رد: الدرر البهية من التقريرات الطنطاوية
19-04-2018, 10:14 AM
130- ليس للرِّياضة سنٌّ، وأنا أعرف في دمشق واحدًا من مشايخنا هو اليوم فوق الثمانين، ولا يزال يمارس التمرين[1].

131- الرياضة ضروريَّة لكلِّ الناس، وأهمُّ من رياضة الجسد: رياضة النفس؛ أي: الروح الرياضية[2].

132- فالرِّياضة تعلِّم التعاونَ الصادق المخلص في الألعاب الجماعيَّة؛ ككرة القدم التي لا يتمُّ النصر فيها إلاَّ إذا وفى كلُّ لاعب بما عهد إليه به، وهذه اللعبة مثال مصغَّر لكلِّ أمَّة تريد أن تظفر في معركة الحياة، فالنصر في ميدان الكُرة لا يكفي فيه نشاط الهجوم إذا نام الدِّفاع، ولا بدَّ فيه من التعاون.

133- من الروح الرياضيَّة ألا يفرح بالنصر حتى يطغى ويسخرَ من خصمه أو يَعتدي عليه، ولا أن يَجزع من الهزيمة حتى يَيئس ويذهب أملُه في معاودة الظفر؛ لذا ترى الغالبَ يصافِح خصمَه، والمغلوب يهنِّئ غالبه[3].

134- الذي تَذهب الهزيمةُ بلُبِّه، فيتوارى خجلاً، أو ينسى ذلَّ حاضره ليفخر بعزِّ ماضيه، فليس من الروح الرياضية في شيء.

135- عليكم بالرياضة؛ الرياضة لِقوَّة الجسد، والرياضة لدَفع المرَض، والروح الرياضية لسموِّ النفس وكمال الخُلق.

136- ليست ثمرةُ تعب الأعصاب: الصداعَ وعسرَ الهضم والإمساك فقط، ولا القرحة وارتفاع الضغط ومرض السكر؛ بل إنَّ من ثمراته المرَّة: سوء الخُلق، وضِيق الصدر، والخلاف بين الزوجين، والمشكلات مع الناس، وسببه التوتُّر العصبي الدائم الذي جاءَتنا به هذه الحضارة الماديَّة الصاخبة.

137- كان الليل (كما خلقه الله) للنوم والرَّاحة، فصار الليل للَّهو أو العمل، كان آباؤنا يُغلقون دكاكينَهم من العصر، يَقنعون بما رُزقوا، فيتعشون قبل المغرب، وينامون بعدَ العشاء، ويقومون بعد الفجر أو قبل الشمس، أجسادهم مُستريحة، وأعصابهم هادئة، فصِرنا نتعشَّى الساعة الحادية عشرة، وننام في الواحدة، ونستيقظ في التاسعة، أردنا أن نبدِّل سنَّة الله في الوجود (وسنة الله لا تُبدَّل)، فبدَّل الله صحَّتَنا سقمًا، وراحتنا تعبًا[4].

138- إنَّ في السَّهر خسارة لا تعوَّض، وليس يدرِك مقدارَها إلاَّ من يصحو مرَّة قبل الشمس، ويرى جمالَ الدنيا في تلك الساعة، ويبصر ما يحس به من النشاط والانتعاش[5].

139- كم من مريضٍ يشكو عِللاً مختلفات وما به مرَض، ما هو إلاَّ الحصر وشغل الذِّهن، إنَّ الهمَّ الخفيَّ ينخر الأعصاب كنخر السُّوس الخشب، لا يحس به الإنسان حتى يفتِّش عنه.

140- ليس في الوجود شيءٌ تصفو به النفس، وتستريح الأعصاب، ويكون منه السَّعادة الدَّائمة والهناء كالإيمان.

141- فليسَت السَّعادة بالمال، بل قد يجيء مع المال التعَبُ وشغل البال.

142- الصحَّة مقدَّمة على المال.

143- إنَّ الله جعل مَعِدَة المليونير بمقدار معدة الفقير، ولو كانت تتَّسع لكلِّ ما يستطيع أن يشتريه ماله، لأكل الغنيُّ كلَّ شيء، ولم يترك للفقير شيئًا، بل إنَّ حكمة الله أدقُّ من ذلك وأعظم؛ إنَّه جعل للطعام حدًّا إن نقصتَ عنه: أصابك فَقر الدَّم والضعف والهزال، وإن زِدتَ عنه: أصابك وجع المفاصل والأملاح والرمل وآلام الكلية[6].

144- السعادة تأتي من داخل النفس، لا تأتي من خارج.

145- السعادة هي الرِّضا، إذا رضيتَ فأنت سعيد، وكلَّما زادَت طلباتك نقصَت سعادتُك.

146- المال مطلوب، والله سمَّاه في القرآن (خيرًا)، ولا بدَّ لنا من المال، ولكن المال وسيلة إلى مُتَع العيش في الدنيا، وإلى كَسب الحسنات في الآخرة، فإذا أنفقتَه على طعامٍ تأكله، أو ثوبٍ تلبسه، أو صدَقَة خالِصة تقدِّمها، كان مالك، وإلاَّ لم يكن لك منه شيء، وما زاد، فإنَّك خازِن تحفظه للورثة، هم يَستمتعون به، ويكون حسابه عليك!!؟[7].

147- هذه هي سنَّة الله في الحياة، وهي قِسمته: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ ﴾ [الزخرف: 32انتبهوا؛ فإنَّ ربنا ما قال: قسمنا (رزقهم)؛ بل ﴿ مَعِيشَتَهُمْ ﴾ [الزخرف: 32]، فالرَّاحة في المعيشة قِسمة، والتعَب قِسمة، والضِّيق قِسمة، والسَّعة قِسمة.
فإذا أردتَ السعادة، فلا تَنظر لمن قُسم له أكثر منك؛ بل لمن قُسم له أقل.

148- الغنيُّ البخيل، تكون عنده الأموال الطائلة، ويعيش هو وأهلُه على القليل، فهو (أمينُ صندوق!!؟)، يحفظها ليستمتِع الورثةُ من بعده بها، ويكون عليه حسابُها!!؟.

149- الرِّزق ليس المال وحده، وقد يُعطَى الرجلُ المالَ الوفير، ويُحرَم ما هو أحب إليه وأعز عليه من المال.

150- هل يغضب الموظَّفون على زميلهم الذي اعتُمد لتوزيع الرواتب آخر الشهر ويقولون له: لماذا أعطيتَ الرئيسَ أكثر ممَّا أعطيتَ الفرَّاش؟، أم يعلمون أنَّ الرواتب حدَّدَتها الحكومةُ من قبل ولم يحدِّدْها هو، ولا يملك زيادة فيها ولا نقصًا ولا تبديلاً ولا تحويرًا؟.
إنَّ الأرزاق مثلها؛ إنَّها محدَّدة من قَبل، إنَّها مقدَّرة من الأَزَل، والذي قدَّرها هو: الله؛ ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ ﴾ [الزخرف: 32]، فنحن نعمل ونجدُّ ونكافِح ونتخذ الأسباب كلَّها؛ لأنَّ الله أمرنا بالعمل والجدِّ والكفاح واتِّخاذ الأسباب، ثمَّ نرضى - بعد هذا - بما جاءنا من الله.
فلا نعيش خاملين، ولا نحيا ساخطين، وهذا هو شأن المسلمين.

151- المرء لا يحيا إلاَّ في بلده ودارِه، ونفوس أصدقائه ووجود أهله، فإذا فارَق أهلَه وبلده إلى بلدٍ لا يعرفها، وأهلٍ لا صِلَة له بهم، كان كالنبات يُنقَل من تُربة إلى تربة أخرى، فتتمزَّق جذوره، وتتقطَّع أوصاله، ويقوم بين الحياة والموت!.

152- هل يستطيع المرء أن يعرف نفسَه، وهو مُذ يفتح عينيه إلى أن يغمِضها: لا يَنقطع لحظة واحدة عن التفكير، في كلِّ شيء إلاَّ... نفسه[8]؟.

153- الرجولة لا تُظهر معانيها ولا تعمل عملها إلاَّ إذا حاقت بها الشدائد واكتنفَتها الآلامُ؛ كالمصباح لا يظهر فيه معنى النور، ولا يَعمل عمل النور إلاَّ إذا حُفَّت به الظُّلمة وشملَته معانيها.

154- ما قيمة مصباحٍ يُضاء به لشمس الضحى!!؟.

هوامش:
[1] ذُكر في تراجم بعض العلماء ممارستهم للرياضة، وخصوصًا رياضة المشي.
[2] فوائد الرياضة كثيرة جدًّا؛ فلها تأثير إيجابيٌّ على صحَّة الإنسان ومدافعة الأمراض، وكفاءته العقلية، وتهذيب أخلاقه.
[3] التعصُّب الرياضي ينافي الروح الرياضية ويؤدِّي لمفاسد عظيمة، وبخاصَّة على الشباب، وقد انتشر التعصُّب في زمننا بسبب من يَتحدَّث عن الرياضة أو يمارسها ولم يتحلَّ بمكارم الأخلاق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
[4] جاء في البخاري عن أبي بَرزة الأسلمي رضي الله عنه: "أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره النومَ قبل العشاء، والحديثَ بعدها".
[5] ثبت طبِّيًّا أنَّ السهر له آثار سَلبية كثيرة على أجهزة جسم الإنسان وسلوكه ونفسيته.
[6] قال صلى الله عليه وسلم: ((ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنٍ، بحسبِ ابنِ آدمَ أكلاتٌ يُقمنَ صُلبَه؛ فإن كان لا محالةَ: فثلُثٌ لطعامِه، وثُلُثٌ لشرابِه، وثُلُثٌ لنفَسِه)).
[7] عن قتادة عن مطرف عن أبيه قال: أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلَّم وهو يقرأُ: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾ [التكاثر: 1]، قال: ((يقولُ ابنُ آدم: مالي مالي))، قال: ((وهل لك يا بنَ آدمَ مِن مالِك إلاَّ ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبستَ فأبليتَ، أو تصدَّقتَ فأمضيتَ؟)).
[8] يحتاج الإنسان أن يَخلو بنفسه؛ ليصفِّي ذِهنه، فيدرك بعقله ما لا يُدركه حال انشغاله، فيرتِّب أفكارَه، ويعدِّل سلوكَه، ويضبط انفعالاته، ويجدِّد صلته بربِّه.