![]() |
رد: مكتبتي
ذكر إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام وذكر من كان في عصره من ملوك العجم
إذ كنا قد ذكرنا من بينه وبين نوح من الآباء وتأريخ السنين التي مضت قبل ذلك وهو إبراهيم بن تارخ بن ناحور بن ساروغ بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح واختلفوا في الموضع الذي كان منه والموضع الذي ولد فيه فقال بعضهم كان مولده بالسوس من أرض الأهواز وقال بعضهم كان مولده ببابل من أرض السواد وقال بعضهم كان بالسواد بناحية كوثى وقال بعضهم كان مولده بالوركاء بناحية الزوابي وحدود كسكر ثم نقله أبوه إلى الموضع الذي كان به نمرود من ناحية كوثى وقال بعضهم كان مولده بحران ولكن أباه تارخ نقله إلى أرض بابل وقال عامة السلف من أهل العلم كان مولد إبراهيم عليه السلام في عهد نمرود بن كوش ويقول عامة أهل الأخبار كان نمرود عاملا للإزدهاق الذي زعم بعض من زعم أن نوحا عليه السلام كان مبعوثا إليه على أرض بابل وما حولها وأما جماعة من سلف العلماء فإنهم يقولون كان ملكا برأسه واسمه الذي هو اسمه فيما قيل زرهى بن طهماسلفان وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق فيما ذكر لنا والله أعلم أن آزر كان رجلا من أهل كوثى من قرية بالسواد سواد الكوفة وكان إذ ذاك ملك المشرق لنمرود الخاطئ وكان يقال له الهاصر وكان ملكه فيما يزعمون قد أحاط بمشارق الأرض ومغاربها وكان ببابل قال وكان ملكه وملك قومه بالمشرق قبل ملك فارس قال ويقال لم يجتمع ملك الأرض ولم يجتمع الناس على ملك واحد إلا على ثلاثة ملوك نمرود بن أرغوا وذي القرنين وسليمان بن داود وقال بعضهم نمرود هو الضحاك نفسه حدثت عن هشام بن محمد قال بلغنا والله أعلم أن الضحاك هو نمرود وأن إبراهيم خليل الرحمن ولد في زمانه وأنه صاحبه الذي أراد إحراقه حدثني موسىبن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي صالح وعن أبي مالك عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم إن أول ملك ملك في الأرض شرقها وغربها نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح وكانت (1/142) ________________________________________ الملوك الذين ملكوا الأرض كلها أربعة نمرود وسليمان بن داود وذو القرنين وبخت نصر مؤمنان وكافران وقال ابن إسحاق فيما حدثني ابن حميد حدثنا سلمة عن ابن إسحاق فلما أراد الله عز و جل أن يبعث إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن حجة على قومه ورسولا إلى عباده ولم يكن فيما بين نوح وإبراهيم عليهما السلام من نبي قبله إلا هود وصالح فلما تقارب زمان إبراهيم الذي أراد الله تعالى ذكره ما أراد أتى أصحاب النجوم نمرود فقالوا له تعلم أنا نجد في علمنا أن غلاما يولد في قريتك هذه يقال له إبراهيم يفارق دينكم ويكسر أوثانكم في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا فلما دخلت السنة التي وصف أصحاب النجوم لنمرود بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقريته فحبسها عنده إلا ما كان من أم إبراهيم امرأة آزر فإنه لم يعلم بحبلها وذلك أنها كانت جارية حدثة فيما يذكر لم يعرف الحبل في بطنها فجعل لا تلد امرأة غلاما في ذلك الشهر من تلك السنة إلا أمر به فذبح فلما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبا منها فولدت فيها إبراهيم عليه السلام وأصلحت من شأنه ما يصنع بالمولود ثم سدت عليه المغارة ثم رجعت إلى بيتها ثم كانت تطالعه في المغارة لتنظر ما فعل فتجده حيا يمص إبهامه يزعمون والله أعلم أن الله جعل رزق إبراهيم عليه السلام فيها ما يجيئه من مصه وكان آزر فيما يزعمون قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل فقالت ولدت غلاما فمات فصدقها فسكت عنها وكان اليوم فيما يذكرون على إبراهيم في الشباب كالشهر والشهر كالسنة ولم يمكث إبراهيم عليه السلام في المغارة إلا خمسة عشر شهرا حتى قال لأمه أخرجيني أنظر فأخرجته عشاء فنظر وتفكر في خلق السموات والأرض وقال إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربي مالي إلى غيره ثم نظر في السماء ورأى كوكبا فقال هذا ربي ثم اتبعه ينظر إليه ببصره حتى غاب فلما أفل قال لا أحب الآفلين ثم اطلع للقمر فرآه بازغا فقال هذا ربي ثم اتبعه ببصره حتى غاب فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما دخل عليه النهار وطلعت الشمس رأى عظم الشمس ورأى شيئا هو أعظم نورا من كل شيء رآه قبل ذلك فقال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ( 1 ) ثم رجع إبراهيم إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته وعرف ربه وبرئ من دين قومه إلا أنه لم يبادهم بذلك فأخبره أنه ابنه فأخبرته أم إبراهيم عليه السلام أنه ابنه فأخبرته بما كانت صنعت في شأنه فسر بذلك آزر وفرح فرحا شديدا وكان آزر يصنع أصنام قومه التي يعبدون ثم يعطيها إبراهيم يبيعها فيذهب بها إبراهيم عليه السلام فيما يذكرون فيقول من يشتري ما يضره ولا ينفعه فلا يشتريها منه أحد فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر فصوب فيه رؤوسها وقال اشربي استهزاء بقومه وبما هم عليه من الضلالة حتى فشا عيبه إياها واستهزاؤه بها في قومه وأهل قريته من غير أن يكون ذلك بلغ نمرود الملك ثم إنه لما بدا لإبراهيم أن يبادي قومه بخلاف ما هم عليه وبأمر الله والدعاء إليه نظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم يقول الله عز و جل فتولوا عنه مدبرين ( 2 ) وقوله إني سقيم ( 2 ) أي طعين أو لسقم كانوا يهربون منه إذا (1/143) ________________________________________ سمعوا به وإنما يريد إبراهيم أن يخرجوا عنه ليبلغ من أصنامهم الذي يريد فلما خرجوا عنه خالف إلى أصنامهم التي كانوا يعبدون من دون الله فقرب لها طعاما ثم قال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون تعبيرا في شأنها واستهزاء بها وقال في ذلك غير ابن إسحاق ما حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي صالح وعن أبي مالك عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم كان من شأن إبراهيم عليه السلام أنه طلع كوكب على نمرود فذهب بضوء الشمس والقمر ففزع من ذلك فزعا شديدا فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة فسألهم عنه فقالوا يخرج من ملكك رجل يكون على وجهه هلاكك وهلاك ملكك وكان مسكنه ببابل الكوفة فخرج من قريته إلى قرية أخرى فأخرج الرجال وترك النساء وأمر ألا يولد مولود ذكر إلا ذبحه فذبح أولادهم ثم إنه بدت له حاجة في المدينة لم يأمن عليها إلا آزر أبا إبراهيم فدعاه فأرسله فقال له أنظر لا تواقع أهلك فقال له آزر أنا أضن بديني من ذلك فلما دخل القرية نظر إلى أهله فلم يملك نفسه أن وقع عليها فقربها إلى قرية بين الكوفة والبصرة يقال لها أور فجعلها في سرب فكان يتعاهدها بالطعام والشراب ومايصلحها وإن الملك لما طال عليه الأمر قال قول سحرة كذابين ارجعوا إلى بلدكم فرجعوا وولد إبراهيم فكان في كل يوم يمر كأنه جمعة والجمعة كالشهر والشهر كالسنة من سرعة شبابه ونسي الملك ذلك وكبر إبراهيم ولا يرى أن أحدا من الخلق غيره وغير أبيه وأمه فقال أبو إبراهيم لأصحابه إن لي ابنا قد خبأته أفتخافون عليه الملك إن أنا جئت به قالوا لا فأت به فانطلق فأخرجه فلما خرج الغلام من السرب نظر إلى الدواب والبهائم والخلق فجعل يسأل أباه ما هذا فيخبره عن البعير أنه بعير وعن البقرة أنها بقرة وعن الفرس أنه فرس وعن الشاة أنها شاة فقال ما لهؤلاء الخلق بد من أن يكون لهم رب وكان خروجه حين خرج من السرب بعد غروب الشمس فرفع رأسه إلى السماء فإذا هو بالكوكب وهو المشتري فقال هذا ربي فلم يلبث أن غاب فقال أحب الآفلين أي لا أحب ربا يغيب قال ابن عباس وخرج في آخر الشهر فلذلك لم ير القمر قبل الكواكب فلما كان آخر الليل رأى القمر بازغا قد طلع فقال هذا ربي فلما أفل يقول غاب قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما أصبح ورأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما غابت قال الله له أسلم قال قد أسلمت لرب العالمين ثم أتى قومه فدعاهم فقال ياقوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا ( 1 ) يقول مخلصا فجعل يدعو قومه وينذرهم وكان أبوه يصنع الأصنام فيعطيها ولده فيبيعونها وكان يعطيه فينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه فيرجع إخوته وقد باعوا أصنامهم ويرجع إبراهيم بأصنامه كما هي ثم دعا أباه فقال يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغي عنك شيئا ( 2 ) قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا ( 3 ) قال أبدا ثم قال له أبوه يا إبراهيم إن لنا عيدا لو قد خرجت معنا لأعجبك ديننا (1/144) ________________________________________ فلما كان يوم العيد فخرجوا إليه خرج معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال إني سقيم يقول أشتكي رجلي فتوطئوا رجليه وهو صريع فلما مضوا نادى في آخرهم وقد بقي ضعفي الناس تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ( 1 ) فسمعوها منه ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة فإذا هو في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى جنب بعض كل صنم يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو وإذا هم قد صنعوا طعاما فوضعوه بين يدي الآلهة قالوا إذا كان حين نرجع رجعنا وقد باركت الآلهة في طعامنا فأكلنا فلما نظر إليهم إبراهيم عليه السلام وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال ألا تأكلون فلما لم تجبه قال مالكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين فأخذ حديدة فبقر كل صنم في حافتيه ثم علق الفأس في عنق الصنم الأكبر ثم خرج فلما جاء القوم إلى طعامهم ونظروا إلى آلهتهم قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ( 2 ) قال أبو جعفر رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق ثم أقبل عليهم كما قال الله عز و جل ضربا باليمين ( 3 ) ثم جعل يكسرهن بفأس في يده حتى إذا بقي أعظم صنم منها ربط الفأس بيده ثم تركهن فلما رجع قومه رأوا ما صنع بأصنامهم فراعهم ذلك فأعظموه وقالوا من فعل بآلهتنا إنه لمن الظالمين ثم ذكروا فقالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم يعنون فتى يسبها ويعيبها ويستهزىء بها لم نسمع أحدا يقول ذلك غيره وهو الذي نظن هذا بها وبلغ ذلك نمرود وأشراف قومه فقالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون ( 4 ) أي ما يصنع به فكان جماعة من أهل التأويل منهم قتادة والسدي يقولون في ذلك لعلهم يشهدون عليه أنه هو الذي فعل ذلك وقالوا كرهوا أن يأخذوه بغير بينة رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال فلما أتى به فاجتمع له قومه عند ملكهم نمرود قالوا أانت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون ( 5 ) غضب من أن يعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر منها فكسرهن فارعووا ورجعوا عنه فيما ادعوا عليه من كسرهن إلى أنفسهم فيما بينهم فقالوا لقد ظلمناه وما نراه إلا كما قال ثم قالوا وعرفوا أنها لا تضر ولا تنفع ولا تبطش لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ( 6 ) أي لا يتكلمون فيخبرونا من صنع هذا بها وما تبطش بالأيدي فنصدقك يقول الله عز و جل ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون أي نكسوا على رؤوسهم في الحجة عليهم لإبراهيم حين جادلهم فقال عند ذلك إبراهيم حين ظهرت الحجة عليهم بقولهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ( 7 ) (1/145) ________________________________________ قال وحاجه قومه عند ذلك في الله جل ثناؤه يستوصفونه إياه ويخبرونه أن آلهتهم خير مما يعبد فقال أتحاجوني في الله وقد هدان إلى قوله فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ( 1 ) يضرب لهم الأمثال ويصرف لهم العبر ليعلموا أن الله هو أحق ان يخاف ويعبد مما يعبدون من دونه قال أبو جعفر ثم إن نمرود فيما يذكرون قال لإبراهيم أرأيت إلهك هذا الذي تعبد وتدعو إلى عبادته وتذكره من قدرته التي تعظمه بها على غيره ما هو قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت فقال نمرود فأنا أحيي وأميت فقال له إبراهيم كيف تحيي وتميت قال أخذ الرجلين قد استوجبا القتل في حكمي فأقتل أحدهما فأكون قد أمته وأعفو عن الآخر فأتركه فأكون قد أحييته فقال له إبراهيم عند ذلك فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ( 2 ) فعرف أنه كما يقول فبهت عند ذلك نمرود ولم يرجع إليه شيئا وعرف أنه لا يطيق ذلك يقول الله عز و جل فبهت الذي كفر ( 2 ) يعني وقعت عليه الحجة قال ثم إن نمرود وقومه أجمعوا في إبراهيم فقالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ( 3 ) حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن الحسن بن دينار عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال تلوت هذه الآية على عبدالله بن عمر فقال أتدري يا مجاهد من ا لذي أشار بتحريق إبراهيم عليه السلام بالنار قال قلت لا قال رجل من أعراب فارس قال قلت يا أبا عبدالرحمن وهل للفرس أعراب قال نعم الكرد هم أعراب فارس فرجل منهم هو الذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار حدثني يعقوب قال حدثنا ابن علية عن ليث عن مجاهد في قوله حرقوه وانصروا آلهتكم قال قالها رجل من أعراب فارس يعني الأكراد وحدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج قال أخبرني وهب بن سليمان عن شعيب الجبائي قال إن اسم الذي قال حرقوه هينون فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ثم رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال فأمر نمرود بجمع الحطب فجمعوا له صلاب الحطب من أصناف الخشب حتى أن كانت المرأة من قرية إبراهيم فيما يذكر لتنذر في بعض ما تطلب مما تحب أن تدرك لئن أصابته لتحطبن في نار إبراهيم التي يحرق بها احتسابا في دينها حتى إذا أرادوا أن يلقوه فيها قدموه وأشعلوا في كل ناحية من الحطب الذي جمعوا له حتى إذا اشتعلت النار واجتمعوا لقذفه فيها صاحت السماء والأرض وما فيها من الخلق إلا الثقلين فيما يذكرون إلى الله عز و جل صيحة واحدة أي ربنا إبراهيم ليس في أرضك أحد يعبدك غيره يحرق بالنار (1/146) ________________________________________ فيك فأذن لنا في نصرته فيذكرون والله أعلم أن الله عز و جل حين قالوا ذلك قال إن استغاث بشيء منكم أو دعاه فلينصره فقد أذنت له في ذلك فإن لم يدع غيري فأنا وليه فخلوا بيني وبينه فأنا أمنعه فلما ألقوه فيها قال يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ( 1 ) فكانت كما قال الله عز و جل وحدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي قال قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم ( 2 ) قال فحبسوه في بيت وجمعوا له حطبا حتى أن كانت المرأة لتمرض فتقول لئن عافاني الله لأجمعن حطبا لإبراهيم فلما جمعوا له وأكثروا من الحطب حتى أن كان الطير ليمر بها فيحترق من شدة وهجها وحرها فعمدوا إليه فرفعوه على رأس البنيان فرفع إبراهيم رأسه إلى السماء فقالت السماء والإرض والجبال والملائكة ربنا إبراهيم يحرق فيك فقال أنا أعلم به فإن دعاكم فأغيثوه وقال إبراهيم حين رفع رأسه إلى السماء اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض أحد يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل فقذفوه في النار فناداها فقال يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم وكان جبرئيل هو الذي ناداها وقال ابن عباس لو لم يتبع بردها سلاما لمات إبراهيم من بردها فلم تبق يومئذ نار في الأرض إلا طفئت ظنت أنها تعنى فلما طفئت النار نظروا إلى إبراهيم فإذا هو رجل آخر معه وإذا رأس إبراهيم في حجره يمسح عن وجهه العرق وذكر أن ذلك الرجل ملك الظل وأنزل الله نارا وانتفع بها بنو آدم فأخرجوا إبراهيم فأدخلوه على الملك ولم يكن قبل ذلك دخل عليه ثم رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال وبعث الله عز و جل ملك الظل في صورة إبراهيم فقعد فيها إلى جنبه يؤنسه فمكث نمرود أياما لا يشك إلا أن النار قد أكلت إبراهيم وفرغت منه ثم ركب فمر بها وهي تحرق ما جمعوا لها من الحطب فنظر إليها فرأى إبراهيم جالسا فيها إلى جنبه رجل مثله فرجع من مركبه ذلك فقال لقومه لقد رأيت إبراهيم حيا في النار ولقد شبه علي ابنوا لي سرحا يشرف بي على النار حتى أستثبت فبنوا له صرحا فأشرف عليه فأطلع منه إلى النار فرأى إبراهيم جالسا فيها ورأى الملك قاعدا إلى جنبه في مثل صورته فناداه نمرود يا إبراهيم كبير إلهك الذي بلغت قدرته وعزته أن حال بين ما أرى وبينك حتى لم تضرك يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها قال نعم قال هل تخشى إن أقمت فيها أن تضرك قال لا قال فقم واخرج منها فقام إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها فلما خرج إليه قال يا إبراهيم من الرجل الذي رأيت معك في مثل صورتك قاعدا إلى جنبك قال ذلك ملك الظل أرسله إلي ربي ليكون معي فيها ليؤنسني وجعلها علي بردا وسلاما فقال نمرود فيما حدثت يا إبراهيم إني مقرب إلى إلهك قربانا لما رأيت من عزته وقدرته ولما صنع بك حين أبيت إلا عبادته وتوحيده إني ذابح له أربعة آلاف بقرة فقال له إبراهيم إذا لا يقبل الله منك ما كنت على شيء من دينك هذا حتى تفارقه إلى ديني فقال يا إبراهيم لا أستطيع ترك ملكي ولكني سوف أذبحها له فذبحها نمرود ثم كف عن إبراهيم ومنعه الله عز و جل منه حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن مغيرة عن الحارث عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال إن (1/147) ________________________________________ أحسن شيء قاله أبو إبراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار وحده يرشح جبينه فقال عند ذلك نعم الرب ربك يا إبراهيم حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا معتمر بن سليمان التيمي عن بعض أصحابه قال جاء جبرئيل إلى إبراهيم عليه السلام وهو يوثق ويقمط ليلقى في النار قال يا إبراهيم ألك حاجة قال أما إليك فلا حدثني أحمد بن المقدام قال حدثني المعتمر قال سمسعت أبي قال حدثنا قتادة عن أبي سليمان قال ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه قال أبو جعفر رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال واستجاب لإبراهيم عليه السلام رجال من قومه حين رأوا ما صنع الله به على خوف من نمرود وملئهم فآمن له لوط وكان ابن أخيه وهو لوط بن هاران بن تارخ وهاران هو أخو إبراهيم وكان لهما أخ ثالث يقال له ناحور بن تارخ فهاران أبو لوط وناحور أبو بتويل بتويل أبو لابان وربقا ابنة بتويل امرأة إسحاق بن إبراهيم أم يعقوب وليا وراحيل زوجتا يعقوب ابنتا لابان وآمنت به سارة وهي ابنة عمه وهي سارة بنت هاران الأكبر عم إبراهيم وكانت لها أخت يقال لها ملكا امرأة ناحور وقد قيل إن سارة كانت ابنة ملك حران ذكر من قال ذلك حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي قال انطلق إبراهيم ولوط قبل الشأم فلقي إبراهيم سارة وهي ابنة ملك حران وقد طعنت على قومها في دينهم فتزوجها على ألا يغيرها ودعا إبراهيم أباه آزر إلى دينه فقال له يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا فأبى أبوه الإجابة إلى ما دعاه إليه ثم إن إبراهيم ومن كان معه من أصحابه الذين اتبعوا أمره أجمعوا لفراق قومهم فقالوا إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم أيها المعبودون من دون الله وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا أيها العابدون حتى تؤمنوا بالله وحده ( 1 ) ثم خرج إبراهيم مهاجرا إلى ربه وخرج معه لوط مهاجرا وتزوج سارة ابنة عمه فخرج بها معه يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه حتى نزل حران فمكث بها ما شاء الله أن يمكث ثم خرج منها مهاجرا حتى قدم مصر وبها فرعون من الفراعنة الأولى وكانت سارة من أحسن الناس فيما يقال وكانت لا تعصى إبراهيم شيئا وبذلك أكرمها الله عز و جل فلما وصفت لفرعون ووصف له حسنها وجمالها أرسل إلى إبراهيم فقال ما هذه المرأة التي معك قال هي أختي وتخوف إبراهيم إن قال هي امرأتي أن يقتله عنها فقال لإبراهيم زينها ثم أرسلها إلي حتى أنظر إليها فرجع إبراهيم إلى سارة وأمرها فتهيأت ثم أرسلها إليه فأقبلت حتى دخلت عليه فلما قعدت إليه تناولها بيده فيبست إلى صدره فلما رأى ذلك فرعون أعظم أمرها وقال ادعي الله أن يطلق عني فوالله لا أريبك ولأحسنن إليك قالت اللهم إن كان صادقا فأطلق يده فأطلق الله يده فردها إلى (1/148) ________________________________________ إبراهيم ووهب لها هاجر جارية كانت له قبطية حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة قال حدثني هشام عن محمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لم يكذب إبراهيم عليه السلام غير ثلاث ثنتين في ذات الله قوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وبينا هو يسير في أرض جبار من الجبابرة إذ نزل منزلا فأتى الجبار رجل فقال إن في أرضك أو قال ها هنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليه فجاء فقال ما هذه المرأة منك قال هي أختي قال اذهب فأرسل بها إلي فانطلق إلى سارة فقال إن هذا الجبار قد سألني عنك فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني عنده فإنك أختي في كتاب الله فإنه ليس في الأرض مسلم غيري وغيرك قال فانطلق بها وقام إبراهيم عليه السلام يصلي قال فلما دخلت عليه فرآها أهوى إليها وذهب يتناولها فأخذ أخذا شديدا فقال ادعي الله ولا أضرك فدعت له فأرسل فأهوى إليها فذهب يتناولها فأخذ أخذ شديدا فقال ادعي الله ولا أضرك فدعت له فأرسل ثم فعل ذلك الثالثة فأخذ فذكر مثل المرتين فأرسل قال فدعا أدنى حجابه فقال إنك لم تأتني بإنسان ولكنك أتيتني بشيطان أخرجها وأعطها هاجر فأخرجت وأعطيت هاجر فأقبلت بها فلما أحس إبراهيم بمجيئها انفتل من صلاته فقال مهيم فقالت كفى الله كيد الفاجر الكافر وأخدم هاجر قال محمد بن سيرين فكان أبو هريرة إذا حدث هذا الحديث يقول فتلك أمكم يا بني ماء السماء حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عن عبدالرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عبدالرحمن الأعرج عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لم يقل إبراهيم شيئا قط لم يكن إلا ثلاثا قوله إني سقيم لم يكن به سقم وقوله بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون وقوله لفرعون حين سأله عن سارة فقال من هذه المرأة معك قال أختي قال فما قال إبراهيم عليه السلام شيئا قط لم يكن إلا ذلك حدثني سعيد بن يحيى الأموي قال حدثني أبي قال حدثنا محمد بن إسحاق قال حدثنا أبو الزناد عن عبدالرحمن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يكذب إبراهيم في شيء قط إلا في ثلاث ثم ذكر نحوه حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة قال حدثني هشام عن محمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لم يكذب إبراهيم غير ثلاث ثنتين في ذات الله قوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وقوله في سارة هي أختي حدثني ابن حميد قال حدثنا جرير عن مغيرة عن المسيب بن رافع عن أبي هريرة قال ما كذب إبراهيم عليه السلام غير ثلاث كذبات قوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وإنما قاله موعظة وقوله حين سأله الملك فقال أختي لسارة وكانت امرأته حدثني يعقوب قال حدثني ابن علية عن أيوب عن محمد قال إن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات ثنتان في الله وواحدة في ذات نفسه وأما الثنتان فقوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وقصته في سارة وذكر قصتها وقصة الملك (1/149) ________________________________________ قال أبو جعفر رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال وكانت هاجر جارية ذات هيئة فوهبتها سارة لإبراهيم وقالت إني أراها امرأة وضيئة فخذها لعل الله يرزقك منها ولدا وكانت سارة قد منعت الولد فلا تلد لإبراهيم حتى أسنت وكان إبراهيم قد دعا الله أن يهب له من الصالحين وأخرت الدعوة حتى كبر إبراهيم وعقمت سارة ثم إن إبراهيم وقع على هاجر فولدت له إسماعيل عليهما السلام حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق عن الزهري عن عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا فتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق قال سألت الزهري ما الرحم التي ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم لهم قال كانت هاجر أم إسماعيل منهم فيزعمون والله أعلم أن سارة حزنت عند ذلك على ما فاتها من الولد حزنا شديدا وقد كان إبراهيم خرج من مصر إلى الشام وهاب ذلك الملك الذي كان بها وأشفق من شره حتى قدمها فنزل السبع من أرض فلسطين وهي برية الشام ونزل لوط بالمؤتفكة وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة وأقرب من ذلك فبعثه الله عز و جل نبيا وأقام إبراهيم فيما ذكر لي بالسبع فاحتفر به بئرا واتخذ به مسجدا فكان ما تلك البئر معينا طاهرا فكانت غنمه تردها ثم إن أهلها آذوه فيها ببعض الأذى فخرج منها حتى نزل بناحية من أرض فلسطين بين الرملة وإيليا ببلد يقال له قط أو قط فلما خرج من بين أظهرهم نضب الماء فذهب واتبعه أهل السبع حتى أدركوه وندموا على ما صنعوا وقالوا أخرجنا من بين أظهرنا رجلا صالحا فسألوه أن يرجع إليهم فقال ما أنا براجع إلى بلد أخرجت منه قالوا له فإن الماء الذي كنت تشرب منه ونشرب معك منه قد نضب فذهب فأعطاهم سبع أعنز من غنمه فقال اذهبوا بها معكم فإنكم لو قد أوردتموها البئر قد ظهر الماء حتى يكون معينا طاهرا كما كان فاشربوا منها فلا تغترفن منها امرأة حائض فخرجوا بالإعنز فلما وقفت على البئر ظهر إليها الماء فكانو يشربون منها وهي على ذلك حتى أتت امرأة طامث فاغترفت منها فنكص ماؤها إلى الذي هو عليه اليوم ثم ثبت قال وكان إبراهيم يضيف من نزل به وكان الله عز و جل قد أوسع عليه وبسط له في الرزق والمال والخدم فلما أراد الله عز و جل هلاك قوم لوط بعث إليه رسله يأمرونه بالخروج من بين أظهرهم وكانوا قد عملوا من الفاحشة ما لم يسبقهم به أحد من العالمين مع تكذبيبهم نبيهم وردهم عليه ما جاءهم به من النصيحة من ربهم وأمرت الرسل أن ينزلوا على إبراهيم وأن يبشروه وسارة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فلما نزلوا على إبراهيم وكان الضيف قد حبس عنه خمس عشرة ليلة حتى شق ذلك عليه فيما يذكرون لا يضيفه أحد ولا يأتيه فلما رآهم سر بهم رأى ضيفا لم يضفه مثلهم حسنا وجمالا فقال لا يخدم هؤلاء القوم أحد إلا أنا بيدي فخرج إلى أهله فجاء كما قال الله عز و جل بعجل سمين ( 1 ) قد حنذه والحناذ الإنضاج يقول الله جل ثناؤه جاء بعجل حنيذ ( 2 ) فقربه إليهم فأمسكوا أيديهم عنه فلما رأى (1/150) ________________________________________ أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة حين لم يأكلوا من طعامه قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته سارة قائمة فضحكت لما عرفت من أمر الله عز و جل ولما تعلم من قوم لوط فبشروها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ( 1 ) بابن وبابن ابن فقالت وصكت وجهها يقال ضربت على جبينها يا ويلتي أألد وأنا عجوز إلى قوله إنه حميد مجيد ( 2 ) وكانت سارة يومئذ فيما ذكر لي بعض أهل العلم ابنة تسعين سنة وإبراهيم ابن عشرين ومائة سنة فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى بإسحاق ويعقوب ولد من صلب إسحاق وأمن ما كان يخاف قال الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء ( 3 ) حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج قال أخبرني وهب بن سليمان عن شعيب الجبائي قال ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ستة عشرة سنة وذبح إسحاق وهو ابن سبع سنين وولدته سارة وهي ابنة تسعين سنة وكان مذبحه من بيت إيليا على ميلين فلما علمت سارة بما أراد بإسحاق مرضت يومين وماتت اليوم الثالث وقيل ماتت سارة وهي ابنة مائة وسبع وعشرين سنة حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي قال بعث الله الملائكة لتهلك قوم لوط فأقبلت تمشي في صورة رجال شباب حتى نزلوا على إبراهيم فتضيفوه فلما رآهم إبراهيم أجلهم فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فذبحه ثم شواه في الرضف وهو الحنيذ حين شواه وأتاهم فقعد معهم وقامت سارة تخدمهم فذلك حين يقول جل ثناؤه وامرأته قائمة وهو جالس ( 4 ) في قراءة ابن مسعود فلما قربه إليهم قال ألا تأكلون قالوا يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن قال فإن لهذا ثمنا قالوا وما ثمنه قال تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره فنظر جبرئيل إلى ميكائيل فقال حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا فلما رأى أيديهم لا تصل إليه يقول لا يأكلون نكرهم وأوجس منهم خيفة ( 5 ) فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحكت وقالت عجبا لأضيافنا هؤلاء إنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا (1/151 |
رد: مكتبتي
ذكر أمر بناء البيت
قال ثم إن الله عز و جل أمر إبراهيم بعد ما ولد له إسماعيل وإسحاق فيما ذكر ببناء بيت له يعبد فيه ويذكر فلم يدر إبراهيم في أي موضع يبني إذ لم يكن بين له ذلك فضاق بذلك ذرعا فقال بعض أهل العلم بعث الله إليه السكينة لتدله على موضع البيت فمضت به السكينة ومع إبراهيم هاجر زوجته وابنه إسماعيل وهو طفل صغير وقال بعضهم بل بعث الله إليه جبرئيل عليه السلام حتى دله على موضعه وبين له ما ينبغي أن يعمل ذكر من قال الذي بعثه الله إليه لذلك السكينة حدثنا هناد بن السري قال حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة أن رجلا قام إلى علي بن أبي طالب فقال ألا تخبرني عن البيت أهو أول بيت وضع في الأرض فقال لا ولكنه أول بيت وضع في البركة مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا وإن شئت أنبأتك كيف بني إن الله عز و جل أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتا في الأرض فضاق إبراهيم بذلك ذرعا فأرسل عز و جل السكينة وهي ريح خجوج ولها رأسان فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت إلى مكة فتطوت على موضع البيت كتطوي الحية وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة فبنى إبراهيم وبقي حجر فذهب الغلام يبني شيئا فقال إبراهيم أبغني حجرا كما آمرك فانطلق الغلام يلتمس له حجرا فأتاه به فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه فقال يا أبت من أتاك بهذا الحجر فقال أتاني به من لم يتكل على بنائك أتاني به جبرئيل من السماء فأتماه حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي عليه السلام قال لما أمر إبراهيم ببناء البيت خرج معه إسماعيل وهاجر فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس فكلمه وقال يا إبراهيم ابن على ظلي أو على قدري ولا تزد ولا تنقص فلما بنى خرج وخلف إسماعيل وهاجر فقالت هاجر يا إبراهيم إلى من تكلنا قال إلى الله قالت انطلق فإنه لا يضيعنا قال فعطش إسماعيل عطشا شديدا فصعدت هاجر إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئا ثم أتت المروة فنظرت فلم تر شيئا ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئا حتى فعلت ذلك سبع مرات فقالت يا إسماعيل مت حيث لا أراك فأتته وهو يفحص برجله من العطش فناداها جبرائيل فقال من أنت قالت أنا هاجر أم ولد إبراهيم قال إلى من وكلكما قالت وكلنا إلى (1/152) ________________________________________ الله قال وكلكما إلى كاف قال ففحص الغلام الأرض بإصبعه فنبعت زمزم فجعلت تحبس الماء فقال دعيه فإنها رواء حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي قال لما عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين انطلق إبراهيم حتى أتى مكة فقام هو وإسماعيل وأخذ المعاول لا يدريان أين البيت فبعث الله عز و جل ريحا يقال لها ريح الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس فذلك حين يقول عز و جل وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ( 1 ) وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان يقول لما أمر الله إبراهيم بعمارة البيت والأذان بالحج في الناس خرج من الشام ومعه ابنه إسماعيل وأم إسماعيل هاجر وبعث الله معه السكينة وهي ريح لها لسان تكلم به يغدو معها إبراهيم إذا غدت ويروح معها إذا راحت حتى انتهت به إلى مكة فلما أتت موضع البيت استدارت به ثم قالت لإبراهيم ابن علي ابن علي ابن علي فوضع إبراهيم الأساس ورفع البيت هو وإسماعيل حتى انتهيا إلى موضع الركن قال إبراهيم لإسماعيل يا بني ابغ لي حجرا أجعله علما للناس فجاءه بحجر فلم يرضه وقال ابغني غير هذا فذهب إسماعيل ليلتمس له حجرا فجاءه وقد أتي بالر كن فوضعه في موضعه فقال يا أبت من جاءك بهذا الحجر قال من لم يكلني إليك يا بني وقال آخرون إن الذي خرج مع إبراهيم من الشام لدلالته على موضع البيت جبرئيل عليه السلام وقالوا كان إخراجه هاجر وإسماعيل إلى مكة لما كان من غيرة سارة بسبب ولادة هاجر منه إسماعيل ذكر من قال ذلك حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي بالإسناد الذي قد ذكرناه أن سارة قالت لإبراهيم تسر هاجر فقد أذنت تك فوطئها فحملت بإسماعيل ثم إنه وقع على سارة فحملت بإسحاق فلما ولدته وكبر اقتتل هو وإسماعيل فغضبت سارة على أم إسماعيل وغارت عليها فأخرجتها ثم إنها دعتها فأدخلتها ثم غضبت أيضا فأخرجتها ثم أدخلتها وحلفت لنقطعن منها بضعة فقالت أقطع أنفها أقطع أذنها فيشينها ذلك ثم قالت لا بل أخفضها فقطعت ذلك منها فاتخذت هاجر عند ذلك ذيلا تعفي به عن الدم فلذلك خفضت النساء واتخذت ذيولا ثم قالت لا تساكني في بلد وأوحى الله إلى إبراهيم أن يأتي مكة وليس يومئذ بمكة بيت فذهب بها إلى مكة وابنها فوضعهما وقالت له هاجر إلى من تركتنا ها هنا ثم ذكر خبرها وخبر ابنها حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال حدثنا عبدالله بن أبي نجيح عن مجاهد وغيره من أهل العلم أن الله عز و جل لما بوأ لإبراهيم مكان البيت ومعالم الحرم فخرج وخرج معه جبرئيل (1/153) ________________________________________ يقال كان لا يمر بقرية إلا قال بهذه أمرت يا جبرئيل فيقول جبرئيل امضه حتى قدم به مكة وهي إذ ذاك عصاه سلم وسمر وبها أناس يقال لهم العماليق خارج مكة وما حولها والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة فقال إبراهيم لجبرئيل أها هنا أمرت أن أضعهما قال نعم فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشا فقال ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم إلى لعلهم يشكرون ( 1 ) ثم انصرف إلى أهله بالشام وتركهما عند البيت قال فظمىء إسماعيل ظمأ شديدا فالتمست له أمه ماء فلم تجده فاستسمعت هل تسمع صوتا لتلتمس له شرابا فسمعت كالصوت عند الصفا فأقبلت حتى قامت عليه فلم تر شيئا ثم سمعت صوتا نحو المروة فأقبلت حتى قامت عليه فلم تر شيئا ويقال بل قامت على الصفا تدعو الله وتستغيثه لإسماعيل ثم عمدت إلى المروة ففعلت ذلك ثم إنها سمعت أصوات سباع الوادي نحو إسماعيل حيث تركته فأقبلت إليه تشتد فوجدته يفحص الماء بيده من عين قد انفجرت من تحت يده فشرب منها وجاءتها أم إسماعيل فجعلتها حسيا ثم استقت منها في قربتها تذخره لإسماعيل فلولا الذي فعلت ما زالت زمزم معينا طاهرا ماؤها أبدا قال مجاهد ولم نزل نسمع أن زمزم هزمة جبرئيل بعقبه لإسماعيل حين ظمىء حدثني يعقوب بن إبراهيم والحسن بن محمد قالا حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب قال نبئت عن سعيد بن جبير أنه حدث عن ابن عباس أن أول من سعى بين الصفا والمروة لإم إسماعيل وأن اول من أحدث من نساء العرب جر الذيول لأم إسماعيل قال لما فرت من سارة أرخت ذيلها لتعفي أثرها فجاء بها إبراهيم ومعها إسماعيل حتى انتهى بهما إلى موضع البيت فوضعهما ثم رجع فاتبعته فقالت إلى أي شيء تكلنا إلى طعام تكلنا إلى شراب تكلنا لا يرد عليها شيئا فقالت ألله أمرك بهذا قال نعم قالت إذا لا يضيعنا قال فرجعت ومضى حتى إذا استوى على ثنية كداء أقبل على الوادي فقال ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم الآية قال ومع الإنسانة شنة فيها ماء فنفذ الماء فعطشت فانقطع لبنها فعطش الصبي فنظرت أي الجبال أدنى إلى الأرض فصعدت ا لصفا فتسمعت هل تسمع صوتا أو ترى أنيسا فلم تسمع شيئا فانحدرت فلما أتت على الوادي سعت وما تريد السعي كالإنسان المجهود الذي يسعى وما يريد السعي فنظرت أي الجبال أدنى إلى الأرض فصعدت المروة فتسمعت هل تسمع صوتا أو ترى أنيسا فسمعت صوتا فقالت كالإنسان الذي يكذب سمعه صه حتى استيقنت فقالت قد أسمعتني صوتك فأغثني فقد هلكت وهلك من معي فجاء الملك بها حتى انتهى بها إلى موضع زمزم فضرب بقدمه ففارت عينا فعجلت الإنسانة تفرغ في شنتها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم رحم الله أم إسماعيل لولا أنها عجلت لكانت زمزم عينا معينا وقال لها الملك لا تخافي الظمأ على أهل هذا البلد فإنها عين يشرب ضيفان الله منها وقال إن أبا هذا الغلام سيجيء فيبنيان لله بيتا هذا موضعه قال ومرت رفقة من جرهم تريد الشام فرأوا الطير على الجبل فقالوا إن هذا الطير لعائف على ماء فهل علمتم بهذا الوادي من ماء فقالوا لا فأشرفوا فإذا هم بالإنسانة فأتوها فطلبوا إليها أن ينزلوا معها (1/154) ________________________________________ فأذنت لهم قال وأتى عليها ما يأتي على هؤلاء الناس من الموت فماتت وتزوج إسماعيل امرأة منهم فجاء إبراهيم فسأل عن منزل إسماعيل حتى دل عليه فلم يجده ووجد امرأة له فظة غليظة فقال لها إذا جاء زوجك فقولي له جاء ها هنا شيخ من صفته كذا وكذا وأنه يقول لك إني لا أرضى لك عتبة بابك فحولها وانطلق فلما جاء إسماعيل أخبرته فقال ذلك أبي وأنت عتبة بابي فطلقها وتزوج امرأة أخرى منهم وجاء إبراهيم حتى انتهى إلى منزل إسماعيل فلم ويجده ووجد امرأة له سهلة طليقة فقال لها أين انطلق زوجك فقالت انطلق إلى الصيد قال فما طعامكم قالت اللحم والماء قال اللهم بارك لهم في لحمهم ومائهم ثلاثا وقال لها إذا جاء زوجك فأخبريه قولي له جاء ها هنا شيخ من صفته كذا وكذا وإنه يقول لك قد رضيت لك عتبة بابك فأثبتها فلما جاء إسماعيل أخبرته قال ثم جاء الثالثة فرفعا القواعد من البيت حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا يحيى بن عباد قال حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال جاء إبراهيم نبي الله بإسماعيل وهاجر فوضعهما بمكة في موضع زمزم فلما مضى نادته هاجر يا إبراهيم إنما أسألك ثلاث مرات من أمرك أن تضعني بأرض ليس فيها زرع ولا ضرع ولا أنيس ولا ماء ولا زاد قال ربي أمرني قالت فإنه لن يضيعنا قال فلما قفا إبراهيم قال ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن يعني من الحزن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء ( 1 ) فلما ظمىء إسماعيل جعل يدحص الأرض بعقبه فذهبت هاجر حتى علت الصفا والوادي يومئذ لاخ يعني عمبق فصعدت الصفا فأشرفت لتنظر هل ترى شيئا فلم تر شيئا فانحدرت فبلغت الوادي فسعت فيه حتى خرجت منه فأتت المروة فصعدت فاستشرفت هل ترى شيئا فلم تر شيئا ففعلت ذلك سبع مرات ثم جاءت من المروة إلى إسماعيل وهو يدحص الأرض بعقبه وقد نبعت العين وهي زمزم فجعلت تفحص الأرض بيدها عن الماء وكلما اجتمع ماء أخذته بقدحها فأفرغته في سقائها قال فقال النبي صلى الله عليه و سلم يرحمها الله لو تركتها لكانت عينا سائحة تجري إلى يوم القيامة قال وكانت جرهم يومئذ بواد قريب من مكة قال ولزمت الطير الوادي حين رأت الماء فلما رأت جرهم الطير لزمت الوادي قالوا ما لزمته إلا وفيه ماء فجاؤوا إلى هاجر فقالوا لو شئت كنا معك وآنسناك والماء ماؤك قالت نعم فكانوا معها حتى شب إسماعيل وماتت هاجر فتزوج إسماعيل امرأة من جرهم قال فاستأذن إبراهيم سارة أن يأتي هاجر فأذنت له وشرطت عليه ألا ينزل وقدم إبراهيم وقد ماتت هاجر إلى بيت إسماعيل فقال لامرأته أين صاحبك قالت ليس ها هنا ذهب يتصيد وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيتصيد ثم يرجع فقال إبراهيم هل عندك ضيافة هل عندك طعام أو شراب قالت ليس عندي وما عندي أحد قال إبراهيم إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له فليغير عتبة بابه وذهب إبراهيم وجاء إسماعيل فوجد ريح أبيه فقال لامرأته هل جاءك أحد قالت جاءني شيخ صفته كذا وكذا كالمستخفة بشأنه قال فما قال لك قالت قال لي أقرئي زوجك السلام وقولي له فليغير عتبة بابه فطلقها وتزوج أخرى فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيل فأذنت له واشترطت عليه ألا ينزل فجاء إبراهيم حتى انتهى إلى باب إسماعيل فقال لامرأته أين صاحبك قالت (1/155) ________________________________________ ذهب يتصيد وهو يجيء الآن إن شاء الله فانزل يرحمك الله قال لها هل عندك ضيافة قالت نعم قال هل عندك خبز أو بر أو شعير أو تمر قال فجاءت باللبن واللحم فدعا لهما بالبركة فلو جاءت يومئذ بخبز أو بر أو شعير أو تمر لكانت أكثر أرض الله برا وشعيرا وتمرا فقالت انزل حتى أغسل رأسك فلم ينزل فجاءته بالمقام فوضعته عن شقه الأيمن فوضع قدمه عليه فبقي أثر قدمه عليه فغسلت شق رأسه الأيمن ثم حولت المقام إلى شقه الأيسر فقال لها إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له قد استقامت عتبة بابك فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه فقال لامرأته هل جاءك أحد قالت نعم شيخ أحسن الناس وجها وأطيبهم ريحا فقال لي كذا وكذا وقلت له كذا وكذا وغسلت رأسه وهذا موضع قدميه على المقام قال وما قال لك قالت قال لي إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له قد استقامت عتبة بابك قال ذلك إبراهيم فلبث ما شاء الله أن يلبث وأمره الله عز و جل ببناء البيت فبناه هو وإسماعيل فلما بنياه قيل وأذن في الناس بالحج ( 1 ) فجعل لا يمر بقوم إلا قال يا أيها الناس إنه قد بني لكم بيت فحجوه فجعل لا يسمعه أحد لا صخرة ولا شجرة ولا شيء إلا قال لبيك اللهم لبيك قال وكان بين قوله ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم وبين قوله الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ( 2 ) كذا وكذا عاما لم يحفظ عطاء حدثني محمد بن سنان قال حدثنا عبيد الله بن عبدالمجيد أبو علي الحنفي قال أخبرنا إبراهيم بن نافع قال سمعت كثير بن كثير يحدث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال جاء يعني إبراهيم فوجد إسماعيل يصلح نبلا له من وراء زمزم فقال إبراهيم يا إسماعيل إن ربك قد أمرني أن أبني له بيتا فقال له إسماعيل فأطع ربك فيما أمرك فقال إبراهيم قد أمرك أن تعينني عليه قال إذا أفعل قال فقام معه فجعل إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ( 3 ) فلما ارتفع البنيان وضعف الشيخ عن رفع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم فجعل يناوله ويقولان تقبل منا إنك أنت السميع العليم ( 4 ) فلما فرغ إبراهيم من بناء البيت الذي أمره الله عز و جل ببنائه أمره الله أن يؤذن ي الناس بالحج فقال له وإذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ( 4 ) فقال إبراهيم فيما ذكر لنا ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا جرير عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له إذن في الناس بالحج قال يا رب وما يبلغ صوتي قال أذن وعلي البلاغ فنادى إبراهيم يأيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق قال فسمعه ما بين السماء والأرض أفلا ترى الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون حدثنا الحسن بن عرفة قال حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان الضبي عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما بنى إبراهيم البيت أوحى الله عز و جل إليه أن أذن في الناس بالحج قال فقال إبراهيم ألا إن ربكم قد اتخذ بيتا وأمركم أن تحجوه فاستجاب له ما سمعه من شيء من حجر أو (1/156) ________________________________________ شجر أو أكمة أو تراب أو شيء لبيك اللهم لبيك حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا الحسين بن واقد عن أبي الزبير عن مجاهد عن ابن عباس قوله وأذن في الناس بالحج قال قام إبراهيم عليه السلام خليل الله على الحجر فنادى يأيها الناس كتب عليكم الحج فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء فأجابه من آمن ممن سبق في علم الله أن يحج إلى يوم القيامة لبيك اللهم لبيك حدثنا ابن بشار حدثنا عبدالرحمن قال حدثنا سفيان عن سلمة عن مجاهد قال قيل لإبراهيم أذن في الناس بالحج فقال يا رب كيف أقول قال قل لبيك اللهم لبيك قال فكانت أول التلبية حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن عمر بن عبدالله بن عروة أن عبدالله بن الزبير قال لعبيد بن عمير الليثي كيف بلغك أن إبراهيم دعا إلى الحج قال بلغني أنه لما رفع هو وإسماعيل قواعد البيت وانتهى إلى ما أراد الله من ذلك وحضر الحج استقبل اليمن فدعا إلى الله وإلى حج بيته فأجيب أن لبيك اللهم لبيك ثم استقبل المشرق فدعا إلى الله وإلى حج بيته فأجيب أن لبيك اللهم ثم إلى المغرب فدعا إلى الله وإلى حج بيته فأجيب أن لبيك اللهم لبيك ثم إلى الشام فدعا إلى الله عز و جل وإلى حج بيته فأجيب أن لبيك اللهم لبيك ثم خرج بإسماعيل وهو معه يوم التروية فنزل به منى ومن معه من ا لمسلمين فصلى بهم الظهر والعصر والمغر ب والعشاء الآخرة ثم بات بهم حتى أصبح فصلى بهم صلاة الفجر ثم غدا بهم إلى عرفة فقال بهم هنالك حتى إذا مالت الشمس جمع بين الصلاتين الظهر والعصر ثم راح بهم إلى الموقف من عرفة فوقف بهم على الأراك وهو الموقف من عرفة الذي يقف عليه الإمام يريه ويعلمه فلما غربت الشمس دفع به وبمن معه حتى أتى المزدلفة فجمع فيها بين الصلاتين المغرب والعشاء الآخرة ثم بات بها وبمن معه حتى إذا طلع الفجر صلى بهم صلاة الغداة ثم وقف به على قزح من المزدلفة فيمن معه وهو الموقف الذي يقف به الإمام حتى إذا أسفر دفع به وبمن معه يريه ويعلمه كيف يصنع حتى رمى الجمرة الكبرى وأراه المنحر من منى ثم نحر وحلق ثم أفاض به من منى ليريه كيف يطوف ثم عاد به إلى منى ليريه كيف يرمي الجمار حتى فرغ له من الحج وأذن به في الناس قال أبو جعفر وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وعن بعض أصحابه أن جبرئيل هو الذي كان يري إبراهيم المناسك إذا حج ذكر الرواية بذلك عن رسول الله حدثنا أبو كريب قال حدثنا عبيد الله بن موسى وحدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي قال حدثنا عبيد الله بن موسى قال أخبرنا ابن أبي ليلى عن ابن أبي مليكة عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه و سلم قال أتى جبرئيل إبراهيم يوم التروية فراح به إلى منى فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر يمنى ثم غدا به إلى عرفات فأنزله الأراك أو حيث ينزل الناس فصلى به الصلاتين جميعا الظهر والعصر ثم وقف به حتى إذا كان كأعجل ما يصلي أحد من الناس المغرب أفاض حتى أتى به جميعا فصلى به الصلاتين جمعا المغرب والعشاء ثم أقام حتى إذا كان كأعجل ما يصلي أحد من الناس الفجر صلى به ثم وقف حتى إذا (1/157) ________________________________________ كان كأبطأ ما يصلي أحد من المسلمين الفجر أفاض به إلى منى فرمى الجمرة ثم ذبح وحلق ثم أفاض إلى البيت ثم أوحى الله عز و جل إلى محمد صلى الله عليه و سلم أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ( 1 ) حدثنا أبو كريب قال حدثنا عمران بن محمد بن أبي ليلى قال حدثني أبي عن عبدالله بن أبي مليكة عن عبدالله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه و سلم نحوه ثم إن الله تعالى ذكره ابتلى خليله إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه واختلف السلف من علماء أمة نبينا صلى الله عليه و سلم في الذي أمر إبراهيم بذبحه من ابنيه فقال بعضهم هو إسحاق بن إبراهيم وقال بعضهم هو إسماعيل بن إبراهيم وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم كلا القولين لو كان فيهما صحيح لم نعده إلى غيره غير أن الدليل من القرآن على صحة الرواية التي رويت عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال هو اسحاق أوضح وأبين منه على صحة الأخرى والرواية التي رويت عنه أنه قال هو إسحاق حدثنا بها أبو كريب قال حدثنا زيد بن الحباب عن الحسن بن دينار عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه و سلم في حديث ذكر فيه وفديناه بذبح عظيم ( 2 ) قال هو إسحاق وقد روي هذا الخبر عن غيره من وجه أصلح من هذا الوجه غير أنه موقوف على العباس غير مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن مبارك عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب وفديناه بذبح عظيم قال هو إسحاق وأما الرواية التي رويت عنه أنه هو إسماعيل فما حدثنا محمد بن عمار الرازي قال حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة قال حدثنا عمر بن عبدالرحيم الخطابي عن عبدالله بن محمد العتبي من ولد عتبة بن أبي سفيان عن أبيه قال حدثني عبدالله بن سعيد عن الصنابحي قال كنا عند معاوية بن أبي سفيان فذكروا الذبيح إسماعيل أو إسحاق فقال على الخبير سقطتم كنا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم فجاءه رجل فقال يار سول الله عد علي مما أفاء الله عليك يا بن الذبيحين فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم فقيل له وما الذبيحان يا رسول الله فقال ( إن عبدالمطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده ) قال فخرج السهم على عبدالله فمنعه أخواله وقالوا افد ابنك بمائة من الإبل ففداه بمائة من الإبل وإسماعيل الثاني ونذكر الآن من قال من السلف إنه إسحاق ومن قال إنه إسماعيل ذكر من قال هو إسحاق (1/158) ________________________________________ حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن مبارك عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب وفديناه بذبح عظيم قال هو إسحاق حدثنا الحسين بن يزيد الطحان قال حدثنا ابن إدريس عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال الذي أمر بذبحه إبراهيم هو إسحاق حدثني يعقوب قال حدثنا ابن علية عن داود عن عكرمة قال قال ابن عباس الذبيح هو إسحاق حدثنا ابن المثنى قال حدثنا ابن أبي عدي عن داود عن عكرمة عن ابن عباس وفديناه بذبح عظيم قال هو إسحاق حدثنا ابن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص قال افتخر رجل عند ابن مسعود فقال انا فلان ابن فلان ابن الأشياخ الكرام فقال عبدالله ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله حدثنا ابن حميد قال حدثنا إبراهيم بن المختار قال حدثنا محمد بن إسحاق عن عبدالرحمن بن أبي بكر عن الزهري عن العلاء بن جارية الثقفي عن أبي هريرة عن كعب في قوله وفديناه بذبح عظيم قال من ابنه إسحاق حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر عن محمد بن مسلم الزهري عن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي حليف بني زهرة عن أبي هريرة عن كعب الأحبار أن الذي أمر بذبحه إبراهيم من ابنيه إسحاق حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب أن عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي أخبره أن كعبا قال لأبي هريرة ألا أخبرك عن إسحاق بن إبراهيم النبي قال أبو هريرة بلى قال كعب لما أري إبراهيم ذبح إسحاق قال الشيطان والله لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لا أفتن أحدا منهم أبدا فتمثل الشيطان لهم رجلا يعرفونه فأقبل حتى إذا خرج إبراهيم بإسحاق ليذبحه دخل على سارة امرأة إبراهيم فقال لها أين أصبح إبراهيم غاديا بإسحاق قالت غدا لبعض حاجته قال الشيطان لا والله ما لذلك غدا به قالت سارة فلم غدا به قال غدا به ليذبحه قالت سارة ليس من ذلك شيء لم يكن ليذبح ابنه قال الشيطان بلى والله قالت سارة فلم يذبحه قال زعم أن ربه أمره بذلك قالت سارة فهذا حسن بأن يطيع ربه إن كان أمره بذلك فخرج الشيطان من عند سارة حتى أدرك إسحاق وهو يمشي على أثر أبيه فقال له أين أصبح أبوك غاديا بك قال غدا بي لبعض حاجته قال الشيطان لا والله ما غدا بك لبعض حاجته ولكنه غدا بك ليذبحك قال إسحاق ما كان أبي ليذبحني قال بلى قال لم قال زعم أن ربه أمره بذلك قال إسحاق فوالله لئن أمره بذلك ليطيعنه فتركه الشيطان وأسرع إلى إبراهيم فقال أين أصبحت غاديا بابنك قال غدوت به لبعض حاجتي قال أما والله ما غدوت به إلا لتذبحه قال لم أذبحه قال زعمت أن ربك أمرك بذلك قال فوالله لئن كان أمرني ربي (1/159) ________________________________________ لأفعلن قال فلما أخذ إبراهيم إسحاق ليذبحه وسلم إسحاق أعفاه الله وفداه بذبح عظيم قال إبراهيم لإسحاق قم أي بني فإن الله قد أعفاك فأوحى الله إلى إسحاق إني أعطيك دعوة أستجيب لك فيها قال إسحاق اللهم فإني أدعوك أن تستجيب لي أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بي شيئا فأدخله الجنة حدثني عمرو بن علي قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم عن عبدالله بن عبيد بن عمير عن أبيه قال قال موسى يا رب يقولون يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب فيم قالوا ذلك قال إن إبراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلا اختارني عليه وإن إسحاق جاد لي بالذبح وهو بغير ذلك أجود وإن يعقوب كلما زدته بلاء زادني حسن ظن حدثنا ابن بشار قال حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم عن عبدالله بن عبيد بن عمير عن أبيه قال قال موسى أي رب بم أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما أعطيتهم فذكر نحوه حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن إسرائيل عن جابر عن ابن سابط قال هو إسحاق حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن سفيان عن أبي سنان الشيباني عن ابن أبي الهذيل قال الذبيح هو إسحاق حدثنا أبو كريب قال حدثنا سفيان بن عقبة عن حمزة الزيات عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال قال يوسف للملك في وجهه ترغب أن تأكل معي وأنا والله يوسف بن يعقوب نبي الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي سنان عن ابن أبي الهذيل قال قال يوسف للملك فذكر نحوه حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم أن إبراهيم عليه السلام أري في المنام فقيل له أوف نذرك الذي نذرت إن رزقك الله غلاما من سارة أن تذبحه حدثني يعقوب قال حدثنا هشيم قال حدثنا زكرياء وشعبة عن أبي إسحاق عن مسروق في قوله وفديناه بذبح عظيم قال هو إسحاق ذكر من قال هو إسماعيل حدثنا أبو كريب وإسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال حدثنا يحيى بن يمان عن إسرائيل عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر قال الذبيح إسماعيل حدثنا ابن بشار قال حدثنا يحيى قال حدثنا سفيان قال حدثنا بيان عن الشعبي عن ابن عباس وفديناه بذبح عظيم قال إسماعيل (1/160) ________________________________________ حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا أبو حمزة محمد بن ميمون السكري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال إن الذي أمر بذبحه إبراهيم إسماعيل حدثني يعقوب قال حدثنا هشيم عن علي بن زيد عن عمار مولى بني هاشم وعن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال هو إسماعيل يعني وفديناه بذبح عظيم حدثني يعقوب قال حدثنا ابن علية قال حدثنا داود عن الشعبي قال قال ابن عباس هو إسماعيل وحدثني به يعقوب مرة أخرى قال حدثنا ابن علية قال سئل داود بن أبي هند أي ابني إبراهيم أمر بذبحه فزعم أن الشعبي قال قال ابن عباس هو إسماعيل حدثنا ابن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن بيان عن الشعبي عن ابن عباس أنه قال في الذي فداه الله بذبح عظيم قال هو إسماعيل حدثنا يعقوب قال حدثنا ابن علية قال حدثنا ليث عن مجاهد عن ابن عباس قوله وفديناه بذبح عظيم قال هو إسماعيل وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني عمر بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن عبدالله بن عباس أنه قال المفدى إسماعيل وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود وحدثني محمد بن سنان القزاز قال حدثنا أبو عاصم عن مبارك عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس الذي فداه الله عز و جل قال هو إسماعيل حدثني محمد بن سنان قال حدثنا حجاج عن حماد عن أبي عاصم الغنوي عن أبي الطفيل عن ابن عباس مثله حدثني إسحاق بن شاهين قال حدثني خالد بن عبدالله عن داود عن عامر قال الذي أراد إبراهيم ذبحه إسماعيل حدثنا ابن المثنى قال حدثني عبدالأعلى قال حدثنا داود عن عامر أنه قال في هذه الآية وفديناه بذبح عظيم قال هو إسماعيل قال وكان قرنا الكبش منوطين بالكعبة حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن إسرائيل عن جابر عن الشعبي قال الذبيح إسماعيل حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن إسرائيل عن جابر عن الشعبي قال رأيت قرني الكبش في الكعبة حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن مبارك بن فضالة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران قال هو إسماعيل حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان قال حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال هو إسماعيل (1/161) ________________________________________ حدثني يعقوب قال حدثنا هشيم قال أخبرنا عوف عن الحسن وفديناه بذبح عظيم قال هو إسماعيل حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال سمعت محمد بن كعب القرظي وهو يقول إن الذي أمر الله عز و جل إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل وإنا لنجد ذلك في كتاب الله عز و جل في قصة الخبر عن إبراهيم وما أمر به من ذبح ابنه أنه إسماعيل وذلك أن الله عز و جل يقول حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ( 1 ) ويقول فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ( 2 ) يقول بابن وابن ابن فلم يكن يأمره بذبح إسحاق وله فيه من الله من الموعود ما وعده وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عن بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي أنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبدالعزيز وهو خليفة إذ كان معه بالشأم فقال له عمر إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه وإني لأراه كما قلت ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام كان يهوديا فأسلم فحسن إسلامه وكان يرى أنه من علماء اليهود فسأله عمر بن عبدالعزيز عن ذلك قال محمد بن كعب القرظي وأنا عند عمر بن عبدالعزيز فقال له عمر أي ابني إبراهيم أمر بذبحه فقال إسماعيل والله يا أمير المؤمنين إن يهود لتعلم بذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه والفضل الذي ذكره الله منه لصبره على ما أمر به فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق لأن إسحاق أبوهم حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن الحسن بن دينار وعمرو بن عبيد عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه كان لا يشك في ذلك أن الذي أمر بذبحه من ابني إبراهيم إسماعيل حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق سمعت محمد بن كعب القرظي يقول ذلك كثيرا وأما الدلالة من القرآن التي قلنا إنها على أن ذلك إسحاق أصح فقوله تعالى مخبرا عن دعاء خليله إبراهيم حين فارق قومه مهاجرا إلى ربه إلى الشام مع زوجته سارة فقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين ( 3 ) وذلك قبل أن يعرف هاجر وقبل أن تصير له أم إسماعيل ثم أتبع ذلك ربنا عز و جل الخبر عن إجابته دعاءه وتبشيره إياه بغلام حليم ثم عن رؤيا إبراهيم أنه يذبح ذلك الغلام حين بلغ معه السعي ولا يعلم في كتاب ذكر لتبشير إبراهيم بولد ذكر إلا بإسحاق وذلك قوله وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ( 4 ) وقوله فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم ( 5 ) ثم ذلك كذلك في كل (1/162) ________________________________________ موضع ذكر فيه تبشير إبراهيم بغلام فإنما ذكر تبشير الله إياه به من زوجته سارة فالواجب أن يكون ذلك في قوله فبشرناه بغلام حليم ( 1 ) نظير ما في سائر سور القرآن من تبشيره إياه به من زوجته سارة وأما اعتلال من اعتل بأن الله لم يكن يأمر إبراهيم بذبح إسحاق وقد أتته البشارة من الله قبل ولادته وولادة يعقوب منه من بعده فإنها علة غير موجبة صحة ما قال وذلك أن الله إنما أمر إبراهيم بذبح إسحاق بعد إدراك إسحاق السعي وجائز أن يكون يعقوب ولد له قبل أن يؤمر أبوه بذبحه وكذلك لا وجه لاعتلال من اعتل في ذلك بقرن الكبش أنه رآه معلقا في الكعبة وذلك أنه غير مستحيل أن يكون حمل من الشام إلى الكعبة فعلق هنالك (1/163) |
رد: مكتبتي
ذكر الخبر عن صفة فعل إبراهيم وابنه
الذي أمر بذبحه فيما كان أمر به من ذلك والسبب الذي من أجله أمر إبراهيم بذبحه والسبب في أمر الله عز و جل بذبح ابنه الذي أمره بذبحه فيما ذكر أنه إذا فارق قومه هاربا بدينه مهاجرا إلى ربه متوجها إلى الشام من أرض العراق دعا الله أن يهب له ولدا ذكرا صالحا من سارة فقال رب هب لي من الصالحين يعني بذلك ولدا صالحا من الصالحين كما أخبر الله تعالى عنه فقال وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فلما نزل به أضيافه من الملائكة الذين كانوا أرسلوا إلى المؤتفكة قوم لوط بشروه بغلام حليم عن أمر الله تعالى إياهم بتبشيره فقال إبراهيم إذ بشر به هو إذا لله ذبيح فلما ولد الغلام وبلغ السعي قيل له أوف بنذرك الذي نذرت لله ذكر من قال ذلك حدثني موسى بن هارون قال حدثني عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن ابي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن عبدالله وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قال قال جبرئيل عليه السلام لسارة أبشري بولد اسمه إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فضربت جبينها عجبا فذلك قوله فصكت وجهها ( 1 ) وقالت أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ( 2 ) قالت سارة لجبرائيل ما آية ذلك فأخذ بيده عودا يابسا فلواه بين أصابعه فاهتز أخضر فقال إبراهيم هو إذا لله ذبيح فلما كبر إسحاق أتي إبراهيم في النوم فقيل له أوف بنذرك الذي نذرت إن رزقك الله غلاما من سارة أن تذبحه فقال لإسحاق انطلق فقرب قربانا إلى الله وأخذ سكينا وحبلا ثم انطلق معه حتى إذا ذهب به بين الجبال قال له الغلام يا أبت أين قربانك قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين قال له إسحاق اشدد رباطي حتى لا أضطرب واكفف عن ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي شيء فتراه سارة فتحزن وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون للموت علي وإذا أتيت سارة فاقرأ عليها السلام فأقبل عليه إبراهيم عليه السلام يقبله وقد ربطه وهو يبكي وإسحاق يبكي حتى استنقع الدموع تحت خد إسحاق ثم إنه جر السكين على حلقه (1/164) ________________________________________ فلم يحك السكين وضرب الله عز و جل صفيحة من نحاس على حلق إسحاق فلما رأى ذلك ضرب به على جبينه وحز في قفاه قوله عز و جل فلما أسلما وتله للجبين ( 1 ) يقول سلما لله الأمر فنودي يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا بالحق التفت فإذا بكبش فأخذه وخلى عن ابنه فأكب على ابنه يقبله وهو يقول يا بني اليوم وهبت لي فذلك قوله عز و جل وفديناه بذبح عظيم فرجع إلى سارة فأخبرها الخبر فجزعت سارة وقالت يا إبراهيم أردت أن تذبح ابني ولا تعلمني حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال كان إبراهيم فيما يقال إذا زارها يعني هاجر حمل على البراق يغدو من الشام فيقبل بمكة ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام حتى إذا بلغ معه السعي وأخذ بنفسه ورجاه لما كان يأمل فيه من عبادة ربه وتعظيم حرماته أرى في المنام أن يذبحه حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن إبراهيم حين أمر بذبح ابنه قال له يا بني خذ الحبل والمدية ثم انطلق بنا إلى هذا الشعب ليحطب أهلك منه قبل أن يذكر له شيئا مما أمر به فلما وجه إلى الشعب اعترضه عدو الله إبليس ليصده عن أمر الله في صورة رجل فقال اين تريد أيها الشيخ قال أريد هذا الشعب لحاجة لي فيه فقال والله إني لأرى الشيطان قد جاءك في منامك فأمرك بذبح بنيك هذا فأنت تريد ذبحه فعرفه إبراهيم فقال إليك عني أي عدو الله فوالله لأمضين لأمر ربي فيه فلما يئس عدو الله إبليس من إبراهيم اعترض إسماعيل وهو وراء إبراهيم يحمل الحبل والشفرة فقال له يا غلام هل تدري أين يذهب بك أبوك قال يحطب أهلنا من هذا الشعب قال والله ما يريد إلا أن يذبحك قال لم قال زعم أن ربه أمره بذلك قال فليفعل ما أمره به ربه فسمعا وطاعة فلما امتنع منه الغلام ذهب إلى هاجر أم إسماعيل وهي في منزلها فقال لها يا أم إسماعيل هل تدرين أين ذهب إبراهيم بإسماعيل قالت ذهب به يحطبنا من هذا الشعب قال ما ذهب به إلا ليذبحه قالت كلا هو أرحم به وأشد حبا له من ذلك قال إنه يزعم أن الله أمره بذلك قالت إن كان ربه أمره بذلك فتسليما لأمر الله فرجع عدو الله بغيظه لم يصب من آل إبراهيم شيئا مما أراد وقد امتنع منه إبراهيم وآل إبراهيم بعون الله وأجمعوا لأمر الله بالسمع والطاعة فلما خلا إبراهيم بابنه في الشعب وهو فيما يزعمون شعب ثبير قال له يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين قال ابن حميد قال سلمة قال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم إن إسماعيل قال له عند ذلك يا أبت إن أردت ذبحي فاشدد رباطي لا يصبك مني شيء فينقص أجري فإن الموت شديد وإني لا آمن أن اضطرب عنده إذا وجدت مسه واشحذ شفرتك حتى تجهز علي فتريحني وإذا أنت أضجعتني لتذبحني فكبني لوجهي على جبيني ولا تضجعني لشقي فإني أخشى إن أنت نظرت في وجهي أن تدركك رقة تحول بينك وبين أمر الله في وإن رأيت أن ترد قميصي على أمتي فإنه عسى أن يكون هذا أسلى لها عني فافعل قال يقول له إبراهيم نعم العون أنت يا بني على أمر الله قال فربطه كما أمره إسماعيل فأوثقه ثم شحذ شفرته ثم تله للجبين واتقى النظر في وجهه ثم أدخل الشفرة لحلقه فقلبها الله لقفاها في يده ثم اجتذبها إليه ليفرغ منه فنودي أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا هذه ذبيحتك فداء لابنك فاذبحها دونه يقول الله عز و جل فلما أسلما وتله (1/165) ________________________________________ للجبين وإنما تتل الذبائح على خدودها فكان مما صدق عندنا هذا الحديث عن إسماعيل في إشارته على أبيه بما أشار إذ قال كبني على وجهي قوله وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم ( 1 ) حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن الحسن بن دينار عن قتادة بن دعامة عن جعفر بن إياس عن عبدالله بن عباس قال خرج عليه كبش من الجنة قد رعاها قبل ذلك أربعين خريفا فأرسل إبراهيم ابنه فاتبع الكبش فأخرجه إلى الجمرة الأولى فرماه بسبع حصيات فأفلته عنده فجاء الجمرة الوسطى فأخرجه عندها فرماه بسبع حصيات ثم أفلته فأدركه عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات فأخرجه عندها ثم أخذه فأتى به المنحر من منى فذبحه فوالذي نفس ابن عباس بيده لقد كان أول الإسلام وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة وقد وخش يعني قد يبس حدثني محمد بن سنان القزاز قال حدثني حجاج عن حماد عن أبي عاصم الغنوي عن أبي الطفيل قال قال ابن عباس إن إبراهيم لما أمر بالمناسك عرض له الشيطان عند المسعى فسابقه فسبقه إبراهيم ثم ذهب به جبرئيل عليه السلام إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم تله للجبين وعلى إسماعيل قميص أبيض فقال له يا أبت إنه ليس له ثوب تكفنني فيه غير هذا فاخلعه عني فأكفني فيه فالتفت إبراهيم عليه السلام فإذا هو بكبش أعين أبيض أقرن فذبحه فقال ابن عباس لقد رأيتنا نتبع هذا الضرب من الكباش حدثني محمد بن عمرو قال حدثني أبو عاصم قال حدثنا عيسى وحدثني الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله وتله للجبين قال وضع وجهه للأرض قال لا تذبحني وأنت تنظر إلى وجهي عسى أن ترحمني فلا تجهز علي اربط يدي إلى رقبتي ثم ضع وجهي للأرض حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن يمان عن سفيان عن جابر عن أبي الطفيل عن علي عليه السلام وفديناه بذبح عظيم قال كبش أبيض أقرن أعين مربوط بسمر في ثبير حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس وفديناه بذبح عظيم قال كبش قال عبيد بن عمير ذبح بالمقام وقال مجاهد ذبح بمنى في المنحر حدثنا ابن بشار قال حدثنا عبدالرحمن قال حدثنا سفيان عن ابن خشيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الكبش الذي ذبحه إبراهيم عليه السلام هو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه حدثنا ابن حميد قال حدثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد بن جبير وفديناه بذبح عظيم (1/166) ________________________________________ قال كان الكبش الذي ذبحه إبراهيم رعي في الجنة أربعين سنة وكان كبشا أملح صوفه مثل العهن الأحمر حدثنا أبو كريب قال حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان عن رجل عن ابي صالح عن ابن عباس وفديناه بذبح عظيم قال كان وعلا حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عمرو بن عبيد عن الحسن أنه كان يقول ما فدي إسماعيل إلا بتيس كان من الأروى أهبط عليه من ثبير وما يقول الله وفديناه بذبح عظيم لذبيحته فقط ولكنه الذبح على دينه فتلك السنة إلى يوم القيامة فاعلموا أن الذبيحة تدفع ميتة السوء فضحوا عباد الله وقد قال أمية بن أبي الصلت في السبب الذي من أجله أمر إبراهيم بذبح ابنه شعرا ويحقق بقيله ما قال في ذلك الرواية التي رويناها عن السدي وأن ذلك كان من إبراهيم عن نذر كان منه فأمره الله بالوفاء به فقال ... ولإبراهيم الموفي بالنذ ... راحتسابا وحامل الأحزال ... بكره لم يكن ليصبر عنه ... أو يراه في معشر أقيال ... أي بني إني نذرتك لل ... ه شحيطا فاصبر فدى لك خالي ... واشدد الصفد لا أحيد عن الس ... كين حيد الأسير ذي الأغلال ... وله مدية تخايل في اللح ... م جذام حنية كالهلال ... بينما يخلع السرابيل عنه ... فكه ربه بكبش جلال ... فخذن ذا فأرسل ابنك إني ... للذي قد فعلتما غير قال ... والد يتقي وآخر مولو ... د فطارا منه بسمع فعال ... ربما تجزع النفوس من الأم ... رله فرجة كحل العقال ... حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا الحسين يعني ابن واقد عن زيد عن عكرمة قوله عز و جل فلما أسلما قال أسلما جميعا لأمر الله رضي الغلام بالذبح ورضي الأب بأن يذبحه قال يا أبت اقذفني للوجه كيلا تنظر إلي فترحمني وأنظر أنا إلى الشفرة فأجزع ولكن أدخل الشفرة من تحتي وامض لأمر الله فذلك قوله تعالى فلما أسلما وتله للجبين فلما فعل ذلك ناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين وكان ممن امتحن الله به إبراهيم عليه السلام وابتلاه به بعد ابتلائه إياه بما كان من أمره وأمر نمرود بن كوش ومحاولته إحراقه بالنار وابتلائه بما كان من أمره إياه بذبح ابنه بعد أن بلغ معه السعي ورجا نفعه ومعونته على ما يقربه من ربه عز و جل ورفعه القواعد من البيت ونسكه المناسك ابتلاؤه جل جلاله بالكلمات التي أخبر الله عنه أنه ابتلاه بهن فقال وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ( 1 ) وقد اختلف السلف من علماء الأمة في هذه الكلمات التي ابتلاه الله بهن فأتمهن فقال بعضهم ذلك (1/167) ________________________________________ ثلاثون سهما وهي شرائع الإسلام ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا عبد الأعلى قال حدثنا داود عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات قال قال ابن عباس لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم عليه السلام ابتلاه الله تعالى بكلمات فأتمهن قال فكتب الله تعالى له البراءة فقال وإبراهيم الذي وفى ( 1 ) عشر منها في الأحزاب وعشر منها في براءة وعشر منها في المؤمنين وسأل سائل وقال إن هذا الإسلام ثلاثون سهما حدثنا إسحاق بن شاهين الواسطي قال حدثنا خالد الطحان عن داود عن عكرمة عن ابن عباس قال ما ابتلي احد بهذا الدين فقام به كله غير إبراهيم عليه السلام ابتلي بالإسلام فأتمه فكتب الله له البراءة فقال وإبراهيم الذي وفى فذكر عشرا في براءة التائبون العابدون الحامدون ( 2 ) وعشرا في الأحزاب إن المسلمين والمسلمات ( 3 ) وعشرا في سورة المؤمنين إلى قوله تعالى والذين هم على صلواتهم يحافظون ( 4 ) وعشرا في سأل سائل والذين هم على صلاتهم يحافظون ( 5 ) وحدثني عبدالله بن أحمد المروزي قال حدثنا علي بن الحسن قال حدثنا خارجة بن مصعب عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال الإسلام ثلاثون سهما وما ابتلي أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم قال الله تعالى وإبراهيم الذي وفى فكتب الله له براءة من النار وقال آخرون ذلك عشر خصال من سنن الإسلام خمس منهن في الرأس وخمس في الجسد ذكر من قال ذلك حدثني الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات قال ابتلاه الله عز و جل بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس وفي الجسد تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء حدثني المثنى قال حدثنا إسحاق قال حدثنا عبدالرزاق عن معمر عن الحكم بن أبان عن القاسم بن أبي بزة عن ابن عباس بمثله غير أنه لم يذكر أثر البول حدثنا ابن بشار قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا أبو هلال قال حدثنا قتادة في قوله (1/168) ________________________________________ تعالى وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات قال ابتلاه بالختان وحلق العانة وغسل القبل والدبر والسواك وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط قال أبو هلال ونسيت خصلة حدثني عبدان المروزي قال حدثنا عمار بن الحسن قال حدثنا عبدالله بن أبي جعفر عن أبيه عن مطر عن أبي الجلد قال ابتلي إبراهيم عليه السلام بعشرة أشياء هن في الإنسان سنة المضمضة والأستنشاق وقص الشارب والسواك ونتف الإبط وتقليم الأظفار وغسل البراجم والختان وحلق العانة وغسل الدبر والفرج وقال آخرون نحو قول هؤلاء غير أنهم قالوا ست من العشر في جسد الإنسان وأربع منهن في المشاعر ذكر من قال ذلك حدثني المثنى قال حدثنا إسحاق قال حدثنا محمد بن حرب قال حدثنا ابن لهيعة عن ابن هبيرة عن حنش عن ابن عباس في قوله عز و جل وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال ست في الإنسان وأربع في المشاعر فالتي في الإنسان حلق العانة والختان ونتف الإبط وتقليم الأظفار وقص الشارب والغسل يوم الجمعة وأربع في المشاعر الطواف والسعي بين الصفاء والمروة ورمي الجمار والإفاضة وقال آخرون بل ذلك قوله إني جاعلك للناس إماما ومناسك الحج ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن إدريس قال سمعت إسماعيل بن أبي خالد عن ابي صالح قوله وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن منهن إني جاعلك للناس إماما وآيات النسك حدثني أبو السائب قال حدثنا ابن إدريس قال سمعت إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح مولى أم هانئ في قوله وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات قال منهن إني جاعلك للناس إماما ومنهن آيات النسك وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ( 1 ) حدثني محمد بن عمرو قال أخبرنا أبو عاصم قال حدثني عيسى بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ( 2 ) قال قال الله لإبراهيم إني مبتليك بأمر فما هو قال تجعلني للناس إماما قال نعم قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين قال تجعل البيت مثابة للناس قال نعم قال وتجعل هذا البلد أمنا قال نعم قال وتجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك قال نعم قال وترينا مناسكنا وتتوب علينا قال نعم قال وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم قال نعم حدثني القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد بنحوه قال (1/169) ________________________________________ ابن جريج فاجتمع على هذا القول مجاهد وعكرمة حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال ابتلي بالآيات التي بعدها إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ( 1 ) حدثني المثنى بن إبراهيم قال حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح قال أخبرني به عكرمة قال فعرضته على مجاهد فلم ينكره حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ( 2 ) حدثت عن عمار بن الحسن قال حدثنا عبدالله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع في قوله وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ( 3 ) قال الكلمات إني جاعلك للناس إماما ( 3 ) وقوله وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا وقوله واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ( 3 ) وقوله وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل ( 3 ) الآية وقوله وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ( 3 ) الآية قال فذلك كله من الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم حدثني محمد بن سعد قال حدثني أبي قال حدثني عمي قال حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس في قوله تعالى وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال منهن إني جاعلك للناس إماما ( 3 ) ومنهن وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ومنهن الآيات في شأن المنسك والمقام الذي جعل لإبراهيم والرزق الذي رزق ساكن البيت ومحمد صلى الله عليه و سلم بعث في ذريتهما وقال آخرون بل ذلك مناسك الحج خاصة ذكر من قال ذلك حدثنا ابن بشار قال حدثنا سلم بن قتيبة قال حدثنا عمر بن نبهان عن قتادة عن ابن عباس في قوله وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات قال مناسك الحج حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال كان ابن عباس يقول في قوله وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات قال هي المناسك حدثت عن عمار بن الحسن قال حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه قال بلغنا عن ابن عباس أنه قال إن الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم هي المناسك (1/170) ________________________________________ حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي قال حدثنا أبو أحمد الزبيري قال حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس قوله وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال مناسك الحج حدثني ابن المثنى قال حدثني الحماني قال حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس مثله حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة قال قال ابن عباس ابتلاه بالمناسك وقال آخرون بل ابتلاه بأمور منهن الختان ذكر من قال ذلك حدثنا ابن بشار قال حدثنا سلم بن قتيبة عن يونس بن ابي إسحاق عن الشعبي وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات قال منهن الختان حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا يونس بن أبي إسحاق قال سمعت الشعبي يقول فذكر مثله حدثني أحمد بن إسحاق قال حدثنا أبو أحمد قال حدثنا يونس بن أبي إسحاق قال سمعت الشعبي وسأله أبو إسحاق عن قوله عز و جل وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات قال منهن الختان يا أبا إسحاق وقال آخرون ذلك الخلال الست الكوكب والقمر والشمس والنار والهجرة والختان التي ابتلي بهن أجمع فصبر عليهن ذكر من قال ذلك حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية عن أبي رجاء قال قلت للحسن وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال ابتلاه بالكوكب فرضي عنه وابتلاه بالقمر فرضي عنه وابتلاه بالشمس فرضي عنه وابتلاه بالنار فرضي عنه وابتلاه بالهجرة وابتلاه بالختان حدثنا بشر قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قال كان الحسن يقول إن الله ابتلاه بأمر فصبر عليه ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر فأحسن في ذلك وعرف أن ربه دائم لا يزول فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما كان من المشركين وابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرا إلى الله تعالى ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة فصبر على ذلك وابتلاه بذبح ابنه وبالختان فصبر على ذلك حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول في قوله وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات قال ابتلاه بذبح ولده وبالنار وبالكوكب وبالشمس وبالقمر (1/171) ________________________________________ حدثنا ابن بشار قال حدثنا سلم بن قتيبة قال حدثنا أبو هلال عن الحسن وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات قال ابتلاه بالكوكب وبالشمس وبالقمر فوجده صابرا حدثنا أحمد بن إسحاق بن المختار قال حدثني غسان بن الربيع قال حدثنا عبدالرحمن وهو ابن ثوبان عن عبدالله بن الفضل عن عبدالرحمن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اختتن إبراهيم بعد ثمانين سنة بالقدوم وقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم في الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم خبران أحدهما ما حدثنا أبو كريب قال حدثنا الحسن بن عطية قال حدثنا إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم وإبراهيم الذي وفى قال أتدرون ما وفى قالوا الله ورسوله أعلم قال وفى عمل يومه أربع ركعات في النهار والآخر منهما ما حدثنا به أبو كريب قال حدثنا رشدين بن سعد قال حدثنا زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه قال كان النبي صلى الله عليه و سلم يقول ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ( 1 ) حتى ختم الآية فلما عرف الله تعالى من إبراهيم الصبر على كل ما ابتلاه به والقيام بكل ما ألزمه من فرائضه وإيثاره طاعته على كل شيء سواها اتخذه خليلا وجعله لمن بعده من خلقه إماما واصطفاه إلى خلقه رسولا وجعل في ذريته النبوة والكتاب والرسالة وخصهم بالكتب المنزلة والحكم البالغة وجعل منهم الأعلام والقادة والرؤساء والسادة كلما مضى منهم نجيب خلفه سيد رفيع وأبقى لهم ذكرا في الآخرين فالأمم كلها تتولاه وتثني عليه وتقول بفضله إكراما من الله له بذلك في الدنيا وما ادخر له في الآخرة من الكرامة أجل وأعظم من أن يحيط به وصف واصف ونرجع الآن إلى الخبر عن عدو الله وعدو إبراهيم الذي كذب بما جاء به من عند الله ورد عليه النصيحة التي نصحها له جهلا منه واغترارا بحلم الله تعالى عنه نمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح وما آل إليه أمره في عاجل دنياه حين تمرد على ربه مع إملاء الله إياه وتركه تعجيل العذاب له على كفره به ومحاولته إحراق خليله بالنار حين دعاه إلى توحيد الله والبراءة من الآلهة والأوثان وأن نمرود لما تطاول عتوه وتمرده على ربه مع إملاء الله تعالى له فيما ذكر أربعمائة عام لا تزيده حجج الله التي يحتج بها عليه وعبره التي يريها إياه إلا تماديا في غيه عذبه الله فيما ذكر في عاجل دنياه قدر إملائه إياه من المدة بأضعف خلقه وذلك بعوضة سلطها عليه توغلت في خياشيمه فمكث أربعمائة سنة يعذب بها في حياته الدنيا ذكر الأخبار الواردة عنه بما ذكرت من جهله ما أحل الله به من نقمته حدثني الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم أن أول جبار كان في الأرض نمرود وكان الناس يخرجون فيمتارون من عنده الطعام فخرج إبراهيم يمتار مع من يمتار فإذا (1/172) ________________________________________ مر به ناس قال من ربكم قالوا أنت حتى مر به إبراهيم قال من ربك قال ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر ( 1 ) قال فرده بغير طعام قال فرجع إبراهيم إلى أهله فمر على كثيب أعفر فقال هلا آخذ من هذا فآتي به أهلي فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم فأخذ منه فأتى أهله قال فوضع متاعه ثم نام فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته فإذا هي بأجود طعام رآه أحد فصنعت له منه فقربته إليه وكان عهد أهله ليس عندهم طعام فقال من أين هذا قالت من الطعام الذي جئت به فعلم أن الله قد رزقه فحمد الله ثم بعث الله إلى الجبار ملكا أن آمن بي وأتركك على ملكك قال فهل رب غيري فجاءه الثانية فقال له ذلك فأبى عليه ثم أتاه الثالثة فأبى عليه فقال له الملك اجمع جموعك إلى ثلاثة أيام فجمع الجبار جموعه فأمر الله الملك ففتح عليهم بابا من البعوض فطلعت الشمس فلم يروها من كثرتها فبعثها الله عليهم فأكلت لحومهم وشربت دماءهم فلم يبق إلا العظام والملك كما هو لم يصبه من ذلك شيء فبعث الله عليه بعوضة فدخلت في منخره فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق وأرحم الناس به من جمع يديه ثم ضرب بهما رأسه وكان جبارا أربعمائة عام فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه وأماته الله وهو الذي بنى صرحا إلى السماء فأتى الله بنيانه من القواعد وهو الذي قال الله فأتى الله بنيانهم من القواعد ( 2 ) حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قال أمر الذي حاج إبراهيم في ربه بإبراهيم فأخرج يعني من مدينته قال فأخرج فلقي لوطا على باب المدينة وهو ابن أخيه فدعاه فآمن به وقال إني مهاجر إلى ربي ( 3 ) وحلف نمرود أن يطلب إله إبراهيم فأخذ أربعة أفرخ من فراخ النسور فرباهن باللحم والخمر حتى إذا كبرن وغلظن واستعلجن قرنهن بتابوت وقعد في ذلك التابوت ثم رفع رجلا من لحم لهن فطرن به حتى إذا ذهبن في السماء أشرف ينظر إلى الأرض فرأى الجبال تدب كدبيب النمل ثم رفع لهن اللحم ثم نظر فرأى الأرض محيطا بها بحر كأنها فلكة في ماء ثم رفع طويلا فوقع في ظلمة فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته ففزع فألقى اللحم فاتبعته منقضات فلما نظرت الجبال إليهن وقد أقبلن منقضات وسمعن حفيفهن فزعت الجبال وكادت أن تزول من أمكنتها لم يفعلن وذلك قوله عز و جل وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ( 4 ) وهي في قراءة ابن مسعود وإن كاد مكرهم فكان طيرانهن به من بيت المقدس ووقوعهن في جبل الدخان فلما رأى أنه لا يطيق شيئا أخذ في بناء الصرح فبنى حتى إذا أسنده إلىالسماء ارتقى فوقه ينظر بزعمه إلى إله إبراهيم فأحدث ولم يكن يحدث وأخذ الله بنيانه من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ( 5 ) يقول من مأمنهم وأخذهم من (1/173) ________________________________________ أساس الصرح فتنقض بهم ثم سقط فتبلبلت ألسن الناس من يومئذ من الفزع فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا فلذلك سميت بابل وإنما كان لسان الناس قبل ذلك السريانية حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبو داود الحفري عن يعقوب عن حفص بن حميد أو جعفر عن سعيد بن جبير وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال قال نمرود صاحب النسور أمر بتابوت فجعل وجعل معه رجلا ثم أمر بالنسور فاحتملته فلما صعد قال لصاحبه أي شيء ترى قال أرى الماء والجزيرة يعني الدنيا ثم صعد وقال لصاحبه أي شيء ترى قال ما نزداد من السماء إلا بعدا قال اهبط وقال غيره نودي أيها الطاغية أين تريد فسمعت الجبال حفيف النسور وكانت ترى أنه أمر من السماء فكادت تزول فهو قوله تعالى وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا محمد بن أبي عدي عن شعبة عن أبي إسحاق قال حدثنا عبدالرحمن بن دانيل أن عليا عليه السلام قال في هذه الاية وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال قال أخذ ذلك الذي حاج إبراهيم في ربه نسرين صغيرين فرباهما حتى استغلظا واستعلجا فشبا قال فأوثق رجل كل واحد منهما بوتر إلى تابوت وجوعهما وقعد هو ورجل آخر في التابوت قال ورفع في التابوت عصا على رأسه اللحم فطارا وجعل يقول لصاحبه انظر ماذا ترى قال أرى كذا وكذا حتى قال أرى الدنيا كأنها ذباب فقال صوب فصوبها فهبطا قال فهوقوله عز و جل وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال قال أبو إسحاق ولذلك هي في قراءة عبدالله وإن كاد مكرهم فهذا ما ذكر من خبر نمرود بن كوش بن كنعان وقد قال جماعة إن نمرود بن كوش بن كنعان هذا ملك مشرق الأرض ومغربها وهذا قول يدفعه أهل العلم بسير الملوك وأخبار الماضين وذلك أنهم لا يدفعون ولا ينكرون أن مولد إبراهيم كان في عهد الضحاك بن أندر ماسب الذي قد ذكرنا بعض أخباره فيما مضى وأن ملك شرق الأرض وغربها يومئذ كان الضحاك وقد قال بعض من أشكل عليه أمر نمرود ممن عرف زمان الضحاك وأسبابه فلم يدر كيف الأمر في ذلك مع سماعه ما انتهى إليه من الأخبار عمن روي عنه أنه قال ملك الأرض كافران ومؤمنان فأما الكافران فنمرود وبختنصر وأما المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين وقول القائلين من أهل الأخبار أن الضحاك كان هو ملك شرق الأرض وغربها في عهد إبراهيم نمرود هو الضحاك وليس الأمر في ذلك عند أهل العلم بأخبارالأوائل والمعرفة بالأمور السوالف كالذي ظن لأن نسب نمرود في النبط معروف ونسب الضحاك في عجم الفرس مشهور ولكن ذوي العلم بأخبار الماضين وأهل المعرفة بأمور السالفين من الأمم ذكروا أن الضحاك كان ضم إلى نمرود السواد وما اتصل به يمنة ويسرة وجعله وولده عماله على ذلك وكان هو يتنقل في البلاد وكان وطنه الذي هو وطنه ووطن أجداده دنباوند من جبال طبرستان وهنالك رمى به أفريدون حين ظفر به وقهره موثقا بالحديد وكذلك بختنصر كان أصبهبذ ما بين الأهواز إلى أرض الروم من غربي دجلة من قبل لهراسب وذلك أن لهراسب كان مشتغلا بقتال الترك مقيما بإزائهم ببلخ وهو بناها فيما قيل لما تطاول مكثه هنالك لحرب الترك فظن من لم يكن عالما بأمور القوم بتطاول مدة ولايتهم أمر الناحية لمن ولوا له أنهم كانوا هم الملوك ولم يدع أحد من أهل العلم بأمور الأوائل وأخبار الملوك الماضية وأيام الناس (1/174) ________________________________________ فيما نعلمه أن أحدا من النبط كان ملكا برأسه على شبر من الأرض فكيف يملك شرق الأرض وغربها ولكن العلماء من أهل الكتاب وأهل المعرفة بأخبار الماضين ومن قد عانى النظر في كتب التأريخات يزعمون أن ولاية نمرود إقليم بابل من قبل الازدهارق بيوراسب دامت أربعمائة سنة ثم لرجل من نسله من بعد هلاك نمرود يقال له نبط بن قعود مائة سنة ثم لداوص بن نبط من بعد نبط ثمانين سنة ثم من بعد داوص بن نبط لبالش بن داوص مائة وعشرين سنة ثم لنمرود بن بالش من بعد بالش سنة وأشهرا فذلك سبعمائة سنة وسنة وأشهر وذلك كله في أيام الضحاك فلما ملك أفريدون وقهر الازدهاق قتل نمرود بن بالش وشرد النبط وطردهم وقتل منهم مقتلة عظيمة لما كان منهم من معاونتهم بيوراسب على أموره وعمل نمرود وولده له وقد زعم بعض أهل العلم أن بيوراسب قد كان قبل هلاكه تنكر لهم وتغير عما كان لهم عليه ونعود الآن إلى ذكر الخبر عن بقية الأحداث التي كانت في أيام إبراهيم صلى الله عليه و سلم وكان من الكائن أيام حياته من ذلك ما كان من أمر لوط بن هاران بن تارخ ابن أخي إبراهيم عليهما السلام وأمر قومه من سدوم وكان من أمره فيما ذكر أنه شخص من أرض بابل مع عمه إبراهيم خليل الرحمن مؤمنا به متبعا له على دينه مهاجرا إلى الشام ومعهما سارة بنت ناحور وبعضهم يقول هي سارة بنت هيبال بن ناحور وشخص معهم فيما قيل تارخ أبو إبراهيم مخالفا لإبراهيم في دينه مقيما على كفره حتى صاروا إلى حران فمات تارخ وهو آزر أبو إبراهيم بحران على كفره وشخص إبراهيم ولوط وسارة إلى الشام ثم مضوا إلى مصر فوجدوا بها فرعونا من فراعنتها ذكر أنه كان سنان بن علوان بن عبيد بن عويج بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح وقد قيل إن فرعون مصر يومئذ كان أخا للضحاك كان الضحاك وجهه إليها عاملا عليها من قبله وقد ذكرت بعض قصته مع إبراهيم فيما مضى قبل ثم رجعوا عودا على بدئهم إلى الشأم وذكر أن إبراهيم نزل فلسطين وأنزل ابن أخيه لوطا الأردن وأن الله تعالى أرسل لوطا إلىأهل سدوم وكانوا أهل كفر بالله وركوب فاحشة كما أخبر الله عن قوم لوط إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر ( 1 ) وكان قطعهم السبيل فيما ذكر إتيانهم الفاحشة إلى من ورد بلدهم ذكر من قال ذلك حدثني يونس بن عبدالأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله تعالى وتقطعون السبيل قال السبيل طريق المسافر إذا مر بهم وهو ابن السبيل قطعوا به وعمولا به ذلك العمل الخبيث وأما إتيانهم ما كانوا يأتونه من المنكر في ناديهم فإن أهل العلم اختلفوا فيه فقال بعضهم كانوا يحذفون من مر بهم وقال بعضهم كانوا يتضارطون في مجالسهم (1/175) ________________________________________ وقال بعضهم كان بعضهم ينكح بعضا فيها ذكر من قال كانوا يحذفون من مر بهم حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قا حدثنا عمر بن أبي زائدة سمعت عكرمة يقول في قوله وتأتون في ناديكم المنكر قال كانوا يؤذون أهل الطريق يحذفون من مر بهم حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي عن عمر بن أبي زائدة قال سمعت عكرمة قال الحذف حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وتأتون في ناديكم المنكر قال كانوا كل من مر بهم حذفوه وهو المنكر ذكر من قال كانوا يتضارطون في مجالسهم حدثني عبدالرحمن بن الأسود الطفاوي قال حدثنا محمد بن ربيعة قال حدثنا روح بن غطيف الثقفي عن عمرو بن مصعب عن عروة بن الزبير عن عائشة في قوله تعالى وتأتون في ناديكم المنكر قالت الضراط ذكر من قال كان يأتي بعضهم بعضا في مجالسهم حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد في قوله وتأتون في ناديكم المنكر قال كان بعضهم يأتي بعضا في مجالسهم حدثنا سليمان بن عبدالجبار قال حدثنا ثابت بن محمد الليثي قال حدثنا فضيل بن عياض عن منصور بن المعتمر عن مجاهد في قوله وتأتون في ناديكم المنكر قال كان يجامع بعضهم بعضا في المجالس حدثنا ابن حميد قال حدثنا حكام عن عمرو عن منصور عن مجاهد مثله حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي عن سفيان عن منصور عن مجاهد قال كانوا يجامعون الرجال في مجالسهم حدثني محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى وحدثني الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وتأتون في ناديكم المنكر قال المجالس والمنكر إتيانهم الرجال حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله وتأتون في ناديكم المنكر قال كانوا يأتون الفاحشة في ناديهم حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله وتأتون في ناديكم المنكر قال ناديهم المجالس والمنكر عملهم الخبيث الذي كانوا يعملونه كانوا يعترضون الراكب فيأخذونه (1/176) ________________________________________ فيركبونه وقرأ أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون ( 1 ) وقرأ ما سبقكم بها من أحد من العالمين ( 2 ) وقد حدثنا ابن وكيع قال حدثنا إسماعيل بن علية عن ابن أبي نجيح عن عمرو بن دينار قوله ما سبقكم بها من أحد من العالمين ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط قال أبو جعفر والصواب من القول في ذلك عندي قول من قال عنى بالمنكر الذي كانوا يأتونه في ناديهم في هذا الموضع حذفهم من مر بهم وسخريتهم منه للخبر الوارد بذلك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي حدثناه أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا أبو أسامة عن حاتم بن أبي صغيرة عن سماك بن حرب عن أبي صالح مولى أم هانئ عن أم هانئ عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في قوله تعالى وتأتون في ناديكم المنكر قال كانوا يحذفون أهل الطريق ويسخرون منهم وهو المنكر الذي كانوا يأتونه حدثنا أحمد بن عبدة الضبي قال حدثنا سليمان بن حيان قال أخبرنا أبو يونس القشيري عن سماك بن حرب عن أبي صالح عن أم هانئ قالت سألت النبي صلى الله عليه و سلم عن قوله وتأتون في ناديكم المنكر قال كانوا يحذفون أهل الطريق ويسخرون منهم حدثنا الربيع بن سليمان قال حدثنا اسد بن موسى قال حدثنا سعيد بن زيد قال حدثنا حاتم بن أبي صغيرة قال حدثنا سماك بن حرب عن باذام أبي صالح مولى أم هانئ عن أم هانئ قالت سألت النبي صلى الله عليه و سلم عن هذه الآية وتأتون في ناديكم المنكر فقال كانوا يجلسون بالطريق فيحذفون أبناء السبيل ويسخرون منهم فكان لوط عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله وينهاهم بأمر الله إياه عن الأمور التي كرهها الله تعالى لهم من قطع السبيل وركوب الفواحش وإتيان الذكور في الأدبار ويتوعدهم على إصرارهم على ما كانوا عليه مقيمين من ذلك وتركهم التوبة منه العذاب الأليم فلا يزجرهم عن ذلك وعيده ولا يزيدهم وعظه إلا تماديا وعتوا واستعجالا لعذاب الله إنكارا منهم وعيده ويقولون له ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين ( 3 ) حتى سأل لوط ربه عز و جل النصرة عليهم لما تطاول عليه أمره وأمرهم وتماديهم في غيهم فبعث الله عز و جل لما أراد خزيهم وهلاكهم ونصرة رسوله لوط عليهم جبرئيل عليه السلام وملكين آخرين معه وقد قيل إن الملكين الآخرين كان أحدهما ميكائيل والآخر إسرافيل فأقبلوا فيما ذكر مشاة في صورة رجال شباب ذكر بعض من قال ذلك حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم بعث الله الملائكة لتهلك قوم لوط فأقبلت تمشي في صورة رجال شباب حتى نزلوا على إبراهيم (1/177) ________________________________________ فتضيفوه فكان من أمرهم وأمر إبراهيم ما قد مضى ذكرنا إياه في خبر إبراهيم وسارة فلما ذهب عن إبراهيم الروع جاءته البشرى وأطلعته الرسل على ما جاؤوا له وأن الله أرسلهم لهلاك قوم لوط ناظرهم إبراهيم وحاجهم في ذلك كما أخبر الله عنه فقال فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط ( 1 ) وكان جداله إياهم في ذلك فيما بلغنا ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا يعقوب القمي قال حدثنا جعفر عن سعيد يجادلنا في قوم لوط قال لما جاءه جبرئيل ومن معه قالوا لإبراهيم إننا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين ( 2 ) قال لهم إبراهيم أتهلكون قرية فيها أربعمائة مؤمن قالوا لا قال أفتهلكون قرية فيها ثلثمائة مؤمن قالوا لا قال أفتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن قالوا لا قال أفتهلكون قرية فيها مائة مؤمن قالوا لا قال أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمنا قالوا لا قال أفتهلكون قرية فيها أربعة عشر مؤمنا قالوا لا وكان إبراهيم يعدهم أربعة عشر بامرأة لوط فسكت عنهم واطمأنت نفسه حدثنا أبو كريب قال حدثنا الحماني عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال الملك لإبراهيم إن كان فيها خمسة يصلون رفع عنهم العذاب حدثنا محمد بن عبدالأعلى قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة يجادلنا في قوم لوط قال بلغنا أنه قال لهم يومئذ أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين قالوا إن كان فيهم خمسون لن نعذبهم قال وأربعون قالوا وأربعون قال وثلاثون قالوا وثلاثون حتى بلغ عشرة قالوا وإن كانوا عشرة قال ما من قوم لايكون فيهم عشرة فيهم خير فلما علم إبراهيم حال قوم لوط بخبر الرسل قال للرسل إن فيها لوطا ( 3 ) إشفاقا منه عليه فقالت الرسل نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ( 3 ) ثم مضت رسل الله نحو أهل سدوم قرية قوم لوط فلما انتهوا إليها ذكر أنهم لقوا لوطا في أرض له يعمل فيها وقيل إنهم لقوا عند نهرها ابنة لوط تستقي الماء ذكر من قال لقوا لوطا حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة عن حذيفة أنه لما جاءت الرسل لوطا أتوه وهو في أرض له يعمل فيها وقد قيل لهم والله أعلم لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط قال فأتوه فقال إنا مضيفوك الليلة فانطلق بهم فلما مشى ساعة التفت فقال أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية والله ما أعلم على ظهر الأرض أناسا أخبث منهم قال فمضى معهم ثم قال الثانية مثل ما قال فانطلق بهم فلما بصرت بهم عجوز السوء امرأته انطلقت فأنذرتهم (1/178) ________________________________________ حدثنا ابن حميد قال حدثنا الحكم بن بشير قال حدثنا عمرو بن قيس الملائي عن سعيد بن بشير عن قتادة قال أتت الملائكة لوطا وهو في مزرعة له وقال الله تعالى للملائكة إن شهد لوط عليهم أربع شهادات فقد أذنت لكم في هلكتهم فقالوا يا لوط إنا نريد أن نضيفك الليلة قال وما بلغكم أمرهم قالوا وما أمرهم فقال أشهد بالله أنها لشر قرية في الأرض عملا يقول ذلك أربع مرات فشهد عليهم لوط أربع شهادات فدخلوا معه منزله |
رد: مكتبتي
ذكر من قال إنما لقيت الرسل أول ما لقيت حين دنت من سدوم ابنة لوط
دون لوط حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قال لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط فأتوها نصف النهار فلما بلغوا نهر سدوم لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لأهلها وكانت له ابنتان اسم الكبرى ريثا واسم الصغرى رعزيا فقالوا لها يا جارية هل من منزل قالت نعم فمكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم فرقت عليهم من قومها فأتت أباها فقالت يا أبتاه أرادك فتيان على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم هي أحسن منهم لا يأخذهم قومك فيفضحوهم وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلا فقالوا له خل عنا فلنضف الرجال فجاء بهم فلم يعلم أحد إلا أهل بيت لوط فخرجت امرأته فأخبرت قومها فقالت إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثلهم ومثل وجوههم حسنا قط فجاءه قومه يهرعون إليه قال أبو جعفر فلما أتوه قال لهم لوط يا قوم اتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد ( 1 ) هؤلاء بناتي هن أطهر لكم مما تريدون فقالوا له أو لم ننهك أن تضيف الرجال لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد فلما لم يقبلوا منه شيئا مما عرضه عليهم قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ( 2 ) يقول عليه السلام لو أن لي أنصارا ينصرونني عليكم أو عشيرة تمنعني منكم لحلت بينكم وبين ما جئتم تريدونه من أضيافي حدثني المثنى قال حدثنا إسحاق بن الحجاج قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول قال لوط لهم لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد فوجد عليه الرسل وقالوا إن ركنك لشديد فلما يئس لوط من إجابتهم إياه إلى شيء مما دعاهم إليه وضاق بهم ذرعا قالت الرسل له حينئذ يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم ( 3 ) فذكر أن لوطا لما علم أن أضيافه رسل الله وأنها أرسلت بهلاك قومه قال لهم أهلكوهم الساعة ذكر من روى ذلك عنه أنه قاله من أهل العلم (1/179) ________________________________________ حدثنا ابن حميد قال حدثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد قال مضت الرسل من عند إبراهيم إلى لوط فلما أتوا لوطا وكان من أمرهم ما ذكر الله قال جبرئيل للوط يا لوط إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين فقال لهم لوط أهلكوهم الساعة فقال جبرئيل عليه السلام إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ( 1 ) فأنزلت على لوط أليس الصبح بقريب ( 1 ) قال وأمره أن يسري بأهله بقطع من الليل ولا يلتفت منهم أحد إلا امرأته قال فسار فلما كانت الساعة التي أهلكوا فيها أدخل جبرئيل جناحه في أرضهم فقلعها ورفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب فجعل عاليها سافلها وأمطر عليهم حجارة من سجيل قال وسمعت امرأة لوط الهدة فقالت واقوماه فأدركها حجر فقتلها حدثنا ابن حميد قال حدثنا يعقوب عن حفص بن حميد عن شمر بن عطية قال كان لوط أخذ على امرأته ألا تذيع شيئا من سر أضيافه قال فلما دخل عليه جبرئيل ومن معه ورأتهم في صورة لم تر مثلها قط انطلقت تسعى إلى قومها فأتت النادي فقالت بيدها هكذا فأقبلوا يهرعون مشيا بين الهرولة والجمز فلما انتهوا إلى لوط قال لهم لوط ما قال الله تعالى في كتابه قال جبرئيل يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك قال فقال بيده فطمس أعينهم قال فجعلوا يطلبونهم يلتمسون الحيطان وهم لا يبصرون حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة عن حذيفة قال لما بصرت بهم يعني بالرسل عجوز السوء امرأته انطلقت فأنذرتهم فقالت قد تضيف لوطا قوم ما رأيت قوما أحسن منهم وجوها قال ولا أعلمه إلا قالت وأشد بياضا وأطيب ريحا منهم قال فأتوه يهرعون إليه ( 2 ) كما قال الله عز و جل فأصفق لوط الباب قال فجعلوا يعالجونه قال فاستأذن جبرئيل ربه عز و جل في عقوبتهم فأذن له فصفقهم بجناحه فتركهم عميانا يترددون في أخبث ليلة أتت عليهم قط فأخبروه إنا رسل ربك فأسر بأهلك بقطع من الليل قال ولقد ذكر لنا أنه كانت مع لوط حين خرج من القرية امرأته ثم سمعت الصوت فالتفتت فأرسل الله تعالى عليها حجرا فأهلكها حدثنا ابن حمي قال حدثنا الحكم بن بشير قال حدثنا عمرو بن قيس الملائي عن سعيد بن بشير عن قتادة قال انطلقت امرأته يعني امرأة لوط حين رأتهم يعني حين رأت الرسل إلى قومها فقالت إنه قد ضافه الليلة قوم ما رأيت مثلهم قط أحسن وجوها ولا أطيب ريحا فجاؤوا يهرعون إليه فبادرهم لوط إلى أن يزحمهم على الباب فقال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين ( 3 ) فقالوا أو لم ننهك عن العالمين ( 4 ) فدخلوا على الملائكة فتناولتهم الملائكة فطمست أعينهم فقالوا يا لوط جئتنا بقوم سحرة سحرونا كما أنت حتى نصبح قال فاحتمل جبرئيل قريات لوط الأربع في كل قرية مائة ألف فرفعهم على جناحه بين السماء والأرض حتى سمع أهل السماء الدنيا أصوات ديكتهم ثم قلبهم فجعل الله عاليها سافلها (1/180) ________________________________________ حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا محمد بن ثور وحدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبدالرزاق جميعا عن معمر عن قتاد قال قال حذيفة لما دخلوا عليه ذهبت عجوزه عجوز السوء فأتت قومها فقالت قد تضيف لوطا الليلة قوم ما رأيت قوما قط أحسن وجوها منهم قال فجاؤوا يهرعون إليه فقام ملك فلز الباب يقول فسده فاستأذن جبرئيل في عقوبتهم فأذن له فضربهم جبرئيل بجناحه فتركهم عميانا فباتوا بشر ليلة ثم قالوا إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك قال فبلغنا أنها سمعت صوتا فالتفتت فأصابها حجر وهي شاذة من القوم معلوم مكانها حدثني موسىبن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم لما قال لوط لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد بسط حينئذ جبرئيل جناحه ففقأ أعينهم وخرجوا يدوس بعضهم في آثار بعض عميانا يقولون النجاء النجاء فإن في بيت لوط أسحر قوم في الأرض فذلك قوله تعالى ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم ( 1 ) وقالوا للوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد يقول سر بهم فامضوا حيث تؤمرون فأخرجهم الله تعالى إلى الشأم وقال لوط أهلكوهم الساعة فقالوا إنا لم نؤمر إلا بالصبح أليس الصبح بقريب فلما أن كان السحر خرج لوط وأهله معه إلا امرأته وذلك قوله تعالى إلا آل لوط نجيناهم بسحر ( 2 ) حدثنا المثنى قال أخبرنا إسحاق قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد أنه سمع وهب بن منبه يقول كان أهل سدوم الذين فيهم لوط قوم سوء قد استغنوا عن النساء بالرجال فلما رأى الله ذلك منهم بعث الملائكة ليعذبوهم فأتوا إبراهيم فكان من أمره وأمرهم ما ذكره الله تعالى في كتابه فلما بشروا سارة بالولد قاموا وقام معهم إبراهيم يمشي فقال أخبروني لم بعثتم وما خطبكم قالوا إنا أرسلنا إلى قوم سدوم لندمرها فإنهم قوم سوء قد استغنوا بالرجال عن النساء قال إبراهيم أرأيتم إن كان فيهم خمسون رجلا صالحا قالوا إذا لا نعذبهم فلم يزل ينقص حتى قال اهل البيت قالوا فإن كان فيهم بيت صالح قال فلوط وأهل بيته قالوا إن امرأته هواها معهم فلما يئس إبراهيم انصرف ومضوا إلى أهل سدوم فدخلوا على لوط فلما رأتهم امرأته أعجبها حسنهم وجمالهم فأرسلت إلى أهل القرية أنه قد نزل بنا قوم لم نر قوما قط أحسن منهم ولا أجمل فتسامعوا بذلك فغشوا دار لوط من كل ناحية وتسوروا عليهم الجدران فلقيهم لوط فقال يا قوم لا تفضحون في ضيفي وأنا أزوجكم بناتي فهن أطهر لكم فقالوا لو كنا نريد بناتك لقد عرفنا مكانهن فقال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد فوجد عليه الرسل فقالوا إن ركنك لشديد وإنهم آتيهم عذاب غير مردود فمسح أحدهم أعينهم بجناحه فطمس أبصارهم فقالوا سحرنا انصرفوا بنا حتى نرجع إليه فكان من أمرهم ما قد قص الله تعالى في القرآن فأدخل ميكائيل وهو (1/181) ________________________________________ صاحب العذاب جناحيه حتى بلغ أسفل الأرضين فقلبها فنزلت حجارة من السماء فتتبع من لم يكن منهم في القرية حيث كانوا فأهلكهم الله ونجى لوطا وأهله إلا امرأته حدثنا أبو كريب قال حدثنا جابر بن نوح قال حدثنا الأعمش عن مجاهد قال أخذ جبرئيل قوم لوط من سرحهم ودورهم حملهم بمواشيهم وأمتعتهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم كفأها وحدثنا أبو كريب مرة أخرى عن مجاهد قال أدخل جبرئيل جناحيه تحت الأرض السفلى من قوم لوط ثم أخذهم بالجناح الأيمن وأخذهم من سرحهم ومواشيهم ثم رفعها حدثني المثنى قال حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال كان يقول فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها ( 1 ) قال لما أصبحوا غدا جبرئيل على قريتهم ففتقها من أركانها ثم أدخل جناحيه ثم حملها على خوافي جناحيه حدثني المثنى قال حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا شبل قال وحدثني هذا ابن أبي نجيح عن إبراهيم بن أبي بكر قال ولم يسمعه ابن أبي نجيح من مجاهد قال فحملها على خوافي جناحيه بما فيها ثم صعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم قلبها فكان أول ما سقط منها شرافها فذلك قوله تعالى فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ( 2 ) حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة قال بلغنا أن جبرئيل عليه السلام أخذ بعروة القرية الوسطى ثم ألوى بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء ضواغي كلابهم ثم دمر بعضها على بعض فجعل عاليها سافلها ثم أتبعتهم الحجارة قال قتادة وبلغنا أنهم كانوا أربعة آلاف ألف حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال وذكر لنا أن جبرئيل أخذ بعروتها الوسطى ثم ألوى بها إلى جو السماء حتى سمعت الملائكة ضواغي كلابهم ثم دمر بعضها على بعض ثم أتبع شذان القوم صخرا قال وهي ثلاث قرى يقال لها سدوم وهي بين المدينة والشأم قال وذكر لنا أنه كان فيها أربعة آلاف ألف قال وذكر لنا إن إبراهيم كان يشرف ثم يقول سدوم يوما هالك حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي بالإسناد الذي قد ذكرناه لما أصبحوا يعني قوم لوط نزل جبرئيل عليه السلام واقتلع الأرض من سبع أرضين فحملها حتى بلغ بها السماء الدنيا حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم وأصوات ديوكهم ثم قلبها فقتلهم فذلك حين يقول والمؤتفكة أهوى ( 3 ) المنقلبة حين أهوى بها جبرئيل عليه السلام الأرض فاقتلعها بجناحيه فمن لم يمت حين أسقط الأرض أمطر الله تعالى عليه وهو تحت الأرض الحجارة ومن كان منهم شاذا في الأرض وهو قول الله تعالى فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ثم تتبعهم في القرى فكان الرجل يتحدث فيأتيه الحجر فيقتله فذلك قوله تعالى وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل (1/182) ________________________________________ حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق قال حدثني محمد بن كعب القرظي قال حدثت أن الله تعالى بعث جبرئيل إلى المؤتفكة ( قرية قوم لوط التي كان لوط فيهم ) فاحتملها بجناحيه ثم أصعد بها حتى إن أهل السماء الدنيا ليسمعون نابحة كلابها وأصوات دجاجها ثم كفأها على وجهها ثم أتبعها الله عز و جل بالحجارة يقول الله تعالى فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل فأهلكها الله تعالى وما حولها من المؤتفكات وكن خمس قريات صبعة وصعرة وعمرة ودوما وسدوم هي القرية العظمى ونجى الله تعالى لوطا ومن معه من أهله إلا امرأته كانت فيمن هلك (1/183) |
رد: مكتبتي
ذكر وفاة سارة بنت هاران وهاجر أم إسماعيل
وذكر أزواج إبراهيم عليه السلام وولده قد ذكرنا فيما مضى قبل ما قيل في مقدار عمر سارة أم إسحاق فأما موضع وفاتها فإنه لا يدفع أهل العلم من العرب والعجم أنها كانت بالشأم وقيل إنها ماتت بقرية الجبابرة من أرض كنعان في حبرون فدفنت في مزرعة اشتراها إبراهيم وقيل إن هاجر عاشت بعد سارة مدة فأما الخبر فبغير ذلك ورد حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي بالإسناد الذي قد ذكرناه قبل ثم إن إبراهيم اشتاق إلى إسماعيل فقال لسارة ائذني لي أنطلق إلى ابني فأنظر إليه فأخذت عليه عهدا ألا ينزل حتى يأتيها فركب البراق ثم أقبل وقد ماتت أم إسماعيل وتزوج إسماعيل امرأة من جرهم وإن إبراهيم عليه السلام كثر ماله ومواشيه وكان سبب ذلك فيما حدثنا به موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي بالإسناد الذي قد ذكرناه قبل أن إبراهيم عليه السلام احتاج وقد كان له صديق يعطيه ويأتيه فقالت له سارة لو أتيت خلتك فأصبت لنا منه طعاما فركب حمارا له ثم أتاه فلما أتاه تغيب منه واستحيا إبراهيم أن يرجع إلى أهله خائبا فمر على بطحاء فملأ منها خرجه ثم أرسل الحمار إلى أهله فأقبل الحمار وعليه حنطة جيدة ونام إبراهيم عليه السلام فاستيقظ وجاء إلى أهله فوجد سارة قد جعلت له طعاما فقالت ألا تأكل فقال وهل من شيء فقالت نعم من الحنطة التي جئت بها من عند خليلك فقال صدقت من عند خليلي جئت بها فزرعها فنبتت له وزكا زرعه وهلكت زروع الناس فكان أصل ماله منها فكان الناس يأتونه فيسألونه فيقول من قال لا إله إلا الله فليدخل فليأخذ فمنهم من قال فأخذ ومنهم من أبى فرجع وذلك قوله تعالى فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ( 1 ) فلما كثر مال إبراهيم ومواشيه احتاج إلى السعة في المسكن والمرعى وكان مسكنه ما بين قرية مدين فيما قيل والحجاز إلى أرض الشأم وكان ابن أخيه لوط نازلا معه فقاسم ماله لوطا فأعطى لوطا شطره فيما قيل وخيره مسكنا يسكنه ومنزلا ينزله غير المنزل الذي هو به نازل فاختار لوط ناحية الأردن فصار إليها وأقام إبراهيم عليه السلام بمكانه فصار ذلك فيما قيل سببا لآثاره بمكة وإسكانه إياها (1/184) ________________________________________ إسماعيل وكان ربما دخل أمصار الشأم ولما ماتت سارة بنت هاران زوجة إبراهيم تزوج إبراهيم بعدها فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قطورا بنت يقطن امرأة من الكنعانيين فولدت له ستة نفر يقسان بن إبراهيم وزمران بن إبراهيم ومديان بن إبراهيم ويسبق بن إبراهيم وسوح بن إبراهيم وبسر بن إبراهيم فكان جميع بني إبراهيم ثمانية بإسماعيل وإسحاق وكان إسماعيل يكره أكبر ولده قال فنكح يقسان بن إبراهيم رعوة بنت زمر بن يقطن بن لوذان بن جرهم بن يقطن بن عابر فولدت له البربر ولفها وولد زمران بن إبراهيم المزامير الذين لا يعقلون وولد لمديان أهل مدين قوم شعيب بن ميكائيل النبي فهو وقومه من ولده بعثه الله عز و جل إليهم نبيا حدثني الحارث بن محمد قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه قال كان أبو إبراهيم من أهل حران فأصابته سنة من السنين فأتى هرمز جرد بالأهواز ومعه امرأته أم إبراهيم واسمها توتا بنت كرينا بن كوثى من بني أرفخشد بن سام بن نوح وحدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا محمد بن عمر الأسلمي عن غير واحد من أهل العلم قال اسمها أنموتا من ولد أفراهم بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح وكان بعضهم يقول اسمها انمتلي بنت يكفور حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه قال نهر كوثى كراه كرينا جد إبراهيم من قبل أمه وكان أبوه على أصنام الملك نمرود فولد إبراهيم بهرمزجرد ثم انتقل إلى كوثى من أرض بابل فلما بلغ إبراهيم وخالف قومه دعاهم إلى عبادة الله وبلغ ذلك الملك نمرود فحبسه في السجن سبع سنين ثم بنى له الحير بجص وأوقد له الحطب الجزل وألقى إبراهيم فيه فقال حسبي الله ونعم الوكيل فخرج منها سليما لم يكلم حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا هشام بن محمد عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال لما هرب إبراهيم من كوثى وخرج من النار ولسانه يومئذ سرياني فلما عبر الفرات من حران غير الله لسانه فقيل عبراني أي حيث عبر الفرات وبعث نمرود في أثره وقال لا تدعوا أحدا يتكلم بالسريانية إلا جئتموني به فلقوا إبراهيم عليه السلام فتكلم بالعبرانية فتركوه ولم يعرفوا لغته حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا هشام عن أبيه قال فهاجر إبراهيم من بابل إلى الشأم فجاءته سارة فوهبت له نفسها فتزوجها وخرجت معه وهو يومئذ ابن سبع وثلاثين سنة فأتى حران فأقام بها زمانا ثم أتى الأردن فأقام بها زمانا ثم خرج إلى مصر فأقام بها زمانا ثم رجع إلى الشأم فنزل السبع ( أرض بين إيليا وفلسطين ) واحتفر بئرا وبنى مسجدا ثم إن بعض أهل البلد آذاه فتحول من عندهم فنزل منزلا بين الرملة وإيليا فاحتفر به بئرا أقام به وكان قد وسع عليه في المال والخدم وهو أول من أضاف الضيف وأول من ثرد الثريد وأول من رأى الشيب قال وولد لإبراهيم عليه السلام إسماعيل وهو أكبر ولده وأمه هاجر وهي قبطية وإسحاق وكان ضرير البصر وأمه سارة ابنة بتويل بن ناخور بن ساروع بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن (1/185) ________________________________________ سام بن نوح ومدن ومدين ويقسان وزمران وأسبق وسوح وأمهم قنطورا بنت مقطور من العرب العاربة فأما يقسان فلحق بنوه بمكة وأقام مدن ومدين بأرض مدين فسميت به ومضى سائرهم في البلاد وقالوا لإبراهيم يا أبانا أنزلت إسماعيل وإسحاق معك وأمرتنا أن ننزل أرض الغربة والوحشة فقال بذلك أمرت قال فعلمهم اسما من أسماء الله تبارك وتعالى فكانوا يستسقون به ويستنصرون فمنهم من نزل خراسان فجاءتهم الخزر فقالوا ينبغي للذي علمكم هذا أن يكون خير أهل الأرض أو ملك الأرض قال فسموا ملوكهم خاقان قال أبو جعفر وياقل في يسبق يسباق وفي سوح ساح وقال بعضهم تزوج إبراهيم بعد سارة امرأتين من العرب إحداهما قنطورا بنت يقطان فولدت له ستة بنين وهم الذين ذكرنا والأخرى منهما حجور بنت أرهير فولدت له خمسة بنين كيسان وشورخ وأميم ولوطان ونافس (1/186) |
رد: مكتبتي
ذكر وفاة إبراهيم عليه السلام
فلما أراد الله تبارك وتعالى قبض روح إبراهيم صلى الله عليه و سلم أرسل إليه ملك الموت في صورة شيخ هرم فحدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي بالإسناد الذي ذكرته قبل كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس ويضيفهم فبينا هو يطعم الناس إذا هو بشيخ كبير يمشي في الحرة فبعث إليه بحمار فركبه حتى إذا أتاه أطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها فاه فيدخلها عينه وأذنه ثم يدخلها فاه فإذا دخلت جوفه خرجت من دبره وكان إبراهيم قد سأل ربه عز و جل ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت فقال للشيخ حين رأى من حاله ما رأى ما بالك يا شيخ تصنع هذا قال يا إبراهيم الكبر قال ابن كم أنت فزاد على عمر إبراهيم سنتين فقال إبراهيم إنما بيني وبينك سنتان فإذا بلغت ذلك صرت مثلك قال نعم قال إبراهيم اللهم اقبضني إليك قبل ذلك فقام الشيخ فقبض روحه وكان ملك الموت ولما مات إبراهيم عليه السلام وكان موته وهو ابن مائتي سنة وقيل ابن مائة وخمس وسبعين سنة دفن عند قبر سارة في مزرعة حبرون وكان مما أنزل الله تعالى على إبراهيم عليه السلام من الصحف فيما قيل عشر صحائف كذلك حدثني أحمد بن عبدالرحمن بن وهب قال أخبرني عمي عبدالله بن وهب قال حدثني الماضي بن محمد عن أبي سليمان عن القاسم بن محمد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري قال قلت يا رسول الله كم كتاب أنزله الله قال مائة كتاب وأربع كتب أنزل الله عز و جل على آدم عليه السلام عشر صحائف وعلى شيث خمسين صحيفة وأنزل على أخنوخ ثلاثين صحيفة وأنزل على إبراهيم عشر صحائف وأنزل جل وعز التوراة والإنجيل والزبور والفرقان قلت يا رسول الله فما كانت صحف إبراهيم قال كانت أمثالا كلها أيها الملك المسلط المبتلى المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أردها وإن كانت من كافر وكانت فيها أمثال وعلى العاقل مالم يكن مغلوبا على عقله أن يكون له ساعات ساعة يناجي فيها ربه وساعة يفكر فيها في صنع الله عز و جل وساعة يحاسب فيها نفسه فيما قدم وأخر وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال في المطعم والمشرب وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا إلا في ثلاث تزود لمعاده ومرمة لمعاشه ولذة في غير (1/187) ________________________________________ محرم وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه وكان لإبراهيم فيما ذكر أخوان يقال لأحدهما هاران وهو أبو لوط وقيل إن هاران هو الذي بنى مدينة حران وإليه نسبت والآخر منهما ناحورا وهو أبو بتويل وبتويل هو أبو لابان ورفقا ابنة بتويل ورفقا امرأة إسحاق بن إبراهيم أم يعقوب ابنة بتويل وليا وراحيل امرأتا يعقوب ابنتا لابان |
رد: مكتبتي
ذكر خبر ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام
قد مضى ذكرنا سبب مصير إبرهيم بابنه إسماعيل وأمه هاجر إلى مكة وإسكانه إياهما بها ولما كبر إسماعيل تزوج امرأة من جرهم فكان من أمرها ما قد تقدم ذكره ثم طلقها بأمر أبيه إبراهيم بذلك ثم تزوج أخرى يقال لها السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي وهي التي قال لها إبراهيم إذ قدم مكة وهي زوجة إسماعيل قولي لزوجك إذا جاء قد رضيت لك عتبة بابك فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ولد لإسماعيل بن إبراهيم اثنا عشر رجلا وأمهم السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي نابت بن إسماعيل وقيدر بن إسماعيل وأدبيل بن إسماعيل ومبشا بن إسماعيل ومسمع بن إسماعيل ودما بن إسماعيل وماس بن إسماعيل وأدد بن إسماعيل ووطور بن إسماعيل ونفيس بن إسماعيل وطما بن إسماعيل وقيدمان بن إسماعيل قال وكان عمر إسماعيل فيما يزعمون ثلاثين ومائة سنة ومن نابت وقيدر نشر الله العرب ونبأ الله عز و جل إسماعيل فبعثه إلى العماليق فيما قيل وقبائل اليمن وقد ينطق أسماء أولاد إسماعيل بغير الألفاظ التي ذكرت عن ابن إسحاق فيقول بعضهم في قيدر قيدار وفي أدبيل أدبال وفي مبشا مبشام وفي دما ذوما ومسا وحداد وتيم ويطور ونافس وقادمن وقيل إن إسماعيل لما حضرته الوفاة أوصى إلى أخيه إسحاق وزوج ابنته من العيص بن إسحاق وعاش إسماعيل فيما ذكر مائة وسبعا وثلاثين سنة ودفن في الحجر عند قبر أمه هاجر حدثني عبدة بن عبدالله الصفار قال حدثنا خالد بن عبدالرحمن المخزومي عن مبارك بن حسان صاحب الأنماط عن عمر بن عبدالعزيز قال شكا إسماعيل إلى ربه تبارك وتعالى حر مكة فأوحى الله تعالى إليه إني فاتح لك بابا من الجنة يجري عليك روحها إلى يوم القيامة وفي ذلك المكان تدفن ونرجع الآن إلى |
رد: مكتبتي
(1/189)
ذكر إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام وذكر نسائه وأولاده إذ كان التأريخ غير متصل على سياق معروف لأمة بعد الفرس غيرهم وذلك أن الفرس كان ملكهم متصلا دائما من عهد جيومرت الذي قد وصفت شأنه وخبره إلى أن زال عنهم بخير أمة أخرجت للناس أمة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وكانت النبوة والملك متصلين بالشأم ونواحيها لولد إسرائيل بن إسحاق إلى أن زال ذلك عنهم بالفرس والروم بعد يحيى بن زكرياء وبعد عيسى بن مريم عليهما السلام وسنذكر إذا نحن انتهينا إلى الخبر عن يحيى وعيسى عليهما السلام سبب زوال ذلك عنهم إن شاء الله فأما سائر الأمم غير الفرس فإنه غير ممكن الوصول إلى علم التأريخ بهم إذ لم يكن لهم ملك متصل في قديم الأيام وجديثه إلا ما لا يمكن معه سياق التأريخ عليه وعلى أعمار ملوكهم إلا ما ذكرنا من ولد يعقوب إلى الوقت الذي ذكرت فإن ذلك وإن كانت مدته انقطعت بزواله عنهم فإن قدر مدة زواله عنهم إلى غايتنا هذه معلوم مبلغه وقد كان لليمن ملوم لهم ملك غير أنه كان غير متصل وإنما كان يكون منهم الواحد بعد الواحد وبين الأول والآخر فترات طويلة لا يقف على مبلغها العلماء لقلة عنايتهم كانت بها ومبلغ عمر الأول منهم والآخر إذا لم يكن من الأمر الدائم فإن دام منه شيء فإنما يدوم لمن دام له منهم بأنه عامل لغيره في الموضع الذي هو به لا يملكه بنفسه وذلك كدوامه لآل نصر بن ربيعة بن الحارث بن مالك بن عمرو بن نمارة بن لخم فإنهم كانوا على فرج ثغر العرب للفرس من الحيرة إلى حد اليمن طولا وإلى حدود الشأم وما اتصل بذلك عرضا فلم يزل ذلك دائما لهم من عهد أردشير بابكان إلى أن قتل كسرى أبرويز بن هرمز بن أنوشروان النعمان بن المنذر فنقل عنهم ما كان إليهم من العمل على ثغر العرب إلى إياس بن قبيصة الطائي فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال نكح إسحاق بن إبراهيم رفقا بنت بتويل بن إلياس فولدت له عيص بن إسحاق ويعقوب بن إسحاق يزعمون أنهما كانا توءمين وأن عيصا كان أكبرهما ثم نكح عيص بن إسحاق ابنة عمه بسمة ابنة إسماعيل بن إبراهيم فولدت له الروم بن عيص فكل بني الأصفر من ولده قال وبعض الناس يزعم أن الأشبان من ولده ولا أدري أمن ابنة إسماعيل أم لا ونكح يعقوب بن إسحاق وهو إسرائيل ابنة خاله ليا ابنة لبان بن بتويل بن إلياس فولدت له روبيل بن يعقوب وكان أكبر ولده وشمعون بن يعقوب ولاوى بن يعقوب ويهوذا بن يعقوب وزبالون بن يعقوب ويسحر بن يعقوب ودينة ابنة يعقوب وقد قيل في يسحر إن اسمه يشحر ثم توفيت ليا بنت لبان فخلف يعقوب على أختها راحيل بنت لبان بن بتويل بن إلياس فولدت له يوسف بن (1/190) ________________________________________ يعقوب وبنيامين بن يعقوب وهو بالعربية شداد وولد له من سريتين اسم إحداهما زلفة واسم الأخرى بلهة أربعة نفر دان بن يعقوب ونفثالي بن يعقوب وجاد بن يعقوب وأشر بن يعقوب فكان بنو يعقوب اثني عشر رجلا وقد قال بعض أهل التوراة إن رفقا زوجة إسحاق هي ابنة ناهر بن آزر عم إسحاق وإنها ولدت له ابنيه عيصا ويعقوب في بطن واحد وإن إسحاق أمر ابنه يعقوب ألا ينكح امرأة من الكنعانيين وأمره أن ينكح امرأة من بنات خاله لبان بن ناهر وأن يعقوب لما أراد النكاح مضى إلى خاله لبان بن ناهر خاطبا فأدركه الليل في بعض الطريق فبات متوسدا حجرا فرأى فيما يرى النائم أن سلما منصوبا إلى باب من أبواب السماء عند رأسه والملائكة تنزل وتعرج فيه وأن يعقوب صار إلى خاله فخطب إليه ابنته راحيل وكانت له ابنتان ليا وهي الكبرى وراحيل وهي الصغرى فقال له هل من مال أزوجك عليه فقال يعقوب لا إلا أني أخدمك أجيرا حتى تستوفي صداق ابنتك قال فإن صداقها أن تخدمني سبع حجج قال يعقوب فزوجني راحيل وهي شرطي ولها أخدمك فقال له خاله ذلك بيني وبينك فرعى له يعقوب سبع سنين فلما وفى له شرطه دفع إليه ابنته الكبرى ليا وأدخلها عليه ليلا فلما أصبح وجد غير ما شرط فجاءه يعقوب وهو في نادي قومه فقال له غررتني وخدعتني واستحللت عملي سبع سنين ودلست علي غير امرأتي فقال له خاله يا ابن أختي أردت أن تدخل على خالك العار والسبة وهو خالك ووالدك ومتى رأيت الناس يزوجون الصغرى قبل الكبرى فهلم فاخدمني سبع حجج أخرى فأزوجك أختها وكان الناس يومئذ يجمعون بين الأختين إلى أن بعث موسى عليه السلام وأنزل عليه التوراة فرعى له سبعا فدفع إليه راحيل فولدت له ليا أربعة اسباط روبيل ويهوذا وشمعان ولاوى وولدت له راحيل يوسف وأخاه بنيامين وأخوات لهما وكان لابان دفع إلى ابنتيه حين جهزهما إلى يعقوب أمتين فوهبتا الأمتين ليعقوب فولدت كل واحدة منهما له ثلاثة رهط من الأسباط وفارق يعقوب خاله وعاد حتى نازل أخاه عيصا وقال بعضهم ولد ليعقوب دان ونفثالي من زلفة جارية راحيل وذلك أنها وهبتها له وسألته أن يطلب منها الولد حين تأخر الولد عنها وأن ليا وهبت جاريتها بلهة ليعقوب منافسة لراحيل في جاريتها وسألته أن يطلب منها الولد فولدت له جاد وأشير ثم ولد له من راحيل بعد اليأس يوسف وبنيامين فانصرف يعقوب بولده هؤلاء وامرأتيه المذكورتين إلى منزل أبيه من فلسطين على خوف شديد من أخيه العيص فلم ير منه إلا خيرا وكان العيص فيما ذكر لحق بعمه إسماعيل فتزوج إليه ابنته بسمة وحملها إلى الشام فولدت له عدة أولاد فكثروا حتى غلبوا الكنعانيين بالشأم وصاروا إلى البحر وناحية الإسكندرية ثم إلى الروم وكان العيص فيما ذرك يسمى آدم لأدمته قال ولذلك سمي ولده ولد الأصفر وكانت ولادة رفقا بنت بتويل لإسحاق بن إبراهيم ابنيه العيص ويعقوب بعد أن خلا من عمر إسحاق ستون سنة توءمين في بطن واحد والعيص المتقدم منهما خروجا من بطن أمه فكان إسحاق فيما ذكر يختص العيص وكانت رفقا أمهما تميل إلى يعقوب فزعموا أن يعقوب ختل العيص في قربان قرباه بأمر أبيهما إسحاق بعد ما كبرت سن إسحاق وضعف بصره فصار أكثر دعاء إسحاق ليعقوب وتوجهت البركة نحوه بدعاء أبيه إسحاق له فغاظ ذلك العيص وتوعده بالقتل فخرج يعقوب هاربا منه إلى خاله لابان ببابل فوصله لابان وزوجه ابنتيه ليا وراحيل وانصرف بهما (1/191) ________________________________________ وبجاريتيهما وأولاده الأسباط الاثني عشر وأختهم دينا إلى الشأم إلى منزل آبائه وتألف أخاه العيص حتى نزل له البلاد وتنقل في الشأم حتى صار إلى السواحل ثم عبر إلى الروم فأوطنها وصار الملوك من ولده وهم اليونانية فيما زعم هذا القائل حدثنا الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي قال حدثنا أبي قال أخبرنا أسباط عن السدي قال تزوج إسحاق امرأة فحملت بغلامين في بطن فلما أرادت أن تضعهما اقتتل الغلامان في بطنها فأراد يعقوب أن يخرج قبل عيص فقال عيص والله لئن خرجت قبلي لأعترضن في بطن أمي ولأقتلنها فتأخر يعقوب وخرج عيص قبله وأخذ يعقوب بعقب عيص فخرج فسمي عيصا لأنه عصى فخرج قبل يعقوب وسمي يعقوب لأنه خرج أخذا بعقب عيص وكان يعقوب أكبرهما في البطن ولكن عيصا خرج قبله وكبر الغلامان فكان عيص أحبهما إلى أبيه وكان يعقوب أحبهما إلى أمه وكان عيص صاحب صيد فلما كبر إسحاق وعمي قال لعيص يا بني أطعمني لحم صيد واقترب مني أدع لك بدعاء دعا لي به أبي وكان عيص رجلا أشعر وكان يعقوب رجلا أجرد فخرج عيص يطلب الصيد وسمعت أمه الكلام فقالت ليعقوب يا بني اذهب إلى الغنم فاذبح منها شاة ثم اشوه والبس جلده وقدمه إلى أبيك وقل له أنا ابنك عيص ففعل ذلك يعقوب فلما جاء قال يا أبتاه كل قال من أنت قال أنا ابنك عيص قال فمسه فقال المس مس عيص والريح ريح يعقوب قالت أمه هو ابنك عيص فادع له قال قدم طعامك فقدمه فأكل منه ثم قال ادن مني فدنا منه فدعا له أن يجعل في ذريته الأنبياء والملوك وقام يعقوب وجاء عيص فقال قد جئتك بالصيد الذي أمرتني به فقال يا بني قد سبقك اخوك يعقوب فغضب عيص وقال والله لأقتلنه قال يا بني قد بقيت لك دعوة فهلم أدع لك بها فدعا له فقال تكون ذريتك عددا كثيرا كالتراب ولا يملكهم أحد غيرهم وقالت أم يعقوب ليعقوب الحق بخالك فكن عنده خشية أن يقتلك عيص فانطلق إلى خاله فكان يسري بالليل ويكمن بالنهار ولذلك سمي إسرائيل وهو سري الله فأتى خاله وقال عيص أما إذ غلبتني على الدعوى فلا تغلبني على القبر أن أدفن عند آبائي إبراهيم وإسحاق فقال لئن فعلت لتدفنن معه ثم إن يعقوب عليه السلام هوى ابنة خاله وكانت له ابنتان فخطب إلى أبيهما الصغرى منهما فأنكحها إياه على أن يرعى غنمه إلى أجل مسمى فلما انقضى الأجل زف إليه أختها ليا قال يعقوب إنما أردت راحيل فقال له خاله إنا لا ينكح فينا الصغير قبل الكبير ولكن ارع لنا أيضا وأنكحها ففعل فلما انقضى الأجل زوجه راحيل أيضا فجمع يعقوب بينهما فذلك قول الله وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ( 1 ) يقول جمع يعقوب بين ليا وراحيل فحملت ليا فولدت يهوذا وروبيل وشمعون وولدت راحيل يوسف وبنيامين وماتت راحيل في نفاسها ببنيامين يقول من وجع النفاس الذي ماتت فيه وقطع خال يعقوب ليعقوب قطيعا من الغنم فأراد الرجوع إلى بيت المقدس فلما ارتحلوا لم يكن له نفقة فقالت امرأة يعقوب ليوسف خذ من أصنام أبي لعلنا نستنفق منه فأخذ وكان الغلامان في حجر يعقوب فأحبهما وعطف عليهما ليتمهما من أمهما وكان أحب الخلق إليه يوسف عليه السلام فلما قدموا أرض (1/192) ________________________________________ الشأم قال يعقوب لراع من الرعاة إن أتاكم أحد يسألكم من أنتم فقولوا نحن ليعقوب عبد عيص فلقيهم عيص فقال من أنتم قالوا نحن ليعقوب عبد عيص فكف عيص عن يعقوب ونزل يعقوب بالشام فكان همه يوسف وأخوه فحسده إخوته لما رأوا من حب أبيه له ورأى يوسف في المنام كأن أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رآهم ساجدين له فحدث أباه بها فقال يا بني لا تقصص رءياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين ( 1 ) |
رد: مكتبتي
ذكر أيوب عليه السلام
ومن ولده فيما قيل أيوب نبي الله وهو فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عمن لا يتهم عن وهب بن منبه أن أيوب كان رجلا من الروم وهو أيوب بن موص بن رازح بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم وأما غير ابن إسحاق فإنه يقول هو أيوب بن موص بن رغويل بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم وكان بعضهم يقول هو أيوب بن موص بن رعويل ويقول كان أبوه ممن آمن بإبراهيم عليه السلام يوم أحرقه نمرود وكانت زوجته التي أمر بضربها بالضغث ابنة ليعقوب بن إسحاق يقال لها ليا كان يعقوب زوجها منه وحدثني الحسين بن عمرو بن محمد قال حدثنا أبي قال أخبرنا غياث بن إبراهيم قال ذكر والله أعلم أن عدو الله إبليس لقي امرأة أيوب وذكر انها كانت ليا بنت يعقوب فقال يا ليا ابنة الصديق وأخت الصديق وكانت أم أيوب ابنة للوط بن هاران وقيل إن زوجته التي أمر بضربها بالضغث هي رحمة بنت أفرائيم بن يوسف بن يعقوب وكانت لها البثنية من الشام كلها بما فيها وكان فيما ذكر عن وهب بن منبه في الخبر الذي حدثنيه محمد بن سهل بن عسكر البخاري قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم أبو هشام قال حدثني عبدالصمد بن معقل قال سمعت وهب بن منبه يقول إن إبليس لعنه الله سمع تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب وذلك حين ذكره الله تعالى وأثنى عليه فأدركه البغي والحسد فسأل الله أن يسلطه عليه ليفتنه عن دينه فسلطه الله على ماله دون جسده وعقله وجمع إبليس عفاريت الشياطين وعظماءهم وكان لأيوب البثنية من الشام كلها بما فيها بين شرقها وغربها وكان بها ألف شاة برعاتها وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ومال ويحمل آلة كل فدان أتان لكل أتان ولد بين اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وفوق ذلك فلما جمعهم إبليس قال ماذا عندكم من القوة والمعرفة فإني قد سلطت على مال أيوب فهي المصيبة الفادحة والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال فقال كل من عنده قوة على إهلاك ما عنده فأرسلهم فأهلكوا ماله كله وأيوب في كل ذلك يحمد الله ولا يثنيه شيء أصيب به من ماله عن الجد في عبادة الله تعالى والشكر له على ما أعطاه والصبر على ما ابتلاه به فلما رأى ذلك من أمره إبليس لعنه الله سأل الله تعالى أن يسلط على (1/194) ________________________________________ ولده فسلط عليهم ولم يجعل له سلطانا على جسده وقلبه وعقله فأهلك ولده كلهم ثم جاء إليه متمثلا بمعلمهم الذي كان يعلمهم الحكمة جريحا مشدوخا يرققه حتى رق أيوب فبكى فقبض من قبضة من تراب فوضعها على رأسه فسر بذلك إبليس واغتنمه من أيوب عليه السلام ثم إن أيوب تاب واستغفر فصعدت قرناؤه من الملائكة بتوبته فبدروا إبليس إلى الله عز و جل فلما لم يثن أيوب عليه السلام ما حل به من المصيبة في ماله وولده عن عبادة ربه والجد في طاعته والصبر على ما ناله سأل الله عز و جل إبليس أن يسلطه على جسده فسلطه على جسده خلا لسانه وقلبه وعقله فإنه لم يجعل له على ذلك منه سلطانا فجاءه وهو ساجد فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده فصار من جملة أمره إلى أن أنتن جسده فأخرجه أهل القرية من القرية إلى كناسة خارج القرية لا يقربه أحد إلا زوجته وقد ذكرت اختلاف الناس في اسمها ونسبها قبل ثم رجع الحديث إلى حديث وهب بن منبه وكانت زوجته تختلف إليه بما يصلحه وتلزمه وكان قد اتبعه ثلاثة نفر على دينه فلما رأوا ما نزل به من البلاء رفضوه واتهموه من غير أن يتركوا دينه يقال لأحدهم بلدد وللآخر اليفز وللثالث صافر فانطلقوا إليه وهو في بلائه فبكتوه فلما سمع أيوب عليه السلام كلامهم أقبل على ربه يستغيثه ويتضرع إليه فرحمه ربه ورفع عنه البلاء ورد عليه أهله وماله ومثلهم معهم وقال له اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ( 1 ) فاغتسل به فعاد كهيئته قبل البلاء في الحسن والجمال فحدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال حدثنا فضيل بن عياض عن هشام عن الحسن قال لقد مكث أيوب عليه السلام مطروحا على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهرا ما يسأل الله عز و جل أن يكشف ما به قال فما على وجه الأرض أكرم على الله من أيوب فيزعمون أن بعض الناس قال لو كان لرب هذا فيه حاجة ما صنع به هذا فعند ذلك دعا حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية عن يونس عن الحسن قال بقي أيوب عليه السلام على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهرا اختلف فيها الرواة فهذه جملة من خبر أيوب صلى الله عليه و سلم وإنما قدمنا ذكر خبره وقصته قبل خبر يوسف وقصته لما ذكر من أمره وأنه كان نبيا في عهد يعقوب أبي يوسف عليهم السلام وذكر أن عمر أيوب كان ثلاثا وتسعين سنة وأنه أوصى عند موته إلى ابنه حومل وأن الله عز و جل بعث بعده ابنه بشر بن أيوب نبيا وسماه ذا الكفل وأمره بالدعاء إلى توحيده وأنه كان مقيما بالشأم عمره حتى مات وكان عمره خمسا وسبعين سنة وأن بشرا أوصى إلى ابنه عبدان وأن الله عز و جل بعث بعده شعيب بن صيفون بن عيفا بن نابت بن مدين بن إبراهيم إلى أهل مدين وقد اختلف في نسب شعيب فنسبه أهل التوراة النسب الذي ذكرت (1/195) ________________________________________ وكان ابن إسحاق يقول هو شعيب بن ميكائيل من ولد مدين حدثني بذلك ابن حميد حدثنا سلمة عن ابن إسحاق وقال بعضهم لم يكن شعيب من ولد إبراهيم وإنما هو من ولد بعض من كان آمن بإبراهيم واتبعه على دينه وهاجر معه إلى الشام ولكنه ابن بنت لوط فجدة شعيب ابنة لوط (1/196) ________________________________________ ذكر خبر شعيب صلى الله عليه و سلم وقيل إن اسم شعيب يزون وقد ذكرت نسبه واختلاف أهل الأنساب في نسبه وكان فيما ذكر ضرير البصر حدثني عبد الأعلى بن واصل الأسدي قال حدثنا أسيد بن زيد الجصاص قال أخبرنا شريك عن سالم عن سعيد بن جبير في قوله وإنا لنراك فينا ضعيفا ( 1 ) قال كان أعمى حدثنا أحمد بن الوليد الرملي قال حدثنا إبراهيم بن زياد وإسحاق بن المنذر وعبدالملك بن يزيد قالوا حدثنا شريك عن سالم عن سعيد مثله حدثني أحمد بن الوليد قال حدثنا عمرو بن عون ومحمد بن الصباح قالا سمعنا شريكا يقوله في قوله وإنا لنراك فينا ضعيفا قال أعمى حدثني أحمد بن الوليد قال حدثنا سعدويه قال حدثنا عباد عن شريك عن سالم عن سعيد بن جبير مثله حدثني المثنى قال حدثنا الحماني قال حدثنا عباد عن شريك عن سالم عن سعيد وإنا لنراك فينا ضعيفا قال كان ضرير البصر حدثني العباس بن أبي طالب قال حدثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي قال حدثنا خلف بن خليفة عن سفيان عن سالم عن سعيد بن جبير وإنا لنراك فينا ضعيفا قال كان ضعيف البصر حدثني المثنى قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سفيان قوله تعالى وإنا لنراك فينا ضعيفا قال كان ضعيف البصر قال سفيان وكان يقال له خطيب الأنبياء وإن الله تبارك وتعالى بعثه نبيا إلى أهل مدين وهم أصحاب الأيكة والأيكة الشجر الملتف وكانوا أهل كفر بالله وبخس للناس في المكاييل والموازين وإفساد لأموالهم وكان الله عز و جل وسع عليهم في الرزق وبسط لهم في العيش استدراجا منه لهم مع كفرهم به فقال لهم شعيب عليه السلام يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ( 2 ) فكان من قول شعيب لقومه وجواب (1/197) ________________________________________ قومه له ما ذكره الله عز و جل في كتابه فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال ابن إسحاق فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة إذا ذكره قال ذاك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه فيما يرادهم به فلما طال تماديهم في غيهم وضلالهم ولم يردهم تذكير شعيب إياهم وتحذيرهم عذاب الله لهم وأراد الله تبارك وتعالى هلاكهم سلط عليهم فيما حدثني الحارث قال حدثنا الحسن بن موسى الأشيب قال حدثني سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد قال حدثنا حاتم بن أبي صغيرة قال حدثني يزيد الباهلي قال سألت عبدالله بن عباس عن هذه الآية فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم ( 1 ) فقال عبدالله بن عباس بعث الله وبدة وحرا شديدا فأخذ بأنفاسهم فدخلوا أجواف البيوت فدخل عليهم أجواف البيوت فأخذ بأنفاسهم فخرجوا من البيوت هرابا إلى البرية فبعث الله عز و جل سحابة فأظلتهم من الشمس فوجدوا لها بردا ولذة فنادى بعضهم بعضا حتى إذا اجتمعوا تحتها أرسل الله عليهم نارا قال عبدالله بن عباس فذاك عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم حدثني يونس بن عبدالأعلى قال حدثنا ابن وهب قال حدثني جرير بن حازم أنه سمع قتادة يقول بعث شعيب إلى أمتين إلى قومه أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة وكانت الأيكة من شجر ملتف فلما أراد الله عز و جل أن يعذبهم بعث عليهم حرا شديدا ورفع لهم العذاب كأنه سحابة فلما دنت منهم خرجوا إليها رجاء بردها فلما كانوا تحتها أمطرت عليهم نارا قال فذلك قوله تعالى فأخذهم عذاب يوم الظلة حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني أبو سفيان عن معمر بن راشد قال حدثني رجل من أصحابنا عن بعض العلماء قال كانوا يعني قوم شعيب عطلوا حدا فوسع الله عليهم في الرزق ثم عطلوا حدا فوسع الله عليهم في الرزق فجعلوا كلما عطلوا حدا وسع الله عليهم في الرزق حتى إذا أراد الله هلاكهم سلط عليهم حرا لا يستطيعون أن يتقاروا ولا ينفعهم ظل ولا ماء حتى ذهب ذاهب منهم فاستظل تحت ظلة فوجد روحا فنادى أصحابه هلموا إلى الروح فذهبوا إليه سراعا حتى إذا اجتمعوا ألهبها الله عليهم نارا فذلك عذاب يوم الظلة حدثنا ابن بشار قال حدثنا عبدالرحمن قال حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن زيد بن معاوية في قوله تعالى فأخذهم عذاب يوم الظلة قال أصابهم حر قلقلهم في بيوتهم فنشأت سحابة كهيئة الظلة فابتدروها فلما ناموا تحتها أخذتهم الرجفة حدثني محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى وحدثني الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله عذاب يوم الظلة قال ظلال العذاب حدثني القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في قوله فأخذهم عذاب يوم الظلة قال أظل العذاب قوم شعيب قال ابن جريج لما أنزل الله تعالى عليهم (1/198) ________________________________________ أول العذاب أخذهم منه حر شديد فرفع الله لهم غمامة فخرج إليها طائفة منهم ليستظلوا بها فأصابهم منها برد وروح وريح طيبة فصب الله عليهم من فوقهم من تلك الغمامة عذابا فذلك قوله عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم قال بعث الله عز و جل إليهم ظلة من سحاب وبعث الله إلى الشمس فأحرقت ما على وجه الأرض فخرجوا كلهم إلى تلك الظلة حتى إذا اجتمعوا كلهم كشف الله عنهم الظلة وأحمى عليهم الشمس فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا أبو تميلة عن ابي حمزة عن جابر عن عامر عن عباس قال من حدثك من العلماء ما عذاب يوم الظلمة فكذبه حدثني محمود بن خداش حدثنا حماد بن خالد الخياط قال حدثنا داود بن قيس عن زيد بن أسلم في قوله عز و جل أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ( 1 ) قال كان مما ينهاهم عنه حذف الدراهم أو قال قطع الدراهم الشك من حماد حدثنا سهل بن موسى الرازي قال حدثنا ابن أبي فديك عن أبي مودود قال سمعت محمد بن كعب القرظي يقول بلغني أن قوم شعيب عذبوا في قطع الدراهم ثم وجدت ذلك في القرآن أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء حدثنا ابن وكيع قال حدثنا زيد بن حباب عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي قال عذب قوم شعيب في قطعهم الدراهم فقالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ونرجع الآن إلى |
رد: مكتبتي
ذكر يعقوب وأولاده
ذكروا والله أعلم أن إسحاق بن إبراهيم عاش بعد ما ولد له العيص ويعقوب مائة سنة ثم توفي وله مائة وستون سنة فقبره ابناه العيص ويعقوب عند قبر أبيه إبراهيم في مزرعة حبرون وكان عمر يعقوب بن إسحاق كله مائة وسبعا وأربعين سنة وكان ابنه يوسف قد قسم له ولأمه من الحسن مالم يقسم لكثير من أحد من الناس وقد حدثني عبدالله بن محمد وأحمد بن ثابت الرازيان قالا حدثنا عفان بن مسلم قال أخبرنا حماد بن سلمة قال أخبرنا ثابت البناني عن أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال أعطي يوسف وأمه شطر الحسن وأن أمه راحيل لما ولدته دفعه زوجها يعقوب إلى أخته تحضنه فكان من شأنه وشأن عمته التي كانت تحضنه ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبدالله بن أبي نجيح عن مجاهد قال كان أول ما دخل على يوسف من البلاء فيما بلغني أن عمته ابنة إسحاق وكانت أكبر ولد إسحاق وكانت إليها صارت منطقة إسحاق وكانوا يتوارثونها بالكبر فكان من أختانها من وليها كان له سلما لا ينازع فيه يصنع فيه ما شاء وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد كان حضنته عمته فكان معها وإليها فلم يحب أحد شيئا من الأشياء حبها إياه حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات ووقعت نفس يعقوب عليه أتاها فقال يا أخية سلمي إلي يوسف فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة قالت والله ما أنا بتاركته قال فوالله ما أنا بتاركه قالت فدعه عندي أياما أنظر إليه وأسكن عنه لعل ذلك يسليني عنه أو كما قالت فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه ثم قالت لقد فقدت منطقة إسحاق فانظروا من أخذها ومن أصابها فالتمست ثم قالت كشفوا أهل البيت فكشفوهم فوجدوها مع يوسف فقالت والله إنه لي لسلم أصنع فيه ما شئت قال وأتاها يعقوب فأخبرته الخبر فقال لها أنت وذاك إن كان فعل ذلك فهو سلم لك ما أستطيع غير ذلك فأمسكته فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت قال فهو الذي قول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ( 1 ) قال أبو جعفر فلما رأت إخوة يوسف شدة حب والدهم يعقوب إياه في صباه وطفولته وقلة صبره عنه (1/200) ________________________________________ حسدوه على مكانه منه وقال بعضهم لبعض ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة يعنون بالعصبة الجماعة وكانوا عشرة إن أبانا لفي ضلال مبين ( 1 ) ثم كان من أمره وأمر يعقوب ما قد قص الله تبارك وتعالى في كتابه من مسألتهم إياه إرساله إلى الصحراء معهم ليسعى وينشط ويلعب وضمانهم له حفظه وإعلام يعقوب إياهم حزنه بمغيبه عنه وخوفه عليه من الذئب وخداعهم والدهم بالكذب من القول والزور عن يوسف ثم إرساله معهم وخروجهم به وعزمهم حين برزوا به إلى الصحراء على إلقائه في غيابة الجب فكان من أمره حينئذ فيما ذكر ما حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد العنقزي عن أسباط عن السدي قال أرسله يعني يعقوب يوسف معهم فأخرجوه وبه عليهم كرامة فلما برزوا إلى البرية أظهروا له العداوة وجعل أخوه يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه فجعل لا يرى منهم رحيما فضربوه حتى كادوا يقتلونه فجعل يصيح ويقول يا أبتاه يا يعقوب لو تعلم ما يصنع بابنك بنو الإماء فلما كادوا يقتلونه قال يهوذا أليس قد أعطيتموني موثقا ألا تقتلوه فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه فجعلوا يدلونه في البئر فيتعلق بشفيرها فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال يا إخوتاه ردوا علي قميصي أتوارى به في الجب فقالوا ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا تؤنسك قال إني لم أر شيئا فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت فكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فيها فقام عليها فلما ألقوه في الجب جعل يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه فقام يهوذا فمنعهم وقال قد أعطيتموني موثقا ألا تقتلوه وكان يهوذا يأتيه بالطعام ثم خبره تبارك وتعالى عن وحيه إلى يوسف عليه السلام وهو في الجب لينبئن إخوته الذين فعلوا به ما فعلوا بفعلهم ذلك وهم لا يشعرون بالوحي الذي أوحى إلى يوسف كذلك روي ذلك عن قتادة حدثنا محمد بن عبدالأعلى الصنعاني قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا قال أوحى إلى يوسف وهو في الجب أن ينبئهم بما صنعوا به وهم لا يشعرون ( 2 ) بذلك الوحي حدثني المثنى قال حدثنا سويد قال أخبرنا ابن المبارك عن معمر عن قتادة بنحوه إلا أنه قال أن سينبئهم وقيل معنى ذلك وهم لا يشعرون أنه يوسف وذلك قول يروى عن ابن عباس حدثني بذلك الحارث قال حدثنا عبدالعزيز قال حدثنا صدقة بن عبادة الأسدي عن أبيه قال سمعت ابن عباس يقول ذاك وهو قول ابن جريج ثم خبره تعالى عن إخوة يوسف ومجيئهم إلى أبيه عشاء يبكون يذكرون له أن يوسف أكله الذئب وقول والدهم بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل ( 3 ) ثم خبره جل جلاله عن مجيء السيارة وإرسالهم واردهم وإخراج الوارد يوسف وإعلامه أصحابه به (1/201) ________________________________________ بقوله يا بشرى هذا غلام ( 1 ) يبشرهم حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال يا بشرى هذا غلام تباشروا به حين أخرجوه وهي بئر بأرض بيت المقدس معلوم مكانها وقد قيل إنما نادى الذي أخرج يوسف من البئر صاحبا له يسمى بشرى فناداه باسمه الذي هو اسمه كذلك ذكر عن السدي حدثنا الحسن بن محمد حدثنا خلف بن هشام قال حدثنا يحيى بن آدم عن قيس بن الربيع عن السدي في قوله يا بشرى قال كان اسم صاحبه بشرى حدثني المثنى قال حدثنا عبدالرحمن بن أبي حماد قال حدثنا الحكم بن ظهير عن السدي في قوله يا بشرى هذا غلام قال اسم الغلام بشرى كما تقول يا زيد ثم خبره عز و جل عن السيارة وواردهم الذي استخرج يوسف من الجب إذ اشتروه من إخوته بثمن بخس دراهم معدودة ( 2 ) عل زهد فيه وإسرارهم إياه بضاعة خيفة ممن معهم من التجار مسألتهم الشركة فيه إن هم علموا أنهم اشتروه كذلك قال في ذلك أهل التأويل حدثني محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وأسروه بضاعة ( 2 ) قال صاحب الدلو ومن معه قالوا لأصحابهم إنا استبضعناه خيفة أن يستشركوهم فيه إن علموا بثمنه وتبعهم إخوته يقولون للمدلي وأصحابه استوثقوا منه لا يأبق حتى وقفوه بمصر فقال من يبتاعني ويبشر فاشتراه الملك والملك مسلم حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا شبابة قال حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه غير أنه قال خيفة أن يستشركوهم إن علموا به واتبعهم إخوته يقولون للمدلي وأصحابه استوثقوا منه لا يأبق حتى وقفوه بمصر حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط عن السدي واسروه بضاعة قال لما اشتراه الرجلان فرقوا من الرفقة أن يقولوا اشتريناه فيسألونهم الشركة فيه فقالوا إن سألونا ما هذا قلنا بضاعة استبضعناه أهل الماء فذلك قوله وأسروه بضاعة فكان بيعهم إياه ممن باعوه منه بثمن بخس وذلك الناقص القليل من الثمن الحرام وقيل إنهم باعوه بعشرين درهما ثم اقتسموها وهم عشرة درهمين درهمين وأخذوا العشرين معدودة بغير وزن لأن الدراهم حينئذ فيما قيل إذا كانت أقل من أوقية وزنها أربعون درهما لم تكن توزن لأن أقل أوزانهم يومئذ كانت أوقية وقد قيل إنهم باعوه بأربعين درهما وقيل باعوه باثنين وعشرين درهما (1/202) ________________________________________ وذكر أن بائعه الذي باعه بمصر كان مالك بن دعر بن يوبب بن عفقان بن مديان بن إبراهيم الخليل عليه السلام حدثنا بذلك ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس وأما الذي اشتراه بها وقال لامرأته أكرمي مثواه ( 1 ) فإن اسمه فيما ذكر عن ابن عباس قطفير حدثني محمد بن سعد قال حدثني أبي قال حدثني عمي قال حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قال كان اسم الذي اشتراه قطفير وقيل إن اسمه أطفير بن روحيب وهو العزيز وكان على خزائن مصر والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق كذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق فأما غيره فإنه قال كان يومئذ الملك بمصر وفرعونها الريان بن الوليد بن ثروان بن أراشة بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح وقد قال بعضهم إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتبع يوسف على دينه ثم مات ويوسف بعد حي ثم ملك بعده قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن قاران بن عمر بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام وكان كافرا فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى أن يقبل وذكر بعض أهل التوراة أن في التوراة أن الذي كان من أمر يوسف وإخوته والمصير به إلى مصر وهو ابن سبع عشرة سنة يومئذ وأنه أقام في منزل العزيز الذي اشتراه ثلاث عشرة سنة وأنه لما تمت له ثلاثون سنة استوزره فرعون مصر الوليد بن الريان وأنه مات يوم مات وهو ابن مائة سنة وعشر سنين وأوصى إلىأخيه يهوذا وأنه كان بين فراقه يعقوب واجتماعه معه بمصر اثنتان وعشرون سنة وأن مقام يعقوب معه بمصر بعد موافاته بأهله سبع عشرة سنة وأن يعقوب صلى الله عليه و سلم أوصى إلى يوسف عليه السلام وكان دخول يعقوب مصر في سبعين إنسانا من أهله فلما اشترى أطفير يوسف وأتى به منزله قال لأهله واسمها فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق راعيل أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا فيكفينا إذا هو بلغ وفهم الأمور بعض ما نحن بسبيله من أمورنا أو نتخذه ولدا وذلك أنه كان فيما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق رجلا لا يأتي النساء وكانت امرأته راعيل حسناء ناعمة في ملك ودنيا فلما خلا من عمر يوسف عليه السلام ثلاث وثلاثون سنة أعطاه الله عز و جل الحكم والعلم حدثني المثنى قال حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد آتيناه حكما وعلما ( 2 ) قال العقل والعلم قبل النبوة وراودته حين بلغ من السن أشده التي هو في بيتها عن نفسه وهي راعيل امرأة العزيز أطفير وغلقت الأبواب ( 3 ) عليه وعليها للذي أرادت منه وجعلت فيما ذكر تذكر ليوسف محاسنه (1/203) ________________________________________ تشوقه بذلك إلى نفسها ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد عن أسباط عن السدي ولقد همت به وهم بها ( 1 ) قال قالت له يا يوسف ما أحسن شعرك قال هو أول ما ينتثر من جسدي قالت يا يوسف ما أحسن عينيك قال هي أول ما يسيل إلى الأرض من جسدي قالت يا يوسف ما أحس وجهك قال هو للتراب يأكله فلم تزل حتى أطمعته فهمت به وهم بها فدخلا البيت وغلقت الأبواب وذهب ليحل سراويله فإذا هو بصورة يعقوب قائما في البيت قد عض على إصبعه يقول يا يوسف لا تواقعها فإنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق ومثلك إن واقعتها مثله إذا مات وقع في الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ومثلك ما لم تواقعها مثل الثور الصعب الذي لا يعمل عليه ومثلك إن واقعتها مثل الثور حين يموت فيدخل النمل في أصل قرنيه لا يستطيع أن يدفع عن نفسه فربط سراويله وذهب ليخرج يشتد فأدركته فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه فخرقته حتى أخرجته منه وسقط وطرحه يوسف واشتد نحو الباب وقد حدثنا أبو كريب وابن وكيع وسهل بن موسى قالوا حدثنا ابن عيينة عن عثمان بن أبي سليمان عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس سئل عن هم يوسف ما بلغ قال حل الهميان وجلس منها مجلس الحائز حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج قال أخبرنا عبدالله بن أبي مليكة قال قلت لابن عباس ما بلغ من هم يوسف قال استلقت له وجلس بين رجليها ينزع ثيابه فصرف الله تعالى عنه ما كان هم به من السوء بما رأى من البرهان الذي أراه الله فذلك فيما قال بعضهم صورة يعقوب عاضا على إصبعه وقال بعضهم بل نودي من جانب البيت أتزني فتكون كالطير وقع ريشه فذهب يطير ولا ريش له وقال بعضهم رأى في الحائط مكتوبا ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ( 2 ) فقام حين رأى برهان ربه هاربا يريد باب البيت فرارا مما أرادته واتبعته راعيل فأدركته قبل خروجه من الباب فجذبته بقميصه من قبل ظهره فقدت قميصه وألفى يوسف وراعيل سيدها وهو زوجها أطفير جالسا عند الباب مع ابن عم لراعيل كذلك حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد عن أسباط عن السدي وألفيا سيدها لدى الباب ( 3 ) قال كان جالسا عند الباب وابن عمها معه فلما رأته قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم ( 4 ) إنه راودني عن نفسي فدفعته عن نفسي فأبيت فشققت قميصه قال يوسف بل هي راودتني عن نفسي فأبيت وفررت منها فأدركتني فشقت قميصي فقال ابن عمها تبيان هذا (1/204) ________________________________________ في القميص فإن كان القميص قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين ( 1 ) وإن كان القميص قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين ( 1 ) فأتي بالقميص فوجده قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين ( 2 ) حدثني محمد بن عمارة قال حدثنا عبيدالله بن موسى قال أخبرنا شيبان عن أبي إسحاق عن نوف الشامي قال ما كان يوسف يريد أن يذكره حتى قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم قال فغضب وقال هي راودتني عن نفسي وقد اختلف في الشاهد الذي شهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين فقال بعضهم ما ذكرت عن السدي وقال بعضهم كان صبيا في المهد وقد روي في ذلك عن رسول الله ما حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا عفان بن مسلم قال حدثنا حماد قال أخبرنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال تكلم أربعة وهم صغار فذكر فيهم شاهد يوسف حدثنا ابن وكيع قال حدثنا العلاء بن عبدالجبار عن حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال تكلم أربعة وهم صغار ابن ماشطة ابنة فرعون وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسىبن مريم وقد قيل إن الشاهد كان هو القميص وقده من دبره ذكر بعض من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله عز و جل وشهد شاهد من أهلها قال قميصه مشقوق من دبره فتلك الشهادة فلما رأى زوج المرأة قميص يوسف قد من دبر قال لراعيل زوجته إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ثم قال ليوسف أعرض عن ذكر ما كان منها من مراودتها إياك عن نفسها فلا تذكره لأحد ثم قال لزوجته استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين وتحدث النساء بأمر يوسف وأمر امرأة العزيز بمصر ومراودتها إياه على نفسها فلم ينكتم وقلن امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا ( 3 ) قد وصل حب يوسف إلى شغاف قلبها فدخل تحته حتى غلب على قلبها وشغاف القلب غلافه وحجابه حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد عن أسباط عن السدي قد شغفها حبا قال والشغاف جلدة على القلب يقال لها لسان القلب يقول دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب فلما سمعت امرأة العزيز بمكرهن وتحدثهن بينهن بشأنها وشأن يوسف وبلغها ذلك أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ يتكئن (1/205) ________________________________________ عليه إذا حضرنها من وسائد وحضرنها فقدمت إليهن طعاما وشرابا وأترجا وأعطت كل واحدة منهن سكينا تقطع به الأترج حدثني سليمان بن عبدالجبار قال حدثنا محمد بن الصلت قال حدثنا أبو كدينة عن حصين عن مجاهد عن ابن عباس وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا قال أعطتهن أترجا وأعطت كل واحدة منهن سكينا فلما فعلت امرأة العزيز ذلك بهن وقد أجلست يوسف في بيت ومجلس غير المجلس الذي هن فيه جلوس قالت ليوسف أخرج عليهن فخرج يوسف عليهن فلما رأيته أجللنه وأكبرنه وأعظمنه وقطعن أيديهن بالسكاكين التي في أيديهن وهن يحسبن أنهن يقطعن بها الأترج وقلن معاذ الله ما هذا إنس إن هذا إلا ملك كريم ( 1 ) فلما حل بهن ما حل من قطع أيديهن من أجل نظرة نظرنها إلى يوسف وذهاب عقولهن وعرفتهن خطأ قيلهن امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه وإنكارهن ما أنكرن من أمرها أقرت عند ذلك لهن بما كان من مراودتها إياه على نفسها فقالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم بعد ما حل سراويله حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمروبن محمد عن أسباط عن السدي قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم تقول بعد ما حل السراويل استعصم لا أدري ما بدا له ثم قالت لهن ولئن لم يفعل ما آمره من إتيانها ليسجنن وليكونن من الصاغرين فاختار السجن على الزنا ومعصية ربه فقال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ( 2 ) حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد عن أسباط عن السدي قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه من الزنا واستغاث بربه عز و جل فقال وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ( 3 ) فأخبر الله عز و جل أنه استجاب له دعاءه فصرف عنه كيدهن ونجاه من ركوب الفاحشة ثم بدا للعزيز من بعد ما رأى من الآيات ما رأى من قد القميص من الدبر وخمش في الوجه وقطع النسوة أيديهن وعلمه ببراءة يوسف مما قرف به من ترك يوسف مطلقا وقد قيل إن السبب الذي من أجله بدا له في ذلك ما حدثنا ابن ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد عن أسباط عن السدي ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ( 4 ) قال قالت المرأة لزوجها إن هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس يعتذر إليهم ويخبرهم أني راودته عن نفسه ولست أطيق أن أعتذر بعذري فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر وإما أن تحبسه كما حبستني فذلك قول الله عز و جل ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين فذكر أنهم حبسوه سبع سنين ذكر من قال ذلك (1/206) ________________________________________ حدثنا ابن وكيع قال حدثنا المحاربي عن داود عن عكرمة ليسجننه حتى حين قال سبع سنين فلما حبس يوسف في السجن صاحبه العزيز أدخل معه السجن الذي حبس فيه فتيان من فتيان الملك صاحب مصر الأكبر وهوالوليد بن الريان أحدهما كان صاحب طعامه والآخر كان صاحب شرابه حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال حبسه الملك وغضب على خبازه بلغه أنه يريد أن يسمه فحبسه وحبس صاحب شرابه ظن أنه مالأه على ذلك فحبسهما جميعا فذلك قول الله عز و جل ودخل معه السجن فتيان ( 1 ) فلما دخل يوسف قال فيما حدثني به ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال لما دخل يوسف السجن قال إني أعبر الأحلام فقال أحد الفتيين لصاحبه هلم فلنجرب هذا العبد العبراني فتراءيا له فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا فقال الخباز إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه وقال الآخر إني أراني أعصر خمرا نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ( 1 ) فقيل كان إحسانه ما حدثنا به إسحاق بن أبي إسرائيل قال حدثنا خلف بن خليفة عن سلمة بن نبيط عن الضحاك قال سأل رجل الضحاك عن قوله إنا نراك من المحسنين ما كان إحسانه قال كان إذا مرض إنسان في السجن قام عليه وإذا احتاج جمع له وإذا ضاق عليه المكان وسع له فقال لهما يوسف لا يأتيكما طعام ترزقانه في يومكما هذا إلا نبأتكما بتأويله ( 2 ) في اليقظة فكره صلى الله عليه و سلم أن يعبر لهما ما سألاه عنه وأخذ في غير الذي سألا عنه لما في عبارة ما سألا عنه من المكروه على أحدهما فقال يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ( 3 ) وكان اسم أحد الفتيين اللذين أدخلا السجن محلب وهو الذي ذكر أنه رأى فوق رأسه خبزا واسم الآخر نبو وهو ذكر أنه رأى كأنه يعصر خمرا فلم يدعاه والعدول عن الجواب عما سألاه عنه حتى أخبرهما بتأويل ما سألاه عنه فقال أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وهو الذي ذكر أنه رأى كأنه يعصر خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه ( 4 ) فلما عبر لهما ما سألاه تعبيره قالا ما رأينا شيئا حدثنا ابن وكيع قال حدثنا ابن فضيل عن عمارة يعني ابن القعقاع عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله في الفتيين اللذين أتيا يوسف في الرؤيا إنما كانا تحالما ليختبراه فلما أول رؤياهما قالا إنما كنا نلعب فقال قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ( 5 ) ثم قال لنبو وهو الذي ظن يوسف أنه ناج منهما اذكرني عند ربك يعني عند الملك وأخبره أني محبوس ظلما فأنساه الشيطان ذكر ربه ( 6 ) غفلة عرضت ليوسف من قبل الشيطان فحدثني الحارث قال حدثنا عبدالعزيز قال حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي عن بسطام بن مسلم عن مالك بن دينار قال قال يوسف للساقي اذكرني عند ربك قال قيل يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا لأطيلن حبسك قال فبكى يوسف وقال يا رب أنسى قلبي كثرة البلوى فقلت (1/207) ________________________________________ كلمة فويل لإخوتي حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد عن إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال قال النبي صلى الله عليه و سلم لو لم يقل يوسف يعني الكلمة التي قال ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغي الفرج من عند غير الله عز و جل فلبث في السجن فيما حدثني الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا عمران أبو الهذيل الصنعاني قال سمعت وهبا يقول أصاب أيوب البلاء سبع سنين وترك يوسف في السجن سبع سنين وعذب بختنصر فحول في السباع سبع سنين ثم إن ملك مصر رآى رؤيا هالته فحدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو بن محمد عن أسباط عن السدي قال إن الله عز و جل أرى الملك في منامه رؤيا هالته فرأى { سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات } ( 1 ) فجمع السحرة والكهنة والحازة والقافة فقصها عليهم فقالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين وقال الذي نجا منهما } من الفتيين وهو نبو { وادكر } حاجة يوسف { بعد أمة } يعني بعد نسيان { أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون } ( 2 ) يقول فأطلقون فأرسلوه فأتى يوسف فقال { أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات } ( 2 ) فإن الملك رأى ذلك في نومه فحدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال قال ابن عباس لم يكن السجن في المدينة فانطلق الساقي إلى يوسف فقال { أفتنا في سبع بقرات سمان } الآيات فحدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة { أفتنا في سبع بقرات سمان } فالسمان المخاصيب والبقرات العجاف هن السنون المحول الجدوب قوله { وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات } أما الخضر فهن السنون المخاصيب وأما اليابسات فهن الجدوب المحول فلما أخبر يوسف نبو بتأويل ذلك أتى نبو الملك فأخبره بما قال له يوسف فعلم الملك أن الذي قال يوسف من ذلك حق قال ائتوني به فحدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال لما أتى الملك رسوله فأخبره قال ائتوني به فلما أتاه الرسول ودعاه إلى الملك أبى يوسف الخروج معه وقال { ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم } ( 3 ) قال السدي قال ابن عباس لو خرج يوسف يومئذ قبل أن يعلم الملك بشأنه ما زالت في نفس العزيز منه حاجة يقول هذا الذي راود امرأتي فلما رجع الرسول إلى الملك من عند يوسف جمع الملك أولئك (1/208) ________________________________________ النسوة فقال لهن ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن فيما حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال لما قال الملك لهن { ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء } ولكن امرأة العزيز أخبرتنا أنها روادته عن نفسه ودخل معها البيت فقالت امرأة العزيز { الآن حصحص الحق راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين } ( 1 ) فال يوسف ذلك هذا الفعل الذي فعلت من ترديدي رسول الملك بالرسالات التي أرسلت في شأن النسوة ليعلم أطفير سيدي { إني لم أخنه بالغيب } في زوجته راعيل { وأن الله لا يهدي كيد الخائنين } ( 2 ) فلما قال ذلك يوسف قال له جبرئيل ما حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع عن إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال لما جمع الملك النسوة فسألهن هل راودتن يوسف عن نفسه { قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين } قال يوسف { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين قال فقال له جبرئيل ولا يوم هممت بها فقال { وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء } ( 3 ) فلما تبين للملك عذر يوسف وأمانته قال { ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما } أتي به { كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين } ( 3 ) فقال يوسف للملك { اجعلني على خزائن الأرض } فحدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله { اجعلني على خزائن الأرض } قال كان لفرعون خزائن كثيرة غير الطعام فسلم سلطانه كله إليه وجعل القضاء إليه أمره وقضاؤه نافذ حدثنا ابن حميد قال حدثنا إبراهيم بن المختار عن شيبة الضبي في قوله { اجعلني على خزائن الأرض } قال على حفظ الطعام { إني حفيظ عليم } ( 3 ) يقول إني حفيظ لما استودعتني عليم بسني المجاعة فولاه الملك ذلك وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال لما قال يوسف للملك { اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم } قال الملك قد فعلت فولاه فيما يذكرون عمل إطفير وعزل إطفير عما كان عليه يقول الله تبارك وتعالى وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ( 3 ) قال فذكر لي والله أعلم إن إطفير هلك في تلك الليالي وأن الملك الريان بن الوليد زوج يوسف امرأة إطفير راعيل وأنها حين دخلت عليه قال أليس هذا خيرا مما كنت تريدين قال فيزعمون أنها قالت أيها الصديق لا تلمني فإني كنت امرأة كما ترى حسناء جميلة ناعمة في ملك ودنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك فغلبتني نفسي على ما رأيت فيزعمون أنه وجدها عذراء وأصابها فولدت له رجلين أفراييم ومنشا بن يوسف حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض (1/209) ________________________________________ يتبوأ منها حيث يشاء } ( 1 ) قال استعمله الملك على مصر وكان صاحب أمرها وكان يلي البيع والتجارة وأمرها كله فذلك قوله { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء } فلما ولي يوسف للملك خزائن أرضه واستقر به القرار في عمله ومضت السنون السبع المخصبة التي كان يوسف أمر بترك ما في سنبل ما حصدوا من الزرع فيها فيه ودخلت السنون المجدبة وقحط الناس أجدبت بلاد فلسطين فيما أجدب من البلاد ولحق مكروه ذلك آل يعقوب في موضعهم الذي كانوا يه فوجه يعقوب بنيه فحدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال أصاب الناس الجوع حتى أصاب بلاد يعقوب التي هو بها فبعث بنيه إلى مصر وأمسك أخا يوسف بنيامين فلما دخلوا على يوسف عرفهم وهم له منكرون فلما نظر إليهم قال أخبروني ما أمركم فإني أنكر شأنكم قالوا نحن قوم من أرض الشام قال فما جاء بكم قالوا جئنا نمتار طعاما قال كذبتم أنتم عيون كم أنتم قالوا عشرة قال أنتم عشرة آلاف كل رجل منكم أمير ألف فأخبروني خبركم قالوا إنا إخوة بنو رجل صديق وإنا كنا اثني عشر وكان أبونا يحب أخا لنا وإنه ذهب معنا إلى البرية فهلك فيها وكان أحبنا إلى أبينا قال فإلى من سكن أبوكم بعده قالوا إلى أخ لنا أصغر منه قال فكيف تخبرونني أن أباكم صديق وهو يحب الصغير منكم دون الكبير ائتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه { فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون } ( 2 ) قال فضعوا بعضكم رهينة حتى ترجعوا فوضعوا شمعون وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال كان يوسف حين رأى ما أصاب الناس من الجهد قد آسى بينهم فكان لا يحمل للرجل إلا بعيرا واحدا ولا يحمل الواحد بعيرين تقسيطا بين الناس وتوسعا عليهم فقدم عليه إخوته فيمن قدم عليه من الناس يلتمسون الميرة من مصر فعرفهم وهم له منكرون لما أراد الله تعالى أن يبلغ بيوسف فيما أراد ثم أمر يوسف بأن يوقر لك رجل من إخوته بعيره فقال لهم ائتوني بأخيكم من أبيكم لأحمل لكم بعيرا آخر فتزدادوا به حمل بعير { ألا ترون أني أوف الكيل } فلا أبخسه أحدا { وأنا خير المنزلين } ( 3 ) وأنا خير من أنزل ضيفا على نفسه من الناس بهذه البلدة فأنا أضيفكم { فإن لم تأتوني } ( 3 ) بأخيكم من أبيكم فلا طعام لكم عندي أكيله ولا تقربوا بلادي وقال لفتيانه الذين يكيلون الطعام لهم { اجعلوا بضاعتهم } وهي ثمن الطعام الذي اشتروه به { في رحالهم } حدثنا بشر قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة { اجعلوا بضاعتهم في رحالهم } ( 4 ) أي ورقهم فجعلوا ذلك في رحالهم وهم لا يعلمون فلما رجع بنو يعقوب إلى أبيهم قالوا ما حدثنا به ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن (1/210) ________________________________________ السدي فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا إن ملك مصر أكرمنا كرامة لو كان رجلا من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته وإنه ارتهن شمعون وقال ائتوني بأخيكم هذا الذي عطف عليه أبوكم بعد أخيكم الذي هلك فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربوا بلادي أبدا قال يعقوب { هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين } ( 1 ) قال فقال لهم يعقوب إذا أتيتم ملك مصر فأقوأوه مني السلام وقولوا له إن أبانا يصلي عليك ويدعو لك بما أوليتنا حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال خرجوا حتى إذا قدموا على أبيهم وكان منزلهم فيما ذكر لي بعض أهل العلم بالعربات من أرض فلسطين بغور الشام وبعضهم يقول بالأولاج من ناحية الشعب أسف من حسمي فلسطين وكان صاحب بادية له إبل وشاء فلما رجع إخوة يوسف إلى والدهم يعقوب قالوا له يا أبانا منع منا الكيل فوق حمل أباعرنا ولم يكل لكل واحد منه إلا كيل بعير فأرسل معنا أخانا بنيامين يكتل لنفسه وإنا له لحافظون فقال لهم يعقوب { هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين } ولما فتح ولد يعقوب الذين كانوا خرجوا إلى مصر للميرة متاعهم الذي قدموا به من مصر وجدوا ثمن طعامهم الذي اشتروه به رد إليهم فقالوا لوالدهم { يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير } ( 2 ) آخر على أحمال إبلنا وقد حدثني الحارث قال حدثنا القاسم قال حدثنا حجاج عن ابن جريج { ونزداد كيل بعير } قال كان لكل رجل منهم حمل بعير فقالوا أرسل معنا أخانا نزدد حمل بعير قال ابن جريج قال مجاهد كيل بعير حمل حمار قال وهي لغة قال الحارث قال القاسم يعني مجاهد أن الحمار يقال له في بعض اللغات بعير فقال يعقوب { لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم } يقول إلا أن تهلكوا جمعا فيكون حينئذ ذلك لكم عذرا عندي فلما وثقوا له بالأيمان قال يعقوب { الله على ما نقول وكيل } ( 3 ) ثم أوصاهم بعد ما إذن لأخيهم من أبيهم بالرحيل معهم ألا تدخلوا من باب واحد من أبواب المدينة خوفا عليهم من العين وكانوا ذوي صورة حسنة وجمال وهيئة وأمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة كما حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة { وادخلوا من أبواب متفرقة } ( 3 ) قال كانوا قد أوتوا صورة وجمالا فخشي عليهم أنفس الناس فقال الله تبارك وتعالى { ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها } وكانت الخاجة التي في نفس يعقوب فقضاها ما تخوف على أولاده أعين الناس لهيئتهم وجمالهم ولما دخل إخوة يوسف على يوسف ضم إليه أخاه لأبيه وأمه فحدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي { ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه } ( 3 ) قال عرف أخاه وأنزلهم منزلا (1/211) ________________________________________ وأجرى عليهم الطعام والشراب فلما كان الليل جاءهم بمثل فقال لينم كل أخوين منكم على مثال فلما بقي الغلام وحده قال يوسف هذا ينام معي على فراشي فبات معه فجعل يوسف يشم ريحه ويضمه إليه حتى أصبح وجعل روبيل يقول ما رأينا مثل هذا إن نجونا منه وأما ابن إسحاق فإنه قال ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال لما دخلوا يعني ولد يعقوب على يوسف قالوا هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به قد جئناك به فذكر لي أنه قال لهم قد أحسنتم وأصبتم وستجدون جزاء ذلك عندي أو كما قال ثم قال إني أراكم رجالا وقد أردت أن أكرمكم فدعا صاحب ضيافته فقال أنزل كل رجلين على حدة ثم أكرمهما وأحسن ضيافتهما ثم قال إني أرى هذا الرجل الذي جئتم به ليس معه ثان فسأضمه إلي فيكون منزله معي فأنزلهم رجلين رجلين في منازل شتى وأنزل أخاه معه فآواه إليه فلما خلا به قال إني أنا أخوك أنا يوسف فلا تبتئس بشيء فعلوه بنا فيما مضى فإن الله قد أحسن إلينا فلا تعلمهم مما أعلمتك يقول الله عز و جل { ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون } ( 1 ) يقول له { فلا تبتئس } فلا تحزن فلما حمل يوسف إبل إخوته ما حملها من الميرة وقضى حاجتهم ووفاهم كيلهم جعل الإناء الذي كان يكيل به الطعام وهو الصواع في رحل أخيه بنيامين حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا عفان قال حدثنا عبدالواحد عن يونس عن الحسن أنه كان يقول الصواع والسقاية سواء هما الإناء الذي يشرب فيه وجعل ذلك في رحل أخيه والأخ لا يشعر فيما ذكر حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن ال سدي { فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه } والأخ لا يشعر فلما ارتحلوا أذن مؤذن قبل أن ترتحل العير { إنكم لسارقون } ( 2 ) حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال حمل لهم بعيرا بعيرا وحمل لإخيه بنيامين بعيرا باسمه كما حمل لهم ثم أمر بسقاية الملك وهو الصواع وزعموا أنها كانت من فضة فجعلت في رحل أخيه بنيامين ثم أمهلهم حتى إذا انطلقوا فأمعنوا من القرية أمر بهم فأدركوا واحتبسوا ثم نادى مناد أيتها العير إنكم لسارقون قفوا وانتهى إليهم رسوله فقال لهم فيما يذكرون ألم نكرم ضيافتكم ونوفكم كيلكم ونحسن منزلكم ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم كذلك وأدخلناكم علينا في بيوتنا وصار لنا عليكم حرمة أو كما قال لهم قالوا بلى وما ذاك قال سقاية الملك فقدناها ولا يتهموا عليها غيركم قالوا { تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين } ( 1 ) وكان مجاهد يقول كانت العير حميرا (1/212) ________________________________________ حدثني بذلك الحارث قال حدثنا عبدالعزيز قال حدثنا سفيان قال أخبرني رجل عن مجاهد وكان فيما نادى به منادي يوسف من جاء بصواع الملك فله حمل بعير من الطعام وأنا بإيفائه ذلك زعيم يعني كفيل وإنما قال القوم { لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين } لإنهم ردوا ثمن الطعام الذي كان كيل لهم المرة الأولى في رحالهم فردوه إلى يوسف فقالوا لو كنا سارقين لم نردد ذلك إليكم وقيل إنهم كانوا معروفين بأنهم لا يتناولون ما ليس لهم فلذلك قالوا ذلك فقيل لهم فما جزاء من كان سرق ذلك فقالوا جزاؤه في حكمنا بأن يسلم لفعله ذلك إلى من سرقه حتى يسترقه حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال { قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه } ( 1 ) تأخذونه فهو لكم فبدأ يوسف بأوعية القوم قبل وعاء أخيه بنيامين ففتشها ثم استخرجها من وعاء أخيه لأنه أخر تفتيشه حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أنه كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثما مما قرفهم به حتى بقي أخوه وكان أصغر القوم قال ما أرى هذا أخذ شيئا قالوا بلى بلى فاستبرئه ألا وقد علموا حيث وضعوا سقايتهم { ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } ( 2 ) يعني في حكم الملك ملك مصر وقضائه لأنه لم يكن من حكم ذلك والملك وقضائه أن يسترق السارق بما سرق ولكنه أخذه بكيد الله له حتى أسلمه رفقاؤه وإخوته بحكمهم عليه وطيب أنفسهم بالتسليم حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا شبابة قال حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله { ماكان ليأخذ أخاه في دين الملك } إلا بعلة كادها الله له فاعتل بها يوسف فقال إخون يوسف حيئذ { إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } ( 3 ) يعنون بذلك يوسف وقد قيل إن يوسف كان سرق صنما لجده إبي أمه فكسره فعيروه بذلك ذكر من قال ذلك حدثني أحمد بن عمرو البصري قال حدثنا الفيض بن الفضل قال حدثنا مسعر عن أبي حصين عن سعيد بن جبير { إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } قال سرق يوسف صنما لجده أبي أمه فكسره وألقاه في الطريق فكان إخوته يعيبونه بذلك وقد حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن إدريس قال سمعت أبي قال كان بنو يعقوب على طعام إذ نظر يوسف إلى عرق فخبأه فعيروه بذلك { إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } فأسر في نفسه يوسف حين سمع ذلك منهم فقال { أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون } ( 4 ) به أخا بنيامين من الكذب ولم يبد (1/213) ________________________________________ ذلك لهم قولا فحدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال لما استخرجت السرقة من رحل الغلام انقطعت ظهورهم وقالوا يا بني راحيل ما يزال لنا منكم بلاء متى أخذت هذا الصواع فقال بنيامين بل بنو راحيل الذين لا يزال لهم منكم بلاء ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرية وضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم فقالوا لا تذكر الدراهم فتؤخذ بها فلما دخلوا على يوسف دعا بالصواع فنقر فيه ثم أدناه من أذنه ثم قال إن صواعي هذا ليخبرني أنكم كنتم اثني عشر رجلا وأنكم انطلقتم بأخ لكم فبعتموه فلما سمعها بنيامين قام فسجد ليوسف ثم قال أيها الملك سل صواعك هذا عن أخي أين هو فنقره ثم قال هو حي وسوف تراه قال فاصنع بي ما شئت فإنه إن علم بي فسوف يستنقذني قال فدخل يوسف فبكى ثم توضأ ثم خرج فقال بنيامين أيها الملك الملك إني أريد أن تضرب صواعك هذا فيخبرك بالحق من الذي سرقه فجعله في رحلي فنقره فقال إن صواعي هذا غضبان وهو يقول كيف تسألني من صاحبي فقد رأيت مع من كنت قالوا وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا فغضب روبيل وقال أيها الملك والله لتتركنا أو لأصيحن صيحة لا تبقي بمصر حامل إلا ألقت ما في بطنها وقامت كل شعرة في جسد روبيل فخرجت من ثيابه فقال يوسف لابنه قم إلى جنب روبيل فمسه وكان بنو يعقوب إذا غضب أحدهم فمسه الآخر ذهب غضبه فقال روبيل من هذا إن في هذا البلد لبزرا من بزر يعقوب فقال يوسف من يعقوب فغضب روبيل وقال أيها الملك لا تذكر يعقوب فإنه إسرائيل الله بن ذبيح الله بن خليل الله قال يوسف أنت إذن كنت صادقا قال ولما احتبس يوسف أخاه بنيامين فصار بحكم إخوته أولى به منهم ورأوا أنه لا سبيل لهم إلى تخليصه صاروا إلى مسألته تخليته ببذل منهم يعطونه إياه فقالوا يأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين في أفعالك فقال لهم يوسف معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون ( 1 ) أن نأخذ بريئا بسقيم فلما يئس إخوة يوسف من إجابة يوسف إياهم إلى ما سألوا من إطلاق أخيه بنيامين وأخذ بعضهم مكانه خلصوا نجيا لا يفترق منهم أحد ولا يختلط بهم غيرهم فقال كبيرهم وهو روبيل وقد قيل إنه شمعون ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله أن نأتيه بأخينا بنيامين إلا أن يحاط بنا أجمعين ومن قبل هذه المرة ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض التي أنا بها حتى يأذن لي أبي في الخروج منها وترك أخي بنيامين بها أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين ( 2 ) وقد قيل معنى ذلك أو يحكم الله لي بحرب من منعني من الانصراف بأخي ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق فأسلمناه بجريرته وما شهدنا إلا بما علمنا لأن صواع الملك لم يوجد إلا في رحله وما كنا للغيب حافظين ( 2 ) يعنون بذلك أنا إنما ضمنا لك أن نحفظه مما لنا إلى حفظه سبيل ولم نكن نعلم أنه يسرق فيسترق بسرقته واسأل أهل القرية التي كنا فيها فسرق ابنك فيها والقافلة التي كنا فيها مقبلة من مصر معنا (1/214) ________________________________________ عن خبر ابنك فإنك تخبر بحقيقة ذلك فلما رجعوا إلى أبيهم فأخبروه خبر بنيامين وتخلف روبيل قال لهم بل سولت لكم أنفسكم أمرا أردتموه فصبر جميل لا جزع فيه على ما نالني من فقد ولدي عسى الله أن يأتيني بهم جميعا بيوسف وأخيه وروبيل ثم أعرض عنهم يعقوب وقال يا أسفا على يوسف يقول الله عز و جل وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ( 1 ) مملوء من الحزن والغيظ فقال له بنوه الذين انصرفوا إليه من مصر حين سمعوا قوله ذلك تالله لا تزال تذكر يوسف فلا تفتر من حبه وذكره حتى تكون دنف الجسم مخبول العقل من حبه وذكره هرما باليا أو تموت فأجابهم يعقوب فقال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله لا إليكم وأعلم من الله مالا تعلمون من صدق رؤيا يوسف أن تأويلها كائن وأني وأنتم سنسجد له وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا حكام عن عيسى بن يزيد عن الحسن قال قيل ما بلغ وجد يعقوب على ابنه قال وجد سبعين ثكلى قال فما كان له من الأجر قال أجر مائة شهيد قال وما ساء ظنه بالله ساعة قط من ليل ولا نهار وحدثنا ابن حميد مرة أخرى قال حدثنا حكام عن أبي معاذ عن يونس عن الحسن عن النبي صلى الله عليه و سلم مثله حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن المبارك بن مجاهد عن رجل من الأزد عن طلحة بن مصرف اليامي قال أنبئت أن يعقوب بن إسحاق دخل عليه جار له فقال يا يعقوب مالي أراك قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك قال هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من هم يوسف وذكره فأوحى الله عز و جل إليه يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي قال يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي قال فإني قد غفرت لك فكان بعد ذلك إذا سئل قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله مالا تعلمون حدثنا عمرو بن عبدالحميد الآملي قال حدثنا أبو أسامة عن هشام عن الحسن قال كان منذ خرج يوسف من عند يعقوب إلى أن رجع ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه ولم يزل يبكي حتى ذهب بصره قال الحسن والله ما على الأرض خليقة أكرم على الله من يعقوب ثم أمر يعقوب بنيه الذين قدموا عليه من مصر بالرجوع إليها وتحسس الخبر عن يوسف وأخيه فقال لهم اذهبو فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا يتئسوا من روح الله يفرج به عنا وعنكم الغم الذي نحن فيه فرجعوا إلى مصر فدخلوا على يوسف فقالوا له حين دخلوا عليه أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين ( 2 ) وكانت بضاعتهم المزجاة التي جاؤوا بها معهم فيما ذكر دراهم ردية زيوفا لا تؤخذ إلا بوضيعة وكان بعضهم يقول كانت حلق الغرارة والحبل ونحو (1/215) ________________________________________ ذلك وقال بعضهم كانت سمنا وصوفا وقال بعضهم كانت صنوبرا وحبة الخضراء وقال بعضهم كانت قليلة دون ما كانوا يشترون به قبل فسألوا يوسف أن يتجاوز لهم ويوفيهم بذلك من كيل الطعام مثل الذي كان يعطيهم في المرتين قبل ذلك ولا ينقصهم فقالوا له فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي وتصدق علينا قال بفضل ما بين الجياد والردية وقد قيل إن معنى ذلك وتصدق علينا برد أخينا إلينا إن الله يجزي المتصدقين حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ذكر أنهم لما كلموه بهذا الكلام غلبته نفسه فارفض دمعه باكيا ثم باح لهم بالذي كان يكتم منهم فقال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ( 1 ) ولم يعن بذكر أخيه ما صنعه هو فيه حين أخذه ولكن التفريق بينه وبين أخيه إذ صنعوا بيوسف ما صنعوا فلما قال لهم يوسف ذلك قالوا له ها أنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا بأن جمع بيننا بعد تفريقكم بيننا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ( 1 ) حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال لما قال لهم يوسف أنا يوسف وهذا أخي اعتذروا وقالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين ( 2 ) قال لهم يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ( 2 ) فلما عرفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيه حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال قال يوسف ما فعل أبي بعدي قالوا لما فاته بنيامين عمي من الحزن فقال اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين ولما فصلت العير عير بني يعقوب قال يعقوب إني لأجد ريح يوسف ( 3 ) فحدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال حدثني ابن شريح عن أبي أيوب الهوزني حدثه قال استأذنت الريح بأن تأتي يعقوب بريح يوسف حين بعث بالقميص إلى أبيه قبل أن يأتيه البشير ففعلت فقال يعقوب إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون ( 3 ) حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع عن إسرائيل عن ابن سنان عن ابن أبي الهذيل عن ابن عباس في ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف قال هاجت ريح فجاءت بريح يوسف من مسيرة ثمان ليال فقال إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن قا ذكر لنا أنه كان بينهما يومئذ ثمانون فرسخا يوسف بأرض مصر ويعقوب بأرض كنعان وقد أتى لذلك زمان طويل حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا حجاج عن ابن جريج قوله إني لأجد ريح (1/216) ________________________________________ يوسف قال بلغنا أنه كان بينهم يومئذ ثمانون فرسخا وقال إني لأجد ريح يوسف وقد كان فارقه قبل ذلك سبعا وسبعين سنة ويعني بقوله لولا أن تفندون لولا أن تسفهوني فتنسبوني إلى الهرم وذهاب العقل فقال له من حضره من ولده حينئذ تالله إنك من ذكر يوسف وحبه لفي ضلالك القديم ( 1 ) يعنون في خطئك القديم فلما أن جاء البشير ( 1 ) يعني البريد الذي أبرده يوسف إلى يعقوب يبشر بحياة يوسف وخبره وذكر أن البشير كان يهوذا بن يعقوب حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال قال يوسف اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين ( 2 ) قال يهوذا أنا ذهبت بالقميص ملطخا بالدم إلى يعقوب فأخبرته أن يوسف أكله الذئب وأنا أذهب اليوم بالقميص فأخبره بأنه حي فأقر عينه كما أحزنته فهو كان البشير فلما أن جاء البشير يعقوب بقميص يوسف ألقاه على وجه فعاد بصيرا بعد العمى فقال لأولاده ألم أقل لكم إني أعلم من الله مالا تعلمون ( 3 ) وذلك أنه كان قد علم من صدق تأويل رؤيا يوسف التي رآها أن الأحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدون ما لم يكونوا يعلمون فقالوا ليعقوب يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين ( 3 ) فقال لهم يعقوب سوف أستغفر لكم ربي ( 3 ) قيل إنه أخر الدعاء لهم إلى السحر وقيل إنه أخر ذلك إلى ليلة الجمعة حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي قال حدثنا سليمان بن عبدالرحمن الدمشقي قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا ابن جريج عن عطاء وعكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم قال يعقوب سوف أستغفر لكم ربي يقول حتى تأتي ليلة الجمعة فلما دخل يعقوب وولده وأهاليهم على يوسف آوى إليه أبويه وكان دخولهم عليه قبل دخولهم مصر فيما قيل لأن يوسف تلقاهم حدثنا ابن وكيع قال حدثنا عمرو عن أسباط عن السدي قال حملوا إليه أهليهم وعيالهم فلما بلغوا مصر كلم يوسف الملك الذي فوقه فخرج هو والملك يتلقونهم فلما بلغوا مصر قال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ( 3 ) فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه حدثني الحارث قال حدثنا عبدالعزيز قال حدثنا جعفر بن سليمان عن فرقد السبخي قال لما ألقي القميص على جهه ارتد بصيرا وقال ائتوني بأهلكم أجمعين فحمل يعقوب وإخوة يوسف فلما دنا يعقوب أخبر يوسف أنه قد دنا منه فخرج يتلقاه قال وركب معه أهل مصر وكانوا يعظمونه فلما دنا أحدهما من صاحبه وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على رجل من ولده يقال له يهوذا قال فنظر يعقوب إلى الخيل والناس فقال يا يهوذا هذا فرعون مصر فقال لا هذا ابنك يوسف قال فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف يبدؤه بالسلام فمنع ذلك وكان يعقوب أحق بذلك منه وأفضل فقال السلام عليك يا مذهب الأحزان فلما أن دخلوا مصر رفع أبويه على السرير وأجلسهما عليه (1/217) ________________________________________ وقد اختلف في اللذين رفعهما يوسف على العرش وأجلسهما عليه فقال بعضهم كان أحدهما أبوه يعقوب والآخر أمه راحيل وقال آخرون بل كان الآخر خالته ليا وكانت أمه راحيل قد كانت ماتت قبل ذلك وخر له يعقوب وأمه وولد يعقوب سجدا حدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة وخروا له سجدا ( 1 ) قال كانت تحية الناس أن يسجد بعضهم لبعض وقال يوسف لأبيه يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا ( 1 ) يعني بذلك هذا السجود منكم يدل على تأويل رؤياي التي رأيتها من قبل صنع إخوتي بي ما صنعوا وتلك الكواكب الأحد عشر والشمس والقمر قد جعلها ربي حقا يقول قد حقق الرؤيا بمجيء تأويلها وقيل كان بين أن أري يوسف رؤياه هذا ومجيء تأويلها أربعون سنة ذكر بعض من قال ذلك حدثنا محمد بن عبدالأعلى قال حدثنا معتمر عن أبيه قال حدثنا أبو عثمان عن سلمان الفارسي قال كان بين رؤيا يوسف إلى أن رأى تأويلها أربعون سنة وقال بعضهم كان بين ذلك ثمانون سنة ذكر بعض من قال ذلك حدثنا عمرو بن علي قال حدثنا عبدالوهاب الثقفي قال حدثنا هشام عن الحسن قال كان منذ فارق يوسف يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه ودموعه تجري على خديه وما على الأرض يومئذ أحب إلى الله عز و جل من يعقوب حدثنا الحسن بن محمد قال حدثنا داود بن مهران قال حدثنا عبدالواحد بن زياد عن يونس عن الحسن قال ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة وكان بين ذلك وبين لقائه يعقوب ثمانون سنة وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة ومات وهو ابن عشرين ومائة سنة حدثني الحارث قال حدثنا عبدالعزيز قال حدثنا مبارك بن فضالة عن الحسن قال ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة فغاب عن أبيه ثمانين سنة ثم عاش بعد ما جمع الله شمله ورأى تأويل رؤياه ثلاثا وعشرين سنة فمات وهو ابن عشرين ومائة سنة وقال بعض أهل الكتاب دخل يوسف مصر وله سبع عشرة سنة فأقام في منزل العزيز ثلاث عشرة سنة فلما تمت له ثلاثون سنة استوزره فرعون ملك مصر واسمه الريان بن الوليد بن ثروان بن أراشة بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح وأن هذا الملك آمن ثم مات ثم ملك بعده قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح وكان كافرا فدعاه يوسف إلى الإيمان بالله فلم يستجب إليه وأن يوسف أوصى إلى أخيه يهوذا ومات وقد أتت له مائة (1/218) ________________________________________ وعشرون سنة وأن فراق يعقوب إياه كان اثنتين وعشرين سنة وأن مقام يعقوب معه بمصر كان بعد موافاته بأهله سبع عشرة سنة وأن يعقوب لما حضرته الوفاة أوصى إلى يوسف وكان دخول يعقوب مصر في سبعين إنسانا من أهله وتقدم إلى يوسف عند وفاته أن يحمل جسده حتى يدفنه بجنب أبيه إسحاق ففعل يوسف ذلك به ومضى به حتى دفنه بالشأم ثم انصرف إلى مصر وأوصى يوسف أن يحمل جسده حتى يدفن إلى جنب آبائه فحمل موسى تابوت جسده عند خروجه من مصر معه وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ذكر لي والله أعلم أن غيبة يوسف عن يعقوب كانت ثماني عشرة سنة قال وأهل الكتاب يزعمون أنها كانت أربعين سنة أو نحوها وأن يعقوب بقي مع يوسف بعد أن قدم عليه مصر سبع عشرة سنة ثم قبضه الله إليه قال وقبر يوسف كما ذكر لي في صندوق من مرمر في ناحية من النيل في جوف الماء وقال بعضهم عاش يوسف بعد موت أبيه ثلاثا وعشرين سنة ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة قال وفي التوراة أنه عاش مائة سنة وعشر سنين وولد ليوسف أفراييم بن يوسف ومنشا بن يوسف فولد لإفراييم نون فولد لنون بن إفراييم يوشع بن نون وهو فتى موسى وولد لمنشا موسى بن منشا وقيل إن موسى بن منشا نبئ قبل موسى بن عمران ويزعم أهل التوراة أنه الذي طلب الخضر (1/219) |
رد: مكتبتي
قصة الخضر وخبره وخبر موسى وفتاه يوشع عليهم السلام
قال أبو جعفر كان الخضر ممن كان في أيام أفريدون الملك بن أثفيان في قول عامة أهل الكتاب الأول وقبل موسى بن عمران صلى الله عليه و سلم وقيل إنه كان على مقدمة ذي القرنين الأكبر الذي كان أيام إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه و سلم وهو الذي قضى له ببئر السبع وهي بئر كان إبراهيم احتفرها لماشيته في صحراء الأردن وإن قوما من أهل الأردن ادعوا الأرض التي كان احتفر بها إبراهيم بئره فحاكمهم إبراهيم إلى ذي القرنين الذي ذكر أن الخضر كان على مقدمته أيام سيره في البلاد وإنه بلغ مع ذي القرنين نهر الحياة فشرب من مائه وهو لا يعلم ولا يعلم به ذو القرنين ومن معه مخلد فهو حي عندهم إلى الآن وزعم بعضهم أنه من ولد من كان آمن بإبراهيم خليل الرحمن واتبعه على دينه وهاجر معه من أرض بابل حين هاجر إبراهيم منها وقال اسمه بليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح قال وكان أبوه ملكا عظيما وقال آخرون ذو القرنين الذي كان على عهد إبراهيم صلى الله عليه و سلم هو أفريدون بن أثفيان قال وعلى مقدمته كان الخضر وقال عبدالله بن شوذب فيه ما حدثنا عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالحكم المصري قال حدثنا محمد بن المتوكل قال حدثنا ضمرة بن ربيعة عن عبدالله بن شوذب قال الخضر من ولد فارس وإلياس من بني إسرائيل يلتقيان في كل عام بالموسم وقال ابن إسحاق فيه ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق قال بلغني أنه استخلف الله عز و جل في بني إسرائيل رجلا منهم يقال له ناشية بن أموص فبعث الله عز و جل لهم الخضر نبيا قال واسم الخضر فيما كان وهب بن منبه يزعم عن بني إسرائيل أورميا بن خلقيا وكان من سبط هارون بن عمران وبين هذا الملك الذي ذكره ابن إسحاق وبين أفريدون أكثر من ألف عام وقول الذي قال إن الخضر كان في أيام أفريدون وذي القرنين الأكبر وقبل موسى بن عمران أشبه بالحق إلا أن يكون الأمر كما قاله من قال إنه كان على مقدمة ذي القرنين صاحب إبراهيم فشرب ماء الحياة فلم يبعث في ايام إبراهيم صلى الله عليه و سلم نبيا وبعث أيام ناشية بن أموص وذلك أن ناشية بن أموص الذي ذكر ابن إسحاق أنه كان ملكا على بني إسرائيل كان في عهد بشتاسب بن لهراسب وبين بشتاسب وبين أفريدون من الدهور (1/220) ________________________________________ والأزمان ما لا يجهله ذو علم بأيام الناس وأخبارهم وسأذكر مبلغ ذلك إذا انتهينا إلى خبر بشتاسب إن شاء الله تعالى وإنما قلنا قول من قال كان الخضر قبل موسى بن عمران صلى الله عليه و سلم أشبه بالحق من القول الذي قاله ابن إسحاق وحكاه عن وهب بن منبه للخبر الذي روى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أبي بن كعب أن صاحب موسى بن عمران وهو العالم الذي أمره الله تبارك وتعالى بطلبه إذ ظن أنه لا أحد في الأرض أعلم منه هو الخضر ورسول الله صلى الله عليه و سلم كان أعلم خلق الله بالكائن من الأمور الماضية والكائن منها الذين لم يكن بعد والذي روى أبي بن كعب في ذلك عنه صلى الله عليه و سلم ما حدثنا أبو كريب قال حدثنا يحيى بن آدم قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد قال قلت لابن عباس إن نوفا يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى فقال كذب عدو الله حدثنا أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال إن موسى قام في بني إسرائيل خطيبا فقيل أي الناس أعلم فقال أنا فعتب الله عليه حين لم يرد العلم إليه فقال بل عبد لي عند مجمع البحرين فقال يا رب كيف به قال تأخذ حوتا فتجعله في مكتل فحيث تفقده فهو هناك قال فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم قال لفتاه إذا فقدت هذا الحوت فأخبرني فانطلقا يمشيان على ساحل البحر حتى أتيا صخرة فرقد موسى فاضطرب الحوت في المكتل فخرج فوقع في البحر فأمسك الله عنه جرية الماء فصار مثل الطاق فصار للحوت سربا وكان لهما عجبا ثم انطلقا فلما كان حين الغداء قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ( 1 ) قال ولم يجد موسى النصب حتى جاوز حيث أمره الله قال فقال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا ( 1 ) قال فقال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا ( 1 ) قال يقصان آثارهما قال فأتيا الصخرة فإذا رجل نائم مسجى بثوبه فسلم عليه موسى فقال وأنى بأرضنا السلام قال أنا موسى قال موسى بن إسرائيل قال نعم قال يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه قال فإني أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا ( 2 ) فانطلقا يمشيان على الساحل فإذا بملاح في سفينة فعرف الخضر فحمله بغير نول فجاء عصفور فوقع على حرفها فنقر أو فنقد في الماء فقال الخضر لموسى ما ينقص علمي وعلمك من علم الله إلا مقدار ما نقر أو نقد هذا العصفور من البحر قال أبو جعفر أنا أشك وهو في كتابي هذا نقر قال فبينما هم في السفينة لم يفجأ موسى إلا وهو يتد وتدا أو ينزع تختا منها فقال له موسى حملنا بغير نول وتخرقها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ( 3 ) قال فكانت الأولى من موسى نسيانا قال ثم خرجا فانطلقا يمشيان فأبصرا غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ برأسه فقتله فقال له موسى اقتلت نفسا زاكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا قال إن (1/221) ________________________________________ سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا ( 1 ) فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فلم يجدا أحدا يطعمهم ولا يسقيهم فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقص فأقامه بيده قال مسحه بيده فقال له موسى لم يضيفونا ولم ينزلونا لو شئت لاتخذت عليه أجرا ( 2 ) قال هذا فراق بيني وبينك ( 2 ) قال فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لوددت أنه كان صبر حتى يقص علينا قصصهم حدثني العباس بن الوليد قال أخبرني أبي قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني الزهري عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى فقال ابن عباس هو الخضر فمر بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى عليه السلام الذي سأل السبيل إلى لقائه فهل سمعت رسول الله يذكر شأنه قال نعم إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول بينا موسى عليه السلام في ملإ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال تعلم مكان أحد أعلم منك قال موسى لا فأوحى الله إلى موسى بلى عبدنا الخضر فسأل موسى السبيل إلى لقائه فجعل الله الحوت آية وقال له إذا افتقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه فكان موسى يتبع أثر الحوت في البحر فقال فتى موسى لموسى أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت قال موسى ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا فوجدا الخضر فكان من شأنهما ما قص الله في كتابه حدثني محمد بن مرزوق قال حدثنا حجاج بن المنهال قال حدثنا عبدالله بن عمر النميري عن يونس بن يزيد قال سمعت الزهري يحدث قال أخبرني عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى فذكر نحو حديث العباس عن أبيه حدثنا محمد بن سعد قال حدثني أبي قال حدثني عمي قال حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله وإذا قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ( 3 ) الآية قال لما ظهر موسى وقومه على مصر نزل قومه مصر فلما استقرت بهم الدار أنزل الله عز و جل عليه أن ذكرهم بأيام الله فخطب قومه فذكر ما آتاهم الله من الخير والنعمة وذكرهم إذ أنجاهم الله من آل فرعون وذكرهم هلاك عدوهم وما استخلفهم الله في الأرض فقال وكلم الله موسى نبيكم تكليما واصطفاني لنفسه وأنزل علي محبة منه وآتاكم الله من كل ما سألتموه فنبيكم أفضل أهل الأرض وأنتم تقرؤون التوراة فلم يترك نعمة أنعمها الله عليهم إلا ذكرها وعرفها إياهم فقال له رجل من بني إسرائيل هو كذلك يا نبي الله وقد عرفنا الذي تقول فهل على الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله قال لا فبعث الله عز و جل جبرئيل عليه السلام إلى موسى عليه السلام فقال إن الله تعالى يقول وما يدريك أين أضع علمي بلى إن على شط البحر رجلا أعلم منك قال ابن عباس هو الخضر فسأل موسى ربه أن يريه إياه فأوحى الله إليه أن ائت البحر فإنك (1/222) ________________________________________ تجد على شط البحر حوتا فخذه فادفعه إلى فتاك ثم الزم شط البحر فإذا نسيت الحوت وهلك منك فثم تجد العبد الصالح الذي تطلب فلما طال سفر موسى نبي الله صلى الله عليه و سلم ونصب فيه سأل فتاه عن الحوت فقال له فتاه وهو غلامه أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره لك قال الفتى لقد رأيت الحوت حين اتخذ سبيله في البحر سربا فأعجب ذلك موسى فرجع حتى أتى الصخرة فوجد الحوت فجعل الحوت يضرب في البحر ويتبعه موسى وجعل موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء يتبع الحوت وجعل الحوت لا يمس شيئا من الماء إلا يبس حتى يكون صخرة فجعل نبي الله صلى الله عليه و سلم يعجب من ذلك حتى انتهى به الحوت إلى جزيرة من جزائر البحر فلقي الخضر بها فسلم عليه فقال الخضر وعليك السلام وأنى يكون هذا السلام بهذه الأرض ومن أنت قال أنا موسى فقال له الخضر صاحب بني إسرائيل قال نعم فرحب به وقال ما جاء بك قال جئت على أن تعلمني مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا ( 1 ) يقول لا تطيق ذلك قال موسى ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا ( 2 ) قال فانطلق به وقال له لا تسألني عن شيء أصنعه حتى أبين لك شأنه فذلك قوله حتى أحدث لك منه ذكرا ( 2 ) فركبا في السفينة يريدان أن يتعديا إلى البر فقام الخضر فخرق السفينة فقال له موسى أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا ( 2 ) ثم ذكر بقية القصة حدثنا ابن حميد قال حدثنا يعقوب القمي عن هارون بن عنترة عن أبيه عن ابن عباس قال سأل موسى عليه السلام ربه عز و جل فقال أي رب أي عبادك أحب إليك قال الذي يذكرني ولا ينساني قال فأي عبادك أقضى قال الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى قال أي رب أي عبادك أعلم قال الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى قال رب فهل في الأرض أحد قال أبو جعفر أظنه قال أعلم مني قال نعم قال رب فمن هو قال الخضر قال وأين أطلبه قال على الساحل عند الصخرة التي ينفلت عندها الحوت قال فخرج موسى يطلبه حتى كان ما ذكره الله عز و جل وانتهى موسى إليه عند الصخرة فسلم كل واحد منهما على صاحبه فقال له موسى إني أريد أن تستصحبني قال لن تطيق صحبتي قال بلى قال فإن صحبتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زاكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا إلى قوله لاتخذت عليه أجرا ( 3 ) قال فكان قول موسى في الجدار لنفسه ولطلب شيء من الدنيا وكان قوله في السفينة وفي الغلام لله عز و جل قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ( 3 ) فأخبره بما قال الله أما السفينة فكانت لمساكين الآية وأما الغلام ( 3 ) الآية وأما الجدار ( 3 ) (1/223) ________________________________________ الآية قال فسار به في البحر حتى انتهى به إلى مجمع البحرين وليس في الأرض مكان أكثر ماء منه قال وبعث ربك الخطاف فجعل يستقي منه بمنقاره فقال لموسى كم ترى هذا الخطاف رزأ من هذا الماء قال ما أقل ما رزأ قال يا موسى فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء وكان موسى عليه السلام قد حدث نفسه أنه ليس أحد أعلم منه أو تكلم به فمن ثم أمر أن يأتي الخضر حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن سعيد بن جبير قال جلست عند ابن عباس وعنده نفر من أهل الكتاب فقال بعضهم يا أبا العباس إن نوفا بن امرأة كعب ذكر عن كعب أن موسى النبي عليه السلام الذي طلب العالم إنما هو موسى بن منشا قال سعيد فقال ابن عباس أنوف يقول هذا قال سعيد فقلت له نعم أنا سمعت نوفا يقول ذلك قال أنت سمعته يا سعيد قال قلت نعم قال كذب نوف ثم قال ابن عباس حدثني أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أن موسى نبي إسرائيل سأل ربه تبارك وتعالى فقال أي رب إن كان في عبادك أحد هو أعلم مني فادللني عليه فقال له نعم في عبادي من هو أعلم منك ثم نعت له مكانه وأذن له في لقائه فخرج موسى عليه السلام ومعه فتاه ومعه حوت مليح قد قيل له إذا حيي هذا الحوت في مكان فصاحبك هنالك وقد أدركت حاجتك فخرج موسى ومعه فتاه ومعه الحوت يحملانه فسار حتى جهده السير وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء وذلك الماء ماء الحياة من شرب منه خلد ولا يقاربه شيء ميت إلا أدركته الحياة وحيي فلما نزلا منزلا ومس الحوت الماء حيي فاتخذ سبيله في البحر سربا فانطلق فلما جاوزا بمنقلة قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال الفتى وذكر أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا قال ابن عباس وظهر موسى على الصخرة حتى انتهيا إليه فإذا رجل متلفف في كساء له فسلم عليه موسى فرد عليه السلام ثم قال له من أنت قال أنا موسى بن عمران قال صاحب بني إسرائيل قال نعم أنا ذلك قال وما جاء بك إلى هذه الأرض أن لك في قومك لشغل قال له موسى جئتك لتعلمني مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكان رجلا يعمل على الغيب قد علم ذلك فقال موسى بلى قال وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا أي إنما تعرف ظاهر ما ترى من العدل ولم تحط من علم الغيب بما أعلم قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا إن رأيت ما يخالفني قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا أي فلا تسألني عن شيء وإن أنكرته حتى أحدث لك منه ذكرا أي خبرا فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما حتى مرت بها سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما شيء من السفن أحسن ولا أجمل ولا أوثق منها فسألا أهلها أن يحملوهما فحملوهما فلما اطمأنا فيها ولججت بهما مع أهلها أخرج منقارا له ومطرقة ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها ثم أخذ لوحا فطبقه عليها ثم جلس عليها يرقعها قال له موسىك فأي أمر أفظع من هذا أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا حملونا وآوونا إلى سفينتهم وليس في البحر سفينة مثلها فلم خرقتها قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت أي بما تركت من عهدك ولا ترهقني من أمري عسرا ثم خرجا من السفينة فانطلقا حتى أتيا أهل قرية فإذا غلمان يلعبون فيهم غلام ليس في الغلمان غلام أظرف ولا (1/224) ________________________________________ أترف ولا أوضأ منه فأخذ بيده وأخذ حجرا فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله قال فرأى موسى أمرا فظيعا لا صبر عليه صبي صغير قتله بغير جناية ولا ذنب له فقال أقتلت نفسا زاكية بغير نفس أي صغيرة بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا أي قد أعذرت في شأني فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه فهدمه ثم قعد يبنيه فضجر موسى مما رآه يصنع من التكلف لما ليس عليه صبر فقال لو شئت لاتخذت عليه أجرا أي قد استطعمناهم فلم يطعمونا واستضفناهم فلم يضيفونا ثم قعدت تعمل في غير صنيعة ولو شئت لأعطيت عليه أجرا في عمله قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة وفي قراءة أبي بن كعب كل سفينة صالحة غصبا وإنما عبتها لأرده عنها فسلمت منه حين رأى العيب الذي صنعت بها وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا إلى مالم تستطع عليه صبرا فكان ابن عباس يقول ما كان الكنز إلا علما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن أبيه عن عكرمة قال قيل لابن عباس لم نسمع لفتى موسى بذكر من حديث وقد كان معه فقال ابن عباس فيما يذكر من حديث الفتى قال شرب الفتى من ماء الخلد فخلد فأخذه العالم فطابق به سفينة ثم أرسله في البحر فإنها لتموج به إلى يوم القيامة وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد عن شعبة عن قتادة قوله فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما ذكر لنا أن نبي الله موسى لما قطع البحر وأنجاه الله من آل فرعون جمع بني إسرائيل فخطبهم فقال أنتم خير أهل الأرض وأعلمهم قد أهلك الله عدوكم وأقطعكم البحر وأنزل عليكم التوراة قال فقيل له إن ها هنا رجلا هو أعلم منك قال فانطلق هو وفتاه يوشع بن نون يطلبانه فتزودا مملوحة في مكتل لهما وقيل لهما إذا نسيتما ما معكما لقيتما رجلا عالما يقال له الخضر فلما أتيا ذلك المكان رد الله إلى الحوت روحه فسرب له من الجد حتى أفضى إلى البحر ثم سلك فجعل لا يسلك فيه طريقا إلا صار ماء جامدا قال ومضى موسى وفتاه يقول الله عز و جل فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا إلى قوله وعلمناه من لدنا علما فلقيا رجلا عالما يقال له الخضر فذكر لنا أن نبي الله قال إنما سمي الخضر خضرا لأنه قعد على فروة بيضاء فاهتزت به خضراء فهذه الأخبار التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وعن السلف من أهل العلم تنبئ عن أن الخضر كان قبل موسى وفي أيامه ويدل على خطأ قول من قال إنه أورميا بن خلقيا لأن أورميا كان في أيام بختنصر وبين عهدي موسى وبختنصر من المدة ما لا يشكل قدرها على أهل العلم بأيام الناس واخبارهم وإنما قدمنا ذكره وذكر خبره لأنه كان في عهد أفريدون فيما قيل وإن كان قد أدرك على هذه الأخبار التي ذكرت من أمره وأمر موسى وفتاه أيام منوشهر وملكه وذلك أن موسى إنما نبئ في عهد منوشهر وكان ملك منوشهر بعدما ملك (1/225 |
رد: مكتبتي
(1/225)
________________________________________ جده أفريدون فكل ما ذكرنا من أخبار من ذكرنا أخباره من عهد إبراهيم إلى الخبر عن الخضر عليهما السلام فإن ذلك كله فيما ذكر كان في ملك بيوراسب وأفريدون وقد ذكرنا فيما مضى قبل أخبار أعمارهما ومبلغهما ومدة كل واحد منهما ونرجع الآن إلى الخبر عن (1/226) ________________________________________ منوشهر وأسبابه والحوادث الكائنة في زمانه ثم ملك بعد أفريدون بن أثفيان بركاو منوشهر وهو من ولد إيرج بن أفريدون وقد زعم بعضم أن فارس سميت فارس بمنوشهر هذا وهو منوشهر كيازيه فيما يقول نسابة الفرس بن منشخورنر بن منشخوا ربغ بن ويرك بن سروشنك بن أبوك بن بتك بن فرزشك بن زشك بن فركوزك بن كوزك بن إيرج بن أفريدون بن أثفيان بركاو وقد ينطق بهذه الأسماء بخلاف هذه الألفاظ وقد يزعم بعض المجوس أن أفريدون وطئ ابنة لابنه إيرج يقال لها كوشك فولدت له جارية يقال لها فركوشك ثم وطئ فركوشك هذه فولدت له جارية يقال لها زوشك ثم وطئ زوشك هذه فولدت له جارية يقال لها فرزوشك ثم وطئ فرزوشك هذه فولدت له جارية يقال لها بيتك ثم وطىء بيتك هذه فولدت له جارية يقال لها إيرك ثم وطئ إيرك فولدت له إيزك ثم وطئ إيزك فولدت له ويرك ثم وطىء ويرك فولدت له منشخرفاغ ويقول بعضهم منشخوا ربغ وجارية يقال لها منشجرك وأن منخشرفاغ وطئ منشجرك فولدت له منشخرنر وجارية يقال لها منشراروك وأن منشخرنر وطئ منشراروك فولدت له منوشهر فيقول بعضهم كان مولده بدنباوند ويقول بعض كان مولده بالري وإن منشخرنر ومنشراروك لما ولد لهما منوشهر أسرا أمره خوفا من طوج وسلم عليه وإن منوشهر لما كبر صار إلى جده أفريدون فلما دخل عليه توسم فيه الخير وجعل له ما كان جعل لجده إيرج من المملكة وتوجه بتاجه وقد زعم بعض أهل الأخبار أن منوشهر هذا هو منوشهر بن منشخرنر بن أفريقيس بن إسحاق بن إبراهيم وأنه انتقل إليه الملك بعد أفريدون وبعد أن مضى ألف سنة وتسعمائة سنة واثنتان وعشرون سنة من عهد جيومرت واستشهد لحقيقة ذلك بأبيات لجرير بن عطية وهو قوله ... وأبناء إسحاق الليوث إذا ارتدوا ... حمائل موت لابسين السنورا ... إذا انتسبوا عدوا الصبهبذ منهم ... وكسرى وعدوا الهمرمزان وقيصرا ... وكان كتاب فيهم ونبوة ... وكانوا بإصطخر الملوك وتسترا (1/227) ________________________________________ فيجمعنا والغر أبناء فارس ... أب لا نبالي بعده من تأخرا ... أبونا خليل الله والله ربنا ... رضينا بما أعطى الإله وقدرا ... وأما الفرس فإنها تنكر هذا النسب ولا تعرف لها ملكا إلا في أولاد أفريدون ولا تقر بالملك لغيرهم وترى أن داخلا إن كان دخل عليهم في ذلك من غيرهم في قديم الأيام قبل الإسلام فإنه دخل فيه بغير حق وحدثت عن هشام بن محمد قال ملك طوج وسلم الأرض بينهما بعد قتلهما أخاهما إيرج ثلاثمائة سنة ثم ملك منوشهر بن إيرج بن أفريدون مائة وعشرين سنة ثم إنه وثب به ابن لابن طوج التركي على رأس ثمانين سنة فنفاه عن بلاد العراق ثنتي عشرة سنة لم أديل منه منوشهر فنفاه عن بلاده وعاد إلى ملكه وملك بعد ذلك ثمانيا وعشرين سنة قال وكان منوشهر يوصف بالعدل والإحسان وهو أول من خندق الخنادق وجمع آلة الحرب وأول من وضع الدهقنة فجعل لكل قرية دهقانا وجعل أهلها له حولا وعبيدا وألبسهم لباس المذلة وأمرهم بطاعته قال ويقال إن موسى النبي صلى الله عليه و سلم ظهر في سنة ستين من ملكه وذكر غير هشام أن منوشهر لما ملك توج بتاج الملك وقال يوم ملك نحن مقوون مقاتلينا ومعدوهم للانتقام لأسلافنا ودفع العدو عن بلادنا وأنه سار نحو بلاد الترك طالبا بدم جده إيرج بن أفريدون فقتل طوج بن أفريدون وأخاه سلما وأدرك ثأره وانصرف وأن فراسياب بن فشنج بن رستم بن ترك الذي تنسب إليه الأتراك بن شهراسب ويقال ابن إرشسب بن طوج بن أفريدون الملك وقد يقال لفشك فشنج بن زاشمين حارب منوشهر بعد أن مضى لقتله طوجا وسلما ستون سنة وحاصره بطبرستان ثم إن منوشهر وفراسياب اصطلحا على أن يجعلا حد ما بين مملكتيهما منتهى رمية سهم رجل من أصحاب منوشهر يدعى أرشباطير وربما خفف اسمه بعضهم فيقول إيرش فحيث ما وقع سهمه من موضع رميته تلك مما يلي بلاد الترك فهو الحد بينهما لا يجاوز ذلك واحد منهما إلى الناحية الأخرى وإن ارشباطير نزع بسهم في قوسه ثم أرسله وكان قد أعطي قوة وشدة فبلغت رميته من طبرستان إلى نهر بلخ ووقع السهم هنالك فصار نهر بلخ حد ما بين الترك وولد طوج وولد إيرج وعمل الفرس فانقطع بذلك من رمية أرشباطير حروب ما بين فراسياب ومنوشهر وذكروا أن منوشهر اشتق من الصراة ودجلة ونهر بلخ أنهارا عظاما وقيل إنه هو الذي كرا الفرات الأكبر وأمر الناس بحراثة الأرض وعمارتها وزاد في مهنة المقاتلة الرمي وجعل الرياسة في ذلك لأرشباطير لرميته التي رماها وقالوا إن منوشهر لما مضى من ملكه خمس وثلاثون سنة تناولت الترك من أطراف رعيته فوبخ قومه وقال لهم أيها الناس إنكم لم تلدوا الناس كلهم وإنما الناس ناس ما عقلوا من أنفسهم ودفعوا العدو عنهم وقد نالت الترك من أطرافكم وليس ذلك إلا من ترككم جهاد عدوكم وقلة المبالاة وإن الله تبارك وتعالى (1/228) ________________________________________ أعطاها هذا الملك ليبلونا أنشكر فيزيدنا أم نكفر فيعاقبنا ونحن أهل بيت عز ومعدن الملك لله فإذا كان غدا فاحضروا قالوا نعم واعتذروا فقال انصرفوا فلما كان من الغد أرسل إلى أهل المملكة وأشراف الأساورة فدعاهم وأدخل الرؤساء من الناس ودعا موبذ موبذان فأقعد على كرسي مقابل سريره ثم قام على سريره وقام أشراف أهل بيت المملكة وأشراف الأساورة على أرجلهم فقال اجلسوا فإني إنما قمت لأسمعكم كلامي فجلسوا فقال أيها الناس إنما الخلق للخالق والشكر للمنعم والتسليم للقادر ولا بد مما هو كائن وإنه لا أضعف من مخلوق طالبا كان أو مطلوبا ولا أقوى من خالق ولا أقدر ممن طلبته في يده ولا أعجز ممن هو في يد طالبه وأن التفكر نور والغفلة ظلمة والجهالة ضلالة وقد ورد الأول ولا بد للآخر من اللحاق بالأول وقد مضت قبلنا أصول نحن فروعها فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله وإن الله عز و جل أعطانا هذا الملك فله الحمد ونسأله إلهام ا لرشد والصدق واليقين وإن للملك على أهل مملكته حقا ولأهل مملكته عليه حقا فحق الملك على أهل المملكة أن يطيعوه ويناصحوه ويقاتلوا عدوه وحقهم على الملك أن يعطيهم أرزاقهم في أوقاتها إذ لا معتمد لهم على غيرها وإنها تجارتهم وحق الرعية على الملك أن ينظر لهم ويرفق بهم ولا يحملهم على ما لا يطيقون وإن أصابتهم مصيبة تنقص من مثارهم من آفة من السماء أو الأرض أن يسقط عنهم خراج ما نقص وإن اجتاحتهم مصيبة أن يعوضهم ما يقويهم على عماراتهم ثم يأخذ منهم بعد ذلك على قدر مالا يجحف بهم في سنة أو سنتين وأمر الجند للملك بمنزلة جناحي الطائر فهم أجنحة الملك متى قص من الجناح ريشة كان ذلك نقصانا منه فكذلك الملك إنما هو بجناحه وريشه ألا وإن الملك ينبغي أن يكون فيه ثلاث خصال أولها أن يكون صدوقا لا يكذب وأن يكون سخيا لا يبخل وأن يملك نفسه عند الغضب فإنه مسلط ويده مبسوطة والخراج يأتيه فينبغي ألا يستأثر عن جنده ورعيته بما هم أهل له وأن يكثر العفو فإنه لا ملك أبقى من ملك فيه العفو ولا أهلك من ملك فيه العقوبة ألا وإن المرء إن يخطئ في العفو فيعفو خير من أن يخطئ في العقوبة فينبغي للملك أن يتثبت في الأمر الذي فيه قتل النفس وبوارها وإذا رفع إليه من عامل من عماله ما يستوجب به العقوبة فلا ينبغي له أن يحابيه وليجمع بينه وبين المتظلم فإن صح عليه للمظلوم حق خرج إليه منه وإن عجز عنه أدى عنه الملك ورده إلى موضعه وأخذه بإصلاح ما أفسد فهذا لكم علينا ألا ومن سفك دما بغير حق أو قطع يدا بغير حق فإني لا أعفو عن ذلك إلا أن يعفو عنه صاحبه فخذوا هذا عني وإن الترك قد طمعت فيكم فاكفونا فإنما تكفون أنفسكم وقد أمرت لكم بالسلاح والعدة وأنا شريككم في الرأي وإنما لي من هذا الملك اسمه مع الطاعة منكم ألا وإن الملك ملك إذا أطيع فإذا خولف فذلك مملوك ليس بملك ومهما بلغنا من الخلاف فإنا لا نقبله من المبلغ له حتى نتيقنه فإذا صحت معرفة ذلك وإلا أنزلناه منزلة المخالف ألا وإن أكمل الأداة عند المصيبات الأخذ بالصبر والراحة إلى اليقين فمن قتل في مجاهدة العدو رجوت له الفوز برضوان الله وأفضل الأمور التسليم لأمر الله والراحة إلى اليقين والرضا بقضائه وأين المهرب مما هو كائن وإنما يتقلب في كف الطالب وإنما هذه الدنيا سفر لأهلها لا يحلون عقد الرحال إلا في غيرها وإنما بلغتهم فيها بالعواري فما أحسن الشكر للمنعم والتسليم لمن القضاء له ومن أحق بالتسليم لمن فوقه ممن لا يجد مهربا إلا إليه ولا معولا إلا عليه فثقوا بالغلبة إذا كانت نياتكم أن النصر من الله وكونوا على ثقة من درك الطلبة إذا صحت نياتكم واعلموا أن هذا الملك لا يقوم إلا بالاستقامة وحسن الطاعة وقمع العدو وسد الثغور والعدل للرعية وإنصاف المظلوم فشفاؤكم عندكم (1/229) ________________________________________ والدواء الذي لا داء فيه الاستقامة والأمر بالخير والنهي عن الشر ولا قوة غلا بالله انظروا للرعية فإنها مطعمكم ومشربكم ومتى عدلتم فيها رغبوا في العمارة فزاد ذلك في خراجكم وتبين في زيادة أرزاقكم وإذا حفتم على الرعية زهدوا في العمارة وعطلوا أكثر الأرض فنقص ذلك من خراجكم وتبين في نقص أرزاقكم فتعاهدوا الرعية بالإنصاف وما كان من الأنهار والبثوق مما نفقة ذلك من السلطان فأسرعوا فيه قبل أن يكثر وما كان من ذلك على الرعية فعجزوا عنه فأقرضوهم من بيت مال الخراج فإذا حان أوقات خراجهم فخذوا من خراج غلاتهم على قدر ما لا يجحف ذلك بهم ربع في كل سنة أو ثلث أو نصف لكيلا يشق ذلك عليهم هذا قولي وأمري يا موبذ موبذان الزم هذا القول وخذ في هذا الذي سمعت في يومك أسمعتم أيها الناس فقالوا نعم قد قلت فأحسنت ونحن فاعلون إن شاء الله ثم أمر بالطعام فوضع فأكلوا وشربوا ثم خرجوا وهم له شاكرون وكان ملكه مائة وعشرين سنة وقد زعم هشام بن الكلبي فما حدثت عنه أن الرائش بن قيس ين صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان كان من ملوك اليمن بعد يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ وإخوته وأن الرائش كان ملكه باليمن أيام ملك منوشهر وأنه إنما سمي الرائش واسمه الحارث بن أبي شدد لغنيمة غنمها من قوم غزاهم فادخلها اليمن فسمي لذلك الرائش وأنه غزا الهند فقتل بها وسبى وغنم الأموال ورجع إلى اليمن ثم سار منها فخرج على جبل طيء ثم على الأنبار ثم على الموصل وأنه وجه منها خيله وعليها رجل من أصحابه يقال له شمر بن العطاف فدخل على الترك أرض أذربيجان وهي في أيديهم يومئذ فقتل المقاتلة وسبى الذرية وزبر ما كان من مسيره في حجرين فهما معروفان ببلاد أذربيجان قال وفي ذلك يقول امرؤ القيس ... ألم يخبرك أن الدهر غول ... ختور العهد يلتقم الرجالا ... أزال عن المصانع ذا رياش ... وقد ملك السهولة والجبالا ... وأنشب في المخالب ذا منار ... وللزراد قد نصب الحبالا ... قال وذو منار الذي ذكره الشاعر هو ذو منار بن رائش الملك بعد أبيه واسمه أبرهة بن الرائش قال وإنما سمي ذا منار لأنه غزا بلاد المغرب فوغل فيها بر وبحرا وخاف على جيشه الضلال عند قفوله فبنىالمنار ليهتدوا بها قال ويزعم أهل اليمن أنه كان وجه ابنه العبد بن أبرهة في غزوته هذه إلى ناحية من أقاصي بلاد المغرب فغنم وأصباب مالا وقدم عليه بنسناس لهم خلق وحشية منكرة فذعر الناس منهم فسموه ذا الأذعار قال فأبرهة أحد ملوكهم الذين توغلوا في الأرض وإنما ذكرت من ذكرت من ملوك اليمن في هذا الموضع لما ذكرت من قول من زعم أ ن الرائش كان ملكا باليمن أيام منوشهر وأن ملوك اليمن كانوا عمالا لملوك فارس بها ومن قبلهم كانت ولايتهم بها (1/230) |
رد: مكتبتي
نسب موسى بن عمران وأخباره وما كان في عهده وعهد منوشهر بن منشخورنر الملك من الأحداث
قد ذكرنا أولاد يعقوب إسرائيل الله وعددهم وموالدهم فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق قال ثم إن لاوى بن يعقوب نكح نابتة ابنة ماري بن يشخر فولدت له عرشون بن لاوى ومرزى بن لاوى ومردى بن لاوى وقاهث بن لاوى فنكح قاهث بن لاوى فاهى ابنة مسين بن بتويل بن إلياس فولدت له يصهر بن قاهث فتزوج يصهر شميث ابنة بتاديت بن بركيا بن يقسان بن إبراهيم فولدت له عمران بن يصهر وقارون بن يصهر فنكح عمران يحيب ابنة شمويل بن بركيا بن يقسان بن إبراهيم فولدت له هارون بن عمران وموسى بن عمران وقال غير ابن إسحاق كان عمر يعقوب بن إسحاق مائة وسبعا وأربعين سنة وولد لاوى له وقد مضى من عمره تسع وثمانون سنة وولد للاوى قاهث بعد أن مضى من عمر لاوى ست وأربعون سنة ثم ولد لقاهث يصهر ثم ولد ليصهر عمرم وهو عمران وكان عمر يصهر مائة وسبعا وأربعين سنة وولد له عمران بعد أن مضى من عمره ستون سنة ثم ولد لعمران موسى وكانت أمه يوخابد وقيل كان اسمها باختة وامرأته صفورا ابنة يترون وهو شعيب النبي صلى الله عليه و سلم وولد موسى جرشون وإيليعازر وخرج إلى مدين خائفا وله إحدى وإربعون سنة وكان يدعو إلى دين إبراهيم وتراءى الله بطور سيناء وله ثمانون سنة وكان فرعون مصر في ايامه قابوس بن مصعب بن معاوية صاحب يوسف الثاني وكانت امرأته آسية ابنة مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد فرعون يوسف الأول فلما نودي موسى أعل أن قابوس بن مصعب قد مات وقام أخوه الوليد بن مصعب مكانه وكان أعتى من قابوس وأكفر وأفجر وأمر بأن يأتيه هو وأخوه هارون بالرسالة قال ويقال إن الوليد تزوج آسية ابنة مزاحم بعد أخيه وكان عمر عمران مائة سنة وسبعا وثلاثين سنة وولد موسى وقد مضى من عمر عمران سبعون سنة ثم صار موسى إلى فرعون رسولا مع هارون وكان من مولد موسى إلى أن خرج ببني إسرائيل عن مصر ثمانون سنة ثم صار إلى التيه بعد أن عبر البحر فكان مقامهم هنالك إلى أن خرجوا مع يوشع بن نون أربعين سنة فكان ما بين مولد موسى إلى وفاته في التيه مائة وعشرين سنة وأما ابن إسحاق فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال قبض الله يوسف وهلك الملك الذي كان معه الريان بن الوليد وتوارثت الفراعنة من العماليق ملك مصر فنشر الله (1/231) ________________________________________ بها بني إسرائيل وقبر يوسف حين قبض كما ذكر لي في صندوق من مرمر في ناحية من النيل في جوف الماء فلم يزل بنو إسرائيل تحت أيدي الفراعنة وهم على بقايا من دينهم مما كان يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم شرعوا فيهم من الإسلام متمسكين به حتى كان فرعون موسى الذي بعثه الله إليه ولم يكن منهم فرعون أعتى منه على الله ولا أعظم قولا ولا أطول عمرا في ملكه منه وكان اسمه فيما ذكروا لي الوليد بن مصعب ولم يكن من الفراعنة فرعون أشد غلظة ولا أقسى قلبا ولا أسوأ ملكة لبني إسرائيل منه يعذبهم فيجعلهم خدما وخولا وصنفهم في أعماله فصنف يبنون وصنف يحرثون وصنف يزرعون له فهم في اعماله ومن لم يكن منهم في صنعة له من عمله فعليه الجزية فسامهم كما قال الله سوء العذاب وفيهم مع ذلك بقايا من أمر دينهم لا يريدون فراقه وقد استنكح منهم امرأة يقال لها آسية بنت مزاحم من خيار النساء المعدودات فعمر فيهم وهم تحت يديه عمرا طويلا يسومهم سوء العذاب فلما أراد الله أن يفرج عنهم وبلغ موسى الأشد أعطي الرسالة قال وذكر لي أنه لما تقارب زمان موسى أتى منجمو فرعون وحزاته إليه فقالوا تعلم أنا نجد في علمنا أن مولودا من بني إسرائيل قد أظلك زمانه الذي يولد فيه يسلبك ملكك ويغلبك على سلطانك ويخرجك من أرضك ويبدل دينك فلما قالوا له ذلك أمر بقتل كل مولود يولد من بني إسرائيل من الغلمان وأمر بالنساء يستحيين فجمع القوابل من نساء أهل مملكته فقال لهن لا يسقطن على أيديكن غلام من بني إسرائيل إلا قتلتموه فكن يفعلن ذلك وكان يذبح من فوق ذلك من الغلمان ويأمر بالحبالى فيعذبن حتى يطرحن ما في بطونهن حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبي نجيح عن مجاهد قال لقد ذكر لي أنه كان يأمر بالقصب فيشق حتى يجعل أمثال الشفار ثم يصف بعضه إلى بعض ثم يأتي بالحبالى من بني إسرائيل فيوقفهن عليه فيحز أقدامهن حتى إن المرأة منهن لتمصع بولدها فيقع بين رجليها فتظل تطؤه تتقي به حز القصب عن رجليها لما بلغ من جهدها حتى أسرف في ذلك وكاد يفنيهم فقيل له أفنيت الناس وقطعت النسل وإنهم خولك وعمالك فأمر أن يقتل الغلمان عاما ويستحيوا عاما فولد هارون في السنة التي يستحيا فيها الغلمان وولد موسى في السنة التي فيها يقتلون فكان هارون أكبر منه بسنة وأما السدي فإنه قال ما حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه كان من شأن فرعون أنه رأى رؤيا في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل وأخربت بيوت مصر فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة فسألهم عن رؤياه فقالوا له يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه يعنون بيت المقدس رجل يكون على وجهه هلاك مصر فأمر ببني إسرائيل ألا يولد لهم غلام إلا ذبحوه ولا يولد لهم جارية إلا تركت وقال للقبط انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجا فأدخلوهم واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة فجعل بني إسرائيل في أعمال غلمانهم وأدخلوا غلمانهم فذلك حين يقول الله إن (1/232) ________________________________________ فرعون علا في الأرض يقول تجبر في الأرض وجعل أهلا شيعا يعني بني إسرائيل حين جعلهم في الأعمال القذرة يستضيف طائفة منهم يذبح أبناءهم ( 1 ) فجعل لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح فلا يكبر الصغير وقذف الله في مشيخة بني إسرائيل الموت فأسرع فيهم فدخل رؤوس القبط على فرعون فكلموه فقالوا إن هؤلاء القوم قد وقع فيهم الموت فيوشك أن يقع العمل على غلماننا نذبح أبناءهم فلا يبلغ الصغار ويفنى الكبار فلو أنك تبقي من أولادهم فأمر أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة فلما كان في السنة التي لا يذبحون فيها ولد هارون فترك فلما كان في السنة التي يذبحون فيها حملت أم موسى بموسى فلما أرادت وضعه حزنت من شأنه فأوحى الله إليها أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم وهو النيل ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ( 2 ) فلما وضعته أرضعته ثم دعت له نجارا فجعل له تابوتا وجعل مفتاح التابوت من داخل وجعلته فيه وألقته في اليم وقالت لإخته قصيه تعني قصي أثره فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون ( 3 ) أنها أخته فأقبل الموج بالتابوت يرفعه مرة ويخفضه أخرى حتى أدخله بين أشجار عند بيت فرعون فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدن التابوت فأدخلنه إلى آسية وظنن أن فيه مالا فلما نظرت إليه آسية وقعت عليه رحمتها وأحبته فلما أخبرت به فرعون أراد أ ن يذبحه فلم تزل آسية تكلمه حتى تركه لها قال إني أخاف أن يكون هذا من بني إسرائيل وأن يكون هذا الذي على يديه هلاكنا فذلك قول الله تعالى فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ( 4 ) فأرادوا له المرضعات فلم يأخذ من أحد من النساء وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع فأبى أن يأخذ فذلك قول الله وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت أخته هل أدلكم على بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ( 5 ) فأخذوها وقالوا إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله فقالت ما أعرفه ولكني إنما قلت هم للملك ناصحون ولما جاءت أمه أخذ منها ثديها فكادت أن تقول هو ابني فعصمها الله فذلك قول الله إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ( 6 ) وإنما سمي موسى لأنهم وجدوه في ماء وشجر والماء بالقبطية مو والشجر شا فذلك قول الله عز و جل فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ( 7 ) فاتخذه فرعون ولدا فدعي ابن فرعون فلما تحرك الغلام أرته أمه آسية صبيا فبينما هي ترقصه وتلعب به إذ ناولته فرعون وقالت خذه قرة عين لي ولك قال فرعون هو قرة عين لك ولا لي قال عبدالله بن عباس لو أنه قال وهو لي قرة عين إذا لآمن به ولكنه أبى فلما أخذه إليه أخذ موسى بلحيته فنتفها فقال فرعون علي بالذباحين هذا هو قالت آسية لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ( 8 ) إنما هو صبي لا يعقل وإنما صنع هذا من صباه وقد علمت أنه ليس في أهل مصر امرأة أحلى مني أنا أضع له حليا من الياقوت وأضع له جمرا فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه وإن أخذ الجمر فإنما هو صبي فأخرجت له ياقوتها فوضعت له طستا من جمر فجاء جبرئيل فطرح في يده جمرة فطرحها موسى في (1/233) ________________________________________ فيه فأحرق لسانه فهو الذي يقول الله عز و جل واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ( 4 ) فزالت عن موسى من أجل ذلك وكبر موسى فكان يركب مراكب فرعون ويلبس مثل ما يلبس وكان إنما يدعى موسى بن فرعون ثم إن فرعون ركب مركبا وليس عنده موسى فلما جاء موسى قيل له إن فرعون قد ركب فركب في أثره فأدركه المقيل بأرض يقال لها منف فدخلها نصف النهار وقد تغلقت أسواقها وليس في طرقها أحد وهو قول الله عز و جل ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته يقول هذا من بني إسرائيل وهذا من عدوه يقول من القبط فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين فأصبح في المدينة خائفا يترقب خائفا أن يؤخذ فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه يقول يستغيثه قال له موسى إنك لغوي مبين ( 2 ) ثم أقبل موسى لينصره فلما نظر إلى موسى قد أقبل نحوه ليبطش بالرجل الذي يقاتل الإسرائيلي قال الإسرائيلي وفرق من موسى أن يبطش به من أجل أنه أغلظ الكلام يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين ( 2 ) فتركه وذهب القبطي فأفشى عليه أن موسى هو الذي قتل الرجل فطلبه فرعون وقال خذوه فإنه صاحبنا وقال للذين يطلبونه اطلبوه في بنيات الطريق فإن موسى غلام لا يهتدي إلى الطريق وأخذ موسى في بنيات الطريق وجاءه الرجل وأخبره إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين ( 2 ) فلما أخذ موسى في بنيات الطريق جاءه ملك على فرس بيده عنزة فلما رآه موسى سجد له من الفرق فقال لا تسجد لي ولكن اتبعني فاتبعه فهداه نحو مدين وقال موسى وهو متوجه نحو مدين عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ( 2 ) فانطلق به الملك حتى انتهى به إلى مدين حدثني العباس بن الوليد قال حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا أصبغ بن زيد الجهني قال حدثنا القاسم قل حدثني سعيد بن جبير قال سألت عبدالله بن عباس عن قول الله لموسى وفتناك فتونا ( 3 ) فسألته عن الفتون ما هي فقال لي استأنف النهار يابن جبير فإن لها حديثا طويلا قال فلما أصبحت غدوت على ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني قال فقال ابن عباس تذاكر فرعون وجلساؤه ما وعد الله إبراهيم من أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا فقال بعضهم إن بني إسرائيل لينتظرون ذلك ما يشكون ولقد كانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب فلما هلك قالوا ليس هكذا كان الله وعد إبراهيم قال فرعون فكيف ترون قال فائتمروا بينهم وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه فلما رأوا ان الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم وأن الصغار يذبحون قالوا توشكون أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم فاقتلوا عاما كل مولود ذكر فيقل أبناؤهم ودعوا عاما لا تقتلوا منهم أحدا فيشب الصغار (1/234) ________________________________________ مكان من يموت من الكبار فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم ولن يقلوا بمن تقتلون فأجمعوا أمرهم على ذلك فحملت أم موسى بهارون في العام الذي الذي لا يذبح فيه الغلمان فولدته علانية آمنة حتى إذا كان العام المقبل حملت بموسى فوقع في قلبها الهم والحزن وذلك من الفتون يابن جبير مما دخل عليه في بطن أمه مما يراد به فأوحى الله إليها ألا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت ثم تلقيه في اليم فلما ولدته فعلت ما أمرت به حتى إذا توارى عنها ابنها أتاها إبليس فقالت في نفسها ما صنعت بابني لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه بيدي إلى حيتان الحبر ودوابه فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون فرأينه فأخذنه فهممن أن يفتحن التابوت فقال بعضهن لبعض إن في هذا مالا وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة فرعون بما وجدنا فيه فحملنه كهيئته لم يحركن منه شيئا حتى دفعنه إليها فلما فتحنه رأت فيه الغلام فألقى عليه منها محبة لم يلق مثلها منها على أحد من الناس واصبح فؤاد أم موس فارغا من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم يريدون أن يذبحوه وذلك من الفتون يابن جبير فقالت للذباحين انصرفوا فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل فآتي فرعون فاستوهبه إياه فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم وإن أمر بذبحه لم ألمكم فلما أتت به فرعون قالت قرة عين لي ولك لا تقتلوه قال فرعون يكون لك فأما أنا فلا حاجة لي فيه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون له قرة عين كا أقرت به لهداه الله به كما هدى به امرأته ولكن الله حرمه ذلك فأرسلت إلى من حولها من كل أنثى لها لبن لتختار له ظئرا فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت فحزنها ذلك فأمرت به فأخرج إلى السوق مجمع الناس ترجو أن تصيب له ظئرا يأخذ منها فلم يقبل من أحد وأصبحت أم موسى فقالت لأخته قصيه واطلبيه هل تسمعين له ذكرا أحي ابني أم قد أكلته دواب البحر وحيتانه ونسيت الذي كان الله وعدها فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون فقالت من الفرح حين أعياهم الظئورات هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فأخذوها فقالوا وما يدريك ما نصحهم له هل تعرفينه حتى شكوا في ذلك وذلك من الفتون يابن جبير فقالت نصحهم له وشفقتهم عليه ورغبتهم في ظئورة الملك ورجاء منفعته فتركوها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر فجاءت فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها حتى امتلأ جنباه فانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرا فأرسلت إليها فأتيت بها وبه فلما رأت ما يصنع بها قالت امكثي عندي ترضعين ابني هذا فإني لم أحب حبه شيئا قط قال فقالت لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرا فعلت وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها فتعاسرت على امرأة فرعون وأيقنت أن الله عز و جل منجز وعده فرجعت بابنها إلى بيتها من يومها فأنبته الله نباتا حسنا وحفظه لما قضى فيه فلم تزل بنو إسرائيل وهم مجتمعون في ناحية المدينة يمتنعون به من الظلم والسخر التي كانت فيهم فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى أريد أن تريني موسى فوعدتها يوما تريها إياه فيه فقالت لحواضنها وظئورها وقهارمتها لا يبقين أحد منكم إلا استقبل (1/235) ________________________________________ ابني بهدية وكرامة ليرى ذلك وأنا باعثة أمينة تحصي ما يصنع كل إنسان منكم فلم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل عل امراة فرعون فلما دخل عليها بجلته وأكرمته وفرحت به وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه وقالت انطلقن به إلى فرعون فليبجله وليكرمه فلما دخلن به على فرعون وضعنه في حجره فتناول موسى لحية فرعون حتى مدها فقال عدو من أعداء الله ألا ترى ما وعد الله إبراهيم أنه سيصرعك ويعلوك فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه وذلك من الفتون يابن جبير بعد كل بلاء ابتلى به وأريد به فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون فقالت ما بدا لك في هذا الصبي الذي وهبته لي قال ألا ترينه يزعم أنه سيصرعني ويعلوني فقالت اجعل بيني وبينك أمرا يعرف فيه الحق ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقربهن إليه فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمت أنه يعقل وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين فاعلم أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل فقرب ذلك إليه فتناول الجمرتين فنزعوهما منه مخافة أن تحرقا يده فقالت المرأة ألا ترى فصرفه الله عنه بعد ما كان قد هم به وكان الله بالغا فيه أمره فلما بلغ أشده وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل امتناع فبينما هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى واشتد غضبه لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم ولا يعلم الناس إلا أنما ذلك من قبل الرضاعة غير أم موسى إلا أن يكون الله عز و جل أطلع موسى من ذلك على ما يطلع عليه غيره فوكز موسى الفرعوني فقتله وليس يراهما إلا الله عز و جل والإسرائيلي فقال موسى حين قتل الرجل هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ( 1 ) ثم قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم ( 1 ) فأصبح في المدينة خائفا يترقب الأخبار فأتى فرعون فقيل له إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم في ذلك فقال ابغوني قاتله ومن يشهد عليه لأنه لا يستقيم أن نقضي بغير بينة ولا ثبت فطلبوا له ذلك فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة إذ مر موسى من الغد فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى وقد ندم على ما كان منه بالأمس وكره الذي رأى فغضب موسى فمد يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم إنك لغوي مبين ( 2 ) فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال ما قال فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني فخاف أن يكون بعد ما قال له إنك لغوي مبين أن يكون إياه أراد ولم يكن أراده وإنما أراد الفرعوني فخاف الإسرائيلي فحاجز الفرعوني وقال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله فتتاركا فانطلق الفرعوني إلى قومه فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس فأرسل فرعون الذباحين وسلك موسى الطريق الأعظم وطلبوه وهم لا يخافون أن يفوتهم وكان رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقا قريبا حتى سبقهم إلى موسى فأخبره الخبر وذلك من الفتون يابن جبير (1/236) ________________________________________ ثم رجع الحديث إلى حديث السدي قال فلما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ( 1 ) يقول كثرة من الناس يسقون وقد حدثنا أبو عمار المروزي قال حدثنا الفضل بن موسى عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال خرج موسى من مصر إلى مدين وبينهما مسيرة ثمان ليال قال وكان يقال نحو من الكوفة إلى البصرة ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر فخرج حافيا فما وصل إليها حتى وقع خف قدمه حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثام قال حدثنا الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بنحوه رجع الحديث إلى حديث السدي ووجد من دونهم امرأتين تذودان يقول تحبسان غنمهما فسألهما ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ( 1 ) فرحمهما موسى فأتى البئر فاقتلع صخرة على البئر كان النفر من أهل مدين يجتمعون عليها حتى يرفعوها فسقى لهما موسى دلوا فأروتا غنمهما فرجعتا سريعا وكانتا إنما تسقيان من فضول الحياض ثم تولى موسى إلى ظل شجرة من السمر فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ( 1 ) قال قال ابن عباس لقد قال موسى ولو شاء إنسان أن ينظر إلى خضرة أمعائه من شدة الجوع ما يسأل الله إلا أكلة حدثنا ابن حميد قال حدثنا حكام بن سلم عن عنبسة عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عز و جل ولما ورد ماء مدين قال وردالماء وإنه ليتراءى خضرة البقل في بطنه من الهزال فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير قال شبعة رجع الحديث إلى حديث السدي فلما رجعت الجاريتان إلى أبيهما سريعا سألهما فأخبرتاه خبر موسى فأرسل إحداهما فأتته تمشي على استحياء وهي تستحيي منه قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فقام معها وقال لها امضي فمشت بين يديه فضربتها الرياح فنظر إلى عجيزتها فقال لها موسى امشي خلفي ودليني على الطريق إن أخطأت فلما أتى الشيخ وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين وهي الجارية التي دعته قال الشيخ هذه القوة قد رأيت حين اقتلع الصخرة أرايت أمانته ما يدريك ما هي قالت إني مشيت قدامه فلم يحب أن يخونني في نفسي وأمرني أن أمشي خلفه قال له الشيخ إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني إلى أيما الأجلين قضيت إما ثمانيا وإما عشرا والله على ما نقول وكيل ( 2 ) قال ابن عباس الجارية التي دعته هي التي تزوج بها فأمر إحدى ابنتيه أن تأتيه بعصا فأتته بعصا وكانت تلك العصا عصا استودعها إياه ملك في صورة رجل فدفعها إليه فدخلت الجارية فأخذت (1/237) ________________________________________ العصا فأتته بها فلما رآها الشيخ قال لها لا إيتيه بغيرها فألقتها فأخذت تريد أن تأخذ غيرها فلا يقع في يدها إلا هي وجعل يرددها فكل ذلك لا يخرج في يدها غيرها فلما رأى ذلك عمد إليها فأخرجها معه فرعى بها ثم إن الشيخ قدم وقال كانت وديعة فخرج يتلقى موسى فلما لقيه قال أعطني العصا فقال موسى هي عصاي فأبى أن يعطيه فاختصما بينهما ثم تراضيا أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما فأتاهما ملك يمشي فقضى بينهما فقال ضعاها في الأرض فمن حملها فهي له فعالجها الشيخ فلم يطقها وأخذها موسى بيده فرفعها فتركها له الشيخ فرعى له عشر سنين قال عبدالله بن عباس كان موسى أحق بالوفاء حدثني أحمد بن محمد الطوسي قال حدثنا الحميدي عبدالله بن الزبير قال حدثنا سفيان قال حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال سألت جبرئيل أي الأجلين قضى موسى قال أتمهما وأكملهما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير قال قال لي يهودي بالكوفة وأنا أتجهز للحج إني أراك رجلا يتبع العلم أخبرني أي الأجلين قضى موسى قلت لا أعلم وأنا الآن قادم على حبر العرب يعني ابن عباس فسأسأله عن ذلك فلما قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك وأخبرته بقول اليهودي فقال ابن عباس قضى أكثرهما وأطيبهما إن النبي إذا وعد لم يخلف قال سعيد فقدمت العراق فلقيت اليهودي فأخبرته فقال صدق وما أنزل الله على موسى هذا والله العالم حدثنا ابن وكيع قال حدثنا يزيد قال أخبرنا الأصبغ بن زيد عن القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير قال سألني رجل من أهل النصرانية أي الأجلين قضى موسى قلت لا أعلم وأنا يومئذ لا أعلم فلقيت ابن عباس فذكرت له الذي سألني عنه النصراني فقال أما كنت تعلم أن ثمانيا واجبة عليه لم يكن نبي لينقص منها شيئا وتعلم أن الله كان قاضيا عن موسى عدته التي وعده فإنه قضى عشر سنين حدثنا القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج قال أخبرني وهب بن سليمان الذماري عن شعيب الجبائي قال اسم الجاريتين ليا وصفورة وامرأة موسى صفورة ابنة يترون كاهن مدين والكاهن حبر حدثني أبو السائب قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة قال كان الذي استأجر موسى يترون ابن أخي شعيب النبي حدثنا ابن وكيع قال حدثنا ا لعلاء بن عبدالجبار عن حماد بن سلمة عن أبي جمرة عن ابن عباس قال الذي استأجر موسى اسمه يثرى صاحب مدين حدثني إسماعيل بن الهيثم أبو العالية قال حدثنا أبو قتيبة عن حماد بن سلمة عن أبي جمرة عن ابن عباس قال اسم أبي امرأة موسى يثرى (1/238) ________________________________________ رجع الحديث إلى حديث السدي فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله فضل الطريق قال عبدالله بن عباس كان في الشتاء ورفعت له نار فلما ظن أنها نار وكانت من نور الله قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر فإن لم أجد خبرا أتيتكم منها بشهاب قبس لعلكم تصطلون قال من البرد فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة ( 1 ) أن بورك من في النار ومن حولها ( 2 ) فلما سمع موسى النداء فزع وقال الحمد لله رب العالمين فنودي يا موسى إني أنا الله رب العالمين ( 3 ) وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي يقول أضرب بها الورق فيقع للغنم من الشجر ولي فيها مآرب أخرى يقول حوائج أخرى أحمل عليها المزود والسقاء فقال له ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى ( 4 ) فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يقول لم ينتظر فنودي يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون ( 5 ) أقبل ولا تخف إنك من الآمنين ( 6 ) واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك ( 6 ) العصا واليد آيتان فذلك حين يدعو موسى ربه فقال رب إني قتلت منه نفسا فأخاف أن يقتلون وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني يقول كيما يصدقني إني أخاف أن يكذبون ( 6 ) قال ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون يعني بالقتيل قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا والسلطان الحجة فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون ( 6 ) فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين ( 7 ) حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة فلما قضى موسى الأجل خرج فيما ذكر لي ابن إسحاق عن وهب بن منبه اليماني فيما ذكر له عنه ومعه غنم له ومعه زند له وعصاه في يده يهش بها على غنمه نهاره فإذا أمسى اقتدح بزنده نارا فبات عليها هو وأهله وغنمه فإذا أصبح غدا بأهله وبغنمه يتوكأ على عصاه وكانت كما وصف لي عن وهب بن منبه ذات شعبتين في رأسها ومحجن في طرفها حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عمن لا يتهم من أصحابه أن كعب الأحبار قدم مكة وبها عبدالله بن عمرو بن العاص فقال كعب سلوه عن ثلاث فإن أخبركم فإنه عالم سلوه عن شيء من الجنة وضعه الله للناس في الأرض وسلوه ما أول ما وضع في الأرض وما أول شجرة غرست في الأرض فسئل عبدالله عنها فقال أما الشيء الذي وضعه الله للناس في الأرض من الجنة فهو هذا الركن الأسود وأما أول ما وضع في الأرض فبرهوت باليمن يرده هام الكفار وأما أول شجرة غرسها الله في الأرض فالعوسجة التي اقتطع منها موسى عصاه فلما بلغ ذلك كعبا قال صدق الرجل عالم والله قال فلما كانت الليلة التي أراد الله بموسى كرامته وابتدأه فيها بنبوته وكلامه أخطأ فيها الطريق حتى لا يدري أين يتوجه فأخرج زنده ليقدح نارا لأهله ليبيتوا عليها حتى يصبح ويعلم وجه سبيله فأصلد عليه زنده فلا يوري له نارا فقدح حتى إذا أعياه لاحت النار فرآها فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي (1/239) ________________________________________ آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى ( 1 ) بقبس تصطلون وهدى عن علم الطريق الذي أضللنا بنعت من خبير فخرج نحوها فإذا هي في شجرة من العليق وبعض أهل الكتاب يقول في عوسجة فلما دنا استأخرت عنه فلما رأى استئخارها رجع عنها وأوجس في نفسه منها خيفة فلما أراد الرجعة دنت منه ثم كلم من الشجرة فلما سمع الصوت استأنس وقال الله يا موسى اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى ( 2 ) فألقاهما ثم قال ما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى أي منافع أخرى قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى ( 3 ) قد صار شعبتاها فمها وصار محجنها عرفا لها في ظهر تهتز لها أنياب فهي كما شاء الله أن تكون فرأى أمرا فظيعا فولى مدبرا ولم يعقب فناداه ربه أن يا موسى أقبل ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى ( 4 ) أي سيرتها عصا كما كانت قال فلما أقبل قال خذها ولا تخف ( 1 ) أدخل يدك في فمها وعلى موسى جبة من صوف فلف يده بكمه وهو لها هائب فنودي أن ألق كمك عن يدك فألقاه عنها ثم أدخل يده بين لحييها فلما أدخلها قبض عليها فإذا هي عصاه في يده ويده بين شعبتيها حيث كان يضعها ومحجنها بموضعه الذي كان لا ينكر منها شيئا ثم قيل أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء ( 5 ) أي من غير برص وكان موسى عليه السلام رجلا آدم أقنى جعدا طوالا فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء مثل الثلج ثم ردها في جيبه فخرجت كما كانت على لونه ثم قال فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه أنهم كانوا قوما فاسقين قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني أي يبين لهم عني ما أكلمهم به فإنه يفهم عني ما لا يفهمون قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون ( 6 ) رجع الحديث إلى حديث السدي فأقبل موسى إلى أهله فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلا فتضيف على أمه وهو لا يعرفهم فأتاهم في ليلة كانوا يأكلون فيها الطفيشل فنزل في جانب الدار فجاء هارون فلما أبصر ضيفه سأل عنه أمه فأخبرته أنه ضيف فدعاه فأكل معه فلما أن قعدا تحدثا فسأله هارون من أنت قال أنا موسى فقام كل واحد منهما إلى صاحبه فاعتنقه فلما أن تعارفا قال له موسى يا هارون انطلق معي إلى فرعون إن شاء الله قد أرسلنا إليه فقال هارون سمع وطاعة فقامت أمهما فصاحت وقالت أنشدكما الله ألا تذهبا إلى فرعون فيقتلكما فأبيا فانطلقا إليه ليلا فأتيا الباب فضرباه ففزع فرعون وفزع البواب وقال فرعون من هذا الذي يضرب بابي في هذه الساعة فأشرف عليهما البواب فكلمهما فقال له موسى إني رسول رب العالمين ( 7 ) ففزع البواب فأتى فرعون فأخبره فقال إن هاهنا إنسانا مجنونا يزعم أنه رسول رب العالمين قال أدخله فدخل فقال إني رسول رب العالمين أن أرسل معي بني إسرائيل فعرفه فرعون فقال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت (1/240) ________________________________________ وأنت من الكافرين معنا على ديننا الذي تعيب قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما والحكم النبوة وجعلني من المرسلين وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وربيتني قبل وليدا قال فرعون وما رب العالمين ( 1 ) فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ( 2 ) يقول أعطى كل دابة زوجها ثم هدى للنكاح ثم قال له إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ( 3 ) وذلك بعد ما قال له من الكلام ما ذكر الله تعالى قال موسى أو لو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ( 4 ) والثعبان الذكر من الحيات فاتحة فاها واضعة لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه فلما رآها ذعر منها ووثب فأحدث ولم يكن يحدث قبل ذلك وصاح يا موسى خذها وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل فأخذها موسى فعادت عصا ثم نزع يده وأخرجها من جيبه فإذا هي بيضاء للناظرين فخرج موسى من عنده على ذلك وأبى فرعون أن يؤمن به أو يرسل معه بني إسرائيل وقال لقومه يأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى ( 5 ) فلما بنى له الصرح ارتقى فوقه فأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء فردت إليه وهي ملطخة دما فقال قد قتلت إله موسى حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة فأوقد لي يا هامان على الطين قال كان أول من طبخ الآجر يبني به الصرح وأما ابن إسحاق فإنه قال ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال خرج موسى لما بعثه الله عز و جل حتى قدم مصر على فرعون هو وأخوه هارون حتى وقفا على باب فرعون يلتمسان الإذن عليه وهما يقولان إنا رسولا رب العالمين فآذنوا بنا هذا الرجل فمكثا فيما بلغنا سنتين يغدوان على بابه ويروحان لا يعلم بهما ولا يجترئ أحد على أن يخبره بشأنهما حتى دخل عليه بطال له يلعبه ويضحكه فقال له أيها الملك إن على الباب رجلا يقول قولا عجيبا يزعم أن له إلها غيرك قال أدخلوه فدخل ومعه هارون أخوه وبيده عصاه فلما وقف على فرعون قال له إني رسول رب العالمين فعرفه فرعون فقال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين قال فعلتها إذا وأنا من الضالين أي خطأ لا أريد ذلك ثم أقبل عليه موسى ينكر عليه ما ذكر من يده عنده فقال وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل أي اتخذتهم عبيدا تنزع أبناءهم من أيديهم فتسترق من شئت وتقتل من شئت إني إنما صيرني إلى بيتك وإليك ذلك قال فرعون وما رب العالمين ( 6 ) أي يستوصفه إلهه الذي أرسله إليه أي ما إلهك هذا قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله من ملئه ألا تستمعون أي إنكارا لما قال ليس له إله غيري قال ربكم ورب آبائكم الأولين الذي خلق آباءكم الأولين وخلفكم من آبائكم قال فرعون إن (1/241) ________________________________________ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون أي ما هذا بكلام صحيح إذ يزعم أن لكم إلها غيري قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون أي خالق المشرق والمغرب وما بينهما من الخلق إن كنتم تعقلون قال لئن اتخذت ألها غيري لتعبد غيري وتترك عبادتي لأجعلنك من المسجونين قال أولو جئتك بشيء مبين ( 1 ) أي بما تعرف بها صدقي وكذبك وحقي وباطلك قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ( 1 ) فملأت ما بين سماطي فرعون فاتحة فاها قد صار محجنها عرفا على ظهرها فارفض عنها الناس وحال فرعون عن سريره ينشده بربه ثم أدخل يده في جيبه فأخرجها بيضاء مثل الثلج ثم ردها كهيئتها وأدخل موسى يده في جيبه فصارت عصا في يده يده بين شعبتيها ومحجنها في أسفلها كما كانت وأخذ فرعون بطنه وكان فيما يزعمون يمكث الخمس والست ما يلتمس المذهب يريد الخلاء كما يلتمسه الناس وكان ذلك مما زين له أن يقول ما يقول إنه ليس من الناس بشبه فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال حدثت عن وهب بن منبه اليماني قال فمشى بضعا وعشرين ليلة حتى كادت نفسه أن تخرج ثم استمسك فقال لملئه إن هذا لساحر عليم أي ما ساحر أسحر منه يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون ( 2 ) أقتله فقال مؤمن من آل فرعون العبد الصالح وكان اسمه فيما يزعمون حبرك أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم بعصاه ويده ثم خوفهم عقاب الله وحذرهم ما أصاب الأمم قبلهم وقال يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ( 3 ) وقال الملأ من قومه وقد وهنهم من سلطان الله ما وهنهم أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم ( 4 ) أي كاثره بالسحرة لعلك أن تجد في السحرة من جاء بمثل ما جاء به وقد كان موسى وهارون خرجا من عنده حين أراهم من سلطان الله ما أراهم وبعث فرعون مكانه في مملكته فلم يترك في سلطانه ساحرا إلا أتى به فذكر لي والله أعلم أنه جمع له خمسة عشر ألف ساحر فلما اجتمعوا إليه أمرهم أمره فقال لهم قد جاءنا ساحر ما رأينا مثله قط وإنكم إن غلبتموه أكرمتكم وفضلتكم وقربتكم على أهل مملكتي قالوا إن لنا ذلك عليك إن غلبناه قال نعم قالوا فعد لنا موعدا نجتمع نحن وهو فكان رؤوس السحرة الذين جمع فرعون لموسى ساتور وعادور وحطحط ومصفى أربعة وهم الذين آمنوا حين رأوا ما رأوا من سلطان الله فآمنت السحرة جميعا وقالوا لفرعون حين توعدهم القتل والصلب لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض ( 5 ) فبعث فرعون إلى موسى أن اجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى قال موعدكم يوم الزينة يوم عيد كان فرعون يخرج إليه وأن يحشر الناس ضحى ( 6 ) حتى يحضروا أمري وأمرك فجمع فرعون الناس لذلك الجمع ثم أمر السحرة فقال (1/242) ________________________________________ ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى ( 1 ) أي قد أفلح من استعلى اليوم على صاحبه فصف خمسة عشر ألف ساحر مع كل ساحر حباله وعصيه وخرج موسى ومعه أخوه يتكئ على عصاه حتى أتى الجمع وفرعون في مجلسه ومعه أشراف أهل مملكته وقد استكف له الناس فقال موسى للسحرة حين جاءهم ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى ( 2 ) فتراد السحرة بينهم وقال بعضهم لبعض ما هذا بقول ساحر ثم قالوا وأشار بعضهم إلى بعض بتناج إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى ( 3 ) ثم قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ( 4 ) فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون ثم أبصار الناس بعد ثم ألقى كل رجل منهم ما في يده من الصعي والحبال فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا فأوجس في نفس خيفة موسى ( 4 ) وقال والله إن كانت لعصيا في أيديهم ولقد عادت حيات وما تعدو عصاي هذه أو كما حدث نفسه فأوحى الله إليه وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى ( 5 ) وفرج عن موسى فألقى عصاه من يده فاستعرضت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم وهي حيات في عين فرعون وأعين الناس تسعى فجعلت تلقفها تبتلعها حية حية حتى ما يرى في الوادي قليل ولا كثير مما ألقوا ثم أخذها موسى فإذا هي عصاه في يده كما كانت ووقع السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى لو كان هذا سحرا ما غلبنا قال لهم فرعون وأسف ورأى الغلبة البينة آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر أي لعظيم السحار الذي علمكم فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف إلى قوله فاقض ما أنت قاض أي لن نؤثرك على الله وعلى ما جاءنا من الحجج مع نبيه فاقض ما أنت قاض أي فاصنع ما بدا لك إنما تقضي هذه الحياة الدنيا التي ليس لك سلطان إلا فيها ثم لا سلطان لك بعدها إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى ( 6 ) أي خير منك ثوابا وأبقى عقابا فرجع عدو الله مغلوبا ملعونا ثم أبى إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر فتابع الله عليه بالآيات وأخذه بالسنين فأرسل عليه الطوفان رجع الحديث إلى حديث السدي وأما السدي فإنه قال في خبره ذكر أن الآيات التي ابتلى الله بها قوم فرعون كانت قبل اجتماع موسى والسحرة وقال لما رجع إليه السهم ملطخا بالدم قال قد قتلنا إله موسى ثم إن الله أرسل عليهم الطوفان وهو المطر فغرق كل شيء لهم فقالوا يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فكشفه الله عنهم ونبتت زروعهم فقالوا ما يسرنا أنا لم نمطر فبعث الله عليهم الجراد فأكل حروثهم فسألوا موسى أن يدعو ربه فيكشفه ويؤمنوا به فدعا فكشفه وقد بقي من زروعهم بقية فقالوا لن نؤمن وقد بقي لنا من زروعنا بقية فبعث الله عليهم الدبا وهو القمل فلحس الأرض كلها وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيعضه وكان أحدهم يأكل الطعام فيمتلئ دبا حتى إن أحدهم ليبني الأسطوانة بالجص والآجر فيزلقها حتى لا يرتقي فوقها شيء (1/243) ________________________________________ من الذباب ثم يرفع فوقها الطعام فإذ اصعد إليه ليأكله وجده ملآن دبا فلم يصبهم بلاء كان أشد عليهم من الدبا وهو الرجز الذي ذكره الله في القرآن أنه وقع عليهم فسألوا موسى أن يدعو ربه فيكشفه عنهم ويؤمنوا به فلما كشف عنهم أبوا أن يؤمنوا فأرسل الله عليهم الدم فكان الإسرائيلي يأتي هو والقبطي فيستقيان من ماء واحد فيخرج ماء هذا القبطي دما ويخرج للإسرائيلي ماء فلما اشتد ذلك عليهم سألوا موسى أن يكشفه ويؤمنوا به فكشف ذلك عنهم فأبوا أن يؤمنوا فذلك حين يقول الله فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون ( 1 ) ما أعطوا من العهود وهو حين يقول ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين وهو الجوع ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون ( 2 ) ثم إن الله عز و جل أوحى إلى موسى وهارون أن قولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ( 3 ) فأتياه فقال له موسى هل لك يا فرعون في أن أعطيك شبابك ولا تهرم وملكك لا ينزع منك ويرد إليك لذة المناكح والمشارب والركوب فإذا مت دخلت الجنة تؤمن بي فوقعت في نفسه هذه الكلمات وهي اللينة فقال كما أنت حتى يأتي هامان فلما جاء هامان قال له [ أشعرت ] أن ذلك الرجل أتاني قال من هو وكان قبل ذلك إنما يسميه الساحر فلما كان ذلك ا ليوم لم يسمه الساحر قال فرعون موسى قال وما قال لك قال قال لي كذا وكذا قال هامان وما رددت عليه قال قلت حتى يأتي هامان فأستشيره فعجزه هامان وقال قد كان ظني بك خيرا من هذا تصير عبدا يعبد بعد أن كنت ربا يعبد فذلك حين خرج عليهم فقال لقومه وجمعهم فقال أنا ربكم الأعلى ( 4 ) وكان بين كلمته ما علمت لكم من إله غيري ( 5 ) وبين قوله أنا ربكم الأعلى أربعون سنة وقال لقومه إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالو أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم ( 6 ) قال فرعون أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى يقول عدلا قال موسى موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى وذلك يوم عيد لهم فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى ( 7 ) وأرسل فرعون في المدائن حاشرين فحشروا عليه السحرة وحشروا الناس ينظرون يقول هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين إلى قوله أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين يقول عطية تعطينا قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين ( 8 ) فقال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب يقول يهلككم بعذاب فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى من دون موسى وهارون وقالوا في نجواهم إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى ( 9 ) يقول يذهبا بأشراف قومكم فالتقى موسى وأمير السحرة فقال له موسى أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به حق (1/244) ________________________________________ قال نعم قال الساحر لآتين غدا بسحر لا يغلبه سحر فوالله لئن غلبتني لأومنن بك ولأشهدن أنك على حق وفرعون ينظر إليهما وهو قول فرعون إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة إذ التقيتما لتتظاهرا لتخرجوا منها أهلها ( 1 ) فقالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين ( 2 ) قال لهم موسى ألقوا فألقوا حبالهم وعصيهم وكانوا بضعة وثلاثين ألف رجل ليس منهم رجل إلا ومعه حبل وعصا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم ( 2 ) يقول فرقوهم فأوجس في نفسه خيفة موسى ( 3 ) فأوحى الله إليه ألا تخف وألق ما في يمنيك تلقف ما صنعوا ( 4 ) فألقى موسى عصاه فأكلت كل حية لهم فلما رأوا ذلك سجدوا وقالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون ( 5 ) قال فرعون فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ( 6 ) فقتلهم وقطعهم كما قال عبدالله بن عباس حين قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين ( 7 ) قال كانوا في أول النهار سحرة وفي آخر النهار شهداء ثم أقبل على بني إسرائيل فقال له قومه أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك ( 8 ) وآلهته فيما زعم ابن عباس كانت البقر كانوا إذ رأوا بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها فلذلك أخرج لهم عجلا بقرة ثم إن الله تعالى ذكره أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل فقال أن أسر بعبادي ليلا إنكم متبعون ( 9 ) فأمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا وأمرهم أن يستعيروا الحلي من القبط وأمر ألا ينادي إنسان صاحبه وأن يسرجوا في بيوتهم حتى الصبح وأن من خرج إذا قال موسى قال عمرو وأمر من خرج يلطخ بابه بكف من دم حتى يعلم أنه قد خرج وإن الله أخرج كل ولد زنا في القبط من بني إسرائيل إلى بني إسرائيل وأخرج كل ولد زنا في بني إسرائيل من القبط إلى القبط حتى أتوا آباءهم ثم خرج موسى ببني إسرائيل ليلا والقبط لا يعلمون وقد دعوا قبل ذلك على القبط فقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا إلى قوله حتى يروا العذاب الأليم ( 10 ) فقال الله تعالى قد أجيبت دعوتكما فزعم السدي أن موسى هو الذي دعا وأمن هارون فذلك حين يقول الله قد أجيبت دعوتكما ( 10 ) وقوله ربنا اطمس على أموالهم ( 10 ) فذكر أن طمس الأموال أنه جعل دراهمهم ودنانيرهم حجارة ثم قال لهما استقيما فخرجا في قومهما وألقي على القبط الموت فمات كل بكر رجل فأصبحوا يدفنونهم فشغلوا عن طلبهم حتى طلعت الشمس فذلك حين يقول الله فأتبعوهم مشرقين ( 11 ) (1/245) ________________________________________ وكان موسى على ساقة بني إسرائيل وكان هارون أمامهم يقدمهم فقال المؤمن لموسى يا نبي الله أين أمرت قال البحر فأراد أن يقتحم فمنعه موسى وخرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل لا يعدون ابن العشرين لصغره ولا ابن الستين لكبره وإنما عدوا ما بين ذلك سوى الذرية وتبعهم فرعون وعلى مقدمته هامان في ألف الف وسبعمائة ألف حصان ليس فيها ماذيانة وذلك حين يقول الله فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون يعني بني إسرائيل وإنا لجميع حاذرون ( 1 ) يقول قد حذرنا فأجمعنا أمرنا فلما تراءى الجمعان فنظرت بنو إسرائيل إلى فرعون قد ردفهم قالوا إنا لمدركون ( 2 ) قالوا يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا كانوا يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا إنا لمدركون البحر من بين أيدينا وفرعون من خلفنا قال موسى كلا إن معي ربي سيهدين ( 2 ) يقول سيكفيني قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ( 3 ) فتقدم هارون فضرب البحر فأبى البحر أن ينفتح وقال من هذا الجبار الذي يضربني حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد وضربه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ( 4 ) يقول كالجبل العظيم فدخلت بنو إسرائيل وكان في البحر اثنا عشر طريقا في كل طريق سبط وكأن الطرق إذ انفلقت بجدران فقال كل سبط قد قتل أصحابنا فلما رأى ذلك موسى دعا الله فجعلها لهم قناطر كهيئة الطيقان فنظر آخرهم إلى أولهم حتى خرجوا جميعا ثم دنا فرعون وأصحابه فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقا قال ألا ترون البحر فرق مني وقد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم فذلك قول الله وأزلفنا ثم الآخرين ( 5 ) يقول قربنا ثم الآخرين هم آل فرعون فلما قام فرعون على أفواه الطرق أبت خيله أن تقتحم فنزل جبرئيل على ماذيانة فشمت الحصن ريح الماذيانة فاقتحمت في أثرها حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم وتفرد جبرئيل بفرعون بمقلة من مقل البحر فجعل يدسها في فيه فقال حين أدركه الغرق آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين فبعث الله إليه ميكائيل يعيره قال آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ( 6 ) فقال جبرئيل يا محمد ما أبغضت أحدا من الخلق ما أبغضت رجلين أما أحدهما فمن الجن وهو إبليس حين أبى أن يسجد لآدم وأما الآخر فهو فرعون حين قال أنا ربكم الأعلى ولو رأيتني يا محمد وأنا آخذ مقل البحر فأدخله في فم فرعون مخافة أن يقول كلمة يرحمه الله بها وقالت بنو إسرائيل لم يغرق فرعون الآن يدركنا فيقتلنا فدعا الله موسى فأخرج فرعون في ستمائة ألف وعشرين ألفا عليهم الحديد فأخذته بنو إسرائيل يمثلون به وذلك قول الله لفرعون فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية ( 6 ) يقول لبني إسرائيل آية فلما أرادوا أن يسيروا ضرب عليهم تيه فلم يدروا أين يذهبون فدعا موسى مشيخة بني إسرائيل فسألهم ما بالنا فقالوا له إن يوسف لما مات بمصر أخذ على إخوته عهدا ألا تخرجوا من مصر حتى تخرجوني معكم فذلك هذا الأمر فسألهم (1/246) ________________________________________ أين موضع قبره فلم يعلموا فقام موسى ينادي أنشد الله كل من كان يعلم أين موضع قبر يوسف إلا أخبرني به ومن لم يعلم فصمت أذناه عن قولي وكان يمر بين الرجلين ينادي فلا يسمعان صوته حتى سمعته عجوز لهم فقالت أرأيتك إن دللتك على قبره أتعطيني كل ما سألتك فأبى عليها وقال حتى أسأل ربي فأمره الله عز و جل أن يعطيها فأتاها فأعطاها فقالت إني أريد ألا تنزل غرفة من الجنة إلا نزلتها معك قال نعم قالت إني عجوز كبيرة لا أستطيع أن أمشي فاحملني فحملها فلما دنا من النيل قالت إنه في جوف الماء فادع الله أن يحسر عنه الماء فدعا الله فحسر الماء عن القبر فقالت احفره ففعل فحمل عظامه ففتح لهم الطريق فساروا فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه يقول مهلك ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ( 1 ) فأما ابن إسحاق فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه فتابع الله عليه بالآيات يعني على فرعون وأخذه بالسنين إذ أبى أن يؤمن بعد ما كان من أمره وأمر السحرة ما كان فأرسل عليه الطوفان ثم الجراد ثم القمل ثم الضفادع ثم الدم آيات مفصلات أي آية بعد آية يتبع بعضها بعضا فأرسل الطوفان وهو الماء ففاض على وجه الأرض ثم ركد لا يقدرون على أن يحرثوا ولا يعملوا شيئا حتى جهدوا جوعا فلما بلغهم ذلك قالوا يا موسى ادع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل ( 2 ) فدعا موسى ربه فكشفه عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا فأرسل الله عليهم الجراد فأكل الشجر فيم بلغني حتى إنه كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم فقالوا مثل ما قالوا فدعا ربه فكشفه عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا فأرسل الله عليهم القمل فذكر لي أن موسى أمر أن يمشي إلى كثيب فيضربه بعصاه فمشى إلى كثيب أهيل عظيم فضربه بها فانثال عليهم قملا حتى غلب على البيوت والأطعمة ومنعهم النوم والقرار فلما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا فأرسل الله عليهم الضفادع فملأت البيوت والأطعمة والآنية فلا يكشف أحد منهم ثوبا ولا طعاما ولا إناء إلا وجد فيه الضفادع قد غلبت عليه فلما جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياه آل فرعون دما لا يستقون من بئر ولا نهر ولا يغترفون من إناء إلا عادت دما عبيطا حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة قال فحدثني محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي أنه حدث أن المرأة من آل فرعون كانت تأتي المرأة من بني إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول اسقيني من مائك فتغرف لها من جرتها أو تصب لها من قربتها فيعود في الإناء دما حتى إن كانت لتقول لها اجعليه في فيك ثم مجيه في في فتأخذ في فيها ماء فإذا مجته في فيها صار دما فمكثوا في ذلك سبعة أيام فقالوا ادع لنا ربك با عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل ( 3 ) فلما كشف عنهم الرجز نكثوا ولم يفوا بشيء مما قالوا فأمر الله موسى أن يسير وأخبره أنه (1/247) ________________________________________ منجيه ومن معه ومهلك فرعون وجنوده وقد دعا موسى عليهم بالطمسة فقال ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك إلى ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ( 1 ) فمسخ الله أموالهم حجارة النخل والرقيق والأطعمة فكانت إحدى الآيات التي أراهن الله فرعون حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي قال سألني عمر بن عبدالعزيز عن التسع الآيات التي أراهن الله فرعون فقلت الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وعصاه ويده والطمسة والبحر فقال عمر فأنى عرفت أن الطمسة إحداهن قلت دعا عليهم موسى وأمن هارون فمسخ الله أموالهم حجارة فقال كيف يكون الفقه إلا هكذا ثم دعا بخريطة فيها أشياء مما كان أصيب لعبدالعزيز بن مروان بمصر إذ كان عليها من بقايا أموال آل فرعون فأخرج البيضة مقشورة نصفين وإنها لحجر والجوزة مقشورة وإنها لحجر والحمصة والعدسة حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد عن رجل من أهل الشأم كان بمصر قال قد رأيت النخلة مصروعة وإنها لحجر وقد رأيت إنسانا ما شككت أنه إنسان وإنه لحجر من رقيقهم فيقول الله عز و جل ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات إلى قوله مثبورا ( 2 ) يقول شقيا حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه أن الله حين أمر موسى بالمسير ببني إسرائيل أمره أن يحتمل يوسف معه حتى يضعه بالأرض المقدسة فسأل موسى عمن يعرف موضع قبره فما وجد إلا عجوزا من بني إسرائيل فقالت يا نبي الله أنا أعرف مكانه إن أنت أخرجتني معك ولم تخلفني بأرض مصر دللتك عليه قال أفعل وقد كان موسى وعد بني إسرائيل أن يسير بهم إذا طلع الفجر فدعا ربه أن يؤخر طلوعه حتى يفرغ من أمر يوسف ففعل فخرجت به العجوز حتى أرته إياه في ناحية من النيل في الماء فاستخرجه موسى صندوقا من مرمر فاحتمله معه قال عروة فمن ذلك تحمل اليهود موتاها من كل أرض إلى الأرض المقدسة حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال كان فيما ذكر لي أن موسى قال لبني إسرائيل فيما أمره الله به استعيروا منهم الأمتعة والحلي والثياب فإني منفلكم أموالهم مع هلاكهم فلما أذن فرعون في الناس كان مما يحرض به على بني إسرائيل أن قال حين ساروا لم يرضوا أن خرجوا بأنفسهم حتى ذهبوا بأموالكم معهم حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي عن عبدالله بن شداد بن الهاد قال لقد ذكر لي أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفا من دهم الخيل سوى ما في جنده من شيات الخيل وخرج موسى حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصرف طلع فرعون في جنده من (1/248) ________________________________________ خلفهم فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسىإنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين ( 1 ) أي للنجاة وقد وعدني ذلك ولا خلف لموعوده حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق قال فأوحى الله تبارك وتعالى فيما ذكر لي إلى البحر إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له فبات البحر يضرب بعضه بعضا فرقا من الله وانتظارا لأمره فأوحى الله عز و جل إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه بها وفيها سلطان الله الذي أعطاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ( 2 ) أي كالجبل على نشز من الأرض يقول الله لموسى عليه السلام فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى ( 3 ) فلما استقر له البحر على طريق قائمة يبس سلك فيه موسى ببني إسرائيل واتبعه فرعون بجنوده حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي عن عبدالله بن شداد بن الهاد الليثي قال حدثت أنه لما دخلت بنو إسرائيل فلم يبق منهم أحد أقبل فرعون وهو على حصان له من الخيل حتى وقف على شفير البحر وهو قائم على حاله فهاب الحصان أن يتقدم فعرض له جبرئيل على فرس أنثى وديق فقربها منه فشمها الفحل ولما شمها قدمها فتقدم معه الحصان عليه فرعون فلما رأى جند فرعون أن فرعون قد دخل دخلوا معه وجبرئيل أمامه فهم يتبعون فرعون وميكائيل على فرس خلف القوم يشحذهم يقول الحقوا بصاحبكم حتى إذا فصل جبرئيل من البحر ليس أمامه أحد ووقف ميكائيل على الناحية الأخرى ليس خلفه أحد طبق عليهم البحر ونادى فرعون حين رأى من سلطان الله وقدرته ما رأى وعرف ذله وخذلته نفسه نادى أن لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين حدثنا ابن حميد قال حدثنا أبو داود البصري عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال جاء جبرئيل إلى النبي عليه السلام فقال يا محمد لقد رأيتني وأنا أدس من حمإ البحر في فم فرعون مخافة أن تدركه الرحمة يقول الله الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين فاليوم ننجيك ببدنك أي سواء لم يذهب منك شيء لتكون لمن خلفك آية ( 4 ) أي عبرة وبينة فكان يقال لو لم يخرجه الله ببدنه حتى عرفوه لشك فيه بعض الناس ولما جاوز ببني إسرائيل البحر أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين ( 5 ) ووعد الله موسى حين أهلك فرعون وقومه ونجاه وقومه ثلاثين ليلة رجع الحديث إلى حديث السدي ثم إن جبرئيل أتى موسى يذهب به إلى الله عز و جل فأقبل على (1/249) ________________________________________ فرس فرآه السامري فانكره ويقال إنه فرس الحياة فقال حين رآه إن لهذا لشأنا فأخذ من تربة الحافر حافر الفرس فانطلق موسى واستخلف هارون على بني إسرائيل وواعدهم ثلاثين ليلة وأتمها الله بعشر فقال لهم هارون يا بني إسرائيل إن الغنيمة لا تحل لكم وإن حلي القبط إنما هو غنيمة فاجمعوها جميعا فاحفروا لها حفرة فادفنوها فيها فإن جاء موسى فأحلها أخذتموها وإلا كان شيئا لم تأكلوه فجمعوا ذلك الحلي في تلك الحفرة وجاء السامري بتلك القبضة فقذفها فأخرج الله من الحلي عجلا جسدا له خوار وعدت بنو إسرائيل موعد موسى فعدوا الليلة يوما واليوم يوما فلما كان العشر خرج لهم والعجل فلما رأوه قال لهم السامري هذا إلهكم وإله موسى فنسي ( 1 ) يقول ترك موسى إلهه ها هنا وذهب يطلبه فعكفوا عليه يعبدونه وكان يخور ويمشي فقال لهم هارون يا بني إسرائيل إنما فتنتم به يقول إنما ابتليتم به يقول بالعجل وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري ( 2 ) فأقام هارون ومن معه من بني إسرائيل لا يقاتلونهم وانطلق موسى إلى ألهه يكلمه فلما كلمه قال له وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري ( 3 ) فلما أخبره خبرهم قال موسى يا رب هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل أرأيت الروح من نفخها فيه قال الرب أنا قال رب أنت إذا أضللتهم ثم إن موسى لما كلمه ربه أحب أن ينظر إليه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ( 4 ) فحف حول الجبل الملائكة وحف حول الملائكة بنار وحف حول النار بملائكة وحول الملائكة بنار ثم تجلى ربه للجبل فحدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط قال حدثني السدي عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال تجلى منه مثل طرف الخنصر فجعل الجبل دكا وخر موسى صعقا فلم يزل صعقا ما شاء الله ثم أنه أفاق فقال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ( 5 ) يعني أول المؤمنين من بني إسرائيل فقال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء من الحلال والحرام فخذها بقوة يعني بجد واجتهاد وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ( 5 ) أي بأحسن ما يجدون فيها فكان موسى بعد ذلك لا يستطيع أحد أن ينظر في وجهه وكان يلبس وجهه بحريرة فأخذ الألواح ثم رجع إلى قومه غضبان أسفا يقول حزينا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا إلى قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا يقولون بطاقتنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم يقول من حلي القبط فقذفناها فكذلك ألقى السامري ( 6 ) ذلك حين قال لهم هارون احفروا لهذا الحلي حفرة واطرحوه فيها فطرحوه فقذف السامري تربته فألقى موسى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال يابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ( 7 ) فترك موسى هارون ومال إلى السامري (1/250) ________________________________________ فقال فما خطبك يا سامري ( 1 ) قال السامري بصرت بما لم يبصروا به إلى في اليم نسفا ( 1 ) ثم أخذ فذبحه ثم حرفه بالمبرد ثم ذراه في البحر فلم يبق بحر يجري إلا وقع فيه شيء منه ثم قال لهم موسى اشربوا منه فشربوا فمن كان يحبه خرج على شاربه الذهب فذلك حين يقول وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ( 2 ) فلما سقط في أيدي بني إسرائيل حين جاء موسى ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ( 3 ) فأبى الله أن يقبل توبة بني إسرائيل إلا بالحال التي كرهوا أن يقاتلوهم حين عبدوا العجل فقال لهم موسى يا قوم إنك ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ( 4 ) فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف فكان من قتل من الفريقين شهيدا حتى كثر القتل حتى كادوا أن يهلكوا حتى قتل بينهم سبعون ألفا حتى دعا موسى وهارون ربنا هلكت بنو إسرائيل ربنا البقية البقية فأمرهم أن يضعوا السلاح وتاب عليهم فكان من قتل كان شهيدا ومن بقي كان مكفرا عنه فذلك قوله فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ( 4 ) حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان السامري رجلا من أهل باجرما وكان من قوم يعبدون البقر فكان حب عبادة البقر في نفسه وكان قد أظهر الإسلام في بني إسرائيل فلما فصل هارون في بني إسرائيل وفصل موسى معهم إلى ربه تبارك وتعالى قال لهم هارون إنك قد تحملتم أوزارا من زينة القوم آل فرعون وأمتعة وحليا فتطهروا منها فإنها نجس وأوقد لهم نارا وقال اقذفوا ما كان معكم من ذلك فيها قالوا نعم فجعلوا يأتون بما كان فيهم من تلك الحلي وتلك الأمتعة فيقذفون به فيها حتى إذا انكسرت الحلي فيها رأى السامري أثر فرس جبرئيل فأخذ ترابا من أثر حافره ثم أقبل إلى الحفرة فقال لهارون يا نبي الله ألقي ما في يدي قال نعم ولا يظن هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من تلك الأمتعة والحلي فقذفه فيها وقال كن عجلا جسدا له خوار فكان للبلاء والفتنة فقال هذا إلهكم وإله موسى فعكفوا عليه وأحبوه حبا لم يحبوا مثله شيئا قط فقال الله عز و جل فنسي ( 5 ) أي ترك ما كان عليه من الإسلام يعني السامري أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ( 5 ) قال وكان اسم السامري موسى بن ظفر وقع في أرض مصر فدخل في بني إسرائيل فلما رأى هارون ما وقعوا فيه قال يا قوم إنما فتنتم به إلى قوله حتى يرجع إلينا موسى ( 6 ) فأقام هارون فيمن معه من المسلمين ممن لم يفتتن وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل وتخوف هارون إن سار بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ( 7 ) وكان له هائبا مطيعا ومضى موسى ببني إسرائيل إلى الطور وكان الله عز و جل وعد بني إسرائيل حين أنجاهم وأهلك عدوهم جانب الطور الأيمن وكان موسى حين سار ببني إسرائيل من البحر قد احتاجوا إلى الماء فاستسقى موسى لقومه فأمر أن يضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا لكل سبط عين يشربون منها قد (1/251) ________________________________________ عرفوها فلما كلم الله موسى طمع في رؤيته فسأل ربه أن ينظر إليه فقال له إنك لن تراني ولكن انظر إلى الجبل إلى قوله وأنا أول المؤمنين ( 1 ) ثم قال الله لموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك إلى قوله سأريكم دار الفاسقين ( 1 ) وقال له وما أعجلك عن قومك يا موسى إلى قوله فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا ( 2 ) ومعه عهد الله في ألواحه ولما انتهى موسى إلى قومه فرأى ما هم فيه من عبادة العجل ألقى الألواح من يده وكانت فيما يذكرون من زبرجد أخضر ثم أخذ برأس أخيه ولحيته ويقول ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعني إلى قوله ولم ترقب قولي ( 3 ) فقال يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين ( 4 ) فارعوى موسى وقال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين ( 4 ) وأقبل على قومه فقال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا إلى قوله عجلا جسدا له خوار ( 5 ) وأقبل على السامري فقال فما خطبك يا سامري قال بصرت بما لم يبصروا به إلى قوله وسع كل شيء علما ( 6 ) ثم أخذ الألواح يقول الله أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون ( 7 ) حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن صدقة بن يسار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان الله تعالى قد كتب لموسى فيها موعظة وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة فلما ألقاها رفع الله ستة أسباعها وأبقى سبعا يقول الله عز و جل وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون ثم أمر موسى بالعجل فأحرق حتىرجع رمادا ثم أمر به فقذف في البحر قال ابن إسحاق فسمعت بعض أهل العلم يقول إنما كان أحرقه ثم سحله ثم ذراه في البحر والله أعلم ثم اختار موسى منهم سبعين رجلا الخير فالخير وقال انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم وسلوه لتوبة على من تركتم وراءكم من قومكم صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم فقال له السبعون فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا معه للقاء ربه اطلب لنا نسمع كلام ربنا فقال أفعل فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله ودنا موسى فدخل فيه وقال للقوم ادنوا وكان موسى إذا كلمه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه فضرب دونه بالحجاب ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه افعل ولا تفعل فلما فرغ إليه من أمره (1/252) |
رد: مكتبتي
انكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم
فقالوا لموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ( 2 ) فأخذتهم الرجفة ( 2 ) وهي الصاعقة فانفلتت أرواحهم فماتوا جميعا وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ( 3 ) قد سفهوا أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل مما فعل السفهاء منا إن هذا هلاك لهم اخترت منهم سبعين رجلا الخير فالخير أرجع إليهم وليس معي رجل واحد فما الذي يصدقونني به فلم يزل موسى يناشد ربه ويسأله ويطلب إليه حتى رد إليهم أرواحهم وطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل فقال لا إلا أن يقتلوا أنفسهم وقال فبلغني أنهم قالوا لموسى نصير لأمر الله فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده فجلسوا بالأفنية وأصلت عليهم القوم السيوف فجعلو يقتلونهم وبكى موسى وبهش إليه الصبيان والنساء يطلبون العفو عنهم فتاب عليهم وعفا عنهم وأمر موسى أن يرفع عنهم السيف وأما السدي فإنه ذكر في خبره الذي ذكرت إسناده قبل أن مصير موسى إلى ربه بالسبعين الذين اختارهم من قومه بعد ما تاب الله على عبيدة العجل من قومه وذلك أنه ذكر بعد القصة التي قد ذكرتها عنه بعد قوله إنه هو التواب الرحيم ( 4 ) قال ثم إن الله أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ووعدهم موعدا فاختار موسى قومه سبعين رجلا على عينه ثم ذهب بهم ليعتذروا فلما أتوا ذلك المكان قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ( 4 ) فإنك قد كلمته فأرناه فأخذتهم الصاعقة فماتوا فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا فأوحى الله عز و جل إلى موسى إن هؤلاء السبعين ممن اتخذ العجل فذلك حين يقول موسى إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء إلى قوله إنا هدنا إليك ( 5 ) يقول تبنا إليك وذلك قوله تعالى وإذا قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة والصاعقة نار ثم إن الله أحياهم فقاموا وعاشوا رجلا رجلا ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون فقالوا يا موسى أنت تدعو الله فلا تسأله شيئا إلا أعطاك فادعه يجعلنا أنبياء فدعا الله فجعلهم أنبياء فذلك قوله ثم بعثناكم من بعد موتكم ( 6 ) ولكنه قدم حرفا وأخر حرفا ثم أمرهم بالسير إلى أريحا وهي أرض بيت المقدس فساروا حتى إذا كانوا قريبا منه بعث موسى اثني عشر نقيبا من جميع أسباط بني إسرائيل فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الجبارين فلقيهم رجل من الجبارين يقال له عاج فأخذ الاثني عشر فجعلهم في حجزته وعلى رأسه حملة حطب فانطلق بهم إلى امرأته فقال انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا فطرحهم بين يديها فقال ألا أطحنهم برجلي فقالت امرأته لا بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا ففعل ذلك فلما خرج القوم قال بعضهم لبعض يا قوم إنكم إن أخبرتم بني إسرائيل بخبر القوم ارتدوا عن نبي الله ولكن اكتموهم وأخبروا نبي الله فيكونان هما يريان رأيهما فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك ليكتموه ثم رجعوا فانطلق عشرة فنكثوا العهد فجعل الرجل منهم يخبر أخاه وأباه بما رأوا من أمر عاج وكتم رجلان منهم (1/253) ________________________________________ فأتوا موسى وهارون فأخبروهما الخبر فذلك حين يقول الله ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنا عشر نقيبا ( 1 ) فقال لهم موسى يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا ( 2 ) يملك الرجل منكم نفسه وأهله وماله يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ( 3 ) يقول التي أمركم الله بها ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا ( 3 ) مما سمعوا من العشرة إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ( 3 ) وهما اللذان كتما وهما يوشع بن نون فتى موسى وكالوب بن يوفنة وقيل كلاب بن يوفنة ختن موسى فقالا يا قوم ادخلوا عليهم الباب قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ( 3 ) فغضب موسى فدعا عليهم فقال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ( 3 ) وكانت عجلة من موسى عجلها فقال الله فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ( 3 ) فلما ضرب عليهم التيه ندم موسى وأتاه قومه الذين كانوا معه يطيعونه فقالوا له ما صنعت بنا يا موسى فلما ندم أوحى الله عز و جل إليه ألا تأس أي لا تحزن على القوم الذي سميتهم فاسقين فلم يحزن فقالوا يا موسى فكيف لنا بماء ها هنا أين الطعام فأنزل الله عليهم المن والسلوى فكان يسقط على الشجر الترنجبين والسلوى وهو طير يشبه السمانى فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير فإن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله فإذا سمن أتاه فقالوا هذا الطعام فأين الشراب فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا يشرب كل سبط من عين فقالوا هذا الطعام والشراب فأين الظل فظلل الله عليهم الغمام فقالوا هذا الظل فأين اللباس فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان ولا يتخرق لهم ثوب فذلك قوله وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى ( 4 ) وقوله وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم ( 5 ) فأجمعوا ذلك فقالوا يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها ( 5 ) وهي الحنطة وعدسها وبصلها وقال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا ( 5 ) من الأمصار فإن لكم ما سألتم ( 5 ) فلما خرجوا من التيه رفع المن والسلوى وأكلوا البقول والتقى موسى وعاج فنزا موسى في السماء عشرة أذرع وكانت عصاه عشرة أذرع وكان طوله عشرة أذرع فأصاب كعب عاج فقتله حدثنا ابن بشار قال حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن نوف قال كان طول عوج ثمانمائة ذراع وكان طول موسى عشرة أذرعا وعصاه عشرة أذرع ثم وثب في السماء عشرة أذرع فضرب عوجا فاصاب كعبه فسقط ميتا فكان جسرا للناس يمرون عليه حدثنا أبو كريب قال حدثنا ابن عطية قال أخبرنا قيس عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كانت عصا موسى عشرة أذرع ووثبته عشرة أذرع وطوله عشرة أذرع فأصاب كعب عوج فقتله فكان جسرا لأهل النيل وقيل إن عوج عاش ثلاثة آلاف سنة (1/254 |
رد: مكتبتي
ذكر وفاة موسى وهارون ابني عمران عليهما السلام
حدثنا موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا اسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن عبدالله بن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم ثم إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى موسى أني متوف هارون فأت به جبل كذا وكذا فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل فإذا هما بشجرة لم ير مثلها وإذا هما ببيت مبني وإذا هما فيه بسرير عليه فرش وإذا فيه ريح طيبة فلما نظر هارون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه فقال يا موسى إني لأحب أن أنام على هذا السرير قال له موسى فنم عليه قال إني أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب علي قال له موسى لا ترهب أنا أكفيك رب هذا البيت فنم قال يا موسى بل نم معي فإن جاء رب البيت غضب علي وعليك جميعا فلما ناما أخذ هارون الموت فما وجد حسه قال يا موسى خدعتني فلما قبض رفع ذلك البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير إلى السماء فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل وليس معه هارون قالوا فإن موسى قتل هارون وحسده لحب بني إسرائيل له وكان هارون أكف عنهم وألين لهم من موسى وكان في موسى بعض الغلظ عليهم فلما بلغه ذلك قال لهم ويحكم كان أخي أفترونني أقتله فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله فنزل بالسرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه ثم إن موسى بينما هو يمشي ويوشع فتاه إذا أقبلت ريح سوداء فلما نظر إليها يوشع ظن أنها الساعة والتزم موسى وقال تقوم الساعة وأنا ملتزم موسى نبي الله فاستل موس من تحت القميص وترك القميص في يد يوشع فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إسرائيل وقالوا قتلت نبي الله قال لا والله ما قتلته ولكنه استل مني فلم يصدقوه وأرادوا قتله قال فإذا لم تصدقوني فأخروني ثلاثة أيام فدعا الله فأتي كل رجل ممن كان يحرسه في المنام فأخبر أن يوشع لم يقتل موسى وأنا قد رفعناه إلينا فتركوه ولم يبق أحد ممن أبى أن يدخل قرية الجبارين مع موسى إلا مات ولم يشهد الفتح حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال كان صفي الله قد كره الموت وأعظمه فلما كرهه أراد الله تعالى أن يحبب إليه الموت ويكره إليه الحياة فحولت النبوة إلى يوشع بن نون فكان يغدو عليه ويروح فيقول له موسى يا نبي الله ما أحدث الله إليك فيقول له يوشع بن نون يا نبي الله ألم أصحبك كذا وكذا سنة فهل كنت أسألك عن شيء مما أحدث الله إليك حتى تكون أنت الذي تبتدئ به وتذكره فلا يذكر له شيئا فلما رأى موسى ذلك كره الحياة وأحب الموت (1/255) ________________________________________ قال ابن حميد قال سلمة قال ابن إسحاق وكان صفي الله فيما ذكر لي وهب بن منبه إنما يستظل في عريش ويأكل ويشرب في نقير من حجر إذا أراد أن يشرب بعد أن أكل كرع كما تكرع الدابة في ذلك النقير تواضعا لله حين أكرمه الله بما أكرمه به من كلامه قال وهب فذكر لي أنه كان من أمر وفاته أن صفي الله خرج يوما من عريشه ذلك لبعض حاجته لا يعلم به أحد من خلق الله فمر برهط من الملائكة يحفرون قبرا فعرفهم وأقبل إليهم حتى وقف عليهم فإذا هم يحفرون قبرا لم ير شيئا قط أحسن منه ولم ير مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة فقال لهم يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر قالوا نحفره لعبد كريم على ربه قال إن هذا العبد من الله لبمنزل ما رأيت كاليوم مضجعا ولا مدخلا وذلك حين حضر من أمر الله ما حضر من قبضه فقالت له الملائكة يا صفي الله أتحب أن يكون لك قال وددت قالوا فانزل فاضطجع فيه وتوجه إلى ربك ثم تنفس أسهل تنفس تنفسته قط فنزل فاضطجع فيه وتوجه إلى ربه ثم تنفس فقبض الله تعالى روحه ثم سوت عليه الملائكة وكان صفي الله زاهدا في الدنيا راغبا فيما عند الله حدثنا أبو كريب قال حدثنا مصعب بن المقدام عن حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار مولى بني هاشم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن ملك الموت كان يأتي الناس عيانا حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه قال فرجع فقال يا رب إن عبدك موسى فقأ عيني ولولا كرامته عليك لشققت عليه فقال ائت عبدي موسى فقل له فليضع كفه على متن ثور فله بكل شعرة وارت يده سنة وخيره بين ذلك وبين أن يموت الآن قال فأتاه فخيره فقال له موسى فما بعد ذلك قال الموت قال فالآن إذا قال فشمه شمة قبض روحه قال فجاء بعد ذلك إلى الناس خفية حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن أبي سنان الشيباني عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال مات موسى وهارون جميعا في التيه مات هارون قبل موسى وكانا خرجا جميعا في التيه إلى بعض الكهوف فمات هارون فدفنه موسى وانصرف موسى إلى بني إسرائيل فقالوا ما فعل هارون قال مات قالوا كذبت ولكنك قتلته لحبنا إياه وكان محببا في بني إسرائيل فتضرع موسى إلى ربه وشكا ما لقي من بني إسرائيل فأوحى الله إليه أن انطلق بهم إلى موضع قبره فإني باعثه حتى يخبرهم أنه مات موتا ولم تقلته قال فانطلق بهم إلى قبر هارون فنادى يا هارون فخرج من قبره ينفض رأسه فقال أنا قتلتك قال لا والله ولكني مت قال فعد إلى مضجعك وانصرفوا فكان جميع مدة عمر موسى عليه ا لسلام كلها مائة وعشرين سنة عشرون من ذلك في ملك أفريدون ومائة منها في ملك منوشهر وكان ابتداء أمره من لدن بعثه الله نبيا إلى أن قبضه إليه في ملك منوشهر (1/256) |
رد: مكتبتي
ذكر يوشع بن نون عليه السلام
ثم ابتعث الله عز و جل بعد موسى عليه السلام يوشع بن نون بن إفراييم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم نبيا وأمره بالمسير إلى أريحا لحرب من فيها من الجبارين فاختلف السلف من أهل العلم في ذلك وعلى يد من كان ذلك ومتى سار يوشع إليها في حياة موسى بن عمران كان مسيره إليها أم بعد وفاته فقال بعضهم لم يسر يوشع إلى أريحا ولا أمر بالمسير إليها إلا بعد موت موسى وبعد هلاك جميع من كان أبى المسير إليها مع موسى بن عمران حين أمرهم الله تعالى بقتال من فيها من الجبارين وقالوا مات موسى وهارون جميعا في التيه قبل خروجهما منه ذكر من قال ذلك حدثني عبدالكريم بن الهيثم قال حدثنا إبراهيم بن بشار قال حدثنا سفيان قال قال أبو سعيد عن عكرمة عن ابن عباس قال قال الله تعالى لما دعا موسى يعني بدعائه قوله رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ( 1 ) قال فدخلوا التيه فكل من دخل التيه ممن جاوز العشرين سنة مات في التيه قال فمات موسى في التيه ومات هارون قبله قال فلبثوا في تيههم أربعين سنة وناهض يوشع بمن بقي معه مدينة الجبارين فافتتح يوشع المدينة حدثنا بشر قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قال قال الله تعالى إنها محرمة عليهم أربعين سنة الآية حرمت عليهم القرى فكانوا لا يهبطون قرية ولا يقدرون على ذلك أربعين سنة وذكر لنا أن موسى مات في الأربعين سنة ولم يدخل بيت المقدس منهم إلا أبناؤهم والرجلان اللذان قالا ما قالا حدثني موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو قال حدثنا أسباط عن السدي في الخبر الذي ذكرت إسناده فيما مضى لم يبق أحد ممن أبى أن يدخل مدينة الجبارين مع موسى إلا مات ولم (1/257) ________________________________________ يشهد الفتح ثم إن الله عز و جل لما انقضت الأربعون سنة بعث يوشع بن نون نبيا فأخبرهم أنه نبي وأن الله قد أمره أن يقاتل الجبارين فبايعوه وصدقوه فهزم الجبارين واقتحموا عليهم فقتلوهم فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها حدثنا ابن بشار قال حدثنا سليمان بن حرب عن هلال عن قتادة في قول الله تعالى فإنها محرمة عليهم قال أبدا حدثني المثنى قال حدثنا مسلم بن إبراهيم عن هارون النحوي عن الزبير بن الخريت عن عكرمة في قوله فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض قال التحريم التيه وقال آخرون إنما فتح أريحا موسى ولكن يوشع كان على مقدمة موسى حين سار إليهم ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال لما نشأت النواشي من ذراريهم يعني من ذراري الذين أبوا قتال الجبارين مع موسى وهلك آباؤهم وانقضت الأربعون سنة التي تيهوا فيها سار بهم موسى ومعه يوشع بن نون وكلاب بن يوفنة وكان فيما يزعمون على مريم ابنة عمران أخت موسى وهارون فكان لهم صهرا فلما انتهوا إلى أرض كنعان وبها بلعم بن باعور العروف وكان رجلا قد آتاه الله علما وكان فيما أوتي من العلم اسم الله الأعظم فيما يذكرون الذي إذا دعي الله به أجاب وإذا سئل به أعطى حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن سالم أبي النضر أنه حدث أن موسى لما نزل أرض بني كنعان من أرض الشام وكان بلعم ببالعة قرية من قرى البلقاء فلما نزل موسى ببني إسرائيل ذلك المنزل أتى قوم بلعم إلى بلعم فقالوا له يا بلعم هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل ويسكنها وإنا قومك وليس لنا منزل وأنت رجل مجاب الدعوة فاخرج فادع الله عليهم فقال ويلكم نبي الله معه الملائكة والمؤمنون كيف أذهب أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم قالوا مالنا من منزل فلم يزالوا به يرققونه ويتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن فركب حمارة له متوجها إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل وهو جبل حسبان فما سار عليها عير قليل حتى ربضت به فنزل عنها فضربها حتى أذلقها فقامت فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت به ففعل مثل ذلك فقامت فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت به فضربها حتى إذا أذلقها أذن الله لها فكلمته حجة عليه فقالت ويحك يا بلعم أين تذهب ألا ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم فلم ينزع عنها يضربها فخلى الله سبيلها حين فعل بها ذلك فانطلقت حتى إذا أشرفت به على جبل حسبان على عسكر موسى وبني إسرائيل جعل يدعو عليهم فلا يدعو عليهم بشيء إلا صرف الله لسانه إلى قومه ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بني إسرائيل فقال له قومه أتدري يا بلعم ما تصنع إنما تدعو لهم وتدعو علينا قال فهذا مالا أملك هذا شيء قد غلب الله عليه واندلع لسانه فوقع على صدره فقال لهم قد ذهبت الآن مني الدنيا والآخرة فلم يبق إلا المكر والحيلة فسأمكر لكم وأحتال جملوا النساء وأعطوهن السلع ثم أرسلوهن إلى العسكر (1/258) ________________________________________ يبعنها فيه ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها فإنه إن زنى رجل واحد منهم كفيتموهم ففعلوا فلما دخل النساء العسكر مرت امرأة من الكنعانيين اسمها كستى ابنة صور رأس أمته وبني أبيه من كان منهم في مدين هو كان كبيرهم برجل من عظماء بني إسرائيل وهو زمرى بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فقام إليها فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها ثم أقبل حتى وقف بها على موسى فقال إني أظنك ستقول هذه حرام عليك قال أجل هي حرام عليك لا تقربها قال فوالله لا نطيعك في هذا ثم دخل بها قبته فوقع عليها فأرسل الله الطاعون في بني إسرائيل وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى وكان رجلا قد أعطي بسطة في الخلق وقوة في البطش وكان غائبا حين صنع زمرى بن شلوم ما صنع فجاء والطاعون يحوس في بني إسرائيل فأخبر الخبر فأخذ حربته وكانت من حديد كلها ثم دخل عليهما القبة وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء والحربة قد أخذها بذراعه واعتمد بمرفقه على خاصرته وأسند الحربة إلى لحيته وكان بكر العيزار فجعل يقول اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك ورفع الطاعون فحسب من يهلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمرى المرأة إلى أن قتله فنحاص فوجدوا قد هلك منهم سبعون ألفا والمقلل لهم يقول عشرون ألفا في ساعة من النهار فمن هنالك تعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص بن العيزار بن هارون من كل ذبيحة ذبحوها القبة والذراع واللحى لاعتماده بالحربة على خاصرته وأخذه إياها بذراعه وإسناده إياها إلى لحيته والبكر من كل أموالهم وأنفسهم لأنه كان بكر العيزار ففي بلعم بن باعور أنزل الله تعالى على محمد صلى الله عليه و سلم واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها يعني بلعم بن باعور فأتبعه الشيطان إلى قوله لعلهم يتفكرون ( 1 ) يعني بني إسرائيل أني قد جئتهم بخبر ما كان فيهم مما يخفون عليك لعلهم يتفكرون فيعرفون أنه لم يأت بهذ الخبر عما مضى فيهم إلا نبي يأتيه خبر من السماء ثم إن موسى قدم يوشع بن نون إلى أريحا في بني أسرائيل فدخلها بهم وقتل بها الجبابرة الذين كانوا فيها وأصاب من أصاب منهم وبقيت منهم بقية في اليوم الذي أصابهم فيه وجنح عليهم الليل وخشي أن لبسهم الليل أن يعجزوه فاستوقف الشمس ودعا الله أن يحبسها ففعل عز و جل حتى استأصلهم ثم دخلها موسى ببني إسرائيل فاقام فيها ما شاء الله أن يقيم ثم قبضه الله إليه لا يعلم بقبره أحد من الخلائق فأما السدي في الخبر الذي ذكرت عنه إسناده فيما مضى فإنه ذكر في خبره ذلك أن الذي قاتل الجبارين يوشع بن نون بعد موت موسى وهارون وقص من أمره وأمرهم ما أنا ذاكره وهو أنه ذكر فيه أن الله بعث يوشع نبيا بعد ان انقضت الأربعون سنة فدعا بني إسرائيل فأخبرهم أنه نبي وأن الله قد أمره أن يقاتل الجبارين فبايعوه وصدقوه وانطلق رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم وكان عالما يعلم الاسم الأعظم المكتوم فكفر وأتى الجبارين فقال لا ترهبوا بني إسرائيل فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم دعوة فيهلكون فكان عندهم فيما شاء من الدنيا غير أنه كان لا يستطيع أن يأتي النساء من عظمهن فكان ينكح (1/259) ________________________________________ أتانا له وهو الذي يقول الله عز و جل واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا أي فبصر فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين إلى قوله ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث فكان بلعم يلهث كما يلهث الكلب فخرج يوشع يقاتل الجبارين في الناس وخرج بلعم مع الجبارين على أتانه وهو يريد أن يلعن بني إسرائيل فكلما أراد أن يدعو على بني إسرائيل جاء على الجبارين فقال الجبارون إنك أنما تدعو علينا فيقول إنما أردت بني إسرائيل فلما بلغ باب المدينة أخذ ملك بذنب الأتان فأمسكها وجعل يحركها فلا تتحرك فلما أكثر ضربها تكلمت فقالت أنت تنكحني بالليل وتركبني بالنهار ويلي منك ولو أني أطقت الخروج لخرجت بك ولكن هذا الملك يحبسني فقاتلهم يوشع يوم الجمعة قتالا شديدا حتى أمسوا وغربت الشمس ودخل السبت فدعا الله فقال للشمس إنك في طاعة الله وأنا في طاعة الله اللهم اردد علي الشمس فردت عليه الشمس فزيد له في النهار يومئذ ساعة فهزم الجبارين واقتحموا عليهم يقتلونهم فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها وجمعوا غنائمهم وأمرهم يوشع أن يقربوا الغنيمة فقربوها فلم تزل النار تأكلها فقال يوشع يا بني إسرائيل إن الله عز و جل عندكم طلبة هلموا فبايعوني فبايعوه فلصقت يد رجل منهم بيده فقال هلم ما عندك فأتاه برأس ثور من ذهب مكلل بالياقوت والجوهر كان قد غله فجعله في القربان وجعل الرجل معه فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان وأما أهل التوراة فإنهم يقولون هلك هارون وموسى في التيه وإن الله أوحى إلى يوشع بعد موسى وأمره أن يعبر الأردن إلى الأرض التي أعطاها بني إسرائيل ووعدها إياهم وأن يوشع جد في ذلك ووجه إلى أريحا من تعرف خبرها ثم سار ومعه تابوت الميثاق حعتى عبر الأردن وصار له ولأصحابه فيه طريق فأحاط بمدينة أريحا ست أشهر فلما كان السابع نفخوا في القرون وضج الشعب ضجة واحدة فسقط سور المدينة فأباحوها وأحرقوها وما كان فيها ما خلا الذهب والفضة وآنية النحاس والحديد فإنهم أدخلوه بيت المال ثم إن رجلا من بني إسرائيل غل شيئا فغضب الله عليهم وانهزموا فجزع يوشع جزعا شديدا فأوحى الله إلى يوشع أن يقرع بين الأسباط ففعل حتى انتهت القرعة إلى الرجل الذي غل فاستخرج غلوله من بيته فرجمه يوشع وأحرق كل ما كان له بالنار وسموا الموضع باسم صاحب الغلول وهو عاجر فالموضع إلى هذا اليوم غور عاجر ثم نهض بهم يوشع إلى ملك عايي وشعبه فأرشدهم الله إلى حربه وأمر يوشع أن يكمن لهم كمينا ففعل وغلب على عايي وصلب ملكها على خشبة وأحرق المدينة وقتل من أهلها اثني عشر ألفا من الرجال والنساء واحتال أهل عماق وجيعون ليوشع حتى جعل لهم أمانا فلما ظهر على خديعتهم دعا الله عليهم أن يكونوا حطابين وسقائين فكانوا كذلك وأن يكون بازق ملك أورشليم يتصدق ثم أرسل ملوك الأرمانيين وكانوا خمسة بعضهم إلى بعض وجمعوا كلمتهم على جيعون فاستنجد أهل جيعون يوشع فأنجدهم وهزموا أولئك الملوك حتى حدروهم إلى هبطة حوران ورماهم الله بأحجار البر فكان من قتله البرد أكثر ممن قتله بنو إسرائيل بالسيف وسأل يوشع الشمس أن تقف والقمر أن يقوم حتى ينتقم من أعدائه قبل دخول السبت ففعلا ذلك وهرب الخمسة ملوك فاختفوا في غار فأمر يوشع فسد باب الغار حتى فرغ من الانتقام من أعدائه ثم أمر بهم فأخرجوا فقتلهم وصلبهم ثم أنزلهم (1/260) ________________________________________ من الخشب وطرحهم في الغار الذي كانوا فيه وتتبع سائر الملوك بالشام فاستباح منهم أحدا وثلاثين ملكا وفرق الأرض التي غلب عليها ثم مات يوشع فلما مات دفن في جبل أفراييم وقام بعده سبط يهوذا وسبط شمعون بحرب الكنعانيين فاستباحوا حريمهم وقتلوا منهم عشرة آلاف ببازق وأخذوا ملك بازق فقطعوا إبهامي يديه ورجليه فقال عند ذلك ملك بازق قد كان يلقط الخبز من تحت مائدتي سبعون ملكا مقطعي الأباهيم فقد جزاني الله بصنيعي وأدخلوا ملك بازق أورشليم فمات بها وحارب بنو يهوذا سائر الكنعانيين واستولوا على أرضهم وكان عمر يوشع مائة سنة وستا وعشرين سنة وتدبيره أمر بني إسرائيل منذ توفي موسى إلى أن توفي يوشع بن نون سبعا وعشرين سنة وقد قيل إن أول من ملك من ملوك اليمن ملك كان لهم في عهد موسى بن عمران من حمير يقال له شمير بن الأملول وهو الذي بنى مدينة ظفار باليمن وأخرج من كان بها من العماليق وإن شمير بن الأملول الحميري هذا كان من عمال ملك الفرس يومئذ على اليمن ونواحيها وزعم هشام بن محمد الكلبي أن بقية بقيت من الكنعانيين بعد ما قتل يوشع من قتل منهم وأن إفريقيس بن قيس بن صيفي بن سبأ بن كعب بن زيد بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان مر بهم متوجها إلى إفريقية فاحتملهم من سواحل الشام حتى أتى بهم إفريقية فافتتحها وقتل ملكها جراجيرا وأسكنها البقية التي كانت بقيت من الكنعانيين الذين كان احتملهم معه من سواحل الشام قال فهم البرابرة قال وإنما سموا بربرا لإن إفريقيس قال لهم ما أكثر بربرتكم فسموا لذلك بربرا وذكر أن إفريقس قال في ذلك من أمرهم شعرا وهو قوله ... بربرت كنعان لما سقتها ... من أراضي الهلك للعيش العجب ... قال وأقام من حمير في البربر صهناجة وكتامة فهم فيهم إلى اليوم (1/261) |
رد: مكتبتي
ذكر أمر قارون بن يصهر بن قاهث
وكان قارون ابن عم موسى عليه ال سلام حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج قوله إن قارون كان من قوم موسى ( 1 ) قال ابن عمه أخي أبيه فإن قارون بن يصفر هكذا قال القاسم وإنما هو يصهر بن قاهث وموسى بن عرمر بن قاهث وعرمر بالعربية عمران هكذا قال القاسم وإنما هو عمرم وأما ابن إسحاق فإنه قال ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه تزوج يصهر بن قاهث شميت ابنه تباويت بن بركيا بن يقسان بن إبراهيم فولدت له عمران بن يصهر وقارون بن يصهر فقارون على ما قال ابن إسحاق عم موسى أخو أبيه لأبيه وأمه أما أهل العلم من سلف أمتنا ومن أهل الكتابين فعلى ما قال ابن جريج ذكر من حضرنا ذكره ممن قال ذلك من علمائنا الماضين حدثنا أبو كريب قال حدثنا جابر بن نوح قال أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن إبراهيم في قوله { إن قارون كان من قوم موسى } قال كان ابن عم موسى حدثنا ابن بشار قال حدثنا عبدالرحمن قال حدثنا عن سفيان عن سماك بن حرب عن إبراهيم قال { إن قارون كان من قوم موسى } كان ابن عم موسى حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي عن سفيان عن سماك عن إبراهيم { إن قارون كان من قوم موسى } قال كان ابن عمه فبغى عليه حدثنا ابن وكيع قال حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن سماك بن حرب عن إبراهيم قال كان قارون ابن عم موسى حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبو معاوية عن ابن أبي خالد عن إبراهيم قال { إن قارون كان من قوم موسى } قال كان ابن عمه حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله { إن قارون كان من قوم (1/262) ________________________________________ موسى } كنا نحدث أنه كان ابن عمه أخي أبيه وكان يسمى المنور من حسن صورته في التوراة ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري فأهلكه البغي حدثني بشر بن هلال الصواف قال حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي عن مالك بن دينار قال بلغني أن موسى بن عمران كان ابن عم قارون وكان الله قد آتاه مالا كثيرا كما وصفه الله عز و جل فقال وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة يعني بقوله تنوء تثقل وذكر أن مفاتيح خزائنه كانت كالذي حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن منصور عن خيثمة في قوله { ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة } قال نجد مكتوبا في الإنجيل مفاتيح قارون وقرستين بغلا غرا محجلة ما يزيد مفتاح منها على إصبع لكل مفتاح منها كنز حدثني أبو كريب قال حدثنا هشيم قال أخبرنا إسماعيل بن سالم عن أبي صالح { ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة } قال كانت مفاتيح خزائنه تحمل على أربعين بغلا حدثنا أبو كريب قال حدثنا جابر بن نوح قال أخبرنا الأعمش عن خيثمة قال كانت مفاتيح قارون تحمل على ستين بغلا كل مفتاح منها لباب كنز معلوم مثل الإصبع من جلود حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي عن الأعمش عن خيثمة قال كانت مفاتيح قارون من جلود كل مفتاح مثل الإصبع كل مفتاح على خزانة على حدة فإذا ركب حملت المفاتيح على ستين بغلا أغر محجل فبغى عدو الله لما أراد الله به من الشقاء والبلاء على قومه بكثرة ماله وقيل إن بغيه عليهم كان بأن زاد عليهم في الثياب شبرا كذلك حدثنا علي بن سعيد الكندي وأبو السائب وابن وكيع قالوا حدثنا حفص بن غياث عن ليث عن شهر بن حوشب فوعظه قومه على ما كان من بغيه ونهوه عنه وأمروه بإنفاق ما أعطاه الله في سبيله والعمل فيه بطاعته كما أخبر الله عز و جل عنهم أنهم قالوا له فقال إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا واحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين ( 1 ) وعنى بقوله ولا تنس نصيبك من الدنيا لا تنس في دنياك أن تأخذ نصيبك فيها لآخرتك فكان جوابه إياهم جهلا منه واغترارا بحلم الله عنه ما ذكر الله تعالى في كتابه أن قال لهم إنما أوتيت من هده الدنيا على علم عندي فقيل معنى ذلك على خير عندي كذلك روي ذلك عن قتادة وقال غيره عنى بذلك لولا رضاء الله عني ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا قال الله عز و جل مكذبا قوله أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ( 2 ) للأموال ولو كان الله إنما يعطي الأموال والدنيا من يعطيه إياها لرضاه عنه وفضله عنده لم يهلك من أهلك من أرباب (1/263) ________________________________________ الأموال الكثيرة قبله مع كثرة ما كان أعطاهم منها فلم يردعه عن جهله وبغيه على قومه بكثرة ماله عظة من وعظه وتذكير من ذكره بالله ونصيحته إياه ولكنه تمادى في غيه وخسارته حتى خرج على قومه في زينته راكبا برذونا أبيض مسرجا بسرج الأرجوان قد ليس ثيابا معصفرة قد حمل معه من الجواري بمثل هيئته وزينته على مثل برذونه ثلاثمائة جارية وأربعة آلاف من أصحابه وقال بعضهم مان الذين حملهم على مثل هيئته وزينته من أصحابه سبعين الفا حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبو خالد الأحمر عن عثمان بن الأسود عن مجاهد { فخرج على قومه في زينته } قال على براذين بيض عليها سروج الأرجوان عليهم المعصفرة فتمنى أهل الخسار من الذين خرج عليهم في زينته مثل الذي أوتيه فقالوا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم ( 1 ) فأنكر ذلك من قوله عليهم أهل العلم بالله فقالوا لهم ويلكم أيها المتمنون مثل ما أوتي قارون اتقوا الله واعملوا بما أمركم الله به وانتهوا عما نهاكم عنه فإن ثواب الله وجزاءه أهل طاعته خير لمن آمن به وبرسله وعمل بما أمره به من صالح الآعمال يقول الله ولا يلقاها إلا الصابرون ( 1 ) يقول لا يلقى مثل هذه الكلمة إلا الذين صبروا عن طلب زينة الحياة الدنيا وآثروا جزيل ثواب الله على صالح الأعمال على لذات الدنيا وشهواتها فعملوا له بما يوجب لهم ذلك فلما عتا الخبيث وتمادى في غيه وبطر نعمة ربه ابتلاه الله عز و جل من الفريضة في ماله والحق الذي ألزمه فيه ما ساق إليه شحه به أليم عقابه وصار به عبرة للغابرين وعظة للباقين فحدثنا أبو كريب قال حدثنا جابر بن نوح قال أخبرنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عبدالله بن الحارث عن ابن عباس قال لما نزلت الزكاة أتى قارون موسى فصالحه عن كل ألف دينار دينارا وعلى كل ألف درهم درهما وعلى كل ألف شيء شيئا أو قال وكل ألف شاه شاة قال أبو جعفر الطبري أنا أشد قال ثم أتى بيته فحسبه فوجده كثيرا فجمع بني إسرائيل فقال يا بني إسرائيل إن موسى قد أمركم بكل شيء فأطعتموه وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا له أنت كبيرنا وسيدنا فمرنا بما شئت فقال آمركم أن تجيئوا بفلانة البغي فتجعلوا لها جعلا فتقذفه بنفسها فدعوها فجعلوا لها جعلا على أن تقذفه بنفسها ثم أتى موسى فقال إن قومك قد اجتمعوا لتأمرهم وتنهاهم فخرج إليهم وهم في براح من الأرض فقال يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده ومن افترى جلدناه ثمانين ومن زنا وليس له امرأة جلدناه مائة ومن زنا وله امرأة جلدناه حتى يموت أو قال رجمناه حتى يموت قال أبو جعفر أنا أشك فقال له قارون وإن كنت أنت قال وإن كنت أنا قال وإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة فقال ادعوها فإن قالت فهو كما قالت فلما أن جاءت قال لها موسى يا فلانة قالت لبيك قال أنا فعت بك ما يقول هؤلاء قالت لا وكذبوا ولكن جعلوا إلي جعلا على أن أقذفك بنفسي فوثب فسجد وهو بينهم فأوحى إليه مر الأرض بما شئت قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى أقدامهم ثم قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى ركبهم قم قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى أعناقهم قال فجعلوا يقولون يا موسى ويتضرعون إليه قال يا أرض خذيهم فأطبقت عليهم فأوحى الله إليه يا موسى يقول لك عبادي يا موسى يا موسى فلا ترحمهم أما لو إياي دعوا لوجدوني قريبا مجيبا قال فذلك قوله (1/264) ________________________________________ فخرج على قومه في زينته وكانت زينته أنه خرج على دواب شقر عليها سروج أرجوان عليها ثياب مصبغة بالبهرمان قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إلى قوله لايفلح الكافرون يا محمد تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعافية للمتقين ( 1 ) حدثنا أبو كريب قال حدثنا يحيى بن عيسى عن الأعمش عن المنهال عن رجل عن ابن عباس بنحوه وزادني فيه قال فأصاب بني إسرائيل بعد ذلك شدة وجوع شديد فأتوا موسى فقالوا ادع لنا ربك قال فدعالهم فأوحى الله إليه يا موسى أتكلمني في قوم قد أظلم ما بيني وبينهم من خطاياهم وقد دعوك فلم تجبهم أما لو إياي دعوا لأجبتهم حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا علي بن هاشم ابن البريد عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله { إن قارون كان من قوم موسى } قال كان ابن عمه وكان موسى يقضي في ناحية بني إسرائيل وقارون في ناحية قال فدعا بغية كانت في بني إسرائيل فجعل لها جعلا على أن ترمى موسى بنفسها فتركه حتى إذا كان يوم يجتمع فيه بنو إسرائيل إلى موسى أتاه قارون فقال يا موسى ما حد من سرق قال أن تقطع يده قال فإن كنت أنت قال نعم قال فما حد من زنا قال أن يرجم قال وإن كنت أنت قال نعم قال فإنك قد فعلت قال ويلك بمن قال بفلانة فدعاها موسى فقال أنشدك بالذي أنزل التوراة أصدق قارون قالت اللهم إذ نشدتني فإني أشهد أنك بريء وأنك رسول الله وأن عدو الله قارون جعل لي جعلا على أن أرميك بنفسي قال فوثب موسى فخر ساجدا فأوحى الله إليه أن ارفع رأسك فقد أمرت الأرض أن تطيعك فقال موسى خذيهم فأخذتهم حتى بلغوا الحقو قال يا موسى قال خذيهم فأخذتهم حتى بلغوا الصدور قال يا موسى قال خذيهم قال فذهبوا قال فأوحى الله إليه يا موسى استغاث بك فلم تغثه أما لو استغاث بي لأجبته ولأغثته حدثنا بشر بن هالال الصواف قال حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي قال حدثنا علي بن زيد بن جدعان قال خرج عبدالله بن الحارث من الدار ودخل المقصورة فلما خرج منها جلس وتساند عليها وجلسنا إليه فذكر سليمان بن داود وقال يأيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين إلى قوله إن ربي غني كريم ( 2 ) قال ثم سكت عن حديث سليمان فقال { إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم } وكان قد أوتي من الكنوز ما ذكره الله في كتابه ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ( 3 ) فقال إنما أوتيته على علم عندي قال وعاد موسى وكان مؤذيا له فكان موسى يصفح عنه ويعفو للقرابه حتى بنى دارا وجعل باب داره من ذهب وضرب على جدر داره صفائح الذهب وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون عليه ويروحون فيطعمهم الطعام ويحدثونه ويضحكونه فلم تدعه شقوته والبلاء (1/265) ________________________________________ حتى أرسل إلى امرأة من بني إسرائيل مشهورة بالخنا مشهورة بالسب فجاءت قال لها هل لك أن أمولك وأعطيك وأخلطك بنسائي على أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي فتقولي يا قارون ألآ تنهي عني موسى قالت بلى فلما جلس قارون وجاءه الملأ من بني إسرائيل أرسل إليها فجاءت فقامت بين يديه فقلب الله قلبها وأحث لها توبة فقالت في نفسها لا أجد اليوم توبة أفضل من إلا أوذي رسول الله وأعذب عدو الله فقالت إن قارون قال لي هل لك أن أمولك وأعطيك وأخلطك بنسائي على أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي فتقولي يا قارون ألا تنهي عني موسى فلم أجد توبة أفضل من إلا أوذي رسول الله وأعذب عدو الله فلما تكلمت بهذا الكلام سقط في يدي قارون ونكس رأسه وسكت عن الملأ وعرف أنه قد وقع في هلكة فشاع كامها في الناس حتى بلغ موسى فلما بلغ موسى اشتد غضبه فتوضأ من الماء وصلى وبكى وقال يا رب عدوك لي مؤذ أراد فضيحتي وشيني يا رب سلطني عليه فأوحى الله إليه أن مر الأرض بما شئت تطعك فجاء موسى إلى قارون فلما دخل عليه عرف الشر في وجه موسى له فقال له يا موسى ارحمني قال يا أرض خذيهم فاضطربت داره وساخت بقارون وخسف بقارون وأصحابه إلى ركبهم وهو يتضرع إلى موسى يا موسى ارحمني قال يا أرض خذيهم فاضطربت داره وساخت وخسف بقارون وأصحابه إلى سررهم وهو يتضرع إلى موسى يا موسى ارحمني قال يا أرض خذيهم فخسف به وبداره وأصحابه قال وقيل لموسى يا موسى ما أفظك أما وعزتي لو إياي نادى لإجبته حدثنا بشر بن هلال قال حدثنا جعفر بن سليمان عن أبي عمران الجوني قال بلغني أنه قيل لموسى لاأعبد الأرض لأحد بعدك أبدا حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة فخسفنا به وبداره الأرض ذكر لنا أنه يخسف به كل يوم قامة وأنه يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة قال أبو جعفر فلما نزلت نقمة الله بقارون حمد الله على ما أنعم به عليهم المؤمنون الذين وعظوه وأنذروه بأمر الله ونصحوا له من المعرفة بحقه والعمل بطاعته وندم الذين كانوا يتمنون ما هو فيه من كثرة المال والسعة في العيش على أمنيتهم وعرفوا خطأ أنفسهم في أمنيتها فقالوا ما أخبر الله عز و جل عنهم في كتابه ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا ( 1 ) فصرف عنا ما ابتلى به قارون وأصحابه مما كنا نتمناه بالأمس لخسف بنا كما خسف به وبهم فنجى الله تعالى من كل هول وبلاء نبيه موسى والمؤمنين به المتمسكين بعهده من بني إسرائيل وفتاه يوشع بن نون المتبعين له بطاعتهم ربهم وأهلك أعداءه وأعداءهم فرعون وهامان وقارون والكنعانيين بكفرهم وتمردهم عليه وعتوهم بالغرق بعضا وبالخسف بعضا وبالسيف بعضا وجعلهم عبرا لمن اعتبر بهم وعظة لمن اتعظ بهم مع كثرة أموالهم وكثرة عدد جنودهم وشدة بطشهم وعظم خلقهم وأجسامهم فلم تغن عنهم أموالهم ولا أجسامهم ولا قواهم ولا جنودهم وأنصارهم عنهم من الله شيئا إذ كانوا يجحدون بآيات الله ويسعون في (1/266) ________________________________________ الأر ض فسادا ويتخذون عباد الله لأنفسهم خولا وحاق بهم ما كانوا منه آمنين نعوذ بالله من عمل يقرب من سخطه ونرغب إليه في التوفيق لما يدني من محبته ويزلف إلى رحمته وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم ما حدثنا أحمد بن عبدالرحبمن بن وهب قال حدثنا عمي قال حدثني الماضي بن محمد عن أبي سليمان عن القاسم بن محمد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى قال قلت يا رسول الله ما كان في صحف موسى قال كانت عبرا كلها عجبت لمن أيقن بالنار ثم يضحك عجبت لمن أيقن بالموت ثم يفرح عجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لم يعمل وكان تدبير يوشع أمر بني إسرائيل من لدن مات موسى إلى أن توفي يوشع كله في زمان منوشهر عشرين سنة وفي زمان فراسياب سبع سنين ونرجع الآن إلى (1/267) |
رد: مكتبتي
ذكر القائم بالملك ببابل من الفرس بعد منوشهر
إذ كان التاريخ إنما تدرك صحته على سياق مدة أعمار ملوكهم ولما هلك منوشهر الملك بن منشخورنر قهر فراسياب بن فشنج بن رستم بن ترك على خنيارث ومملكة أهل فارس وصار فيما قيل إلى أرض بابل فكان يكثر المقام ببابل وبمهرجان قذق فأكثر الفساد في مملكة أهل فارس وقيل إنه قال حين غلب على مملكتهم نحن مسرعون في إهلاك البرية وإنه عظم جوره وظلمه وخرب ما كان عامرا من بلاد خنيارث ودفن الأنها والقني وعحط الناس في سنة خمس من ملكه إلى أن خرج عن مملكة أهل فارس ورد إلى بلاد الترك فغارت المياه في تلك السنين وحالت الأشجار المثمرة ولم يزل الناس منه في أعظم البلية إلى أن ظهر زو بن طهماسب وقد يلفظ باسم زو بغير ذلك فيقول بعضهم زاب بن طهماسفان ويقول بعضهم زاغ ويقول بعضهم راسب بن طهماسب بن كانجو بن زاب بن أرفس بن هراسف بن ونديج بن أريج بن نوذ وجوش بن منسوا بن نوذر بن منوشهر وأم زو ما دول ابنة وامن بن واذرجا بن قود بن سلم بن أفريدون وقيل إن منوشهر كان وجد في أيام ملكه على طهماسب بسبب جناية جناها وهو مقيم في حدود الترك لحرب فراسياب فأراد منوشهر قتله بسبب ذلك فكلمه في الصفح عنه عظماء أهل مملكته وكان من عدل منوشهر فيما ذكر أنه قد كان يسوي بين الشريف والوضيع والقريب والبعيد في العقوبة إذا استوجبها بعض رعيته على ذنب أتاه فأبى إجابتهم إلى ما سألوه من ذلك وقال لهم هذا في الدين وهن ولكنكم إذ أبيتم علي فإن لا يسكن في شيء من مملكتي ولا يقيم به فنفاه عن مملكته فشخص إلى بلاد الترك فوقع إلى ناحية وامن فاحتال لابنته وهي محبوسة في قصر من أجل أن المنجمين كانوا ذكروا لوامن أبيها أنها تلد ولدا يقتله حتى أخرجها من القصر الذي كانت محبوسة فيه بعد أن حملت منه بزو ثم إن منو شهر أذن لطهماسب بعد أن انقضت أيام عقوبته في العود إلى خينارث مملكة فارس فأخرج مادول ابنة وامن بالحيلة منها ومنه في إخراجها من قصرها من بلاد الترك إلى مملكة أهل فارس فولدت له زوا بعد العود إلى بلاد إيرانكرد ثم إن زوا فيما ذكر قتل جده وأمن في بعض مغازيه الترك وطرد فراسياب عن مملكة أهل (1/268) ________________________________________ فارس حتى رده إلى الترك بعد حروب جرت بينه وبينه وقتال فكانت غلبة فراسياب أهل فارس على إقليم بابل اثنتي عشر سنة من لدن توفي منوشهر إلى أن طرده عنه وأخرجه زو بن طهماسب إلى تركستان وذكر أن طرد زو فراسياب عما كان عليه من مملكة أهل فارس في روزأبان من شهر أبانماه فاتخذ العجم هذا اليوم عيدا لما رفع عنهم فيه من شر فراسياب وعسفه وجعلوه الثالث من أعيادهم النوروز والمهرجان وكان زو محمودا في ملكه محسنا إلى رعيته فأمر بإصلاح ما كان فراسياب أفسد من بلاد خنيارث ومملكة بابل وبناء ما كان هدم من حصون ذلك ونثل ما كان طم وعور من الأنهار والقنى وكرى ما كان اندفن من المياه حتى أعاد كل ذلك فيما ذكر إلى أحسن ما كان عليه ووضع عن الناس الخراج سبع سنين ودفعه عنهم فعمرت بلاد فارس في ملكه وكثرت المياه فيها ودرت معايش أهلها واستخرج بالسواد نهرا وسماه الزاب وأمر فبنيت على حافتيه مدينة وهي التي تسمى المدينة العتيقة وكورها كورة وسماها الزوابي وجعل لها ثلاثة طساسيج منها طسوج الزاب الأعلى ومنها طسوج الزاب الأوسط ومنها طسوج الزاب الأسفل وأمر بحمل بزور الرياحين من الجبال إليها واصول الأشجار وبذر ما يبذر من ذلك وغرس ما يغرس منه وكان أول من اتخذ له ألوان الطبيخ وأمر بها وبأصناف الأطعمة وأعطى جنوده مما غنم من الخيل والركاب مما أوجف عليه من أموال الترك وغيرهم وقال يوم ملك وعقد التاج على رأسه نحن متقدمون في عمارة ما أخربه الساحر فراسياب وكان له كرشاسب بن أثرط بن سهم بن نريمان بن طورك بن شيراسب بن أروشسب بن طوج بن أفريدون الملك وقد نسبه بعض نسابي الفرس غير هذا النسب فيقول هو كرشاسف بن أشناس بن طهموس بن أشك بن ترس بن رحر بن دودسرو بن منوشهر الملك مؤازرا له على ملكه ويقول بعضهم كان زو وكرشاسب مشتركين في الملك والمعروف من أمرهما أن الملك كان لزو بن طهماسب وأن كرشاسب كان له مؤازرا وله معينا وكان كرشاسب عظيم الشأن في أهل فارس غير أنه لم يملك فكان جميع ملك زو إلى أن انقضى ومات فيما قيل ثلاث سنين ثم ملك بعد زو كيقباذ وهو كيقباذ بن زاغ بن نوحياه بن منشو بن نوذر بن منوشهر وكان متزوجا بفرتك ابتة تدرسا التركي وكان تدرسا من رؤوس الأتراك وعظمائهم فولدت له كي إفنه وكي كاوس وكي أرش وكيبه أرش وكيفاشين وكيبية وهؤلاهم الملوك الجبابرة وآباء الملوك الجبابرة وقيل إن كيقباذ قال يوم ملك وعقد التاج على رأسه نحن مدوخون بلاد الترك ومجتهدون في إصلاح بلادنا حدبون عليها وأنه قدر مياه الأنهار والعيون لشرب الأرضين وسمى البلاد بأسمائها وحدها بحدودها وكور الكور وبين حير كل كورة منها وحريمها وأمر الناس باتخاذ الأرض وأخذ العشر من غلاتها لأرزاق الجند وكان فيما ذكر كيقباذ يشبه في حرصه على العمارة ومنعه البلاد من العدو وتكبره (1/269) ________________________________________ في نفسه بفرعون وقيل إن الملوك الكيية وأولادهم من نسله وجرت بينه وبين الترك وغيرهم حروب كثيرة وكان مقيما في حد ما بين مملكة الفرس والترك بالقرب من نهر بلخ لمنع الترك من تطرق شيء من حدود فارس وكان ملكه مائة سنة والله أعلم ونرجع الآن إلى (1/270 |
رد: مكتبتي
ذكر أمر بني إسرائيل والقوام الذين كانوا بأمرهم بعد يوشع ابن نون
والأحداث التي كانت في عهد زو وكيقباذ ولا خلاف بين أهل العلم بأخبار الماضين وأمور الأمم السالفين من أمتنا وغيرهم أن القيم بأمور بني إسرائيل بعد يوشع كان كالب بن يوفنا ثم حزقيل بن بوذى من بعده وهو الذي يقال له ابن العجوز فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال إنما سمي حزقيل بن بوزي ابن العجوز أنها سألت الله الولد وقد كبرت وعقمت فوهبه الله لها فبذلك قيل له ابن العجوز وهو الذي دعا للقوم الذين ذكر الله في الكتاب عليه السلام كما بلغنا ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ( 1 ) حدثني محمد بن سهل بن عسكر قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول أصاب ناسا من بني إسرائيل بلاء وشدة من الزمان فشكوا ما أصابهم فقالوا يا ليتنا قد متنا فاسترحنا مما نحن فيه فأوحى الله إلى حزقيل إن قومك صاحوا من البلاء وزعموا أنهم ودوا لو ماتوا فاستراحوا وأي راحة لهم في الموت أيظنون أني لا أقدر على أن أبعثهم بعد الموت فانطلق إلى جبانة كذا كذا فإن فيها أربعة آلاف قال وهب وهم الذين قال الله تعالى ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقم فيهم فنادهم وكانت عظامهم قد تفرقت فرقتها الطير والسباع فناداها حزقيل فقال يا أيتها العظام النخرة إن الله عز و جل يأمرك أن تجتمعي فاجتمع عظام كل إنسان منهم معا ثم نادى ثانية حزقيل فقال أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي اللحم فاكتست اللحم وبعد اللحم جلدا فكانت أجسادا ثم نادى حزقيل الثالثة فقال أيتها الأرواج إن الله يأمرك أن تعودي أجسادك فقاموا بإذن الله وكبروا تكبيرة واحدة حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم كانت قرية يقال لها داوردان قبل واسط فوقع بها الطاعون فهرب عامة أهلها فنزلوا ناحية منها فهلك أكثر من بقي في القرية وسلم الآخرون فلم يمت منهم كثير فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين فقال الذين بقوا أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا بقينا ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن (1/271) ________________________________________ معهم فوقع في قابل فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفا حتى نزلوا ذلك المكان وهو واد أفيح فناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه أن موتوا فماتوا حتى هلكوا وبليت أجسادهم فمر بهم نبي يقال له هزقيل فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم يلوي شدقه وأصابعه فأوحى الله إليه يا هزقيل أتريد أن اريك كيف أحييهم قال نعم وإنما كان تفكره أنه تعجب من قدرة الله عليهم فقال نعم فقيل له ناد فنادى يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى كانت أجسادا من عظام ثم أوحى الله أن ناد يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحما فاكتست لحما ودما وثيابها التي ماتت فيها وهي عليها ثم قيل له ناد فنادى يا أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومي فقاموا حدثني موسى قال حدثنا عمرو قال حدثنا أسباط قال فزعم منصور بن المعتمر عن مجاهد أنهم قالوا حين أحيوا سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت فرجعوا إلى قومهم أحياء يعرفون أنهم كانوا موتى سحنة الموت على وجوههم لا يلبسون ثوبا إلا عاد دسما مثل الكفن حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم حدثنا ابن حميد قال حدثنا حكام عن عنبسة عن أشعث عن سالم النصري قال بينما عمر بن الخطاب يصلي ويهوديان خلفه وكان عمر إذا أراد أن يركع خوى فقال أحدهما لصاحبه أهو هو قال فلما انفتل عمر قال أرأيت قول أحدكما لصاحبه أهو هو فقالا إنا نجد في كتابنا قرنا من حديد يعطى ما أعطى حزقيل الذي أحيا الموتى بإذن الله فقال عمر ما نجد في كتابنا حزقيل ولا أحيا الموتى بإذن الله إلا عيسى بن مريم فقالا أما تجد في كتاب الله ورسلا لم نقصصهم عليك ( 1 ) فقال عمر بلى قالا وأما إحياء الموتى فسنحدثك أن بني إسرائيل وقع فيهم الوباء فخرج منهم قوم حتى إذا كانوا على رأس ميل أماتهم الله فبنوا عليهم حائطا حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل فقام عليهم فقال ما شاء الله فبعثهم الله له فأنزل الله في ذلك ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت الآية حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه أن كالب بن يوفنا لما قبضه الله بعد يوشع خلف فيهم يعني في بني إسرائيل حزقيل بن بوذى وهو ابن العجوز وهو الذي دعا للقوم الذي ذكر الله في الكتاب لمحمد صلى الله عليه و سلم كما بلغنا ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم الآية قال ابن حميد قال سلمة قال ابن إسحاق فبلغني أنه كان من حديثهم أنهم خرجوا فرارا من بعض الأوباء من الطاعون أو من سقم كان يصيب الناس حذرا من الموت وهم ألوف حتى إذا نزلوا بصعيد من البلاد قال الله لهم موتوا فماتوا جميعا فعمد أهل تلك البلاد فحظروا عليهم حظيرة دون السباع ثم تركوهم فيها وذلك أنهم كثروا عن أن يغيبوا فمرت بهم الأزمان والدهور حتى صاروا عظاما نخرة فمر بهم حزقيل بن بوذى فوقف عليهم فتعجب لأمرهم ودخلته رحمة لهم فقيل له أتحب أن يحييهم الله فقال نعم فقيل له فقل أيتها العظام الرميم التي قد رمت وبليت ليرجع كل عظم إلى صاحبه فناداهم بذلك فنظر إلى العظام تتواثب يأخذ بعضها بعضا ثم قيل له قل أيها اللحم والعصب والجلد اكس العظام بإذن ربك قال فنظر إليها والعصب يأخذ العظام ثم اللحم والجلد والأشعار حتى استووا خلقا ليست فيهم (1/272) ________________________________________ الأرواح ثم دعا لهم بالحياة فتغشاه من السماء شيء كربه حتى غشي عليه منه ثم أفاق والقوم جلوس يقولون سبحان الله فقد أحياهم الله فلم يذكر لنا مدة مكث حزقيل في بني إسرائيل ولما قبض الله حزقيل كثر الأحداث فيما ذكر في بني إسرائيل وتركوا عهد الله الذي عهد إليهم في التوراة وعبدوا الأوثان فبعث الله إليهم فيما قيل إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق ثم إن الله عز و جل قبض حزقيل وعظمت في بني إسرائيل الأحداث ونسو ا ما كان من عهد الله إليهم حتى نصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله فبعث الله إليهم إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران نبيا وإنما كانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى يبعثون إليهم بتجديد ما نسوا من التوراة فكان إلياس مع ملك من ملوك بني إسرائيل يقال له أحاب وكان اسم امرأته أزبل وكان يسمع منه ويصدقه وكان إلياس يقيم له أمره وكان سائر بني إسرائيل قد اتخذوا صنما يعبدونه من دون الله يقال له بعل قال ابن إسحاق وقد سمعت بعض أهل العلم يقول ما كان بعل إلا امرأة يعبدونها من دون الله يقول الله لمحمد وإن إلياس لمن المرسلين إذ قال لقومه ألا تتقون إلى قوله الله ربكم ورب آبائكم الأولين ( 1 ) فجعل إلياس يدعوهم إلى الله وجعلوا لا يسمعون منه شيئا إلا ما كان من ذلك الملك والملوك متفرقة بالشأم كل ملك له ناحية منها يأكلها فقال ذلك الملك الذي كان إلياس معه يقوم له بأمره ويراه على هدى من بين أصحابه يوما يا إلياس والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلا والله ما أرى فلانا وفلانا فعد ملوكا من ملوك بني إسرائيل قد عبدوا الأوثان من دون الله إلا على مثل ما نحن عليه يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين ما ينقص دنياهم أمرهم الذي تزعم أنه باطل وما نرى لنا عليهم من فضل فيزعمون والله أعلم أن إلياس استرجع وقام شعر رأسه وجلده ثم رفضه وخرج عنه ففعل ذلك الملك فعل أصحابه عبد الأوثان وصنع ما يصنعون فقال إلياس اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك والعبادة لغيرك فغير ما بهم من نعمتك أو كما قال حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال ذكر لي أنه أوحي إليه إنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك حتى تكون أنت الذي تأمر في ذلك فقال إلياس اللهم فأمسك عنهم المطر فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والهوام والشجر وجهد الناس جهدا شديدا وكان إلياس فيما يذكرون حين دعا بذلك على بني إسرائيل قد استخفى شفقا على نفسه منهم وكان حيث ما كان وضع له رزق فكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا لقد دخل إلياس هذا المكان فطلبوه ولقي أهل ذلك المنزل منهم شرا ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال (1/273) ________________________________________ له اليسع بن أخطوب به ضر فآوته وأخفت أمره فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع فآمن به وصدقه ولزمه فكان يذهب معه حيثما ذهب وكان إلياس قد أسن وكبر وكان اليسع غلاما شابا فيزعمون والله أعلم أن الله أوحى إلى إلياس أنك قد أهلكت كثيرا من الخلق ممن لم يعص سوى بني إسرائيل ممن لم أكن أريد هلاكه بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر بحبس المطر عن بني إسرائيل فيزعمون والله أعلم أن إلياس قال أي رب دعني أكن أنا الذي أدعو لهم به وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم أن يرجعوا وينزعوا عما هم عليه من عبادة غيرك قيل له نعم فجاء إلياس إلى بني إسرائيل فقال لهم إنكم قد هلكتم جهدا وهلكت البهائم والدواب والطير والهوام والشجر بخطاياكم وأنكم على باطل وغرور أو كما قال لهم فإن كنتم تحبون أن تعلموا ذلك وتعلموا أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عيه وأن الذي أدعوكم إليه الحق فاخرجوا بأصنامكم هذه التي تعبدون وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله ففرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء قالوا أنصفت فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم التي لا يرضى فدعوها فلم تستجب لهم ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء حتى عرفوا ما هم فيه من الضلالة والباطل ثم قالوا لإلياس يا إلياس إنا قد هلكنا فادع الله لنا فدعا لهم إلياس بالفرج مما هم فيه وأن يسقوا فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر وهم ينظرون ثم ترامى إليه السحاب ثم أدجنت ثم أرسل الله المطر فأغاثهم فحييت بلادهم وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء فلم ينزعوا ولم يرجعوا وأقاموا على أخبث ما كانوا عليه فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم دعا ربه أن يقبضه إليه فيريحه منهم فقيل له فيما يزعمون انظر يوم كذا وكذا فاخرج فيه إلى بلد كذا وكذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه فخرج إلياس وخرج معه السبع بن أخطوب حتى إذا كان بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه فوثب عليه فانطلق به فناداه اليسع يا إلياس يا إلياس ما تأمرني فكان آخر عهدهم به فكساه الله الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وطار في الملائكة فكان إنسيا ملكيا أرضيا سمائيا ثم قام بعد إلياس بأمر بني إسرائيل فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال كما ذكر لي عن وهب بن منبه قال ثم نبئ فيهم يعني في بني إسرائيل بعده يعني بعد إلياس اليسع فكان فيهم ما شاء الله أن يكون ثم قبضه الله إليه وخلفت فيهم الخلوف وعظمت فيهم الخطايا وعندهم التابوت يتوارثونه كابرا عن كابر فيه السكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون فكانوا لا يلقاهم عدو فيقدمون التابوت ويزحفون به معهم إلا هزم الله ذلك العدو والسكينة فيما ذكر ابن إسحاق عن وهب بن منبه عن بعض أهل العلم من بني إسرائيل رأس هرة ميتة فإذا صرخت في التابوت بصراخ هر أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح ثم خلف فيهم ملك يقال له إيلاف وكان الله قد بارك لهم في جبلهم من إيليا لا يدخله عليهم عدو ولا يحتاجون معه إلى غيره فكان أحدهم فيما يذكرون يجمع التراب على الصخرة ثم ينبذ فيه الحب (1/274) ________________________________________ فيخرج الله له ما يأكل منه سنة وهو وعياله ويكون لأحدهم الزيتونة فيعتصر منها ما يأكل هو وعياله سنة فلما عظمت أحداثهم وتركوا عهد الله إليهم نزل بهم عدو فخرجوا إليه وأخرجوا التابوت كما كانوا يخرجونه ثم زحفوا به فقوتلوا حتى استلب من أيديهم فأتى ملكهم إيلاف فأخبر أن التابوت قد أخذ واستلب فمالت عنقه فمات كمدا عليه فمرج أمرهم بينهم واختلف ووطئهم عدوهم حتى أصيب من أبنائهم ونسائهم فمكثوا على اضطراب من أمرهم واختلاف من أحوالهم يتمادون أحيانا في غيهم وضلالهم فسلط الله عليهم من ينتقم به منهم ويراجعون التوبة أحيانا فيكفيهم الله عند ذلك شر من بغاهم سواءا حتى بعث الله فيهم طالوت ملكا ورد عليهم تابوت الميثاق وكانت مدة ما بين وفاة يوشع بن نون التي كان أمر بني إسرائيل في بعضها إلى القضاة منهم والساسة وفي بعضها إلى غيرهم ممن يقهرهم فيتملك عليهم من غيرهم إلى أن ثبت الملك فيهم ورجعت النبوة إليهم بشمويل بن بالي أربعمائة سنة وستين سنة فكان أول من سلط عليهم فيما قيل رجل من نسل لوط يقال له كوشان فقهرهم وأذلهم ثماني سنين ثم تنقذهم من يده أخ لكالب الأصغر يقال له عتنيل بن قيس فقام بأمرهم فيما قيل أربعين سنة سلط عليهم ملك يقال له جعلون فملكهم ثماني عشرة سنة ثم تنقذهم منه فيما قيل رجل من سبط بنيامين يقال له أهود بن جيرا الأشل اليمنى فقام بأمرهم ثمانين سنة ثم سلط عليهم ملك من الكنعانيين يقال له يافين فملكهم عشرين سنة ثم تنقذهم فيما قيل امرأة نبية من أنبيائهم يقال لها دبورا فدبر أمرهم فيما قيل رجل من قبلها يقال له باراق أربعين سنة ثم سلط عليهم قوم من نسل لوط كانت منازلهم في تخوم الحجاز فملكوهم سبع سنين ثم تنقذهم منهم رجل من ولد نفثالي بن يعقوب يقال له جدعون بن يواش فدبر أمرهم أربعين سنة ثم دبر أمرهم من بعد جدعون ابنه أبيملك بن جدعون ثلاث سنين ثم دبرهم من بعد أبيملك تولغ بن فوا بن خال أبيملك وقيل إنه ابن عمه ثلاث وعشرين سنة ثم دبر أمرهم بعد تولغ رجل من بني إسرائيل يقال له يائير اثنتين وعشرين سنة ثم ملكهم بنو عمون وهو قوم من أهل فلسطين ثماني عشرة سنة ثم قام بأمرهم رجل منهم يقال له يفتح ست سنين ثم دبرهم من بعده يجشون وهو رجل من بني إسرائيل سبع سنين ثم دبرهم بعده ألون عشر سنين ثم من بعده كيرون ويسميه بعضهم عكرون ثماني سنين ثم قهرهم أهل فلسطين وملوكهم أربعين سنة ثم وليهم شمسون وهو من بني إسرائيل عشرين سنة ثم بقوا بغير رئيس ولا مدبر لأمرهم بعد شمسون فيما قبل عشر سنين ثم دبر أمرهم بعد ذلك عالي الكاهن وفي أيامه غلب أهل غزة وعسقلان على تابوت الميثاق فلما مضى من وقت قيامه بأمرهم أربعين سنة بعث سمويل نبيا فدبر شمويل أمرهم فيما ذكر عشر سنين ثم سألوا شمويل حين نالهم بالذل والهوان بمعصيتهم ربهم أعداؤهم أن يبعث لهم ملكا يجاهدون معه في سبيل الله فقال لهم شمويل ما قد قص الله في كتابه العزيز (1/275) |
رد: مكتبتي
ذكر خبر شمويل بن بالي بن علقمة بن يرخام بن اليهو بن تهو بن صوف وطالوت وجالوت
كان من خبر شمويل بن بالي أن بني إسرائيل لما طال عليهم البلاء وأذلتهم الملوك من غيرهم ووطئت بلادهم وقتلوا رجالهم وسبوا ذراريهم وغلبوهم على التابوت الذي فيه السكينة والبقية مما ترك آل موسى وآل هارون وبه كانوا ينصرون إذا لقوا العدو ورغبوا إلى الله عز و جل في أن يبعث لهم نبيا يقيم أمرهم فحدثني موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم كانت بنو إسرائيل يقاتلون العمالقة وكان ملك العمالقة جالوت وأنهم ظهروا على بني إسرائيل فضربوا عليهم الجزية وأخذوا توراتهم فكانت بنو إسرائيل يسألون الله أن يبعث لهم نبيا يقاتلون معه وكان سبط النبوة قد هلكوا فلم يبق منهم إلا امرأة حبلى فأخذوها فحبسوها في بيت رهبة أن تلد جارية فتبدله بغلام لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها فجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاما فولدت غلاما فسمته سمعون تقول الله سمع دعائي فكبر الغلام فأسلمته يتعلم التوراة في بيت المقدس وكفله شيخ من علمائهم وتبناه فلما بلغ الغلام أن يبعثه الله نبيا أتاه جبريل والغلام نائم إلى جنب الشيخ وكان لا يأمن عليه أحدا غيره فدعاه بلحن الشيخ يا شمويل فقام الغلام فزعا إلى الشيخ فقال يا أبتاه دعوتني فكره الشيخ أن يقول لا فيفزع الغلام فقال يا بني ارجع فنم فرجع الغلام فنام ثم دعاه الثانية فلباه الغلام أيضا فقال دعوتني فقال ارجع فنم فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني فلما كانت الثالثة ظهر له جبرئيل عليه السلام فقال اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك فإن الله قد بعث فيهم نبيا فلما أتاهم كذبوه وقالوا استعجلت بالنبوة ولم يألك وقالوا إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا يقاتل في سبيل الله آية من نبوتك قال لهم سمعون عسى إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا إلا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا بأداء الجزية فدعا الله فأى بعصا تكون مقدارا على طول الرجل الذي يبعث فيهم ملكا فقال إن صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا فقاسوا أنفسهم بها فلم يكونوا مثلها وكان طالوت رجلا سقاء يستقي على حمار له فضل حماره فانطلق يطلبه في الطريق فلما رأوه دعوه فقاسوه بها فكان مثلها وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت (1/276) ________________________________________ ملكا ( 1 ) قال القوم ما كنت قط أكذب منك الساعة ونحن من سبط المملكة وليس هو من سبط المملكة ولم يؤت أيضا سعة من المال فنتبعه لذلك فقال النبي إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ( 1 ) فقالوا فإن كنت صادقا فأتنا بآية أن هذا ملك قال إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ( 2 ) والسكينة طست من ذهب يغسل فيها قلوب الأنبياء أعطاها الله موسى وفيها وضع الألواح وكانت الألواح فيما بلغنا من در وياقوت وزبرجد وأما البقية فإنها عصا موسى ورضاضة الألواح فأصبح التابوت وما فيه في دار طالوت فآمنوا بنبوة سمعون وسلموا الملك لطالوت حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج قال ابن عباس جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد نزلت الملائكة بالتابوت نهارا ينظرون إليه عيانا حتى وضعوه بين أظهرهم قال فأقروا غير راضين وخرجوا ساخطين رجع الحديث إلى حديث السدي فخرجوا معه وهم ثمانون ألفا وكان جالوت من أعظم الناس وأشدهم بأسا يخرج يسير بين يدي الجند ولا يجتمع إليه أصحابه حتى يهزم هو من لقي فلما خرجوا قال لهم طالوت إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني ( 3 ) وهو نهر فلسطين فشربوا منه هيبة من جالوت فعبر معه منهم أربعة آلاف ورجع ستة وسبعون ألفا فمن شرب منه عطش ومن لم يشرب منه إلا غرفة روي فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه فنظروا إلى جالوت رجعوا أيضا وقالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله الذين يستيقنون كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ( 3 ) فرجع عنه أيضا ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون وخلص في ثلاثمائة وتسعة عشر عدة أهل بدر حدثني المثنى قال حدثنا إسحاق بن الحجاج قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول كان لعيلى الذي ربى شمويل ابنان شابان أحدثا في القربان شيئا لم يكن فيه كان مسوط القربان الذي كانوا يسوطونه به كلابين فما أخرجا كان للكاهن الذي يسوطه فجعله ابناه كلاليب وكانا إذا جاءت النساء يصلين في القدس يتشبثان بهن فبينما أشمويل نائم قبل البيت الذي كان ينام فيه عيلى إذ سمع صوتا يقول أشمويل فوثب إلى عليى فقال لبيك فقال مالك دعوتني قال لا ارجع فنم فنام ثم سمع صوتا آخر يقول أشمويل فوثب إلى عيلى أيضا فقال لبيك مالك دعوتني فقال لم أفعل ارجع فنم فإن سمعت شيئا فقل لبيك مكانك مرني فافعل فرجع فنام فسمع صوتا أيضا يقول أشمويل فقال لبيك أنا هذا فمرني أفعل قال انطلق إلى عيلى فقل له منعه حب الولد من أن يزجر ابنيه أن يحدثا في قدسي وقرباني وأن يعصياني فلأنزعن منه (1/277) ________________________________________ الكهانة ومن ولده ولأهلكنه وإياهما فلما أصبح سأله عيلى فأخبره ففزع لذلك فزعا شديدا فسار إليهم عدو ممن حوله فأمر ابنيه أن يخرجا بالناس ويقاتلا ذلك العدو فخرجا وأخرجا معهم التابوت الذي فيه الألواح وعصا موسى لينتصروا به فلما تهيأوا للقتال هم وعدوهم جعل عيلى يتوقع الخبر ماذا صنعوا فجاءه رجل يخبره وهو قاعد على كرسيه أن ابنيك قد قتلا وأن الناس قد انهزموا قال فما فعل التابوت قال ذهب به العدو قال فشهق ووقع على قفاه من كرسيه فمات وذهب الذين سبوا التابوت حتى وضعوه في بيت آلهتهم ولهم صنم يعبدونه فوضعوه تحت الصنم والصنم من فوقه فأصبح من الغد الصنم تحته وهو فوق الصنم ثم أخذوه فوضعوه فوقه وسمروا قدميه في التابوت فأصبح من الغد قد قطعت يد الصنم ورجلاه وأصبح ملقى تحت التابوت فقال بعضهم لبعض أليس قد علمتم أن إله بني إسرائيل لا يقوم له شيء فأخرجوه من بيت آلهتكم فأخرجوا التابوت فوضعوه في ناحية من قريتهم فأخذ أهل تلك الناحية التي وضعوا فيها التابوت وجع في أعناقهم فقالوا ما هذا فقالت لهم جارية كانت عندهم من سني بني إسرائيل لا تزالون ترون ما تكرهون ما كان هذا التابوت فيكم فأخرجوه من قريتكم قالوا كذبت قالت إن آية ذلك أن تأتوا ببقرتين لهما أولاد لم يوضع عليهما نير قط ثم تضعوا وراءهما العجل ثم تضعوا التابوت على العجل وتسيروهما وتحبسوا أولادهما فإنهما تنطلقان به مذعنتين حتى إذا خرجتا من أرضكم ووقعتا في أدنى أرض بني إسرائيل كسرتا نيرهما وأقبلتا إلى أولادهما ففعلوا ذلك فلما خرجنا من أرضهم ووقعتا في أدنى أرض بني إسرائيل كسرتا نيرهما وأقبلتا إلى أولادهما ووضعتاه في خربة ف فيها حصاد من بني إسرائيل ففزع إليه بنو إسرائيل وأقبلوا إليه فجعل لا يدنو منه أحد إلا مات فقال لهم نبيهم أشمويل اعترضوا فمن آنس م نفسه قوة فليدن منه فعرضوا عليه الناس فلم يقدر أحد على أن يدنو منه إلا رجلان من بني إسرائيل أذن لهما بأن يحملاه إلى بيت أمهما وهي أرملة فكان في بيت أمهما حتى ملك طالوت فصلح أمر بني إسرائيل مع أشمويل فقالت بنو إسرائيل لأشمويل ابعث لنا ملكا يقاتل في سبيل الله قال قد كفاكم الله القتال قالوا إنا نتخوف من حولنا فيكون لنا ملك نفزع إليه فأوحى الله إلى أشمويل أن ابعث لهم طالوت ملكا وادهنه بدهن القدس فضلت حمر لأني طالوت فأرسله وغلاما له يطلبانها فجاءا إلى أشمويل يسألانه عنها فقال إن الله قد بعثك ملكا على بني إسرائيل قال أنا قال نعم قال أو ما علمت أن سبطي أدنى أسباط بني إسرائيل قال بلى قال أفما علمت أن قبيلتي أدنى قبائل سبطي قال بلى قال أما علمت أن بيتي أدنى بيوت قبيلتي قال بلى قال فبأية آية قال بآية أنك ترجع وقد وجد أبوك حمرة وإذا كنت في مكان كذا وكذا نزل عليك الوحي فدهنه بدهن القدس وقال لبني إسرائيل إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ( 1 ) رجع الحديث إلى حديث السدي ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا ( 2 ) فعبر يومئذ ابو داود فيمن عبر في ثلاثة عشر ابنا له وكان داود أصغر بنيه وإنه أتاه ذات يوم فقال يا أبتاه ما أرمي بقذافتي شيئا إلا صرعته قال أبشر يا بني إن الله قد جعل رزقك في قذافتك ثم أتاه مرة أخرى فقال (1/278) ________________________________________ يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدا رابضا فركبت عليه وأخذت بأذنيه فلم يهجني فقال أبشر يا بني فإن هذا خير يعطيكه الله ثم أتاه يوما آخر فقال يا أيتاه إني لأمشي بين الجبال فأسبح فلا يبقى جبل إلا سبح معي فقال أبشر يا بني فإن هذا خير أعطاكه الله وكان داود راعيا وكان أبوه خلفه يأتي إلى أبيه وإلى إخوته بالطعام فأتى النبي عليه السلام بقرن فيه دهن وتنور من حديد فبعث به إلى طالوت قال إن صاحبكم الذي يقتل جالوت يوضع هذا القرن على رأسه فيغلي حتى يدهن منه ولا يسيل على وجهه ويكون على رأسه كهيئة الإكليل ويدخل في هذا التنور فيملأه فدعا طالوت بني إسرائيل فجربهم به فلم يوافقه منهم أحد فلما فرغوا قال طالوت لأبي داود هل بقي لك ولد لم يشهدنا قال نعم بقي ابني داود وهو يأتينا بطعام فلما أتاه داود مر في الطريق بثلاثة أحجار فكلمنه وقلن له خذنا يا داود تقتل بنا جالوت قال فأخذهن وجعلهن في مخلاته وكان طالوت قد قال من قتل جالوت زوجته ابنتي وأجريت خاتمه في ملكي فلما جاء داود وضعوا القرن على رأسه فغلى حتى ادهن منه ولبس التنور فملأه وكان رجلا مسقاما مصفارا ولم يلبسه أحد إلا تقلقل فيه فلما لبسه داود تضايق التنور عليه حتى تنقض ثم مشى إلى جالوت وكان جالوت من أجسم الناس وأشدهم فلما نظر إلى داود قذف في قلبه الرعب منه فقال له يا فتى ارجع فإني أرحمك أن أقتلك فقال داود لا بل أنا أقتلك فأخرج الحجارة فوضعها في القذافة كلما رفع منها حجرا سماه فقال هذا باسم أبي إبراهيم والثاني باسم أبي إسحاق والثالث باسم أبي إسرائيل ثم أدار القذافة فعادت الأحجار حجرا واحدا ثم أرسله فصك به بين عيني جالوت فنقبت رأسه ثم قتلته فلم تزل تقتل كل إنسان تصيبه تنفذ فيه حتى لم يكن بحيالها أحد فهزموهم عند ذلك وقتل داود جالوت ورجع طالوت فأنكح داود ابنته وأجرى خاتمه في ملكه فمال الناس إلى داود وأحبوه فلما رأى ذلك طالوت وجد في نفسه وحسده وأراد قتله فعلم داود أنه يريده بذلك فسجى له زق خمر في مضجعه فدخل طالوت إلى منام داود وقد هرب داود فضرب الزق ضربة فخرقه فسالت الخمر منه فوقعت قطرة من خمر في فيه فقال يرحم الله داود ما كان أكثر شربه للخمر ثم إن داود أتاه من القابلة في بيته وهو نائم فوضع سهمين عند رأسه وعند رجليه وعن يمينه وعن شماله سهمين سهمين ثم نزل فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها فقال يرحم الله داود هو خير مني ظفرت به فقتلته وظفر بي فكف عني ثم إنه ركب يوما فوجده يمشي في البرية وطالوت على فرس فقال طالوت اليوم أقتل داود وكان داود إذا فزع لم يدرك فركض على أثره طالوت ففزع داود فاشتد فدخل غارا فأوحى الله إلى العنكبوت فضربت عليه بيتا فلما انتهى طالوت إلى الغار نظر إلى بناء العنكبوت قال لو كان دخل ها هنا لخرق بيت العنكبوت فخيل إليه فتركه وطعن العلماء على طالوت في شأن داود فجعل طالوت لا ينهاه أحد عن داود إلا قتله وأغراه الله بالعلماء يقتلهم فلم يكن يقدر في بني إسرائيل على عالم يطيق قتله إلا قتله حتى أتي بامرأة تعلم اسم الله الأعظم فأمر الخباز أن يقتلها فرحمها الخباز وقال لعلنا نحتاج إلى عالم فتركها فوقع في قلب طالوت التوبة وندم وأقبل على البكاء حتى رحمه الناس وكان كل ليلة يخرج إلى القبور فيبكي وينادي أنشد الله عبدا علم أن لي توبة إلا أخبرني بها فلما أكثر عليهم ليالي ناداه مناد من القبور أن يا طالوت أما ترضى أن قتلتنا أحياء حتى تؤذينا أمواتا فازداد بكاء وحزنا فرحمه الخباز فكلمه فقال مالك فقال هل (1/279) ________________________________________ تعلم لي في الأرض عالما أسأله هل لي من توبة فقال له الخباز هل تدري ما مثلك إنما مثلك مثل ملك نزل قرية عشاء فصاح الديك فتطير منه فقال لا تتركوا في القرية ديكا إلا ذبحتموه فلما أراد أن ينام قال إذا صاح الديك فأيقظونا حتى ندلج فقالوا له وهل تركت ديكا يسمع صوته ولكن هل تركت عالما في الأرض فازداد حزنا وبكاء فلما رأى الخباز منه الجد قال أرأيتك إن دللتك على عالم لعلك أن تقتله قال لا فتوثق عليه الخباز فأخبره أن المرأة العالمة عنده قال انطلق بي إليها أسألها هل لي من توبة وكان إنما يعلم ذلك الاسم أهل بيت إذا فنيت رجالهم علمت النساء فقال إنها إن رأتك غشي عليها وفزعت منك فلما بلغ الباب خلفه خلفه ثم دخل عليها الخباز فقال لها الست أعظم الناس منة عليك أنجيتك من القتل وآويتك عندي قالت بلى قال فإن لي إليك حاجة هذا طالوت يسألك هل له من توبة فغشي عليها من الفرق فقال لها إنه لا يريد قتلك ولكن يسألك هل له من توبة قالت لا والله ما أعلم لطالوت توبة ولكن هل تعلمون مكان قبر نبي قالوا نعم هذا قبر يوشع بن نون فانطلقت وهما معها إليه فدعت فخرج يوشع بن نون ينفض رأسه من التراب فلما نظر إليهم ثلاثتهم قال ما لكم أقامت القيامة قالت لا ولكن طالوت يسألك هل له من توبة قال يوشع ما أعلم لطالوت من توبة إلا أن يتخلى من ملكه ويخرج هو وولده فيقاتلون بين يديه في سبيل الله حتى إذا قتلوا شد هو فقتل فعسى أن يكون ذلك له توبة ثم سقط ميتا في القبر ورجع طالوت أحزن ما كان رهبة ألا يتابعه ولده فبكى حتى سقطت أشفار عينيه ونحل جسمه فدخل عليه بنوه وهم ثلاثة عشر رجلا فكلموه وسألوه عن حاله فأخبرهم خبره وما قيل له في توبته فسألهم أن يغزوا معه فجهزهم فخرجوا معه فشدوا بين يديه حتى قتلوا ثم شد بعدهم هو فقتل وملك داود بعد ذلك وجعله الله نبيا فذلك قوله عز و جل وآتاه الله الملك والحكمة قيل هي النبوة آتاه نبوة شمعون وملك طالوت واسم طالوت بالسريانية شاول بن قيس بن أبيال بن ضرار بن بحرت بن أفيح بن أيش بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وقال ابن إسحاق كان النبي الذي بعث لطالوت من قبره حتى أخبره بتوبته اليسع بن أخطوب حدثنا بذلك ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق وزعم أهل التوراة أن مدة ملك طالوت من أولها إلى أن قتل في الحرب مع ولده كانت أربعين سنة (1/280) |
رد: مكتبتي
ذكر خبر داود
بن إيشى بن عويد بن باعز بن سلمون بن نحشون بن عمي نادب بن رام بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وكان داود عليه السلام فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه قصيرا أزرق قليل الشعر طاهر القلب نقيه حدثني يونس بن عبدالأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال حدثني ابن زيد في قول الله ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت إلى قوله والله عليم بالظالمين ( 1 ) قال أوحى الله إلى نبيهم أن في ولد فلان رجلا يقتل الله به جالوت ومن علامته هذا القرن يضعه على رأسه فيفيض ماء فأتاه فقال إن الله عز و جل أوحى إلي أن في ولدك رجلا يقتل الله به جالوت فقال نعم يا نبي الله قال فأخرج له اثني عشر رجلا أمثال السواري وفيهم رجل بارع عليهم فجعل يعرضهم على القرن فلا يرى شيئا فيقول لذلك الجسيم ارجع فيردده عليه فأوحى الله إليه إنا لا نأخذ الرجال على صورهم ولكنا نأخذهم على صلاح قلوبهم قال يا رب قد زعم أنه ليس له ولد غيره فقال كذب فقال إن ربي قد كذبك وقال إن لك ولدا غيرهم قال قد صدق يا نبي الله إن لي ولدا قصيرا استحييت أن يراه الناس فجعلته في الغنم قال فأين هو قال في شعب كذا وكذا من جبل كذا وكذا فخرج إليه فوجد الوادي قد سال بينه وبين البقعة التي كان يريح إليها قال ووجده يحمل شاتين شاتين يجيز بهما السيل ولا يخوض بهما السيل فلما رآه قال هذا هو لا شك فيه هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم قال فوضع القرن على رأسه ففاض حدثني المثنى قال حدثنا إسحاق قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل عن وهب بن منبه قال لما سلمت بنو إسرائيل الملك لطالوت أوحى الله إلى نبي بني إسرائيل أن قل لطالوت فليغز أهل مدين فلا يترك فيها حيا إلا قتله فإني سأظهره عليهم فخرج بالناس حتى أتى مدين فقتل من كان فيها إلا ملكهم فإنه أسره وساق مواشيهم فأوحى الله إلى أشمويل ألا تعجب من طالوت إذ أمرته بأمري فاختل فيه فجاء بملكهم أسيرا وساق مواشيهم فالقه فقل له لأنزعن الملك من بيته ثم لا يعود فيه إلى يوم القيامة فإني إنما أكرم من أطاعني وأهين من هان عليه أمري فلقيه فقال له ما صنعت لم جئت بملكهم أسيرا ولم سقت مواشيهم قال إنما سقت المواشي لأقربها قال له أشمويل إن الله قد نزع من بيتك الملك ثم لا يعود فيه إلى يوم القيامة فأوحى الله إلى أشمويل انطلق (1/281) ________________________________________ إلى إيشى فيعرض عليك بنيه فادهن الذي آمرك بدهن القدس يكن ملكا على بني إسرائيل فانطلق حتى أتى إيشى فقال اعرض علي بنيك فدعا إيشى أكبر ولده فأقبل رجل جسيم حسن المنظر فلما نظر إليه أشمويل أعجبه فقال الحمد لله إن الله بصير بالعباد فأوحى الله إليه إن عينيك تبصران ما ظهر وإني أطلع على ما في القلوب ليس بهذا فقال ليس بهذا اعرض علي غيره فعرض عليه ستة في كل ذلك يقول ليس بهذا اعرض علي غيره فقال هل لك من ولد غيرهم فقال بلى لي غلام أمغر وهو راع في الغنم قال أرسل إليه فلما أن جاء داود جاء غلام أمغر فدهنه بدهن القدس وقال لأبيه أكتم هذا فإن طالوت لو يطلع عليه قتله فسار جالوت في قومه إلى بني إسرائيل فعسكر وسار طالوت ببني إسرائيل وعسكر وتهيأوا للقتال فأرسل جالوت إلى طالوت لم يقتل قومي وقومك ابرز لي أو أبرز لي من شئت فإن قتلتك كان الملك لي وإن قتلتني كان الملك لك فأرسل طالوت في عسكره صائحا من يبرز لجالوت ثم ذكر قصة طالوت وجالوت وقتل داود إياه وما كان من طالوت إلى داود قال أبو جعفر وفي هذا الخبر بيان أن داود قد كان الله حول الملك له قبل قتله جالوت وقيل أن بكون من طالوت إليه ما كان من محاولته قتله وأما سائر من روينا عنه قولا في ذلك فإنهم قالوا إنما ملك داود بعد ما قتل طالوت وولده وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق فيما ذكر لي بعض أهل العلم عن وهب بن منبه قال لما قتل داود جالوت وانهزم جنده قال الناس قتل داود جالوت وخلع طالوت وأقبل الناس على داود مكانه حتى لم يسمع لطالوت بذكر قال ولما اجتمعت بنو إسرائيل على داود أنزل الله عليه الزبور وعلمه صنعة الحديد وألانه له وأمر الجبال والطير أن يسبحن معه إذا سبح ولم يعط الله فيما يذكرون أحدا من خلقه مثل صوته كان إذا قرأ الزبور فيما يذكرون ترنو له الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها وإنها لمصيخة تسمع لصوته وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج إلا على أصناف صوته وكان شديد الاجتهاد دائب العبادة كثير البكاء وكان كما وصفه الله عز و جل لنبيه محمد عليه السلام فقال واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق ( 1 ) يعني بذلك ذا القوة وقد حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب قال أعطي قوة في العبادة وفقها في الإسلام وقد ذكر لنا أن داود عليه السلام كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر وكان يحرسه فيما ذكر في كل يوم وليلة أربعة آلاف حدثني محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط عن السدي في قوله وشددنا ملكه قال كان يحرسه كل يوم وليلة أربعة آلاف وذكر أنه تمنى يوما من الأيام على ربه منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب وسأله أن يمتحنه بنحو الذي كان امتحنهم ويعطيه من الفضل نحو الذي كان أعطاهم (1/282) ________________________________________ فحدثني محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط قال قال السدي كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام يوما يقضي فيه بين الناس ويوما يخلو فيه لعبادة ربه ويوما يخلو فيه لنسائه وكان له تسع وتسعون امرأة وكان فيما يقرأ من الكتب أنه كان يجد فيه فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال يا رب أرى الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي فأعطني مثل ما أعطيتهم وافعل بي مثل ما فعلت بهم قال فأوحى الله إليه أن آباءك ابتلوا ببلايا لم تبتل بها ابتلي إبراهيم بذبح ابنه وابتلي إسحاق بذهاب بصره وابتلي يعقوب بحزنه على ابنه يوسف وإنك لم تبتل من ذلك بشيء قال يا رب ابتلني بمثل ما ابتليتهم به وأعطني مثل ما أعطيتهم قال فأوحى إليه إنك مبتلى فاحترس قال فمكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي قال فمد يده ليأخذه فتنحى فتبعه فتباعد حتى وقع في كوة فذهب ليأخذه فطار من الكوة فنظر أين يقع فيبعث في أثره قال فأبصر امرأة تغتسل على سطح لها فرأى امرأة من أجمل النساء خلقا فحانت منها التفاتة فأبصرته فألقت شعرها فاستترت به قال فزاده ذلك فيها رغبة قال فسأل عنها فأخبر أن لها زوجا وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا قال فبعث إلى صاحب المسلحة يأمره أن يبعث أهريا إلى عدو كذا وكذا قال فبعثه ففتح له قال وكتب إليه بذلك فكتب إليه أيضا أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا أشد منهم بأسا قال فبعثه ففتح له أيضا قال فكتب إلى داود بذلك قال فكتب إليه أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا قال فبعثه قال فقتل المرة الثالثة قال وتزوج داود امرأته فلما دخلت عليه لم تلبث عنده إلا يسيرا حتى بعث الله ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحرس أن يدخلا عليه فتسورا عليه المحراب قال فما شعر وهو يصلي إذا هو بهما بين يديه جالسين قال ففزع منهما فقالا لا تخف إنما نحن خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط يقول لا تحف واهدنا إلى سواء الصراط إلى عدل القضاء قال قصا علي قصتكما قال فقال أحدهما إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة ( 1 ) فهو يريد أن يأخذ نعجتي فيكمل بها نعاجه مائة قال فقال للآخر ما تقول فقال إن لي تسعا وتسعين نعجة ولأخي هذا نعجة واحدة فأنا أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي مائة قال وهو كاره قال وهو كاره قال إذا لا ندعك وذاك قال ما أنت على ذلك بقادر قال فإن ذهبت تروم ذلك أو تريد ذلك ضربنا منك هذا وهذا وفسر أسباط طرف الأنف والجبهة فقال يا داود أنت أحق أن يضرب منك هذا وهذا حيث لك تسع وتسعون امرأة ولم يكن لأهريا إلا امرأة واحدة فلم تزل به تعرضه للقتل حتى قتل وتزوجت امرأته قال فنظر فلم ير شيئا قال فعرق ما قد وقع فيه وما ابتلي به قال فخر ساجدا فبكى قال فمكث يبكي ساجدا أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا لحاجة لا بد منها ثم يقع ساجدا يبكي ثم يدعو حتى نبت العشب من دموع عينيه قال فأوحى الله عز و جل إليه بعد أربعين يوما يا داود ارفع رأسك فقد غفرت لك فقال يا رب كيف أعلم أنك قد غفرت لي وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء إذا جاء أهريا يوم القيامة آخذا رأسه بيمينه أو بشماله تشخب أوداجه دما في قبل (1/283) ________________________________________ عرشك يقول يا رب سل هذا فيم قتلني قال فأوحى الله إليه إذا كان ذلك دعوت أهريا فأستوهبك منه فيهبك لي فأثيبه بذلك الجنة قال رب الآن علمت أنك قد غفرت لي قال فما استطاع أن يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض حدثني علي بن سهل قال حدثنا الوليد بن مسلم عن عبدالرحمن بن زيد بن جابر قال حدثني عطاء الخراساني قال نقش داود خطيئته في كفه لكيلا ينساها فكان إذا رآها خفقت يده واضطربت وقد قيل إن سبب المحنة بما امتحن به أن نفسه حدثته أنه يطيق قطع يوم من الأيام بغير مقارفة سوء فكان اليوم الذي عرض له فيه ما عرض اليوم الذي ظن أنه يقطعه بغير اقتراف سوء ذكر من قال ذلك حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن مطر عن الحسن أن داود جزأ الدهر أربعة أجزاء يوما لنسائه ويوما لعبادته ويوما لقضاء بني إسرائيل ويوما لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك فلما كان يوم عبادته غلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد وأكب على التوراة فبينما هو يقرأها إذا حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن قد وقعت بين يديه فأهوى إليها ليأخذها قال فطارت فوقعت غير بعيد من غير أن توئسه من نفسها قال فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها فلما رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها فزاده ذلك أيضا إعجابا بها وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه فكتب إليه أن يسير إلى مكان كذا وكذا ( مكان إذا سار إليه لم يرجع ) قال ففعل فأصيب فخطبها فتزوجها قال وقال قتادة بلغنا أنها أم سليمان قال فبينما هو في المحراب إذ تسور الملكان عليه وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب ففزع منهم حين تسوروا المحراب فقالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض حتى بلغ ولا تشطط أي ولا تمل واهدنا إلى سواء الصراط أي أعدله وخيره إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة وكان لداود تسع وتسعون امرأة ولي نعجة واحدة قال وإنما كان للرجل امرأة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب أي ظلمني وقهرني قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه إلى وظن داود فعلم أنما أضمر له أي عني بذلك فخر راكعا وأناب ( 1 ) حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن إدريس قال سمعت ليثا يذكر عن مجاهد قال لما أصاب داود الخطيئة خر لله ساجدا أربعين يوما حتى نبت من دموع عينيه من البقل ما غطىرأسه ثم نادى يا رب قرح الجبين وجمدت العين وداود لم يرجع إليه في خطيئته شيء فنودي أجائع فتطعم أم مريض فتشفى أم مظلوم فينتصر لك قال فنحب نحبة هاج كل شيء كان نبت فعند ذلك غفر له وكانت خطيئته مكتوبة بكفه يقرأها وكان يؤتى بالإناء ليشرب فلا يشرب إلا ثلثه أو نصفه وكان يذكر خطيئته فينتحب النحبة تكاد مفاصله يزول بعضها عن بعض ثم ما يتم شربه حتى يملأ الإناء من دموعه وكان يقال إن دمعة داود تعدل دمعة الخلائق ودمعة آدم تعدل دمعة داود ودمعة الخلائق قال وهو يجيء يوم (1/284) ________________________________________ القيامة خطيئته مكتوبة بكفه فيقول رب ذنبي ذنبي قدمني قال فيقدم فلا يأمن فيقول رب أخرني قال فيؤخر فلا يأمن حدثني يونس بن عبد الأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني ابن لهيعة عن أبي صخر عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إن داود النبي عليه السلام حين نظر إلى المرأة فأهم قطع على بني إسرائيل بعثا فأوصى صاحب البعث فقال إذا حضر العدو فقرب فلانا بين يدي التابوت وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به من قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل أو ينهزم عنه الجيش فقتل زوج المرأة ونزل الملكان على داود يقصان عليه قصته ففطن داود فسجد فمكث أربعين ليلة ساجدا حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه وأكلت الأرض من جبينه وهو يقول في سجوده فلم أحص من الرقاشي إلا هؤلاء الكلمات رب زل داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب رب إن لم ترحم ضعف داود وتغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثا في الخلوف من بعده فجاءه جبرئيل من بعد أربعين ليلة فقال يا داود إن الله قد غفر لك الهم الذي هممت به فقال داود قد علمت أن الله قادر على أن يغفر لي الهم الذي هممت به وقد عرفت أن الله عدل لا يميل فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة فقال يا رب دمي الذي عند داود فقال جبرئيل ما سألت ربك عن ذلك ولئن شئت لأفعلن قال نعم قال فعرج جبرئيل وسجد داود فمكث ما شاء الله ثم نزل فقال قد سألت الله يا داود عن الذي أرسلتني فيه فقال قل له يا داود إن الله يجمعكما يوم القيامة فيقول هب لي دمك الذي عند داود فيقول هو لك يا رب فيقول فإن لك في الجنة ما شئت وما اشتهيت عوضا ويزعم أهل الكتاب أن داود لم يزل قائما بالملك بعد طالوت إلى أن كان من أمره وأمر امرأة أوريا ما كان فلما واقع ما واقع من الخطيئة اشتغل بالتوبة منها فيما زعموا واستخف به بنو إسرائيل ووثب عليه ابن يقال له إيشى فدعا إلى نفسه فاجتمع إليه أهل الزيغ من بني إسرائيل قالوا فلما تاب الله على داود ثابت إليه ثائبة من الناس فحارب ابنه حتى هزمه ووجه في طلبه قائدا من قواده وتقدم إليه أن يتوقى حتفه ويتلطف لأسره فطلبه القائد وهو منهزم فاضطره إلى شجرة فركض فيها وكان ذا جمة فتعلق بعض أغصان الشجرة بشعره فحبسه ولحقه القائد فقتله مخالفا لأمر داود فحزن داود عليه حزنا شديدا وتنكر للقائد وأصاب بني إسرائيل في زمانه طاعون جارف فخرج بهم إلى موضع بيت المقدس يدعون الله ويسألونه كشف ذلك البلاء عنهم فاستجيب لهم فاتخذوا ذلك الموضع مسجدا وكان ذلك فيما قيل لإحدى عشرة سنة مضت من ملكه وتوفي قبل ان يستتم بناءه فأوصى إلى سليمان باستتمامه وقتل القائد الذي قتل أخاه فلما دفنه سليمان نفذ لأمره في القائد وقتله واستتم بناء المسجد وقيل في بناء ذلك المسجد ما حدثنا محمد بن سهل بن عسكر قال حدثني إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول إن داود أراد أن يعلم عدد بني إسرائيل كم هم فبعث لذلك عرفاء ونقباء وأمرهم أن يرفعوا إليه ما بلغ عددهم فعتب الله عليه ذلك وقال قد علمت أني وعدت إبراهيم أن أبارك فيه وفي ذريته حتى أجعلهم كعدد نجوم السماء وأجعلهم لا يحصى عددهم فأردت أن تعلم عدد ما قلت إنه لا يحصى عددهم فاختاروا بين أن أبتليكم بالجوع (1/285) ________________________________________ ثلاث سنين أو أسلط عليكم العدو ثلاثة أشهر أو الموت ثلاثة أيام فاستشار داود في ذلك بني إسرائيل فقالوا ما لنا بالجوع ثلاث سنين صبر ولا بالعدو ثلاثة أشهر فليس لهم بقية فإن كان لا بد فالموت بيده لا بيد غيره فذكر وهب بن منبه أنه مات منهم في ساعة من نهار ألوف كبيرة لا يدرى ما عددهم فلما رأى ذلك داود شق عليه ما بلغه من كثرة الموت فتبتل إلى الله ودعاه فقال يا رب أنا آكل الحماض وبنو إسرائيل يضرسون أنا طلبت ذلك فأمرت به بني إسرائيل فما كان من شيء فبي واعف عن بني إسرائيل فاستجاب الله له ورفع عنهم الموت فرأى داود الملائكة سالين سيوفهم يغمدونها يرتقون في سلم من ذهب من الصخرة إلى السماء فقال داود هذا مكان ينبغي أن يبنى فيه مسجد فأراد داود أن يأخذ في بنائه فأوحى الله إليه أن هذا بيت مقدس وأنك قد صبغت يديك في الدماء فلست ببانيه ولكن ابن لك أملكه بعدك أسميه سليمان أسلمه من الدماء فلما ملك سليمان بناءه وشرفه وكان عمر داود فيما وردت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه و سلم مائة سنة وأما بعض أهل الكتب فإنه زعم أن عمره كان سبعا وسبعين سنة وأن مدة ملكه كانت أربعين سنة (1/286) |
رد: مكتبتي
ذكر خبر سليمان بن داود عليهما السلام
ثم ملك سليمان بن داود بعد أبيه داود أمر بني إسرائيل وسخر الله له الجن والإنس والطير والريح وآتاه مع ذلك النبوة وسأل ربه أن يؤتيه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فاستجاب الله له فأعطاه ذلك كان فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه إذا خرج من بيته إلى مجلسه عكفت عليه الطير وقام له الإنس والجن حتى يجلس على سريره وكان فيما يزعمون أبيض جسيما وضيئا كثير الشعر يلبس من الثياب البياض وكان أبوه في أيام ملكه بعد أن بلغ سليمان مبلغ الرجال يشاوره فيما ذكر في أموره وكان من شأنه وشأن أبيه داود الحكم في الغنم التي نفشت في حرث القوم الذين قص الله في كتابه خبرهم وخبرهما فقال وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما ( 1 ) فحدثنا أبو كريب وهارون بن إدريس الأصم قالا حدثنا المحاربي عن أشعث عن أبي إسحاق عن مرة عن ابن مسعود في قوله وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم قال كرم قد أنبتت عناقيده فأفسدته قال فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم فقال سليمان غير هذا يا نبي الله قال وما ذاك قال تدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا كان الكرم كما كان دفعت الكرم إلى صاحبه ودفعت الغنم إلى صاحبها فذلك قوله ففهمناها سليمان وكان رجلا غزاء لا يكاد يقعد عن الغزو وكان لا يسمع بملك في ناحية من الأرض إلا أتاه حتى يذله وكان فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق فيما يزعمون إذا أراد الغزو أمر بعسكره فضرب له بخشب ثم نصب له على الخشب ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة الحرب كلها حتى إذا حمل معه ما يريد أمر العاصف من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب فاحتملته حتى إذا استقلت به أمر الرخاء فمر به شهرا في روحته وشهرا في غدوته إلى حيث أراد يقول الله عز و جل فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ( 2 ) أي حيث أراد وقال الله ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر ( 3 ) (1/287) ________________________________________ قال وذكر لي أن منزلا بناحية دجلة مكتوب فيه كتاب كتبه بعض أصحاب سليمان إما من الجن وإما من الإنس نحن نزلناه وما بنيناه ومبينا وجدناه غدونا من إصطخر فقلناه ونحن رائحون منه إن شاء الله فبائتون بالشام قال وكان فيما بلغني لتمر بعسكره الريح والرخاء تهوي به إلى ما أراد وإنها لتمر بالمزرعة فما تحركها وقد حدثنا القاسم بن الحسن قال حدثني الحسين قال حدثني حجاج عن أبي معشر عن محمد بن كعب القرظي قال بلغنا أن سليمان كان عسكره مائة فرسخ خمسة وعشرون منها للإنس وخمسة وعشرون للجن وخمسة وعشرون للوحش وخمسة وعشرون للطير وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلثمائة صريحة وسبعمائة سرية فأمر الريح العاصف فرفعته وأمر الرخاء فسيرته فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض أني قد زدت في ملكك أنه لا يتكلم أحد من الخلائق إلا جاءت به الريح وأخبرتك حدثني أبو السائب قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان سليمان بن داود يوضع له ستمائة كرسي ثم يجيء أشراف الإنس فيجلسون مما يليه ثم يجيء أشراف الجن فيجلسون مما يلي الإنس قال ثم يدعو الطير فتظلهم ثم يدعو الريح فتحملهم قال فتسير في الغداة الواحدة مسيرة شهر (1/288) |
رد: مكتبتي
ذكر ما انتهى إلينا من مغازي سليمان عليه السلام
فمن ذلك غزوته التي راسل فيها بلقيس وهي فيما يقول أهل الأنساب يلمقة ابنة اليشرح ويقول بعضهم ابنة أيلي شرح ويقول بعضهم ابنة ذي شرح بن ذي جدن بن أيلي شرح بن الحارث بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ثم صارت إليه سلما بغير حرب ولا قتال وكان سبب مراسلته إياها فيما ذكر أنه فقد الهدهد يوما في مسير كان يسيره واحتاج إلى الماء فلم يعلم من حضره بعده وقيل له علم ذلك عند الهدهد فسأل عن الهدهد فلم يجده وقال بعضهم بل إنما سأل سليمان عن الهدهد لإخلاله بالنوبة فكان من حديثه وحديث مسيره ذلك وحديث بلقيس ما حدثني العباس بن الوليد الآملي قال حدثنا علي بن عاصم قال حدثنا عطاء بن السائب قال حدثني مجاهد عن ابن عباس قال كان سليمان بن داود إذا سافر أو أراد سفرا قعد على سريره ووضعت الكراسي يمينا وشمالا فيأذن للإنس ثم يأذن للجن عليه بعد الإنس فيكونون خلف الإنس ثم يأذن للشياطين بعد الجن فيكونون خلف الجن ثم يرسل إلى الطير فتظلهم من فوقهم ثم يرسل إلى الريح فتحملهم وهو على سريره والناس على الكراسي فتسير بهم غدوها شهر ورواحها شهر رخاء حيث اصاب ليس بالعاصف ولا اللين وسطا بين ذلك فبينما سليمان يسير وكان سليمان اختار من كل طير طيرا فجعله رأس تلك الطير فإذا أراد أن يسائل شيئا من تلك الطير عن شيء سأل رأسها فبينما سليمان يسير إذ نزل مفازة فسأل عن بعد الماء ها هنا فقال الإنس لا ندري فسأل الجن فقالوا لا ندري فسأل الشياطين فقالوا لا ندري فغضب سليمان فقال لا أبرح حتى أعلم كم بعد مسافة الماء هاهنا قال فقالت له الشياطين يا رسول الله لا تغضب فإن يك شيئا يعلم فالهدهد يعلمه فقال سليمان علي بالهدهد فلم يوجد فغضب سليمان فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ( 1 ) يقول بعذر مبين لم غاب عن مسيري هذا وكان عقابه للطير أن ينتف ريشه ويشمسه فلا يستطيع أن يطير ويكون من هوام الأرض إن أراد ذلك أو يذبحه فكان ذلك عذابه قال ومر الهدهد على قصر بلقيس فرأى بستانا لها خلف قصرها فمال إلى الخضرة فوقع عليها فإذا هو بهدهد لها في البستان فقال هدهد سليمان أين أنت عن سليمان وما تصنع ها هنا قال له هدهد (1/289) ________________________________________ بلقيس ومن سليمان فقال بعث الله رجلا يقال له سليمان رسولا وسخر له الريح والجن والإنس والطير قال فقال له هدهد بلقيس أي شيء تقول قال أقول لك ما تسمع قال إن هذا لعجب وأعجب من ذاك أن كثرة هؤلاء القوم تملكهم امرأة أوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم جعلوا الشكر لله أن يسجدوا للشمس من دون الله قال وذكر الهدهد سليمان فنهض عنه فلما انتهى إلى العسكر تلقته الطير وقالوا توعدك رسول الله فأخبروه بما قال قال وكان عذاب سليمان للطير أن ينتف ريشه ويشمسه فلا يطير أبدا فيصير من هوام الأرض أو يذبحه فلا يكون له نسل أبدا قال فقال الهدهد أو ما استثنى رسول الله قالوا بل قال أو ليأتيني بعذر مبين قال فلما أتى سليمان قال ما غيبك عن مسيري قال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين حتى بلغ فانظر ماذا يرجعون ( 1 ) قال فاعتل له بشيء وأخبره عن بلقيس وقومها ما أخبره الهدهد فقال له سليمان قد اعتللت سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ( 2 ) قال فوافقها وهي في قصرها فألقى إليها الكتاب فسقط في حجرها أنه كتاب كريم وأشفقت منه فأخذته وألقت عليه ثيابها وأمرت بسريرها فأخرج فخرجت فقعدت عليه ونادت في قومها فقالت لهم يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين ( 3 ) ولم أكن لأقطع أمرا حتى تشهدون قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين إلى وإني مرسلة إليهم بهدية ( 4 ) فإن قبلها فهذا ملك من ملوك الدنيا وأنا أعز منه وأقوى وإن لم يقبلها فهذا شيء من الله فلما جاء سليمان الهدية قال لهم سليمان أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم إلى قوله وهم صاغرون ( 5 ) يقول وهم غير محمودين قال بعثت إليه بخرزة غير مثقوبة فقالت اثقب هذه قال فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذاك ثم سأل الجن فلم يكن عندهم علم ذاك قال فسأل الشياطين فقالوا ترسل إلى الأرضة فجاءت الأرضة فأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها فنقبتها بعد حين فلما رجع إليها رسولها خرجت فزعة في أول النهار من قومها وتبعها قومها قال ابن عباس وكان معها ألف قيل قال ابن عباس أهل اليمن يسمون القائد قيلا مع كل قيل عشرة آلاف قال العباس قال علي عشرة آلاف ألف قال العباس قال علي فأخبرنا حصين بن عبدالرحمن قال حدثني عبدالله بن شداد بن الهاد قال فأقبلت بلقيس إلى سليمان ومعها ثلثمائة قيل واثنا عشر قيلا مع كل قيل عشرة آلاف قال عطاء عن مجاهد عن ابن عباس وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه فخرج يومئذ فجلس على سريره فرأى رهجا قريبا منه فقال ما هذا قالوا بلقيس يا رسول الله قال وقد نزلت منا بهذا المكان قال مجاهد فوصف لنا ذلك ابن عباس فحزرته ما بين الكوفة والحيرة قدر (1/290) ________________________________________ فرسخ قال فأقبل على جنوده فقال أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك الذي أنت فيه إلى الحين الذي تقوم إلى غدائك قال قال سليمان من يأتيني به قبل ذلك قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فنظر إليه سليمان فلما قطع كلامه رد سليمان بصره على العرش فرأى سريرها قد خرج ونبع من تحت كرسيه فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر إذ أتاني به قبل أن يرتد إلي طرفي أم أكفر إذ جعل من تحت يدي أقدر على المجيء به مني قال فوضعوا لها عرشها قال فلما جاءت قعدت إلى سليمان قيل لها أهكذا عرشك فنظرت إليه فقالت كأنه هو ( 1 ) ثم قالت لقد تركته في حصوني وتركت الجنود محيطة به فكيف جيء بهذا يا سليمان إني أريد أن أسألك عن شيء فأخبرنيه قال سلي قالت أخبرني عن ماء رواء لا من سماء ولا من أرض قال وكان إذا جاء سليمان شيء لا يعلمه بدأ فسأل الإنس عنه فإن كان عند الإنس فيه علم وإلا سأل الجن فإن لم يكن عند الجن علم به سأل الشياطين قال فقالت له الشياطين ما أهون هذا يا رسول الله مر الخيل فلتجر ثم تملأ الآنية من عرقها فقال لها سليمان عرق الخيل قالت صدقت قالت أخبرني عن لون الرب قال قال ابن عباس فوثب سليمان عن سريره فخر ساجدا قال العباس قال علي فأخبرني عمرو بن عبيد عن الحسن قال صعق فغشي عليه فخر عن سريره ثم رجع إلى حديثه قال فقامت عنه وتفرقت عنه جنوده وجاءه الرسول فقال يا سليمان يقول لك ربك ما شأنك قال سألتني عن أمر يكابرني أو يكابدني أن أعيده قال فإن الله يأمرك أن تعود إلى سريرك فتقعد عليه وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودها وترسل إلى جميع جنودك الذين حضروا فيدخلوا عليك فتسألها وتسألهم عما سألتك عنه قال ففعل فلما حضروا عليه جميعا قال لها عم سألتني قالت سألتك عن ماء رواء لا من سماء ولا من أرض قال قلت لك عرق الخيل قالت صدقت قال وعن أي شيء سألتني قالت ما سألتك عن شيء غير هذا قال قال لها سليمان فلأي شيء خررت عن سريري قالت قد كان ذاك لشيء لا أدري ما هو قال العباس قال علي نسيته قال فسأل جنودها فقالوا مثل ما قالت قال فسأل جنوده من الإنس والجن والطير وكل شيء كان حضره من جنوده فقالوا ما سألتك يا رسول الله إلا عن ماء رواء قال وقد كان قال له الرسول يقول الله لك عد إلى مكانك فإني قد كفيتكم قال وقال سليمان للشياطين ابنوا لي صرحا تدخل علي فيه بلقيس قال فرجع الشياطين بعضهم إلى بعض فقالوا سليمان رسول الله قد سخر الله له ما سخر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاما فلا ننفك من العبودية أبدا قال وكانت امرأة شعراء الساقين فقالت الشياطين ابنوا له بنيانا ليرى ذلك منها فلا يتزوجها فبنوا له صرحا من قوارير أخضر وجعلوا له طوابيق من قوارير كأنه الماء وجعلوا في باطن الطوابيق كل شيء يكون من الدواب في البحر من السمك وغيره ثم أطبقوه ثم قالوا لسليمان ادخل الصرح قال فألقي لسليمان كرسي في أقصى الصرح فلما دخله ورأى ما رأى أتى الكرسي فقعد عليه ثم قال أدخلوا علي بلقيس فقيل (1/291) ________________________________________ لها ادخلي الصرح فلما ذهبت تدخله رأت صورة السمك وما يكون في الماء من الدواب فحسبته لجة ( حسبته ماء ) وكشفت عن ساقيها لتدخل وكان شعر ساقيها ملتويا على ساقيها فلما رآها سليمان ناداها وصرف بصره عنها إنه صرح ممرد من قوارير فألقت ثوبها فقالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ( 1 ) قال فدعا سليمان الإنس فقال ما أقبح هذا ما يذهب هذا قالوا يا رسول الله الموسى قال المواسي تقطع ساقي المرأة قال ثم دعا الجن فسألهم فقالوا لا ندري ثم دعا الشياطين فقال ما يذهب هذا قالوا مثل ذلك الموسى فقال المواسي تقطع ساقي المرأة قال فتلكئوا عليه ثم جعلوا له النورة قال ابن عباس فإنه لأول يوم رئيت فيه النورة فاستنكحها سليمان حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه قال لما رجعت الرسل إلى بلقيس بما قال سليمان قالت قد والله عرفت ما هذا بملك وما لنا به من طاقة وما نصنع بمكاثرته شيئا وبعثت إليه أني قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك ثم أمرت بسرير ملكها الذي كانت تجلس عليه وكان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ فجعل في سبعة أبيات بعضها في بعض ثم أقفلت على الأبواب وكانت إنما تخدمها النساء معها ستمائة امرأة تخدمها ثم قالت لمن خلفت على سلطانها احتفظ بما قبلك وسرير ملكي فلا يخلص إليه أحد ولا يرينه حتى آتيك ثم شخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قيل معها من ملوك اليمن تحت يد كل قيل منهم ألوف كثيرة فجعل سليمان يبعث الجن فيأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة حتى إذا دنت جمع من عنده من الجن والإنس ممن تحت يديه فقال يأيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ( 2 ) قال وأسلمت فحسن إسلامها قال فزعم أن سليمان قال لها حين أسلمت وفرغ من أمرها اختاري رجلا من قومك أزوجكه قالت ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان لي قال نعم إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك ولا ينبغي لك أن تحرمي ما أحل الله لك فقالت زوجني إن كان لا بد ذا تبع ملك همدان فزوجه إياها ثم ردها إلى اليمن وسلط زوجها ذا تبع على اليمن ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال اعمل لذي تبع ما استعملك لقومه قال فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها ملكا يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان بن داود عليه السلام فلما حال الحول وتبينت الجن موت سليمان أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته يا معشر الجن إن الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال فعمدت الشياطين إلى حجرين عظيمين فكتبوا فيهما كتابا بالمسند نحن بنينا سلحين سبعة وسبعين خريفا دائبين وبنينا صرواح ومراح وبينون برحاضة أيدين وهندة وهنيدة وسبعة أمجلة بقاعة وتلثوم بريدة ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة قال وسلحين وصرواح ومراح وبينون وهندة وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذي تبع ثم رفعوا أيديهم ثم انطلقوا وانقضى ملك ذي تبع وملك بلقيس مع ملك سليمان بن داود عليهما السلام (1/292) |
رد: مكتبتي
ذكر غزوته أبا زوجته جرادة وخبر الشيطان الذي أخذ خاتمه
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن بعض العلماء قال قال وهب بن منبه سمع سليمان بمدينة في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون بها ملك عظيم السلطان لم يكن للناس إليه سبيل لمكانه في البحر وكان الله قد آتى سليمان في ملكه سلطانا لا يمتنع منه شيء في بر ولا بحر إنما يركب إليه إذا ركب على الريح فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء حتى نزل بها بجنوده من الجن والإنس فقتل ملكها واستفاء ما فيها وأصاب فيما أصاب ابنة لذلك الملك لم ير مثلها حسنا وجمالا فاصطفاها لنفسه ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على جفاء منها وقلة ثقة وأحبها حبا لم يحبه شيئا من نسائه ووقعت نفسه عليها فكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها فقال لها لما رآى ما بها وهو يشق عليه من ذلك ما يرى ويحك ما هذا الحزن الذي لا يذهب والدمع الذي لا يرقأ قالت إن أبي أذكره وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه فيحزنني ذلك قال فقد أبدلك الله به ملكا هو أعظم من ملكه وسلطانا هو أعظم من سلطانه وهداك للإسلام وهو خير من ذلك كله قالت إن ذلك لكذلك ولكني إذا ذكرته أصابني ما قد ترى من الحزن فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا صورة أبي في داري التي أنا فيها أراها بكرة وعشيا لرجوت أن يذهب ذلك حزني وأن يسلي عني بعض ما أجد في نفسي فأمر سليمان الشياطين فقال مثلوا لها صورة أبيها في دارها حتى ما تنكر منه شيئا فمثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها في نفسه إلا أنه لا روح فيه فعمدت إليه حين صنعوه لها فأزرته وقمصته وعممته وردته بمثل ثيابه التي كان يلبس مثل ما كان يكون فيه من هيئة ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو عليه في ولائدها حتى تسجد له ويسجدن له كما كانت تصنع به في ملكه وتروح كل عشية بمثل ذلك لا يعلم سليمان بشيء من ذلك أربعين صباحا وبلغ ذلك آصف بن برخيا وكان صديقا وكان لا يرد عن أبواب سليمان أي ساعة أراد دخول شيء من بيوته دخل حاضرا كان سليمان أو غائبا فأتاه فقال يا نبي الله كبرت سني ودق عظمي ونفد عمري وقد حان مني ذهاب وقد أحببت أن أقوم مقاما قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله وأثني عليهم بعلمي فيهم وأعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير من أمورهم فقال افعل فجمع له سليمان الناس فقام فيهم خطيبا فذكر من مضى من أنبياء الله فاثنى على كل نبي بما فيه وذكر ما فضله الله به حتى انتهى إلى سليمان وذكره فقال ما كان أحلمك في صغرك وأورعك في صغرك وأفضلك في صغرك وأحكم أمرك في صغرك وأبعدك من كل ما يكره في صغرك ثم انصرف فوجد سليمان في نفسه حتى ملأه غضبا فلما دخل سليمان داره أرسل إليه (1/293) ________________________________________ فقال يا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله فأثنيت عليهم خيرا في كل زمانهم وعلى كل حال من أمرهم فلما ذكرتني جعلت تثني علي بخير في صغري وسكت عما سوى ذلك من أمري في كبري فما الذي أحدثت في آخر أمري قال إن غير الله ليعبد في دارك منذ أربعين صباحا في هوى امرأة فقال في داري فقال في دارك قال إنا لله وإنا إليه راجعون لقد عرفت أنك ما قلت إلا عن شيء بلغك ثم رجع سليمان إلى داره فكسر ذلك الصنم وعاقب تلك المرأة وولائدها ثم أمر بثباب الطهرة فأتي بها وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار ولا ينسجها إلا الأبكار ولا يغسلها إلا الأبكار ولا تمسها امرأة قد رأت الدم فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده فأمر برماد ففرش له ثم أقبل تائبا إلى الله حتى جلس على ذلك الرماد فتمعك فيه بثيابه تذللا لله جل وعز وتضرعا إليه يبكي ويدعو ويستغفر مما كان في داره ويقول فيما يقول فيما ذكر لي والله أعلم رب ماذا ببلائك عند آل داود أن يعبدوا غيرك وأن يقروا في دورهم وأهاليهم عبادة غيرك فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى يبكي إلى الله ويتضرع إليه ويستغفره ثم رجع إلى داره وكانت أم ولد له يقال لها الأمينة كان إذا دخل مذهبه أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر وكان لا يمس خاتمه إلا وهو طاهر وكان ملكه في خاتمه فوضعه يوما من تلك الأيام عندها كما كان يضعه ثم دخل مذهبه وأتاها الشيطان صاحب البحر وكان اسمه صخرا في صورة سليمان لا تنكر منه شيئا فقال خاتمي يا أمينة فناولته إياه فجعله في يده ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان وعكفت عليه الطير والجن والإنس وخرج سليمان فأتى الأمينة وقد غيرت حالته وهيأته عند كل من رآه فقال يا أمينة خاتمي فقالت ومن أنت قال أنا سليمان بن داود فقالت كذبت لست بسليمان بن داود وقد جاء سليمان فأخذ خاتمه وهو ذاك جالس على سريره في ملكه فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته فخرج فجعل يقف على الدار من دور بني إسرائيل فيقول أنا سليمان بن داود فيحثون عليه التراب ويسبونه ويقولون أنظروا إلى هذا المجنون أي شيء يقول يزعم أنه سليمان بن داود فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر إلى السوق فيعطونه كل يوم سمكتين فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة وشوى الأخرى فأكلها فمكث بذلك أربعين صباحا عدة ما عبد ذلك الوثن في داره فأنكر آصف بن برخيا وعظماء بني إسرائيل حكم عدو الله الشيطان في تلك الأربعين صباحا فقال آصف يا معشر بني إسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيت قالوا نعم قال أمهلوني حتى أدخل على نسائه فأسألهن هل أنكرن منه في خاصة أمره ما أنكرنا في عامة أمر الناس وعلانيته فدخل على نسائه قال ويحكن هل أنكرتن من أمر ابن داود ما أنكرنا فقلن أشده ما يدع امرأة منا في دمها ولا يغتسل من جنابة فقال إنا لله وإنا إليه راجعون إن هذا لهو البلاء المبين ثم خرج إلى بني إسرائيل فقال ما في الخاصة أعظم مما في العامة فلما مضى أربعون صباحا طار الشيطان عن مجلسه ثم مر بالبحر فقذف الخاتم فيه فبلعته سمكة وبصر بعض الصيادين فأخذها وقد عمل له سليمان صدر يومه ذلك حتى إذا كان العشي أعطاه سمكتيه فأعطى السمكة التي أخذت الخاتم ثم خرج سليمان بسمكتيه فبيع التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها فاستقبله خاتمه في جوفها فأخذه فجعله في يده ووقع ساجدا لله وعكف عليه الطير والجن وأقبل عليه الناس وعرف أن الذي دخل عليه لما كان أحدث في داره فرجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه وأمر الشياطين فقال ائتوني به فطلبته له الشياطين حتى أخذوه فأتى به فجاب له صخرة فأدخله (1/294) ________________________________________ فيها ثم سد عليه بأخرى ثم أوثقها بالحديد والرصاص ثم أمر به فقذف في البحر حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط عن السدي في قوله ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ( 1 ) قال الشيطان حين جلس على كرسيه أربعين يوما قال كان لسليمان مائة امرأة وكانت امرأة منهن يقال لها جرادة وهي آثر نسائه عنده وآمنهن عنده وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه ولا يأتمن عليه أحدا من الناس غيرها فجاءته يوما من الأيام فقالت له إن أخي بينه وبين فلان خصومة وأنا أحب أن تقضي له إذا جاءك فقال نعم ولم يفعل فابتلي فأعطاها خاتمه ودخل المحرج فخرج الشيطان في صورته فقال هاتي الخاتم فأعطته فجاء حتى جلس على مجلس سليمان وخرج سليمان بعد فسألها أن تعطيه خاتمه فقالت ألم تأخذه قبل قال لا وخرج من مكانه تائها قال ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوما قال فأنكر الناس أحكامه فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم وجاؤوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا إنا قد أنكرنا هذا فإن كان سليمان فقد ذهب عقله وأنكرنا أحكامه قال فبكى النساء عند ذلك قال فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا فقرأوا التوراة قال فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه في البحر فابتلعه حوت من حيتان البحر قال وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع وقد اشتد جوعه فاستطعمه من صيدهم وقال إني أنا سليمان فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشجه قال فجعل يغسل دمه وهو على شاطىء البحر فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه وقالوا بئس ما صنعت حيث ضربته قال إنه زعم أنه سليمان قال فأعطوه سمكين مما قد ضرب عندهم فلم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام على شط البحر فشق بطونهما وجعل يغسلهما فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه فلبسه فرد الله عليه بهاءه وملكه وجاءت الطير حتى حامت عليه فعرف القوم أنه سليمان فقام القوم يعتذرون مما صنعوا فقال ما أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم كان هذا الأمر لا بد منه قال فجاء حتى أتى ملكه فأرسل إلى الشيطان فجيء به وسخرت له الريح والشياطين يومئذ ولم تكن سخرت له قبل ذلك وهو قوله وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ( 2 ) وبعث إلى الشيطان فأتى به فأمر به فجعل في صندوق حديد ثم أطبق عليه وأقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أمر به فألقي في البحر فهو فيه حتى تقوم الساعة وكان اسمه حبقيق قال أبو جعفر ثم لبث سليمان بن داود في ملكه بعد أن رده الله إليه تعمل له الجن ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات وغير ذلك من أعماله ويعذب من الشياطين من شاء ويطلق من أحب منهم إطلاقه حتى إذا دنا أجله وأراد الله قبضه إليه كان من أمره فيما بلغني ما حدثني به أحمد بن منصور قال حدثنا موسى بن مسعود أبو حذيفة قال حدثنا إبراهيم بن طهمان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال كان سليمان نبي الله إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه (1/295) ________________________________________ فيقول لها ما اسمك فتقول كذا وكذا فيقول لأي شيء أنت فإن كانت لغرس غرست إن كانت لدواء كتبت فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها ما اسمك قالت الخروب قال لأي شيء أنت قالت لخراب هذا البيت فقال سليمان اللهم عم علي الجن موتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب فنحتها عصا فتوكأ عليها حولا ميتا والجن تعمل فأكلتها الأرضة فسقط فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين قال وكان ابن عباس يقرأها حولا في العذاب المهين قال فشكرت الجن الأرضة فكانت تأتيها بالماء حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط عن السدي في حديث ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قال كان سليمان يتجرد في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر يدخل طعامه وشرابه فأدخله في المرة التي مات فيها فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا نبتت في بيت المقدس شجرة فيأتيها فيسألها ما اسمك فتقول الشجرة اسمي كذا وكذا فيقول لها لأي شيء نبت فتقول نبت لكذا وكذا فيأمر بها فتقطع فإن كانت نبتت لغرس غرسها وإن كانت نبتت دواء قالت نبت دواء لكذا وكذا فيجعلها لذلك حتى نبتت شجرة يقال لها الخروبة فسألها ما اسمك قالت أنا الخروبة قال ولأي شيء نبت قالت نبت لخراب هذا المسجد قال سليمان ما كان الله ليخربه وأنا حي أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس فنزعها وغرسها في حائط له ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئا على عصاه فمات ولا تعلم به الشياطين وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج فيعاقبهم وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول ألست جليدا إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر فدخل شيطان من اولئك فمر ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان في المحراب إلا احترق ولم يسمع صوت سليمان ثم رجع فلم يسمع ثم رجع فلم يسمع ثم رجع فوقف في البيت فلم يحترق ونظر إلى سليمان قد سقط ميتا فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات ففتحوا عنه فأخرجوه ووجدوا منسأته وهي العصا بلسان الحبشة قد أكلتها الأرضة ولم يعلموا منذ كم مات فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها يوما وليلة ثم حسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة وهي في قراءة ابن مسعود فمكثوا يدينون له من بعد موته حولا كاملا فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبونهم ولو أنهم علموا الغيب لعلموا موت سليمان ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له وذاك قول الله عز و جل ما دلهم على موته إلا دابة الأرض إلى قوله في العذاب المهين يقول بين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم ثم إن الشياطين قالوا للأرضة لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب ولكنا سننقل إليك الماء والطين قال فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت قال ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب فهو ما يأتيها به الشياطين شكرا لها وكان جميع عمر سليمان بن داود فيما ذكر نيفا وخمسين سنة وفي سنة أربع من ملكه ابتدأ ببناء بيت المقدس فيما ذكر (1/296 |
رد: مكتبتي
ذكر من ملك إقليم بابل والمشرق من ملوك الفرس بعد كيقباذ
قال أبو جعفر ونرجع الآن إلى الخبر عمن ملك إقليم بابل والمشرق من ملوك الفرس بعد كيقباذ وملك بعد كيقباذ بن زاغ بن يوجياه كيقاوس بن كيبيه بن كيقباذ الملك فذكر أنه قال يوم ملك إن الله تعالى إنما خولنا الأرض وما فيها لنسعى فيها بطاعته وأنه قتل جماعة من عظماء البلاد التي حوله وحمى بلاده ورعيته ممن حواليهم من الأعداء أن يتناولوا منها شيئا وأنه كان يسكن بلخ وأنه ولد له ابن لم ير مثله في عصره في جماله وكماله وتمام خلقه فسماه سياوخش وضمه إلى رستم الشديد بن دستان بن بريمان بن جودنك بن كرشاسب بن أثرط بن سهم بن نريمان وكان إصبهذ سجستان وما يليه من قبله يربيه ويكفله وأوصاه به فأخذه منه رستم فمضى به معه إلى موضع عمله سجستان فرباه رستم ولم يزل في حجره يجمع له وهو طفل الحواضن والمرضعات ويتخيرهن له حتى إذا ترعرع جمع له المعلمين فتخير له منهم من اختاره لتعليمه حتى إذا قدر على الركوب علمه الفروسية حتى إذا تكاملت فيه فنون الآداب وفاق في الفروسية قدم به على والده رجلا كاملا فامتحنه والده كيقاوس فوجده نافذا في كل ما أراد بارعا فسر به وكان كيقاوس تزوج فيما ذكر ابنة فراسياب ملك الترك وقيل بل إنها بنت ملك اليمن وكان يقال له سوذابة وكانت ساحرة فهويت سياوخش ودعته إلى نفسها وأنه امتنع عليها وذكرت لها ولسياوخش قصة يطول بذكرها الكتاب غير أن آخر أمرهما صار في ذلك فيما ذكر لي أن سوذابه لم تزل لما رأت من امتناع سياوخش عليها فيما أرادت منه من الفاحشة بأبيه كيقاوس حتى أفسدته عليه وتغير لابنه سياوخش فسأل سياوخش رستم أن يسأل أباه كيقاوس توجيهه لحرب فراسياب لسبب منعه بعض ما كان ضمن له عند إنكاحه ابنته إياه وصلح جرى بينه وبينه مريدا بذلك سياوخش البعد عن والده كيقاوس والتنحي عما تكيد به عنده زوجته سوذابه ففعل ذلك رستم واستأذن له أباه فيما سأله وضم إليه جندا كثيفا فشخص إلى بلاد الترك للقاء فراسياب فلما صار إليه سياوخش جرى بينهما صلح وكتب بذلك سياوخش إلى أبيه يعلمه ما جرى بينه وبين فراسياب من الصلح فكتب إليه والده يأمره بمناهضة فراسياب ومناجزته الحرب إن هو لم يذعن له بالوفاء بما كان فارقه عليه فرأى سياوخش أن في فعله ما كتب به إليه أبوه من محاربة فراسياب بعد الذي جرى بينه وبينه من الصلح والهدنة من غير نقض فراسياب شيئا من أسباب ذلك عليه عارا ومنقصة ومأثما فامتنع من إنفاذ أمر أبيه في ذلك ورأى في نفسه أنه يؤتى في كل ذلك من زوجة أبيه التي دعته إلى نفسها فامتنع عليها ومال إلى الهرب من أبيه فراسل فراسياب في أخذ الأمان لنفسه منه (1/297) ________________________________________ واللحاق به وترك والده فأجابه فراسياب إلى ذلك وكان السفير بينهما في ذلك فيما قيل رجلا من الترك من عظمائهم يقال له فيران بن ويسغان فلما فعل ذلك سياوخش انصرف عنه من كان معه من جند أبيه كيقاوس فلما صار سياوخش إلى فراسياب بوأه وأكرمه وزوجه ابنة له يقال لها وسفافريد وهي أم كيخسرونة ثم لم يزل له مكرما حتى ظهر له أدب سياوخش وعقله وكماله وفروسيته ونجدته ما أشفق على ملكه منه فأفسده ذلك عنده وزاده فسادا عليه سعي ابنين له وأخ يقال له كندر بن فشنجان عليه بإفساد أمر سياوخش عنده حسدا منهم له وحذرا على ملكهم منه حتى مكنهم من قتله فذكر في سبب وصولهم إلى قتله أمر يطول بشرحه الخطب إلا أنهم قتلوه ومثلوا به وامرأته ابنة فراسياب حامل منه بابنه كيخسرونة فطلبوا الحيلة لإسقاطها ما في بطنها فلم يسقط وان فيران الذي سعى في عقد الصلح بين فراسياب وسياوخش لما صح عنده ما فعل فراسياب من قتله سياوخش أنكر ذلك من فعله وخوفه عاقبة الغدر وحذره الطلب بالثأر من والده كيقاوس ومن رستم وسأله دفع ابنته وسفافريد إليه لتكون عنده إلى أن تضع ما في بطنها ثم يقتله ففعل ذلك فراسياب فلما وضعت رق فيران لها وللمولود فترك قتله وستر أمره حتى بلغ المولود فوجه فيما ذكر كيقاوس إلى بلاد الترك بي بن جوذرز وأمره بالبحث عن المولود الذي ولدته زوجة ابنه سياوخش والتأتي لإخراجه إليه إذا وقف على خبره مع أمه وأن بيا شخص لذلك فلم يزل يفحص عن أمر ذلك المولود متنكرا حينا من الزمان فلا يعرف له خبر ولا يدله عليه أحد ثم وقف بعد ذلك على خبره فاحتال فيه وفي أمه حتى أخرجهما من أرض الترك إلى كيقاوس وقد كان كيقاوس فيما ذكر حين اتصل به قتل ابنه أشخص جماعة من رؤساء قواده منهم رستم بن دستان الشديد وطوس بن نوذران وكانا ذوي بأس ونجدة فأثخنا الترك قتلا وأسرا وحاربا فراسياب حربا شديدة وأن رست قتل بيده شهر وشهرة ابني فراسياب وأن طوسا قتل بيده كندر أخا فراسياب وذكر أن الشياطين كانت مسخرة لكيقاوس فزعم بعض أهل العلم بأخبار المتقدمين أن ال شياطين الذين كانوا سخروا له إنما كانوا يطيعونه عن أمر سليمان بن داود إياهم بطاعته وأن كيقاوس أمر الشياطين فنوا له مدينة سماها كنكدر ويقال قيقذون وكان طولها فيما زعموا ثمانمائة فرسخ وأمرهم فضربوا عليها سورا من صفر وسورا من شبه وسورا من نحاس وسورا من فخار وسورا من فضة وسورا من ذهب وكانت الشياطين تنقلها ما بين السماء والأرض وما فيها من الدواب والخزائن والأموال والناس وذكروا أن كيقاوس كان لا يحدث وهو يأكل ويشرب ثم إن الله تعالى بعث إلى المدينة التي بناها كذلك من يخربها فأمر كيقاوس شياطينه بمنع من قصد لتخريبها فلم يقدروا على ذلك فلما رأى كيقاوس الشياطين لا تطيق الدفع عنها عطف عليها فقتل رؤساءها وكان كيقاوس فيما أذكر مظفرا لا يناوئه أحد من الملوك إلا ظفر عليه وقهره ولم يزل ذلك أمره حتى حدثته نفسه لما كان أتى من العز والملك وأنه لا يتناول شيئا إلا وصل إليه بالصعود إلى السماء فحدثت عن هشام بن محمد أنه شخص من خراسان حتى نزل بابل وقال ما بقي شيء من الأرض إلا وقد ملكته ولا بد من أن أعرف أمر السماء والكواكب وما فوقها وأن الله أعطاه قوه ارتفع بها ومن معه في الهواء (1/298) ________________________________________ حتى انتهوا إلى السحاب ثم إن الله سلبهم تلك القوة فسقطوا فهلكوا وأفلت بنفسه وأحدث يومئذ وفسد عليه ملكه وتمزقت الأرض وكثرت الملوك في النواحي فصار يغزوهم ويغزونه فيظفر مرة وينكب أخرى قال فغزا بلاد اليمن والملك بها يومئذ ذو الأذعار بن أبرهة ذي المنار بن الرائش فلما ورد بلاد اليمن خرج عليه ذو الأذعار بن أبرهة وكان قد أصابه الفالج فلم يكن يغزو قبل ذلك بنفسه قال فلما أظله كيقاوس ووطىء بلاده في جموعه خرج بنفسه في جموع حمير وولد قحطان فظفر بكيقاوس فأسره واستباح عسكره وحبسه في بئر وأطبق عليه طبقا قال وخرج من سجستان رجل يقال له رستم كان جبارا قويا فيمن أطاعه من الناس قال فزعمت الفرس أنه دخل بلاد اليمن واستخرج قبوس من محبسه وهو كيقاوس قال وزعم أهل اليمن أنه لما بلغ ذا الأذعار إقبال رستم خرج في جنوده وعدده وخندق كل واحد منهما على عسكره وأنهما أشفقا على جنديهما من البوار وتخوفا إن تزحفا ألا تكون لهما بقية فاصطلحا علىدفع كيقاوس إلى رستم ووضع الحرب فانصرف رستم بكيقوس إلى بابل وكتب كيقاوس لرستم عتقا من عبودة الملك وأقطعه سجستان وزابلستان وأعطاه قلنسوة منسوجة بالذهب وتوجه وأمره أن يجلس على سرير من فضة قوائمه من ذهب فلم تزل تلك البلاد بيد رستم حتى هلك كيقاوس وبعد دهرا طويلا قال وكان ملكه مائة وخمسين سنة وزعم علماء الفرس أن أول من سود لباسه على وجه الحداد شادوس بن جودرز على سياوخش وأنه فعل ذلك يوم ورد على كيقاوس نعي ابنه سياوخش وقتل فراسياب إياه وعدره به وأنه دخل على كيقاوس وقد لبس السواد فأعلمه أنه فعل ذلك لأن يومه يوم إظلام وسواد وقد حقق ما ذكر ابن الكلبي من أسر صاحب اليمن قابوس الحسن بن هانىء في شعر له فقال ... وقاظ قابوس في سلاسلنا ... سنين سبعا وفت لحاسبها ... ثم ملك من بعد كيقاوس ابن ابنه كيخسرو بن سياوخش بن كيقاوس بن كيبيه بن كيقباذ وكان كيقاوس حين صار به وبأمه وسفافريد ابنة فراسياب وربما قيل وسففره بي بن جوذرز إليه من بلاد الترك ملكه فلما قام بالملك بعد جده كيقاوس وعقد التاج على رأسه خطب رعيته خطبة بلغة أعلمهم فيها أنه على الطلب بدم أبيه سياوخش قبل فراسياب التركي ثم كتب إلى جوذرز الأصبهبذ كان بأصبهان ونواحي خراسان يأمره بالمصير إليه فلما صار إليه أعلمه ما عزم عليه من الطلب بثأره من قتل والده وأمره بعرض جنده وانتخاب ثلاثين ألف رجل منهم وضمهم إلى طوس بن نوذران ليتوجه بهم إلى بلاد الترك ففعل ذلك جوذرز وضمهم إلى طوس وكان فيمن أشخص معه برزافره بن كيقاوس عم كيخسرو وبي بن جوذرز وجماعة كثيرة من إخوته وتقدم كيخسروا إلى طوس أن يكون قصده لفراسياب وطراخنته وألا يمر بناحية من بلاد الترك وكان فيها أخ له يقال له فروذ بن سياوخش من امرأة يقال لها برزا فريد كان سياوخش تزوجها في بعض مدائن الترك أيام سار إلى فراسياب ثم شخص عنها وهي حبلى فولدت فروذ فأقام بموضعه إلى أن شب فغلط طوس في أمر فروذ فيما قيل وذلك أنه لما صار بحذاء المدينة التي كان فيها فروذ هاج بينه وبينه حرب ببعض الأسباب فهلك فروذ فيها فلما اتصل خبره بكيخسرو كتب إلى برزافره عمه كتابا غليظا يعلمه فيه ما ورد عليه من خبر طوس بن نوذران ومحاربته فروذ أخاه وأمره بتوجيه طوس إليه مقيدا مغلولا (1/299) ________________________________________ وتقدم إليه في القيام بأمر العسكر والنفوذ به لوجهه فلما وصل الكتاب إلى برزافره جمع رؤساء الأجناد والمقاتلة فقرأه عليهم وأمر بغل طوس وتقييده ووجهه مع ثقات من رسله إلى كيخسرو وتولى أمر العسكر وعبر النهر المعروف بكاسبروذ وانتهى الخبر إلى فراسياب فوجه إلى برزافره جماعة من أخوته وطراخنته لمحاربته فالتقوا بموضع من بلاد الترك يقال له واشن وفيهم فيران بن ويسغان وإخوته طراسيف بن جوذرز صهر فراسياب وهما سف بن فشنجان وقاتلوا قتالا شديدا وظهر من برزافره في ذلك اليوم فشل لما رأى من شدة الأمر وكثرة القتلى حتى انحاز بالعلم إلى رؤوس الجبال واضطرب على ولد جوذرز أمرهم فقتل منهم في تلك الملحمة في وقعة واحدة سبعون رجلا وقتل من الفريقين بشر كثير وانصرف برزافره ومن كان معه إلى كيخسرو وبهم من الغم والمصيبة ما تمنوا معه الموت فكان خوفهم من سطوة كيخسروا أشد فلما دخلوا على كيخسروا أقبل على برزافره بلائمة شديدة وقال أتيتم في وجهكم لترككم وصيتي ومخالفة وصية الملوك تورد مورد السوء وتورث الندامة وبلغ ما أصيبوا به من كيخسروا حتى رئيت الكآبة في وجهه ولم يلتذ طعاما ولا نوما فلما مضت لموافاتهم أيام أرسل إلى جوذرز فلما دخل عليه أظهر التوجع له فشكا إليه جوذرز برزافره وأعلمه أنه كان ا لسبب للهزيمة بالعلم وخذلانه ولده فقال له كيخسرو إن حقك بخدمتك لآبائنا لازم لنا وهذه جنودنا وخزائننا مبذولة لك في مطالبة ترتك وأمره بالتهيؤ والاستعداد والتوجه إلى فراسياب والعمل في قتله وتخريب بلاده فلما سمع جوذرز مقالة كيخسرو نهض مبادرا فقبل يده وقال أيها الملك المظفر نحن رعيتك وعبيدك فإن كانت آفة أو نازلة فتكن بالعبيد دون ملوكها وأولادي المقتولون فداؤك ونحن من وراء الانتقام من فراسياب والاشتفاء من مملكة الترك فلا يغمن الملك ما كان ولا يدعن لهوه فإن الحرب دول وأعلمه أنه على النفوذ لأمره وخرج من عنده مسرورا فلما كان من الغد أمر كيخسرو أن يدخل عليه رؤساء أجناده والوجوه من أهل مملكته فلما دخلوا عليه أعلمهم ما عزم عليه من محاربة الأتراك وكتب إلى عماله في الآفاق يعلمهم ذلك ويأمر بموافاتهم في صحراء تعرف بشاه أسطون من كورة بلخ في وقت وقته لهم فتوافت رؤساء الأجناد في ذلك الموضع وشخص إليه كيخسرو بإصبهبذته وأصحابهم وفيهم برزافره عمه وأهل بيته وجوذرز وبقية ولده فلما تكاملت الملحمة واجتمعت المرازبة تولى كيخسرو بنفسه عرض الجند حتى عرف مبلغهم وفيهم أحوالهم ثم دعا بجوذرز بن جشوادغان وميلاذ بن جرجين وأغص بن بهذان وأغص ابن وصيفة كانت لسياوخش يقال لها شوماهان فأعلمهم أنه قد أراد إدخال العساكر على الترك من أربعة أوجه حتى يحيطوا بهم برا وبحرا وأنه قد قود على تلك العساكر وجعل أعظمها إلى جوذرز وصير مدخله من ناحية خراسان وجعل فيمن ضم إليه برزافره عمه وبي بن جوذرز وجماعة من الأصبهبذين كثيرة ودفع إليه يومئذ العلم الأكبر الذي كانوا يسمونه درفش كابيان وزعموا أن ذلك العلم لم يكن دفعه أحد من الملوك إلى أحد من القواد قبل ذلك وإنما كانوا يسيرونه مع أولاد الملوك إذا وجهوهم في الأمور العظام وأمر ميلاذ بالدخول مما يلي الصين وضم إليه جماعة كثيرة دون من ضم إلى جوذرز وأمر أغص بالدخول من ناحية الخزر في مثل من ضم إلى ميلاذ وضم إلى شومها إخوتها وبني عمها وتمام ثلاثين ألف رجل من الجند وأمرها بالدخول من طريق بين طريق جوذرز وميلاذ ويقال إن كيخسرو إنما غزا شومهان لخاصتها بسياوخش وكانت نذرت أن تطالب بدمه فمضى جميع هؤلاء لوجههم ودخل جوذرز بلاد الترك من ناحية خراسان وبدأ بفيران بن ويسغان فالتحمت بينهما حرب (1/300) ________________________________________ شديدة مذكورة وهي الحرب التي قتل فيها بيزن بن بي خمان بن ويسغان مبارزة وقتل جوذرز فيران أيضا ثم قصد جوذرز فراسياب وألحت عليه العساكر الثلاثة كل عسكر من الوجه الذي دخل منه واتبع القوم بعد ذلك كيخسرو بنفسه وجعل قصده للوجه الذي كان فيه جوذرز وصير مدخله منه فوافى عسكر جوذرز وقد أثخن في الترك وقتل فيران رئيس إصبهبذي فراسياب والمرشح للمك من بعده وجماعة كثيرة من أخوته مثل خمان وأوستهن وجلياد وسيامق وبهرام وفرشخاذ وفرخلاد ومن ولده مثل روين بن فيران وكان مقدما عند فراسياب وجماعة من إخوة فراسياب مثل رتداري وأندرمان وأسفخرم وأخست وأسر بروا بن فشنجان قاتل سياوخش ووجد جوذرز قد أحصى القتلى والأسرى وما غنم من الكراع والأموال فوجد مبلغ ما في يده من الأسرى ثلاثين ألفا ومن القتلى خمسمائة ألف ونيفا وستين ألف رجل ومن الكراع والورق والأموال ما لا يحصى كثرة وأمر كل واحد من الوجوه الذين كانوا معه أن يجعل أسيره أو قتيله من الأتراك عند علمه لينظر كيخسرو إلى ذلك عند موافاته فلما وافى كيخسرو العسكر وموضع الملحمة اصطفت له الرجال وتلقاه جوذرز وسائر الإصبهبذين فلما دخل العسكر جعل يمر بعلم علم فكان أول قتيل رآه جثة فيران عند علم جوذرز فلما نظر إليها وقف ثم قال أيها الجبل الصعب الذرا المنيع الأركان ألم أنهك عن هذه المحارية وعن نصب نفسك لنا دون فراسياب في هذه المطالبة ألم أبذل لك نفسي وأعرض عليك ملكي فلم تحسن الاختيار ألست ال صدوق اللسان الحافظ للإخوان الكاتم للأسرار ألم أعلمك مكر فراسياب وقلة وفائه فلم تفعل ما أمرتك بل مضيت في نومك حتى احتوشتك الليوث من مقاتلتنا وأبناء مملكتنا ما أغنى عنك فراسياب وقد فارقت الدنيا وأفنيت أل ويسغان فويل لحلمك وفهمك وويل لسخائك وصدقك إنا بك اليوم لموجعون ولم يزل كيخسرو يرثي فيران حتى صار إلى علم بي بن جوذرز فلما وقف عليه وجد بروا بن فشنجان حيا أسيرا في يدي بي فسأل عنه فأخبر أنه بروا قاتل سياوخش الماثل به عند قتله إياه فقرب منه كيخسرو ثم طأطأ رأسه بالسجود شكرا لربه ثم قال الحمد لله الذي أمكنني منك يا بروا أنت الذي قتلت سياوخش ومثلت به وأنت الذي سلبته زينته وتكلفت من بين الأتراك إبارته فغرست لنا بفعلك هذه الشجرة من العداوة وهجت بيننا هذه المحاربة وأشعلت في كلا الفريقين نارا موقدة أنت الذي جرى على يديك تبديل صورته وتوهين قوته أما تهيبت أيها التركي جماله ألا أبقيت عليه للنور الساطع على وجهه أين نجدتك وقوتك اليوم وأين أخوك الساحر عن نصرتك لست أقتلك لقتلك إياه بل لكلفتك وتوليك ما كان صلاحا لك ألا تتولاه وسأقتل من قتله ببغيه وجرمه ثم أمر أن تقطع أعضاؤه حيا ثم يذبح ففعل ذلك به بي ولم يزل كيخسرو يمر بعلم علم وأصبهبذ أصبهبذ فإذا صار إلى الواحد منهم قال له نحو ما ذكرنا ثم صار إلى مضاربه فلما استقر فيها دعا ببرزافره عمه فلما دخل عليه أجلسه عن يمينه وأظهر له السرور بقتله جلباذ بن ويسغان مبارزة ثم أجزل جائزته وملكه على كرمان ومكران ونواحيها ثم دعا بجوذرز فلما دخل عليه قال له أيها الأصبهبذ الرشيد والكهل الشفيق إنه مهما كان من هذا الفتح العظيم فمن ربنا عز و جل وعن غير حيلة منا ولا قوة ثم برعايتك حقنا وبذلك نفسك وأولادك لنا وذلك مذخور لك عندنا وقد حبوناك بالمرتبة التي يقال لها بزر جفر مذار وهي الوزارة وجعلنا لك أصبهان وجرجان وجبالهما فأحسن رعاية أهلها (1/301) ________________________________________ فشكر جوذرز ذلك وخرج من عنده بهجا مسرورا ثم أمر بالوجوه من أصبهبذته الذين كانوا مع جوذرز ممن حسن بلاؤه وتولى قتل طراخنة الأتراك ولد فشنجان وويسغان مثل جرجين بن ميلاذان وبي وشادوس ولخام وجدمير بن جوذرز وبيزن بن بي وبرازه بن بيفغان وفروذه بن فامدان وزنده بن شابريغان وبسطام بن كزدهمان وفرته بن تفارغان فدخلوا عليه رجلا رجلا فمنهم من ملكه على البدان ا لشريفة ومنهم من خصه بأعمال من أعمال حضرته ثم لم يلبث أن وردت عليه الكتب من ميلاذ وأغص وشومهان بإثخانهم في بلاد الترك وأنهم قد هزموا فراسياب عسكرا بعد عسكر فكتب إليهم أن يجدوا في محاربة القوم وأن يوافوه بموضع سماه لهم من بلاد الترك فزعموا أن العساكر الأربعة لما أحاطت بفراسياب وأتاه من قتل من قتل وأسر من أسر وخراب ما خرب ماأتاه ضاقت عليه المذاهب ولم يبق معه من ولده إلا شيده وكان ساحرا فوجهه نحو كيخسرو بالعدة والعتاد فلما وافى كيخسرو أعلم أن أباه إنما وجهه للاحتيال عليه فجمع أصبهبذته وتقدم إليهم في الاحتراس من غيلته وقيل إن كيخسرو أشفق يومئذ من شيده وهابه وظن ألا طاقة له به وأن القتال اتصل بينهما أربعة أيام وإن رجلا من خاصة كيخسرو يقال له جرد بن جرهمان عبى يومئذ أصحاب كيخسرو فأحسن تعبيتهم فكثرت القتلى بينهم واستماتت رجال خنيارث وجدت وأيقن شيده إلا طاقة له بهم فانهزم واتبعه كيخسرو بمن معه ولحقه جرد فضربه على هامته بالعمود ضربة خر منها ميتا ووقف كيخسرو على جيفته فعاين منها سماجة شنعة وغنم كيخسرو ما كان من عسكرهم وبلغ الخبر فراسياب فأقبل بجميع طراخنته فلما التقى وكيخسرو ونشبت بيينهما حرب شديدة لا يقال إن مثلها كان على وجه الأرض قبلها فاختلط رجال خنيارث برجال الترك وامتد الأمر بينهم حتى لم تقع العين يومئذ إلا على الدماء والأسر من جوذرز ولده وجرجين وجرد وبسطام ونظر فراسياب وهم يحمون كيخسرو كأنهم أسود ضارية فانهزم موليا على وجهه هاربا فأحصيت القتلى فيما ذكر يومئذ فبلغت عدتهم مائة ألف وجد كيخسرو وأصحابه في طلب فراسياب وقد تجرد للهرب فلم يزل يهرب من بلد إلى بلد حتى أتى أذربيجان فاستتر في غدير هناك يعرف ببئر خاسف ثم طفر به فلما أتى كيخسرو استوثق منه بالحديد ثم أقام للاستراحة بموضعه ثلاثة أيام ثم دعاه فسأله عن عذره في أمر سياوخش فلم يكن له عذر ولا حجة فأمر بقتله فقام إليه بي بن جوذرز فذبحه كما ذبح سياوخش ثم أتى كيخسرو بدمه فغمس فيه يده وقال هذا بترة سياوخش وظلمكم إياه واعتداءكم عليه ثم انصرف من أذربيجان ظافرا غانما بهجا وذكر أن عدة من أولاد كيبيه جد كيخسرو الأكبر وأولادهم كانوا مع كيخسرو في حرب الترك وأن ممن كان معه كي أرش بن كيبيه وكان مملكا على خوزستان وما يليها من بابل وكي به أرش وكان مملكا على كرمان ونواحيها وكي أوجي بن كيمنوش بن كيفاشين بن كيبيه وكان مملكا على فارس وكي أوجي هذا هو أبوكي لهراسف الملك ويقال إن أخا لفراسياب كان يقال له كي شراسف صار إلى بلاد الترك بعد قتل كيخسرو أخاه فاستولى على ملكها وكان له ابن يقال له خرزاسف فملك البلاد بعد أبيه وكان جبارا عاتيا وهو ابن أخي فراسياب ملك الترك الذي كان حارب منوشهر وجوذرز هو ابن جشواغان بن يسحره بن قرحين بن حبر بن رسود بن أورب بن تاج بن رشيك بن أرس بن وندح بن رعر بن نودراحاه بن مسواغ بن نوذر بن منوشهر (1/302) ________________________________________ فلما فرغ كيخسرو من المطالبة بوتره واستقر في مملكته زهد في الملك وتنسك وأعلم الوجوه من اهله وأهل مملكته أنه على التخلي من الأمر فاشتد لذلك جزعهم وعظمت له وحشتهم واستغاثوا إليه وطلبوا وتضرعوا وراودوه على المقام بتدبير ملكهم فلم يجدوا عنده في ذلك شيئا فلما يئسوا قالوا بأجمعهم فإذا قمت على ما أنت عليه فسم للملك رجلا نقلده إياه وكان لهراسف حاضرا فأشار بيده إليه وأعلمهم أنه خاصته ووصيه فأقبل الناس إلى لهراسف وذلك بعد قبوله الوصية وفقد كيخسرو فبعض يقول إنه غاب للنسك فلا يدرى أين مات ولا كيف كانت ميتته وبعض يقول غير ذلك وتقلد لهراسف الملك بعده على الرسم الذي رسم له وولد كيخسرو جاماس وأسبهر ورمى ورمين وكان ملك كيخسرو ستين سنة (1/303) |
رد: مكتبتي
أمر إسرائيل بعد سليمان بن داود عليهما السلام
رجع الحديث إلى الخبر عن أمر بني إسرائيل بعد سليمان بن داود عليهما السلام ثم ملك بعد سليمان بن داود على جميع بني إسرائيل ابنه رحبعم بن سليمان وكان ملكه فيما قيل سبع عشرة سنة ثم افترقت ممالك بني إسرائيل فيما ذكر بعد رحبعم فكان أبيا بن رحبعم ملك سبط يهوذا وبنيامين دون سائر الأسباط وذلك أن سائر الأسباط ملكوا عليهم يوربعم بن نابط عبد سليمان لسبب القربان الذي كانت زوجة سليمان قربته في داره وكانت قربت فيها جرادة لصنم فتوعده الله بإزالة بعض الملك عن ولده فكان ملك رحبعم إلىأن توفي فيما ذكر ثلاث سنين ثم ملك أسا بن أبيا أمر السبطين اللذين كان أبوه يملك أمرهما وهما سبط يهوذا وسبط بنيامين إلى ان توفي إحدى وأربعين سنة (1/304 |
رد: مكتبتي
ذكر خبر أسا بن أبيا وزرح الهندي
حدثني محمد بن سهل بن عسكر قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول إن ملكا من ملوك إسرائيل يقال له أسا بن أبيا كان رجلا صالحا وكان أعرج وكان ملك من ملوك الهند يقال له زرح وكان ملكا جبارا فاسقا يدعو الناس إلى عبادته وكان أبيا عابد أصنام له صنمان يعبدهما من دون الله ويدعو الناس إلى عبادتهما حتى أضل عامة بني إسرائيل وكان يعبد الأصنام حتى توفي ثم ملك ابنه أسا من بعده فلما ملكهم بعث فيهم مناديا ينادي ألا إن الكفر قد مات وأهله وعاش الإيمان وأهله وانتكست الأصنام وعبادتها وظهرت طاعة الله وأعمالها فليس كافر من بني إسرائيل يطلع رأسه بعد اليوم بكفر في ولايتي ودهري إلا أني قاتله فإن الطوفان لم يغرق الدنيا وأهلها ولم يخسف بالقرى ولم تمطر الحجارة والنار من السماء إلا بترك طاعة الله وإظهار معصيته فمن أجل ذلك ينبغي لنا ألا نقر لله معصية يعمل بها ولا نترك طاعة لله إلا أظهرناها جهدنا حتى نطهر الأرض من نجسها وننقيها من دنسها ونجاهد من خالفنا في ذلك بالحرب والنفي من بلادنا فلما سمع ذلك قومه ضجوا وكرهوا فأتوا أم أسا الملك فشكوا إليها فعل ابنها بهم وبآلهتهم ودعاءه إياهم إلى مفارقة دينهم والدخول في عبادة ربهم فتحملت لهم أمه أن تكلمه وتصرفه إلى عبادة اصنام والده فبينا الملك قاعد وعنده أشراف قومه ورؤوسهم وذوو طاعتهم إذ أقبلت الملك فقام لها الملك من مجلسه وأمرها أن تجلس فيه معرفة بحقها وتوقيرا لها فأبت عليه وقالت لست ابني إن لم تجبني إلى ما أدعوك إليه وتضع طاعتك في يدي حتى تفعل ما آمرك به وتجيبني إلى أمر إن أطعتني فيه رشدت وأخذت بحظك وإن عصيتني فحظك بخست ونفسك ظلمت إنه بلغني يا بني أنك بدأت قومك بالعظيم دعوتهم إلى مخالفة دينهم والكفر بآلهتهم والتحول عما كان عليه آباؤهم وأحدثت فيهم سنة وأظهرت فيهم بدعة أردت بذلك فيما زعمت تعظيما لوقارك ومعرفة بمكانك وتشديدا لسلطانك وفي التقصير يا بني دخلت وبالشين أخذت ودعوت جميع الناس إلى حربك وانتدبت لقتالهم وحدك أردت بذلك أن تعيد الأحرار لك عبيدا والضعيف لك شديدا سفهت بذلك رأي العلماء وخالفت الحكماء واتبعت رأي السفهاء ولعمري ما حملك على ذلك يا بني إلا كثرة طيشك وحداثة سنك وقلة علمك فإن أنت رددت علي كلامي ولم تعرف حقي فلست من نسل والدك ولا ينبغي الملك لمثلك يا بني بأي شيء تدل على قومك لعلك أوتيت من الحروف مثل ما أتى موسى إلى فرعون أن غرقه وأنجى قومه من الظلمة أو لعلك أوتيت من القوة ما أوتي (1/305) ________________________________________ داود أن قتل الأسد لقومه ولحق الذئب فشق شدقه وقتل جالوت الجبار وحده أو لعلك أوتيت من الملك والحكمة أفضل مما أوتي سليمان بن داود رأس الحكماء إذ صارت حكمته مثلا للباقين بعده يا بني إنه ما يأتك من حسنة فأنا أحظى الناس بها وإن تكن الأخرى فأنا أشقاهم بشقوتك فلما سمعها الملك اشتد غضبه وضاق صدره فقال لها يا أمه إنه لا ينبغي أن آكل على مائدة واحدة مع حبيبي وعدوي كذلك لا ينبغي أن أعبد غير ربي هلمي إلى أمر إن أطعتني فيه رشدت وإن تركته غويت أن تعبدي الله وتكفري بكل آلهة دونه فإنه ليس أحد يرد هذا علي إلا هو لله عدو وأنا ناصره لأني عبده قالت له ما كنت لأفارق أصنامي ولا دين آبائي وقومي وقومي ولا أترك ذلك لقولك ولا أعبد الرب الذي تدعوني إليه فقال لها الملك حينئذ يا أمه إن قولك هذا قد قطع فيما بيني وبينك رحمي وأمر بها الملك عند ذلك فأخرجوها وغربوها ثم أوصى إلى صاحب شرطته وبابه أن يقتلها إن هي ألمت بمكانه فلما سمع ذلك منه الأسباط الذين كانوا حوله وقعت في قلوبهم المهابة فأذعنوا له بالطاعة وانقطعت فيما بينهم وبينه كل حيلة وقالوا قد فعل هذا بأمه فأين نقع نحن منه إذا خالفنا في أمره ولم نجبه إلى دينه فاحتالوا له كل حيلة فحفظه الله وأباد مكرهم فلما لم يكن لهم عن ذلك صبر ولا على فراق دينهم قوام ائتمروا بأن يهربوا من بلاده ويسكنوا بلادا غيرها فخرجوا متوجهين إلى زرح ملك الهند يطلبون أن يستحملوه على أسا ومن اتبعه فلما دخلوا على زرح سجدوا له فقال لهم من أنتم قالوا نحن عبيدك قال وأي عبيدي أنتم قالوا نحن من أرضك أرض الشام وأنا كنا نعتز بملكك حتى ظهر فينا ملك صبي حديث السن سفيه فغير ديننا وسفه رأينا وكفر آباءنا وهان عليه سخطنا فأتيناك لنعلمك ذلك فتكون أنت أولى بملكنا ونحن رؤوسهم وهي أرض كثير مالها ضعيف أهلها طيبة معيشتها كثيرة أنضارها وفيهم الكنوز وملك ثلاثين ملكا وهم الذين كان يوشع بن نون خليفة موسى سار بهم في البحر هو وقومه فنحن وأرضنا لك وبلادنا بلادك وليس أحد فيها يناصبك هم دافعون أيديهم إليك بغير قتال بأموالهم وأنفسهم مسالمة قال لهم زرح لعمري ما كنت لأجيبكم إلى ما دعوتموني إليه ولا أستجيب إلى مقاتلة قوم لعلهم أطوع لي منكم حتى أبعث إليهم من قومي أمناء فإن وقع الأمر على ما تكلمتم به قدامي نفعكم ذلك عندي وجعلتكم عليها ملوكا وإن كان كلامكم كذبا فإني منزل بكم العقوبة التي تنبغي لمن كذبني قال القوم تكلمت بالعدل وحكمت بالقسط ونحن به راضون فأمر عند ذلك بالأرزاق فأجريت عليهم واختار من قومه أمناء ليبعثهم جواسيس فأوصاهم بوصيته وخوفهم وحذرهم بطشه إن هم كذبوه ووعدهم المعروف إن هم صدقوه وقال زرح إني مرسلكم لأمانتكم وشحكم على دينكم وحسن رأيكم في قومكم لتطالعوا لي أرضا من أرضي وتبحثوا لي عن شأنها وتعلموني علم أهلها وملكها وجنودها وعددها وعدد مياهها وفجاجها وطرقها ومداخلها ومخارجها وسهولتها وصعوبتها حتى كأني شاهد ذلك وعالمه (1/306) ________________________________________ وحاضر ذلك وخابره وخذوا معكم من الخزائن من الياقوت والمرجان والكسوة ما يفرغون إليه إذا رأوه ويشترون منكم إذا نظروا إليه فأمكنهم من خزائنه حتى أخذوا منها فجهزهم لبرهم وبحرهم ووصف لهم القوم الذين أتوهم الطرق ودلوهم على مقاصدها فساروا كالتجار حتى نزلوا ساحل البحر ثم ركبوا منه حتى أرسوا على ساحل إيلياء ثم ساروا حتى دخلوها فخلفوا أثقالهم فيها وأظهروا أمتعتهم وبضاعتهم ودعوا الناس إلى أن يشتروا منهم فلم يفرغوا لبضاعتهم وكسدت تجارتهم فجعلوا يعطون بالشيء القليل الشيء الكثير لكيلا يخرجوهم من قريتهم حتى يعلموا أخبارهم ويحقوا شأنهم ويستخرجوا ما أمرهم به ملكهم من أخبارهم وكان أسا الملك قد تقدم إلى نساء بني إسرائيل ألا يقدر على امرأة لا زوج لها بهيئة امرأة لها زوج إلا قتلها أو نفاها من بلاده إلى جزائر البحار فإن إبليس لم يدخل على أهل الدين في دينهم بمكيدة هي أشد من النساء فكانت المرأة التي لا زوج لها لا تخرج إلا منتقبة في رثة الثياب لئلا تعرف فلما بذل هؤلاء الأمناء بضاعتهم ما ثمنه مائة درهم بدرهم جعل نساء بني إسرائيل يشرين خفية بالليل سرا لا يعلم بهن أحد من أهل دينهن حتى أنفقوا بضاعتهم واشتروا بها حاجتهم واستوعبوا خبر مدينتهم وحصونهم وعدد مياههم وكانوا قد كتموا رؤوس بضاعتهم ومحاسنها من اللؤلؤ والمرجان والياقوت هدية للملك وجعل الأمناء يسألون من رأوا من أهل القرية عن خبر الملك وشأنه إذ لم يشتر منهم شيئا وقالوا ما شأن الملك لا يشتري منا شيئا إن كان غنيا فإن عندنا من طرائف البضاعات فنعطيه ما شاء مما لم يدخل مثله في خزائنه وإن كان محتاجا فما يمنعه أن يشهدنا فنعطيه ما شاء بغير ثمن قال لهم من حضرهم من أهل القرية إن له من الغنى والخزائن وفنون المتاع ما لم يقدر على مثله إنه استفرغ الخزائن التي كان موسى سار بها من مصر والحلي الذي كان بنو إسرائيل أخذوا وما جمع يوشع بن نون خليفة موسى وما جمع سليمان رأس الحكماء والملوك من الغنى الكثير والآنية التي لا يقدر على مثلها قال الأمناء فما قتاله وبأي شيء عظمته وما جنوده أرأيتم لو أن ملكا انحرف عليه ففتق ملكه ما كان إذا قتاله إياه وما عدته وعدد جنوده أم بأي الخيل والفرسان غلبته أم من أجل كثرة جمعه وخزائنه وقعت في قلوب الرجال هيبته فأجابهم القوم وقالوا إن أسا الملك قليلة عدته ضعيفة قوته غير أن له صديقا لو دعاه واستعان به على أن يزيل الجبال أزالها فإذا كان معه صديقه فليس شيء من الخلق يطيقه قال لهم الأمناء ومن صديق أسا وكم عدد جنوده وكيف مواجهته وقتاله وكم عدد عساكره ومراكبه وأين قراره ومسكنه فأجابهم القوم أما مسكنه ففوق السموات العلا مستو على عرشه لا يحصى عدد جنوده وكل شيء من الخلق له عبد لو أمر البحر لطم على البر ولو أمر الأنهار لغارت في عنصرها لا يرى ولا يعرف قراره وهو صديق أسا وناصره (1/307) ________________________________________ فجعل الأمناء يكتبون كل شيء أخبروا به من أمر أسا وقضية أمره فدخل بعض هؤلاء الأمناء عليه فقالوا يأيها الملك إن معنا هدية نريد أن نهديها لك من طرائف بلادنا أو تشتري منا فنرخصه عليك قال لهم ائتوني بذلك حتى أنظر إليه فلما أتوه به قال لهم هل يبقى هذا لأهله ويبقون له قالوا بل يفنى هذا ويفنى أهله قال لهم أسا لا حاجة لي فيه إنما طلبتي ما تبقى بهجته لأهله لا تزول ولا يزولون عنه فخرجوا من عنده ورد عليهم هديتهم فساروا من بيت المقدس متوجهين إلى زرح الهندي ملكهم فلما أتوه نشروا له كتاب خبرهم وأنبئوه بما انتهى إليهم من أمر ملكهم وأخبروه بصديق أسا فلما سمع زرح كلامهم استحلفهم بعزته وبالشمس والقمر اللذين يعبدونهما ولهما يصلون ألا يكتموه من خبر ما رأوا في بني إسرائيل شيئا فصدقوه فلم افرغوا من خبرهم وخبر أسا ملكهم وصديقه قال لهم زرح إن بني إسرائيل لما علموا أنكم جواسيس وأنكم قد اطلعتم على عوراتهم ذكروا لكم صديق أسا وهم كاذبون أرادوا بذلك ترهيبكم إن صديق أسا لا يطيق أن يأتي بأكثر من جندي ولا بأكمل من عدتي ولا بأقسى قلوبا ولا أجرأ على القتال من قومي إن لقيني بألف لقيته بأكثر من ذلك ثم عمد زرح عند ذلك فكتب إلى كل من في طاعته أن يجهزوا من كل مخلاف جندا بعدتهم حتى استمد يأجوج ومأجوج والترك وفارس مع من سواهم من الأمم ممن جرت عليه لزرح طاعة كتب من زرح الجبار الهندي ملك الأرضين إلى من بلغته كتبي أما بعد فإن لي أرضا قد دنا حصادها وأينع ثمرها وأردت أن تبعثوا إلي بعمال أغنمهم ما حصدوا منها وهم قوم قصوا عني وغلبوا على أطراف من أرضي وقهروا من تحت أيديهم من رقيقي وقد منحتهم من نهض إليهم معي فإن قصرت بكم قوة فعندي قوتكم فإنه لا تتعطل خزائني فاجتمعوا إليه من كل ناحية وأمدوه بالخيل والفرسان والرجالة والعدة فلما اجتمعوا عنده أمكنهم من السلام والجهاز من خزائنه ثم أمر بإحصاء عددهم وتعبيتهم فبلغ عددهم ألف ألف ومائة ألف سوى أهل بلادهم وأمر بمائة مركب فقرن له البغال كل أربعة أبغل جميعا عليها سرير وقبة وفي كل قبة منها جارية ومع كل مركب عشرة من الخدم وخمسة أفيال من فيلته فبلغ في كل عسكر من عساكره مائة ألف وجعل خاصته الذين يركبون معه مائة من رؤوسهم وجعل في كل عسكر عرفاء وخطبهم وحرضهم على القتال فلما نظر إليهم سار فيهم تعزز وتعظم شأنه في قلوب من حضره ثم قال زرح أين صديق أسا هل يستطيع أن يعصمه مني أو من يطيق غلبتي فلو أن أسا وصديقه ينظران إلي وإلى جندي ما اجترآ على قتالي لأن عندي بكل واحد من جنده ألفا من جنودي ليدخلن أسا أرضي أسيرا ولأقدمن بقومه سبيا في جنودي فجعل زرح ينتقص أسا ويقول فيه مالا ينبغي فبلغ أسا صنيع زرح وجمعه عليه فدعا ربه فقال اللهم أنت الذي بقوتك خلقت السموات والأرض ومن فيهن حتى صار جميع ذلك في قبضتك أنت ذو الأناة الرفيقة والغضب الشديد أسألك ألا تذكرنا بخطايانا فيما بيننا وبينك ولا تعمدنا ولا تجزينا على معصيتك ولكن تذكرنا برحمتك التي جعلتها للخلائق فانظر إلى ضعفنا وقوة عدونا وانظر إلى قلتنا وكثرة عدونا وانظر إلى ما (1/308) ________________________________________ نحن فيه من الضيق والغم وانظر إلى ما فيه عدونا من الفرح والراحة فغرق زرحا وجنوده في اليم بالقدرة التي غرقت بها فرعون وجنوده وأنجيت موسى وقومه وأسألك أن تحل على زرح وقومه عذابك بغتة فأري أسا في المنام والله أعلم أني قد سمعت كلامك ووصل إلي جؤارك وأني على عرشي وأني إن غرقت زرحا الهندي وقومه لم يعلم بنو إسرائيل ولا من كان بحضرتهم كيف صنعت بهم ولكن سأظهر في زرح وقومه لك ولمن اتبعك قدرة من قدرتي حتى أكفيك مؤنتهم وأهب لك غنيمتهم وأضع في أيديكم عساكرهم حتى يعلم أعداؤك أن صديق أسا لا يطاق وليه ولا يهزم جنده ولا يخيب مطيعه فأنا أتمهل له حتى يفرغ من حاجته ثم أسوقه إليك عبدا وعساكره لك ولقومك خولا فسار زرح ومن معه حتى حلوا على ساحل ترشيش فلم يكن إلا محلة يوم حتى دفنوا أنهارها ومحوا مروجها حتى كان الطير ينقصف عليهم والوحش لا تستطيع الهرب منهم فساروا حتى كانوا على مرحلتين من إيلياء ففرق زرح عساكره منها إلى إيلياء وامتلأت منهم تلك الأرض جبالها وسهولها وامتلأت قلوب أهل الشام منهم رعبا وعاينوا هلكتهم فسمع بهم أسا الملك فبعث إليهم طليعة من قومه وأمرهم أن يخبروه بعددهم وهيئتهم فسار القوم الذي بعثهم أسا حتى نظروا إليهم من رأس تل ثم رجعوا إلى أسا فأخبروه أنه لم تر عيون بني آدم ولا سمعت آذانهم مثلهم ومثل أفيالهم وخيولهم وفرسانهم وما ظننا أن في الناس مثلهم كثرة وعدة فلت من إحصائهم عقولنا وقلت من قتاله حيلتنا وانقطع فيما بيننا وبينهم رجاؤنا فسمع بذلك أهل القرية فشقوا ثيابهم وذروا التراب على رؤوسهم وعجوا بالعويل في أزقتهم وأسواقهم وجعل بعضهم يودع بعضا ثم ساروا حتى أتوا الملك فقالوا نحن خارجون بأجمعنا إلى هؤلاء القوم فدافعون إليهم أيدينا لعلهم أن يرحمونا فيقرونا في بلادنا قال لهم أسا الملك معاذ الله أن نلقي بأيدينا في أيدي الكفرة وأن نخلي بيت الله وكتابه للفجرة قالوا فاحتل لنا حيلة واطلب إلى صديقك وربك الذي كنت تعدنا بنصره وتدعونا إلى الإيمان به فإن هو كشف عنا هذا البلاء وإلا وضعنا أيدينا في أيدي عدونا لعلنا نتخلص بذلك من القتل قال لهم أسا إن ربي لا يطاق إلا بالتضرع والتبتل والاستكانة قالوا فأبرز له لعله أن يجيبك فيرحم ضعفنا فإن الصديق لا يسلم صديقه على مثل هذا فدخل أسا المصلى ووضع تاجه من رأسه وخلى ثيابه ولبس المسوح وافترش الرماد ثم مد يده يدعو ربه بقلب حزين وتضرع كثير ودموع سجال وهو يقول اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط أنت المستخفي من خلقك حيث شئت لا يدرك قرارك ولا يطاق كنه عظمتك أنت اليقظان الذي لا تنام والجديد الذي لا تبليك الليالي والأيام أسألك بالمسألة التي سألك بها إبراهيم خليلك فأطفأت بها عنه النار وألحقته بها بالأبرار وبالدعاء الذي دعاك به نجيك موسى فأنجيت بني إسرائيل من الظلمة وأعتقتهم به من العبودية وسيرتهم في البر والبحر وغرقت فرعون ومن اتبعه وبالتضرع الذي تضرع لك عبدك داود فرفعته ووهبت له من بعد الضعف القوة ونصرته على جالوت الجبار وهزمته وبالمسألة التي سألك بها سليمان نبيك فمنحته الحكمة ووهبت له الرفعة وملكته على كل دابة أنت محيي الموتى ومفني الدنيا وتبقى وحدك (1/309) ________________________________________ خالدا لا تفنى وجديدا لا تبلى أسألك يا إلهي أن ترحمني بإجابة دعوتي فإني أعرج مسكين من أضعف عبادك وأقهلم حيلة وقد حل بنا كرب عظيم وحزب شديد لا يطيق كشفه غيرك ولا حول ولا قوة لنا إلا بك فارحم ضعفنا بما شئت فإنك ترحم من تشاء بما تشاء وجعل علماء بني إسرائيل يدعون الله خارجا وهم يقولون اللهم أجب اليوم عبدك فإنه قد اعتصم بك وحدك ولا تخل بينه وبين عدوك واذكر حبه إياك وفراقه أمه وجميع الخلائق إلا من أطاعك فألقى الله على أسا النوم وهو في مصلاه ساجدا ثم أتاه من الله آت والله أعلم فقال يا أسا إن الحبيب لا يسلم حبيبه وإن الله عز و جل يقول إني قد ألقيت عليك محبتي ووجب لك نصري فأنا الذي أكفيك عدوك فإنه لا يهون من توكل علي ولا يضعف من تقوى بي كنت تذكرني في الرخاء وأسلمك عند الشدائد وكنت تدعوني آمنا وأنا أسلمك خائفا إن الله القوي يقول أنا أقسم أن لو كايدتك السموات والأرض بمن فيهن لجعلت لك من جميع ذلك مخرجا فأنا الذي أبعث طرفا من زبانيتي يقتلون أعدائي فإني معك ولن يخلص إليك ولا إلى من معك أحد فخرج أسا من مصلاه وهو يحمد الله مسفرا وجهه فأخبرهم بما قيل له فأما المؤمنون فصدقوه وأما المنافقون فكذبوه وقال بعضهم لبعض إن أسا دخل أعرج وخرج أعرج ولو كان صادقا أن الله قد أجابه إذا لأصلح رجله ولكن يغرنا ويمنينا حتى تقع الحرب فينا فيهلكنا فبينا الملك يخبرهم عن صنع الله بهم إذ قدم رسل من زرح فدخلوا إيلياء ومعهم كتب من زرح إلى أسا فيها شتم له ولقومه وتكذيب بالله وكتب فيها أن ادع صديقك الذي أضللت به قومك فليبارزني بجنوده وليظهر لي مع ما أني أعلم أنه لن يطيقني هو ولا غيره لأني أنا زرح الهندي الملك فلما قرأ أسا الكتب التي قدم بها عليه هملت عيناه بالبكاء ثم دخل مصلاه ونشر تلك الكتب بين يدي الله ثم قال اللهم ليس لي شيء من الأشياء أحب غلي من لقائك غير أني أتخوف أن يطفأ هذا النور الذي أظهرته في أيامي هذه وقد حضرت هذه الصحائف وعلمت ما فيها ولو كنت المراد بها كان ذلك يسيرا غير أن عبدك زرحا يكايدك ويتناول فخر بغير فخر وتكلم بغير صدق وأنت حاضر ذلك وشاهده فأوحى الله إلى أسا والله أعلم أنه لا تبديل لكلماتي ولا خلف لموعدي ولا تحويل لأمري فأخرج من مصلاك ثم مر خيلك أن تجتمع ثم اخرج بهم وبمن اتبعك حتى تقفوا على نشز من الأرض فخرج أسا فأخبرهم بما قيل له فخرج اثنا عشر رجلا من رؤسائهم مع كل رجل منهم رهط من قومه فلما أن خرجوا ودعوا أهاليهم بألا يرجعوا إلى الدنيا فوقفوا لزرح على رابية من الأرض فأبصروا منها زرحا وقومه فلما أبصرهم زرح نفض رأسه ليسخر منهم وقال إنما نهضت من بلادي وأنفقت أموالي لمثل هؤلاء ودعا عند ذلك بالنفر الذين كانوا نعتوا عنده أسا وقومه فقال كذبتموني وزعمتم أن قومكم كثير عددهم فأمر بهم وبالأمناء الذين كان بعثهم ليخبروه خبرهم فقتلوا جميعا وأسا في ذلك كثير تضرعه معتصم بربه فقال زرح ما أدري ما أفعل بهؤلاء القوم وما أدري ما قدر قلتهم في كثرتنا إني لأستقلهم عن المحاربة وأرى ألا أقاتلهم (1/310) ________________________________________ فأرسل زرح إلى أسا فقال له أين صديقك الذي كنت تعدنا به وتزعم أنه يخلصك مما يحل بكم من سطواتي أفتضعون أيديكم في يدي فأمضي فيكم حكمي أو تلتمسون قتالي فأجابه أسا فقال يا شقي إنك لست تعلم ما تقول ولست تدري أتريد أن تغالب ربك بضعفك أم تريد أن تكاثره بقلتك هو أعز شيء وأعظمه وأغلب شيء وأقهره وعباده أذل وأضعف عنده من أن ينظروا إليه معاينة هو معي في موقفي هذا ولم يغلب أحد كان الله معه فاجتهد يا شقي بجهدك حتى تعلم ماذا يحل بك فلما اصطف قوم زرح وأخذوا مراتبهم أمر زرح الرماة من قومه أن يرموهم بنشابهم فبعث الله ملائكة من كل سماء والله أعلم عونا لأسا وقومه ومادة له فوقفهم أسا في مواقفهم فلما رموا نشابهم حال المشركون بين ضوء الشمس وبين الأرض كأنها سحابة طلعت فنحتها الملائكة عن أسا وقومه ثم رمت بها الملائكة قوم زرح فأصابت كل رجل منهم نشابته التي رمى بها فقتل رماتهم بها كلها وأسا وقومه في كل ذلك يحمدون الله كثيرا ويعجون إليه بالتسبيح وتراءت الملائكة لهم والله أعلم فلما رآهم الشقي زرح وقع الرعب في قلبه وسقط في يده وقال إن أسا لعظيم كيده ماض سحره وكذلك بنو إسرائيل حيث كانوا لا يغلب سحرهم ساحر ولا يطيق مكرهم عالم وإنما تعلموه من مصر وبه ساروا في البحر ثم نادى الهندي في قومه أن سلوا سيوفكم ثم احملوا عليهم حملة واحدة فدقوهم فسلوا سيوفهم ثم حملوا على الملائكة فقتلتهم الملائكة فلم يبق منهم غير زرح ونسائه ورقيقه فلما رأى ذلك زرح ولى مدبرا فارا هو ومن معه وهو يقول إن اسا ظهر علانية وأهلكني صديقه سرا وإني كنت أنظر إلى أسا ومن معه واقفين لا يقاتلون والحرب واقعة في قومي فلما رأى أسا أن زرحا قد ولى مدبرا قال اللهم إن زرحا قد ولى مدبرا وإنك إن لم تحل بيني وبينه استنفر علينا قومه ثانية فأوحى الله إلى أسا إنك لم تقتل من قتل منهم ولكني قتلتهم فقف مكانك فإني لو خليت بينك وبينهم أهلكوكم جميعا إنما يتقلب زرح في قبضتي ولن ينصره أحد مني وأنا لزرح بالمكان الذي لا يستطيع صدودا عنه ولا تحويلا وإني قد وهبت لك ولقومك عساكره وما فيها من فضة ومتاع ودابة فهذا أجرك إذا اعتصمت بي ولا ألتمس منك أجرا على نصرتك فسار زرح حتى أتى البحر يريد بذلك الهرب ومعه مائة ألف فهيأوا سفنهم ثم ركبوا فيها فلما ساروا في البحر بعث الله الرياح من أطراف الأرضين والبحار إلى ذلك البحر واضطربت من كل ناحية أمواجه وضربت السفن بعضها بعضا حتى تكسرت فغرق زرح ومن كان معه واضطربت بهم الأمواج حتى فزع لذلك أهل القرى حولهم ورجفت الأرض فبعث أسا من يعلمه علم ذلك فأوحى الله إليه والله أعلم أن اهبط أنت وقومك أهل قراكم فخذوا ما غنمكم الله بقوة وكونوا فيه من الشاكرين فإني قد سوغت كل من أخذ من هذه العساكر شيئا ما أخذه فهبطوا يحمدون الله ويقدسونه فنقلوا تلك العساكر إلى قراهم ثلاثة أشهر والله أعلم ثم ملك بعده يهوشافاظ بن أسا إلى أن هلك خمسا وعشرين سنة (1/311) ________________________________________ ثم ملكت عتليا وتسمى غزليا ابنة عمرم أم أخزيا وكانت قتلت أولاد ملوك بني إسرائيل فلم يبق منهم إلا يواش بن أخزيا فإنه ستر عنها ثم قتلها يواش وأصحابه وكان ملكها سبع سنين ثم ملك يواش بن أخزيا إلى أن قتله أصحابه وهو الذي قتل جدته فكان ملكه أربعين سنة ثم ملك أموصيا بن يواش إلى أن قتله أصحابه تسعا وعشرين سنة ثم ملك عزويا بن أموصيا وقد يقال لعوزيا غوزيا إلى أن توفي اثنتين وخمسين سنة ثم ملك يوتام بن عوزيا إلى أن توفي ست عشرة سنة ثم ملك أحاز بن يوتام إلى أن توفي ست عشرة سنة ثم ملك حزقيا بن أحاز إلى أن توفي وقيل إنه صاحب شعيا الذي أعلمه شعيا انقضاء عمره فتضرع إلى ربه فزاده وأمهله وأمر شعيا بإعلامه ذلك وأما محمد بن إسحاق فإنه قال صاحب شعيا الذي هذه القصة قصته اسمه صديقة (1/312) |
رد: مكتبتي
ذكر صاحب قصة شعيا من ملوك بني إسرائيل وسنحاريب
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل قال حدثني ابن إسحاق قال كان فيما أنزل الله على موسى في خبره عن بني إسرائيل وإحداثهم وما هم فاعلون بعده قال وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا إلى وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ( 1 ) فكانت بنو إسرائيل وفيهم الأحداث والذنوب وكان الله في ذلك متجاوزا عنهم متعطفا عليهم محسنا إليهم وكان مما أنزل الله بهم في ذنوبهم ما كان قدم إليهم في الخبر عنهم على لسان موسى فكان أول ما أنزل بهم من تلك الوقائع أن ملكا منهم كان يدعى صديقة وكان الله إذا ملك الملك عليهم بعث نبيا يسدده ويرشده فيكون فيما بينه وبين الله يحدث إليه في أمرهم لا ينزل عليهم الكتب إنما يؤمرون باتباع التوراة والأحكام التي فيها وينهونهم عن المعصية ويدعونهم إلى ما تركوا من الطاعة فلما ملك ذلك الملك بعث الله معه شعيا بن أمصيا وذلك قبل مبعث عيسى وزكرياء ويحيى وشعيا الذي بشر بعيسى ومحمد فملك ذلك الملك بني إسرائيل وبيت المقدس زمانا فلما انقضى ملكه وعظمت فيهم الأحداث وشعيا معه بعث الله عليهم سنحاريب ملك بابل معه ستمائة ألف راية فأقبل سائرا حتى نزل حول بيت المقدس والملك مريض في ساقه قرحة فجاءه النبي شعيا فقال له يا ملك بني إسرائيل إن سنحاريب ملك بابل قد نزل بك هو وجنوده في ستمائة ألف راية وقد هابهم الناس وفرقوا منهم فكبر ذلك على الملك فقال يا نبي الله هل أتاك وحي من الله فيما حدث فتخبرنا به كيف يفعل الله بنا وبسنحاريب وجنوده فقال له النبي عليه السلام لم يأتني وحي حدث إلي في شأنك فبينما هم على ذلك أوحى الله إلى شعيا النبي أن ائت ملك بني إسرائيل فأمره أن يوصي بوصيته ويستخلف على ملكه من يشاء من أهل بيته فأتى النبي شعيا ملك بني إسرائيل صديقة فقال له إن ربك قد أوحى إلي أن آمرك توصي وصيتك وتستخلف من شئت على الملك من أهل بيتك فإنك ميت فلما قال ذلك شعيا لصديقة أقبل على القبلة فصلى وسبح ودعا وبكى وقال وهو يبكي ويتضرع إلى الله بقلب مخلص وتوكل وصبر وظن صادق اللهم رب الأرباب وإله الآلهة القدوس المتقدس يا رحمن يا رحيم المترحم الرؤوف الذي لا تأخذه سنة ولا نوم اذكرني بعملي وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل وذلك كله كان منك فأنت أعلم به من نفسي وسري وعلانيتي لك وإن الرحمن استجاب له وكان عبدا صالحا فأوحى الله إلى شعيا فأمره أن يخبر صديقة الملك أن ربه قد استجاب له وقبل منه (1/313) ________________________________________ ورحمه وقد رأى بكاءه وقد أخر أجله خمس عشرة سنة وأنجاه من عدوه سنحاريب ملك بابل وجنوده فلما قال له ذلك ذهب عنه الوجع وانقطع عنه الشر والحزن وخر ساجدا وقال يا إلهي وإله آبائي لك سجدت وسبحت وكرمت وعظمت أنت الذي تعطي الملك من تشاء وتنزعه ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء عالم الغيب والشهادة أنت الأول والآخر والظاهر والباطن وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين أنت الذي أجبت دعوتي ورحمت تضرعي فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعيا أن قل للملك صديقة فيأمر عبدا من عبيده فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحته فيشفى ويصبح وقد برئ ففعل ذلك فشفي وقال الملك لشعيا النبي سل ربك أن يجعل لنا علما بما هو صانع بعدونا هذا فقال الله لشعيا النبي قل له إني قد كفيتك عدوك وأنجيتك منهم وإنهم سيصبحون موتى كلهم إلا سنحاريب وخمسة من كتابه فلما أصبحوا جاءه صارخ فصرخ على باب المدينة يا ملك بني إسرائيل إن الله قد كفاك عدوك فاخرج فإن سنحاريب ومن معه قد هلكوا فلما خرج الملك التمس سنحاريب فلم يوجد في الموتى فبعث الملك في طلبه فأدركه الطلب في مغارة وخمسة من كتابه أحدهم بختنصر فجعلوهم في الجوامع ثم أتوا بهم ملك بني إسرائيل فلما رآهم خر ساجدا من حين طلعت الشمس حتى كانت العصر ثم قال لسنحاريب كيف ترى فعل ربنا بكم ألم يقتلكم بحوله وقوته ونحن وأنتم غافلون فقال سنحاريب له قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم ورحمته التي رحمكم بها قبل أن أخرج من بلادي فلم أطع مرشدا ولم يلقني في الشقوة إلا قلة عقلي ولو سمعت أو عقلت ما غزوتكم ولكن الشقوة غلبت علي وعلى من معي فقال ملك بني إسرائيل الحمد لله رب العزة الذي كفاناكم بما شاء إن ربنا لم يبقك ومن معك لكرامة لك عليه ولكنه إنما أبقاك ومن معك إلى ما هو شر لك ولمن معك لتزدادوا شقوة في الدنيا وعذابا في الآخرة ولتخبروا من وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا ولتنذروا من بعدكم ولولا ذلك ما أبقاكم ولدمك ودم من معك أهون على الله من دم قراد لوقتلته ثم إن ملك بني إسرائيل أمر أمير حرسه فقذف في رقابهم الجوامع وطاف بهم سبعين يوما حول بيت المقدس وكان يرزقهم كل يوم خبزتين من شعير لكل رجل منهم فقال سنحاريب لملك بني إسرائيل القتل خير مما تفعل بنا فافعل ما أمرت فأمر بهم الملك إلى سجن القتل فأوحى الله إلى شعيا النبي أن قل لملك بني إسرائيل يرسل سنحاريب ومن معه لينذروا من وراءهم وليكرمهم وليحملهم حتى يبلغوا بلادهم فبلغ النبي شعيا الملك ذلك ففعل فخرج سنحاريب ومن معه حتى قدموا بابل فلما قدموا جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله بجنوده فقال له كهانه وسحرته يا ملك بابل قد كنا نقص عليك خبر ربهم وخبر نبيهم ووحي الله إلى نبيهم فلم تطعنا وهي أمة لا يستطيعها أحد من ربهم فكان أمر سنحاريب مما خوفوا به ثم كفاهم الله إياه تذكرة وعبرة ثم لبث سنحاريب بعد ذلك سبع سنين ثم مات وقد زعم بعض أهل الكتاب أن هذا الملك من بني إسرائيل الذي سار إليه سنحاريب كان أعرج وكان عرجه من عرق النسا وأن سنحاريب إنما طمع في مملكته لزمانته وضعفه وأنه قد كان سار إليه قبل سنحاريب ملك من ملوك بابل يقال له ليفر وكان بختنصر ابن عمه كاتبه وأن الله أرسل عليه ريحا أهلكت (1/314) ________________________________________ جيشه وأفلت هو وكاتبه وأن هذا البابلي قتله ابن له وأن بختنصر غضب لصاحبه فقتل ابنه الذي قتل أباه وأن سنحاريب سار بعد ذلك إليه وكان مسكنه بنينوى مع ملك أذربيجان يومئذ وكان يدعى سلمان الأعسر وأن سنحاريب وسلمان اختلفا فتحاربا حتى تفانى جنداهما وصار ما كان معهما غنيمة لبني إسرائيل وقال بعضهم بل الذي غزا حزقيا صاحب شعيا سنحاريب ملك الموصل وزعم أنه لما أحاط بيت المقدس بجنوده بعث الله ملكا فقتل من أصحابه في ليلة واحدة مائة ألف وخمسة وثمانين ألف رجل وكان ملكه إلى أن توفي تسعا وعشرين سنة ثم ملك بعده فيما قيل أمرهم منشا بن حزقيا إلى أن توفي خمسا وخمسين سنة ثم ملك بعده أمون بن منشا إلى أن قتله أصحابه اثنتي عشرة سنة ثم ملك بعده يوشيا بن أمون إلى أن قتله فرعون الأجدع المقعد ملك مصر إحدى وثلاثين سنة ثم ياهواحاز بن يوشيا وكان فرعون الأجدع قد غزاه وأسره وأشخصه إلى مصر وملك فرعون الأجدع يوياقيم بن ياهواحاز على ما كان عليه أبوه ووظف عليه خراجا يؤديه إليه فكان يوياقيم يجبي ذلك فيما زعموا من بني إسرائيل ويحمله فيما زعموا اثنتي عشرة سنة ثم ملك أمرهم من بعده يوياحين بن يوياقيم فغزاه بختنصر فأسره واشخصه إلى بابل بعد ثلاثة أشهر من ملكه وملك مكانه متنيا عمه وسماه صديقيا فخالفه فغزاه فظفر به فأوثقه وحمله إلى بابل بعد أن ذبح ولده بين يديه وسمل عينيه وخرب المدينة والهيكل وسبى بني إسرائيل وحملهم إلى بابل فمكثوا بها إلى أن ردهم إلى بيت المقدس كيرش بن جاماسب بن أسب من أجل القرابة التي كان بينه وبينهم وذلك أن أمه أشتر ابنة جاويل وقيل حاويل الإسرائيلي فكان جميع ما ملك صديقيا مع الثلاثة الأشهر التي ملك فيها يوياحين فيما قيل إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر ثم صار ملك بيت المقدس والشام لأشتاسب بن لهراسب وعامله على ذلك كله بختنصر وذكر محمد بن إسحاق فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه أن صديقة ملك بني إسرائيل الذي قد ذكرنا خبره لما قبضه الله مرج أمر بني إسرائيل وتنافسوا الملك حتى قتل بعضهم بعضا عليه ونبيهم شعيا معهم لا يرجعون إليه ولا يقبلون منه فلما فعلوا ذلك قال الله فيما بلغنا لشعيا قم في قومك أوح على لسانك فلما قام أنطق الله لسانه بالوحي فوعظهم وذكرهم وخوفهم الغير بعد أن عدد عليهم نعم الله عليهم وتعرضهم للغير قال فلما فرغ شعيا إليهم من مقالته عدوا عليه فيما بلغني ليقتلوه فهرب منهم فلقيته شجرة فانفلقت له فدخل فيها وأدركه الشيطان فأخذ بهدبة من ثوبه فأراهم إياها فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها وقد حدثني بقصة شعيا وقومه من بني إسرائيل وقتلهم إياه محمد بن سهل البخاري قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل عن وهب بن منبه (1/315) |
رد: مكتبتي
ذكر خبر لهراسب وابنه بشتاسب وغزو بختنصر بني إسرائيل وتخريبه بيت المقدس
ثم ملك بعد كيخسروا من الفرس لهراسب بن كيوجي بن كيمنوش بن كيفاشين باختيار كيخسروا إياه فلما عقد التاج على رأسه قال نحن مؤثرون البر على غيره واتخذ سريرا من ذهب مكللا بأنواع الجواهر للجلوس عليه وأمر فبنيت له بأرض خراسان مدينة بلخ وسماها الحسناء ودون الدواوين وقوى ملكه بانتخابه لنفسه الجنود وعمر الأرض واجتبى الخراج لأرزاق الجنود ووجه بختنصر وكان اسمه بالفارسية فيما قيل بخترشه فحدثت عن هشام بن محمد قال ملك لهراسب وهو ابن أخي قبوس فبنى مدينة بلخ فاشتدت شوكة الترك في زمانه وكان منزله ببلخ يقاتل الترك قال وكان بختنصر في زمانه وكان أصبهبذ ما بين الأهواز إلى أرض الروم من غربي دجلة فشخص حتى أتى دمشق فصالحه أهلها ووجه قائدا له فأتى بيت المقدس فصالح ملك بني إسرائيل وهو رجل من ولد داود وأخذ منه رهائن وانصرف فلما بلغ طبرية وثبت بنو إسرائيل على ملكهم فقتلوه وقالوا راهنت أهل بابل وخذلتنا واستعدوا للقتال فكتب قائد بختنصر إليه بما كان فكتب إليه يأمره أن يقيم بموضعه حتى يوافيه وأن يضرب اعناق الرهائن الذين معه فسار بختنصر حتى أتى بيت المقدس فأخذ المدينة عنوة فقتل المقاتلة وسبى الذرية قال وبلغنا أنه وجد في سجن بني إسرائيل إرميا النبي وكان الله تعالى بعثه نبيا فيما بلغنا إلى بني إسرائيل يحذرهم ما حل بهم من بختنصر ويعلمهم أن الله مسلط عليهم من يقتل مقاتلتهم ويسبي ذراريهم إن لم يتوبوا وينزعوا عن سيء أعمالهم فقال له بختنصر ما خطبك فأخبره أن الله بعثه إلى قومه ليحذرهم الذي حل بهم فكذبوه وحبسوه فقال بختنصر بئس القوم قوم عصوا رسول ربهم وخلى سبيله وأحسن إليه فاجتمع إليه من بقي من ضعفاء بني إسرائيل فقالوا إنا قد أسأنا وظلمنا ونحن نتوب إلى الله مما صنعنا فادع الله أن يقبل توبتنا فدعا ربه فأوحى إليه أنهم غير فاعلين فإن كانوا صادقين فليقيموا معك بهذه البلدة فأخبرهم بما أمرهم الله به فقالوا كيف نقيم ببلدة قد خربت وغضب الله على أهلها فأبوا أن يقيموا فكتب بختنصر إلى ملك مصر إن عبيدا لي هربوا مني إليك فسرحهم إلي وإلا غزوتك وأوطأت بلادك الخيل فكتب إليه ملك مصر ما هم بعبيدك ولكنهم الأحرار أبناء الأحرار فغزاه بختنصر فقتله وسبى أهل مصر ثم سار في أرض المغرب حتى بلغ أقصى تلك الناحية ثم انطلق بسبي كثير من أهل فلسطين والأردن فيهم دانيال وغيره من الأنبياء (1/316) ________________________________________ قال وفي ذلك الزمان تفرقت بنو إسرائيل ونزل بعضهم أرض الحجاز بيثرب ووادي القرى وغيرها قال ثم أوحى الله إلى إرميا فيما بلغنا إني عامر بيت المقدس فاخرج إليها فانزلها فخرج إليها حتى قدمها وهي خراب فقال في نفسه سبحان الله أمرني الله أن أنزل هذه البلدة وأخبرني أنه عامرها فمتى يعمر هذه ومتى يحييها الله بعد موتها ثم وضع رأسه فنام ومعه حماره وسلة فيها طعام فمكث في نومه سبعين سنة حتى هلك بختنصر والملك الذي فوقه وهو لهراسب الملك الأعظم وكان ملك لهراسب مائة وعشرين سنة وملك بعده بشتاسب ابنه فبلغه عن بلاد الشام أنها خراب وأن السباع قد كثرت في أرض فلسطين فلم يبق بها من الإنس أحد فنادى في أرض بابل في بني إسرائيل إن من شاء أن يرجع إلى الشام فليرجع وملك عليهم رجلا من آل داود وأمره أن يعمر بيت المقدس ويبني مسجدها فرجعوا فعمروها وفتح الله لإرميا عينيه فنظر إلى المدينة كيف تعمر وتبنى ومكث في نومه ذلك حتى تمت له مائة سنة ثم بعثه الله وهو لا يظن أنه نام أكثر من ساعة وقد عهد المدينة خرابا يبابا فلما نظر إليها قال أعلم أن الله على كل شيء قدير قال وأقام بنو إسرائيل ببيت المقدس ورد إليهم أمرهم وكثروا بها حتى غلبت عليهم الروم في زمان ملوك الطوائف فلم يكن لهم بعد ذلك جماعة قال هشام وفي زمان بشتاسب ظهر زرادشت الذي تزعم المجوس أنه نبيهم وكان زرادست فيما زعم قوم من علماء أهل الكتاب من أهل فلسطين خادما لبعض تلامذة إرميا النبي خاصا به أثيرا عنده فخانه فكذب عليه فدعا الله عليه فبرص فلحق ببلاد أذربيجان فشرع بها دين المجوسية ثم خرج منها متوجها نحو بشتاسب وهو ببلخ فلما قدم عليه وشرح له دينه أعجبه فقسر الناس على الدخول فيه وقتل في ذلك من رعيته مقتلة عظيمة ودانوا به فكان ملك بشتاسب مائة سنة واثنتي عشرة سنة وأما غيره من أهل الأخبار والعلم بأمور الأوائل فإنه ذكر أن كي لهراسب كان محمودا في أهل مملكته شديد القمع للملوك المحيطة بإيران شهر شديد التفقد لأصحابه بعيد الهمة كثير الفكر في تشييد البنيان وشق الأنهار وعمارة البلاد فكانت ملوك الروم والمغرب والهند وغيرهم يحملون إليه في كل سنة وظيفة معروفة وإتاوة معلومة ويكاتبونه بالتعظيم ويقرون له أنه ملك الملوك هيبة له وحذرا قال ويقال إن بختنصر حمل إليه من أوريشلم خزائن وأموالا فلما أحس بالضعف من قوته ملك ابنه بشتاسب واعتزل الملك وفوضه إليه وكان ملك لهراسب فيما ذكر مائة سنة وعشرين سنة وزعم أن بختنصر هذا الذي غزا بني إسرائيل اسمه بخترشه وأنه رجل من العجم من ولد جوذرز وأنه عاش دهرا طويلا جاوزت مدته ثلاثمائة سنة وأنه كان في خدمة لهراسب الملك أبي بشتاسب وأن لهراسب وجهه إلى الشام وبيت المقدس ليجلي عنها اليهود فسار إليها ثم انصرف وأنه لم يزل من بعد لهراسب في خدمة ابنه بشتاسب ثم في خدمة بهمن من بعده وأن بهمن كان مقيما بمدينة بلخ وهي التي كانت تسمى الحسناء وأنه أمر بخترشه بالتوجه إلى بيت المقدس ليجلي اليهود عنها وأن السبب في ذلك وثوب صاحب بيت المقدس على رسل كان بهمن وجههم إليه وقلته بعضهم فلما ورد (1/317) ________________________________________ الخبر على بهمن دعا بخترشه فملكه على بابل وأمره بالمسير إليها والنفوذ منها إلى الشام وبيت المقدس والقصد إلى اليهود حتى يقتل مقاتلتهم ويسبي ذراريهم وبسط يده فيمن يختار من الأشراف والقواد فاختار من أهل بيت المملكة داريوش بن مهرى من ولد ماذي بن يافث بن نوح وكان ابن أخت بخترشه واختار كيرش كيكوان من ولد غيلم بن سام وكان خازنا على بيت مال بهمن وأخشويرش بن كيرش بن جاماسب الملقب بالعالم وبهرام بن كيرش بن بشتاسب فضم بهمن إليه من أهله وخاصته هؤلاء الأربعة وضم إليه من وجوه الأساورة ورؤسائهم ثلثمائة رجل ومن الجند خمسين ألف رجل وأذن له في أن يفرض ما احتاج إليه وفي إثباتهم ثم أقبل بهم حتى صار إلى بابل فأقام بها للتجهز والاستعداد سنة والتفت إليه جماعة عظيمة وكان فيمن سار إليه رجل من ولد سنحاريب الملك الذي كان غزا حزقيا بن أحاز الملك الذي كان بالشام وببيت المقدس من ولد سليمان بن داود صاحب شعيا يقال له بختنصر بن نبوزرادان بن سنحاريب صاحب الموصل وناحيتها بن داريوش بن عبيرى بن تيرى بن روبا بن راببا بن سلامون بن داود بن طامى بن هامل بن هرمان بن فودى بن همول بن درمى بن قمائل بن صاما بن رغما بن نمروذ بن كوش بن حام بن نوح عليه السلام وكان مسيره إليه بسبب ما كان آتى حزقيا وبنو إسرائيل إلى جده سنحاريب عند غزوه إياهم وتوسل إليه بذلك فقدمه في جماعة كثيرة ثم اتبعه فلما توافت العساكر بيت المقدس نصر بخترشه على بني إسرائيل لما أراد الله بهم من العقوبة فسباهم وهدم البيت وانصرف إلى بابل ومعه يوياحن بن يوياقيم ملك بني إسرائيل في ذلك الوقت من ولد سليمان بعد أن ملك متنيا عم يوحينا وسماه صدقيا فلما صار بختنصر ببابل خالفه صدقيا فغزاه بختنصر ثانية فظفر به وأخرب المدينة والهيكل وأوثق صدقيا وحمله إلى بابل بعد أن ذبح ولده وسمل عينيه فمكث بنو إسرائيل ببابل إلى أن رجعوا إلى بيت المقدس فكان غلبة بختنصر المسمى بخترشه على بيت المقدس إلى أن مات في قول هذا الذي حكينا قوله أربعين سنة ثم قام من بعده ابن يقال له أولمرودخ فملك الناحية ثلاثا وعشرين سنة ثم هلك وملك مكانه ابن يقال له بلتشصر بن أولمرودخ سنة فلما ملك بلتشصر خلط في أمره فعزله بهمن وملك مكانه على بابل وما يتصل بها من الشام وغيرها داريوش الماذوي المنسوب إلى ماذي بن يافث بن نوح عليه السلام حين صار إلى المشرق فقتل بلتشصر وملك بابل وناحية الشام ثلاث سنين ثم عزله بهمن وولى مكانه كيرش الغيلمي من ولد غيلم بن سام بن نوح الذي كان نزع إلى جامر مع ماذي عندما مضى جامر إلى المشرق فلما صار الأمر إلى كيرش كتب بهمن أن يرفق ببني إسرائيل ويطلق لهم النزول حيث أحبوا والرجوع إلى أرضهم وأن يولي عليهم من يختارونه فاختاروا دانيال النبي عليه السلام فولي أمرهم وكان ملك كيرش على بابل وما يتصل بها ثلاث سنين فصارت هذه السنون من وقت غلبة بختنصر إلى انقضاء أمره وأمر ولده وملك كيرش الغيلمي معدودة من خراب بيت المقدس منسوبة إلى بختنصر ومبلغها سبعون سنة ثم ملك بابل وناحيتها من قبل بهمن رجل من قرابته يقال له أخشوارش بن كيرش بن جاماسب الملقب بالعالم من الأربعة الوجوه الذين اختارهم بخترشه عند توجهه إلى الشام من قبل بهمن وذلك أن (1/318) ________________________________________ أخشوارش انصرف إلى بهمن من عند بختنصر محمودا فولاه ذلك الوقت بابل وناحيتها وكان السبب في ولايته فيما زعم أن رجلا كان يتولى لبهمن ناحية السند والهند يقال له كراردشير بن دشكال خالفه ومعه من الأتباع ستمائة ألف فولى بهمن أخشويرش الناحية وأمره بالمسير إلى كراردشير ففعل ذلك وحاربه فقتله وقتل أكثر أصحابه فتابع له بهمن الزيادة في العمل وجمع له طوائف من البلاد فلزم السوس وجمع الأشراف وأطعم الناس اللحم وسقاهم الخمر وملك بابل إلى ناحية الهند والحبشة وما يلي البحر وعقد لمائة وعشرين قائدا في يوم واحد الألوية وصير تحت يد كل قائد ألف رجل من أبطال الجند الذين يعدل الواحد منهم في الحرب بمائة رجل وأوطن بابل وأكثر المقام بالسوس وتزوج من سبي بني إسرائيل امرأة يقال لها أشتر ابنة أبي حاويل كان رباها ابن عم لها يقال له مردخى وكان أخاها من الرضاعة لأن أم مردخى أرضعت أشتر وكان السبب في تزوجه إياها قتله امرأة كانت له جليلة جميلة خطيرة يقال لها وشتا فأمرها بالبروز ليراها الناس ليعرفوا جلالتها وجمالها فامتنعت من ذلك فقتلها فلما قتلها جزع لقتلها جزعا شديدا فأشير عليه باعتراض نساء العالم ففعل ذلك وحببت إليه أشتر صنعا لبني إسرائيل فتزعم النصارى أنها ولدت له عند مسيره إلى بابل ابنا فسماه كيرش وأن ملك أخشويرش كان أربع عشرة سنة وقد علمه مردخى التوراة ودخل في دين بني إسرائيل وفهم عن دانيال النبي عليه السلام ومن كان معه حنيئذ مثل حننيا وميشايل وعازريا فسألوه بأن يأذن لهم في الخروج إلى بيت المقدس فأبى وقال لو كان معي منكم ألف نبي ما فارقني منكم واحد ما دمت حيا وولى دانيال القضاء وجعل إليه جميع أمره وأمره أن يخرج كل شيء في الخزائن مما كان بختنصر أخذه من بيت المقدس ويرده وتقدم في بناء بيت المقدس فبني وعمر في أيام كيرش بن أخشويرش وكان ملك كيرش مما دخل في ملك بهمن وخماني اثنتين وعشرين سنة ومات بهمن لثلاث عشرة سنة مضت من ملك كيرش وكان موت كيرش لأربع سنين مضين من ملك خماني فكان جميع ملك كيرش بن أخشويرش اثنتين وعشرين سنة فهذا ما ذكر أهل السير والأخبار في أمر بختنصر وما كان من أمره وأمر بني إسرائيل وأما السلف من أهل العلم فإنهم قالوا في أمرهم أقوالا مختلفة فمن ذلك ما حدثني القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج قال حدثني يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير أنه سمعه يقول كان رجل من بني إسرائيل يقرأ حتى إذا بلغ بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد ( 1 ) بكى وفاضت عيناه ثم أطبق المصحف فقال ذلك ما شاء الله من الزمان ثم قال أي رب أرني هذا الرجل الذي جعلت هلاك بني إسرائيل على يديه فأري في المنام مسكينا ببابل يقال له بختنصر فانطلق بمال وأعبد له وكان رجلا موسرا فقيل له أين تريد فقال أريد التجارة حتى نزل دارا ببابل فاستكراها ليس فيها أحد غيره فجعل يدعو المساكين ويلطف بهم حتى لا يأتيه أحد إلا أعطاه فقال هل بقي مسكين غيركم فقالوا نعم مسكين بفج آل فلان مريض يقال له بختنصر فقال لغلمته انطلقوا بنا فانطلق حتى أتاه فقال ما اسمك قال بختنصر فقال لغلمته احتملوه فنقله إليه فمرضه حتى برئ وكساه وأعطاه نفقة ثم أذن الإسرائيلي بالرحيل فبكى بختنصر فقال الإسرائيلي ما يبكيك قال أبكي (1/319) ________________________________________ أنك فعلت بي ما فعلت ولا أجد شيئا أجزيك قال بلى شيئا يسيرا إن ملكت أطعتني فجعل الآخر يتبعه ويقول تستهزئ بي ولا يمنعه أن يعطيه ما سأله إلا أنه يرى أنه يستهزئ به فبكى الإسرائيلي وقال لقد علمت ما يمنعك أن تعطيني ما سألتك إلا أن الله عز و جل يريد أن ينفذ ما قضى وكتب في كتابه وضرب الدهر من ضربه فقال صيحون وهو ملك فارس ببابل لو أنا بعثنا طليعة إلى الشأم قالوا وما ضرك لو فعلت قال فمن ترون قالوا فلان فبعث رجلا وأعطاه مائة ألف وخرج بختنصر في مطبخه لا يخرج إلا ليأكل في مطبخه فلما قدم الشام رأى صاحب الطليعة أكثر أرض الله فرسا ورجلا جلدا فكسره ذلك في ذرعه فلم يسأل فجعل بختنصر يجلس مجالس أهل الشام فيقول ما يمنعكم أن تغزوا بابل فلو غزوتموها فما دون بيت مالها شيء قالوا لا نحسن القتال ولا نقاتل حتى تنفذ مجالس أهل الشام ثم رجعوا فأخبر متقدم الطليعة ملكهم بما رأى وجعل بختنصر يقول لفوارس الملك لو دعاني الملك لأخبرته غير ما أخبره فلان فرفع ذلك إليه فدعاه فأخبره الخبر وقال إن فلانا لما رأى أكثر أرض الله كراعا ورجلا جلدا كسر ذلك في ذرعه ولم يسالهم عن شيء وإني لم أدع مجلسا بالشام إلا جالست أهله فقلت لهم كذا وكذا فقالوا لي كذا وكذا للذي ذكر سعيد بن جبير أنه قال لهم فقال متقدم الطليعة لبختنصر فضحتني لك مائة ألف وتنزع عما قلت قال لو أعطيتني بيت مال بابل ما نزعت وضرب الدهر من ضربه فقال الملك لو بعثنا جريدة خيل إلى الشأم فإن وجدوا مساغا ساغوا وإلا امتشوا ما قدروا عليه قالوا ما ضرك لو فعلت قال فمن ترون قالوا فلان قال بل الرجل الذي أخبرني بما أخبرني فدعا بختنصر فأرسله وانتخت معه أربعة آلاف من فرسانهم فانطلقوا فجاسوا خلال الديار فسبوا ما شاء الله ولم يخربوا ولم يقتلوا ورمي في جنازة صيحون قالوا استخلفوا رجلا قالوا على رسلكم حتى يأتي أصحابكم فإنهم فرسانكم أن ينغصوا عليكم شيئا فأمهلوا حتى جاء بختنصر بالسبي وما معه فقسمه في الناس فقالوا ما رأينا أحدا أحق بالملك من هذا فملكوه وقال آخرون منهم إنما كان خروج بختنصر إلى بني إسرائيل لحربهم حين قتلت بنو إسرائيل يحيى بن زكرياء ذكر بعض من قال ذلك منهم حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في الحديث الذي ذكرنا إسناده قبل أن بختنصر بعثه صيحائين لحرب بني إسرائيل حين قتل ملكهم يحيى بن زكرياء عليه السلام وبلغ صيحائين قتله حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال فيما بلغني استخلف الله عز و جل على بني إسرائيل بعد شعيا رجلا منهم يقال له ياشية بن أموص فبعث الله لهم الخضر نبيا واسم الخضر فيما كان وهب بن منبه يزعم عن بني إسرائيل إرميا بن حلقيا وكان من سبط هارون وأما وهب بن منبه فإنه قال فيه ما حدثني محمد بن سهل بن عسكر البخاري قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل قال سمعت وهب بن منبه يقول وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عمن لا يتهم عن وهب بن منبه اليماني أنه كان (1/320) ________________________________________ يقول قال الله عز و جل لإرميا حين بعثه نبيا إلى بني إسرائيل يا إرميا من قبل أن أخلقك اخترتك ومن قبل أن أصورك في بطن أمك قدستك ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهرتك ومن قبل أن تبلغ السعي نبيتك ومن قبل أن تبلغ الأشد اختبرتك ولأمر عظيم اجتبيتك فبعث الله عز و جل إرميا إلى ذلك الملك من بني إسرائيل يسدده ويرشده ويأتيه بالخبر من قبل الله فيما بينه وبين الله عز و جل قال ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل وركبوا المعاصي واستحلوا المحارم ونسوا ما كان الله صنع بهم وما نجاهم من عدوهم سنحاريب وجنوده فأوحى الله عز و جل إلى إرميا أن ائت قومك من بني إسرائيل فاقصص عليهم ما آمرك به وذكرهم نعمي عليهم وعرفهم إحداثهم فقال إرميا إني ضعيف إن لم تقوني عاجز إن لم تبلغني مخطئ إن لم تسددني مخذول إن لم تنصرني ذليل إن لم تعزني قال الله عز و جل ألم تعلم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتي وأن القلوب كلها والألسن بيدي أقلبها كيف شئت فتطيعني وأني أنا الله الذي لا شيء مثلي قامت السموات والأرض وما فيهن بكلمتي وأنا كلمت البحار ففهمت قولي وأمرتها فعقلت أمري وحددت عليها بالبطحاء فلا تعدى حدي تأتي بأمواج كالجبال حتى إذا بلغت حدي ألبستها مذلة طاعتي خوفا واعترافا لأمري إني معك ولن يصل إليك شيء معي وإني بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي لتبلغهم رسالاتي ونستحق بذلك مثل أجر من اتبعك منهم لا ينقص ذلك من أجوره مشيئا وإن تقصر به عنها تستحق بذلك مثل وزر من تركت في عماه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا انطلق إلى قومك فقل إن الله ذكر بكم صلاح آبائكم فحمله ذلك على أن يستتيبكم يا معشر الأبناء وسلهم كيف وجد آباءهم مغبة طاعتي وكيف وجدوا هم مغبة معصيتي وهل علموا أن أحدا قبلهم أطاعني فشقي بطاعتي أو عصاني فسعد بمعصيتي وأن الدواب مما تذكر أوطانها الصالحة تنتابها وأن هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهلكة أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خولا يتعبدونهم دوني ويحكمون فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم أمري وأنسوهم ذكري وغروهم مني وأما أمراؤهم وقادتهم فبطروا نعمتي وأمنوا مكري ونبذوا كتابي ونسوا عهدي وغيروا سنتي وادان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلا لي فهم يطيعونهم في معصيتي ويتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني جرأة علي وغرة وفرية علي وعلى رسلي فسبحان جلالي وعلو مكاني وعظمة شأني وهل ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي وهل ينبغي أن أخلق عبادا أجعلهم أربابا من دوني وأما قراؤهم وفقهاؤهم فيتعبدون في المساجد ويتزينون بعمارتها لغيري لطلب الدنيا بالدين ويتفقهون فيها لغير العلم ويتعلمون فيها لغير العمل وأما أولاد الأنبياء فمكثورون مقهورون مغترون يخوضون مع الخائضين فيتمنون علي مثل نصرة آبائهم والكرامة التي أكرمتهم بها ويزعمون أن لا أحد أولى بذلك منهم مني بغير صدق ولا تفكر ولا تدبر ولا يذكرون كيف نصر آبائهم لي وكيف كان جدهم في أمري حين غير المغيرون وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم فصبروا وصدقوا حتى عز أمري وظهر ديني فتأنيت بهؤلاء القوم لعلهم يستجيبون فأطولت لهم وصفحت عنهم لعلهم يرجعون وأكثرت ومددت لهم في العمر يتفكرون فأعذرت وفي كل ذلك أمطر عليهم السماء وأنبت لهم الأرض وألبسهم العافية وأظهرهم على العدو فلا يزدادون إلا طغيانا وبعدا مني فحتى متى هذا أبي يتمرسون أم إياي يخادعون فإني أحلف بعزتي لأقيضن لهم فتنة يتحير فيها الحليم ويضل فيها رأي ذي الرأي وحكمة الحكيم ثم لأسلطن عليهم جبارا قاسيا عاتيا ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرأفة (1/321) ________________________________________ والرحمة والليان يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم له عساكر مثل قطع السحاب ومراكب أمثال العجاج كأن خفيق راياته طيران النسور وكأن حملة فرسانه كرير العقبان ثم أوحى الله عز و جل إلى إرميا أني مهلك بني إسرائيل بيافث ويافث أهل بابل فهم من ولد يافث بن نوح عليه السلام فلما سمع إرميا وحي ربه صاح وبكى وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه فقال ملعون يوم ولدت فيه ويوم لقنت فيه التوراة ومن شر ايامي يوم ولدت فيه فما أبقيت آخر الأنبياء إلا لما هو شر علي لو أراد بي خيرا ما جعلني آخر الأنبياء من بني إسرائيل فمن أجلي تصيبهم الشقوة والهلاك فلما سمع الله عز و جل تضرع الخضر وبكاءه وكيف يقول ناداه يا إرميا أشق عليك ما أوحيت لك قال نعم يا رب أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسر به فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لا أهلك بيت المقدس وبني إسرائيل حتى يكون الأمر من قبلك في ذلك ففرح عند ذلك إرميا لما قال له ربه وطابت نفسه وقال لا والذي بعث موسى وأنبياءه بالحق لا آمر ربي بهلاك بني إسرائيل أبدا ثم أتى ملك بني إسرائيل فأخبره بما أوحى الله إليه فاستبشر وفرح وقال إن يعذبنا ربنا فبذنوب كثيرة قدمناها لأنفسنا وإن عفا عنا فبقدرته ثم إنهم لبثوا بعد هذا الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية وتماديا في الشر وذلك حين اقترب هلاكهم فقل الوحي حين لم يكونوا يتذكرون الآخرة وأمسك عنهم حين ألهتهم الدنيا وشأنها فقال لهم ملكهم يا بني إسرائيل انتهوا عما أنتم عليه قبل أن يمسكم بأس الله وقبل أن يبعث الله عليكم قوما لا رحمة لهم بكم فإن ربكم قريب التوبة مبسوط اليدين بالخير رحيم بمن تاب إليه فأبوا عليه أن ينزعوا عن شيء مما هم عليه وإن الله ألقى في قلب بختنصر بن نبوزراذان بن سنحاريب بن دارياس بن نمروذ بن فالغ بن عابر ونمروذ صاحب إبراهيم عليه السلام الذي حاجه في ربه أن يسير إلى بيت المقدس ثم يفعل فيه ما كان جده سنحاريب أراد أن يفعل فخرج في ستمائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس فلما فصل سائرا أتى ملك بني إسرائيل الخبر أن بختنصر قد أقبل هو وجنوده يريدكم فأرسل الملك إلى إرميا فجاءه فقال يا إرميا أين ما زعمت لنا أن ربك أوحى إليك ألا يهلك أهل بيت المقدس حتى يكون منك الأمر في ذلك فقال إرميا للملك إن ربي لا يخلف الميعاد وأنا به واثق فلما اقترب الأجل ودنا انقطاع ملكهم وعزم الله تعالى على هلاكهم بعث الله عز و جل ملكا من عنده فقال له اذهب إلى إرميا واستفته وأمره بالذي يستفتيه فيه فأقبل الملك إلى إرميا وقد تمثل له رجلا من بني إسرائيل فقال له إرميا من أنت قال أنا رجل من بني إسرائيل أستفتيك في بعض أمري فأذن له فقال له الملك يا نبي الله أتيتك أستفتيك في أهل رحمي وصلت أرحامهم بما أمرني الله به لم آت إليهم إلا حسنا ولم آلهم كرامة فلا تزيدهم كرامتي إياهم إلا إسخاطا لي فأفتني فيهم يا نبي الله فقال له أحسن فيما بينك وبين الله وصل ما أمرك الله أن تصل وأبشر بخير قال فانصرف عنه الملك فمكث أياما ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل الذي كان جاءه فقعد بين يديه فقال له إرميا من أنت قال أنا الرجل الذي أتيتك أستفتيك في شأن أهلي فقال له نبي الله أو ما طهرت لك أخلاقهم بعد ولم تر منهم الذي تحب قال يا نبي الله والذي بعثك بالحق ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى أهل رحمه (1/322) ________________________________________ إلا وقد أتيتها إليهم وأفضل من ذلك فقال النبي ارجع إلى أهلك فأحسن إليهم واسأل الله الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلح ذات بينكم وأن يجمعكم على مرضاته ويجنبكم سخطه فقام الملك من عنده فلبث أياما وقد نزل بختنصر وجنوده حول بيت المقدس بأكثر من الجراد ففزع منهم بنو إسرائيل فزعا شديدا وشق ذلك على ملك بني إسرائيل فدعا إرميا فقال يا نبي الله أين ما وعدك الله فقال إني بربي واثق ثم إن الملك أقبل إلى إرميا وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه الذي وعده فقعد بين يديه فقال له إرميا من أنت قال أنا الذي كنت أتيتك في شأن أهلي مرتين فقال له النبي أو لم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه فقال الملك يا نبي الله كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه وأعلم أن مآلهم في ذلك سخطي فلما أتيتهم اليوم رأيتهم في عمل لا يرضاه الله ولا يحبه قال له النبي على أي عمل رأيتهم قال يا نبي الله رأيتهم على عمل عظيم من سخط الله فلو كانوا على مثل ما كانوا عليه قبل اليوم لم يشتد غضبي عليهم وصبرت لهم ورجوتهم ولكني غضبت اليوم لله ولك فأتيتك لأخبرك خبرهم وإني أسألك بالله الذي هو بعثك بالحق إلا ما دعوت عليهم أن يهلكهم الله قال إرميا يا ملك السموات والأرض إن كانوا على حق وصواب فأبقهم وإن كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه فأهلكهم فلما خرجت الكلمة من في إرميا أرسل الله عز و جل صاعقة من السماء في بيت المقدس فالتهب مكان القربان وخسف بسبعة أبواب من أبوابها فلما رأى ذلك إرميا صاح وشق ثيابه ونبذ التراب على رأسه وقال يا ملك السماء ويا أرحم الراحمين أين ميعادك الذي وعدتني فنودي يا إرميا إنه لم يصبهم الذي أصابهم إلا بفتياك التي أفتيت بها رسولنا فاستيقن النبي أنها فتياه التي أفتى بها ثلاث مرات وأنه رسول ربه وطار إرميا حتى خالط الوحوش ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس فوطئ الشأم وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت المقدس ثم أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا ثم يقذفه في بيت المقدس فقذفوا فيه التراب حتى ملأوه ثم انصرف راجعا إلى أرض بابل واحتمل معه سبايا بني إسرائيل وأمرهم أن يجمعوا من كان في بيت المقدس كلهم فاجتمع عنده كل صغير وكبير من بني إسرائيل فاختار منهم مائة ألف صبي فما خرجت غنائم جنده وأراد أن يقسمها فيهم قالت له الملوك الذين كانوا معه أيها الملك لك غنائمنا كلها واقسم بيننا هؤلاء الصبيان الذين اخترتهم من بني إسرائيل ففعل فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمة وكان من أولئك الغلمان دانيال وحنانيا وعزاريا وميشايل وسبعة آلاف من أهل بيت داود وأحد عشر ألفا من سبط يوسف بن يعقوب وأخيه بنيامين وثمانية آلاف من سبط أشر بن يعقوب وأربعة عشر ألفا من سبط زبالون بن يعقوب ونفثالي بن يعقوب وأربعة ألاف من سبط روبيل ولاوى ابني يعقوب وأربعة آلاف من سبط يهوذا بن يعقوب ومن بقي من بني إسرائيل وجعلهم بختنصر ثلاث فرق فثلثا أقر بالشام وثلثا سبى وثلثا قتل وذهب بآنية بيت المقدس حتى أقدمها بابل وذهب بالصبيان السبعين الألف حتى أقدمهم بابل وكانت هذه الوقعة الأولى التي أنزلها الله ببني إسرائيل بإحداثهم وظلمهم (1/323) ________________________________________ فلما ولى بختنصر عنهم راجعا إلى بابل بمن معه من سبايا بني إسرائيل أقبل إرميا على حمار له معه عصير من عنب في ركوة وسلة تين حتى غشي إيلياء فلما وقف عليها ورأى ما بها من الخراب دخله شك فقال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام وحماره وعصيره وسلة تينه عنده حيث أماته الله وأمات حماره معه وأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد ثم بعثه الله فقال له كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه يقول لم يتغير وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما ( 1 ) فنظر إلى حماره يتصل بعض إلى بعض وقد كان مات معه بالعروق والعصب ثم كيف كسى ذلك منه اللحم حتى استوى ثم جرى فيه الروح فقام ينهق ثم نظر إلى عصيره وتينه فإذا هو على هيئته حين وضعه لم يتغير فلما عاين من قدرة الله ما عاين قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ( 1 ) ثم عمر الله إرميا بعد ذلك فهو الذي يرى بفلوات الأرض والبلدان ثم إن بختنصر أقام في سلطانه ما شاء الله أن يقيم ثم رأى رؤيا فبينما هو قد أعجبه ما رأى إذ رأى شيئا أصابه فأنساه الذي كان رأى فدعا دانيال وحنانيا وعزاريا وميشايل من ذراري الأنبياء فقال أخبروني عن رؤيا رأيتها ثم أصابني شيء فأنسانيها وقد كانت أعجبتني ما هي قالوا له أخبرنا بها نخبرك بتأويلها قال ما أذكرها وإن لم تخبروني بتأويلها لأنزعن أكتافكم فخرجوا من عنده فدعوا الله واستغاثوا وتضرعوا إليه وسألوه أن يعلمهم إياها فأعلمهم الذي سألهم عنه فجاؤوه فقالوا له رأيت تمثالا قال صدقتم قالوا قدماه وساقاه من فخار وركبتاه وفخذاه من نحاس وبطنه من فضة وصدره من ذهب ورأسه وعنقه من حديد قال صدقتم قالوا فبينما أنت تنظر إليه قد أعجبك فأرسل الله عليه صخرة من السماء فدقته فهي التي أنستكها قال صدقتم فما تأويلها قالوا تأويلها أنك أريت ملك الملوك فكان بعضهم ألين ملكا من بعض وبعضهم كأن أحسن ملكا من بعض وبعضهم كان أشد ملكا من بعض فكان أول الملك الفخار وهو أضعفه وألينه ثم كان فوقه النحاس وهو أفضل منه وأشد ثم كان فوق النحاس الفضة وهي أفضل من ذلك وأحسن ثم كان فوق الفضة الذهب فهو أحسن من الفضة وأفضل ثم كان الحديد ملكك فهو كان أشد الملوك وأعز مما كان قبله وكانت الصخرة التي رأيت أرسل الله عليه من السماء فدقته نبيا يبعثه الله من السماء فيدق ذلك أجمع ويصير الأمر إليه ثم إن أهل بابل قالوا لبختنصر أرأيت هؤلاء الغلمان من بني إسرائيل الذين كنا سألناك أن تعطيناهم ففعلت فإنا والله لقد أنكرنا نساءنا منذ كانوا معنا لقد رأينا نساءنا علقن بهم وصرفن وجوههن إليهم فأخرجهم من بين أظهرنا أو اقتلهم قال شأنكم بهم فمن أحب منكم أن يقتل من كان في يده فليفعل فأخرجوهم فلما قربوهم للقتل تضرعوا إلى الله فقالوا يا ربنا أصابنا البلاء بذنوب غيرنا فتحنن الله عليهم برحمته فوعدهم أن يحييهم بعد قتلهم فقتلوا إلا من استبقى بختنصر منهم وكان ممن استبقى منهم دانيال وحنانيا وعزاريا وميشايل ثم إن الله تبارك وتعالى حين أراد هلاك بختنصر انبعث فقال لمن كان في يديه من بني إسرائيل (1/324) ________________________________________ أرأيتم هذا البيت الذي أخربت وهؤلاء الناس الذين قتلت من هم وما هذا البيت قالوا هذا بيت الله ومسجد من مساجده وهؤلاء أهله كانوا من ذراري الأنبياء فظلموا وتعدوا وعصوا فسلطت عليهم بذنوبهم وكان ربهم رب السموات والأرض ورب الخلق كلهم يكرمهم ويمنعهم ويعزهم فلما فعلوا ما فعلوا أهلكهم الله وسلط عليهم غيرهم قال فأخبروني ما الذي يطلع بي إلى السماء العليا لعلي أطلع إليها فاقتل من فيها وأتخذها ملكا فإني قد فرغت من الأرض ومن فيها قالوا له ما تقدر على ذلك وما يقدر على ذلك أحد من الخلائق قال لتفعلن أو لأقتلنكم عن آخركم فبكوا إلى الله وتضرعوا إليه فبعث الله بقدرته ليريه ضعفه وهوانه عليه بعوضة فدخلت في منخره ثم ساخت في دماغه حتى عضت بأم دماغه فما كان يقر ولا يسكن حتى يوجأ له رأسه على أم دماغه فلما عرف الموت قال لخاصته من أهله إذا مت فشقوا رأسي فانظروا ما هذا الذي قتلني فلما مات شقوا رأسه فوجدوا البعوضة عاضة بأم دماغه ليري الله العباد قدرته وسلطانه ونجى الله من كان بقي في يديه من بني إسرائيل وترحم عليهم وردهم إلى الشأم وإلى إيلياء المسجد المقدس فبنوا فيه وربلوا وكثروا حتى كانوا على أحسن ما كانوا عليه فيزعمون والله أعلم أن الله أحيا أولئك الموتى الذين قتلوا فلحقوا بهم ثم إنهم لما دخلوا الشأم دخلوها وليس معهم عهد من الله كانت التوراة قد استبيت منهم فحرقت وهلكت وكان عزير من السبايا الذين كانوا ببابل فرجع إلى الشأم يبكي عليها ليله ونهاره قد خرج من الناس فتوحد منهم وإنما هو ببطون الأودية وبالفلوات يبكي فبينما هو كذلك في حزنه على التوراة وبكائه عليها إذ أقبل إليه رجل وهو جالس فقال يا عزير ما يبكيك قال أبكي على كتاب الله وعهده كان بين أظهرنا فبلغت بنا خطايانا وغضب ربنا علينا أن سلط عليا عدونا فقتل رجالنا وأخرب بلادنا وأحرق كتاب الله الذي بين أظهرنا الذي لا يصلح دنيانا وآخرتنا غيره أو كما قال فعلام أبكي إذا لم أبك على هذا قال أفتحب أن يرد ذلك عليك قال وهل إلى ذلك من سبيل قال نعم ارجع فصم وتطهر وطهر ثيابك ثم موعدك هذا المكان غدا فرجع عزير فصام وتطهر وطهر ثيابه ثم عمد إلى المكان الذي وعده فجلس فيه فأتاه ذلك الرجل بإناء فيه ماء وكان ملكا بعثه الله إليه فسقاه من ذلك الإناء فمثلت التوراة في صدره فرجع إلى بني إسرائيل فوضع لهم التوراة يعرفونها بحلالها وحرامها وسننها وفرائضها وحدودها فأحبوه حبا لم يحبوه شيئا قط وقامت التوراة بين أظهرهم وصلح بها أمرهم وأقام بين أظهرهم عزير مؤديا لحق الله ثم قبضه الله على ذلك ثم حدثت فيهم الأحداث حتى قالوا لعزير هو ابن الله وعاد الله عليهم فبعث فيهم نبيا كما كان يصنع بهم يسدد أمرهم ويعلمهم ويأمرهم بإقامة التوراة وما فيها وقال جماعة أخر عن وهب بن منبه في أمر بختنصر وبني إسرائيل وغزوه إياهم أقوالا غير ذلك تركنا ذكرها كراهة إطالة الكتاب بذكرها (1/325) |
رد: مكتبتي
ذكر خبر غزو بختنصر للعرب
حدثت عن هشام بن محمد قال كان بدء نزول العرب ارض العراق وثبوتهم فيها واتخاذهم الحيرة والأنبار منزلا فيما ذكر لنا والله أعلم أن الله عز و جل أوحى إلى برخيا بن أحنيا بن زربابل بن شلتيل منولد يهوذا قال هشام قال الشرقي وشلتيل أول من اتخذ الطفشيل أن ائت بختنصر وأمره أن يغزو العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم ولا أبواب ويطأ بلادهم بالجنود فيقتل مقاتلتهم ويستبيح أموالهم وأعلمه كفرهم بي واتخاذهم الآلهة دوني وتكذيبهم أنبيائي ورسلي قال فأقبل برخيا بن نجران حتى قدم على بختنصر ببابل وهو نبوخذ نصر فعربته العرب وأخبره بما أوحى الله إليه وقص عليه ما أمره به وذلك في زمان معد بن عدنان قال فوثب بختنصر على من كان في بلاده من تجار العرب وكانوا يقدمون عليهم بالتجارات والبياعات ويمتارون من عندهم الحب والتمر والثياب وغيرها فجمع من ظفر به منهم فبنى لهم حيرا على النجف وحصنه ثم ضمهم فيه ووكل بهم حرسا وحفظة ثم نادى في الناس بالغزو فتأهبوا لذلك وانتشر الخبر فيمن يليهم من العرب فخرجت إليه طوائف منهم مسالمين مستأمنين فاستشار بختنصر فيهم برخيا فقال إن خروجهم إليك من بلادهم قبل نهوضك إليهم رجوع منهم عما كانوا عليه فاقبل منهم فأحسن إليهم قال فأنزلهم بختنصر السواد على شاطئ الفرات فابتنوا موضع عسكرهم بعد فسموه الأنبار قال وخلى عن أهل الحير فاتخذوها منزلا حياة بختنصر فلما مات انضموا إلى أهل الأنبار وبقي ذلك الحير خرابا وأما غير هشام من أهل العلم بأخبار الماضين فإنه ذكر أن معد بن عدنان لما ولد ابتدأ بنو إسرائيل بأنبيائهم فقتلوهم فكان آخر من قتلوا يحيى بن زكرياء وعد أهل الرس على نبيهم فقتلوه وعدا أهل حضور على نبيهم فقتلوه فلما اجترؤوا على أنبياء الله أذن الله في فناء ذلك القرن الذين معد بن عدنان من أنبيائهم فبعث الله بختنصر على بني إسرائيل فلما فرغ من إخراب المسجد الأقصى والمدائن وانتسف بني إسرائيل نسفا فأوردهم أرض بابل أري فيما يرى النائم أو أمر بعض الأنبياء أن يأمره أن يدخل بلاد العرب فلا يستحيي فيها إنسيا ولا بهيمة وأن ينتسف ذلك نسفا حتى لا يبقي لهم أثرا فنظم بختنصر ما بين إيلة والأبلة خيلا ورجلا ثم دخلوا على العرب فاستعرضوا كل ذي روح أتوا عليه وقدروا عليه وأن الله (1/326) ________________________________________ تعالى أوحى إلى إرميا وبرخيا أن الله قد أنذر قومكما فلم ينتهوا فعادوا بعد الملك عبيدا وبعد نعيم العيش عالة يسألون الناس وقد تقدمت إلى أهل عربة بمثل ذلك فأبوا إلا لحاجة وقد سلطت بختنصر عليهم لأنتقم منهم فعليكما بمعد بن عدنان الذي من ولده محمد الذي أخرجه في آخر الزمان أختم به النبوة وأرفع به من الضعة فخرجا تطوى لهما الأرض حتى سبقا بختنصر فلقيا عدنان قد تلقاهما فطوياه إلى معد ولمعد يومئذ اثنتا عشرة سنة فحمله برخيا على البراق وردف خلفه فانتهيا إلى حران من ساعتهما وطويت الأرض لإرميا فأصبح بحران فالتقى عدنان وبختنصر بذات عرق فهزم بختنصر عدنان وسار في بلاد العرب حتى قدم إلى حضور واتبع عدنان فانتهى بختنصر إليها وقد اجتمع اكثر العرب من أقطار من عربة إلى حضور فخندق الفريقان وضرب بختنصر كمينا وذلك أول كمين كان فيما زعم ثم نادى مناد من جو السماء يا لثارات الأنبياء فأخذتهم السيوف من خلفهم ومن بين أيديهم فندموا على ذنوبهم فنادوا بالويل ونهي عدنان عن بختنصر ونهي بختنصر عن عدنان وافترق من لم يشهد حضور ومن أفلت قبل الهزيمة فرقتين فرقة أخذت إلى ريسوب وعليهم عك وفرقة قصدت لوبار وفرقة حضر العرب قال وإياهم عنى الله بقوله وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة كافرة الأهل فإن العذاب لما نزل بالقرى وأحاط بهم في آخر وقعة ذهبوا ليهربوا فلم يطيقوا الهرب فلما أحسوا بأسنا انتقامنا منهم إذا هم منها يركضون يهربون قد أخذتهم السيوف من بين أيديهم ومن خلفهم لا تركضوا لا تهربوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه إلى العيشة على النعم المكفورة ومساكنكم مصيركم لعلكم تسألون فلما عرفوا أنه واقع بهم أقروا بالذنوب فقالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين ( 1 ) موتى وقتلى بالسيف فرجع بختنصر إلى بابل بما جمع من سبايا عربة فألقاهم بالأنبار فقيل أنبار العرب وبذلك سميت الأنبار وخالطهم بعد ذلك النبط فلما رجع بختنصر مات عدنان وبقيت بلاد العرب خرابا حياة بختنصر فلما مات بختنصر خرج معد بن عدنان معه الأنبياء أنبياء بني إسرائيل صلوات الله عليهم حتى أتى مكة فأقام أعلامها فحج وحج الأنبياء معه ثم خرج معد حتى أتى ريسوب فاستخرج أهلها وسأل عمن بقي من ولد الحارث بن مضاض الجرهمي وهو الذي قاتل دوس العتق فأفنى أكثرهم جرهم على يديه فقيل له بقي جوشم بن جلهمة فتزوج معد ابنته معانة فولدت له نزار بن معد (1/327) ________________________________________ رجع الخبر إلى قصة بشتاسب وذكر ملكه والحوادث التي كانت في أيام ملكه التي جرت على يديه ويد غيره من عماله في البلاد خلا ما جرى من ذلك على يد بختنصر ذكر العلماء بأخبار الأمم السالفة من العجم والعرب أن بشتاسب بن كي لهراسب لما عقد له التاج قال يوم ملك نحن صارفون فكرنا وعملنا وعلمنا إلى كل ما ينال به البر وقيل إنه ابتنى بفارس مدينة فسا وببلاد الهند وغيرها بيوتا للنيران ووكل بها الهرابذة وإنه رتب سبعة نفر من عظماء أهل مملكته مراتب وملك كل واحد منهم ناحية جعلها له وإن زرادشت بن أسفيمان ظهر بعد ثلاثين سنة من ملكه فادعى النبوة وأراده على قبول دينه فامتنع من ذلك ثم صدقه وقبل ما دعاه إليه وأتاه به من كتاب ادعاه وحيا فكتب في جلد اثني عشرة ألف بقرة حفرا في الجلود ونقشا بالذهب وصير بشتاسب ذلك في موضع من إصطخر يقال له دزنبشت ووكل به الهرابذة ومنع تعليمه العامة وكان بشتاسب في أيامه تلك مهادنا لخرزاسف بن كي سواسف أخي فراسياب ملك الترك على ضرب من الصلح وكان من شرط ذلك الصلح أن يكون لبشتاسب بباب خرزاسف دابة موقوفة بمنزلة الدواب التي تنوب على أبواب الملوك فأشار زرادشت على يشتاسب بمفاسدة ملك الترك فقبل ذلك منه وبعث إلى الدابة والموكل بها فصرفهما إليه وأظهر الخبر لخرزاسف فغضب من ذلك وكان ساحرا عاتيا فأجمع على محاربة بشتاسب وكتب إليه كتابا غليظا عنيفا أعلمه فيه أنه أحدث حدثا عظيما وأنكر قبوله ما قبل من زرادشت وأمره بتوجيهه إليه وأقسم إن امتنع أن يغزوه حتى يسفك دمه ودماء أهل بيته فلما ورد الرسول بالكتاب على بشتاسب جمع إليه أهل بيته وعظماء أهل مملكته وفيهم جاماسف عالمهم وحاسبهم وزرين بن لهراسب فكتب بشتاسب إلى ملك الترك كتابا غليظا جواب كتابه آذنه فيه بالحرب وأعلمه أنه غير ممسك عنه إن أمسك فسار بعضهما إلى بعض مع كل واحد منهما من المقاتلة ما لا يحصى كثرة ومع بشتاسب يومئذ زرين أخوه ونسطور بن زرين وإسفنديار وبشوتن ابنا بشتاسب وآل لهراسب جميعا ومع خرزاسف وجوهرمز وأندرمان أخواه وأهل بيته وبيدرفش الساحر فقتل في تلك الحروب زرين واشتد ذلك على بشتاسب فأحسن الغناء عنه ابنه إسفنديار وقتل بيدرفش مبارزة فصارت الدبرة على الترك فقتلوا قتلا ذريعا ومضى خرزاسف هاربا ورجع بشتاسب إلى بلخ فلما مضت لتلك الحروب سنون سعى على إسفنديار رجل يقال له قرزم فأفسد قلب بشتاسب عليه فندبه لحرب بعد حرب ثم أمر بتقييده وصيره في الحصن الذي فيه حبس النساء وشخص بشتاسب إلى ناحية كرمان وسجستان وصار منها إلى جبل يقال له طميذر لدراسة دينه والنسك هناك وخلف لهراسب أباه مدينة بلخ شيخا قد أبطله الكبر وترك خزائنه وأمواله ونساءه (1/328) ________________________________________ مع خطوس امرأته فحملت الجواسيس الخبر إلى خرزاسف فلم اعرف جمع جنودا لا يحصون كثرة وشخص من بلاده نحو بلخ وقد أمل أن يجد فرصة من بشتاسب ومملكته فلما انتهى إلى تخوم ملك فارس قدم أمامه جوهرمز أخاه وكان مرشحا للملك بعده في جماعة من المقاتلة كثيرة وأمره أن يغذ السير حتى يتوسط المملكة ويوقع بأهلها ويغير على القرى والمدن ففعل ذلك جوهرمز وسفك الدماء واستباح من الحرم مالا يحصى واتبعه خرزاسف فأحرق الدواوين وقتل لهراسف والهرابذة وهدم بيوت النيران واستولى على الأموال والكنوز وسبى ابنتين لبشتاسب يقال لإحداهما خماني وللأخرى باذافره وأخذ فيما أخذ العلم الأكبر الذي كانوا يسمونه درفش كابيان وشخص متبعا لبشتاسب وهرب منه بشتاسب حتى تحصن في تلك الناحية مما يلي فارس في الجبل الذي يعرف بطميذر ونزل ببشتاسب ما ضاق به ذرعا فيقال إنه لما اشتد به الأمر وجه إلى إسفنديار جاماسب حتى استخرجه من محبسه ثم صار به إليه فلما أدخل عليه اعتذر إليه ووعده عقد التاج على رأسه وأن يفعل به مثل الذي فعل لهراسب به وقلده القيام بأمر عسكره ومحارب خرزاسف فلما سمع إسفنديار كلامه كفر له خاشعا ثم نهض من عنده فتولى عرض الجند وتمييزهم وتقدم فيما احتاج إلى التقدم فيه وبات ليلته مشغولا بتعبئته فلما أصبح أمر بنفخ القرون وجمع الجنود ثم سار بهم نحو عسكر الترك فلما رأت الترك عسكره خرجوا في وجوههم يتسابقون وفي القوم جوهرمز وأندرمان فالتحمت الحرب بينهم وانقض إسفنديار وفي يده الرمح كالبرق الخاطف حتى خالط القوم وأكب عليهم بالطعن فلم يكن إلا هنيهة حتى ثلم في العسكر ثلمة عظيمة وفشا في الترك أن إسفنديار قدأطلق من الحبس فانهزموا لا يلوون على شيء وانصرف إسفنديار وقد ارتجع العلم الأعظم وحمله معه منشورا فلما دخل على بشتاسب استبشر بظفره وأمره باتباع القوم وكان مما أوصاه به أن يقتل خرزاسف إن قدر عليه بلهراسف ويقتل جهرمز وأندرمان بمن قتل من ولده ويهدم حصون الترك ويحرق مدنها ويقتل أهلها بمن قتلوا من حملة الدين ويستنقذ السبايا ووجه معه ما احتاج إليه من القواد والعظماء فذكروا أن إسفنديار دخل بلاد الترك من طريق لم يرمه أحد قبله وأنه قام من حراسة جنده وقتل ما قتل من السباع ورمي العنقاء المذكورة بما لم يقم به أحد قبله ودخل مدينة الترك التي يسمونها دزروئين وتفسيرها بالعربية الصفرية عنوة حتى قتل الملك وإخوته ومقاتلته واستباح أمواله وسبى نساءه واستنقذ أختيه وكتب بالفتح إلى أبيه وكان أعظم الغناء في تلك المحاربة بعد إسفنديار لفشوتن أخيه وأدرنوش ومهرين بن ابنته ويقال إنهم لم يصلوا إلى المدينة حتى قطعوا أنهارا عظيمة مثل كاسروذ ومهرروذ ونهرا آخر لهم عظيما وإن إسفنديار دخل ايضا مدينة كانت لفراسياب يقال لها وهشكند ودوخ البلاد وصار إلى آخر حدودها وإلى التبت وباب صول ثم قطع البلاد وصير كل ناحية منها إلى رجل من وجوه الترك بعد أن آمنهم ووظف على كل واحد منهم خراجا يحمله إلى بشتاسب في كل سنة ثم انصرف إلى بلخ ثم إن بشتاسب حسد ابنه إسفنديار لما ظهر منه فوجهه إلى رستم بسجستان فحدثت عن هشام بن محمد الكلبي أنه قال قد كان بشتاسب جعل الملك من بعده لابنه إسفنديار وأغزاه الترك فظفر بهم وانصرف إلى أبيه فقال له هذا رستم متوسطا بلادنا وليس يعطينا الطاعة لادعائه ما جعل له قابوس من العتق من رق الملك فسر إليه فأتني به فسار إسفنديار إلى رستم فقاتله فقتله رستم ومات بشتاسب وكان (1/329) ________________________________________ ملكه مائة سنة واثنتي عشرة سنة وذكر بعضهم أن رجلا من بني إسرائيل يقال له سمي كان نبيا وأنه بعث إلى بشتاسب فصار إليه إلى بلخ ودخل مدينتها فاجتمع هو وزرادشت صاحب المجوس وجاماسب العالم بن فخد وكان سمي يتكلم بالعبرانية ويعرف زرادشت ذلك بتلقين ويكتب بالفارسية ما يقول سمي بالعبرانية ويدخل جاماسب معهما في ذلك وبهذا السبب سمي جاماسب العالم وزعم بعض العجم أن جاماسب هو ابن فخد بن هو بن حكاو بن نذكاو بن فرس بن رج بن خوراسرو بن منوشهر الملك وأن زرادشت بن يوسيف بن فردواسف بن ارتحد بن منجدسف بن جخشنش بن فيافيل بن الحدي بن هردان بن سفمان بن ويدس بن أدرا بن رج بن خوراسرو بن منوشهر وقيل إن بشتاسب وأباه لهراسب كانا على دين الصابئين حتى أتاه سمي وزرادشت بما أتياه به وأنهما أتياه بذلك لثلاثين سنة مضت من ملكه وقال هذا القائل كان ملك بشتاسب مائة وخمسين سنة فكان ممن رتب بشتاسب من النفر السبعة المراتب الشريفة وسماهم عظماء بهكا بهند ومسكنه دهستان من أرض جرجان وقارن الفلهوي ومسكنه ماه نهاوند وسورين الفلهوي ومسكنه سجستان وإسفنديار الفلهوي ومسكنه الري وقال آخرون كان ملك بشتاسب مائة وعشرين سنة (1/330) |
رد: مكتبتي
ذكر الخبر عن ملوك اليمن في أيام قابوس وبعده إلى عهد بهمن بن إسفنديار
قال أبو جعفر قد مضى ذكرنا الخبر عمن زعم أن قابوس كان في عهد سليمان بن داود عليهما السلام ومضى ذكرنا من كان في عهد سليمان من ملوك اليمن والخبر عن بلقيس بنت إيليشرح فحدثت عن هشام بن محمد الكلبي أن الملك باليمن صار بعد بلقيس إلى ياسر بن عمرو بن يعفر الذي كان يقال له ياسر أنعم قال وإنما سموه ياسر أنعم لإنعامه عليهم بما قوى من ملكهم وجمع من أمرهم قال فزعم أهل اليمن أنه سار غازيا نحو المغرب حتى بلغ واديا يقال له وادي الرمل ولم يبلغه أحد قبله فلما انتهى إليه لم يجد وراءه مجازا لكثرة الرمل فبينما هو مقيم عليه إذ انكشف الرمل فأمر رجلا من أهل بيته يقال له عمرو أن يعبر هو وأصحابه فعبروا فلم يراجعوا فلما رأى ذلك أمر بصنم نحاس فصنع ثم نصب على صخرة على شفير الوادي وكتب في صدره بالمسند هذا الصنم لياسر أنعم الحميري وليس وراءه مذهب فلا يتكلفن ذلك أحد فيعطب قال ثم ملك من بعده تبع وهو تبان أسعد وهو أبو كرب بن ملكي كرب تبع بن زيد بن عمرو بن تبع وهو ذو الأذعار بن أبرهة تبع ذي المنار بن الرائش بن قيس ين صيفي بن سبأ قال وكان يقال له الرائد قال فكان تبع هذا في أيام بشتاسب وأردشير بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب وأنه شخص متوجها من اليمن في الطريق الذي سلكه الرائش حتى خرج على جبلي طيئ ثم سار يريد الأنبار فلما انتهى إلى الحيرة وذلك ليلا تحير فأقام مكانه وسمي ذلك الموضع الحيرة ثم سار وخلف به قوما من الأزد ولخم وجذام وعاملة وقضاعة فبنوا وأقاموا به ثم انتقل إليهم بعد ذلك ناس من طيىء وكلب والسكون وبلحارث بن كعب وإياد ثم توجه إلى الأنبار ثم إلى الموصل ثم إلى أذربيجان فلقي الترك بها فهزمهم فقتل المقاتلة وسبى الذرية ثم انكفأ راجعا إلى اليمن فأقام بها دهرا وهابته الملوك وعظمته وأهدت إليه فقدم عليه رسول ملك الهند بالهدايا والتحف من الحرير والمسك والعود وسائر طرف بلاد الهند فرأى ما لم ير مثله فقال ويحك أكل ما أرى في بلادكم فقال أبيت اللعن أقل ما ترى في بلادنا وأكثره في بلاد الصين ووصف له بلاد الصين وسعتها وخصبها وكثرة طرفها فآلى بيمين ليغزونها فسار بحمير مساحلا حتى أتى الركائك وأصحاب القلانس السود ووجه رجلا من أصحابه يقال له ثابت نحو ا لصين في جمع عظيم فأصيب فسار تبع حتى دخل الصين فقتل مقاتلها واكتسح ما وجد فيها قال ويزعمون أن مسيره كان إليها ومقامه بها ورجعته منها (1/331) ________________________________________ في سبع سنين وأنه خلف بالتبت اثني عشر ألف فارس من حمير فهم أهل التبت وهم اليوم يزعمون أنهم عرب وخلقهم وألوانهم خلق العرب وألوانها حدثني عبدالله بن أحمد المروزي قال حدثني أبي قال حدثني سليمان قال قرأت على عبدالله عن إسحاق بن يحيى عن موسى بن طلحة أن تبعا خرج في العرب يسير حتى تحيروا بظاهر الكوفة وكان منزلا من منازله فبقي فيها من ضعفة الناس فسميت الحيرة لتحيرهم وخرج تبع سائرا فرجع إليهم وقد بنوا وأقاموا وأقبل تبع إلى اليمن وأقاموا هم ففيهم من قبائل العرب كلها من بني لحيان وهذيل وتميم وجعفي وطيىء وكلب (1/332) |
رد: مكتبتي
ذكر خبر أردشير بهمن وابنته خماني
ثم ملك بعد بشتاسب ابن ابنه أردشير بهمن فذكر أنه قال يوم ملك وعقد التاج على رأسه نحن محافظون على الوفاء ودائنون رعيتنا بالخير فكان يدعى أردشير الطويل الباع وإنما لقب بذلك فيما قيل لتناوله كل ما مد إليه يده من الممالك التي حوله حتى ملك الأقاليم كلها وقيل إنه ابتنى بالسواد مدينة وسماها آباد أردشير هي القرية المعروفة بهمينا من الزاب الأعلى وابتنى بكور دجلة مدينة وسماها بهمن أردشير وهي الأبلة وسار إلى سجستان طالبا بثأر أبيه فقتل رستم واباه دستان وأخاه إزواره وانبه فرمرز واجتبى الناس لأرزاق الجند ونفقات الهرابذة وبيوت النيران وغير ذلك أموالا عظيمة وهو أبو دارا الأكبر وأبو ساسان أبي ملوك الفرس الأخر أردشير بن بابك وولده وأم دارا خماني بنت بهمن فحدثت عن هشام بن محمد قال ملك بعد بشتاسب أردشير بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب وكان فيما ذكروا متواضعا مرضيا فيهم وكانت كتبه تخرج من أردشير عبدالله وخادم الله السائس لأمركم قال ويقال إنه غزا الرومية الداخلة في ألف ألف مقاتل وقال غير هشام هلك بهمن ودارا في بطن أمه فملكوا خماني شكرا لأبيها بهمن ولم تزل ملوك الأرض تحمل إلى بهمن الإتاوة والصلح وكان من أعظم ملوك الفرس فيما قالوا شأنا وأفضلهم تدبيرا وله كتب ورسائل تفوق كتب أردشير وعهده وكانت أم بهمن أستوريا وهي استار بنت يائير بن شمعي بن قيس بن ميشا بن طالوت الملك بن قيس بن أبل بن صارور بن بحرث بن أفيح بن إيشى بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام وكانت أم ولده راحب بنت فنحس من ولد رحبعم بن سليمان بن داود عليه السلام وكان بهمن ملك أخاها زربابل بن شلتايل على بني إسرائيل وصير له رياسة الجالوت ورده إلى الشام بمسألة راحب أخته إياه ذلك فتوفي بهمن يوم توفي وله من الولد ابناه دارا الأكبر وساسان وبناته خماني التي ملكت بعده وفرنك وبهمن دخت وتفسير بهمن بالعربية الحسن النية وكان ملكه مائة واثنتي عشرة سنة فأما ابن الكلبي هشام فإنه قال كان ملكه ثمانين سنة ثم ملكت خماني بنت بهمن وكانوا ملكوها حبا لأبيها بهمن وشكرا لإحسانه ولكمال عقلها وبهائها وفروسيتها ونجدتها فيما ذكره بعض أهل الأخبار فكانت تلقب بشهرازاد وقال بعضهم إنما ملكت خماني بعد أبيها بهمن أنها حين حملت منه دارا الأكبر سألته أن يعقد التاج له في بطنها ويؤثره بالملك ففعل ذلك بهمن (1/333) ________________________________________ بدارا وعقد عليه التاج حملا في بطنها وساسان بن بهمن في ذلك الوقت رجل يتصنع للملك لا يشك فيه فلم ارأى ساسان ما فعل أبوه من ذلك لحق بإصطخر فتزهد وخرج من الحلية الأولى وتعبد فلحق برؤوس الجبال يتعبد فيها واتخذ غنيمة فكان يتولى ماشيته بنفسه واستشنعت العامة ذلك من فعله وفظعت به وقالوا صار ساسان راعيا فكان ذلك سبب نسبة الناس إياه إلى الرعي وأم ساسان ابنة شالتيال بن يوحنا بن أوشيا بن أمون بن منشى بن حازقيا بن أحاذ بن يوثام بن عوزيا بن يورام بن يوشافط بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود وقيل إن بهمن هلك وابنه دارا في بطن خماني وأنها ولدته بعد أشهر من ملكها وأنفت من إظهار ذلك فجعلته في تابوت وصيرت معه جوهرا نفيسا وأجرته في نهر الكر من إصطخر وقال بعضهم بل نهر بلخ وإن التابوت صار إلى رجل طحان من أهل إصطخر كان له ولد صغير فهلك فلما وجده الرجل أتى به امرأته فسرت به لجماله ونفاسة ما وجد معه فحضنوه ثم أظهر أمره حين شب وأقرت خماني بإساءتها إليه وتعريضها إياه للتلف فلما تكامل امتحن فوجد على غاية ما يكون عليه أبناء الملوك فحولت التاج عن رأسها إليه وتقلد أمر المملكة وتنقلت خماني وصارت إلى فارس وبنت مدينة إصطخر وأغزت الروم جيشا بعد جيش وكانت قد أوتيت ظفرا فقمعت الأعداء وشغلتهم عن تطرف شيء من بلادها ونال رعيتها في ملكها رفاهة وخفضا وكانت خماني حين أغزت أرض الروم سبي لها منها بشر كثير وحملوا إلى بلادها فأمرت من فيهم من بنائي الروم فبنوا لها في كل موضع من حيز مدينة إصطخر بنيانا على بناء الروم منيفا معجبا أحد ذلك البنيان في مدينة إصطخر والثاني على المدرجة التي تسلك فيها إلى دارا بجرد على فرسخ من هذه المدينة والثالث على أربعة فراسخ منها في المدرجة التي تسلك فيها إلى خراسان وإنها أجهدت نفسها في طلب مرضاة الله عز و جل فأوتيت الظفر والنصر وخففت عن رعيتها في الخراج وكان ملكها ثلاثين سنة ثم نرجع الآن إلى |
رد: مكتبتي
ذكر خبر بني إسرائيل ومقابلة تأريخ مدة أيامهم
إلى حين تصرمها بتأريخ مدة من كان في أيامهم من ملوك الفرس قد ذكرنا فيما مضى قبل سبب انصراف من انصرف إلى بيت المقدس من سبايا بني إسرائيل الذين كان بختنصر سباهم وحملهم معه إلى أرض بابل وأن ذلك كان في أيام كيرش بن أخشويرش وملكه ببابل من قبل بهمن بن إسفنديار في حياته وأربع سنين بعد وفاته في ملك ابنته خماني وأن خماني عاشت بعد هلاك كيرش بن أخشويرش ستا وعشرين سنة في ملكها تمام ثلاثين سنة وكانت مدة خراب بيت المقدس من لدن خربه بختنصر إلى أن عمر فيما ذكره أهل الكتب القديمة والعلماء بالإخبار سبعين سنة كل ذلك في ايام بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب بن لهراسب بعضه وبعضه في أيام خماني على ما قد بين في هذا الكتاب وقد زعم بعضهم أن كيرش هو بشتاسب وأنكر ذلك من قبله بعضهم وقال كي أرش إنما هو عم لجد بشتاسب وقال هو كي إرش أخو كيقاوس بن كيبيه بن كيقباذ الأكبر وبشتاسب الملك هو ابن كيلهراسب بن كيوجي بن كيمنوش بن كيقاوس بن كيبيه بن كيقباذ الأكبر قال ولم يملك كي أرض قط وإنما كان مملكا على خوزستان وما يتصل بها من أرض بابل من قبل كيقاوس ومن قبل كيخسرو بن سياوخش بن كيقاوس ومن قبل لهراسف من بعده وكان طويل العمر عظيم الشأن ولما عمر بيت المقدس ورجع إليه أهله من بني إسرائيل كان فيهم عزير وقد وصفت ما كان من أمره وأمر بني إسرائيل وكان الملك عليهم بعد ذلك من قبل الفرس إما رجل منهم وإما رجل من بني إسرائيل إلى أن صار الملك بناحيتهم لليونانية والروم بسبب غلبة الإسكندر على تلك الناحية حين قتل دارا بن دارا وكانت جملة مدة ذلك فيما قيل ثماينا وثمانين سنة ونذكر الآن (1/335) |
رد: مكتبتي
خبر دارا الأكبر وابنه دارا الأصغر ابن دارا الأكبر وكيف كان هلاكه مع خبر ذي القرنين
وملك دارا بن بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب وكان ينبه بجهرازاد يعني به كريم الطبع فذكروا أنه نزل بابل وكان ضابطا لملكه قاهرا لمن حوله من الملوك يؤدون إليه الخراج وأنه ابتنى بفارس مدينة سماها دارابجرد وحذف دواب البرد ورتبها وكان معجبا بابنه دارا وأنه من حبه إياه سماه باسم نفسه وصير له الملك من بعده وأنه كان له وزير يسمى رستين محمودا في عقله وأنه شجر بينه وبين غلام تربى مع دارا الأصغر يقال له بري شر وعداوة فسعى رستين عليه عند الملك فقيل إن الملك سقى بري شربة مات منها واضطغن دارا على رستين الوزير وجماعة من القواد كانوا عاونوه على بري ما كان منهم وكان ملك دارا اثنتي عشرة سنة ثم ملك من بعده ابنه دارا بن دارا بن بهمن وكانت أمه ماهيا هند بنت هزارمرد بن بهرادمه فلما عقد التاج على رأسه قال لن ندفع أحدا في مهوى الهلكة ومن تردى فيها لم نكففه عنها وقيل إنه بنى بأرض الجزيرة مدينة دارا واستكتب أخا بري واستوزره لأنسه كان به وبأخيه فأفسد قلبه على أصحابه وحمله على قتل بعضهم فاستوحشت لذلك منه الخاصة والعامة ونفروا عنه وكان شابا غرا حميا حقودا جبارا وحدثت عن هشام بن محمد قال ملك من بعد دارا بن أردشير دارا بن دارا أربع عشرة سنة فأساء السيرة في رعيته وقتل رؤساءهم وغزاه الإسكندر على تئفة ذلك وقد مله أهل مملكته وسئموه وأحبوا الراحة منه فلحق كثير من وجوههم وأعلامهم بالإسكندر فأطلعوه على عورة دارا وقووه عليه فالتقيا ببلاد الجزيرة فاقتتلا سنة ثم إن رجالا من أصحاب دارا وثبوا به فقتلوه وتقربوا برأسه إلى الإسكندر فأمر بقتلهم وقال هذا جزاء من اجترأ على ملكه وتزوج ابنته روشنك بنت دارا وغزا الهند ومشارق الأرض ثم انصرف وهو يريد الإسكندرية فهلك بناحية السواد فحمل إلى الإسكندرية في تابوت من ذهب وكان ملكه أربع عشرة سنة واجتمع ملك الروم وكان قبل الإسكندر متفرقا وتفرق ملك فارس وكان قبل الإسكندر مجتمعا قال وذكر غير هشام أن دارا بن دارا لما ملك أمر فبنيت له بأرض الجزيرة مدينة واسعة وسماها دارنوا وهي التي تسمى اليوم دارا وأنه عمرها وشحنها من كل ما يحتاج إليه فيها وأن فيلفوس أبا الإسكندر اليوناني من أهل بلدة من بلاد اليونانيين تدعى مقدونية كان ملكا عليها وعلى بلاد أخرى احتازها إليها كان صالح دارا على خراج يحمله إليه في كل سنة وأن فيلفوس هلك فملك بعده ابنه الإسكندر فلم يحمل إلى دارا ما (1/336) ________________________________________ كان يحمله إليه أبوه من الخراج فأسخط ذلك عليه دارا وكتب إليه يؤنبه بسوء صنيعه في تركه حمل ما كان أبوه يحمل إليه من الخراج وغيره وأنه إنما دعاه إلى حبس ما كان أبوه يحمل إليه من الخراج الصبا والجهل وبعث إليه بصولجان وكرة وقفيز من سمسم وأعلمه فيما كتب إليه أنه صبي وأنه ينبغي له أن يلعب بالصولجان والكرة اللذين بعث بهما إليه ولا يتقلد الملك ولا يتلبس به وأنه إن لم يقتصر على ما أمره به من ذلك وتعاطى الملك واستعصى عليه بعث إليه من يأتيه به في وثاق وأن عدة جنوده كعدة حب السمسم الذي بعث به إليه فكتب إليه الإسكندر في جواب كتابه ذلك أن قد فهم ما كتب وأن قد نظر إلى ما ذكر في كتابه إليه من إرساله الصولجان والكرة وتيمن به لإلقاء الملقي الكرة إلى الصولجان واحترازه إياها وشبه الأرض بالكرة وأنه محتاز ملك دارا إلى ملكه وبلاده إلى حيزه من الأرض وأن نظره إلى السمسم الذي بعث به إليه كنظره إلى الصولجان والكرة لدسمه وبعده من المرارة والحرافة وبعث إلى دارا مع كتابه بصرة من خردل وأعلمه في ذلك الجواب أن ما بعث به إليه قليل غير أن ذلك مثل الذي بعث به في الحرافة والمرارة والقوة وأن جنوده في كل ما وصف به منه فلما وصل إلى دارا جواب كتاب الإسكندر جمع إليه جنده وتأهب لمحاربة الإسكندر وتأهب الإسكندر وسار نحو بلاد دارا وبلغ ذلك دارا فزحف إليه فالتقى الفئتان واقتتلا أشد القتال وصارت الدبرة على جند دارا فلما رأى ذلك رجلان من حرس دارا يقال إنهما كانا من أهل همدان طعنا دارا من خلفه فأردياه من مركبه وأرادا بطعنهما إياه الحظوة عند الإسكندر والوسيلة إليه ونادى الإسكندر أن يؤسر دارا أسرا ولا يقتل فأخبر بشأن دارا فسار الإسكندر حتى وقف عنده فرآه يجود بنفسه فنزل الإسكندر عن دابته حتى حبس عند رأسه وأخبره أنه لم يهم قط بقتله وأن الذي اصابه لم يكن عن رأيه وقال له سلني ما بدا لك فأسعفك فيه فقال له دارا لي إليك حاجتان إحداهما أن تنتقم لي من الرجلين اللذين فتكا بي وسماهما وبلادهما والأخرى أن تتزوج ابنتي روشنك فأجابه إلى الحاجتين وأمر بصلب الرجلين اللذين انتهكا من دارا ما انتهكا وتزوج روشنك وتوسط بلاد دارا وكان ملكه له وزعم بعض أهل العلم بأخبار الأولين أن الإسكندر هذا الذي حارب دارا الأصغر هو أخو دارا الأصغر الذي حاربه وأن أباه دارا الأكبر كان تزوج أم الإسكندر وأنها ابنة ملك الروم واسمها هلاي وأنها حملت إلى زوجها دارا الأكبر فلما وجد نتن ريحها وعرقها وسهكها أمر أن يحتال لذلك منها فاجتمع رأي أهل المعرفة في مداواتها على شجرة يقال لها بالفارسية سندر فطبخت لها فغسلت بها وبمائها فأذهب ذلك كثيرا من ذلك النتن ولم يذهب كله وانتهت نفسه عنها لبقية ما بها وعافها وردها إلى أهلها وقد علقت منه فولدت غلاما في أهلها فسمته باسمها واسم الشجرة التي غسلت بها حتى أذهب عنها نتنها هلاي سندروس فهذا أصل الإسكندروس قال وهلك دارا الأكبر وصار الملك إلى ابنه دارا الأصغر وكانت ملوك الروم تؤدي الخراج إلى دارا الأكبر في كل سنة فهلك أبو هلاي ملك الروم جد الإسكندر لأمه فلما صار الملك لابن ابنته بعث دارا الأصغر إليه للعادة إنك أبطأت علينا بالخراج الذي كنت تؤديه ويؤديه من كان قبلك فابعث إلينا بخراج بلادك (1/337) ________________________________________ وإلا نابذناك المحاربة فرجع إليه جوابه أني قد ذبحت الدجاجة وأكلت لحمها ولم يبق لها بقية وقد بقيت الأطراف فإن أحببت وادعناك وإن أحببت ناجزناك فعند ذلك نافره دارا وناجزه القتال وجعل الإسكندر لحاجبي دارا حكمها على الفتك به فاحتكما شيئا ولم يشترطا أنفسهما فلما التقوا للحرب طعن حاجبا دارا دارا في الوقعة فلحقه الإسكندر صريعا فنزل إليه وهو بآخر رمق فمسح التراب عن وجهه ووضع رأسه في حجره ثم قال له إنما قتلك حاجباك ولقد كنت أرغب بك يا شريف الأشراف وحر الأحرار وملك الملوك عن هذا المصرح فأوصني بما أحببت فأوصاه دارا أن يتزوج ابنته روشنك ويتخذها لنفسه ويستبقي أحرار فارس ولا يولي عليهم غيرهم فقيل وصيته وعمل بأمره وجاء اللذان قتلا دارا إلى الإسكندر فدفع إليهما حكمهما ووفى لهما ثم قال لهما قد وفيت لكما كما اشترطتما ولم تكونا اشترطتما أنفسكما فأنا قاتلكما فإنه ليس ينبغي لقتلة الملوك أن يستبقوا إلا بذمة لا تخفر فقتلهما وذكر بعضهم أن ملك الروم في أيام دارا الأكبر كان يؤدي إلى دارا الإتاوة فهلك وملك الروم الإسكندر وكان رجلا ذا حزم وقوة ومكر فيقال إنه غزا بعض ملوك المغرب فظفر به وآنس لذلك من نفسه القوة فنشز على دارا الأصغر وامتنع من حمل ما كان أبوه يحمله من الخراج فحمي دارا لذلك وكتب إليه كتبا عنيفة ففسد ما بينهما وسار كل واحد منهما إلى صاحبه وقد احتشدا والتقيا في الحد واختلفت بينهما الكتب والرسائل ووجل الإسكندر من محاربة دارا ودعاه إلى الموادعة فاستشار دارا أصحابه في أمره فزينوا له الحرب لفساد قلوبهم عليه وقد اختلفوا في الحد وموضع التقائهما فذكر بعضهم أن التقاءهما كان بناحية خراسان مما يلي الخزر فاقتتلوا قتالا شديدا حتى خلص إليهما السلاح وكان تحت الإسكندر يومئذ فرس له عجيب يقال له بوكفراسب ويقال إن رجلا من أهل فارس حمل ذلك اليوم حتى تخرق الصفوف وضرب الإسكندر ضربة بالسيف خيف عليه منها وإنه تعجب من فعله وقال هذا من فرسان فارس الذي كانت توصف شدتهم وتحركت على دارا ضغائن أصحابه وكان في حرسه رجلان من أهل همدان فراسلا الإسكندر والتمسا الحيلة لدارا حتى طعناه فكانت منيته من طعنهما إياه ثم هربا فقيل إنه لما وقعت الصيحة وانتهى الخبر إلى الإسكندر ركب في أصحابه فلما انتهى إلى دارا وجده يجود بنفسه فكلمه ووضع رأسه في حجره وبكى عليه وقال له أتيت من مأمنك وغدر بك ثقاتك وصرت بين أعدائك وحيدا فسلني حوائجك فإني على المحافظة على القرابة بيننا يعني القرابة بين سلم وهيرج ابني أفريذون فيما زعم هذا القائل وأظهر الجزع لما أصابه وحمد ربه حين لم يبتله بأمره فسأله دارا أن يتزوج ابنته روشنك ويرعى لها حقها ويعظم قدرها وأن يطلب بثأره فأجابه الإسكندر إلى ذلك ثم أتاه الرجلان اللذان وثبا على دارا يطلبان الجزاء فأمر بضرب رقابهما وصلبهما وأن ينادى عليهما هذا جزاء من اجترأ على ملكه وغش أهل بلده ويقال إن الإسكندر حمل كتبا وعلوما كانت لأهل فارس من علوم ونجوم وحكمة بعد ان نقل ذلك إلى السريانية ثم إلى الرومية وزعم بعضهم أن دارا قتل وله من الولد الذكور أشك بن دارا وبنو دارا وأردشير وله من البنات روشنك وكان ملك دارا أربع عشرة سنة (1/338) ________________________________________ وذكر بعضهم أن الإتاوة التي كان أبو الإسكندر يؤديها إلى ملوك الفرس كانت بيضا من ذهب فلما ملك الإسكندر بعث إليه دارا يطلب ذلك الخراج فبعث إليه إني قد ذبحت تلك الدجاجة التي كانت تبيض ذلك البيض وأكلت لحمها فأذن بالحرب ثم ملك الإسكندر بعد دارا بن دارا وقد ذكرت قول من يقول هو أخو دارا بن دارا من أبيه دارا الأكبر وأما الروم وكثير من أهل الأنساب فإنهم يقولون هو الإسكندر بن فيلفوس وبعضهم يقول هو ابن بيلبوس بن مطريوس ويقال ابن مصريم بن هرمس بن هردس بن ميطون بن رومي بن ليطي بن يونان بن يافث بن ثوبة بن سرحون بن رومية بن زنط بن توقيل بن رومي بن الأصفر بن اليفز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام فجمع بعد مهلك دارا ملك دارا إلى ملكه فملك العراق والروم والشأم ومصر وعرض جنده بعد هلاك دارا فوجدهم فيما قيل ألف ألف وأربعمائة ألف رجل منهم من جنده ثمانمائة ألف ومن جند دارا ستمائة ألف وذكر أنه قال يوم جلس على سريره قد أدالنا الله من دارا ورزقنا خلاف ما كان يتوعدنا به وأنه هدم ما كان في بلاد الفرس من المدن والحصون وبيوت النيران وقتل الهرابذة وأحرق كتبهم ودواوين دارا واستعمل على مملكة دارا رجالا من أصحابه وسار قدما إلى أرض الهند فقتل ملكها وفتح مدينتها ثم سار منها إلى الصين فصنع بها كصنيعه بأرض الهند ودانت له عامة الأرضين وملك التبت والصين ودخل الظلمات مما يلي القطب الشمالي والشمس جنوبية في أربعمائة رجل يطلب عين الخلد فسار فيها ثمانية عشر يوما ثم خرج ورجع إلى العراق وملك ملوك الطوائف ومات في طريقه بشهرزور وكان عمره ستا وثلاثين سنة في قول بعضهم وحمل إلى أمه بالإسكندرية وأما الفرس فإنها تزعم أن ملك الإسكندر كان أربع عشرة سنة والنصارى تزعم أن ذلك كان ثلاث عشرة سنة وأشهرا ويزعمون أن قتل دارا كان في أول السنة الثاثة من ملكه وقيل إنه أمر ببناء مدن فبنيت اثنتا عشرة مدينة وسماها كلها إسكندرية منها مدينة بأصبهان يقال جي بنيت على مثال الحية وثلاث مدائن بخراسان منهن مدينة هراة ومدينة مرو ومدينة سمرقند وبأرض بابل مدينة لروشنك بنت دارا وبأرض اليونانية في بلاد هيلاقوس مدينة للفرس ومدنا أخر غيرها ولما مات الإسكندر عرض الملك من بعده على ابنه الإسكندروس فأبى واختار النسك والعبادة فملكت اليونانية عليهم فيما قيل بطلميوس بن لوغوس وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة فكانت المملكة أيام اليونانية بعد الإسكندر وحياة الإسكندر إلى أن تحول الملك إلى الروم المصاص لليونانية ولبني إسرائيل ببيت المقدس ونواحيها الديانة والرياسة على غير وجه الملك إلى أن خربت بلادهم الفرس والروم وطردوهم عنها بعد قتل يحيى بن زكرياء عليه السلام ثم كان الملك ببلاد الشام ومصر ونواحي المغرب بعد بطليموس بن لوغوس لبطليموس دينايوس أربعين سنة ثم من بعده لطليموس أورغاطس أربعا وعشرين سنة (1/339) ________________________________________ ثم من بعده لبطلميوس فيلافطر إحدى وعشرين سنة ثم من بعده لبطلميوس أفيفانس اثنتين وعشرين سنة ثم من بعده لبطلميوس أورغاطس تسعا وعشرين سنة ثم من بعده لبطلميوس ساطر سبع عشرة سنة ثم من بعده لبطلميوس الأحسندر إحدى عشرة سنة ثم من بعده لبطلميوس الذي اختفى عن ملكه ثماني سنين ثم من بعده لبطلميوس دونسيوس ست عشرة سنة ثم من بعده لبطلميوس قالوبطري سبع عشرة سنة فكل هؤلاء كانوا يونانيين فكل ملك منهم بعد الإسكندر كان يدعى بطلميوس كما كانت ملوك الفرس يدعون أكاسرة وهم الذين يقال لهم المفقانيون ثم ملك الشام بعد قالوبطري فيما ذكر الروم المصاص فكان أول من ملك منهم جايوس يوليوس خمس سنين ثم ملك الشام بعده أغوسطوس ستا وخمسين سنة فلم مضى من ملكه اثنتان وأربعون سنة ولد عيسى بن مريم عليه السلام وبين مولده وقيام الإسكندر ثلاثمائة سنة وثلاث سنين (1/340) |
رد: مكتبتي
ذكر أخبار ملوك الفرس بعد الإسكندر وهم ملوك الطوائف
ونرجع الآن إلى ذكر خبر الفرس بعد مهلك الإسكندر لسياق التأريخ على ملكهم فاختلف أهل العلم بأخبار الماضين في الملك الذي كان بسواد العراق بعد الإسكندر وفي عدد ملوك الطوائف الذين كانوا ملكوا إقليم بابل بعده إلى أن قام بالملك أردشير بابكان فأما هشام بن محمد فإنه قال فيما حدثت عنه ملك بعد الإسكندر يلاقس سلقيس ثم أنطيحس قال وهو الذي بنى مدينة أنطاكية قال وكان في أيدي هؤلاء الملوك سواد الكوفة قال وكانوا يتطرقون الجبال وناحية الأهواز وفارس حتى خرج رجل يقال له أشك وهو ابن دارا الأكبر وكان مولده ومنشؤه بالري فجمع جمعا كثيرا وسار يريد أنطيحس فزحف إليه أنطيحس فالتقيا ببلاد الموصل فقتل أنطيحس وغلب أشك على السواد فصار في يده من الموصل إلى الري وأصبهان وعظمه سائر ملوك الطوائف لنسبه وشرفه فيهم ما كان من فعله وعرفوا له فضله وبدأوا به في كتبهم وكتب إليهم فبدأ بنفسه وسموه ملكا وأهدوا إليه من غير أن يعزل أحدا منهم أو يستعمله ثم ملك بعده جوذرز بن أشكان قال وهو الذي غزا بني إسرائيل في المرة الثانية وكان سبب تسليط الله إياه عليهم فيما ذكر أهل العلم قتلهم يحيى بن زكرياء فأكثر القتل فيهم فلم تعد لهم جماعة كجماعتهم الأولى ورفع الله عنهم النبوة وأنزل بهم الذل قال وقد كانت الروم غزت بلاد فارس يقودها ملكها الأعظم يلتمس أن يدرك بثأرها في فارس لقتل أشك ملك بابل أنطيحس وملك بابل يومئذ بلاش أبو أردوان الذي قتله أردشير بن بابك فكتب بلاش إلى ملوك الطوائف يعلمهم ما اجتمعت عليه الروم من غزو بلادهم وأنه قد بلغه من حشدهم وجمعهم مالا كفاء له عنده وأنه إن ضعف عنهم ظفروا بهم جميعا فوجه كل ملك من ملوك الطوائف إلى بلاش من الرجال والسلاح والمال بقدر قوته حتى اجتمع عنده أربعمائة ألف رجل فولى عليهم صاحب الحضر وكان ملكا من ملوك الطوائف يلي ما بين انقطاع السواد إلى الجزيرة فسار بهم حتى لقي ملك الروم فقتله واستباح عسكره وذلك هيج الروم على بناء القسطنطينية ونقل الملك من رومية إليها فكان الذي ولى إنشاءها الملك قسطنطين وهو أول ملوك الروم تنصر وهو أجلى من بقي من بني إسرائيل عن فلسطين والأردن لقتلهم بزعمه عيسى بن مريم فأخذ الخشبة التي وجدهم يزعمون أنهم صلبوا المسيح عليها فعظمها الروم فأدخلوها خزائنهم فهي عندهم إلى اليوم قال ولم يزل ملك فارس متفرقا حتى ملك أردشير فذكر هشام ما ذكرت عنه ولم يبين مدة ملك القوم (1/341) ________________________________________ وقال غيره من أهل العلم بأخبار فارس ملك بعد الإسكندر ملك دارا أناس من غير ملوك الفرس غير أنهم كانوا يخضعون لكل من يملك بلاد الجبل ويمنحونه الطاعة قال وهم الملوك الأشغانون الذين يدعون ملوك الطوائف قال فكان ملكهم مائتي سنة وستا وستين سنة فملك من هذه السنين أشك بن أشجان عشر سنين ثم ملك بعده سابور بن أشغان ستين سنة وفي سنة إحدى وأربعين من ملكه ظهر عيسى بن مريم بأرض فلسطين وإن ططوس بن أسفسيانوس ملك رومية غزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بن مريم بنحو من أربعين سنة فقتل من في مدينة بيت المقدس وسبى ذراريهم وأمرهم فنسفت مدينة بيت المقدس حتى لم يترك بها حجرا على حجر ثم ملك جوذرز بن أشغانان الأكبر عشر سنين ثم ملك بيزن الأشغاني إحدى وعشرين سنة ثم ملك جوذرز الأشغاني تسع عشرة سنة ثم ملك نرسي الأشغاني أربعين سنة ثم ملك هرمز الأشغاني سبع عشرة سنة ثم ملك أردوان الأشغاني اثنتي عشرة سنة ثم ملك كسرى الأشغاني أربعين سنة ثم ملك بلاش الأشغاني أربعا وعشرين سنة ثم ملك أردوان الأصغر الأشغاني ثلاث عشرة سنة ثم ملك أردشير بن بابك وقال بعضهم ملك بلاد الفرس بعد الإسكندر ملوك الطوائف الذين فرق الإسكندر المملكة بينهم وتفرد بكل ناحية من ملك عليها من حين ملكه ما خلا السواد فإنها كانت أربعا وخمسين سنة بعد هلاك الإسكندر في يد الروم وكان في ملوك الطوائف رجل من نسل الملوك مملكا على الجبال وأصبهان ثم غلب ولده بعد ذلك علىالسواد فكانوا ملوكا عليها وعلى الماهات والجبال وأصبهان كالرئيس على سائر ملوك الطوائف لأن السنة جرت بتقديمه وتقديم ولده ولذلك قصد لذكرهم في كتب سير الملوك فاقتصر على تسميتهم دون غيرهم قال ويقال إن عيسى بن مريم عليه السلام ولد بأوريشلم بعد إحدى وخمسين سنة من ملوك الطوائف فكانت سنو ملكهم من لدن الإسكندر إلى وثوب أردشير بن بابك وقتله أردوان واستواء الأمر له مائتين وستا وستين سنة (1/342) ________________________________________ قال فمن الملوك الذين ملكوا الجبال ثم تهيأت لأولادهم بعد ذلك الغلبة على السواد أشك بن حره بن رسبيان بن أرتشاخ بن هرمز بن ساهم بن رزان بن إسفنديار بن بشتاسب قال والفرس تزعم أنه أشك بن دارا وقال بعضهم أشك بن أشكان الكبير وكان من ولد كيبيه بن كيقباذ وكان ملكه عشر سنين ثم ملك من بعده أشك بن أشك بن أشكان إحدى وعشرين سنة ثم ملك سابور بن أشك بن أشكان إحدى وعشرين سنة ثم ملك سابور بن أشك بن أشكان ثلاثين سنة ثم ملك جوذرز الأكبر بن سابور بن أشكان عشر سنين ثم ملك بيرن بن جوذرز إحدى وعشرين سنة ثم جوذرز الأصغر بن بيزن تسع عشرة سنة ثم نرسه بن جوذرز الأصغر أربعين سنة ثم هرمز بن بلاش بن أشكان سبع عشرة سنة ثم أردوان الأكبر وهو أردوان بن أشكان اثنتي عشرة سنة ثم كسرى بن أشكان أربعين سنة ثم بهافريد الأشكاني تسع سنين ثم بلاش الأشكاني أربعا وعشرين سنة ثم أردوان الأصغر وهو أردوان بن بلاش بن فيروز بن هرمز بن بلاشر بن سابور بن أشك بن أشكان الأكبر وكان جده كيبيه بن كيقباذ ويقال إنه كان أعظم الأشكانية ملكا وأظهرهم عزا وأسناهم ذكرا وأشدهم قهرا لملوك الطوائف وأنه كان قد غلب على كورة إصطخر لاتصالها بأصبهان ثم تخطى إلى جور وغيرها من فارس حتى غلب عليها ودانت له ملوكها لهيبة ملوك الطوائف كانت له وكان ملكه ثلاث عشرة سنة ثم ملك أردشير وقال بعضهم ملك العراق وما بين الشأم ومصر بعد الإسكندر تسعون ملكا على تسعين طائفة كلهم يعظم من يملك المدائن وهم الأشكانيون قال فملك من الأشكانيين أفقور شاه بن بلاش بن سابور بن أشكان بن أرش الجبار بن سياوش بن كيقاوس الملك اثنتين وستين سنة ثم سابور بن أفقور وعلى عهده كان المسيح ويحيى عليهما السلام ثلاثا وخمسين سنة ثم جوذرز بن سابور بن أفقور الذي غزا بني إسرائيل طالبا بثأر يحيى بن زكرياء ملك تسعا وخمسين سنة ثم ابن أخيه أبزان بن بلاش بن سابور سبعا وأربعين سنة (1/343) ________________________________________ ثم جوذرز بن أبزان بن بلاش إحدى وثلاثين سنة ثم أخوه نرسي بن أيزان أربعا وثلاثين سنة ثم عمه الهرمزان بن بلاش ثمانيا وأربعين سنة ثم ابنه الفيروزان بن الهرمزان بن بلاش تسعا وثلاثين سنة ثم ابنه كسرى بن الفيروزان سبعا وأربعين سنة ثم ابنه اردوان بن بلاش وهو آخرهم قتله أدرشير بن بابك خمسا وخمسين سنة قال وكان ملك الإسكندر وملك سائر ملوك الطوائف في النواحي خمسمائة وثلاثا وعشرين سنة (1/344) |
رد: مكتبتي
ذكر الأحداث التي كانت في أيام ملوك الطوائف
فكان من ذلك فيما زعمته الفرس لمضي خمس وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل ولإحدى وخمسين سنة من ملك الأشكانيين ولادة مريم بنت عمران عيسى بن مريم عليه السلام فأما النصارى فإنها تزعم أن ولادتها إياه كانت لمضي ثلاثمائة سنة وثلاث سنين من وقت غلبة الإسكندر على ارض بابل وزعموا أن مولد يحيى بن زكرياء كان قبل مولد عيسى عليه السلام بستة أشهر وذكروا أن مريم حملت بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة وأن عيسى عاش إلى أن رفع اثنتين وثلاثين سنة وأياما وأن مريم بقيت بعد رفعه ست سنين وكان جميع عمرها نيفا وخمسين سنة قال وزعموا أن يحيى اجتمع هو وعيسى بنهر الأردن وله ثلاثون سنة وأن يحيى قتل قبل أن يرفع عيسى وكان زكرياء بن برخيا أبو يحيى بن زكرياء وعمران بن ماثان أبو مريم متزوجين بأختين إحداهما عند زكرياء وهي أم يحيى والأخرى منهما عند عمران بن ماثان وهي أم مريم فمات عمران بن ماثان وأم مريم حامل بمريم فلما ولدت مريم كفلها زكرياء بعد موت أمها لأن خالتها أخت أمها كانت عنده واسم أم مريم حنة بنت فاقود بن قبيل واسم أختها أم يحيى الأشباع ابنة فاقود وكفلها زكرياء وكانت مسماة بيوسف بن يعقوب بن ماثان بن اليعازار بن اليوذ بن أحين بن صادوق بن عازور بن الياقيم بن أبيوذ بن زربابل بن شلتيل بن يوحنيا بن يوشيا بن أمون بن منشا بن حزقيا بن أحاز بن يوثام بن عوزيا بن يورام بن يهوشافاظ بن أسا بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود ابن عم مريم وأما ابن حميد فإنه حدثنا عن سلمة عن ابن إسحاق أنه قال مريم فيما بلغني عن نسبها ابنة عمران بن ياشهم بن أمون بن منشأ بن حزقيا بن أحزيق بن يوثام بن عزريا بن أمصيا بن ياوش بن أحزيهو بن يارم بن يهشافاظ بن اسا بن أبيا بن رحبعم بن سليمان فولد لزكرياء يحيى ابن خالة عيسى بن مريم فنبئ صغيرا فساح ثم دخل الشأم يدعو الناس ثم اجتمع يحيى وعيسى ثم افترقا بعد أن عمد يحيى عيسى وقيل إن عيسى بعث يحيى بن زكرياء في اثني عشر من الحواريين يعلمون الناس قال وكان فيما نهوهم عنه نكاح بنات الأخ فحدثني أبو السائب قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال بعث عيسى بن مريم يحيى بن زكرياء في اثني عشر من الحواريين يعلمون الناس قال فكان فيما نهوهم عنه نكاح ابنة الأخ قال وكان لملكهم ابنة أخ تعجبه يريد أن يتزوجها وكانت لها كل يوم حاجة يقضيها فلما بلغ ذلك أمها قالت لها إذا دخلت على الملك فسألك حاجتك فقولي (1/345) ________________________________________ حاجتي أن تذبح لي يحيى بن زكرياء فلما دخلت عليه سألها حاجتها فقالت حاجتي أن تذبح لي يحيى بن زكرياء فقال سليني غير هذا قالت ما أسلك إلا هذا قال فلما أبت عليه يحيى ودعا بطست فذبحه فندرت قطرة من دمه على الأرض فلم تزل تغلي حتى بعث الله بختنصر عليهم فجاءته عجوز من بني إسرائيل فدلته على ذلك الدم قال فألقى الله في قلبه أن يقتل على ذلك الدم منهم حتى يسكن فقتل سبعين ألفا منهم من سن واحدة فسكن حدثنا موسى بن هارون الهمداني قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم أن رجلا من بني إسرائيل رأى في النوم أن خراب بيت المقدس وهلاك بني إسرائيل على يدي غلام يتيم ابن أرملة من أهل بابل يدعى بختنصر وكانوا يصدقون فتصدق رؤياهم فأقبل يسأل عنه حتى نزل على أمه وهو يحتطب فلما جاء وعلى رأسه حزمة حطب ألقاها ثم قعد في جانب البيت فكلمه ثم أعطاه ثلاثة دراهم فقال اشتر بهذه طعاما وشرابا فاشترى بدرهم لحما وبدرهم خبزا وبدرهم خمرا فأكلوا وشربوا حتى إذا كان اليوم الثاني فعل به ذلك حتى إذا كان اليوم الثالث فعل ذلك ثم قال إني أحب أن تكتب لي أمانا إن أنت ملكت يوما من الدهر قال تسخر بي قال إني لا أسخر بك ولكن ما عليك أن تتخذ بها عندي يدا فكلمته أمه فقالت وما عليك إن كان وإلا لم ينقصك شيئا فكتب له أمانا فقال أرأيت إن جئت والناس حولك قد حالوا بيني وبينك فاجعل لي آية تعرفني بها قال ترفع صحيفتك على قصة فأعرفك بها فكساه وأعطاه ثم إن ملك بني إسرائيل كان يكرم يحيى بن زكرياء ويدني مجلسه ويستشيره في أمره ولا يقطع أمرا دونه وإنه هوي أن يتزوج ابنة امرأة له فسأل يحيى عن ذلك فنهاه عن نكاحها وقال لست أرضاها لك فبلغ ذلك أمها فحقدت على يحيى حين نهاه أن يتزوج ابنتها فعمدت إلى الجارية حين جلس الملك على شرابه فألبستها ثيابا رقاقا حمرا وطيبتها وألبستها من الحلي وألبستها فوق ذلك كساء أسود فأرسلتها إلى الملك وأمرتها أن تسقيه وأن تعرض له فإن أرادها على نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما سألته فإذا أعطاها ذلك سألته أن تؤتى برأس يحيى بن زكرياء في طست ففعلت فجعلت تسقيه وتعرض له فلما أخذ فيه الشراب أرادها على نفسها فقالت لا أفعل حتى تعطيني ما أسألك قال ما تسأليني قالت أسألك أن تبعث إلى يحيى بن زكرياء فأوتى برأسه في هذا الطست فقال ويحك سليني غير هذا قالت ما أريد أن أسألك إلا هذا قال فلما أبت عليه بعث إليه فأتي برأسه والرأس يتكلم حتى وضع بين يديه وهو يقول لا تحل لك فلما أصبح إذا دمه يغلي فأمر بتراب فألقي عليه فرقى الدم فوق التراب يغلي فألقي عليه التراب أيضا فارتفع الدم فوقه فلم يزل يلقى عليه التراب حتى بلغ سور المدينة وهو في ذلك يغلي وبلغ صيحائين فنادى في الناس وأراد أن يبعث إليهم جيشا ويؤمر عليهم رجلا فأتاه بختنصر فكلمه وقال إن الذي كنت أرسلت تلك المرة ضعيف فإني قد دخلت المدينة وسمعت كلام أهلها فابعثني فبعثه فسار بختنصر حتى إذا بلغوا ذلك المكان تحصنوا منه في مدائنهم فلم يطقهم فلم ااشتد عليه المقام وجاع أصحابه أراد الرجوع فخرجت إليه عجوز من عجائز بني إسرائيل فقالت أين أمير الجند فأتي به إليها فقالت إنه (1/346) ________________________________________ بلغني أنك تريد أن ترجع بجندك قبل أن تفتح هذه المدينة قال نعم قد طال مقامي وجاع أصحابي فلست أستطيع المقام فوق الذي كان مني فقالت أرأيتك إن فتحت لك المدينة أتعطيني ما أسألك فتقتل من أمرتك بقتله وتكف إذا أمرتك أن تكف قال لها نعم قالت إذا أصبحت فاقسم جندك أربعة أرباع ثم أقم على كل زاوية ربعا ثم ارفعوا بأيديكم إلى السماء فنادوا إنا نستفتحك يا الله بدم يحيى بن زكرياء فإنها سوف تتساقط ففعلوا فتساقطت المدينة ودخلوا من جوانبها فقالت له كف يدك اقتل على هذا الدم حتى يسكن فانطلقت به إلى دم يحيى وهو على تراب كثير فقتل عليه حتى سكن فقتل سبعين ألف رجل وامرأة فلما سكن الدم قالت له كف يدك فإن الله عز و جل إذا قتل نبي لم يرض حتى يقتل من قتله ومن رضي قتله فأتاه صاحب الصحيفة بصحيفته فكف عنه وعن أهل بيته وخرب بيت المقدس وأمر به أن تطرح فيه الجيف وقال من طرح فيه جيفة فله جزيته تلك السنة وأعانه على خرابه الروم من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكرياء فلما خربه بختنصر ذهب معه بوجوه بني إسرائيل وسراتهم وذهب بدانيال وعليا وعزريا وميشائيل هؤلاء كلهم من أولاد الأنبياء وذهب معه برأس الجالوت فلما قدم أرض بابل وجد صيحائين قد مات فملك مكانه وكان أكرم الناس عليه دانيال وأصحابه فحسدهم المجوس فوشوا بهم إليه فقالوا إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك ولا يأكلون من ذبيحتك فدعاهم فسألهم فقالوا أجل إن لنا ربا نعبده ولسنا نأكل من ذبيحتكم وأمر بخد فخد فألقوا فيه وهم ستة وألقي معهم سبع ضار ليأكلهم فقالوا انطلقوا فلنأكل ولنشرب فذهبوا فأكلوا وشربوا ثم راحوا فوجدوهم جلوسا والسبع مفترش ذراعيه بينهم لم يخدش منهم أحدا ولم ينكأه شيئا فوجدوا معهم رجلا فعدوهم فوجدوهم سبعة فقال ما بال هذا السابع إنما كانوا ستة فخرج إليه السابع وكان ملكا من الملائكة فلطمه لطمة فصار في الوحش فكان فيهم سبع سنين قال أبو جعفر وهذا القول الذي روي عمن ذكرت في هذه الأخبار التي رويت وعمن لم يذكر في هذا الكتاب من أن بختنصر هو الذي غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكرياء عند أهل السير والأخبار والعلم بأمور الماضين في الجاهلية وعند غيرهم من أهل الملل غلط وذلك أنهم بأجمعهم مجمعون على أن بختنصر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم نبيهم شعيا في عهد إرميا بن حلقيا وبين عهد إرميا وتخريب بختنصر بيت المقدس إلى مولد يحيى بن زكرياء أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة في قول اليهود والنصارى ويذكرون أن ذلك عندهم في كتبهم واسفارهم مبين وذلك أنهم يعدون من لدن تخريب بختنصر بيت المقدس إلى حين عمرانها في عهد كيرش بن أخشويرش أصبهبذ بابل من قبل أردشير بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب ثم من قبل ابنته خماني سبعين سنة ثم من بعد عمرانها إلى ظهور الإسكندر عليها وحيازة مملكتها إلى مملكته ثمانيا وثمانين سنة ثم من بعد مملكة الإسكندر لها إلى مولد يحيى بن زكرياء ثلاثمائة سنة وثلاث سنين فذلك على قولهم أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة وأما المجوس فإنها توافق النصارى واليهود في مدة خراب بيت المقدس وأمر بختنصر وما كان من أمره وأمر بني إسرائيل إلى غلبة الإسكندر على بيت المقدس والشام وهلاك دارا وتخالفهم في مدة ما بين ملك الإسكندر ومولد يحيى فتزعم أن مدة ذلك إحدى وخمسون سنة فبين المجوس والنصارى من الاختلاف في مدة ما بين ملك الإسكندر ومولد يحيى وعيسى ما ذكرت (1/347) ________________________________________ والنصارى تزعم أن يحيى ولد قبل عيسى بستة أشهر وأن الذي قتله ملك لبني إسرائيل يقال له هيردوس بسبب امرأة يقال لها هيروذيا كانت امرأة أخ له يقال له فيلفوس عشقها فوافقته على الفجور وكان لها ابنة يقال لها دمنى فأراد هيردوس أن يطأ امرأة أخيه المسماة هيروذيا فنهاه يحيى وأعلمه أنه لا تحل له فكان هيردوس معجبا بالابنة فألهته يوما ثم سألته حاجة فأجابها إليها وأمر صاحبا له بالنفوذ لما تأمره به فأمرته أن يأتيها برأس يحيى ففعل فلما عرف هيرودس الخبر أسقط في يده وجزع جزعا شديدا وأما ما قال في ذلك أهل العلم بالأخبار وأمور أهل الجاهلية فقد حكيت منه ما قاله هشام بن محمد الكلبي وأما ما قال ابن إسحاق فيه فهو ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال عمرت بنو إسرائيل بعد ذلك يعني بعد مرجعهم من أرض بابل إلى بيت المقدس يحدثون الأحداث ويعود الله عليهم ويبعث فيهم الرسل ففريقا يكذبون وفريقا يقتلون حتى كان آخر من بعث فيهم من أنبيائهم زكرياء ويحبى بن زكرياء وعيسى بن مريم وكانوا من بيت آل داود عليه السلام وهو يحيى بن زكرياء بن أدى بن مسلم بن صدوق بن نحشان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخية بن شفاطية بن فاحور بن شلوم بن يهفاشاظ بن أسا بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود قال فلما رفع الله عيسى عليه السلام من بين أظهرهم وقتلوا يحيى بن زكرياء عليه السلام وبعض الناس يقول وقتلوا زكرياء ابتعث الله عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له خردوس فسار إليهم بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام فلما ظهر عليهم أمر رأسا من رؤوس جنوده يدعى نبوزراذان صاحب القتل فقال له إني كنت حلفت بإلهي لئن أنا ظهرت على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري إلى ألا أجد أحدا أقتله فأمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم وإن نبوزراذان دخل بيت المقدس فقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم فوجد فيها دما يغلي وسألهم فقال يا بني إسرائيل ما شأن هذا الدم يغلي أخبروني خبره ولا تكتموني شيئا من أمره فقالوا هذا دم قربان كان لنا كنا قربناه فلم يقبل منا فلذلك هو يغلي كما تراه ولقد قربنا منذ ثمانمائة سنة القربان فيقبل منا إلا هذا القربان قال ما صدقتموني الخبر قالوا له لو كان كأول زماننا لقبل منا ولكنه قد انقطع منا الملك والنبوة والوحي فلذلك لم يقبل منا فذبح منهم نبوزراذان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين روحا من رؤوسهم فلم يهدأ فأمر فأتي بسبعمائة غلام من غلمائنهم فذبحوا على الدم فلم يهدأ فأمر بسبعة آلاف من بينهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد فلما رأى نبوزراذان الدم لا يهدأ قال لهم يا بني إسرائيل ويلكم أصدقوني واصبروا على أمر ربكم فقد طالما ملكتم في الأرض تفعلون فيها ما شئتم قبل ألا أترك منكم نافخ نار أنثى ولا ذكرا إلا قتلته فلما رأوا الجهد وشدة القتل صدقوه الخبر فقالوا إن هذا دم نبي منا كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله فلو أطعناه فيها لكان أرشد لنا وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدقه فقتلناه فهذا دمه فقال لهم نبوزراذان ما كان اسمه قالوا يحيى بن زكرياء قال الآن صدقتموني لمثل هذا ينتقم ربكم منكم فلما رأى نبوزراذان أنهم قد صدقوه خر ساجدا وقال لمن حوله أغلقوا أبواب المدينة وأخرجوا من كان ها هنا من جيش خردوس وخلا في بني إسرائيل ثم قال يا يحيى بن زكرياء قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم من أجلك فاهدأ بإذن الله قبل ألا أبقي من قومك أحدا فهدأ دم يحيى بإذن الله ورفع نبوزراذان عنهم (1/348) ________________________________________ القتل وقال آمنت بما آمنت به بنو إسرائيل وصدقت به وأيقنت أنه لا رب غيره ولو كان معه آخر لم يصلح لو كان معه شريك لم تستمسك السموات والأرض ولو كان له ولد لم يصلح فتبارك وتقدس وتسبح وتكبر وتعظم ملك الملوك الذي يملك السموات السبع بعلم وحكم وجبروت وعزة الذي بسط الأرض وألقى فيها رواسي لا تزول فكذلك ينبغي لربي أن يكون ويكون ملكه فأوحى إلى رأس من رؤوس بقية الأنبياء أن نبوزراذان حبور صدوق والحبور بالعبرانية حديث الإيمان وأن نبوزراذان قال لبني إسرائيل إن عدو الله خردوس أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره وإني فاعل لست أستطيع أن أعصيه قالوا له افعل ما أمرت به فأمرهم فحفروا خندقا وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والبقر والغنم والإبل فذبحها حتى سال الدم في العسكر وأمر بالقتلى الذين كانوا قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم حتى كانوا فوقهم فلم يظن خردوس إلا أن ما كان في الخندق من بني إسرائيل فلما بلغ الدم عسكره أرسل إلى نبوزراذان أرفع عنهم فقد بلغني دماؤهم وقد انتقمت منهم بما فعلوا ثم انصرف عنهم إلى أرض بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد وهي الوقعة الأخيرة التي أنزل الله ببني إسرائيل يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه و سلم وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب إلى قوله وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ( 1 ) و عسى من الله حق فكانت الواقعة الأولى ثم رد الله لهم الكرة عليهم ثم كانت الوقعة الأخيرة خردوس وجنوده وهي كانت أعظم الوقعتين فيها كان خراب بلادهم وقتل رجالهم وسبي ذراريهم ونسائهم يقول الله عز و جل وليتبروا ما علوا تتبيرا ( 2 ) رجع الحديث إلى حديث عيسى بن مريم وأمه عليهما السلام قال وكانت مريم ويوسف بن يعقوب ابن عمها يليان خدمة الكنيسة فكانت مريم إذا نفد ماؤها فيما ذكر وماء يوسف أخذ كل واحد منهما قلته فانطلق إلى المغارة التي فيها الماء الذي يستعذبانه فيملأ قلته ثم يرجعان إلى الكنيسة فلما كان اليوم الذي لقيها فيه جبرئيل وكان أطول يوم في السنة وأشده حرا نفد ماؤها فقالت يا يوسف ألا تذهب بنا نستقي قال إن عندي لفضلا من ماء أكتفي به يومي هذا إلى غد قالت لكني والله ما عندي ماء فأخذت قلتها ثم انطلقت وحدها حتى دخلت المغارة فتجد عندها جبرئيل قد مثله الله لها بشرا سويا فقال لها يا مريم إن الله قد بعثني إليك لأهب لك غلاما زكيا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ( 3 ) وهي تحسبه رجلا من بني آدم فقال إنما أنا رسول ربك قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا ( 4 ) أي أن الله قد قضى أن ذلك كائن فلما قال ذلك استسلمت لقضاء الله فنفخ في جيبها ثم انصرف عنها وملأت قلتها قال فحدثني محمد بن سهل بن عسكر البخاري قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل ابن أخي وهب قال سمعت وهبا قال لما أرسل الله عز و جل جبرئيل إلىمريم تمثل لها بشرا سويا فقالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ثم نفخ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم واشتملت على عيسى (1/349) ________________________________________ قال وكان معها ذو قرابة لها يال له يوسف النجار وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم وكانت مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد في ذلك الزمان وكان لخدمته فضل عظيم فرغبا في ذلك فكانا يليان معالجته بأنفسهما وتجميره وكناسته وطهوره وكل عمل يعمل فيه فكان لا يعلم من أهل زمانهما أحد أشد اجتهادا وعبادة منهما وكان أول من أنكر حمل مريم صاحبها يوسف فلما رأى الذي بها استعظمه وعظم عليه وفظع به ولم يدر على ماذا يضع أمرها فإذا أراد يوسف أن يتهمها ذكر صلاحها وبراءتها وأنها لم تغب عنه ساعة قط وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر بها فلما اشتد عليه ذلك كلمها فكان أول كلامه إياها أن قال لها إنه قد وقع في نفسي من أمرك أمر قد حرصت على أن أميته وأكتمه في نفسي فغلبني ذلك فرأيت أن الكلام فيه أشفى لصدري قالت فقل فولا جميلا قال ما كنت لأقول إلا ذلك فحدثيني هل ينبت زرع بغير بذر قالت نعم قال فهل تنبت شجرة من غير غيث يصيبها قالت نعم قال فهل يكون ولد من غير ذكر قالت نعم ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر والبذر إنما كان من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر أو لم تعلم أن الله أنبت الشجر من غير غيث وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة للشجرة بعد ما خلق كل واحد منهما وحده أو تقول لم يقدر الله على أن ينبت الشجر حتى استعان عليه بالماء ولولا ذلك لم يقدر لى إنباته قال لها يوسف لا أقول ذلك ولكني أعلم أن الله بقدرته على ما يشاء يقول لذلك كن فيكون قالت له مريم أو لم تعلم أن الله عز و جل خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى قال بلى فلما قالت له ذلك وقع في نفسه أن الذي بها شيء من الله عز و جل وأنه لا يسعه أن يسألها عنه وذلك لما رأى من كتمانها لذلك ثم تولى يوسف خدمة المسجد وكفاها كل عمل كانت تعمل فيه وذلك لما رأى من رقة جسمها واصفرار لونها وكلف وجهها ونتوء بطنها وضعف قوتها ودأب نظرها ولم تكن مريم قبل ذلك كذلك فلما دنا نفاسها أوحى الله إليها أن أخرجي من أرض قومك فإنهم إن ظفروا بك عيروك وقتلوا ولدك فأفضت عند ذلك إلى أختها وأختها حينئذ حبلى وقد بشرت بيحيى فلما التقيا وجدت أم يحيى ما في بطنها خر لوجهه ساجدا معترفا بعيسى فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له ليس بينها حين ركبت الحمار وبين الإكاف شيء فانطلق يوسف بها حتى إذا كان متاخما لأرض مصر في منقطع بلاد قومها أدرك مريم النفاس وألجأها إلى أري حمار يعني مزود الحمار في أصل نخلة وذلك في زمان الشتاء فاشتد على مريم المخاض فلما وجدت منه شدة التجأت إلى النخلة فاحتضنتها واحتوشتها الملائكة قاموا صفوفا محدقين بها فلما وضعت وهي محزونة قيل لها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا إلى إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ( 1 ) فكان الرطب يتساقط عليها وذلك في الشتاء فأصبحت الأصنام التي كانت تعبد من دون الله حين ولدت بكل أرض مقلوبة منكوسة على رؤوسها ففزعت الشياطين وراعها فلم يدروا ما سبب ذلك فساروا عند ذلك مسرعين حتى جاؤوا إبليس وهو على عرش له في لجة خضراء يتمثل بالعرش يوم كان على الماء ويحتجب يتمثل بحجب النور التي من دون الرحمن فأتوه وقد خلا ست ساعات من النهار فلما رأى إبليس جماعتهم فزع من ذلك ولم يرهم جميعا منذ (1/350) ________________________________________ فرقهم قبل تلك الساعة إنما كان يراهم أشتاتا فسألهم فأخبروه أنه قد حدث في الأرض حدث أصبحت الأصنام منكوسة على رؤوسها ولم يكن شيء أعون على هلاك بني آدم منها كنا ندخل في أجوافها فنكلمهم وندبر أمرهم فيظنون أنها التي تكلمهم فلما أصابها هذا الحدث صغرها في أعين بني آدم وأذلها وأدناها ذلك وقد خشينا ألا يعبدوها بعد هذا أبدا وأعلم أنا لم نأتك حتى أحصينا الأرض وقلبنا البحار وكل شيء قوينا عليه فلم نزدد بما أردنا إلا جهلا قال لهم إبليس إن هذا الأمر عظيم لقد علمت بأني كتمته وكونوا على مكانكم هذا فطار إبليس عند ذلك فلبث عنهم ثلاث ساعات فمر فيهن بالمكان الذي ولد فيه عيسى فلما رأى الملائكة محدقين بذلك المكان علم أن ذلك الحدث فيه فأراد إبليس أن يأتيه من فوقه فإذا فوقه رؤوس الملائكة ومناكبهم عند السماء ثم أراد أن يأتيه من تحت الأرض فإذا أقدام الملائكة راسة أسفل مما أراد إبليس ثم أراد أن يدخل من بينهم فنحوه عن ذلك ثم رجع إبليس إلى أصحابه فقال لهم ما جئتكم حتى أحصيت الأرض كلها مشرقها ومغربها وبرها وبحرها وال خافقين والجو الأعلى وكل هذا بلغت في ثلاث ساعات وأخبرهم بمولد المسيح وقال لهم لقد كتمت شأنه وما اشتملت قبله رحم أنثى على ولد إلا بعلمي ولا وضعنه قط إلا وأنا حاضرها وأني لأرجو أن أضل به أكثر مما يهتدي به وما كان نبي قبله أشد علي وعليكم منه وخرج في تلك الليلة قوم يؤمونه من أجل نجم طلع أنكروه وكان قبل ذلك يتحدثون أن مطلع ذلك النجم من علامات مولود في كتاب دانيال فخرجوا يريدونه ومعهم الذهب والمر واللبان فمروا بملك من ملوك الشأم فسألهم أين يريدون فأخبروه بذلك قال فما بال الذهب والمر واللبان أهديتموه له من بين الأشياء كلها قالوا تلك أمثاله لأن الذهب هو سيد المتاع كله وكذلك هذا النبي هو سيد أهل زمانه ولأن المر يجبر به الجرح والكسر وكذلك هذا النبي يشفي به الله كل سقيم ومريض ولأن اللبان ينال دخانه ا لسماء ولا ينالها دخان غيره كذلك هذا النبي يرفعه الله إلى السماء لا يرفع في زمانه أحد غيره فلما قالوا ذلك لذلك الملك حدث نفسه بقتله فقال اذهبوا فإذا علمتم مكانه فأعلموني ذلك فإني أرغب في مثل ما رغبتم فيه من أمره فانطلقوا حتى دفعوا ما كان معهم من تلك الهدية إلى مريم وأرادوا أن يرجعوا إلى هذا الملك ليعلموه مكان عيسى فلقيهم ملك فقال لهم لا ترجعوا إليه ولا تعلموه بمكانه فإنه إنما أراد بذلك ليقتله فانصرفوا في طريق آخر واحتملته مريم على ذلك الحمار ومعها يوسف حتى وردا أرض مصر فهي الربوة التي قال الله وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ( 1 ) فمكثت مريم اثنتي عشرة سنة تكتمه من الناس لا يطلع عليه أحد وكانت مريم لا تأمن عليه ولا على معيشته أحدا كانت تلتقط السنبل من حيث ما سمعت بالحصاد والمهد في منكبها والوعاء الذي تجعل فيه السنيل في منكبها الآخر حتى تم لعيسى عليه السلام اثنتا عشرة سنة فكان أول آية رآها الناس منه أن أمه كانت نازلة في دار دهقان من أهل مصر فكان ذلك الدهقان قد سرقت له خزانة وكان لا يسكن في داره إلا المساكين فلم يتهمهم فحزنت مريم لمصيبة الدهقان فلما أن رأى عيسى حزن أمه بمصيبة صاحب ضيافتها قال لها يا أمه أتحبين أن أدله على ما له قالت نعم يا بني قال قولي له يجمع لي مساكين داره فقالت مريم (1/351) ________________________________________ للدهقان ذلك فجمعت له مساكين داره فلما اجتمعوا عمد إلى رجلين منهم أحدهما أعمى والآخر مقعد فحمل المقعد على عاتق الأعمى ثم قال له قم به قال الأعمى أنا أضعف من ذلك قال عيسى عليه السلام فكيف قويت على ذلك البارحة فلما سمعوه يقول ذلك بعثوا الأعمى حتى قام به فلما استقل قائما حاملا هوي المقعد إلى كوة الخزانة قال عيسى هكذا احتالا لمالك البارحة لأنه استعان الأعمى بقوته والمقعد بعينيه فقال المقعد والأعمى صدق فردا على الدهقان ماله ذلك فوضعه الدهقان في خزانته وقال يا مريم خذي نصفه قالت إني لم أخلق لذلك قال الدهقان فأعطيه ابنك قالت هو أعظم مني شأنا ثم لم يلبث الدهقان أن أعرس ابن له فصنع له عيدا فجمع عليه أهل مصر كلهم فلما انقضى ذلك زاره قوم من أهل الشأم لم يحدرهم الدهقان حتى نزلوا به وليس عنده يومئذ شراب فلما رأى عيسى اهتمامه بذلك دخل بيتا من بيوت الدهقان فيه صفان من جرار فأمر عيسى يده على أفواهها وهو يمشي فكلما أمر يده على جرة امتلأت شرابا حتى أتى عيسى على آخرها وهو يومئذ ابن اثنتي عشرة سنة فلما فعل ذلك عيسى فزع الناس لشأنه وما أعطاه الله من ذلك فأوحى الله عز و جل إلى أمه مريم أن اطلعي به إلى الشأم ففعلت الذي أمرت به فلم تزل بالشأم حتى كان ابن ثلاثين سنة فجاءه الوحي على ثلاثين سنة وكانت نبوته ثلاث سنين ثم رفعه الله إليه فلما رآه إبليس يوم لقيه على العقبة لم يطق منه شيئا فتمثل له برجل ذي سن وهيئة وخرج معه شيطانان ماردان متمثلين كما تمثل إبليس حتى خالطوا جماعة الناس وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفا فمن أطاق منهم أن يبلغه بلغه ومن لم يطق ذلك منهم أتاه عيسى عليه ا لسلام يمشي إليه وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله عز و جل فجاءه إبليس في هيئة يبهر الناس حسنها وجمالها فلما رآه الناس فرغوا له ومالوا نحوه فجعل يخبرهم بالأعاجيب فكان في قوله إن شأن هذا الرجل لعجب تكلم في المهد وأحيا الموتى وأنبأ عن الغيب وشفى المريض فهذا الله قال أحد صاحبيه جهلت أيها الشيخ وبئس ما قلت لا ينبغي لله أن يتجلى للعباد ولا يسكن الأرحام ولا تسعه أجواف النساء ولكنه ابن الله وقال الثالث بئس ما قلتما كلاكما قد أخطأ وجهل ليس ينبغي لله أن يتخذ ولدا ولكنه إله معه ثم غابوا حين فرغوا من قولهم فكان ذلك آخر العهد منهم حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمادني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قال خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها فاتخذت من دونهم حجابا من الجدران وهو قوله فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا في شرق المحراب فلما طهرت إذا هي برجل معها وهو قوله فأرسلنا إليها روحنا فهو جبرئيل فتمثل لها بشرا سويا فلما رأته فزعت منه وقالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا تقول زانية قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا ( 1 ) فخرجت عليها جلبابها فأخذ بكميها فنفخ في (1/352) ________________________________________ جيب درعها وكان مشقوقا من قدامها فدخلت النفخة في صدرها فحملت فأتتها أختها امرأة زكرياء ليلة تزورها فلما فتحت لها الباب التزمتها فقالت امرأة زكرياء يا مريم أشعرت أني حبلى قالت مريم أشعرت أني أيضا حبلى قالت امرأة زكرياء فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله مصدقا بكلمة من الله ( 1 ) فولدت امرأة زكرياء يحيى ولما بلغ أن تضع مريم خرجت إلى جانب المحراب الشرقي منه فأتت أقصاه فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة يقول ألجأها المخاض إلى جذع النخلة قالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا تقول نسيا نسي ذكري ومنسيا تقول نسي أثري فلا يرى لي أثر ولا عين فناداها جبرئيل من تحتها إلا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا والسري هو النهر وهزي إليك بجذع النخلة وكان جذعا منها مقطوعا فهزته فإذا هو نخلة وأجرى لها في المحراب نهرا فتساقطت النخلة رطبا جنيا فقال لها كلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا فكان من صام في ذلك الزمان لم يتكلم حتى يمسي فقيل لها لا تزيدي على هذا فلما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بني إسرائيل أن مريم قد ولدت فأقبلوا يشتدون فدعوها فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يقول عظيما يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوي وما كانت أمك بغيا فما بالك أنت يا أخت هارون وكانت من بني هارون أخي موسى وهو كما تقول يا أخا بني فلان إنما تعني قرابته فقالت لهم ما أمرهم الله فلما أرادوها بعد ذلك على الكلام أشارت إليه إلى عيسى فغضبوا وقالوا لسخريتها بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا فتكلم عيسى فقال إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت ( 2 ) فقالت بنو إسرائيل ما أحبلها أحد غير زكرياء هو كان يدخل إليها فطلبوه ففر منهم فتشبه له الشيطان في صورة راع فقال يا زكرياء قد أدركوك فادع الله حتى تنفتح لك هذه الشجرةفتدخل فيها فدعا الله فانفتحت له الشجرة فدخل فيها وبقي من ردائه هدب فمرت بنو إسرائيل بالشيطان فقالوا يا راعي هل رأيت رجلا من ها هنا قال نعم سحر هذه الشجرة فانفتحت له فدخل فيها وهذا هدب ردائه فعمدوا فقطعوا الشجرة وهو فيها بالمناشير وليس تجد يهوديا إلا تلك الهدبة في ردائه فلما ولد عيسى لم يبق في الأرض صنم يعبد من دون الله إلا أصبح ساقطا لوجهه حدثني المثنى قال حدثنا إسحاق بن الحجاج قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول إن عيسى بن مريم عليه السلام لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشق عليه فدعا الحواريين فصنع له طعاما فقال احضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم وقام يخدمهم فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه فتعاظموا ذلك وتكارهوه فقال ألا من رد علي شيئا الليلة مما أصنع فليس مني ولا أنا منه فأقروه حتى إذا فرغ من ذلك قال أما ماصنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم (1/353) ________________________________________ بيدي فليكن لكم بي أسوة فإنكم ترون أني خيركم ولا يتعطم بعضكم على بعض وليبذل بعضكم نفسه لبعض كما بذلت نفسي لكم وأما حاجتي التي أستعينكم عليها فتدعون الله لي وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي فلما نصبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن يجتهدوا أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء فجعل يوقظهم ويقول سبحان الله ما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها قالوا والله ما ندري ما لنا لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق الليلة سمرا وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه فقال يذهب بالراعي وتتفرق الغنم وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعى به نفسه ثم قال الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات وليبيعنني أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني فخرجوا فتفرقوا وكانت اليهود تطلبه فأخذوا شمعون أحد الحواريين فقالوا هذا من أصحابه فجحد وقال ما أنا بصاحبه فتركوه ثم أخذه آخر فجحد كذلك ثم سمع صوت ديك فبكى فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح فجعلوا له ثلاثين درهما فأخذها ودلهم عليه وكان شبه عليهم قبل ذلك فأخذوه فاستوثقوا منه وربطوه بالحبل فجعلوا يقودونه ويقولون أنت كنت تحيي الموتى وتنتهر الشيطان وتبرىء المجنون أفلا تفتح نفسك من هذا الحبل ويبصقون عليه ويلقون عليه الشوك حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها فرفعه الله إليه وصلبوا ما شبه لهم فمكث سبعا ثم إن أمه والمرأة التي كان عيسى يداويها فأبرأها الله من الجنون جاءتا تبكيان عند المصلوب فجاءهما عيسى عليه السلام فقال على من تبكيان فقالتا عليك فقال إني قد رفعني الله إليه ولم يصبني إلا خير وإن هذا شيء شبه لهم فأمرا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر وفقد الذي كان باعه ودل عليها اليهود فسأل عنه أصحابه فقالوا إنه ندم على ما صنع فاختنق وقتل نفسه فقال لو تاب تاب الله عليه ثم سألهم عن غلام يتبعهم يقال له يحيى فقال هو معكم فانطلقوا فإنه سيصبح كل إنسان منكم يحدث بلغة قوم فلينذرهم وليدعهم حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عمن لا يتهم عن وهب بن منبه اليماني قال توفى الله عيسى بن مريم ثلاث ساعات من النهار حتى رفعه الله إليه حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق والنصارى يزعمون أنه توفاه الله سبع ساعات من النهار ثم أحياه الله فقال له اهبط فأنزل على مريم المجدلانية في جبلها فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها ولم يحزن عليك أحد حزنها ثم لتجمع لك الحواريين فبثهم في الأرض دعاة إلى الله فإنك لم تكن فعلت ذلك فأهبطه الله عليها فاشتعل الجبل حين هبط نورا فجمعت له الحواريين فبثهم وأمرهم أن يبلغوا الناس عنه ما أمره الله به ثم رفعه الله إليه فكساه الريش وألبسه النور وقطع عن لذة المطعم والمشرب فطار في الملائكة وهو معهم حول العرش فكان إنسيا ملكيا سمائيا أرضيا وتفرق الحواريون حيث أمرهم فتلك الليلة التي أهبط فيها الليلة التي تدخن فيها النصارى وكان ممن وجه من الحواريين والأتباع الذين كانوا في الأرض بعدهم فطرس الحواري ومعه بولس وكان من الأتباع ولم يكن من الحواريين إلى رومية وأندراييس ومثى إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس وهي فيما نرى للأساود وتوماس إلى أرض بابل من أرض المشرق وفيلبس إلى القيروان وقرطاجنة وهي (1/354) ________________________________________ إفريقية ويحنس إلى دفسوس قرية الفتية أصحاب الكهف ويعقوبس إلى أوريشلم وهي إيليا بيت المقدس وابن تلما إلى العرابية وهي أرض الحجاز وسيمن إلى أرض البربر دون إفريقية ويهوذا ولم يكن من الحواريين إلى أريوبس وجعل مكان يوذس زكريا يوطا حين أحدث ما أحدث حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عمر بن عبدالله بن عروة بن الزبير عن ابن سليم الأنصاري ثم الزرقي قال كان على امرأة منا نذر لتظهرن على رأس الجماء جبل بالعقيق من ناحية المدينة قال فظهرت معها حتى إذا استوينا على رأس الجبل إذا قبر عظيم عليه حجران عظيمان حجر عند رأسه وحجر عند رجليه فيهما كتاب بالمسند لا أدري ما هو فاحتملت الحجرين معي حتى إذا كنت ببعض الجبل منهبطا ثقلا علي فألقيت أحدهما وهبطت بالآخر فعرضته على أهل السريانية هل يعرفون كتابه فلم يعرفوه وعرضته على من يكتب بالزبور من أهل اليمن ومن يكتب بالمسند فلم يعرفوه قال فلما لم أجد أحدا ممن يعرفه ألقيته تحت تابوت لنا فمكث سنين ثم دخل علينا ناس من أهل ماه من الفرس يبتغون الخرز فقلت لهم هل لكم من كتاب فقالوا نعم فأخرجت إليهم الحجر فإذا هم يقرأونه فإذا هو بكتابهم هذا قبر رسول الله عيسى ابن مريم عليه السلام إلى أهل هذه البلاد فإذا هم كانوا أهلها في ذلك الزمان مات عندهم فدفنوه على رأس الجبل حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ثم عدوا على بقية الحواريين يشمسونهم ويعذبونهم وطافوا بهم فسمع بذلك ملك الروم وكانوا تحت يديه وكان صاحب وثن فقيل له إن رجلا كان في هؤلاء الناس الذين تحت يديك من بني إسرائيل عدوا عليه فقتلوه وكان يخبرهم أنه رسول الله قد أراهم العجائب وأحيا لهم الموتى وأبرأ لهم الأسقام وخلق لهم من الطين كهيئة الطير ونفخ فيه فكان طائرا بإذن الله وأخبرهم بالغيوب قال ويحكم فما منعكم أن تذكروا هذا لي من أمره وأمرهم فوالله لو علمت ما خليت بينهم وبينه ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن دين عيسى وأمره فأخبروه خبره فتابعهم على دينهم واستنزل سرجس فغيبه وأخذ خشبته التي صلب عليها فأكرمها وصانها لما مسها منه وعدا على بني إسرائيل فقتل منهم قتلى كثيرة فمن هنالك كان أصل النصرانية في الروم وذكر بعض أهل الأخبار أن مولد عيسى عليه السلام كان لمضي اثنتين وأربعين سنة من ملك أغوسطوس وأن أغوطوس عاش بعد ذلك بقية ملكه وكان جميع ملكه ستا وخمسين سنة قال بعضهم وأياما قال ووثبت اليهود بالمسيح والرياسة ببيت المقدس في ذلك الوقت لقيصر والملك على بيت المقدس من قبل قيصر هيردوس الكبير الذي دخلت عليه رسل ملك فارس الذي وجههم الملك إلى المسيح فصار إلى هيردوس غلطا وأخبروه أن ملك فارس بعث بهم ليقربوا إلى المسيح ألطافا معهم من ذهب ومر ولبان وأنهم نظروا إلى نجمه قد طلع فعرفوا ذلك بالحساب وقربوا الألطاف إليه ببيت لحم من فلسطين فلما عرف هيردوس خبرهم كاد ا لمسيح فطلبه ليقتله فأمر الله الملك أهن يقول ليوسف الذي كان مع مريم في الكنيسة ما أراد هيردوس من قتله وأمره أن يهرب بالغلام وأمه إلى مصر فلما مات هيردوس قال الملك ليوسف وهو بمصر إن هيردوس قد مات وملك مكانه أركلاوس ابنه وذهب من كان يطلب نفس الغلام فانصرف به (1/355) ________________________________________ إلى ناصرة من فلسطين ليتم قول شعيا النبي من مصر دعوتك ومات أركلاوس وملك مكانه هيردوس الصغير الذي صلب شبه المسيح في ولايته وكانت الرياسة في ذلك الوقت لملوك اليونانية والروم وكان هيردوس وولده من قبلهم إلا أنهم كانوا يلقبون باسم الملك وكان الملوك الكبار يلقبون بقيصر وكان ملك بيت المقدس في وقت الصلب لهيردوس الصغير من قبل طيباريوس بن أغوسطوس دون القضاء وكان القضاء لرجل رومي يقال له فيلاطوس من قبل قيصر وكانت رياسة الجالوت ليونن بن بهبوثن قال وذكروا أن الذي شبه بعيسى وصلب مكانه رجل إسرائيلي يقال له أيشوع بن فنديرا وكان ملك طيباريوس ثلاثا وعشرين سنة وأياما منها إلى وقت ارتفاع المسيح ثماني عشرة سنة وأيام ومنها بعد ذلك خمس سنين (1/356) |
رد: مكتبتي
ذكر من ملك من الروم أرض الشام
بعد رفع المسيح عليه السلام إلى عهد النبي صلى الله عليه و سلم في قول النصارى قال أبو جعفر زعموا أن ملك الشام من فلسطين وغيرها صار بعد طيباريوس إلى جايوس بن طيباريوس وأن ملكه كان أربع سنين ثم ملك بعده ابن له آخر يقال له قلوديومس أربع عشرة سنة ثم ملك بعده نيرون الذي قتل فطرس وبولس وصلبه منكسا أربع عشرة سنة ثم ملك بعده بوطلايوس أربعة أشهر ثم ملك بعده أسفسيانوس أبو ططوس الذي وجهه إلى بيت المقدس عشر سنين ولمضي ثلاث سنين من ملكه وتمام أربعين سنة من وقت رفع عيسى عليه السلام وجه أسفسيانوس ابنه ططوس إلى بيت المقدس حتى هدمه وقتل من قتل من بني إسرائيل غضبا للمسيح ثم ملك بعده ططوس بن أسفسيانوس سنتين ثم من بعد دومطيانوس ست عشرة سنة ثم من بعده نارواس ست سنين ثم من بعده طرايانوس تسع عشرة سنة ثم من بعده هدريانوس أحدى وعشرين سنة ثم ملك من بعده ططورس بن بطيانوس اثنتين وعشرين سنة ثم من بعده مرقوس وأولاده تسع عشرة سنة ثم من بعده قوذوموس ثلاث عشرة سنة ثم من بعده فرطناجوس ستة أشهر ثم من بعده سبروس أربع عشرة سنة ثم من بعده أنطنياوس سبع سنين ثم من بعده مرقيانوس ست سنين (1/357) ________________________________________ ثم بعده أنطنيانوس أربع سنين ثم الحسندروس ثلاث عشرة سنة ثم غسميانوس ثلاث سنين ثم جورديانوس ست سنين ثم بعده فليفوس سبع سنين ثم داقيوس ست سنين ثم قالوس ست سنين ثم بعده والرييانوس وقاليونس خمس عشرة سنة ثم قلوديوس سنة ثم من بعده قريطاليوس شهرين ثم أوليانوس خمس سنين ثم طيقطوس ستة أشهر ثم فولوريوس خمسة وعشرين يوما ثم فرابوس ست سنين ثم قوروس وابناه سنتين ثم دوقلطيانوس ست سنين ثم محسميانوس عشرين سنة ثم قسطنطينوس ثلاثين سنة ثم قسطنطين ثلاثين سنة ثم قسطنطين عشرين سنة ثم اليانوس المنافق سنتين ثم يويانوس سنة ثم والمطيانوس وغرطيانوس عشر سنين ثم خرطانوس ووالنطيانوس الصغير سنة ثم تياداسيس الأكبر سبع عشرة سنة ثم أرقديوس وأنوريوس عشرين سنة ثم تياداسيس الأصغر ووالنطيانوس ست عشرة سنة (1/358) ________________________________________ ثم مرقيانوس سبع سنين ثم لاون ست عشرة سنة ثم زانون ثماني عشرة سنة ثم أنسطاس سبعا وعشرين سنة ثم يوسطنيانوس سبع سنين ثم يوسطنيانوس الشيخ عشرين سنة ثم يوسطينس اثنتي عشرة سنة ثم طيباريوس ست سنين ثم مريقيس وتاذاسيس ابنه عشرين سنة ثم فوقا الذي قتل سبع سنين وستة أشهر ثم هرقل الذي كتب إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاثين سنة فمن لدن عمر بيت المقدس بعد تخريبه بختنصر إلى الهجرة على قولهم ألف سنة ونيف ومن ملك الإسكندر إليها تسعمائة سنة ونيف وعشرون سنة من ذلك من وقت ظهوره إلى مولد عيسى ثلاثمائة سنة وثلاث سنين ومن مولده إلى ارتفاعه اثنتان وثلاثون سنة ومن وقت ارتفاعه إلى الهجرة خمسمائة وخمس وثمانون سنة وأشهر وزعم بعض الأصحاب الأخبار أن قتل بني إسرائيل يحيى بن زكرياء كان في عهد أدرشير بن بابك لثماني سنين خلت من ملكه وأن بختنصر إنما صار إلى الشأم لقتال اليهود من قبل سابور الجنود ابن أردشير بن بابك (1/359) |
رد: مكتبتي
نزول قبائل العرب الحيرة والأنبار أيام ملوك الطوائف
وكان من الأحداث أيام ملوك الطوائف إلى قيام أردشير بن بابك بالملك فيما ذكر هشام بن محمد دنو من دنا من قبائل العرب من ريف العراق ونزول من نزل منهم الحيرة والأنبار وما حوالي ذلك فحدثت عن هشام بن محمد قال لما مات بختنصر انضم الذين كان أسكنهم الحيرة من العرب حين أمر بقتالهم إلى أهل الأنبار وبقي الحير خرابا فغبروا بذلك زمانا طويلا لا تطلع عليهم طالعة من بلاد العرب ولا يقدم عليهم قادم وبالأنبار أهلها ومن انضم إليهم من أهل الحيرة من قبائل العرب من بني إسماعيل وبني معد بن عدنان فلما كثر أولاد معد بن عدنان ومن كان معهم من قبائل العرب وملأوا بلادهم من تهامة وما يليهم فرقتهم حروب وقعت بينهم وأحداث حدثت فيهم فخرجوا يطلبون المتسع والريف فيما يليهم من بلاد اليمن ومشارف الشأم وأقبلت منهم قبائل حتى نزلوا البحرين وبها جماعة من الأزد كانوا نزلوها في دهر عمران بن عمرو من بقايا بني عامر وهو ماء السماء بن حارثة وهو الغطريف بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد وكان الذي أقبلوا من تهامة من العرب مالك وعمرو ابنا فهم بن تيم الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ومالك بن زهير بن عمرو بن فهم بن تيم الله بن أسد بن وبرة في جماعة من قومهم والحيقار بن الحيق بن عمير بن قنص بن معد بن عدنان في قنص كلها ولحق بهم غطفان بن عمرو بن الطمثان بن عوذ مناة بن يقدم بن أفصى بن دعمي بن إياد بن نزار بن معد بن عدنان وزهر بن الحارث بن الشلل بن زهر بن إياد وصبح بن صبيح بن الحارث بن أفصى بن دعمي بن إياد فاجتمع بالبحرين جماعة من قبائل العرب فتحالفوا على التنوخ وهو المقام وتعاقدوا على التوازر والتناصر فصاروا يدا على الناس وضمهم اسم تنوخ فكانوا بذلك الاسم كأنهم عمارة من العمائر قال وتنخ عيهم بطون من نمارة بن لخم قال ودعا مالك بن زهير جذيمة الأبرش بن مالك بن فهم بن غانم بن دوس الأزدي إلى التنوخ معه وزوجه أخته لميس ابنة زهير فتنخ جذيمة بن مالك وجماعة ممن كان بها من قومهم من الأزد فصار مالك وعمرو ابنا فهم والأزد حلفاء دون سائر تنوخ وكلمة تنوخ كلها واحدة وكان اجتماع من اجتمع من قبائل العرب بالبحرين وتحالفهم وتعاقدهم أزمان ملوك الطوائف الذين ملكهم الإسكندر وفرق البلدان بينهم عند قتله دارا بن دارا ملك فارس إلى أن ظهر أردشير بن بابك ملك (1/360) ________________________________________ فارس على ملوك الطوائف وقهرهم ودان له الناس وضبط له الملك قال وإنما سموا ملوك الطوائف لأن كل ملك منهم كان ملكه قليلا من الأرض إنما هي قصور وأبيات وحولها خندق وعدوه قريب منه له من الأرض مثل ذلك ونحوه يغير أحدهما على صاحبه ثم يرجع كالخطفة قال فتطلعت أنفس من كان بالبحرين من العرب إلى ريف العراق وطمعوا في غلبة الأعاجم على ما يلي بلاد العرب منه أو مشاركتهم فيه واهتبلوا ما وقع بين ملوك الطوائف من الاختلاف فأجمع رؤساؤهم بالمسير إلى العراق ووطن جماعة ممن كان معهم على ذلك فكان أول من طلع منهم الحيقار بن الحيق في جماعة قومه وأخلاط من الناس فوجدوا الأرمانيين وهم الذين بأرض بابل وما يليها إلى ناحية الموصل يقاتلون الأردوانيين وهم ملوك الطوائف وهم فيما بين نفر وهي قرية من سواد العراق إلى الأبلة وأطراف البادية فلم تدن لهم فدفعوهم عن بلادهم قال وكان يقال لعاد إرم فلما هلكت قيل لثمود إرم ثم سموا الأرمانيين وهم بقايا إرم وهم نبط السواد ويقال لدمشق إرم قال فارتفعوا عن سواد العراق وصاروا أشلاء بعد في عرب الأنبار وعرب الحيرة فهم أشلاء قنص بن معد وإليهم ينسب عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن سعود بن مالك بن عمم بن نمارة بن لخم وهذا قول مضر وحماد الرواية وهو باطل ولم يأت في قنص بن معد شيء أثبت من قول جبير بن مطعم إن النعمان كان من ولده قال وإنما سميت الأنبار أنبار لأنها كانت تكون فيها أنابير الطعام وكانت تسمى الأهراء لأن كسرى يرزق أصحابه رزقهم منها قال ثم طلع مالك وعمرو ابنا فهم بن تيم الله ومالك بن زهير بن فهم بن تيم الله وغطفان بن عمرو بن الطمثان وزهر بن الحارث وصبح بن صبيح فيمن تنخ عليهم من عشائرهم وحلفائهم على الأنبار على ملك الأرمانيين فطلع نمارة بن قيس بن نمارة والنجدة وهم قبيلة من العماليق يدعون إلى كندة وملكان بن كندة ومالك وعمرة ابنا فهم ومن حالفهم وتنخ معهم على نفر على ملك الأردوانيين فأنزلهم الحير الذي كان بناه بختنصر لتجار العرب الذين وجدوا بحضرته حين أمر بغزو العرب في بلادهم وإدخال الجيوش عليهم فلم تزل طالعة الأنبار وطالعة نفر على ذلك لا يدينون للأعاجم ولا تدين لهم الأعاجم حتى قدمها تبع وهو أسعد أبو كرب بن ملكيكرب في جيوشه فخلف بها من لم تكن به قوة من الناس ومن لم يقو على المضي معه ولا الرجوع إلى بلاده وانضموا إلى هذا الحير واختلطوا بهم وفي ذلك يقول كعب بن جعيل بن عجرة بن قمير بن ثعلبة بن عوف بن مالك بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل ... وغزا تبع في حمير حتى ... نزل الحيرة من أهل عدن ... وخرج تبع سائرا ثم رجع إليهم وأقاموا فأقرهم على حالهم وانصرف راجعا إلى اليمن وفيهم من كل (1/361) ________________________________________ القبائل من بني لحيان وهم بقايا جرهم وفيهم جعفي وطيء وكلب وتميم وليسوا إلا بالحيرة يعني بقايا جرهم قال ابن الكلبي لحيان بقايا جرهم ونزل كثير من تنوخ الأنبار والحيرة وما بين الحيرة إلى طف الفرات وغربيه إلى ناحية الأنبار وما والاها في المظال والأخبية لا يسكنون بيوت المدر ولا يجامعون أهلها فيها واتصلت جماعتهم فيما بين الأنبار والحيرة وكانوا يسمون عرب الضاحية فكان أول من ملك منهم في زمان ملوك الطوائف مالك بن فهم وكان منزله مما يلي الأنبار ثم مات مالك فملك من بعده أخوه عمرو بن فهم ثم هلك عمرو بن فهم فملك من بعده جذيمة الأبرش بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس الأزدي قال ابن الكلبي دوس بن عدثان بن عبدالله بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبدالله بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ قال ابن الكلبي ويقال إن جذيمة الأبرش من العاربة الأولى من بني وبار بن أميم بن لوذ بن سام بن نوح قال وكان جذيمة من أفضل ملوك العرب رأيا وأبعدهم مغارا وأشدهم نكاية وأظهرهم حزما وأول من استجمع له الملك بأرض العراق وضم إليه العرب وغزا بالجيوش وكان به برص فكنت العرب عنه وهابت العرب أن تسميه به وتنسبه إليه إعظاما له فقيل جذيمة الوضاح وجذيمة الأبرش وكانت منازله فيما بين الحيرة والأنبار وبقية وهيت وناحيتها وعين التمر وأطراف البر إلى الغوير والقطقطانة وخفية ما والاها وتجبى إليه الأموال وتفد إليه الوفود وكان غزا طسما وجديسا في منازلهم من جو وما حولهم وكانت طسم وجديس يتكلمون بالعربية فاصاب حسان بن تبع أسعد أبي كرب قد أغار على طسم وجديس باليمامة فانكفأ جذيمة راجعا بمن معه وتأتي خيول تبع على سرية لجذيمة فاجتاحتها وبلغ جذيمة خبرهم فقال جذيمة ... ربما أوفيت في علم ... ترفعن بردي شمالات ... في فتو أنا كالئهم ... في بلايا غزوة باتوا ... ثم أبنا غانمي نعم ... وأناس بعدنا ماتوا ... نحن كنا في ممرهم ... إذ ممر القوم خوات ... ليت شعري ما أماتهم ... نحن أدلجنا وهم باتوا ... ولنا كانوا ونحن إذا ... قال منا قائل صاتوا ... ولنا البيد البعاد التي ... أهلها السودان أشتات ... ثبة الأخيار شاهدة ... ذا كم قومي وأهلاتي ... قد شربت الخمر وسطهم ... ناعما في غير أصوات ... فعلى ما كان من كرم ... فستبكيني بنياتي ... أنا رب الناس كلهم ... غير ربي الكافت الفات ... يعني بالكافت الذي يكفت أرواحهم والفات الذي يفيتهم أنفسهم يعني الله عز و جل قال ابن الكلبي ثلاثة أبيات منها حق والبقية باطل (1/362) ________________________________________ قال وفي مغازيه وغاراته على الأمم الخالية من العاربة الأولى يقول الشاعر في الجاهلية ... أضحى جذيمة في يبرين منزله ... قد حاز ما جمعت في دهرها عاد ... فكان جذيمة قد تنبأ وتكهن واتخذ صنيمين يقال لهما الضيزنان قال ومكان الضيزنين بالحيرة معروف وكان يستسقي بهما ويستنصر بهما على العدو وكانت إياد بعين أباغ وأباغ رجل من العماليق نزل بتلك العين فكان يغازيهم فذكر لجذيمة غلام من لخم في أخواله من إياد يقال له عدي بن نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن سعود بن مالك بن عمم بن نمارة بن لخم له جمال وظرف فغزاهم جذيمة فبعث إياد قوما فسقوا سدنة الصنمين الخمر وسرقوا الصنمين فأصبحا في إياد فبعث إلى جذيمة إن صنميك أصبحا فينا زهدا فيك ورغبة فينا فإن أوثقت لنا ألا تغزونا رددناهما إليك قال وعدي بن نصر تدفعونه إلي فدفعوه إليه مع الصنمين فانصرف عنهم وضم عديا إلى نفسه وولاه شرابه فأبصرته رقاش ابنة مالك أخت جذيمة فعشقته وراسلته وقالت يا عدي اخطبني إلى الملك فإن له حسبا وموضعا فقال لا أجترئ على كلامه في ذلك ولا أطمع أن يزوجنيك قالت إذا جلس على شرابه وحضره ندماؤه فاسقه صرفا واسق القوم مزاجا فإذا أخذت الخمرة فيه فاخطبني إليه فإنه لن يردك ولن يمتنع منك فإذا زوجك فأشهد القوم ففعل الفتى ما أمرته به فلما أخذت الخمرة مأخذها خطبها إليه فأملكه إياها فانصرف إليها فأغرس بها من ليلته وأصبح مضرجا بالخلوق فقال له جذيمة وأنكر ما رأى به ما هذه الآثار يا عدي قال آثار العرس قال أي عرس قال عرس رقاش قال من زوجكها ويحك قال زوجنيها الملك فضرب جذيمة بيده على جبهته وأكب على الأرض ندامة وتلهفا وخرج عدي على وجهه هاربا فلم ير له أثر ولم يسمع له بذكر وأرسل إليها جذيمة فقال ... حدثيني وأنت لا تكذبيني ... أبحر زنيت أم بهجين ... أم بعبد فأنت أهل لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون ... فقالت لا بل أنت زوجتني أمرأ عربيا معروقا حسيبا ولم تستأمرني في نفسي ولم أكن مالكة لأمري فكف عنها وعرف عذرها ورجع عدي بن نصر إلى إياد فكان فيهم فخرج ذات يوم مع فتية متصيدين فرمى به فتى منهم من لهب فيما بين جبلين فتنكس فمات واشتملت رقاش على حبل فولدت غلاما فسمته عمرا ورشحته حتى إذا ترعرع عطرته وألبسته وحلته وأزارته خاله جذيمة فلما رآه أعجب به وألقيت عليه منه مقة ومحبة فكان يختلف مع ولده ويكون معهم فخرج جذيمة متبديا بأهله وولده في سنة خصبة مكلئة فضربت له أبنية في روضة ذات زهرة وغدر وخرج ولده وعمرو معهم يجتنون الكمأة فكانوا إذا أصابوا كمأة جيدة أكلوها وإذا أصابها عمرو خبأها في حجزته فانصرفوا إلى جذيمة يتعادون وعمرو يقول ... هذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه ... فضمه إليه جذيمة والتزمه وسر بقوله وفعله وأمر فجعل له حلي من فضة وطوق فكان أول عربي ألبس طوقا فكان يسمى عمرا ذا الطوق فبينما هو على أحسن حاله إذا استطارته الجن فاستهوته فضرب له جذيمة (1/363) ________________________________________ في البلدان والآفاق زمانا لا يقدر عليه قال وأقبل رجلان أخوان من بلقين يقال لهما مالك وعقيل ابنا فارج بن مالك بن كعب بن القين بن جسر بن شيع الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة من الشام يريدان جذيمة قد أهديا له طرفا ومتاعا فلما كان ببعض الطريق نزلا منزلا ومعهما قينة لهما يقال لها أم عمرو فقدمت إليهما طعاما فبينما هما يأكلان إذ أقبل فتى عريان شاحب قد تلبد شعره وطالت أظفاره وساءت حاله فجاء حتى جلس حجرة منهما فمد يده يريد الطعام فناولته القينة كراعا فأكلها ثم مد يده إليها فقالت تعطي العبد كراعا فيطمع في الذراع فذهبت مثلا ثم ناولت الرجلين من شراب كان معها وأوكت زقها فقال عمرو بن عدي ... صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا ... وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصحبينا ... فقال مالك وعقيل من أنت يا فتى فقال إن تنكراني أو تنكرا نسبي فإني أنا عمرو بن عدي ابن تنوخية اللخمي وغدا ما ترياني في نمارة غير معصي فنهضا إليه فضماه وغسلا رأسه وقلما أظفاره وأخذا من شعره وألبساه مما كان معهما من الثياب وقالا ما كنا لنهدي لجذيمة هدية أنفس عنده ولا أحب إليه من ابن أخته قد رده الله عليه بنان فخرجا به حتى دفعا إلى باب جذيمة بالحيرة فبشراه فسر بذلك سرورا شديدا وأنكره لحال ما كان فيه فقالا أبيت اللعن إن من كان في مثل حاله يتغير فأرسل به إلى أمه فمكث عندها أياما ثم أعادته إليه فقال لقد رأيته يوم ذهب وعليه طوق فما ذهب عن عيني ولا قلبي إلى الساعة فأعادوا عليه الطوق فلما نظر إليه قال شب عمرو عن الطوق فأرسلها مثلا وقال لمالك وعقيل حكمكما قالا حكمنا منادمتك ما بقينا وبقيت فهما ندمانا جذيمة اللذان ضربا مثلا في أشعار العرب وفي ذلك يقول أبو خراش الهذلي ... لعمرك ما ملت كبيشة طلعتي ... وإن ثوائي عندها لقليل ... ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا ... نديما صفاء مالك وعقيل ... وقال متمم بن نويرة ... وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا ... فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا ... وكان ملك العرب بأرض الجزيرة ومشارف بلاد الشام عمرو بن ظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر العملقي ويقال العمليقي من عاملة العماليق فجمع جذيمة جموعا من العرب فسار إليه يريد غزاته وأقبل عمرو بن ظرب بجموعه من الشام فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل عمرو بن ظرب وانفضت جموعه وانصرف جذيمة بمن معه سالمين غانمين فقال في ذلك الأعور بن عمرو بن هناءة بن مالك بن فهم الأزدي ... كأن عمرو بن ثربي لم يعش ملكا ... ولم تكن حوله الرايان تختفق ... لاقي جذيمة في جأواء مشعلة ... فيها حراشف بالنيران ترتشق ... فملكت من بعد عمرو ابنته الزباء واسمها نائلة وقال في ذلك القعقاع بن الدرماء الكلبي (1/364) ________________________________________ أتعرف منزلا بين المنقى ... وبين مجر نائلة القديم ... وكان جنود الزباء بقايا من العماليق والعاربة الأولى وتزيد وسليح ابني حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ومن كان معهم من قبائل قضاعة وكانت للزباء أخت يقال لها زبيبة فبنت لها قصرا حصينا على شاطئ الفرات الغربي وكانت تشتو عند أختها وتربع ببطن النجار وتصير إلى تدمر فلما أن استجمع لها أمرها واستحكم لها ملكها أجمعت لغزو جذيمة الأبرش تطلب بثأر أبيها فقالت لها أختها زبيبة وكانت ذات رأي ودهاء وإرب يا زباء إنك إن غزوت جذيمة فإنما هو يوم له ما بعده إن ظفرت أصبت ثأرك وإن قتلت ذهب ملكك والحرب سجال وعثراتها لا تستقال وإن كعبك لم يزل ساميا على من ناوأك وساماك ولم تري بؤسا ولا غيرا ولا تدرين لمن تكون العاقبة وعلى من تكون الدائرة فقالت لها الزباء قد أديت النصيحة وأحسنت الروية وإن الرأي ما رأيت والقول ما قلت فانصرفت عما كانت أجمعت عليه من غزو جذيمة ورفضت ذلك وأتت أمرها من وجوه الختل والخدع والمكر فكتبت إلى جذيمة تدعوه إلى نفسها وملكها وأن يصل بلاده ببلادها وكان فيما كتبت به أنها لم تجد ملك النساء إلا إلى قبيح في السماع وضعف في السلطان وقلة ضبط المملكة وإنها لم تجد لملكها موضعا ولا لنفسها كفئا غيرك فأقبل إلي فاجمع ملكي إلى ملكك وصل بلادي ببلادك وتقلد أمري مع أمرك فلما انتهى كتاب الزباء إلى جذيمة وقدم عليه رسلها استخفه ما دعته إليه ورغب فيما أطمعته فيه وجمع إليه أهل الحجى والنهى من ثقات أصحابه وهو بالبقة من شاطئ الفرات فعرض عليهم ما دعته إليه الزباء وعرضته عليه واستشارهم في أمره فأجمع رأيهم على أن يسير إليها ويستولي على ملكها وكان فيهم رجل يقال له قصير بن سعد بن عمر بن جذيمة بن قيس بن ربي بن نمارة بن لخم وكان سعد تزوج أمة لجذيمة فولدت له قصيرا وكان أريبا حازما أثيرا عند جذيمة ناصحا فخالفهم فيما أشاروا به عليه وقال رأي فاتر وغدر حاضر فذهبت مثلا مثلا فرادوه الكلام ونازعوه الرأي فقال إني لأرى أمرا ليس بالخسا ولا الزكا فذهبت مثلا وقال لجذيمة اكتب إليها فإن كانت صادقة فلتقبل إليك وإلا لم تمكنها من نفسك ولم تقع في حبالها وقد وترتها وقتلت أباها فلم يوافق جذيمة ما أشار به عليه قصير فقال قصير ... إني امرؤ لا يميل العجز ترويتي ... إذا أتت دون شيء مرة الوذم ... فقال جذيمة لا ولكنك امرؤ رأيك في الكن لا في الضح فذهبت مثلا فدعا جذيمة ابن أخته عمرو بن عدي فاستشاره فشجعه على المسير وقال إن نمارة قومي مع الزباء ولو قدروا لصاروا معك فأطاعه وعصى قصيرا فقال قصير لا يطاع لقصير أمر وفي ذلك يقول نهشل بن حري بن ضمرة بن جابر التميمي ... ومولى عصاني واستبد برأيه ... كما لم يطع بالبقتين قصير ... فلما رأى ما غب أمري وأمره ... وولت بأعجاز الأمور صدور ... تمنى نئيشا أن يكون أطاعني ... وقد حدثت بعد الأمور أمور ... وقال العرب ببقة أبرم الأمر فذهبت مثلا واستخلف جذيمة عمرو بن عدي على ملكه وسلطانه وجعل عمرو بن عبدالجن الجرمي معه على خيوله وسار في وجوه أصحابه فأخذ على الفرات من الجانب (1/365) ________________________________________ الغربي فلما نزل الفرضة دعا قصيرا فقال ما الرأي قال ببقة تركت الرأي فذهبت مثلا واستقبلته رسل الزباء بالهدايا والألطاف فقال يا قصير كيف ترى قال خطر يسير في خطب كبير فذهبت مثلا وستلقاك الخيول فإن سارت أمامك فإن المرأة صادقة وإن أخذت جنبيك وأحاطت بك من خلفك فإن القوم غادرون فاركب العصا وكانت فرسا لجذيمة لا تجارى فإني راكبها ومسايرك عليها فلقيته الخيول والكتائب فحالت بينه وبين العصا فركبها قصير ونظر إليه جذيمة موليا على متنها فقال ويل أمه حزما على ظهر العصا فذهبت مثلا فقال يا ضل ما تجري به العصا وجرت به إلى غروب الشمس ثم نفقت وقد قطعت أرضا بعيدة فبنى عليها برجا يقال له برج العصا وقالت العرب خير ما جاءت به العصا مثل تضربه وسار جذيمة وقد أحاطت به الخيول حتى دخل على الزباء فلما رأته تكشفت فإذا هي مضفورة الإسب فقالت يا جذيمة أدأب عروس ترى فذهبت مثلا فقال بلغ المدى وجف الثرى وأمر غدر أرى فقالت أما وإلهي ما بنا من عدم مواس ولا قلة أواس ولكنه شيمة ما أناس فذهبت مثلا وقالت إني أنبئت أن دماء الملوك شفاء من الكلب ثم أجلسته على نطع وأمرت بطست من ذهب فأعدته له وسقته من الخمر حتى أخذت مأخذها منه وأمرت براهشيه فقطعا وقدمت إليه الطست وقد قيل لها إن قطر من دمه شيء في غير الطست طلب بدمه وكانت الملوك لا تقتل بضرب الأعناق إلا في قتال تكرمة للملك فلما ضعفت يداه سقطتا فقطر من دمه في غير الطست فقالت لا تضيعوا دم الملك فقال جذيمة دعوا دما ضيعه أهله فذهبت مثلا فهلك جذيمة واستبقت الزباء دمه فجعلته في برس قطن في ربعة لها وخرج قصير من الحي الذي هلكت العصا بين أظهرهم حتى قدم على عمرو بن عدي وهو بالحيرة فقال له قصير أداثر أم ثائر قال لا بل ثائر سائر فذهبت مثلا ووافق قصير الناس وقد اختلفوا فصارت طائفة منهم مع عمرو بن عبدالجن الجرمي وجماعة منهم مع عمرو بن عدي فاختلف بينهما قصير حتى اصطلحا وانقاد عمرو بن عبدالجن لعمرو بن عدي ومال إليه الناس فقال عمرو بن عدي في ذلك ... دعوت ابن عبدالجن للسلم بعدما ... تتايع في غرب السفاه وكلسما ... فلما ارعوى عن صدنا باعترامه ... مريت هواه مري آم روائما ... فقال عمرو بن عبدالجن مجيبا له ... أما ودماء مائرات تخالها ... على قلة العزى أو النسر عندما ... وما قدس الرهبان في كل هيكل ... أبيل الأبيلين المسيح بن مريما ... قال هكذا وجد الشعر ليس بتام وكان ينبغي أن يكون البيت الثالث لقد كان كذا وكذا فقال قصير لعمرو بن عدي تهيأ واستعد ولا تطل دم خالك قال وكيف لي بها وهي أمنع من عقاب الجو فذهبت مثلا وكانت الزباء سألت كاهنة لها عن أمرها وملكها فقالت أرى هلاكك بسبب غلام مهين غير أمين وهو عمرو بن عدي ولن تموتي بيده ولكن حتفك بيدك ومن قبله ما يكون ذلك فحذرت عمرا واتخذت نفقا من مجلسها الذي كانت تجلس فيه إلى حصن لها داخل مدينتها وقالت إن (1/366) ________________________________________ فجأني أمر دخلت النفق إلى حصني ودعت رجلا مصورا أجود أهل بلادها تصويرا وأحسنهم عملا لذلك فجهزته وأحسنت إليه وقالت له سر حتى تقدم على عمرو بن عدي متنكرا فتخلو بحشمه وتنضم إليهم وتخالطهم وتعلمهم ما عندك من العلم بالصور والثقافة له ثم أثبت عمرو بن عدي معرفة وصوره جالسا وقائما وراكبا ومتفضلا ومتسلحا بهيئته ولبسته وثيابه ولونه فإذا أحكمت ذلك فأقبل إلي فانطلق المصور حتى قدم على عمرو وصنع الذي أمرته به الزباء وبلغ ما أوصته به ثم رجع إليها بعلم ما وجهته له من الصور على ما وصفت له وأرادت أن تعرف عمرو بن عدي فلا تراه على حال إلا عرفته وحذرته وعلمت علمه فقال قصير لعمرو بن عدي أجدع أنفي وأضرب ظهري ودعني وإياها فقال عمرو ما أنا بفاعل وما أنت لذلك بمستحق مني فقال قصير خل عني إذا وخلاك ذم فذهبت مثلا قال ابن الكلبي كان أبو الزباء اتخذ النفق لها ولأختها وكان الحصن لأختها في داخل مدينتها قال فقال له عمرو فأنت ابصر فجدع قصير أنفه وأثر بظهره فقالت العرب لمكر ما جدع أنفه قصير وفي ذلك يقول المتلمس ... ومن حذر الأوتار ما حز أنفه ... قصير وخاض الموت بالسيف بيهس ... ويروى ورام الموت وقال عدي بن زيد ... كقصير إذ لم يجد غير أن ج ... دع أشرافه لشكر قصير ... فلما أن جدع قصير أنفه وأثر تلك الاثار بظهره خرج كأنه هارب وأظهر أن عمرا فعل به ذلك وأنه يزعم أنه مكر بخاله جذيمة وغره من الزباء فسار قصير حتى قدم على الزباء فقيل لها إن قصيرا بالباب فأمرت به فأدخل عليها فإذا أنفه قد جدع وظهره قد ضرب فقالت ما الذي أرى بك يا قصير فقال زعم عمرو بن عدي أني غررت خاله وزينت له السير إليك وغششته ومالأتك عليه ففعل بي ما ترين فأقبلت إليك وعرفت أني لا أكون مع أحد هو أثقل عليه منك فألطفته وأكرمته وأصابت عنده بعض ما أرادت من الحزم والرأي والتجربة والمعرفة بأمور الملوك فلما عرفت أنها قد استرسلت إليه ووثقت به قال لها إن لي بالعراق أموالا كثيرة وبها طرائف وثياب وعطر فابعثيني إلىالعراق لأحمل مالي وأحمل إليك من بزوزها وطرائف ثيابها وصنوف ما يكون بها من الأمتعة والطيب والتجارات فتصيبين في ذلك أرباحا عظاما وبعض مالا غنى بالملوك عنه فإنه لا طرائف كطرائف العراق فلم يزل يزين لها ذلك حتى سرحته ودفعت معه عيرا فقالت انطلق إلى العراق فبع بها ما جهزناك به وابتع لنا من طرائف ما يكون بها من الثياب وغيرها فسار قصير بما دفعت إليه حتى قدم العراق وأتى الحيرة متنكرا فدخل على عمرو بن عدي فأخبره بالخبر وقال جهزني بالبز والطرف والأمتعة لعل الله يمكن من الزباء فتصيب ثأرك تقتل عدوك فأعطاه حاجته وجهزه بصنوف الثياب وغيرها فرجع بذلك كله إلى الزباء فعرضه عليها فأعجبها ما رأت وسرها ما أتاها به وازدادت به ثقة وإليه طمأنينة ثم جهزته بعد ذلك بأكثر مما جهزته في المرة الأولى فسار حتى قدم العراق ولقي عمرو بن عدي وحمل من عنده ما ظن أنه موافق للزباء ولم يترك جهدا ولم يدع طرفة ولا متاعا قدر عليه إلا حمله إليها ثم عاد الثالثة إلى العراق فأخبر (1/367) ________________________________________ عمرا الخبر وقال اجمع لي ثقات أصحابك وجندك وهيء لهم الغرائر والمسوح قال ابن الكلبي وقصير أول من عمل الغرائر واحمل كل رجلين على بعير في غرارتين واجعل معقد رؤوس الغرائر من باطنها فإذا دخلوا مدينة الزباء أقمتك على باب نفقها وخرجت الرجال من الغرائر فصاحوا بأهل المدينة فمن قاتلهم قتلوه وإن أقبلت الزباء تريد النفق جللتها بالسيف ففعل عمرو بن عدي وعمل الرجال في الغرائر على ما وصفه له قصير ثم وجه الإبل إلى الزباء عليها الرجال وأسلحتهم فلما كانوا قريبا من مدينتها تقدم قصير إليها فبشرها وأعلمها كثرة ما حمل إليها من الثياب والطرائف وسألها أن تخرج فتنظر إلى قطرات تلك الإبل وما عليها من الأحمال فإني جئت بما صاء وصمت فذهبت مثلا وقال ابن الكلبي وكان قصير يكمن النهار ويسير الليل وهو أول من كمن النهار وسار الليل فخرجت الزباء فأبصرت الإبل تكاد قوائمها تسوخ في الأرض من ثقل أحمالها فقالت يا قصير ... ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا ... أم صرفانا باردا شديدا ... فدخلت الإبل المدينة حتى كان آخرها بعيرا مر على بواب المدينة وهو نبطي بيده منخسة فنخس بها الغرائر التي تليه فتصيب خاصرة الرجل الذي فيها فضرط فقال البواب بالنبطية بشتابسقا يعني بقوله بشتابسقا في الجوالق شر وأرعب قلبا فذهبت مثلا فلما توسطت الإبل المدينة أنيخت ودل قصير عمرا على باب النفق قبل ذلك وأراه إياه وخرجت الرجال من الغرائر وصاحوا بأهل المدينة ووضعوا فيهم السلاح وقام عمرو بن عدي على باب النفق وأقبلت الزباء مولية مبادرة تريد النفق لتدخله وأبصرت عمرا قائما فعرفته بالصورة التي كان صورها لها المصور فمصت خاتمها وكان فيها سم وقالت بيدي لا بيدك يا عمرو فذهبت مثلا وتلقاها عمرو بن عدي فجللها بالسيف فقتلها وأصاب ما أصاب من أهل المدينة وانكفأ راجعا إلى العراق فقال عدي بن زيد في أمر جذيمة وقصير والزباء وقتل عمر بن عدي إياها قصيدته ... أبدلت المنازل أم عفينا ... تقادم عهدها أم قد بلينا ... إلى آخرها وقال المخبل وهو ربيعة بن عوف السعدي ... يا عمرو إني قد هويت جماعكم ... ولكل من يهوى الجماع فراق ... بل كم رأيت الدهر زايل بينه ... من لا يزايل بينه الأخلاق ... طابت به الزباء وقد جعلت لها ... دورا ومشربة لها أنفاق ... حملت لها عمرا ولا بخشونة ... من آل دومة رسلة معناق ... حتى تفرعها بأبيض صارم ... عضب يلوح كأنه مخراق ... وأبو حذيفة يوم ضاق بجمعه ... شعب الغبيط فحومة فأفاق ... وله معد والعباد وطيئ ... ومن الجنود كتائب ورفاق (1/368) ________________________________________ يهب النجائب والنزائع حوله ... جردا كأن متونها الأطلاق ... فأتت عليه ساعة ما إن له ... مما أفاء ولا أفاد عتاق ... فكأن ذلك يوم حم قضاؤه ... رفد أميل إناؤه مهراق ... وقال بعض شعراء العرب ... نحن قتلنا فقحلا وابن راعن ... ونحن ختنا نبت زبا بمنجل ... فلما أتتها العير قالت أبارد ... من التمر هذا أم حديد وجندل ... وقال عبد باجر واسمه بهرا من العرب العاربة وهم عشرة أحياء عاد وثمود والعماليق وطسم وجديس وأميم والمود وجرهم ويقطن والسلق قال والسلف دخل في حمير ... لا ركبت رجلك من بين الدلى ... لقد ركبت مركبا غير الوطي ... على العراقي بصفا من الطوي ... إن كنت غضبى فاغضبي على الركي ... وعاتبي القيم عمرو بن عدي ... فصار الملك بعد جذيمة لابن أخته عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن الحارث بن مالك بن عمرو بن نمارة بن لخم وهو أول من اتخذ الحيرة منزلا من ملوك العرب وأول من مجده أهل الحيرة في كتبهم من ملوك العرب بالعراق وإليه ينسبون وهم ملوك آل نصر فلم يزل عمرو بن عدي ملكا حتى مات وهو ابن مائة وعشرين سنة منفردا بملكه مستبدا بأمره يغزو المغازي ويصيب الغنائم وتفد عليه الوفود دهره الأطول لا يدين لملوك الطوائف بالعراق ولا يدينون له حتى قدم أردشير بن بابك في أهل فارس وإنما ذكرنا في هذا الموضع ما ذكرنا من أمر جذيمة وابن أخته عمرو بن عدي لما كنا قدمنا من ذكر ملوك اليمن أنه لم يكن لملكهم نظام وأن الرئيس منهم إنما كان ملكا عل مخلافه ومحجره لا يجاوز ذلك فإن نزع منهم نازع أو نبغ منهم نابغ فتجاوز ذلك إن بعدت مسافة سيره من مخلافه فإنما ذلك منه عن غير ملك له موطد ولا لآبائه ولا لأبنائه ولكن كالذي يكون من بعض من يشرد من المتلصصة فيغير على الناحية باستغفاله أهلها فإذا قصده الطلب لم يكن له ثبات لكذلك كان أمر ملوك اليمن كان الواحد منهم بعد الواحد يخرج عن مخلافه ومحجره أحيانا فيصيب مما يمر به ثم يتشمر عند خوف الطلب راجعا إلى موضعه ومخلافه من غير أن يدين له أحد من غير أهل مخلافه بالطاعة أو يؤدي إليه خرجا حتى كان عمرو بن عدي الذي ذكرنا أمره وهو ابن أخت جذيمة الذي اقتصصنا خبره فإنه اتصل له ولعقبه ولأسبابه الملك على ما كان بنواحي العراق وبادية الحجاز من العرب باستعمال ملوك فارس إياهم على ذلك واستكفائهم أمر من وليهم من العرب إلى أن قتل أبرويز بن هرمز النعمان بن المنذر ونقل ما كانت ملوك فارس يجعلونه إليهم إلى غيرهم فذكرنا ما ذكرنا من أمر جذيمة وعمرو بن عدي من أجل ذلك إذ كنا نريد أن نسوق تمام التاريخ على ملك ملوك فارس ونستشهد على صحة ما روي من أمرهم بما وجدنا إلى الاستشهاد به عليها سبيلا وكان أمر آل نصر بن ربيعة ومن كان من ولاة ملوك الفرس وعمالهم على ثغر العرب الذين هم ببادية العراق عند أهل الحيرة متعالما مثبتا عندهم في كنائسهم وأسفارهم وقد حدثت عن هشام بن محمد الكلبي أنه قال إني كنت أستخرج أخبار العرب وأنساب آل نصر بن (1/369) ________________________________________ ربيعة ومبالغ أعمار من عمل منهم لآل كسرى وتاريخ بنيهم من بيع الحيرة وفيها ملكهم وأمورهم كلها فأما ابن حميد فإنه حدثنا في أمر ولد نصر بن ربيعة ومصيرهم إلى أرض العراق غير الذي ذكره هشام والذي حدثنا به من ذلك عن سلمة عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن ربيعة بن نصر اللخمي رأى رؤيا نذكرها بعد عن ذكر أمر الحبشة وغلبتهم على اليمن وتعبير سطيح وشق وجوابهما عن رؤياه ثم ذكر في خبره ذلك أن ربيعة بن نصر لما فرغ من مسألة سطيح وشق وجوابهما إياه وقع في نفسه أن الذي قالا له كائن من أمر الحبشة فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاذ فأسكنهم الحيرة قال فمن بقية ربيعة بن نصر كان النعمان ملك حيرة وهو النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر ذلك الملك في نسب أهل اليمن وعلمهم قال أبو جعفر ونذكر الآن أمر طسم وجديس إذ كان أمرهم أيضا كان في أيام ملوك الطوائف وأن فناء جديس كان على يد حسان بن تبع إذ كنا قدمنا فيما مضى ذكر تبابعة حمير الذين كانوا على عهد ملوك فارس وحدثت عن هشام بن محمد وحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق وغيرهما من علماء العرب أن طمسا وجديسا كانوا من ساكني اليمامة وهي إذ ذاك من أخصب البلاد وأعمرها وأكثرها خيرا لهم فيها صنوف الثمار ومعجبات الحدائق والقصور الشامخة وكان عليهم ملك من طسم ظلوم غشوم لا ينهاه شيء عن هواه يقال له عملوق مضرا بجديس مستذلا لهم وكان مما لقوا من ظلمه واستذلاله أنه أمر بألا تهدى بكر من جديس إلى زوجها حتى تدخل عليه فيفترعها فقال رجل من جديس يقال له الأسود بن غفار لرؤساء قومه قد ترون ما نحن فيه من العار والذل الذي ينبغي للكلاب أن تعافه وتمتعض منه فأطيعوني فإني أدعوكم إلى عز الدهر ونفي الذل قالوا وما ذاك قال إني صانع للملك ولقومه طعاما فإذا جاؤوا نهضنا إليهم بأسيافنا وانفردت به فقتلته وأجهز كل رجل منكم على جليسه فأجابوه إلى ذلك وأجمع رأيهم عليه فأعد طعاما وأمر قومه فانتضوا سيوفهم ودفنوها في الرمل وقال إذا أتاكم القوم يرفلون في حللهم فخذوا سيوفهم ثم شدوا عليهم قبل أن يأخذوا مجالسهم ثم اقتلوا الرؤساء فإنكم إذا قتلتموهم لم تكن السفلة شيئا وحضر الملك فقتل وقتل الرؤساء فشدوا على العامة منهم فأفنوهم فهرب رجل من طسم يقال له رياح بن مرة حتى أتى حسان بن تبع فاستغاث به فخرج حسان في حمير فلما كان من اليمامة على ثلاث قال له رياح أبيت اللعن إن لي أختا متزوجة في جديس يقال لها اليمامة ليس على وجه الأرض أبصر منها إنها لتبصر الراكب من مسيرة ثلاث وإني أخاف أن تنذر القوم ببك فمر أصحابك فليقطع كل رجل منهم شجرة فليجعلها أمامه ويسير وهي في يده فأمرهم حسان بذلك ففعلوا ثم سار فنظرت اليمامة فأبصرتهم فقالت لجديس لقد سارت حمير فقالوا وما الذي ترين قالت أرى رجلا في شجرة ومعه كتف يتعرقها أو نعل يخصفها فكذبوها وكان ذلك كما قالت وصبحهم حسان فأبادهم وأخرب بلادهم وهدم قصورهم وحصونهم (1/370) ________________________________________ وكانت اليمامة تسمى إذ ذاك جوا والقرية وأتى حسان باليمامة ابنة مرة فأمر بها فققئت عيناها فإذا فيها عروق سود فقال لها ما هذا السواد في عروق عينيك قالت حجير أسود يقال له الإثمد كنت أكتحل به وكانت فيما ذكروا أول من اكتحل بالإثمد فأمر حسان بأن تسمى جو اليمامة وقد قالت الشعراء من العرب في حسان ومسيره هذا فمن ذلك قول الأعشى ... كوني كمثل الذي إذ غاب وافدها ... أهدت له من بعيد نظرة جزعا ... ما نظرت ذات أشفار كنظرتها ... حقا كما صدق الذئبي إذ سجعا ... إذ قلبت مقلة ليست بمقرفة ... إذ يرفع الآل رأس الكلب فارتفعا ... قالت أرى رجلا في كفه كتف ... أو يخصف النعل لهفى أية صنعا ... فكذبوها بما قالت فصبحهم ... ذو آل حسان يزجي الموت والشرعا ... فاستنزلوا أهل جو من مساكنهم ... وهدموا شاخص البنيان فاتضعا ... ومن ذلك قول النمر بن تولب العكلي ... هلا سألت بعادياء وبيته ... والخل والخمر التي لم تمنع ... وفتاتهم عنز عشية آنست ... من بعد مرأى في الفضاء ومسمع ... قالت أرى رجلا يقلب كفه ... أصلا وجو آمن لم يفزع ... ورأت مقدمة الخميس وقبله ... رقص الركاب إلى الصياح بتبع ... فكأن صالح أهل جو غدوة ... صبحوا بذيفان السمام المنقع ... كانوا كأنعم من رأيت فأصبحوا ... يلوون زاد الراكب المتمتع ... قالت يمامة احملوني قائما ... إن تبعثوه باركا بي أصرع ... وحسان بن تبع الذي أوقع بجديس هو ذو معاهر وهو تبع بن تبع تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن تبع بن أقرن وهو أبو تبع بن حسان الذي يزعم أهل اليمن أنه قدم مكة وكسا الكعبة وأه الشعب من المطابخ إنما سمي هذا الاسم لنصبه المطابخ في ذلك الموضع وإطعامه الناس وأن أجيادا إنما سمي أجيادا لأن خيله كانت هنالك وأنه قدم يثرب فنزل منزلا يقال له منزل الملك اليوم وقتل من اليهود مقتلى عظيمة بسبب شكاية من شكاهم إليه من األأوس والخزرج بسوء الجوار وأنه وجه ابنه حسان إلى السندوسمرا ذا الجناح إلى خراسان وأمرهما أن يستبقا إلى الصين فمر سمر بسمرقند فأقام عليها حتى افتتحها وقتل مقاتلتها وسبى وحوى ما فيها ونفذ إلى الصين فوافى حسان بها فمن أهل اليمن من يزعم أنهما ماتا هنالك ومنهم من يزعم أنهما انصرفا إلى تبع بالأموال والغنائم ومما كان في أيام ملوك الطوائف وما ذكره الله عز و جل في كتابه من أمر الفتية الذين أووا إلى الكهف فضرب على آذانهم (1/371) |
رد: مكتبتي
ذكر الخبر عن أصحاب الكهف
وكان أصحاب الكهف فتية آمنوا بربهم كما وصفهم الله عز و جل به من صفتهم في القرآن المجيد فقال لنبيه محمد صلى الله عليه و سلم أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ( 1 ) والرقيم هو الكتاب الذي كان القوم الذين منهم كان الفتية كتبوه في لوح بذكر خبرهم وقصصهم ثم جعلوه على باب الكهف الذي أووا إليه أو نقروه في الجبل الذي أووا إليه أو كتبوه في لوح وجعلوه في صندوق خلفوه عندهم إذ أوى الفتية إلى الكهف وكان عدد الفتية فيما ذكر ابن عباس سبعة وثامنهم كلبهم حدثنا ابن بشار قال حدثنا عبدالرحمن قال حدثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس مايعلمهم إلا قليل ( 2 ) قال أنا من القليل كانوا سبعة حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول أنا من اولئك القليل الذين استثنى الله تعالى كانوا سبعة وثامنهم كلبهم قال وكان اسم أحدهم وهو الذي كان يلي شرا الطعام لهم الذي ذكره الله عنهم أنهم قالوا إذ هبوا من رقدتهم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه ( 3 ) حدثني عبدالله بن محمد الزهري قال حدثنا سفيان عن مقاتل فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة اسمه يمنيخ وأما ابن إسحاق فإنه قال فيما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه اسمه يمليخا وكان ابن إسحاق يقول كان عدد الفتية ثمانية فعلى قوله كان كلبهم تاسعهم وكان فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق يسميهم فيقول كان أحدهم وهو أكبرهم والذي كلم الملك عن سائرهم مكسملينا والآخر محسملينا والثالث يمليخا والرابع مرطوس والخامس كسوطونس والسادس بيرونس والسابع رسمونس والثامن بطونس والتاسع قالوس وكانوا أحداثا (1/372) ________________________________________ وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبدالله بن أبي نجيح عن مجاهد قال لقد حدثت أنه كان على بعضهم من حداثة أسنانهم وضح الورق وكانوا من قوم يعبدون الأوثان من الروم فهداهم الله للأسلام وكانت شريعتهم شريعة عيسى في قول جماعة من سلف علمائنا حدثنا ابن حميد قال حدثنا الحكم بن بشير قال حدثنا عمرو يعني ابن قيس الملائي في قوله إن أصحاب الكهف والرقيم كانت الفتية على دين عيسى بن مريم صلى الله عليه و سلم على الإسلام وكان ملكهم كافرا وكان بعضهم يزعم أن أمرهم ومصيرهم إلى الكهف كان قبل المسيح وأن المسيح أخبر قومه خبرهم فإن الله عز و جل ابتعثهم من رقدتهم بعد ما رفع المسيح في الفترة بينه وبين محمد صلى الله عليه و سلم والله أعلم أي ذلك كان فأما الذي عليه علماء أهل الإسلام فعلى أن أمرهم كان بعد المسيح فأما أنه كان في أيام ملوك الطوائف فإن ذلك مما لا يدفعه دافع من أهل العلم بأخبار الناس القديمة وكان لهم في ذلك الزمان ملك يقال له دقينوس يعبد الأصنام فيما ذكر عنه فبلغه عن الفتية خلافهم إياه في دينه فطلبهم فهربوا منه بدينهم حتى صاروا إلى جبل لهم يقال له فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبدالله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس نيحلوس وكان سبب إيمانهم وخلافهم به قومهم فيما حدثنا الحسن بن يحيى قال حدثنا عبدالرزاق قال حدثنا معمر قال أخبرني إسماعيل بن سدوس أنه سمع وهب بن منبه يقول جاء حواري عيسى بن مريم إلى مدينة أصحاب الكهف فأراد أن يدخلها فقيل له إن على بابها صنما لا يدخلها أحد إلا سجد له فكره أن يدخلها فأتى حماما وكان فيه قريبا من تلك المدينة فكان يعمل فيه يؤاجر نفسه من صاحب الحمام ورأى صاحب الحمام في حمامه البركة ودر عليه الرزق فجعل يعرض عليه الإسلام وجعل يسترسل إليه وعلقه فتية من أهل المدينة وجعل يخبرهم خبر السماء والأرض وخبر الآخرة حتى آمنوا به وصدقوه وكانوا على مثل حاله في حسن الهيئة وكان يشرط على صاحب الحمام أن الليل لي لا تحول بيني وبين الصلاة إذا حضرت فكان على ذلك حتى جاء ابن الملك بامرأة فدخل بها الحمام فعيره الحواري فقال أنت ابن الملك وتدخل ومعك هذه الكذا فاستحيا فذهب فرجع مرة أخرى فقال له مثل ذلك وسبه وانتهره ولم يلتفت حتى دخل ودخلت معه المرأة فماتا في الحمام جميعا فأتي الملك فقيل له قتل صاحب الحمام ابنك فالتمس فلم يقدر عليه فهرب قال من كان يصحبه فسموا الفتية فالتمسوا فخرجوا من المدينة فمروا بصاحب لهم في زرع له وهو على مثل أمرهم فذكروا أنهم التمسوا وانطلق معهم ومعه الكلب حتى أواهم الليل إلى الكهف فدخلوه فقالوا نبيت ها هنا الليلة ثم نصبح إن شاء الله فترون رأيكم فضرب على آذانهم فخرج الملك في أصحابه يتبعونهم حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف فكلما أراد رجل أن يدخل أرعب فلم يطق أحد أن يدخل فقال قائل أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتهم قال بلى قال فابن عليهم باب الكهف فدعهم فيه يموتوا عطشا وجوعا ففعل فغبروا بعدما بنى عليهم باب الكهف زمانا بعد زمان ثم إن راعيا أدركه المطر عند الكهف فقال لو فتحت هذا الكهف فأدخلته غنمي من المطر فلم يزل (1/373) ________________________________________ يعالجه حتى فتحر ما أدخل فيه ورد الله إليهم أرواحهم في أجسادهم من الغد حين أصبحوا فبعثوا أحدهم بورق يشتري لهم طعاما فكلما أتى باب مدينتهم رأى شيئا ينكره حتى دخل على رجل فقال بعني بهذه الدراهم طعاما قال ومن أين لك هذه الدراهم قال خرجت وأصحاب لي أمس فآوانا الليل حتى أصبحوا فأرسلوني فقال هذه الدراهم كانت على عهد الملك فلان فأنى لك بها فرفعه إلى الملك وكان ملكا صالحا فقال من أين لك هذه الورق قال خرجت أنا وأصحاب لي أمس حتى أدركنا الليل في كهف كذا وكذا ثم أمروني أن أشتري لهم طعاما قال وأين أصحابك قال في الكهف قال فانطلقوا معه حتى أتوا باب الكهف فقال دعوني أدخل إلى أصحابي قبلكم فلما رأوه ودنا منهم ضرب على أذنه وآذانهم فجعلوا كلما دخل رجل أرعب فلم يقدروا على أن يدخلوا إليهم فبنوا عندهم كنيسة واتخذوها مسجدا يصلون فيه حدثنا الحسن بن يحيى قال حدثنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة عن عكرمة قال كان أصحاب الكهف أبناء ملوك الروم رزقهم الله الإسلام فتفردوا بدينهم واعتزلوا قومهم حتى انتهوا إلى الكهف فضرب الله على سمخانهم فلبثوا دهرا طويلا حتى هلكت أمتهم وجاءت أمة مسلمة وكان ملكهم مسلما واختلفوا في الروح والجسد فقال قائل تبعث الروح والجسد جميعا وقال قائل تبعث الروح وأما الجسد فتأكله الأرض فلا يكون شيئا فشق على ملكهم اختلافهم فانطلق فلبس المسوح وجلس على الرماد ثم دعا الله عز و جل فقال يا رب قد ترى اختلاف هؤلاء فابعث لهم ما يبين لهم فبعث الله أصحاب الكهف فبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاما فدخل السوق فجعل ينكر الوجوه ويعرف الطرق ويرى الإيمان بالمدينة ظاهرا فانطلق وهو مستخف حتى أتى رجلا يشتري منه طعاما فلما نظر الرجل إلى الورق أنكرها قال حسبت أنه قال كأنها أخفاف الربع يعني الإبل الصغار قال له الفتى أليس ملككم فلان قال بل ملكنا فلان فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك فسأله فأخبره الفتى خبر أصحابه فبعث الملك في الناس فجمعهم فقال إنكم قد اختلفتم في الروح والجسد وإن الله عز و جل قد بعث لكم آية فهذا رجل من قوم فلان يعني ملكهم الذي مضى فقال الفتى انطلقوا بي إلى أصحابي فركب الملك وركب معه الناس حتى انتهى إلى الكهف فقال الفتى دعون أدخل إلى أصحابي فلما أبصرهم ضرب الله على أذنه وعى آذانهم فلما استبطؤوه دخل الملك ودخل الناس معه فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئا غير أنها لا أرواح فيها فقال الملك هذه آية بعثها الله لكم قال قتادة وغزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة فمروا بالكهف فإذا فيه عظام فقال رجل هذه عظام أصحاب الكهف فقال ابن عباس لقد ذهبت عظامهم منذ أكثر من ثلاثمائة سنة قال أبو جعفر فكان منهم (1/374) |
رد: مكتبتي
يونس بن متى
فكان فيما ذكر من أهل قرية من قرى الموصل يقال لها نينوى وكان قومه يعبدون الأصنام فبعث الله إليهم يونس بالنهي عن عبادتها والأمر بالتوبة إلى الله من كفرهم والأمر بالتوحيد فكان من أمره وأمر الذين بعث إليهم ما قصه الله في كتابه فقال عز و جل فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ( 1 ) وقال وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ( 2 ) وقد اختلف السلف من علماء أمة نبينا محمد صلى الله عليه و سلم في ذهابه لربه مغاضبا وظنه أن لن يقدر عليه وفي حين ذلك فقال بعضهم كان ذلك منه قبل دعائه القوم الذين أرسل إليهم وقبل إبلاغه إياهم رسالة ربه وذلك أن القوم الذين أرسل إليهم لما حضرهم عذاب الله أمر بالمصير إليهم ليعلمهم ما قد أظلهم من ذلك لينيبوا مما هم عليه مقيمون مما يسخطه الله فاستنظر ربه المصير إليهم فلم ينظره فغضب لاستعجال الله إياه للنفوذ لأمره وترك إنظاره ذكر من قال ذلك حدثني الحارث قال حدثنا الحسن الأشيب قال سمعت أبا هلال محمد بن سليم قال حدثنا شهر بن حوشب قال أتاه جبريل عليه السلام يعني يونس وقال انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم قال ألتمس دابة قال الأمر أعجل من ذلك قال ألتمس حذاء قال الأمر أعجل من ذلك قال فغضب فانطلق إلى السفينة فركب فلما ركب احتبست السفينة لا تقدم ولا تأخر قال فساهمو قال فسهم فجاء الحوت يبصبص بذنبه فنودي الحوت أيا حوت إنا لم نجعل يونس لك رزقا إنما جعلناك له حرزا ومسجدا فالتقمه الحوت فانطلق به من ذلك المكان حتى مر به على الأيلة ثم انطلق حتى مر به على دجلة ثم انطلق به حتى ألقاه في نينوى حدثني الحارث قال حدثنا الحسن قال حدثنا أبو هلال قال حدثنا شهر بن حوشب عن ابن (1/375) ________________________________________ عباس قال إنما كانت رسالة يونس بعدما نبذه الحوت وقال آخرون كان ذلك منه بعد دعائه من أرسل إليهم إلى ما أمره الله بدعائهم إليه وتبليغه إياهم رسالة ربه ولكنه وعدهم نزول ما كان حذرهم من بأس الله وقت وقته لهم ففارقهم إذ لم يتوبوا ولم يراجعوا طاعة الله والإيمان فلما أظل القوم عذاب الله فغشيهم كما وصف الله في تنزيله تابوا إلى الله فرفع الله عنهم العذاب وبلغ يونس سلامتهم وارتفاع العذاب الذي كان وعدهموه فغضب من ذلك وقال وعدتهم وعدا فكذب وعدي فذهب مغاضبا ربه وكره الرجوع إليهم وقد جربوا عليه الكذب ذكر بعض من قال ذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن يزيد بن زياد عن عبدالله بن أبي سلمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال بعثه الله تعالى يعني يونس إلى أهل قريته فردوا عليه ما جاءهم به وامتنعوا منه فلما فعلوا ذلك أوحى ألله إليه إني مرسل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا فاخرج من بين أظهرهم فأعلم قومه الذي وعدهم الله من عذابه إياهم فقالوا ارمقوه فإن هو خرج من بين أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم فلما كانت الليلة التي وعدوا العذاب في صبيحتها أدلج وراءه القوم فحذروا فخرجوا من القرية إلى بزاز من أرضهم وفرقوا بين كل دابة وولدها ثم عجوا إلى الله واستقالوه فأقالهم وتنظر يونس الخبر عن القرية وأهلها حتى مر به مار فقال ما فعل أهل القرية فقال فعلوا أن نبيهم لما خرج من بين أظهرهم عرفوا أنه صدقهم ما وعدهم من العذاب فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض وفرقوا بين كل ذات ولد وولدها ثم عجوا إلى الله وتابوا إليه فقبل منهم وأخر عنهم العذاب قا فقال يونس عند ذلك وغضب والله لا أرجع إليهم كذابا أبدا وعدتهم العذاب في يوم ثم رد عنهم ومضى على وجهه مغاضبا لربه فاستزله الشيطان حدثني المثنى بن إبراهيم قال حدثنا إسحاق بن الحجاج قال حدثنا عبدالله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع بن أنس قال حدثنا رجل قد قرأ القرآن في صدره في إمارة عمر بن الخطاب فحدث عن قوم يونس حيث أنذر قومه فكذبوه فأخبرهم أنه مصيبهم العذاب وفارقهم فلما رأوا ذلك وغشيهم العذاب لكنهم خرجوا من مساكنهم وصعدوا في مكان رفيع وأنهم جأروا إلى ربهم ودعوه مخلصين له الدين أن يكشف عنهم العذاب وأن يرجع إليهم رسولهم قال ففي ذلك أنزل الله تعالى فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ( 1 ) فلم يكن قرية غشيها العذاب ثم أمسك عنها إلا قوم يونس خاصة فلما رأى ذلك يونس لكنه ذهب عاتبا على ربه وانطلق مغاضبا وظن أن لن يقدر عليه حتى ركب سفينة فأصاب أهلها عاصف من الريح فقالوا هذه بخطيئة أحدكم وقال يونس وقد عرف أنه هو صاحب الذنب هذه بخطيئتي فألقوني في البحر وإنهم أبوا عليه حتى أفاضوا بسهامهم فساهم فكان من المدحضين ( 2 ) فقال لهم قد أخبرتكم أن هذا الأمر بذنبي وإنهم أبوا عليه أن يلقوه في (1/376) ________________________________________ البحر حتى أفاضوا بسهامهم الثانية فكان من المدحضين فقال لهم قد أخبرتكم أن هذا الأمر بذنبي وإنهم أبوا عليه أن يلقوه في البحر حتى أفاضوا بسهامهم الثالثة فكان من المدحضين فلما رأى ذلك ألقى نفسه في البحر وذلك تحت الليل فابتلعه الحوت فنادى في الظلمات ( 1 ) وعرف الخطيئة أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ( 1 ) وكان قد سبق له من العمل الصالح فأنزل الله فيه فقال فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون وذلك أن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر فنبذناه في العراء وهو سقيم ( 2 ) وألقي على ساحل البحر وأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهي فيما ذكر شجرة القرع يتقطر عليه من اللبن حتى رجعت إليه قوته ثم رجع ذات يوم إلى الشجرة فوجدها قد يبست فحزن وبكى عليها فعوتب فقيل له أحزنت على شجرة وبكيت عليها ولم تحزن على مائة ألف أو زيادة أردت هلاكهم جميعا ثم إن الله اجتباه من الضلالة فجعله من الصالحين ثم أمر أن يأتي قومه ويخبرهم أن الله قد تاب عليهم فعمد إليهم حتى لقي راعيا فسأله عن قوم يونس وعن حالهم وكيف هم فأخبره أنهم بخير وأنهم على رجاء أن يرجع إليهم رسولهم فقال له فأخبرهم أني قد لقيت يونس فقال لا أستطيع إلا بشاهد فسمى له عنزا من غنمه فقال هذه تشهد لك أنك قد لقيت يونس قال وماذا قال وهذه البقعة التي أنت فيها تشهد لك أنك قد لقيت يونس قال وماذا قال وهذه الشجرة تشهد لك أنك قد لقيت يونس وإنه رجع الراعي إلى قومه فأخبرهم أنه لقي ويونس فكذبوه وهموا به شرا فقال لا تعجلوا علي حتى أصبح فلما أصبح إذا بهم إلى البقعة التي لقي فيها يونس فاستنطقها فأخبرته أنه لقي يونس وسأل العنز فأخبرتهم أنه لقي يونس واستنطقوا الشجرة فأخبرتهم إنه قد لقي يونس ثم إنه أتاهم بعد ذلك قال وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين ( 3 ) حدثني الحسن بن عمرو بن محمد العنقزي قال حدثنا أبي عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو ببن ميمون الأودي قال حدثنا ابن مسعود في بيت المال قال إن يونس كان وعد قومه العذاب وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام ففرقوا بين كل والدة وولدها ثم خرجوا فجأروا إلى الله واستغفروه فكف الله عنهم العذاب وغدا يونس ينتظر العذاب فلم ير شيئا وكان من كذب ولم يكن له بينة قتل فانطلق مغاضبا فنادى في الظلمات قال ظلمة بطن الحوت وظلمة الليل وظلمة البحر حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عمن حدثه عن عبدالله بن رافع مولى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه و سلم قال سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحما ولا تكسر عظما فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه من البحر فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه ما هذا فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت إن هذا تسبيح دواب البحر قال فسبح وهو في بطن الحوت قال فسمعت الملائكة (1/377) ________________________________________ تسبيحه فقالوا يا ربنا إنا لنسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة قال ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر قالوا العبد ا لصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح قال نعم قال فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت فقذفه في الساحل كما قال الله وهو سقيم وكان سقمه الذي وصفه الله به أنه ألقاه الحوت على الساحل كالصبي المنفوس قد بشر اللحم والعظم حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن يزيد بن زياد عن عبدالله بن أبي سلمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال خرج به يعني الحوت حتى لفطه في ساحل البحر فطرحه مثل الصبي المنفوس لم ينقص من خلقه شيء حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال حدثني أبو صخر قال أخبرني ابن قسيط أنه سمع أبا هريرة يقول طرح بالعراء فأنبت الله عليه يقطينة فقلنا يا أبا هريرة وما اليقطينة قال شجرة الدباء هيأ الله له أروية وحشية تأكل من حشاش الأرض أو هشاش الأرض فتفشح عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت ومما كان أيضا في أيام ملوك الطوائف (1/378) |
| الساعة الآن 09:48 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى