونساء أو إبادة لأسر كاملة. كما يجد جذوره أيضاً في الإرهاب الذي مارسه الاستعمار الفرنسي ضد الجزائرين بفظائع لم تكن أقل بشاعة من إرهاب الأزارقة الأمر الذي يبرهن على أن العنف لا يجر إلا العنف والإرهاب لا يولد إلا الإرهاب ولو بعد آجيال. الأمر الخطير جداً في الإرهاب أنه لا يموت أو الأصح أن البشرية لم تكتشف حتى الآن الوسيلة القاضية عليه( ).

- اليزيدية: وَمُنَظّرُهُم هو يزيد بن أنيسه " الذي اعتقد بأن الفرس سيكون منهم "نبي" يتلقّى من الله كتاباً يلغي شريعة محمد النبي العربي.

- "النجدات": الذين أباحوا أموال ودماء أهل الذمة. يتبعون "نجدة بن عامر".

- الميمونية : أنكروا سورة يوسف في القرآن الكريم لأنها قصة غرام لا يمكن تنزيلها من عند الله. أباحوا الزواج من بنات الأخ أومن بنات الأولاد. ُمَنظِّرُهُم "ميمون العجرودي".

الحشاشون :

لقد برع الحشاشون في الاغتيالات السياسية وزرعوا الذعر في المجتمع الإسلامي. وتعود تسميتهم بهذا الأسم إلى تناول المخدرات –الحشيش- قبل القيام بتنفيذ عملية الاغتيال. وهناك رأي آخر مستمد من الصليبيين الذين تحالفوا معهم واستغلوهم للقيام باغتيال الشخصيات المسلمة المقاومة للوجود الصليبي، فكانوا يسمونهم assassins أي " مغتالون" ثم حورت إلى العربية "حشاشون". ( ).

المؤسس لحركة الحشاشين: هو " الحسن بن الصباح" في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي في بلاد فارس وتوسع انتشارها إلى الجزيرة العربية وبلاد الشام. تعرضت للتصفية 1200م، إلا أن أتباعها ما زالوا موجودين في الهند وإيران وسوريا. والآغاخان رئيسها الفخري.

وتعود جذورها إلى الطائفة الشيعية الإسماعيلية. كانت شديدة التنظيم وابتكرت أسلوب الإرهاب بديلاً عن الحرب لقلة عدد أفرادها ومحدودية إمكاناتها، فكان من الصعب عليها أن تشن حرباً نظامية فعمدت إلى تكوين مجموعات تنفذ التصفيات الجسدية للقوى التي تريد السيطرة عليها( ) وهذا هو دَيْدَنُ الإرهاب الآن إذ يشنُّ حرباً سميت بحرب " غير متساوقة"( ).

تحول " الحشاشون إلى مساندة الصليبيين بل إلى عملاء لهم ينكلون بإخوانهم المسلمين بما عرف عنهم مِنْ فظاعة في القتل والتدمير فاغتالوا، ميمون "قائد المسلمين الذي تصدى للصليبين في طبريا 1113 م وهو يدخل المسجد لتأدية صلاة الجمعة الأمر الذي شكل نصراً للصليبين بتخلصهم من عدوٍ لدود على يد الحشاشين( ). واستمراراً لحقدهم على كل ما هو عربي ومسلم استمروا في إرهابهم وقاموا بمحاولات فاشلة لاغتيال نور الدين وصلاح الدين( ).

وقد سبب الحشاشون الإرهابيون نُدَبَاً في بنية المجتمع، إذ بسبب فظائعهم سيطر الهلع على الناس فأصبح " لا يثق الأخ بأخيه، والأب يخاف من ابنه، والأمير لا يستطيع أن يعرف مَن هو المخلص من عدم المخلص من أتباعه وحراسة، فالحشاشون قد سلبوا العقول بأفكارهم المريبة البراقة. ومن الأمور الخطيرة التي ارتكبوها قتل عدد كبير من العلماء( ) والقادة والأمراء لتخلو لهم الطريق لإرباك المجتمع.

القرامطه :

اعتقد القرامطة أن الحج الى بيت الله الحرام -وهو أحد الأركان الخمسة للإسلام-؛ من شعائر الجاهلية وهو عبارة عن عبادة الأصنام. فزحفوا الى مكة المكرمة في موسم الحج 317هـ بزعامة "أبو ظاهر القرمطي" ودخلوها محتلين ونزلوا تقتيلاً وذبحاً في أهلها وفي الحجاج وردموا بجثثهم بئر زمزم وبلغ عدد القتلى(80)ألفاً وسبوا زهاء ثلاثين ألفاء من النساء والأطفال ودكوا أركان الكعبة واقتلعوا الحجر الأسود حتى لا يبقى له أثر وأخذوه معهم رهينة لمدة عشرين عاماً حتى أفلح الفاطميون في إعادته إلى مكانه( ). وكادَ القرامطة يقوضون الخلافة الإسلامية في الفترة بين 883-886م فأقاموا دولة لهم في " الأحساء" ومن هناك بدأوا يغيرون على البلدان المجاروة.

أسس هذه الحركة "حمدان بن قُرْمُطْ" وهو رجل واسع الإطلاع من بين رجال الدعوة الإسلامية. انفصل عن الإسماعيلية الى جنوب العراق متخذاً من الفقراء والفلاحين قاعدة له مكوناً تنظيماً سرياً بطابع إشتراكي لا يؤمن بفروض العبادة والتقوى فأمَرَ أتباعه بترك الصلاة والصوم وأباح لهم سفك دماء الخصوم ونهب أموالهم. فغدا القرامطة عصابة من السفاحين الأشقياء مهمتهم نشر الدمار أينما حلوا( ).

لقد تَرَكَتْ هذه الفرق الباطنية الإرهابية آثاراً سيئة في المجتمع الإسلامي تضلل الشباب المراهق الذين تحولوا الى أداة طيعة تم محو عقلها وسحق إرادتها يحركها زعماء الباطنية لما يحقق أهدافهم الخبيثة فأرهبوا المجتمع( ).

مذبحة الخندق في الأندلس :

قمعاً للقلاقل التي كانت تتكرر في مدينة طليطلة أهم المدن في الخلافة الأندلسية، قرر الخليفة آنذاك " الحكم" عام 807 م القضاء على جميع زعماء المعارضة. فطلب من والي المدينة "عروس بن يوسف" إقامة حفل على شرف ابن الخليفة وولي عهده يدعو اليه زعماء المعارضة، وأمره أن يحفر خندقاً عميقاً داخل القلعة التي سيقام فيها الحفل. وكان جنود الخليفة في كمين للمدعويين يقطعون رأس كل من يدخل من المدعوين، وتم دفن جميع المدعويين في ذلك الخندق. ( )

مذبحة المماليك :

وبعد مذبحة طليطلة بألف عام، أقام والي مصر محمد علي 1811 حفل غداء لتوديع ابنه "طوسون" الذي كلفه بقيادة حملة للقضاء على الوهابيين في الحجاز بناءً على أوامر السلطان العثماني. دعا جميع زعماء المماليك الى هذا الحفل وتمت محاصرتهم في ممرٍ ضيق داخل القلعة ثم قتلهم واحداً تلو الآخر، ولم ينج منهم إلا واحداً استطاع القفز بحصانه والهرب. وبلغ عدد القتلى 500 قتيل، أرسل محمد علي الى السلطان 64 رأساً من رؤوس القتلى.
موضوع مغلق
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم


الساعة الآن 04:50 PM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى