الوعي و الوجود
13-11-2021, 02:16 AM
يعتقد البعض أن الدماغ، و هو المادة الرمادية التي تسكن الجمجمة، و وزنها يبلغ في المتوسط كيلو غراما و نصف هو المسؤول عن معرفة العالم من خلال العمليات الكهروكيميائية التي تجري بداخله لتدير الأعمال الحيوية الميكانيكية للكائن الحي من جهة، كالحركة و امتصاص الطعام و تحويله إلى طاقة مفيدة و طرح الفضلات الناتجة عن الأكل والشرب ... إلى آخر ما هنالك من أعمال لا غنى عنها لاستمرار الحياة، و لإنتاج الوعي اللازم لمعرفة العالم الخارجي و التفاعل معه من جهة أخرى.
يتكون الدماغ من فصين: أيمن و أيسر، لكل منهما وظائف تختلف عن وظائف الشق الآخر سواء أكانت هذه الوظائف ميكانيكية تتعلق باتصال كل منهما بأعضاء الجسم، أو شخصية تتعلق بأنواع المهارات و طريقة أداء الكائن الحي للأعمال المختلفة و تكوين الرأي و الشخصية، و إن كانا يتكاملان في عملهما معا.
في الدماغ عدد من الخلايا العصبية يقارب عدد نجوم المجرة، أي أكثر من مئة مليار خلية عصبية، تعمل هذه الخلايا مع بعضها بشكل متكامل لتحدد معالم الأنا التي تميز شخصية كل فرد منا دون أن يكون لهذه الأنا موقع محدد في الدماغ، يمكن تشبيه هذه الخلايا بحاسوب (CPU) يقوم بكافة الأعمال الحسابية و الفكرية إضافة إلى الأعمال الإنسانية و العاطفية التي لا يستطيع الحاسوب القيام بها.
لو غصنا في أعماق بنية هذه الخلايا العصبية لوجدناها مثلها مثل دقائق مكونات المادة الأخرى تتكون من ذرات، و الذرات بدورها تتكون من الكترونات و هادرونات و ليبتونات ... بنسبة 1% و ما تبقى من هذه البنية الدقيقة لا يعدو أن يكون فراغا يشغل بنيتها الذرية بنسبة 99.9%، تنتشر مكونات الذرة في الدماغ على شكل أمواج من الطاقة لا يمكن أن نحدد موقعها بل يمكننا فقط معرفة احتمال وجودها في مكان ما دون الآخر، وفقا لمبدأ هايزنبرغ 1 . يتفاعل الوعي مع دقائق المادة بطريقة عجيبة فيتأثر بها و يؤثر فيها، ففي تجربة الشق المزدوج نجد تداخل الوعي مع مجريات التجربة بشكل لا يقبل الجدل، إذ يتخذ الإلكترون طبيعة الكتلة عندما يخضع للمراقبة، بينما يتخذ طبيعة أمواج الطاقة فيما لو سهونا عن مراقبته 2.
إذا لم تكن مادة الدماغ التي تتكون من الخلايا العصبية و لا مكونات هذه الخلايا من الدقائق الذرية الدنيا هي التي تحدد الوعي لأن المادة لا تصنع وعيا و فاقد الشيء لا يعطيه، فكيف ينشأ الوعي إذا؟ يعتقد العلماء أن الوعي ليس بظاهرة تقع في الدماغ بل ظاهرة ناتجة عن النشاط الذي يجري في الدماغ، يمكن تشبيه ذلك بالموسيقى التي تطلقها أسطوانة التسجيل عندما نديرها، فنحن نقول تجاوزاً أن الموسيقى موجودة على الأسطوانة مع أننا لا نجد على الأسطوانة سوى خدوش و أخاديد، وهكذا فإن الوعي لا يمكن أن نحصره في منطقة معينة، بل هو نتيجة تكامل عمل مليارات الخلايا العصبية في الدماغ أما تجارب حياتنا كل يوم فهي المسامير التي تثبت ركائز الوعي. و بمناسبة الحديث عن تجارب الحياة اليومية يجدر التنويه إلى المرونة الفائقة التي يستطيع الدماغ من خلالها أن يتكيف مع الأحداث و التي نسميها (Brain plasticity) و هي تتطور مع امتداد العمر بازدياد الخلايا العصبية لتزيد من مداركنا و وعينا.
نميل عادة إلى افتراض أن تصوراتنا من مشاهد، و أصوات و أشكال و أذواق هي تصوير دقيق للعالم الحقيقي لكن لو تفكرنا في الأمر في ضوء ما سبق ذكره عن طبيعة الوعي فسنكتشف أن ما ندركه ليس العالم الحقيقي كما يجب أن يكون أبدًا، بل هو أفضل تخمين لوعينا حول شكل هذا العالم، إنه نوع من المحاكاة الداخلية لواقع خارجي مختلف عما نراه، ومع ذلك، فإننا نثق بمحاكاتنا للواقع، و إلا لكان حري بتطور الأحياء عبر العصور الذي أدى بنا إلى ما نحن عليه اليوم من شكل أحيائي أن يقودنا إلى الفناء بدلا من التطور، مثلا لو تمثل لنا النَّمرُ على أنه شجرة نخيل لوقعنا فريسة سهلة بين براثنه. قد يكون الواقع الحقيقي بعيدًا عن متناول حواسنا، لكن من المؤكد أن حواسنا توجهنا إلى ما يصلح أحوالنا و يضمن لنا البقاء.
يقول الدكتور دونالد د. هوفمان 3 ، أستاذ العلوم المعرفية في جامعة كاليفورنيا الذي أمضى عقوداً ثلاثة في دراسة الإدراك والذكاء الاصطناعي ونظرية اللعبة التطورية والدماغ:
" إن العالم الذي تقدمه لنا تصوراتنا لا يشبه الواقع بل علينا أن نشكر تطور الأنواع الحية على هذا الوهم الرائع ، لأنه يزيد من لياقتنا التطورية و تأقلمنا مع البيئة بإخفائه عناصر من حقيقة الواقع". نعلم مثلا أن المادة مبنية من ذرات دائمة التأرجح و الحركة، كالهواء مثلا الذي تغلب على تركيبه جزيئات النتروجين و الأكسجين، التي لا تبدو للعيان، ولو بدت لما استطعنا الانتقال من مكان إلى آخر.
إن فهم حقيقة الواقع، هو محاولة تتجاوز حدود علم الأعصاب والفيزياء الأساسية لكنك ستجد باحثين يهرشون ذقونهم حيرة في محاولة لفهم كيف أن كتلة من المادة الرمادية تزن كيلو غراما و نصف و هي الدماغ، لا تخضع إلا لقوانين الفيزياء العادية يمكن أن تنتج الوعي، هذا التساؤل تحديدا هو ما يسمى في فلسفة العلوم ب "المشكلة الصعبة"، و تأتي الصعوبة من بديهة منطقية مؤداها أن فاقد الشيء لا يعطيه، فكيف ينتج الوعي عن المادة؟
من جهة أخرى، فإن علماء فيزياء الكم، يعجبون من حقيقة مكونات الذرة الدنيا التي لا تظهر ككائنات محددة في الزمان و المكان، كيف تتداخل و تتفاعل مع الوعي فقد أثبتت التجارب المتكررة، بعكس ما تقتضيه الفطرة السليمة، أنه إذا افترضنا أن الجسيمات التي تتكون منها الأشياء المادية لها وجود موضوعي مستقل عن المراقب، فإننا نحصل على إجابات خاطئة وكما يقول عالم الفيزياء الذرية جون ويلر: "من المفيد طبعا القول أن العالم موجود بشكل مستقل موضوعيا عنا، لكن و للأسف لم يعد بإمكاننا التمسك بهذا الرأي."
يمكن تشبيه علاقتنا مع الواقع، بعلاقة من يستعمل الحاسوب من خلال الرموز الموجودة على سطح المكتب، فالأيقونة التي ترمز لملف (وورد) مثلا على سطح المكتب هي رمز لكثير من التفاصيل المعقدة الموجودة على الجزء الصلب من الكمبيوتر و التي لا نراها بل لا نحتاج أن نراها إذ يكفينا أن نضغط الأيقونة اللازمة للعمل على الملف المذكور، و لو رأينا جميع هذه التفاصيل قبل مباشرة العمل لانشغلنا بفك رموزها بدلا من مباشرة أعمالنا بيسر.
و هكذا بينما يحاول علماء الأعصاب فهم الحقيقة الموضوعية للطبيعة ، فإن علماء الفيزياء الكمومية يحاولون حل لغز الواقع المفقود، و فيما إذا كان ما ندركه بحواسنا هو مجرد رموز و مجازات يختفي الواقع الحقيقي وراءها؛ فالواقع يقوم على مكونات المادة الدنيا (دون الذرية)، و قد بينت التجارب أن تبادل المعلومات بين الجسيمات دون الذرية يجري بشكل آني مباشر، أي أنها تخترق المطلق الوحيد في الطبيعة الذي لا يمكن تجاوزه و هو سرعة الضوء، هذا يعني أن الجسيمات تشكل ما يشبه العضوية الواحدة، و أن الكون برمته ليس إلا كياناً عضويا متصلا.

مراجع للبحث:
1 . هذا المبدأ معناه أنه لا يمكن قياس خاصتين فيزيائيتين (كالمكان والسرعة) لجسيم كمي (كالإلكترون) في لحظة معينة دون وجود قدر من عدم التأكد من أحدى الخاصيتين أو كلتيهما. فإذا عرفنا مكان الإلكترون في لحظة ما أصبح مستحيلا معرفة سرعته بدقة، لأن إلكترونا متحركا بسرعة هائلة في لحظة من الزمن (خلال فترة زمنية تتناهى إلى الصفر) سيبدو منتشرا في كل مكان ... ومعنى هذا المبدأ وتطبيقاً له فإن أي تعديل أو تطوير في وسائلنا في المعرفة لن يوصلنا إلى العلم اليقين في حالة مكونات الذرة بل إلى مجرد الشك و التخمين.

2 . انظر الموضوع التالي في هذا المنتدى: طارق زينة، ميكانيك الكم* يقول وداعا للواقع !!

3.
. SCIENCE, The Case Against Reality, APRIL 25, 2016
https://www.theatlantic.com/science/...eality/479559/
التعديل الأخير تم بواسطة طارق زينة ; 25-11-2021 الساعة 01:03 PM