منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   المنتدى العام الإسلامي (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=240)
-   -   أسباب عز المسلمين وعلل ذلهم المهين (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=286975)

أمازيغي مسلم 04-02-2015 03:21 PM

رد: أسباب عز المسلمين وعلل ذلهم المهين
 
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

قال الإمام الهمام:" ابن قيم الجوزية" رحمه رب البرية":
" فالتَّوحيد ملجأ الطَّالبين، ومَفْزَعُ الهاربين، ونجاة المَكْرُوبِين، وغِيَاث الملهوفين، وحقيقته: إفراد الرب سبحانه بالمحبَّة والإجلال والتعظيم، والذل والخضوع".[ إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان":(2/135)].


وقال الشيخ المفسر:" السعدي" رحمه الله في:" القول السديد ببيان مقاصد التوحيد":(ص:(22:
" فإن تحقيق التوحيد هو:
*تهذيبه وتصفيته من الشرك الأكبر والأصغر.
*ومن البدع القولية والاعتقادية، والبدع الفعلية والعملية.
*ومن المعاصي.
وذلك بكمال الإخلاص لله في الأقوال والأفعال والإرادات.
وبالسلامة من الشرك الأكبر المناقض لأصل التوحيد، ومن الشرك الأصغر المنافي لكماله، وبالسلامة من البدع والمعاصي التي تكدِّر التوحيد، وتمنع كماله، وتعوِّقه عن حصول آثاره.
فمن حقق التوحيد: بأن امتلأ قلبه من الإيمان والتوحيد والإخلاص، وصدَّقته الأعمال: بأن انقادت لأوامر الله طائعةً منيبةً مخبتةً إلى الله، ولم يَجْرَحْ ذلك بالإصرار على شيء من المعاصي، فهذا الذي يدخل الجنة بغير حساب، ويكون من السابقين إلى دخولها وإلى تبوُّء المنازل منها".

أثر كلمة التوحيد في نورانية القلوب:
إن البداية الصحيحة في الطريق إلى الله سبحانه وتعالى هي:" كلمة التوحيد: لا إله إلا الله"، فبها يضئ القلب، وبها توهب له الحياة، وكلما بعد الإنسان عن كلمة التوحيد: كلما اقترب من المرض والموت، وأظلم قلبه واسود.
ومن ثم، فإن المربين الراشدين: يضعون نصب أعينهم أن يملؤوا قلب المبتدئ بمعاني:" لا إله إلا الله محمد رسول الله"، فمتى استنار القلب بنور التوحيد، وانسجم سلوك الإنسان مع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم من خلال:" العلم والعمل والذكر والالتزام الصحيح بكتاب ربه وسنة نبيه"، فإن تغييرا هائلا يحدث في ذلك الإنسان، ويظهر عليه من الأعمال ما يحير العقول ويدهشها من:" الفتح الرباني، والثبات والصمود، والبذل والجهاد، والدعوة والعلم".

إن العرب قبل الإسلام: لم تكن لهم حضارة تذكر، ولا ثقافة عريقة يعودون إليها، ولا خبرة لهم بالحكم والإدارة، ولا بالتقدم والابتكار، ولكنهم قبلوا كلمة التوحيد، وتحققت بها قلوبهم وأنارت: كما قال الله سبحانه عنهم:[ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا]، فصاروا أهل كلمة التوحيد، وانسجم سلوكهم مع القرآن ـ كتاب التوحيد ـ فتغير حالهم، وخرجت الأعاجيب من أفعالهم، وصاروا نور الدنيا أجمعها، وهداة الخلق أجمعين، ودانت لهم الأرض بجوانبها، فصاروا أقوى أمة، وأرقى حضارة، وهزموا الممالك والدول العظمى، وأخذت شعوب العالم دين الإسلام دينا لها.
واليوم: والمسلمون في حال تخلف وانحدار، وضعف وهزيمة واستهتار حتى صاروا في ذيل الأمم، واستهانت بهم القوى العالمية.
إن شيئا واحدا هو الذي سيعيد لهم المجد، ويختصر لهم الطريق، إنها التزام:" كلمة التوحيد"، و:" سنة النبي صلى الله عليه وسلم"من خلال:" العلم والعمل والتفاعل والعطاء".
إن هذا وحده هو الذي سيختصر الطريق، ويعيد لنا الماضي المجيد؛ إذ إنه بهذه الكلمة: سيوجد الإنسان الراقي ذو القلب السليم، وهو لبنة بناء الشعوب الفائزة والمنتصرة.
رحم إمامنا مالك القائل:" لن يصلح أخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".

أمازيغي مسلم 04-02-2015 03:22 PM

رد: أسباب عز المسلمين وعلل ذلهم المهين
 

ولله در الشاعر القائل عن:" التوحيد":

الحمــد لله قبــل النطـــق بـــالكلمِ ** حمــداً يقــوم مقـام الشكــر للنعـــمِ

يا مالك الملـــك مالــي من ألــــوذ به ** ســواك عند نـزول الكــرب والنِّقــمِ

أدعـوك وحـــدك يا من لا شــريك له ** دعـــاء معتــرفٍ بالذنـــب والنـــدمِ

يا كاشــف الضــر يا ذا الطّول يا ملكاً ** كـل الملــوك له بالخــوف كالخـــدمِ

يا جــابر العثــرات اجبــر مصيبتــنا ** تبـــارك الله مــــن والٍ ومن حكـــمِ

يا واحــداً صمــداً يا ماجـــداً أبـــداً ** يا حافـــظاً رازقــاً للخــلـق كلــهمِ

أدعـــوك دعـــوة مضــــطر ومجتـهدٍ ** أنفـي لمجــدك يا رحمــن في الرَّغَـمِ

دعــاء معتــرف بالذنــب منكســـرٍ ** بالفقــرِ منتظـــرٍ للفضـــل من قِــدمِ

برئــتُ من مشــركٍ غــاوٍ وذي شُبهٍ ** وكـلِ مبتـــــدع في الديــــن متهــمِ

الطائفـــين بقبــــر (العيــدروس) كما ** طافــت قـريشٌ قُبيل الوحي بالصـنمِ

والعاكفـــين على (جيـــلان) غــرهم ** إبليـــسُ حتى أتـــوا بالظلــم والظُلَــمِ

(وأحمــــد البـــدوي) لاذوا بحجــرتهِ ** يدعـونه وهو رهن القبــر في صمـمِ

الذابحــين نـــذورًا من جهـالتـــهم ** نــذرَ الدمــاء مــــن الأبقـار والغنــمِ

تبّـــاً لهم جهلــوا التوحــيد فارتكسوا ** عنــد المقـــابر من بــاكٍ ومســــتلمِ

ويمسحــون ضــريحــاً من غبــاوتهم ** يرجـون منه مـزيد الـرّزق والقَسـمِ

يقربـــون لهــا القربــان ويحـــــهمُ ** يا ضِلّــة الـــرأي بل يا زلــة القــدمِ

ويزعمــون ضــلالاً من خـــرافتهم ** بأن سيـــدهم يشـــفي مــن الســـقـمِ

كم من فقيــر ينــادي (سيــدي) مــددًا ** يعـــود بالفقــر والإفـلاس والعـــدمِ

سمـــوه غـــوثاً وقطـــباً يشتكـــون له ** شكوى الجريحِ إلى الغربانِ والرَخَمِ

كم كاهـــن فاجــــر جــاؤوه فـي فـزعٍ ** ليكشف الضر عن طفل وعن هرمِ

فزادهــم وجهُــه غمـــاً بغمــــهمِ ** وزادهــم قولُـــه حـــزناً لحزنـــهمِ

عــادوا بصـــفقة غبن بعدما خســروا ** ديــــناً ومـالاً فيـا سحـــقاً لسعيــهمِ

يا رب فاهــدِ حيــارى المسلمين وهب ** رشـداً لهـم واكفـهم من فتنــة الأممِ

أنـــرْ بصـــائرهم، طهّـــر سرائـرهم ** اغفـــر جرائـرهم، بالســتر والكـرمِ

ميمــيــةٌ لو فتــى بوصــير أبصـرها ** لعــوّذوه بـــرب الحــــلِّ والحـــرمِ

فيهــا ضيــاءٌ من التوحـــيد متّقــدٌ ** يمـــدّه زيـتُ علـــم اللّــوح والقلــمِ

من سنة المصطفى حيكت مطارفها ** ما مسّها الرجس من عُرب ومن عَجمِ

فريـــدةٌ وفتـــى (بلقــــرن) دبّجــها ** أزديــةٌ من (أُويـس) المجـــد والشَـممِ

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

أمازيغي مسلم 04-02-2015 03:23 PM

رد: أسباب عز المسلمين وعلل ذلهم المهين
 
وقفة مع قوله تعالى:[ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ] للدكتور:" عمر المقبل"- جزاه الله خيرا-.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا لقاء يتجدد مع قاعدة قرآنية محكمة، ذات البعد الإيماني والتربوي، وله صلة شديدة بواقعنا اليومي، إنها القاعدة التي دلّ عليها قول ربنا جل جلاله: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30].
وهذه القاعدة القرآنية المحكمة تكررت بلفظ قريب في عدد من المواضع، كما تكرر معناها في مواضع أخرى.
فمن نظائرها اللفظية المقاربة قول الله عز وجل: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165]، وقال سبحانه: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79]، ويقول عز وجل: { وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ...} [القصص: 47].
وأما الآيات التي وردت في تقرير هذا المعنى فكثيرة جدا، ومن ذلك قوله سبحانه: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص: 59]، وكقوله عز وجل: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41]، وقال جل وعلا: {وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [آل عمران: 181، 182] في ثلاث مواضع من كتاب الله عز وجل.
ويقول سبحانه: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36]، يقول شيخ الإسلام ابن تيميه: ملخصاً ما دلت عليه هذه الآيات الكريمة بتلخيص العالم المتتبع المستقرئ لنصوص القرآن الكريم، يقول رحمه الله: "والقرآن يبين في غير موضع: أن الله لم يهلك أحداً ولم يعذبه إلا بذنب"(1).

أيها الإخوة الكرام:
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآيات الكريمة دلت عليه أيضا نصوص من الوحي الآخر، ألا وهو السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبى ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث القدسي العظيم ـ الذي يرويه عن ربه تعالى قال الله عز وجل: "إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلوم إلا نفسه"(2).
وفى صحيح البخاري من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيد الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت... الحديث"(3).
وفى الصحيحين لما سأل أبو بكر - رضي الله عنه - النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته، قال له عليه الصلاة والسلام: "قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم"(4).
فتأمل ـ أيها المؤمن ـ في هذه الأحاديث جيداً! فَمَنْ هو السائل؟ ومَنْ هو المجيب؟ أما السائل فهو أبو بكر الصديق الأكبر الذي شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة في مواضع متعددة، وأما المجيب فهو الرسول الناصح المشفق صلوات الله وسلامه عليه! ومع هذا يطلب منه عليه الصلاة والسلام أن يعترف بذنوبه، وظلمه الكبير والكثير، ويسأل ربه مغفرة ذلك والعفو عنه، والسؤال هنا ـ أيها الأخوة القراء ـ مَنْ الناس بعد أبي بكر رضي الله عنه؟.

أيها القراء الفضلاء:
إذا تقررت هذه الحقيقة الشرعية ـ وهي أن الذنوب سببٌ للعقوبات العامة والخاصة ـ فحري بالعاقل أن يبدأ بنفسه، فيفتش عن مناطق الزلل فيه، وأن يسأل ربه أن يهديه لمعرفة ذلك، فإن من الناس من يستمرئ الذنب تلو الذنب، والمعصية تلو المعصية، ولا ينتبه لذلك! بل قد لا يبالى! ولربما استحسن ذلك ـ عياذاً بالله ـ فتتابع العقوبات عليه وهو لا يشعر، فتكون مصيبته حين إذن مضاعفه!
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ـ وهو يتحدث عن الأمور التي تورث العبد الصبر وتعينه عليه ليبلغ مرتبة الإمامة في الدين ـ قال رحمه الله: "أن يشهد ذنوبه، وأن الله إنما سلط الناس عليه بسبب ذنبه، كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}، فإذا شهد العبد أن جميع ما يناله من المكروه فسببه ذنوبه، اشتعل بالتوبة والاستغفار من الذنوب التي سلطهم عليه بسببها عن ذنبهم ولومهم، والوقيعة فيه، وإذا رأيت العبد يقع في الناس إذا آذوه ولا يرجع إلى نفسه باللوم والاستغفار، فاعلم أن مصيبته مصيبة حققية، وإذا تاب واستغفر، وقال: هذا بذنوبي، صارت في حقه نعمة، قال علي رضي الله عنه كلمة من جواهر الكلام: "لا يرجونّ عبدٌ إلا ربه ولا يخافن عبد إلا ذنبه"، وروي عنه وعن غيره: "ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة" (5) انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله.
ويقول تلميذه ابن القيم رحمة الله عليه ـ وهو يوضح شيئاً من دلالات هذه القاعدة القرآنية المحكمة {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} قال رحمه الله:
وهل فى الدنيا والآخرة شرور وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي؟!
فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم، والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟
وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء؟ وطرده ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه؟ فجعلت صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبُدِّلَ بالقرب بعداً، وبالرحمة لعنةً، وبالجمال قبحاً، وبالجنة ناراً تلظى، وبالايمان كفراً، وبموالات الولي الحميد أعظم عداوة ومشاقة، وبزجل التسبيح والتقديس والتهليل زجلَ الكفر والشرك والكذب والزور والفحش، وبلباس الايمان لباس الكفر والفسوق والعصيان؟ فهان على الله غاية الهوان، وسقط من عينه غاية السقوط، وحلّ عليه غضب الرب تعالى، فأهواه ومقته أكبر المقت؟.
وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم؟ حتى علا الماء فوق رأس الجبال، وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الارض، كأنهم أعجاز نخل خاوية؟ ودمرت ما مرَّ عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم؟ حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة؟
وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة، حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم، وماتوا عن آخرهم؟
وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم، ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها؟ فأهلكم جميعاً ثم أتبعهم حجارة من سجيل السماء، أمطرها عليهم فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه علي أمة غيرهم، ولإخوانهم أمثالها، وما هي من الظالمين ببعيد.
وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل؟ فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم ناراً تلظى؟
وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم، فالأجساد للغرق والأرواح للحرق؟
وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟
وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات، ودمرها تدميراً؟... إلى أن قال رحمه الله:
قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، ثنا صفوان بن عمر، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه قال: لما فتحت قبرص، فُرِّقَ بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدرداء جالساً وحده يبكي! فقلت: يا أبا الدرداء! ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير! ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره؟! بينما هي أمة قاهرة ظاهرة، لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى!انتهى كلام بن القيم:.
والذي استطرد كثيرا في بيان آثار الذنوب والمعاصي السيئة على الفرد والمجتمع في كتابه النافع الجواب الكافي وذكر كلاما نفيسا يحسن الرجوع إليه والاستفادة منه.

إخوة الإيمان:
وليُعْلَم أنه ينبغي أن ندرك أن العقوبات حينما تذكر، فلا يصح حصرها في العقوبات الحسية أو العقوبات الجماعية ـ التي أشار ابن القيم إلى شيء منها ـ كالهدم والغرق والصيحة، أو السجن والعذاب الحسي، ونحو ذلك، فهذه لا شك أنها أنواع من العقوبات، ولكن ثمة أنواع من العقوبات قد تكون أشد وأعظم، وهى تلك العقوبات التي تتسلط على القلب، فيضرب بالغفلة وقسوته، حتى إن جبال الدنيا لو تناطحت أمامه ما اعتبر ولا اتعظ ـ عياذاً بالله ـ بل يظن المسكين، أو تظن أمة من الأمم ـ وهى ترى النعم تتابع وتزداد مع استمرارها في البعد عن شرع الله ـ تظن أن ذلك علامةً على رضى الله عز وجل عنها، وهذه لعمر الله من أعظم العقوبات التي يبتلى بها العبد وتبتلى بها أمة من الأمم.
استمع جيدا إلى قول الله عز وجل: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} فما الذي حصل؟ هل تابوا أم رجعوا؟ اقرأ تتمة الآية: {وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام: 42 - 44] فنعوذ بالله أن نكون من أهل هذه الآية، ونسأله بمنه وكرمه أن يتوب علينا وأن يبصرنا بمواطن الزلل منا، وأن لا يضربنا بقسوة القلب، وأن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا إن ربي سميع مجيب الدعاء، وإلى لقاء قادم بإذن الله تعالى والحمد لله رب العالمين.
_________________
(1) مجموع الفتاوى (14/424).
(2) صحيح مسلم (2577).
(3) صحيح البخاري (6306).
(4) صحيح البخاري (834)، صحيح مسلم (2705).
(5) قاعدة في الصبر: (1/169) طبعت ضمن مجموع رسائله (ط.عالم الفوائد).


الساعة الآن 03:33 PM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى