تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
  • ملف العضو
  • معلومات
أسامة سعد
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 04-04-2007
  • الدولة : oran
  • المشاركات : 291
  • معدل تقييم المستوى :

    13

  • أسامة سعد is on a distinguished road
أسامة سعد
عضو فعال
سأهبك غزالة للروائي العظيم مالك حداد
01-08-2007, 02:19 PM
مالك حداد
سأهبك غزالة قصة نقلها من الفرنسية الى العربية
صالح القرمادي
الأستاذ بدار المعلمين العليا بتونس
الدار التونسية للنشر
1968
اللغة الفرنسية حاجز بيني وبين وطني
أشد وأقوى من حاجز البحر الأبيض
المتوسط...
وأنا عاجز عن أن أعبر بالعربية عما
أشعر به بالعربية...
ان الفرنسية لمنفاي..!
مالك حداد
إلى صاحب هذه الصرخة الحبلى ،
وساجن الحب الأشقر والقواميس الألمانية – الفرنسية بفنادق باريس، ومغرق
الصحراء والحي اللاتيني في كؤوس "الروزي"، ومبيد الغزلان في أعين
عشاق العرق الشرقي الأكبر...
إلى الصديق الذي لا أعرفه إلا من خلال صدفة افريقيتنا الشمالية، وفصاحته
الفرنسية، وكأس قد شربنا بعقر حانوت لبيع الكتب العتيقة بنهج" الاوديون"
بباريس ذات عشية، كأس واحدة جمعتنا لأول مرة مشعشعة بمحادثة ثائرة
ثورة الاخاء، رقصت فيها أمانينا اللغوية وعربنا فيها بالخيال جميع ما ألفه
الكتاب الجزائريون.
وإلى جميع قراء العربية سواء أنطقوا بالضاد أم لا.
أقدم هذه الترجمة.
صالح القرمادي
تونس ١٩٦٦
.
.
إلى مريم وإلى جمال علي - خوجة
.
.
لا تطرق الباب كل هذا الطرق
فإني لم أعد أسكن هنا!
.
.
ما أعظم الله ! فهو عظيم بقدر ما أنا وحيد. إني لأرى المؤلف فيبدو لي كأنه لوحة. وهيئته
بباريس اللا نهائية ليست كهيئة أهل مهنته .انه لا يعبر البتة عن مقصوده بألفاظ خاوية لا
تعبير فيها. فهو والالفاظ شيء واحد، شيء ذو بال، شيء ذو كيان ووجود.
عندما وضع المخطوط لم يكن بالمكتب أحد. ان المؤلف وحيد في حياته. ذلك أنه قادر على
تسيير حياته وحده وبدون تدخل أحد سواه كما يسير سفينته الربان. وهو لا يرى نص الاشهار
مشرقة ألفاظه في السماء، ولا يفهم من الأمور شيئاً عدا شباكه وعينيه. وما الفرق بين الشباك
والعينين يا ترى؟ أجل ان الفرق موجود على كل حال. فالمرء يفتح شباكه لينظر إلى الخارج
ويفتح عينيه لينظر إلى الباطن. وما النظر إلا تسلقك الجدار الفاصل بينك وبين الحرية. ولذلك
نجد في الدنيا النظر القصير كما وجدنا فيها السلم القصير.
وضع المؤلف مخطوطه على طاولة عليها ممحاة فحاذى المخطوط الممحاة وكان بجانب
الطاولة سلة للمهملات. ان الموجود باق. فالمماحي وسلال المهملات تترقب في خبث اتلاف
المؤلف عمله بنفسه. ان حركة واحدة تكفي لذلك. غير أن عمل هذا الشيء الذي يسمونه
رواية قد تطلب من الحركات ما لا يحصيه إلا الله. ذلك أن قطرة ماء واحدة تضاف إلى
المحيط أمر ذو بال وخطر وعلى الانسان أن يحسب لها حسابها. ان اعتزاز المنتحرين كامن
في احترامهمالمماحي وسلال المهملات في سذاجة أكثر مما هو كامن في حاجتهم إلى اثبات
أنفسهم باعدامهم. وليس الموت بقطرة ماء بل هو حصاة تلقى في البحر.
نظر المؤلف إلى يومية قديمة عليها تاريخ السنة الماضية. فخطر بباله أن في السنة عددا كبيرا
من الايام. فياله من سلم! ثم هو يتكرر وسيتكرر من جديد. لقد كانت نظرته إلى الأشياء نظرة
عمودية. فقد تعلم كلما تعلمه في صباه على سبورة بالحائط.
ولاحظ المؤلف أن المحابر قد انعدمت من على الطواول منذ أن اخترعوا أقلام الكرة الحبرية.
فأزاح ذهابها عن طواول العمل صبغة هذه الطواول الخاصة بها وهي أنها مجعولة للكتابة. ان
قلم الكرة الحبرية يمنح حامله رباطة جأش لا تتماشى والتفكير. والانسان الراغب في رسم
سطر لا يحتاج إلى المسطرة مع هذا النوع من الأقلام. أما المؤلف فكان يستعمل للكتابة قلم
حبر غليظا منتفخ الأوداج. وكان مولعا بملئه كلما اتفق أن تعطلت أفكاره أو نفذ حبره في أثناء
جملة من الجمل. ان المؤلف لرائد . والانسان اذا استعمل قلم الكرة الحبرية لا يتعرض
للتعطيل ولا للنفاذ أبداً .وترى كيف يمكن تقدير المجهود والتمتع به اذا انعدمت العلاقات
المعتادة الدالة على النفاد؟
وكانت شذرات من الشمس المتفرغة العاطلة مارقة من خلال نافذة المكتب الضيقة. كانت
شمسا متغضنة دخلت فلم تكد تتعدى سلة المهملات. وكنت تلاحظ علما متدليا من الطابق
الأعلى كأنه في تدليه أذن بائسة. ان المجد لفي ابتهاج. ولم يكن هناك ريح ولا "استرليتز" ولا
جسر "آكول."
لقد كان ذلك العلم في أساه المثلث الألوان كمحارب من قدماء المحاربين شاخ فأحالوه على
المعاش. ونظر المؤلف إلى ساعته بدون أن يقرأ فيها الوقت ، وخطر له أنه لم يعد ثمة موجب
لبقائه بذلك المكتب فاتجه نحو الباب، وكان الباب محفوفا بدفاتر عديمة الجدوى. ذلك أنه كان
من عادته أن يحكم على جميع الأمور التي لا يفهمها بعدم الجدوى. وما أكثر الأمور التي كان
لا يفهمها! لقد كان الناس يقولون له ويكررون انه عائش في السماء. وفي الواقع فقد كان لا
يفهم السماء. ومع ذلك كان يعتقد اعتقاد اليقين بأن السماء لا دفاتر فيها.
وآل الأمر بشذرات الشمس المتفرغة العاطلة إلى أن وقعت في سلة المهملات وما أغرب
الشمس تقع في سلة المهملات! وابتسم المؤلف وكان الابتسام يجعل منه رجلا شديدا صارما.
لقد وقع نظره ذات يوم على صندوق من صناديق القذارات به صورة من نوع الصور التي
تلتقط للعروسين أثناء العرسات. كانت العروسة مرتدية فستانا أشد بياضا من ابتسامتها الحذرة
الموهوبة لآمالها قصد مداراتها. وآما العروس فقد كانت تبدو عليه علامات الرصانة والجد:
ابتسام. وأطفال سيلعبون غدا. وأكاليل اللطف والحنان. واليد في اليد. يا له من تكرار لفظي
مقدس! ابتسام ورصانة... وفي نهاية المطاف تلك الصورة البائسة، تلك الصورة المسكينة. في
صندوق من صناديق القذارات. لا بد أن تكون القضية قضية انسان نظم أوراقه ورتب
ذكرياته.
كان المخطوط على الطاولة، هادئا كالاسطوانة في غلافها.
وبينما كان المؤلف يهم بالخروج تذكر أنه لم يكتب العنوان لا على الصفحة الأولى من الكتاب
ولا على ورقة الكاغذ المقوى الذابلة التي كان المخطوط محفوظا فيها فرجع أدراجه إلى
المكتب وكتب بحروف كبيرة:
سأهبك غزالة
ولم يكن اسم المؤلف مذكورا بالمخطوط .وكان المؤلف قد أكد في احدى المجلات وفي يوم
من أيام الشاعرية المفروضة بأن المحسنين إلى الأحلام لا يسافرون إلا متنكرين .فلعله كان
يعتبر نفسه من بين المحسنين إلى الأحلام. والواقع أنه لم يكن يفهم ذلك السلوك الذي يجعل
الناس يقولون" :أنا". فالانسان يقول: "أنا" في بداية الأمر ثم هو بعد ذلك يقول: "لي". والمرء
يمنح أطفاله لقبه الا أنه والحمد لله لا يناديهم الا بأسمائهم الصغيرة.
لقد كان يعاف ذلك النفاق الأبوي الذي يبرز في صورة اسم الكاتب على غلاف الكتاب. انه لم
يكن متواضعاً.
وأغلق الباب بعنف كما يغلق الانسان الكتاب.
واستفسرت "جيزال دوروك" جميع الحاضرين. فلم يكن واحد منهم قد رأى انساناً ولج المكتب.
ولم يكن في برنامجها أن تتسلم المخطوطات في ذلك اليوم. وكانت "جيزال دوروك" تبدو
كالجميلة عندما تأخذ في التفكير والتأمل. فكان الناس عندئذ يغفرون لها كبر جبهتها المفرط
وشحوب لونها المفرط، وتلك العجوة اللطيفة في وجهها التي كانت ترسم قوسا صغيرا على
ركن شفتها وحول سيجارتها. كانت كثيرة التدخين وكانت اذا أخذت في التفكير تبدو وكأنها في
عراك وخصام مع أفكارها.
ولشد ما كان الغضب يواتيها. لقد كان يعيد إليها شبابها. ان الشباب بهيج بالأخص عند من
فقدوه فأصبح أمراً غير منتظر منهم. ان الشباب لفي متناول أتفه الناس وأشدهم حمقا. أما
استرجاع الشباب فتلك لعمري هي المعجزة وبداية الباع والمقدرة.
ابتسم السيد "موزار" – نعم "موزار" كصاحبنا الآخر الا أن اسم هذا السيد الصغير هو "برنار"
بينما صاحبنا الآخر ليس في حاجة إلى اسم صغير - ابتسم السيد "موزار" مدير مصلحة
الصحافة اذ ذاك وأردف قائلاً:
-العنوان عنوان لائق للغاية.
ثم أردف أيضاً:
-بالله ما ضره لو وضع اسمه ؟
ثم أخذ يداعب شاربهالخيالي ويتلفن.
كان السيد "موزار" يتلفن كما ينشق الناشق الخبيث سعوطه. وكان استعمال التليفون يوهمه بأن
وجوده صالح ومفيد.
واذا اعتبرنا أن اختراع التليفون اختراع حديث العهد نسبيا، حق لنا أن نتساءل عن نوع
المعيار الذي يقيسون به أهمية رؤساء المصالح عندما كانت تلك الآلة غير موجودة.
وتناولت "جيزال دوروك" المخطوط ففتحته في الصفحة الأولى وقرأت:
"ما أعظم الله ! فهو عظيم بقدر ما أنا وحيد. اني لأرى المؤلف فيبدو لي كأنه لوحة"...
وكررت في نفسها قوله:
"اني لأرى المؤلف فيبدو لي كأنه لوحة"..
ثم قالت في نفسها: "كأنه لوحة! يالها من فكرة غريبة"!
وسألها السيد" موزار" قائلاً:
-أستأخذينه معك ؟
-نعم. سأطالعه في تفرغ وسعة بال.
كان السيد "موزار" يداعب شاربه الوهمي. وكان دائم الابتسام. لقد كان رجلا حزينا. ترى من
ذا الذي نصل لونه على الآخر؟ أهو الذي صبغه؟ فالمكتب كان مكتبا حزينا. ان جميع المكاتب
حزينة. فهي لا تحب العمل وهي حزينة مثل محطات الأرتال. الا أن محطات الأرتال معذورة
في ذلك وعذرها أنها لا تسافر أبداً.
التليفون والشمس! وفي تلك اللحظة أخذ العلم الذي بالطابق الأعلى يتحرك ورجعت سيارة
رجال المطافئ بطلة الهلع الذي لا داعي له فزعها وذعرها. ونظرت "جيزال دوروك" من
الشباك فرأت رجال المطافئ جالسين مصفقين في امتثال وهدوء وكل فرد منهم نسخة مثلى
من الآخرين. كانوا متهيئين في برودة دم كاملة لميعادهم مع الكارثة. ان سيارات رجال
المطافئ لشبيهة بلعب الأطفال.
وقرع جرس الكنيسة في جهة "سانت جونوفياف "فكانت رنانة حادة مرحة تقطعت لها السماء
فكانت سبع قطيعات. وكانت سماء باريس تغشى باريس مغرورقة زبدة مثلها مثل تلك الأخبية
الرثة التي يغشون بها ميادين أحصنة الأطفال الخشبية الثقيلة الجامدة. وكان صليب
"البنطيون"* شاهرا خلوده في السماء .وكانت "جيزال دوروك" تحب باريس. كانت تحب
باريس لأنها كانت لا تخشاها وما حب باريس الا الرضاء بها، لقد تعودت على باريس
فكونتها باريس تكوينا.
كانت الأرصفة تسيل في الشوارع جارية مسرعة. انها الغابة. وكان المخطوط يطل من حقيبة
"جيزال "الضيقة المحمولة بالحمالة على كتفها. وكانت باريس تلتهم أهلها التهاما.
وكانت السيدة "دوروك" تقول وتكرر في نفسها:
"كأنه لوحة! يا لها من فكرة غريبة"!
" *البنطيون" بناية ضخمة بحي مرتفع "سانت جونوفياف" أنشئت في عهد لويس الخامس عشر واستعملت كنيسة ثم مدفنا لمشاهير
الفرنسيين.
.
.
ان المؤلف ثقيلرزين. وهو لا يسكن منزلا قائماً على احدى الهضابات أزرق اللون أخضر
لوحات الشبابيك. ولا يرى الثنايا الريفية تنساب وتميس في تخامل وكسل. ان باريس لتضج
ضجيجا. ان باريس لباقية على الدوام. ان باريس لموجودة في كل شبر من باريس.
هذا الشارع ذو المنعرجات الأربعة وهذا مفرق طرقات "الأوديون".* وهذا "دانطون" يشير إلى
السماء بل يشير إلى السحب في السماء. ان السحب هناك بالعلياء لبين أهلها وذويها على
الأقل. انها تمزق القمر. ان السماء متدلية أشلاء ضارباً لونها إلى لون البنفسج.
هذا الخمر "الروزي" يرقص في قارورته المكورة البطن. ان المؤلف تائه في الأبعاد وأما
السيد "موريس" فكاسف البال لأنه لا يطيب له أن يرى المؤلف يفني نفسه افناء. فقد طالع كتابا
من كتب المؤلف وأصبحت له فيه ثقة وايمان. والمؤلف يعلم أن للسيد موريس ثقة فيه وايمانا.
ان الخمر "الروزي" لهي السفر والترحال...
***
ها هو السجن الأزرق يبكي لشهقات صفارات الانذار الصائحة.
ان الشوارع قد ضمت ذراعها.
انه "الرافل*"
ان أعوان الشرطة المسلحون.
-هات أوراقك..
لا ينبغي مخاطبة الناس باستعمال صيغة المفرد.* لا، لا ينبغي أبداً مخاطبة الناس باستعمال
صيغة المفرد. فقد يؤدي ذلك فيما بعد إلى ما أتعس بكثير، بكثير جدا.
إن عملية "التعذيب"* تبتدئ بمخاطبة الناس بصيغة المفرد.
وها هو أحد السكيرين يصرح في ركن من أركان الخمارة:
. -لقد شاركت في حرب ١٩١٤
. انه سكران. ولكن صحيح أنه شارك في حرب ١٩١٤
-مشاركتك في حرب ١٩١٤ كشعرة في مفرقي. هات أوراقك..
وسأل عون من أعوان الشرطة المؤلف قائلاً:
-ما عملك ؟
ففسر له المؤلف، قال:
-السكر.
-ليس هذا بعمل. وليس من صالحك أن تسخر مني وتستصغر قيمتي.
وتساءل المؤلف في نفسه "ترى ما عسى أن يكون قيمة شخص كهذا الشخص لو بيع؟"
-أنا كاتب.
أهكذا تكون هيئة الكتاب اذن؟ ولم يلح عون الشرطة في السؤال. لقد أخذوا في سيارتهم ذلك
الذي شارك في حرب ١٩١٤ . فليس مشاركة انسان في حرب من الحروب كافية لاثبات
هويته.
ان القوة لعمياء. فقد اعترى الخوف المؤلف وهو يعرف أن مصير الانسان انما هو خلاصة
تسلسلات حمقاء. ان القوة العمياء لا تصرح ببطشها وانما تصرح بكونها شيئا عديم لمعنى.
لقد اعترى الخوف المؤلف فأذله ذلك الخوف. ولن يغفر لهم ذلك الخوف ابدا. فلم يعد ذلك
الانسان الذي يفهم حسرة الجداول ويبتسم للأطفال. ولم يعد ذلك المؤلف. انهم لم يحترموه
عندما أخافوه بل اغتنموا فرصة وحدته.
وتغير طعم الخمر "الروزي."
لا بد أن يكونالسيد" موريس" قد فهم القضية. فقد قدم الخمر بدون أن يطلب منه ذلك. وها
هو يهز رأسه. أجل انه قد فهم القضية. يهز رأسه كما يهز الفلاح رأسه أمام حقله وقد أفسده
البرد. ان الخوف أتعس من البرد.
وطفق السيد "موريس" يقول:
-ترى ما العمل يا رب؟
ثم أضاف السيد "موريس" فقال:
-يا لها من تعاسة!
أما المؤلف فلم يضف إلى ذلك شيئا.
انهم اذا ابتغوا في حربهم تلك أن يعرفوا أعداءهم طلبوا منهم أوراقهم.
-آ ! اذن فأنت جزائري.
ولكن قل لي بربك: ما لهذه الملعونة لا تذكر اسمها.
مالها لا تذكره فتقول: ان اسمي الحرب واني ولدت يوم أصبح الشتم غير كاف ويوم أصبح
الصبر غير كاف..
-آ ! اذن فأنت جزائري.
انني أعرف جدارا عتيقا قائما في جهة الحباحب واليراع في موضع القبلات الخالي من
الحصى.
ان اعرف قطا طاعنا في السن كان من عادة أبناء عمي أن يضربوه. وأعرف كذلك "نادية" لقد
عرفتها جيد المعرفة. كانت "قصيرة جميلة تحتذي حذاء أحمر وتزور جدتي، وكان من عادة
"نادية" أن تنظر إلي. كانت نادية قصيرة جميلة.
آ ! إذن فأنت جزائري.
لقد فقدت أخا كان له في نفسي تأثير بليغ. كان يعرف كل شيء ولا عجب فقد كان أخي
الأكبر. ثم فقد اكتشفت ذات يوم قرب نهر صغير زهرة مجهولة. ثم أخذت كلاب الحي تبكي
في الليل. اني أود لو قبلت جنية أحلامي الغرامية قرب أفواه الآبار التي تترقب القمر. أيتها
الحقيقة بربك قولي لي: انك لا تكونين عارية أبدا...!!
مسكين السيد" موريس!"
وقال المؤلف:
-لقد أصبح من الشاق على نفس الانسان أن يكون فرنسيا .أليس كذلك؟
فتنهد السيد "موريس."
وأخذت عملية "الرافل" تمدد أصابع أخطبوطها وتسعى بحي "سان جرمان ."
وأشفق المؤلف على السيد "موريس."
وأما "دانطون" فان جوار "الكوميدي فرانساز"* قد أوعز للناظر منذ زمن طويل بعد أن الملح
سينبت على الاشارات المفرطة في الشمم.
ان المؤلف يفضل بكثير السيد "موريس" ذلك الرجل الذي لن يقيم الناس له تمثالا أبدا.
" *الأوديون" حي من أحياء باريس يقوم فيه بالخصوص "مسرح الأوديون."
" *دانطون" اشارة إلى تمثال" دانطون" القائم بذلك الحي من باريس ودانطون هذا سياسي ووزير فرنسي.
*لقد فضلنا استعمال لفظة رافل الفرنسية لأنها مستعملة في العربية عندنا أولا ثم لأن لها وقعا خاصا على النفوس من جراء
التجربة الشخصية التي عاشتها شعوب شمال افريقيا أيام الثورة ومعنى الفظة نزول أعوان الشرطة في شارع من الشوارع والقاؤهم
القبض على الناس جماعات.
*ذلك أن استعمال صيغة المفرد في الفرنسية لمخاطبة الغير معناه الاحتقار وعدم الاحترام اللهم الا اذا كان المخاطب من الأهل أو
الخلان.
*أي تعذيب الشرطة للمشبوه فيهم الموقوفين بوسائل وحشية قصد جبرهم على الاقرار والاعتراف.
" *الكوميدي فرانساز" أي "الملهاة الفرنسية" هو اسم مسرح شهير بباريس.
واكتشفت "جيزال" هذه القصة كما يغسل المرء زجاج النافذة. لقد كان لهذه الرواية عينان. كان
"مولاي" عاشقا. وكان عاشقا "يمينة" وكانت "يمينة" عاشقة. كانت عاشقة" مولاي". وكانا
يتقابلان هناك في الصحراء عندما يكون لليل باع ومهارة . كانا يتقابلان في منتهى الواحة
قرب المقبرة النائمة نصف منام. ان المقابر لا تنام تماما أبدا. ان لها أحلامها، إنها تنفي
الموت وتطرده.
لن أنسى أبدا يمينة الفتاة التي لم تكن تعرف كيف تقبل مولاي. ولن أنسى أبدا مولاي الرجل
الذي علمها القبلات في جو طعمه كفر متاخم للندم "يمينة" تلك "الطرقية" بنت "تاسيلي
اليزجر"* و"مولاي" ابن مدينة "ورقلة" "مولاي" ذلك الأمير المفلس. لقد كان له من النخيل أكثر
مما في لب القصيدة من أوهام. ثم مات الوالد وولدت الفاقة. فأصبح "مولاي" سائقا في احدى
شركات السيارات العابرة للصحراء. كان يسوق شاحنة عتيقة من نوع "لانصيا" ذات الجر
المزدوج وكان بخل أحد المقاولين المتاجرين بمقابر الميكانيك الايطالية ومدافن عظام الآلات
الحديدية البالية قد بعث في تلك الشاحنة الحياة من جديد.
كان مولاي يخترق الصحراء.
وكان المؤلف يقول راويا:
-ألا أيها الملاح، ملاح النجوم انك اذا اجتزت "قسى الطويل"* المسمى "أوحانة" يحرس
اللانهاية على أبواب الليل. الكثيب الصغير المسمى "أوحانة" أي المتروك بالعربية. انه
الحارس المنسي . ترى كيف الوصول إلى معرفة كلمة السر. وكان "مولاي" يلمس العظمة
بيديه لمسا.
ان الثنية الرملية قد التقت بطريق النجوم من جديد. والنجوم وحدها لها من القدر الكافي. لا
شيء قادر على احتمال القفار. فالطيور لا ترضى به والغزلان تجتنبه. ان قشور بيض النعام
المهشمة لآثار تدل على هجرة يعلم الله ما هي، على هجرة ملؤها رعب يوم المفر. ان الجمال
قد ماتت والسراب هناك شبيه بأخيه السراب شبها يبعث اليأس في النفس. ان من ينظر إلى
السرابات ليتصورها جزرا بل سلاسل من الجزر هي أرخبيلات الصمت. ومع ذلك فقد التقت
الثنية الرملية بطريق النجوم من جديد. ألا أيها الملاح، ملاح قلبي. هل تعلم أن الانسان شيء
عظيم، وهل تعلم أنه شيء عظيم ولا شيء يذكر في آن، ان الانسان لأعظم من القفار. انه
عظيم كعظمة الحب.
ذلك أن "يمينة" كانت هناك.
ان المرأة لأعظم من الحب بكثير، وان الحياة لأعظم من المرأة بكثير. ولا يكون الانسان حيا
الا اذا عشق. ذلك أن يمينة كانت هناك.
وكان المؤلف يقول راويا أيضاً:
كان هناك يمينة وهي أميرة زرقاء قيمتها عشرون ناقة بيضاء. كانت ذات سبعة عشرة ربيعا
يبتسم كل ربيع منها في صدرها الصلب. وكانت تعرف الوقت الذي تجتاز فيه الشاحنة
"سردليس "الواقعة على حدود "فزان" ذلك أن أهل الصحراء يعرفون كل ما يجد بالصحراء.
وعندئذ كانت يمينة تترقب إلى أن ينام "القصر"*. اذا فعل أممت "الكوكومن"* فاذا هو احمرار
في ظلمة الليل.
كانت تقول:
-مساء الخير يا سيدي مولاي.
وكان مولاي يقول:
-مساء الخير يا يمينة.
وكان العبد السوداني حارس السواقي يتغنى بمراكب أسطورية، مراكب بلاده المتخذة من
جذوع الأشجار.
وكان الماء مبتسما تحت الأشجار والضفادع في مرح.
وكان المؤلف يقول راويا أيضاً:
والله ما ضممت شفرا على شفر عسى أن تتاح لي مقابلة "مولاي" ومقابلة "يمينة"، ان في
وسعي أن أصرخ عاليا "آه! لو كان الرمل يتكلم!" ولكن الرمل قد يتكلم. سأرجع يوما إلى
"تاسيلي اليزجر" سأرجع إليه كما يعثر الانسان على صورة من صوره من جديد، وكما يقرأ
الانسان مخطوطا من مخطوطاته من جديد. وسأيمم "الكوكومن" مكان القبلات. وسأكتشف من
جديد بين آلاف آثار الأقدام آثار قدمي "يمينة" يمينة التي لا تحتذى" وستقول لي الرمال مثل
اللثوج بأنني في يقظة لا في منام. أريد أن أكون شاهدا على حب يبعث في النفس الاطمئنان.
انه حب وواحة في آن وهو الذي خلق الأمل. ان الموتى الراقدين بسفح "الكوكومن" لا أسماء
لهم. يا لها من درجة قصوى في كتمان السر بكياسة. ان قصة حياتهم لم يوقعها مؤلف ولاخط
اسمه تحتها. وليس ثمة ما يدل على أنهم كانوا يشربون اللبن وعلى أنهم كانوا ذوي أناقة في
الحياة الدنيا. انني لا أريد أن يضمحلوا. انني شاهد على الحب وحارس الموت.
وكان المؤلف يقول راويا أيضا:
انني الباقي الأوحد على قيد الحياة من بين الموتى. انني شاهد على الحب. ان الأحلام لا بد
منها. انهم يسمونها" فلكلورا". لا ينبغي أن يضمحل شيء من الأشياء.
ان الشبابة سترافع.
وكان المؤلف يقول راويا أيضاً:
ان "ليمينة ألفاظا تعرف كيف تؤثر بها على فؤاد مخاطبيها. وفي ليلة من الليالي كان فيها
الالاه حاضرا على الكثيب، استعملت يمينة ألفاظها فكانت ألفاظا يستطيع المرء أن يحفظها
كامل حياته وكامل مماته في تجويفة الأزل الناعمة، فسألت قائلة:
-سيدي مولاي عند رجوعك المرة المقبلة أريد أن تأتي لي بغزالة، بغزالة حية. ان الغزلان
لا تكون غزلانا إلا اذا كانت حية.
كانت تلك الألفاظ ترسم آثارها في تجويفة الأزل الناعمة كما كانت قدما يمينة الدقيقتان
ترسمان آثارهما في الرمال.
فقال مولاي:
-سأهبك غزالة.
وكان المؤلف يقول راويا أيضاً:
اذا صادف الانسان شيء جميل مفرط في الجمال رغب في البكاء.
.
.
وأغلق "جيزال دوروك" المخطوط عند ذلك الحد .كانت تشعر بضيق في النفس شديد. فلم يكن
ذلك الشيء كتابا بل مناجاة، ولا يمكن للمرء الحكم على المناجاة وليس عليه أن يحكم عليها.
ان الكتاب الذين لم يعد لديهم كلام مفيد يقولونه يخترعون القصص التافهة، أو يتغلغلون تحت
الماء للصيد في أعماق مهارتهم اليائسة. ولم يعد لديهم كلام مفيد يقولونه لأنهم لم يفهموا
وجوب الصمت. ذلك الصمت الذي يتيح للانسان النظر إلى الغير. انهم موجودون وجودا فيه
شيء من الافراط.
ان سرتهم تثقل كواهلهم.
ودق جرس التليفون. ان التليفون كالطفل يبكي ويطالب بلعبة من لعبه، فالأحسن أن ينزل
الانسان عند رغبته على الفور.
... -آلو! آلو!..نعم...
إن الانسان في مثل هذا الموقف يقول دائماً: "آلو... نعم"...
ثم يضيف دائما:
-أهذا أنت؟
-آلو!... نعم ... سأرجع إلى المنزل متأخراً.
لا . لا. ليس ثمة شيء خطير. وانما أمر هام.
-وأين سيكون ذلك؟
-بقاعة "الجمعيات الحكيمة" (... نعم سيكون جميع أفراد الجماعة حاضرين... لا لن يجيء
كامو*... نعم سيحضر سارتر*. وبوردي*.. نعم الأمر كما قلت : دائما وأبدا نفس الأفراد...
قاعة "الجمعيات الحكيمة" يا لها من "جمعيات كثيرة الكلام إلى درجة الافراط! وكانت حافلات
الشرطة – "سلات الخضر" في عرف الفرنسيين – مرابطة فيما بين شارع "دانطون" وساحة
"أندري-ديزار" تترقب الحين الذي سيتعكر فيه جو الاجتماع .كان الحاضرون في داخل القاعة
يصغون إلى الخطب ببالغ الاهتمام.
سيأتي علينا يوم لا محالة يصبح لا مناص لنا فيه من التنويه بشأن أولئك الذين نهضوا. انهم
والحق يقال لم يفهموا جميع الأمور ولكنهم فهموا أن من واجبهم أن يقولوا كلمتهم، ولو فعلوا
لكان ذلك أجدى من أن يقولوا، ولكن القول خير من الصمت على كل حال. فذلك خير من لا
شيء وذلك غنم من الأعداء وهدية من عند الأصدقاء.
وجلس المؤلف في الصف الأول ولاحظ على الفور قلة عدد الجزائريين الحاضرين بالقاعة،
بل قل انعدامهم تماما اللهم الا عددا قليلا جدا من رجال الثقافة الذين ما زالوا يحنون إلى مثل
تلك المهرجانات .ومع ذلك فالجزائريون موجودون بباريس، وهم موجودون في كل مكان من
باريس، بل ومن الجزائريين من لم يعودوا يعرفون أين هم بالضبط.
وكان إلى جانب المؤلف شاب جالس يقيد ملحوظاته على ورقة. وكان أحد المصورين ينتحل
عدة هيئات بلهوانية ويزرع" مانيوزيوم" آلته في الجو.
ان المؤلف لا يؤمن بجدوى الاجتماعات. فليست القوة في الاجتماعات. ثم لا يمكن للشعب
بتمامه أن يكون حاضرا فيها. ان الشعب لا يجتمع في قاعة من القاعات.
ان الأمل في الشارع.
واستمع الميكروفون إلى ألوان وألوان من الكلام.
وصاح صائح:
-اطردوا من باعوا مستعمراتنا بثمن بخس!
وصاح صائح:
-أعدموا "منداس*"
وصاح صائح:
-اطردوا "طوراز"* إلى موسكو.
وصاح صائح:
-ليتبوأ جنود المظلات الحكم!
الخطيب الان رجل بدين. ها هو ذا يتكلم بكامل الجد. انه يتكلم رغم العاصفة بل بسبب
العاصفة. لم يعد خطابه إلا جعجعة لا تفهم كجعجعة الارشادات التي يفوه بها ميكرفون محطة
الأرتال في أفلام "المسيو هولو"* الخطيب الآن مركوز كالعود واثق بنفسه قرير البال حازم
قاطع لا يأخذه تردد .انه يفكر بواسطة حزبه. انه عظيم مثل حزبه. انه نافذة من نوافذ حزبه.
إن الحب العذري وأسف النفوس وحسرتها ووخزات الضمير وتوقيع اللوائح في درج
العمارات لأمور لا يؤمن المؤلف بجدواها. وهو على يقين من أن الخطب قد أصبحت اليوم
عاجزة عن تعطيل أيدي القتلة.
وقلبت الكراسي ورمى بعض الحاضرين بقذيفة مسيلة للدموع. ونظر المؤلف من خلال
ضباب ضارب إلى الصهوبة فرأى ناسا يرقصون رقص المجانين. فكان النشاط وكانت
الحيوية في داخل تلك القاعة. وكان ذلك الرهط من البشر كأنهم سعداء بذلك، وكانت الأفكار
تختلط في رؤوس أصحابها أثناء تصارعهم واشتباك أجسامهم، فكان مناهضوا" منداس"
يضربون مناصري "ماسو.*"
وفهم المؤلف اذا ذاك لماذا أطلق الفرنسيون على حافلات الشرطة اسم "سلات الخضر."
وكان الخطيب يخطب ويخطب بدون انقطاع أما الميكروفون فلم يكن يردد كلامه. كان خطابه
تائه الأمواج.
-الجزائر فرنسية !الجزائر فرنسية*!
-تحيا الجبهة الشعبية! تحيا الجبهة الشعبية*!
ثم جاءت موجة عارمة من أعماق البحر صامدة متعنتة:
فكان المد ينادي ب "دي غول" وكان الجزء يهتف بالوحدة*. تحيا الوحدة! تحيا الوحدة!
اسجنوا الشيوعيين! اسجنوا الشيوعيين – !ليحتل جنود المظلات المصانع! ليحتل جنود
المظلات المصانع! – تحيا الوحدة! تحيا الوحدة! لقد كان لأمل الوحدة وهم يصرخون به في
مثل تلك الفوضى لون المهزلة والمأساة في آن . فكانت الغرائب والعجائب عاقدة اجتماعا.
وكانت الألفاظ تدير المرقص...
-ارموا "بن بلة" بالرصاص! ارمو "بن بلة" بالرصاص! وخرج المؤلف.
كان المطر يرمي الأرض برصاصه.
وكان الشتاء المزكوم يجري على الرصيف. وكانت باريس تسيل سيلانا ولونها كلون السمك،
ومن حين إلى آخر كانت الريح تزيح بعد انحجاب هلالا يخاله شعارا في المنفى.
وكانت عين الباب الصفراء محفوفة بأعوان الشرطة وكأنهم مثلثات سوداء حزينة.
وطوى "جان دوروك" الخطاب الذي كان ينوي القاءه ورجع إلى منزله في الليل المتفتت على
المدينة. لقد منعوه من الكلام.
لم يكن "جان دوروك" راضيا .وكان يلوك عبارات مليئة بالتكرار اللفظي.
فكان يغمغم من بين أسنانة:
-لعنة الله على هؤلاء الفاشيستيين الأنذال! لعنة الله على هؤلاء الفاشستيين الأنذال!
.
.
"*التاسيلي" اسم لسلسلة من الجبال بجنوب شرقي الصحراء الجزائرية. وأما اليزجر فهم قبيلة من قبائل الطوارق وهم بدو يعيشون
بالصحراء.
" *قسى الطويل" اسم لفرجة كبيرة بين كثبان العرق الشرقي الأكبر.
" *القصر" لفظا يطلق عند أهل الصحراء على المنازل والقرى المحصنة.
"*الكوكومن" جبل من صخر قائم بغاط بالصحراء الشرقية.
"*الجمعيات الحكيمة" اسم قاعة من قاعات المحاضرات والاجتماعات العمومية بباريس.
"*كامو" اسم كاتب فرنسي جزائري المنشأ كانت له مواقف محترزة ازاء الثورة الجزائرية.
"*سارتر "اسم كاتب فرنسي ذائع الصيت اشتهر بموالاته للجزائريين أثناء حرب الاستقلال.
"*بوردي" سياسي وصحافي فرنسي ينتمي إلى صف اليساريين.
"*منداس فرانس" سياسي فرنسي تبوأ منصب الوزير الأول وكان من مناصري استقلال المستعمرات الفرنسية.
" *طوراز" اسم الأمين العام للحزب الشيوعي الفرنسي في السابق.
"*المسيو هولو" اسم أطلقه جاك طاطي على بطل بعض أفلامه الهزلية.
"*بودابست" عاصمة المجر. اشارة إلى استنكار المدافعين عن فكرة ابقاء الجزائر تحت السيطرة الفرنسية لتدخل القوات السوفياتية
ببودابست سنة. 1956
"*لاكوست" حاكم الجزائر من لدن فرنسا أثناء الثورة.
( 1936 - "*الفرق الدولية "فرق كونها رجال تقدميون من مختلف بلدان العالم شاركت في الحرب المدنية باسبانيا ( 1939
فعززت جانب الجمهوريين ضد قوات الجنرال فرانكو الرجعية.
" *ماسو "اسم جنرال فرنسي اشتهر بشدته في الدفاع عن الجزائر الفرنسية.
"*صيحة الموالين لبقاء الجزائر تحت السلطة الفرنسية.
**صيحة الموالين لاستقلال الجزائر والجبهة الشعبية والوحدة هما توحيد كلمة اليساريين من الفرنسيين وخاصة الشيوعيين
والاشتراكيين.
كانت رائحة الواحة في الصباح كرائحة الخبز المغموس في الماء. ان هذا البلد لذو كيان
ووجود مهما يزعم الزاعمون. كان جبل "الأكاموس"* أزرق اللون متلألئ الصخر .وكانت
صخوره اذا بلغت الرمال حددتها تحديدا محكما كأنها ذيل فستان مفرط في الطول والثقل.
كان مولاي وعلي مشحم السيارة يتجاذبان أطراف الحديث. سيكون طقس يومهما حارا. فقد
كانت دائرتان متحدتا المركز محيطتين بالشمس، وكانت الشمس في اختلاج. وكان لمولاي
غليون غريب اتخذ من قصب وقصدير، وكان أنبوبه غائصاً في وعاء صغير حفظ فيه ماء
معطر بالورد. وكان مولاي يمز من غليونه بملء شدقيه مزات طويلة من الكيف*، فكان الماء
يبقبق بقبقة خفيفة في وعائه الدقيق الحجم، وبعد دور مولاي جاء دور علي في التدخين كان
الدخان بنفسجي اللون وكانت أعينهما تبرق بريقا. وكان ذلك المخدر يتفسح في غضون
أفكارهما.
كانت الشاحنة في انتظارهما. فسينطلقان عند المساء. وكانا يخشيان قيام الأرياح الرملية.
وكان شهر "جانفي" وهو في أواخر أيامه يناديهما. وستخرج الرمال من أوديتهما العادية فيدوم
خروجها أسابيع وأسابيع. وأما الهواء فسيكون جافاً عسير الاحتمال.
لقد كان ذلك بعيداً جدا بل من الجهة الأخرى من الزمن في أول بداية الأزمان وفي الصفحة
الأولى من صفحات العالم. وكان بالبرج كأنه فوق خيمته العسكرية الضخمة الزرقاء صاري
سفينة مهلهل ضعيف، كان ذلك العود الجوي وحيدا في الجو وقد تجسم فيه ذكاء الانسان القابل
للانعطاب. وتجهز الفكر. انها "زندار"* و "غاو" و "غدامس" و "طرابلس" الغرب و "ورقلة" و
"طمنغاست" و" الجزائر العاصمة"... يا لها من أسماء! إنها ألفاظ المعجم الافريقي أصبحت في
صورة الخطوط والنقط والمطات* انهم بصدد الاستماع إلى أنباء زمن غير زمننا وعالم غير
عالمنا.. وليس الا العود الجوي كان قائما وحده يحمل السماء ويتحداها. انها "غاط"* و
"زندار" و "طرابلس" في صورة خطوط ونقط ومطات...
كانت الشاحنة صغيرة الحجم ولكنها ستكون قادرة على مغالبة الصحراء بعجيلاتها خطوة
خطوة. كانت صغيرة الحجم كعلبة من علب أعواد الثقاب. وما أغرب ما يستطيع المرء
انجازه بواسطة علبة من علب أعواد الثقاب! وقضيا يومهما في مراجعة محرك الشاحنة وفي
التزود بالزاد.
وحوالي الساعة السابعة بينما كان "الأكموس" بصدد التغلغل في ظلمة السماء، و "الكوكومن"
في التهاب، والشمس في أوج قوتها وهي تميل إلى الغروب – مثلها كمثل سيد القوم يلقي
أوامره وهو على أهبة الانصراف– قطع مولاي الطريق فمر بجانب حوض الغسيل وراء
بيت التداوي ثم توغل في الواحة ميمما المقبرة.
وكان جمع من السودانيات يغنين واليمام ينادي بعضه بعضا. وكان لشجر الموز مغازل
ضارب لونها إلى البنفسجي وكانت متدلية وسط غزارة ثرية من الاخضرار. وكانت السواقي
ذات خرخرة والجدران المتخذة من طفل زمردي اللون يعانق بعضها بعضا إلى ما وراء
البصر. وكان الدجاج بل صور مصغرة منه يجري في الثنايا ذات الرمل الأحمر. ان هذا البلد
لعبارة عن صورة مطبوعة.
ان هذا البلد لذو كيان ووجود مهما يزعم الزاعمون.
وحث مولاي الخطو مخلفا وراءه المسجد السوداني الأسلوب. وكان ذلك المسجد ملتصقا ببرج
أحمر تابع لحصن بناه الأتراك في سنة ١٩١١ . وكان يحيط بساحة السوق رواق سقف بسعف
النخيل، وكانت الساحة خالية أ، تكاد إلا من بعض العجائز كن قابعات أمام أكياس مصنوعة
من وبر الابل، وكن يعرضن على الحريف المحتمل ذلك النوع من الوزغ الذي يطلقون عليه
اسم طوب والذي يأكل أهل تلك الجهة ذنبه، وكذلك كن يعرضن للبيع حزمات هزيلة من
الحطب المعقد الجاف. والتقى "مولاي" ب "الليوتونان* ماسون" وكان كلبه يتبعه وهو كلب
ضخم جدا أصهب لون الشعر، وتبادلا عددا لا يحصى ولا تحمس فيه من عبارات "لا بأس
عليك" فلم يكن يطيب لمولاي مقابلة "الليوتونان ماسون"، فقد كان "لماسون" هذا أذن تنظر
وترى.
ثم دخل مولاي من جديد في غابة النخيل وكانت الكثبان كأمواج البحر الناعمة تنتهي إلى
جذوع الأشجار فتفنى تحتها. وكانت المقبرة مواصلة يقظتها. وكانت يمينة في انتظاره قرب
"القلتة"* دقيقة الحجم زرقاء الهيئة.
كانت تقول لمولاي!
-سيدي مولاي.. يا سيدي.
وكان مولاي يقول لها:
-يا بنتي*!
كانا يتحادثان باللغة العربية لأن مولاي كان لا يحسن لهجة التاماجاك.*
وكان المؤلف يضيف راويا أيضاً:
أنا أعلم أن تأثر نفسيهما كان شديدا، وأن الحديث الذي دار بينهما كان متعلقا بالغزالة. ولكن
يمينة كانت تقول أيضاً: ان "الليوتونان ماسون" كان كثير التردد على أبيها مصحوبا ب
"كاباش" كاتب" الكومندان"* بالفرع. وكانت يمينة لا تحب "كاباش" وكان هو الآخر ذا أذن
تنظر وترى، وكان عربيا ولم يكن من أهل الجنوب. وهو عربي كان جميع الناس يخشون
شره ويحيونه في الطريق.
كان الصمت مخيماً يراه الناظر ماثلا في كل مكان إلى ماوراء البصر.
وطلعت النجوم.
وترك مولاي يمينة.
وطال استماع يمينة لدوي عجلات الشاحنة وقد انطلقت في الليل كأنها دودة ثرثارة.
فطال استماعها.
وكان المطر نازلا.
وكان السيد موريس مشتغلا بكلماته المتقاطعة، وكان النهار أدهم اللون، وكانت السيارات تمر
وتنصرف، ان باريس تموت شديد الموت اذا نزل المطر.
دخل المؤلف الحانة وابتسم للسيد موريس. فقال له السيد موريس بصوت فظ حانق ولكن في
لطف:
-ما ضرك لو ارتديت ثوبا غليظا يقيك من المطر؟
فأجابه المؤلف قائلاً:
-لقد كانت الشمس مشرقة هذا الصباح...
كان المؤلف لابسا قميصا أزرق اللون من النيلون وعليه بلوزون أقتم اللون من جلد الظباء
الاصطناعي، وكان في ركبتي سراويله انتفاخات وتكور.
وقال السيد موريس.
-اجلس قرب المدفأة على الأقل.
قال بصوت فظ وحانق ولكن في لطف أيضا. لقد كانت عيناه مليئتين باللطف لطف اللوم
والتعزيز ثم قال:
-انك بفعلك هذا ستلقي بنفسك إلى التهلكة.
فأجاب المؤلف:
-لا ان بدني صحيح.
وضحك المؤلف ثم طلب كاسه المعهودة من الروزي قائلا:
... -كالعادة.
انها عادة والحق يقال.
ثم أردف قائلا:
-انه الانتقال من الحالة الطبيعية إلى حالة ثانية ياسيدي موريس. نعم إلى حالة ثانية.
وضحك المؤلف مرة أخرى. ان المرء قد يضحك عند غرق سفينته الا أن حياة خليجة
الأشغال الشاقة طويلة . والانسان لا يغرق دفعة واحدة ابدا.
ان تجديد كأس الروزي ممكن في كل آن. والسيجارة سخنة دافئة.
وقال السيد موريس:
-والغزالة؟ هل تقدمت فيها شيئاً ما؟
الغزالة! يا لها من لفظة شاذة في وسط هذه القوارير، ومع هذا المطر الدسم المتلصق، وهذه
السماء المنافقة، وهذه السحب المذعورة بدون داع !انها لفظة في المنفى، انها لفظة باردة
جائعة ، انها لفظة بقلبها أوجاع وآلام.
وقال المؤلف:
-ان الغزالة في الاصطبل الآن.
ولم يفهم السيد موريس قوله ذاك.
وأراد المؤلف اذ ذاك الحديث عن كتابه. فارتفعت عيناه وطفقت أصابعه تتكلم وتتكلم. وكان
اذا تحدث عن كتابه يصبح كأنه شاعر أو قائد فرقة أو سفينة، ويصير جادا كامل الجد.
ولكن المؤلف لم يتمكن من الحديث عن كتابه. فقد كانت كل أسرته متكونة من السيد موريس
ولم تكن الجدران لتسمع وانما كانت مجرد وقاية من المطر.
كان السيد يشعر بنفسه وحيدا.
وكان السيد موريس قد رجع إلى تحرير كلماته المتقاطعة.
ان هذه الحانة لكالزورق بل لكالزويرق القديم المتداعي.
ولفظ المؤلف في الجو عبارة قال:
-لقد سرقوني. ان البحر لغابة!
فسأله السيد موريس قائلا:
-لمن هذا القول؟
وكان السيد موريس اذا سمع جملة مركبة تركيبا محكما لا يمكن معه في نظره الا أن تكون
استشهادا يسأل دائما "لمن هذا القول"؟
وأجابه المؤلف:
-هذا القول ل "طرطور"* يا سيدي موريس ل طرطور العظيم.
وأضاف المؤلف هذه الجزئية والله وحده عليم من أين استقاها فقال:
-كان طرطور يكتب كل صباح على خوان وهو واقف وعلى الخوى مائة بيت من الشعر
تقريبا.
فصفر السيد موريس اعجابا.
وسكت فنابتهما الساعة الحائطية .وتفكهت الكلمات المتقاطعة. وصب المؤلف لنفسه كاسا
أخرى من الروزي وفجاة تخددت جبهة السيد موريس فتردد لحظة ثم سأل المؤلف قائلا:
-ولماذا كان فكتور هوقو يكتب الشعر واقفا؟
فأجابة المؤلف مؤكدا:
-لأنه كان مريضا بمرض الباسور.
وأشفق السيد موريس على فكتور هوقو. لقد كان يعرف معنى مرض الباسور معرفة
المجرب. ثم رجع إلى كلماته المتقاطعة.
وسكتا فنابتهما الساعة الحائطية.
وقال المؤلف في نفسه :لا ينبغي للانسان أن يهلك إلا طيب. ان هذا الرجل لمأوى آمن في
الليل. وقد كان في رفقة الطيبين من الناس. والسيد موريس رجل الوقت ليلا. كان الليل في
الداخل وكان الليل في الخارج وكان الليل في كل مكان.
ان الأماكن الآمنة لا يقدرها الانسان حق قدرها الا في الليل. ان السيد موريس لرجل طيب
جدا. ان له قلبا ذا باع ومهارة. انه سيد ذو حياء واحتشام. انه لا يحمل على ثيابه علامة
حسبه ونسبه الشريفين. انه يجتهد اجتهادا حتى لا يبدو كما هو في الواقع.
واشتهى المؤلف أن يقول قولة. فقالها ببساطة وبدون مقدمة ولا قرينة ظاهرة:
-سيدي موريس انك لأمير!
وضحك السيد موريس ضحكة خفيفة وحاول أن يبدو غير ذا اكتراث. الاهي ! كم كان تأثره
شديدا .!
ثم قال:
-لو كنت أميرا لما وجدتني هنا...
أو ليس من خصائص الأمراء فعلا ألا يكونوا في المكان اللائق بهم أبدا. أو ليس من
خصائصهم أن يستأهلوا ما هو خير وأحسن. وأن الأمراء لأساطير عجيبة أفلست ناس كانوا
ذوي يسار فتفقروا. ان أنظارهم قد اخترقت الحدائق الخالية. ان الخيول اليوم لم تعد تركض
وتدور ذات اليمين وذات الشمال على حجارة أرض الشوارع الآخذة الآن في تجديد نظام
هيئتها .ان الثنايا الرملية موجودة على خرائط "ميشلان"* . وقرر المطر في خارج الحانة
قرارا نهائيا بأن ينزل بدون انقطاع.
ان السيد موريس لأمير. وهو لا يعلم ذلك الا أن ذلك يبدو له ممكنا. ان الله سيكافئه على هذا
التواضع. فالسماء ما زالت ترضى بالأمراء. أما المؤلف فلا بد أن يكون ملكاً من الملائكة.
ولكن متى كانت الملائكة تلبس البلوزونات المتخذة من جلد الظباء الاصطناعي والأقمصة
الزرقاء المصنوعة من النيلون ؟ ومتى كانت الملائكة تشرب الروزي؟
ان ذلك أمر ممكن. والحق يقال .الا أن الأمر اليقين هو أن الملائكة لا تسكن دائما الجنة.
والدليل على ذلك أولا وبالذات أن المطر لا وجود له بالجنة.
ان الروزي معناه السفر والترحال .وابتسم المؤلف لبعض القطط كانت تنسج قطعة من
الفوضى. هذه زيتونة وقاية للناس، وهذا الماء بارد، وهذه الطفلة قد تركت ابرتها وصوفها.
وهذه شبكة الصياد ستقتنص القمر. ان ثمر الكستناء يتمشس في شمس الطمع.
وها هي عربة "الترويكا"* تنطلق في ليلة نوال ليلة ميلاد المسيح وبخنقها حول عنقها فترسم
على الثلج اهداء كاهداء الكتاب .وها هم جماعة من المتعاشقين لا يجرؤون على تبادل
عبارات الحب...
ان الروزي في زعمهم لا تستقيم معه الأمور ...
ووضع السيد موريس جريدته مبتسما ابتسامة الظافرين.
ان الكلمات المتقاطعة لم تصمد أمام جلده. ولا شيء يصمد أمام جلد الأمراء.
وقال السيد موريس:
-وغزالتك؟ أين تجري حوادث قصتها؟
حقيقة أن هذه الغزالة ما زالت تخب في ذهنه خببا.
-أين تجري حوادث قصتها؟
وود المؤلف لو استطاع الجواب على هذا السؤال. ولكن الألفاظ ازدحمت على لسانه ازدحاما
مفرطا .كان في حاجة إلى آلاف القنوات وآلاف الأفواه. كان في حاجة إلى مطر العالم
بأجمعه عساه يهجر هذه السحب ويفرغ هذه الأفكار ويصفي هذه الروايات العجيبة التي لن
تكتب أبدا.
-أين تجري حوادث قصتها؟
ان المؤلف يعرف ناسا يكتفون بفصيل قصير جدا في احدى الجرائد أو باطار اشهاري ليتخذوا
لهم رأياً في موضوع من المواضيع. بل هو يعرف ناقدا بل ناقدين بل نقادا يستعملون هذه
الطريقة بالذات.
-أين تجري حوادث قصتها؟
وأخيرا أجابه المؤلف قائلا:
-في كل مكان يا سيدي موريس. نعم في كل مكان..!
وكان ذلك هو الجواب الوحيد الذي تنبغي الاجابة به .
ولم يلح السيد موريس في السؤال. فهو يعرف جيد المعرفة أن عبارة "في كل مكان" معناها:
"في كل مكان "أي في هذا المكان بقدر ما في غيره.
وكان راضيا بجوابه ذلك تمام الرضى.
غير أن السيد موريس كان يقول في نفسه:
-رباه! ما أبعد : "في كل مكان!"
.
.
"*الأكاموس" جبل من سلسلة جبال تاسيلي اليزجر. "
" *الكيف" لفظ يستعمل عندنا للدلالة على النشوة التي ينتشي بها من يتخذ تدخين "الحشيش" أو تناول المخدرات.
"*زندار" مدينة ببلاد النيجر.
"*غاو" مدينة بالسودان.
"*غدامس" و "طرابلس" مدينتان بليبيا.
"*ورقلة" مدينة بشمال الصحراء الجزائرية.
"*طمنغاست" واحة صغيرة بأقصى جنوب الصحراء الجزائرية.
*أي أنهم يرسلون هذه الأسماء عن طريق جهاز الارسال اللاسلكي باستعمال وسيلة المورس وهي أبجدية تلغرافية خاصة
يعوضون فيها الأصوات اللغوية بتصفيرات طويلة أو قصيرة في مستوى السمع وبخطوط ومطات ونقطفي مستوى الخط.
" *غاط" واحة من واحات ليبيا.
" *القلتة" أي الغدير واللفظة من العربية الدارجة بشمال افريقيا.
"*يابنتي" هكذا بالعربية في الأصل الفرنسي.
" *التماجاك" لهجة الطوارق.
"*الكومندان" درجة من درجات الضباط في الجيش الفرنسي يوافقها في العربية لفظة الآمر.
"*طرطور" تحريف لاسم فكتور اذا أرادوا الهزل في لغة التخاطب الجارية. والمراد فكتور هوقو الكاتب الفرنسي الشهير.
"*ميشلان" اسم لشركة أطواق العجلات المطاطية ولهذه الشركة خرائط تطبعها يستعملها المسافرون واصحاب السيارات تدعى
خرائط ميشلان.
" *الترويكا" نوع من العربات الروسية يجرها ثلاثة أحصنة.
إن عبارة "في كل مكان" لا تفيد كل هذا البعد. ان المؤلف يعرف أن التعاسة عظيمة .فالبيئة
ذات كدرة وادلهمام، والوجوه ذات عجوات وازورارا، وأيام الآحاد اليتيمة ذات أعين مفقوءة،
والقلب نزلاء الفنادق. ان المؤلف يسكن نزلا تاعباً متداعيا يؤوي فيه نومه ومنه يرى السماء
تسيل سيلانا.
هذه المرأة نائمة في لطف ودفء. إنها ألمانية جد شقراء، انها المانية كالمولود الجديد. انها
مولود جديد لها من العمر ثلاث وعشرون سنة جاءت باريس لاتقان تعلم اللغة الفرنسية. وفي
يوم كان جوه أقل دهمة من العادة سمع المؤلف بساحة "سان سولبيس" صوتا يقول له سائلا:
" -اللوكسانبورغ"؟*..
كان ذلك كل ما كان الصوت قادراً على التلفظ به.
وكان ذلك الصوت مرتديا يومئذ فستاناً وردي اللون. وكان ميمما الحديقة. ولم يهتد المؤلف
إلى الجواب بسوى الحركات والاشارات. وتلعثم لقصوره ولعجزه. وآل به الأمر في النهاية
إلى أن رافق الصوت إلى "اللوكسانبورغ" كانت عيناها عسليتين صبيانيتين ملؤهما الاستفهام.
والضحك الخفيف. ان حمام "اللوكسانبورغ" لا يأبه للألحان التائهة في غضون الصدفات. وهو
يعيش على هامش قصص الغرام. ان الذين لا يعشقون وحيدون في الأرض. عسلا كان
نظرها، عسلا نظرها المرح، نظرها الوديع المطمئن.
لقد جاءت من "ألمانيا "مصحوبة بقاموس.
واستيقظت المرأة. وابتسمت للمؤلف فلا حاجة إلى القواميس. لقد جاءت تلك الابتسامة من
قرية ذات ثلوج وشجر أرز سامق ومن واد سحيق. والناس في تلك القرية يصغون إلى كلام
الشيوخ ويعشقون الموسيقى.
كانت "غردا" سعيدة وكانت سعادتها بادية للعيان. فلا حاجة إلى القواميس.
وقال لها المؤلف:
-اني أحترم الفراشات شديد الاحترام.
ولم تفهم من كلامه شيئاً طبعا. لم تفهم شيئاً لأنها كانت لا تفهم الفرنسية ولأنه كان لا يحسن
الألمانية. ووسعت عينيهاوقوست حاجبها الأيمن وكورت فمها: كانت تود لو استطاعت الكلام
والسؤال. ولكن لو صدر عنها كلام لما كان له معنى: وتلك هي مأساة لكلام: فهو جدار
فاصل.
وأضاف المؤلف:
-إني أحترم الفراشات شديد الاحترام لأنها لم تعكر صفو حياة أي انسان قط. أليس جدتك
فراشة؟
كانت "غردا" خضراء العينين. انه واد سحيق به ابن عم ينفخ في" أرمونيكته."
وتناول المؤلف من على طاولة فراشه مخطوطا وطفق في قراءته. وأصغت غردا إليه. فقام
الجدار الفاصل بينهما. ولم تفهم شيئاً. ولكن كان للجدران عينان تنظر بهما.
.."يجب التعلق بالريح . ويجب ألا ينزلق الرمل في الأيدي اليائسة. وكان مولاي ويمينة
يجريان وراء غزالة مرتبطين بها."
وفي يوم من الأيام قبل أن يصلا إلى "فورفلاتار"* لاحظ علي المشحم آثارا على الأرض
عرفها لتوه :انها آثار عزالتين قد مرتا من هانك منذ عهد قريب. غزالتان! وأخذت الشاحنة
طريق الأمل.
ان الغزالة اذا رأيتها من بعيد أتاحت لك الدنو منها وتفرغت في تخامل ولا مبالاة ثم تراها بعد
ذلك تنظر إلى الكثيب. انها تعلم أن النجاة في الكثيب. ان يسرها في ما هو عسير على البشر.
وأما الشاحنة وهي من نوع "لانصيا" ذات الجر المزدوج فلا حول لها ولا قوة. وأما أطواق
العجلات الغليظة والمنفوخة قليلا جدا لأجل حرارة الجو فلا حول لها ولا قوة.
وأخيرا وحوالي منتصف الظهيرة اكتشف نظر مولاي وعلي الغزالتين وكانتا تمرحان
وتسرحان بين شجيرات يائسة ما هي إلا آثار تبعث في النفس أوهاما وبقية باقية من غابة
غابرة لا يعلم أمرها إلا الله.
-حية !أريدها حية!
تلك كانت رغبة "يمينة."
وكان علي قد وضع الرصاص بعد في" قرابلية"* الايطالية وكانت من نوع "استاتي". وكان
يضحك من عينيه وكانت الشاحنة تسير الهوينا وفتح المشحم الباب منتبها شديد الانتباه ووضع
رجله على جناح الشاحنة الذي قد خدشته الرمال.
وأمره مولاي:
-دع عنك هذه البندقية.
حية! إنها تريدها حية...
ورفعت التحفتان خطميهما الحادين إلى فوق ونظرتا إلى العدو وجها لوجه لأول مرة رغم
أنهما كانتا قد شعرتا بالخطر من قبل. ولم تستجيبا لدافع الغريزة الا بعد أن أدركتا حقيقة
الكارثة وقدرتاها ووزنتاها. وفجأة انطلقتا جاريتين مجتنبتين الكثبان الشديدة الصلابة القائمة
على اليمين لأن الشاحنة كانت قادرة على المرور عليها. اختصرتا الطريق فاخترقتا نوعا من
الهضبة الحمراء الصلبة الا أنه كان في منتهى هذه الهضبة كثبان أخرى هي كثبان حقيقية
كأنها ضروع هائلة متشققة وكانت تبلغ من الارتفاع خمسين مترا تقريبا.
وابتدأت الملاحقة.
وأتت الشاحنة كالوحش الضاري، أتت من جميع هيكلها الحديدي القديم النهم الجذلان. وكان
مولاي يحاول الزيادة في السرعة إلى أعلى درجة ممكنة، فكان يضغط برجله على مسرع
الشاحنة حتى كاد يفلق أرضها وكان المقود يلطم كوعيه وصدره. كان نظر مولاي سابقا
للعجلتين وكانت موسيقى قلة الصبر موسيقى الرغبة تصاحب صيادي الأمل.
ولكن الغزلان أسرع من البرق فهي كالشعرة على ماء البحر. وهي اذا انطلقت عادية بلغت
سرعة الثمانين كيلو مترا في الساعة. ولن يمكن القبض على الغزالتين الا بعد انهاكهما. ان
الكثيب هو العدو. أجل الكثيب هو العدو. ومر وقت طويل منذ اللحظة التي انقطعت فيها
الابرة عن الاشارة إلى درجة ما في الاطار المخصص لبيان السرعة، ولكنهما كانا يشعران
بسرعتهما في تزايد وتقدم ويحسان بأن المسافة الفاصلة بينهما وبين الغزالتين في تضاؤل
ونقصان .واقتربت الغزالتان وبلغت الموسيقى ذروة "الفلامانكو"* في أصداعهما الطانة طنينا.
ها هو ذا الكثيب.
وقد يتفق أن لا تقدر الغزلان المسافات حق تقديرها وقد يتفق أن تجازف الغزلان في تقويم
قوتها.
وانفصلت احدى التحفتين الصغيرتين عن أختها ومع ذلك فقد كان الكثيب قريبا قريبا.
واستمرت اختها في العدو نحو الحرية. وأما الغزالة الساذجة الضعيفة المنهوكة فقد اعترفت
بخيبتها. وقلبها على وشك الانفجار .وتجولت عيناها وكانت جالسة في هدوء تام ثم اضمحلت
عيناها. فأمالت رأسها في لطف ورقة وحملقت طويلا في وجهي عدويها وشاهدت تعاستها.
لقد كانت تعاستها معناها رجاء مولاي وأمله.
وقضت الغزالة نحبها باكية. فاستمع حينذاك من يفهم كلام الغزلان إلى ألفاظ. متفجرة كالقلب
المتمزق.
كان مولاي يشعر بوخزات الضمير. فقد اخلولقت الغزالة في جمودها فلم تعد تمثل الرجاء
والأمل.
قفلت الشاجنة راجعة لقد كان عليهما أ، يبلغا "فور فلاتار" قبل نزول الليل...
وأصغت غردا إليه.
ولم تفهم غردا أي شيء.
ان القبلات مع تلك المرأة لم تكن تبادلا بين اثنين.
ان مقابلتهما كانت كالمرآة لا تعكس شيئاً، انها مقابلة عجز الحب أن يذكر اسمه فيها.
ولفظ المؤلف في الجو عبارة قال:
-يا لها من حياة كلبة!
ويا لي من خطاب بدون مستمع...!
لقد كان المؤلف خطابا بدون مستمع. انه كالمحرك يدوي على وتيرة واحدة ولا يستمع إليه
أحد. عندما تكون غرانيق البحر يتيمة، وعندما ما لا ينصت أحد إلى المذياع، وعندما لا
يراسلك انسان، وعندما لا يطالعك انسان، وعندما لا يطرق بابك انسان، وعندما لا يتمنى لك
ليلة سعيدة انسان، وعندما يكونمعنى لفظة انسان جميع الناس.
كانت غردا تود لو استطاعت الكلام...
ولكن ها هو المؤلف قد حفر بعد حفرة في الرمل وأخذ يداعب بيده رأس الغزالة الميت.
واذ ذاك قالت غردا في نفسها:
-انه ليس مجنونا لأنه وحيد.
.
.
"*اللوكسانبورغ" اسم حديقة عمومية شهيرة بالحي اللاتيني بباريس.
"*فورفلاتار" مكان واقع بأواسط الصحراء الجزائرية شرقا.
"*قرابيلة" نوع من البنادق يستعمل للصيد خاصة.
"*الفلامانكو" نوع من الموسيقى الشعبية الاسبانية.
كان جميل الخلقة.
وكان اسمه "ليزيو"، "فرانصوا دي ليزيو" وكانت علامة نسبه الشريف تمرح وتسرح بين
حركاته واشاراته الأميرية.* وكان قد قضى بعد أكثر من ثلاثين سنة وهو يلقي على العالم
نظرة الملاحظ المزورة. ولم يكن في الحقيقة ينظر بل كان يثقب ويحفر وينبش ويبلبل. ولئن
ازور نظره فذلك لأنه لا يظهر للناس الا على جنب.
كان "فرانصوا دي ليزيو" سعيدا باستقبال المؤلف.
وكان المؤلف لم يخف عنه قط وده بل واعجابه به. وكان "فرانصوا" ذا باع وأي باع. كان ذا
باع مفرط.. ومن الحق أن يكون الشاعر جميلا، فان من واجب الرسول أن يكون شبيها
بموضوع رسالته. لقد عرف المؤلف شعراء قصارا سمانا. ياللعجب! كان المؤلف يقول في
نفسه "ترى كيف تيسر الباع والمهارة لناس خلقتهم كهذه الخلقة"!
ان ظاهر "فرانصوا دي ليزيو" كان شبيها بباطنه وكان بذلك عليما، اذ كان يعرف نفسه عن
ظهر قلب.
ولم يكن في عينيه بريق سوى بريق ما تحوره عيناه من الأشياء. وكانت شفته السفلى نحيلة
محكمة التصوير تذكرك بكبريائه وغضبه. الا أنه كان يعرف كيف يبتسم. ان الابتسامات
فواصل ونقط انقطاع .وقليل الناس الذين مازالوا يتقنون وضع الفواصل والنقط في كلامهم.
كان "فرانصوا دي ليزيو" يحسن اشباع كلامه بالنبرات والفواصل والنقط.
وكان المؤلف جالسا على أريكة خضراء.
وكان "فرانصوا دي ليزيو" يسبح بين الأفكار وكانت الأفكار تترشش عليه ويلطخه رشاشها.
كان يؤكد ويثبت. وكان شعره أبيض مشربا زرقة. وأما المؤلف فقد كان صامتاً.
كان المؤلف قد أنشد "نوارة" الطفلة الصغيرة أبياتا من شعر" فرانصوا دي ليزيو". كان ذلك
منذ مائة ألف سنة تقريبا، وكان ذلك الشعر زاخرا بالأغاني وكانت أبياته تعبق بأريج حبق
الفتى، أنشدها "نوارة" لم توجد قط، أنشدها في القرية الدافئة المشرقة على الوادي الأزرق
ولعل القرية انقرضت واندثر أثرها.
ان هذا الاسم قد دار العالم بأجمعه.
" -وسأهبك غزالة" أين أنت منه؟ وجلس "فرانصوا دي ليزيو" من جديد. فبدأ كما يراه الرائي
على صوره الفتوتوغرافية.
-لقد أنهيته وقدمته لأحد الناشرين.
وأفرغ المؤلف مخه بحثا عن الجمل. كان يود لو استطاع الفوه بجمل طويلة متقنة التركيب.
-أني أذكر يا بني ذلك العهد الذي كنت تعرض فيه علي مؤلفاتك...
ونهض "فرانصوا دي ليزيو" من جديد.
ونهض المؤلف بدوره.
واذ ذاك رقصت الأشياء رقصة فوضوية صاخبة.
كان الشعر ينظر من الشباك وكان رأسه يغلي غليانا.
-اذن يا بني...
من اليقين أن "فرانصوا دي ليزيو" كان مخلصا عند ما يقول "يابني". وكان المؤلف كلما سمع
تلك العبارة انخدع لها.
... -اذن يابني فقد أصبحت سيد نفسك الآن...
وضحك "فرانصوا دي ليزيو" ، ضحك بدون أن يحرك شفتيه كالمرأة تخشى أن تفسد هيئة
أحمر شفتيها.
ان شاعرا يواجه شاعرا لكالجدار يواجه الجدار وليس في المجاز بينهما حرام. انها الموازاة
الخالصة انه الطلاق اذ من خصائص الخطين المتوازيين ألا يلتقيا البتة. فمن حسن الحظ أن
كانت الألفاظ موجودة وأ،...
... -فقد أصبحت سيد نفسك...
ولكن المؤلف قرأ في نظر "فرانصوا دي ليزيو" وقرأ في يديه وفي ابتسامته وفي جبهته
العريضة الملساء وفي صوته المقطع لجمله، وكان في امكانه أن يقرأ "فرانصوا دي ليزيو" في
النص الأصلي وفي ذلك ما فيه من امتياز لا يحصل للمرء الا في الندر.
-أفقد أصبحت سيد نفسي؟
انها لفكرة جميلة بل ضخمة وهائلة. انها لفكرة عظيمة. وأخذ المطر في النزول. وسبحت
سطوح باريس في الحسرة والأسى. ان باريس ضخمة بل وهائلة. ان باريس عظيمة. وان
"فرانصوا دي ليزيو" لكباريس. واذن فزيادة فكرة أخرى أو حذفها ووجود سطح آخر أو
انعدامه سواسية...
وقال المؤلف:
-ان المطر دائم النزول في بلادك.
وتكد خاطر" فرانصوا دي ليزيو" تكدرا عظيما وشعر بأنه مسؤول عن نزول المطر ببلاده.
وفاه بالكلمات التالية:
-انني فرنسي إلى حد الاستقباح!
وردد المؤلف بعده كالصدى:
-فرنسي إلى حد الاستقباح.
وخيم صمت. انه صمت لن ينقطع ابدا. "إلى حد الاستقباح" انها عبارة ترن وترن، انها تتمط،
انها عبارة من المطاط. "إلى حد الاستقباح..."
ومر وقت طويل على سطوح باريس.
-ان كنت يا بني تظن أن للشيب فضلا، ان كنت تظن أن له فضلا...
ثم أضاف "فرانصوا دي ليزيو" بدون سبب ظاهر.
-أنت لا ترضى بأن تكون هجينا.
وفهم المؤلف.
انه رجل مسن ومسن جدا وهو كالشجرة الملتوية. والثمار؟ أين الثمار؟ ان كتب "فرانصوا دي
ليزيو". كان الزائر "جان دوروك "وكان مبتسما كما تبتسم صورة اشهار معجون الاسنان.
-ان آخر فصل كتبته يا عزيزي...
"آخر فصل كتبته يا عزيزي." وسالت سطوح باريس تحت ملاحف مرقعة وسخة .كانت
السماء قذرة قذرة. انها بحر من الوضر المدلهم، وقال المؤلف في نفسه: من المحال أن يكون
مسكن الله هناك.
كان "جان دوروك" ملتصقا راضيا عن نفسه وعن سائر الناس .ان آخر فصل كتبه كان ممتازا
يا عزيزي. نعم ممتازا. لا! ممتاز هي اللفظة الملائمة للمقام وليس فيها من المبالغة شيء.
تطبيلة لي وتطبيلة لك، تطبيلة لي وتطبيلة لك. ان جميع جلود دواب الأرض والقمر لن تكفي
لذلك.
-لقد حملتني زوجتي برسالة اليك.
وأظهر الآخر علامات الانتباه.
-وكيف حال "جيزال" العزيزة؟
-حسنة جدا. شكرا.
كانت الألفاظ باردة والمطر نازلا والسطوح منصرفة والسطوح غارقة. وود المؤلف لو
انصرف. كان عليه أن يتحين فرصة مناسبة. فينزلق في المجاز الصغير بين الخطين
المتوازيين. ودق جرس التليفون، ودق جرس تليفونين. وجاء أحد الصحافيين بأنموذج الجريدة
الأول
-ماذا كنت تقول يا صديقي العزيز؟
في ذلك المكان كان كل انسان صديقا، وكل انسان عزيزا. ودق جرس تليفون آخر: "..لكن
يستحيل، قلت لك يستحيل..." وعلق سماعة ذلك التليفون الآخر.
-كنت أقول أن زوجتي قد حمتني رسالة إليك، انها بصدد مطالعة أحد المخطوطات.
-لعنة الله على التليفونات ما أبلدها !..وما السكريتيرات فلا تسل!.. لا! قلت لك لا. لن
يمكنني اقتباله اليوم ...! هأنا ذا صاغ اليك يا عزيزي...
-نعم انها بصدد مطالعة مخطوط أثار اهتمامها أيما اثارة .الا أنها لا تعرف اسم كاتبه. . كان
"فرانصوا دي ليزيو" على حافة الغضب. فهل أصبحوا يعتبرونه مفتشا سريا الآن؟ كان على
حافة الغضب ثم تذكر أنه في حاجة إلى توقيع "جان دوروك" على ورقة توضح الموقف فيما
يتعلق بدبابات "بودابست".* فأخذ في الابتسام .الاهي! ما أشد اتقانه للابتسام!
-وحاجة عزيزتنا "جيزال" بالله إلى معرفة اسم كاتب هذا المخطوط. فهل يعرف الناس اسم
المؤلف "قصة رونار"* ولكن "جاك دوروك" لم يكن موافقا على ذلك النوع من المنطق فقال:
-لست أعرف اسم ناشر "قصة رونار" الا ان الناس بفضل قوانينهم الحالية.. قوانينهم.. هذه
القوانين ليست قوانيني. اني لست متفقا والمشرع لأنني لست المشرع. ولذا فإن هذه القوانين
ليست قوانيني. انها ليست قوانيني الا انني مضطر إلى الخضوع لها. ان مقاومتي لها مقاومة
ذاتية داخلية فأنا أمتثل لها والحق يقال ولكن عن مضض نعم عن مضض...
وتساءل "فرانصو دي ليزيو "قال:
-اذا كان من المستحيل معرفة اسم مؤلف هذا الكتاب فهل يمكنا معرفة موضوعه؟ وسمع
"جان _____________دوروك" الكلمات التالية.
-ان هذا الكتاب يتحدث عن الصحراء.
وسمع ليزيو الكلمات التالية:
-عن الصحراء وعن غزالة.
قال المؤلف تلك الكلمات ثم أخذ ينظر إلى السماء وهي تسيل تحت الملاحف.
وابتسم "ليزيو" ثانية. لقد كان يعرف منذ زمن طويل أن الروايات القصصية تجوب الشوارع
والصالونات والمكاتب. لقد كان يعرف منذ زمن طويل أن الرواية القصصية لا تعمل بل
تكتب. وأخيرا قال:
-من يراهن معي على أن عنوان هذا الكتاب هو "سأهبك غزالة"..؟
واندهش جان دوروك انه كان يعتبر ليزيو ربا منذ زمن بعيد. ولكنه شعر في هذه المرة بأن
له شيئاً من الافراط في الربوبية.
وقال ليزيو:
-شيطانتي هي التي أخبرتني بذلك نعم شيطانتي .
يالها من شيطانة!
وكان المؤلف مستمراً في النظر إلى السماء وهي تسيل تحت الملاحف.
وقال ليزيو :
-يا جان دوروك أقدم لك مؤلف الكتاب.
ثم قصت التليفونات أحاديثها.
الصحراء! إني أعرفها. لقد فتشت في جميع الزوايا في جميع طيات الليل الخفية. لقد عرفت
الشتم والعار والبغضاء. ولم أجب على ذلك بل نظرت إلى الصحراء واجبت بواسطة
الصحراء. لقد رأيت عددا مفرطا من المتسولين وعددا مفرطا من الذبان. ان مرض التراكوما
قد هدد كل نظرة من نظراتي. لقد خاطبت الناس باستعمال صيغة الاحترام فأجابوني بصيغة
الاحتقار. انني عربي لقد أصبح ذلك كالمهنة يحترفها الانسان.
لقد فهمت تكشيرة المجاعة الهزيلة. لقد فهمت البرد والدفء. لقد جربت الشتم والعار
والبغضاء سواء بالمدرسة أو بالجيش. انني عربي لقد أصبح ذلك كاللعنة .لقد مات اثنان من
أبناء عمي بداء التيفوس في سنة ١٩٤٢ . لقد قضى عدد كبير من أبناء عمي بداء التيفوس في
سنة ١٩٤٢ . وترى لم لم يمت بداء التيفوس من الفرنسيين الا عدد ضئيل؟ انني لا أتمنى
الموت لأي كان. بل أنا أسأل وأتساءل. ترى هل القملة لا تجلب داء التيفوس الا للعرب؟
قولوا لي بربكم هل ان هناك تيفوسا خاصا بالعرب وتيفوسا خاصا بالفرنسيين؟ خبروني بربكم
هل الموت عنصري؟
لما مات والدي ذهبت أشجار النخيل.
وها أنا ذا اليوم أخترق الفلاة. لقد اخترقت الفلاة مائتي مرة. اني أعرفها عن ظهر قلب. لقد
كنت أنا الصحراء قبل أن ألتقي بيمينة...
ان عندي قبل أن ألتقي بيمينة كان طبعا عهد جاهليتي.
يمينة! انها الدفء. انها الرغيف ، انها باقة من المغامرات. انها قطة، وتخيلها مولاي وقد
بلغت حافة القلتة* بمنتهى الواحة. وكانت يمينة أقرب إلى القصر وإلى السمن من سائر
الترقيات، وكانت تقاسيم خلقتها أقل هندسة منهن، ولكنها كانت اذا نظرت إليهواذا انصرف
نظرها وقد أخذت فجأة في التأمل والاعتبار تبدو عندئذ امرأة تامة ، بل وأميرة من الأميرات
وذلك رغم كونها في السابعة عشرة من العمر، ورغم وجهها المستدير الصبياني وحركاتها
المضحكة...
وهجد مولاي. وكانت الشربة جاهزة. وضحكت عينا المشحم. ان عينيه تضحكان على الدوام.
ان عليا طيب الطبع . انه راض، انه دائما راض عن الحياة. ونادرون الناس الذين يرضون
عن الحياة. ان عليا لراضي النفس بالفلاة، بفلاته. انه راضي النفس في جهده وعنائه،
وبأجرته البخسة وبدلة عمله الزرقاء ذات الأطمار. وسيكون راضيا غدا بمدينة ورقلة وهو
مضطجع على فراشه التبني. وسيكون راضيا في كوخه أو في بيته القصديري محاطا بالذبان،
وغارقا في ماء غسيل الأنية الملعون. سيكون راضيا ابدا. انه صديق من أصدقاء الله. ان الله
لم يمنحه لا منزلا ولا ماء صافيا ولا محراثا نافعا مطواعا. ان الله لم يمنحه الكتب التي
يطالعها الناس في ركن سهراتهم الهادئة. ولكن الله منحه تلك الضحكة العملاقية، تلك الضحكة
التي لا تنكسر والتي يقذف بها على الرمال ككلمة السر، كبطاقة من بطاقات الزيارة. ان الله
قد وضع الابتسامة على ذلك الوجه الهزيل الملتوي المخور المخرب ككثبان العرق الشرقي
الأكبر. ان تلك الابتسامة لغزالة.
-أفق ان "الشربة "قد نضجت...
وأصلح مولاي هيئة شاشه وقد تساقط على أنفه. وفتح عينا غائبة. وكانت يمينة لا تزال تتنزه
في نظره وكانت النار المحفوفة بالحصى قد خمد لهيبها فأصبحت جمرا أحمر. وكان الصمت
المخيم في الجوار طيب النفس.
وأخذا الرجلان في الأكل في صمت واعتناء. ان الصمت لعلامة من علامات الاحترام. لقد
كانا يستحقان الصمت لعلامة من علامات الاحترام. لقد كانا يستحقان تلك الأكلة. كانا بذلك
عليمين وسكتا. ثم مسحا فميهما طويلا، انهما سيتذوقان كؤوس الشاي الثلاثة في رصانة.
وسينشد الغليون بقبقته على شاطئ من الورد. ولن ينبس الليل ببنت شفة. وستكبو النار في
احتضارها الطويل.
ان يمينة كانت نائمة كالكويرة الصغيرة، كرغيف الحب، كالأنشودة المرضرضة .كانت يمينة
نائمة. وكانت اذا تنفست خيل اليك أنها تتكلم بل خيل إليك أنها تصغى وتستمع.
-لقد رغبت رغبة شديدة في معرفتك.
ونظر المؤلف إلى جيزال دوروك . كانت عيناها نافذتين ولم يكن أحد بالنافذة.
-لقد فهمت كتابك...
فقال المؤلف:
-عجبا!
ان من عادته أن يقول "عجبا!" كلما لم يجد ما يقول. وهو معجب بالفرنسيين لأنهم يعرفون
كيف يتكلمون. ولعل اللغة ، لغة فرنسية.
ونظرت جيزال دوروك إلى المؤلف نظرةمن يراجع ورقة حساب ما آكله في المطعم . كان
شعره طويلا ومزرفنا على عنقه. وكانت كرافاته ثائرة وكسوته منهوكة الهيئة.
-نعم لقد رغبت رغبة شديدة في معرفتك. هل تعلم أن روايتك هي...
كان المؤلف متأثر النفس وكان همه الوحيد ألا يشعر أحد بذلك. وأشعل سيجارة. وابتسم لأن
جملة كانت على وشك الخروج من فيه رغم كل شيء، جملة قضى مئات السنوات في
تحضيرها، جملة يعبر بها عن شيء ما في نهاية الأمر:
-لماذا تصففين شعرك على هذه الصورة؟
كانت تلك هي الجملة وما أدراك ما الجملة!
ان أي انسان لم يخاطب جيزال دوروك كذلك قط.
وأجابت بصورة طبيعية للغاية:
-لأن هذه الكيفية في تصفيف الشعر تواتيني:
ثم ضحكت . لم تكن تتقن الابتسام ولكنها كانت تتقن الضحك. وضحكت ضحكا اختلجت له
الملفات القديمة، ضحكا عابثا، ضحكا مرحا، ثم تابعت:
-أريد أن أحدثك حديثا أطول من هذا عن كتابك، وأريد بالأخص أن تحدثني أنت عنه، ولكن
هذا المكان...
وأشارت بحركة عريضة إلى عالم الجنون ذلك – أجل انه عالم جنون – الى التليفونات والى
الالات الراقنة.
-ولكن هذا المكان لا يمكن فيه مثل هذا الحديث.
وكان المؤلف قد تفطن منذ زمن طويل إلى أنه يمكن التحدث عن كل شيء في دور النشر ما
عدا عن الأدب. فقال:
-فعلا. هذا المكان لا يمكن فيه الحديث.
فنظرت إليه وإلى عينيه مباشرة ثم اقترحت عليه اقتراحا، قالت:
-هل تريد أن نتعشى معا في أحد المطاعم؟
وأخذ المؤلف في التفكير بل تظاهر بالتفكير. ولما كان لا يربح من المال كثيرا فقد أخذ في
ربح الوقت، كانت في بطانة سراويله قطعتان من النقود كل واحدة منهما ذات مائة فرنك.
وكانتا ملتصقتين بفخذه التصاقا، قطعتان ذاتا مائة فرنك. فقال في نفسه: لا علي. ان الله عظيم
مدبر! ثم أجابها:
-حسنا. سأمر على بيتك ثم نخرج معا.
واحتجت القطعتان ذاتا المائة فرنك في جيبه اذ وقعتا في حيص بيص.
***
وانقطعت باريس عن الأمطار. وكان اليوم يوما من تلك الأيام العجيبة التي تكون سماؤها
زرقاء في قلب الشتاء فتبدو الجدران وحجارة أرض الأنهج من جراء ذلك في صورة غير
اعتيادية.
-كم عندي؟ عندي مائتا فرنك. كم عندي؟ عندي مائتا فرنك...
ولكن لا يستطيع المرء مضاعفة مبلغ بمجرد تكرير النطق به.
-عندي مائتا فرنك، اذن بامكاني أن أتناول كأسا من الروزي على الأقل بل ثلاثة كؤوس...
وذهبت المائتا فرنك لحينها.
كان "نهج بونابرت" حزينا كالمصاب بالسوداء. وكانت ساحة سان سولبيس دافئة. وكانت
باريس خالية كالقرية عشية يوم الأحد .وكانت بقعات من النور تتخبط على قطران أرض
الأنهج. وكان الحمام مستمرافي كونه حماما. وكانت احدى المدارس الخاصة بطب الأسنان
قابعة في سآمة وراء الكنيسة تنتظر انتهاء بنائها منذ الأزل . انها باريس عندما تصبح قرية
من قرى الآفاق، بم كان يعيش؟ وأين كان يأكل؟... أوه! دع عنك كل هذه الكلمات! انه كان لا
يعيش بالحب والغرام بل كان عائشا بالنسيم العليل. ان النسيم العليل موجود كما أن الله
موجود. ولكن النسيم العليل ليس بحرفة فيما نعلم!.. لا ان ذلك ليس بحرفة وانما هو حالة
يكون الانسان عليها.
ومشى المؤلف وهو يتغنى بصوت خافت، بلحن من اختراعه "أن يكون المرء عضوا من
أعضاء جمعية النسيم العليل. ان ذلك لمجمع اكاديمي. أجل ، انه لمجمع أكاديمي "...ان في
استطاعة الانسان أن يروض جميع القوافي. كلفظة غزالة، ولفظة تحفة، والمجر بالنسيم
العليل، وكيفية رسوب عصافير السطح في امتحان البكالوريا. ويا! يا! ما أسخن الكاكاويا. انها
أنشودة مجعولة للنسيم العليل وللكتابة التي على رأس قبر المائتي فرنك.
وكان المؤلف اذا تنقل كان دائما حاملا لقصيد ، وكانت باريس بذلك عليمة، فلم تكن تنغص
عليه عيشه. وكان المؤلف لا يحب باريس ولكنه كان يعترف لها بالجميل اعترافا شديدا، لقد
كانت باريس تسمح له بالعيش .
وكان المؤلف يعرف حق المعرفة ان لفظة عيش انما هي عبارة تقال.
وذكر المؤلف قول "فرانصو دي ليزيو"... لأن يصير الكاتب قحبة تتجول على قارعة الطريق
أفضل عندي يا بني من أن يبيع قلمه." القحب على قارعة الطريق؟ ليس ذلك من التعاسة
بالقدر الذي يظنه الانسان... يا له من رجل "فرانصو دي ليزيو" هذا! بأناقته التي لا تشوبها
شائبة. ومكتبه وزاربيه وتليفوناته الجدلية. انه شاعر لم يعد يفهم قيمة قرص من أقراص
التليفون..
ان النسيم العليل كان كافيا لقوت الانسان. وكان هذا الانسان يجر وراءه قصيده جرا. وقد
تفطنت باريس إلى ذلك، باريس التي تعرف هوية أهلها حق المعرفة. ترى هل سيرى الناس
في يوم من الأيام هذا القصيد قابعا في سأمة وملل على أعمدة احدى الجرائد، هذا القصيد الذي
يتحدث عن النسيم العليل، ويحمد الله ويمرح ويسرح وقافية موافقة لقافية باريس الراضية.
وأقرض السيد موريس المؤلف الخمسة آلاف فرنك التي طلبها منه.
بل و يشكر المؤلف على ذلك.
أمير! انه أمير حق.
أيها الناس! تفضلوا على هذا السيد الغريب عابر السبيل...!
وعندها انقلبت باريس شيئاً آخر. وأجال البهلول ونظره على السهل ووضع زبابه على الجسر
النقال.
انطلق يا "قوم! "
انطلق يا "أبو ليبنار!"
في اسم "فرانصوا دي ليزيو" ويدل هذا الحرف في أسماء الاعلام في اللغة (de) *علامة نسبه الشريف اشارة إلى حرف دي
الفرنسية على أنهم من أصل شريف ومن أسرة نبيلة.
*اشارة إلى نشيد التحرير أو نشيد المقاومين الفرنسيين لقوات الاحتلال الالماني وللأغلال التي كانوا قد كبلوا بها الحرية في
فرنسا.
*الفال ديف قاعة مشهورة من قاعات الاجتماعات السياسية بباريس.
*الموقى نوع من الزهر يزهر في شهر ماي ويتهاداه الناس في أول ماء بمناسبة عيد الشغل والشغالين.
. *اشارة إلى تدخل القوات العسكرية السوفياتية ببودابست عاصمة المجر أثناء وقائع سنة ١٩٥٦
*مجموعة من الأمثال على لسان الحيوانات وضعت في القرون الوسطى.
*القلتة: لفظة مستعملة في اللهجات الدارجة بشمال افريقيا ومعناها الغدير الصغير.
كانت جيزال دوروك كثيرة فترات الصمت. وعند ذلك كانت عيناها تنقطعان عن الحركة .
وكانت نظراتها المبقعة بشذرات ذهبية اللون تتبع الألفاظ فتتصور فيها معاني الألفاظ، وكانت
تبدو في فترات صمتها تلك كأنها طالبة شديدة الانتباه.
وكانت قد سألته قائلة:
-حدثني عن نفسك.
وكان قد أجابها.
-أنا أحب الأثاث العصري!
وكان المؤلف قد تحمس في حديثه فلم يعد يبحث عن كلماته بمشقة بل أخذ يكتشف جمله بنفسه
فتفاجئه قبل غيره من الناس نبرة صدقها. كان يكتشف تلك الجمل كما ينبسط النظر من أعلى
الطريق الصاعدة. فكان يروي ويروي من أعلى أفكاره. وما الحديث دوما في نهاية الأمر الا
ضرب من المرافعة.
ورافع المؤلف مدافعا عن الأثاث العتيق. فكانت عيناه تلينان تارة فيذكر خزائن آنية الطعام
المنحوتة وظهور الكراسي المزخرفة بتفنن وغرام، وتارة كانت تصرخان بالاستنقاض فيتحدث
عن الأثاث الخارج من المصانع وعن جفاف قريحة المصورين الصناعيين العصريين الناتج
عن انتسابهم إلى مذهب الصالح والمفيد. انهم لم يعودوا يفقهون مكنونات الخشب. وكشر
المؤلف عن أنيابه للتنديد بمن يريدون الا يكون للأشكال وللألوان الا غاية عملية. ثم صاح
قائلا:
اسمعي وعي ما سأقوله لك: ان الأثاث في واقع الأمر انما هو مسألة أخلاقية.. ولم تكن
جيزال دوروك تتبع كلام المؤلف. ولكن رباطة جأشه في التصريح بالحقيقة وقعت على نفسها
وقعا بليغا.
... -أجل مسألة أخلاقية! قبل الآن – وكان المؤلف لا يستعمل لفظة "قديما" أبدا – نعم قبل
الآن لم يكن مباحا للناس أن يفكروا في الفهم والتفكيك، فكان الأثاث ينطق بالحب الحذر
الدافئ، وكان الباب الذي يئز في خزانة آنية الطعام. كان الأثاث كبير الحجم محسوس الوجود.
-وكان الانسان يولد عند أسفل الخزانة وينمو في ظل حافظة آنية الطعام. وكانت حلقة الأسرة
متينة لا تنفصم ولعلهاكانت منغلقة ، لكنها كانت صلبة، لكنها كانت ذات وزن، لكنها كانت
مقدسة كجلوس الأسرة حلقة واسعة حول مائدة الطعام العائلية المصنوعة من خشب شجر
البلوط أو الجوز. قبل الآن لم يكن الناس يطلقون، ولم يكونوا ينقلون أثاثهم. فقد كان الأثاث
مغروسا غرسا كشجر الجوز وشجر البلوط. أما اليوم فقد أخذ الناس في تقليع أشجارهم. اليوم
أخذوا في تنقيل الأثاث... ترى من كانت تحدثه نفسه قبل الآن باخراج ذلك الأثاث الضخم
الذي يمكن للمرء أن يشك في كونه دخل المنزل في يوم من أيام الزفاف أو الارث. لأن ذلك
الأثاث ما انفك قائماً في مكانه منذ الأزل. اذ زرعت بنت عم بعيدة المقعد الخشبي الصغيرة
في زاوية من زوايا البهو وقد غرس عم الأب أو خاله خزانه الثياب في ركن من أركان
المكتب.
وردد المؤلف عبارته قائلا:
-اليوم أخذوا في تقليع أشجارهم. اليوم أخذوا في تنقيل الأثاث...
ثم ابتسم وأضاف قائلا:
-هو ذاك انهم أخذوا في تنقيل أثاثهم. لقد صارت العروف عروفا دوارة وسكتت دوارة الريح
بالطابق الأول. وكان للفظة "أخلاق" وعلى لسان المؤلف وزن وخطر، وكانت رائحتها رائحة
خبز النخالة الأسمر، ذلك الخبز الصلب المغذي، ذلك الخبز المجيد.
وقدم لهما الغلام قارورة أخرى من الروزي. كانت جيزال دوروك في حيرة. فهو لم يحدثها لا
عن كتابه ولا عن حياته. ولما كانت تتقن الصمت فقد كانت تتقن الانتظار. وفي الواقع فان
تلك الطريقة التي اتخذها المؤلف لتقديم نفسه لم تسؤها، غير أنه يتيسر لها أن تجد الصلة بين
هذا الفتى المارد الطويل القامة، الرث البدلة، الثائر الشعر، العاصف النظرات، وبين ذلك
الأثاث الوديع المتين الهادئ المطمئن للنفوس. ولاحظت لحينها أنه يتكلم كما لو كان يكتب،
وفجأة رغبت في التعرف عليه، وليس معنى ذلك أنها رغبت في معرفة سنه ولا مكان سكناه،
ولا هل هو أعزب أم متزوج أم أرمل، ولا هل أن زوجته كانت تخدعه مع غيره من الرجال.
فاقترحت عليه اقتراحا قالت:
-زدني من حديثك عن الأثاث.
فقال المؤلف:
-انني أشعر بشيء من التعب. حدثيني أنت.. وابتسمت هازئة من نفسها في ابتسامتها ثم
قالت:
-أنا في الحقيقة.
فقاطعها بتأدب كبير قائلا:
-ما معنى "أنا في الحقيقة."
فضحكت وقد عجبتها خشونته المتاخمة لوداد الألفة وللتعزيز.
-أنا في الحيقيقة ليس لي كلام ذو بال أقوله. فها أنا ذا مصغية اليك. وقد قرأت كتابك. اذ
مهنتي هي أن أقرأ...
كانت الألفاظ تصل إلى المؤلف في شبه الظلمة الخاصة بما كان المؤلف يسميه "الحالة
الأخرى". وكان الروزي لذيذا. بل قل أنه كان يقوم بوظيفته بصفته روزي وكان المؤلف يملك
خمسة آلاف فرنك، خمسة آلاف فرنك كان عليه أن يرجعها إلى صاحبها في يوم من الأيام،
خمسة آلاف فرنك كان ينفقها في تلك اللحظة فتنهد لذلك.
لم يكن المطعم الصغير الواقع بنهج "اصاص" ببعيد جدا عن حديقة اللوكسمبورغ" . وكان خاليا
أو يكاد ما عدا كاهنين كانا يرسما صورة منعشة عن الجنة تمثلت في ثريد بالبصل كانا
يستسيغانه في ورع وتقوى. وكان النور أصفر لطيفا كله دعة وأنس.
-كأني بنا في جو من أجواء الآفاق.
هو مطعم صغير ليس مفرطا في الغلاء وليس مفرطا في البشاعة، من نوع تلك المطاعم التي
يقل الآن وجودها أكثر فأكثر بين حي "مونبارناس" ونهج "فوجيرار". هو مطعم بدون عباقرة
مغمورين ولا طلبة عصبيين. هو قطعة من الآفاق ذات ذبان نائم لقضاء فصل الشتاء على
أفاريز خزانات الأنية العتيقة. وفيه ما ليس من وجوده بد في مثله من الأماكن، فيه لوحة
مرسومة تمثل مشهدا من مشاهد الصيد بحجله الخافق وكلابه المنتبهة وفيه كذلك الساعة
المعلقة بالحائط بقرعاتها المتكررة المدنية الرنة.
وكانت جيزال دوروك تشعر بالسعة والاطمئنان. لقد فهمت ذلك الرجل الذي فهم الأثاث
المزركش بالعفاريت المرعبة المصفرة بالنار الأبنوسية من أفواهها. ذلك الرجل الذي كان
يدافع عن "عشوش الغبار" بعطف وحنان قائلا انها شذرات من القمر عندما نراها وقد فتحنا
"البرسيانات" قليلا. لقد فهمت تلك اللحظة البسيطة الجديدة كل الجدة الحقيقية. صرف الحقيقة.
وكانت قد غفرت للروزي كامل المغفرة.
وكانت تلك القصة الخاصة بالأثاث العتيق تعمل في نفسها. ان دوام الجهد وصحة الحياة
التوازن الفتان لحقائق كان المؤلف يتقن رواية قصتها. فكانت جيزال تلاقي ألفاظا لماعة بنور
واق، نور المبادئ المثبتة ومواد تبريق الأشياء. لقد كان ذلك الأثاث صامدا بوجوده الثخين في
وجه خزعبلات مذهب التشكك ومذهب النفي المطلق، والحزن الأدهم. لقد كانت الغابة قائمة
هناك حقيقية حية أبدية.
وكان المؤلف قد قال:
-اني قد ابتكرت صورة جديدة من صور الأمن والطمأنينة.
ثم التحق نظره بالغابات المهددة بالخطر، بالغابات الغابرة.
-انني رجل مدله مشدوه.
وكانت يدا المؤلف خضلتين وفي ذلك علامة على أنه كان يسبح في اضطراب نفسه. وكان
نظره مرعوبا اذ قد رأى منذ لحظة الغابات المهددة بالخطر، الغابات الغابرة.
-ويوم يقتلعون جميع الأشجار...
وحرك يده حركة عريضة صور بها العدم.
-ويوم يقتلعون جميع الأشجار سيحل القفر. وسيكون قفرا بدون غزالة...
ولاحظت جيزال أن تلك كانت أول مرة تحدث فيها عن الغزالة...
-ويوم يقتلعون جميع الأشجار سينقطع الأطفال عن التعلق بلبن أمهاتهم. صدقيني يا جيزال
ان القفر شر يحير الانسان...
وفكه لتلك الكلمات التي كانت تتفكه هي الأخرى. ثم رجع إلى الرصانة والجدة من جديد فبدأ
نظره جامدا في وجهه المتألم.
-لا ينبغي البحث عن القفر في الصحراء. فوجوده بالصحراء له ما يبرره . فالله هو الذي
أراده، والله هو الذي خلقه. و "مولاي" لم يقتلع شجرة قط...
ودخلت جيزال شيئا فشيئا في قاموس المؤلف.
... -ان الفقر بالصحراء ليس قذرا. ان مأساته مأساة عظيمة، ورائحته ليست رائحة السآمة
والملل وهو لا يشعر بالملل. ان مولاي بذلك عليم. وقد فقد ثقته في البشر. فاختراع حبه عندئذ
لقد التجأ إلى حبه كما يلتجئ المرء إلى الواحة عند قيام العاصفة. لقد قبل التحدي فبقي ودام
على قيد الحياة. الا أنه قد سئم وضجر أيضا كسائر الناس. ان الحب لوسيلة لقضاء الوقت:
ولست أرى داعيا للاعتقاد بأن في هذه العبارة معنى الاستنقاص والتحقير.
ثم سكت المؤلف وأفرغ كأس الروزي في فيه وأخذ يفكر بدوره فيما كان قد أكده منذ حين.
وترددت المرأة الشابة طويلا ثم سألته.
-لم تشرب الخمر؟
لقد بلغ التفاوت الكبير بين ضآلة هذا لسؤال ونحولته وبين عظمة الجواب اللائق وشساعته حدا
مضحكا. وخير لك أن تضحك من ذلك والا تعرضت إلى خطر الغصص والاختناق.
كان يمكن للمؤلف أن يقول:
-اني أشرب الخمر لأن الفقر موجود، ولأن الظمأ خاصية من أهم خصائص الفقر.
ولكن كل ذلك هو مجرد كلام في الحقيقة.
وردد المؤلف عبارته قائلا:
-لقضاء الوقت.. فالحياة والموت لا تحيراني.
وأما الله فليس مشكلة عندي بل هو حل من الحلول. ولست أعرفه منذ مدة طويلة كافية حتى
أعتبر من الواجب علي اليوم أن أرضى به. لقد ظننت الانسان على كل شيء قديرا ولم أكن
قد قدرت سلطة النجوم. ان عدد النجوم هو الأمر الوحيد القادر على جعلنا نتصور معنى
الليل .الا أنه ليس في قدرة الانسان أن يعد النجوم لقضاء الوقت...
وغابت جيزال دوروك من ذلك المكان. فقد التحقت بأراضيها وبرمالها. وأخذت تتجول في
قفرها الخاص وفي صحرائها الشخصية تجوال صاحب المحل. وفجأة تصورت حياتها فبدت
صورتها لها في شكل غريب البساطة.
وكانت صاحبة المطعم الصغير ناعسة وقد ركزت مرفقيها على الكنتوار الصغير جدا، وكان
الكاهنان يتسامران كالرفيقين يعلقان على طول سفرة تصاحبا فيها. ولم انصرفت جيزال
دوروك ضرب المؤلف في باريس وقد اختلطت عليه الأفكار والشوارع. وشرب كأسا أخيرة
من الروزي عند السيد موريس ثم آوي إلى بيته.
وكانت غردا أي "الفراشة" كما كان يسميها نائمة:
ولكأنها _____________حشرة من حشرات الله.
***
كان أثاث غرفة النزل تلك لا عصريا ولا عتيقا. لقد خانوا الغابات فيه فتدهورت الأشجار.
وفتحت غردا عينا نظيفة هادئة ذات نظرة خضراء ملؤها واد ميمون ثم ابتسمت للمؤلف.
وكان نهداها يرسمان صورة عصفور يطير عند حد ملحفة الفراش، وكانت أسنانها بيضاء
كأنها قطرات من اللبن لماعة كالثلج، وكان شعرها منسدلا طافحا في شبه الظلمة. ونهضت
فأشعت بمكتمل شبابها في النور، ثم فتحت جارور منضدة الفراش فأخرجت منه غلافة صغيرة
مدتها للمؤلف باعتزاز، ثم أقحمت نفسها بسرعة تحت الملحفة من جديد وانتظرت، فنظر
المؤلف تارة إلى غردا وتارة إلى ذلك الشيء الذي مدته له. وكانت الفراشة مستمرة في
الانتظار وقد علق بشفتيها ابتسامة كأنها غير واقعية، ابتسامة قوامها الأمل.
وفتح المؤلف الغلافة فوجد فيها آلة" هارمونيكا."
فقالت الفراشة:
-للنطق بلفظة حب...
ثم مدت من جديد ذراعيها العبلتين إلى المؤلف فبقيتا طويلا مرفوعتين نحو الموسيقى الناطقة
بجميع اللغات.
كان المؤلف قد قال في نفسه:
"من العدل في نهاية الأمر ألا يقبض مولاي على تلك الغزالة,."
وكان قد فسر موقفه ذاك قائلا:
"ومع ذلك فان مولاي رجل لا بأس به نسبيا. ومع ذلك فان يمينة تستحق تلك الغزالة". إلا
أنه لم يكد ينتهي إلى هذه النقطة من تفسيره حتى استدرك فقال:
"ان استحقاقها للغزالة يكون بقدر استحقاقنا للأمل. وما أكثر آمالنا في واقع الأمر الا كفر
وتجديف"..
كان هيئته كهيئة القاضي أو الطفل. ان للقضاة وللأطفال ملكة هي ملكة النطق بالأحكام
وبالحكم.
ان تلك القصة المتعلقة بالغفر أناء الليل وأطراف النهار، والجارية طوال الصفحات والثنايا
المرملة، وتلك الأنشودة الموجهة إلى الأثاث العتيق، وإلى السيد موريس وإلى الفراشة، وإلى
آلة الهارمونيكا، وإلى مولاي وشاحنته والمشحم، وضحكته، لجو كان المؤلف يشعر بنفسه فيه
مرتاحا مطمئنا واعيا البساطة العظيمة التي كانت عليها جميع تلك العناصر، قرير العين لبداهة
وحدتها الوثيقة. فلا اتصال ولا انفصال. لقد كان المؤلف عائشا في مأمن وفي مأوى عالم
ثري لا تسبر أغوار ثرائه، وفي كون بدائي العناصر. وكان شخصا من أشخاص رواية باهرة
لا قصة ولا ماض له. لقد كان رجلا ضائعا وسط الحصى والمشاكل، وكان من نوع ذوي
الخيالات والرؤيا من الناس، إلا أنه كان غير آبه بالآفاق التي كان يكتشفها. انه تفاؤل ملؤه
المرارة. ولم يكن الله عنده الا ملجأ ليليا. فكان ينظر ثم ينصرف. وكان يدعو إلى الابتسام
على بداهة تعذره .وخلاصة القول أنه كان صورة انسان خارجية بهيجة، انسان اعتاد أن يقول
ويكرر:
-أنا رجل تعوزه معرفة الحياة وقواعد الظرف.
***
وفي مساء يوم كانت باريس فيه منغمسة في أسطورتها الخرافية دخل المؤلف حديقة
اللوكسمبورغ وكانت خالية آنذاك ، وكانت التماثيل ترتعد بردا كأنها يتيمات فقدن حياتهن.
وكانت الأسماك العائمة في حوض ماديسيس تشعر بالبرد. وكان اللوكسمبورغ ذا اخضرار
غامق، وكان منفردا متروكا وكان واحة صامتة وسهلا مسجونا.
ودنا المؤلف من جماعة من الأطفال كانوا يلعبون بالحصى يرمونها على الأوراق الطافية
وسط سطح الماء الثقيل كأنها الجزر.
-وبقي ساعة طويلة يشاهدهم أو يحسب أنه يشاهدهم اذ أن عينيه كانتا في الواقع قد ارتحلتا
في سفرة بعيدة. لقد كان أولئك الأطفال المغروسون كالشجيرات في فصل الشتاء ينسجون
خلفية صاخبة مدوية لأفكاره وتأملاته. انه لم يعد يفهم الأطفال فكان يشك في سنهم. ان السفن
اذا ابتعدت عن الميناء داخلها الشك والارتياب.
وسأل المؤلف أحد الأطفال قائلا:
-وهل تحسن التزمير بآلة الهارمونيكا؟
فحملق الصبي في وجهه ثم أجابه قائلا:
-طبعا أحسن...
فقد كانت القضية بديهية لا شك فيها فكان الجواب ذا اعتداد واعتزاز. ابتسم المؤلف، ثم مد
للطفل هدية الفراشة.
كانت بعض الأوراق الصغيرة الصدئة تمطر حوض ماديسيس، وكانت الريح تنط وتنقلب على
نفسها، والهواء يغبق برائحة الأشنة الخضراء. وكانت السماء قد اقتنصتها شباك قمم الأشجار،
وكان أزواج المتعاشقين غادر الأغصان فأم مأوى آمن من ذلك في الحجارة الخالدة وأن
فخرت فأكل الدهر عليها وشرب.
وزمر الطفل ألحانا.
-فكانت المراكب الصغيرة، كانت ذات أجنحة* ونزل نبت الأكليل إلى الحديقة* ووضع جاك
بريفار* يديه في جيبه وأخذ ينظر إلى أوراق الخريق الميتة* وأحاطت بنفس المؤلف المدرسة
الابتدائية التي زاول فيها تعلمه. فغادر سبل رشده الحصبة. وذاب عهد الكهولة حول بضع
شمعات غرست في قرص هزيل من الحلوى من أقراص عيد الميلاد، وحك ركبتيه في مكان
الحصى منهما وكان يعض على طرف قلم خشبي ذي ريشة حبرية. لقد كانت الألفاظ طيعة
آنذاك. ولم تكن الأفكار تتجاوز أنظار الوالدين. وكانت الأنهار تخط مجراها الخاص بالتعليم
الابتدائي...
أتذكر ذلك العالم الباعث على الأمن والطمأنينة عالم كتابك الأول المغلف بكاغذ أزرق ألصقت
عليه وريقة الاسم والعنوان؟ لقد كان ذلك الكتاب من ذلك الوقت حاملا لاسمك بعد، قد كنت
أنت من ذلك الوقت أيضاً لم تكتبه بعد.. آه! ليتكم رأيتم كيف كنا نؤمن ونعتقد...
واقترح المؤلف على الصبي عقد صفقة قال:
-أنا أعطيك هذه الهارمونيكا وأنت تعطيني عمرك .
وقهقه الطفل وحلق رفاقه بهما. لقد كانت الصفقة صفقة جدية. ولكن لا بد أن ذلك الطفل كان
طاعنا في السن لأنه ظن المؤلف مجنونا.
-خذها، خذها على كل حال.
ومد المؤلف الهرمونيكا فتردد الطفل عن أخذها اذ لم يكن في الظاهر متعودا على أخذ الهدايا .
اللهم إلا اذا كان قد حبس نفسه بعد في عالم أولئك الأطفال الذين نسميهم كهولا فاندهش لهذه
العطية الموهوبة بدون مقابل ملموس.
وألح المؤلف عليه قائلا:
-خذ فقد أعطيتك إياها!
-وأنا ماذا علي أن أعطيك؟
فأجابه المؤلف جوابا استغرب شدته قائلا:
-لا شيء أيها الأحمق.
ثم أضاف مخاطبا نفسه فحسب:
-اني مدين لك بالموسيقى التي عزفت.
وأخذ الطفل الهرمونيكا وانصرفت جماعة الصبيان.
وعند ذلك رأى الراؤون بجانب حوض ماديسيس في قلب حديقة اللوكسمبورغ مراكب صغيرة
ذات أجنحة وطفلا اسمه بيارو يطالب بريشة يستعملها للكتابة...*
كان الليل قد نزل بسرعة كا،ه سدل ثقيل الوطأة ثخين خضل. وكانت أنوار السيارات في نهج
ماديسيس وأمام مسرح الكوميديا الفرنسية تشق طريقها في اصفرار خلال ضباب كأنه
متصاعد من حجارة رصيف الأرض.
ان عربات الخيل لتعوز باريس شديد العوز عندما يكون الطقس كذلك.
وعبر المؤلف نهجي فوجيرار وفيرو ثم التحق بحانة صغيرة.
وكانت جيزال دوروك بصدد انتظاره هناك لكي تخبره بأن دار النشر المسماة سيال دي باريز
قد قبلت أن تنشر كتابه "سأهبك غزالة."
*اشارة إلى أنشودة صبيانية بفرنسا.
*اشارة إلى أنشودة صبيانية بفرنسا.
*اشارة إلى قصيد عنوانه" الأوراق الميتة" ألفه الشاعر الفرنسي جاك بريفار ولحن فأصبح أغنية تغنى.
ومعنى الفقرة اذن هو أن الطفل قد زمر بالهرمونيكا الحان جميع هذه الأغاني اعلاه.
*اشارة إلى أن الطفل كان يزمر بالهرمونيكا ألحان صبيانية فرنسية مطلعها في ضوء القمر يا صديقي بيارو أعرني ريشتك لكي
أكتب كلمة.
كان المؤلف يغمر بفؤاده أولئك الذين رجعوا إلى تقاليد الأنشودة الفطرية، وكان يسلم عليهم
رافعاً يده بسلام الطوارق العريض أي بعبارة "متولد" يلفظونها في القفر لتحية الرفاق اذا لقيهم
الرفاق. ان العشاق الذين أسكروا القيتارات قد كتبوا للمؤلف تصديرا مهدي للنجوم. وفي بداية
الأمر كانت الأناشيد. وكانت هذه الأزلية تطمئن نفس المؤلف .ان الحب هو الصرح الوحيد
الذي لم يتهدم فيخلف أطلالا.
هناك عند سفح جبل الكوكومن كانت العناكب تنسج الليل. ونصح الليوطنان* ماسون والد
يمينة بأن يرضى بكاباش صهرا بكاباش تلك الرتيلاء البيضاء العرجاء. ان الشقاء يعرف كيف
يختار صفاته.
وكان العنكبوت يتأرجحسريعا ناشطا في شبه الظلمة الدافئة المتفشية في الخلوات الهادئة.
وكان للظهر طعم هو طعم الصمت. ومد العنكبوت يديه نحو مصيره فدب منقلا فوضاه
الظاهرية. وكان يتدلى شعيرات طويلة. وكان الصمت أشد صبرا بكثير من أنسجته. وكانت
الجريمة ذات مهارة. ها هي ذي الذبابة السمينة باضاح، فأنت!... وسال العنكبوت قطرة
فظيعة شعراء ورجع بفريسته إلى قلب فخه. لقد كان ينتقم من وحدته ومن دمامته. ولم يتحرك
شيء ما في محيط ذلك المكان. وظلت شبه الظلمة على وداعتها كاملة .فلن يبوح الظهر
بشيء . انها الجريمة المثلى.
-سأعطيك ما تريد من النوق...
وتردد والد يمينة ورأى أكياس السميذ تتكدس، وكان سميذا أدق من رمل البركة الأصهب.
ورأى قضبانا من السكر وغابات من الشاي الأخضر.
-لقد شرفتني وأنا شديد التأثر بهذا الشرف، ولكن ابنتي ما زالت صغيرة جدا... ولم يجرؤ
على النظر إلى كاباش وجها لوجه. لم يكن يخاف ذلك الأعرج. فالخوف والحياة سيان.
وكاباش رجل من العرب كان يتمتع بثقة الكومندان* وبصداقة الليوطنان ماسون. وكان يعرف
كيف يذكرك بذلك عند الاقتضاء. واذا كان المصير يحمل على رأسه قبعة عسكرية من نوع
كيبي فمن واجب الانسان أن يحترز منه شديد الاحتراز، أو أن يكون قويا جدا فيفعل ما لا
يعجب ذلك المصير، أو أن يكون قويا جدا فيفعل ما لا يعجب ذلك المصير، أو أن يكون
الأقوى فلا يمتثل لأوامره. وكرر الوالد الشيخ قوله:
-ان ابنتي ما زالت صغيرة جدا.
وكان كاباش رجلا واقعيا فكان يعتقد أن كل شيء قابل لأن يشترى بالمال .ولقد فاته أن ما لا
يقوم بثمن لا يعرض للبيع.
-أزيدك خمس نياق.
فأجابه الأب في احتشام كبير والحق يقال، وبصوت خافت كأنه يريد الاعتذار عن جوابه ذلك:
-زيادة خمس نياق لا تضيف خمس سنوات إلى عمر ابنتي...
ثم غضبت الرتيلاء . فأبيض وجه كاباش ذو العظام البارزة حتى أصبح أشد بياضا من شاشه
وأبرقت عيناه ابراقا مخيفا . فقال الأب:
-سأفكر في الأمر. دعني أفكر فيه.
وكان صوته متكسرا مقهورا. ان التفكير في اقتراح لم يقبله الانسان من أول وهلة بتحمس
واندفاع معناه الشروع في المطاوعة والتواطئ. واذا سلط المرء أضواء التفكير المرنة الشاردة
على رفض بات سابق آل ذلك به في أغلب الأحيان إلى الخضوع والرضى.
فقال كاباش:
-حسنا! حسنا! كلامك معقول جدا .فكر اذن.
لقد كانت تلك النصيحة تهديدا. فقد فازت الرتيلاء ، وزعموا أن اليمام قد امتنع عن السجع في
ذلك اليوم وأن ريحا من رياح الرمل قد ثارت احتجاجا.
***
-أبدا ! ابدا!
ثم التجأت يمينة بين ذراعي أمها وكانتا على سطحية أرضهامن تراب مدقوق وتركتها أمها
تبكي في بداية الأمر. فبكت بكاء طويلا. ولما هدأت شهقاتها رفعت رأسها. انها لم تعد طفلة
صغيرة. لقد بكت على حبها فأضفت عليها دموعها ضربا من الرشد المباغت ومن النضج
الجديد.
وتجاسرت الأم فقالت:
-مع كاباش لن تذوقي للجوع ولا للبرد طعما أبدا.
فأجابتها يمينة شاحبة الوجه:
-الموت أفضل عندي...
ذلك أنه لا ينبغي الهزل مع الغزلان.
-نعم .الموت أفضل عندي...
وكانت الجدران الطينية الخضراء اللون تقسم السماء تقسيمات لا نهائية التشعب ذات هندسة لا
ترتيب فيها. وكان البرج الأحمر القائم على القلعة التركية يطفو فوق ذلك التشعب المتشابك
غريب الهيئة، ملتهبا نورا يخاله المرء جزيرة ما زال في قدرة النظر أن يتعلق بها. وفي
العلياء كان جبل الكوكومن مشرفا على ذلك المشهد الطبيعي في لا مبالاة وفظاظة.
وكان الناظر من السطحة التي كانت يمينة عليها يميز صورة الحارس العسكري مستقيمة
بطيئة تحرس مدخل ذلك الحصن الهزلي.
-الموت أفضل عندي...
لقد جمدت الألفاظ في أزلية اقتناعها إلى الأبد.
ان مولاي سيكون هناك عند مطلع قمر الشهر المقبل.
وهدأت هذه الفكرة من روع الصبية. سيكون مولاي هناك، متينا كسور جبل الكوكومن الذي
كانت أسنانه تختلج في العلياء، متينا كذلك البرج الأحمر.
ان وقت الغزلان ما زال في أول بدايته .وسيذهب صبر العناكب الناسجة للشقاء، وستذهب
مثابرتها واستراتيجيتها الشيطانية أدراج الرياح. ولئن كان في سماء واحة النخيل غرابان
محلقان في الجو فوق جبل الكوكومن فلقد بلغت السماء من الزرقة وشكل الغرابين من كمال
التصوير حدا انعدم معه ما من شأنه أن يوهم بالخطر أو يكدر صفو تلك اللحظة. سيكون
مولاي هناك عند مطلع قمر الشهر المقبل وعبثنا يطوف الشقاء. ولم يبق في نفس يمينة الا
شيء من التأثر الممزوج بطعم الخلفة الحامضة التي خلفها الخوف في فيها، ولم يبق الا هذا
الصدر صدرها الصغير الذي كان يتنفس بالمعكوس وقد احتل القلب منه داخله بأجمعه.
كان الجليد شديدا. وكانت مثلثات غليظة من الثلج القذر تزدحم في حوض ساحة سان
سولبيس.
وكان المؤلف قد خرج حوالي الساعة العاشرة صباحا لاقتناء بعض الجرائد من كشك الصحف
الهزيل المواجه لذلك الدكان الخاص ببيع التحف العتيقة، والحامل لعنوان دي بريكس آبراكم*
في أبهة وفخفخة. واخترق المؤلف تلك الساحة الزلاقة وكان بعض ذوي النفوس القارئة
لحساب العواقب قد بذروا على الأرض حبات من القمح وفتاتا من قشور الخبز. وما أن بلغ
زاوية ملتقى نهجي كانيفي وفيرو حتى رأى حمامة قد عمل فيها البرد القارس عملهتغادر
طنف احدى الدور الدهماء وتحاول عبثا أن تطير، ثم تسعى في السقوط باتزان ثم تهوى فجأة
بعنف على حافة الرصيف الضيق. وفي نفس الحين كان أحد الكهنة مارا من هناك فانحنى
والتقط تلك الضحية الصغيرة من ضحايا الشتاء فحملق فيها طويلا ثم وضعها بلطف عند أسفل
عارضة خشبة باب احدى النوافذ. لا بد أن يكون ذلك الكاهن قد تلقى نفس الحمامة الصريعة
الأخير. ونظر المؤلف إليه مليا فاذا فمه الرصين يتحرك من جراء التأثر ونوع من الارتباك
كأنه يغمغم دعاء الموت. لو رأيته اذ ذاك لخلته يمنح الأسرار الأخيرة *لذلك المخلوق من
مخلوقات السماء. وتزعزت نفس المؤلف لذلك المشهد ولم يهتد إلى تأويل ذلك الفال، وشك
مدة لحظة في عدالة الالاه. ثم أسرع فالتحق بنزله.
***
كانت غردا لا تخشى الماء البارد وكانت على وشك الانتهاء من الاغتسال. وكانت بشرتها
الشقراء ناطقة بالصحة والعافية. ووثبت غردا إلى عنق المؤلف فطوقته بذراعيها ولكنه دفعها
بلطف قائلا:
-ان يديك باردتان!
لا بد أن تكون الفراشة قد فهمت معنى كلامه لأنها لم تنفعل لذلك. لقد كانت الفراشة مولعة
بالضحك، وكانت تحب الضحك في كل وقت وزمان. ولكن المؤلف لم يكن يحسن الضحك .
وكان يفكر في الحمامة فقص على غردا موت ذلك الطائر، ولكنها لم تفهم من حديثه شيئا.
فقال لها:
-ان الشتاء نذل! أتسمعين أيتها الفراشة؟ نعم انه أنذل الأنذال! ولكن غردا لم تكن تسمع شيئا.
فقد كانت تعيش رغم الألفاظ ورغم البرد، كانت تعيش لأنها خلقت لتعيش ولأن الحياة هي
مصير الفراشات. كان نهداها صلبين، وكانت عيناها أشد اخضرارا من الوادي الميمون،
وكانت مضجرة.
كانت تضجر المؤلف لأنه رجل كان لا يعرف كيف يعيش، رجل كان يفهم موت الحمامات
ويعرف كيف يؤول أنفاسها الأخيرة ويقرأ على الجدران آمال حجارة الرصيف، رجل كان
ينعت الشتاء بكونه نذلا من الأنذال.
-لقد وجب الافتراق أيتها الفراشة الطيبة...
كانت غردا بصدد مشط شعرها وقد نشرته بسخاء وكرم وكان النوم قد شوش هيئتة. وكانت
تتغنى بصوت خافت بلحن من ألحان بلادها، بلحن من قريتها، بأغنية نزلت من عربات
خرافية تزحف على الأرض بدون عجل وكانت رائحة غردا رائحة الغابات.
-ان رائحتك رائحة الغابات يا فراشتي اللطيفة...
وأقحمت غردا في عنقها وصدرها قميصا صوفيا أحمر من نوع شانداي قولب أعلى جسمها
المتين الأغيد أعجب قولبة. ثم جمعت شعرها فجمرته على شكل دائرة في قفاها فبدت كالثلج
يبتسم، وتضوعت منها رائحة الشتاء والغابات أكثر من العادة بكثير.
-أيتها الفراشة! ان ما يحزنني لو فهمت هو أنه يجب أن أقتلع الأشجار معك أيضاً.
وقبلها طويلا، ورأى عينيها الواسعتين مفتوحتين تنتظران الغابات .وكانت السنجابات قد
انزوت في حياء فآوت إلى ما تحت أشجار الغابة. وكانت غردا واهبة شفتيها رخوتين دافئتين
لا تتحركان، ولم يفرغ لها صبر كالماء يطاوع الشارب على الشراب. ووهبت نفسها للمؤلف
سعيدة هادئة هدوء البداهة والمعجزة الطبيعية.
وسرعان ما اقتلع المؤلف نفسه من بين ذراعيها. وكانت احدى الحمامات ترتل سجعها على
حافة النافذة. من يدري؟ لعلها كانت روحا تشتكي.
وعندئذ تناول المؤلف من على منضدة الفراشة معجما صغيرا أحمر اللون فرنسيا- المانيا
فبحث فيه عن لفظة "افتراق" ثم أرى غردا لفظة افتراق مشيرا إليها باصبعه. ورددت غردا
تلك اللفظة بصوت عال وبنغمة موسيقية غليظة نغمة اللغة الأصلية. ثم بحث المؤلف عن لفظة
"مؤبد "فبحث عنها طويلا كأنه كان يخشى أن يجدها. وبدا له المعجم الصغير الأحمر كأنه
كتاب نحس أو كتاب من كتب تأويل الأحلام والكبابيس، أو كتاب شقاء صنعه أحد الكيميائيين
القدماء المجانين.
ومرت اصبعه على الكلمات فقرأ:
..معاكس.. مؤمن بالهزيمة.. مصيبة..
وأخيرا رقصت اللفظة المنشودة كما يرقص ما تراه بالنظارة المقربة وأنت تعدلها، وكما
ترقص كتابة تقديم الفيلم عند تعديل عرضها. ثم استقرت اللفظة فثبتت وجمدت: "مؤبد"
وزاوجت غردا بين لفظتي افتراق ومؤبد مؤلفة بينهما تأليفا ملعونا. وكانت مستمرة في
الاضطجاع على السرير منفوشة الشعر مكشوفة الساقين إلى نصفيهما مذعورة النهدين. ثم
فهمت فغطت نفسها فجأة ومشى المؤلف نحو النافذة.
***
ولما انصرفت غردا لم يودعها المؤلف لأنه كان لا يحسن الألمانية. ان لنقط الانقطاع وحدها
كلاما تقوله في هذا النوع من القصص. ولكن المؤلف بكى بعد ذلك لما تيقن من أنها قد
غادرت النزل. بكى وهو يغلق جعبة الهارمونيكا الفارغة، وكانت الحمامة الساجعة هناك على
ذلك شهيدا. ثم سوى ملاحف الفراش.
ورأى الراؤون ليلتئذ في شوارع باريس فكرة متحسرة لأنها قد أضاعت قفازيها. وانتهى
التجوال على حانات المدينة عند الأمير. وهز الأمير السيد موريس رأسه طويلا هز الاستنكار
الا أنه لم يجرؤ على رفض تقديم الخمر للمؤلف . قم قال:
-الله ! الله ! ما هذه الحالة الرثة! ياله من منظر جميل! حقا ان منظرك لجميل يسر الناظرين!
ولم يكن الناظر يرى الا عيني المؤلف وفمه، وكان فمه عوضا عن عينيه، وقال المؤلف:
-الفراشة؟ أفلتت! لقد أفلتت، أفلتت عند الله...
ثم تابع المؤلف حواره المنفرد المتعثر، ومع ذلك فقد كان حواره ذا منطق صحيح لا يتزعزع:
-لقد _____________قتلت الحمامة نفسها برصاصة أطلقتها في دماغها... لقد سئمت كل شيء يا سيد موريس
نعم سئمت كل شيء...
ونظرت اليه فتاة الزاوية وكان اسمها جوزات وكانت فتاة فارعة القامة. كان المؤلف قد أطلق
عليها لقب فتاة الزاوية لأنها كانت تنتصب دائما في زاوية من زوايا الخمارة قرب آلة
الموسيقى، فتضع نفس الاسطوانة فتنصت اليها ألف مرة ومرة. ونظرت فتاة الزاوية إلى
المؤلف نظرة طويلة فاقدة الحرارة ثم علقت على المشهد قائلة:
-يا للتعاسة! رجل مثقف كهذا...
فاحتج السيد موريس عليها قائلا:
-اسكتي أنت يا فتاة الزاوية فلسنا في حاجة آرائك في الموضوع!
فخرجت الفتاة من هدوئها وبرودتها فقالت:
" -فتاة الزاوية"! ماذا تعني من فضلك ب "فتاة الزاوية"؟ أليس تعرف أن لي اسما يا سيدي؟
نعم ان لي اسما. "فتاة الزاوية"! أتسمع يا سيدي؟ أم هل أنت تعاملني كما لو كنت ممن لا
يدفعون ثمن ما يستهلكونه عندك!
وفعلا فان السيد موريس كان قد تبنى لغة المؤلف فكان يسبح في جو خرافي غريب، فيه
"الفراشة" و"السراويل القصيرة المكوية"، وهو لقب رجل كان دائم الأناقة والعجلة. و"حارس
الدستور" وهو لقب عون من أعوان الحرس المتجول كان يأتي الخمارة في الفترة الفاصلة بين
حصتين من حصص الحراسة قادما من ثكنة تورنون ليتناول كأسا من الخمر من نوع "كوت
دي رون". وفيه في النهاية "فتاة الزاوية."
وكانت تزعم أنها ممرضة ولعلها كانت ممرضة فعلا في فترة ما من حياتها. وكانت تختلف
على الخمارة بين الآونة والأخرى فتشرب الخمر الحمراء حتى مطلع الفجر. وكان المؤلف
يقول مازحا.
-الخمر الحمراء المبتذلة لا تبقع الثياب كما يقال، بل يبقع رأس شاربها إلى حيث لا ندري.
كان يقول ذلك مازحا وهو يستمع إلى براسانس يجول باراغون بين أثناء الحب الشقي.* وهدأ
روع فتاة الزاوية، ان الخمر الحمراء المبتذلة التي لا تبقع الثياب بل يبقع رأس شاربها إلى
حيث لا ندري قد انتهت إلى ذاكرتها. فغادرت آلة الموسيقى ودنت من المؤلف ثم جلست إلى
طاولته. وانصرف نظر المؤلف إلى بعيد، إلى بعيد جدا.
-هل تسمح من فضلك؟..
ومنحت فتاة الزاوية نفسها سيجارة من سجائر المؤلف .
-هل أسمح ؟ سيان عندي أخذك السيجارة أو عدمه .نعم سيان عندي!
كان المؤلف يشعر بانفراج في النفس كلما قال وكرر "سيان عندي ."فقد كان يتثبت بتلك
العبارة أنه لا يعير أية أهمية لما يمكن أن يكون ذا أهمية، وما هو في تسع وتسعين بالمائة من
الحالات عديم الأهمية.
-انك لا تدرين إلى أي حد أخذك السيجارة أو عدم أخذك إياها سيان عندي؟ واقترحت فتاة
الزاوية عليه اقتراحا قائلة!
-هل تريد أن أهبك شرابا؟
فلم يقل المؤلف "سيان عندي" ذلك أن الروزي أمر ذو وزن. وكان من عادة المؤلف أن يفرغ
كأسه دوما بجرعة واحدة. وكان ذلك يثير الاعجاب والهلع في نفس السيد موريس.
وأخرج المؤلف عشرين فرنكا. وحاول النهوض إلى آلة الموسيقى فخانته رجلاه وضل سقف
الخمارة طريقه.
-حتى الهندسة تريد أن تغالطني..
وجلس من جديد وجسمه كالجبل ثقلا.
ووقعت لفظة هندسة في نفس فتاة الزاوية شديد الوقع.
فسألها المؤلف:
-ضعي لي اسطوانة.
-أية اسطوانة تريد؟
-اسطوانتك.
ولم تعد القصيدة قصيدة الشاعر لويس أراغون ولم يعد مغنيها جورج براسانس بل أصبح
أغنية فتاة الزاوية ان القصيدة قصيدة حية تعيش حياة الآخرين. ان أراغون مستمر هنا من
خلال فتاة الزاوية في هذه الحانة الباريسية التي لعل أراغون لم تطأ قدماه أرضها قط. ولك أن
تشك في أن هذه القصيدة قصيدة كتبها ذات يوم يد شاحبة مفكرة، يد تعرف معنى حرارة
الأيدي، يد شاعر تيتمت من زهر الليلك، يد شاعر فرنسا المحب لفرنسا ولزهر الليلك حبا
جما. لمن هذه القصيدة؟ انها ليست لأراغون. ان تحتها توقيعا هو فتاة الزاوية لقد ألفتها فتاة
الزاوية منذ أن ذهب الرجل بدون رجعة فغادرها حبلى بعد أن تعايشا مدة ثلاث سنوات، لقد
ألفتها فتاة الزاوية منذ أن ذهب الرجل بدون رجعة فغادرتها حبلى بعد أن تعايشا مدة ثلاث
سنوات، لقد ألفتها عند أول رفض من رفوضها، عند أول ليترة أراقتها من دمها على يدي
القابلة الاختصاصية في عمليات الاجهاض، وعند أول ليترة من الخمر الحمراء شربتها في
الحانات هنا وهناك. ثم ألفتها مع أعوان الشرطة، وعلى حجارة أرض الشوارع الحزينة، وفي
فصول الربيع المرة الطعم، وفصول الشتاء الشديدة الطبع، وفي المستشفى حيث انقطعت عن
العمل وحيث ستدخل لتموت في جناح المرضى بالكبد من جراء ادمان معاقرة الخمر
والكحول. ان القصيدة لم تعد قصيدة لويس أراغون شاعر فرنسا المحب لفرنسا ولزهر الليلك
حبا جما.
وفي وسعك أن تستمع كل ليلة مقابل عشرين فرنك إلى أغنية فتاة الزاوية في حانة من حانات
باريس عاطرة برائحة الخمر الحمراء المبتذلة وليس بأريج زهرة الليلك . وملأت الأحلام
خزان وقودها...
أنت يا سيد موريس لقد سميتك دون كيخوته. فقل لي الحقيقة بربك. ألم تحلم البارحة بأنك
متصعد شارع البولميش على متن حصان ملكي، وبأن الأطفال يصفقون لك، وأعوان الأمن
يؤدون لك التحية العسكرية؟ وأنت أيها الأشقر الجميل الطلعة يا حارس الدستور ألم أقابلك
بواقعة فالمي* . وقد زعموا أن الطواحين * كانت موجودة هناك ايضا.
وسواء أكان ثملا أم كان صاحيا، فان الحياة كانت عنده ظاهرة أدبية وليس إلا ظاهرة أدبية.
وكانت فتاة الزاوية تستمع في تلك الفترة إلى أغنية نفسها في خشوع ديني:
"انطقوا بلفظة "حياتي" وأمسكوا دموعكم، ان الحب السعيد غير موجود"...
وتبعت الأعين الألفاظ في عقرد كان التجربة.
وانحنت فتاة الزاوية على المؤلف قائلة:
-قل لي أحق ما قصه علي السيد موريس؟
فضبط المؤلف في الحين نقطة هامة قائلا:
-لا ينبغي أن يقال السيد موريس بحضوري بل يجب أن يقال الأمير!
-حسنا، ان كانت هذه اللفظة تطيب لها نفسك فاستعملها... أحق ما قصه علي الأمير اذ قال
لي: انك تعرف أراغون؟
وانتظرت فتاة الزاوية جوابه وأمرت بالخمر. وكانت الاسطوانة مضجرة كالضوء الرقاص
الذي يشتعل وينطفئ باستمرار في مفترق الشوارع.
..."ولكم يلزم من حسرات في سبيل لحن من ألحان القيتارات."
-نعم أعرفه.
تنهدت الفتاة ثم تنهدت ثانية.
لله درها! ان فتاة الزاوية هذه لسيدة محترمة ماجدة. وقد كان المؤلف بذلك عليما كل العلم. ثم
تلفظت بهذه الكلمات، بهذه الكلمات البسيطة:
-مسكين هو !ما أشد توجعه وتألمه.
ولم يدل المؤلف بجواب على الفور. ترى من الشاعر الذي لا يتوجع ويتألم؟ ان الشعراء ناس
يتألمون حتى يصبحوا مرضى بآلامهم. إلا أنهم لا يشبهون البتة آلامهم كامل الشبه. ومن
النادر أن يكون الشاعر جديرا بقارئه تمام الجدارة.
-الحقيقة أنه لم يناجني بأسراره. والآن دعيني لشأني فقد أضجرتني في نهاية الأمر، ولقد
سئمت التفكير المنطقي فدعيني أتأمل...
ان آلام فتاة الزاوية تزورها كل ليلة فتدور وتدور بدون انقطاع في رأسها وعلى الاسطوانة.
-ورأى الراؤون ليلتئذ في شوارع الحي اللاتيني فكرة متحسرة.
وحوالي الساعة الثالثة صباحا استسلم المؤلف للنوم وكان سكران لا بيت فنام بشارع سان
جرمان قرب دكان بائعي الحيوانات المحنطة المحشوة تبنا.
وكانت غزالة محشوة تبنا تنظر إلى الليل من خلال واجهة الدكان البلورية وقد استغربت بلوغ
الليل من الحلوكة ما بلغ.
*درجة من درجات الضباط بالجيش الفرنسي يوافقها بالعربية "الملازم" أو القائم مقام.
*درجة من درجات الضباط بالجيش الفرنسي يوافقها بالعربية "الآمر."
صيغة لاتينية لعبارة بريك آبريك ومعناها كل أنواع التحف والأعلاق العتيقة. ( De Ericus a Eracum ) *أي
" *الأسرار الأخيرة" هي تلاوة يتلوها الكهنة الكاثوليكيين على رأس المحتضر وهم يمسحونه بالزيت المقدس المسحة الأخيرة.
*اشارة إلى أسطوانة من أسطوانات المغني الفرنسي المعروف جورج براسانس لحن عليها بعض القصائد للشارع الفرنسي
المشهور لويس أراغون من بينها قصيدة في الحب الشقي.
. *فالمي واقعة شهيرة بين الفرنسيين والبروسيين وتاريخها سنة ١٧٩٢
*اشارة إلى طاحونة كانت موجودة بفالمي اذ ذاك فبقيت رمزا على حماس الجمهوريين الفرنسيين وانتصارهم على غباوة
البروسيين وانهزامهم رغم تفوقهم في العدد.
"كان مولاي عاشقا بكل بساطة ولكن القفر هو الذي يعقد كل شيء..."
قرأت جيزال دوروك تلك الجملة لزوجها فقال:
- ولكن القفر هو الذي يعقد كل شيء. ترى ما العجيب في قوله هذا؟
فقالت جيزال.
- لا شيء.. لا شيء عجيبا فيه.
ولكن القفر هو الذي يعقد كل شيء. وكانت لوحة زرقاء الألوان من لوحات الرسام دوفي
معلقة على الجدار في سآمة وملل. وكانت هناك كتب كثيرة ارتفعت حتى بلغت السقف.
وكان الليل قد وقف عناك وكانت السآمة قد أفضت على الغرفة رائحة لا تطاق هي رائحة
الدعة المدلسة. وكانت جيزال دوروك مضطجعة على أريكة مستطيلة تطالع صفحة من
صفحات المخطوط ثم تضعه الى جانبها، وكانت نقط الانقطاع غالبة على الأشياء المكتوبة
بكثير.
وكانت جيزال تبحث في شبه ظلمة الغرفة على وجه المؤلف حتى اذا ظفرت منه بنظرة
أو هيئة جسدية ما، أو ابتسامة بالأخص سالت على خديها علامات تأثر مائع كأنه ماء
مسحور، فكانت تخلق بجميع حواس بدنها ذلك التاجر الفارع القامة البائع للرمال. فينقلب
الزمان الذي مضى وفات ويصبح شيئا مفقودا.
كانت عاشقة.
لقد اختارت السعة الطافحة، سعة المغامرة الناطقة، فكانت المأساة لذيذة الطعم. وصار
المؤلف دويا كدوي القطار في المفازة الخراب الحزينة. وكان المؤلف حاضرا معها هناك.
ان صور ترمل المرأة أو تعزبها كثيرة متنوعة.
وقالت في نفسها: جيزال يا بنيتي: ان أمرك قد انتهى".
ولكن التأثر كان يسيل على خديها وعلى صدرها. وكانت خطوط صورة كتفي زوجها
مرتسمة على جريدته، فكان كتفاه يبدوان لها كأنهما جدار قصير ثخين ودعي مضحك.
كالنصبة اللزجة الملمس المنصوبة في الطريق الرملية التافهة الطعم.
ان السنونو المتخلفة في أول عشيات الخريف لا تنظر إلى الصيف الراحل ولو نظرة
واحدة. ومع ذلك فان الرجل هو جان دوروك، جان دوروك قبل أن يتعود المنامة وبدلة
البيت والتليفون الفصيح والابتسامة الدسمة بعض الدسم. لقد أحبته في السابق وهامت به
وأما اليوم فقد أصبحت رفيقة غائبة تعاشر خيالا من الخيالات.
وكان جان دوروك يطالع صحيفة لوموند كل مساء وكان قد انبهر وخانته قواه من شدة ما
تملق المجد وسعى إلى ذيوع الصيت. وعلى ذكر الانبهار فقد كان مصابا بداء الخناق.
ولقد أعوزته خصلة لازمة هي عين ما يلزم لكي يصبح الانسان شيئا يذكر ألا وهي أن
يعرف كيف يكون لا شيء. وأن ينظر إلى الشارع وأن ينظر إلى السماء، وأن يتصور
السماء وقد زاحمتها الأرتال والتلاميذ في المدرسة، والحرفين الأولين من حروف الاسم
واللقب محفورين على القمطر الأسود. وأن يتصور البيت الخشبي في الريف وهو يرم
ضفتيه ويقضمهما قضما، أو نهر المسيسيبي وهو يصف جناحيه كالطائر، وساحة السوق
وبائع الثياب القديمة الميكانيكي، والشمس الملكية عندما يحل الزوال... أو أن يتصور ذلك
الشاطئ الحزين وقد غادرته البطاقات البريدية، وتلك الحسرة التي يلح البحر في خلقها من
جديد.. أو أن يتصور تلك القرية والأب العائش فيها المطمئن على الحصائد المخزونة
والحالم بصهر عامل ناشط مثله. وأن يتصور ذلك القارئ وهو ينتظر من الناس أن يؤلفوا
عوضا عنه رائعة من روائع الأدب، وأن يعبروا عوضا عنه عن الأمور التي يكتب له أن
يعيشها. وأن يتصور بالأخص قصور السخاء بالكلام وصلف الألفاظ، تلك الألفاظ التي
خلقتها ريح ماكرة في سبيل الأمل، في سبيل صبيحة برد وسلام بالحديقة المجددة، تلك
الألفاظ الشبيهة بالرمال والموجودة في هذه الجملة المقفرة، وان أرواها توهمها أنها تعبر
عن شيء ما...
من المستحيل على المرأة أن تحب زوجا لم يبق وفيا للصورة التي كان عليها ابان
مقابلتهما الأولى. ان الخيانة الزوجية لا تتمثل في تلك الفعلة المعروفة فليس الزواج هو
الذي يخان وانما المرأة هي التي قد غلطت.
لقد بلغت جيزال سن محاسبة النفس.
فلم تكن لحياتها موهبة وباع.
لقد كانت حياتها رواية قصصية من تلك الروايات التي يتقن أصحابها تحريرها وتركيبها،
رواية ليس فيها افراط في الادعاء ولا افراط في التواضع. كانت حياتها اندفاعة إلى الأمام
بدون هدف مراد، تشرق عليها الشمس من حين إلى آخر ولكنها خالية من كل شيء
باطني، ومن كل ما من شأنه أن يجعل الانسان قادرا على الحل والعقد. انهم يسمون ذلك
السعادة الزوجية. انه التوازن الراكد في مرافق الرفاهة التقريبية. لقد كانت حياتها كذلك
وليس شيئاً آخر أي لا شيء بالمرة.
لقد كان نصيبها في حياتها نصيبا يكفي بالضبط أو لا يكاد لكي تكون لها ذكريات بلى
ذاكرة، ولكي يكون لها بعض الأصدقاء وبضع صور التقطت أثناء العمل، ولكي يكتب لها
أن تتكسر ذراعها أثناء تعاطي رياضة الشتاء بالتزحلق على الثلج، ولكي يكون عم أبيها
أميرالا بالبحرية وابن عمها نائبا بالبرلمان. لقد كان نصيبها في حياتها نصيبا يكفي
بالضبط أو لا يكاد لكي تقول للناس "صباح الخير" فيردوا عليها السلام، ولكي تستطيع
مداعبة شعر ملائكي على رأس طفل كأنه ابن أحد الأمراء جميل كجمال الصور على
الرسوم المائية، ولكي تحكم على ابن أخيها بأنه قليل الأدب. لقد كان نصيبها في حياتها
نصيبا يكفي بالضبط أو لا يكاد لكي تنز غرفة الجلوس ذات ليلة سآمة وفراغا.
ان الانسان قد يشقى أحيانا لأتفه الأسباب، وقالت مدام دوروك في نفسها مرة أخرى:
جيزال يا بنيتي ان أمرك قد انتهى!
وكان زوجها قد انعزل في مكتبه يشتغل بدراسته الطريفة عن الكاتب لوتريامون وكان قد
اكتشف أن لوتريامون كان صاحب نظرية يمكن نعتها بكونها "اشتراكية صالحة" وكانت
الساعة توشك على الاشارة إلى العاشرة ليلا.
***
وفجأة شعرت جيزال بأنها في حاجة إلى مقابلة المؤلف، وكان المؤلف قد حدثها مرارا
عديدة عن خمارة السيد موريس الصغيرة. ليؤول المؤلف ذلك كما يشاء ولكنها كانت
تشعر برغبة شديدة في الخروج وفي رؤيته.
وارتدت ثيابها بسرعة ونبهت زوجها إلى أنها خارجة، فقال جان دوروك بلهجة من آمن
بالقضاء المحتوم:
- تريدين الخروج للتجول في مثل هذه الساعة من الليل؟ أفهل جننت؟
وأجابته جيزال بالاثبات مرتين.
***
كان الجو هادئا فوق باريس كما لو كان فوق ديكور ضخم في احدى المسارح المهجورة .
وكان الليل عديم الحركة. وامتطت جيزال سيارة أجرة فحملتها إلى الحي اللاتيني وقد
ندمت بعد على رغبتها في مقابلة المؤلف ترى كيف سيؤول ذلك؟ وبأية صفة ستذهب
لمقابلته فتقتحم عليه عاداته وعالمه؟ ترى كيف كذا؟ وسرعان ما وقفت السيارة بساحة
سان سولبيس وكانت الكنيسة القائمة هناك ضخمة جدا تنذر هيئتها السوداء بالخطر. ولم
يكن بالأزقة الضيقة أي دوي.
وأمت جيزال خمارة الأمير ودخلتها بدون تردد كان المقهى خاليا وكان السيد موريس
بصدد المطالعة بحذاء تليفونه ولم تهتد جيزال إلى معرفة الأمير فوقفت على عتبة الخمارة
محتارة لا تعي ما تقول، ولم يرفع السيد موريس عينيه بل استمر في المطالعة وقال حانقاً:
- أغلق الباب بربك.
فاعتذرت جيزال ثم أغلقت الباب وعند ذلك رفع الأمير عينيه الخبيرتين فرأى وجها لم
يكن يعرفه من قبل وقال في نفسه: "هذه امرأة ليست من الحي اللاتيني" ثم قال في نفسه
أيضاً: "ليست لا طالبة ولا مومسا هائمة على وجهها"، ثم قال في نفسه أيضا: "وليس من
عادتها أن ترتاد خمارة كهذه" وتنغصت نفسه لهذه الفكرة ولكنه أخفى ذلك، وفي النهاية
قال في نفسه: "ما عساها جاءت تفعل هنا؟"
كان السيد موريس كثير الأقوال الباطنية سريعها ثم ترك التليفون والجريدة وسألها منتصبا
كالقبطان على جسر باخرته:
- ما هي حاجتك؟
ولكن جيزال ظلت واقفة لا تتحرك ولا تتقدم.
وطفق السيد موريس يقهقه قهقهته العالية الصريحة والتي من عادته أن يعتذر عليها في
الحين ثم قال:
- لا تخافي فلن تعضك. وانها في الواقع لا تعض البتة.
وكانت الغزالة المحشوة تبنا تنظر إلىجيزال من قلب الكنتوار* بملء خطمها الدقيق
الحاد فقال السيد موريس:
- لقد أتقن صانعها صنعها حتى ليحسنها الناظر حية. أليس كذلك؟
وسمعت جيزال نفسها وهي تجيب كالصدى:
- نعم يحسبها الناظر حية.
ثم دنت من الكنتوار وشرح لها السيد موريس الأمر قائلا:
- ان اسم هذا الحيوان هو غزالة وليس معروفا بديارنا هذه بل أنا أتساؤل هل أن هذا
الحيوان موجود حتى بحديقة النبات والحيوان بباريس...
وفي نهاية الأمر سألته جيزال قائلة:
- من أين اشتريتها؟
فأجابها السيد موريس باعتزاز وبشيء من التفخيم في القول وهو يداعب الغزالة بيده
قائلا:
- لقد اؤتمنت عليها.
فقالت جيزال في نفسها: "ان استعماله لصيغة المبني للمجهول في قوله "اؤتمنت" لهو
ضرب من تأنق الآمر ولم تتجاسر على الالحاح في السؤال. ثم جلست وراقبت المحل
وسقفه الواطئ شيئا ما وجدرانه ذات اللون الأصفر القذر. اذن فهذا هو المحل...
وكان السيد موريس قد قدم لها كأسا من القروغ أي من خمرة الروم مشعشعة بالماء
السخين وبالليمون. فقالت له:
- شكرا أيها الأمير.
واهتز السيد موريس اهتزازا. فهو لم يكن يشك في صحة لقبه ومع ذلك فقد فاجأه ذكرها
اياه مفاجئة احمر لها وجهه احمرارا . فقال:
- أنت تعرفين، أنت تعرفين اسمي اذن؟...
ذلك أنه كان في الواقع مقتنعا كل الاقتناع بأن عبارة السيد موريس ليست الا كنية له.
واشارت جيزال إلى الغزالة باصبعها قائلة:
- هل سيمر على الخمارة هذا المساء؟ أم هل قد مر بعد؟
- لا لم يمر ولكنه لن يتأخر الآن فهذه هي ساعة مروره... والله أعلم بالحالة التي
سيكون عليها.
- انه يكثر الآن من شرب الخمر . أليس كذلك؟
ولم يدل السيد موريس بجواب ولكن نظره حدثها بالخبر ان نظرا كهذا هو السبب في كون
العين قد يكون لها حديث طويل أحيانا.
ثم قال السيد موريس:
- انه يكثر الآن من شرب الخمر اكثارا ما بعده اكثار. "وأنا لست أدري ما به الآن إلا
أنه يضرب جميع الأرقام القياسية في شرب الخمر. والرأي عندي- رعاك الله- أن
ثمة شيئا ما...
وتنهد ثم أعاد عبارته قائلا:
- نعم الرأي عندي أن ثمة شيئا ما.
وفعلا فقد كان ثمة شيء ما، كان ثمة شيء ما...
وعندئذ دفع الباب بعنف ودخل رجل أسود مترنحا والمؤلف وراءه. ولم ير الرجلان
جيزال على الفور وطلبا من الخمر كأسين من الكحول من نوع الباستيس وقال المؤلف
مخاطبا الرجل الأسود:
- أقدم لك الأمير يا "افريقيا الخالدة"!
وقبل افريقيا الخالدة الأمير قبلات عنيفة بلغت من العنف حدا كاد الأمير ينقلب له فيهوي
وراء الكنتوار. وكان السيد موريس قد سحب الغزالة من هناك على سبيل الاحتذار.
- لنشرب على نخب المدنيات المتظرفة! اسقني كأسا أخرى من الباستيس يا سيدي
موريس.. يحيا الشاعر ايمي سيزار* وتحيا الغزلان! ورقص الأسود وصفق له
المؤلف تصفيقا.
كان المشهد يبعث الأوهام المخيفة في النفس فقد كان الرجلان يحكيان تارة طلقات الرشاشات
وتارة يتكئان بمرفقيهما على الكنتوار وقد خارت قواهما. وأزلق السيد موريس بل حاول أن
يزلق في أذن المؤلف بأن سيدة محترمة كانت بانتظاره ولكن المؤلف كان لا يسمع ولا يستمع
إلى شيء البتة. بل كان ينتقل مع رفيقه من أشد المعانقات رجولية إلى حالات من الحنان
والاشفاق مؤثرة في النفس وان كانت ناتجة عن السكر والثمل.
- أعطني كأسا للغزالة ياسيدي موريس ولتزلزل الأرض زلزالها!
- ان يمينة لا تشرب الخمر.
سمع المؤلف ذلك فالتفت فاذا بها جيزال وقد آثرت أن تبتسم له. فلم يهتد إلى شيء سوى
أن يقول ويكرر:
- أنت هنا! ياللعجب! أنت هنا!
وابتدأت الرواية القصصية التي لم تكن بالحسبان.
صمتت الألفاظ وقد تأثرت بلغة الظروف والملابسات شديد التأثر. وكان المؤلف قد بلغ أقصى
حدود السكر ومع ذلك فقد كان واعيا كامل الوعي ولم يشك لحظة في آن جيزال دوروك قد
جاءت إلى هناك في سبيله هو ولم تكن نفسه لتزهو لذلك زهوا لا يجدي ولكن الخمر قد جعلته
يتجاسر على تقدير أهمية الأمور التي تخصه، ولذلك قال لها معجبا بعبارته:
- ان مشطتك قد لاءمتك كامل الملاءمة.
وكان افريقيا الخالدة قد انصرف بدون أن يودع أحدا. وكانت عينا المؤلف شديدتي
الاحمرار، وكان نظره قد هوى آنذاك. فلعلها الأخت كانت توبخ أخاها الصغير، أو الحب
جاء منذ الأزل عن طريق يد أم من الأمهات. وفجأة اختلطت هذه الأفكار على المؤلف ،
إلا أنه وجد فرصة فقال في نفسه:
ينبغي أن ننظر في هذه العناية وهذا العطف عن كثب..
ثم وقفت الألفاظ. وانقطعت الأصوات عن الوصول إليه. وكان السيد موريس متصعدا
شارع البولميش على جواد ملكي وكان دون كيخوته وحارس الدستور يتصافحان أمام
طواحين فالمي وكانت فتاة الزاوية تداعب شعر أراغون.
كانت جيزال قد وضعت يدها على يد المؤلف.
فقال المؤلف:
"بها" أي بتلك – التي – من أجلها- يقبل الانسان – الايمان، بتلك التي تكفي لتعمير القفر.
ووضع السيد موريس تلك – التي – من – أجلها – يقبل – الانسان – الايمان على
الطاولة. فرفعها المؤلف بلطف وقال لجيزال:
- اني أهبك غزالة.
ولم تكن حية بل كانت محشوة تبنا.
ومع ذلك فان أملا حاصرا كان يعدو متنزلا القفر.
كانت جيزال قد وضعت يدها على يد المؤلف.
فكانت واحة النخيل.
* الكونتوار مصطبة عالية من خشب أو غيره يقف وراءها صاحب المقهى أو الخمارة ويقدم عليها المشروبات للحرفاء
الواقفين.
وأما الغزالة الحقيقية فقد كانت تجري وتجري أعتق من النظر يشتد انعتاقها كلما مرت
اللحظات. لقد كانت هي الأفق.
ان في وسع الذين لا أسى في قلوبهم أن يسمعوا موسيقى الأمل الذاهب المذعورة. وليسد
الذين لا أسى ولا عشيات المقابر الوديعة ولا هدوء الأنهج العديمة النوافذ في نفسهم آذانهم
فلا شيء يقدر أبدا على اخماد هذا الدوي، دوي السباق الذي لا ينتهي ولا هذا المارطون*
الجنوني.
ان المتفائلين قد تضيق أنفاسهم، وان نبض الرجاء قد يقطع بايقاعه حبل الصبر تقطيعا.
وليس الانسان بقادر دوما على أن يكون سعيدا. اذ هو ينقصه التمرن، واذ السعادة ضرب
من عنيف الرياضات. ذلك أن الذين في قلوبهم أسى يرون الجدران الفاصلة قريبة منهم
والطرقات غير مؤدية إلى بعيد. انه المأزق الذي لا يؤثر في نفسه شيء. ان يوم الأحد
موجود دائما في مكان ما من الريف والحدائق المتروكة تسلم نفسها للسآمة من وراء
الجدار. لقد كان مولاي وغزالته هما الأنشودة السامية، وكانا مبارزة لا رحمة فيها في
أعماق الارادات. وكان معيار مولاي لتعيير نفسه هو مصيره أي حدود قوته، وكان عليه
أن يسترق سعادته أو ماكان يخاله سعادته.
وكان لهذا التحدي قامة الأناشيد.
ان الصحراء تجهل تخامل الموت ولا مبالاته اللذيذة والموت لا يشوش هدوء أحد البتة.
والصحراء قد كانت ومازالت كمينا ينصب. ان شساعتها وغضبها لا ينطقان بقوتها
الساحرة الفاتنة للألباب، انها تنتزع سطوتها من الأمور التي هي حدود ذواتنا. والصحراء
تلاطفنا من حين إلى آخر كالأمل المبعوث فتسوغنا الماء والفاكهة واليمام انها تحيط
الواحة فذلك ذود المحتفظين بها. ان الصحراء تهب كل شيء ولكناه لا تعطي أي شيء،
واذا غادرها الانسان شك في وجودها وفي واقعيتها بل وحتى في عدم واقعيتها أيضا.
كان المؤلف قد احتفظ بشيء من الرمل في علبة مزخرفة بدون مهارة، وكان قد اقتطف
ذلك الرمل كما يقتطف الزبد هناك حيث يشعر المرء دوما بأنه في جميع الأماكن في آن ،
وقد انقلبت تلك العلبة عدة مرات فانخفض مستوى الرمل وتصعد مستوى الحسرة والكدر.
وكان المؤلف يداعب الرمل بأنامله المرتعدة. فكان يفرك الأسف كما تفرك المسبحة، وكان
يداعب شعور الأوهام المستحيلة.
ذلك أن المؤلف قد عرف الصحراء قبل أن يدرس نفسه دراسة باطنية بكثير، وقبل أن
يحاسب نفسه محاسبة تثقل النظر، وقبل غرق السفينة بكثير. ومع ذلك فقد بقي نصيب من
الرمل في العلبة المزخرفة بدون مهارة، وكان المؤلف شديد الحرص على بقاء ذلك الرمل
ولم يعد دماغه الا عالما كله ثنايا وشعب.
***
ولما عاد المؤلف إلى مدينة الجزار على متن طائرة لم تكنأكبر حجما من فكرة من
الأفكار، ولما رأى الجدران والمنازل وعربات الترامواي الزالقة على سككها الحديدية
اللماعة تحت المطر، ولما قبله الصديق وسأله الصديق وما أدراك ما الصديق أينبغي أن
نعود اليه بالحديث. ولما استرجع المؤلف هيئة سائر البشر بعد أن كان قد تنكر في هيئة
المتمدنين فهم أنه لم يكن قد حلم ولكنه فهم رغم ذلك أن الصحراء لم تكن الا حلما. فلن
يتحدث عن الصحراء من ذلك الوقت فصاعدا الا في صيغة الماضي كالملاح اذا شاخ
وأخذ في الهذيان على الشاطئ الخصب. لقد فهم المؤلف أن عليه من ذلك الوقت فصاعدا
أن يتذكر وقد أصبح سجين خطاب منفرد آخر، والقفر يطارده وهو في رحمة الصحراء
إلى أبد الآبدين. وشعر بأن ما ظنه شيئا ما بين قوسين فقط قد انبسط على كامل الجملة.
ان ذلك الرمل الذي رجع به من الصحراء كان يسيل بين أنامله فكان حجته الوحيدة وكان
فيه يأسه كاملا. فقد كان القفر يحول بينه وبين سائر الناس وسيحول بينه وبينهم إلى الأبد.
ذلك القفر الذي سرعان ما تزيأ بزي الدور والقطران وجهاز الارسال والخوف والخوف
والأناشيد المهشمة والأثاث العصري.
وعند ذلك ابتكر الغزالة.
ابتكرها لغيره أي لنفسه.
***
لكل امرئ غزالته ولولا ذلك لخنقتنا أيام الأحد المليئة سآمة في بقعة ما من الآفاق ولانتهى
كل شيء ولماتت الزهرة ولانقطعت الزهرة عن الكلام.
ولما رجع المؤلف من الصحراء لاحظ له الصديق ملاحظة قائلا:
- أليس لك ما تحكي اذن؟
ولم يلح الصديق في السؤال الا أنه أضاف مع ذلك قائلا:
- هل علمت برجوعك؟
ولم يدل المؤلف بجواب مرة أخرى.
كان الجبل أحمر اللون بمرتفعات مدينة الجزائر وكانت الميناء متفرغة لأعمالها، وكانت
السماء هناك أشد زرقة من سماء الصحراء، وكانت المدينة نشيطة خفيفة الحركات.
- لا ان وريدة لا تعلم بأنني قد رجعت بل وحتى أنا فلست أعلم... ترى ما فعلت
بالزهرة اليتيمة التي بأعلى المتاريس؟
وترى ما فعلت بالوردة التي خلقت فوق القصيدة المدمرة وبالثلج النائم على الحجارة
الصدئة.
لقد كان الصديق يعرف الأحلام المرتسمة خطوطها على السحب المستعرة.
***
سأدخل مدينة تمقد* من باب تراجانوس* وسيكون الوقت ليلا والبدر منيرا وسيكون الثلج
ذا بريق فوق جبل شالية، وسأمشي نحو المسرح العتيق لأخاطب الأحلام. وستأتي تلك
الزهرة اليتيمة التي بأعلى المتاريس إلى هناك لتقابلني، وسأسلم على الحجارة الصابرة،
وسيتقدم موكب الفلاحين على البلاط الروماني ليتثبتوا في هوية ابنهم، وسيكون جميع
الفلاحين أمراء وأما أنا فسأقول:
- أيها الشعب! اني قد جئتك بالبذر الطيب، بذر البنفسج النابت الان والذي سينبت في
المستقبلعلى أرض جبل شالية وقد جئتك بالطفل الذي التقط في ظلمات شكي، وهأنا
ذا أهبك الغزالة المجلوبة من اليأس. سأدخل المدينة من باب تراجانوس ولقد اخترت
تمقد ، تمقد النائمة، تمقد الساهرة فهنا نفخت الرياح وهنا لم تنقطع الرياح وسيخرج
الضبع من باب تراجانوس وسأقول أنا:
- أيها الشعب! ولا تسخر قواك لمطاردة الضبع. ان الضبع سيلقى حتفه في السهل وفي
عزلته.
ألا فانظروا إلى الغزالة التي وهبنيها الله. سيكون لزاما علينا أن نجد سر الدفء بأن نبحث
عنه في قلوبنا، وما لم يدخل الشتاء قلوبنا فان البرد ذاته سيدفئنا. ثم هأنا ذا أقدم لك هذه
الزهرة اليتيمة التي بأعلى المتاريس أيها الشعب الشقيق. فاليك روحي وعينيها السوداوين،
واليك عيني وموسيقاي. انني قد سميتها "وريدة" لأتحدى النباتات الشائكة، وأنا أطلب منك أن
تباركني يا شعب الفلاحين، يا شعب الأمراء، وأطلب منك أن تبارك زفافي. فأنذا أعت الحمام
وأرسم اهداء على السماء. سيخرج الشقاء من باب تراجانوس وقد ذهب الشتاء وانصرف الليل
من باب تراجانوس.. ان المناجل قد حصدت الفجر على مدينة تمقد...
***
كان المؤلف قد بلغ سن العشرين وقد مر شبابه من خلال باب تراجانوس.
***
وكان المؤلف قد قال إلى الصديق يومئذ وكان بمدينة الجزائر ينظر إلى نفسه ففي واجهة
بلورية باحدى دكاكين نهج أسيلي:
- هل رأيت؟ ان رأسك قد شاب...
ها هي ذي يمينة التي كانت قيمتها عشرين ناقة بيضاء وقصيدا مقدسا. انها تتقدم نحو
مولاي تنظر اليه وجها لوجه ولكنها لا تراه لشدة تأثرها.
وها هو ذا جبل الكوكومن حارس الحب. ونحو الشرق ها هي ذي المقبرة المتيقظة قريبة
جدا.
وها هي ذي القلتة* في منتهى الواحة، وها هو ذا الكثيب وقد بقيت عليه آثار الأطفال
الذين أمضوا العشية كلها ينطون وينقلبون عليه. ان عيني القلتة عينان خضراوان. وها هو
ذا النخيل منتصبا حرسا شرفيا، وها هو ذا أحد البستانيين يغني في بقعة ما من واحة
النخيل وقد وصلت ريح المساء أي "ريح البحر"* إلى مكانه ذلك. لقد اخترقت ريح المساء
القفر. وها هو ذا منتهى الأرض. بل انه مكان أبعد من منتهى الأرض بكثير.
وها هي ذي يمينة تقول:
- صباح الخير يا سيدي.
وها هو ذا مولاي يجيبها:
صباح الخير يا بنيتي.
ثم هاهو ذا يقرأ الخوف على صفحتي يدي محبوبته وهي تقص عليه نبأ كاباش ونبأ
الليوطنان ماسون ونبأ العنكبوت الشريرة المثابرة.
وها هو ذا مولاي يقود نظره كما يقود شاحنته وكما يوجه خطاه في الليل مهتديا بآثار
أطواق العجالات المطاطية تقوم له مقام الطريق.
وها هي ذي الفكرة تخطر بباله فجأة بديهية ضعيفة: "أن ينجب طفلا" نعم أن ينجب طفلا
من يمينة فيضع بين العنكبوت وبين الذبابة نحلة الاستمالة. وتور مولاي مدة لحظة يمينة
وهي حبلى. ان يمينة لطفلة. فكيف تنجب الأطفال أطفالا؟
ولكن ينبغي الذود عن الحب بل وينبغي انجاز الحب.
ولكن يمينة قد قالت له:
- سيدي...
ولكنه قال ليمينة.
- بنيتي ...
ولكن ذلك لا معنى له ولا خطر اذ ينبغي عدم المبالاة بالألفاظ والتغلب على الحياء. يجب
تأخير حدود الفكر إلى أن تتاخم التضحية القديمة الخالدة. ولكن ها هي ذي الفكرة تتلعثم
فلا تتيسر لها الألفاظ الموافقة للمقام. وها هو ذا مولاي ينظر إلى الأميرة الصغيرة
وبخنقها الأحمر يحيط بعنقها، لقد اشترى لها ذلك البخنق ذات يوم بمدينة طرابلس وكان
مستوردا من مصانع حرائر مدينة ليون بفرنسا. الا أنه لم يكن أحمر وفاتنا حقا الا حول
عنق يمينة ولو وضع سوى ذلك من المواضع لبدا من نوع الثياب التي لا قيمة لها. وأما
هنا، عند سفح جبل الكوكومن فانه كان وشاحا بديعا تملكه أميرة زرقاء. ولكن الفكرة
تلعثمت فلم تتيسر لها الألفاظ.
اذن فلا ينبغي الكلام. اذن ينبغي انتظار الليل. ان الليل كان نصوحا في كل زمان وفي
منتهى الزمان بالخو وفي منتهى الأرض بالأخص.
ينبغي الانتظار حتى ينقطع اليمام عن السجع وينام في فلوس النخيل الدافئة. لا ينبغي
الكلام لأن الفكرة تلعثمت فلم تتيسر لها الألفاظ، ولأن في وسع الفكرة أن تستغني عن
الألفاظ كل الاستغناء. وستتكلم الضفادع التي في القتلة فتعوض كلام الفكرة التي احمرت
لها جبهة مولاي حياء. وستقص السواقي لبعضها بعض قصة المنابع. وستدل خشخشة
أوراق النخيل المتحاكة على موافقة السماء. وسيقول البستاني السوداني البعيد جدا
والغارق في غابة النخيل والسابح في الحنين ان قاربه المتخذ من جذع شجرة مخفور قد
رجع بالقمر، وان شبكته قد رجعت بنجوم أشد حقيقة من نجوم السماء. وسيتكلم الليل،
الليل الكامل فتعوض اختلاجاته المتنوعة كلام الفكرة.
وها هو ذا مولاي وها هي ذي يمينة وقد أبحا حلما من أحلام الليل.
وها هو ذا مولاي وها هي ذي يمينة ينظران إلى الجريد.
وها هي ذي يد مولاي تلامس الوشاح الأحمر وتداعب نهد الأميرة الزرقاء.
وها هي ذي يمينة تنطق بالألفاظ التي عجزت الفكرة عن العثور عليها. وتقول في بساطة
وهي تحل عقدة بخنقها:
- سأعطيك طفلا يا مولاي أما أنت فستهبني غزالة.
وها هي ذي تقول عند حدوث المعجزة:
- أحبك.
ان فعل "أحب" في اللغة العربية فعل تعجز الفكرة عنه.
المارطون اسم بلدة يونانية وفي عرف الرياضيين أصبحت اللفظة تدل على نوع من السبق على الأرجل طويل المسافة •
٤٠ كيلومترا عادة) وسمي كذلك لأنه كان يقع في اليونان بين مدينتين مارطون وأثينة. )
تمقد: هي بلدة جزائرية فيها أنقاض مدينة رومانية أنشأها تراجانوس وهو امبراطور روماني من مواليد اسبانيا عاش بين •
سنتي ٥٢ و ١١٧ بعد المسيح.
القلتة: لفظة دارجة في لهجات شمال افريقيا ومعناها الغدير الصغير. •
هكذا بالعربية في الأصل الفرنسي. •
ولم يخرج الليل من باب تراجانوس وكانت الهموم مرابطة على الاصداغ الشمطاء، ولم
يهتد المؤلف إلى معرفة هوية أخيه ذلك الشخص الذي كان يطلق عليه اسم الصديق والذي
أصبح له الآن اسم آخر.
ان الأبدية لتمر محملة بجميع ما نتمنى التعبير عنه فلكاننا في المنام. انه الاحتيال
والشعوذة! فقد تبدل ديكور المسرح وأصبحت الأضواء باهرة لا تحتمل. ان المسألة ليست
مسألة جغرافية فحسب ولم تبق مسألة هندسية. فليس المسافة بين مدينتي باريس والجزائر
ألفي كيلو متر، وانما الذي بينهما هو أربع سنوات من الحرب، وغير مجد سؤال الناس في
هذا الصدد فليست القضية قضية سياحة وترحال ولم تعد الأرتال تنطلق لمجرد متعة
الانطلاق.
لقد فقد نظر الصديق انعكاساته البنفسجية التي كانت تصبغة بلون من ألوان فتنة الأنوثة.
وأصبح نظره يبدو كأنه منفل عن محيطه. انه نظر راحل، أجل انه راحل هو الآخر.
وبينما كان المؤلف نائما ذات صباح اذ طرق الصديق بابه. وكان الفجر يحمل نظارات
من سفط وقد خط الشيب صدغيه بعد.
- كنت أظن أنك قد مت. فلأمس الخشب* حتى لا أصيبك بالعين!
- مس جبهتك اذن*.
إن الضحكة لم تتغير. لا، لم تتغير البتة. ولأمس الخشب على كل حال...
- لا، ما أنا الا عابر سبيل هنا.. لا، بل جئت من مكان آخر. لا، بل أنا قاصد مكانا
آخر...
ومع ذلك فقد كان هذا الرجل صديقي وكنت أعرف جميع شؤونه الشخصية، وكنت أنشده
ما لم أكن ابتغي نشره من أبياتي الشعرية. وكان عليما بما في قلبي، وكان عليما بأحلامي،
وكان الشخص الوحيد القادر على فهم معنى ابتساماتي ومعنى الزهرة اليتيمة التي بأعلى
المتاريس صحيح الفهم. وكان الشخص الوحيد العالم باسم الجريدة التي لم تكن تقبل نشر
جميع كتاباتي. ولقد تنغمنا معا بنفس الأغاني بصوت خافت، فكنت أتقن النغم أكثر منه
ولكنه كان يتقن النص أكثر مني. لقد كان الصديق المبالي والصديق الخبير. فترى ما
الجدوى في قص القصة؟ ان الصداقة امتياز لا يحظى به المر الا في زمن السلم.
- وأنت، كيف حالك...
ان الانسان ليخشى الالحاح على نفسه بل وأكثر من ذلك فقد يتكلم بصوت خافت خشية أن
يوقظ في نفسه أصداء لا يعلم شأنها الا الله. ذلك أن الماضي يكون بصدد استراق السمع
من وراء حجاب، وقد يحسب أن المرء يناديه فيدخل عليه اذ هو لا يتحين الا تلك الفرصة
ولو فعللوجب اعادة كل شيء من أوله.
- وأنت، كيف حالك؟
- أنا؟ لا بأس علي...
نعم ان الانسان لا يفرط عادة في الالحاح على نفسه بل يفكر بصوت خافت ، وقد ينبغي
للانسان أحيانا أن يحب حبا جما لكي يتسنى له عدم التجاسر على النظر الى صديق من
الأصدقاء وجها لوجه.
ان هذه القصص لا يكون زمن الحال مصيبا فيها أبدا. وقال الصديق هذا القول البسيط:
- أتفهم؟ لقد أخذ الجو يتعكر فيما يخصني.
وفهم المؤلف حق الفهم فهز رأسه في رصانة.
ان الحرية هناك، انها عند منتهى الدهليز، أجل انها عند منتهى الدهليز.
ولكن ذلك بعيد جدا، بعيد جدا جدا. واذا اجتاز الانسان العتبة، نعم اذا اجتاز العتبة ألفى
نفسه في النور، ولكن في نور يرى فيه أملا منبوذا على قارعة الطريق وما النفي الا
الأمل المنبوذ على قارعة الطريق.
فقد كان ينبغي ذكر قصة مدينة الدراسة وشهادة البكالوريا المضايقة للنفس كتلك المفاتيح
الغليظة التي اذا وضعتها في جيبك انتفخت لها هيئته وفسد رونقها، وينبغي ذكر تلك الليلة
قرب مدينة كان بجنوب فرنسا، وتلك المقابلة القصيرة وذلك الطايور* الذي أفرط الخياط
في اتقان تفصيله وتلك النظرة الخضلة والشفة الجافة. لقد انطلق القطار، أجل لقد انطلق
...
ان الانسان ليشعر أنه في عنفوان الشباب عند نزو المطر. لقد كانت الكتب دائما على
صواب في ذلك العهد، وكان الواحد منا فصيحا يتكلم كما تتكلم الكتب. وأما الله فقد كان
في مكانه لم يغادره بعد.. ثم كان ينبغي الحديث عن الأخ الذي قتل بمقاطعة الألزاس
بشرقي فرنسا، وعن القبر اليتيم القائم عند سفح الجبل العفن.
ولكن الصديق قد فهم ما ينبغي النطق به وما ينبغي الصمت عنه.
ان الصمت لثخين كثخونة الكلام.
- قد أذهب إلى المانيا...
إلى ألمانيا؟ ومد المؤلف أذنه. إلى ألمانيا؟ ان المانيا قريبة جدا في ذهنه.
ان تذهب إلى ألمانيا أكلفك بقضاء حاجة.
- هل لك معارف بألمانيا؟
إن المؤلف يجهل أن ألمانيا آلاف الآلاف من الألمانيين والألمانيات. بل قل أنه أصبح لا
يعرف ذلك. وماذا يعنيه من أسماء الأنهج وأسماء المدن؟ ان صديقه راحل. ان صديقه
هارب والناس يطاردونه انه يجري ملاحقا ذلك النور الذي الرائي عند منتهى الليل عند
منتهى الدهليز، ذلك النور الذي لا بد أن يكون كريستوف كولومب مكتشف أميركا قد رآه
من أعلى صاري باخرته الأمامي ومن أعلى نفاذ صبره. ان صديقه يلاحق الحرية
ويلاحق تلك الغزالة الخائرة القوى على الطريق الرملية. والناس يطاردونه. انه قاصد
ألمانيا ويكفي المؤلف أن يكون صديقه قاصدا ألمانيا. فقال المؤلف للصديق:
- من السهل جدا العثور على حاجتي ومن المستحيل أن تخطئها. فسترى منزلا وطيئا
بألمانيا، منزلا قائما عند جذوع شجر الأرز العريض النابت في أعماق واد أخضر
ميمون، ومن عادة الخطيب في هذا المنزل أن يهب خطيبته صليبا من العاج ومن
عادة الخطيبة فيه أن تهب خطيبها ساعة من ذهب. ويطالع الفجر النساء في هذا
المنزل ولما ينسجن ضفائرهن الثقيلة الشقراء بعد. وفيه يصغي الناس إلى كلام
الشيوخ. سترى أنه من اليسير كل اليسر أن تجده بألمانيا عند جذوع شجر الأرز
الباسق وبمنتهى الوادي الأخضر الميمون.
- وترى من عساني أن أنادي في هذا المنزل؟
- ناد الفراشة من قبلي
ولما لم يضف الصديق شيئا قال له المؤلف مؤكدا:
- اعلم أن ما ذكرته لك أمر موجود.
ان الصديق يعرف حق المعرفة أن ذلك أمر موجود. فعدم دقة العنوان لا يفيد أنه لا يوجد
بأعمال الوديان وعند جذوع شجر الأرز الكبير فراشة تقطن منزلا وطيئا.
ثم ذهب الصديق.
ولن يشتري المؤلف جريدة في المستقبل أبدا اذ هو يخشى أن يعلم أنهم قد أوقفوا ذلك
الرجل الذي يلاحق الحرية وهو يحمل رسالة إلى الوديان الخضراء.
تستعمل عبارة مس الخشب في الفرنسية اذا أراد الانسان الاتقاد من شر العين. فهي اذن توافق قولنا في تونس "خمسة •
وخميس" أو "تبارك الله!" أو "عيني ما تضره!"...
ضرب من الكناية يستعملوناه ممازحة اذ مفاد العبارة "اذا أردت مس الخشب فعليك بمس رأسك" والرأس اذا كان من •
خشب كان عندهم كناية عن الحمق والبلادة.
الطايور: توع من أنواع لباس النساء يتركب من جزئين: جزء أعلى شبيه بجاكيتة الرجل ونصف أسفل يدعى جيب •
يحيط بحزام المرأة ويتنزل إلى ركبتيها.
ان المرأة لا تحب صامتة أبدا والا فان صمتها يكون صمتا ناطقا فوق اللازم فاضحا
لأمرها.
وكان المؤلف عليما بما في قلب جيزال ومع ذلك فانه تجاسر فقال لها:
- لقد فتحت النافذة يا جيزال.
وكانت تلك هي أول مرة يخاطبها فيها فيناديها باسمها الصغير فقط.
وكانا متكئين بمرفقيهما على سترة قنيطرة صغيرة من خب كانت تتخطى قنال سان مرتان
يقوائهما النحيفة الرقيقة. وكان رصيف فالمي يبسط مجارة أرضه الحزينة على ضفة نهر
السين وكان المؤلف كثير التردد على ذلك الحي من باريس الكائن وراء محطة الأرتال
المعروفة باسم محطة الشرق، فكان يجد فيه دعة ناشطة وضجيجا خصيبا، اذ عمال ذلك
الحي ليسوا عمالا عصبيين . وكانت القوارب المسطحة تنزلق على النهر فيرتفع مستوى
الماء ثم ينخفض، وسرعان ما كانت تبتعد في نوع من السحر وكانت المقاهي خالية. ان
الجو هناك يكون دائما جو م بعد الزوال.
وكان المؤلف يتحدث وهو لا ينظر إلى جيزال بل إلى الماء، إلى الماء الذي لم يكن بسائل
والذي كان مع ذلك ذاهبا. وكان أزواج من المتعاشقينجالسين على مقاعد مستطيلة
بالحديقة الصغيرة الضيقة الواقعة على رصيف جماب وكان الملاحون لا ينظرون إلى
المتعاشقين ولو نظرة واحدة. وكانت السفن النهرية المسطحة ثقيلة.
- وأنا هو تلك النافذة يا جيزال.
ثم ردد تلك الكلمات فاصلا بينها في النطق:
- أجل يا جيزال دوروك إن النافذة هي أنا.
ولاحظت المرأة أنه لم يتلقظ باسمها الصغير فقط.
وهكذا فان قصة حياتها أصبحت مكتملة بمجر استعماله لاسم زوجها.
ثم تحدث المؤلف حديثا طويلا قال:
- لقد ضاقت أنفاسك في الداخل، وضاقت أنفاسك في الباطن. ولقد كنت تعرفين بيتك
بالعمارة وكنت تعرفينه فوق اللازم فكانت نفسك تضجر له. ان الثورة تبتدئ
بالضجر. وعندئذ فتحت عينيك والنافذة ولكنك لا تسكنين بالطابق الأول وليس فتح
النافذة بحجة كافية لكي يلقي الانسان بنفسه منها..
وكان صرير السدود التي على القنال وغليان الما يعززان كلامه ويوقعانه توقيعا. ولم يعد
المتعاشقون هناك جالسين على مقعد مستطيل بل قد أصبحوا في السماء، أصبحوا في القمر او
في الشمس أو في النجوم.
وكانت جيزال تشعر بالبرد ومع ذلك فان الطقس لم يكن باردا. فقد انقطع النور عن التعبير
عن فصل الشتاء بعد وزاد طول النهار. وكانت عدة علامات يعجز القلم عن وصفها تنبئ
بقدوم الربيع. ومع ذلك فان جيزال كانت تشعر بالبرد.
ان في استطاعة الألفاظ أن تدبر الفصول تدبيرا فتحدث المطر أو الشمس. في ذلك اليوم كانت
الألفاظ قد أحدثت المطر.
- ان حبك لا يحترمني يا جيزال...
ان المؤلف لم يقل دوروك فكانت جيزال اذن هي المسؤولة الوحيدة، ولم يلتزم الا قسم
واحد من مصيرها. ان الناس يسمون ذلك القسم شطرا* ولعل المؤلف كان مصيبا اذ
اعتبر أن حل مشاكل السيدة دوروك ومشاكل قفر السيدة دوروك ليس بيديه. فابتسم
ابتسامة قاسية متألمة وقال:
- قولي لي بربك فيما بيني وبينك. هل تعتقدين أن لي وجه غزالة؟
ان الانسان اذا أصيب بصداع في رأسه اكتفى بقرص واحد من أقراص الاسبرين.
وكانت جيزال دوروك مصابة بألم في قلبها.
ان الحياة لا يوجد فيها ابن السلطان الذي في القصص يا جيزال دوروك. ولن يوجد ذلك
فيها أبدا، ولكن الحمد لله أن كان لأختك ثلاثة أو أربعة أطفال. وأما صاحبنا فانه يبيت مع
لوتريامون وينام مع لوتريامون وهو لا يفكر بواسطة لوتريامون ولا يفكر في لتوتريامون
بل يريد أن يكون هو أي جان دوروك مصيبا بشأن لوتريامون وما لوتريامون الا تعلة في
الواقع.
ثم ان هناك منزلكم الريفي الواقع بقرب مدينة مونميليان وهناك الجبل القاسي ونهر
الايزار وسيكون نهر الايزار قذرا دوما وستكون العطل كئيبة دوما. ان مدينة مونميليان
العتيقة لكالحلزون الميت عند سفح جبل لاسافوايارد. ثم ان هناك أيام الآحاد والقيل والقال
وأحاديث النميمة. ففلان قد انتهى أمره وفلان قد استدعانا للعشاء.
وأنظن أن الحظ سيسعفه فينال جائزة قنكور الأدبية؟
وبالله عليك لا تحدثني عن الكاتبة فرانصواز صاغان.
ولو علموا برأي في الجزائر...
ولكن اعجب ! ويالعجب هذه الطاقة الكامنة كاملة لا تشوبها شائبة، ان قلبي لطافح
بالحنان... وأنت هل تؤمنين بالأدب! أما زلت تؤمنين به؟ لقد كان ينبغي عليك أن تتركي
الايمان بالأدب أيتها الصديقة العزيزة لا سيما وقد بلغت من السن ما بلغت. ان الحدائق
خالية من الزهرة اللطيفة الساذجة والمتعنة في الوجود والمتفائلة تفاؤلا ضعيفا، كتلك
الزهرة التي نراها في تصاوير المصور الكاريكاتوري جان ايفانل مرسومة في الحدائق
بأسفل الصورة وعلى يمينها.
وسألته جيزال بصوت خال من كل رنة كالليلة الخالية من النوم فقالت:
- أتذكر تلك الليلة اذ وضعت يدي على يدك فتركتني أفعل ذلك وسمحت به فلماذا؟
فجا جوابه رائع التركيب.
- لأنني لا أرفض يدا تصافحني ابدا.
وكانت الأفكار تختلج في رأس جيزال ثم سمعته يقول لها:
- لا ينبغي على المرء أن يصدق ما تقوله اليد البتة.
- بقد كنت أعتقد أن يدك قد كتبت...
فقاطعها المؤلف فجأة قائلا.
- انك تعرفين حق المعرفة أن المرء لا يكتب بيده.
فوقع جوابه عليها وقع السوط.
ذلك أن جيزال لم تتبين شجاعة المؤلف ونزاهته.
لقد كان يحترمها احتراما لم يكن في وسعه معه أن يكون لها كالواحة الصدفية في صحراء
الاتفاق. لقد كان هناك قريبا جدا وبعيدا كل البعد وكان متكئا على نفس السترة معها ولكنه
كان قد ارتحل بعد الى ضفة أخرى.
وكان لا يسأل عن أي شيء ولا يحسن المطالبة بما لا يحسن عطاءه من الأمور وكان
يعرف أن فعل عاش فعل بطولي. وكان يجيل تفاؤله المر على الملاحين وعلى رصيف
جماب وعلى المتعاشقين وعلى سطوح باريس . ولم تكن السعادة في متناول يديه ولو
كانت كذلك لعرقلت كيفية رفعه ليده يحرث بها الأمل.
فقال بصوت لطيف جدا:
- فيما بعد، فيما بعد ستأتينا الغزلان.
وكان يعرف أن الحب قد يكون حلا من حلول السهولة والكسل، وضربا من ضروب
المخدرات أحيانا.
- ان الله ، لو دريت يا جيزال، هو الحل الوحيد.
ثم أتمم فكرته مبلبلا لبال مستمعيه.
فقال بلهجة الاقتناع وبصوت رجع إليه فجأة نوع من الثقل الساذج.
- انني ، لو دريت، كثير الايمان بالغزالة أجل كثير الايمان بها.
ونزل الليل على رصيف فالمي فأخذ قنال سان مرتان في الاستراحة. واجتمعت الأسر في كل
مكان.
وعند ذلك أصبح الموقف رائعا كل الروعة. وحوالي الزوال فهم مولاي أنها النهاية وأن
كل شيء قد انتهى وأن كل شي كان على وشك الانتهاء.
منذ ثلاثة أيام خلت بينما كان بين فور فلاتارس وفور لالمان عن له أن يعرج فيمر بما
كان يطلق عليه اسم مقبرة المقابر.
وكانت مقبرة المقابر هذه ضربا من المخيمات الغريبة كان الموت مخيما فيه ازاء قمة أحد
الكبان، وكانت كالمدفن الجماعي المكشوف نصف كشف. وزعموا أن جماعة من
المساكين كانوا قد هاجروا طرابلس منذ عشرات السنين فرارا من مزايا حكم موسولينو
فحدثت لهم أمور لا يعلمها الا الله. فقد كانوا راقدين هناك الواحد على الآخر في فوضى
هلعهم. وكان الناظر يرى جثثهم على الرمل فلا يحتاج إلى كشطه أو حفره لكي يعثر على
أباريق صغيرة زرقاء مجعولة لتهيئة الشاي، وقلائد من خزر وقربا متشققة. وأبعد من
ذلك بقليل كان الناظر يرى بالخصوص جانب وجه احدى الفتيات كاملا أو يكاد، وكان
شعرها مرفرا بالقرب من جمجمتها كأنه عشب وهمي، وكان قسم جسدها المغروس في
الرمال قد فسد وتعفن أكثر من القسم الآخر. وكان مولاي لا يسهو البتة عن المرور من
هناك قبل مواجهة الكثيب المعروف بكثيب أوحانة.
وكان لا يفهم معنى هذا الضرب من الحج فلم يكن يفعل ذلك حبا في الاطلاع، وكان يبعث
الحياة في تلك الفتاة الصهباء الشعر بدون أن يشعر. فكان يتصورها وهي تشرب اللبن أو
تعجب بقلادة من تفه. ان طفلة القفر كانت تلاحق القصائد. وكانت تبدو وحيدة صغيرة جدا
ولكن ذات بال وخطر. وهناك كان المشحم ينقطع عن الضحك، وهناك كان البحر بحرين
والموت موتين والصمت صمتين.
وبعد ذلك كانت الشاحنة تبتعد عن ذلك المكان بسرعة فقد كان من الواجب الابتعاد عنه
أكثر ما يمكن، وحط الرحل كعادتهما كل ليلة إلى جانب كثيب من الكثبان يحرسهما .
وقلق مولاي بعد مضي بضع ساعات عن مفارقته للفتاة الصهباء الشعر لأنه لم يعثر على
آثار أطواق العجلات التي كان من عادته أن يستعملها دليلا على السير. ولما لم يجدها
وجه سيارته مسرعا نحو الشمال الغربي وكان المشهد هناك أليفا لديه مفرط الألفة اذ
كانت جميع مشاهد تلك الجهة متشابهة متماثلة، وكان أفق القاسي طويل وهو ثغرة تشق
العرق الشرقي الأكبر محجوبا حجبته ضبابة خضراء. وأما محرك الشاحنة فقد كان يدور
على ما يرام.
وكان المشحم قد عاد إليه انشراحه فكان يلفظ من مكان إلى مكان عبارته الغليظة "عندك!"
أي "انتبه" كأنه كان يريد أن يتحدى السماء والرمال. وحاول مولاي أن يجد الآثار بأن
يقاطعها فأخذ يلتوي في سيره التواءات واسعة ولكن بدون جدوى. غير أن نفسه لم تتبلبل
لذلك بعد. وكانت الفتاة الصهباء الشعر تغني في المحرك. فكان صوتها يحاكي صوت
يمينة من حين إلىآخر.
ومرت العشية ونزل الليل جميلا معتدل البرودة أولا ثم أصبح شديد البرد فجأة وبدون
فصصل. وهيآ الشربة كعادتهما ولكن مولاي رفض في تلك الليلة الغليون المعطر بماء
الورد اذ قدمه له المشحم. فكانت تلك هي أول مرة يرفض فيها مولاي الكيف* ولم يكن
في الحقيقة ممن يبالغون في تناوله.
***
ولكن المؤلف كان يقول:
ها هي ذي وريدة الآن. ان شعرها الأصهب قد نبت في الرمال. انني اسميها وريدة وهي
وردة حمراء. ان الدم لا تمحي آثاره من على الرمال. وكنت أنا قد شربت اللبن وعددت
النعاج، وكنا نحصد النجوم وكانت أمي راضية. ان مولاي يجهل ذلك ، اذ ذلك سر بيني
وبين الرمال. لقد كنت أحلم بمخطوط يمتد من طمنراست إلى ورقلة ومن الهقار إلى
تاسيلي اليزجر لقد كنت أشعر بنفسي مطمئنا في أسطورتي ومطمئنا في سن العشرين.
لقد كنت أشعر بنفسي مطمئنا في نظراتي.
ثم رأيت مدينة قسنطينة في وقاحة نبلها. وتبينت الهدنا ورأيت الأوراس ففهمت البنفسج
وفهمت العفنان. لقد رأيت مدينة الجزائر نائمة ورأيتها حالمة ورأيتها مستيقظة. لقد سلمت
على أطمار الأمراء وابتسم لي الأطفال، ولقد دخلت مدينة تمقد وهي نائمة فولجتها من
باب تراجانوس ولكن وريدة لم تعد تريد وضع يدها في يدي، ولم تعد تريد مصاحبتي،
وعبثا أقسمت لها بأن النجمة التي كنا نراها فوق المسرح الروماني العتيق يمكن أن نراها
أيضا هنالك في غير هذا المكان، ويمكن أن نراها في كل مكان. فان وريدة لم ترد أن
تضع يدها في يدي ولم ترد مصاحبتي.
وعند ذلك أخذ مولاي في الأمل في سبيلي.
***
ومن الغد نهض الرجلان في الصباح الباكر جدا، وصعد مولاي فوق الكثيب بينما كان
المشحم يهيء الشاي.
ولم يكتشف نظر مولاي من أعلى الكثيب شيئا ما عدا قمم الكثبان الأخرى القائمة في
الأبعاد إلى ما وراء حد الصبر.
فاعترف لنفسه قائلا:
- لقد ضللت الطريق وأخطأت الممر.
وأما علي فلم يقل شيئا وكان لهما من وقود المازوت ما يكفي لمسيرة يومين ومن الماء
كذلك.
ان الله لعظيم.
وكذلك الصحراء.
***
وعند ذلك أصبح الموقف رائعا كل الروعة.
الرأي عندي أن الموت قد لزم الآن. فالنظر لم يعد يفهم ما يرى صحيح الفهم. ان ذلك
لكالفيلم السنيما توغرافي الرديء جدا. وكان ذلك حقيقيا كحقيقة الموت. وكانت السماء
تمطرهما بسميذ أحمر وباللعنة وباللانهاية المتفتتة فتاتا من الشقاء. ولم تعد الشاحنة تصلح
لأي شيء. ولم يعد أي شيء يصلح لأي شيء. فقد شربا الماء السخين الماء الأجاج، الماء
الصدئ الذي في مبرد المحرك. وعزفت الموسيقى في رأسيهما. ان الانسان اذا حلت
ساعة موته أصبح لا يفهم ما يفعله من الأمور. ولئن كانت طفلة القفر تلك الفتاة الصهباء
الشعر موجودة هناك تمد لهما اللبن الحامض باردا شهيا، فان ذلك كان حلما من الأحلام
الجميلة التي لا يمكن أن توجد في الحقيقة. فليس لها محل من الاعراب هناك.
وفيما يخصها فهي حية ويمكن للمرء أن يراها هناك بقرب الشاحنة التي من نوع لانصيا
فيشاهدها وهي تحرك بخنق يمينة وقد نثرت ابتسامتها في الماء. ولكن المشحم كان لا
يرى أي شيء فكان يقول أنه لا يرى شيئا. فقد انقطع علي عن الضحك وعن الصياح.
وكان يجتر فكرة واحدة الا وهي "أن يشرب.. أن يشرب.. أن يشرب..." انها فكرة ثابتة
ثبوتا غريبا، انها ثابتة في حلقه وفي أحشائه ثبوتا غريبا. وكانت عينا المشحم مستديرتين
كما لو خطتا بالبركار، ولم يعد له الا عيناه، ولم يعد الناظر يرى منه الا عينيه: لقد فقد
وجهه.
"أن يشرب!".
ومن يدري ؟ لو فكرا في الله وطلبا منه ماء ، فمن يدري لعل الله يسعفهما به أليس الله
بقادر على الاتيان بالمعجزات، وأليس الله على كل شيء قديرا. ولكن المشحم ومولاي
كانا مشغولين عن التفكير في الله. فقد كانا عطشانين ولم تخامرهما فكرة الابتهال إلى الله
بل كانت فكرتهما الوحيدة هي أن يشربا. ان فكرة الابتهال إلى الله لا تخامر الا الذين
يموتون في فراشهم والذين يعرفون كيف يموتون هم الذين لا يعوزهم شيء في الحياة اذ
يصبح الموت اذ ذاك في متناول أي كان. وعلى من يبتغي الموت ألا يكون مجنونا.
"أن يشربا!"
ينبغي أن أشرب قبل أن أموت. فالموت شيء بسيط ولو اقتضت الحال لرضيت بالموت
ولكن بعد الراب انه الفخ الخبيث الماكر...
هناك الآن شاحنتان عند سفح الكثيب بل ثلاث شاحنات بل مائة بل قطيع كامل من
الشاحنات وها هي ذي ترعى جميعا شعر طفلة القفر الأحمر، وها هي ذي الشمس طغت
على كل مكان وخاصة على البطن ، وها هي ذي بعض الطيور الزهراء اللون الناطقة
بالعربية تغني وتزقزق.
نعم ان ثمة في الأرض طيورا تنطق بالعربية، بل وثمة أيضا شاحنات محملة بالثلاجات،
بل وثمة أيضا مظلات واقية من المطر مصنوعة من سكر.
وهام الرجلان على وجهيهما كامل تلك الليلة وكامل الليلة الموالية وكامل الليلة الموالية
للموالية الأخرى. لقد هاما على وجهيهما أثناء عشر سنوات بل لقد هاما على وجهيهما منذ
الأزل.
وكان المشحم يجتر فكرته في عناد وحزم وعزم كان يتذوق طعم الثلج. ان بعض الباعة
في مدينة ورقلة يبيعون ثلجا مجروشا ممزوجا بالليمون، نعم، ثلجا مجروشا وليمونا
يبيعونهما في كؤوس صغيرة، نعم ثلجا مجروشا وليمونا يأكلهما الناس بمغارف صغيرة!
فماذا إذن ...
لا شيء إذا...
وحاول مولاي أن ينهض. اذ لم يتفطن إلى أنه كان يمشي على أربع. ان ثمة وراء مركز
مدير الناحيةحديقة بها حوض من الماء.
فماذا اذن!
لا شيء اذن...
بلى، ان الشمس قد شاهدت آلافا من مثل هذه الحالة بل وأتعس منها. لا، ذلك خطأ محض
اذ أن الشمس لم ترد شيئا شبيها بهذه الحالة قط.
ليقل القائلون ما يشاؤون ولكن غزالة جاءت فوضعت خطمها الحاد على خد مولاي ولعلها
كانت غزالة حقيقية، بل لعلها كانت غزالة حقيقية ليست بحقيقية. ومهما يكن الأمر فان
السراب لا يتكلم.
ونظرت الغزالة إلى مولاي فمد مولاي يده وقال:
- هل جئت ليمينة؟ قولي، هل جئت ليمينة؟
وفكرت الغزالة طويلا قبل أن تجيبه ثم قالت:
- لا ، بل جئت لك أنت.
ثم قال:
- ان صوتك شبيه بصوت يمينة.
ثم قالت:
- لا ، بل أنت تسمع بالأذنين اللتين تسمع بهما اذا كانت يمينة معك.
ليقل القائلون ما يشاؤون ! فلعلها كانت غزالة حقيقية ولعلها كانت غزالة حقيقية ليست بحقيقية.
ولكنها قالت:
- لك أن تأخذني معك ان اردت.
ولكنه قال:
- نعم أنا أريد ذلك. فستكون يمينة سعيدة اذا كان لها غزالة وولدا و بخنقا...
فماذا اذن!
لا شيء اذن...
لا! لا تفعل هذا الشيء! لا! لا تفعل هذا الشيء ذلك أن المشحم كان يهم بقطع عروق
معصمه. لقد كان ظمآن فاشتهى أن يشرب دمه. ولكنه لم يكن لديه من القوة ما يكفيه لقطع
عروقه. فقد سقط سكينه على الرمل وكان سكينا صغيرا. فقال:
- مولاي! افعل أنت ! افعل بربك!
ليس في استطاعة أي انسان أن يرفض شيئا ما تطلبه عينان كتينك العينين. لقد وجب مديد
المساعدة للمشحم.
لقد وجب تناول المسدس ووزنه أطنان.
لقد وجب تخفيض زر الوقاية. لقد وجب الدنو من المشحم.
لقد وجب الكف عن الايمان بالله وعن الايمان بالبشر وعن الايمان بالثلج والليمون اللذين
في الكؤوس الصغيرة، وعن الايمان بحوض الماء الذي في حديقة مركز مدير الناحية.
قال المشحم:
- مولاي! أتوسل إليك بالله! افعل..! نعم ، افعل..
وكانت تلك آخر كلمات المشحم ولم تظهر على وجهه علامات دعة الآخرة المعتادة. فلعله
بقي عطشان حتى في حالة الموت.
***
وأصبح مولاي وحيدا.
ورجعت الغزالة ونزل المطر في رأس مولاي فكان فتاتا من المطر ومن موسيقى
الفلامنكو. ان استفزاز قطرة واحدة سائلة وليست بدم من هذا الجسم المنهوك ليتطلب
جميع مطر الدنيا. ومع ذلك فقد جاءته دمعة من حيث لا يعلم الا الله ، وكانت واحة النخيل
وكان البخنق الأحمر وانتصبت عند سفح جبل الكوكومن امرأة دقيقة الجسم مطموسة
الملامح.
وكانت يمينة قد قالت له ويداها الدقيقتان على بطنها الدقيق الذي ما زال أملس:
- سأسميه مولاي مثلك.
ودنت الغزالة من مولاي.
ليقل القائلون ما يشاؤون! فلعلها كانت غزالة حقيقية ولعلها كانت غزالةحقيقية ليست بحقيقية.
ومهما يكن الأمر فان ما كانت تلك الغزالة ترويه لمولاي كان أمرا حقيقيا وألفاظا حقيقية من
كلام الغزلان.
- من الجنون يا مولاي أن يريد الانسان اقتناصي. يجب الايمان بي لا مطاردتي. من
الجنون يا مولاي أن يريد الانسان اقتناصي...
وأنهى المؤلف كلامه هكذا:
" لست أدري اكانت هذه الغزالة حقيقية أم غزالة حقيقية ليست بحقيقية. ومهما يكن الأمر،
فانها قد أسفت على كلماتها عندما رأت مولاي يصوب نحو نفسه السلاح الذي كان قد
عتق به المشحم".
الشطر كناية عن الزوجة بالنسبة إلى الزوج وعن الزوج بالنسبة الى الزوجة لأن كليهما يشاطر الآخر حياته. •
الكيف: لفظة عربية عامية تدل على جميع المدخنات التي تثير في مدخنيها حالة من النشوة والطرب. •
كانت يمينة تنظر إلى الليل النازل وكان جبل الكوكومن ينظر إلى يمينة وكان بطن يمينة
مستديرا بعض الشيء. ولكن لم يكن الناظر يلاحظ استدارته لأجل الجبة الزرقاء، ولكنه كان
مستديرا بعض الشيء على كل حال.
لقد شبكت يمينة يديها على بطنها الصغير المستدير فكانت فخورة ثقيلة.
وكان النظر يبلغ إلى ماوراء جميع الآفاق، والقلب ينطلق إلى أبعد من الطريق الرميلة. ولم
تكن الطريق الرميلة تقص أي شيء.
وكان النظر يبلغ إلى ما وراء جميع الآفاق، والقلب ينطلق إلى أبعد من الطريق الرملية. ولم
تكن الطريق الرميلة تقص أي شيء.
وكانت المقبرة عليمة بالأمور فكانت تعرف الأمور التي كانت الطريق الرملية لا تقص
قصتها. وكانت النجوم تعرف ذلك هي الأخرى ولكن النجوم لن تبوح بشيء. لقد كانت الجملة
جملة تختلج مشغولة البال على أول صفحة من صفحات العالم.
كانت مشغولة البال كالبطن الصغير المستدير.
- ان كان ذكرا سميته مولاي...
ثم قالت بعد فترة من الصمت:
- وان كان أنثى؟ نعم ان كان أنثى ؟ اسميها؟ سأسأل مولاي عن ذلك. فهو بكل شيء
عليم...
فقد أصبح مولاي الآن عليما بكل شيء. فكان يعرف لماذا تنبت الشعور الصهباء في الرمال،
وكان يعرف ما تعرفه الطريق الرملية الخالدة ولا تريد روايته، وما تعرفه النجوم ولن تقوله
ليمينة.
ليمينة التي كانت تعرف أن بطنها الصغير قد استدار.
وذات ليلة اعترى المؤلف خوف شديد وكان قد غادر الناشر منذ لحظة وجيزة وكان جالسا
عند السيد موريس يشرب في هدوء كؤوسا من الروزي، وكانت الحانة خالية وكانت حجرات
السيد موريس الخاصة متصلة بقاعة الحانة الخلفية، وكان منهمكا في تحرير كلماته المتقاطعة
المؤبدة فلم يكن الانسان يرى سوى جمجمته الصلعاء الضارب لونها إلى البنفسجي وآلة
التليفون التي لم تخاطب أحدا قط. لقد اعترى المؤلف خوف شديد ولن يكتب له أنيعرف أبدا
هل كان في يقظة أم منام. ومهما يكن الأمر فقد رأى...
***
رأى في نهج قصير النظر سيدة ذات عينين مستديرتين لا تتحركان كأنهما حبتان من العنب
الحامض، سيدة ذات عينين مستديرتين لا حرارة بهما تغشيهما نظارات مستديرة، لا حرارة
بهما كأنهما غلان من أغلال الأيدي.
لقد رآها تخترق النهج القصير النظر وتؤم دكان الجزار ودكان بائعة الأبازير والغلال تحملها
رجلان بيضاوان. أريد كستيلية* خروف صغيرة، كستيلية واحد مشحمة شيئا ما. وأريد اثنتي
عرة عجينة من نوع الرافيولي وأجاصة واحدة لا اثنتين. وما الفائدة في أجاصتين فأنت تعرف
حق المعرفة أنني عائشة بمفردي منذ أن توفي زوجي. دعيني أسترجع أنفاسي فأزفر زفرة
من أجل هذه القفة المشبكة والثقيلة فوق طاقتي. ومع ذلك فهي زفرة تنقسم لها القلوب، وأن
يقسم الانسان قلبه أسهل عليه من أن يقسم أجاصة نصفين. لا، لم يمت في الحرب بل مات في
السلم. انهم يدفعون لي جراية طفيفة، ولعمري انه من الواجب أن يستمر الواحد في الحياة بعد
موت الآخرين... "ليون" كان اسمه ليون اللهم الا اذا كان أرتور ومن عادتي في فصل الشتاء
أن أضع في فراشي بعض الآجرات السخينة وزجاجة بها ماء سخين. فقد كانت رجلا ليون
تجمدان من البرد دوما. مسكين آرتور.. سيدتي، كم علي أن أدفع لك من النقد؟ سيدي، كم
علي أن أدفع لك من النقد؟ ففي قضاء الديون محافظة على الصداقة كما يقول المثل...
وخرجت السيدة من دكان الجزار، وخرجت السيدة من دكان بائعة الأبازير والغلال. يالتلك
الكستيلية من تحفة، وأما الأجاصة فبالله خبريني عن طعمها بعد أكلها. ترى متى أصبحت
الغلال تبتهج لكونها لذيذة الطعم وتسعد اذ تأكلها سيدة ذات رجلين بيضاوين؟...
لا فائدة في الالحاح فلندع هذا الموضوع. ووقفت السيدة ذات العينين المستديرين أمام دكان
خاص ببيع الكتب فتفوهت بهذه الجملة التاريخية:
- كم من كتب! كم من كتب! ان أرتور فيما يخصه لم يكن يطالع إلا الروايات البولسية.
وأما ليون لا بل أرتور... وفي الحقيقة فانني لم أقع في الخطيئة الا مرة واحدة ولكني
أعترفت بها لدى الكاهن.
- سيدي، كم سعر هذا الكتاب؟
- أي كتاب؟
- سأهبك غزالة.
- انتظري، انتظري فلننظر في دفتر قائمة الكتب آه! ها هو ذا! سعره سبعمائة فرنك يا
سيدتي...
فقالت السيدة ذات الرجلين البيضاوين في نفسها والعياذ بالله ما أغلاه! فكستيلية الخروف
الصغيرة لا يضاهي سعرها سعر هذا الكتاب وكذلك الأجاصة...
والعياذ بالله ما أغلاه! وهو على ذلك كتاب بدون صور ومكتوب بخط دقيق، دقيق غاية
الدقة...
ان "سأهبك غزالة" كتاب بدون صور.
***
ومهما يكن الأمر، فقد رأى المؤلف.
رأى عند فرانو دي ليزيو وليس عنده أي في بيته بل حواليه اذ حواليه معناه عنده، فقد
رأى المؤلف هناك سادة وسيدات كانوا يكثرون من الكلام بل ويستعملون نقط الانقطاع في
كلامهم.
- أتعتقد ذلك؟...
- بل أنا واثق منه كل الوثوق!...
- أما وأنك تقول أنك واثق منه...
- ولكن الأمر واضح كوضوح الشمس يا عزيزتي، نعم كوضوح الشمس...
- وهو ، هل يعلم ذلك؟
- من يدري لعله على علم به...
رأى المؤلف سادة وسيدات كانوا يستعملون هكذا كثيرا من نقط الانقطاع في كلامهم.
- ان فقرك يا عزيزي...
- ضم فاك والا!...
- لله ما أشد حساسية هؤلاء العرب!
وحملق فرانصو دي ليزبو بعينيه حملقة الغاضب المتوعد:
ليس من اللائق يا بني أن تقول "ضم فاك والا..." لكاهن من الكهنة حتى ولو كان كاهنا
تقدميا.
وأضاف فرانصو دي ليزبو مبتسما:
- ان كتابك يا بني مكتوب له الرواج. أ أنت سامع، نعم مكتوب له الرواج. وأنا أحترم
صحراءك فاحترم جوي الآفاقي.
ان كلامه كان صحيحا اذ كل ما كان يحيط بفرانصوا دي ليزبو كان ينتسب الى الجو الآفاقي.
وتصور المؤلف كتابا يجوب الأزقة ليكتب له الرواج كالمومس تجوبها لترويج بضاعنها.
***
ولقد رأى المؤلف ذلك الانسان الذي اسمه أي اسم كان؟ ولعله رآه بمدينة ليل بجنوب فرنسا أو
لعله رآه بمدينة لوزان بسويسرا وكان ضاجرا سائما. فلم يكن اسمه بارزا البروز الكافي،
فكان قفرا ضيقا كل الضيق محدود غاية الحد. كان قفرا مصنوعا في المصانع. وقد حلت
السرة منه محل الواحة.
وفي الواقع فان الناظر لم يكن يشاهد في ذلك القفر الا هذه السرة. وكان ذلك الانسان يتعاطى
السياسة، واذا تحدث المرء عن مسيحي مؤمن حق الايمان فانه لا يقول عنه انه يتعاطى
المسيحية لان المسحييين في جملتهم لا يزعمون أنهم يسوع المسيح، ولم تكن الصحراء عند
صاحبنا قضية حياة أو موت ولا مسألة نخيل ورمال، وانما كانت عنده منطقة من مناطق
النفوذ. وأما الغزالة فلم تكن عنده الا حيوان من ذوات الأربع قوائم ولم يكن المهم سعر الكتاب
بل محتواه.
- ذكرني بعنوان الكتاب الذي أشرب به علي.
- "سأهبك غزالة".
- كتاب كتب في سنة ١٩٥٨ ولا ذكر للبترول فيه! انها فضيحة.. كتابك والريح سواء،
أتسمعني هو والريح سواء.
لقد كانت لأنفاس ذلك الانسان رائحة هي رائحة البترول.
وكان المؤلف يعرف أن الريح موجودة بالصحراء أيضا.
***
ثم دخل الصديق أحد دكاكين بيع الكتب القائمة هناك بالمانيا. ذلك الصديق الذي كانت
همومه مخيمة على صدغيه وطلب الكتاب. وكانت غردا أي الفراشة تعمل بذلك الدكان
بائعة من البائعات. فجميع الناس يعرفون حق المعرفة أن الاودية الميمونة خرافة لا جد
فيها وأمر لا وجود له.
وقرأ الصديق الكتاب وأما غردا أي الفراشة فانها لم تقرأ الكتاب اذ كانت لا تحسن
الفرنسية. ولو علمت من كان مؤلفه لقرأته على كل حال ولفهمته بدون أي شك.
وأما الصديق فقد غضب غضبا شديدا فكتب رسالة هذا مطلعها:
"ترى ما وظيفة هذه الأشخاص الدخيلة في روايتك. ان شعبنا المكافح لا يقيم لغزالتك أي
وزن ولا يأبه بخرافاتك الخاصة بالهارمونيكا وبالروزي وبصاحب الحانة الذي سميته
أميرا..."
ولم يقرأ المؤلف رسالة صديقه حتى نهايتها فقد شعر بيد توضع على كتفه وسمع صوتا
أليفا لديه يقول له وسط أسراب من البوم المتطايرة.
- ان الليل على وشك اغلاق باب تراجانوس وقد نفذ صبر البواب، وأما الشعب الذي
استدعيته إلى هنا، شعب الفلاحين والأمراء فانه لم يأت. ذلك أن الشعب مشغول الآن
بأمور أخرى...
***
وحركت اليد كتف المؤلف الناعس تحريكا أقوى من ذي قبل اذ كان السيد موريس يقول له
بصوت لطيف جدا:
- ولكن فيم تبكي؟... اعتذر يا سيدي ولكنني على وشك اغلاق الحانة فلا تبك يا
سيدي.. وكانت تلك هي أول مرة يخاطب المؤلف فيها مستعملا لفظة سيدي.
فقد بدا للسيد موريس فجأة أن استعمال عبارات الألفة والوداد قد أصبح في غير محله أمام تلك
الدمعة المجهولة السبب الغامضة المعنى عنده، اذ هي قد خرجت من حلم من الأحلام فسالت
على الواقع.
* كستيلية: لفظة دارجة بشمال افريقيا ومعناها ضلع الخروف أو العجل وما عليها من لحم.
- لا ، لست هازلا يا جيزال.
كان الصوت خافتا لطيفا والألفاظ دقيقة الحجم بسيطة كأنها نقشت على صفحة الاقتناع.
فتعجبت لذلك الجدران.
وبدا لجيزال وجوب اعادة النظر في كل شيء، وبدا لها أنها لم تعد تفهم شيئا وأنها لم تفهم
شيئا قد فيما مضى.
اذن فذلك أمر ممكن الوجود!... لقد كان ذلك التعجب ضربا من عدم الاحترام، ومن كسل
الفكر ولكن كان ضربا من عدم الاحترام أولا وبالذات.
ان عدم الاحترام كامن في اعتقاد الانسان أن غيره شبيه مماثل له. وان الاجتهاد لضرب
من الحياء والكياسة وكذلك الصمت.
وبدأت المرأة الشابة كلاما قائلة:
- كنت أعتقد أن...
- ان اعتقادك ليس اعتقادي يا جيزال.
- مستحيل!
وكان المؤلف يعرف حق المعرفة أن لفظة مستحيل ليست لفظة أدبية، وكان يعرف حق
المعرفة أنه كان مصيبا ولكن ترى كيف يمكن له أن يفسر الأمور بدون أن يعززك وحدته
وأن يتدرع بها. ذلك أن الألفاظ والكلام لم تقرب الشقة بين شخصين من الأشخاص قط. اذ
كلما وجد المؤول وجد معه التأويل. وكثير ما تكون المحادثة بين شخصين مجرد سوء تفاهم
جنوني وتأويلا باطلا لنياتهما الخفية.
- أنا آسف جدا على أنني لست بموسيقار...
- دع الهزل من فضلك.
ولكن المؤسف لم يكن هازلا يا جيزال دوروك.
فلعل الموسيقى تصلح هنا ولعل استعمالها كان ييسر له التعبير فيصبح في امكانه أن يقول
فيعرب... في حين أن الألفاظ اذا تاهت في الطبيعة كالأطفال الهاربين من الدرس، واذا
ارادت أن تطير طليقة مستقلة بنفسها كانت المصيبة العظمى وفسدت القضية كلها. ومثل
الألفاظ كمثل اللسان اذ من الأصوب أن يبقى داخل الفم والا انعدم الجد تماما. فيا للألفاظ
من رسول تافه...
فالانسان يحسب أنه يتكلم وما هو في الحقيقة الا يجعجع ولا طحن.
- ان الموسيقى هي عين الحقيقة وليست من الأمور التقريبية!
وكان المؤلف يرى الموسيقى. فيشاهد سنونوات جاثمة على خيوط تلغرافية مكونة لسلم
موسيقي عجيب.
وقالت جيزال في نفسها:
- انه مجنون جنونا.
وحاولت أن تفسر له القضية قائلة:
- ليس لك الحق في فعل ما أزمعت عليه فمن اللازم أن يبرز هذا الكتاب... ألم تفكر في
مستقبلك المهني*؟...
التفكير في المستقبل المهني! لم يكن المؤلف مولعا بالألفاظ التي في معناها اشتراك، ولم يكن
يستعملها في كلامه. ومن النادر أن يتلاعب بالجمل فتعبث جمله اللهم الا اذا تعبت من التفكير
ومن الاجتهاد في التعبير عن معنى من المعاني فأجازت لنفسها فترة من الراحة. المستقبل
المهني! ورأى المؤلف صخرات حمراء وانفاقا محفورة في الحجارة الدامية، ومقبرة يهودية
ممتدة في مكان ما فوق حيه، وعربات صغيرة قائمة على سكك حديدة، وإلى جانبها بعض
المحافظ المدرسية... ما كان ينبغي على جيزال أن تفوه بمثل تلك الكلمات فقد كانت عاشقة
وكانت اذا عشقت فقدت حذقها ودهاءها.
- انك مجنون جنونا ما بعده شيء.
انه لكلام يقال.
وابتسم المؤلف في كآبة كما كان يبتسم أمام المشاكل الحسابية في عهد دراسته الثانوية.
فقد كان لا يفقه من الحسابيات شيئا ولذلك فقد كان يبتسم أمام الورقة لعجزه وقهره الجهل.
وأما أمام البحر فلم يكن من عادته أن يبتسم لأن البحر أعظم وأعقد وأد تشعبا من المشاكل
الحسابية، ومع ذلك فقد كان يفهم البحر وكان يبتسم أمام مشكلته الحسابية. فالصمت أولى
في مثل هذه الظروف الخاصة، ولأن يصمت الانسان هكذا معناه أن يقدم ورقة فارغة في
امتحان الحياة.
- ألم تشعر بأنك قد أصبحت مجنونا جنونا ليس بعده شيء.. وتفعل هذه الفعلة في عين
الوقت الذي استعدوا فيه لتصفيف الحروف ولطبع الكتاب!
لقد كان المؤلف في الحقيقة رشيدا كل الرشد.
- أما قلت لك يا جيزال انني قد رأيت سيدة ذات رجلين بيضاوين وجماعة من الحمق
يحيطون بفرانصوا دي ليزبو وانني قد رأيت هذه الرسالة بالخصوص...
وكانت الرسالة هي التي دفعته بالخصوص إلى عقد العزم على ما عزم.
ان الرسالة رسالةحتى ولو كان الانسان في المنام، اننا نسمي الضمير مناما بكل بساطة وذلك
لكي نجتنب التكلف واللغط. ثم قل لي بربك ما عسى أن يكون وقع عبارة "الزهرة اليتيمة التي
بأعلى المتاريس" في نفوس الغير؟ وترى ما حاجتي إلى أن أروي القصة فأقول لهم انها لم
تجيء للميعاد ذات يوم فحل الشتاء بعد مضي ساعتين عن عدم مجيئها، وأمام كشك بيع
الجرائد الكائن وراء دار الفلاحة؟... وباب تراجانوس؟ قل لي بربك ما هو محله من الاعراب
في هذه القضية؟
ان بلاد المؤلف بلاد تلتحف فيها النساء بالخمر. وليس ذلك من باب الحياء فقط بل ذلك من
باب التفنن في الأناقة أيضا. اذن فتصوروا بالله خرافة حافية عارية معروضة على تلك الحالة
في احدى واجهات الدكاكين البلورية. ينبغي أن يكون للانسان الحق في اختيار قرائه.
***
وتصور المؤلف اشهارا هذا نصه:
سأهبك غزالة
ممنوع على الأرجل البيضاء التي تحب كستيليات الخرفان.
وممنوع على من يحيط بفرانصوا دي ليزيو.
وممنوع على الأشخاص الذين يعتقدون أن الغزالة حيوان من ذوات الأربع قوائم.
وممنوع على الأصدقاء الذين...
ممنوع على الأصدقاء الذين...لا، هنا لا سبيل إلى ذلك. فلعل الأصدقاء الذين يعتقدون أن
الشخص الفلاني والشخص الفلاني أشخاص دخلاء في الرواية، وأن قصص الغزلان لا تهم
شعبا يكافح على صواب. ولعلهم على خطأ اذ الشعب يكافح في واقع الأمر من أجل الغزلان
وآلات الهارمونيكا. ان انتهاز المناسبات في الأدب لا يؤدي دائما إلى الجودة والاتقان.
وينبغي ألا يحاسب المؤلف إلا أشخاصه.
***
واسترجع المؤلف مخطوطه ثم انتصب واقفا وبقي لحظة مركوزا أمام جيزال كالعود الحائر.
***
كانت جيزال مولعة في صباها بجني التوت في أشهر الصيف الجميلة وبحديقة منزلها الكائن
بقرية صغيرة تدعى سان بيار – سوسى واقعة بالقرب من مدينة مونمليان.
وكانت التوتات بنفسجية اللون طرية جذابة ولكن الشوك كان يحرسها ويحميها. وذات يوم
خدشت جيزال جميع وجهها ويديها الدقيقتين فساعدها العم ميشو على الخروج من الشوك الذي
وقعت فيه. وأخذ يغسل لها جروحها بالحوض وهو يقول لها هذه العبارات التي لم تفهم معناها
الا بعد مضي ثلاثين سنة:
- لعنة الله على ابليس! أهكذا تفعلين بنفسك يا جيزو. في حين أن العين ترى الشوك
أكثر مما ترى التوت.
***
وانصرف المؤلف حاملا مخطوطه معه.
ولم يتردد المؤلف في اجتياز عتبة المكتب.
وكادت جيزال أن تناديه وتجري وراءه، وأغلق المؤلف الباب كما يغلق الانسان الكتاب.
. مدينة "آكس – آن – بروفانس" ١٩٥٨
* إن للفظة كاريار المستعملة في النص الأصلي معنيين: ١- المستقب المهني. ٢- مقطع الحجارة أو غيرها. وقد تعذر علينا أن
نجد في العربية لفظة يكون في معناها مثل هذا الاشتراك.
تمت
__
  • ملف العضو
  • معلومات
حسن الصباح
مستشار
  • تاريخ التسجيل : 23-12-2006
  • الدولة : الجزائر
  • المشاركات : 2,967
  • معدل تقييم المستوى :

    15

  • حسن الصباح is on a distinguished road
حسن الصباح
مستشار
رد: سأهبك غزالة للروائي العظيم مالك حداد
01-08-2007, 02:24 PM
السلام عليكم
جميلة جدا و رائعة

مررت لأسلم أعليك أخي أسامة كيف حالك ؟
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية روان علي شريف
روان علي شريف
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 11-04-2007
  • الدولة : وهران الباهية - الجزائر-
  • المشاركات : 2,550
  • معدل تقييم المستوى :

    15

  • روان علي شريف is on a distinguished road
الصورة الرمزية روان علي شريف
روان علي شريف
شروقي
رد: سأهبك غزالة للروائي العظيم مالك حداد
02-08-2007, 03:12 PM
شكرا لك يا سعد ايها المتوهج على هذا النقل الذي سيستفاد منه كل الاعضاء.
رحمك الله يا حداد.
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية جلول رفيق
جلول رفيق
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 27-04-2008
  • الدولة : الوطن العربي
  • العمر : 32
  • المشاركات : 1,289
  • معدل تقييم المستوى :

    13

  • جلول رفيق is on a distinguished road
الصورة الرمزية جلول رفيق
جلول رفيق
عضو متميز
رد: سأهبك غزالة للروائي العظيم مالك حداد
19-04-2009, 02:24 PM
رائع ما خطت انا ملك اخي اسامة سعد
"الإرهاب أن نرى الذل والظلم أمامنا ولا نحرك ساكنا
أن نرى العدالة تحطم أمامنا ولا ننهض ثائرين في وجه
وحوش الدولة"

لا مُكحلةلا سيف مسلـول *** ثائر من غير ســــــلاح
بالكلمة يصنع أسطــــول *** قبطان فالشّعر مـــــلاّح
مالمرّ يسقيك معســــــول *** حكيم في لمعاني جرّاح
هذاك (رفيق جــــــلول) *** شاعر من الـــزّاب لاح
للشاعر أبو أسامة 19/09/2009 سيدي عقبة

http://montada.echoroukonline.com/sh...721#post604721
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم


المواضيع المتشابهه
الموضوع
شئ غريب ؟؟؟
ماذا نفعل إذا خالف الحديث الصحيح المذهب المالكي ؟
وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة هو مذهب الإمام مالك
الساعة الآن 11:08 AM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى