مشاهدة النسخة كاملة : تصحيح أثر ابن عباس"كفر دون كفر" ردا على دعاة القاعدة وأتباع التكفير
جمال البليدي
03-10-2008, 11:33 AM
قال فضيلة الشيخ سليم الهلالي في كتابه قرة العيون في تصحيح تفسير عبد الله بن عباس-رضي الله عنهما- لقوله -تعالى-: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} روايةً ودرايةً ورعايةً» :
الباب الثاني
تفسير عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- لآيات الحكم رواية
وفيه فصلان:
الفصل الأول: طريق طاووس عن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما-، وتفصيل الطرق عنه.
الفصل الثاني: طريق علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما-.
الفصل الأول
طريق طاووس عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما-، وتفصيل الطرق عنه
عن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما-في قوله - عز وجل-:{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة:44] قال: «ليس بالكفر الذي تذهبون إليه».
وفي رواية: « إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفراً ينقل عن الملة {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} كفر دون كفر».
أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (4/1482/749-تكملة) ، وأحمد في «الإيمان»([11]) (4/160/1419) -ومن طريقه ابن بطة في «الإبانة» (2/736/1010)-، ومحمد بن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (2/521/569) ، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (4/1143/6434-ط الباز)، وابن عبد البر في «التمهيد» (4/237) ، والحاكم (2/313)- وعنه البيهقي (8/20)- عن سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس به.
قال الحاكم : «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي.
قال شيخنا أسد السنة العلامة الألباني- رحمه الله- في «الصحيحة» (6/113): «وحقِّهما أن يقولا : على شرط الشيخين؛ فإنَّ إسناده كذلك. ثم رأيت الحافظ ابن كثير نقل في «تفسيره» (6/163) عن الحاكم أنه قال: «صحيح على شرط الشيخين» ، فالظاهر أن في نسخة «المستدرك» المطبوعة سقطاً ، وعزاه ابن كثير لابن أبي حاتم- أيضاً- ببعض اختصار».
قلت: وهو كذلك ؛ إلا أن هشام بن حجير راويه عن طاووس فيه كلام لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن.
قال ابن شبرمة: «ليس بمكة مثله» ، وقال العجلي :«ثقة صاحب سنة»، وقال ابن معين: «صالح» ، وقال أبو حاتم الرازي: «يكتب حديثه»، وقال ابن سعد: «ثقة له أحاديث» ، وقال ابن شاهين: «ثقة» ، ووثقه ابن حبان، وقال الساجي: «صدوق»، وقال الذهبي: «ثقة» ، ولخصه الحافظ بقوله: «صدوق له أوهام».
وضعفه يحيى القطان، والإمام أحمد، وابن معين - في رواية-([12]).
قلت : فرجل حاله هكذا ؛ لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن ما لم يخالف، وقد روى الشيخان له واحتجا به، ومع ذلك لم يتفرد به بل توبع؛ كما سيأتي (ص59).
ثم وقفت على رسالة صغيرة الحجم ضحلة العلم([13]) لكاتبها المدعو (حسان عبد المنان)([14]) ذهب فيها إلى تضعيف هذا الأثر السلفي عن ترجمان القرآن عبد الله ابن عباس - رضي الله عنهما-.
مع العلم أن هذا الأثر السلفي متفق على صحته بين العلماء الحفاظ والأئمة النقاد المشهود لهم بالعلم، ورسوخ قدمهم فيه -سلفاً وخلفاً-، ورأيت -ثمت- أن أدون ملاحظاتي على ذاك (الغمر) الذي تصدّى لما لا يحسن؛ وهدماً لما بناه هذا (المتعالم) الذي تطاول برأسه بين هؤلاء الكبراء -وعليهم-؛ فحقَّق -زعم- كتباً! وخرَّج -كذب- أحاديث! وسوّد تعليقات! وأخرج ردوداً- تنبىء عن حداثته- ، وتكلم بجرأة بالغة فيما لا قِبَلَ له به من دقائق علم المصطلح، وأصول الجرح والتعديل!!
فجاء منه فساد كبير عريض، وصدر عنه قول كثير مريض ، لا يعلم حقيقة منتهاه إلا ربه ومولاه- جل في علاه- .
فهو يتعدى على الأحاديث الصحيحة بالظن والجهل والإفساد والتخريب؛ بما يوافق هواه؛ ويلقي ما يراه بدعوى التحقيق والتخريج، والرد والتعقيب!
فلو كان عند هذا (الهدام) شيء من الإنصاف لكان منه- ولو قليلاً- تطبيق وامتثال لما قاله بعض كبار أهل العلم - نصحاً وتوجيهاً- : «لا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلاً لشيء؛ حتى يسأل من كان أعلم منه»([15])
فوجدته قد تكلف في رد هذا الأثر السلفي تكلفاً عجيباً غريباً؛ ذكرني بصنيع أهل التعطيل في نفي أسماء الله الحسنى وصفاته العلى؛ فهو -بحقّ- رجل (مَلِصٌ)، كلّما جوبه بدليل لا مردّ له، تملَّص بتأويل له من عنده([16])، فالله حسيبه.
فقد ضعف هذا (الهدام) هذه الطريق بتكلّف بارد- في جملة ما ضعف من الأحاديث الصحيحة الكثيرة عن رسولنا صلى الله عليه وسلم -.
لقد تشبث في تضعيف هذه الطريق بقول الإمام أحمد في هشام بن حجير: «ليس بالقوي» ، وبقوله: «ليس هو بذاك» ، وبتضعيف ابن معين ويحيى القطان له.
وقد جعجع في (ص20-21) بما أملاه عليه عجبه وغروره في تضعيفه ورده حديثنا هذا؛ متظاهراً بأنه بحاث محقق، وهو في أكثر الأحيان يكون مبطلاً متجنيّاً على العلم ، ومضعفاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وآثار أصحابه -رضوان الله عليهم-، ومخالفاً لجماهير الحفاظ والأئمة المتقدمين والعلماء المحققين، حتى ليغلب على الظن أنه ما قام بهذا التخريج إلا لهدم السنة ، وتضعيف أحاديثها، وبخاصة ما كان منها في الحض على التمسك بالسنة، و ما كان عليه السلف الصـــالـــح-
رضي الله عنهم- ، وهو في هذا كله إما متبع لهواه { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله}[القصص: 50]، أو مقلِّد لأمثاله من أهل الأهواء (كالخوارج) الذين لا يتبعون أصول العلماء وقواعدهم الحديثية الفقهية.
يفعل هذا كلّه بطرق ملتوية غير علمية، وبآراء شخصية هزيلة، لا يعجز عنها أيّ مثقف ثقافة عامة ، جاهل بهذا العلم مغرور!!
ومع ذلك ؛ أقول -وبالله وحده أَصُول واًجول-: أما قول الإمام أحمد: «ليس هو بالقوي» ؛ فهذا ليس بتضعيف للراوي ألبته؛ فإنهم يعنون به: ضعف الحفظ وفتوره؛ فهو نفي لكمال القوة، وليس نفياً لأصلها، يدلك على هذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- في «إقامة الدليل» (3/243- الفتاوى الكبرى) عند ذكر (عتبة بن حميد الضبي البصري): «وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: «هو ضعيف ليس بالقوي» لكن هذه العبارة يقصد بها: أنه ممن ليس يصح حديثه، بل هو ممن يحسن حديثه. وقد كانوا يسمون حديث مثل هذا ضعيفاً، ويحتجون به؛ لأنه حسن، إذ لم يكن الحديث إذ ذاك مقسوماً إلا إلى صحيح وضعيف.
وفي مثله يقول الإمام أحمد: الحديث الضعيف خير من القياس؛ يعني: الذي لم يَقْوَ قوة الصحيح مع أن مخرجه حسن».
فخذها فائدة عزيزة من شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله، وجزاه عن الإسلام وأهله خيراً-.
وقال الإمام الحافظ الذهبي في «المقدمة الموقظة» (ص319-بشرحي): «وقد قيل في جماعات: ليس بالقوي، واحتج به.
وهذا النسائي قد قال في عدة: «ليس بالقوي» ويخرِّج لهم في «كتابه»، وقال: قولنا: «ليس بالقوي» ليس بجرح مفسد».
وقال ( ص322): « وبالاستقراء إذا قال أبو حاتم : «ليس بالقوي» ؛ يريد بها: أن هذا الشيخ لم يبلغ درجة القوِّي الثبت».
وقال الحافظ ابن حجر في «هدي الساري» (ص385-386) في ترجمة (أحمد ابن بشير الكوفي) :«قال النسائي : ليس بذاك القوي» ... فأما تضعيف النسائي له؛ فمشعر بأنه غير حافظ».
وقال ذهبي العصر الشيخ المعلمي اليماني- رحمه الله- في «التنكيل» (1/240): «فكلمة «ليس بقوي» تنفي القوة مطلقاً، وإن لم تثبت الضعف مطلقاً، وكلمة«ليس بالقوي» إنما تنفي الدرجة الكاملة من القوة».
وقال شيخنا أسد السنة العلامة الألباني- رحمه الله- في «النصيحة بالتحذير من تخريب (ابن عبد المنان) لكتب الأئمة الرجيحة وتضعيفه لمئات الأحاديث الصحيحة» (ص183): «قول أبي حاتم: «ليس بالقوي»؛ فهذا لا يعني : أنه ضعيف؛ لأنه ليس بمعنى :«ليس بقوي» ؛ فبين هذا و بين ما قال فرق ظاهر عند أهل العلم».
وقال (ص254) : «وقول أحمد والنسائي فيه: «ليس بالقوي» لا ينافيه ؛ لأنه لم ينف عنه القوة مطلقاً كما لا يخفى على أهل المعرفة بهذا العلم».
قلت: أما غير أهل العلم -ولا المعرفة- المختصين به؛ فلا يعلمون هذا أبداً؛ لجهلهم وقلّة باعهم، وعدم تضلعهم في هذا العلم الشريف، ولله در القائل: ليس هذا بعشك فادرجي ، وعن سبيل أهل العلم فاخرجي.
فبالله عليكم ما سيكون موقف (ابن عبد المنان) لو قال الإمام أحمد في هشام ابن حجير: «ضعيف ليس بالقوي»؟! أنا أجزم أنه سيبني عليه قصوراً عوالي؛ لكنها أوهى من بيت العنكبوت الخالي.
ومع ذلك كتم ودلَّس على قرائه؛ فقد حذف العبارة التي تستأصل شأفة هذا الدخيل على هذا العلم؛ وهي قول عبد الله بن الإمام أحمد- بعد قوله فيه: « ليس بالقوي » : قلت: هو ضعيف؟ قال: «ليس هو بذاك».
وهذا صريح جداً أن الإمام أحمد لا يضعِّفه الضعف المطلق الذي ظنه (هدام السنة) ، وإنما هو ممن لا يُصَحَّح حديثه بل يحسن، وهذا يلتقي تماماً مع ما أصّله شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-.
وأيضاً؛ نقل عبد الله بن أحمد عن أبيه في «العلل» (1/130) : « هشام بن حجير مكي ضعيف الحديث» ، ثم نقل عن ابن شبرمة: « ليس بمكة أفقه منه».
فهذا محمول على ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- آنفاً؛ فلا إشكال بحمد الله.
وأما ما نقله عن عبد الله بن أحمد: سألت يحيى بن معين عنه؛ فضعفه جدّاً.
أقول : بتر هذا (الهدام) بقية كلام يحيى بن معين الذي يقصم ظهره، ويبين أن الإمام ابن معين اختلف نظره في هذا الراوي.
فقال- رحمه الله- : قلت ليحيى: هشام بن حجير أحب إليك من عمرو بن مسلم؟ قال: نعم.
قلت: وعمرو بن مسلم هو الجَنَدي مختلف فيه؛ ضعفه ابن معين في رواية الدوري وعبد الله بن أحمد، وقال في رواية ابن الجنيد : «لا بأس به» ، وفي «التقريب» :«صدوق له أوهام».
فهو - بشهادة الإمام يحيى بن معين- أقوى من عمرو بن مسلم الذي قال فيه: «لا بأس به»؛ فهو إذاً لا يُحمل على الضعف الشديد الذي يطرح حديثه.
ولو حُمِلَ على أنه أراد الضعف الشديد، فقد قال ابن معين عن هشام بن حجير - في رواية إسحاق بن منصور- : «صالح»، وهذا تعديل له؛ فيكون عندنا عن هذا الإمام الكبير روايتان: واحدة مضعِّفة له، وأخرى معدِّلة له، فننظر في أقوال غيره من أهل العلم؛ كي نضبط الكلام فيه.
وهذا خلاف ما فعله هذا (الهدام)؛ فإنه أوَّل كلام ابن معين: «صالح» بكلام عجيب غريب، يدل على حداثته ، وأنه غمر متطاول في هذا العلم.
فقال (ص21): « أما ما ذكره من رواية إسحاق بن منصور عن ابن معين: «صالح» ؛ فليس بتوثيق؛ لأمرين:
الأول: ما عرف من هذا الاصطلاح عن بعض المتقدمين وذكره فيمن عنده ضعف، وهذا يمكن تفصيله».
أقول : أما قوله : «صالح ؛ ليس بتوثيق»؛ فكلام باطل ورأي عاطل :
قال الإمام الذهبي في«المغني» (1/4): « لم أذكر فيه من قيل فيه:«محله الصدق» ، ولا من قيل فيه:«يكتب حديثه» ، ولا: «لا بأس به»، ولا من قيل فيه:«شيخ» أو «صالح الحديث» ؛ فإن هذا باب تعديل».
وقال في «المقدمة الموقظة» (ص318-319- بشرحي): «... فلان حسن الحديث ، فلان صالح الحديث، فلان صدوق -إن شاء الله-؛ فهذه العبارات ونحوها كلها جيدة، ليست مضعِّفة لحال الشيخ ، نعم ولا مرقيّة لحديثه إلى درجة الصحة الكاملة المتفق عليها، لكن كثير ممن ذكرنا متجاذب بين الاحتجاج به وعدمه».
وقال في «ميزان الاعتدال« (1/3-4):« ولم أتعرَّض لذكر من قيل فيه: محله الصدق، ولا من قيل فيه: لا بأس به، ولا من قيل: هو صالح الحديث، أو يكتب حديثه أو هو شيخ ؛ فإن هذا وشبهه؛ يدل على عدم الضعف المطلق».
ثم ذكر - رحمه الله- العبارات التي تقال في الرواة المقبولين وقسمها ، وذكر منها: «وصالح الحديث».
فهذا الكلام العلمي القوي من الإمام الذهبي -وهو من أهل الاستقراء العام-؛ يستأصل شأفة هذا (الهدام) (الغمر العنيد).
وكذا جعل الشيخ برهان الدين الأبناسي -رحمه الله- في «الشذا الفياح» (1/268) «صالح الحديث» من مراتب التعديل؛ فتأمل.
أما قوله: «ما عُرِفَ من هذا الاصطلاح عند بعض المتقدمين، وذكره فيمن عنده ضعف ...الخ».
فأقول -وبالله التوفيق-: قال شيخنا أسد السنة، وناصرها العلامة الألباني -رحمه الله- في «النصيحة بالتحذير من تخريب ( ابن عبد المنان) لكتب الأئمة الرجيحة وتضعيفه لمئات الأحاديث الصحيحة»( ص92): « وقد قلنا مراراً- ردّاً على ( الهدام) مثل قوله هذا: إن الإسناد الحسن فيه ضعف- ولا بُدَّ- ، ولازمه أن هناك فرقاً معروفاً بين العلماء، بين من يقول من أهل العلم: «إسناد فيه ضعف»، وبين: «إسناده ضعيف»، وأما (الهدام)؛ فلا يفرق -عمداً أو جهلاً-!».
وهذا الأسلوب الخبيث من هذا (الهدّام) يستعمله كثيراً في تضعيف الرواة؛ فهو «يُدَلِّس ولا يفصح ! ثم هو مع ذلك لا يبيِّن السبب! آمراً للقراء - بلسان حاله- بالاستسلام لحكمه الجاهل وصرفاً لهم عن اتباعهم لعلمائهم، وإلا؛ لبيَّن لهم، ولكنه يعلم أن فاقد الشيء لا يعطيه؛ ولذلك فهو يلقي كلمته ثم يمشي، وعلى الناس أن يمشوا وراءه! الأمر الذي يدلًّ على منتهى العجب والغرور»([17]).
وأقول له: هذا الصنيع الذي تعمله هو من تضليلاتك ومراوغاتك الكثيرة ؛ فكل ثقة فيه ضعف يسير؛ يصحّ أن يقال فيه:«فيه ضعف»! حتى بعض رجال الصحيحين([18])- كما لا يخفى على العارفين بهذا العلم- ؛ ومع ذلك يكون حديثه صحيحاً محتجاً به؛ ولو في مرتبة الحسن»([19]).
وهذا حال هشام بن حجير؛ فقد وثقه ابن سعد والعجلي وابن حبان وابن شاهين والذهبي في «الكاشف»، وضعّفه القطان؛ ولهذا قال الحافظ: «صدوق له أوهام».
فهو- إذن- وسط؛ فـ(الهدام) بدل أن يصرح بتحسين إسناده، راوغ؛ فقال: «فيه ضعف».
ومع هذا أقول: هذا الضعف يزول، ويرتقي حديثه إلى مرتبة الصحة بالمتابعة التي ساقها (الهدّام) عقب هذه الطريق (ص22)- وهي طريق عبد الله بن طاووس الآتية -إن شاء الله (ص 59)- لكن (الهدام) لا يعترف بقاعدة أهل العلم: أن الحديث يتقوى بمجموع طرقه وشواهده([20]).
أما قوله :«الثاني: أنه يفسر بذلك توفيقاً مع الرواية السابقة عن عبد الله بن أحمد عن ابن معين، والتي فيها صراحة عدم الاحتجاج».
أقول : هذا ليس تفسيراً ، بل إبطال لكلام الإمام ابن معين ؛ وإلا لو كان منصفاً- حقّاً- متجرداً عن الهوى لما فسَّر قول الإمام ابن معين: «صالح» بالضعف، ولكن؛ هو الهوى يتجارى بأهله؛ كما يتجارى الكَلَبُ بصاحبه.
فنحن -الآن- عندنا قولان عن عالم إمام: قول فيه توثيق، وآخر فيه تضعيف؛ فكيف نوفق بينهما؟
على الأقل: إن لم نستطع أن نوفِّق بينهما لا نعطل أحدهما ونرجح الآخردون بيِّنة مرجِّحة، بل نبحث عن أقوال أخرى لأهل العلم تعزز بحثنا، وتبيِّن حال هذا الراوي، وإلا؛ فإننا بصنيعنا هذا نُحَمِّل كلام الأئمة ما لا يحتمل.
ناهيك أن تضعيف الإمام ابن معين له غير مفسَّر ، والجرح لا يقبل؛ ما لم يكن مفسَّراً ، بخلاف صنيع هذا (الهدام)؛ فإنه يقدِّم التضعيف غير المفسَّر على التوثيق والتعديل.
نعم؛ كلام الإمام أحمد وابن حجر مفسر، وأن الرجل فيه ضعف من قِبَلِ حفظه، بمعنى أنه ليس بالمتقن، بل وسط حسن الحديث؛ كما بينت ذلك مراراً.
وأما تضعيف الإمام يحيى القطان له؛ فلم يبيِّن سببه؛ فإنه قال: «اضرب على حديثه»؛ فلا يلغي هذا الإجمال توثيق من وثقه.
وهب أنه ضَعّفه- وهو مُتَشَدِّد في الرجال- فهناك كثير من أهل العلم وثَّقوه وقبلوا حديثه، فهو إذن من الرواة المختلف فيهم؛ فبعضهم ضعَّفه والكثير منهم وثَّقه، فماذا نصنع ؟هل نلغي هذا التوثيق من أولئك الأئمة ونقدِّم الجرح؟ أم نوفِّق بينهما؟ وهذا مما لم يُقِم له هذا(الهدّام) وزناً، فإلى الله المشتكى من تعدي هذا (الغمر) على هذا العلم.
ثم قال هذا(الهدّام) (ص20): «وقال أبو حاتم: «يكتب حديثه». قلت: وهذا مصطلح معروف لأبي حاتم فيمن لا يقوم مقام الاحتجاج ، يذكر في الضعيف ونحوه، وقد فصّل فيه ابن أبي حاتم في مقدمة «الجرح والتعديل»، واستفيد من عبارات أبي حاتم نفسه في بعض تراجمه».
أقول : وهذا الكلام حكايته تغني عن ردِّه ؛ فإن هذا تقويلٌ لهذا الإمام، وتحميلٌ لكلامه مالا يحتمل؛ مما ينبىء عن جهل هذا الرجل بكلام أهل العلم، ويكشف عن حقيقة فهم عباراتهم فهماً يناقض حقيقتها و يفسد مغزاها، ويبدو لي أن هذا (الهدّام) شعر أن كلام أبي حاتم عليه، لا له؛ ولذلك لجأ إلى (التَّملُّصِ) منه بتحريف كلامه، وتحميله له مالا يحتمل، ألم أقل لك: إنه رجل (مَلِصٌ)؛ فالله حسيبه.
فهل مَن قيل فيه:«صدوق»؛ أو «محله الصدق»؛ أو « لا بأس به» يذكر في الضعفاء؟! سبحانك هذا بهتان عظيم من أفاك أثيم!
قال ابن إبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/37): «وإذا قيل له: إنه صدوق، أو: محله الصدق، أو: لا بأس به؛ فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه، وهي المنزلة الثانية.
وإذا قيل: شيخ ؛ فهو بالمنزلة الثالثة، يكتب حديثه وينظر فيه؛ إلا أنه دون الثانية.
وإذا قيل: صالح الحديث؛ فإنه يكتب حديثه للاعتبار».
فأنت ترى أن ابن أبي حاتم جعل (الصدوق، والشيخ، وصالح الحديث) ممن يكتب حديثه، فهل من كتب حديثه من هؤلاء يذكر في الضعيف ونحوه؟! حتى لو قيل فيه: صدوق!!
وإليك -أيها القارىء- مثالاً واحداً- من بين أمثلة كثيرة- : تثبت أن أبا حاتم إذا قال في راو: صالح الحديث؛ يعني: أنه صدوق حسن الحديث، وهو ممن يكتب حديثه، وهي آخر مرتبة من مراتب التعديل التي جعلها ابنه عبد الرحمن.
قال أبو حاتم كما في «الجرح والتعديل» (4/2) في ترجمة ( سعيد بن إياس الجريري): «تغير حفظه قبل موته، فمن كتب عنه قديماً؛ فهو صالح، وهو حسن الحديث».
إذاً ؛ فمعنى كلام ابن أبي حاتم:«إذا قيل : صالح الحديث؛ فإنه يكتب حديثه للاعتبار» - وجعلها آخر مرتبة من مراتب التعديل- لا يعني هذا: أنه لا يحتج بحديثه، ولا بمرتبة الحسن، بل العكس هو الصواب، وخير ما يفسر به كلام الحافظ إنما هو كلامه نفسه؛ كما نقلت آنفاً عن أبي حاتم نفسه.
فما رأيكم- دام فضلكم- فيمن يفسِّر كلام أهل العلم على غير مرادهم؟.
فهل بعد هذا يصحّ أن نقول: إن قول أبي حاتم: «يكتب حديثه» لا يقام مقام الاحتجاج، وإنما يذكر في الضعيف ونحوه؟!
وليس يصحّ في الأذهان شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل
وأما قوله (ص20): «وقال ابن عيينة: لم نأخذ منه إلا ما لا نجد عند غيره؛ قلت: وفي هذا تضعيف له، إذ لو كان من الثقات ما توانى عنه ابن عيينة، وإنما تعامل معه معاملة الضعفاء الذين يروي لهم عند الحاجة، وهذا أسلوب معروف عند المتقدمين... إلخ».
أقول: هذا القول ينقضه كلامه -نفسه- (ص21): «ولم يعتمده البخاري في «صحيحه»، وإنما أخرج له حديثاً واحداً متابعةً...ولم يعتمده -أيضاً- مسلم في «صحيحه»، وإنما أخرج له... في المتابعات... والشواهد».
هذا وحده يهدم ما زعمه وتأوَّله من كلام ابن عيينة- والذي ليس هو بصريح في التضعيف- فهذا (الهدام) يشهد: أن البخاري ومسلماً أخرجا له في الشواهد والمتابعات -زعم- ، فهل من يخرج له في «الصحيحين» في المتابعات والشواهد وُجِدَ عند غيره ما وُجِدَ عنده أم لا ؟ فالبخاري ومسلم رويا له في «صحيحيهما» من طريق سفيان بن عيينة عنه، فأنت تقول: أخرجا له متابعة، فلماذا لم يأخذ سفيان بن عيينة عن الذي تابع هشاماً وهو موجود عند المتابع؟ لِمَ روى عنه مباشرة مع وجود من تابعه من الثقات؟! فهل من حاجة لأن يروي -مع زعمك ضعفه- سفيان عن هشام مع وجود من تابعه ومن هو أوثق منه؟! هذا يبطل ويهدم ما حمّلت به كلام الإمام سفيان بن عيينة ما لم يحتمله.
ثم؛ مَن وضع هذه القاعدة التي ذكرتها؟ وأين هي؟ فالأخذ عن بعض الرواة لعدم وجود الحديث عند غيره ليس بلازم منه ضعف هذا الراوي؛ فتنبه!
لكن هذا الرجل في سبيل تأييد كلامه؛ يهرف بما لا يعرف، ولا يعرف ما به يهرف، فالمهم أن يؤذي بما به يهذي!
وأمّا نقله عن أبي داود: أنه ضُرب الحدّ بمكة ،فهذا ليس بتضعيف، ولا جرح قط -إن صحَّ هذا عن أبي داود-.
هذا ما وقفت عليه من تضعيف هذا (الهدّام) لهشام بن حجير.
أما جوابه عن توثيق من وثقه؛ فكلام مضحك مبكٍ؛ يدل على عِظَمِ جهله وتجاهله و مكابرته وخوضه في علم لا يحسنه، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت»([21]).
قال (ص21):« وأمّا ما ذكر من توثيق العجلي، وابن سعد ، وابن حبان فواحدهم قريب من الآخر ، وليسوا بالمعتمدين ككبار المتقدمين عند التفرد، فكيف عند المخالفة لهم ؟!! وكذا الساجي وابن شاهين».
قال شيخنا الإمام الألباني -رحمه الله- رداً على صنيع له -مثله-:
«إن هذا التعليل المذكور ليس على إطلاقه ، فكثيراً ما رأينا الحفاظ النقاد من المتأخرين يوثِّقون من تفرَّد بتوثيقه ابن حبان؛ كالإمام الذهبي، والحافظ العسقلاني، وما أظن أن الغرور وصل بك إلى أنّ تدعي: أنك أعلم منهم! أو أن تحشرهم في زمرة المتساهلين»([22]).
فكيف إذا ضُمّ إليه العجلي وابن سعد وابن شاهين والساجي؟!
وأيضاً؛ توثيق ابن حبان والعجلي وابن شاهين مقبول إذا وافقهم أحد من الحفاظ النقاد الموثوق بتوثيقهم؛ كالذهبي، والعسقلاني وأمثالهم، وهذا قد وثقه الذهبي في «الكاشف» ؛ فقال: «هشام بن حجير ثقة»، وهو مما كتمه (الهدّام) ولم يذكر لقرائه تعمية لهم عن كلام الذهبي فيه، وأيضاً؛ لم يذكر كلام الحافظ فيه في «التقريب»:«صدوق له أوهام».
وانظروا -الآن- كيف تَنَصَّلَ -بل مَلَصَ!- من مخالفة الحفاظ الذين وثَّقوا الرجل: أما ابن حبان وابن سعد وابن شاهين والعجلي؛ فدفع توثيقهم بدعوى تساهلهم، وأما الساجي ؛ فألحقه بهم! وأما توثيق الذهبي وابن حجر، فكتمهما عن القراء؛ لأنه لا جواب لديه؛ إلا أن يقول فيهما: إنهما مقلدان! والله المستعان([23]).
وأما جهله وتجاهله ومكابرته وخوضه في علم لا يحسنه؛ فليس موضع نظر وتأمل!!
فلينظر القراء الكرام كيف لا يستقر على حكم توصلاً منه إلى تضعيف الحديث من أصله، و عليه استقر رأي الحفاظ المتأخرين -كافة- الذين هم أعلم بالخلاف الذي حكاه؛ ولذلك تتابعوا على تصحيح حديثه؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، والحافظ ابن حجر والذهبي وغيرهم
كناطحٍ صخرةً يوماً ليوهنها
فلم يَضِرْها وأوهى قَرنَه الوعِلُ
وبالجملة ؛ لقد تيقنّت من متابعتي لتضعيفاته الظالمة للأحاديث الصحيحة الثابتة عند حفاظ الأمة؛ أن الرجل مغرم بالمخالفة والمشاكسة ، وعدم الاعتداد بقواعدهم وأحكامهم ، متشبثاً بأوهى العلل ، لو كانت كخيوط القمر!([24])
بقي أن أقول: لقد حشر (الهدّام) الساجيَّ في زمرة المتساهلين الذين لا يعتمد توثيقهم، وهذا ظلم وجنف للحافظ الساجيّ!
قال ابن أبي حاتم«في الجرح والتعديل» (3/601) عن الساجيّ:« وكان ثقة يعرف الحديث والفقه، وله مؤلفات حسان في الرجال واختلاف العلماء وأحكام القرآن».
وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (14/199) و«تذكرة الحفاظ» (2/709-710) :« وللساجيّ مصنَّف جليل في علل الحديث يدلُّ على تبحُّره وحفظه».
فالساجيّ إمام نقّاد له نظره ورأيه واجتهاده ، فكيف يصحّ حشرُه في زمرة المتساهلين؟!
وأما قوله (ص21): «ولم يعتمده البخاري في «صحيحه»، وإنما أخرج له حديثاً واحداً متابعة، ولم يعتمده - أيضاً- مسلم في «صحيحه» وإنما أخرج له في المتابعات والشواهد».
أقول : هذا مما لم يقله أحد قبله، وهو خلاف ما عليه الحفاظ الذين ترجموا للرجل؛ كالمزي والذهبي والعسقلاني وغيرهم؛ حيث أطلقوا العزو للبخاري ومسلم ولم يقولوا:« في المتابعات ولا الشواهد» ، وهذا من دقَّتهم -رحمهم الله- التي يغفل عنها المذكور أو يتغافل عنها؛ لأنه لم يثق بعلمهم! بل صرَّح بذلك المزي؛ فقال في آخر ترجمته من «تهذيب الكمال» (30/181): «روى له البخاري ومسلم والنسائي» ، وكذا قال الذهبي والحافظ ابن حجر .
وارجع إلى الأرقام التي أشار إليها (الهدّام) ودقِّق النظر في ألفاظها ؛ فستجد الفرق بين هذه الروايات ، وتعرف أنه يوجد زيادات في رواية هشام بن حجير ليست عند من تابعه، ومع ذلك احتجَّ بها الشيخان؛ فتأمل!
وجملة القول: إن الحديث حسن لذاته -رغم أنف هذا (الهدّام)- كما تقدم تفصيله وتأصيله على الوجه التمام-.
ومما ينبغي التنبيه له: أن هذا (الهدّام) كتم تصحيح الحاكم والذهبي للحديث، وكذا الحافظ ابن كثير في «تفسيره» ، واحتجاج ابن عبد البر بهذا الأثر؛ لتنكشف لنا فضيحة من فضائح هذا (الغمر المتطاول) الكثيرة، وأنه لا يقيم وزناً لتصحيح أهل العلم الكبار للأحاديث والآثار.
كما أنبه أن شيخ هذا الغمر- شعيب الأرنؤوط([25])- سكت عن تصحيح الحاكم والذهبي لهذا الأثر السلفي في تحقيقه لـ«مشكل الآثار» (2/318) ؛فهو على أقل أحواله مقرّ لهما في ذلك.
فشعيب شيخه عند الموافقة! وأما عند المخالفة؛ فلا هو ولا أحد من الأئمة والحفاظ المعروفين!!! ولسان حاله يقول عن شخصه وعلمه: (لا هو إلا هو) ! نعوذ بالله من العجب والغرور([26])
قلت: ولم يتفردَّ هشام بن حجير به، بل تابعه عبد الله بن طاووس- وهو ثقة فاضل عابد- عن أبيه به بلفظ:« هي كفره، وليس كمن كفر بالله واليوم الأخر».
أخرجه الثوري في «تفسيره» (101/241) ومن طريقه الطحاوي في «مشكل الآثار» (2/317).
قلت: وهذا سند صحيح؛ رجاله ثقات رجال الشيخين وهو على شرطهما.
وأعلَّه محقق كتاب «سنن سعيد بن منصور» سعد بن عبد الله آل حميد في (4/1484) بالانقطاع بين الثوري وابن طاووس .
وهو وهم محض ؛ فإن الثوري سمع من عبد الله بن طاووس، وروايته عنه في «صحيح مسلم»؛ فكيف نقول : إنه لم يسمع منه؟!
وإنما وقع في هذا الوهم؛ لأن الثوري رواه مَرّةً عن معمر عن ابن طاووس به، فهل هذا إشكال؟!
فأقول: رواه عن ابن طاووس مرة مباشرة؛ ومرة بواسطة معمر، فتكون هذه الرواية من المزيد في متصل الأسانيد؛ كما لا يخفى على المشتغلين في هذا العلم.
وهذه الرواية مما لم يوردها (الهدّام) -ألبتة-، ولكنه أخفاها وكتمها عن قرائه، أهكذا تكون الأمانة العلمية أيها (الغمر المتعالم)؟!
ولو تأملت أيها القارىء في سرِّ حذف (الهدّام) لهذه الرواية؛ فإنك ستندهش جداً؛ فإن هذه الرواية هدمت رسالته، ونقضت غزله؛ فهو لم -ولن- يجد جواباً للردّ على صحتها؛ فأخفاها عن قرائه ، من باب الهرب نصف الشجاعة.
وأخرجه الإمام أحمد في «الإيمان» (4/158-159/1414)، ومحمد بن نصر المروزي في«تعظيم قدر الصلاة» (2/521/571و522/572)، والفريابي في «تفسيره» ؛ كما في «الدر المنثور» (3/87)، ومن طريقه الطحاوي (2/317-318) ، والطبري في «جامع البيان» (6/166) ، وابن بطة في «الإبانة» (2/734/1005) عن وكيع وأبي أسامة كلاهما عن الثوري عن معمر بن راشد عن عبد الله بن طاووس به بلفظ :«هي به كفر، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله».
قلت : وهذا سند صحيح.
وصححه شيخنا العلامة الإمام أسد السنة الهمام أبو عبد الرحمن الألباني - رحمه الله- في تعليقه على كتاب «الإيمان» لشيخ الإسلام ابن تيمية(ص307).
وأخرجه أحمد في «الإيمان » (4/160/1420)، وابن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (2/521/570)، والطبري في «جامع البيان» (6/166)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ( 4 /1143 /6435 )، و القاضي وكيع في «أخبار القضاة» (1/41) وابن بطة في «الإبانة» (2/736/1009) جميعهم عن عبد الرزاق وهذا في «تفسيره» (1/1/191): أنا معمر عن عبد الله بن طاووس به بلفظ: «هي كفر» ، قال ابن طاووس : «وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله».
ونقل الإمام الهمام ابن قيم الجوزية - رحمه الله- في « حكم تارك الصلاة» (ص74) أن لفظ أثر ابن عباس هذا من رواية عبد الرزاق هو: « هو بهم كفر، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله »، وفي رواية: «كفر لا ينقل عن الملة».
أما ذاك (الهدّام) ؛ فلم يرق لهواه أن يصحح طريق الثوري؛ فقد ضعفها بعلل أوهى من بيت العنكبوت، تدل على افترائه وكذبه على الرواة الذين هم أنبل وأطهر من أن يتكلم فيهم واحد مثل هذا(الفسل)!!
قال- عامله الله بما يستحق-(ص22): «وظاهر إسناد حديث الثوري جيد!!؛ فإنهم كلُّهم ثقات!! لكن ظهرت فيه علّة معمر بن راشد الصنعاني!! فقد أخطأ في الرواية!! ومعلوم أنه يخطىء ويهم ويضطرب في حديثه إذا حدَّث به خارج اليمن ؛ لأنه ما كان يصطحب كتبه! فيقع في حديثه الوهم والخطأ... إلخ».
قلت: هذا الكلام مع ركاكته وضعف إنشائه وصياغته؛ فإن حكايته تغني عن ردّه؛ فهو كلام يدل على أن قائله لا يفهم الحديث إطلاقاً، ولا يعرف علله أبداً، وحق له ذلك؛ فهو المتخصص لهدم السنة، فالغريق يتشبث ولو بِقَشّة؛ كما يقال.
وقبل الردِّ عليه لا بدَّ من إشارة؛ وهي: أنه لا يُعرف لهذا الرجل نظير في تضعيف الأحاديث النبوية والآثار السلفية، وهو وحيد دهره في اختلاق العلل والأوهام- زعم- لرواة الحديث، مما يدّل أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن وراء رسالته فتنة يسعى لنشرها ، فاللهم اطفىء نارها.
فإنه من المعروف عند أهل العلم بعامة، وأهل الحديث بخاصة: أن وهم راو ما، في حديث ما، لا يستلزم وهمه في جميع ما يرويه، ولو اتبعنا هذا الأسلوب- الخبيث- فإننا نكون بصنيعنا هذا قد حملنا معاول الهدم، ورفعناها في وجه السنة النبوية ، ونكون قد هدمنا أكثرها- عياذاً بالله من ذلك- فهذا الهدام (الجاهل) لما ضاق ذرعاً في تصحيح هذه الطريق؛ لسلامتها من جميع العلل، وثقة رجالها، وتصحيح أهل العلم لها؛ اختلق علَّة غريبة عجيبة؛ يشم منها أن هذا الرجل على أقلّ أحواله إن لم يكن دخيلاً على الإسلام والمسلمين؛ فهو عدو من أعداء السنة، خبيث يريد أن يبطل الأثر ؛ لينشر فكره وفكر شيخه المفتون به الذي قدَّم له- وهو الفكر التكفيري- وهو أخبث الأفكار التي دخلت على هذا الدين، ولعل هذا من علامات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، حيث أخبر أن الخوارج سيستمرون، وأن فكرهم سيبقى موجوداً حتى يخرج في أعراضهم الدجال.
ماذا صنع هذا (الهدام) ؟ ضعف هذه الطريق بمعمر بن راشد الإمام الحافظ الثقة؛ فإنه لما علم أن معمراً إمام ثقة ثبت، لم يجد مناصاً منها؛ فاختلق علَّة -والله- هي -والله- من عند نفسه ، أو ممن يموِّله ويعطيه دراهم لأجل كتابة مثل هذا الكلام؛ فقال: «فيه علّة؛ معمر بن راشد الصنعاني؛ فقد أخطأ في الرواية، ومعلوم أنه يخطىء ويهم ويضطرب في حديثه إذا حدّث به خارج اليمن...إلخ».
أقول: أين الدليل أن معمراً أخطأ في هذه الرواية؟ وأين الدليل أن الإمام الثوري- وهو من أوثق أهل الدنيا- سمع منه هذا الحديث في غير اليمن- على حدّ زعمه الكاذب- أو أنه سمع منه في بلد آخر؟ وأين الدليل أن ما يرويه معمر في غير اليمن ليس بمقبول وهو مردود بإطلاقه؟
كلّها أسئلة علمية مطروحة ، تُلزمه أن يجيب عليها... هذا شيء، وشيء آخر، فرواية سفيان الثوري عن معمر مشهورة في كتب السنة، وإليك بعض مواطنها:
«صحيح البخاري» (4749و5944و7083).
«صحيح مسلم» (977و979و1628).
«سنن الترمذي» (140و858و1346و1444).
«سنن النسائي» (5381).
«سنن أبي داود» (1576).
«سنن ابن ماجه» (3797).
«المسند» للإمام أحمد (1/220و3/185و6/38و40و387).
وعلى رأيه الباطل -هذا-؛ فإننا سنضعف جميع روايات معمر؛ لأنه يخطىء ويهم ويضطرب -على حد زعمه-، على أن الإمام الحافظ الثوري - راوي هذا الأثر عن معمر - سمع من معمر في اليمن ؛فانتفى ما يتشبث به هذا (الدّعي) من وهم معمر في غير اليمن؛ فقد قال الحافظ العجلي في «تاريخ الثقات» (435/1611-ط دار الكتب العلمية) :«معمر بن راشد أبو عروة، بصري سكن اليمن، رجل صالح يروي عن ابن المبارك ، سكن صنعاء وتزوج بها ، رحل إليه سفيان الثوري، وسمع منه هناك، وسمع هو من سفيان ..».
وهذا نصٌّ صريح من هذا الإمام: أن سفيان سمع من معمر في اليمن ، وأنه رحل إليه ؛ فهو صحيح الحديث إذا حدث داخل اليمن باعتراف (الهدام) نفسه؛ ولذلك أخرج أصحاب كتب السنة من رواية سفيان عن معمر.
لكن ماذا فعل (الهدام)؟ قال (ص23):«..قد رواه سفيان الثوري وهو كوفي، وأقام بمكة، وتحول إلى البصرة ، فأقام ومات فيها..» ولم يتعرض أبداً لكلام العجلي هذا ألبتة فأين هذا من الأمانة العلمية؟! وهو قد رأى هذا النص بعينه في «تهذيب الكمال» (28/309) ولكن كتمه على قرائه؛ لأنه يعرف أنهم لا يبحثون خلفه، ولا يتحققون من كلامه -كما خُيِّل إليه أو وسوس له-!
وقوله: إن معمراً (يخطىء ويهم ويضطرب في حديثه)، من يحكم على خطئه ووهمه واضطرابه: آلحفاظ الراسخون في هذا العلم؛ أم الجهلة الأغمار ممن لا يحسنون فهم كلام أهل العلم؟!
وكلام أهل العلم في وهم معمر وخطئه؛ إنما هو في حديثه الذي حدث به في البصرة ، وسفيان الثوري لم يسمع منه في -بلده البصرة- بل رحل إليه، فسمع منه في اليمن؛ كما تقدم في كلام العجلي.
ثم قال هذا (الهدام): «لأنه ما كان يصطحب كتبه؛ فيقع في حديثه الوهم والخطأ...».
أقول : هذا الكلام فيه تفصيل ، قال الحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير» (3/168): «فحديثه الذي حدَّث به في غير بلده - يعني: اليمن- مضطرب؛ لأنه كان يحدِّث في بلده من كتبه على الصحة، وأما إذا رحل ؛ فحدَّث من حفظه بأشياء وَهِمَ فيها، اتفق على ذلك أهل العلم به؛ كابن المديني والبخاري وأبي يعقوب بن شيبة وغيرهم...».
ونحوه قال الإمام أحمد؛ كما سيأتي.
فمعمر إذا روى حديثه في اليمن ؛ فهو حجة ؛ لأنه كان يحدث من كتبه على الصحة، وحديثنا هذا من هذا القبيل ؛ فإن سفيان الثوري سمع من معمر باليمن؛ كما تقدم.
وأما إذا روى حديثاً خارج بلده، فإنه يحدِّث من حفظه فَيَهِمُ بأشياء، وليس في كلّ ما يروي، وهذا أمر مهم لم يفهمه ذاك (الهدام) -فضلاً عن أن يفصّله- بل أعلّ جميع ما يرويه معمر في خارج اليمن، ثم أمرٌ آخر؛وهو ما استنبطناه من كلام الحافظ نفسه: أن الذي حكم على وهم معمر في بعض ما يرويه هم الحفاظ النقاد؛ كابن المديني والبخاري ونحوهما ، ليس غمراً جاهلاً لا يحسن صناعة الكلام فضلاً عن معرفة أصول علم الحديث وعلله الخفية التي قد تخفى على بعض الحفاظ كابن حبان والحاكم، فكيف بمن ليس بحافظ - بل سيّئ الحفظ والفهم، وقليل العلم والأدب مع أهله؟!-.
فالحاصل: أن ما رواه معمر خارج بلده من حفظه قد يَهِمُ في بعضها، لكن ليس في كلِّها، ثم لا بدّ أن يكون عندنا نصّ صريح من أهل العلم النُّقاد في الحكم بوهمه؛ وهذا مفقود تماماً في حديثنا هذا.
ولتعلم أخي القارىء؛ أنه لم يقل هذا الكلام أحد قبل هذا الهدام، بل على العكس ؛ فإن روايته هذه التي بين أيدينا حدَّث بها في اليمن، وحدَّث بها عن أكثر شيوخه ملازمة واتقاناً؛ وهو عبد الله بن طاووس؛ قال ابن أبي خثيمة؛ كما في «تهذيب التهذيب» (10/245) و«هدي الساري» (ص571-ط دار المنار): «سمعت يحيى بن معين يقول: إذا حدثك معمر عن العراقيين؛ فخالفه إلا عن الزهري و ابن طاووس؛ فإن حديثه عنهما مستقيم»، ولذلك أخرج الجماعة من روايته عن ابن طاووس، هذا شيء.
وشيء آخر: أن الوهم والاضطراب والخطأ المزعوم في رواية معمر؛ إنما هو -حقيقة- فيما إذا حدَّث عن ثابت البناني وعاصم بن أبي النجود وهشام بن عروة وقتادة والأعمش ونحو هذا الضرب([27]).
أما روايته عن ابن طاووس -كما في حديثنا هذا-؛ فهي مستقيمة بنصِّ الإمام الحافظ ابن معين؛ فهل بقي بعد هذا البيان وجود لكلام هذا المتهافت؟! وهل بقي له أي قيمة علمية تذكر؟!
وهذا -كلُّه- لم يتطرق له الهدام في «رسالته» ألبتة- عامله الله بما يستحق-.
ثم هذه الأوهام والأخطاء المنسوبة لمعمر: هل هي على إطلاقها أم بتفصيل على نحو ما ذكر أهل العلم ؟!
ولذلك قال الإمام الذهبي في «ميزان الاعتدال» (4/154):« أحد الأعلام الثقات ، له أوهام معروفة احتملت له في سعة ما أتقن» .
فهذا نص صريح أن أوهام معمر معروفة، وهي قليلة في سعة ما حدَّث، ولو كان هذا الأثر من أوهامه ؛ لبيّنه أهل العلم ولذكروه ، مع اشتهار هذا الأثر بين أهل العلم وتداوله فيما بينهم، وقبولهم له في عقائدهم.
ثم ذكر( الهدام)- على حدِّ زعمه- ما يؤيد ما ذهب إليه من وهم معمر؛ فضرب مثلاً على ذلك في حديث إسلام غيلان، وتحته عشر نسوة([28]).
أقول: ضَرْبُه هذا مثلاً يدل على جهله، وقلة علمه في هذا الفن الشريف؛ فقد بيّنا سابقاً أن حكم أهل العلم على وهم معمر في حديث ما، لا يستلزم وهمه في سائر ما روى، فالسؤال الذي نطرحه : مَن مِنْ أهل العلم حكم على وهم معمر في حديثنا هذا؟ وأين نصُّهم؟ بل على العكس؛ فإنهم كلهم متفقون مجمعون على ثبوته؛ لا اختلاف بينهم في ذلك ولا تفاوت.
ثم هذا المثال لا يلتقي -ألبتة- حديثنا هذا؛ فإن هذا (الهدّام) نقل عن الحافظ ابن حجر: أن من رواه عن معمر، إنما سمع منه بالبصرة.
قلت: وهذا بخلاف حديثنا؛ فإن معمراً حدث بحديثنا هذا في اليمن؛ إذ الراوي عنه -وهو سفيان الثوري- ممن رحل إليه إلى اليمن وسمع منه، فأين هذا من ذاك؟!
وحسبك أن تعلم -أخي القارىء- أن حديث إسلام غيلان لم يروه الثوري عن معمر، ولم يذكروا أن الثوري رواه عنه؛ لتعلم الفرق بين المثالين.
ثم أورد أمراً آخر يؤيد -زعم- ما ذكره، وهو: أن معمراً يَهِمُ ويسوء حفظه في الرواية عن كثير من الثقات، مما يؤكد أنه في غير اليمن إذا حدَّث وقع منه الوهم والغلط...الخ.
وفي هذا الكلام - المكرر بعض الشيء- تهافت واضح؛ فإن (الهدام) ذكر (ص24) أسماء الرواة الثقات الذين يهم معمر فيهم إذا روى عنهم، وليس فيهم واحد ممن روى معمر هذا الحديث عنه؛ فإن عبد الله بن طاووس شيخ معمر في حديثنا هذا متفق على توثيقه، وروايته عنه في «الصحيحين»؛ فهي مستقيمة؛ كما قال ابن معين، ولم ينص أحد من أهل العلم على وهم معمر في حديثه عن شيخه ابن طاووس... ولم يذكر (الهدام) هذا ألبتة؛ ولذلك اختار الحافظ في «التقريب» هذا الكلام ؛ فقال: «معمر بن راشد...ثقة ثبت فاضل؛ إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئاً»؛ ولذلك لم يخرج الشيخان في «صحيحيهما» شيئاً من روايته عنهم -إلا ما توبعوا عليه-، وأخرجا له من روايته عن ابن طاووس؛ فتأمل([29])!!
وأعود وأذكر حقيقة كتمها (الهدام) -ضمن ما كتم من حقّ-، وهي: أن سفيان سمع هذا الحديث من معمر في اليمن، ثم لماذا كتم (الهدام) هذا النقل عن العلماء مع أنه في الصفحة نفسها التي نقل عن أهل العلم تضعيفهم لرواية معمر عن بعض الثقات، الأمر الذي يؤكد ما ذكرنا مراراً: أن هذا الرجل يذكر ما له ويكتم ما عليه؛ وما أجمل ما رواه الدارقطني في «سننه» (1/26) عن وكيع قال: «أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم»!
ثم ذكر هذا (الهدام) (ص25): أن الذي جعله يحكم بخطأ معمر في هذه الرواية : أن عبد الرزاق رواها عن معمر على الصواب، ولم يذكر ما ذكره الثوري، وعبد الرزاق من أوثق الناس في معمر.
قلت: سبيل أهل العلم بالحديث -حقَّاً- أنهم يحكمون للحديث بالصحة إذا كان إسناده متصلاً، و رجاله ثقات، ولم يكن شاذاً ولا مُعَّلاً، فهنا عندنا روايتان عن معمر: أحدهما مفصلة، والأخرى مجملة، والذي روى المفصلة هو الإمام سفيان الثوري، والذي روى المجملة هو عبد الرزاق، فأين الإشكال؟ وأين وجه الخطأ في رواية الثوري حتى تُقَدَّمَ روايةُ عبد الرزاق عليه؟!
على أننا لو قدمنا رواية الثوري على رواية عبد الرزاق لما أبعدنا النُّجْعَة؛ بل هو الأصح والأقرب إلى منهج أهل الحديث لأمور:
1-أن الإمام الثوري أوثق بكثير من عبد الرزاق، وأثبت منه في معمر، ولكي لا أطيل النقل عن أهل العلم في ذلك؛ مكتفياً بما ذكره الحافظ ابن حجر في «التقريب» في ترجمتيهما فقال- رحمه الله- في ترجمة (سفيان) : «ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة».
وقال في ترجمة(عبد الرزاق) :«ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخر عمره؛ فتغير، وكان يتشيع».
ثم إن الإمام الثوري- وقد لُقِّب بأمير المؤمنين في الحديث- شيخ عبد الرزاق؛ لقي معمراً ولازمه قبل عبد الرزاق؛ فهو قديم اللقاء به، وهو أوثق من تلميذه بكثير.
2-أن عبد الرزاق تكلم فيه عدد من أهل العلم، ولو أردت أن أحذو حذو (الهدام) في أسلوبه؛ لضعفت جميع أحاديثه، ويكفينا هنا أن الأئمة: ابن عدي والعقيلي والذهبي ذكروه في كتبهم المختصة في نقد الرجال -أو من تُكُلِّم فيه- بخلاف الثوري المجمع على ثقتة، والذي لم يتكلم فيه أحد ألبتة.
3-أنه لا تعارض بين روايتيهما؛ فالثوري إمام ثقة حجة زاد، والأصل أن الزيادة من الثقة مقبولة، فكيف بأمير المؤمنين في الحديث؟! وعليه نقول: إن الروايتين صحيحتان على الوجهين؛ لا تعارض بينهما، وهذا الجمع بين الروايتين أولى -بكثير- من تخطئة الرواة بدون حجة أو دليل.
ثم ذكر (الهدام) (ص26) عن الإمام أحمد -رحمه الله- قوله: «حديث عبد الرزاق عن معمر أحب إليّ من حديث هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كتبه وينظر؛ -يعني: باليمن-، وكان يحدثهم بخطأ بالبصرة».
أقول : ذكر الهدام -نفسه- (ص23): أن سفيان الثوري كوفي وأقام بمكة ثم تحول إلى البصرة، فأقام ومات بها، فهو -إذاً- ليس من أهل البصرة ممن عناهم الإمام أحمد، ثم إن الثوري سمع من معمر باليمن؛ كما نقلته عن العجلي ، فهل يصح أن يكون هذا النص مؤيِّداً لزعمه؟ بل هو يهدم أسّه، وقد فصلت فيما مضى مسألة سماع الثوري من معمر ، وروايته التي في اليمن وغيرها فلا أعيد ، الأمر الذي ينبهنا أن هذا (الهدام) لا يدري ما يكتب ؛ فهو يهدم رسالته بيده ، فمتى شاء جعل الثوري كوفياً، ومتى شاء جعله مكياً ، ومتى شاء جعله بصرياً ولكنه لم يجعله يمنياً- وهكذا يفعل الجهل بأهله-!
ثم رأيت عبد الرزاق -نفسه- روى الأثر عن شيخه سفيان الثوري عن رجل عن طاووس عن ابن عباس قال: «كفر لا ينقل عن الملة».
أخرجه محمد بن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (2/522/ 573)([30]).
والرجل هو عبد الله بن طاووس ؛ كما في سائر الروايات عن الثوري؛ كما تقدَّم ، وهذا يؤكِّد ما قرَّرته -من قبل- أن رواية سفيان أصح ، والله أعلم.
أما ذاك الهدام (الفسل) ؛ فإنه حكم على هذه الرواية بالخطأ، إما من الناسخ أو الراوي عن عبد الرزاق دون أن يذكر أي دليل على كلامه، وإنما عزاه إلى الروايات التي ليس فيها ذكر ابن عباس، وقد فصَّلت الكلام عليها سابقاً- بحمد الله- بما يروي الغليل ويشفي العليل ويكبت الشانئ الدخيل.
وذكر أن الرجل المجهول؛ هو سعيد المكي؛ كما عند الطبري والمروزي وابن بطة.
فأقول لهذا (المتعالم): إن رواية سعيد المكي؛ هي عن طاووس من قوله، بينما رواية الرجل هي عن ابن عباس ،فأين هذا من ذاك؟! ثم لِمَ لَمْ تجعل الرجل هو عبد الله بن طاووس؛ كما رواه الثوري -نفسه- في « تفسيره» عن عبد الله بن طاووس عن أبيه عن ابن عباس؟! وعبد الله بن طاووس مشهور الرواية عن أبيه، وهي رواية موصولة كما ترى! بل إنك كتمت هذه الرواية ولم تتعرض لها، أهكذا العلم؟ أهكذا يكون النقل من النصوص؟ فإلى الله المشتكى من زمان يتكلم فيه الرويبضة ، ومن زمان يجيء فيه أغمار متطاولون يعيثون في كتب السلف -أهل الحديث- فساداً!!
ثم هنا تنبيه آخر: وهو أن هذا (الهدام) ذكر أن الإمامين الطبري والمروزي أخرجا هذه الرواية .
وهذا وحده يكفي لبيان جهله وعدم تفريقه بين الطرق ؛ فطريق الطبري عن طاووس من قوله، وطريق المروزي عن ابن عباس من قوله؛ فهذا موقوف، وذاك مقطوع، وبينهما فرق؛ فتأمل!!
جمال البليدي
03-10-2008, 01:04 PM
الفصل الثاني
طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس
وقد توبع طاووس- عليه- عن ابن عباس؛ تابعه علي بن أبي طلحة عنه بلفظ :« من جحد ما أنزل الله؛ فقد كفر، ومن أقرّ به ولم يحكم ؛ فهو ظالم فاسق».
أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/166)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (4/1142/6426و1146/6450) عن المثنى بن إبراهيم الآملي وأبي حاتم الرازي كلاهما عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة به.
قلت: وهذا سند حسن؛ رجاله ثقات، وفي معاوية بن صالح وعلي بن أبي طلحة كلام يسير لا ينزل حديثهما عن رتبة الحسن.
وقد أعلَّ (الهدام) هذه الطريق (ص34) بالانقطاع بين علي بن أبي طلحة وابن عباس ، والضعف الذي في علي بن أبي طلحة ، والكلام الذي في عبد الله ابن صالح.
وليس هذا كله بشيء- إن شاء الله- عند التحقيق العلمي:
أما الانقطاع ؛ فقد قال الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (7/339): «علي بن أبي طلحة... روى عن ابن عباس ولم يسمع منه، بينهما مجاهد».
وقال -أيضاً- في «العجاب في بيان الأسباب» (1/207-ط دار ابن الجوزي): «وعلي؛ صدوق لم يلق ابن عباس، لكنه إنما حمل عن ثقات أصحابه؛ فلذلك كان البخاري وابن أبي حاتم وغيرهما يعتمدون على هذه النسخة»([31]).
وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (3/134): « أخذ تفسير ابن عباس عن مجاهد ؛ فلم يذكر مجاهداً بل أرسله عن ابن عباس».
وقال: «...روى معاوية بن صالح عنه عن ابن عباس تفسيراً كبيراً ممتعاً».
وقال أبو جعفر النحاس في «الناسخ والمنسوخ» (ص75) :«والذي يطعن في إسناده يقول: ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس ، وإنما أخذ التفسير عن مجاهد وعكرمة، وهذا القول لا يوجب طعناً؛ لأنه أخذه عن رجلين ثقتين، وهو في نفسه ثقة صدوق».
وقال السيوطي في«الإتقان» (2/188):« قال قوم : لم يسمع ابن أبي طلحة من ابن عباس التفسير ، وإنما أخذه عن مجاهد أو سعيد بن جبير؛ قال الحافظ ابن حجر : بعد أن عرفت الواسطة- وهو ثقة- ؛ فلا ضير في ذلك».
أما ضعف علي بن أبي طلحة؛ فكلُّ صدوق فيه ضعف ولا بد، وإلا؛ فَلِمَ ينزل عن مرتبة الثقة؟ وهذا معروف لا يحتاج لبيان، وقد فصلت -بعض الشيء - في هذا فيما تقدم؛ فلا أعيد.
أما الكلام الذي في عبد الله بن صالح شيخ البخاري؛ فهو كثير طويل لكن لشيخ الإسلام وأمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر- رحمه الله - كلمات رائعات تجمل الكلام فيه ؛ فقال في «هدي الساري» (ص414)- بعد ذكر الكلام فيه- : «ظاهر كلام هؤلاء الأئمة أن حديثه في الأول كان مستقيماً ثم طرأ عليه فيه تخليط؛ فمقتضى ذلك: أن ما يجيء من روايته عن أهل الحذق كـ( يحيى بن معين، والبخاري، وأبي زرعة ، وأبي حاتم) ؛ فهو من صحيح حديثه، وما يجيء من رواية الشيوخ عنه؛ فيتوقف فيه» أ.هـ.
قلت : وهذا منها ؛ فإن من الرواة المشار إليهم في كلام الحافظ أبا حاتم الرازي، وقد رواه هنا عن عبد الله بن صالح ، وروايته عند ابنه في «التفسير»؛ فثبت الأثر وبطل النظر، ولله الحمد والمنّة على الإسلام والسنّة.
وَهَب -جدلاً- أن هذه الطريق أُعلت بالانقطاع؛ لكن لا بأس بها في المتابعات والشواهد ؛ كما لا يخفى ، ولكن(الهدام) لا يعترف بقاعدة تقوية الحديث بمجموع طرقه وإن كان فيها ضعفاً ؛ فهو مكابر ماكر!
فهذا شيخنا أسد السنة العلامة الألباني- رحمه الله- في «الصحيحة» (6/114) مع إعلاله بالانقطاع -فيما اجتهد به- لم يسكت، بل قال: «لكنّه جيّد في الشواهد».
فانظر البون الشاسع بين كلام العلماء المخلصين الصادقين، وبين الناشئة الجهلة المتعالين الكاذبين!!
وبالجملة ؛ فمقولة عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما-: «كفر دون كفر» ثابتة -رواية ودراية-؛ وإذا لم تصح؛ فلا يصح شيء!
وأختم هذا الباب بنصائح علمية؛ لتكون ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
قال الحافظ الذهبي -رحمه الله- في «المقدمة الموقظة» (ص320-بشرحي): «والكلام في الرّواة يحتاج إلى ورع تامّ، وبراءة من الهوى والميل، وخبرة كاملة بالحديث، وعلله، ورجاله.
ثم نحن نفتقر إلى تحرير عبارات التعديل والجرح، وما بين ذلك من العبارات المتجاذبة.
ثم أهمّ من ذلك أن نعلم بالاستقراء التّامّ: عرف ذلك الإمام الجهبذ، واصطلاحه، ومقاصده بعباراته الكثيرة».
وقال -أيضاً- في «تذكرة الحفاظ» (1/4): «ولا سبيل إلى أن يصير العارف يزكي نقلة الأخبار ويحرجهم جهبذاً إلا بإدمان الطلب، والفحص عن هذا الشأن، وكثرة المذاكرة والسهر والتيقظ والفهم، مع التقوى والدين المتين، والإنصاف، والتردد إلى مجالس العلماء، والتحري والإتقان. وإلا تفعل:
فدع عنك الكتابة لست منها
ولو سودت وجهك بالمداد
قال الله تعالى: {فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}.
فإن آنست يا هذا من نفسك فهماً وصدقاً وديناً وورعاً، وإلاّ فلا تتعنَّ.
وإن غلب عليك الهوى والعصبية لرأي ولمذهب فبالله لا تتعب.
وإن عرفت أنك مخلط مخبط مهمل لحدود الله فأرحنا منك، فبعد قليل ينكشف البهرج، وينكب الزغل، ولا يحيق المكر السَّيِّء إلا بأهله، فقد نصحتك.
فعلم الحديث صلف، فأين علم الحديث؟ وأين أهله؟ كدت لا أراهم إلا في كتاب، أو تحت التراب».
وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في «نزهة النظر» (ص73): «وليحذر المتكلم في هذا الفن من التساهل في الجرح والتعديل؛ فإنه إن عدّل أحداً بغير تثبُّت، كان كالمثبت حكماً ليس بثابت؛ فيخشى عليه أن يدخل في زمرة من روى حديثاً وهو يظن أنه كذب.
وإن جرّح بغير تحرُّز أقدم على الطعن من مسلم بريء من ذلك، ووسمه بميسم سوء يبقى عليه عاره أبداً».
جمال البليدي
03-10-2008, 01:08 PM
الآثار السلفية الموافقة لتفسير عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-
وفيه فصلان:
الأول: عطاء بن أبي رباح -رحمه الله-.
الثاني: طاووس اليماني -رحمه الله-.
الفصل الأول
عطاء بن أبي رباح -رحمه الله-
وقد صحّ هذا الأثر عن جمع من جِلَّة التابعين، ممن تلقوا العلم عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما-، مما يدلُّك على أنهم للصحابة في فهم الكتاب والسنة مقتفون، وأنهم على آثارهم ماضون.
قال عطاء: «كفر دون كفر، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق»
أخرجه الإمام أحمد في «الإيمان» (4/159-160/1417و161/1422) وفي «مسائل أبي داود» (ص209)، والطبري في «جامع البيان» (6/165و166)، ومحمد بن نصر المروزي في «تعظيم قدرالصلاة» (2/522/575)، وابن بطة في «الإبانة» (2/735/1007و736-737/1011)، وابن أبي حاتم في «تفسيره»(4/1149/6464)، والقاضي وكيع في «أخبار القضاة» (1/43) من طريق سفيان الثوري عن ابن جريج عن عطاء به.
قلت: وهذا سند صحيح رجاله ثقات، وصححه شيخنا الألباني- رحمه الله- في «الصحيحة» (6/114).
أما ذاك (الهدام) ؛ فلم يرفع رأساً لهذا الأثر، ولم يأبه به؛ بل ضعَّفه بجهل بالغ وكذب سابغ؛ مُعِلاً إياه بعلل باردة مثله، وبشبهات خبيثة لا تصدر إلا من شاكلته.
فقال (ص29): «وهذا الإسناد رجاله ثقات؛ إلا ما يخشى من تدليس ابن جريج عن عطاء ؛ ولم يصرح بالسماع .
ومسألة رواية ابن جريج عن عطاء: هل هي محمولة على السماع أم لا؟ موضع نزاع!!».
أقول: ابن جريج معروف بالتدليس مع جلالته وثقته، لكن استثنى أهل العلم روايته عن عطاء بخاصة ؛ فقد روى ابن أبي خثيمة بسند صحيح عن ابن جريج أنه قال: «إذا قلت: قال عطاء؛ فأنا سمعته منه، وإن لم أقل: سمعت»([32]).
قال شيخنا أسد السنة العلامة الألباني - رحمه الله - في «إرواء الغليل» (4/244): «وهذه فائدة هامّة جدّاً، تدلنا على أن عنعنة ابن جريج عن عطاء في حكم السماع».
وقال - أيضاً- (5/202): «وهذه فائدة عزيزة ؛فاحفظها ؛ فإني كنت في غفلة منها زمناً طويلاً ، ثم تنبهت لها ؛ فالحمد لله على توفيقه».
وقال في «صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم»: «مدلس، ولكن قد صحَّ عنه أنه قال: (وذكر ما تقدم). فإذا قيل في قوله: (عن عطاء ) أنه كقوله: (قال عطاء) ؛ فلا يضرّ عدم تصريحه بالسماع؛ كما هو ظاهر، ولعل هذا من الأعذار في إخراج الشيخين لحديثه المعنعن عن عطاء».
وقال في «الصحيحة» (1/86) : «فهذه فائدة هامة، وهل قوله: (عن عطاء) حكمها واحد أم يختلف؟ الظاهر- عندي- الأول، والله أعلم».
ثم ذكر (المأفون) (ص30) أن الإمام أحمد قال: «كلّ شيء قال ابن جريج: قال عطاء أو عن عطاء؛ فإنه لم يسمعه من عطاء.
أقول: ذكر هذا النقل عن الإمام أحمد ابنُ عبد الهادي في «بحر الدم» (ص278) من رواية ابن إبراهيم، ففي الاستدلال بهذا النقل عن الإمام أحمد نظر من وجوه:
الأول: لم يعيُّن الإمام أحمد من هو عطاء! هل هو ابن أبي رباح أو ابن أبي مسلم الخراساني؟
وعندي- والله أعلم- أنه الثاني ؛ فهو الذي قيل فيه: إن ابن جريج لم يسمع منه، بخلاف ابن أبي رباح؛ فإن الإمام أحمد أثبت رواية ابن جريج عنه، وأنه لازمه سنين، وأنه من أثبت الناس في ابن أبي رباح.
قال علي بن المديني:« سألت يحيى بن سعيد عن حديث ابن جريج عن عطاء الخراساني؛ فقال : ضعيف، قلت ليحيى : إنه يقول: أخبرني ، قال: لا شيء ، كله ضعيف؛ إنما هو كتاب دفعه إليه» ذكره الحافظ في «التهذيب» (6/406)وغيره.
فهذا نص صريح أن في سماع ابن جريج من الخراساني نظراً؛ لأنه روى عنه من كتاب دفعه إليه.
الثاني: أن ابن جريج أخبر عن نفسه أنه إذا روى عن عطاء خبراً ما؛ فإنه سمعه منه، وإن لم يصرح بالسماع، كيف لا وقد لازمه أكثر من خمس عشرة سنة، والرجل أدرى بحاله و بنفسه من غيره؛ فلا يلغي كلام أحمد- إن سلمنا أنه أراد: ابن أبي رباح- كلام ابن جريج؛ لأن ابن جريج أدرى بنفسه وبحاله من الإمام أحمد بلا ريب.
الثالث: أن كلام ابن جريج مثبت للسماع، وكلام أحمد ناف، والمثبت مقدم على النافي؛ كما هو معلوم، وبخاصة أن لابن جريج أحاديث في «الصحيحين» عن عطاء بن أبي رباح، ولم يصرح بالسماع فيها.
ثم قال (المأفون): «لعل ما ذكر عن أحمد أقرب إلى الصواب لأمرين:
الأول: ما علم من أن ابن جريج ترك عطاء بن أبي رباح في آخر عمره؛ كما ذكر علي بن المديني، وهذا يستدعي أن يروي أشياء عن عطاء من أصحابه أو...!».
قلت: هكذا يلقي الكلام على عواهنه ، ويحمّل كلام أهل العلم ما لا يحتمل، ويستنبط من كلامهم فهماً باطلاً عاطلاً لم يقله أحد قبله بل قالوا خلافه، وإنما يفعل ذلك للتشكيك؛ وهذا مما لا يعجز عنه أجهل الناس وأخبث الناس، وحكاية كلامه هذا يغنينا عن الرد عليه؛ لوضوح تفاهته وسقوطه، لكني- مع ذلك- أضع بين أيدي القراء تفسير أهل العلم لكلام ابن المديني؛ ليرى القارىء الكريم الفرق بين كلام أهل العلم من الفحول وبين كلام الأغمار أمثال هذا الجهول.
قال الإمام الحافظ الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (5/86-87) ، و«تاريخ الإسلام» (7/423-ط دار الكتاب العربي) : «قال علي بن المديني: كان عطاء اختلط بأخره، تركه ابن جريج وقيس بن سعد . قلت: لم يعن علي بقوله تركه هذان الترك العرفي، ولكنه كبر وضعفت حواسه، وكان قد تكفيا منه وتفقها وأكثرا عنه؛ فَبَطّلا؛ فهذا مراده بقوله: تركاه».
وقال في «ميزان الاعتدال» (3/70): «لم يعن الترك الاصطلاحي، بل عنى أنهما بَطّلا الكتابة عنه، وإلا؛ فعطاء ثَبْتٌ رِضَىً».
وعليه؛ فابن جريج حدث بهذا الحديث ورواه عن عطاء قبل اختلاطه؛ لأن ابن جريج لم يكتب عنه في اختلاطه -بنص كلام الإمام الذهبي- فأين العلة، وأين الوهم والخطأ؟ وإنما هو العفن استفحل في رؤوس القوم وأفهامهم.
ثم قال (المأفون): «الثاني: منازعة راو مجهول له في الرواية» ثم ذكر ما أخرجه الطبري والقاضي وكيع من طريق حماد بن سلمة عن أيوب بن أبي سهلة ! عن عطاء به ، قال: « وأيوب بن أبي سهلة؛ هذا مجهول ، لا يعرف له غير هذا الخبر...».
قلت: وهذا من أسلوبه الخبيث في هدم السنة؛ فإنه يقدم رواية المجهول الضعيف- بزعمه- على رواية الثقة الثبت خلافاً لقاعدة علماء المصطلح؛ بل العقلاء جميعاً.
على أنه لا تعارض بينهما (ولا منازعة)، بل هي متابعة لابن جريج منه، وهذا مما كتمه (الهدام) عن البقية الباقية من قرائه!؛ ليحملهم على تقليد جهله، ويصرفهم عن اتباع أهل العلم والبصيرة من علمائهم الذين صححوا هذا الأثر، وأصلوا به -وأمثاله- عقائدهم.
فأين المخالفة؟
ومن خالف من؟
لكن هذه التعابير اللولبية والإنشاءات الحلزونية التي يحدثها هذا الهدام الجهول: هي من باب التكلف والتنطع المنهي عنه؛ كما في الحديث الصحيح: «هلك المتنطعون».
وإلا ؛ فلماذا أعرض عن الاصطلاح العام المعروف عند علماء الإسلام أن رواية الثقة تقدم- بلا خلاف- على رواية المجهول؟!
لا لشيء سوى حبّ المشاكسة والمخالفة الذي حاد به عن سبيلهم -غاية وأسلوباً-، لكنه ينطلق في كل ما يكتب من تلك القاعدة اليهودية الدخيلة: (الغاية تسوغ الوسيلة)؛ ولذلك لا بدّ من الوصول إلى (مآربه) بكل(مكر ودهاء وحيلة).
جمال البليدي
03-10-2008, 01:10 PM
الفصل الثاني
طاووس اليماني - رحمه الله-
قال: «ليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله»([33]).
وعنه- أيضاً- قال: « ليس بكفر ينقل عن الملة».
أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/166) والإمام أحمد في «مسائل أبي داود» (ص209)، و«الإيمان» (4/160/1418)، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (2/522/574)، وابن بطة في «الإبانة» (2/735/1006) من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن سعيد المكي عن طاووس .
قلت: وهذا سند صحيح؛ رجاله ثقات، وسعيد المكي يحتمل أنه ابن حسان القرشي المخزومي، أو ابن زياد الشيباني، وكلاهما مكي ذكرا في تلاميذ طاووس؛ لكن الذي أرجحه: أنه ابن حسان القرشي المخزومي؛ فقد ذكروا في ترجمته أن سفيان الثوري يروي عنه بخلاف الشيباني؛ فلم يذكروه ، والله أعلم.
وابن حسان المخزومي ثقة؛ وثقه النسائي وأبو داود وابن معين ويعقوب بن سفيان وابن حبان.
وابن زياد الشيباني ؛ وثقه ابن معين وابن حبان والعجلي، وروى عنه جمع.
وهذا الأثر صححه شيخنا- رحمه الله- في «الصحيحة» (6/114).
أما ذاك المتعالم(الهدام)؛ فإنه لم يَرُقْ له تصحيح هذا الأثر؛ فأعلّه بجهالة سعيد المكي، ونفى أن يكون واحداً ممن ذكرناهما، وادّعى بجهل بالغ أن سعيداً المكي: هو آخر ذكره البخاري في «التاريخ الكبير»، ولم يذكر فيه جرحاً أو تعديلاً.
فأقول لهذا الغمر: اعلم أن من اسمه سعيد المكي ويروي عن طاووس، أكثر من واحد، فليس لنا من سبيل لترجيح واحد من هؤلاء الرواة إلا بقرينة واضحة صريحة؛ كمعرفة الراوي عنه مثلاً، أو تسميته في بعض الطرق، وحديثنا هذا من هذا القبيل: فالذي يرجح أنه ابن حسان المخزومي هو أنه شيخ الثوري، وقد ذكروا ضمن تلاميذ المخزومي سفيان الثوري، بخلاف جميع من ظن أنه الذي روى عن طاووس.
وأخيراً أقول: يا ليت الجاهل سكت؛ لأراحنا، ووفرّ علينا جهداً طويلاً في الرد عليه وعلى أعداء السنة، ولقد قيل قديماً: لو سكت من لا يدري لسقط الخلاف.
وليعلم هذا (الهدام) وشيخه (المفتون به) أن الأرض لن تخلو من قائم لله بحجة ، وأن الله سيقيض لهذا الدين من يذب عن حياضه، وعن صفائه شاء من شاء وأبى من أبى، وأنه مهما حاول أعداء الله تشكيك الناس بدينهم، فإنا إن شاء الله صابرون مرابطون للذبّ عن سنة نبينا وديننا بالطريقة الشرعية المناسبة، وفي الوقت المناسب: {وإن عدتم عدنا}.
وإني لأعلم أن بعضاً من إخواننا دعاة السنة- أو الحريصين عليها- قد يقولون في أنفسهم:أليس في هذا الرد إشهار لهذا الجاهل، وتعريف بهذا(الهدام)، أليس في هذا الرد غلظة وقسوة عليه؟!
فأقول : فكان ماذا؟! أليس واجباً كشف جهل الجاهل للتحذير منه؟!
أليس هذا- نفسه- طريق علماء الإسلام- منذ قديم الزمان- لنقض كل منحرف هجّام، ونقد كلّ متطاول هدّام؟!
ثم ؛ أليس السكوت عن مثله- ونحوه شيخه- سبيلاً يغرر به العامة والدهماء ، والهمج الرعاع؟!
فليكن -إذاً- ما كان ؛ فالنصيحة أس الدين ، وكشف المبطل صيانة للحقِّ المبين،وبيان جهل الأغمار المتطاولين؛ نصر لدين رب العالمين {ولينصرن الله من ينصره}... ولو بعد حين([34]).
ومع هذا كله؛ فإنا نسأل الله -سبحانه- له ولشيخه المفتون به الهداية إلى الحق، والرجوع إلى الصواب، والاستقامة على نهج السنة وأهلها.
جمال البليدي
03-10-2008, 01:15 PM
مسرد العلماء الأعلام الذين صرحوا بصحة
تفسير عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما- أو احتجوا به
يكفي القارىء الكريم أن يعلم: أنّ أهل السنّة والجماعة من أصحاب الحديث والأثر أتباع السلف الصالح متفقون على تلقي هذا الأثر عن حبر الأمة ابن عباس- رضي الله عنهما- بالقبول، ومجمعون على صحته؛ فهم عاملون به، داعون إليه:
1- قال الحاكم - رحمه الله - في «المستدرك» (2/393) :«هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي.
2- ونقل الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في «تفسير القرآن العظيم» (2/64) عنه قوله: «صحيح على شرط الشيخين»، واحتج به([35]).
3- وقال شيخ المفسرين الطبري -رحمه الله- في«جامع البيان» (6/166-167): «وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب: قول من قال: نزلت هذه الآيات في كفّار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت، وهم المعنيون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونها خبراً عنهم أولى.
فإن قال قائل: فإن الله -تعالى ذكره- قد عمّ بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلته خاصاً؟!
قيل: إن الله -تعالى- عمّ بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون، وكذلك القول في كلّ من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به، هو بالله كافر؛ كما قال ابن عباس».
4- قال الإمام القدوة محمد بن نصر المروزي - رحمه الله -في «تعظيم قدر الصلاة» (2/520): «...ولنا في هذا قدوة بمن روى عنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين ؛ إذ جعلوا للكفر فروعاً دون أصله، لا تنقل صاحبه عن ملة الإسلام، كما ثبتوا للإيمان من جهة العمل فرعاً للأصل لا ينقل تركه عن ملة الإسلام، من ذلك قول ابن عباس في قوله: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}».
5- وقال الإمام أبو المظفر السمعاني -رحمه الله- في «تفسير القرآن» (2/42): «قال ابن عباس: الآية في المسلمين وأراد به كفر دون كفر، واعلم أن الخوارج يستدلون بهذه الآية ، ويقولون: من لم يحكم بما أنزل الله؛ فهو كافر، وأهل السنة قالوا: لا يكفر بترك الحكم.
وللآية تأويلان:
أحدهما معناه: ومن لم يحكم بما أنزل الله رداً وجحداً فأولئك هم الكافرون.
والثاني معناه: ومن لم يحكم بكل ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، والكافر هو الذي يترك الحكم بكل ما أنزل الله دون المسلم».
6- وذكره الإمام البغوي -رحمه الله- في «معالم التنزيل» (3/61) وثبته -جازماً به- بقوله: «وقال ابن عباس وطاووس: ليس بكفر ينقل من الملة، بل إذا فعله؛ فهو به كافر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر».
7- وقال أبو بكر بن العربي - رحمه الله- في «أحكام القرآن» (2/624-625): «اختلف فيه المفسرون؛ فمنهم من قال: الكافرون والظالمون والفاسقون كلّه لليهود، ومنهم من قال: الكافرون للمشركين، والظالمون لليهود، والفاسقون للنصارى، وبه أقول ؛ لأنه ظاهر الآيات ، وهو اختيار ابن عباس، وجابر بن زيد ، وابن أبي زائدة، وابن شبرمة.
قال طاووس وغيره: ليس بكفر ينقل من الملَّة، ولكنه كفر دون كفر، هذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله؛ فهو تبديل له يوجب الكفر، وإن حكم به هوى ومعصية؛ فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين».
8- وقال القرطبي -رحمه الله- في «الجامع لأحكام القرآن»(6/190): «..فأما المسلم فلا يكفر، وإن ارتكب كبيرة . وقيل : فيه إضمار ؛ أي: ومن لم يحكم بما أنزل الله ردّاً للقرآن ، وجحداً لقول الرسول -عليه الصلاة والسلام-؛ فهو كافر ؛ قاله ابن عباس ومجاهد...».
9- وقال البقاعي- رحمه الله- في «نظم الدرر» (2/460) « ولما نهى عن الأمرين، وكان ترك الحكم بالكتاب إما لاستهانة أو لخوف أو رجاء أو شهوة، رتب ختام الآيات على الكفر والظلم والفسق، قال ابن عباس - رضي الله عنهما- من جحد حكم الله كفر، ومن لم يحكم به وهو مقرّ؛ فهو ظالم فاسق».
10- وذكره الواحدي في «الوسيط» (2/191) :« وقال طاووس: قلت لابن عباس: ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر؟ قال هو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسله».
11- وقال صديق حسن خان - رحمه الله- في «نيل المرام من تفسير آيات الأحكام»(2/472): « وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم- وصححه- والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس في قوله -تعالى- هذا؛ قال: إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، وإنه ليس كفراً ينقل من الملة بل كفر دون كفر».
12- وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي- رحمه الله- في «أضواء البيان» (2/101): «...وروي عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال : ليس الكفر الذي تذهبون إليه، رواه عنه ابن أبي حاتم،والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه؛ قاله ابن كثير»
13- وقال أبو عبيد القاسم بن سلام- رحمه الله- في «الإيمان» (ص45): «وأما الفرقان الشاهد عليه في التنزيل: فقول الله -عز وجل-: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [ المائدة:44]، وقال ابن عباس: «ليس بكفر ينقل من الملة»، وقال عطاء بن أبي رباح: «كفر دون كفر» .
فقد تبيَّن لنا إذا كان ليس بناقل عن ملّة الإسلام أن الدين باق على حاله، وإن خالطه ذنوب، فلا معنى له إلا أخلاق الكفار وسنتهم.. لأن من سنن الكفار الحكم بغير ما أنزل الله.
ألا تسمع قوله:{أفحكم الجاهلية يبغون} [ المائدة:50]، تأويله عند أهل التفسير: أن من حكم بغير ما أنزل الله، وهو على ملّة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية، إنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون».
14- وقال أبو حيان- رحمه الله- في «البحر المحيط» (3/492) «{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ظاهر هذا العموم، فيشمل هذه الأمة، وغيرهم ممن كان قبلهم، وإن كان الظاهر: أنه في سياق خطاب اليهود، وإلى أنه عامة في اليهود وغيرهم، ذهب ابن مسعود وإبراهيم وعطاء وجماعة ، ولكن كفر دون كفر، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق، يعني: أن كفر المسلم ليس مثل كفر الكافر، وكذلك ظلمه وفسقه لا يخرجه ذلك عن الملة، قاله ابن عباس وطاووس».
15- وأورد أبو عبد الله بن بطة في «الإبانة» (2/723) باباً فيه ذكر الذنوب التي يصير صاحبها إلى كفر غير خارج به من الملة.
ثم ذكر (2/733-737) الحكم بغير ما أنزل الله، وساق الآثار عن ابن عباس وابن مسعود ، والتابعين الدالة على أنه كفر أصغر غير ناقل عن الملّة.
16- وقال ابن عبد البر- رحمه الله- في «التمهيد» (4/237): «وقد جاء عن ابن عباس -وهو أحد الذين روي عنهم تكفير تارك الصلاة-، أنه قال في حكم الحاكم الجائر: كفر دون كفر. ثم ساقه بإسناده».
17- وقال الخازن في «تفسيره» (1/310-مختصره):«فقال جماعة من المفسرين:«إن الآيات الثلاث نزلت في الكفار، ومن غيّر حكم الله من اليهود؛ لأن المسلم وإن ارتكب كبيرة لا يقال: إنه كافر، وهذا قول ابن عباس، وقتادة والضحاك، ويدل على صحة هذا القول ما روي عن البراء بن عازب...».
18- وقال جمال الدين القاسمي - رحمه الله- في «محاسن التأويل» (6/1998): «كفر الحاكم بغير ما أنزل الله بقيد الاستهانة والجحود له، وهو الذي نحاه كثيرون وأثروه عن عكرمة وابن عباس».
19- وقال الشيخ السعدي- رحمه الله- في «تيسير الكريم الرحمن» (2/296-297): «فالحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر، وقد يكون كفراً ينقل عن الملّة، وذلك إذا اعتقد حلّه وجوازه، وقد يكون كبيرة من كبائر الذنوب، ومن أعمال الكفر قد استحق من فعله العذاب الشديد...{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}. قال ابن عباس: «كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق»؛ فهو ظلم أكبر عند استحلاله، وعظيمة كبيرة عند فعله غير مستحل له».
20- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (7/312): «وإذا كان من قول السلف: إن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق، فكذلك في قولهم: إنه يكون فيه إيمان وكفر، وليس هو الكفر الذي ينقل عن الملة؛ كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله -تعالى-: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، قالوا: كفروا كفراً لا ينقل عن الملّة. وقد اتبعهم على ذلك أحمد وغيره من أئمة السنة».
وقال في (7/522): «وقال ابن عباس وغير واحد من السلف في قوله- تعالى-: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} {فأولئك هم الفاسقون}{فأولئك هم الظالمون} كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم. وقد ذكر ذلك أحمد والبخاري وغيرهما».
وقال (7/350-351): «وقد يكون مسلماً، وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية؛ كما قال الصحابة - ابن عباس وغيره: كفر دون كفر، وهذا قول عامة السلف، وهو الذي نص عليه أحمد وغيره... وهذا -أيضاً- مما استشهد به البخاري في «صحيحه»»([36]).
وقال (7/67): « قال ابن عباس وأصحابه:كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، وكذلك قال أهل السنة؛ كأحمد بن حنبل وغيره».
وقال (11/140): «وقال غير واحد من السلف: كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق ، وشرك دون شرك».
21- وقال ابن قيم الجوزية - رحمه الله- في «مدارج السالكين»(1/335-336): « فأما الكفر ؛ فنوعان: كفر أكبر ، وكفر أصغر.
فالكفر الأكبر هو الموجب للخلود في النار.
والأصغر : موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود... وهذا تأويل ابن عباس وعامة الصحابة في قوله -تعالى-: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}؛ قال ابن عباس:«ليس بكفر ينقل عن الملة، بل إذا فعله، فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر» .
وكذلك قال طاووس.
وقال عطاء: «هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق».
ثم فصل -رحمه الله- حكم الذي لا يحكم بما أنزل الله بكلام رائع رائق سيأتي بتمامه - إن شاء الله-([37]).
22- وقال شيخنا أسد السنة العلامة الألباني- رحمه الله- في «الصحيحة» (6/109-116): «وقد جاء عن السلف ما يدعمها، وهو قولهم في تفسير الآية: «كفر دون كفر»، صحّ ذلك عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس- رضي الله عنه-، ثم تلقاه عنه بعض التابعين وغيرهم.
ولا بد من ذكر ما تيسر لي عنهم؛ لعل في ذلك إنارة للسبيل أمام من ضل اليوم في هذه المسألة الخطيرة ، ونحا نحو الخوارج الذين يكفّرون المسلمين بارتكابهم المعاصي- وإن كانوا يصلّون ويصومون-» .
ثم ساق -رحمه الله- بعض الآثار المتقدمة ، وخرجها ، وبين صحتها.
23-قال أستاذنا الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين- رحمه الله- في تعليقه على كتاب «التحذير من فتنة التكفير»(ص68-69) :« لكن لما كان هذا [ الأثر ] لا يرضي هؤلاء المفتونين بالتكفير؛ صاروا يقولون : هذا الأثر غير مقبول! ولا يصحّ عن ابن عباس! فيقال لهم : كيف لا يصحّ؛ وقد تلقاه من هو أكبر منكم، وأفضل ، وأعلم بالحديث؟! وتقولون: لا نقبل .
ثم هب أن الأمر كما قلتم : إنه لا يصح عن ابن عباس؛ فلدينا نصوص أخرى تدلّ على أن الكفر قد يطلق ولا يراد به الكفر المخرج عن الملّة ؛ كما في الآية المذكورة ، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم:« اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت».
وهذه لا تُخرج من الملّة بلا إشكال، لكن كما قيل: قلّة البضاعة من العلم، وقلّة فهم القواعد الشرعية العامة : هي التي توجب هذا الضلال.
ثم شيء آخر نضيفه إلى ذلك ، وهو: سوء الإرادة التي تستلزم سوء الفهم؛ لأن الإنسان إذا كان يريد شيئاً؛ لزم من ذلك أن ينتقل فهمه إلى ما يريد، ثم يحرِّف النصوص على ذلك.
وكان من القواعد المعروفة عند العلماء أنهم يقولون: استدل ثم اعتقد لا تعتقد ثم تستدل؛ فتضل.
فالأسباب ثلاثة، هي :
الأول: قلّة البضاعة من العلم الشرعي.
الثاني: قلّة فقه القواعد الشرعية.
والثالث: سوء الفهم المبني على سوء الإرادة.
وأما بالنسبة لأثر ابن عباس؛ فيكفينا أن علماء جهابذة ؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية ، وابن القيم- وغيرهما- كلهم تلقوه بالقبول ويتكلمون به، وينقلونه ؛ فالأثر صحيح».
فيا أيها القراء الكرام! هل يدخل في عقل مسلم أن هؤلاء العلماء الأجلاء كلّهم متساهلون، أو مقلّدون ، أو على الأقل مخطئون، وذاك (الهدام الفسل) و(شيخه المفتون به) هما الإمامان المجتهدان المصيبان؟!! وهما- والله- لا يصلحان أن يكونا تلميذين لأحد تلاميذهم... ووالله -وتالله-: إننا لفي زمان تكلّم (الرويبضة)؛ كما أخبر الصادق المصدوق، فماذا يقال عمن يفعل هذا؟!
وأقول هنا نصيحة لهذا الغمر الجاهل وشيخه المفتون به: ما قاله عبيد الله بن الحسن العنبري- رحمه الله- :«لأن أكون ذنباً في الحقّ أحبّ إليّ من أن أكون رأساً في الباطل»([38]).
وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه- : «إنا نقتدي ولا نبتدي ، ونتَّبع ولا نبتدع ؛ ولن نضلّ ما تمسكنا بالأثر»([39]).
وأقول ما قاله الإمام الأوزاعي - رحمه الله- ناصحاً منبهاً:« اصبر نفسك على السنة ،وقف حيث وقف القوم، وقل فيما قالوا، وكف عما كفوا، واسلك سبيل سلفك الصالح؛ فإنه يسعك ما وسعهم»([40]).
جمال البليدي
03-10-2008, 02:20 PM
الهامش:
([12])انظر :«الجرح والتعديل» (9/53-54) ، و«تاريخ الثقات» للعجلي (457/1729)، و«الثقات» لابن شاهين(250/1536) ، و«طبقات ابن سعد» (5/484)، و«الثقات» لابن حبان(7/567)، و«تهذيب الكمال» (30/179-181)، و«الكاشف» (2/335/5958) و«تهذيب التهذيب» (11/33)، و«التقريب» (2/317).
([13]) «القول المبين في تضعيف مقولة ابن عباس« كفر دون كفر» على آية {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}» قدّم لها : محمد إبراهيم شقرة (!)
([14]) ولمعرفة قَدْرِ هذا المتعالم الهدام المتطفل على علم الحديث؛ انظر -غير مأمور- كتاب شيخنا محدث العصر الألباني- رحمه الله- الموسوم بـ «النصيحة بالتحذير من تخريب (ابن عبد المنان) لكتب الأئمة الرجيحة وتضعيفه لمئات الأحاديث الصحيحة».
([15]) انظر: «النصيحة» (ص6-7).
([16]) انظر: «الصحيحة» (1/906-907).
([17]) «النصيحة» (ص175).
([18]) كما هو واقع في حديثنا هذا.
([19]) «النصيحة» (ص126).
([20]) وهذا الأمر نعرفه عنه قديماً؛ فمرة -قبل نحو عشرين سنة، ولم يكن حاله مكشوفاً كالآن- سأل شيخنا -باستغراب واستنكار- عن هذه القاعدة؛ فأجابه شيخنا - رحمه الله-: ألم تقرأ قوله -تعالى- {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهماالأخرى} [البقرة: 282]؛ فبهت، وفَغَرَ فاه.
وبهذه المناسبة أذكر أن هذا الهدام كتب -وهو في بواكير الصبا- رسالة في هدم النَّحو والصرف سماها: «الإعراب في هدم الإعراب وبيان ما فيه من خراب، ومباحث أخرى في الباب».
([21]) «الصحيحة» (1/940-941).
([22]) «النصيحة» (ص71).
([23]) «الصحيحة« (1/940-941).
([24]) «الصحيحة» (1/941) بتصرف.
([25]) انظر مقدمة محمد شقرة لرسالته: « القول المبين» (ص6).
([26]) «النصيحة» (ص40).
([27]) انظر: «تهذيب التهذيب» (10/245)، «هدي الساري» (ص571-572).
([28]) ومن أجل تضعيفه لحديث غيلان -هذا- يهمس لبعض من يلوذ به بجواز تزوّج الرجل المسلم أكثر من أربع نساء!! ...إنها آثار التشيُّع.
([29]) انظر -لزاماً- «هدي الساري» (ص571-572- دار المنار).
([30]) وقد ذكره الهدام في «رسالته» (ص27)، وعزاه له (برقم 273) وقد قال شيخنا -رحمه الله- في صنيع له -مثله- في «النصيحة» (ص14): «الأمر الذي يشعرك أنه لا يحسن النقل فضلاً عن البحث والتخريج، وهو في هذا كله يتظاهر أن ذلك من كدِّ يمينه وعرق جبينه! وإنما هو -حقيقة- ممن تقدمه من المخرِّجين السابقين أو اللاحقين، وقد يضيف- أحياناً- مصدراً جديداً أو رقماً؛ ستراً لسرقته، ولكن الأمر كما قيل:« من أسر سريرة ألبسه الله رداءها» ، وكما قال الشاعر:
ومهما تكن عند إمرىء من خليقة
وإن خالها تخفى على الناس تعلم»
([31]) انظر -غير مأمور-: «فتح الباري» (8/438-439).
([32]) ذكره الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (6/406).
([33]) تقدم تخريجه (ص 60).
([34]) «النصيحة» (ص7-8) بتصرف.
([35]) وجدت بالتتبع والاستقراء أن نقل ابن كثير -رحمه الله- لأقوال الحاكم وعدم مخالفته إيّاها موافقة له، لأنه إذا خالف بيَّن وإذا وافق ذكر القول، ومن كان عنده زيادة علم؛ فليدلنا عليه.
وهذا كلّه يهدم اعتراض (الهدام) (ص43-44) حيث زعم أن ابن كثير لم يوافق الحاكم؛ لأن الساكت لا ينسب إليه قول!
([36]) مراده - رحمه الله- تبويب الإمام البخاري في «صحيحه»: ( باب كفران العشير، وكفر دون كفر).
قال القاضي ابن العربي المالكي؛ كما في «فتح الباري» (1/83): «مراد المصنف؛ يعني: البخاري: أن يبين أن الطاعات؛ كما تسمى إيماناً؛ كذلك المعاصي تسمى كفراً ؛ لكن حيث يطلق عليها الكفر: لا يراد الكفر المخرج من الملة».
([37]) (ص 116).
([38]) انظر:«الإبانة»(2/882) و«تاريخ بغداد» (10/308).
قلت: ولكن عجبي لا ينقضي من شيخه المفتون به؛ فلقد كان رأساً في الحقّ؛ فَلِمَ رضي أن يكون ذنباً في الباطل؟! نسأل الله لنا ولهما الهداية.
([39]) «حلية الأولياء» (1/80).
([40]) انظر: «الإبانة» (2/882) ، و«الشريعة» (ص58)، و«السنة» للخلال (3/568)، و« سير أعلام النبلاء» (8/543).
أبو عبد الرحمن يوسف
03-10-2008, 05:10 PM
بارك الله فيك اخي جمال
وو الحمد لله الذي وفقك لايجاد الكتاب الذي كنت تبحث عنه
جمال البليدي
03-10-2008, 06:31 PM
بارك الله فيك اخي جمال
وو الحمد لله الذي وفقك لايجاد الكتاب الذي كنت تبحث عنه
والشكر الموصول لك لأنك من ساعدني على إيجاد الكتاب فجزاك الله خيرا
جمال البليدي
03-10-2008, 06:39 PM
قرة العيون
في تصحيح تفسير عبد الله بن عباس-رضي الله عنهما- لقوله -تعالى-: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} روايةً ودرايةً ورعايةً»
لفضيلة الشيخ سليم الهلالي حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن محاسن دين الله وفضائل تطبيقه وثمار الحكم به والتحاكم إليه؛ تثير ساكن شوق المؤمنين به، ويشعل حبُّها لهيب حرصهم عليه؛ فلذلك شُغفت قلوبهم توقاً إلى إقامة حكم الله في أرض الله، واستئناف حياة إسلامية راشدة على منهاج النبوة ؛ لأن وجوب إقامة شرع الله وتطبيق أحكامه في كلّ زمان ومكان لا يختلف فيه اثنان من المسلمين؛ لأنه محل إجماعهم -من جهة- ومرتبط بالتوحيد -من جهة أخرى-
وبينما هم يطلبون ذلك يعلمون يقيناً: أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أولها؛ فعضوا على كتاب الله وصحيح سنة رسوله، بفهم السلف الصالح بالنواجذ.
لأن فهم الوحيين بفهم السلف ليس نافلة أو منّة، بل هو فرض واجب وحتم لازم؛ فهو حرز من مضلات الهوى، وعصمة من فتنة الشهوات والشبهات.
ومن أهمِّ ذلك فهم السلف الصالح لقوله -تعالى-: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [ المائدة: 44]، وقوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} [المائدة:45]، وقوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون}[ المائدة: 47].
ولقد سقط أتباع السلف دعاة منهجهم في تأويل هذه الآيات الكريمة على المقولة الذهبية المنقولة عن الخبير الخرّيت؛ الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين والعلم في التأويل ؛ فكان حبر الأمة وترجمان القرآن؛ فهدؤوا إلى قوله، واطمأنوا إلى تفسيره؛ لما فيه من سعة إحاطة، ودقّة نظر، وحسن تأويل؛ يجلّي مراد الله في كتابه، ويوضح مقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته، ويصرخ الواحد منهم -مطمئناً- بأعلى صوته: هذا هو فهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليس بينهم اختلاف أو تفاوت.
ولذلك لم يزل أهل العلم الأكابر على ذلك؛ لأن الحق سلسلة ذهبية مترابطة الحلقات، متراصة الصفوف، منضبطة الأحكام، دقيقة الإحكام، لا يعتريها زيغ، ولا يفسدها تردّد، ولا يقطعها انحراف، بل الثبات نورها، والهدى سبيلها، والصواب واسطة عقدها.
وتناقل أخيار الخلف هذا الفهم عن أئمة السلف، وورثوه كابراً عن كابر، وتسليم كفٍّ بكف!
...حتى كنا بأخرة ؛ فنبتت نابته سوء يتصل سَمْتُهم بسلفهم الطالح من شاكلة ذي الخويصرة التميمي ونسله؛ ممن نبغت على أيديهم فتنة التكفير في صدر هذه الأمة، وظنت هذه الشرذمة أنها على شيء من العلم والتحقيق، ولكنها وأيم الله -ووالله وتالله- لا تحسن إلا تسويد الصفحات بكلام مزوّر مزوّق، وتكرار القول بباطل منمّق، وصنع المتاهات ووضع العقبات؛ ليتردى فيها كلّ معوّق، فأداها غرورها إلى الطعن في ثوابت العقيدة والمنهج تحت دعاية براقة من التجديد وباسم صياغة العقل السلفي!
ومن ذلك طعنهم -أو تشكيكهم- في هذه المقولة الذهبية -رواية أو دراية- التي أجمع عليها علماء السنة والجماعة، واتفقوا على تلقيها بالقبول؛ لأنها من ميراث الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولما كان الردّ على أهل البدع، وبيان باطلهم، وكشف زخرفهم؛ استمراراً لمعركة التأويل التي قادها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث وضعوا أسيافهم على عواتقهم، فأبادوا خضراء الخوارج يوم النهروان: وضعت هذا الكتاب الموسوم بـ«قرة العيون في تصحيح تفسير عبد الله بن عباس-رضي الله عنهما- لقوله -تعالى-: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} روايةً ودرايةً ورعايةً»؛ راجياً الله -عزّ وجلّ- أن يجعله قرة أعين إخواننا السلفيين؛ أهل الحديث والأثر، وشجى في حلوق الخوارج التكفيريين، وأفراخهم من الحزبيين والحركيين، وهداية للمسترشدين ، ونصحاً لعامة المسلمين وأئمتهم المرضيِّين، وصيانةً لكتاب الله من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؛ إنه -سبحانه- ولي ذلك والقادر عليه.
وقد جعلت كتابي هذا سبعة أبواب.
الباب الأول: طلائع الكتاب:
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: حماية الثوابت من تحريف النوابت.
الفصل الثاني: معركة التأويل.
الفصل الثالث: منار السبيل في بيان منزلة عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- في التأويل.
الباب الثاني: تفسير عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- لآيات الحكم رواية:
وفيه فصلان:
الفصل الأول: طريق طاووس عن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما-، وتفصيل الطرق عنه.
الفصل الثاني: طريق علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما-.
الباب الثالث: الآثار السلفية الموافقة لتفسير عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-.
وفيه فصلان:
الأول: عطاء بن أبي رباح -رحمه الله-.
الثاني: طاووس اليماني -رحمه الله-.
الباب الرابع: مسرد العلماء الذين صرّحوا بصحة تفسير عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما- أو احتجوا به.
الباب الخامس: تفسير عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما - لآيات الحكم دراية:
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول : كفر دون كفر.
الفصل الثاني: هل الحكم بغير ما أنزل الله -مطلقاً من غير تفصيل- كفر ينقل عن الملة؟
الفصل الثالث: تناقضات الحركيين الجدد.
الباب السادس: آيات سورة المائدة في الحكم بغير ما أنزل الله.
الفصل الأول: تحرير النقول في أسباب النزول.
الفصل الثاني: من المقصود بهذه الآيات؟
الفصل الثالث: المناقشة والترجيح.
الباب السابع: كشف الشبهات وردُّ الاعتراضات.
الباب الثامن: تفسير عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- لآيات الحكم رعاية.
حمل الكتاب
http://www.spaadyshare.com/21evbr122it5/qorrat%20al%203oun.rar
جمال البليدي
03-10-2008, 08:18 PM
الباب الخامس
تفسير عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- لآيات الحكم دراية
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: كفر دون كفر.
الفصل الثاني: هل الحكم بغير ما أنزل الله -مطلقاً، من غير تفصيل- كفر ينقل عن الملة؟
الفصل الثالث: تناقضات الحركيين الجدد.
الفصل الأول
كفر دون كفر
اعلم أيها المحبّ- لا زلت موصولاً بما تحبّ- أن تفسير عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- لو لم يصحّ رواية؛ فهو صحيح دراية([41])؛ فإن آيات القرآن الكريم وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة والتابعين تؤصله، وتشهد له، وتؤكده.
فمن المتفق عليه عند أهل السنة والجماعة: أن الكفر مراتب أو كفر دون كفر، وهذا ما يقتضيه استقراء الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في هذه المسألة المهمة الأصيلة والجمع بينهما في ذلك، وهاك البيان:
أولاً- سمى رسول اللهصلى الله عليه وسلم بعض الذنوب كفراً؛ كقوله صلى الله عليه وسلم:«سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»([42]).
وقوله : « لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»([43]).
وجعل الله مرتكب هذا الذنب من المؤمنين ، قال -تعالى-: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} [البقرة:178].
وبالجمع بين الآية والأحاديث يتبين: أن المراد كفر دون كفر؛ يدّلك على ذلك أمور:
1-«فلم يُخْرج القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخاً لولي القصاص، والمراد: أخوّة الدين بلا ريب»([44]).
2-ذكر التخفيف بعد عفو ولي المقتول، ولو كان كفراً ينقل من الملّة لما خفف حكمه -قولاً واحداً-.
3-ذكر الرحمة بعد التخفيف، والمغفرة من آثارها، والله لا يغفر أن يشرك به شيئاً، وإنما يغفر ما دون ذلك، فتبين أن هذا الذنب دون الشرك؛ فهو كفر لا ينقل من الملة.
وقال -تعالى-: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون} [ الحجرات: 9و10].
فبالجمع بين هذه الآية والأحاديث السابقة يتبين: أن المراد كفر دون كفر؛ يدل على ذلك أمور:
1-أنه جعل المتقاتلين من المؤمنين.
2-أنه وصفهم بأنهم إخوة ، والمراد: أخوة الدين بلا ريب.
3-أنه جعلهم أخوة المصلحين بين الفئتين ، ولا شك أنها أخوة الإيمان التي جمعتهم.
4-أنه وصف الفئة المعتدية بالطائفة الباغية؛ وهي تقاتل حتى تفيء إلى أمر الله، وهو الصلح، ولو كانت كافرة بفعلها كفراً ينقل عن الملّة لوجب قتالها حتى تؤمن بالله.
5-وقد ثبت في حكم الفئة الباغية ، أنها لا تسبى نساؤها، ولا يقسم فيؤها، ولا يتبع هاربها، ولا يقضى على جريحها ، ولو كانت كافرة؛ فحكمها غير ذلك، كما هو معلومٌ بالضرورة من فقه غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك جاءت أحاديث صحيحة صريحة في اعتبار أن المتقاتلين من المسلمين؛ كقولهصلى الله عليه وسلم في سبطه الحسن بن علي -رضي الله عنهما-:« ابني هذا سيد؛ ولعل الله يصلح به بين فئتين من المسلمين».([45]).
وقد أصلح الله به بين فرقتين من المسلمين عندما تنازل الحسن بن علي - رضي الله عنهما- عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنهما- سنة(40هـ) المسمى عام الجماعة؛ لأن كلمة المسلمين اجتمعت وتوحدت بعد افتراق.
ولو صح أن ذنب الاقتتال كفر مخرج من الملة للزم تكفير الصحابة - رضي الله عنهم- وهذا باطل! ولهذا عندما زلق قدم الخوارج في هوة التكفير حكموا على بعض الصحابة بذلك، نعوذ بالله من الخذلان وعدم التوفيق والحرمان.
ثانياً- نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان عن مرتكبي بعض المعاصي مثل الزنى والسرقة وشرب الخمر؛ فقال-: «لا يزني الزاني حين يزني؛ وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها؛ وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق؛ وهو مؤمن»([46])
«إذ لو كان كفراً ينقل عن الملّة؛ لكان مرتداً يقتل على كل حال، ولا تجري الحدود في الزنى والسرقة وشرب الخمر، وهذا معلوم بطلانه وفساده من دين الإسلام...ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا يقتل، بل يقام عليه الحدّ، فدلّ على أنه ليس بمرتدٍّ»([47]).
وقال الإمام أبو عبيد -رحمه الله- في «الإيمان» (ص88-89) في ردِّه على مكفري المسلم بالمعصية:
«ثم قد وجدنا الله -تبارك وتعالى- يكذّب مقالتهم، وذلك أنه حكم في السارق بقطع اليد، وفي الزاني والقاذف بالجلد، ولو كان الذنب يكفر صاحبه؛ ما كان الحكم على هؤلاء إلا القتل، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«من بدّل دينه فاقتلوه»([48]).
أفلا ترى أنهم لو كانوا كفّاراً؛ لما كانت عقوباتهم القطع والجلد؟
وكذلك قول الله فيمن قتل مظلوماً: { فقد جعلنا لوليه سلطاناً} الآية [الإسراء:33]، فلو كان القتل كفراً؛ ما كان للولي عفو، ولا أخذ دية، ولزمه القتل».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- في «مجموع الفتاوى»(7/287-288):
«وكذلك كل مسلم يعلم أن شارب الخمر والزاني والقاذف والسارق لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يجعلهم مرتدين يجب قتلهم ، بل القرآن والنقل المتواتر يبين أن لهم عقوبات غير عقوبة المرتد عن الإسلام؛ كما ذكر الله في القرآن جلد القاذف والزاني، وقطع يد السارق، وهذا متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كانوا مرتدين لقتلهم، فكلا القولين مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم».
قلت : فإذا كانت المعاصي لا تزيل إيماناً ولا توجب كفراً مخرجاً من الملة فالمراد بنفي الإيمان الوارد في هذه الأحاديث؛ هو نفي كمال الإيمان الواجب لا أصل الإيمان، يدلك على ذلك دليل وشاهد:
أما الدليل؛ فهو قوله صلى الله عليه وسلم : «إذا زنى العبد خرج منه الإيمان؛ وكان كالظلة؛ فإذا انقلع منه رجع إليه الإيمان»([49]).
وأما الشاهد؛ فهو مناظرة جرت بيني وبين أحد رؤوس التكفير -قديماً- حول هذه الأحاديث، حيث استدل بها على تكفير الزاني وشارب الخمر والسارق..الخ.
فانتصرت لمذهب أهل السنة والجماعة باللغة.
قلت له: هذه الأحاديث لا تدل على مرادك من الناحية اللغوية؛ فضلاً عن الآثار السلفية الواردة عن الصحابة والتابعين.
فقال: كيف ذلك؟
قلت: لأن من المقرر عند أهل اللغة أن الجمل بعد النكرات صفات وبعد المعارف أحوال.
فهذه الجملة بيّنت حال الزاني والسارق وشارب الخمر وهو يقارف الإثم والفحشاء، فإذا انخلع من معصيته عاد إليه إيمانه؛ فبهت ولم يَحْرِ جواباً.
قال الإمام أبو عبيد- رحمه الله- في «الإيمان»(ص90-91)
«فإن قال [قائل]: كيف يجوز أن يقال: ليس بمؤمن ، واسم الإيمان غير زائل عنه؟
قيل: هذا كلام العرب المستفيض عندنا غير المستنكر في إزالة العمل عن عامله إذا كان عمله على غير حقيقته، ألا ترى أنهم يقولون للصانع إذا كان ليس بمحكم لعمله: ما صنعت شيئاً، ولا عملت عملاً، وإنما وقع معناهم ههنا على نفي التجويد، لا على الصنعة نفسها، فهو عندهم عامل بالاسم وغير عامل في الإتقان، حتى تكلَّموا به فيما هو أكثر من هذا ،وذلك كرجل يعقّ أباه ويبلغ منه الأذى؛ فيقال: ما هو بولده، وهم يعلمون أنه ابن صلبه، ثم يقال مثله في الأخ والزوجة والمملوك، وإنما مذهبهم في هذه المزايلة من الأعمال الواجبة عليهم من الطاعة والبّر.
وأما النّكاح والرّقّ والأنساب، فعلى ما كانت عليه أماكنها وأسماؤها، فكذلك هذه الذنوب التي يُنفى بها الإيمان ، إنما أحبطت الحقائق منه الشرائع التي هي من صفاته، فأما الأسماء فعلى ما كانت قبل ذلك، ولا يقال لهم إلا مؤمنون، وبه الحكم عليهم.
وقد وجدنا مع هذا شواهد لقولنا من التنزيل والسنَّة»([50]).
وقد بسط هذه المعاني بسطاً وافياً، وأصَّل هذه القاعدة تأصيلاً كافياً، وبينَّها بياناً شافياً الإمام ابن قيم الجوزية -رحمه الله- في «الصلاة وحكم تاركها» (ص72-78) : فقال:« وههنا أصل آخر، وهو: أن الكفر نوعان:
كفر عمل.
وكفر جحود وعناد([51]).
فكفر الجحود: أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحوداً وعناداً ؛ من أسماء الرب، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه.
وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه.
وأما كفر العمل: فينقسم إلى ما يضاد الإيمان([52])، وإلى ما لا يضاده:
فالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النَّبيِّ، وسبه؛ يضاد الإيمان. وأما الحكم بغير ما أنزل الله ، وترك الصلاة ؛ فهو من الكفر العملي قطعاً ([53])، ولا يمكن أن ينفى عنه اسم الكفر بعد أن أطلقه الله ورسوله عليه.
فالحاكم بغير ما أنزل الله كافر، وتارك الصلاة كافر -بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم-، ولكن هو كفر عمل، لا كفر اعتقاد، ومن الممتنع أن يسمي الله -سبحانه- الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً، ويسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم تارك الصلاة كافراً ، ولا يطلق عليها اسم الكفر ، وقد نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الزاني، والسارق ، وشارب الخمر، وعمن لا يأمن جاره بوائقه، وإذا نفي عنه اسم الإيمان؛ فهو كافر من جهة العمل، وانتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد.
وكذلك قوله: « لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض([54])» فهذا كفر عمل.
وكذلك قوله: « من أتى كاهنا فصدقه، أو امرأة في دبرها، فقد كفر بما أنزل على محمد»([55]).
وقوله:« إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما»([56]).
وقد سمى الله -سبحانه وتعالى- من عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه مؤمناً بما عمل به، وكافراً بما ترك العمل به؛ فقال -تعالى-: {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسرى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة: 84و85]؛ فأخبر -سبحانه- أنهم أقروا بميثاقه الذي أمرهم به، والتزموه ، وهذا يدل على تصديقهم به، أنهم لا يقتل بعضهم بعضاً، ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، ثم أخبر أنهم عصوا أمره، وقتل فريق منهم فريقاً ، وأخرجوهم من ديارهم. فهذا كفرهم بما أخذ عليهم في الكتاب ، ثم أخبر أنهم يفدون من أسر من ذلك الفريق، وهذا إيمان منهم بما أُخذ عليهم في الكتاب ، فكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق ، كافرين بما تركوه منه. فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي.
وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بما قلناه في قوله في الحديث الصحيح: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»([57])؛ ففرّق بين قتاله وسبابه، وجعل أحدهما فسوقاً لا يكفر به والآخر كفراً، ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي ، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة ، وإن زال عنه اسم الإيمان.
وهذا التفصيل؛ هو: قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله ، وبالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم، فإن المتأخرين لم يفهموا مرادهم؛ فانقسموا فرقين:
فريقاً أخرجوا من الملة بالكبائر، وقضوا على أصحابها بالخلود في النار([58]).
وفريقاً جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان([59]).
فهؤلاء غَلَوْا .
وهؤلاء جَفَوْا .
وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى، والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل، فها هنا كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك، وفسوق دون فسوق، وظلم دون ظلم.
قال سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس في قوله -تعالى-: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة:44]: «ليس هو بالكفر الذي يذهبون إليه».
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله:{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة:44] قال: «هو بهم كفر، وليس كمن كفر بالله، وملائكته، وكتبه ، ورسله».
وقال في رواية أخرى عنه: «كفر لا ينقل عن الملة».
وقال طاووس: «ليس بكفر ينقل عن الملة».
وقال وكيع: عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء: «كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، فسق دون فسق».
وهذا الذي قاله عطاء بَيِّنٌ في القرآن، لمن فهمه، فإن الله- سبحانه- سمّى الحاكم بغير ما أنزله كافراً ، وسمّى جاحد ما أنزله على رسوله كافراً، وليس الكافران على حدّ سواء([60]).
وسمّى الكافر ظالماً؛ كما في قوله -تعالى-: {والكافرون هم الظالمون} [البقرة: 254]، وسمّى متعدي حدوده في النكاح، والطلاق، والرجعة، والخلع؛ ظالماً، فقال: {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} [ الطلاق: 1] وقال نبيّه يونس: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} [ الأنبياء: 87]، وقال صفيُّه آدم: {ربنا ظلمنا أنفسنا} [الأعراف: :23] وقال كليمه موسى: {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي} [ القصص: 16]. وليس هذا الظلم مثل ذلك الظلم([61]).
ويسمى الكافر فاسقاً؛ كما في قوله:{ وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} [ البقرة :26و27] الآية، وقوله: { ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون}[ البقرة: 99]، وهذا كثير في القرآن.
ويسمى المؤمن فاسقاً؛ كما في قوله: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} [الحجرات:6] نزلت في الحكم بن أبي العاص، وليس الفاسق كالفاسق، وقال -تعالى-: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون} [ النور: 4]، وقال عن إبليس :{ففسق عن أمر ربه} [ الكهف: 50]، وقال : { فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق}[ البقرة: 197]، وليس الفسوق كالفسوق.
والكفر كفران، والظلم ظلمان، والفسق فسقان، وكذا الجهل جهلان:
جهل كفر؛ كما في قوله -تعالى-: { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199].
وجهل غير كفر ؛ كقوله -تعالى-: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب} [النساء: 17].
كذلك الشرك شركان:
شرك ينقل عن الملة، وهو الشرك الأكبر.
وشرك لا ينقل عن الملة، وهو الشرك الأصغر، وهو شرك العمل؛ كالرياء.
وقال -تعالى- في الشرك الأكبر:{إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار} [ المائدة:72]، وقال : { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق} [ الحج : 31].
وفي شرك الرياء:{ فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً } [الكهف:110]
ومن هذا الشرك الأصغر قوله صلى الله عليه وسلم: « من حلف بغير الله؛ فقد أشرك»([62]).
ومعلوم أن حَلِفَه بغير الله لا يخرجه عن الملة ، ولا يوجب له حكم الكفار.
ومِن هذا قوله صلى الله عليه وسلم :«الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل»([63]).
فانظر كيف انقسم الشرك والكفر والفسوق والظلم والجهل إلى ما هو كفر ينقل عن الملة ، وإلى ما لا ينقل عنها.
وكذا النفاق نفاقان:
نفاق اعتقاد ، ونفاق عمل.
فنفاق الاعتقاد: هو الذي أنكره الله على المنافقين في القرآن، وأوجب لهم الدرك الأسفل من النار.
ونفاق العمل؛ كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أئتمن خان»([64]).
وفي «الصحيح» -أيضاً- : «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا ائتمن خان»([65])
فهذا نفاق عمل قد يجتمع مع أصل الإيمان، ولكن إذا استحكم وكَمَلَ؛ فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية ، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم ، فإن الإيمان ينهى المؤمن عن هذه الخلال، فإذا كَمَلَت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها ، فهذا لا يكون إلا منافقاً خالصاً.
وكلام الإمام أحمد يدل على هذا ، فإن إسماعيل بن سعيد الشالنجي قال: سألت أحمد بن حنبل عن المصرِّ على الكبائر، يطلبها بجهده، إلا أنه لم يترك الصلاة والزكاة والصوم، وهل يكون مصرّاً من كانت هذه حاله؟قال: هو مصر، مثل قوله «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» ، يخرج من الإيمان ويقع في الإسلام، ونحو قوله: «لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن»([66])، ونحو قول ابن عباس في قوله - تعالى-:{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [ المائدة :44]. قال إسماعيل؛ فقلت له: ما هذا الكفر؟
قال: كفر لا ينقل من الملة، مثل الإيمان بعضه دون بعض؛ فكذلك الكفر، حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه»([67]).
جمال البليدي
03-10-2008, 08:33 PM
الفصل الثاني
هل الحكم بغير ما أنزل الله -مطلقاً، من غير تفصيل- كفر ينقل عن الملة؟
اعلم يا عبد الله أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل من الملة، وقد يكون كفراً دون كفر، وقد بسط أئمة السلف قديماً وحديثاً هذه المسألة على هذا التفصيل في كتب العقيدة والتفسير والحديث والفقه:
أولاً: كتب العقيدة:
1- قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله - (3/267-268) في « مجموع الفتاوى» :
«والإنسان متى حلَّل الحرام- المجمع عليه- أو حرّم الحلال- المجمع عليه- أو بدّل الشرع- المجمع عليه- كان كافراً مرتدّاً باتفاق الفقهاء، وفي مثل هذا نزل قوله على أحد القولين: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة:44]؛ أي: المستحل للحكم بغير ما أنزل الله».
وقال في «منهاج السنة النبوية» (5/130): «لا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله؛ فهو كافر؛ فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله؛ فهو كافر؛ فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم ، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله؛ كسوالف البادية، وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنّة، وهذا هو الكفر؛ فإن كثيراً من الناس أسلموا ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم، التي يأمر بها المطاعون؛ فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله، فلم يلتزموا ذلك؛ بل استحلّوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله؛ فهم كفار ، (وإلا كانوا جهالاً)([68])».
وقال -رحمه الله- أيضاً- في «منهاج السنة النبوية»(5/130-131): «وقد أمر الله المسلمين كلهم إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله والرسول ؛ فقال -تعالى-: {يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً} [النساء:59].
وقال -تعالى-: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} [النساء:65].
فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم ؛ فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن، وأما من كان ملتزماً لحكم الله ورسوله باطناً وظاهراً، لكن عصى واتبع هواه ؛ فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة.
وهذه الآية مما يحتج بها الخوارج على تكفير ولاة الأمر الذين لا يحكمون بما أنزل الله، ثم يزعمون أن اعتقادهم هو حكم الله.
وقد تكلّم الناس بما يطول ذكره هنا، وما ذكرته يدّل عليه سياق الآية».
2- وقال ابن قيّم الجوزية - رحمه الله- في «مدارج السالكين» (1/335-337):
«فأما الكفر؛ فنوعان: كفر أكبر، وكفر أصغر.
فالكفر الأكبر: هو الموجب للخلود في النار.
والأصغر: موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود.
كما في قوله -تعالى- وكان مما يُتلى فَنُسخ لفظه-: «لا ترغبوا عن آبائكم؛ فإنه كفر بكم»([69]).
وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: «اثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة»([70]).
وقوله في «السنن» : «من أتى امرأة في دبرها؛ فقد كفر بما أنزل على محمد».([71])
وفي الحديث الآخر(3): «من أتى كاهناً أو عرافاً؛ فصدّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل الله على محمد».([72])
وقوله:« لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»([73]).
وهذا تأويل ابن عباس وعامة الصحابة في قوله - تعالى-: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [ المائدة: 44].
قال ابن عباس: « ليس بكفر ينقل عن الملة، بل إذا فعله؛ فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر».
وكذلك قال طاووس.
وقال عطاء: «هو كفر دون كفر، وظلمٌ دون ظلم، وفسق دون فسق».
ومنهم: من تأول الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحداً له.
وهو قول عكرمة ، وهو تأويل مرجوح ؛ فإن نفس جحوده كفر، سواء حكم أو لم يحكم.
ومنهم: من تأولها على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله.
قال : ويدخل في ذلك الحكم بالتوحيد والإسلام.
وهذا تأويل عبد العزيز الكناني، وهو -أيضاً- بعيد؛ إذ الوعيد على نفي الحكم بالمنزل، وهو يتناول تعطيل الحكم بجميعه وببعضه.
ومنهم: من تأولها على الحكم بمخالفة النص، تعمداً من غير جهل به ولا خطأ في التأويل، حكاه البغوي عن العلماء عموماً.
ومنهم: من تأولها على أهل الكتاب، وهو قول قتادة والضحاك وغيرهما وهو بعيد ، وهو خلاف ظاهر اللفظ؛ فلا يصار إليه.
ومنهم: من جعله كفراً ينقل عن الملة.
والصحيح: أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين: الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصياناً، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة؛ فهذا كفر أصغر.
وإن اعتقد أنه غير واجب، وأنه مُخَيَّر فيه، مع تيقُّنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر.
إن جهله وأخطأه، فهذا مخطىء ، له حكم المخطئين.
والقصد: أن المعاصي كلها من نوع الكفر الأصغر؛ فإنها ضد الشكر، الذي هو العمل بالطاعة، فالسعي: إما شكر، وإما كفر، وإما ثالث: لا من هذا ولا من هذا ، والله أعلم» ([74]).
3- وقال ابن أبي العز الحنفي- رحمه الله- في «شرح العقيدة الطحاوية» (ص323-324):
«وهنا أمر يجب أن يُتَفَطَّن له، وهو : أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة، وقد يكون معصية : كبيرة أو صغيرة ، ويكون كفراً: إما مجازاً؛ وإما كفراً أصغر، على القولين المذكورين.
وذلك بحسب حال الحاكم:
فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخيَّر فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله؛ فهذا كفر أكبر.
وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعلمه في هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة ؛ فهذا عاص، ويسمّى كافراً كفراً مجازياً ، أو كفراً أصغر.
وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه؛ فهذا مخطىء، له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور».
4- وقد ذكر الإمام أبو عبد الله ابن بطة في كتاب «الإبانة» (2/723): «باب ذكر الذنوب التي تصير بصاحبها إلى كفر غير خارج به من الملّة»، وذكر ضمن هذا الباب (2/733-737): الحكم بغير ما أنزل الله، وأورد آثار الصحابة والتابعين الدالة على أنه كفر أصغر غير ناقل عن الملة.
5- وقال العلامة صديق حسن خان -رحمه الله- في «الدين الخالص» (3/305): «الحكام ملزمون بأن يحكموا بالكتاب والسنة، وأما الحكام من أهل الرياسة والدولة، فحكمهم- أيضاً- حكم هؤلاء في إمضاء الأوامر والنواهي بما أنزل الله، وهو الكتاب المنزل من السماء على الرسول صلى الله عليه وسلم والحديث المنزل من قلب الرسول ولسانه على الأمة .
ولكن فسد الزمان فساداً بالغاً ، وظهر الشر في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس؛ فلا يوجد واحد في ألف من الولاة والقضاة وأهل الفتوى يحكم بذلك أو يعرفه أو يعلمه بل أكثر الرؤساء تابعون للفرق الضالة، لا يجدون بداً من طاعتهم في الحكم الطاغوتي، والقضاء الجبتي وإن كان بعضهم عالماً بما أنزل الله والآية الشريفة تنادي عليهم بالكفر، وتتناول كل من لم يحكم بما أنزل الله، اللهم إلا أن يكون الإكراه لهم عذراً في ذلك، أو يعتبر الاستخفاف أو الاستحلال ؛ لأن هذه القيود إذا لم تعتبر فيهم، لا يكون أحد منهم ناجياً من الكفر والنار أبداً».
وقال- أيضاً-( 3/309): «حكم الولاة والحكام المكرهين على الحكم بالقوانين الوضعية وأما من لا يقدر على ذلك وهو مكره من جهة المالك، ومقهور في مجاري أمور الممالك، ولا يجد بداً لنفسه ولأتباعه لمصالح هناك ومفاسد في مخالفة ذلك، ولا يستخف ، ولا يستحل شيئاً مما أنزله الله، وجاء به رسول الله ، فالله أرحم الراحمين ، وسيد الغافرين».
6- قال الشيخ العلامة عبداللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ -رحمه الله- في «منهاج التأسيس» (ص 71): «وإنما يَحْرُمُ إذا كان المستند إلى شريعة باطلة تخالف الكتاب والسنة، كأحكام اليونان والإفرنج والتتر، وقوانينهم التي مصدرها آراؤهم وأهواؤهم، وكذلك البادية وعاداتهم الجارية...
فمن استحلَّ الحكم بهذا في الدماء أو غيرها؛ فهو كافر، قال -تعالى-: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم الكافرون}...
وهذه الآية ذكر فيها بعض المفسرين: أن الكفر المراد هنا: كفر دون الكفر الأكبر؛ لأنهم فهموا أنها تتناول من حكم بغير ما أنزل الله، وهو غير مستحل لذلك، لكنهم لا ينازعون في عمومها للمستحل، وأن كفره مخرج عن الملة».
ثانياً: كتب التفسير:
1- روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير قوله -تعالى-: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة:44] قال :« من جحد ما أنزل الله، فقد كفر، ومن أقرّ به، لم يحكم به فهو ظالم فاسق»([75]).
2- وقال طاووس عن ابن عباس- أيضاً- في قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}؛ قال: «ليس بالكفر الذي يذهبون إليه».
وفي لفظ : « كفر لا ينقل عن الملة».
ولفظ آخر : «كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق».
ولفظ ثالث: « هو به كفره، وليس كمن كفر بالله، وملائكته ، وكتبه ورسله»([76]).
3- وقال طاووس: «ليس بكفر ينقل عن الملة»([77]) .
4- وقال ابن طاووس: «ليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله»([78]).
5- وقال عطاء :«كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق»([79]).
6- وقال علي بن الحسين: «كفر ليس ككفر الشرك، وفسق ليس كفسق الشرك، وظلم ليس كظلم الشرك»([80]).
7- وقال إسماعيل بن سعيد: «سألت أحمد: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، قلت: فما هذا الكفر؟
قال :«كفر لا يخرج من الملة»([81]).
ولما سأله أبو داود السجستاني([82]) عن قول الله - تعالى- : {ومن من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}؛ أجابه بقول طاووس وعطاء المتقدمين.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (7/254)، وتلميذه البار ابن قيم الجوزية في «حكم تارك الصلاة» (ص59-60): أن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- سئل عن الكفر المذكور في آية الحكم؛ فقال: «كفر لا ينقل عن الملة؛ مثل الإيمان بعضه دون بعض، فكذلك الكفر، حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه».
8- وقال مجاهد في هذه الآيات الثلاث: «من ترك الحكم بما أنزل الله رداً لكتاب الله؛ فهو كافر ظالم فاسق»([83]).
9- وقال عكرمة: « ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به، فقد كفر، ومن أقرَّ به، ولم يحكم به؛ فهو ظالم فاسق»([84]).
10- قال الخازن -رحمه الله- في«تفسيره» (1/310-مختصره) «وهذا قول ابن عباس أيضاً، وهو اختيار الزَّجّاج».
11- وقال شيخ المفسرين الإمام محمد بن جرير الطبري -رحمه الله- في «جامع البيان» (6/166-167): «وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب؛ لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت، وهم المعنيّون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم فكونها خبراً عنهم أولى.
فإن قال القائل: فإن الله- تعالى ذكره- قد عم بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله فكيف جعلته خاصاً؟
قيل: إن الله- تعالى- عمّ بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبرهم عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه، كافرون، وكذلك القول في كلّ من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به هو بالله كافر؛ كما قال ابن عباس؛ لأنه بجحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي».
12- وقال السمعاني -رحمه الله- في «تفسير القرآن» (2/42):{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال البراء بن عازب - وهو قول الحسن- : الآية في المشركين. قال ابن عباس: الآية في المسلمين، وأراد به كفر دون كفر، واعلم أن الخوارج يستدلون بهذه الآية، ويقولون: من لم يحكم بما أنزل الله؛ فهو كافر، وأهل السنة قالوا: لا يكفر بترك الحكم.
وللآية تأويلان:
أحدهما: معناه؛ ومن لم يحكم بما أنزل الله ردّاً وجحداً ، فأولئك هم الكافرون.
والثاني: معناه؛ ومن لم يحكم بكل ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، والكافر هو الذي يترك الحكم بكل ما أنزل الله دون المسلم».
13- وقال ابن الجوزي -رحمه الله- في «زاد المسير» (2/366-367):
«والمراد بالكفر المذكور في الآية قولان:
أحدهما : أنه الكفر بالله -تعالى-.
الثاني: أنه الكفر بذلك الحكم، وليس بكفر ينقل عن الملة.
وفصل الخطاب: أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً له، وهو يعلم أن الله أنزله؛ كما فعلت اليهود؛ فهو كافر، ومن لم يحكم به ميلاً إلى الهوى من غير جحود؛ فهو ظالم فاسق، وقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ؛ أنه قال: من جحد ما أنزل الله؛ فقد كفر، ومن أقرّ به؛ ولم يحكم به؛ فهو ظالم فاسق»أ.هـ.
14- وقال البغوي- رحمه الله- في «معالم التنزيل» (2/41):
« وقال العلماء: هذا إذا رد نص حكم الله عياناً عمداً، فأما من خفي عليه أو أخطأ في تأويل؛ فلا».
15- وقال أبو بكر الجصاص -رحمه الله- في «أحكام القرآن» (2/439) : «وقوله -تعالى-: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لا يخلو من أن يكون مراده كفر الشرك والجحود، أو كفر النعمة من غير جحود، فإن كان المراد جحود حكم الله أو الحكم بغيره مع الإخبار بأنه حكم الله؛ فهذا كفر يخرج عن الملة، وفاعله مرتد إن كان قبل ذلك مسلماً.
وعلى هذا تأوله من قال: إنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينا ، يعنون: أن من جحد حكم الله، أو حكم بغير حكم الله ثم قال: إن هذا حكم الله؛ فهو كافر؛ كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك.
وإن كان المراد به: كفر النعمة، فإن كفران النعمة قد يكون بترك الشكر عليها من غير جحود ، فلا يكون فاعله خارجاً من الملة.
والأظهر: هو المعنى الأول لإطلاقه اسم الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله».
16- وقال البيضاوي -رحمه الله- في «تفسيره» (1/468): { ومن لم يحكم بما أنزل الله} مستهيناً به منكراً له{فأولئك هم الكافرون} لاستهانتهم به، وتمردهم بأن حَكَموا بغيره، ولذلك وصفهم بقوله:{الكافرون} و{ الظالمون} و{ الفاسقون} ، فكفَّرهم لإنكاره ، وظلَّمهم بالحكم على خلافه، وفسقَّهم بالخروج عنه».
17- وقال أبو السعود -رحمه الله- في «تفسيره»: (2/64) «أي : من لم يحكم بذلك مستهيناً منكراً{ فأولئك هم الكافرون} لاستهانتهم به».
18- وقال النسفي -رحمه الله- في «تفسيره» (1/285): «{ ومن لم يحكم بما أنزل الله} مستهيناً به { فأولئك هم الكافرون}.
وقال الشيخ أبو منصور: يجوز أن يحمل على الجحود في الثلاث؛ فيكون كافراً ظالماً فاسقاً؛ لأن الفاسق المطلق والظالم المطلق هو الكافر».
19- وقال الواحدي -رحمه الله- في «الوسيط» (2/190): «قال جماعة : أن الآيات الثلاث نزلت في الكفار، ومن غيرّ حكم الله من اليهود، وليس في أهل الإسلام منها شيء، لأن المسلم- وإن ارتكب كبيرة- لا يقال له: كافر».
20- وقال ابن عطية -رحمه الله- في «المحرر الوجيز» (4/456):« وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم: الآية متناولة كل من لم يحكم بما أنزل الله، ولكنه في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان».
21- وقال ابن العربي -رحمه الله- في«أحكام القرآن»(2/624): «وهذا يختلف: إن حكم بما عنده على أنه من عند الله، فهو تبديل له يوجب الكفر، وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين».
22- وقال الفخر الرازي -رحمه الله- في «التفسير الكبير»(6/6): «وقال عكرمة: «قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله...} إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه»، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه حكم الله ، إلا أنه أتى بما يضاده ؛ فهو حاكم بما أنزل الله -تعالى-، ولكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية، وهذا هو الجواب الصحيح، والله أعلم».
23- وقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في «تفسير القرآن العظيم» (2/61): {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لأنهم جحدوا حكم الله قصداً منهم وعناداً وعمداً، وقال ههنا: {فأولئك هم الظالمون} لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه، فخالفوا وظلموا وتعدوا».
24- وقال علامة الشام الشيخ جمال القاسمي -رحمه الله- في «محاسن التأويل» (6/1998) :« كفر الحاكم بغير ما أنزل الله بقيد الاستهانة والجحود له، هو الذي نحاه كثيرون وأثروه عن عكرمة وابن عباس».
25- وقال ابن جُزَيٍّ -رحمه الله- في «تفسيره» (ص155): « وقال جماعة: هي عامّة في كلّ من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود والمسلمين وغيرهم، إلا أن الكفر في حقّ المسلمين كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان».
26- وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله- في «الجامع لأحكام القرآن» (6/190-191): «...فأما المسلم؛ فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة ، وقيل: فيه إضمار؛ أي: ومن لم يحكم بما أنزل الله ردّاً للقرآن، وجحداً لقول الرسول -عليه الصلاة والسلام-؛ فهو كافر؛ قاله ابن عباس ومجاهد؛ فالآية عامّة على هذا.
قال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار.
أي: معتقداً ذلك ومستحلاً له؛ فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكبُ محرمٍ؛ فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله- تعالى- إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له.
وقال ابن عباس في رواية: ومن لم يحكم بما أنزل الله، فقد فعل فعلاً يضاهي أفعال الكفار.
وقيل: أي: ومن لم يحكم بجميع ما أنزل الله، فهو كافر، فأما من حكم بالتوحيد ولم يحكم ببعض الشرائع؛ فلا يدخل في هذه الآية.
والصحيح الأول.
وهذا يختلف: إنْ حكم بما عنده على أنه من عند الله، فهو تبديل له يوجب الكفر، وإن حكم به هوى ومعصية؛ فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين.
قال القشيري: ومذهب الخوارج: أن من ارتشى وحكم بغير حكم الله، فهو كافر، وعزا هذا إلى الحسن والسدي» .
27- وقال الآلوسي -رحمه الله- في «روح المعاني» (3/146) : «عن الشعبي أنه قال: «الثلاث الآيات التي في المائدة : أولها في هذه الأمة ، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى.
ويلزم على هذا أن يكون المؤمنون أسوأ حالاً من اليهود والنصارى إلا أنه قيل: إن الكفر إذا نسب إلى المؤمنين حمل على التشديد والتغليظ، والكافر إذا وصف بالفسق والظلم؛ أشعر بعتوِّه وتمُّرده فيه»أ. هـ.
28- وقال الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله- في «تفسير المنار» (6/405-406): «وقد استحدث كثير من المسلمين من الشرائع والأحكام نحو ما استحدث الذين من قبلهم، وتركوا- بالحكم بها- بعض ما أنزل الله عليهم، فالذين يتركون ما أنزل الله في كتابه من الأحكام ، من غير تأويل يعتقدون صحته، فإنه يصدق عليهم ما قاله الله في الآيات الثلاث أو في بعضها، كلّ بحسب حاله:
فمن أعرض عن الحكم بحد السرقة ، أو القذف، أو الزنا، غير مذعن له لاستقباحه إياه، وتفضيل غيره من أوضاع البشر عليه؛ فهو كافر قطعاً.
ومن لم يحكم به لعلة أخرى؛ فهو ظالم إن كان في ذلك إضاعة الحق أو ترك العدل والمساواة فيه، وإلا؛ فهو فاسق فقط...
وإننا نرى كثيرين من المسلمين المتدينين يعتقدون أن قضاة المحاكم الأهلية الذين يحكمون بالقانون كفاراً أخذاً بظاهر قوله -تعالى-: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ، ويستلزم الحكم بتكفير القاضي الحاكم بالقانون تكفير الأمراء والسلاطين الواضعين للقوانين، فإنهم وإن لم يكونوا ألفوها بمعارفهم، فإنها وضعت بإذنهم ، وهم الذين يولون الحكام ليحكموا بها...أما ظاهر الآية فلم يقل به أحد من أئمة الفقه المشهورين، بل لم يقل به أحد قط»!
29- وقال الشيخ العلامة الشنقيطي -رحمه الله- في «أضواء البيان» (2/104): «واعلم: أن تحرير المقام في هذا البحث: أن الكفر والظلم والفسق، كل واحد منها أطلق في الشرع مراداً به المعصية تارة ، والكفر المخرج من الملة أخرى:
{ ومن لم يحكم بما أنزل الله} معارضة للرسل، وإبطالاً لأحكام الله؛ فظلمه وفسقه وكفره كلها مخرج عن الملة.
{ ومن لم يحكم بما أنزل الله} معتقداً أنه مرتكب حراماً ، فاعل قبيحاً ، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج من الملة».
ثالثاً: كتب الحديث والفقه:
1- قال الإمام محمد بن نصر المروزي-رحمه الله-في«تعظيم قدر الصلاة»(2/517-518): « إن الكفر كفران:
كفر هو جحد بالله وبما قال ؛ فذلك ضده الإقرار بالله، والتصديق به وبما قال.
وكفر هو عمل ضد الإيمان الذي هو عمل، ألا ترى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه»، قالوا: فإذا لم يؤمن؛ فقد كفر، ولا يجوز غير ذلك إلا أنه كفر من جهة العمل؛ إذ لم يؤمن من جهة العمل؛ لأنه لا يضيع المفترض عليه...».
وقال (2/520): «ولنا في هذا قدوة بمن روي عنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين؛ إذ جعلوا للكفر فروعاً دون أصله لا تنقل صاحبه عن ملة الإسلام، كما ثبتوا للإيمان من جهة العمل فرعاً للأصل، لا ينقل تركه عن ملة الإسلام، من ذلك قول ابن عباس في قوله: «{ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}».
ثم روى بالأسانيد الصحيحة عن ابن عباس وطاووس وعطاء وغيرهم التفسير السلفي السابق الذي ذكرنا سابقاً.
وقال(2/523)- معقباً على أثر عطاء:«كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق»-: وقد صدق عطاء؛ قد يسمى الكافر ظالماً ، ويسمى العاصي من المسلمين ظالماً، فظلم ينقل عن ملة الإسلام وظلم لا ينقل .
قال الله: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82 ]، وقال: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13].
وقال(2/526-528): «وكذلك الفسق فسقان: فسق ينقل عن الملّة، وفسق لا ينقل عن الملّة، فيسمى الكافر فاسقاً، والفاسق من المسلمين فاسقاً، ذكر الله إبليس ؛ فقال:{ففسق عن أمر ربّه} [الكهف:50 ] وكان ذلك الفسق منه كفراً.
وقال -تعالى-: { وأما الذين فسقوا فمأواهم النار}؛ يريد: الكفار، دل على ذلك قوله: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون} [السجدة:20 ]
وسمى القاذف من المسلمين فاسقاً، ولم يخرجه من الإسلام، قال الله: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون} [ النور:4].
وقال الله: { فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} [البقرة:197].
فقال العلماء في تفسير الفسوق ههنا: هي المعاصي.
قالوا: فكما أن الظلم ظلمان، والفسق فسقان، كذلك الكفر كفران:
أحدهما: ينقل عن الملة.
والآخر لا ينقل عنها.
فكذلك الشرك شركان:
شرك في التوحيد ينقل عن الملة.
وشرك في العمل لا ينقل عن الملة، وهو: الرياء.
قال الله-عز وجل-: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً} [ الكهف:110].
يريد بذلك: المراءاة بالأعمال الصالحة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :«الطيرة شرك»([85]).
وقال المروزي: فهذان مذهبان هما -في الجملة- محكيان عن أحمد بن حنبل في موافقيه من أصحاب الحديث.
حكى الشالنجي إسماعيل بن سعيد: أنه سأل أحمد بن حنبل عن قول ابن عباس في قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}؛ فقلت له: ما هذا الكفر؟
قال : كفر لا ينقل عن الملة مثل الإيمان بعضه دون بعض؛ فكذلك الكفر حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه».
2- وقال الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله- في «التمهيد» (5/74-75): «وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالماً به ، رويت في ذلك آثار شديدة عن السلف ، وقال الله - عز وجل- : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} و{الظالمون}، و{الفاسقون} نزلت في أهل الكتاب .
قال حذيفة وابن عباس: وهي عامة فينا. قالوا : ليس بكفر ينقل عن الملة إذا فعل ذلك رجل من أهل هذه الأمة حتى يكفر بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.
روي هذا المعنى عن جماعة من العلماء بتأويل القرآن ، منهم: ابن عباس وطاووس، وعطاء».
3- وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله- في «المفهم» (5/117-118): «وقوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} يحتج بظاهره من يكفر بالذنوب، وهم الخوارج!، ولا حجة لهم فيه؛ لأن هذه الآيات نزلت في اليهود المحرفين كلام الله -تعالى-، كما جاء في الحديث، وهم كفار، فيشاركهم في حكمها من يشاركهم في سبب نزولها.
وبيان هذا: أن المسلم إذا علم حكم الله -تعالى- في قضية -قطعاً- ثم لم يحكم به، فإن كان عن جحد كان كافراً، لا يختلف في هذا، وإن كان لا عن جحد كان عاصياً مرتكبَ كبيرةٍ، لأنه مصدق بأصل ذلك الحكم، وعالم بوجوب تنفيذه عليه، لكنه عصى بترك العمل به، وهكذا في كل ما يُعلم من ضرورة الشرع حكمه؛ كالصلاة وغيرها من القواعد المعلومة، وهذا مذهب أهل السنة.
وقد تقدم ذلك في كتاب الإيمان([86]) ؛ حيث بينا: أن الكفر هو الجحد و التكذيب بأمر معلوم ضروري من الشرع فما لم يكن كذلك؛ فليس بكفر([87]).
ومقصود هذا البحث : أن هذه الآيات المراد بها : أهل الكفر والعناد، وأنها [وإن] كانت ألفاظها عامة؛ فقد خرج منها المسلمون؛ لأن ترك العمل بالحكم مع الإيمان بأصله هو دون الشرك، وقد قال -تعالى-: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [ النساء:48]، وترك الحكم بذلك ليس بشرك بالاتفاق، فيجوز أن يغفر ، والكفر لا يغفر؛ فلا يكون ترك العمل بالحكم كفراً».
4- وقال العيني -رحمه الله- في «عمدة القاري» (20/129-130): «هذه الآية والآيتان بعدها نزلت في الكفار، ومن غيّر حكم الله من اليهود ، وليس في أهل الإسلام منها شيء ؛ لأن المسلم- وإن ارتكب كبيرة- لا يقال له: كافر».
5- وقال الشاطبي -رحمه الله- في «الموافقات» (4/39): «هذه الآية مع أنها نزلت في اليهود ، والسياق يدل على ذلك، فإن العلماء عموا بها غير الكفار، وقالوا: كفر دون كفر».
6- وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- في «فتح الباري» (13/120): «إن الآيات، وإن كان سببها أهل الكتاب، لكن عمومها يتناول غيرهم، لكن لما تقرر من قواعد الشريعة: أن مرتكب المعصية لا يسمى: كافراً، ولا يسمى -أيضاً- ظالماً؛ لأن الظلم قد فُسِّر بالشرك، بقيت الصفة الثالثة» ؛ يعني : الفسق.
7- وقال إسماعيل القاضي -رحمه الله- في «أحكام القرآن»؛ كما في «فتح الباري» (13/120)- بعد أن حكى الخلاف في تفسير الآية-:«ظاهر الآيات يدل على أن من فعل مثل ما فعلوا واخترع حكماً يخالف به حكم الله وجعله ديناً يعمل به؛ فقد لزمه مثل ما لزمهم من الوعيد المذكور حاكماً كان أو غيره»أ.هـ.
رابعاً: من المعاصرين:
1- قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ- رحمه الله-في« تحكيم القوانين» (ص 15-25): قال -تعالى-: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [ المائدة: 44]، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} [ المائدة:45] ، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} [ المائدة: 47].
فانظر كيف سجّل -تعالى- على الحاكمين بغير ما أنزل الله الكفر والظلم والفسوق، ومن الممتنع أن يسمي الله -سبحانه- الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً ولا يكون كافراً ، بل هو كافر -مطلقاً-: إما كفر عمل، وإما كفر اعتقاد([88])؟
وما جاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما- في تفسير هذه الآية من رواية طاووس وغيره يدل على أن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر([89]): إما كفر اعتقاد ناقل عن الملة، وإما كفر عمل لا ينقل عن الملة:
أما الأول: وهو كفر الاعتقاد:
فهو أنواع:
أحدهما: أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقِّيَّة حكم الله ورسوله.
وهو معنى ما روي عن ابن عباس، واختاره ابن جرير: أن ذلك هو جحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي، وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل العلم([90])؛ فإن الأصول المتقررة المتفق عليها بينهم: أن من جحد أصلاً من أصول الدين أو فرعاً مجمعاً عليه، أو أنكر حرفاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم قطعياً؛ فإنه كافر الكفر الناقل من الملة.
الثاني: أن لا يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله كون حكم الله ورسوله حقاً ، لكن اعتقد أن حكم غير الرسول صلى الله عليه وسلم أحسن من حكمه، وأتم واشمل لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع، إما مطلقاً أو بالنسبة إلى ما استجد من الحوادث التي نشأت عن تطور الزمان وتغير الأحوال، وهذا أيضاً لا ريب أنه كفر؛ لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي محض زبالة الأذهان، وصرف حثالة الأفكار، على حكم الحكيم الحميد.
وحكم الله ورسوله لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان ، وتطور الأحوال، وتجدد الحوادث؛ فإنه ما من قضية -كائنة ما كانت- إلا وحكمها في كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم نصاً أو ظاهراً أو استنباطاً أو غير ذلك، علم ذلك من علمه، وجهله من جهله.
وليس معنى ما ذكره العلماء من تغير الفتوى بتغير الأحوال، ما ظنّه من قل نصيبهم؛ أو عدم -من معرفة مدارك الأحكام وعللها-؛ حيث ظنوا: أن معنى ذلك بحسب ما يلائم إرادتهم الشهوانية البهيمية، وأغراضهم الدنيوية، وتصوراتهم الخاطئة الوبيّة؛ ولهذا تجدهم يحامون عليها، ويجعلون النصوص تابعة لها منقادة إليها، مهما أمكنهم؛ فيحرفون لذلك الكلم عن مواضعه.
وحينئذ معنى تغيّر الفتوى بتغير الأحوال والأزمان، مراد العلماء منه: ما كان مستصحبة فيه الأصول الشرعية، والعلل المرعية، والمصالح التي جنسها مراد الله -تعالى- ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم: أن أرباب القوانين الوضعية عن ذلك بمعزل، وأنهم لا يقولون إلا على ما يلائم مراداتهم، كائنة ما كانت ، والواقع أصدق شاهد.
الثالث: لا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله ، لكن اعتقد أنه مثله، فهذا كالنوعين اللذين قبله، في كونه كافراً الكفر الناقل عن الملة ، لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق، والمناقضة والمعاندة؛ لقوله -عز وجل-: {ليس كمثله شيء} [ الشورى: 11] ونحوها من الآيات الكريمة، الدالة على تفرد الرب بالكمال ، وتنزيهه عن مماثلة المخلوقين في الذات والصفات والأفعال، والحكم بين الناس فيما يتنازعون فيه.
الرابع: أن لا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلاً لحكم الله ورسوله، فضلاً عن أن يعتقد كونه أحسن منه، لكن اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله، فهذا كالذي قبله يصدق عليه ما يصدق عليه؛ لاعتقاده جواز ما علم بالنصوص الصحيحة الصريحة القاطعة تحريمه.
الخامس: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها؛ معاندة للشرع، ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ورسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية، إعداداً وإمداداً وإرصاداً وتأصيلاً، وتفريعاً وتشكيلاً وتنويعاً وحكماً وإلزاماً، ومراجعَ ومستنداتٍ.
فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات ، مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فلهذه المحاكم مراجع، هي: القانون الملفّق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة؛ كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني، وغيرهما من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك.
فهذه المحاكم في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة ، مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب، من أحكام ذلك القانون، وتلزمهم به، وتقرّهم عليه، وتحتمه عليهم.
فأي كفر فوق هذا الكفر ، وأي مناقضة للشهادة بأن محمداً رسول الله بعد هذه المناقضة؟!
وذكر أدلة جميع ما قدمنا على وجه البسط معلومة معروفة، لا يحتمل ذكرها هذا الموضع([91]).
فيا معشر العقلاء! ويا جماعات الأذكياء وأولي النهى: كيف ترضون أن تجري عليكم أحكام أمثالكم، وأفكار أشباهكم، أو مَن هم دونكم ، ممن يجوز عليهم الخطأ، بل خطأهم أكثر من صوابهم بكثير ، بل لا صواب في حكمهم إلا ما هو مستمدّ من حكم الله ورسوله، نصاً أو استنباطاً، تدعونهم يحكمون في أنفسكم، ودمائكم ، وأبشاركم ، وأعراضكم، وفي أهاليكم من أزواجكم وذراريكم، وفي أموالكم وسائر حقوقكم ، ويتركون ويرفضون أن يحكموا فيكم بحكم الله ورسوله، الذي لا يتطرق إليه الخطأ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
وخضوع الناس ورضوخهم لحكم ربهم خضوع ورضوخ لحكم من خلقهم- تعالى- ليعبدوه، فكما لا يسجد الخلق إلا لله، ولا يعبدون إلا إياه، ولا يعبدون المخلوق؛ فكذلك يجب أن لا يرضخوا ولا يخضعوا أو ينقادوا إلا لحكم الحكيم العليم الحميد، الرؤوف الرحيم، دون حكم المخلوق، الظلوم الجهول، الذي أهلكته الشكوك والشهوات والشبهات، واستولت على قلوبهم الغفلة والقسوة والظلمات.
فيجب على العقلاء أن يربأوا بنفوسهم عنه؛ لما فيه من الاستعباد لهم، والتحكُّم فيهم بالأهواء والأغراض، والأغلاط والأخطاء، فضلاً عن كونه كفراً بنص قوله-تعالى- : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}[المائدة:44].
السادس: ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر، والقبائل من البوادي ونحوهم، من حكايات آبائهم وأجدادهم وعاداتهم التي يسمونها«سلُّومهم»([92])، يتوارثون ذلك منهم، ويحكمون به ، ويحصلون على التحاكم إليه عند النزاع بقاءاً على أحكام الجاهلية، وإعراضاً، ورغبة عن حكم الله ورسوله، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وأما القسم الثاني من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، وهو الذي لا يخرج من الملة:
فقد تقدم أن تفسير ابن عباس - رضي الله عنهما- لقول الله -عز وجل-: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [ المائدة: 44].
وقد شمل ذلك القسم ، وذلك في قوله - رضي الله عنه- في الآية:«كفر دون كفر» وقوله -أيضاً-: «ليس بالكفر الذي تذهبون إليه».
وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ، ومجانبة الهدى.
وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة؛ فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر، كالزنى، وشرب الخمر، والسرقة ، واليمين الغموس، وغيرها؛ فإن معصية سماها الله في كتابه: كفراً، أعظم من معصية لم يسمها كفراً.
نسأل الله: أن يجمع المسلمين على التحاكم إلى كتابه، ، انقياداً ورضاءاً ، إنه ولي ذلك والقادر عليه»([93]).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله- أيضاً- في«مجموع الفتاوى» (1/80) -له-: «وكذلك تحقيق معنى محمد رسول الله: من تحكيم شريعته، والتقيد بها، ونبذ ما خالفها من القوانين والأوضاع وسائر الأشياء التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي من حكم بها [يعني: القوانين الوضعية] أو حاكم إليها؛ معتقداً صحة ذلك وجوازه ، فهو كافر الكفر الناقل عن الملة، وإن فعل ذلك بدون اعتقاد ذلك وجوازه؛ فهو كافر الكفر العملي الذي لا ينقل عن الملة»([94]).
2- وقال الشيخ أبو هبة الله إسماعيل بن إبراهيم الإسْعَرْدي -رحمه الله- في «تحذير أهل الإيمان عن الحكم بغير ما أنزل الرحمن»(ص 141) :«ومن لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله، واستحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله؛ فهو كافر...فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله، فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله؛ فهم كفار ، وإلا كانوا جهالاً ضلالاً لا يعلمون»([95]).
3- وقال شيخنا العلامة المحدث الفقيه المجدد إمام أهل السنة محمد ناصر الدين الألباني- رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى بمنة وكرمه-؛ كما في «التحذير من فتنة التكفير» (ص56-72) ما نصه:«...ومن هؤلاء المنحرفين : الخوارج؛ قدماء وَمَحدثين؛ فإن أصل فتنة التكفير في هذا الزمان - بل منذ أزمان- هو آية يدندنون دائماً حولها؛ ألا وهي قوله -تعالى-: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}؛ فيأخذونها من غير فهوم عميقة، ويوردونها بلا معرفة دقيقة.
ونحن نعلم أن هذه الآية الكريمة قد تكررت ، وجاءت خاتمتها بألفاظ ثلاثة، هي: {... فأولئك هم الكافرون} و{... فأولئك هم الظالمون} و{... فأولئك هم الفاسقون}؛ فمن تمام جهل الذين يحتجون من هذه الآية باللفظ الأول منها فقط -{...فأولئك هم الكافرون}- أنهم لم يُلِمّوا على الأقل ببعض النصوص الشرعية -قرآناً أم سنة- التي جاء فيها ذكر لفظة (الكفر)؛ فأخذوها- بغير نظر- على أنها تعني: الخروج من الدين ! وأنه لا فرق بين هذا الذي وقع في الكفر، وبين أولئك المشركين من اليهود والنصارى وأصحاب الملل الأخرى الخارجة عن ملة الإسلام!
بينما لفظة(الكفر) في لغة الكتاب والسنة لا تعني - دائماً- هذا الذي يدندنون حوله، ويسلطون هذا الفهم الخاطىء المغلوط عليه!
فشأن لفظة: { الكافرون} - من حيث إنها لا تدل على معنى واحد- هو ذاته شأن اللفظين الآخرين: { الظالمون} و{ الفاسقون} ؛ فكما أن من وصف بأنه ظالم أو فاسق لا يلزم بالضرورة ارتداده عن دينه ، فكذلك من وصف بأنه كافر، سواء بسواء.
وهذا التنوّع -في معنى اللفظ الواحد- هو الذي تدًّل عليه اللغة، ثم الشرع الذي جاء بلغة العرب- لغة القرآن الكريم-.
فمن أجل ذلك كان الواجب على كل من يتصدى لإصدار الأحكام على المسلمين - سواء أكانوا حكاماً أم محكومين- أن يكون على علم واسع بالكتاب والسنة، وعلى ضوء منهج السلف الصالح.
والكتاب والسنة لا يمكن فهمهما - وكذلك ما تفرّع عنهما- إلا بطرق معرفة اللغة العربية وآدابها معرفة خاصة دقيقة.
فإن كان لدى طالب العلم نقص في معرفة اللغة العربية: فإن مما يساعده في استدراك ذلك النقص الرجوع إلى فهم من قبله من الأئمة والعلماء، وبخاصة أهل القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية.
ولنرجع إلى آية : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ؛ فما المراد بالكفر فيها؟ هل هو الخروج عن الملة؟ أو أنه غير ذلك؟
فأقول : لا بد من الدّقة في فهم هذه الآية؛ فإنها قد تعني الكفر العملي؛ وهو الخروج بالأعمال عن بعض أحكام الإسلام.
ويساعدنا في هذا الفهم حبر الأمة، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، الذي أجمع المسلمون جميعاً- إلا من كان من الفرق الضالة- على أنه إمام فريد في التفسير.
فكأنه طرق سمعه -يومئذ- ما نسمعه اليوم تماماً من أن هناك أناساً يفهمون هذه الآية فهماً سطحياً، من غير تفصيل، فقال - رضي الله عنه- :«ليس الكفر الذي تذهبون إليه»،و :«إنه ليس كفراً ينقل عن الملة» ، و: «هو كفر دون كفر» ، ولعله يعني: بذلك الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه-، ثم كان من عواقب ذلك أنهم سفكوا دماء المؤمنين، وفعلوا فيهم ما لم يفعلوا بالمشركين، فقال: ليس الأمر كما قالوا! أو كما ظنوا! إنما هو: كفر دون كفر.
فهذا الجواب المختصر الواضح من ترجمان القرآن في تفسير هذه الآية؛ هو الحكم الذي لا يمكن أن يفهم سواه من النصوص التي أشرت إليها قبل.
ثم إن كلمة (الكفر) ذكرت في كثير من النصوص القرآنية والحديثية، ولا يمكن أن تحمل فيها -جميعاً- على أنها تساوي الخروج من الملة!! من ذلك-مثلاً- الحديث المعروف في «الصحيحين» عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»؛ فالكفر هنا هو المعصية، التي هي الخروج عن الطاعة، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام- وهو أفصح الناس بياناً- بالغ في الزجر قائلاً:«... وقتاله كفر».
ومن ناحية أخرى ؛ هل يمكن لنا أن نَحمِلَ الفقرة الأولى من هذا الحديث -«سباب المسلم فسوق»- على معنى الفسق المذكور في اللفظ الثالث ضمن الآية السابقة: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون}؟!
والجواب: أن هذا قد يكون فسقاً مرادفاً للكفر الذي هو بمعنى الخروج عن الملة، وقد يكون الفسق مرادفاً للكفر الذي لا يعني الخروج عن الملة؛ وإنما يعني: ما قاله ترجمان القرآن: إنه كفر دون كفر.
وهذا الحديث يؤكد أن الكفر قد يكون بهذا المعنى؛ وذلك لأن الله -عز وجل- قال : {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} [الحجرات:9]؛ إذ قد ذكر ربنا -عز وجل- هنا الفرقة الباغية التي تقاتل الفرقة المحقة المؤمنة، ومع ذلك فلم يحكم على الباغية بالكفر، مع أن الحديث يقول:«...وقتاله كفر»!
إذاً ؛ فقتاله كفر دون كفر؛ كما قال ابن عباس في تفسير الآية السابقة تماماً.
فقتال المسلم للمسلم بغي واعتداء، وفسق وكفر، ولكن هذا يعني: أن الكفر قد يكون كفراً عملياً، وقد يكون كفراً اعتقادياً.
ومن هنا جاء هذا التفصيل الدقيق الذي تولى بيانه وشرحه الإمام- بحق- شيخ الإسلام ابن تيمية -يرحمه الله- ، وتولى ذلك من بعده تلميذه البار ابن قيم الجوزية ، إذ لهما الفضل في التنبيه والدندنة على تقسيم الكفر إلى ذلك التقسيم الذي رفع رايته ترجمان القرآن بتلك الكلمة الجامعة الموجزة ؛ فابن تيمية- يرحمه الله- وتلميذه وصاحبه ابن قيم الجوزية: يدندنان دائماً حول ضرورة التفريق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي، وإلا وقع المسلم من حيث لا يدري في فتنة الخروج على جماعة المسلمين التي وقع فيها الخوارج قديماً، وبعض أذنابهم حديثاً.
وخلاصة القول: إن قوله صلى الله عليه وسلم :«...وقتاله كفر» لا يعني- مطلقاً- الخروج عن الملة، والأحاديث في هذا كثيرة جداً؛ فهي- جميعاً- حجة دامغة على أولئك الذي يقفون عند فهمهم القاصر للآية السابقة، ويلتزمون تفسيرها بالكفر الاعتقادي.
فحسبنا -الآن- هذا الحديث؛ لأنه دليل قاطع على أن قتال المسلم لأخيه المسلم هو كفر بمعنى الكفر العملي، وليس هو الكفر الاعتقادي!
فإذا عدنا إلى (جماعة التكفير)- أو من تفرّع عنهم!- وإطلاقهم على الحكام- وعلى من يعيشون تحت رايتهم، وينتظمون تحت إمرتهم وتوظيفهم - الكفر والردة! فإن ذلك منهم مبني على وجهة نظرهم الفاسدة؛ القائمة على أن هؤلاء ارتكبوا المعاصي؛ فكفروا بذلك!!
ومن جملة الأمور التي يفيد ذكرها وحكايتها : أنني التقيت مع بعض أولئك الذين كانوا من جماعة التكفير، ثم هداهم الله -عز وجل- ، فقلت لهم: ها أنتم كفّرتم بعض الحكام، فما بالكم- مثلاً- تكفّرون أئمة المساجد، وخطباء المساجد، ومؤذني المساجد، وخدمة المساجد؟! وما بالكم تكفرون أساتذة العلم الشرعي في المدارس وغيرها؟!
قالوا: لأن هؤلاء رضوا بحكم الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله!!فأقول: إذا كان هذا الرضى قلبياً بالحكم بغير ما أنزل الله؛ فحينئذ ينقلب الكفر العملي إلى كفر اعتقادي! فأي حاكم يحكم بغير ما أنزل الله وهو يرى ويعتقد أن هذا الحكم هو الحكم اللائق تبنّيه في هذا العصر! وأنه لا يليق به تبنّيه للحكم الشرعي المنصوص في الكتاب والسنة! فلا شك أن هذا الحاكم يكون كفره كفراً اعتقادياً، و ليس كفراً عملياً فقط!! ومن رضي ارتضاءه واعتقاده: فإنه يلحق به!!
ثم قلت لهم: فأنتم - أولاً- لا تستطيعون أن تحكموا على كل حاكم يحكم بالقوانين الغربية الكافرة- أو بكثير منها- أنه لو سئل عن الحكم بغير ما أنزل الله!! لأجاب : بأن الحكم بهذه القوانين هو الحق والصالح في هذا العصر! وأنه لا يجوز الحكم بالإسلام !! لأنهم لو قالوا ذلك: لصاروا كفاراً -حقاً- دون شك ولا ريب !
فإذا انتقلنا إلى المحكومين- وفيهم العلماء والصالحون وغيرهم- فكيف تحكمون عليهم بالكفر بمجرد أنهم يعيشون تحت حكم يشملهم؛ كما يشملكم أنتم تماماً! ولكنكم تعلنون أن هؤلاء كفار مرتدون، والحكم بما أنزل الله هو الواجب! ثم تقولون معتذرين لأنفسكم: إن مخالفة الحكم الشرعي بمجرد العمل لا يستلزم الحكم على هذا العامل بـأنه مرتد عن دينه؟!
وهذا عين ما يقوله غيركم ، سوى أنكم تزيدون عليهم - بغير حق- الحكم بالتكفير والردة!
ومن جملة المسائل التي توضح خطأهم وتكشف ضلالهم: أن يقال لهم: متى يُحْكَم على المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله- وقد يكون يصلي- بأنه ارتد عن دينه؟ أيكفي مرة واحدة؟ أم أنه يجب أن يعلن أنه مرتدّ عن الدين؟
إنهم لن يعرفوا جواباً! ولن يهتدوا صواباً!! ، فنضطر إلى أن نضرب لهم المثل التالي؛ فنقول:
قاض يحكم بالشرع؛ هكذا عادته ونظامه، لكنه في حكومة واحدة زلت به القدم؛ فحكم بخلاف الشرع؛ أي: أعطى الحق للظالم وحرمه المظلوم، فهذا -قطعاً- حكم بغير ما أنزل الله! فهل تقولون بأنه: كَفَرَ كُفْرَ ردّة؟
سيقولون: لا ؛ لأن هذا صدر منه مرة واحدة.
فنقول : إن صدر منه نفس الحكم مرة ثانية، أو حكم آخر، وخالف الشرع أيضاً، فهل يكفر؟
ثم نكرر عليهم: ثلاث مرات! أربع مرات... متى تقولون : إنه كفر؟! لن يستطيعوا وضع حدٍّ بتعداد أحكامه التي خالف فيها الشرع، ثم لا يكّفرونه بها([96])! في حين يستطيعون عكس ذلك تماماً إذا عُلم منه أنه في الحكم الأول استحسن الحكم بغير ما أنزل الله- مستحلاً له- واستقبح الحكم الشرعي، فساعتئذ يكون الحكم عليه بالردة صحيحاً ، ومن المرة الأولى!
وعلى العكس من ذلك: لو رأينا منه عشرات الحكومات في قضايا متعددة خالف فيها الشرع، وإذا سألناه : لماذا حكمت بغير ما انزل الله -عز وجل-؟ فرد قائلاً: خفت وخشيت على نفسي! أو : ارتشيت! مثلاً، فهذا أسوأ من الأول بكثير، ومع ذلك، فإننا لا نستطيع أن نقول بكفره حتى يعرب عما في قلبه: بأنه لا يرى الحكم بما أنزل الله -عز وجل-، فحينئذٍ -فقط- نستطيع أن نقول: إنه كافر كفر ردة.
وخلاصة الكلام: لا بد من معرفة أن الكفر- كالفسق والظلم- ، ينقسم إلى قسمين:
كفر وفسق وظلم يخرج من الملة، وكل ذلك يعود إلى الاستحلال القلبي.
وآخر لا يخرج من الملة؛ يعود إلى الاستحلال العملي.
فكل المعاصي - وبخاصة ما فشا في هذا الزمان من استحلال عملي للربا والزنى، وشرب الخمر، وغيرها- هي من الكفر العملي، فلا يجوز أن نكفر عموم العصاة المتلبّسين بشيء من هذه المعاصي لمجرد ارتكابهم لها، واستحلالهم إياها عملياً! إلا إذا ظهر لنا منهم- يقيناً- ما يكشف لنا عما في قرارة نفوسهم أنهم لا يحرمون ما حرَّم الله ورسوله اعتقاداً ؛ فإذا عرفنا أنهم وقعوا في هذه المخالفة القلبية حكمنا عليهم -حينئذ- بأنهم كفروا كُفْرَ ردّة.
أما إذا لم نعلم ذلك؛ فلا سبيل لنا إلى الحكم بكفرهم؛ لأننا نخشى أن نقع تحت وعيد قوله- عليه الصلاة والسلام-: «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما».
والأحاديث الواردة في هذا المعنى كثيرة جداً؛ أذكر منها حديثاً ذا دلالة كبيرة، وهو في قصة ذلك الصحابي الذي قاتل أحد المشركين، فلما رأى هذا المشرك أنه صار تحت ضربة سيف المسلم الصحابي ! قال: أشهد أن لا إله إلا الله!! فما بالاها الصحابي ، فقتله!! فلما بلغ خبره النبي صلى الله عليه وسلم ؛ أنكر عليه ذلك أشد الإنكار، فاعتذر الصحابي بأن المشرك ما قالها إلا خوفاً من القتل! لكنّ جوابه صلى الله عليه وسلم كان : «هلاّ شققت عن قلبه؟!».
إذاً؛ الكفر الاعتقادي ليس له علاقة أساسية بمجرد العمل([97])، إنما علاقته الكبرى بالقلب.
ونحن لا نستطيع أن نعلم ما في قلب الفاسق والفاجر، والسارق، والزاني، والمرابي... ومن شابههم؛ إلا إذا عبّر عما في قلبه بلسانه، أما عمله فينبىء أنه خالف الشرع مخالفة عملية، فنحن نقول: إنك خالفت! وإنك فسقت! وإنك فجرت! لكن لا نقول : إنك كفرت، وارتددت عن دينك، حتى يظهر منه شيء يكون لنا عذراً عند الله -عز وجل- في الحكم بِرِدَّته، ثم يأتي الحكم المعروف في الإسلام عليه؛ ألا وهو قوله -عليه الصلاة والسلام-: «من بدل دينه؛ فاقتلوه».
ولقد قلت- وما أزال أقول- لهؤلاء الذين يدندنون حول تكفير حكام المسلمين:
هَبُوا أن هؤلاء الحكام كفار كفر ردة! وَهَبُوا - أيضاً- أن هناك حاكماً أعلى على هؤلاء! فالواجب - والحالة هذه- أن يطبق هذا الحاكم الأعلى فيهم الحد!
ولكن ؛ الآن : ماذا تستفيدون أنتم من الناحية العملية إذا سلّمنا -جدلاً- أن هؤلاء الحكام كفار كفر ردة؟ ماذا يمكن أن تصنعوا وتفعلوا؟
إذا قالوا: ولاء وبراء!! فنقول: الولاء والبراء مرتبطان بالموالاة والمعاداة -قلبية وعملية-، وعلى حسب الاستطاعة، فلا يشترط لوجودهما إعلان التكفير وإشهار الردة.
بل إن الولاء والبراء قد يكونان في مبتدع ، أو عاص ، أو ظالم!
ثم أقول لهؤلاء: ها هم هؤلاء الكفار قد احتلّوا من بلاد الإسلام مواقع عدة!- ونحن مع الأسف ابتلينا باحتلال اليهود لفلسطين- ، فما الذي نستطيع نحن وأنتم فعله مع هؤلاء؟!! حتى تقفوا أنتم- وحدكم - ضد أولئك الحكام الذين تظنون وتدعون أنهم كفار».أ.هـ بطوله.
4- ونشرت جريدة «الشرق الأوسط» في عددها (6156) بتاريخ 12/5/1416هـ لسماحة شيخنا العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز- رحمه الله- مقالة قال فيها :«اطلعت على الجواب المفيد القيم الذي تفضل به صاحب الفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني- وفقه الله- المنشور في جريدة (الشرق الأوسط) وصحيفة (المسلمون) الذي أجاب به فضيلته من سأله عن تكفير من حكم بغير ما أنزل الله -من غير تفصيل-، فألفيتها كلمة قيمة قد أصاب فيه الحق، وسلك فيها سبيل المؤمنين، وأوضح - وفقه الله- أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يكفِّر من حكم بغير ما أنزل الله -بمجرد الفعل- من دون أن يعلم أنه استحلّ ذلك بقلبه، واحتج بما جاء في ذلك عن ابن عباس- رضي الله عنهما- وغيره من سلف الأمة.
ولا شك أن ما ذكره في جوابه في تفسير قوله -تعالى-: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكفرون}،{ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون}، { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون}، هو الصواب ، وقد أوضح - وفّقه الله- أن الكفر كفران: أكبر وأصغر، كما أن الظلم ظلمان، وهكذا الفسق فسقان: أكبر وأصغر، فمن استحل الحكم بغير ما أنزل الله أو الزنا أو الربا أو غيرهما من المحرمات المجمع على تحريمها فقد كفر كفراً أكبر، ومن فعلها بدون استحلال كان كفره كفراً أصغر وظلمه ظلماً أصغر وهكذا فسقه».
وسئل أيضاً- رحمه الله-؛ كما في كتاب «مراجعات في الفقه السياسي والفكري» (ص 12) ما حكم سن القوانين الوضعية؟ وهل يجوز العمل بها؟ وهل يكفر الحاكم بسنه هذه القوانين؟
الجواب: «إذا كان القانون يوافق الشرع؛ فلا بأس، إذا سن قانوناً في شأن الطريق في شأن الشوارع ، في غير ذلك من الأشياء التي تنفع الناس وليس فيها مخالفة للشرع، ولكن لتنفيذ الأمور؛ فلا بأس بها.
أما القوانين التي تخالف الشرع فلا، إذا سنّ قانوناً معناه: أنه لا حدّ على الزاني، ولا حدّ على السارق، ولا حدّ على شارب الخمر، فهذا باطل، وهذه القوانين باطلة، وإذا استحلّها الوالي كفر، إذا قال إنها حلال، ولا بأس بها، فهذا يكون كفراً، بل من استحلّ ما حرم الله كفر».
وسئل -أيضاً- كما في «مجموع فتاوى ابن باز» (3/990-991): هل يعتبر الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله كفاراً؟
وإذا قلنا : إنهم مسلمون، فماذا نقول عن قوله -تعالى-: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}؟
الجواب: «الحكام بغير ما أنزل الله أقسام، تختلف أحكامهم بحسب اعتقادهم وأعمالهم ، فمن حكم بغير ما أنزل الله يرى أن ذلك أحسن من شرع الله، فهو كافر عند جميع المسلمين، وهكذا من يحكم القوانين الوضعية بدلاً من شرع الله ويرى أن ذلك جائز، ولو قال: إن تحكيم الشريعة أفضل؛ فهو كافر، لكونه استحلّ ما حرم الله.
أما من حكم بغير ما أنزل الله؛ اتباعاً للهوى أو لرشوة أو لعداوة بينه وبين المحكوم عليه، أو لأسباب أخرى، وهو يعلم أنه عاص لله بذلك، وأن الواجب عليه تحكيم شرع الله، فهذا يعتبر من أهل المعاصي والكبائر ، ويعتبر قد أتى كفراً أصغر وظلماً أصغر وفسقاً أصغر، كما جاء هذا المعنى عن ابن عباس -رضي الله عنهما- وعن طاووس وجماعة من السلف الصالح، وهو المعروف عند أهل العلم، والله ولي التوفيق».
وسئل -أيضاً- كما في المرجع نفسه(3/991-992): كثير من المسلمين يتساهلون في الحكم بغير شريعة الله، والبعض يعتقد أن ذلك التساهل لا يؤثِّر في تمسكه بالإسلام ، والبعض الآخر يستحلّ الحكم بغير ما أنزل الله، ولا يبالي بما يترتب على ذلك ، فما هو الحق في ذلك؟
الجواب: «هذا فيه تفصيل، وهو أن يقال: من حكم بغير ما أنزل الله وهو يعلم أنه يجب عليه الحكم بما أنزل الله وأنه خالف الشرع ولكن استباح هذا الأمر ورأى أنه لا حرج عليه في ذلك وأنه يجوز له أن يحكم بغير شريعة الله؛ فهو كافر كفراً أكبر عند جميع العلماء؛ كالحكم بالقوانين الوضعية التي وضعها الرجال من النصارى أو اليهود أو غيرهم ممن زعم أنه يجوز الحكم بها، أو زعم أنها أفضل من حكم الله، أو زعم أنها تساوي حكم الله؛ وأن الإنسان مخيّر إن شاء حكم بالقرآن والسنة، وإن شاء حكم بالقوانين الوضعية، من اعتقد هذا كفر بإجماع العلماء -كما تقدم-.
أما من حكم بغير ما أنزل الله لهوى أو لحظ عاجل وهو يعلم أنه عاص لله ولرسوله وأنه فعل منكراً عظيماً، وأن الواجب عليه الحكم بشرع الله؛ فإنه لا يكفر بذلك الكفر الأكبر؛ لكنه قد أتى منكراً عظيماً ومعصية كبيرة وكفراً أصغر، كما قال ذلك ابن عباس ومجاهد وغيرهما من أهل العلم، وقد ارتكب بذلك كفراً دون كفر، وظلماً دون ظلم، وفسقاً دون فسق، وليس هو الكفر الأكبر، وهذا قول أهل السنة والجماعة».
وقال -أيضاً- كما في«قضية التكفير بين أهل السنة وفرق الضلال» (ص72-73) «من حكم بغير ما أنزل الله؛ فلا يخرج عن أربعة أمور:
1-من قال: أنا أحكم بهذا (يعني: القانون الوضعي)؛ لأنه أفضل من الشريعة الإسلامية؛ فهو كافر كفراً أكبر.
2-ومن قال: أنا أحكم بهذا، لأنه مثل الشريعة الإسلامية، فالحكم بهذا جائز وبالشريعة جائز؛ فهو كافر كفراً أكبر.
3-ومن قال: أنا أحكم بهذا، والحكم بالشريعة الإسلامية أفضل ؛ لكن الحكم بغير ما أنزل الله جائز ؛ فهو كافر كفراً أكبر.
4-ومن قال: أنا أحكم بهذا، وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يجوز، ويقول: الحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، ولا يجوز الحكم بغيرها، ولكنه متساهل ، أو يفعل هذا لأمر صادر من حكامه؛ فهو كافر كفراً أصغر لا يخرج من الملة، ويعتبر من أكبر الكبائر».
وقال -أيضاً-؛ كما في «مجموع الفتاوى ومقالات متنوعة» (2/336-330): «ومن يدرس القوانين، أو يتولى تدريسها؛ ليحكم بها أو ليعين غيره على ذلك مع إيمانه بتحريم الحكم بغير ما أنزل الله، ولكن حمله الهوى، أو حبّ المال على ذلك، فأصحاب هذا القسم لا شك فساق، وفيهم كفر وظلم وفسق، لكنه كفر أصغر ، وظلم أصغر، وفسق أصغر، ولا يخرجون به من دائرة الإسلام، وهذا القول هو المعروف بين أهل العلم ، وهو قول ابن عباس، وطاووس، وعطاء، ومجاهد، وجمع من السلف والخلف؛ كما ذكر الحافظ ابن كثير والبغوي والقرطبي وغيرهم، وذكر معناه العلامة ابن القيم - رحمه الله- في كتاب «الصلاة»...
ومن يدّرس القوانين أو يتولى تدريسها مستحلاً للحكم بها، سواء اعتقد أن الشريعة أفضل ، أم لم يعتقد ذلك،فهذا القسم كافر بإجماع المسلمين كفراً أكبر، لأنه باستحلاله الحكم بالقوانين الوضعية المخالفة لشريعة الله يكون مستحلاً لما علم من الدين بالضرورة أنه محرم، فيكون في حكم من استحل الزنا والخمر ونحوهما، ولأنه بهذا الاستحلال يكون قد كذب الله ورسوله، وعاند الكتاب والسنة، وقد أجمع علماء الإسلام على كفر من استحل ما حرمه الله، أو حرم ما أحله الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة ، ومن تأمل كلام العلماء في جميع المذاهب الأربعة في باب الردة؛ اتضح له ما ذكرنا».
وقال - رحمه الله-؛ كما في المرجع نفسه(1/137) عند الكلام على نواقض الإسلام:
«ويدخل في القسم الرابع (يعني: من اعتقد أن هدي غير النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذين يفضّلون حكم الطواغيت على حكمه، فهو كافر): من اعتقد أن الأنظمة والقوانين التي يسنها الناس أفضل من شريعة الإسلام، أو أنها مساوية لها، أو أنه يجوز التحاكم إليها، ولو اعتقد أن نظام الإسلام لا يصلح تطبيقه في القرن العشرين، أو أنه كان سبباً في تخلف المسلمين، أو أنه يحصر في علاقة المرء بربه، دون أن يتدخل في شؤون الحياة الأخرى.
ويدخل في الرابع -أيضاً- من يرى إنفاذ حكم الله في قطع يد السارق أو رجم الزاني المحصن ، لا يناسب العصر الحاضر.
ويدخل في ذلك -أيضاً- كل من اعتقد أنه يجوز الحكم بغير شريعة الله في المعاملات أو الحدود أو غيرهما، وإن لم يعتقد أن ذلك أفضل من حكم الشريعة، لأنه بذلك؛ يكون قد استباح ما حرمه الله إجماعاً، وكل من استباح ما حرم الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ كالزنا والخمر والربا والحكم بغير شريعة الله؛ فهو كافر بإجماع المسلمين»([98]).
5- فتاوى اللجنة الدائمة([99]) في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله:
الفتوى رقم(5226):
س: متى يجوز التكفير؟ ومتى لا يجوز؟ وما نوع التكفير المذكور في قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}؟
ج: «الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد:
فأما قولك : متى يجوز التكفير؟ ومتى لا يجوز؟
فنرى أن تبين لنا الأمور التي أشكلت عليك حتى نبين لك الحكم فيها.
فأما نوع التكفير في قوله- تعالى-: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} فهو كفر أكبر؛ قال القرطبي في «تفسيره»: قال ابن عباس- رضي الله عنه- ومجاهد -يرحمه الله-: ومن لم يحكم بما أنزل الله رداً للقرآن، وجحداً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فهو كافر».
وأما من حكم بغير ما أنزل الله، وهو يعتقد أنه عاص، لكن حمله على الحكم بغير ما أنزل الله ما يدفع إليه من الرشوة ، أو غير هذا أو عداوته للمحكوم عليه أو قرابته أو صداقته للمحكوم له، ونحو ذلك: فهذا لا يكون كفره أكبر؛ بل يكون عاصياً، وقد وقع في كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق».
الفتوى الثانية رقم (5741):
س: من لم يحكم بما أنزل الله؛ هل هو مسلم؟ أم كافر كفراً أكبر، وتقبل منه أعماله؟
ج: «الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله ، وآله وصحبه؛ وبعد:
قال - تعالى- {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}
وقال - تعالى- { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون}.
وقال -تعالى- : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون}.
لكن إن استحل ذلك، واعتقده جائزاً: فهو كفر أكبر، وظلم أكبر، وفسق أكبر يخرج من الملة.
أما إن فعل ذلك من أجل الرشوة ، أو مقصد آخر، وهو يعتقد تحريم ذلك؛ فإنه آثم ؛ يعتبر كافراً كفراً أصغر، وظالماً ظلماً أصغر، وفاسقاً فسقاً أصغر لا يخرجه من الملة؛ كما أوضح ذلك أهل العلم في تفسير الآيات المذكورة.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم».
الفتوى رقم( 6310):
س: ما حكم من يتحاكم إلى القوانين الوضعية ، وهو يعلم بطلانها ، فلا يحاربها ، ولا يعمل على إزالتها؟
ج:« الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله ، وآله وصحبه؛ وبعد:
الواجب التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عند الاختلاف، قال- تعالى- : {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلا}، وقال -تعالى-: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً}.
والتحاكم يكون إلى كتاب الله- تعالى- وإلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإن لم يتحاكم إليهما مستحلاً التحاكم إلى غيرهما من القوانين الوضعية بدافع طمع في مال أو منصب ؛ فهو مرتكب معصية ، وفاسق فسقاً دون فسق، ولا يخرج من دائرة الإيمان».
6- سئل أستاذنا العلامة الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله- في المسجد النبوي في المدينة النبوية في درس «شرح سنن أبي داود» بتاريخ (16/ذي القعدة/1420هـ):
هل استبدال الشريعة الإسلامية بالقوانين الوضعية كفر في ذاته؟
أم يحتاج إلى الاستحلال القلبي والاعتقاد بجواز ذلك؟
وهل هناك فرق في الحكم مرة بغير ما أنزل الله، وجعل القوانين تشريعاً عاماً -مع اعتقاد عدم جواز ذلك-؟
فأجاب -حفظه الله-:
«يبدو أنه لا فرق بين الحكم في مسألة، أو عشر، أو مئة، أو ألف -أو أقل أو أكثر- لا فرق؛ ما دام الإنسان يعتبر نفسه أنه مخطئ، وأنه فعل أمراً منكراً، وأنه فعل معصية، وأنه خائف من الذنب، فهذا كفر دون كفر.
وأما مع الاستحلال -ولو كان في مسألة واحدة، يستحل فيها الحكم بغير ما أنزل الله، يعتبر نفسه حلالاً-؛ فإنه يكون كفراً».
imadin
05-10-2008, 05:02 PM
سؤال : هل هذا الموضوع يستحق التثببت ؟
بغض النظر عن رأيي فيه هل أنت مقتنع بتثبيته ؟
استجمام
أبوعثمان
05-10-2008, 08:38 PM
باختصار شديد
السؤال السادس عشر: ما صحة حديث (كفر دون كفر) لابن عباس؟
الجواب: هو من الموقوف على ابن عباس، ولا يثبت بهذا اللفظ، فقد أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن والمروزي في تعظيم قدر الصلاة وابن عبدالبر في التمهيد عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس في قوله تعالى: (ومن لم يحكم بنا أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال: كفر دون كفر. وهشام بن حجير ضعفه أحمد وضعفه ابن معين جداً وقال ابن عيينة: لم نكن نأخذ عن هشام بن حجير ما لا نجده عند غيره، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وذكره العقيلي في الضعفاء، ووثقه العجلي وابن سعد. وقد خولف في لفظه فقد رواه المروزي في تعظيم قدر الصلاة وابن جرير وعبدالرزاق في المصنف من حديث معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال: هي به كفر. وهذا هو الصحيح
جمال البليدي
07-10-2008, 07:42 PM
هو من الموقوف على ابن عباس، ولا يثبت بهذا اللفظ، فقد أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن والمروزي في تعظيم قدر الصلاة وابن عبدالبر في التمهيد عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس في قوله تعالى: (ومن لم يحكم بنا أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال: كفر دون كفر. وهشام بن حجير ضعفه أحمد وضعفه ابن معين جداً،
1-قولك أن الحديث موقوف فيه خلط بين أثر طاووس وبين أثر ابن عباس عن طاووس وهذا من تدليس الحزبيين والحركيين
2-يقول الشيخ سليم الهلالي"وأما تضعيف الإمام يحيى القطان له؛ فلم يبيِّن سببه؛ فإنه قال: «اضرب على حديثه»؛ فلا يلغي هذا الإجمال توثيق من وثقه.
وهب أنه ضَعّفه- وهو مُتَشَدِّد في الرجال- فهناك كثير من أهل العلم وثَّقوه وقبلوا حديثه، فهو إذن من الرواة المختلف فيهم؛ فبعضهم ضعَّفه والكثير منهم وثَّقه، فماذا نصنع ؟هل نلغي هذا التوثيق من أولئك الأئمة ونقدِّم الجرح؟ أم نوفِّق بينهما؟ وهذا مما لم يُقِم له هذا(الهدّام) وزناً، فإلى الله المشتكى من تعدي هذا (الغمر) على هذا العلم."
ويقول"
وقال ابن عيينة: لم نكن نأخذ عن هشام بن حجير ما لا نجده عند غيره
لكن لم يعتمده البخاري في «صحيحه»، وإنما أخرج له حديثاً واحداً متابعةً...ولم يعتمده -أيضاً- مسلم في «صحيحه»، وإنما أخرج له... في المتابعات... والشواهد
هذا وحده يهدم ما زعتمه وتأوَّله من كلام ابن عيينة- والذي ليس هو بصريح في التضعيف-لأن البخاري ومسلماً أخرجا له في الشواهد والمتابعات، فهل من يخرج له في «الصحيحين» في المتابعات والشواهد وُجِدَ عند غيره ما وُجِدَ عنده أم لا ؟ فالبخاري ومسلم رويا له في «صحيحيهما» من طريق سفيان بن عيينة عنه فلماذا لم يأخذ سفيان بن عيينة عن الذي تابع هشاماً وهو موجود عند المتابع؟ لِمَ روى عنه مباشرة مع وجود من تابعه من الثقات؟! فهل من حاجة لأن يروي -مع زعمك ضعفه- سفيان عن هشام مع وجود من تابعه ومن هو أوثق منه؟! هذا يبطل ويهدم ما حمّلت به كلام الإمام سفيان بن عيينة ما لم يحتمله.
ثم؛ مَن وضع هذه القاعدة التي ذكرتها؟ وأين هي؟ فالأخذ عن بعض الرواة لعدم وجود الحديث عند غيره ليس بلازم منه ضعف هذا الراوي؛ فتنبه!
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وذكره العقيلي في الضعفاء، ووثقه العجلي وابن سعد. وقد خولف
أقول : وهذا الكلام حكايته تغني عن ردِّه ؛ فإن هذا تقويلٌ لهذا الإمام، وتحميلٌ لكلامه مالا يحتمل؛ مما ينبىء عن جهل هذا الرجل بكلام أهل العلم، ويكشف عن حقيقة فهم عباراتهم فهماً يناقض حقيقتها و يفسد مغزاها، ويبدو لي أن هذا (الهدّام) شعر أن كلام أبي حاتم عليه، لا له؛ ولذلك لجأ إلى (التَّملُّصِ) منه بتحريف كلامه، وتحميله له مالا يحتمل، ألم أقل لك: إنه رجل (مَلِصٌ)؛ فالله حسيبه.
فهل مَن قيل فيه:«صدوق»؛ أو «محله الصدق»؛ أو « لا بأس به» يذكر في الضعفاء؟! سبحانك هذا بهتان عظيم من أفاك أثيم!
قال ابن إبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/37): «وإذا قيل له: إنه صدوق، أو: محله الصدق، أو: لا بأس به؛ فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه، وهي المنزلة الثانية.
وإذا قيل: شيخ ؛ فهو بالمنزلة الثالثة، يكتب حديثه وينظر فيه؛ إلا أنه دون الثانية.
وإذا قيل: صالح الحديث؛ فإنه يكتب حديثه للاعتبار».
فأنت ترى أن ابن أبي حاتم جعل (الصدوق، والشيخ، وصالح الحديث) ممن يكتب حديثه، فهل من كتب حديثه من هؤلاء يذكر في الضعيف ونحوه؟! حتى لو قيل فيه: صدوق!!
وإليك -أيها القارىء- مثالاً واحداً- من بين أمثلة كثيرة- : تثبت أن أبا حاتم إذا قال في راو: صالح الحديث؛ يعني: أنه صدوق حسن الحديث، وهو ممن يكتب حديثه، وهي آخر مرتبة من مراتب التعديل التي جعلها ابنه عبد الرحمن.
قال أبو حاتم كما في «الجرح والتعديل» (4/2) في ترجمة ( سعيد بن إياس الجريري): «تغير حفظه قبل موته، فمن كتب عنه قديماً؛ فهو صالح، وهو حسن الحديث».
إذاً ؛ فمعنى كلام ابن أبي حاتم:«إذا قيل : صالح الحديث؛ فإنه يكتب حديثه للاعتبار» - وجعلها آخر مرتبة من مراتب التعديل- لا يعني هذا: أنه لا يحتج بحديثه، ولا بمرتبة الحسن، بل العكس هو الصواب، وخير ما يفسر به كلام الحافظ إنما هو كلامه نفسه؛ كما نقلت آنفاً عن أبي حاتم نفسه.
فما رأيكم- دام فضلكم- فيمن يفسِّر كلام أهل العلم على غير مرادهم؟.
فهل بعد هذا يصحّ أن نقول: إن قول أبي حاتم: «يكتب حديثه» لا يقام مقام الاحتجاج، وإنما يذكر في الضعيف ونحوه؟!
وليس يصحّ في الأذهان شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل
في لفظه فقد رواه المروزي في تعظيم قدر الصلاة وابن جرير وعبدالرزاق في المصنف من حديث معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال: هي به كفر. وهذا هو الصحيح
عفوا هذا ليس أثر ابن عباس إنما أثر طاووس ولكنك لم تكمله للأسف بل بترته
أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/166) والإمام أحمد في «مسائل أبي داود» (ص209)، و«الإيمان» (4/160/1418)، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (2/522/574)، وابن بطة في «الإبانة» (2/735/1006) من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن سعيد المكي عن طاووس .
أكمل الباقي قال"قال: «ليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله».
وعنه- أيضاً- قال: « ليس بكفر ينقل عن الملة»
أبوعثمان
07-10-2008, 10:06 PM
1-قولك أن الحديث موقوف فيه خلط بين أثر طاووس وبين أثر ابن عباس عن طاووس وهذا من تدليس الحزبيين والحركيين
لم أكن أعلم أن ابن معين و عبد الرزاق و الامام أحمد و...........و..............وانهم كانوا حزبيين و حركيين و تكفريين. بارك الله فيك على المعلومات القيمة
جمال البليدي
08-10-2008, 01:29 PM
لم أكن أعلم أن ابن معين و عبد الرزاق و الامام أحمد و...........و..............وانهم كانوا حزبيين و حركيين و تكفريين. بارك الله فيك على المعلومات القيمة
الأئئمة الذين ذكرتهم سلفيين وهم لم يخلطوا بين الراوي وبين الأثر كما تفعلون
فارس العاصمي
08-10-2008, 02:24 PM
السلام عيكم من كثرة إختلاط الأمر علي لم أفهم
أين المشكل هل هو في صحة الأثر أو ضعفه أم في شرحه أم أمر أخر
أفيدونا بارك الله فيكم
جمال البليدي
08-10-2008, 04:05 PM
السلام عيكم من كثرة إختلاط الأمر علي لم أفهم
أين المشكل هل هو في صحة الأثر أو ضعفه أم في شرحه أم أمر أخر
أفيدونا بارك الله فيكم
المشكلة أن بعض الخوارج يضعفون الأثر متسمكين بقول الإمام أحمد في هشام بن حجير(ليس بالقوي) وبعض كلام أهل العلم مع أن هذا ليس تضعيفا ألبتة كما بين الشيخ الهلالي
ثم حتى لو افترضنا ضعفه فهناك فرق بين الكفر العملي وكفر الإعقتادي المخرج من الملة
أبوعثمان
08-10-2008, 10:44 PM
الأئئمة الذين ذكرتهم سلفيين وهم لم يخلطوا بين الراوي وبين الأثر كما تفعلون
- باركنا مالتبلعيط و التدليس ....
- الآن اصبحوا سلفيين و البارح كانوا تكفريين...فهم روحك؟
- الراوي ضعيف و الذين ضعفوه أئمة الحديث و حفاظه وسلفين كما ذكرت, و الأثر موقوف على الراوي الضعيف.
- و الاثر الصحيح عن أبن عباس هو الكفر و كذلك عن ابن مسعود الذي لا تذكر كلامه بتاتا و آخريين من بينهم الطبري و ابن كثير و ارجع لتفسير أيات التحكيم فستقرأ الكثير و الكثير ما يثبت القول الآخر الصحيح الذي لا لبس فيه.
المشكلة أن بعض الخوارج يضعفون الأثر متسمكين بقول الإمام أحمد في هشام بن حجير(ليس بالقوي) وبعض كلام أهل العلم مع أن هذا ليس تضعيفا ألبتة كما بين الشيخ الهلالي
- زعمى تمسكنا بكلام الإمام احمد: هل نترك كلام الإمام المحدث و نأخذ كلام الذراري و الصبيان و المبيتدئين في علم الحديث؟
يا أخي لقد تمسكنا بكلام : الإمام احمد و ابن معين و العقيلي و ابن المديني و عبد الرزاق و .......و.........
أئمة الحديث و حفاظه
- لماذا هذا التدليس؟؟؟هل ضعفه إلا الإمام الحافظ الجهبيذ السلفي أحمد ابن حنبل؟؟؟
- و هل كلام الهلالي يقاس بكلام الإمام احمد و ابن معين و العقيلي و ابن المديني و عبد الرزاق و.............و.........
و الصحيح الذي لا لبس فيه :
فعن عبد الله بن طاووس عن أبيه قال : سئل ابن عباس عن قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ ﴾ قال : "هي كفر" ، وفي لفظ : "هي به كفر" أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ( 1 / 186 ) والمروزي في تعظيم قدر الصلاة ص339 ، وابن جرير ( 10 / 356 ) وغيرهما بسند صحيح وهذا هو الثابت عن ابن عباس رضي الله عنه ، فقد أطلق اللفظ ولم يقيّد .
-
جمال البليدي
10-10-2008, 03:51 PM
- باركنا مالتبلعيط و التدليس ....
- الآن اصبحوا سلفيين و البارح كانوا تكفريين...فهم روحك؟
تأدب في ألفاظك
الأئئمة الأربعة سلفيين ولم يكونو يوما تكفيريين البتة
الراوي ضعيف و الذين ضعفوه أئمة الحديث و حفاظه وسلفين كما ذكرت, و الأثر موقوف على الراوي الضعيف.
هشام بن حجير راويه عن طاووس فيه كلام لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن.
قال ابن شبرمة: «ليس بمكة مثله» ، وقال العجلي :«ثقة صاحب سنة»، وقال ابن معين: «صالح» ، وقال أبو حاتم الرازي: «يكتب حديثه»، وقال ابن سعد: «ثقة له أحاديث» ، وقال ابن شاهين: «ثقة» ، ووثقه ابن حبان، وقال الساجي: «صدوق»، وقال الذهبي: «ثقة» ، ولخصه الحافظ بقوله: «صدوق له أوهام».
وضعفه يحيى القطان، والإمام أحمد، وابن معين - في رواية
قلت : فرجل حاله هكذا ؛ لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن ما لم يخالف، وقد روى الشيخان له واحتجا به، ومع ذلك لم يتفرد به بل توبع.
و الاثر الصحيح عن أبن عباس هو الكفر
لا ذاك الأثر موقوف عن ابن عباس إنما هو من كلام طاووس وهو حجة عليك لا لك لأنك بترته ولم تكمله كما بينت لك في مشاركتي السابقة
و كذلك عن ابن مسعود الذي لا تذكر كلامه بتاتا
ابن مسعود يقول بالتفصيل الذي ذهب إليه ابن عباس وعامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ كما نقله عنه القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» (6/190): «وقال ابن مسعود والحسن هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله؛ أي: معتقداً ذلك مستحلاً له».
و آخريين من بينهم الطبري و ابن كثير و ارجع لتفسير أيات التحكيم فستقرأ الكثير و الكثير ما يثبت القول الآخر الصحيح الذي لا لبس فيه.
1-الطبري
قال في "جامع البيان" (6/166): وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب: قول من قال: نزلت هذه الآيات في كفّار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت، وهم المعنيون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونها خبراً عنهم أولى.
فإن قال قائل: فإن الله تعالى قد عمّ بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلته خاصاً؟!
قيل: إن الله تعالى عمّ بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون، وكذلك القول في كلّ من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به، هو بالله كافر؛ كما قال ابن عباس".
2-الإمام ابن كثير
قال رحمه الله في "تفسير القرآن العظيم" (2/61): ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ لأنهم جحدوا حكم الله قصداً منهم وعناداً وعمداً، وقال ههنا: (فَأُوْلَـئِكَ هُم الظَّالِمُونَ) لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه، فخالفوا وظلموا وتعدوا".
فأين أنت من كلامهم وإن شئت أزيدك
زعمى تمسكنا بكلام الإمام احمد: هل نترك كلام الإمام المحدث و نأخذ كلام الذراري و الصبيان و المبيتدئين في علم الحديث؟
يا أخي لقد تمسكنا بكلام : الإمام احمد و ابن معين و العقيلي و ابن المديني و عبد الرزاق و .......و.........
أئمة الحديث و حفاظه
- لماذا هذا التدليس؟؟؟هل ضعفه إلا الإمام الحافظ الجهبيذ السلفي أحمد ابن حنبل؟؟؟
- و هل كلام الهلالي يقاس بكلام الإمام احمد و ابن معين و العقيلي و ابن المديني و عبد الرزاق و.............و........
1-الإمام ابن معين ضعفه في رواية ولكنه عدله في رواية أخرى وهذا الضعف يزول بتوثيق أهل العلم الآخرين ويتقوى بالطريق الأخرى أيضا وكذا إجماع أهل العلم أما العقيلي وابن المديني وعبد الرزاق فلم يضعفاه ألبة بل هذا كذب منك
2-الإمام أحمد لا يضعِّفه الضعف المطلق الذي ظنه (هدام السنة) ، وإنما هو ممن لا يُصَحَّح حديثه بل يحسن، وهذا يلتقي تماماً مع ما أصّله شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-حيث قال"«وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: «هو ضعيف ليس بالقوي» لكن هذه العبارة يقصد بها: أنه ممن ليس يصح حديثه، بل هو ممن يحسن حديثه. وقد كانوا يسمون حديث مثل هذا ضعيفاً، ويحتجون به؛ لأنه حسن، إذ لم يكن الحديث إذ ذاك مقسوماً إلا إلى صحيح وضعيف.
وفي مثله يقول الإمام أحمد: الحديث الضعيف خير من القياس؛ يعني: الذي لم يَقْوَ قوة الصحيح مع أن مخرجه حسن».
فخذها فائدة عزيزة من شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله، وجزاه عن الإسلام وأهله خيراً-.
وقال الإمام الحافظ الذهبي في «المقدمة الموقظة» (ص319-بشرحي): «وقد قيل في جماعات: ليس بالقوي، واحتج به.
وهذا النسائي قد قال في عدة: «ليس بالقوي» ويخرِّج لهم في «كتابه»، وقال: قولنا: «ليس بالقوي» ليس بجرح مفسد».
و الصحيح الذي لا لبس فيه :
فعن عبد الله بن طاووس عن أبيه قال : سئل ابن عباس عن قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ ﴾ قال : "هي كفر" ، وفي لفظ : "هي به كفر" أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ( 1 / 186 ) والمروزي في تعظيم قدر الصلاة ص339 ، وابن جرير ( 10 / 356 ) وغيرهما بسند صحيح وهذا هو الثابت عن ابن عباس رضي الله عنه ، فقد أطلق اللفظ ولم يقيّد .
أكمل باقي الأثر لماذا تدلس؟؟؟
عن عبد الله بن طاووس عن أبيه قال : سئل ابن عباس عن قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ ﴾ قال : "هي كفر قال: «ليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله»
وعنه- أيضاً- قال: « ليس بكفر ينقل عن الملة».
أبوعثمان
10-10-2008, 04:48 PM
الأئئمة الأربعة سلفيين ولم يكونو يوما تكفيريين البتة
- هذا كلامك أيضا
تصحيح أثر ابن عباس"كفر دون كفر" ردا على دعاة القاعدة وأتباع التكفير
قلت :....؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
- متى اصبحت تقول؟ و من تكون حتى تقول؟
- انصحك بتقويم عقيدتك وبتباع المنهج الصحيح منهج اهل السنة و الجماعة وأن لا تتعالم؟ قبل ان تبدا اتقول...
أكمل باقي الأثر لماذا تدلس؟؟؟
- ههههههههههههه....أنا أعطيتك المصدر و أنت تقول بترت الكلام. انت هايل. المهم أترد و تنتقد
فعن عبد الله بن طاووس عن أبيه قال : سئل ابن عباس عن قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ ﴾ قال : "هي كفر" ، وفي لفظ : "هي به كفر" أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ( 1 / 186 ) والمروزي في تعظيم قدر الصلاة ص339 ، وابن جرير ( 10 / 356 ) وغيرهما بسند صحيح وهذا هو الثابت عن ابن عباس رضي الله عنه ، فقد أطلق اللفظ ولم يقيّد .
- مرة اخرى هاك ملخص ما قيل في هشام ابن حجير و في صحيح كلام ابن عباس... افتح عينيك جيدا وارجع إلى المصادر المذكورة تجد ما نقلت بالحرف الواحد
....وهشام ضعفه الإمام أحمد ويحي بن معين والعقيلي وجماعة
انظر الضعفاء للعقيلي [ 4 / 337 – 338 ] والكامل [ 7 / 2569 ] لابن عدي وتهذيب الكمال [ 30 / 179 – 180 ] وهدي الساري [ 447 – 448 ] .
وقال علي بن المديني قرأت على يحي بن سعيد حدثنا ابن جريج عن هشام ابن حجير فقال يحي بن سعيد خليق أن أدعه قلت أضربُ على حديثه ؟ قال نعم .
وقال ابن عيينة لم نكن نأخذ عن هشام بن حجير ما لا نجده عند غيره .
وهذا تفرد به هشام وزيادة على ذلك فقد خالف غيره من الثقات
فذكره عبد الله بن طاووس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن قوله تعالى { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ (44)}
قال هي كفر وفي لفظ (( هي به كفر )) وآخر (( كفى به كُفْره ))
رواه عبد الرزاق في تفسيره ( 1 / 191 ) وابن جرير ( 6 / 256 )
ووكيع في أخبار القضاة ( 1/ 41 ) وغيـرهم بسند صحيح
وهذا هو الثابت عن ابن عباس رضي الله عنه، فقد أطلق اللفظ ولم يقيّد.
وطريق هشام بن حجير منكر من وجهين:-
الوجه الأول : تفرد هشام به .
الوجه الثاني : مخالفته من هو أوثق منه .
أبوعثمان
10-10-2008, 05:02 PM
- خذ ملخص هذا الدرس الابتدائي في طرق تخريج الأحاديث و الكلام في الرواة ...لعله ينفعك
عن سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس أنه قال: " إنه ليس الكفر الذي تذهبون إليه، إنه ليس كفراً ينقل عن الملة: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: 44] كفر دون كفر“ - رواه الحاكم وغيره من طريق هشام بن حجير المكي.
وهشام بن حجير ضعفه الأئمة الثقاة ولم يتابعه على هذه الرواية أحد...ليسوا تكفريين ولا انصار القاعدة كما قلت يا بليدي
- قال الإمام الحافظأحمد بن حنبل في (هشام): ”ليس بالقوي“، وقال: ”مكي ضعيف الحديث“ وهذا طعن من جهة الرواية.
وضعفه يحيى بن سعيد القطان وضرب على حديثه، وضعفه علي بن المديني وذكره العقيلي في الضعفاء، وكذا ابن عدي.
وهشام صالح في دينه، لذا قال ابن شبرمة: ”ليس بمكة مثله“.
وقال ابن معين: ”صالح“ [1].. فهذا في الدين أو العبادة، بدليل أن ابن معين نفسه قد قال فيه: ”ضعيف جداً“.
وقال الحافظ ابن حجر: ”صدوق له أوهام“.
فلعل هذا من أوهامه. لأن مثل هذا القول مرويّ ثابت عن ابن طاووس فلعله وَهَمَََ فنسبه إلى ابن عباس.
وقال علي بن المديني: ”زعم سفيان قال كان هشام ابن حجير كتب كتبه على غير ما يكتب الناس أي اقتداراً عليه، فاضطربت عليه“ ا.هـ من معرفة الرجال (203/2).
وهشام من أهل مكة وسفيان كان عالماً عارفاً بأهل مكة، ”روى العقيلي بإسناده عن ابن عيينة أنه قال: لم نأخذ منه إلا ما لم نجده عند غيره“ اهـ.
فصح أن هذا الأثر مما تفرد به هشام لأنه من رواية ابن عيينة عنه.
وقال أبو حاتم: ”يُكتب حديثه“ وهذه أيضاً من صيغ التمريض والتضعيف، لأن هذا يعني أن حديثه لا يُقبل استقلالاً وإنما يؤخذ به في المتابعات فقط.
- ولذلك لم يرو له البخاري ومسلم إلا متابعة أو مقروناً مع غيره وكانت أحاديثه من الأحاديث المنتقدة على الصحيحين.
- أما البخاري فلم يرو له إلا حديثاً واحداً هو حديث (سليمان بن داود عليهما السلام): ”لأطوفن الليلة على تسعين امرأة... الحديث“. أورده في كفارة الأيمان من طريق هشام وتابعه في كتاب النكاح برواية عبد الله بن طاووس. ومن المعلوم أن الحافظ ابن حجر من عادته في مقدمة فتح الباري أن يذب عمن تكلم فيهم بغير حق ويدافع بكل ما أوتي من علم، أما من ظهر له ضعفهم وأن البخاري لم يعتمد عليهم وحدهم وإنما أوردهم في المتابعات أو مقرونين.. فمثل هؤلاء لا يكلف نفسه عناء الرد عنهم بل يذكر المتابعات الواردة لهم في الصحيح وكفى.. وكذلك فعل مع هشام بن حجير (راجع المقدمة).
- أما مسلم فكذلك ليس له عنده إلا حديثان ولم يرو له إلا مقروناً.. وراجع في هذا ما قاله الشيخ الهروي في كتابه: ”خلاصة القول المفهم على تراجم رجال الإمام مسلم“.
والخلاصة أنه عرف مما سبق أنه لا حجة لمن حاول تقوية هشام بالاحتجاج برواية البخاري ومسلم له.. لأنهما لم يرويا له استقلالاً ولكن متابعة.. وهذا من الأدلة على تضعيفه إذا انفرد.
ومن أجل هذا كله لم يوثق هشام بن حجير إلا المتساهلون كابن حبان فإنه مشهور بالتساهل في التوثيق. ومثله العجلي، قال المعلم اليماني: ”توثيق العجلي وجدته بالاستقراء كتوثيق ابن حبان تماماً أو أوسع“. الأنوار الكاشفة ص: (68).
وقال الألباني: ”فالعجلي معروف بالتساهل في التوثيق كابن حبان تماماً فتوثيقه مردود إذا خالف أقوال الأئمة الموثوق بنقدهم وجرحهم“. انظر السلسلة الصحيحة ص(633/7).
- وكذا توثيق ابن سعد فإن أغلب مادته من الواقدي المتروك كما ذكر ابن حجر في مقدمة الفتح عند ترجمة عبد الرحمن بن شريح.
فإذا كان هذا حال من وثقوه فإن رواياته لا تقوم بها حجة بتوثيقهم هذا.
فكيف وقد عارضهم وقال بتضعيفه الأئمة الجبال الرواسي كأحمد وابن معين ويحيى بن سعيد القطان وعلي بن المديني وغيرهم.
فخلاصة القول: أن هشام بن حجير ضعيف لا تقوم به حجة استقلالاً وحده. نعم هو يصلح في المتابعات كما عرفت، والمحتجون به لم يوردوا له على رواية ابن عباس هذه متابع، فيترجح ضعفها وعدم صحّة الجزم بنسبتها إلى ابن عباس.
بل قد روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس بإسناد صحيح في تفسير هذه الآية غير ذلك فقال: ثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: 44]. قال: هي به كفر. قال ابن طاووس: ”وليس كمن كفر بالله وملائكته ورسله“[2] اهـ[3].
جمال البليدي
11-10-2008, 10:32 AM
ههههههههههههه....أنا أعطيتك المصدر و أنت تقول بترت الكلام. انت هايل. المهم أترد و تنتقد
فعن عبد الله بن طاووس عن أبيه قال : سئل ابن عباس عن قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ ﴾ قال : "هي كفر" ، وفي لفظ : "هي به كفر" أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ( 1 / 186 ) والمروزي في تعظيم قدر الصلاة ص339 ، وابن جرير ( 10 / 356 ) وغيرهما بسند صحيح وهذا هو الثابت عن ابن عباس رضي الله عنه ، فقد أطلق اللفظ ولم يقيّد .
- مرة اخرى هاك ملخص ما قيل في هشام ابن حجير و في صحيح كلام ابن عباس... افتح عينيك جيدا وارجع إلى المصادر المذكورة تجد ما نقلت بالحرف الواحد
كمل باقي الأثر لماذا تدلس؟؟؟
عن عبد الله بن طاووس عن أبيه قال : سئل ابن عباس عن قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ ﴾ قال : "هي كفر قال: «ليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله»
.وهشام ضعفه الإمام أحمد ويحي بن معين والعقيلي وجماعة
انظر الضعفاء للعقيلي [ 4 / 337 – 338 ] والكامل [ 7 / 2569 ] لابن عدي وتهذيب الكمال [ 30 / 179 – 180 ] وهدي الساري [ 447 – 448 ] .
1-الإمام ابن معين ضعفه في رواية ولكنه عدله في رواية أخرى وهذا الضعف يزول بتوثيق أهل العلم الآخرين ويتقوى بالطريق الأخرى أيضا وكذا إجماع أهل العلم أما العقيلي وابن المديني وعبد الرزاق فلم يضعفاه ألبة بل هذا كذب منك
2-الإمام أحمد لا يضعِّفه الضعف المطلق الذي ظنه (هدام السنة) ، وإنما هو ممن لا يُصَحَّح حديثه بل يحسن، وهذا يلتقي تماماً مع ما أصّله شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-حيث قال"«وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: «هو ضعيف ليس بالقوي» لكن هذه العبارة يقصد بها: أنه ممن ليس يصح حديثه، بل هو ممن يحسن حديثه. وقد كانوا يسمون حديث مثل هذا ضعيفاً، ويحتجون به؛ لأنه حسن، إذ لم يكن الحديث إذ ذاك مقسوماً إلا إلى صحيح وضعيف.
وفي مثله يقول الإمام أحمد: الحديث الضعيف خير من القياس؛ يعني: الذي لم يَقْوَ قوة الصحيح مع أن مخرجه حسن».
فخذها فائدة عزيزة من شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله، وجزاه عن الإسلام وأهله خيراً-.
وقال الإمام الحافظ الذهبي في «المقدمة الموقظة» (ص319-بشرحي): «وقد قيل في جماعات: ليس بالقوي، واحتج به.
وهذا النسائي قد قال في عدة: «ليس بالقوي» ويخرِّج لهم في «كتابه»، وقال: قولنا: «ليس بالقوي» ليس بجرح مفسد».
وقال علي بن المديني قرأت على يحي بن سعيد حدثنا ابن جريج عن هشام ابن حجير فقال يحي بن سعيد خليق أن أدعه قلت أضربُ على حديثه ؟ قال نعم .
وأما تضعيف الإمام يحيى ابن سعيد؛ فلم يبيِّن سببه؛ فإنه قال: «اضرب على حديثه»؛ فلا يلغي هذا الإجمال توثيق من وثقه.
وهب أنه ضَعّفه- وهو مُتَشَدِّد في الرجال- فهناك كثير من أهل العلم وثَّقوه وقبلوا حديثه، فهو إذن من الرواة المختلف فيهم؛ فبعضهم ضعَّفه والكثير منهم وثَّقه، فماذا نصنع ؟هل نلغي هذا التوثيق من أولئك الأئمة ونقدِّم الجرح؟ أم نوفِّق بينهما؟ وهذا مما لم يُقِم له هذا(الهدّام) وزناً، فإلى الله المشتكى من تعدي هذا (الغمر) على هذا العلم.
وقال ابن عيينة لم نكن نأخذ عن هشام بن حجير ما لا نجده عند غيره .
أقول: هذا القول ينقضه كلامك -نفسه- في المشاركة التي بعدها: «ولذلك لم يرو له البخاري ومسلم إلا متابعة أو مقروناً مع غيره وكانت أحاديثه من الأحاديث المنتقدة على الصحيحين.
- أما البخاري فلم يرو له إلا حديثاً واحداً هو حديث (سليمان بن داود عليهما السلام): ”لأطوفن الليلة على تسعين امرأة... الحديث“. أورده في كفارة الأيمان من طريق هشام وتابعه في كتاب النكاح برواية عبد الله بن طاووس. ومن المعلوم أن الحافظ ابن حجر من عادته في مقدمة فتح الباري أن يذب عمن تكلم فيهم بغير حق ويدافع بكل ما أوتي من علم، أما من ظهر له ضعفهم وأن البخاري لم يعتمد عليهم وحدهم وإنما أوردهم في المتابعات أو مقرونين.. فمثل هؤلاء لا يكلف نفسه عناء الرد عنهم بل يذكر المتابعات الواردة لهم في الصحيح وكفى.. وكذلك فعل مع هشام بن حجير (راجع المقدمة). ».هذا كلامك
هذا وحده يهدم ما زعمته وتأوَّلته من كلام ابن عيينة- والذي ليس هو بصريح في التضعيف- فهذا (الهدام) يشهد: أن البخاري ومسلماً أخرجا له في الشواهد والمتابعات -زعم- ، فهل من يخرج له في «الصحيحين» في المتابعات والشواهد وُجِدَ عند غيره ما وُجِدَ عنده أم لا ؟ فالبخاري ومسلم رويا له في «صحيحيهما» من طريق سفيان بن عيينة عنه، فأنت تقول: أخرجا له متابعة، فلماذا لم يأخذ سفيان بن عيينة عن الذي تابع هشاماً وهو موجود عند المتابع؟ لِمَ روى عنه مباشرة مع وجود من تابعه من الثقات؟! فهل من حاجة لأن يروي -مع زعمك ضعفه- سفيان عن هشام مع وجود من تابعه ومن هو أوثق منه؟! هذا يبطل ويهدم ما حمّلت به كلام الإمام سفيان بن عيينة ما لم يحتمله.
ثم؛ مَن وضع هذه القاعدة التي ذكرتها؟ وأين هي؟ فالأخذ عن بعض الرواة لعدم وجود الحديث عند غيره ليس بلازم منه ضعف هذا الراوي؛ فتنبه!
لكن هذا الرجل في سبيل تأييد كلامه؛ يهرف بما لا يعرف، ولا يعرف ما به يهرف، فالمهم أن يؤذي بما به يهذي!
وهذا تفرد به هشام وزيادة على ذلك فقد خالف غيره من الثقات
كذبت لم يتفرد به هشام وحده بل رواه أيضا علي بن أبي طلحة عن ابن عباس تابعه علي بن أبي طلحة عنه بلفظ :« من جحد ما أنزل الله؛ فقد كفر، ومن أقرّ به ولم يحكم ؛ فهو ظالم فاسق».
أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/166)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (4/1142/6426و1146/6450) عن المثنى بن إبراهيم الآملي وأبي حاتم الرازي كلاهما عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة به.
فذكره عبد الله بن طاووس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن قوله تعالى { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ (44)}
قال هي كفر وفي لفظ (( هي به كفر )) وآخر (( كفى به كُفْره ))
رواه عبد الرزاق في تفسيره ( 1 / 191 ) وابن جرير ( 6 / 256 )
ووكيع في أخبار القضاة ( 1/ 41 ) وغيـرهم بسند صحيح
وهذا هو الثابت عن ابن عباس رضي الله عنه، فقد أطلق اللفظ ولم يقيّد.
أكمل باقي كلام طاووس
عن عبد الله بن طاووس عن أبيه قال : سئل ابن عباس عن قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ ﴾ قال : "هي كفر قال: «ليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله»
وطريق هشام بن حجير منكر من وجهين:-
الوجه الأول : تفرد هشام به .
كذبت بل روي أيضا عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس تابعه علي بن أبي طلحة عنه بلفظ :« من جحد ما أنزل الله؛ فقد كفر، ومن أقرّ به ولم يحكم ؛ فهو ظالم فاسق».
أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/166)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (4/1142/6426و1146/6450) عن المثنى بن إبراهيم الآملي وأبي حاتم الرازي كلاهما عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة به.
الوجه الثاني : مخالفته من هو أوثق منه .
خالف من؟؟؟؟
كل الصحابة مجمعون على أن هناك كفر علمي واعتقادي لا يخرج من الملة وكذلك أئئمة الهدى
جمال البليدي
11-10-2008, 11:07 AM
قال الإمام الحافظ أحمد بن حنبل في (هشام): ”ليس بالقوي“،1-الإمام أحمد لا يضعِّفه الضعف المطلق الذي ظنه .............، وإنما هو ممن لا يُصَحَّح حديثه بل يحسن، وهذا يلتقي تماماً مع ما أصّله شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-حيث قال"«وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: «هو ضعيف ليس بالقوي» لكن هذه العبارة يقصد بها: أنه ممن ليس يصح حديثه، بل هو ممن يحسن حديثه. وقد كانوا يسمون حديث مثل هذا ضعيفاً، ويحتجون به؛ لأنه حسن، إذ لم يكن الحديث إذ ذاك مقسوماً إلا إلى صحيح وضعيف.
وفي مثله يقول الإمام أحمد: الحديث الضعيف خير من القياس؛ يعني: الذي لم يَقْوَ قوة الصحيح مع أن مخرجه حسن».
فخذها فائدة عزيزة من شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله، وجزاه عن الإسلام وأهله خيراً-.
وقال الإمام الحافظ الذهبي في «المقدمة الموقظة» (ص319-بشرحي): «وقد قيل في جماعات: ليس بالقوي، واحتج به.
وهذا النسائي قد قال في عدة: «ليس بالقوي» ويخرِّج لهم في «كتابه»، وقال: قولنا: «ليس بالقوي» ليس بجرح مفسد».
وقال: ”مكي ضعيف الحديث“ وهذا طعن من جهة الرواية. هذا محمول على ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- آنفاً؛ فلا إشكال بحمد الله.
وضعفه يحيى بن سعيد القطان وضرب على حديثهوأما تضعيف الإمام يحيى ابن سعيد؛ فلم يبيِّن سببه؛ فإنه قال: «اضرب على حديثه»؛ فلا يلغي هذا الإجمال توثيق من وثقه.
وهب أنه ضَعّفه- وهو مُتَشَدِّد في الرجال- فهناك كثير من أهل العلم وثَّقوه وقبلوا حديثه، فهو إذن من الرواة المختلف فيهم؛ فبعضهم ضعَّفه والكثير منهم وثَّقه، فماذا نصنع ؟هل نلغي هذا التوثيق من أولئك الأئمة ونقدِّم الجرح؟ أم نوفِّق بينهما؟ وهذا مما لم يُقِم له هذا(الهدّام) وزناً، فإلى الله المشتكى من تعدي هذا (الغمر) على هذا العلم.
وضعفه علي بن المدينيأين ضعفه وماذا قال؟؟؟
لأول مرة أسمع بهذه الأكذوبة أنت أصلا لا تفرق بين التضعيف والتعديل
وذكره العقيلي في الضعفاء، وكذا ابن عديما ذكره المعقيلي في الضعفاء هو حجة عليك والذي ذكره في التضعيف ليس هشام ابن حجير إنما أورده ليبين أنه أقوى من غيره
قال العيقلي "قلت ليحيى هشام بن حجير أحب إليك من عمرو قال نعم حدثنا عبد الله قال سألت أبي قلت له عمرو بن مسلم الجندي الذي روى عنه بن عيينة ومعمر قلت هو أضعف من هشام بن حجير فقال هو ضعيف حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا صالح قال حدثنا على قال سمعت يحيى وذكر عمرو بن مسلم صاحب طاوس فحرك يده فقال ما أرى هشام بن حجير إلا أمثل منه" نتهى بحروفه
:قلت: وعمرو بن مسلم هو الجَنَدي مختلف فيه؛ ضعفه ابن معين في رواية الدوري وعبد الله بن أحمد، وقال في رواية ابن الجنيد : «لا بأس به» ، وفي «التقريب» :«صدوق له أوهام».
فهو - بشهادة الإمام يحيى بن معين- أقوى من عمرو بن مسلم الذي قال فيه: «لا بأس به»؛ فهو إذاً لا يُحمل على الضعف الشديد الذي يطرح حديثه.
فيا سبحان الله يفعل الجهل بصاحبه أكثر مما يفعل العدو بعدوه
وهشام صالح في دينه، لذا قال ابن شبرمة: ”ليس بمكة مثله“.
وقال ابن معين: ”صالح“ [1].. فهذا في الدين أو العبادة، بدليل أن ابن معين نفسه قد قال فيه: ”ضعيف جداً“.
من قال لك أن "صالح" يكون في الدين والعبادة وليس في الحديث؟؟؟؟؟؟
من سلفك في هذا الكلام؟؟؟؟
قال الإمام الذهبي في«المغني» (1/4): « لم أذكر فيه من قيل فيه:«محله الصدق» ، ولا من قيل فيه:«يكتب حديثه» ، ولا: «لا بأس به»، ولا من قيل فيه:«شيخ» أو «صالح الحديث» ؛ فإن هذا باب تعديل».
وقال في «المقدمة الموقظة» (ص318-319- بشرحي): «... فلان حسن الحديث ، فلان صالح الحديث، فلان صدوق -إن شاء الله-؛ فهذه العبارات ونحوها كلها جيدة، ليست مضعِّفة لحال الشيخ ، نعم ولا مرقيّة لحديثه إلى درجة الصحة الكاملة المتفق عليها، لكن كثير ممن ذكرنا متجاذب بين الاحتجاج به وعدمه».
وقال في «ميزان الاعتدال« (1/3-4):« ولم أتعرَّض لذكر من قيل فيه: محله الصدق، ولا من قيل فيه: لا بأس به، ولا من قيل: هو صالح الحديث، أو يكتب حديثه أو هو شيخ ؛ فإن هذا وشبهه؛ يدل على عدم الضعف المطلق».
ثم ذكر - رحمه الله- العبارات التي تقال في الرواة المقبولين وقسمها ، وذكر منها: «وصالح الحديث».
فهذا الكلام العلمي القوي من الإمام الذهبي -وهو من أهل الاستقراء العام-؛ يستأصل شأفة هذا (الهدام) (الغمر العنيد).
وكذا جعل الشيخ برهان الدين الأبناسي -رحمه الله- في «الشذا الفياح» (1/268) «صالح الحديث» من مراتب التعديل؛ فتأمل.
وقال الحافظ ابن حجر: ”صدوق له أوهام“. سبحان الله أليس هذا تعديل يصل إلى مرتبة الحسن ناهيك على التعديلات التي أخفيتها ولا ترفع بها رأسا
رتبته عند ابن حجر :
صدوق له أوهام
رتبته عند الذهبي :
ثقة ، قال أحمد : ليس بالقوى
شيوخه :
قال المزي في تهذيب الكمال : روى عن
الحسن البصرى
طاووس بن كيسان
مالك بن أبى عامر الأصبحى .
هل تعرف من هو الحسن البصري؟؟؟
هل الحسن البصري يروي عن الضعفاء -كذبت وزعمت-
وقال علي بن المديني: ”زعم سفيان قال كان هشام ابن حجير كتب كتبه على غير ما يكتب الناس أي اقتداراً عليه، فاضطربت عليه“ ا.هـ من معرفة الرجال (203/2). وقال علي بن المديني: ”زعم سفيان قال كان هشام ابن حجير كتب كتبه على غير ما يكتب الناس أي اقتداراً عليه، فاضطربت عليه“ ا.هـ من معرفة الرجال (203/2).
وهشام من أهل مكة وسفيان كان عالماً عارفاً بأهل مكة، ”روى العقيلي بإسناده عن ابن عيينة أنه قال: لم نأخذ منه إلا ما لم نجده عند غيره“ اهـ.
مَن وضع هذه القاعدة التي ذكرتها؟ وأين هي؟ فالأخذ عن بعض الرواة لعدم وجود الحديث عند غيره ليس بلازم منه ضعف هذا الراوي؛ فتنبه!
فصح أن هذا الأثر مما تفرد به هشام لأنه من رواية ابن عيينة عنه.كذبت لم يتفرد به هشام وحده بل رواه أيضا علي بن أبي طلحة عن ابن عباس تابعه علي بن أبي طلحة عنه بلفظ :« من جحد ما أنزل الله؛ فقد كفر، ومن أقرّ به ولم يحكم ؛ فهو ظالم فاسق».
أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/166)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (4/1142/6426و1146/6450) عن المثنى بن إبراهيم الآملي وأبي حاتم الرازي كلاهما عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة به.
وقال أبو حاتم: ”يُكتب حديثه“ وهذه أيضاً من صيغ التمريض والتضعيف، لأن هذا يعني أن حديثه لا يُقبل استقلالاً وإنما يؤخذ به في المتابعات فقط. كذبت "يكتب حديثه" مصطلح يستعمل للتعديل وليس للتضعيف
قال الإمام الذهبي في«المغني» (1/4): « لم أذكر فيه من قيل فيه:«محله الصدق» ، ولا من قيل فيه:«يكتب حديثه» ، ولا: «لا بأس به»، ولا من قيل فيه:«شيخ» أو «صالح الحديث» ؛ فإن هذا باب تعديل».
قال ابن إبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/37): «وإذا قيل له: إنه صدوق، أو: محله الصدق، أو: لا بأس به؛ فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه، وهي المنزلة الثانية.
وإذا قيل: شيخ ؛ فهو بالمنزلة الثالثة، يكتب حديثه وينظر فيه؛ إلا أنه دون الثانية.
وإذا قيل: صالح الحديث؛ فإنه يكتب حديثه للاعتبار».
فأنت ترى أن ابن أبي حاتم جعل (الصدوق، والشيخ، وصالح الحديث) ممن يكتب حديثه، فهل من كتب حديثه من هؤلاء يذكر في الضعيف ونحوه؟! حتى لو قيل فيه: صدوق!!
وإليك -أيها القارىء- مثالاً واحداً- من بين أمثلة كثيرة- : تثبت أن أبا حاتم إذا قال في راو: صالح الحديث؛ يعني: أنه صدوق حسن الحديث، وهو ممن يكتب حديثه، وهي آخر مرتبة من مراتب التعديل التي جعلها ابنه عبد الرحمن.
قال أبو حاتم كما في «الجرح والتعديل» (4/2) في ترجمة ( سعيد بن إياس الجريري): «تغير حفظه قبل موته، فمن كتب عنه قديماً؛ فهو صالح، وهو حسن الحديث».
إذاً ؛ فمعنى كلام ابن أبي حاتم:«إذا قيل : صالح الحديث؛ فإنه يكتب حديثه للاعتبار» - وجعلها آخر مرتبة من مراتب التعديل- لا يعني هذا: أنه لا يحتج بحديثه، ولا بمرتبة الحسن، بل العكس هو الصواب، وخير ما يفسر به كلام الحافظ إنما هو كلامه نفسه؛ كما نقلت آنفاً عن أبي حاتم نفسه.
فما رأيكم- دام فضلكم- فيمن يفسِّر كلام أهل العلم على غير مرادهم؟.
فهل بعد هذا يصحّ أن نقول: إن قول أبي حاتم: «يكتب حديثه» لا يقام مقام الاحتجاج، وإنما يذكر في الضعيف ونحوه؟!
وليس يصحّ في الأذهان شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل
جمال البليدي
11-10-2008, 11:19 AM
- أما البخاري فلم يرو له إلا حديثاً واحداً هو حديث (سليمان بن داود عليهما السلام): ”لأطوفن الليلة على تسعين امرأة... الحديث“. أورده في كفارة الأيمان من طريق هشام وتابعه في كتاب النكاح برواية عبد الله بن طاووس. ومن المعلوم أن الحافظ ابن حجر من عادته في مقدمة فتح الباري أن يذب عمن تكلم فيهم بغير حق ويدافع بكل ما أوتي من علم، أما من ظهر له ضعفهم وأن البخاري لم يعتمد عليهم وحدهم وإنما أوردهم في المتابعات أو مقرونين.. فمثل هؤلاء لا يكلف نفسه عناء الرد عنهم بل يذكر المتابعات الواردة لهم في الصحيح وكفى.. وكذلك فعل مع هشام بن حجير (راجع المقدمة).
- أما مسلم فكذلك ليس له عنده إلا حديثان ولم يرو له إلا مقروناً.. وراجع في هذا ما قاله الشيخ الهروي في كتابه: ”خلاصة القول المفهم على تراجم رجال الإمام مسلم“.
والخلاصة أنه عرف مما سبق أنه لا حجة لمن حاول تقوية هشام بالاحتجاج برواية البخاري ومسلم له.. لأنهما لم يرويا له استقلالاً ولكن متابعة.. وهذا من الأدلة على تضعيفه إذا انفرد.
يعني البخاري أخطا لما روى عنه؟؟؟؟
والمسلم أيضا أخطأ؟؟؟
يا سلام
يعني عن قريب سنضعف كل الكتب إستنادا لقواعد أبو ثعبان
أقول : هذا مما لم يقله أحد قبله، وهو خلاف ما عليه الحفاظ الذين ترجموا للرجل؛ كالمزي والذهبي والعسقلاني وغيرهم؛ حيث أطلقوا العزو للبخاري ومسلم ولم يقولوا:« في المتابعات ولا الشواهد» ، وهذا من دقَّتهم -رحمهم الله- التي يغفل عنها المذكور أو يتغافل عنها؛ لأنه لم يثق بعلمهم! بل صرَّح بذلك المزي؛ فقال في آخر ترجمته من «تهذيب الكمال» (30/181): «روى له البخاري ومسلم والنسائي» ، وكذا قال الذهبي والحافظ ابن حجر .
وجملة القول: إن الحديث حسن لذاته -رغم أنف هذا (الهدّام)- كما تقدم تفصيله وتأصيله على الوجه التمام-.
ومما ينبغي التنبيه له: أن هذا (الهدّام) كتم تصحيح الحاكم والذهبي للحديث، وكذا الحافظ ابن كثير في «تفسيره»
ومن أجل هذا كله لم يوثق هشام بن حجير إلا المتساهلون كابن حبان فإنه مشهور بالتساهل في التوثيق. ومثله العجلي، قال المعلم اليماني: ”توثيق العجلي وجدته بالاستقراء كتوثيق ابن حبان تماماً أو أوسع“. الأنوار الكاشفة ص: (68).
وقال الألباني: ”فالعجلي معروف بالتساهل في التوثيق كابن حبان تماماً فتوثيقه مردود إذا خالف أقوال الأئمة الموثوق بنقدهم وجرحهم“. انظر السلسلة الصحيحة ص(633/7).
- وكذا توثيق ابن سعد فإن أغلب مادته من الواقدي المتروك كما ذكر ابن حجر في مقدمة الفتح عند ترجمة عبد الرحمن بن شريح.
فإذا كان هذا حال من وثقوه فإن رواياته لا تقوم بها حجة بتوثيقهم هذا.
يا للعجب يحتج بالألباني الذي صحح هذا الأثر رغم هذا الهدام أبو ثعبان
الذي ينسخ ما لا يفهم
اقل شيخنا الإمام الألباني -رحمه الله- رداً على صنيع له -مثله-:
«إن هذا التعليل المذكور ليس على إطلاقه ، فكثيراً ما رأينا الحفاظ النقاد من المتأخرين يوثِّقون من تفرَّد بتوثيقه ابن حبان؛ كالإمام الذهبي، والحافظ العسقلاني، وما أظن أن الغرور وصل بك إلى أنّ تدعي: أنك أعلم منهم! أو أن تحشرهم في زمرة المتساهلين»([22]).
فكيف إذا ضُمّ إليه العجلي وابن سعد وابن شاهين والساجي؟!
وأيضاً؛ توثيق ابن حبان والعجلي وابن شاهين مقبول إذا وافقهم أحد من الحفاظ النقاد الموثوق بتوثيقهم؛ كالذهبي، والعسقلاني وأمثالهم، وهذا قد وثقه الذهبي في «الكاشف» ؛ فقال: «هشام بن حجير ثقة»، وهو مما كتمه (الهدّام) ولم يذكر لقرائه تعمية لهم عن كلام الذهبي فيه، وأيضاً؛ لم يذكر كلام الحافظ فيه في «التقريب»:«صدوق له أوهام».
فكيف وقد عارضهم وقال بتضعيفه الأئمة الجبال الرواسي كأحمد وابن معين ويحيى بن سعيد القطان وعلي بن المديني وغيرهم.
كذبت بل أنت جعلت من التعديل تضعيف فجعلت مصطلح "ليس بالقوي" تضعيفا وجعلت مصطلح"يكتب حديثه" جرحا مع أنه في قمة التعديل
فمن هم الأئئمة الرواسي هل هم أبو ثعبان وزمرته؟؟؟
فخلاصة القول: أن هشام بن حجير ضعيف لا تقوم به حجة استقلالاً وحده. نعم هو يصلح في المتابعات كما عرفت، والمحتجون به لم يوردوا له على رواية ابن عباس هذه متابع، فيترجح ضعفها وعدم صحّة الجزم بنسبتها إلى ابن عباس.
خلاصة القول:فرجل حاله هكذا ؛ لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن ما لم يخالف، وقد روى الشيخان له واحتجا به، ومع ذلك لم يتفرد به بل توبع
بل قد روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس بإسناد صحيح في تفسير هذه الآية غير ذلك فقال: ثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: 44]. قال: هي به كفر. قال ابن طاووس: ”وليس كمن كفر بالله وملائكته ورسله“[2] اهـ[3].
أضحك الله سنك
إذن ابن طاووس يعتبره كفر أصغر مثل ابن عباس رضي الله عنه وسائر العلماء المسلمين على مر العصور
هل أنت في عقلك؟؟؟؟
هذا حجة عليك وليس لك
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2026, TranZ by Almuhajir