ذكر الموت من أسباب السعادة
12-08-2018, 02:10 PM
ذكر الموت من أسباب السعادة
أمير بن محمد المدري


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

يمر بالإنسان في حياته بالعديد من المصائب، وهذه سنة الحياة، لكن أعظم مصيبة تصيب الإنسان هي:" مصيبة الموت" التي تنقله من لذات الدنيا وشهواتها إلى عام البرزخ؛ ولهذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم:" هادم اللذات"، وأمرنا بالإكثار من ذكره، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أكثروا ذكر هادم اللذات يعني الموت". رواه الترمذي (2307)، والنسائي (11824)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (3333).
كثيرٌ من الناس يرهب الموت وذكر الموت مع أن الموت سببٌ للسعادة والنجاح في الحياة؛ فلنر لماذا وجّه النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه الكرام بالإكثار من ذكر الموت؟
يقول عليه الصلاة والسلام:" أكثروا ذكر هادم اللذات، فإنه ما ذكره أحد في ضيق العيش إلا وسّعه عليه ولا في سعة إلا ضيّقه عليه "[ سبق تخريجه].
السعة مع الغفلة: علاجها التفكر بالموت، والضيق مع اليأس: علاجه التفكر بالموت، ففي السعة يذكّرك، وفي الضيق يذكّرك، في السعة ينقذك من غفلتك، وفي الضيق ينقذك من غفلتك.
الطالب إذا نسي الامتحان طوال السنة الدراسية، فقد أخطأ، أما إذا ذكر الامتحان، وقد وزعت الأوراق ووزعت الأسئلة، فالمراقب والامتحان صار أمراً مصيرياً، نجاح أو رسوب، الطالب الذي نال المرتبة الأولى على بلده سُئل مرة بمَ نلت هذه المرتبة؟. قال:" لأن لحظة الامتحان لم تغادر ذهني، ولا ساعة طوال العام الدراسي"، والمؤمن الصادق المتفوق: مغادرة الدنيا لا تغادر ذهنه إطلاقاً، فهو يعمل بدأب وليس فقط يعم،ل بل حتى إذا قامت الساعة يعمل ويستمر في عمله:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها، فليفعل » [ أخرجه أحمد (3/191)، والبخاري في الأدب المفرد (479)].

ذكر الموت: يقلل من خطئك، ويردعك من أن تعصي الله عز وجل، يمنعك من أن تأخذ ما ليس لك، الموت يمنعك أن تقف في طريق الإيمان، الموت سور ودافع، يدفعك إلى الله، وسور يقيك الزلل والانحراف.
ذكر الموت: يجعلك تراجع نفسك في علاقاتك مع من حولك، وتزداد قُرباً منهم وسعادة.
ذكر الموت: يجعلك تخشع في صلاتك، وتجلعها آخر صلاة تصليها، أي صلاة موَدّع.
ذكر الموت: يجعلك أكثر استمتاعاً بالحياة؛ فالحياة قصيرة: لا تستحق الهموم والغموم والعداوات.
ذكر الموت: يدفعك للقُرب من الله أكثر، ويجعلك أكثر زُهداً في الدنيا، وأكثر قناعة، وأكثر خدمة للآخرين.
ذكر الموت: سببٌ لحياة القلب؛ جاء في الأثر: «أكثروا ذكر الموت فما من عبد أكثر ذكره إلا أحيا الله تعالى قلبه وهوَّن عليه الموت» [ أورده الألباني في ضعيف الجامع ].
عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه رجل من الأنصار، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا رسول الله أي المؤمنين أفضل؟. قال:«أحسنهم خُلُقاً، قال: فأي المؤمنين أكيس؟. قال:" أكثرهم للموت ذكرا، وأحسنهم لما بعده استعدادا، أولئك الأكياس".[ حسن، أخرجه ابن ماجه: كتاب الزهد (4259)].
أولئك الأكياس، أي: أعقل الناس، لتكون أعقل إنسان في مقياس النبي عليه الصلاة والسلام، عليك أن تكثر ذكر الموت، وأن تكثر من الاستعداد له:( بالتوبة وبالوصية وبالعمل الصالح، بإنفاق المال، بالدعوة إلى الله، بالنهي عن المنكر الأمر بالمعروف، بخدمة الخلق، بالإكثار من العبادة، نوافل العبادات، طلب العلم، قراءة القرآن).
الإنسان حينما يؤمن بالله عز وجل ويصطلح معه، فالموت لا يرعبه كثيراً، وعلامة أن تكون مع الله في أحسن حال ألّا تخاف الموت، علامة أنك مؤمن ولك عمل طيب أنك لا تخشى الموت، أما الظالم والبعيد عن الله يكره الموت.
سُئل أحد الصالحين: ما لي لا أحب الموت؟. قال: ألك مال، قال: نعم، قال:
" قدّمه أمامك، فإن قلب المؤمن مع ماله إذا قدمه أحب أن يلحق به، وإن أخّره أحب أن يتأخر معه".
قال أحد الصالحين:" ما تحب أن يكون معك في الآخرة، فقدّمه اليوم، وانظر الذي تكره أن يكون معك في الآخرة، فاتركه اليوم واخرج عنه، وكل عمل كرهت الموت من أجله فاتركه، ثم لا يضرك متى مت؟".
فالموت إذاً: سبب لجلب السعادة والراحة والسرور للعبد، لا كما يعتقد البعض، جعلنا الله وإياكم من المقبلين عليه المحبين للقائه.