•• الْـمُـقَـوْلَـبُـونَ ذِهْـنِـيًّـا ( ؟! )
10-01-2018, 10:48 AM
••الْـمُـقَـوْلَــبُـونَ ذِهْـنِـيًّـا( ؟! )


ـــ بقلم الدكتور : عـبدالكـريم بـكّـار ـــ



كلما تقدم البحث العـلمي وتراكمت الخبرات المنهجية تَبيَّن لنا أن قدرات العـقـل تعي أقلّ مما كان يُظن. ولا أقصد بالقدرات ما يمتلكه العـقل من إمكانات هائلة على صعـيد معالجة المعـلومات ، وعلى صعـيد التنظيم وإعادة تشكيل الصيغ ، وإنما أقصد قدراته على صعـيد إصدار الأحكام في الشؤون الإنسانية وفي تحديد الأهـداف الكبرى والغايات النهائية . إننا نكتشف يوماً بعـد يوم أهـمية المعـرفة في هذه الأمور وضآلة الدور الذي يمكن أن يقوم به
الدماغ . وقد تَبيَّن أن الفراغ المعـرفي والمعـلوماتي هو البلاء الأكبر الذي يمكن أن ينزل
بساحة العـقل. ومن هـنا تتبين الحكمة البالغة في الحث على القراءة والاطلاع وطلب العـلم
.
إن عمل العقل وهو يفكر يشبه من يسلك طريقاً صحراوياً طويلاً من غير أي خبرة سابقة
بذلك الطريق. إّنه يعرف أن عليه ليس أن يصل إلى هدفه فحسب، وإنما عليه أيضاً أن يحفظ تضاريس الطريق حتى يتمكن من العودة إلى وطنه، ولا يهلك في متاهات
الصحراء، ولهذا فإنه طيلة الرحلة يحاول تلمس العلاقات والدالاّت التي يتمكن بسببها سلوك الطريق في رحلة الإياب . ولهذا فإنه مشغـول بحفظ الجبال التي يمر من جانبها الطريق، ويحفظ مسافات انعـطافاته ذات اليمين وذات الشمال... هكذا العقل حين يبدأ بتكوين المرتكزات التي سيقوم عليها عمله. إنه يجمع الفكرة مع الفكرة والملاحظة مع الملاحظة والمقولة مع المقولة.. حتى يتمكن من بناء منطقيته الخاصة وأنساقه الشخصية، وهو يتشبث بما ينتهي إليه من ذلك كما يتشبث سالك الطريق الصحراوي بالعلامات التي استطاع الحصول عليها .
إذا أراد سالك ذلك الطريق القيام برحلة أخرى فإنه سيجد أن من السهل عليه سلوك عَـين
الطريق، حيث زادت خبرته به، وصارت إمكانية العودة منه أكبر، كما نشأت بينه وبين
ذلك الطريق أُلفة نفسية تقترب من الحنين. ولهذا فإنه إذا نُصِح بسلوك طريق أقرب من
ذلك الطريق أو مُزوَّد بخدمات أفضل... فإنه سوف يستوحش من ذلك، ويتبع الحكمة
الشهيرة : « الذي تعـرفه ، خير من الذي ستتعـرف عليه ». طبعاً سيكون موقفه من الطريق
الجديد المقترح مختلفاً تماماً فيما لو أنه قبل الشروع في أي سفَر اطّلع على خارطة جيدة تو ضح له كل الطرق التي يمكن أن يسلكها وميزات وعيوب كل واحد منها. إنه في هذه الحالة يغير من طريق إلى طريق بسهولة ؛ لأن الطريق الذي سلكه كان قد سلكه وهو يعرف أنه ليس هو الطريق الوحيد، وليس هو الطريق الحائز على كل الميزات والمبرأ من كل العيوب. هكذا العقل حين يفكر ويشتغل في حالة شح معرفي ونقص في المعطيات الجيدة . إنه يعد كل ما توصل إليه من مقولات ومرتكزات وأنساق شيئاً ثميناً ونادراً، لا يمكن الاستغناء عنه أو مسه بأي تعديل .
لقد أصبح العقل أسيراً لمقولاته، مكبلاً بأغلال صنعها بيديه، وباتت تتحكم بعمله. وسيكون الأمر مختلفاً لو كان أمام العقل عند بدايات عمله مخزون معرفي جيد. إنه حينئذ سيدرك أنه يتّبع خيارات، وليس يخضع لحتميات ولهذا فإنه يكون عقلاً مرناً متجدداً مستوعباً للجديد دون أن يفقد صلته بالقديم . هذا كله يعني أن علينا أن نستمر في أمرين جوهريين :
الأول : هو التزوّد من العـلم، فنحن لا نعـرف إلا القليل ، بل أقل القليل ، وما نجهله أكثر بكثير
مما نعرفه . وبما أن المعارف تتضاعف كل عقد أو عقدين، فهذا يعـني أن جهلنا جديد .
الأمر الثاني : هـو التحرر العـقلي الدائم. إن علينا أن نختبر مقولاتنا وطرق تفكيرنا، ونحاول مراجعتها وتعديلها بما يتواكب مع مسيرة النضج التي نمضي فيها . بعض الناس يعتقد أننا نعيش في أسوأ زمان مر على أمة الإسلام بسبب ما يراه من انتشار المعاصي ، وسيطرة الأعداء على الأمة... ومن هنا فإنه انطلاقاً من هذا المعتقد يرى بعـيني صقر كل السلبيات الماثلة في حياة المسلمين وكل المشكلات التي يعانون منها. وإذا ذُكر أمامه شيء من الإيجابيات هَـوَّن من شأنه أو وجد له نوعاً من التأويل يجعله في مصافّ السلبيات!
قِـسم آخر من الناس لديه اعتقاد أن الأمة بخير، ولهذا فإن عقله الباطن يساعده على اكتشاف ما لا يحصى من الإيجابيات، والتهوين من شأن السلبيات ، فريق آخر من الناس انطلق في تحليله لأسباب ما نحن فيه من منطلق (القصور الذاتي) فهو يعـيد كل أشكال التخّلف في حياة الأمة إلى التحّلل الداخلي، وعـدم قيام المسلمين بفروضهم الشرعية . وهو لا يقيم لتخريب الأعداء وتآمرهم أيَّ وزن! هناك قسم آخر يقف في الضفة المقابلة، فهو لا يرى إلا تآمر الأعداء وتد خلهم السافر في شؤوننا، وهو يعتقد أن الأمة لو تُركت وشأنها لما عانت من أي مشكلة وهكذا... ومن الواضح أن الرؤية الصحيحة تقع بين ما يراه هذان الفريقان من المسلمين . لو تساءلنا كيف يكون في إمكاننا التخفيف من القولبة الذهنية في حياتنا الشخصية، وفي حياة الناس من حولنا ، فقد نجد أن علينا أن نفعـل الآتي :
١- الأشخاص االمقولَبون ذهـنياً يميلون إلى الصرامة والعناد. وهم يعـدون من الأصناف
التي تتصف بالصراحة المتناهـية والميل إلى فرض أفكار غير متّفق عليها. وقدرتُهم على
ترويض أنفسهم للتعامل مع الآخرين بعـدل محدودةٌ، كما أن قدرتهم على تجزئة الفكرة
واتخاذ مواقف متدرجة من الأفكار المطروحة أيضاً محدودة. ويجب أن نتعامل على هـذا
الأساس، ومن المهم أن ندرك أن القولبة الذهنية ليست شراً خالصاً ؛ إذ إن المقولبين ذهنياً يحدون من اندفاع المتهورين في مسائل التجديد والتطوير، ويمنحون العمل الذي يكونون فيه درجة من الصلابة والمتانة، كما أنهم يلمون شتاته، ويبثون القوة في النفوس المترددة .
إنهم عـنصر أمان وعـنصر توازن في الوقت نفسه.
٢- التعامل مع المقولبين ذهنياً يحتاج إلى الكثير من الحكمة واللطف والحذر؛ إذ من السهل أن تزيد في درجة عـنادهم وتقوقعهم على أنفسهم، وذلك إذا اتهمتهم بالعـناد أو ضيق الأفق .
وقد يكون من الملائم اتباع طريقة (بلورة المزايا والعـيوب) في مجادلتهم. نقول: ما مزايا
قولك؟ ما براهـينه، وما مستنداته المنطقية؟ ما العـيوب التي تغـشاه، وما نقاط ضعـفه ؟ ويُطلب منه أن يطلب ذلك أيضاً من مخالفيه.
إن هـذه الطريقة تفتح باباً للجدل ، وتخّفف من لغة التحدي، كما أنها تجعل المقولَب ذهنياً
يعتقد أن للحوار إيجابيات، ويعترف أيضاً بإمكانية وجود درجة من الصحة والقوة للأقوال المخالفة .
٣- من المهم في تعاملنا مع المقولب ذهنياً أن نتعلم حسن الاستماع، وأن نطلب منه ذلك،
وألاَّ نلح في الوصول إلى نتائج فـورية. إن جزءاً من صلابته تشكّل بطريقة غـير واعـية،
وسوف ينتهي أيضاً بالطريقة نفسها.
٤- المقولَب ذهنياً لا يملك الحساسية الكافية للتفريق بين ما يشكل رؤية شخصية اجتهادية ظنية ، وبين ما يُعـد من قبيل الثابت والقطعي ، وما ينظـر إليه على أنه حقيقة مستقرة ، انقطع حولها الجدل . وأعـتقد أن ضعـف هـذه الحساسية يشكل جزءاً من البنية المعـرفية لكلّ البيئات التي ينتشر فيها الجهل والفقر المعلوماتي ، ولهذا فإن من المهم أن نُثري تقنيات التفريق بين الظني والقطعي ، والشخصي والعام في عالم الأفكار والآراء.
٥- المقولَبون ذهنياً يعـطون للعتقل دوراً بارزاً من أجل التعـويض عـن الثغـرات المعـرفية في منظومات الاستدلال لديهم . وهنا يكون من المهم التوضيح بأن العـقل من غـير معرفة جيدة كثيراً ما يكون عاجزاً عجزاً شبه تام عـن رسم الأولويات وعن إصدار أحكام حول العديد من الأمور الجوهرية مثل : اللائق وغير اللائق ، والمهم وغير المهم ، والآمن والخطر، والمستعـجل والمؤجل... ونقوم إلى جانب هـذا بتوضيح دور المعـلومات في بناء الأفكار والآراء والمواقف والاتجاهات .
٦- القولبة الذهنية نِتاج تعـليم مشوه وبيئة يغـلب عليها الجهـل ، وإن التقدم عـلى هـذين
الصعـيدين، سوف يساعـد على التخفيف من غـلواء هـذه المشكلة ، ومن الله تعـالى الحَـول والطَّـوْل .

* * * * * *

← ( مع تصرُّف طـفيف في العُـنوان الأصـلي )


« رَبِّ اغـفـر لـي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت خَيرُ الـراحمين »


التعديل الأخير تم بواسطة ** رشاد كريم ** ; 11-01-2018 الساعة 05:14 PM