![]() |
رد: مكتبتي
إرسال الله رسله الثلاثة
الذين ذكرهم في تنزيله فقال واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون ( 1 ) الآيات التي ذكر تعالى ذكره في خبرهم واختلف السلف في أمرهم فقال بعضهم كان هؤلاء الثلاثة الذين ذكرهم الله في هذه الآيات وقص فيها خبرهم أنبياء ورسلا أرسلهم إلى بعض ملوك الروم وهو أنطيخس والقرية التي كان فيها هذا الملك الذي أرسل الله إليه فيها هؤلاء الرسل أنطاكية ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال كان من حديث صاحب يس فيما حدثنا محمد بن إسحاق قال مما بلغه عن كعب الأحبار وعن وهب بن منبه اليماني أنه كان رجلا من أهل أنطاكية وكان اسمه حبيبا وكان يعمل الحرير وكان رجلا سقيما قد أسرع فيه الجذام وكان منزله عند باب من أبواب المدينة قاصيا وكان مؤمنا ذا صدقة يجمع كسبه إذا أمسى فيما يذكرون فيقسمه نصفين فيطعم نصفا عياله ويتصدق بنصف فلم يهمه سقمه ولا عمله ولا ضعفه حين طهر قلبه واستقامت فطرته وكان بالمدينة الني هو بها مدينة أنطاكية فرعون من الفراعنة يقال له أنطيخس بن أنطيخس بن أنطيخس يعبد الأصنام صاحب شرك فبعث الله المرسلين وهم ثلاثة صادق وصدوق وشلوم فقدم الله إليه وإلى أهل مدينته منهم اثنين فكذبوهما ثم عزز الله بثالث وقال آخرون بل كانوا من حواريي عيسى بن مريم ولم يكونوا رسلا لله وإنما كانوا رسل عيسى بن مريم ولكن إرسال عيسى بن مريم إياهم لما كان عن أمر الله تعالى ذكره إياه بذلك أضيف إرساله إياهم إلى الله فقيل إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قال ذكر لنا أن عيسى بن مريم بعث رجلين من الحواريين إلى أنطاكية (1/379) ________________________________________ مدينة بالروم فكذبوهما فأعزهما بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون الآية رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق فلما دعته الرسل ونادته بأمر الله وصدعت بالذي أمرت به وعابت دينهم وما هم عليه قال أصحاب القرية لهم إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم قالت لهم الرسل طائركم معكم أي أعمالكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسروفون فلما أجمع هو وقومه على قتل الرسل بلغ ذلك حبيبا وهو على باب المدينة الأقصى فجاء يسعى إليهم يذكرهم الله ويدعوهم إلى اتباع المرسلين فقال يا قوم اتبعوا المرسلين واتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون أي لا يسألونكم أموالكم على ما جاؤوكم به من الهدى وهم لكم ناصحون فاتبعوهم تهتدوا بهداهم حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قال لما انتهى يعني حبيبا إلى الرسل قال هل تسألون على هذا من أجر قالوا لا قال عند ذلك ياقوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق ثم ناداهم بخلاف ما هم عليه من عبادة الأصنام وأظهر لهم دينه وعبادة ربه وأخبرهم أنه لا يملك نفعه ولا ضره غيره فقال وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة إلى قوله إني آمنت بربكم فاسمعون أي آمنت بربكم الذي كفرتم به فاسمعوا قولي فلما قال له ذلك وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه واستضعفوه ل ضعفه وسقمه ولم يكن أحد يدفع عنه حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق عن بعض أصحابه أن عبدالله بن مسعود كان يقول وطؤوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره وقال الله له ادخل الجنة فدخلها حيا يرزق فيها قد أذهب الله عنه سقم الدنيا وحزنها ونصبها فلما أفضى إلى رحمة الله وجنته وكرامته قال يا ليت قومي يعلمون بما غر لي ربي وجعلني من المكرمين وغضب الله له لاستضعافهم إياه غضبة لم يبق معها من القوم شيئا فعجل لهم النقمة بما استحلوا منه وقال وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين يقول ما كابدناهم بالجموع أي الأمر أيسر علينا من ذلك إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون فأهلك الله ذلك الملك وأهل أنطاكية فبادوا عن وجه الأرض فلم يبق منهم باقية حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم أبي القاسم مولى عبدالله بن الحارث بن نوفل عن مجاهد عن عبدالله بن عباس أنه كان يقول كان اسم صاحب يس حبيبا وكان الجذام قد أسرع فيه حدثنا ابن بشار قال حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن عاصم الأحول عن أبي مخلد قال كان اسم صاحب يس حبيب بن مري وكان فيهم (1/380) ________________________________________ شمسون وكان من أهل قرية من قرى الروم قد هداه الله لرشده وكان قومه أهل أوثان يعبدونها فكان من خبره وخبرهم فيما ذكر ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن المغيرة بن أبي لبيد عن وهب بن منبه اليماني أن شمسون كان يهم رجلا مسلما وكانت أمه قد جعلته نذيرة وكان من أهل قرية من قراهم كانوا كفارا يعبدون الأصنام وكان منزله منها على أميال غير كثيرة وكان يغزوهم وحده ويجاهدهم في الله فيصيب منهم وفيهم حاجته فيقتل ويسبي ويصيب المال وكان إذا لقيهم بلحي بعير لا يلقاهم بغيره فإذا قاتلوه وقاتلهم وتعب وعطش انفجر له من الحجر الذي مع اللحي ماء عذب فيشرب منه حتى يروى وكان قد أعطي قوة في البطش وكان لا يوثقه حديد ولا غيره وكان على ذلك يجاهدهم في الله ويغزوهم ويصب منهم حاجته لا يقدرون منه على شيء حتى قالوا لن تأتوه إلا من قبل امرأته فدخلوا على امرأته فجعلوا لها جعلا فقالت نعم أنا أوثقه لكم فأعطوها حبلا وثيقا وقالوا إذا نام فأوثقي يده إلى عنقه حتى نأتيه فنأخذه فلما نام أوثقت يده إلى عنقه بذلك الحبل فلما هب جلبه بيده فوقع من عنقه فقال لها لم فعلت فقالت أجرب به قوتك ما رأيت مثلك قط فأرسلت إليهم أني قد ربطته بالحبل فلم أغن عنه شيئا فأرسلوا إليها بجامعة من حديد فقالوا إذا نام فاجعليها في عنقه فلما نام جعلتها في عنقه ثم أحكمتها فلما هب جذبها فوقعت من يده ومن عنقه فقال لها لم فعلت هذا قالت أجرب به قوتك ما رأيت مثلك في الدنيا يا شمسون أما في الأرض شيء يغلبك قال لا إلا شيء واحد قالت وما هو قال ما أنا بمخبرك به فلم تزل به تسأله عن ذلك وكان ذا شعر كثير فقال لها ويحك إن أمي جعلتني نذيرة فلا يغلبني شيء أبدا ولا يضبطني إلا شعري فلما نام أوثقت يده إلى عنقه بشعر رأسه فأوثقه ذلك وبعثت إلى القوم فجاؤوا فأخذوه فجدعوا أنفه وأذنيه وفقأوا عينيه ووقفوه للناس بين ظهراني المئذنة وكانت مئذنة ذات أساطين وكان ملكهم قد أشرف عليها بالناس لينظروا إلى شمسون وما يصنع به فدعا الله شمسون حين مثلوا به ووقفوه أن يسلجه عليهم فأمر أن يأخذ بعمودين من عمد المئذنة التي عليها الملك والناس الذين معه فيجذبهما فجذبهما فرد الله عليه بصره وما أصابوا من جسده ووقعت المئذنة بالملك ومن عليها من الناس فهلكوا فيه هدما (1/381) |
رد: مكتبتي
ذكر خبر جرجيس
وكان جرجيس فيما ذكر عبدا لله صالحا من أهل فلسطين ممن أدرك بقايا من حواريي عيسى بن مريم وكان تاجرا يكسب بتجارته ما يستغني به عن الناس ويعود بالفضل على أهل المسكنة وإنه تجهز مرة إلى ملك بالموصل كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن وهب بن منبه وغيره من أهل العلم أنه كان بالموصل داذانه وكان قد ملك الشأم كله وكان جبارا عاتيا لا يطيقه إلا الله تعالى وكان جرجيس رجلا صالحا من أهل فلسطين وكان مؤمنا يكتم إيمانه في عصبة معه صالحين يستخفون بإيمانهم وكانوا قد أدركوا بقايا من الحواريين فسمعوا منهم وأخذوا عنهم وكان جرجيس كثير المال عظيم التجارة عظيم الصدقة فكان يأتي عليه الزمان يتلف ماله في الصدقة حتى لا يبقى منه شيء حتى يصير فقيرا ثم يضرب الضربة فيصيب مثل ماله أضعافا مضاعفة فكانت هذه حاله في المال وكان إنما يرغب في المال ويعمره ويكسبه من أجل الصدقة لولا ذلك كان الفقر أحب إليه من الغنى وكان لا يأمن ولاية المشركين عليه مخافة أن يؤذوه في دينه أو يفتنوه عنه فخرج يؤم ملك الموصل ومعه مال يريد أن يهديه له لئلا يجعل لأحد من تلك الملوك عليه سلطانا دونه فجاءه حين جاءه وقد برز في مجلس له وعنده عظماء قومه وملوكهم وقد أوقد نارا وقرب أصنافا من أصناف العذاب الذي كان يعذب به من خالفه وقد أمر بصنم يقال له أفلون فنصب فالناس يعرضون عليه فمن لم يسجد له ألقي في تلك النار وعذب بأصناف ذلك العذاب فلما رأى جرجيس ما يصنع فظع به وأعظمه وحدث نفسه بجهاده وألقى الله في نفسه بغضه ومحاربته فعمد إلى المال الذي أراد أن يهديه له فقسمه في أهل ملته حتى لم يبق منه شيئا وكره أن يجاهده بالمال وأحب أن بلي ذلك بنفسه فأقبل عليه عندما كان أشد غضبا وأسفا فقال له اعلم أنك عبد مملوك لا تملك لنفسك شيئا ولا لغيرك وأن فوقك ربا هو الذي يملكك وغيرك وهو الذي خلقك ورزقك وهو الذي يحييك ويميتك ويضرك وينفعك وأنت قد عمدت إلى خلق من خلقه قال له كن فكان أصم أبكم لا ينطق ولا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع ولا يغني عنك من الله شيئا فزينته بالذهب والفضة لتجعله فتنة للناس ثم عبدته دون الله وأجبرت عليه عباد الله ودعوته ربا فكلم الملك جرجيس بنحو هذا من تعظيم الله وتمجيده وتعريفه أمر الصنم وأنه لا تصلح عبادته فكان من جواب الملك إياه مسألته إياه عنه ومن هو ومن أين هو فأجابه جرجيس أن قال أنا (1/382) ________________________________________ عبدالله وابن عبده وابن أمته أذل عباده وأفقرهم إليه من التراب خلقت وفيه أصير أخبره ما الذي جاء به وحاله وإنه دعا ذلك الملك جرجيس إلى عبادة الله ورفض عبادة الأوثان وإن الملك دعا جرجيس إلى عبادة الصنم الذي يعبده وقال لو كان ربك الذي تزعم أنه ملك الملوك كما تقول لرئي عليه أثره كما ترىأثري على من حولي من ملوك قومي فأجابه جرجيس بتمجيد الله وتعظيم أمره وقال له فيما قال أين تجعل طرقبلينا وما نال بولايتك فإنه عظيم قومك من إلياس وما نال إلياس بولاية الله فإن إلياس كان بدؤه آدميا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فلم تتناه به كرامة الله حتى أنبت له الريش والبسه النور فصار إنسيا ملكيا سمائيا أرضيا يطير مع الملائكة وحدثني أين تجعل مجليطيس وما نال بولايتك فإنه عظيم قومك من المسيح بن مريم وما نال بولاية ألله فإن الله فضله على رجال العالمين وجعله وأمه آية للمعتبرين ثم ذكر من أمر المسيح ما كان الله خصه به من الكرامة وقال أيضا وحدثني أين تجعل أم هذا الروح الطيب التي اختارها الله لكلمته وطهر جوفها لروحه وسودها على إمائه فأين تجعلها وما نالت بولاية الله من أزبيل وما نالت بولايتك فإنها إذ كانت من شيعتك وملتك أسلمها الله عند عظيم ملكها إلى نفسها حتى اقتحمت عليها الكلاب في بيتها فانتهشت لحمها وولغت دمها وجرت الثعالب والضباع أوصالها فأين تجعلها وما نالت بولايتك من مريم ابنة عمران وما نالت بولاية الله فقال له الملك إنك لتحدثنا عن أشياء ليس لنا بها علم فأتني بالرجلين اللذين ذكرت أمرهما حتى أنظر إلريهما وأعتبر بهما فإني أنكر أن يكون هذا في الشر فقال له جرجيس إنما جاءك الإنكار من قبل الغرة بالله وأما الرجلان فلن تراهما ولن يرياك إلا أن تعمل بعملهما فتنزل منازلهما فقال له الملك أما نحن فقد أعذرنا إليك وقد تبين لنا كذبك لأنك فخرت بأمور عجزت عنها ولم تأت بتصديقها ثم خير الملك جرجيس بين العذاب وبين السجود لأفلون فيثيبه فقال له جرجيس إن كان أفلون هو الذي رفع السماء وعدد عليه أسياء من قدرة الله فقد أصبت ونصحت لي وإلا فاخسأ أيها النجس الملعون فلما سمعه الملك يسبه ويسب آلهته غضب من قوله غضبا شديدا وأمر بخشبة فنصبت له للعذاب وجعلت عله أمشاط الحديد فخدش بها جسده حتى تقطع لحمه وجلده وعروقه ينضح خلال ذلك بالخل والخردل فلما رأى ذلك لم يقتله أمر بستة مسامير من حديد فأحميت حتى إذا جعلت نارا أمر بها فسمر بها رأسه حتى سال منه دماغه فلما رأى ذلك لم يقتله أمر بحوض من نحاس فأوقد عليه حتى إذا جعله نارا أمر به فأدخل في جوفه وأطبق عليه فلم يزل فيه حتى برد حره فلما رأى ذلك لم يقتله دعا به فقال ألم تجد ألم هذا العذاب الذي تعذب به فقال له جرجيس أما أخبرتك أن لك ربا هو أولى بك من نفسك قال بلى قد أخبرتني قال فهو الذي حمل عني عذابك وصبرني ليحتج عليك فلما قال له ذلك أيقن بالشر وخافه على نفسه وملكه وأجمع رأيه على أن يخلده في (1/383) ________________________________________ السجن فقال الملأ من قومه إنك إن تركته طليقا يكلم الناس أوشك أن يميل بهم عليك ولكن مر له بعذاب في السجن سشغله عن كلام الناس فأمر فبطح في السجن على وجهه ثم أوتد في يديه ورجليه أربعة أوتاد من حديد في كل ركن منها وتد ثم أمرر بأسطوان من رخام فوضع على ظهره حمل ذلك الأسطوان سبعة رجال فلم يقلوه ثم أربعة عشر رجلا فلم يقلوه ثم ثمانية عشر رجلا فأقلوه فظل يومه ذلك موتدا تحت الحجر فلما أدركه الليل أرسل الله إليه ملكا وذلك أول ما أيد بالملائكة وأول ما جاءه الوحي فقلع عنه الحجر ونزع الأوتاد من يديه ورجليه وأطعمه وسقاه وبشره وعزاه فلما أصبح أخرجه من السجن وقال له الحق بعدوك فجاهده في الله حق جهاده فإن الله يقول لك أبشر واصبر فإن أبتليك بعدوي هذا سبع سنين يعذبك ويقتلك فيهن أربع مرار في كل ذلك أرد إليك روحك فإذا كانت القتلة الرابعة تقبلت روحك وأوفيتك أجرك فلم يشعر الآخرون إلا وقد وقف جرجيس على رؤوسهم يدعوهم إلى الله فقال له الملك أجرجيس قال نعم قال من أخرجك من السجن قال أخرجني الذي سلطانه فوق سلطانك فلما قال له ذلك ملىء غيظا فدعا بأصناف العذاب حتى لم يخلف منها شيئا فلما رآها جرجيس تصنف له أوجس في نفه خيفة وجزعا ثم أقبل على نفسه يعاتبها بأعلى صوته وهم يسمعون فلما فرغ من عتابه نفسه مدوه بين خشبتين ووضعوا عليه سيفا على مفرق رأسه فوشروه حتى سقط بين رجليه وصار جزلتين ثم عمدوا إلى جزلتيه فقطعوهما قطعا وله سبعة أسد ضارية في جب وكانت صنفا من أصناف عذابه ثم رموا بجسده إليها فلما هوى نحوها أمر الله الأسد فخضعت برؤوسها وأعناقها وقامت على براثنها لا تألو أن تقيه الأذى فظل يومه ذلك ميتا فكانت أول ميتة ذاقها فلما أدركه الليل جمع الله له جسده الذي قطعوه بعضه على بعض حتى سواه ثم رد فيه روحه وأرسل ملكا فأخرجه من قعر الجب وأطعمه وسقاه وبشره وعزاه فلما أصبحوا قال له الملك يا جرجيس قال لبيك قال اعلم أن القدرة التي خلق آدم بها من تراب هي التي أخرجتك من قعر الجب فالحق بعدوك ثم جاهده في الله حق جهاده ومت موت الصابرين فلم يشعر الآخرون إلا وقد أقبل جرجيس وهم عكوف على عيد لهم قد صنعوه فرحا زعموا بموت جرجيس فلما نظروا إلى جرجيس مقبلا قالوا ما أشبه هذا بجرجيس قالوا كأنه هو قال الملك ما بجرجيس من خفاء إنه لهو ألا ترون إلى سكون ريحه وقلة هيبته قال جرجيس بلى أنا هو حقا بئس القوم أنتم قتلتم ومثلتم فكان الله وحق له خيرا وأرحم منكم أحياني ورد علي روحي هلم إلى هذا الرب العظيم الذي أراكم ما أراكم فلما قال لهم ذلك أقبل بعضهم على بعض فقالوا ساحر سحر أيديكم وأعينكم عنه فجمعوا له من كان ببلادهم من السحرة فلما جاء السحرة قال الملك لكبيرهم أعرض علي من كبير سحرك ما تسري به عني قال له ادع لي بثور من البقر فلما أتي به نفث في إحدى أذنيه فانشقت باثنتين ثم نفث في الأخرى فإذا هو ثوران ثم أمر ببذر فحرث وبذر ونبت الزرع وأينع وحصد ثم داس وذرى وطحن وعجن وخبز وأكل ذلك في ساعة واحدة كما ترون قال له الملك هل تقدر على أن تمسخه لي دابة قال الساحر أي دابة أمسخه لك قال كلبا قال ادع لي بقدح من ماء فلما أتي بالقدح نفث فيه الساحر ثم قال للملك اعزم عليه أن يشربه فشربه جرجيس حتى أتى على (1/384) ________________________________________ آخره فلما فرغ منه قال له الساحر ماذا تجد قال ما أجد إلا خيرا قد كنت عطشت فلطف الله لي بهذا الشراب فقواني به عليكم فلما قال له ذلك أقبل الساحر على الملك فقال اعلم أيها الملك أنك لو كنت تقاسي رجلا مثلك إذا كنت غلبته ولكنك تقاسي جبار السموات وهو الملك الذي لا يرام وقد كانت امرأة مسكينة سمعت بجرجيس وما يصنع من الأعاجيب فأتته وهو في أشد ما هو فيه من البلاء فقالت له يا جرجيس إني امرأة مسكينة لم يكن لي مال ولا غيش إلا ثور كنت أحرث عليه فمات وجئتك لترحمني وتدعو الله أن يحيي لي ثوري فذرفت عيناه ثم دعا الله أن يحيي لها ثورها وأعطاها عصا فقال اذهبي إلى ثورك فاقرعيه بهذه العصا وقولي له احي بإذن الله فقالت يا جرجيس مات ثوري منذ أيام وتفرقته السباع وبيني وبينك أيام فقال لو لم تجدي منه إلا سنا واحد ثم فرعتها بالعصا لقام بإذن الله فانطلقت حتى أتت مصرع ثورها فكان أول شيء بدا لها من ثورها أحد روقيه وشعر ذنبه فجمعت أحدهما إلى الآخر ثم قرعتهما بالعصا التي أعطاها وقالت كما أمرها فعاش ثورها وعملت عليه حتى جاءهم الخبر بذلك فلما قال الساحر للملك ما قال قال رجل من أصحاب الملك وكان أعظمهم بعد الملك اسمعوا مني أيها القوم أحدثكم قالوا نعم فتكلم قال إنكم قد وضعتم أمر هذا الرجل على السحر وزعمتم أنه سحر أيديكم عنه وأعينكم فأراكم أنكم تعذبونه ولم يصل إليه عذابكم وأراكم أنكم قد قتلتموه فلم يمت فهل رأيتم ساحرا قط قدر أن يدرأ عن نفسه الموت أو أحيا ميتا قط ثم قص عليهم فعل جرجيس وفعلهم به وفعله بالثور وصاحبته واحتج عليهم بذلك كله فقالوا له إن كلامك لكلام رجل قد أصغى إليه قال ما زال أمره معجبا منذ رأيت منه ما رأيت قالوا له فلعله استهواك قال بل آمنت وأشهد الله أني بريء مما تعبدون فقام إليه الملك وصحابته بالخناجر فقطعوا لسانه فلم يلبث أن مات وقالوا أصابه الطاعون فأعجله الله قبل أن يتكلم فلما سمع الناس بموته أفزعهم وكتموا شأنه فلما رآهم جرجيس يكتمونه برز للناس فكشف له أمره وقص عليهم كلامه فاتبعه على كلامه أربعة آلاف وهو ميت فقالوا صدق ونعم ما قال يرحمه الله فعمد إليهم الملك فأوثقهم ثم لم يزل يلون لهم العذاب ويقتلهم بالمثلاث حتى أفناهم فلما فرغ منهم أقبل على جرجيس فقال له هلا دعوت ربك فأحيا لك أصحابك هؤلاء الذين قتلوا بجريرتك فقال له جرجيس ما خلى بينك وبينهم حتى خار لهم فقال رجل من عظمائهم يقال له مجليطيس إنك زعمت يا جرجيس إن إلهك هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وإني سائلك أمرا إن فعله إلهك آمنت بك وصدقتك وكفيتك قومي هؤلاء هذه تحتنا أربعة عشر منبرا حيث ترى ومائدة بيننا عليها أقداح وصحاف وكل صنع من الخشب اليابس ثم هو من أشجار شتى فادع ربك ينشىء هذه الآنية وهذه المنابر وهذه المائدة كما بدأها أول مرة حتى تعود خضرا نعرف كل عود منها بلونه وورقه وزهره وثمره فقال له جرجيس قد سألت أمرا عزيزا علي وعليك وإنه على الله لهين فدعا ربه فما برحوا مكانهم حتى اخضرت تلك المنابر وتلك الآنية كلها فساخت عروقها وألبست اللحاء وتشعبت ونبت ورقها وزهرها وثمرها حتى عرفوا كل عود منها باسمه ولونه وزهره وثمره (1/385) ________________________________________ فلما نظروا إلى ذلك انتدب له مجليطيس الذي تمنى عليه ما تمنى فقال أنا أعذب لكم هذا الساحر عذابا يضل عنه كيده فعمد إلى نحاس فصنع منه صورة ثور جوفاء واسعة ثم حشاها نفطا ورصاصا وكبريتا وزرنيخا ثم أدخل جرجيس مع الحشو في جوفها ثم أوقد تحت الصورة فلم يزل يوقد حتى التهبت الصورة وذاب كل شيء فيها واختلط ومات جرجيس في جوفها فلما مات أرسل الله ريحا عاصفا فملأت السماء سحابا أسود مظلما فيه رعد لا يفتر وبرق وصواعق متداركات وأرسل الله إعصارا عصفا فملأت بلادهم عجاجا وقتاما حتى اسود ما بين السماء والأرض وأظلم ومكثوا أياما متحيرين في تلك الظلمة لا يفصلون بين الليل والنهار وأرسل الله ميكائيل فاحتمل الصورة التي يها جرجيس حتى إذا أقلها ضرب بها الأرض ضربا فزع من روعته أهل الشأم أجمعون وكلهم يسمعه في ساعة واحدة فخروا لوجوههم صعقين من شدة الهول وانكسرت الصورة فخرج منها جرجيس حيا فلما وقف يكلمهم انكشفت الظلمة وأسفر ما بين السماء والأرض ورجعت إليهم أنفسهم فقال له رجم منهم يقال له طرقبلينا لا ندري يا جرجيس أنت تصنع هذه العجائب أم ربك فإن كان هو الذي يصنعها فادعه يحي لنا موتانا فإن في هذه القبور التي ترى أمواتا من أمواتنا منهم من نعرف ومنهم من مات قبل زماننا فادعه يحيهم حتى يعودوا كما كانوا ونكلمهم ونعرف من عرفنا منهم ومن لا نعرف أخبرنا خبره فال له جرجيس لقد علمت ما يصفح الله عنكم هذا الصفح ويريكم هذه العجائب إلا ليتم عليكم حججه فتستوجبوا بذلك غضبه ثم أمر بالقبور فنبشت وهي عظام ورفات ورميم ثم أقبل على الدعاء فما برحوا مكانهم حتى نظروا إلى سبعة عشر إنسانا تسعة رهط وخمس نسوة وثلاثة صبيه فإذا شيخ منهم كبير فقال له جرجيس أ أيها الشيخ ما اسمك فقال اسمي يوبيل فقال متى مت قال فيي زمان كذا وكذا فحسبوا فإذا هو قد مات منذ أربعمائة عام فلما نظر إلى ذلك الملك وصحابته قالوا لم يبق من أصناف عذابكم شيء إلا قد عذبتموه إلا الجوع والعطش فعذبوه بهما فعمدوا إلى بيت عجوز كبيرة فقيرة كان حريزا وكان لها ابن أعمى أبكم مقعد فحصروه في بيتها فلا يصل إليه من عند أحد طعام ولا شراب فلما بلغه الجوع قال للعجوز هل عندك طعام أو شراب قال لا والذي يحلف به ما عهدنا بالطعام منذ كذا وكذا وسأخرج وألتمس لك شيئا قال لها جرجيس هل تعرفين الله قالت له نعم قال فإياه تعبدين قالت لا قال فدعاها إلى الله فصدقته وانطلقت تطلب له شيئا وفي بيتها دعامة من خشبة يابسة تحمل خشب البيت فأقبل على الدعاء فماكان كشيء حتى اخضرت تلك الدعامة فأنبتت كل فاكهة تؤكل أو تعرف أو تسمى حتى كان فيما أنبت اللياء واللوبياء قال أبو جعفر اللياء نبت بالشأم له حب يؤكل وظهر للدعامة فرع من فوق البيت أظله وما حوله وأقبلت العجوز وهو فيما شاء يأكل رغدا فلما رأت الذي حدث في بيتها من بعدها قالت آمنت بالذي أطعمك في بيت الجوع فادع هذا الرب العظيم ليشفي ابني قال أدنيه مني فأدنته منه فبصق في عينيه فأبصر فنفث في أذنيه فسمع قالت له أطلق لسانه ورجليه رحمك الله قال أخريه فإن له يوما عظيما وخرج الملك يسير في مدينته فلما نظر إلى الشجرة قال لأصحابه إني أرى شجرة بمكان ما كنت أعرفها به قالوا له تلك الشجرة نبتت لذلك الساحر الذي أردت أن تعذبه بالجوع فهو فيما شاء قد شبع (1/386) ________________________________________ منها وشبعت الفقيرة وشفى لها ابنها فأمر بالبيت فهدم وبالشجرة لتقطع فلما هم بقطعها أيبسها الله تعالى كما كانت أول مرة فتركوها وأمر بجرجيس فبطح على وجهه وأوتد له أربعةأوتاد وأمر بعجل فأوقر أسطوانا ما حمل وجعل في أسفل العجل خناجر وشفارا ثم دعا بأربعين ثورا فنهضت بالعجل نهضة واحدة وجرجيس تحتها فتقطع ثلاث قطع ثم أمر بقطعة فأحرقت بالنار حتى إذا عادت رمادا بعث بذلك الرماد رجالا فذروه في البحر فلم يبرحوا مكانهم حتى سمعوا صوتا من السماء يقول يا بحر إن الله يأمرك أن تحفظ ما فيك من هذا الجسد الطيب فإني أريد أن أعيده كما كان ثم أرسل الله الرياح فأخرجته من البحر ثم جمعته حتى عاد الرماد صبرة كهيئته قبل أن يذروه والذين ذروه قيام لم يبرحوا ثم نظروا إلى الرماد يثور كما كان حتى خرج جرجيس مغبرا ينفض رأسه فرجعوا ورجع جرجيس معهم فلما انتهوا إلى الملك أخبروه خبر الصوت الذي أحياه والريح التي جمعته فقال له الملك هل لك يا جرجيس فيما هو خير لي ولك فلولاأن يقول الناس إنك قهرتني وغلبتني لاتبعتك وآمنت بك ولكن اسجد لأفلون سجدة واحدة أو اذبح له شاة واحدة ثم أنا أفعل ما يسرك فلما سمع جرجيس هذا من قوله طمع أن يهلك الصنم حين يدخله عليه رجاء أن يؤمن له الملك حين يهلك صنمه وييئس منه فخدعه جرجيس فقال نعم إذا شئت فأدخلني على صنمك أسجد له وأذبح له ففرح الملك بقوله فقام إليه فقبل يديه ورجليه ورأسه وقال إني أعزم عليك ألا تظل هذا اليوم ولا تبيت هذه الليلة إلا في بيتي وعلى فراشي ومع أهلي حتى تستريح ويذهب عنك وصب العذاب فيرى الناس كرامتك علي فأخلى له بيته وأخرج منه من كان فيه فظل فيه جرجيس حتى إذا أدركه الليل قام يصلي ويقرأ الزبور وكان أحسن الناس صوتا فلما سمعته امرأة الملك استجابت له ولم يشعر إلا وهي خلفه تبكي معه فدعاها جرجيس إلى الإيمان فآمنت وأمرها فكتمت إيمانها فلما أصبح غدا به إلى بيت الأصنام ليسجد ل لها وقيل للعجوز التي كان سجن بيتها هل علمت أن جرجيس قد فتن بعدك وأصغى إلى الدنيا وأطمعه الملك في ملكه وقد خرج به إلى البيت أصنامه ليسجد لها فخرجت العجوز في أعراضهم تحمل ابنها على عاتقها وتوبخ جرجيس والناس مشتغلون عنها فلما دخل جرجيس بيت الأصنام ودخل الناس معه نظر فإذا العجوز وابنها على عاتقها أقرب الناس منه مقاما فدعا ابن العجوز باسمه فنطق بإجابته وما تكلم قبل ذلك قط ثم اقتحم عن عاتق أمه يمشي على رجليه سويتين وما وطىء الأرض قبل ذلك قط بقدميه فلما وقف بين يدي جرجيس قال اذهب فادع لي هذه الأصنام وهي حينئذ على منابر من ذهب واحد وسبعون صنما وهم يعبدون الشمس والقمر معها فقال له الغلام كيف أقول للأصنام قال تقول لها إن جرجيس يسألك ويعزم عليك بالذي خلقك إلا ما جئته فلما قال لها الغلام ذلك أقبلت تدحرج إلى جرجيس فلما انتهت إليه ركض الأرض برجله فخسف بها وبمنابرها وخرج إبليس من جوف صنم منها هاربا فرقا من الخسف فلما مر بجرجيس أخذ بناصيته فخضع له برأسه وعنقه وكلمه جرجيس فقال له أخبرني أيتها الروح النجسة والخلق الملعون ما الذي يحملك على أن تهلك نفسك وتهلك الناس معك وأنت تعلم أنك وجندك تصيرون إلى جهنم فقال له إبليس لو خيرت بين ما أشرقت عليه الشمس وأظلم عليه الليل وبين هلكة بني آدم وضلالتهم أو واحد منهم طرفة عين لاخترت طرفة العين على ذلك كله وإنه ليقع لي من (1/387) ________________________________________ الشهوة في ذلك واللذة مثل جميع ما يتلذذ به جميع الخلق ألم تعلم يا جرجيس أن الله أسجد لأبيك آدم جميع الملائكة فسجد له جبريل وميكائيل وإسرافيل وجميع الملائكة المقربين وأهل السموات كلهم وامتنعت من السجود فقلت لا أسجد لهذا الخلق وأنا خير منه فلما قال هذا خلاه جرجيس فما دخل إبليس منذ يومئذ جوف صنم مخافة الخسف ولا يدخله بعدها فيما يذكرون أبدا وقال الملك يا جرجيس خدعتني وغررتني وأهلكت آلهتي فقال له جرجيس إنما فعلت ذلك عمدا لتعتبر ولتعلم أنها لو كانت آلهة كما تقول إذا لامتنعت مني فكيف ثقتك ويلك بآلهة لم تمنع أنفسها مني وإنما أنا مخلوق ضعيف لا أملك إلا ما ملكني ربي قال فلما قال هذا جرجيس كلمتهم امرأة الملك وذلك حين كشفت لهم إيمانها وباينتهم بدينها وعددت عليهم أفعال جرجيس والعبر التي أراهم وقالت لهم ما تنتظرون من هذا الرجل إلا دعوة فتخسف بكم الأرض فتهلكوا كما هلكت أصنامكم الله الله أيها القوم في أنفسكم فقال لها الملك ويحا لك إسكندرة ما أسرع ما أضلك هذا الساحر في ليلة واحدة وأنا أقاسيه منذ سبع سنين فلم يطق مني شيئا قالت له أفما رأيت الله كيف يظفره بك ويسلطه عليك فيكون له الفلج والحجة عليك في كل موطن فأمر بها عند ذلك فحملت على خشبة جرجيس التي كان علق عليها فعلقت بها وجعلت عليها الأمشاط التي جعلت على جرجيس فلما ألمت من وجع العذاب قالت ادع ربك يا جرجيس يخفف عني فإني قد ألمت من العذاب فقال انظري فوقك فلما نظرت ضحكت فقال لها مالذي يضحكك قالت أرى ملكين فوقي معهما تاج من حلي الجنة ينتظران به روحي أن تخرج فإذا خرجت زيناها بذلك التاج ثم صعدا بها إلى الجنة فلما قبض الله روحها أقبل جرجيس على الدعاء فقال اللهم أنت ا لذي أكرمتني بهذا البلاء لتعطيني به فضائل الشهداء اللهم فهذا آخر أيامي الذي وعدتني فيه الراحة من بلاء الدنيا اللهم فإن أسألك ألا تقبض روحي ولا أزول من مكاني هذا حتى تنزل بهذا القوم المتكبرين من سطواتك ونقمتك ما لا قبل لهم به وما تشفي به صدري وتقر به عيني فإنهم ظلموني وعذبوني اللهم وأسألك ألا يدعو بعدي داع في بلاء ولا كرب فيذكرني ويسألك باسمي إلا فرجت عنه ورحمته وأجبته وشفعتني فيه فلما فرغ من هذا الدعاء أمطر الله عليهم النار فلما احترقوا عمدوا إليه فضربوه بالسيوف غيظا من شدة الحريق ليعطيه الله تعالى بالقتلة الرابعة ما وعده فلما احترقت المدينة بجميع ما فيها وصارت رمادا حملها الله من وجه الأرض حتى أقلها ثم جعل عاليها سافلها فلبثت زمانا من الدهر يخرج من تحتها دخان منتن لا يشمه أحد إلا سقم سقما شديدا إلا أنها أسقام مختلفة لا يشبه بعضها بعضا فكان جميع من آمن بجرجيس وقتل معه أربعة وثلاثين ألفا وامرأة الملك رحمها الله ونرجع الآن إلى (1/388) |
رد: مكتبتي
ذكر الخبر عن ملوك الفرس وسني ملكهم
لسياق تمام التأريخ إذكنا قد ذكرنا الجلائل من الأمور التي كانت في أيام ملوك الطوائف في الفرس وبني إسرائيل والروم والعرب إلى عهد أردشير ولما مضى من لدن ملك الإسكندر أرض بابل في قول النصارى وأهل الكتب الأول خمسمائة سنة وثلاث وعشرون سنة وفي قول المجوس مائتان وست وستون سنة وثب أدرشير بن بابك شاه ملك خير بن ساسان الأصغر بن بابك بن ساسان بن بابك بن مهرمس بن ساسان بن بهمن الملك بن إسفنديار بن بشتاسب بن لهراسب بن كيوجي بن كيمنش وقيل في نسبه أردشير بن بابك بن ساسان بن بابك بن زرار بن بهآفريذ بن ساسان الأكبر بن بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب بن لهراسب بفارس طالبا بزعمه بدم ابن عمه دارا بن دارا بن بهمن بن إسفنديار الذي حارب الإسكندر فقتله حاجباه مريدا فيما يقول رد الملك إلى أهله وإلى ما لم يزل عليه سلفه وآبائه الذين مضوا قبل ملوك الطوائف وجمعه لرئيس واحد وملك واحد وذكر أن مولده كان بقرية من قرى إصطخر يقال لها طيروده من رستاق خير من كورة أصطخر وكان جده ساسان شجاعا شديد البطش وإنه بلغ من شجاعته وشدة بطشه أنه حارب وحده ثمانين رجلا من أهل اصطخر ذوي بأس ونجدة فهزمهم وكانت امرأته من نسل قوم من الملوك كانوا بفارس يعرفون بالبازرنجين يقال لها رامبهشت ذات جمال وكمال و كان ساسان قيما على بيت نار أصطخر يقال له بيت نار أنا هيذ وكان معرما بالصيد والفروسية فولدت رامبهشت لساسان بابك وطول شعره حين ولدته أطول من شبر فلما احتنك قام بأمر الناس بعد أبيه ثم ولد له ابنه أردشير وكان ملك إصطخر يومئذ رجل من البازرنجين يقال له فيما حدثت عن هشام بن محمد جوزهر وقال غيره كان يسمى جزهر وكان له خصي يقال له تيرى قد صيره أرحبذا بدارابجرد فلما أتى لأردشير سبع سنين سار به أبوه إلى جزهر وهو بالبيضاء فوقفه بين يديه وسأله أن يضمه إلى تيرى ليكون ربيبا له وأرجبذا من بعده في موضعه فأجابه إلى ذلك وكتب بما سأله من ذلك سجلا وصار به إلى تيرى فقبله أحسن قبول وتبناه فلما هلك تيرى تقلد أردشير الأمر وحسن قيامه به وأعلمه قوم من المنجمين والعرافين صلاح مولده وأنه يملك البلاد فذكر أن أردشير تواضع واستكان لذلك ولم يزل يزداد في الخير كل يوم وأنه رأى في نومه ملكا جلس إلى رأسه فقال له إن الله يملكه البلاد فليأخذ لذلك أهبته فلما استيقظ سر بذلك وأحس من نفسه قوة وشدة بطش لم يكن يعهد مثله (1/389) ________________________________________ وكان أول ما فعل أنه سار إلى موضع من دارابجرد يقال له جوبانان فقتل ملكا كان بها يقال له فاسين ثم سار إلى موضع يقال له كونس فقتل ملكا كان بها يقال له منوشهر ثم إلى موضع يقال له لروير فقتل ملكا كان بها يقال له دارا وملك هذه المواضع قوما من قبله ثم كتب إلى أبيه بما كان منه وأمره بالوثوب بجزهر وهو بالبيضاء ففعل ذلك وقتل جزهر وأخذ تاجه وكتب إلى أردوان البهلوي ملك الجبال وما يتصل بها يتضرع له ويسأله الإذن في تتويج سابور ابنه بتاج جزهر فكتب إليه أردوان كتابا عنيفا وأعلمه أنه وابنه أردشير على الخلاف بما كان من قتلهما من قتلا فلم يحفل بابك بذلك وهلك في تلك الأيام فتتوج سابور بن بابك بالتاج وملك مكان أبه وكتب إلى أردشير أن يشخص إليه فامتنع أردشير من ذلك فغضب سابور من امتناعه وجمع جموعا وسار بهم نحوه ليحاربه وخرج من إصطخر فألفى بها عدة من إخوته كان بعضهم أكبر سنا منه فاجتمعوا وأحضروا التاج وسرير الملك فسلم الجميع لأردشير فتتوج بالتاج وجلس على السرير وافتتح أمره بقوة وجد ورتب قوما مراتب وصير رجلا يقال له أبرسام بن رحفر وزيرا وأطلق يده وفوض إليه وصير رجلا يقال له فاهر موبذان موبذ وأحس من إخوته وقوم كانوا معه بالفتك به فقتل جماعة منهم كثيرة ثم أتاه أن أهل دار ابحرد قد فسدوا عليه فعاد إليها حتى افتتحها بعد أن قتل جماعة من أهلها ثم سار إلى كرمان وبها ملك يقال له بلاش فاقتتل وهو قتالا شديدا وقاتل أردشير بنفسه حتى أسر بلاش واستولى على المدينة فملك أردشير على كرمان ابنا له يقال له أردشير أيضا وكان في سواحل بحر فارس ملك يقال له أبتنبود كان يعظم ويعبد فسار إليه أردشير فقتله وقطعه بسيفه نصفين وقتل من كان حوله واستخرج من مطامير كانت لهم كنوزا مجموعة فيها وكتب إلى مهرك وكان ملك إيراهسان من أردشير خرة وإلى جماعة من أمثاله في طاعته فلم يفعلوا فسار إليهم فقتل مهرك ثم سار إلى جور فأسسها وأخذ في بناء الجوسق المعروف بالطربال وبيت نار هناك فبينا هو كذلك إذ ورد عليه رسول الأردوان بكتاب منه فجمع أردشير الناس لذلك وقرأ الكتاب بحضرتهم فإذا فيه إنك قد عدوت طورك واجتلبت حتفك أيها الكردي المربى في خيام الأكراد من أذن لك في التاج الذي لبسته والبلاد التي احتويت عليها وغلبت مولكها وأهلها ومن أمرك ببناء المدينة التي أسستها في صحراء يريد جور مع أنا إن خليناك وبناؤها فابتن في صحراء طولها عشرة فراسخ مدينة وسمها رام أردشير وأعلمه أنه قد وجه إليك ملك الأهواز ليأتيه به في وثاق فكتب إليه أردشير إن الله حباني بالتاج الذي لبسته وملكني البلاد التي افتتحتها وأعانني على من قتلت من الجبابرة والملوك وأما المدينة التي أبنيها وأسميها رام أدرشير فأنا أرجو أن أمكن منك فأبعث برأسك وكنوزك إلى بيت النار الذي أسسته في أردشير خرة ثم شخص أردشير نحو إصطخر وخلف أبرسام بأردشير خرة فلم يلبث أردشير إلا قليلا حتى ورد عليه كتاب أبرسام بموافاة ملك الأهواز وانصرافه منكوبا ثم سار إلى أصبهان فأسر شاذ سابور ملكها وقتله ثم عاد إلى فارس وتوجه لمحاربة نيروفر صاحب الأهواز وسار إلى الرجان وإلى بنيان وطاشان من رامهرمز ثم إلى سرق فلما سار إلى ما هنالك ركب في رهط من أصحابه حتى وقف على شاطئ (1/390) ________________________________________ دجيل فظفر بالمدينة وابتنى مدينة سوق الأهواز وانصرف إلى فارس بالغنائم ثم ارتحل من فارس راجعا إلى الأهواز على طريق جره وكازرون ثم صار من الأهواز إلى ميسان فقتل ملكا كان بها يقال له بندو وبنى هنالك كرخ ميسان ثم انصرف إلى فارس وأرسل إلى أردوان يرتاد موضعا يقتتلان فيه فأرسل إليه أردوان إني أوافيك في صحراء تدعى هرمزجان لانسلاخ مهرماه فوافاه أردشير قبل الوقت وتبوأ من الصحراء موضعا وخندق على نفسه وجنده واحتوى على عين كانت هناك ووافاه أردوان فاصطف القوم للقتال وقد تقدم سابور بن أردشير دافعا عنه ونشب القتال بينهم فقتل سابور دارا بنداذ كاتب أردوان بيده فانقض أردشير من موضعه إلى أردوان حتى قتله وكثر القتل في أصحابه وهرب من بقي على وجهه ويقال إن أردشير نزل حتى توطأ رأس أردوان بقدمه وفي ذلك اليوم سمي أردشير شاهنشاه ثم سار من موضعه إلى همذان فافتتحها وإلى الجبل وأذربيجان وإرمينية والموصل عنوة ثم سار من الموصل إلى سورستان وهي السواد فاحتازها وبنى على شاطئ دجلة قبالة مدينة طهسبون وهي المدينة التي في شرقي المدائن مدينة غربية وسماها به أردشير وكورها وضم إليها بهرسير والرومقان ونهر درقيط وكوثى ونهر جوبر واستعمل عليها عمالا ثم توجه من السواد إلى إصطخر وسار منها إلى سجستان ثم جرجان ثم إلى أبرشهر ومرو وبلخ وخوارزم إلى تخوم بلاد خراسان ثم رجع إلى مرو وقتل جماعة وبعث رؤوسهم إلى بيت نار أناهيذ ثم انصرف من مرو إلى فارس ونزل جور فأتته رسل ملك كوشان وملك طوران وملك مكران بالطاعة ثم توجه أردشير من جور إلى البحرين فحاصر سنطرق ملكها واضطره الجهد إلى أن رمى نفسه من سور الحصن فهلك ثم انصرف إلى المدائن فأقام بها وتوج سابور ابنه بتاجه في حياته ويقال إنه كانت بقرية يقال لها ألار من رستاق كوجران من رساتيق سيف أردشير خرة ملكة تعظم وتعبد فاجتمعت لها أموال وكنوز ومقاتلة فحارب اردشير سدنتها وقتلها وغنم أموالا وكنوزا عظاما كانت لها وإنه كان بنى ثماني مدن منها بفارس مدينة أردشير خرة وهي جور ومدينة رام أردشير ومدينة ريو أردشير وبالأهواز هرمز أردشير وهي سوق الأهواز وبالسواد به أردشير وهي غربي المدائن وإستاباذ أردشير وهي كرخ ميسان وبالبحرين فنياذ أردشير وهي مدينة الخط وبالموصل بوذ أردشير وهي حزة وذكر أن أردشير عند ظهوره كتب إلى ملوك الطوائف كتبا بليغة احتج عليهم فيها ودعاهم إلى طاعته فلما كان في آخر أمره رسم لمن بعده عهده ولم يزل محمودا مظفرا منصورا لا يفل له جمع ولا ترد له راية وقهر الملوك حول مملكته وأذلهم وأثخن في الأرض وكور الكور ومدن المدن ورتب المراتب واستكثر من العمارة وكان ملكه من وقت قتله أردوان إلى أن هلك أربع عشرة سنة وقال بعضهم كان ملكه أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وحدثت عن هشام بن محمد قال قدم أردشير في أهل فارس ريد الغلبة على الملك بالعراق فوافق بابا ملكا كان على الأرمانيين ووافق أردوان ملكا على الأردوانيين قال هشام الأرمانيون أنباط السواد والأردوانيون أنباط الشأم (1/391) ________________________________________ قال وكل واحد منهما يقاتل صاحبه على الملك فاجتمعا على قتال أردشير فقاتلاه متساندين يقاتله هذا يوما وهذا يوما فإذا كان يوم بابا لم يقم له أردشير وإذا كان يوم أردوان لم يقم لأردشير فلما رأى ذلك أردشير صالح بابا على أن يكف عنه ويدعه وأردوان ويخلي أردشير بين بابا وبين بلاده وما فيها وتفرغ أردشير لحرب أردوان فلم يلبث أن قتله واستولى على ما كان له وسمع له وأطاع بابا فضبط أردشير ملك العراق ودانت له ملوكها وقهر من كان يناوئه من أهلها حتى حملهم على ما أراد مما خالفهم ووافقه ولما استولى أردشير على الملك بالعراق كره كثير من تنوخ أن يقيموا في مملكته وأن يدينوا له فخرج من كان منهم من قبائل قضاعة الذين كانوا أقبلوا مع مالك وعمرو ابني فهم ومالك بن زهير وغيرهم فلحقوا بالشأم إلى من هنالك من قضاعة وكان ناس من العرب يحدثون في قومهم الأحداث أو تضيق بهم المعيشة فيخرجون إلى ريف العراق وينزلون الحيرة على ثلاث أثلاث ثلث تنوخ وهو من كان يسكن المظال وبيوت الشعر والوبر في غربي الفرات فيما بين الحيرة والأنبار وما فوقها والثلث الثاني العباد وهم الذين كانوا سكنوا الحيرة وابتنوا بها والثلث الثالث الأحلاف وهم الذين لحقوا بأهل الحيرة ونزلوا فيهم ممن لم يكن من تنوخ الوبر ولا من العباد الذين دانوا لأردشير وكانت الحيرة والأنبار بنيتا جميعا في زمن بختنصر فخربت الحيرة لتحول أهلها عنها عند هلاك بختنصر إلى الأنبار وعمرت الأنبار خمسمائة سنة وخمسين سنة إلى أن عمرت الحيرة في زمن عمرو بن عدي باتخاذه إياها منزلا فعمرة الحيرة خمسمائة سنة وبضعا وثلاثين سنة إلى أن وضعت الكوفة ونزلها الإسلام فكان جميع ملك عمرو بن عدي مائة سنة وثماني عشرة سنة من ذلك في زمن أردوان وملوك الطوائف خمس وتسعون سنة وفي زمن ملوك فارس ثلاث وعشرون سنة من ذلك في زمن أردشير بن بابك أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وفي زمن سابور بن أردشير ثماني سنين وشهران (1/392) |
رد: مكتبتي
ذكر الخبر عن القائم كان بملك فارس بعد اردشير بن بابك
ولما هلك أردشير بن بابك قام بملك فارس من بعده ابنه سابور وكان أردشير بن بابك لما أفضى إليه الملك أسرف في قتل الأشكانية الذين منهم كان ملوك الطوئف حتى أفناهم بسبب ألية كان ساسان بن أردشير بن بهمن بن إسفنديار الأكبر جد أردشير بن بابك كان آلاها أنه إن ملك يوما من الدهر لم يستبق من نسل أشك بن خرة أحدا وأوجب ذلك على عقبه وأوصاهم بألا يبقوا منهم أحدا إن هم ملكوا أو ملك منهم أحد يوما فكان أول من ملك من ولد ولده ونسله أردشير بن بابك فقتلهم جميعا نساءهم ورجالهم فلم يستبق منهم أحدا لعزمة جده ساسان فذكر أنه لم يبق منهم أحد غير أن جارية كان وجدها أردشير في دار المملكة فأعجبه جمالها وحسنها فسألها وكانت ابنة الملك المقتول عن نسبها فذكرت أنها كانت خادما لبعض نساء الملك فسألها أبكر أنت أم ثيب فأخبرته أنها بكر فواقعها واتخذها لنفسه فعلقت منه فلما أمنته على نفسها لاستمكانها منه بالحبل أخبرته أنها من نسل أشك فنفر منها ودعا هرجبذا أبرسام وكان شيخا مسنا فأخبره أنها أقرت أنها من نسل أشك وقال نحن أولى باستتمام الوفاء بنذر أبينا ساسان وإن كان موقعها من قلبي على ما قد علمت فانطلق بها فاقتلها فمضى الشيخ ليقتلها فأخبرته أنها حبلى فأتى بها القوابل فشهدن بحبلها فأودعها سربا في الأرض ثم قطع مذاكيره فوضعها في حق ثم ختم عليه ورجع إلى الملك فقال له الملك ما فعلت قال قد استودعتها بطن الأرض ودفع الحق إليه وسأله أن يختم عليه بخاتمه ويودعه بعض خزائنه ففعل فأقامت الجارية عند الشيخ حتى وضعت غلاما فكره الشيخ أن يسمي ابن الملك دونه وكره أن يعلمه به صبيا حتى يدرك ويستكمل الأدب وقد كان الشيخ أخذ قياس الصبي ساعة ولد وأقام له الطالع فعلم عند ذلك أن سيملك فسماه اسما جامعا يكون صفة واسما ويكون فيه بالخيار إذا علم به فسماه شاه بور وترجمتها بالعربية ابن الملك وهو أول من سمي هذا الاسم وهو سابور الجنود بالعربية بن أردشير وقال بعضهم بل سماه أشه بور ترجمتها بالعربية ولد أشك الذي كانت أم الغلام من نسله فغبر اردشير دهرا لا يولد له فدخل عليه الشيخ الأمين الذي عنده الصبي فوجده محزونا فقال ما يحزنك أيها الملك فقال له أردشير وكيف لا أحزن وقد ضربت بسيفي ما بين المشرق والمغرب حتى ظفر بحاجتي وصفا لي الملك ملك آبائي ثم أهلك لا يعقبني فيه عقب ولا يكون لي فيه بقية فقال له (1/393) ________________________________________ الشيخ سرك الله أيها الملك وعمرك لك عندي ولد طيب نفيس فادع بالحق الذي استودعتك وختمته بخاتمك أرك برهان ذلك فدعا أردشير بالحق فنظر إلى نقش خاتمه ثم فضه وفتح الحق فوجد فيه مذاكير الشيخ وكتابا فيه إنا لما اختبرنا ابنة أشك التي علقت من ملك الملوك أردشير حين أمرنا بقتلها حين حملها لم نستحل إتواء زرع الملك الطيب فأودعناها بطن الأرض كما أمرنا ملكنا وتبرأنا إليه من أنفسنا لئلا يجد عاضه إلى عضهها سبيلا وقمنا بتقوية الحق المنزوع حتى لحق بأهله وذلك في ساعة كذا من عام كذا فأمره أردشير عند ذلك أ يهيئه في مائة غلام وقال بعضهم في ألف غلام من أترابه وأشباهه في الهيئة والقامة ثم يدخلهم عليه جميعا لا يفرق بينهم في زي ولا قامة ولا أدب ففعل ذلك الشيخ فلما نظر إليهم أردشير قبلت نفسه ابنه من بينهم واستحلاه من غير أن يكون أشير له إليه أو لحن به ثم أمر بهم جميعا فأخرجوا إلى حجرة الإيوان فأعطوا صوالجة فلعبوا بالكرة وهو في الإيوان على سريره فدخلت الكرة في الإيوان الذي هو فيه فكاع الغلمان جميعا أن يدخلوا الإيوان وأقدم سابور من بينهم فدخل فاستدل أردشير بدخوله عليه وإقدامه وجرأته مع ما كان من قبول نفسه له أول مرة حين رآه ورقته عليه دون أصحابه أنه ابنه فقال له أردشير بالفارسية ما اسمك فقال الغلام شاه بور فقال أردشير شاه بور فلما ثبت عنده أنه ابنه شهر أمره وعقد له التاج من بعده وكان سابور قد ابتلى منه أهل فارس قبل أن يفضي إليه الملك في حياة أبيه عقلا وفضلا وعلما مع شدة بطش وبلاغة منطق ورأفة بالرعية ورقة فلما عقد التاج على رأسه اجتمع إليه العظماء فدعوا له بطول البقاء وأطنبوا في ذكر والده وذكر فضائله فأعلمهم أنهم لم يكونوا يستدعون إحسانه بشيء يعدل عنده ذكرهم والده ووعدهم خيرا ثم أمر بما كان في الخزائن من الأموال فوسع بها على الناس وقسمها فيمن رآه لها موضعا من الوجوه والجنود وأهل الحاجة وكتب إلى عماله بالكور والنواحي أن يفعلوا مثل ذلك في الأموال التي في أيديهم فوصل من فضله وإحسانه إلى القريب والبعيد والشريف والوضيع والخاص والعام ما عمهم ورفعت معايشهم ثم تخير لهم العمال وأشرف عليهم وعلى الرعية إشرافا شديدا فبان فضل سيرته وبعد صوته وفاق جميع الملوك وقيل إنه سار إلى مدينة نصيبين لإحدى عشرة سنة مضت من ملكه وفيها جنود من جنود الروم فحاصرهم حينا ثم أتاه عن ناحية من خراسان ما احتاج إلى مشاهدته فشخص إليها حتى أحكم أمرها ثم رجع إلى نصيبين وزعموا أن سور المدينة تصدع وانفرجت له فرجة دخل منها فقتل المقاتلة وسبى وأخذ أموالا عظيمة كانت لقيصر هنالك ثم تجاوزها إلى الشأم وبلادالروم فافتتح من مدائنها مدنا كثيرة وقيل إن فيما افتتح قالوقية وقذوقية وإنه حاصر ملكا كان بالروم يقال له الريانوس بمدينة أنطاكية فأسره وحمله وجماعة كثيرة معه وأسكنهم جندي سابور وذكر أنه أخذ الريانوس ببناء شاذروان تستر على أن يجعل عرضه الف ذراع فبناه الرومي بقوم أشخصهم إليه من الروم وحكم سابور في فكاكه بعد فراغه من الشاذروان فقيل إنه أخذ منه أموالا (1/394) ________________________________________ عظيمة وأطلقه بعد أن جدع أنفه وقيل إنه قتله وكان بحيال تكريت بين دجلة والفرات مدينة يقال لها الحضر وكان بها رجل من الجرامقة يقال له الساطرون وهو الذي يقول فيه أبو داود الأيادي ... وأرى الموت قد تدلى من الحض ... على رب أهله الساطرون ... والعرب تسميه الضيزن وقيل إن الضيزن من أهل باجرمي وزعم هشام بن الكلبي أنه من العرب من قضاعة وأنه الضيزن بن معاوية بن العبيد بن الأجرام بن عمرو بن النخع بن سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وأن أمه من تزيد بن حلوان اسمها جيهلة وأنه إنما كان يعرف بأمه وزعم أنه كان ملك أرض الجزيرة وكان معه من بني عبيد بن الأجرام وقبائل قضاعة مالا يحصى وأن ملكه كان قد بلغ الشأم وأنه تطرف من بعض السواد في غيبة كان غابها إلى ناحية خراسان سابور بن أردشير فلما قدم من غيبته أخبر بما كان منه فقال في ذلك من فعل الضيزن عمرو بن إلة بن الجدي بن الدهاء بن جشم بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ... لقيناهم بجمع من علاف ... وبالخيل الصلادمة الذكور ... فلاقت فارس منا نكالا ... وقتلنا هرابذ شهرزور ... دلفنا للأعاجم من بعيد ... بجمع كالجزيرة في السعير ... فلما أخبر سابور بما كان منه شخص إليه حتى أناح على حصنه وتحصن الضيزن في الحصن فزعم ابن الكلبي أنه أقام سابور على حصنه أربع سنين لا يقدر على هدمه ولا على الوصول إلى الضيزن وأما الأعشى ميمون بن قيس فإنه ذكر في شعره أنه إنما أقام عليه حولين فقال ... ألم تر للحضر إذ أهله ... بنعمى وهل خالد من نعم ... أقام به شاهبور الجنو ... دحولين تضرب فيه القدم ... فما زاده ربه قوة ... ومثل مجاوره لم يقم ... فلما رأى ربه فعله ... أتاه طروقا لم ينتقم ... وكان دعا قومه دعوة ... هلموا إلى أمركم قد صرم ... فموتوا كراما بأسيافكم ... أرى الموت يجشمه من جشم ... ثم إن ابنة للضيزن يقال لها النضيرة عركت فأخرجت إلى ربض المدينة وكانت من أجمل نساء زمانها وكذلك كان يفعل بالنساء إذا هن عركن وكان سابور من أجمل أهل زمانه فيما قيل فرأى كل واحد منهما صاحبه فعشقته وعشقها فأرسلت إليه ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به سور هذه المدينة وتقتل أبي قال حكمك وأرفعك على نسائي وأخصك بنفسي دونهن قالت عليك بحمامة ورقاء مطوقة فاكتب في رجلها بحيض جارية بكر زرقاء ثم أرسلها فإنها تقع على حائط المدينة فتتداعى المدينة وكان ذلك طلسم المدينة لا يهدمها إلا هذا ففعل وتأهب لهم وقالت أنا أسقي الحرس الخمر فإذا صرعوا فاقتلهم وادخل المدينة ففعل وتداعت المدينة ففتحها عنوة وقتل الضيزن يومئذ وأبيدت أفناء قضاعة (1/395) ________________________________________ الذين كانوا مع الضيزن فلم يبق منهم باق يعرف إلى اليوم وأصيبت قبائل من بني حلوان فانقرضوا ودرجوا فقال عمرو بن إلة وكان مع الضيزن ... ألم يحزنك والأنباء تنمي ... بما لاقت سراة بني عبيد ... ومصرع ضيزن وبني أبيه ... وأحلاس الكتائب من تزيد ... أتاهم بالفيول مجللات ... وبالأبطال سابور الجنود ... فهدم من أواسي الحصن صخرا ... كأن ثفاله زبر الحديد ... وأخرب سابور المدينة واحتمل النضيرة ابنة الضيزن فأعرس بها بعين التمر فذكر أنها لم تزل ليلتها تضور من خشونة فرشها وهي من حرير محشوة بالقز فالتمس ما كان يؤذيها فإذا ورقة آس ملتزقة بعكنة من عكنها قد أثرت فيها قال وكان ينظر إلى مخها من لين بشرتها فقال لها سابور ويحك بأي شيء كان يغذوك أبوك قالت بالزبد والمخ وشهد الأبكار من النحل وصفو الخمر قال وأبيك لأنا أحدث عهدا بك وآثر لك من أبيك الذي غذاك بما تذكرين فأمر رجلا فركب فرسا جموحا ثم عصب غدائرها بذنبه ثم استركضها فقطعها قطعا فذلك قول الشاعر ... أقفر الحصن من نضيرة فالمر ... باع منها فجانب الثرثار ... وقد أكثر الشعراء ذكر ضيزن هذا في اشعارهم وإياه عنى عدي بن زيد بقوله ... وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور ... شاده مرمرا وجلله كل سا فللطير في ذراه وكور ... لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور ... ويقال إن سابور بنى بميسان شاذ سابور التي تسمى بالنبطية ريما وفي أيام سابور ظهر ماني الزنديق ويقال إن سابور لما سار إلى موضع جندي سابور ليؤسسها صادف عندها شيخا يقال له بيل فسأله هل يجوز أن يتخذ في ذلك الموضع مدينة فقال له بيل إن ألهمت الكتابة مع ما قد بلغت من السن جاز أن يبني في هذا الموضع مدينة فقال له سابور بل ليكن الأمران اللذان أنكرت كونهما فرسم المدينة وأسلم بيل إلى معلم وفرض عليه تعليمه الكتاب والحساب في سنة فخلا به المعلم وبدأ بحلق رأسه ولحيته لئلا يتشاغل بهما وجاده التعليم ثم أتى به سابور وقد نفذ ومهر فقلده إحصاء النفقة على المدينة وإثبات حسابها وكور الناحية وسماها بهأزنديو سابور وتأويل ذلك خير من أنطاكية ومدينة سابور وهي التي تسمى جندى سابور وأهل الأهواز يسمونها بيل باسم القيم كان على بنائها ولما حضر سابور الموت ملك ابنه هرمز وعهد إليه عهدا أمره بالعمل به واختلف في سني ملكه فقال بعضهم كان ذلك ثلاثين سنة وخمسة عشر يوما وقال آخرون كان ملكه إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر وتسعة عشر يوما ثم قام بالملك بعد سابور بن أردشير بن بابك ابنه هرمز وكان يلقب بالجريء وكان يشبه في جسمه وخلقه وصورته بأردشير غير لاحق به في رأيه وتدبيره إلا أنه كان من البطش والجرأة وعظم الخلق على أمر (1/396) ________________________________________ عظيم وكانت أمه فيما قيل من بنات مهرك الملك الذي قتله أردشير بأردشير خرة وذلك أن المنجمين كانوا أخبروا أردشير أنه يكون من نسله من يملك فتتبع أردشير نسله فقتلهم وأفلتت أم هرمز وكانت ذات عقل وجمال وكمال وشدة خلق فوقعت إلى البادية وأوت إلى بعض الرعاء وإن سابور خرج يوما متصيدا فامعن في طلب الصيد واشتد به العطش فارتفعت له الأخبية التي كانت أم هرمز أوت إليها فقصدها فوجد الرعاء غيبا فطلب الماء فناولته المرأة فعاين منها جمالا فائقا وقواما عجيبا ووجها عتيقا ثم لم يلبث أن حضر الرعاء فسألهم سابور عنها فنسبها بعضهم إليه فسأله أن يزوجها منه فساعفه فصار بها إلى منازله وأمر بها فنظفت وكسيت وحليت وأرادها على نفسها فكان إذا خلا بها والتمس منها ما يلتمس الرجل من المرأة امتنعت وقهرته عند المجاذبة قهرا ينكره وتعجب من قوتها فلما تطاول ذلك من أمرها أنكره ففحص عن أمرها فأخبرته أنها ابنة مهرك وأنها إنما فعلت ما فعلت إبقاء عليه من أردشير فعاهدها على ستر أمرها ووطئها فولدت هرمز فستر أمره حتى أتت له سنون وإن أردشير ركب يوما ثم انكفأ إلى منزل سابور لشيء أراد ذكره له فدخل منزله مفاجأة فلما استقر به القرار خرج هرمز وقد ترعرع وبيده صولجان يلعب به وهو يصيح في أثره الكرة فلما وقعت عين أردشير عليه أنكره ووقف على المشابه التي فيه منهم لأن الكية التي في آل أردشير كانت لا تخفى ولا يذهب أمرهم على أحد لعلامات كانت فيهم من حسن الوجوه وعبالة الخلق وأمور كانوا بها مخصوصين في أجسامهم فاستدناه أردشير وسأل سابور عنه فخر مكفرا على سبيل الإقرار بالخطأ مما كان منه وأخبر أباه حقيقة الخبر فسر به وأعلمه أنه قد تحقق الذي ذكر المنجمون في ولد مهرك ومن يملك منهم وأنهم إنما ذهبوا فيه إلى هرمز إذ كان من نسل مهرك وأن ذلك قد سلى ما كان في نفسه وأذهبه فلما هلك أردشير وأفضى الأمر إلى سابور ولى هرمز خراسان وسيره إليها فاستقل بالعمل وقمع من كان يليه من ملوك الأمم وأظهر تجبرا شديدا فوشى به الوشاة إلى سابور ووهموه أنه إن دعاه لم يجب وأنه على أن يبتزه الملك ونمت الأخبار بذلك إلى هرمز فقيل إنه خلا بنفسه فقطع يده وحسمها وألقى عليها ما يحفظها وأدرجها في نفيس من الثياب وصيرها في سفط وبعث بها إلى سابور وكتب إليه بما بلغه وأنه إنما فعل ما فعل إزالة للتهمة عنه ولأن في رسمهم ألا يملكوا ذا عاهة فلما وصل الكتاب بما معه إلى سابور تقطع أسفا وكتب إليه بما ناله من الغم بما فعل واعتذر وأعلمه أنه لو قطع بدنه عضوا عضوا لم يؤثر عليه أحدا بالملك فملكه وقيل إنه لما وضع التاج على رأسه دخل عليه العظماء فدعوا له فأحسن لهم الجواب وعرفوا منه صدق الحديث وأحسن فيهم السيرة وعدل في رعيته وسلك سبيل آبائه وكور كورة رام هرمز وكان ملكه سنة وعشرة أيام ثم قام بالملك بعده ابنه بهرام وهو بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك وكان من عمال سابور بن أردشير وهرمز بن سابور وبهرام بن هرمز بن سابور بعد مهلك عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة على فرج العرب من ربيعة ومضر وسائر من ببادية العراق والحجاز والجزيرة يومئذ ابن (1/397) ________________________________________ لعمرو بن عدي يقال له امرؤ القيس البدء وهو أول من تنصر من ملوك آل نصر بن ربيعة وعمال ملوك الفرس وعاش فيما ذكر هشام بن محمد مملكا في عمله مائة سنة وأربع عشرة سنة من ذلك في زمن سابور بن أردشير ثلاثا وعشرين سنة وشهرا وفي زمن هرمز بن سابور سنة وعشرة أيام وفي زمن بهرام بن هرمز بن سابور ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام وفي زمن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير ثماني عشرة سنة وكان بهرام بن هرمز فيما ذكر رجلا ذا حلم وتؤدة فاستبشر الناس بولايته وأحسن السيرة فيهم واتبع في ملكه في سياسة الناس آثار آبائه وكان ماني الزنديق فيما ذكر يدعوه إلى دينه فاستبرى ما عنده فوجده داعية للشيطان فأمر بقتله وسلخ جلده وحشوه تبنا وتعليقه على باب من أبواب مدينة جندي سابور يدعى باب الماني وقتل أصحابه ومن دخل في ملته وكان ملكه فيما قيل ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام ثم قام بالملك بعده ابنه بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير وكان ذا علم فيما قيل بالأمور فلما عقد التاج على رأسه دعا له العظماء بمثل ما كانوا يدعون لآبائه فرد عليهم مردا حسنا وأحسن فيهم السيرة وقال إن ساعدنا الدهر نقبل ذلك بالشكر وإن يكن غير ذلك نرض بالقسم واختلف في سني ملكه فقال بعضهم كان ملكه ثماني عشرة سنة وقال بعضهم كان سبع عشرة سنة ثم ملك بهرام الملقب بشاهنشاه بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير فلما عقد التاج على رأسه اجتمع إليه العظماء فدعوا له ببركة الولاية وطول العمر فرد عليهم أحسن الرد وكان قبل أن يفضي إليه الملك مملكا على سجستان وكان ملكه أربع سنين ثم قام بالملك بعده نرسي بن بهرام وهو أخو بهرام الثالث فلما عقد التاج على رأسه دخلت عليه الأشراف والعظماء فدعوا له فوعدهم خيرا وأمرهم بمكانفته على أمره وسار فيهم بأعدل السيرة وقال يوم ملك إنا لن نضيع شكر الله على ما أنعم به علينا وكان ملكه تسع سنين ثم ملك هرمز بن نرسي بن بهران بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير وكان الناس قد وحلوا منه وأحسوا بالفظاظة والشدة فأعلمهم أنه قد علم ما كانوا يخافونه من شدة ولايته وأعلمهم أنه قد أبدل ما كان في خلقه من الغلظة والفظاظة رقة ورأفة وساسهم بأرفق السياسة وسار فيهم بأعدل السيرة وكان حريصا على انتعاش الضعفاء وعمارة البلاد والعدل على الرعية ثم هلك ولا ولد له فشق ذلك على الناس فسألوا بميلهم إليه عن نسائه فذكر لهم أن بعضهن حبلى وقد قال بعضهم إن هرمز كان أوصى بالملك لذلك الحمل في بطن أمه وأن تلك المرأة ولدت سابور ذا الأكتاف وكان ملك هرمز في قول بعضهم ست سنين وخمسة أشهر وفي قول آخرين سبع سنين وخمسة أشهر (1/398) ________________________________________ ثم ولد سابور ذو الأكتاف بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير مملكا بوصية أبيه هرمز له بالملك فاستبشر الناس بولادته وبثوا خبره في الآفاق وكتبوا الكتب ووجهوا به البرد إلى الآفاق والأطراف وتقلد الوزراء والكتاب الأعمال التي كانوا يعملونها في ملك أبيه ولم يزالوا على ذلك حتى فشا خبرهم وشاع في أطراف مملكة الفرس أنه كان لا ملك لهم وأن أهلها إنما يتلومون صبيا في المهد لا يدرون ما هو كائن من أمره فطمعت في مملكتهم الترك والروم وكانت بلاد العرب أدنى البلاد إلى فارس وكانوا من أحوج الأمم إلى تناول شيء من معايشهم وبلادهم لسوء حالهم وشظف عيشهم فسار جمع عظيم منهم في البحر من ناحية بلاد عبدالقيس والبحرين وكاظمة حتى أناخوا على أبرشهر وسواحل أردشير خرة وأسياف فارس وغلبوا أهلها على مواشيهم وحروثهم ومعايشهم وأكثروا الفساد في تلك البلاد فمكثوا على ذلك من أمرهم حينا لا يغزوهم أحد من الفرس لعقدهم تاج الملك على طفل من الأطفال وقلة هيبة الناس له حتى تحرك سابور وترعرع فلما ترعرع ذكر أن أول ما عرف من تدبيره وحسن فهمه أنه استيقظ ذات ليلة وهو في قصر المملكة بطيسبون من ضوضاء الناس بسحر فسأل عن ذلك فأخبر أن ذلك ضجة الناس عند ازدحامهم على جسر دجلة مقبلين ومدبرين فأمر باتخاذ جسر آخر حتى يكون أحدهما معبرا للمقبلين والآخر معبرا للمدبرين فلا يزدحم الناس في المرور عليهما فاستبشر الناس بما رأوا من فطنته لما فطن من ذلك على صغر سنه وتقدم فيما أمر به من ذلك فذكر أن الشمس لم تعرب من يومهم ذلك حتى عقد جسر بالقرب من الجسر الذي كان فاستراح الناس من المخاطرة بأنفهسم في الجواز على الجسر وجعل الغلام يتزيد في اليوم ما يتزيده غيره في الحين الطويل وجعل الكتاب والوزراء يعرضون عليه الأمر بعد الأمر فكان فيما عرض عليه أمر الجنود التي في الثغور ومن كان منهم بإزاء الأعداء وإن الأخبار وردت بأن أكثرهم قد أخل وعظموا عليه الأمر في ذلك فقال لهم سابور لا يكبرن هذا عندكم فإن الحيلة فيه يسيرة وأمر بالكتاب إلى أولئك الجنود جميعا بأنه انتهى إليه طول مكثهم في النواحي التي هم بها وعظم غنائهم عن أوليائهم وإخوانهم فمن أحب أن ينصرف إلى أهله فلينصرف مأذونا له في ذلك ومن أحب أن يستكمل الفضل بالصبر في موضعه عرف ذلك له وتقدم إلى من اختار الانصراف في لزوم أهله وبلاده إلى وقت الحاجة إليه فلما سمع الوزراء ذلك من قوله استحسنوه وقالوا لو كان هذا قد أطال تجربة الأمور وسياسة الجنود ما زاد رأيه وصحة منطقه على ما سمعنا به ثم تتابعت أخباره إلى البلدان والثغور بما قوم أصحابه وقمع أعداءه حتى إذا تمت له ست عشرة سنة وأطاق حمل السلاح وركوب الخيل واشتد عظمه جمع إليه رؤساء أصحابه وأجناده ثم قام فيهم خطيبا ثم ذكر ما أنعم الله به عليه وعليهم بآبائه وما أقاموا من أدبهم ونفوا من أعدائهم وما اختل من أمورهم في الأيام التي مضت من أيام صباه وأعلمهم أنه يبتدئ العمل في الذب عن البيضة وأنه يقدر الشخوص إلى بعض الأعداء لمحاربته وأن عدة من يشخص معه من المقاتلة ألف رجل فنهض إليه القوم داعين متشكرين وسألوه أن يقيم بموضعه ويوجه القواد والجنود ليكفوه ما قدر من الشخوص فيه فأبى أن (1/399) ________________________________________ يجيبهم إلى المقام فسألوه الازدياد على العدة التي ذكرها فأبى ثم انتخب ألف فارس من صناديد جنده وأبطالهم وتقدم إليهم في المضي لأمره ونهاهم عن الإبقاء على من لقوا من العرب والعرجة على إصابة مال ثم سار بهم فأوقع بمن انتجع بلاد فارس من العرب وهم غارون وقتل منهم أبرح القتل وأسر أعنف الأسر وهرب بقيتهم ثم قطع البحر في أصحابه فورد الخط واستقرى بلاد البحرين يقتل أهلها ولا يقبل فداء ولا يعرج على غنيمة ثم مضى على وجهه فورد هجر وبها ناس من أعراب تميم وبكر بن وائل وعبد القيس فأفشى فيهم القتل وسفك فيهم من الدماء سفكا سالت كسيل المطر حتى كان الهارب منهم يرى أنه لن ينجيه منه غار في جبل ولا جزيرة في بحر ثم عطف إلى بلاد عبد القيس فأباد أهلها إلا من هرب منهم فلحق بالرمال ثم أتى اليمامة فقتل بها مثل تلك المقتلة ولم يمر بماء من مياه العرب إلا عوره ولا جب من جبابهم إلا طمه ثم أتى قرب المدينة فقتل من وجد هنالك من العرب وأسر ثم عطف نحو بلاد بكر وتغلب فيما بين مملكة فارس ومناظر الروم بأرض الشام فقتل من وجد بها من العرب وسبى وطم مياههم وإنه أسكن من من بني تغلب من البحرين دارين واسمهما هيج والخط ومن كان من عبد القيس وطوائف من بني تميم هجر ومن كان من بكر بن وائل كرمان وهم الذين يدعون بكر أبان ومن كان منهم من بني حنظلة بالرملية من بلاد الأهواز وإنه أمر فبنيت بأرض السواد مدينة وسماها بزرج سابور وهي الأنبار وبأرض الأهواز مدينتان إحداهما إيران خرة سابور وتأويلها سابور وبلاده وتسمى بالسريانية الكرخ والأخرى السوس وهي مدينة بناها إلى جانب الحصن الذي في جوفه تابوت فيه جثة دانيال النبي عليه السلام وإنه غزا أرض الروم فسبى منها سبيا كثيرا فأسكن مدينة إيران خرة سابور وسمتها العرب السوس بعد تخفيفها في التسمية وأمر فبنيت بباجرمي مدينة سماها خني سابور وكور كورة وبأرض خراسان مدينة وسماها نيسابور وكور كورة وإن سابور كان هادن قسطنطين ملك الروم وهو الذي بنى مدينة قسطنطينية وكان أول من تنصر من ملوك الروم وهلك قسطنطين وفرق ملكه بين ثلاثة بنين كانوا له فهلك بنوه الثلاثة فملكت الروم عليهم رجلا من أهل بيت قسطنطين يقال له لليانوس وكان يدين بملة الروم التي كانت قبل النصرانية ويسر ذلك ويظهر النصرانية قبل أن يملك حتى إذا ملك أظهر ملة الروم وأعادها كهيئتها وأمرهم بإحيائها وأمر بهدم البيع وقتل الأساقفة وأحبار النصارى وإنه جمع جموعا من الروم والخزر ومن كان في مملكته من العرب ليقاتل بهم سابور وجنود فارس وانتهزت العرب بذلك السبب الفرصة من الانتقام من سابور وما كان من قتله العرب واجتمع في عسكر لليانوس من العرب مائة ألف وسبعون ألف مقاتل فوجههم مع رجل من بطارقة الروم بعثه على مقدمته يسمى يوسانوس وإن لليانوس سار حتى وقع ببلاد فارس وانتهى إلى سابور كثرة من معه من جنود الروم والعرب والخزر فهاله ذلك ووجه عيونا تأتيه بخبرهم ومبلغ عددهم وحالهم في شجاعتهم وعيثهم فاختلفت أقاويل أولئك العيون فيما أتوه به من الأخبار عن لليانوس وجنده فتنكر سابور وسار في أناس من ثقاته ليعاين عسكرهم فلما اقترب من عسكر يوسانوس صاحب مقدمة لليانوس وجه رهطا ممن كان معه إلى عسكر يوسانوس ليتحسسوا الأخبار ويأتوه بها على حقائقها فنذرت الروم بهم فأخذوهم ودفعوهم إلى يوسانوس فلم يقر أحد منهم بالأمر الذي توجهوا له إلى عسكره ما خلا رجلا منهم أخبره بالقصة على (1/400) ________________________________________ وجهها وبمكان سابور حيث كان وسأله أن يوجه معه جندا فيدفع إليهم سابور فأرسل يوسانوس حيث سمع هذه المقالة إلى سابور رجلا من بطانته يعلمه ما لقي من أمره وينذره فارتحل سابور من الموضع الذي كان فيه إلى عسكره وإن من كان في عسكر لليانوس من العرب سألوه أن يأذن لهم في محاربة سابور فأجابهم إلى ما سألوه فزحفوا إلى سابور فقاتلوه ففضوا جمعه وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وهرب سابور فيمن بقي من جنده واحتوى لليانوس على مدينة طيسبون محلة سابور وظفر ببيوت أموال سابور وخزائنه فيها فكتب سابور إلى من في الآفاق من جنوده يعلمهم الذي لقي من لليانوس ومن معه من العرب ويأمر من كان فيهم من القواد أن يقدموا عليه فيمن قبلهم من جنوده فلم يلبث أن اجتمعت إليه الجيوش من كل أفق فانصرف فحارب لليانوس واستنقذ منه مدينة طيسبون ونزل لليانوس مدينة بهأردشير وما والاها بعسكره وكانت الرسل تختلف فيما بينه وبين سابور وإن لليانوس كان جالسا ذات يوم في حجرته فأصابه سهم غرب في فؤاده فقتله فأسقط في روع جنده وهالهم الذي نزل به ويئسوا من التفصي من بلاد فارس وصاروا شورى لا ملك عليهم ولا سائس لهم فطلبوا إلى يوسانوس أن يتولى الملك لهم فيملكوه عليهم فأبى ذلك وألحوا عليه فيه فأعلمهم أنه على ملة النصرانية وأنه لا يلي ناسا له مخالفين في الملة فأخبرته الروم أنهم على ملته وأنهم إنما كانوا يكتمونها مخافة لليانوس فأجابهم إلى ما طلبوا وملكوه عليهم وأظهروا النصرانية وإن سابور علم بهلاك لليانوس فأرسل إلى قواد جنود الروم يقول إن الله قد أمكننا منكم وأدالنا عليكم بظلمكم إيانا وتخطيكم إلى بلادنا وإنا نرجوا أن تهلكوا بها جوعا من غير أن نهيئ لقتالكم سيفا ونشرع لكم رمحا فسرحوا إلينا رئيسا إن كنتم رأستموه عليكم فعزم يوسانوس على إتيان سابور فلم يتابعه على رأيه أحد من قواد جنده فاستبد برأيه وجاء إلى سابور في ثمانين رجلا من أشراف من كان في عسكره وجنده وعليه تاجه فبلغ سابور مجيئه إليه فتلقاه وتساجدا فعانقه سابور شكرا لما كان منه في أمره وطعم عنده يومئذ ونعم وإن سابور أرسل إلى قواد جند الروم وذوي الرياسة منهم يعلمهم أنهم لو ملكوا غير يوسانوس لجرى هلاكهم في بلاد فارس وأن تمليكهم إياه ينجيهم من سطوته وقوي أمر يوسانوس بجهده ثم قال إن الروم قد شنوا الغارة على بلادنا وقتلوا بشرا كثيرا وقطعوا ما كان بأرض السواد من نخل وشجر وخربوا عمارتها فإما أن يدفعوا إلينا قيمة ما أفسدوا وخربوا وإما أن يعوضونا من ذلك نصيبين وحيزها عوضا منه وكانت من بلاد فارس فغلبت عليها الروم فأجاب يوسانوس وأشراف جنده سابور إلى ما سأل من العوض ودفعوا إليه نصيبين فبلغ ذلك أهلها فجلوا منها إلى مدن في مملكة الروم مخافة على أنفسهم من ملك الملك المخالف ملتهم فبلغ ذلك سابور فنقل اثني عشر ألف أهل بيت من أهل إصطخر وإصبهان وكور أخر من بلاده وحيزه إلى نصيبين وأسكنهم إياها وانصرف يوسانوس ومن معه من الجنود إلى الروم وملكها زمنا يسيرا ثم هلك وإن سابور ضري بقتل العرب ونزع أكتاف رؤسائهم إلى أن هلك وكان ذلك سبب تسميتهم إياه ذا الأكتاف (1/401) ________________________________________ وذكر بعض أهل الأخبار أن سابور بعد أن أثخن في العرب وأجلاهم عن النواحي التي كانوا صاروا إليها مما قرب من نواحي فارس والبحرين واليمامة ثم هبط إلى الشام وسار إلى حد الروم أعلم أصحابه أنه على دخول الروم حتى يبحث عن اسرارهم ويعرف أخبار مدنهم وعدد جنودهم فدخل إلى الروم فجال فيها حينا وبلغه أن قيصر أولم وأمر بجمع الناس ليحضروا طعامه فانطلق سابور بهيئة السؤال حتى شهد ذلك الجمع لينظر إلى قيصر ويعرف هيئته وحاله في طعامه ففطن له فأخذ وأمر به قيصر فأدرج في جلد ثور ثم سار بجنوده إلى أرض فارس ومعه سابور على تلك الحالة فأكثر من القتل وخراب المدائن والقرى وقطع النخل والأشجار حتى انتهى إلى مدينة جندي سابور وقد تحصن أهلها فنصب المجانيق وهدم بعضها فبينا هم كذلك ذات ليلة إذ غفل الروم الموكلون بحراسة سابور وكان بقربه قوم من سبي الأهواز فأمرهم أن يلقوا على القد الذي كان عليه زيتا من زقاق كانت بقربهم ففعلوا ذلك ولان الجلد وانسل منه فلم يزل يدب حتى دنا من باب المدينة وأخبر حراسهم باسمه فلما دخل على أهلها اشتد سرورهم به وارتفعت أصواتهم بالحمد والتسبيح فانتبه أصحاب قيصر باصواتهم وجمع سابور من كان في المدينة وعبأهم وخرج إلى الروم في تلك الليلة سحرا فقتل الروم وأخذ قيصر أسيرا وغنم أمواله ونساءه ثم أثقل قيصر بالحديد وأخذه بعمارة ما أخرب ويقال إن أخذ قيصر بنقل التراب من أرض الروم إلى المدائن وجندي سابور حتى يرم به ما هدم منها وبأن يغرس الزيتون مكان النخل والشجر الذي عقره ثم قطع عقبه ورتقه وبعث به إلى الروم على حمار وقال هذا جزاؤك ببغيك علينا فلذلك تركت الروم اتخاذ الأعقاب ورتق الذؤاب ثم أقام سابور في مملكته حينا ثم غزا الروم فقتل من أهلها وسبى سبيا كثيرا وأسكن من سبى مدينة بناها بناحية السوس وسماها إيرانشهر سابور ثم استصلح العرب وأسكن بعض قبائل تغلب وعبدالقيس وبكر بن وائل كرمان توج والأهواز وبنى مدينة نيسابور ومدائن أخر بالسند وسجستان ونقل طبيبا من الهند فأسكنه الكرخ من السوس فلما مات ورث طبه أهل السوس ولذلك صار أهل تلك الناحية أطب العجم وأوصى بالملك لأخيه أردشير وكان ملك سابور اثنتين وسبعين سنة وهلك في عهد سابور عامله على ضاحية مضر وربيعة امرؤ القيس البدء بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر فاستعمل سابور على عمله ابنه عمرو بن امرئ القيس فيما ذكر فبقي في عمله بقية ملك سابور وجميع أيام أخيه أردشير بن هرمز بن نرسي وبعض ايام سابور بن سابور وكان جميع عمله على ما ذكرت من العرب وولايته عليهم فيما ذكر ابن الكلبي ثلاثين سنة ثم قام بالملك بعد سابور ذي الأكتاف أخوه أردشير بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك فلما عقد التاج على رأسه جلس للعظماء فلما دخلوا عليه دعوا له بالنصر وشكروا عنده أخاه سابور فأحسن جوابهم وأعلمهم موقع ما كان من شكرهم لأخيه عنده فلما استقر به الملك قراره عظف على العظماء وذوي الرياسة فقتل منهم خلقا كثيرا فخلعه الناس بعد أربع سنين من ملكه (1/402) ________________________________________ ثم ملك سابور بن سابور ذي الأكتاف بن هرمز بن نرسي فاستبشرت الرعية بذلك وبرجوع ملك أبيه إليه فلقيهم أحسن اللقاء وكتب الكتب إلى العمال في حسن السيرة والرفق بالرعية وأمر بمثل ذلك وزراءه وكتابه وحاشيته وخطبهم خطبة بليغة ولم يزل عادلا على رعيته متحننا عليهم لما كان تبين من مودتهم ومحبتهم وطاعتهم وخضع له عمه أردشير المخلوع ومنحه الطاعة وإن العظماء وأهل البيوتات قطعوا أطناب فسطاط كان ضرب عليه في حجرة من حجره فسقط عليه الفسطاط وكان ملكه خمس سنين ثم ملك بعده أخوه بهرام بن سابور ذي الأكتاف وكان يلقب كرمان شاه وذلك أن أباه سابور كان ولاه في حياته كرمان فكتب إلى قواده كتابا يحثهم فيه على الطاعة ويأمرهم بتقوى الله والنصيحة للملك وبنى بكرمان مدينة وكان حسن السياسة لرعيته محمودا في أمره وكان ملكه إحدى عشرة سنة وإن ناسا من الفتاك ثاروا إليه فقتله رجل منهم برمية رماها إياه بنشابه ثم قام بالملك بعده يزدجرد المقلب بالأثيم بن بهرام الملقب بكرمان شاه بن سابور ذي الأكتاف ومن أهل العلم بأنساب الفرس من يقول إن يزدجرد الأثيم هذا هو أخو بهرام الملقب بكرمان شاه وليس بابنه ويقول هو يزدجرد بن سابور ذي الأكتاف وممن نسبه هذا النسب وقال هذا القول هشام بن محمد وكان فيما ذكر فظا غليظا ذا عيوب كثيرة وكان من أشد عيوبه وأعظمها فيما قيل وضعه ذكاء ذهن وحسن أدب كان له وصنوفا من العلم قد مهرها وعلمها غير موضعه وكثرة رؤيته في الضار من الأمور واستعمال كل ما عنده من ذلك في المواربة والدهاء والمكايدة والمخاتلة مع فطنة كانت بجهات الشر وشدة عجبه بما عنده من ذلك واستخفافه بكل ما كان في أيدي الناس من علم وأدب واحتقاره له وقلة اعتداده به واستطالته على الناس بما عنده منه وكان مع ذلك غلقا سيء الخلق رديء الطعمة حتى بلغ من شدة غلقه وحدته أن الصغير من الزلات كان عنده كبيرا واليسير من السقطات عظيما ثم لم يقدر أحد وإن كان لطيف المنزلة منه أن يكون لمن ابتلي عنده بشيء من ذلك شفيعا وكان دهره كله للناس متهما ولم يكن يأتمن أحدا على شيء من الأشياء ولم يكن يكافئ على حسن البلاء وإن هو أولى الخسيس من العرف استجزل ذلك وإن جسر على كلامه في أمر كلمه فيه رجل لغيره قال له ما قدر جعالتك في هذا الأمر الذي كلمتنا فيه وما أخذت عليه فلم يكن يكلمه في ذلك وما أشبهه إلا الوفود القادمون عليه من قبل ملوك الأمم وإن رعيته إنما سلموا من سطوته وبليته وما كان جمع من الخلال السيئة بتمسكهم بمن كان قبل مملكته بالسنن الصالحة وبأدبهم وكانوا لسوء أدبه ومخافة سطوته متواصلين متعاونين وكان من رأيه أن يعاقب كل من زل عنده وأذنب إليه من شدة العقوبة بما لا يستطاع أن يبلغ منه مثلها في مدة ثلاثمائة وكان لذلك لا يقرعه بسوط انتظارا منه للمعاقبة له بما ليس وراءه أفظع منه وكان إذا بلغه أن أحدا من بطانته صافى رجلا من أهل صناعته أو طبقته نحاه عن خدمته وكان استوزر عند ولايته نرسي حكيم دهره وكان نرسي كاملا في أدبه فاضلا في جميع مذاهبه متقدما لأهل زمانه وكانوا يسمونه مهر نرسي ومهرنرسة ويلقب بالهزاربندة فأملت الرعية بما كان منه أن (1/403) ________________________________________ ينزع عن أخلاقه وأن يصلح نرسي منه فلما استوى له الملك اشتدت إهانته الأشراف والعظماء وحمل على الضعفاء وأكثر من سفك الدماء وتسلط تسلطا لم يبتل الرعية بمثله في أيامه فلما رأى الوجوه والأشراف أنه لا يزداد إلا تتايعا في الجور اجتمعوا فشكوا ما ينزل بهم من ظلمه وتضرعوا إلى ربهم وابتهلوا إليه بتعجيل إنقاذهم منه فزعموا أنه كان بجرجان فرأى ذات يوم في قصره فرسا عائرا لم ير مثله في الخيل في حسن صورة وتمام خلق أقبل حتى وقف على بابه فتعجب الناس منه لأنه كان متجاوز الحال فأخبر يزدجرد خبره فأمر به أن يسرج ويلجم ويدخل عليه فحاول ساسته وصاحب مراكبه إلجامه وإسراجه فلم يمكن أحدا منهم من ذلك فأنهى إليه امتناع الفرس عليهم فخرج ببدنه إلى الموضع الذي كان فيه ذلك الفرس فألجمه بيده وألقى لبدا على ظهره ووضع فوقه سرجا وشد حزامه ولببه فلم يتحرك الفرس بشيء من ذلك حتى إذا رفع ذنبه ليثفره استدبره الفرس فرمحه على فؤاده رمحة هلك منها مكانه ثم لم يعاين ذلك الفرس ويقال إن الفرس ملأ فروجه جريا فلم يدرك ولم يوقف على السبب فيه وخاضت الرعية بينها وقالت هذا من صنع الله لنا ورأفته بنا وكان ملك يزدجرد في قول بعضهم اثنتين وعشرين سنة وخمسة أشهر وستة عشر يوما وفي قول آخرين إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوما ولما هلك عمرو بن امرئ القيس البدء بن عمرو بن عدي في عهد سابور بن سابور استخلف سابور بن سابور على عمله أوس بن قلام في قول هشام قال وهو من العماليق من بني عمرو بن عمليق فثار به جحجبي بن عتيك بن لخم فقتله فكان جميع ولاية أوس خمس سنين وهلك في عهد بهرام بن سابور ذي الأكتاف واستخلف بعده في عمله امرؤ القيس البدء بن عمرو بن امرئ القيس البدء بن عمرو خمسا وعشرين سنة وكان هلاكه في عهد يزدجرد الأثيم ثم استخلف يزدجرد مكانه ابنه النعمان بن امرئ القيس البدء بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي وأمه شقيقة ابنة أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وهو فارس حليمة وصاحب الخورنق وكان سبب بنائه الخورنق فيما ذكر أن يزدجرد الأثيم بن بهرام كرمان شاه بن سابور ذي الأكتاف كان لا يبقى له ولد فولد له بهرام فسأل عن منزل بري مريء صحيح من الأدواء والأسقام فدل على ظهر الحيرة فدفع ابنه بهرام جور إلى النعمان هذا وأمره ببناء الخورنق مسكنا له وأنزله إياه وأمره بإخراجه إلى بوادي العرب وكان الذي بنى الخورنق رجلا يقال له سنمار فلما فرغ من بنائه تعجبوا من حسنه وإتقان عمله فقال لو علمت أنكم توفونني أجري وتصنعون بي ما أنا أهله بنيته بناء يدور مع الشمس حيثما دارت فقال وإنك لتقدر على أن بتني ما هو أفضل منه ثم لم تبنه فأمر به فطرح من رأس الخورنق ففي ذلك يقول أبو الطمحان القيني ... جزاء سنمار جزاها وربها ... وباللات والعزى جزاء المكفر ... وقال سليط بن سعد ... جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمار ... وقال يزيد بن إياس النهشلي (1/404) ________________________________________ جزى الله كمالا بأسوإ فعله ... جزاء سنمار جزاء موفرا ... وقال عبدالعزى بن امرئ القيس الكلبي وكان أهدى أفراسا إلى الحارث بن مارية الغساني ووفد إليه فأعجبته وأعجب بعبد العزى وحديثه وكان للملك ابن مسترضع في بني الحميم بن عوف من بني عبدود من كلب فنهشته حية فظن الملك أنهم اغتالوه فقال لعبد العزى جئني بهؤلاء القوم فقال هم قوم أحرار وليس لي عليهم فضل في نسب ولا فعال فقال لتأتيني بهم أو لأفعلن ولأفعلن فقال رجونا من حبائك أمرا حال دونه عقابك ودعا ابنيه شراحيل وعبدالحارث فكتب معهما إلى قومه ... جزاني جزاه الله شر جزائه ... جزاء سنمار وما كان ذا ذنب ... سوى رصه البنيان عشرين حجة ... يعلي عليه بالقراميد والسكب ... فلما رأى البنيان تم سموقه ... وآض كمثل الطود ذي الباذخ الصعب ... فأتهمه من بعد حرس وحقبة ... وقد هره أهل المشارق والغرب ... وظن سنمار به كل حبرة ... وفاز لديه بالمودة والقرب ... فقال اقذفوا بالعلج من فوق برجه ... فهذا لعمر الله من أعجب الخطب ... وما كان لي عند ابن جفنة فاعلموا ... من الذنب ما آلى يمينا على كلب ... ليلتمسن بالخيل عقر بلادهم ... تحلل أبيت اللعن من قولك المزبي ... ودون الذي منى ابن جفنة نفسه ... رجال يردون الظلوم عن الشعب ... وقد رامنا من قبلك المرء حارث ... فغودر مشلولا لدى الأكم الصهب ... قال هشام وكان النعمان هذا قد غزا الشام مرارا وأكثر المصائب في أهلها وسبى وغنم وكان من أشد الملوك نكاية في عدوه وأبعدهم مغارا فيهم وكان ملك فارس جعل معه كتيبتين يقال لإحداهما دوسر وهي لتنوخ وللأخرى الشهباء وهي لفارس وهما اللتان يقال لهما القبيلتان فكان يغزو بهما بلاد الشأم ومن لم يدن له من العرب قال فذكر لنا والله أعلم أنه جلس يوما في مجلسه من الخورنق فأشرف منه على النجف وما يليه من البساتين والنخل والجنان والأنهار مما يلي المغرب وعلى الفرات مما يلي المشرق وهو على متن النجف في يوم من أيام الربيع فأعجبه ما رأى من الخضرة والنور والأنهار فقال لوزيره وصاحبه هل رأيت مثل هذا المنظر قط فقال لا لو كان يدوم قال فما الذي يدوم قال ما عند الله في الآخرة قال فبما ينال ذاك قال بتركك الدنيا وعبادة الله والتماس ما عنده فترك ملكه من ليلته ولبس المسوح وخرج مستخفيا هاربا لا يعلم به واصبح الناس لا يعلمون بحاله فحضروا بابه فلم يؤذن لهم عليه كما كان يفعل فلما أبطأ الإذن عليهم سألوا عنه فلم يجدوه وفي ذلك يقول عدي بن زيد العبادي ... وتفكر رب الخورنق إذ أش ... رف يوما وللهدى تبصير ... سره حاله وكثرة ما يم ... ك والبحر معرض والسدير ... فارعوى قلبه فقال وما غب ... طة حي إلى الممات يصير ... ثم بعد الفلاح والملك والإم ... ة وارتهم هناك القبور (1/405) ________________________________________ ثم أضحوا كأنهم ورق حف ... فألوت به الصبا والدبور ... فكان ملك النعمان إلى أن ترك ملكه وساح في الأرض تسعا وعشرين سنة وأربعة أشهر قال ابن الكلبي من ذلك في زمن يزدجرد خمس عشرة سنة وفي زمن بهرام جور بن يزدجرد أربع عشرة سنة وأما العلماء من الفرس بأخبارهم وأمورهم فإنهم يقولون في ذلك ما أنا ذاكره ثم ملك بعد يزدجرد الأثيم ابنه بهرام جور بن يزدجرد الخشن بن بهرام كرمان شاه بن سابور ذي الأكتاف وذكر أن مولده كان هرمزدروز فروردين ماه لسبع ساعات مضين من النهار فإن أباه يزدجرد دعا ساعة ولد بهرام ممن كان ببابه من المنجمين فأمرهم بإقامة كتاب مولده وتبينه بيانا يدل على الذي يؤول إليه كل أمره فقاسوا الشمس ونظروا في مطالع النجوم ثم أخبروا يزدجرد أن الله مورث بهرام ملك أبيه وأن رضاعه بغير أرض يسكنها الفرس وأن من الرأي أن يربى بغير بلاده فأجال يزدجرد الرأي في دفعه في الرضاع والتربية إلى بعض من ببابه من الروم أو العرب أو غيرهم ممن لم يكن من الفرس فبدا له في اختيار العرب لتربيته وحضانته فدعا بالمندر بن النعمان واستحضنه بهرام وشرفه وأكرمه وملكه على العرب وحباه بمرتبتين سنيتين تدعى إحداهما رام أبزوذيزدجرد وتأويله زاد سرور يزدجرد والأخرى تدعى بمهشت وتأويلها أعظم الخول وأمر له بصلة وكسوة بقدر استحقاقه لذلك في منزلته وأمره أن يسير ببهرام إلى بلاد العرب فسار به المنذر إلى محلته منها واختار لرضاعه ثلاث نسوة ذوات أجسام صحيحة وأذهان ذكية وآداب رضية من بنات الأشراف منهن امرأتان من بنات العرب وامرأة من بنات العجم وأمر لهن بما أصلحهن من الكسوة والفرش والمطعم والمشرب وسائر ما احتجن إليه فتداولن رضاعه ثلاث سنين وفطم في السنة الرابعة حتى إذا أتت له خمس سنين قال للمنذر أحضرني مؤدبين ذوي علم مدربين بالتعليم ليعلموني الكتابة والرمي والفقه فقال له المنذر إنك بعد صغير السن ولم يأن لك أن تأخذ في التعليم فالزم ما يلزم الصبيان الأحداث حتى تبلغ من السن ما يطيق التعلم والتأدب وأحضر من يعلمك كل ما سألت تعلمه فقال بهرام للمنذر أنا لعمري صغير ولكن عقلي عقل محتنك وأنت كبير السن وعقلك عقل ضرع أما تعلم أيها الرجل أن كل ما يتقدم في طلبه ينال في وقته وما يطلب في وقته ينال في غير وقته وما يفرط في طلبه يفوت فلا ينال وإني من ولد الملوك والملك صائر إلي بإذن الله وأولى ما كلف به الملوك وطلبوه صالح العلم لأنه لهم زين ولملكهم ركن به يقوون فعجل علي بمن سألتك من المؤدبين فوجه المنذر ساعة سمع مقالة بهرام هذه إلى باب الملك من أتاه برهط من فقهاء الفرس ومعلمي الرمي والفروسية ومعلمي الكتابة وخاصة ذوي الأدب وجمع له حكماء من حكماء فارس والروم ومحدثين من العرب فألزمهم بهرام ووقت لأصحاب كل مذهب من تلك المهن وقتا يأتونه فيه وقدر لهم قدرا يفيدونه ما عندهم فتفرغ بهرام لتعلم كل ما سأل أن يتعلم وللاستماع من أهل الحكمة وأصحاب الحديث ووعى كل ما استمع وثقف كل ما علم بأيسر تعليم وألفي بعد أن بلغ اثنتي عشرة سنة وقد استفاد كل ما أفيد وحفظه وفاق معلميه ومن حضره من أهل الأدب حتى اعترفوا له بفضله عليهم (1/406) |
رد: مكتبتي
________________________________________
وأثاب بهرام المنذر ومعلميه وأمرهم بالانصراف عنه وأمر معلمي الرمي والفروسية بالإقامة عنده ليأخذ عنهم كل ما ينبغي له التدرب به والإحكام له ثم دعا بهرام بالنعمان بن المنذر وأمره أن يؤذن العرب بإحضار خيلهم من الذكور والإناث على أنسابها فأذن النعمان للعرب بذلك وبلغ المنذر الذي كان من رأي بهرام في اختيار الخيل لمركبه فقال لبهرام لا تجشمن العرب إجراء خيلهم ولكن مر من يعرض الخيل عليك واختر منها رضاك وارتبطه لنفسك فقال له بهرام قد أحسنت القول ولكني أفضل الرجال سؤددا وشرفا وليس ينبغي أن يكون مركبي إلا أفضل الخيل وإنما يعرف فضل بعضها على بعض بالتجرية ولا تجرية بلا إجراء فرضي المنذر مقالته وأمر النعمان العرب فأحضروا خيولهم وركب بهرام والمنذر لحضور الحلبة وسرحت الخيل من فرسخين فبدر فرس أشقر للمنذر تلك الخيل جميعا سابقا ثم اقبل بعده بقيها بداد بداد من بين فرسين تاليين أو ثلاثة موزعة أو سكيتا فقرب المنذر بيده ذلك الأشقر إلى بهرام وقال يبارك الله لك فيه فأمر بهرام بقبضه وعظم سروره به وتشكر للمنذر وإن بهرام ركب ذات يوم الفرس الأشقر الذي حمله عليه المنذر إلى الصيد فبصر بعانة فرمى عليها وقصد نحوها فإذا هو بأسد قد شد على عير كان فيها فتناول ظهره بفيه ليقصمه ويفترسه فرماه بهرام رمية في ظهره فنفذت النشابة من بطنه وظهر العير وسرته حتى أفضت إلى الأرض فساخت فيها إلى قريب من ثلثيها فتحرك طويلا وكان ذلك بمشهد ناس من العرب وحرس بهرام وغيرهم فأمر بهرام فصور ما كان منه في أمر الأسد والعير في بعض مجالسه ثم إن بهرام أعلم المنذر أنه على الإلمام بأبيه فشخص إلى أبيه وكان أبوه يزدجرد لسوء خلقه لا يحفل بولد له فاتخذ بهرام للخدمة فلقي بهرام من ذلك عناء ثم إن يزدجرد وفد عليه أخ لقيصر يقال له ثياذوس في طلب الصلح والهدنة لقيصر والروم فسأله بهرام أن يكلم يزدجرد في الإذن له في الإنصراف إلى المنذر فانصرف إلى بلاد العرب فأقبل على التنعم والتلذذ وهلك أبوه يزدجرد وبهرام غائب فتعاقد ناس من العظماء وأهل البيوتات ألا يملكوا أحدا من ذرية يزدجرد لسوء سيرته وقالوا إن يزدجرد لم يخلف ولدا يحتمل الملك غير بهرام ولم يل بهرام ولاية قط يبلى بها خبره ويعرف بها حاله ولم يتأدب بأدب العجم وإنما أدبه أدب العرب وخلقه كخلقهم لنشئه بين أظهرهم واجتمعت كلمتهم وكلمة العامة على صرف الملك عن بهرام إلى رجل من عترة أردشير بن بابك يقال له كسرى ولم يقيموا أن ملكوه فانتهى هلاك يزدجرد والذي كان من تمليكهم كسرى إلى بهرام وهو ببادية العرب فدعا بالمنذر والنعمان ابنه وناس من علية العرب وقال لهم إني لا أحسبكم تجحدون خصيصي والدي كان أتاكم معشر العرب بإحسانه وإنعامه كان عليكم مع فظاظته وشدته كانت على الفرس وأخبرهم بالذي أتاه من نعي أبيه وتمليك الفرس من ملكوا عن تشاور منهم في ذلك فقال المنذر لا يهولنك ذلك حتى ألطف الحيلة فيه وإن المنذر جهز عشرة آلاف رجل من فرسان (1/407) ________________________________________ العرب ووجههم مع ابنه إلى طيسبون وبهأردشير مدينتي الملك وأمره أن يعسكر قريبا منهما ويدمن إرسال طلائعه إليهما فإن تحرك أحد لقتاله وأغار على ما والاهما وأسر وسبى ونهاه عن سفك الدماء فسار النعمان حتى نزل قريبا من المدينتين ووجه طلائعه إليهما واستعظم قتال الفرس وإن من بالباب من العظماء وأهل البيوتات أوفدوا جوانى صاحب رسائل يزدجرد إلى المنذر وكتبوا إليه يعلمونه أمر النعمان فلما ورد جوانى على المنذر وقرأ الكتاب الذي كتب إليه قال له الق الملك بهرام ووجه معه من يوصله إليه فدخل جوانى على بهرام فراعه ما رأى من وسامته وبهائه وأغفل السجود دهشا فعرف بهرام أنه إنما ترك السجود لما راعه من روائه فكلمه بهرام ووعده من نفسه أحسن الوعد ورده إلى المنذر وأرسل إليه أن يجيب في الذي كتب فقال المنذر لجوانى قد تدبرت الكتاب الذي أتيتني به وإنما وجه النعمان إلى ناحيتكم الملك بهرام حيث ملكه الله بعد أبيه وخوله إياكم فلما سمع جوانى مقالة المنذر وتذكر ما عاين من رواء بهرام وهيبته عند نفسه وأن جميع من شاور في صرف الملك عن بهرام مخصوم محجوج قال للمنذر إني لست محيرا جوابا ولكن سر إن رأيت إلى محلة الملوك فيجتمع إليك من بها من العظماء وأهل البيوتات وتشاورا في ذلك وأت فيه ما يجمل فإنهم لن يخالفوك في شيء مما تشير به فرد المنذر جوانى إلى من أرسله إليه واستعد وسار بعد فصول جوانى من عنده بيوم ببهرام في ثلاثين ألف رجل من فرسان العرب وذوي البأس والنجدة منهم إلى مدينتي الملك حتى إذا وردهما أمر فجمع الناس وجلس بهرام على منبر من ذهب مكلل بجوهر وجلس المنذر عن يمينه وتكلم عظماء الفرس وأهل البيوتات وفرشوا للمنذر بكلامهم فظاظة يزدجرد أبي بهرام كانت وسوء سيرته وأنه أخرب بسور رأيه الأرض وأكثر القتل ظلما حتى قد قتل الناس في البلاد التي كان يملكها وأمورا غير ذلك فظيعة وذكروا أنهم إنما تعاقدوا وتواثقوا على صرف الملك عن ولد يزدجرد لذلك وسألوا المنذر ألا يجبرهم في أمر الملك على ما يكرهونه فوعى المنذر ما بثوا من ذلك وقال لبهرام أنت أولى بإجابة القوم مني فقال بهرام إني لست أكذبكم معشر المتكلمين في شيء مما نسبتم إليه يزدجرد لما استقر عندي من ذلك ولقد كنت زاريا عليه لسوء هديه ومتنكبا لطريقه ودينه ولم أزل أسأل الله أن يمن علي بالملك فأصلح كل ما افسد وأرأب ما صدع فإن أتت لملكي سنة ولم أف لكم بهذه الأمور التي عددت لكم تبرأت من الملك طائعا وقد أشهدت بذلك علي الله وملائكته وموبذان موبذ وليكن هو فيها حكما بيني وبينكم وأنا مع الذي بينت على ما أعلمكم من رضاي بتمليككم من تناول التاج والزينة من بين أسدين ضاريين مشبلين فهو الملك فلما سمع القوم مقالة بهرام هذه وما وعد من نفسه استبشروا بذلك وانبسطت آمالهم وقالوا فيما بينهم إنا لسنا نقدر على رد قول بهرام مع أنا إن تممنا على صرف الملك عنه نتخوف أن يكون في ذلك هلاكنا لكثرة من استمد واستجاش من العرب ولكنا نمتحنه بما عرض علينا مما لم يدعه إليه إلا ثقة بقوته وبطشه وجرأته فإن يكن على ما وصف به نفسه فليس لنا رأي إلا تسليم الملك إليه والسمع والطاعة له وإن يهلك ضعفا ومعجزة فنحن من هلكته برآء ولشره وغائلته آمنون (1/408) ________________________________________ وتفرقوا على هذا الرأي فعاد بهرام بعد أن تكلم بهذا الكلام وجلس كمجلسه الذي كان فيه بالأمس وحضره من كان يحاده فقال لهم إما أن تجيبوني فيما تكلمت أمس وإما أن تسكتوا باخعين لي بالطاعة فقال القوم أما نحن فقد اخترنا لتدبير الملك كسرى ولم نر منه إلا ما نحب ولكنا قد رضينا مع ذلك أن يوضع التاح والزينة كما ذكرت بين أسدين وتتنازعانهما أنت وكسرى فأيكما تناولها من بينهما سلمنا له الملك فرضي بهرام بمقالتهم فأتي بالتاج والزينة موبذان موبذ الموكل كان بعقد التاج على رأس كل ملك يملك فوضعهما في ناحية وجاء بسطام إصبهبذ بأسدين ضاريين مجوعين مشبلين فوقف أحدهما عن جانب الموضع الذي وضع فيه التاج والزينة والآخر بحذائه وأرخى وثاقهما ثم قال بهرام لكسرى دونك التاج والزينة فقال كسرى أنت أولى بالبدء وبتناولهما مني لأنك تطلب الملك بوارثة وأنا فيه مغتصب فلم يكره بهرام قوله لثقته كانت ببطشه وقوته وحمل جرزا وتوجه نحو التاج والزينة فقال له موبذان موبذ استماتتك في هذا الأمر الذي أقدمت عليه إنما هو تطوع منك لا عن رأي أحد من الفرس ونحن برآء إلى الله من إتلافك نفسك فقال بهرام أنتم من ذلك برآء ولا وزر عليكم فيه ثم أسرع نحو الأسدين فلما رأى موبذان موبذ جده في لقائهما هتف به وقال بح بذنوبك وتب منها ثم أقدم إن كنت لا محالة مقدما فباح بهرام بما سلف من ذنوبه ثم مشى نحو الأسدين فبدر إليه أحدهما فلما دنا من بهرام وثب وثبة فعلا ظهره وعصر جنبي الأسد بفخذيه عصرا أثخنه وجعل يضرب على رأسه بالجرز الذي كان حمل ثم شد الأسد الآخر عليه فقبض على أذنيه وعركهما بكلتا يديه فلم يزل يضرب رأسه برأس الأسد الذي كان راكبه حتى دمغهما ثم قتلهما كليهما على رأسهما بالجرز الذي كان حمله وكان ذلك من صنيعه بمرأى من كسرى ومن حضر ذلك المحفل فتناول بهرام بعد ذلك التاج والزينة فكان كسرى أول من هتف به وقال عمرك الله بهرام الذي من حوله سامعون وله مطيعون ورزقه ملك أقاليم الأرض السبعة ثم هتف به جميع الحضر وقالوا قد أذعنا للملك بهرام وخضعنا له ورضينا به ملكا وأكثروا الدعاء له وإن العظماء وأهل البيوتات وأصحاب الولايات والوزراء لقوا المنذر بعد ذلك اليوم وسألوه أن يكلم بهرام في التغمد لإساءتهم في أمره والصفح والتجاوز عنهم فكلم المنذر بهرام فيما سألوه من ذلك واستوهبه ما كان احتمل عليهم في نفسه فأسعفه بهرام فيما سأل وبسط آمالهم وإن بهرام ملك وهو ابن عشرين سنة وأمر من يومه ذلك أن يلزم رعيته راحة ودعة وجلس للناس بعد ذلك سبعة أيام متوالية يعدهم الخير من نفسه ويأمرهم بتقوى الله وطاعته ثم لم يزل بهرام حيث ملك مؤثرا للهو على ما سواه حتى كثرت ملامة رعيته إياه على ذلك وطمع من حوله من الملوك في استباحة بلاده والغلبة على ملكه وكان أول من سبق إلى المكاثرة له عليه خاقان ملك الترك فإنه غزاه في مائتين وخمسين ألف رجل من الترك فبلغ الفرس إقبال خاقان في جمع عظيم إلى بلادهم فتعاظمهم ذلك وهالهم ودخل عليه من عظمائهم أناس لهم رأي أصيل وعندهم نظر للعامة فقالوا له إنه قد أزمك أيها الملك من بائقة هذا العدو ما قد شغلك عما أنت عليه من اللهو والتلذذ فتأهب له (1/409) ________________________________________ كيلا يلحقنا منه أمر يلزمك فيه مسبة وعار فقال لهم بهرام إن الله ربنا قوي ونحن أولياؤه ولم يزدد إلا مثابرة على اللهو والتلذذ والصيد وإنه تجهز فسار إلى أذربيجان لينسك في بيت نارها ويتوجه منها إلى أرمينية ويطلب الصيد في آجامها ويلهو في مسيرة في سبعة رهط من العظماء وأهل البيوتات وثلاثمائة رجل من رابطته ذوي بأس ونجدة واستخلف أخا له يسمى نرسي على ما كان يدبر من ملكه فلم يشك الناس حين بلغهم مسير بهرام فيمن سار واستخلافه أخاه على ما استخلف في أن ذلك هرب من عدوه وإسلام لملكه وتآمروا في إنفاذ وفد إلى خاقان والإقرار له بالخراج مخافة منه لاستباحة بلادهم واصطلامه مقاتلتهم إن هم لم يذعنوا له بذلك فبلغ خاقان الذي أجمع عليه الفرس من الانقياد والخضوع له فآمن ناحيتهم وأمر جنده بالتورع فأتى بهرام عين كان وجهه ليأتيه بخبر خاقان فأخره بأمر خاقان وعزمه فسار إليه بهرام في العدة الذين كانوا معه فبيته وقتل خاقان بيده وأفشى القتل في جنده وانهزم من سلم من القتل منهم ومنحوه أكتفاهم وخلفوا عسكرهم وذراريهم وأثقالهم وأمعن بهرام في طلبهم يقتلهم ويحوي ما غنم منهم ويسبي ذراريهم وانصرف وجنده سالمين وظفر بهرام بتاج خاقان وإكليله وغلب على بلاده من بلاد الترك واستعمل على ما غلب عليه منها مرزبانا حبه سريرا من فضة وأتاه أناس من أهل البلاد المتاخمة لما غلب عليه من بلاد الترك خاضعين باخعين له بالطاعة وسألوه أن يعلمهم حد ما بينه وبينهم فلا يتعدوه فحد لهم حدا وأمر فبنيت منارة وهي المنارة التي أمر بها فيروز الملك ابن يزدجرد فقدمت إلى بلاد الترك ووجه بهرام قائدا من قواده إلى ما وراء النهر منهم وأمره بقتالهم فقاتلهم وأثخنهم حتى أقروا لبهرام بالعبودية وأداء الجزية وإن بهرام انصرف إلى أذربيجان راجعا إلى محلته من السواد وأمر بما كان في إكليل خاقان من ياقوت أحمر وسائر الجوهر فعلق على بيت نار آذربيجان ثم سار وورد مدينة طيسبون فنزل دار المملكة بها ثم كتب إلى جنده وعماله بقتله خاقان وما كان من أمره وأمر جنده ثم ولى أخاه نرسي خراسان وأمره أن يسير إليها وينزل بلخ وتقدم إليه بما أراد ثم إن بهرام سار في آخر ملكه إلى ماه للصيد بها فركب ذات يوم للصيد فشد على عير وأمعن في طلبه فارتطم في جب فغرق فبلغ والدته فسارت إلى ذلك الجب بأموال عظيمة وأقامت قريبة منه وأمرت بإنفاق تلك الأموال علىمن يخرجه منه فنقلوا من الجب طينا كثيرا وحمأة حتى جمعوا من ذلك آكاما عظاما ولم يقدروا على جثة بهرام وذكر أن بهرام لما انصرف إلى مملكته من غزوة الترك خطب أهل مملكته أياما متوالية حثهم في خطبته على لزوم الطاعة وأعلمهم أن نيته التوسعة عليهم وإيصال الخير لهم وأنهم إن زالوا عن الاستقامة نالهم من غلظته أكثر مما كان نالهم من أبيه وأن أباه كان افتتح أمرهم باللين والمعدلة فجحدوا ذلك أو من جحده منهم ولم يخضعوا له خضوع الخول والعبيد للملوك فأصاره ذلك إلى الغلظة وضرب الأبشار وسفك الدماء وإن انصراف بهرام من غزوه ذلك كان على طريق أذربيجان وإنه نحل بيت نار الشيز ما كان في إكليل خاقان من اليواقيت واجوهر وسيفا كان لخاقان مفصصا بدر وجوهر وحلية كثيرة وأخدمه خاتون امرأة خاقان ورفع عن الناس الخراج لثلاث سنين شكرا على ما لقي من النصر في وجهه وقسم في الفقراء والمساكين (1/410) ________________________________________ مالا عظيما وفي البيوتات وذوي الأحساب عشرين ألف ألف درهم وكتب بخبر خاقان إلى الآفاق كتبا يذكر فيها أن الخبر ورد عليه بورود خاقان بلاده وأنه مجد الله وعظمه وتوكل عليه وسار نحوه في سبعة رهط من أهل البيوتات وثلاثمائة فارس من نخبة رابطته على طريق أذربيجان وجبل القبق حتى نفذ على براري خوارزم ومفاوزها فأبلاه الله أحسن بلاء وذكر لهم ما وضع عنهم من الخراج وكان كتابه في ذلك كتابا بليغا وقد كان بهرام حين أفضى إليه الملك أمر أن يرفع عن أهل الخراج البقايا التي بقيت عليهم من الخراج فأعلم أن ذلك سبعون ألف ألف درهم فأمر بتركها وبترك ثلث خراج السنة التي ولي فيها وقيل إن بهرام جور لما انصرف إلى طيسبون من مغزاه خاقان التركي ولى نرسي أخاه خراسان وأنزله بلخ واستوزر مهر نرسي بن برازة وخصه وجعله مزرجفرمذار وأعلمه أنه ماض إلى بلاد الهند ليعرف أخبارها والتطلف لحيازة بعض مملكة أهلها إلى مملكته ليخفف بذلك بعض مؤونة عن أهل مملكته وتقدم إليه بما أراد التقدم إليه فيما خلفه عليه إلى أوان انصرافه وأنه شخص من مملكته حتى دخل أرض الهند متنكرا فمكث بها حينا لا يسأله أحد من أهلها عن شيء من أمره غير ما يرون من فروسيته وقتله السباع وجماله وكمال خلقه ما يعجبون منه فلم يزل كذلك حتى بلغه أن في ناحية من أرضهم فيلا قد قطع السبل وقتل ناسا كثيرا فسأل بعضهم أن يدله عليه ليقتله وانتهى أمره إلى الملك فدعا به وأرسل معه رسولا ينصرف إليه بخبره فلما انتهىبهرام والرسول إلى الأجمة التي فيها الفيل رقي الرسول إلى شجرة لينظر إلى صنع بهرام ومضى بهرام ليستخرج الفيل فصاح به فخرج إليه مزبدا وله صوت شديد ومنظر هائل فلما قرب من بهرام رماه رمية وقعت بين عينيه حتى كادت تغيب ووقذه بالنشاب حتى بلغ منه ووثب عليه فأخذه بمشفره فاجتذبه جذبة جثا لها الفيل على ركبتيه فلم يزل يطعنه حتى أمكن من نفسه فاحتز رأسه وحمله على ظهره حتى أخرجه إلى الطريق ورسول الملك ينظر إليه فلما انصرف الرسول اقتص خبره على الملك فعجب من شدته وجرأته وحباه حباء عظيما واستفهمه أمره فقال له بهرام أنا رجل من عظماء الفرس وكان ملك فارس سخط علي في شيء فهربت منه إلى جوارك وكان لذلك الملك عدو قد نازعه ملكه وسار إليه بجنود عظيمة فاشتد وجل الملك صاحب بهرام منه لما كان يعرف من قوته وأراده على الخضوع له وحمل الخراج إليه وهم صاحب بهرام بإجابته إلى ذلك فنهاه بهرام عن ذلك وضمن له كفاية أمره فسكن إلى قوله وخرج بهرام مستعدا له فلما التقوا قال لأساورة الهند احرسوا ظهري ثم حمل عليهم فجعل يضرب الرجل على رأسه فتنتهي ضربته إلى فمه ويضرب وسط الرجل فيقطعه باثنين ويأتي الفيل فيقد مشفره بالسيف ويحتمل الفارس عن سرجه والهند قوم لا يحسنون الرمي وأكثرهم رجالة لا دواب لهم وكان بهرام إذا رمى أحدهم أنفذ السهم فيه فلما عاينوا منه ما عاينوا ولوا منهزمين لا يلوون على شيء وغنم صاحب بهرام ما كان في عسكر عدوه وانصرف محبورا مسرورا ومعه بهرام فكان في مكافأته إياه أن أنكحه ابنته ونحله الديبل ومكران وما يليها من أرض السند وكتب له بذلك كتابا وأشهد له على نفسه شهودا وأمر بتلك البلاد حتى ضمت إلى أرض العجم وحمل خراجها إلى بهرام وانصرف بهرام مسرورا (1/411) ________________________________________ ثم إنه أغزى مهر نرسي بن برازة بلاد الروم في أربعين ألف مقاتل وأمره أن يقصد عظيمها ويناظره في أمر الإتاوة وغيرها مما لم يكن يقوم بمثله إلا مثل مهر نرسي فتوجه في تلك العدة ودخل القسطنطينية وقام مقاما مشهورا وهادنه عظيم الروم وانصرف بكل الذي أراد بهرام ولم يزل لمهر نرسي مكرما وربما خفف اسمه فقيل نرسي وربما قيل مهرنرسة وهو مهر نرسي بن برازة بن فرخزاذ بن خورهباذ بن سيسفاذ بن سيسنابروة بن كي أشك بن دارا بن دارا بن بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب وكان مهر نرسي معظما عند جميع ملوك فارس بحسن أدبه وجودة آرائه وسكون العامة إليه وكان له أولاد مع ذلك قد قاربوه في القدر وعملوا للملوك من الأعمال ما كادوا يلحقون بمرتبته وإن منهم ثلاثة قد كانوا برزوا أحدهم زروانداذ كان مهر نرسي قصد به للدين والفقه فأدرك من ذلك أمرا عظيما حتى صيره بهرام جور هربذان هربذ مرتبة شبيهة بمرتبة موبذان موبذ وكان يقال للآخر ما جشنس ولم يزل متوليا ديوان الخراج أيام بهرام جور وكان اسم مرتبته بالفارسية راستراي وشانسلان وكان الثالث اسمه كارد صاحب الجيش الأعظم واسم مرتبته بالفارسية أسطران سلار وهذه مرتبة فوق مرتبة الإصبهبذ تقارب مرتبة الأرجبذ وكان اسم مهر نرسي بمرتبته بالفارسية بزر جفر ماندار وتفسيره بالعربية وزير الوزراء أو رئيس الرؤساء وقيل إنه كان من قرية يقال لها إبروان من رستاق دشتبارين من كورة أردشير خرة فابتنى فيه وفي جره من كورة سابور لاتصال ذلك ودشتبارين أبنية رفيعة واتخذ فيها بيت نار هو باق فيما ذكر إلى اليوم وناره توقد إلى هذه الغاية يقال لها مهرنرسيان واتخذ بالقرب من إبروان أربع قرى وجعل في كل واحدة منها بيت نار فجعل واحدا منها لنفسه وسماه فراز مرا آورخذايان وتفسير ذلك أقبلي إلي سيدتي على وجه التعظيم للنار وجعل الآخر لزراونداذ وسماه زراونداذان والآخر لكارد وسماه كارداذان والآخر لماجشنس وسماه ماجشنسفان واتخذ في هذه الناحية ثلاث باغات جعل في كل باغ منها اثنتي عشرة ألف نخلة وفي باغ اثني عشر ألف اصل زيتون وفي باغ اثنتي عشرة ألف سروة ولم تزل هذه القرى والباغات وبيوت النيرات في يد قوم من ولده معروفين إلى اليوم وإن ذلك فيما ذكر إلى اليوم باق على أحسن حالاته وذكر أن بهرام بعد فراغه من أمر خاقان وأمر ملك الروم مضى إلى بلاد السودان من ناحية اليمن فأوقع بهم فقتل منهم مقتلة عظيمة وسبى منهم خلقا ثم انصرف إلى مملكته ثم كان من أمر هلاكه ما قد وصفت واختلفوا في مدة ملكه فقال بعضهم كان ملكه ثماني عشرة سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما وقال آخرون كان ملكه ثلاثا وعشرين سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما ثم قام بالملك من بعده يزدجرد بن بهرام جور فلما عقد التاج على رأسه دخل عليه العظماء والأشراف فدعوا له وهنئوه بالملك فرد عليهم ردا حسنا وذكر اباه ومناقبه وما كان منه إلى الرعية وطول جلوسه كان لها وأعلمهم أنهم إن فقدوا منه مثل الذي كانوا يعهدونه من أبيه فلا ينبغي لهم أن يستنكروه فإن خلواته إنما تكون في مصلحة للمملكة وكيد للأعداء وأنه قد استوزر مهرنرسي بن برازة صاحب أبيه وأنه سائر فيهم بأحسن السيرة ومستن لهم أفضل السنن ولم يزل قامعا لعدوه رؤوفا برعيته وجنوده محسنا (1/412) ________________________________________ إليهم وكان له ابنان يقال لأحدهما هرمز وكان ملكا على سجستان والآخر يقال له فيروز فغلب هرمز على الملك من بعد هلاك أبيه يزدجرد فهرب فيروز منه ولحق ببلاد الهياطلة وأخبر ملكها بقصته وقصة هرمز أخيه وأنه أولى بالملك منه وسأله أن يمده بجيش يقاتل به هرمز ويحتوي على ملك أبيه فأبى ملك الهياطلة أن يجيبه إلى ما سأل من ذلك حتى أخبر أن هرمز ملك ظلوم جائر فقال ملك الهياطلة إن الجور لا يرضاه الله ولا يصلح عمل أهله ولا يستطاع أن ينتصف ويحترف في ملك الملك الجائر إلا بالجور والظلم فأمد فيروز بعد أن دفع إليه الطالقان بجيش فأقبل بهم وقاتل هرمز أخاه فقتله وشتت جمعه وغلب على الملك وكان الروم التاثوا على يزدجرد بن بهرام في الخراج الذي كانوا يحملونه إلى أبيه فوجه إليهم مهر نرسي بن برازة في مثل العدة التي كان بهرام وجهه إليهم عليها فبلغ له إرادته وكان ملك يزدجرد ثماني عشرة سنة وأربعة أشهر في قول بعضهم وفي قول آخرين سبع عشرة سنة ثم ملك فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور بعد أن قتل أخاه وثلاثة نفر من أهل بيته وحدثت عن هشام بن محمد قال استعد فيروز من خراسان واستنجد بأهل طخارستان وما يليها وسار إلى أخيه هرمز بن يزدجرد وهو بالري وكانت أمهما واحدة واسمها دينك وكانت بالمدائن تدبر ما يليها من الملك فظفر فيروز بأخيه فحبسه وأظهر العدل وحسن السيرة وكان يتدينن وقحط الناس في زمانه سبع سنين فأحسن تدبير [ ذلك ] الأمر حتى قسم ما في بيوت الأموال وكف عن الجباية وساسهم أحسن السياسة فلم يهلك في تلك السنين أحد ضياعا إلا رجل واحد وسار إلى قوم كانوا قد غلبوا على طخارستان يقال لهم الهياطلة وقد كان قوادهم في أول ملكه لمعونتهم إياه على أخيه وكانوا فيما زعموا يعملون عمل قوم لوط فلم يستحل ترك البلاد في أيديهم فقاتلهم فقتلوه في المعركة وأربعة بنين له وأربعة إخوة كلهم كان يتسمى بالملك وغلبوا على عامة خراسان حتى سار إليهم رجل من أهل فارس يقال له سوخرا من أهل شيراز وكان فيهم عظيما فخرج فيمن تبعه شبه المحتسب المتطوع حتى لقي صاحب الهياطلة فأخرجه من بلاد خراسان فافترقا على الصلح ورد ما لم يضع مما في عسكر فيروز من الأسراء والسبي وملك سبعا وعشرين سنة وقال غير هشام من أهل الأخبار كان فيروز ملكا محدودا محارفا مشؤوما على رعيته وكان جل قوله وفعله فيما هو ضرر وآفة عليه وعلى أهل مملكته وإن البلاد قحطت في ملكه سبع سنين متوالية فغارت الأنهار والقني والعيون وقحلت الأشجار والغياض وهاجت عامة الزروع والآجام في السهل والجبل من بلاده وموتت فيها الطير والوحوش وجاعت الأنعام والدواب حتى كانت لا تقدر أن تحمل حمولة وقل ماء دجلة وعم أهل بلاده اللزبات والمجاعة والجهد والشدائد فكتب إلى جميع رعيته يعلمهم أنه لا خراج عليهم ولا جزية ولا نائبة ولا سخرة وأن قد ملكهم أنفسهم ويأمرهم بالسعي فيما يقوتهم ويقيمهم ثم أعاد الكتاب إليهم في إخراج كل من كان له منهم مطمورة أو هري أو طعام أو غيره مما يقوت الناس والتآسي فيه وترك الاستئثار فيه وأن يكون حال أهل (1/413) ________________________________________ الغنى والفقر وأهل الشرف والضعة في التآسي واحدا وأخبرهم أنه إن بلغه أن إنسيا مات جوعا عاقب أهل المدينة أو أهل القرية أو الموضع الذي يموت فيه ذلك الإنسي جوعا ونكل بهم أشد النكال فساس فيروز رعيته في تلك اللزبة والمجاعة سياسة لم يعطب أحد منهم جوعا ما خلا رجلا واحدا من رستاق كورة أردشير خرة يدعى بدية فتعظم ذلك عظماء الفرس وجميع أهل أردشير خرة وفيروز وأنه ابتهل إلى ربه في نشر رحمته له ولرعيته وإنزال غيثه عليهم فأغاثه الله وعادت بلاده في كثرة المياه على ما كانت تكون عليه وصلحت الأشجار وإن فيروز أمر فبنيت بالري مدينة وسماها رام فيروز وفيما بين جرجان وباب صول مدينة وسماها روشن فيروز وبناحية أذربيجان مدينة وشماها شهرام فيروز ولما حييت بلاد فيروز واستوثق له الملك وأثخن في أعدائه وقهرهم وفرغ من بناء هذه المدن الثلاث سار بجنوده نحو خراسان مريدا حرب إخشنوار ملك الهياطلة فلما بلغ إخشنوار خبره اشتد منه رعبه فذكر أن رجلا من أصحاب إشخنوار بذل له نفسه وقال له اقطع يدي ورجلي وألقني على طريق فيروز وأحسن إلى ولدي وعيالي يريد بذلك فيما ذكر الاحتيال لفيروز ففعل ذلك إخشنوار بذلك الرجل وألقاه على طريق فيروز فلما مر به أنكر حاله وسأله عن أمره فأخبره أن إخشنوار فعل ذلك به لأنه قال له لا قوام لك بفيروز وجنود الفرس فرق له فيروز ورحمه وأمر بحمله معه فأعمله على وجه النصح منه له فيما زعم أنه يدله وأصحابه على طريق مختصر لم يدخل إلى ملك الهياطلة منه أحد فاغتر فيروز بذلك منه وأخذ بالقوم في الطريق الذي ذكره له الأقطع فلم يزل يقطع بهم مفازة بعد مفازة فكلما شكوا عطشا أعلمهم أنهم قد قربوا من الماء ومن قطع المفازة حتى إذا بلغ بهم موضعا علم انهم لا يقدرون فيه على تقدم ولا تأخر بين لهم أمره فقال أصحاب فيروز لفيروز قد كنا حذرناك هذا أيها الملك فلم تحذر فأما الآن فلا بد من المضي قدما حتى نوافي القوم على الحالات كلها فمضو لوجوههم وقتل العطش اكثرهم وصار فيروز بمن نجا معه إلى عدوهم فلما أشرفوا عليهم على الحال التي هم فيها دعوا إخشنوار إلى الصلح على أن يخلي سبيلهم حتى ينصرفوا إلى بلادهم على أن يجعل فيروز له عهد الله وميثاقه ألا يغزوهم ولا يروم أرضهم ولا يبعث إليهم جندا يقاتلونهم ويجعل بين مملكتها حدا لا يجوزه فرضي إخشنوار بذلك وكتب له به فيروز كتابا مختوما وأشهد له على نفسه شهودا ثم خلى سبيله وانصرف فلما صار إلى مملكته حمله الأنف والحمية على معاودة إخشنوار فغزاه بعد أن نهاه وزراؤه وخاصته عن ذلك لما فيه من نقض العهد فلم يقبل منهم وأبى إلا ركوب رأيه وكان فيمن نهاه عن ذلك رجل كان يخصه ويجتبي رأيه يقال له مزدبوذ فلما رأى مزدبوذ لجاجته كتب ما دار بينهما في صحيفة وسأله الختم عليها ومضى فيروز لوجهه نحو بلاد إخشنوار وقد كان إخشنوار حفر خندق بينه وبين بلاد فيروز عظيما فلم انتهى إليه فيروز عقد عليه القناطر ونصب عليها رايات جعلها أعلاما له ولأصحابه في انصرافهم وجاز إلى القوم فلما التقى بعسكرهم احتج عليه إخشنوار بالكتاب الذي كتبه له ووعظه بعهده وميثاقه فأبى فيروز إلا لجاجا ومحكا وتواقفا فكلم كل واحد منهما صاحبه كلاما طويلا ونشبت بينهما بعد ذلك الحرب وأصحاب فيروز على فتور من أمرهم للعهد الذي كان بينهم وبين الهياطلة وأخرج إخشنوار الصحيفة التي (1/414) ________________________________________ كتبها له فيروز فرفعها على رمح وقال اللهم خذ بما في هذا الكتاب فانهزم فيروز وسها عن موضع الرايات وسقط في الخندق فهلك وأخذ إخشنوار أثقال فيروز ونساءه وأمواله ودواوينه وأصاب جند فارس شيء لم يصبهم مثله قط وكان بسجستان رجل من أهل كورة أردشير خرة من الأعاجم ذو علم وبأس وبطش يقال له سوخرا ومعه جماعة من الأساورة فلما بلغه خبر فيروز ركب من ليلته فأغذ السير حتى انتهى إلى إخشنوار فأرسل إليه وآذنه بالحرب وتوعده بالجائحة والبوار فبعث إليه إخشنوار جيشا عظيما فلما التقوا ركب إليهم سوخرا فوجدهم مدلين فيقال إنه رمى بعض من ورد عليه منهم رمية فوقعت بين عيني فرسه حتى كادت النشابة تغيب في رأسه فسقط الفرس وتمكن سوخرا من راكبه فاستبقاه وقال له انصرف إلى صاحبك فأخبره بما رأيت فانصرفوا إلى إخشنوار وحملوا الفرس معهم فلما رأى أثر الرمية بهت وأرسل إلى سوخرا أن سل حاجتك فقال له حاجتي أن ترد علي الديوان وتطلق الأسرى ففعل ذلك فلما صار الديوان في يده واستنقذ الأسرى استخرج من الديوان بيوت الأموال التي كانت مع فيروز فكتب إلى إخشنوار أنه غير منصرف إلا بها فلما تبين الجد افتدى نفسه وانصرف سوخرا بعد استنقاذ الأسارى وأخذ الديوان وارتجاع الأموال وجميع ما كان مع فيروز من خزائنه إلى أرض فارس فلما صار إلى الأعاجم شرفوه وعظموا أمره وبلغوا به من المنزلة ما لم يكن بعده إلا الملك وهو سوخرا بن ويسابور بن زهان بن نرسي بن ويسابور بن قارن بن كروان بن أبيد بن أوبيد بن تيرويه بن كردنك بن ناور بن طوس بن نودكا بن منشو بن نودر بن منوشهر وذكر بعض أهل العلم بأخبار الفرس من خبر فيروز وخبر إخشنوار نحوا مما ذكرت غير أنه ذكر أن فيروز لما خرج متوجها إلى إخشنوار استخلف على مدينة طيسبون ومدينة بهرسير وكانتا محلة الملوك سوخرا هذا قال وكان يقال لمرتبته قارن وكان يلي معهما سجستان وأن فيروز لما بلغ منارة كان بهرام جور ابتناها فيما بين تخوم بلاد خراسان وبلاد الترك لئلا يجوزها الترك إلى خراسان لميثاق كان بين الترك والفرس على ترك الفريقين التعدي لها وكان فيروز عاهد إخشنوار ألا يجاوزها إلى بلاد الهياطلة أمر فيروز فصفد فيها خمسون فيلا وثلثمائة رجل فجرت أمامه جرا واتبعها أراد بذلك زعم الوفاء لإخشنوار بما عاهده عليه فبلغ إخشنوار ما كان من فيروز في أمر تلك المنارة فأرسل إليه يقول انته يا فيروز عما انتهى عنه أسلافك ولا تقدم على مالم يقدموا عليه فلم يحفل فيروز بقوله ولم تكرثه رسالته وجعل يستطعم محاربة إخشنوار ويدعوه إليها وجعل إخشنوار يمتنع من محاربته ويستكرهها لأن جل محاربة الترك إنما هو بالخداع والمكر والمكايدة وإن إخشنوار أمر فحفر خلف عسكره خندق عرضه عشرة أذرع وعمقه عشرون ذراعا وغمي بخشب ضعاف وألقى عليه ترابا ثم ارتحل في جنده فمضى غير بعيد فبلغ فيروز رحلة إخشنوار بجنده من عسكره فلم يشك في أن ذلك منهم انكشاف وهرب فأمر بضرب الطبول وركب في جنده في طلب إخشنوار وأصحابه فأغذوا السير وكان مسلكهم على ذلك الخندق فلما بلغوه أقحموا على عماية فتردى فيه فيروز وعامة جنده وهلكوا من عند آخرهم وإن إخشنوار عطف على عسكر فيروز فاحتوى على كل شيء فيه وأسر موبذان موبذ وصارت (1/415) ________________________________________ فيروز دخت ابنة فيروز فيمن صار في يده من نساء فيروز وأمر إخشنوار فاستخرجت جثة فيروز وجثة كل من سقط معه في ذلك الخندق فوضعت في النواويس ودعا إخشنوار فيروز دخت إلى أن يباشرها فأبت عليه وإن خبر هلاك فيروز سقط إلى بلاد فارس فارتجوا له وفزعوا حتى إذا استقرت حقيقة خبره عند سوخرا تأهب وسار في عظم من كان قبله من الجند إلى بلاد الهياطلة فلما بلغ جرجان بلغ إخشنوار خبر مسيره لمحاربته فاستعد وأقبل متلقيا له وأرسل إليه يستخبره عن خبره ويسأله عن اسمه ومرتبته فأرسل أنه رجل يقال له سوخرا ولمرتبته قارن وأنه إنما سار إليه لينتقم منه لفيروز فأرسل إليه إخشنوار يقول إن سبيلك في الأمر الذي قدمت له كسبيل فيروز إذ لم يعقبه في كثرة جنوده من محاربته إياي إلا الهلكة والبوار فلم ينهنه سوخرا قول إخشنوار ولم يعبأ به وأمر جنوده فاستعدوا وتسلحوا وزحف إلى إخشنوار لشدة إقدامه وحدة قلبه فطلب موادعته وصلحه فلم يقبل منه سوخرا صلحا دون أن يصير في يده كل شيء صار عنده من عسكر فيروز فسلم إخشنوار إليه ما أصاب من أموال فيروز وخزائنه ومرابطه ونسائه وفيهن فيروز دخت ودفع إليه موبذان موبذ وكل أحد كان عنده من عظماء الفرس فانصرف سوخرا بذلك كله إلى بلاد الفرس واختلف في مدة ملك فيروز فقال بعضهم كانت ستا وعشرين سنة وقال آخرون كانت إحدى وعشرين سنة (1/416) |
رد: مكتبتي
ذكر ما كان من الأحداث في أيام يزدجرد بن بهرام وفيروز
ين عمالها على العرب وأهل اليمن حدثت عن هشام بن محمد قال كان يخدم الملوك من حمير في زمان ملكهم أبناء الأشراف من حمير وغيرهم من القبائل فكان ممن يخدم حسان بن تبع عمرو بن حجر الكندي وكان سيد كندة في زمانه فلما سار حسان بن تبع إلى جديس خلفه على بعض أموره فلما قتل عمرو بن تبع أخاه حسان بن تبع وملك مكانه اصطنع عمرو بن حجر الكندي وكان ذا رأي ونبل وكان مما أراد عمرو إكرامه به وتصغير بني أخيه حسان أن زوجه ابنة حسان بن تبع فتكلمت في ذلك حمير وكان عندهم من الأحداث التي ابتلوا بها لأنه لم يكن يطمع في التزويج إلى أهل ذلك البيت أحد من العرب وولدت ابنة حسان بن تبع لعمرو بن حجر الحارث بن عمرو وملك بعد عمرو بن تبع عبد كلال بن مثوب وذلك أن ولد حسان كانوا صغارا إلا ما كان من تبع بن حسان فإن الجن استهامته فأخذ الملك عبد كلال بن مثوب مخافة أن يطمع في الملك غير أهل بيت المملكة فوليه بسن وتجرية وسياسة حسنة وكان فيما ذكروا على دين النصرانية الأولى وكان يسر ذلك من قومه وكان الذي دعاه إليه رجل من غسان قدم عليه من الشأم فوثبت حمير بالغساني فقتلته فرجع تبع بن حسان من استهامة الجن إياه صحيحا وهو أعلم الناس بنجم وأعقل من تعلم في زمانه وأكثره حديثا عما كان قبله وما يكون في الزمان بعده فملك تبع بن حسان بن تبع بن ملكيكرب بن تبع الأقرن فهابته حمير والعرب هيبة شديدة فبعث ابن أخته الحارث بن عمرو بن حجر الكندي في جيش عظيم إلى بلاد معد والحيرة وما والاها فسار إلى النعمان بن امرئ القيس بن الشقيقة فقاتله فقتل النعمان وعدة من أهل بيته وهزم أصحابه وأفلته المنذر بن النعمان الأكبر وأمه ماء السماء امرأة من النمر فذهب ملك آل النعمان وملك الحارث بن عمرو الكندي ما كانوا يملكون وقال هشام مالك بعد النعمان ابنه المنذر بن النعمان وأمه هند ابنة زيد مناة بن زيدالله بن عمرو الغساني أربعا وأربعين سنة من ذلك في زمن بهرام جور بن يزدجرد ثماني سنين وتسعة أشهر وفي زمن يزدجرد بن بهرام ثماني عشرة سنة وفي زمن فيروز بن يزدجرد سبع عشرة سنة ثم ملك بعده ابنه الأسود بن المنذر وأمه هر ابنة النعمان من بني الهيجمانة ابنة عمرو بن أبي ربيعة بن ذهب بن شيبان وهو الذي أسرته فارس عشرين سنة من ذلك في زمن فيروز بن يزدجرد عشر سنين وفي زمن بلاش بن يزدجرد أربع سنين وفي زمن قباذ بن فيروز ست سنين ثم قام بالملك بعد فيروز بن يزدجرد ابنه بلاش بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور وكان قباذ أخوه قد (1/417) ________________________________________ نازعه الملك فغلب بلاش وهرب قباذ إلى خاقان ملك الترك يسأله المعونة والمدد فلما عقد التاج لبلاش على رأسه اجتمع إليه العظماء والأشراف فهنأوه ودعوا له وسألوه أن يكافىء سوخرا بما كان منه فخصه وأكرمه وحباه ولم يزل بلاش حسن السيرة حريصا على العمارة وكان بلغ من حسن نظره أنه كان لا يبلغه إن بيتا خرب وجلا أهله عنه إلا عاقب صاحب القرية التي فيها ذلك البيت على تركه انتعاشهم وسد فاقتهم حتى لا يضطروا إلى الجلاء عن أوطانهم وبنى بالسواد مدينة سماها بلا شاواذ وهي مدينة ساباط التي بقرب المدائن وكان ملكه أربع سنين ثم ملك قباذ بن فيروز بن يزدرجرد بن بهرام جور وكان قباذ قبل أن يصير الملك إلييه قد سار إلى خاقان مستنصرا به على أخيه بلاش فمر في طريقه بحدود نيسابور ومعه جماعة يسيرة ممن شايعه على الشخوص متنكرين وفيهم زرمهر بن سوخرا فتاقت نفس قباذ إلى الجماع فشكا ذلك إلى زرمهر وسأله أن يلتمس له امرأة ذات حسب ففعل ذلك وصار إلى امرأة صاحب منزله وكان رجلا من الأساورة وكانت له ابنة بكر فائقة في الجمال فتنصح لها في ابنتها وأشار عليها أن تبعث بها إلى قباذ فأعلمت ذلك زوجها ولم يزل زرمهر يرغب المرأة وزوجها ويشير عليهما بما يرغبهما فيه حتى فعلا وصارت الابنة إلى قباذ واسمها نيوندخت فغشيها قباذ في تلك الليلة فحملت بأنو شروان فأمر لها بجائزة حسنة وحباها حباء جزيلا وقيل إن أم تلك الجارية سألتها عن هيئة قباذ وحاله فأعلمتها أنها لا تعرف من ذلك غير أنها رأت سراويله منسوجا بالذهب فعلمت أمها أنه من أبناء الملوك وسرها ذلك ومضى قباذ إلى خاقان فلما وصل إليه أعلمه أنه ابن ملك فارس وأن أخاه ضاده في الملك وغلبه وأنه أتاه يستنصره فوعده أحسن العدة ومكث قباذ عند خاقان أربع سنين يدافعه بما وعده فلما طال الأمر على قباذ أرسل إلى امرأة خاقان يسألها أن تتخذه ولدا وأن تكلم فيه زوجها وتسأله إنجاز عدته ففعلت ولم تزل تحمل على خاقان حتى وجه مع قباذ جيشا فلما انصرف قباذ بذلك الجيش وصار في ناحية نيسابور سأل الرجل الذي كان أتاه بالجارية عن أمرها فاستخبر ذلك من أمها فأخبرته أنها قد ولدت غلاما فأمر قباذ أن يؤتى بها فأتته ومعها أنو شروان تقوده بيدها فلما دخلت عليه سألها عن قصة الغلام فأخبرته أنه ابنه وإذا هو قد نزع إليه في صورته وجماله ويقال إن الخبر ورد عليه في ذلك الموضع بهلاك بلاش فتيمن بالمولود وأمر بحمله وحمل أمه على مراكب نساء الملوك فلما صار إلى المدائن واستوثق له أمر الملك خص سوخرا وفوض إليه أمره وشكر له ما كان من خدنمة ابنه إياه ووجه الجنود إلى إلى الأطراف فتكوا في الأعداء وسبوا سبايا كثيرة وبنى بين الأهواز وفارس مدينة الرجان وبنى أيضا مدينة حلوان وبنى بكورة أردشير خرة في ناحية كارزين مدينة يقال لها قباذ خرة وذلك سوى مدائن وقرى أنشأها وسوى أنهار احتفرها وجسور عقدها فلما مضت أكثر أيامه وتولى سوخرا تدبير ملكه وسياسة أمورة مال الناس عليه وعاملوه واستخفوا بقباذ وتهاونوا بأمره فلما احتنك لم يحتمل ذلك ولم يرض به وكتب إلى سابور الرازي الذي يقال للبيت الذي هو منه مهران وكان أصبهبذ البلاد في القدوم عليه فيمن قبله من الجند فقدم سابور بهم عليهم فواصفه قباذ حالة سوخرا وأمره بأمره فيه فغدا سابور على قباذ فوجد عنده سوخرا جالسا فمشى نحو قباذ متجاوزا له متغافلا (1/418) ________________________________________ لسوخرا فلم يأبه سوخرا لذلك من أرب سابور حتى ألقى وهقا كان معه في عنقه ثم اجتذبه فأخرجه فأوثقه واستودعه السجن فحينئذ قيل نقصت ريح سوخرا وهبت لمهران ريح وذهب ذلك مثلا وإن قباذ أمر بعد ذلك بقتل سوخرا فقتل وإنه لما مضى لملك قباذ عشر سنين اجتمعت كلمة موبذان موبذ والعظماء على إزالته عن ملكه فأزالوه عنه وحبسوه لمتابعته لرجل يقال له مزدك مع أصحاب له قالوا إن الله إنما جعل الأرزاق في الأرض ليقسمها العباد بينهم بالتآسي ولكن الناس تظالموا فيها وزعموا أنهم يأخذون للفقراء من الأغنياء ويردون من المكثرين على المقلين وأنه من كان عنده فضل من الأموال والنساء والأمتعة فليس هو بأولى به من غيره فافترص السفلة ذلك واغتنموه وكانفوا مزدك وأصحابه وشايعوهم فابتلي الناس بهم وقوي أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله لا يستطيع الامتناع منهم وحملوا قباذ على تزيين ذلك وتوعدوه بخلعه فلم يلبثوا إلا قليلا حتى صاروا لا يعرف الرجل منهم ولده ولا المولود أباه ولا يملك الرجل شيئا مما يتسع به وصيروا قباذ في مكان لا يصل إليه أحد سواهم وجعلوا أخا له يقال له جاماسب مكانه وقالوا لقباذ إنك قد أثمت يما عملت به فيما مضى وليس يطهرك من ذلك إلا إباحة نسائك وأرادوه على أن يدفع إليهم نفسه فيذبحوه ويجعلوه قربانا للنار فلما رأى ذلك زرمهر بن سوخرا خرج بمن شايعه من الأشراف باذلا نفسه فقتل من المزدكية ناسا كثيرا وأعاد قباذ إلى ملكه وطرح أخاه جاماسب ثم لم يزل المزدكية بعد ذلك إنما يحرشون قباذ على زرمهر حتى قتله ولم يزل قباذ من خيار ملوكهم حتى حمله مزدك على ما حمله عليه فانتشرت الأطراف وفسدت الثغور وذكر بعض أهل العلم بأخبار الفرس أن العظماء من الفرس هم حبسوا قباذ حين اتبع مزدك وشايعه على ما دعاه إليه من أمره وملكوا مكانه أخاه جاماسب بن فيروز وأن أختا لقباذ أتت الحبس الذي كان فييه قباذ محبوسا فحاولت الدخول عليه فمنعها إياه الرجل الموكل كان بالحبس ومن فيه وطمع الرجل أن يفضحها بذلك السبب وألقى إليها طمعه فيها فأخبرته أنها غير مخالفته في شيء مما يهوى منها فأذن لها فدخلت السجن فأقامت عند قباذ يوما وأمرت فلف قباذ في بساط من البسط التي كانت معه في الحبس وحمل على غلام من غلمانه قوي ضابط وأخرج من الحبس فلما مر الغلام بوالي الحبس سأله عما كان حامله فأفحم واتبعته أخت قباذ فأخبرته أنه فراش كانت افترشته في عراكها وإنها إنما خرجت لتتطهر وتنصرف فصدقها الرجل ولم يمس البساط ولم يدن منه استقذارا له وخلى عن الغلام الحامل لقباذ فمضى بقباذ ومضت على أثره وهرب قباذ فلحق بأرض الهياطلة ليستمد ملكها ويستجيشه فيحارب من خالفه وخلعه وأنه نزل في مبدئه إليها بأبرشهر رجل من عظماء أهلها له ابنة معصر وأن نكاحه أم كسرى أنو شروان كان في سفره هذا وأن قباذ رجع من سفره ذلك معه ابنه أنو شروان وأمه فغلب أخاه جاماسب على ملكه بعد أن ملك أخوه جاماسب ست سنين وأن قباذ غزا بعد ذلك بلاد الروم وافتتح منها مدينة من مدن الجزيرة تدعى آمد وسبى أهلها وأمر فبنيت في حد ما بين فارس وأرض الأهواز مدينة وسماها رامقباذ وهي التي تسمى بومقباذ وتدعى أيضا أرجان وكور كورة وجعل لها رسانيق من كورة سرق كورة رام هرمز وملك قباذ ابنه كسرى وكتب له بذلك كتابا وختمه بخاتمه فلما هلك قباذ وكان ملكه بسني ملك أخيه جاماسب ثلاثا وأربعين سنة فنفذ كسرى ما أمر به قباذ من ذلك (1/419) |
رد: مكتبتي
ذكر ما كان من الحوادث التي كانت بين العرب في أيام قباذ في مملكته وبين عماله
وحدثت عن هشام بن محمد قال لما لقي الحارث بن عمرو بن حجر بن عدي الكندي النعمان بن المنذر بن امرىء القيس بن الشقيقة قتله وأفلته المنذر بن النعمان الأكبر وملك الحارث بن عمرو الكندي ما كان يملك بعث قباذ بن فيروز ملك فارس إلى الحارث بن عمرو الكندي إنه قد كان بيننا وبين الملك الذي قد كان قبلك عهد وإني أحب أن القاك وكان قباذ زنديقا يظهر الخير ويكره الدماء ويداري أعداءه فيما يكره من سفك الدماء وكثرت الأهواء في زمانه واستضعفه الناس فخرج إليه الحارث بن عمرو الكندي في عدد وعدة حتى التقوا بقنطرة الفيوم فأمر قباذ بطبق من تمر فنزع نواه وأمر بطبق فجعل فيه تمر فيه نواة ثم وضعا بين أيديهما فجعل الذي فيه النوى يلي الحارث بن عمرو والذي لا نوى فيه يلي قباذ فجعل الحارث يأكل التمر ويلقي النوى وجعل قباذ يأكل ما يليه وقال للحارث مالك لا تأكل مثل ما آكل فقال [ له الحارث ] إنما يأكل النوى إبلنا وغنمنا وعلم أن قباذ يهزأ به ثما اصطلحا على أن يورد الحارث بن عمرو ومن أحب من أصحابه خيولهم الفرات إلى ألبابها ولا يجاوزوا أكثر من ذلك فلما رأى الحارث ما عليه قباذ من الضعف طمع في السواد فأمر أصحاب مسالحه أن يقطعوا الفرات فيغيروا في السواد فأتى قباذ الصريخ وهو بالمدائن فقال هذا من تحت كنف ملكهم ثم أرسل إلى الحارث بن عمرو أن لصوصا من لصوص العرب قد أغاروا وانه يحب لقاءه فلقيه فقال له قباذ لقد صنعت صنيعا ما صنعه أحد قبلك فقال له الحارث ما فعلت ولا شعرت ولكنها لصوص من لصوص العرب ولا أستطيع ضبط العرب إلا بالمال والجنود قال له قباذ فما الذي تريد قال أريد أن تطعمني من السواد ما اتخذ به سلاحا فأمر له بما يلي جانب العرب من أسفل الفرات وهي ستةطساسيج فأرسل الحارث بن عمرو الكندي إلى تبع وهو باليمن إني قد طمعت في ملك الأعاجم وقد أخذت منه ستة طساسيح فأجمع الجنود وأقبل فإنه ليس دون ملكهم شيء لأن الملك [ عليهم ] لا يأكل اللحم ولا يستحل هراقة الدماء لأنه زنديق فجمع تبع الجنود وسار حتى نزل الحيرة وقرب من الفرات فآذاه البق فأمر الحارث بن عمرو أن يشق له نهرا إلى النجف ففعل وهو نهر الحيرة فنزل عليه ووجه ابن أخيه شمرا ذا الجناح إلى قباذ فقاتله فهزمه شمر حتى لحق بالري ثم أدركه بها فقتله وأمضى تبع شمرا ذا الجناح إلى خراسان ووجه تبع ابنه حسان إلى الصغد وقال أيكما سبق إلى الصين فهو عليها وكان كل واحد منهما في جيش عظيم يقال كانا في ستمائة ألف وأربعين ألفا وبعث ابن أخيه يعفر إلى الروم وهو الذي يقول (1/420) ________________________________________ أيا صاح عجبك للداهية ... لحمير إذ نزلوا الجابية ... ثمانون ألفا روايا همو ... لكل ثمانية راوية ... فسار يعفر حتى أتى القسطنطينية فأعطوه الطاعة والإتاوة ثم مضى إلى رومية وبينهما مسيرة أربعة أشهر فحاصرها وأصاب من معه جوع ووقع فيهم طاعون فرقوا فأبصرهم الروم وما لقوا فوثبوا عليهم فقتلوهم فلم يفلت منهم أحد وسار شمر ذو الجناح حتى أتى سمرقند فحاصرها فلم يظفر بشيء منها فلما رأى ذلك أطاف بالحرس حتى أخذ رجلا من أهلها فسأله عن المدينة وملكها فقال له أما ملكها فأحمق الناس ليس له هم إلا الشراب والأكل وله ابنة وهي التي تقضي أمر الناس فبعث معه بهدية إليها فقال له أخبرها أني إنما جئت من أرض العرب للذي بلغني من عقلها لتنكحني نفسها فأصبب منها غلاما يملك العجم والعرب وأني لم أجىء ألتمس المال وأن معي أربعة آلاف تابوت من ذهب وفضة ها هنا فأنا أدفعها إليها وأمضي إلى الصين فإن كانت الأرض لي كانت امرأتي وإن هلكت كان ذلك المال لها فلما أنهيت إليها رسالته قالت قد أجبته فليبعث بما ذكر فأرسل إليها أربعة آلاف تابوت في كل تابوت رجلان فكان لسمرقند أربعة أبواب على كل باب منها أربعة آلاف رجل وجعل العلامة بينه وبينهم أن يضرب لهم بالجلجل وتقدم في ذلك إلى رسله الذين وجه معهم فلما صاروا في المدينة ضرب لهم بالجلجل فخرجوا فأخذوا بالأبواب ونهد شمر في الناس فدخل المدينة فقتل أهلها وحوى ما فيها ثم سار إلى الصين فلقي زحوف الترك فهزمهم ومضى إلى الصين فوجد حسان بن تبع قد كان سبقه إليها بثلاث سنين فأقاما بها فيما ذكر بعض الناس حتى ماتا وكان مقامهما إحدى وعشرين سنة قال وقال من زعم أنهما أقاما بالصين حتى هلكا إن تبعا جعل النار فيما بينه وبينهم فكان إذا حدث حدث أوقدوا النار بالليل فأتى الخبر في ليلة وجعل آية ما بينه وبينهم أن إذا أوقدت نارين من عندي فهو هلاك يعفر وإن أوقدت ثلاثا فهو هلاك تبع وإن كانت من عندهم نار فهو هلاك حسان وإن كانت نارين فهو هاكهما فمكثوا بذلك ثم إنه أوقد نارين فكان هلاك يفعر ثم أوقد ثلاثا فكان هلاك تبع قال وأما الحديث المجتمع عليه فإن شمرا وحسان انصرفا في الطريق الذي كانا أخذا فيه حيث بدآ حتى قدما على تبع بما حازا من الأموال بالصين وصنوف الجوهر والطيب والسبي ثم انصرفوا جميعا إلى بلادهم وسار تبع حتى قدم مكة فنزل بالشعب من المطابخ وكانت وفاة تبع باليمن فلم يخرج أحد من ملوك اليمن بعده عنها غازيا إلى شيء من البلاد وكان ملكه مائة وإحدى وعشرين سنة قال ويقال إنه كان دخل في دين اليهود للأحبار الذين كانوا خرجوا من يثرب مع تبع إلى مكة عدة كثيرة قال ويقولوا إن علم كعب الأحبار كان من بقية ما أورثت تلك الأحبار وكان كعب الأحبار رجلا من حمير وأما ابن إسحاق فإنه ذكر أن الذي سار إلى المشرق من التبابعة تبع الآخر وأنه تبع تبان أسعد أبو كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار وهو أبو حسان حدثنا بذلك ابن حميد قال حدثنا (1/421) ________________________________________ سلمة عنه ثم ملك كسرى أنو شروان بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور فلما ملك كتب إلى أربعة فاذوسبانين كان كل واحد منهم على ناحية من نواحي بلاد فارس ومن قبلهم كتبا نسخى كتابه منها إلى فاذوسبان أذربيجان بسم الله الرحمن الرحيم من الملك كسرى بن قباذ إلى واري بن النخير جان فاذوسبان أذربيجان وأرمينية وحيزها ودنباوند وطبرستان وحيزها ومن قبله سلام فإن أحرى ما استوحش له الناس فقد من تخوفوا في فقدهم إياه زوال النعم ووقوع الفتن وحلول المكاره بالأفضل فالأفضل منهم في نفسه أو حشمه أو ماله أو كريمه وإنا لا نعلم وحشة ولا فقد شيء أجل رزيئة عند العامة ولا أحرى أن تعم به البلية من فقد ملك صالح وإن كسرى لما استحكم له الملك أبطل ملة رجل منافق من أهل فسا يقال له زراذشت بن خركان ابتدعها في المجوسية فتابعه الناس على بدعته تلك وفاق أمره فيها وكان ممن دعا العامة إليها رجل من أهل مذرية يقال له مزدق بن بامداذ وكان مما أمر به الناس وزينه لهم وحثهم عليه التآسي في اموالهم وأهليهم وذكر أن ذلك من البر الذي يرضاه الله ويثيب عليه أحسن الثواب وأنه لو لم يكن الذي أمرهم به وحثهم عليه من الدين كان مكرمة في الفعال ورضا في التفاوض فحض بذلك السفلة على العلية واختلط له أجناس اللؤماء بعناصر الكرماء وسهل السبيل للغصبة إلى الغصب وللظلمة إلى الظلم وللعهار إلى قضاء نهمتهم والوصول إلى الكرائم اللائي لم يكونوا يطمعون فيهن وشمل الناس بلاء عظيم لم يكن لهم عهد بمثله فنهى الناس كسرى عن السيرة بشيء مما ابتدع زراذشت خركان ومزدق بن بامداذ وأبطل بدعتهما وقتل بشرا كثيرا ثبتوا عليها ولم ينتهوا عما نهاهم عنه منها وقوما من المنانية وثبت للمجوس ملتهم التي لم يزالوا عليها وكان يلي الإصبهبذة وهي الرياسة على الجنود قبل ملكه رجل وكان إليه إصبهبذة البلاد ففرق كسرى هذه الولاية والمرتبة بين أربعة إصبهذين منهم أصبهبد المشرق وهو خراسان وما والاها وأصبهذ المغرب وأصبهبد نيمروز وهي بلاد اليمن وأصبهبد أذربيجان وما والاها وهي بلاد الخزر وما والاها لما رأى في ذلك من النظام لملكه وقوى الماتلة بالأسلحة والكراع وارتجع بلادا كانت من مملكة فارس خرج بعضها من يد الملك قباذ إلى ملوك الأمم لعلل شتى وأسباب منها ال سند وبست والرخج وزابلستان وطخارستان ودردستان وكابلستان وأعظم القتل في أمة يقال لها البارز وأجلى بقيتهم عن بلادهم وأسكنهم مواضع من بلاد مملكته وأذعنوا له بالعبودية واستعان بهم في حروبه وأمر فأسرت أمة أخرى يقال لها صول وقدم بهم عليه وأمر بهم فقتلوا ما خلا ثمانين رجلا من كماتهم استحياهم وأمر بإنزالهم شهرام فيروز يستعين بهم في حروبه وإن أمة يقال لها أبخز وأمة يقال لها بنجر وأمة يقال لها بلنجر وأمة يقال لها ألان تمالئوا علة غزو بلاده وأقبلوا إلى أرمينية ليغيروا على أهلها وكان مسلكهم إليها يومئذ سهلا ممكنا فأغضى كسرى على ما كان منهم حتى إذا تمكنوا في بلاده وجه إليهم جنودا فقاتلوهم واصطلموهم ما خلا عشرى آلاف رجل منهم أسروا فأسكنوا أذربيجان وما والاها وكان الملك فيروز بنى في ناحية صول وألان بناء بصخر أراده أن يحصن (1/422) ________________________________________ بلاده عن تناول تلك الأمم إياها وأحدث الملك قباذ بن فيروز من بعد أبيه في تلك المواطن بناء كثيرا حتى إذا ملك كسرى أمر فبنيت في ناحية صول بصخر منحوت في ناحية جرجان مدن وحصون وآكام وبنيان كثير ليكون حرزا لأهل بلاده يلجأون إليها من عدو إن دهمهم وإن سنجبوا خاقان كان أمنع الترك وأشجعهم وأعزهم وأكثرهم جنودا وهو الذي قاتل وزر ملك الهياطلة غير خائف كثرة الهياطلة ومنعتهم فقتل وزر ملكها وعامة جنوده وغنم أموالهم واحتوى على بلادهم إلا ما كان كسرى غلب عليه منها وإنه استمال أبخز وبنجر وبلنجر فمنحوه طاعتهم وأعلموه أن ملوك فارس لم يزالوا يتقونهم بفداء يكفونهم به عن غزو بلادهم وإنه أقبل في مائة ألف وعشرة آلاف مقاتل حتى شارف ما والى بلاد صول وأرسل إلى كسرى في توعد منه إياه واستطالة عليه أن يبعث إليه بأموال وإلى أبخز وبنجر وبلنجر بالفداء الذي يكانوا يعطونه إياه قبل ملك كسرى وأنه إن لم يعجل بالبعثة إليه بما سأل وطىء بلاده وناجزه فلم يحفل كسرى بوعيده ولم يجبه إلى شيء مما سأله لتحصينه كن ناحية باب صول ومناعة السبل والفجاج التي كان سنجبوا خاقان سالكها إياه ولمعرفته كانت بمقدرته على ضبط ثغر أرمينية بخمسى آلاف مقاتل من الفرسان والرجالة فبلغ سنجبوا خاقان تحصين كسرى ثغر صول فانصرف بمن كان معه إلى بلاده خائبا ولم يقدر من كان بإزاء جرجان من العدو للحصون التي كان أمر كسرى فبنيت حواليها أن يشنوها بغارة ويغلبوا عليها وكان كسرى أنو شروان قد عرف الناس منه فضلا في رأيه وعلمه وعقله وبأسه وحزمه مع رأفته ورحمته بهم فلما عقد التاج على رأسه دخل إليه العظماء والأشراف فاجتهدوا في الدعاء له فلما قضوا مقالتهم قام خطيبا فبدأ بذكر نعم الله على خلقه عند خلقه إياهم وتوكله بتدبير أمورهم وتقدير الأقوات والمعايش لهم ولم يدع شيئا إلا ذكره في خطبته ثم أعلم الناس ما ابتلوا به من ضياع أمورهم وامحاء دينهم وفساد حالهم في أولادهم ومعاشهم وأعلمهم أنه ناظر فيما يصلح ذلك ويحسمه وحث الناس على معاونته ثم أمر برؤوس المزدكية فضربت أعناقهم وقسمت أموالهم في أهل الحاجة وقتل جماعة كثيرة ممن كان دعل على الناس في أموالهم ورد الأموال إلى أهلها وأمر بكل مولود اختلف فيه عنده أن يلحق بمن هو منهم إذا لم يعرف أبوه وأن يعطى نصيبا من مال الرجل الذي يسند إليه إذا قبله الرجل وبكل امرأة غلبت على نفسها أن يؤخذ الغالب لها حتى يغرم لها مهرها وبرضى أهلها ثم تخير المرأة بين الإقامة عنده وبين تزويج من غره إلا أن يكون كان لها زوج أول فترد إليه وأمر بكل من كان أضر برجل في ماله أو ركب أحدا بمظلمة أن يؤخذ منه الحق ثم يعاقب الظالم بعد ذلك بقدر جرمه وأمر بعيال ذوي الأحساب الذين مات قيمهم فكتبوا له فأنكح بناتهم الأكفاء وجعل جهازهم من بيت المال وأنكح شبانهم من بيوتات الأشراف وساق عنهم وأغناهم وأمرهم بملازمة بابه ليستعان بهم في أعماله وخير نساء والده بين أن يقمن مع نسائه فيواسين ويصرن في الأجر إلى أمثالهن أو يبتغي لهن أكفاءهن من البعولة وأمر بكرى الأنهار وحفر القني وإسلاف أصحاب العمارات وتقويتهم وأمر بإعادة كل جسر قطع أو قنطرة كسرت أو قرية خربت أن يرد ذلك إلى أحسن ما كان عليه من الصلاح وتفقد الأساورة فمن لم يكن له منهم يسار قواه بالدواب والعدة وأجرى لهم ما يقويهم ووكل ببيوت النيران وسهل سبل الناس وبنى في الطرق القصور والحصون وتخير (1/423) ________________________________________ الحكام والعمال والولاة وتقدم إلى من ولي منهم أبلغ التقدم وعمد إلى سير أردشير وكتبه وقضاياه فاقتدى بها وحمل الناس عليها فلما استوثق له الملك ودانت له البلاد سار نحو أنطاكية بعد سنين من ملكه وكان فيها عظماء جنود قيصر فافتتحها ثم أمر أن تصور له مدينة أنطاكية على ذرعها وعدد منازلها وطرقها وجميع ما فيها وأن يبتنى له على صورتها مدينة إلى جنب المدائن فبنيت المدينة المعروفة بالرومية على صورة أنطاكية ثم حمل أهل أنطاكية حتى أسكنهم إياها فلما دخلوا باب المدينة مضى أهل كل بيت منهم إلى ما يشبه منازلهم التي كانوا فيها بأنطاكية كأنهم لم يخرجوا عنها ثم قصد لمدينة هرقل فافتتحها ثم الإسكندرية وما دونها وخلف طائفة من جنوده بأرض الروم بعد أن أذعن له قيصر وحمل إليه الفدية ثم انصرف من الروم فأخذ نحو الخزر فأدرك فيهم تبله وما كانوا وتروه به في رعيته ثم انصرف نحو عدن فسكر ناحية من البحر هناك بين جبلين مما يلي أرض الحبشة بالسفن العظام والصخور وعمد الحديد والسلاسل وقتل عظماء تلك البلاد ثم انصرف إلى المدائن وقد استقام له ما دون هرقلة من بلاد الروم وأرمينية وما بينه وبين البحرين من ناحية عدن وملك المنذر بن النعمان على العرب وأكرمه ثم أقام في ملكه بالمدائن وتعاهد ما كان يحتاج إلى تعاهده ثم سار بعد ذلك إلى الهياطلة مطالبا بوتر فيروز جده وقد كان أنو شروان صاهر خاقان قبل ذلك فكتب إليه قبل شخوصه يعلمه ما عزم عليه ويأمره بالمسير إلى الهياطلة فأتاهم فقتل ملكهم واستأصل أهل بيته وتجاوز بلخ وما وراءها وأنزل جنوده فرغانة ثم انصرف من خراسان فلما صار بالمدائن وافاه قوم يستنصرونه على الحبشة فبعث معهم قائدا من قواده في جند من أهل الديلم وما يلها فقتلوا مسروقا الحبشي باليمن وأقاموا بها ولم يزل مظفرا منصورا تهابه جميع الأمم ويحضر بابه من وفودهم عدد كثير من الترك والصين والخزر ونظرائهم وكان مكرما لعلماء وملك ثمانيا وأربعين سنة وكان مولد النبي صلى الله عليه و سلم في آخر ملك أنو شروان قال هشام وكان ملك أنو شروان سبعا وأربعين سنة قال وفي زمانه ولد عبدالله بن عبدالمطلب أبو رسول الله صلى الله عليه و سلم في سنة اثنتين وأربعين من سلطانه قال هشام لما قوي شأن أنو شروان بعث إلى المنذر بن النعمان الأكبر وأمه ماء السماء امرأة من النمر فملكه الحيرة وما كان يلي آل الحارث بن عمرو آكل المرار فلم يزل على ذلك حتى هلك قال وأنو شروان غزا بزجان ثم رجع فبنى الباب والأبواب وقال هشام ملك العرب من قبل ملوك الفرس بعد الأسود بن المنذر أخوه المنذر بن المنذر بن النعمان وأمه هر ابنة النعمان سبع سنين ثم ملك بعده النعمان بن الأسود بن المنذر وأمه أم الملك ابنة عمرو بن حجر أخت الحارث بن عمرو (1/424) ________________________________________ الكندي أربع سنين ثم استخلف أبو يعفر بن علقمة بن مالك بن عدي بن الذميل بن ثور بن أسس بن ربى بن نمارة بن لخم ثلاث سنين ثم ملك المنذر بن امرىء القيس البدء وهو ذو القرنين قال وإنما سمي بذلك لضفيرتين كانتا له من شعره وأمه ماء السماء وهي مارية ابنة عوف بن جشم بن هلال بن ربيعة بن زيد مناة بن عامر الضيحان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط فكان جميع ملكه تسعا وأربعين سنة ثم ملك ابنه عمرو بن المنذر وأمه هند ابنة الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار ست عشرة سنة قال ولثماني سنين وثمانية أشهر من ملك عمرو بن هند ولد رسول الله صلى الله عليه و سلم وذلك في زمن أنو شروان وعام الفيل الذي غزا فيه الأشرم أبو يكسوم البيت (1/425) |
رد: مكتبتي
ذكر بقية خبر تبع أيام قباذ وزمن أنو شروان وتوجيه الفرس الجيش إلى اليمن لقتال الحبشة وسبب توجيهه إياهم إليها
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال كان تبع الآخر وهو تبان أسعد أبو كرب حين أقبل من المشرق جعل طريقه على المدينة وقد كان حين مر بها في بدءته لم يهج أهلها وخلف بين أظهرهم ابنا له فقتل غيلة فقدمها وهو مجمع لإخرابها واستئصال أهلها وقطع نخلها فجمع له هذا الحي من الأنصار حين سمعوا بذلك من أمره ليمتنعوا منه ورئيسهم يومئذ عمرو بن الطلة أحد بني النجار ثم أحد بني عمرو بن مبذول فخرجوا لقتاله وكان تبع حين نزل بهم قد قتل رجل منهم من بني عدي بن النجار يقال له أحمر رجلا من أصحاب تبع وجده في عذق له يجده فضربه بمنجله فقتله وقال إنما الثمر لمن أبره ثم ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة يقال لها ذا ت تومان فزاد ذلك تبعا عليهم حنفا فبينا تبع على ذلك من حربه وحربهم يقاتلهم ويقاتلونه قال فتزعم الأنصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل فبعجبه ذلك منهم ويقول والله إن قومنا هؤلاء لكرام إذ جاءه حبران من أحبار يهود من بني قريطة عالمان راسخان حين سمعا منه ما يريد من إهلاك المدينة وأهلها فقالا له أيها الملك لا تفعل فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها ولم نأمن عليك عاجل العقوبة فقال لهما ولم ذاك فقالا هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحي من قريش في آخر الزمان تكون داره وقراره فتناهى عند ذلك من قولهما عما كان يريد بالمدينة ورأى أن لهما علما وأعجبه ما سمع منهما فانصرف عن المدينة وخرج بهما معه إلى اليمن واتبعهما على دينهما وكان اسم الحبرين كعبا وأسدا وكانا من بني قريظة وكانا ابني عم وكانا أعلم أهل زمانهما كما ذكر لي ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق عن يزيد بن عمرو عن أبان بن أبي عياش عن أنس بن مالك عن أشياخ من قومه ممن أدرك الجاهلية فقال شاعر من الآنصار وهو خال ابن عبدالعزى بن غزية بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار في حربهم وحرب تبع يفتخر بعمرو بن طلة ويذكر فضله وامتناعه ... أصحا أم انتهى ذكره ... أم فضى من لذة وطره ... أم تذكرت الشباب وما ... ذكرك الشباب أو عصرة ... إنها حرب رباعية ... مثلها آتى الفتى عبره ... فسلا عمران أو فسلا ... أسدا اذ يغدو مع الزهره (1/426) ________________________________________ فيلق فيها أبو كرب ... سابغا أبدانها ذفرة ... ثم قالوا من يؤم بها ... أبني عوف أم النجره ... يا بني النجار إن لنا ... فيهم قبل الأوان تره ... فتلقتهم عشنقة ... مدها كالغبية النثره ... سيد سامى الملوك ومن ... يغز عمرا لا يجد قدره ... وقال رجل من الأنصار يذكرامتناعهم من تبع ... تكلفني من تكاليفها ... نخيل الأساويف والمنصعة ... نخيلا حمتها بنو ملك ... خيول أبي كرب المفظعة ... قال وكان تبع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها فوجه إلى مكة وهي طريقه إلى اليمن حتى إذا كان بالدف من جمدان بن عسفان وأمج في طريقه بين مكة والمدينة أتاه نفر من هذيل فقالوا له أيها الملك ألا ندلك على بيت مال داثر قد أغفلته الملوك قبلك فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة قالوا بلى قالوا بيت بمكة يعبده أهله ويصلون عنده وإنما يريد الهذليون بذلك هلاكه لما قد عرفوا من هلاك من أراده من الملوك وبغى عنده فلما أجمع لما قالوا أرسل إلى الحبرين فسألهما عن ذلك فقالا له ما أراد القوم إلا هلاكك وهلاك جندك ولئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن وليهلكن من معك جميعا قال فماذا تأمرانني أن أصنع إذا قدمت عليه قالا تصنع عنده ما يصنع أهله تطوف به وتعظمه وتكرمه وتحلق عنده رأسك وتتذلل له حتى تخرج من عنده قال فما يمنعكما أنتما من ذلك قالا أما والله إنه لبيت أبينا إبراهيم وإنه لكما أخبرناك ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصبوا حوله وبالدماء التي يهريقون عنده وهم نجس أهل شرك أو كما قالا له فعرف نصحهما وصدق حديثهما فقرب النفر من هذيل فقطع أيديهم وأرجلهم ثم مضى حتى قدم مكة وأري في المنام أن يكسو البيت فكساه الخصف ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه المعافر ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الملاء والوصائل فكان تبع فيما يزعمون أول من كساه وأوصى به ولاته من جرهم وأمرهم بتطهيره وألا يقربوه دما ولا ميتة ولا مئلاثا وهي المحائض وجعل له بابا ومفتاحا ثم خرج متوجها إلى اليمن بمن معه من جنوده وبالحبرين حتى إذا دخل اليمن دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه فأبوا عليه حتى يحاكموه إلى النار التي كانت باليمن حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن أبي مالك بن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال سمعت إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيدالله يحدث أن تبعا لما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك وقالوا لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا فدعاهم إلى دينه وقال إنه دين خير من دينكم قالوا فحاكمنا إلى النار قال نعم قال وكانت باليمن فيما يزعم أهل اليمن نار تحكم بينهم فيما يختلفون فيه تأكل الظالم ولا تضر المظلوم فلما قالوا ذلك لتبع قال أنصفتم فخرج قومه بأوثانهم وما يتقربون به في دينهم وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما متقلديها حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج (1/427) ________________________________________ النار منه فخرجت النار إليهم فلا أقبلت نحوهم حادوا عنها وهابوها فذمرهم من حضرهم من الناس وأمروهم بالصبر فصبروا حتى غشيتهم وأكلت الأوثان وما قربوا معها ومن حمل ذلك من رجال حمير وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما تعرق جباههما لم تضرهما فأصفقت حمير عند ذلك على دينه فمن هناك وعن ذلك كان أصل اليهودية باليمن حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن بعض أصحابه أن الحبرين ومن خرج معهما من حمير إنما اتبعوا النار ليردوها وقالوا من ردها فهو أولى بالحق فدنا منها رجال من حمير بأوثانهم ليرودوها فدنت منهم لتأكلهم فحادوا عنها فلم يستطيعوا ردها ودنا منها الحبران بعد ذلك وجعلا يتلوان التوراة وتنكص حتى رداها إلى مخرجها الذي خرجت منه فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما وكان رئام بيتا لهم يعظمونه وينحرون عنده ويكلمون منه إذ كانوا على شركهم فقال الحبران لتبع إنما هو شيطان يفتنهم ويلعب بهم فخل بيننا وبينه قال فشأنكما به فاستخرجا منه فيما يزعم أهل اليمن كلبا أسود فذبحاه وهدما ذلك البيت فبقاياه اليوم باليمن كما ذكر لي وهو رئام به آثار الدماء التي كانت تهراق عليه فقال تبع في مسيره ذلك وما كان هم به من أمر المدينة وشأن البيت وما صنع برجال هذيل الذين قالوا له ما قالوا وما صنع بالبيت حين قدم مكة من كسوته وتطهيره وما ذكر له الحبران من أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم ... ما بال نومك مثل نوم الأرمد ... أرقا كأنك لا تزال تسهد ... حنقا على سبطين حلا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد ... ولقد نزلت من المدينة منزلا ... طاب المبيت به وطاب المرقد ... وجعلت عرصة منزل برباوة ... بين العقيق إلى بقيع الغرقد ... ولقد تركنا لابها وقرارها ... وسباخها فرشت بقاع أجرد ... ولقد هبطنا يثربا وصدورنا ... تغلي بلابلها بقتل محصد ... ولقد حلفت يمين صبر مؤليا ... قسما لعمرك ليس بالمتردد ... إ جئت يثرب لا أغادر وسطها ... عذقا ولا بسرا بيثرب يخلد ... حتى أتاني من قريظة عالم ... حبر لعمرك في اليهود مسود ... قال ازدجر عن قرية محفوظة ... لنبي مكة من قريش مهتد ... فعفوت عنهم عفو غير مثرب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد ... وتركتهم لله أرجو عفوه ... يوم الحساب من الجحيم الموقد ... ولقد تركت بها له من قومنا ... نفرا أولي حسب وبأس يحمد ... نفرا يكون النصر في أعقابهم ... أرجو بذاك ثواب رب محمد ... ما كنت أحسب أن بيتا طاهرا ... لله في بطحاء مكة يعبد ... حتى أتاني من هذيل أعبد ... بالدف من جمدان فوق المسند ... قالوا بمكة بيت مال داثر ... وكنوزه من لؤلؤ وزبرجد ... فأردت أمرا حال ربي دونه ... والله يدفع عن خراب المسجد (1/428) ________________________________________ فرددت ما أملت فيه وفيهم ... وتركتهم مثلا لأهل المشهد ... قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتحشد ... ملك المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب علم من حكيم مرشد ... فرأى مغيب الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد ... من قبله بلقيس كانت عمتي ... ملكتهم حتى أتاها الهدهد ... حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق قال هذا الحي من الأنصار يزعمون أنه إنما كان حنق تبع على هذا الحي من يهود الذين كانوا بين أظهرهم وأنه أراد هلاكهم حين قدم عليهم المدينة فمنعوه منهم حتى انصرف عنهم ولذلك قال في شعره ... حنقا على سبطين حلا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد ... حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال وقد كان قدم على تبع قبل ذلك شافع بن كليب الصدفي وكان كاهنا فأقام عنده فلما أراد توديعه قال تبع ما بقي من علمك قال بقي خبر ناطق وعلم صادق قال فهل تجد لقوم ملكا يوازي ملكي قال لا إلا لملك غسان نجل قال فهل تجد ملكا يزيد عليه قال نعم قال ولمن قال أجده لبار مبرور أيد بالقهور ووصف في الزبور وفضلت أمته في السفور يفرج الظلم بالنور أحمد النبي طوبى لأمته حين يجيء أحد بني لؤي ثم أحد بني قصي فبعث تبع إلى الزبور فنظر فيها فإذا هو يجد صفة النبي صلى الله عليه و سلم حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عمن حدثه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وغيره من علماء أهل اليمن ممن يروي الأحاديث فحدث بعضهم بعض الحديث وكل ذلك قد اجتمع في هذا الحديث أن ملكا من لخم كان باليمن فيما بين التبابعة من حمير يقال له ربيعة بن نصر وقد كان قبل ملكه باليمن ملك تبع الأول وهو زيد بن عمرو ذي الأذعار بن أبرهة ذي المنار بن الرائش بن قيس بن صيفي بن سبأ الأصغر بن كهف الظلم بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن هميسع بن العرنجج حمير بن سبأ الأكبر بن يعرب بن يشجب بن قحطان وكان اسم سبأ عبد شمس وإنما سمي سبأ فيما يزعمون لأنه كان أول من سبى في العرب فهذا بيت مملكة حمير الذي فيه كانت التبابعة ثم كان بعد تبع الأول زيد بن عمرو وشمر يرعش بن ياسر ينعم بن عمرو ذي الأذعار ابن عمه وشمر يرعش الذي غزا الصين وبنى سمرقند وحير الحيرة وهو الذي يقول ... أنا شمر أبو كرب اليماني ... جلبت الخيل من يمن وشام ... لآتي أعبدا مردوا علينا ... وراء الصين في عثم ويام ... فنحكم في بلادهم بحكم ... سواء لا يجاوزه غلام ... القصيدة كلها (1/429) ________________________________________ قال ثم كان بعد شمر يرعش بن ياسر ينعم تبع الأصغر وهو تبان أسعد أبو كرب بن ملكيكرب بن زيد بن تبع الأول بن عمرو ذي الأذعار وهو الذي قدم المدينة وساق الحبرين من يهود إلى اليمن وعمر البيت الحرام وكساه وقال ما قال من الشعر فكل هؤلاء ملكه قبل ملك ربيعة بن نصر اللخمي فلما هلك ربيعة بن نصر رجع ملك اليمن كله إلى حسان بن تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن ربيعة بن نصر رأى رؤيا هالته وفظع بها فلما رآها بعث في أهل مملكته فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما إلا جمعه إليه ثم قال لهم إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبروني بتأويلها قالوا له اقصصها علينا لنخبرك بتأويلها قال إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها إنه لا يعرف تأويلها إلا من يعرفها قبل أن أخبره بها فلما قال لهم ذلك قال رجل من القوم الذين جمعوا لذلك فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح وشق فإنه ليس أحد أعلم منهما فهما يخبرانك بما سألت واسم سطيح ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن بن غسان وكان يقال لسطيح الذئبي لنسبته إلى ذئب بن عدي وشق بن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن نذير بن قيس بن عبقر بن أنمار فلما قالوا له ذلك بعث إليهما فقدم عليه قبل شق سطيح ولم يكن في زمانهما مثلهما من الكهان فلما قدم عليه سطيح دعاه فقال له يا سطيح إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبرني بها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها قال أفعل رأيت جمجمة قال أبو جعفر وقد وجدته في مواضع أخر رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض ثهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة فقال له الملك ما أخطأت منها شيئا يا سطيح فما عندك في تأويلها فقال أحلف بما بين الحرتين من حنش ليهبطن أرضكم الحبش فليملكن ما بين أبين إلى جرش قال له الملك وأبيك يا سطيح إن هذا لغائظ موجع فمتى هو كائن يا سطيح أفي زماني أم بعده قال لا بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين يمضين من السنين قال فهل يدوم ذلك من ملكهم أو ينقطع قال بل ينقطع لبضع وسبعين يمضين من السنين ثم يقتلون بها أجمعون ويخرجون منها هاربين قال الملك ومن ذا الذي يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم قال يليه إرم ذي يزن يخرج عليهم من عدن فلا يترك منهم أحدا باليمن قال أفيدوم ذلك من سلطانه أو ينقطع قال بل ينقطع قال ومن يقطعه قال نبي زكي يأتيه الوحي من العلي قال وممن هذا النبي قال رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر قال وهل للدهر يا سطيح من آخر قال نعم يوم يجمع فيه الأولون والآخرون ويسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون قال أحق ما تخبرنا يا سطيح قال نعم والشفق والغسق والفلق إذا اتسق إن ما أنبأتك به لحق فلما فرغ قدم عليه شق فدعاه فقال له يا شق إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبرني عنها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها كما قال لسطيح وقد كتمه ما قال سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان قال نعم رأيت جمجمة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة فلما رأى ذلك الملك من قولهما شيئا واحدا قال له ما أخطأت يا شق منها شيئا فما عندك في تأويلها قال أحلف بما بين الحرتين من إنسان لينزلن أرضكم السودان فليغلبن على كل طفلة البنان وليملكن ما بين (1/430) ________________________________________ أبين إلى نجران فقال له الملك وأبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده قال بل بعدك بزمان ثم يستنقذكم منه عظيم ذو شان ويذيقهم أشد الهوان قال ومن هذا العظيم الشان قال غلام ليس بدني ولا مدن يخرج من بيت ذي يزن قال فهل يدوم سلطانه أو ينقطع قال بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق والعدل بين أهل الدين والفضل يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل قال وما يوم الفصل قال يوم يجزى فيه الولاة يدعى من السماء بدعوات يسمع منها الأحياء والأموات ويجمع فيه الناس للميقات يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات قال أحق ما تقول يا شق قال إي ورب السماء والأرض وما بينهما من رفع وخفض إن ما نبأتك لحق ما فيه أمض فلما فرغ من مسألتهما وقع في نفسه أن الذي قالا له كائن من أمر الحبشة فجهز بنيه وأهل بيته إلىالعراق بما يصلحهم وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاذ فأسكنهم الحيرة فمن بقية ربيعة بن نصر كان النعمان بن المنذر ملك الحيرة وهو النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر ذلك الملك في نسب أهل اليمن وعلمهم حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ولما قال سطيح وشق لربيعة بن نصر ذلك وصنع ربيعة بولده واهل بيته ما صنع ذهب ذكر ذلك في العرب وتحدثوا حتى فشا ذكره وعلمه فيهم فلما نزلت الحبشة اليمن ووقع الأمر الذي كانوا يتحدثون به من أمر الكاهنين قال الأعشى أعشى بني قيس بن ثعلبة البكري في بعض ما يقول وهو يذكر ما وقع من أمر ذينك الكاهنين سطيح وشق ... ما نظرت ذات أشفار كنظرتها ... حقا كما نطق الذئبي إذ سجعا ... وكان سطيح إنما يدعوه العرب الذئبي لأنه من ولد ذئب بن عدي فلما هلك ربيعة بن نصر واجتمع ملك اليمن إلى حسان بن تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار كان مما هاج أمر الحبشة وتحول الملك عن حمير وانقطاع مدة سلطانهم ولكل أمر سبب أن حسان بن تبان أسعد أبي كرب سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب وأرض العجم كما كانت التبابعة قبله تفعل حتى إذا كان ببعض أرض العراق كرهت حمير وقبائل اليمن السير معه وأرادوا الرجعة إلى بلادهم وأهليهم فكلموا أخا له كان معه في جيشه يقال له عمرو فقالوا له اقتل أخاك حسان نملكك علينا مكانه وترجع بنا إلى بلادنا فتابعهم على ذلك فأجمع أخوه ومن معه من حمير وقبائل اليمن على قتل حسان إلا ما كان من ذي رعين الحميري فإنه نهاه عن ذلك وقال له إنكم أهل بيت مملكتنا لا تقتل أخاك ولا تشتت أمر أهل بيتك أو كما قال له فلما لم يقبل منه قوله وكان ذو رعين شريفا من حمير عمد إلى صحيفة فكتب فيها ... ألا من يشتري سهرا بنوم ... سعيد من يبيت قرير عين ... فإما حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين ... ثم ختم عليها ثم أتى بها عمرا فقال له ضع لي عندك هذا الكتاب فإن لي فيه بغية وحاجة ففعل فلما بلغ حسان ما أجمع عليه أخوه عمرو وحمير وقبائل اليمن من قتله قال لعمرو ... يا عمرو لا تعجل علي منيتي ... فالملك تأخذه بغير حشود (1/431) ________________________________________ فأبى لا قتله فقتله ثم رجع بمن معه من جنده إلى اليمن فقال قائل من حمير ... إن لله من رأى مثل حسا ... ن قتيلا في سالف الأحقاب ... قتلته الأقيال من خشية الجي ... ش وقالوا له لباب لباب ... ميتكم خيرنا وحيكم ... رب علينا وكلكم أربابي ... فلما نزل عمرو بن تبان أسعد أبي كرب اليمن منع منه النوم وسلط عليه السهر فيما يزعمون فجعل لا ينام فلما جهده ذلك جعل يسأل الأطباء والحزاة من الكهان والعرافين عما به ويقول منع مني النوم فلا أقدر عليه وقد جهدني السهر فقال له قائل منهم والله ما قتل رجل أخاه قط أو ذا رحم بغيا على مثل ما قتلت عليه أخاك إلا ذهب نومه وسلط عليه السهر فلما قيل له ذلك جعل يقتل كل من كان أمره بقتل أخيه حسان من أشراف حمير وقبائل اليمن حتى خلص إلى ذي رعين فلما أراد قتله قال إن لي عندك براءة مما تريد أن تصنع بي قال له وما براءتك عندي قال أخرج الكتاب الذي كنت استودعتكه ووضعته عندك فأخرج له الكتاب فإذا فيه ذانك البيتان من الشعر ... ألا من يشتري سهرا بنوم ... سعيد من يبيت قرير عين ... فإما حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين ... فلما قرأهما عمرو قال له ذو رعين قد كنت نهيتك عن قتل أخيك فعصيتني فلما أبيت علي وضعت هذا الكتاب عندك حجة لي عليك وعذرا لي عندك وتخوفت أن يصيبك إن أنت قتلته الذي اصابك فإن أردت بي ما أراك تصنع بمن كان أمرك بقتل أخيك كان هذا الكتاب نجاة لي عندك فتركه عمرو بن تبان أسعد فلم يقتله من بين أشراف حمير ورأى أن قد نصحه لو قبل منه نصيحته وقال عمرو بن تبان أسعد حين قتل من قتل من حمير وأهل اليمن ممن كان أمره بقتل أخيه حسان فقال ... شرينا النوم إذ عصبت علاب ... بتسهيد وعقد غير مين ... تنادوا عند غدرهم لباب ... وقد برزت معاذر ذي رعين ... قتلنا من تولى المكر منهم ... بواء بابن رهم غير دين ... قتلناهم بحسان بن رهم ... وحسان قتيل الثائرين ... قتلناهم فلا بقيا عليهم ... وقرت عند ذاكم كل عين ... عيون نوادب يبكين شجوا ... حرائر من نساء الفيلقين ... أوانس بالعشاء وهن حور ... إذا طلعت فروع الشعريين ... فنعرف بالوفاء إذا انتمينا ... ومن يغدر نباينه ببين ... فضلنا الناس كلهم جميعا ... كفضل الإبرزي على اللجين ... ملكنا الناس كلهم جميعا ... لنا الأسباب بعد التبعين ... ملكنا بعد داود زمانا ... وعبدنا ملوك المشرقين ... زبرنا في ظفار زبور مجد ... ليقرأه قروم القريتين ... فنحن الطالبون لكل وتر ... إذا قال المقاول أين أين (1/432) |
رد: مكتبتي
سأشفي من ولاة المكر نفسي ... وكان المكر حينهم وحيني ... أطعتهم فلم أرشد وكانوا ... غواة أهلكوا حسبي وزيني ...
قال ثم لم يلبث عمرو بن تبان أسعد أن هلك قال هشام بن محمد عمرو بن تبع هذا يدعى موثبان لأنه وثب على أخيه حسان بفرضة نعم فقتله قال وفرضة نعم رحبة طوق بن مالك وكانت نعم سرية تبع حسان بن أسعد رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال فمرج أمر حمير عند ذلك وتفرقوا فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة منهم يقال له لخنيعة ينوف ذو شناتر فملكهم فقتل خيارهم وعبث ببيوت أهل المملكة منهم فقال قائل من حمير يذكر ما ضيعت حمير من أمرها وفرقت جماعتها ونفت من خيارها ... تقتل أبناها وتنفي سراتها ... وتبني بأيديهم لها الذل حمير ... تدمر دنياها بطيش حلومها ... وما ضيعت من دينها فهو أكثر ... كذاك القرون قبل ذاك بظلمها ... وإسرافها تأتي الشرور فتخسر ... وكان لخنيعة ينوف ذو شناتر يصنع ذلك بهم وكان أمرأ فاسقا يزعمون أنه كان يعمل عمل قوم لوط ثم كان مع الذي بلغ منهم من القتل والبغي إذا سمع بالغلام من أبناء الملوك قد بلغ أرسل إليه فوقع عليه في مشربة له قد صنعها لذلك لئلا يملك بعد ذلك أبدا ثم يطلع من مشربته تلك إلى حرسه ومن حضر من جنده وهم أسفل منه قد أخذ سواكا فجعله في فيه أي ليعلمهم أنه قد فرغ منه ثم يخلي سبيله فيخرج على حرسه وعلى الناس وقد فضحه حتى إذا كان آخر أبناء تلك الملوك زرعة ذو نواس بن تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار أخو حسان وزرعة كان صبيا صغيرا حين أصيب أخوه فشب غلاما جميلا وسيما ذا هيئة وعقل فبعث إليه لخنيعة ينوف ذو شناتر فيفعل به كما كان يفعل بأبناء الملوك قبله فلما أتاه رسوله عرف الذي يريد به فأخذ سكينا حديدا لطيفا فجعله بين نعله وقدمه ثم انطلق إليه مع رسوله فلما خلا به في مشربته تلك أغلقها عليه وعليه ثم وثب عليه وواثبه ذو نواس بالسكين فطعنه به حتى قتله ثم احتز رأسه فجعله في كوة مشربته تلك التي يطلع منها إلى حرسه وجنده ثم أخذ سواكه ذلك فجعله في فيه ثم خرج على الناس فقالوا له ذو نواس أرطب أم يباس فقال سل نخماس استرطبان ذو نواس استرطبان ذو نواس لا بأس فذهبوا ينظرون حين قال لهم ما قال فإذا راس لخنيعة ينوف ذي شناتر في الكوة مقطوع في فيه سواكه قد وضعه ذو نواس فيها فخرجت حمير والأحراس في أثر ذي نواس حتى أدركوه فقالوا له ما ينبغي لنا أن يملكنا إلا أنت إذ أرحتنا من هذا الخبيث فملكوه واستجمعت عليه حمير وقبائل اليمن فكان آخر ملوك حمير وتهود وتهودت معه حمير وتسمى يوسف فأقام في ملكه زمانا وبنجران بقايا من أهل دين عيسى على الإنجيل أهل فضل واستقامة لهم من أهل دينهم رأس يقال له عبدالله بن الثامر وكان موقع أصل ذلك الدين بنجران وهي بأوسط أرض العرب في ذلك الزمان وأهلها وسائر العرب كلها أهل أوثان يعبدونها ثم إن رجلا من بقايا أهل ذلك الدين وقع بين أظهرهم يقال له فيميون فحملهم عليه فدانوا به (1/433) ________________________________________ قال هشام زرعة ذو نواس فلما تهود سمي يوسف وهو الذي خد الأخدود بنجران وقتل النصارى حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عن المغيرة بن أبي لبيد مولى الأخنس عن وهب بن منبه اليماني أنه حدثهم أن موقع ذلك الدين بنجران كان أن رجلا من بقايا أهل دين عيسى بن مريم قال له فيميون وكان رجلا صالحا مجتهدا زاهدا في الدنيا مجاب الدعوة وكان سائحا ينزل القرى لا يعرف بقرية إلا خرج منها إلى قرية لا يعرف فيها وكان لا يأكل إلا من كسب يده وكان بناء يعمل الطين وكان يعظم الأحد فإذا كان الأحد لم يعمل فيه شيئا وخرج إلى فلاة من الأرض فصلى بها حتى يمسي وكان في قرية من قرى الشأم يعمل عمله ذلك مستخفيا إذ فطن لشأنه رجل من أهلها يقال له صالح فأحبه صالح حبا لم يحبه شيئا كان قبله فكان يتبعه حيث ذهب ولا يفطن له فيميون حتى خرج مرة في يوم الأحد إلى فلاة من الأرض كما كان يصنع وقد اتبعه صالح وفيميون لا يدري فجلس صالح منه منظر العين مستخفيا منه لا يحب أن يعلم مكانه وقام فيميون يصلي فبينا هو يصلي إذ اقبل نحوه التنين الحية ذات الرؤوس السبعة فلما رآها فيميون دعا عليها فماتت ورآها صالح ولم يدر ما أصابها فخافها عليه فعيل عوله فصرخ يا فيميون التنين قد أقبل نحوك فلم يلتفت إليه وأقبل على صلاته حتى فرغ وأمسى وانصرف وعرف أنه قد عرف وعرف صالح أنه قد رأى مكانه فكلمه فقال يا فيميون يعلم الله ما أحببت شيئا حبك قط وقد أردت صحبتك والكينونة معك حيثما كنت قال ما شئت أمري كما ترى فإن ظننت أنك تقوى عليه فنعم فلزمه صالح وقد كاد أهل القرية أن يفطنوا لشأنه وكان إذا فاجأه العبد به ضر دعا له فشفي وإذا دعي إلى أحد به الضر لم يأته وكان لرجل من أهل القرية ابن ضرير فسأل عن شأن فيميون فقيل له إنه لا يأتي أحدا إذا دعاه ولكنه رجل يعمل للناس البنيان بالأجر فعمد الرجل إلى ابنه ذلك فوضعه في حجرته وألقى عليه ثوبا ثم جاءه فقال له يا فيميون إني قد أردت أن أعمل في بيتي عملا فانطلق معي حتى تنظر إليه فأشارطك عليه فانطلق معه حتى دخل حجرته ثم قال ما تريد أن تعمل في بيتك قال كذا وكذا ثم انتشط الرجل الثوب عن الصبي ثم قال يا فيميون عبد من عباد الله اصابه ما ترى فادع الله له فقال فيميون حين رأى الصبي اللهم عبد من عبادك دخل عليه عدوك في نعمتك ليفسدها عليه فاشفه وعافه وامنعه منه فقام الصبي ليس به بأس وعرف فيميون أنه قد عرف فخرج من القرية واتبعه صالح فبينما هو يمشي في بعض الشأم مر بشجرة عظيمة فناداه منها رجل فقال أفيميون قال نعم قال ما زلت أنتظرك وأقول متى هو جاء حتى سمعت صوتك فعرفت أنك هو لا تبرح حتى تقوم علي فإني ميت الآن قال فمات وقام عليه حتى واراه ثم انصرف ومعه صالح حتى وطئا بعض أرض العرب فعدي عليهما فاختطفتهما سيارة من بعض العرب فخرجوا بهما حتى باعوهما بنجران وأهل نجران يومئذ على دين العرب تعبد نخلة طويلة بين أظهرهم لهم عيد كل سنة إذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه وحلي النساء ثم خرجوا فعكفوا عليها يوما فابتاع رجل من أشرافهم فيميون وابتاع رجل آخر صالحا فكان فيميون إذا قام من الليل في بيت له أسكنه إياه سيده الذي ابتاعه يصلي استسرج له البيت نورا حتى يصبح من غير مصباح فرأى ذلك سيده فأعجبه ما رأى فسأله عن دينه فأخبره به فقال له فيميون إنما أنتم في باطل (1/434) ________________________________________ وإن هذه النخلة لا تضر ولا تنفع لو دعوت عليها الذي أعبد أهلكها وهو الله وحده لا شريك له قال فقال له سيده فافعل فإنك إن فعلت دخلنا في دينك وتركنا ما كنا عليه قال فقام فيميون فتطهر ثم صلى ركعتين ثم دعا الله عليها فأرسل الله ريحا فجعفتها من أصلها فألقتها فاتبعه عند ذلك أهل نجران على دينه فحملهم على الشريعة من دين عيسى ابن مريم ثم دخل عليهم بعد ذلك الأحداث التي دخلت على أهل دينهم بكل أرض فمن هنالك كانت النصرانية في أرض العرب فهذا حديث وهب بن منبه في خبر أهل نجران حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد مولى لبني هاشم عن محمد بن كعب القرظي قال وحدثني محمد بن إسحاق أيضا عن بعض أهل نجران أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان وكان في قرية من قراها قريبا من نجران ونجران القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر فلما أن نزلها فيميون قال ولم يسموه باسمه الذي سماه به وهب بن منبه قالوا رجل نزلها ابتنى خيمة بين نجران وتلك القرية التي بها الساحر فجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر فبعث الثامر ابنه عبدالله بن الثامر مع غلمان أهل نجران فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من صلاته وعبادته فجعل يجلس إليه ويسمع منه حتى أسلم فوحد الله وعبده وجعل يسأله عن الاسم الأعظم وكان يعلمه فكتمه إياه وقال يا ابن أخي إنك لن تحتمله أخشى ضعفك عنه فلما أبى عليه والثامر أبو عبدالله لا يظن إلا أن ابنه عبدالله يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان فلما رأى عبدالله أن صاحبه قد ظن به عنه وتخوف ضعفه فيه عمد إلى قداح فجمعها ثم لم يبق لله اسما يعلمه إلا كتبه في قدح لكل اسم قدح حتى إذا أحصاها أوقد لها نارا ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا حتى إذا مر بالإسم الأعظم قذف فيها بقدحه فوثب القدح حتى خرج منها لم يضره شيء فقام إليه فأخذه ثم أتى صاحبه فأخبره أنه قد علم الاسم الذي كتمه فقال له ما هو قال كذا وكذا قال وكيف علمته فأخبره كيف صنع قال فقال يا ابن أخي قد أصبته فأمسك على نفسك وما أظن أن تفعل فجعل عبدالله بن الثامر إذا أتى نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال له يا عبدالله أتوحد الله وتدخل في ديني فأدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء فيقول نعم فيوحد الله ويسلم ويدعو له فيشفى حتى لم يبق أحد بنجران به ضر إلا أتاه فاتبعه على أمره ودعا له فعوفي حتى رفع شأنه إلى ملك نجران فدعاه فقال له أفسدت علي أهل قريتي وخالفت ديني ودين آبائي لأمثلن بك قال لا تقدر على ذلك فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح عن رأسه فيقع على الأرض ليس به بأس وجعل يبعث به إلى مياه بنجران بحور لا يقع فيها شيء إلا هلك فيلقى فيها فيخرج ليس به بأس فلما غلبه قال عبدالله بن الثامر إنك والله لا تقدر على قتلي حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به فإنك إن فعلت ذلك سلطت علي فقتلتني فوحد الله ذلك الملك وشهد بشهادة عبدالله بن الثامر ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله فهلك الملك مكانه واستجمع أهل نجران على دين عبدالله بن الثامر وكان على ما جاء به عيسى بن مريم من الإنجيل وحكمه ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث فمن هنالك كان أصل النصرانية بنجران فهذا حديث محمد بن كعب القرظي وبعض أهل نجران عن ذلك والله أعلم (1/435) ________________________________________ قال فسار إليهم ذو نواس بجنده من حمير وقبائل اليمن فجمعهم ثم دعاهم إلى دين اليهودية فخيرهم بين القتل والدخول فيها فاختاروا القتل فخد لهم الأخدود فحرق بالنار وقتل بالسيف ومثل بهم كل مثلة حتى قتل منهم قريبا من عشرين ألفا وأفلت منهم رجل يقال له دوس ذو ثعلبان على فرس له فسلك الرمل فأعجزهم قال وقد سمعت بعض أهل اليمن يقول إن الذي أفلت منهم رجل من أهل نجران يقال له جبار بن فيض قال وأثبت الحديثين عندي الذي حدثني أنه دوس ذو ثعلبان ثم رجع ذو نواس بمن معه من جنوده إلى صنعاء من أرض اليمن ففي ذي نواس وجنوده تلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل قال حدثني محمد بن إسحاق قال أنزل الله على رسوله قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إلى قوله بالله العزيز الحميد ( 1 ) يقال كان فيمن قتل ذو نواس عبدالله بن الثامر رئيسهم وإمامهم ويقال عبدالله بن الثامر قتل قبل ذلك قتله ملك كان قبله هو كان أصل ذلك الدين وإنما قتل ذو نواس من كان بعده من أهل دينه وأما هشام بن محمد فإنه قال لم يزل ملك اليمن متصلا لا يطمع فيه طامع حتى ظهرت الحبشة على بلادهم في زمن أنوشروان قال وكان سبب ظهورهم أن ذا نواس الحميري ملك اليمن في ذلك الزمان وكان يهوديا فقدم عليه يهودي يقال له دوس من أهل نجران فأخبره أن أهل نجران قتلوا ابنين له ظلما واستنصره عليهم وأهل نجران نصارى فحمي ذو نواس لليهودية فغزا أهل نجران فأكثر فيهم القتل فخرج رجل من أهل نجران حتى قدم على ملك الحبشة فأعلمه ما ركبوا به وأتاه الإنجيل قد أحرقت النار بعضه فقال له الرجال عندي كثير وليست عندي سفن وأنا كاتب إلى قيصر في البعثة إلي بسفن أحمل فيها الرجال فكتب إلى قيصر في ذلك وبعث إليه بالإنجيل المحرق فبعث إليه قيصر بسفن كثيرة رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حدث أن رجلا من أهل نجران في زمن عمر بن الخطاب حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجاته فوجد عبدالله بن الثامر تحت دفن منها قاعدا واضعا يده على ضربة في رأسه ممسكا عليها بيده فإذا أخرت يده عنها انثعبت دما وإذا أرسلت يده ردها عليها فأمسك دمها وفي يده خاتم مكتوب فيه ربي الله فكتب فيه إلى عمر يخبره بأمره فكتب إليهم عمر أن أقروه على حاله وردوا عليه الدفن الذي كان عليه ففعلوا وخرج دوس ذو ثعلبان حين أعجز القوم على وجهه ذلك حتى قدم على قيصر صاحب الروم فاستنصره على ذي نواس وجنوده وأخبره بما بلغ منهم فقال له قيصر بعدت بلادك من بلادنا ونأت عنا فلا نقدر على أن نتناولها بالجنود ولكني سأكتب لك إلى ملك الحبشة فإنه على هذا الدين وهو أقرب (1/436) ________________________________________ إلى بلادك منا فينصرك ويمنعك ويطلب لك بثأرك ممن ظلمك واستحل منك ومن أهل دينك ما استحل فكتب معه قيصر إلى ملك الحبشة يذكر له حقه وما بلغ منه ومن أهل دينه ويأمره بنصره وطلب ثأره ممن بغى عليه وعلى أهل دينه فلما قدم دوس ذو ثعلبان بكتاب قيصر على النجاشي صاحب الحبشة بعث معه سبعين ألفا من الحبشة وأمر عليهم رجلا منهم من أهل الحبشة يقال له أرياط وعهد إليه إن أنت ظهرت عليهم فاقتل ثلث رجالهم وأخرب ثلث بلادهم واسب ثلث نسائهم وأبنائهم فخرج أرياط ومعه جنوده وفي جنوده أبرهة الأشرم فركب البحر ومعه دوس ذو ثعلبان حتى نزلوا بساحل اليمن وسمع بهم ذو نواس فجمع إليه حمير ومن أطاعه من قبائل اليمن فاجتمعوا إليه على اختلاف وتفرق لانقطاع المدة وحلول البلاء والنقمة فلم يكن له حرب غير أنه ناوش ذو نواس شيئا من قتال ثم انهزموا ودخلها أرياط بجموعه فلما رأى ذو نواس ما رأى مما نزل به وبقومه وجه فرسه إلى البحر ثم ضربه فدخل فيه فخاض به ضحضاح البحر حتى أفضى إلى عمرة فأقحمه فيه فكان آخر العهد به ووطئ أرياط اليمن بالحبشة فقتل ثلث رجالها وأخرب ثلث بلادها وبعث إلى النجاشي بثلث سباياها ثم أقام بها قد ضبطها وأذلها فقال قائل من أهل اليمن وهو يذكر ما ساق إليهم دوس ذو ثعلبان من أمر الحبشة فقال لا كدوس ولا كأعلاق رحله يعني ما ساق إليهم من الحبشة فهي مثل باليمن إلى اليوم وقال ذو جدن الحميري وهو يذكر حمير وما دخل عليها من الذل بعد العز الذي كانوا فيه وما هدم من حصون اليمن وكان أرياط قد أخرب مع ما أخرب من أرض اليمن سلحين وبينون وغمدان حصونا لم يكن في الناس مثلها فقال ... هونك ليس يرد الدمع ما فاتا ... لا تهلكي أسفا في ذكر من ماتا ... أبعد بينون لا عين ولا أثر ... وبعد سلحين يبني الناس أبياتا ... وقال ذو جدن الحميري في ذلك ... دعيني لا أبالك لن تطيقي ... لحاك الله قد أنزفت ريقي ... لدى عزف القيان إذ انتشينا ... وإذ تسقى من الخمر الرحيق ... وشرب الخمر ليس على عارا ... إذا لم يشكني فيها رفيقي ... فإن الموت لا ينهاه ناه ... ولو شرب الشفاء مع النشوق ... ولا مترهب في أسطوان ... يناطح جدره بيض الأنوق ... وغمدان الذي حدثت عنه ... بنوه ممسكا في رأس نيق ... بمنهمة وأسفله جروب ... وحر الموحل اللثق الزليق ... مصابيح السليط تلوح فيه ... إذا يمسي كتوماض البروق ... ونخلته التي غرست إليه ... يكاد البسر يهصر بالعذوق ... فأصبح بعد جدته رمادا ... وغير حسنه لهب الحريق ... وأسلم ذو نواس مستميتا ... وحذير قومه ضنك المضيق ... وقال ابن الذئبة الثقفي وهو يذكر حمير حين نزل بها السودان وما أصابوا منهم (1/437) ________________________________________ لعمرك ما للفتى من مفر ... مع الموت يلحقه والكبر ... لعمرك ما للفتى صحرة ... لعمرك ما إن له من وزر ... أبعد قبائل من حمير ... أتوا ذا صباح بذات العبر ... بألب ألوب وحرابة ... كمثل السماء قبيل المطر ... يصم صياحهم المقربات ... وينفون من قاتلوا بالزمر ... سعالى كمثل عديد الترا ... ب ييبس منهم رطاب الشجر ... وأما هشام بن محمد فإنه زعم أن السفن لما قدمت على النجاشي من عند قيصر حمل جيشه فيها فخرجوا في ساحل المندب قال فلما سمع بهم ذو نواس كتب إلى المقاول يدعوهم إلى مظاهرته وأن يكون أمرهم في محاربة الحبشة ودفعهم عن بلادهم واحدا فأبوا وقالوا يقاتل كل رجل عن مقولته وناحيته فلما رأى ذلك صنع مفاتيح كثيرة ثم حملها على عدة من الإبل وخرج حتى لقي جمعهم فقال هذه مفاتيح خزائن اليمن قد جئتكم بها فلكم المال والأرض واستبقوا الرجال والذرية فقال عظيمهم اكتب بذلك إلىالملك فكتب إلى النجاشي فكتب إليه يأمره بقبول ذلك منهم فسار بهم ذو نواس حتى إذا دخل بهم صنعاء قال لعظيمهم وجه ثقات أصحابك في قبض هذه الخزائن ففرق أصحابه في قبضها ودفع إليهم المفاتيح وسبقت كتب ذي نواس إلى كل ناحية أن اذبحوا كل ثور أسود في بلدكم فقتلت الحبشة فلم يبق منهم إلا الشريد وبلغ النجاشي ما كان من ذي نواس فجهز إليه سبعين ألفا عليهم قائدان أحدهما أبرهة الأشرم فلما صاروا إلى صنعاء ورأى ذو نواس ألا طاقة له بهم ركب فرسه واعترض البحر فاقتحمه فكان آخر العهد به وأقام أبرهة ملكا على صنعاء ومخاليفها ولم يبعث إلى النجاشي بشيء فقيل للنجاشي إنه قد خلع طاعتك ورأى أنه قد استغنى بنفسه فوجه إليه جيشا عليه رجل من أصحابه يقال له أرياط فلما حل بساحته بعث إليه أبرهة أنه يجمعني وإياك البلاد والدين والواجب علي وعليك أن ننظر لأهل بلادنا وديننا ممن معي ومعك فإن شئت فبارزني فأينا ظفر بصاحبه كان الملك له ولم يقتل الحبشة فيما بيننا فرضي بذلك ارياط وأجمع أبرهة على المكر به فاتعدا موضعا يلتقيان فيه وأكمن أبرهة لإرياط عبدا له يقال له أرنجده في وهدة قريب من الموضع الذي التقيا فيه فلما التقيا سبق أرياط فزرق أبرهة بحربته فزالت الحربة عن رأسه وشرمت أنفه فسمي الأشرم ونهض أرنجدة من الحفرة فزرق أرياط فأنفذه فقتله فقال أبرهة لأرنجده احتكم فقال لا تدخل امرأة اليمن على زوجها حتى يبدأ بي قال لك ذاك فغبر بذلك زمانا ثم إن أهل اليمن عدوا عليه فقتلوه فقال أبرهة قد آن لكم أن تكونوا أحرارا وبلغ النجاشي قتل أرياط فآلى ألا يكون له ناهية دون أن يهريق دم أبرهة ويطأ بلاده وبلغ أبرهة أليته فكتب إليه أيها الملك إنما كان أرياط عبدك وأنا عبدك قدم علي يريد توهين ملكك وقتل جندك فسألته أن يكف عن قتالي إلى أن أوجه إليك رسولا فإن أمرته بالكف عني وإلا سلمت إليه جميع ما أنا فيه فأبى إلا محاربتي فحاربته فظهرت عليه وإنما سلطاني لك وقد بلغني أنك حلفت ألا تنتهي حتى تهريق دمي وتطأ بلادي وقد بعثت إليك بقارورة من دمي وجراب من تراب أرضي وفي ذلك خروجك من يمينك فاستم أيها الملك يدك عندي فإنما أنا عبدك وعزي عزك فرضي عنه النجاشي وأقره على عمله (1/438) ________________________________________ رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال فأقام أرياط باليمن سنين في سلطانه ذلك ثم نازعه في أمر الحبشة باليمن أبرهة الحبشي وكان في جنده حتى تفرقت الحبشة عليهما فانحاز إلى كل واحد منهما طائفة منهم ثم سار أحدهما إلى الآخر فلما تقارب الناس ودنا بعضهم من بعض أرسل أبرهة إلى أرياط إنك لن تصنع بأن تلقي الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئا فابرز لي وأبرز لك فأينا ما أصاب صاحبه انصرف إليه جنده فأرسل إليه أرياط أن قد أنصفتني فاخرج فخرج إليه أبرهة وكان رجلا قصيرا لحيما حادرا وكان ذا دين في النصرانية وخرج إليه أرياط وكان رجلا عظيما طويلا وسيما وفي يده حربة وخلف أبرهة ربوة تمنع ظهره وفيها غلام له يقال له عتودة فلما دنا أحدهما من صاحبه رفع أرياط الحربة فضرب بها على رأس أبرهة يريد يافوخه فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه وعينه وأنفه وشفته فبذلك سمي أبرهة الأشرم وحمل غلام أبرهة عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله وانصرف جند أرياط إلى أبرهة فاجتمعت عليه الحبشة باليمن فقال عتودة في قتله أرياط أنا عتودة من فرقة أردة لا أب ولا أم نجده أي يقول قتلك عبده قال فقال الأشرم عند ذلك لعتودة حكمك يا عتودة وإن كنت قتلته ولا ينبغي لنا ذلك إلا ديته فقال عتودة حكمي إلا تدخل عروس من أهل اليمن على زوجها منهم حتى أصيبها قبلة فقال ذلك لك ثم أخرج دية أرياط وكان كل ما صنع أبرهة بغير علم النجاشي ملك الحبشة فلما بلغه ذلك غضب غضبا شديدا وقال عدا على أميري فقتله بغير أمري ثم حلف إلا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ويجز ناصيته فلما بلغ ذلك أبرهة حلق رأسه ثم ملأ جرابا من تراب اليمن ثم بعث به إلى النجاشي وكتب إليه أيها الملك إنما كان أرياط عبدك وأنا عبدك فاختلفنا في أمرك وكل طاعته لك إلا إني كنت أقوى منه على أمر الحبشة وأضبط لها وأسوس لها وقد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك وبعثت إليه بجراب من تراب أرض اليمن ليضعه تحت قدميه فيبر قسمه فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضي عنه وكتب إليه أن اثبت على عملك بأرض اليمن حتى يأتيك أمري فلما رأى أبرهة أن النجاشي قد رضي عنه وملكه على الحبشة وأرض اليمن بعث إلى أبي مرة بن ذي يزن فنزع منه امرأته ريحانة ابنة علقمة بن مالك بن زيد بن كهلان وأبو ريحانة ذو جدن وقد كانت ولدت لأبي مرة معد يكرب بن أبي مرة وولدت لأبرهة بعد أبي مرة مسروق بن أبرهة وبسباسة ابنة أبرهة وهرب منه أبو مرة فأقام أبرهة باليمن وغلامه عتودة يصنع باليمن ما كان أعطاه من حكمه حينا ثم عدا على عتودة رجل من حمير أو من خثعم فقتله فلما بلغ أبرهة قتله وكان رجلا حليما سيدا شريفا ورعا في دينه من النصرانية قال قد آن لكم يا أهل اليمن أن يكون فيكم رجل حازم يأنف مما يأنف منه الرجال إني والله لو علمت حين حكمته أنه يسأل الذي سأل ما حكمته ولا أنعمته عينا وأيم الله لا يؤخذ منكم فيه عقل ولا يتبعكم مني في قتله شيء تكرهونه قال ثم إن أبرهة بنى القيس بصنعاء فبنى كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض ثم كتب إلى النجاشي ملك الحبشة إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك ولست بمنته حتى أصرف إليها حاج العرب فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي غضب رجل من النسأة أحد بني فقيم ثم أحد بني (1/439) ________________________________________ مالك فخرج حتى أتى القيس فقعد فيها ثم خرج فلحق بأرضه فأخبر بذلك أبرهة فقال من صنع هذا فقيل صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحج العرب إليه بمكة لما سمع من قولك أصرف إليه حاج العرب فغضب فجاء فقعد فيها أي أنها ليست لذلك بأهل فغضب عند ذلك أبرهة وحلف ليسيرن إلى البيت فيهدمه وعند أبرهة رجال من العرب قد قدموا عليه يلتمسون فضله منهم محمد بن خزاعي بن حزابة الذكواني ثم السلمي في نفر من قومه معه أخ له يقال له قيس بن خزاعي فبينا هم عنده غشيهم عيد لأبرهة فبعث إليهم فيه بغدائه وكان يأكل الخصي فلما أتى القوم بغدائه قالوا والله لئن أكلنا هذا لا تزال تعيبنا به العرب ما بقينا فقام محمد بن خزاعي فجاء أبرهة قال أيها الملك هذا يوم عيد لنا لا نأكل فيه إلا الجنوب والأيدي فاقل له أبرهة فسنبعث إليكم ما أحببتم فإنما أكرمتكم بغدائي لمنزلتكم مني ثم إن أبرهة توج محمد بن خزاعي وأمره على مضر وأمره أن يسير في الناس يدعوهم إلى حج القليس كنيسته التي بناها فسار محمد بن خزاعي حتى إذا نزل ببعض أرض بني كنانة وقد بلغ أهل تهامة أمره وما جاء له بعثوا إليه رجلا من هذيل يقال له عروة بن حياض الملاصي فرماه بسهم فقتله وكان مع محمد بن خزاعي أخوه قيس فهرب حين قتل أخوه فلحق بأبرهة فأخبره بقتله فزاد ذلك أبرهة غضبا وحنقا وحلف ليغزون بني كنانة وليهدمن البيت وأما هشام بن محمد فإنه قال بنى أبرهة بعد أن رضي عنه النجاشي وأقره على عمله كنيسة صنعاء فبناها بناء معجبا لم ير مثله بالذهب والأصباغ المعجبة وكتب إلى قيصر يعلمه أنه يريد بناء كنيسة بصنعاء يبقى أثرها وذكرها وسأله المعونة له على ذلك فأعانه بالصناع والفسيفساء والرخام وكتب أبرهة إلى النجاشي حين استتم بناؤها إني أريد أن أصرف إليها حاج العرب فلما سمعت بذلك العرب أعظمته وكير عليها فخرج رجل من بني مالك بن كنانة حتى قدم اليمن فدخل الهيكل فأحدث فيه فغضب أبرهة وأجمع على غزو مكة وهدم البيت فخرج سائرا بالحبشة ومعه الفيل فلقيه ذو نفر الحميري فقاتله فأسره فقال أيها الملك إنما أنا عبدك فاستبقني فإن حياتي خير لك من قتلي فاستبقاه ثم سار فلقيه نفيل بن حبيب الخثعمي فقاتله فهزم أصحابه وأسره فسأله أن يستبقيه ففعل وجعله دليله في أرض العرب رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال ثم إن أبرهة حين أجمع السير إلى البيت أمر الحبشان فتهيأت وتجهزت وخرج معه بالفيل قال وسمعت العرب بذلك فأعظموه وفظعوا به ورأوا جهاده حقا عليهم حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام فخرج له رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر فدعا قومه ومن أجابه منهم من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله وما يريد من هدمه وإخرابه فأجابه من أجابه إلى ذلك وعرض له فقاتله فهزم ذو نفر وأصحابه وأخذ له ذو نفر أسيرا فأتي به فلما أراد قتله قال له ذو نفر أيها الملك لا تقتلني فإنه عسى أن يكون كوني معك خيرا لك من قتلي فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق وكان أبرهة رجلا حليما ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيث الخثعمي في قبيلي خثعم شهران وناهس ومن تبعه من قبائل العرب فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ له نفيل أسيرا فأتي به فلما هم بقتله قال له نفيل أيها الملك لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب وهاتان يداي لك على قبيلي خثعم (1/440) ________________________________________ شهران وناهس بالسمع والطاعة فأعفاه وخلى سبيله وخرج به معه يدله على الطريق حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال ثقيف فقال له أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون ليس لك عندنا خلاف وليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد يعنون اللات إنما تريد البيت الذي بمكة يعنون الكعبة ونحن نبعث معك من يدلك فتجاوز عنهم وبعثوا معه أبا رغال فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله المغمس فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك فرجمت العرب قبره فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس ولما نزل أبرهة المغمس بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة فساق إليه أموال أهل مكة من قريش وغيرهم وأصاب منها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم وهو يومئذ كبير قريش وسيدها فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بالحرم من سائر الناس بقتاله ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به فتركوا ذلك وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وقال له سل عن سيد هذا البلد وشريفهم ثم قل له إن الملك يقول لكم إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم البيت فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجى لي بدمائكم فإن لم يرد حربي فأتني به فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها فقيل له عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة فقال له عبدالمطلب والله ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم أم كما قال فإن يمنعه فهو بيته وحرمه وإن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا من دفع عنه أو كما قال له فقال له حناطة فانطلق إلى الملك فإنه قد أمرني أن آتيه بك فانطلق معه عبدالمطلب ومعه بعض بنيه حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نفر وكان له صديقا حتى دل عليه وهو في محبسه فقال له يا ذا نفر هل عندك غناء فيما نزل بنا فقال له ذو نفر وما غناءرجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا ما عندي غناء في شيء مما نزل بك إلا أن أنيسا سائس الفيل لي صديق فسأرسل إليه فأوصيه بك وأعظم عليه حقك وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما تريد ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك قال حسبي فبعث ذو نفر إلى أنيس فجاء به فقال يا أنيس إن عبدالمطلب سيد قريش وصاحب عير مكة يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال وقد أصاب له الملك مائتي بعير فاستأذن له عليه وانفعه عنده بما استطعت قال أفعل فكلم أنيس أبرهة فقال أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك وهو صاحب عير مكة يطعم الناس بالسهل والوحش في رؤوس الجبال فأذن له عليك فيكلمك بحاجته وأحسن إليه قال فأذن له أبرهة وكان عبدالمطلب رجلا عظيما وسيما جسيما فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه أن يجلس تحته وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه ثم قال لترجمانه قال له حاجتك إلى الملك فقال له ذلك الترجمان فقال عبدالمطلب حاجتي إلى الملك أن يرد علي مائتي بعير أصابها لي فلما قال له ذلك قال أبرهة لترجمانه قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم زهدت فيك حين كلمتني أتكلمني في مائتي بعير قد أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه قال له عبدالمطلب إن أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه قال ما كان ليمنع مني قال انت وذاك اردد إلي إبلي (1/441) ________________________________________ وكان فيما زعم بعض أهل العلم قد ذهب عبدالمطلب إلى أبرهة حين بعث إليه حناطة بعمرو بن نفاثة بن عدي بن الدئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وهو يومئذ سيد بني كنانة وخويلد بن وائلة الهذلي وهو يومئذ سيد هذيل فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت فأبى عليهم والله أعلم وكان أبرهة قد رد على عبدالمطلب الإبل التي أصاب له فلما انصرفوا عنه انصرف عبدالمطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في شعف الجبال والشعاب تخوفا عليهم معرة الجيش ثم قام عبدالمطلب فأخذ بحلقة الباب باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده فقال عبدالمطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة ... يا رب لا أرجو لهم سواكا ... يا رب فامنع منهم حماكا ... إن عدو البيت من عاداكا ... امنعهم أ يخربوا قراكا ... ثم قال أيضا ... لاهم إن العبد يم ... نع رحله فامنع حلالك ... لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدوا محالك ... فلئن فعلت فربما ... أولى فأمر ما بدا لك ... ولئن فعلت فإنه ... أمر تتم به فعالك ... جروا جموع بلادهم ... والفيل كي يسبوا عيالك ... عمدوا حماك بكيدهم ... جهلاوما رقبوا جلالك ... وقال أيضا ... وكنت إذا أتى باغ بسلم ... نرجي أن تكون لنا كذلك ... فولوا لم ينالوا غير خزي ... وكان الحين يهلكهم هنالك ... ولم أسمع بأرجس من رجال ... أرادوا العز فانتهكوا حرامك ... ثم أرسل عبدالمطلب حلقة الباب باب الكعبة وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال فتحرزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها فلما أصبح أبرهن تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله وعبى جيشه وكان اسم الفيل محمودا وأبرهة مجمع لهدم البيت ثم الانصراف إلى اليمن فلما وجهوا الفيل أقبل نفيل بن حبيب الخثعمي حتى قام إلى جنبه ثم أخذ بأذنه فقال ابرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت فإنك في بلد الله الحرام ثم أرسل أذنه فبرك الفيل وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى صعد في الجبل وضربوا الفيل ليقوم فأبى وضربوا في رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه ليقوم فأبى فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول ووجهوه إلى الشأم ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى مكة فبرك وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف مع كل طير منها ثلاثة أحجار يحملها حجر في منقاره وحجران في رجليه مثل الحمص والعدس لا تصيب منهم أحدا إلا هلك وليس كلهم أصابت وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا ويسألون عن نفيل بن (1/442) ________________________________________ حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله به من نقمته ... أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب غير الغالب ... وقال نفيل أيضا ... ألا حييت عنا يا ردينا ... نعمناكم مع الإصباح عينا ... أتانا قابس منكم عشاء ... فلم يقدر لقابسكم لدينا ... ردينة لو رأيت ولم تريه ... لدى جنب المحصب ما رأينا ... إذا لعدرتني وحمدت رأيي ... ولم تأسي على ما فات بينا ... حمدت الله إذ عاينت طيرا ... وخفت حجارة تلقى علينا ... فكل القوم يسأل عن نفيل ... كأن علي للحبشان دينا ... فخرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون على كل منهل وأصيب أبرهة في جسده وخرجوا به معهم تسقط أنامله أنملة أنملة كلما سقطت منه أنملة اتبعتها منه مدة تمث فيحا ودما حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطير فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثنا عبدالله بن عثمان بن أبي سليمان عن أبيه قال وحدثنا محمد بن عبدالرحمن بن السلماني عن أبيه قال وحدثنا عبدالله بن عمرو بن زهير الكعبي عن أبي مالك الحميري عن عطاء بن يسار قال وحدثنا محمد بن أبي سعيد الثقفي عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين العقيلي قال وحدثنا سعيد بن مسلم عن عبدالله بن كثير عن مجاهد عن ابن عباس دخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا كان النجاشي قد وجه أرياط أبا صحم في أربعة آلآف إلى اليمن فأداخها وغلب عليها فأعطى الملوك واستذل الفقراء فقام رجل من الحبشة يقال له أبرهة الأشرم أبو يكسوم فدعا إلى طاعته فأجابوه فقتل أرياط وغلب على اليمن ورأى الناس يتجهزون أيام الموسم للحج إلى البيت الحرام فسأل أين يذهب الناس فقالوا يحجون إلى بيت الله بمكة قال مم هو قالوا من حجارة قال فما كسوته قالوا ما يأتي ها هنا من ا لوصائل قال والمسيح لأبنين لكم خيرا منه فبنى لهم بيتا عمله بالرخام الأبيض والأحمر والأصفر والأسود وحلاه بالذهب والفضة وحفه بالجوهر وجعل له أبوابا عليها صفائح الذهب ومسامير الذهب وفصل بينها بالجوهر وجعل فيها ياقوتة حمراء عظيمة وجعل لها حجابا وكان يوقد بالمندل ويلطخ جدره بالمسك فيسوده حتى يغيب الجوهر وأمر الناس فحجوه فحجه كثير من قبائل العرب سنين ومكث فيه رجال يتعبدون ويتألهون ونسكوا له وكان نفيل الخثعمي يؤرض له ما يكره فلما كان ليلة من الليالي لم ير أحدا يتحرك فقام فجاء بعذرة فلطخ بها قبلته وجمع جيفا فألقاها فيه فأخبر أبرهة بذلك غضب غضبا شديدا وقال إنما فعلت هذا العرب غضبا لبيتهم لأنقضنه حجرا حجرا وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك ويسأله أن يبعث إليه بفيله محمود وكان فيلا لم ير مثله في الأرض عظما وجسما وقوة فبعث به إليه فلما قدم عليه الفيل سار أبرهة بالناس ومعه ملك حمير ونفيل بن حبيب الخثعمي فلما دنا من الحرم أمر أصحابه بالغارة على نعم الناس فأصابوا إبلا لعبد المطلب وكان نفيل صديقا لعبد المطلب (1/443) ________________________________________ فكلمه في إبله فكلم نفيل أبرهة فقال أيها الملك قد أتاك سيد العرب وأفضلهم قدرا وأقدمهم شرفا يحمل على الجياد ويعطي الأموال ويطعم ما هبت الريح فأدخله على أبرهة فقال حاجتك قال ترد علي إبلي فقال ما أرى ما بلغني عنك إلا الغرور وقد ظننت أنك تكلمني في بيتكم الذي هو شرفكم فقال عبدالمطلب اردد علي إبلي ودونك البيت فإن له ربا سيمنعه فأمر برد إبله عليه فلما قبضها قلدها النعال وأشعرها وجعلها هديا وبثها في الحرم لكي يصاب منها شيء فيغضب رب الحرم وأوفى عبدالمطلب على حراء ومعه عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ومطعم بن عدي وأبو مسعود الثقفي فقال عبدالمطلب ... لا هم إن المرء يم ... نع رحله فامنع حلالك ... لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدوا محالك ... إن كنت تاركهم وقب ... لتنا فأمر ما بدا لك ... قال فأقبلت الطير من البحر أبابيل مع كل طير منها ثلاثة أحجار حجران في رجليه وحجر في منقاره فقذفت الحجارة عليهم لا تصيب شيئا إلا هشمته وإلا نفط ذلك الموضع فكان ذلك أول ما كان الجدري والحصبة والأشجار المرة فأهمدتهم الحجارة وبعث الله سيلا أتيا فذهب بهم فألقاهم في البحر قال وولى أبرهة ومن بقي معه هرابا فجعل أبرهة يسقط عضوا عضوا وأما محمود قيل النجاشي فربض ولم يشجع على الحرم فنجا وأما الفيل الآخر فشجع فحصب ويقال كانت ثلاثة عشر فيلا ونزل عبدالمطلب من حراء فأقبل رجلان من الحبشة فقبلا رأسه وقالا أنت كنت أعلم حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن أول ما رئيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام وأنه أول ما رئي بها مرار الشجر الحرمل والحنظل والعشر ذلك العام قال ابن إسحاق ولما هلك أبرهة ملك اليمن ابنه في الحبشة يكسوم بن أبرهة وبه كان يكنى فذلت حمير وقبائل اليمن ووطئتهم الحبشة فنكحوا نساءهم وقتلوا رجالهم واتخذوا أبناءهم تراجمة بينهم وبين العرب قال ولما رد الله الحبشة عن مكة فأصابهم ما أصابهم من النقمة عظمت العرب قريشا وقالوا أهل الله قاتل الله عنهم فكفاهم مؤونة عدوهم قال ولما هلك يكسوم بن أبرهة ملك اليمن في الحبشة أخوه مسروق بن أبرهة فلما طال البلاء على أهل اليمن وكان ملك الحبشة باليمن فيما بين أن دخلها أرياط إلى أن قتلت الفرس مسروقا وأخرجوا الحبشة من اليمن سنتين وسبعين سنة توارث ذلك منهم أربعة ملوك أرياط ثم أبرهة ثم يكسوم بن أبرهة ثم مسروق بن أبرهة خرج سيف بن ذي يزن الحميري وكان يكنى بأبي مرة حتى قدم على قيصر ملك الروم فشكا ما هم فيه وطلب إليهم أن يخرجهم عنه ويليهم هو ويبعث إليهم من شاء من الروم فيكون له ملك اليمن فلم يشكه ولم يجد عنده شيئا مما يريد فخرج حتى قدم الحيرة على النعمان بن المنذر وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العرب من العراق فشكا إليه ما هم فيه من البلاء والذل (1/444) ________________________________________ فقال له النعمان إن لي على كسرى وفادة في كل عام فأقم عندي حتى يكون ذلك فأخرج بك معي قال فأقام عنده حتى خرج النعمان إلى كسرى فخرج معه إلى كسرى فلما قدم النعمان على كسرى وفرغ من حاجته ذكر له سيف بن ذي يزن وما قدم له وسأل أن يأذن له عليه ففعل وكان كسرى إنما يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه وكان تاجه مثل القنقل العظيم مضروبا فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ والذهب والفضة معلقا بسلسلة من ذهب في رأس طاق مجلسه ذلك كانت عنقه لا تحمل تاجه إنما يستر بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك ثم يدخل رأسه في تاجه فإذا استوى في مجلسه كشف الثياب عنه فلا يراه رجل لم يره قبل ذلك إلا برك هيبة له فلما دخل عليه سيف بن ذي يزن برك ثم قال أيها الملك غلبتنا على بلادنا الأغربة فقال كسرى أي الأغربة الحبشة أم السند قال بل الحبشة فجئتك لتنصرني عليهم وتخرجهم عني ويكون ملك بلادي لك فأنت أحب إلينا منهم قال بعدت أرضك من أرضنا وهي أرض قليلة الخير إنما بها الشاء والبعير وذلك مما لا حاجة لنا به فلم أكن لأورط جيشا من فارس بأرض العرب لا حاجة لي بذلك ثم أمر فأجيز بعشرة آلاف درهم واف وكساه كسوة حسنة فلما قبض ذلك سيف بن ذي يزن خرج فجعل ينثر الورق للناس ينهبها الصبيان والعبيد والإماء فلم يلبث ذلك أن دخل على كسرى فقيل له العربي الذي اعطيته ينثر دراهمه للناس ينهبها العبيد والصبيان والإماء فقال كسرى إن لهذا الرجل لشأنا ائتوني به فلما دخل عليه قال عمدت إلي حباء الملك الذي حباك به تنثره للناس قال وما أصنع بالذي أعطاني الملك ما جبال أرضي التي جئت منها إلا ذهب وفضة يرغبه فيها لما رأى من زهادته فيها إنما جئت الملك ليمنعني من الظلم ويدفع عني الذل فقال له كسرى أقم عندي حتى أنظر في أمرك فأقام عنده وجمع كسرى مرازبته وأهل الرأي ممن كان يستشيره في أمره فقال ما ترون في أمر هذا الرجل وما جاء له فقال قائل منهم أيها الملك إن في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل فلو أنك بعثتهم معه فإن هلكوا كان الذي أردت بهم وإن ظهروا على بلاده كان ملكا ازددته إلى ملكك فقال إن هذا الرأي أحصوا لي كم في سجوني من الرجال فحسبوا له فوجدوا في سجونه ثمانمائة رجل فقال انظروا إلى أفضل رجل منهم حسبا وبيتا اجعلوه عليهم فوجدوا أفضلهم حسبا وبيتا وهرز وكان ذا سن فبعثه مع سيف وأمره على أصحابه ثم حملهم في ثماني سفائن في كل سفينة مائة رجل وما يصلحهم في البحر فخرجوا حتى إذا لججوا في البحر غرقت من السفن سفينتان بما فيهما فخلص إلى ساحل اليمن من أرض عدن ست سفائن فيهن ستمائة رجل فيهم وهرز وسيف بن ذي يزن فلما اطمأنا بأرض اليمن قال وهرز لسيف ما عندك قال ما شئت من رجل عربي وفرس عربي ثم اجعل رجلي مع رجلك حتى نموت جميعا أو نظهر جميعا قال وهرز أنصف وأحسنت فجمع إليه سيف من استطاع من قومه وسمع بهم مسروق بن أبرهة فجمع إليه جنده من الحبشة ثم سار إليهم حتى إذا تقارب العسكران ونزل الناس بعضهم إلى بعض بعث وهرز ابنا له كان معه يقال له نوزاذ على جريدة خيل فقال له ناوشهم القتال حتى ننظر كيف قتالهم فخرج إليهم فناوشهم شيئا من قتال ثم تورط في مكان لم يستطع الخروج منه فقتلوه فزاد ذلك وهرز حنقا عليهم وجدا على قتالهم فلما تواقف الناس على مصافهم قال وهرز أروني ملكهم فقالوا ترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه (1/445) ________________________________________ على رأسه بين عينيه ياقوتة حمراء قال نعم قالوا ذاك ملكهم فقال اتركوه فوقفوا طويلا ثم قال علام هو قالوا قد تحول على الفرس فقال اتركوه فوقفوا طويلا ثم قال علام هو قالوا قد تحول على البغلة قال ابنة الحمار ذل وذل ملكه هل تسمعون أني سأرميه فإن رأيتم أصحابه وقوفا لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوذنكم فإني قد أخطأت الرجل وإن رأيتم القوم قد استداروا ولاثوا به فقد اصبت الرجل فاحملوا عليهم ثم أوتر قوسه وكانت فيما زعموا لا يوترها غيره من شدتها ثم أمر بحاجبيه فعصبا له ثم وضع في قوسه نشابة فمغط فيها حتى إذا ملأها أرسلها فصك بها الياقوتة التي بين عينيه فتغلغلت النشابة في رأسه حتى خرجت من قفاه وتنكس عن دابته واستدارت الحبشة ولاثت به وحملت عليهم الفرس وانهزمت الحبشة فقتلوا وهرب شريدهم في كل وجه فأقبل وهرز يريد صنعاء يدخلها حتى إذا أتى بابها قال لا تدخل رايتي منكسة أبدا اهدموا الباب فهدم باب صنعاء ثم دخلها ناصبا رايته يسار بها بين يديه فلما ملك اليمن ونفى عنها الحبشة كتب إلى كسرى إني قد ضبطت لك اليمن وأخرجت من كان بها من الحبشة وبعث إليه بالأموال فكتب إليه كسرى يأمره أن يملك سيف بن ذي يزن على اليمن وأرضها وفرض كسرى على سيف بن ذي يزن جزية وخرجا يؤديه إليه في كل عام معلوم يبعث إليه في كل عام وكتب إلى وهرز أن ينصرف إليه فانصرف إليه وهرز وملك سيف بن ذي يزن على اليمن وكان أبوه ذو يزن من ملوك اليمن فهذا ما حدثنا به ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق من أمر حمير والحبشة وملكهم وتوجيه كسرى من وجه لحرب الحبشة باليمن وأما هشام بن محمد فإنه قال ملك بعد أبرهة يكسوم ثم مسروق قال وهو الذي قتله وهرز في ملك كسرى بن قباذ ونفى الحبشة عن اليمن قال وكان من حديثه أن أبا مرة الفياض ذا يزن كان من أشراف اليمن وكانت تحته ريحانة ابنة ذي جدن فولدت له غلاما سماه معد يكرب وكانت ذات جمال فانتزعها الأشرم من أبي مرة فاستنكحها فخرج أبو مرة من اليمن فلحق ببعض ملوك بني المنذر أظنه عمرو بن هند فسأله أن يكتب له إلى كسرى كتابا يعلمه فيه قدره وشرفه ونزوعه إليه فيما نزع إليه فيه فقال لا تعجل فإن لي عليه في كل سنة وفادة وهذا وقتها فأقام قبله حتى وفد عليه معه فدخل عمرو بن هند على كسرى فذكر له شرف ذي يزن وحاله واستأذن له فدخل فأوسع له عمرو فلما رأى ذلك كسرى علم أن عمرا لم يصنع به ذلك بين يديه إلا لشرفه فأقبل عليه فألطفه وأحسن مسألته وقال له ما الأمر الذي نزع بك قال أيها الملك إن السودان قد غلبونا على بلادنا وركبوا منا أمورا شنيعة أجل الملك عن ذكرها فلو أن الملك تناولنا بنصره من غير أن نستنصره لكان حقيقا بذلك لفضله وكرمه وتقدمه لسائر الملوك فكيف وقد نزعنا إليه مؤملين له راجين أن يقصم الله عدونا وينصرنا عليهم وينتقم لنا به منهم فإن رأى الملك أن يصدق ظننا ويحقق رجاءنا ويوجه معي جيشا ينفون هذا العدو عن بلادنا فيزدادها إلى ملكه فإنها من أخصب البلدان وأكثرها خيرا وليست كما يلي الملك من بلاد العرب فعل (1/446) |
رد: مكتبتي
________________________________________
قال قد علمت أن بلادكم كما وصفت فأي السودان غلبوا عليها الحبشة أم السند قال بل الحبشة قال أنوشروان إني لأحب أن أصدق ظنك وأن تنصرف بحاجتك ولكن المسلك للجيش إلى بلادك صعب وأكره أن أغرره بجندي ولي فيما سألت نظر وأنت على ما تحب وأمر بإنزاله وإكرامه فلم يزل مقيما عنده حتى هلك وقد كان أبو مرة قال قصيدة بالحميرية يمتدح فيها كسرى فلما ترجمت له أعجب بها وولدت ريحانة ابنة ذي جدن لأبرهة الأشرم غلاما فسماه مسروقا ونشأ معد يكرب بن ذي يزن مع أمه ريحانة في حجر أبرهة فسبه ابن لأبرهة فقال له لعنك الله ولعن أباك وكان معد يكرب لا يحسب إلا أن الأشرم أبوه فأتى أمه فقال لها من أبي قالت الأشرم قال لا والله ما هو أبي ولو كان أبي ما سبني فلان فأخبرته أن أباه أبو مرة الفياض واقتصت عليه خبره فوقع ذلك في نفس الغلام ولبث بعد ذلك لبثا ثم إن الأشرم مات ومات ابنه يكسوم فخرج ابن ذي يزن قاصدا إلى ملك الروم وتجنب كسرى لإبطائه عن نصر أبيه فلم يجد عند ملك الروم ما يحب ووجده يحامي عن الحبشة لموافقتهم إياه على الدين فانكفأ راجعا إلى كسرى فاعترضه يوما وقد ركب فصاح به أيها الملك إن لي عندك ميراثا فدعا به كسرى لما نزل وقال من أنت وما ميراثك قال أنا ابن الشيخ اليماني ذي يزن الذي وعدته أن تنصره فمات ببابك وحضرتك فتلك العدة حق لي وميراث يجب عليك الخروج لي منه فرق له كسرى وأمر له بمال فخرج الغلام فجعل ينثر الدراهم فانتهبها الناس فأرسل إليه كسرى ما الذي حملك على ما صنعت قال إني لم آتك للمال إنما جئتك للرجال ولتمنعني من الذل فأعجب ذلك كسرى فبعث إليه أن أقم حتى أنظر في أمرك ثم إن كسرى استشار وزراءه في توجيه الجند معه فقال له الموبذان إن لهذا الغلام حقا بنزوعه وموت أبيه بباب الملك وحضرته وما تقدم من عدته إياه وفي سجون الملك رجال ذوو نجدة وبأس فلو أن الملك وجههم معه فإن اصابوا ظفرا كان له وإن هلكوا كان قد استراح وأراح أهل مملكته منهم ولم يكن ذلك ببعيد من الصواب قال كسرى هذا الرأي وأمر بمن كان في السجون من هذا الضرب فأحصوا فبلغوا ثمانمائة نفر فقود عليهم قائدا من أساورته يقال له وهرز كان كسرى يعدله بألف أسوار وقواهم وجهزهم وأمر بحملهم في ثماني سفائن في كل سفينة مائة رجل فركبوا البحر فغرقت من الثماني السفن سفينتان وسلمت ست فخرجوا بساحل حضرموت وسار إليهم مسروق في مائة ألف من الحبشة وحمير والأعراب ولحق بابن ذي يزن بشر كثير ونزل وهرز على سيف البحر وجعل البحر وراء ظهره فلما نظر مسروق إلى قلتهم طمع فيهم فأرسل إلى وهرز ما جاء بك وليس معك إلا من أرى ومعي من ترى لقد غررت بنفسك وأصحابك فإن أحببت أذنت لك فرجعت إلى بلادك ولم أهجك ولم ينلك ولا أحدا من أصحابك مني ولا من أحد من أصحابي مكروه وإن أحببت ناجزتك الساعة وإن أحببت أجلتك حتى تنظر في أمرك وتشاور أصحابك فأعظم وهرز أمرهم ورأى أنه لا طاقة له بهم فأرسل إلى مسروق بل تضرب بيني وبينك أجلا (1/447) ________________________________________ وتعطيني موثقا وعهدا وتأخذ مثله مني ألا يقاتل بعضنا بعضا حتى ينقضي الأجل ونرى رأينا ففعل ذلك مسروق ثم أقام كل واحد منهما في عسكره حتى إذا مضى من الأجل عشرة أيام خرج ابن وهرز يسير على فرس له حتى دنا من عسكرهم وحمله فرسه فتوسط به عسكرهم فقتلوه ووهرز لا يشعر به فلما بلغه قتل ابنه أرسل إلى مسروق قد كان بيني وبينكم ما قد علمتم فلم قتلتم ابني فأرسل إليه مسروق إن ابنك حمل علينا وتوسط عسكرنا فثار إليه سفهاء من سفهائنا فقتلوه وقد كنت لقتله كارها قال وهرز للرسول قل له إنه لم يكن ابني إنما كان ابن زانية ولو كان ابني لصبر ولم يغدر حتى ينقضي الأجل الذي بيننا ثم أمر فرمي به في الصعيد حيث ينظر إلى جثمانه وحلف ألا يشرب خمرا ولا يدهن رأسه حتى ينقضي الأجل بينه وبينهم فلما انقضى الأجل إلا يوما واحدا أمر بالسفن التي كانوا فيها فأحرقت بالنار وأمر بما كان معهم من فضل كسوة فأحرق ولم يدع منه إلا ما كان على أجسادهم ثم دعا بكل زاد معهم فقال لأصحابه كلوا هذا الزاد فأكلوه فلما انتهوا أمر بفضله فألقي في البحر ثم قام فيهم خطيبا فقال أما ما حرقت من سفنكم فإني أردت أن تعلموا أنه لا سبيل إلى بلادكم أبدا وأما ما حرقت من ثيابكم فإنه كان يغيظني إن ظفرت بكم الحبش أن يصير ذلك إليهم وأما ما ألقيت من زادكم في البحر فإني كرهت أن يطمع أحد منكم أن يكون معه زاد يعيش به يوما واحدا فإن كنتم قوما تقاتلون معي وتصبرون أعلمتموني ذلك وإن كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفي هذا حتى يخرج من ظهري فإني لم أكن لأمكنهم من نفسي أبدا فانظروا ما تكون حالكم إذا كنت رئيسكم وفعلت هذا بنفسي فقالوا لا بل نقاتل معك حتى نموت عن آخرنا أو نظفر فلما كان صبح اليوم الذي انقضى فيه الأجل عبى أصحابه وجعل البحر خلفه وأقبل عليهم يحضهم على الصبر ويعلمهم أنهم منه بين خلتين إما ظفروا بعدوهم وإما ماتوا كراما وأمرهم أن تكون قسيهم موترة وقال إذا أمرتكم أن ترموا فارموهم رشقا بالبنجكان ولم يكن أهل اليمن رأوا النشاب قبل ذلك وأقبل مسروق في جمع لا يرى طرفاه على فيل على رأسه تاج بين عينيه ياقوتة حمراء مثل البيضة لا يرى أن دون الظفر شيئا وكان وهرز قد كل بصره فقال أروني عظيمهم فقالوا هو صاحب الفيل ثم لم يلبث مسروق أن نزل فركب فرسا فقالوا قد ركب فرسا فقال ارفعو لي حاجبي وقد كانا سقطا على عينيه من الكبر فرفعوهما بعصابة ثم أخرج نشابة فوضعها في كبد قوسه وقال أشيروا لي إلى مسروق فأشاروا له إليه حتى أثبته ثم قال لهم ارموا فرموا ونزع في قوسه حتى إذا ملأها سرح النشابة فأقبلت كأنها رشاء حتى صكت جبهة مسروق فسقط عن دابته وقتل في ذلك الرشق منهم جماعة كثيرة وانفض صفهم لما رأوا صاحبهم صريعا فلم يكن دون الهزيمة شيء وأمر وهرز بجثة ابنه من ساعته فووريت وأمر بجثة مسروق فألقيت مكانها وغنم من عسركهم ما لا يحصى ولا يعد كثرة وجعل الأسوار يأخذ من الحبشة ومن حمير والأعراب الخمسين والستين فيسوقهم مكتفين لا يمتنعون منه فقال وهرز أما حمير والأعراب فكفوا عنهم واقصدوا قصد السودان فلا تبقوا منهم أحدا فقتلت الحبشة يومئذ حتى لم يبق منهم كثير أحد وهرب رجل من الأعراب على جمل له فركضه يوما وليلة ثم التفت فإذا في الحقيبة نشابة فقال لأمك الويل أبعد أم طول مسير حسب أن النشابة لحقته وأقبل وهرز حتى دخل صنعاء وغلب على بلاد اليمن وفرق عماله في المخاليف (1/448) ________________________________________ وفي ابن ذي يزن وما كان منه ومن وهرز والفرس يقول أبو الصلت أبو أمية بن أبي الصلت الثقفي ... ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن ... ريم في البحر للأعداء أحوالا ... أتى هرقل وقد شالت نعامنهم ... فلم يجد عنده بعض الذي قالا ... ثم انتحى نحو كسرى بعد سابعة ... من السنين لقد أبعدت إيغالا ... حتى أتى ببني الأحرار يحملهم ... إنك لعمري لقد أطولت قلقالا ... من مثل كسرى شهنشاه الملوك له ... أو مثل وهرز يوم الجيش إذ صالا ... لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن ترى لهم في الناس أمثالا ... غر جحاجحة بيض مرازبة ... أسد تربب في الغيضات أشبالا ... يرمون عن شدف كأنها غبط ... في زمخر يعجل المرمي إعجالا ... أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... أضحى شريدهم في الأرض فلالا ... فاشرب هنيئا عليك التاج متكئا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا ... وأطل بالمسك إذ شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبالا ... تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ... رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال فلما انصرف وهرز إلى كسرى وملك سيفا على اليمن عدا على الحبشة فجعل يقتلها ويبقر النساء عما في بطونها حتى إذا أفناها إلا بقايا ذليلة قليلة فاتخذهم خولا واتخذ منهم جمازين يسعون بين يديه بحرابهم فمكث بذلك حينا غير كثير ثم إنه خرج يوما والحبشة تسعى بين يديه بحرابهم حتى إذا كان في وسط منهم وجئوه بالحراب حتى قتلوه ووثب بهم رجل من الحبشة فقتل باليمن وأوعث فأفسد فلما بلغ ذلك كسرى بعث إليهم وهرز في أربعة آلاف من الفرس وأمره ألا يترك باليمن أسود ولا ولد عربية من أسود إلا قتله صغيرا أو كبيرا ولا يدع رجلا جعدا قططا قد شرك فيه السودان إلا قتله فأقبل وهرز حتى دخل اليمن ففعل ذلك ولم يترك بها حبشيا إلا قتله ثم كتب إلى كسرى بذلك فأمره كسرى عليها فكان عليها وكان يجيها إلى كسرى حتى هلك وأمر كسرى بعده ابنه المرزبان بن وهرز فكان عليها حتى هلك فأمر كسرى بعده البينجان بن المرزبان بن وهرز حتى هلك ثم أمر كسرى بعده خر خسره بن البينجان بن المرزبان بن وهرز فكان عليها ثم إن كسرى غضب عليه فحلف ليأتينه به أهل اليمن يحملونه على أعناقهم ففعلوا فلما قدم على كسرى تلقاه رجل من عظماء فارس فألقى عليه سيفا لأبي كسرى فأجاره كسرى بذلك من القتل ونزعه وبعث باذان إلى اليمن فلم يزل عليها حتى بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه و سلم وكان فيما ذكر بين كسرى أنوشروان وبين يخطيانوس ملك الروم موادعة وهدنة فوقع بين رجل من العرب كان ملكه يخطيانوس على عرب الشام يقال له خالد بن جبلة وبين رجل من لخم كان ملكه كسرى على ما بين عمان والبحرين واليمامة إلى الطائف وسائر الحجاز ومن فيها من العرب يقال له المنذر بن النعمان نائرة فأغار خالد بن جبلة على حيز المنذر فقتل من أصحابه مقتلة عظيمة وغنم أموالا من (1/449) ________________________________________ أمواله فشكا ذلك المنذر إلى كسرى وسأله الكتاب إلى ملك الروم في إنصافه من خالد فكتب كسرى إلى يخطيانوس يذكر ما بينهما من العهد على الهدنة والصلح ويعلمه ما لقي المنذر عامله على العرب من خالد بن جبلة الذي ملكه على من في بلاده من العرب ويسأله أن يأمر خالدا أن يرد على المنذر ما غنم من حيزه وبلاده ويدفع إليه دية من قتل من عربها وينصف المنذر بن خالد وألا يستخف بما كتب به من ذلك فيكون انتقاض ما بينهما من العهد والهدنة بسببه وواتر الكتب إلى يخطيانوس في إنصاف المنذر فلم يحفل بها فاستعد كسرى فغزا بلاد يخطيانوس في بضعة وتسعين ألف مقاتل فأخذ مدينة دارا ومدينة الرهاء ومدينة منبج ومدينة قنسرين ومدينة حلب ومدينة أنطاكية وكانت أفضل مدينة بالشأم ومدينة فامية ومدينة حمص ومدنا كثيرة متاخمة لهذه المدائن عنوة واحتوى على ما كان فيها من الأموال والعروض وسبى أهل مدينة أنطاكية ونقلهم إلى أرض السواد وأمر فبنيت لهم مدينة إلى جنب مدينة طيسبون على بناء مدينة أنطاكية على ما قد ذكرت قبل وأسكنهم إياها وهي التي تسمى الرومية وكور لها كورة وجعل لها خمسة طساسيج طسوج نهروان الأعلى وطسوج نهروان الأوسط وطسوج نهروان الأسفل وطسوج بادرايا وطسوج باكسايا وأجرى على السبي الذين نقلهم من أنطاكية إلى الرومية الأرزاق وولى القيام بأمورهم رجلا من نصارى أهل الأهواز كان ولاه الرياسة على أصحاب صناعاته يقال له براز رقة منه لذلك السبي إرادة أن يستأنسوا ببراز لحال ملته ويسكنوا إليه وأما سائر مدن الشام ومصر فإن يخطيانوس ابتاعها من كسرى بأموال عظيمة حملها إليه وضمن له فدية يحملها إليه في كل سنة على ألا يغزو بلاده وكتب لكسرى بذلك كتابا وختم هو وعظماء الروم عليه فكانوا يحملونها إليه في كل عام وكان ملوك فارس يأخذون من كور من كورهم قبل ملك كسرى أنوشروان في خراجها الثلث ومن كور الربع ومن كور الخمس ومن كور السدس على قدر شربها وعمارتها ومن جزية الجماجم شيئا معلوما فأمر الملك قباذ بن فيروز في آخر ملكه بمسح ا لأرض سهلها وجبلها ليصح الخراج عليها فمسحت غير أن قباذ هلك قبل أن يستحكم له أمر تلك المساحة حتى إذا ملك ابنه كسرى أمر باستتمامها وإحصاء النخل والزيتون والجماجم ثم أمر كتابه فاستخرجوا جمل ذلك وأذن للناس إذنا عاما وأمر كاتب خراجه أن يقرأ عليهم الجمل التي استخرجت من أصناف غلات الأرض وعدد النخل والزيتون والجماجم فقرأ ذلك عليهم ثم قال لهم كسرى إنا قد رأينا أن نضع على ما أحصي من جربان هذه المساحة من النخل والزيتون والجماجم وضائع ونأمر بإنجامها في السنة في ثلاثة أنجم ونجمع في بيوت أموالنا من الأموال ما لو أتانا عن ثغر من ثغورنا أو طرف من أطرافنا فتق أو شيء نكرهه واحتجنا إلى تداركه أو حسمه ببذلنا فيه مالا كانت الأموال عندنا معدة موجودة ولم نرد استئناف اجتبائها على تلك الحال فما ترون فيما رأينا من ذلك وأجمعنا عليه فلم يشر عليه أحد منهم فيه بمشورة ولم ينبس بكلمة فكرر كسرى هذا القول عليهم ثلاث مرات فقام رجل من عرضهم وقال لكسرى أتضع أيها الملك عمرك الله الخالد من هذا الخراج على الفاني من كرم يموت وزرع يهيج ونهر يغور وعين أو قناة ينقطع ماؤها فقال له كسرى يا ذا الكلفة المشؤوم (1/450) ________________________________________ من أي طبقات الناس أنت قال أنا رجل من الكتاب فقال كسرى اضربوه بالدوي حتى يموت فضربه بها الكتاب خاصة تبرؤا منهم إلى كسرى من رأيه وما جاء منه حتى قتلوه وقال الناس نحن راضون أيها الملك بما أنت ملزمنا من خراج وإن كسرى اختار رجالا من أهل الرأي والنصيحة فأمرهم بالنظر في أصناف ما ارتفع إليه من المساحة وعدة النخل والزيتون ورؤوس أهل الجزية ووضع الوضائع على ذلك بقدر ما يرون أن فيه صلاح رعيته ورفاغة معاشهم ورفعه إليه فتكلم كل امرئ منهم بمبلغ رأيه في ذلك من تلك الوضائع وأداروا الأمر بينهم فاجتمعت كلمتهم على وضع الخراج على ما يعصم الناس والبهائم وهو الحنطة والشعير والأرز والكرم والرطاب والنخل والزيتون وكان الذي وضعوا على كل جريب أرض من مزارع الحنطة والشعير درهما وعلى كل جريب أرض كرم ثمانية دراهم وعلى كل جريب أرض رطاب سبعة دراهم وعلى كل أربع نخلات فارسية درهما وعلى كل ست نخلات دقل مثل ذلك وعلى كل ستة أصول زيتون مثل ذلك ولم يضعوا إلا على كل نخل [ في ] حديقة أو مجتمع غير شاذ وتركوا ما سوى ذلك من الغلات السبع فقوي الناس في معاشهم وألزموا الناس الجزية ما خلا أهل البيوتات والعظماء والمقاتلة والهرابذة والكتاب ومن كان في خدمة الملك وصيروها على طبقات اثني عشر درهما وثمانية وستة وأربعة كقدر إكثار الرجل وإقلاله ولم يلزموا الجزية من كان أتي له من السن دون العشرين أو فوق الخمسين ورفعوا وضائعهم إلى كسرى فرضيها وأمر بإمضائها والاجتباء عليها في السنة في ثلاثة أنجم كل نجم أربعة أشهر وسماها أبراسيار وتأويله الأمر المتراضى وهي الوضائع التي اقتدى بها عمر بن الخطاب حين افتتح بلاد الفرس وأمر باجتباء أهل الذمة عليها إلا أنه وضع على كل جريب أرض غامر على قدر احتماله مثل الذي وضع على الأرض المزروعة وزاد على كل جريب أرض مزارع حنطة أو شعيرا قفيزا من حنطة إلى القفيزين ورزق منه الجند ولم يخالف عمر بالعراق خاصة وضائع كسرى على جربان الأرض وعلى النخل والزيتون والجماجم وألغى ما كان كسرى ألغاه من معايش الناس وأمر كسرى فدونت وضائعه نسخا فاتخذت نسخة منها في ديوانه قبله ودفعت نسخة إلى عمال الخراج ليجتبوا خراجهم عليها ونسخة إلى قضاة الكور وأمر القضاة أن يحولوا بين عمال الكور والزيادة على أهل الخراج فوق ما في الديوان الذي دفعت إليه نسخته وأن يرفعوا الخراج عن كل من أصاب زرعه أو شيئا من غلاته آفة بقدر مبلغ تلك الآفة وعمن هلك من أهل الجزية أو جاوز خمسين سنة ويكتبوا إليه بما يرفعون من ذلك ليأمر بحسبه للعمال وألا يخلوا بين العمال وبين اجتباء من أتي له دون عشرين سنة وكان كسرى ولى رجلا من الكتاب نابها بالنبل والمروءة والغناء والكفاية يقال له بابك بن البيروان ديوان المقاتلة فقال لكسرى إن أمري لا يتم إلا بإزاحة علتي في كل ما بي إليه الحاجة من صلاح أمر الملك في جنده فأعطاه ذلك فأمر بابك فبنيت له في الموضع الذي كان يعرض فيه الجند مصطبة وفرش له عليها بساط سوسنجرد ونمط صوف فوقه ووضعت له وسائد لتكأته ثم جلس على ما فرش له ثم نادى مناديه في شاهد عسكر كسرى من الجند أن يحضره الفرسان على كراعهم وأسلحتهم والرجالة عل ما يلزمهم من السلاح فاجتمع إليه الجند على ما أمرهم أن يحضروه عليه ولم يعاين كسرى فيهم فأمرهم بالانصراف ونادى مناديه في اليوم الثاني بمثل ذلك فاجتمع إليه الجند فلما لم ير كسرى فيهم أمرهم أن ينصرفوا ويغدوا إليه (1/451) ________________________________________ وأمر مناديه أن ينادي في اليوم الثالث ألا يتخلف عنه من شاهد العسكر أحد ولا من أكرم بتاج وسرير فإنه عزم لا رخصة فيه ولا محاباة فبلغ ذلك كسرى فوضع تاجه على رأسه وتسلح بسلاح المقاتلة ثم أتى بابك ليعترض عليه وكان الذي يؤخذ به الفارس من الجند تجافيف ودرعا وجوشنا وساقين وسيفا ورمحا وترسا وجرزا تلزمه منطقة وطبرزينا أو عمودا وجعبة فيها قوسان بوتريهما وثلاثين نشابة ووترين مضفورين يعلقهما الفارس في مغفر له ظهريا فاعترض كسرى على بابك بسلاح تام ما خلا الوترين اللذين كان يستظهر بهما فلم يجز بابك عن اسمه وقال له إنك أيها الملك واقف في موضع المعدلة التي لا محاباة تكون مني معها ولا هوادة فهلم كل ما يلزمك من صنوف الأسلحة فذكر كسرى قصة الوترين فتعلقهما ثم غرد داعي بابك بصوته وقال للكمي سيد الكماة أربعة آلاف درهم وأجاز بابك عن اسمه ثم انصرف وكان يفضل الملك في العطاء على أكثر المقاتلة عطاء بدرهم فلما قام بابك من مجلسه ذلك أتى كسرى فقال إن غلظتي في الأمر الذي أغلظت فيه عليك اليوم أيها الملك إنما هي لأن ينفذ لي عليه الأمر الذي وضعتني بسبيله وسبب من أوثق الأسباب لما يريد الملك إحكامه لمكاني فقال كسرى ما غلظ علينا أمر أريد به صلاح رعيتنا وأقيم عليه أود ذي الأود منهم ثم إن كسرى وجه مع رجل من أهل اليمن يقال له سيفان بن معد يكرب ومن الناس من يقول إنه كان يسمى سيف بن ذي يزن جيشا إلى اليمن فقتلوا من بها من السودان واستولوا عليها فلما دانت لكسرى بلاد اليمن وجه إلى سرنديب من بلاد الهند وهي أرض الجوهر قائدا من قواده في جند كثيف فقاتل ملكها فقتله واستولى عليها وحمل إلى كسرى منها أموالا عظيمة وجوهرا كثيرا ولم يكن ببلاد الفرس بنات آوى فتساقطت إليها من بلاد الترك في ملك كسرى أنوشروان فبلغ ذلك كسرى فبلغ ذلك منه مشقة فدعا بموبذان موبذ فقال إنه بلغنا تساقط هذه السباع إلى بلادنا وقد تعاظم الناس ذلك فتعجبنا من استعظامهم أمرها لهوانها فأخبرنا برأيك في ذلك فقال له موبذان موبذ فإني سمعت أيها الملك عمرك الله فقهاءنا يقولون متى لا يغمر في بلدة العدل الجور ويمحق بلي أهلها بغزو أعدائهم لهم وتساقط إليهم ما يكرهون وقد تخوفت أن يكون تساقط هذه السباع إلى بلادك لما أعلمتك من هذا الخطب فلم يلبث كسرى أن تناهى إليه أن فتيانا من الترك قد غزوا أقصى بلاده فأمر وزراءه وأصحاب أعماله ألا يتعدوا فيما هم بسبيله العدل ولا يعملوا في شيء منه إلا به فصرف الله لما جرى من العدل ذلك العدو عن بلاده من غير أن يكون حاربهم أو كلف مؤونة في أمرهم وكان لكسرى أولاد متأدبون فجعل الملك من بعده لهرمز ابنه الذي كانت أمه ابنة خاتون وخاقان لمعرفة كسرى إياه بالاقتصاد والأخذ بالوثيقة وما رجا بذلك من ضبط هرمز الملك وقدرته على تدبير الملك ورعيته ومعاملتهم وكان مولد رسول الله صلى الله عليه و سلم في عهد كسرى أنوشروان عام قدم أبرهة الأشرم أبو يكسوم مع الحبشة إلى مكة وساق فيه إليها الفيل يريد هدم بيت الله الحرام وذلك لمضي اثنتين وأربعين سنة من ملك كسرى أنو شروان وفي هذا العام كان يوم جبلة وهو يوم من أيام العرب مذكور (1/452) |
رد: مكتبتي
________________________________________
ذكر مولد رسول الله صلى الله عليه و سلم حدثنا ابن المثنى قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا أبي قال سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن المطلب بن عبدالله بن قيس بن محرمة عن أبيه عن جده قال ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه و سلم عام الفيل قال وسأل عثمان بن عفان قباث بن أشيم أخا بني عمرو بن ليث أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه و سلم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أكبر مني وأنا أقدم منه في الميلاد ورأيت خذق الفيل أخضر محيلا بعده بعام ورأيت أمية بن عبد شمس شيخا كبيرا يقوده عبده فقال ابنه يا قباث أنت أعلم وما تقول حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن المطلب بن عبدالله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده قيس بن مخرمة قال ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه و سلم عام الفيل فنحن لدان وحدثت عن هشام بن محمد قال ولد عبدالله بن عبدالمطلب أبو رسول الله صلى الله عليه و سلم لأربع وعشرين مضت من سلطان كسرى أنو شروان وولد رسول الله صلى الله عليه و سلم في سنة اثنتين وأربعين من سلطانه وحدثت عن يحيى بن معين قال حدثنا حجاج بن محمد قال حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ولد رسول الله صلى الله عليه و سلم عام الفيل حدثت عن إبراهيم بن المنذر قال حدثنا عبدالعزيز بن أبي ثابت قال حدثنا الزبير بن موسى عن أبي الحويرث قال سمعت عبدالملك بن مروان يقول لقباث بن أشيم الكناني الليثي يا قباث أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه و سلم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أكبر مني وأنا أسن منه ولد رسول الله صلى الله عليه و سلم عام الفيل ووقفت بي أمي على روث الفيل محيلا أعقله حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق قال ولد رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم الاثنين عام الفيل لاثنتي عشرة مضت من شهر ربيع الأول وقيل إنه ولد صلى الله عليه و سلم في الدار التي تعرف بدار ابن يوسف وقيل إن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان وهبها لعقيل بن ابي طالب فلم تزل في يد عقيل حتى توفي فباعها ولده من محمد بن يوسف أخي الحجاج بن يوسف فبنى داره التي يقال لها دار ابن يوسف وأدخل ذلك البيت في الدار حتى أخرجته الخيزران فجعلته مسجدا يصلى فيه حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال يزعمون فيما يتحدث الناس والله (1/453) ________________________________________ أعلم أن آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه و سلم كانت تحدث أنها أتيت لما حملت برسول الله صلى الله عليه و سلم فقيل لها إنك قد حملت بسيد هذه الأمة فإذا وقع بالأرض فقولي أعيذه بالواحد من شر كل حاسد ثم سميه محمدا ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت منه قصور بصرى من أرض الشام فلما وضعته أرسلت إلى جده عبدالمطلب أنه قد ولد لك غلام فأته فانظر إليه فأتاه فنظر إليه وحدثته بما رأت حين حملت به وما قيل لها فيه وما أمرت أن تسميه حدثني محمد بن سنان القزاز قال حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال حدثنا عبدالعزيز بن عمران قال حدثني عبدالله بن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم عن أبيه عن ابن أبي سويد الثقفي عن عثمان بن أبي العاص قال حدثتني أمي أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان ذلك ليل ولدته قالت فما شيء أنظر إليه من البيت إلا نور وإني لأنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول لتقعن علي حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال فيزعمون أن عبدالمطلب أخذه فدخل به على هبل في جوف الكعبة فقام عنده يدعو الله ويشكر ما أعطاه ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها والتمس له الرضعاء فاسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر يقال لها حليمة ابنة أبي ذؤيب وأبو ذئيب عبدالله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن فصية بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر واسم الذي أرضعه الحارث بن عبدالعزى بن رفاعة بن ملان بن ناصرة بن فصية بن سعد بن بكر بن هوزن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر واسم إخوته من الرضاعة عبدالله بن الحارث وأنيسة ابنة الحارث وخذامة ابنة الحارث وهي الشيماء غلب ذلك على اسمها فلا تعرف في قومها إلا به وهي حليمة ابنة عبدالله بن الحارث أم رسول الله صلى الله عليه و سلم ويزعمون أن الشيماء كانت تحضنه مع أمها إذ كان عندهم صلى الله عليه و سلم وأما غير ابن إسحاق فإنه قال في ذلك ما حدثني به الحارث قال حدثنا ابن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثني موسى بن شيبة عن عميرة ابنة عبيدالله بن كعب بن مالك عن برة ابنة أبي تجزأة قالت أول من أرضع رسول الله صلى الله عليه و سلم ثويبة بلبن ابن لها يقال له مسروح أياما قبل أن تقدم حليمة وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبدالمطلب وارضعت بعده أبا سلمة بن عبدالأسد المخزومي حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق وحدثنا هناد بن السري قال حدثنا يونس بن بكير قال حدثنا ابن إسحاق وحدثني هارون بن إدريس الأصم قال حدثنا المحاربي عن ابن إسحاق وحدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال حدثني عمي محمد بن سعيد قال حدثنا محمد بن إسحاق عن الجهم بن أبي الجهم مولى عبدالله بن جعفر عن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب قال كانت حليمة ابنة أبي ذؤيب السعدية أم رسول الله صلى الله عليه و سلم التي أرضعته تحدث أنها خرجت من بلدها معها زوجها وابن لها ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر تلتمس الرضعاء قالت وذلك في سنة (1/454) ________________________________________ شهباء لم تبق شيئا فخرجت على أتان لي قمراء معنا شارف لنا والله ما تبض بقطرة وما ننام ليلنا أجمع من حبينا الذي معي من بكائه من الجوع وما في ثديي ما يغنيه وما في شارفنا ما يغذوه ولكنا نرجو الغيث والفرج فخرجت على أتاني تلك فلقد أذمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه و سلم فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم وذلك أنا إنما نرجو المعروف من أبي الصبي فكنا نقول يتيم ما عسى أن تصنع أمه وجده فكنا نكرهه لذلك فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعا غيري فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي إني لأكره أن أرجع من بيت صواحباتي ولم آخذ رضيعا والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه قال لا عليك أن تفعلي فعسى الله أن يجعل لنا فيه بركة قالت فذهبت إليه فأخذته وما حملني على ذلك إلا أني لم أجد غيره قالت فلما أخذته رجعت به إلى رحلي فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن فشرب حتى روي وشرب معه أخوه حتى روي ثم ناما وما كان ينام قبل ذلك وقام زوجي إلى شارفنا تلك فنظر إليها فإذا إنها لحافل فحلب منها حتى شرب وشربت حتى انتهينا ريا وشبعا فبتنا بخير ليلة قالت يقول لي صاحبي حين أصبحت أتعلمين والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة قلت والله إني لأرجو ذلك قالت ثم خرجنا وركبت أتاني تلك وحملته عليها معي فوالله لقطعت بنا الركب ما يقدم عليها شيء من حمرهم حتى إن صواحبي ليقلن لي يا ابنة أبي ذؤيب اربعي علينا أليس هذه أتانك التي كنت خرجت عليها فأقول لهن بلى والله إنها لهي هي فيقلن والله إن لها لشأنا قالت ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا به معنا شباعا لبنا فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة ولا يجدها في ضرع حتى إن كان الحاضر من قومنا يقولون لرعيانهم ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي ابنة أبي ذؤيب فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن وتروح غنمي شباعا لبنا فلم نزل نتعرف من الله زيادة الخير به حتى مضت سنتان وفصلته وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا لما كنا نرى من بركته فكلمنا أمه وقلنا لها يا ظئر لو تركت بني عندي حتى يغلظ فإني أخشى عليه وباء مكة قالت فلم نزل بها حتى رددناه معنا قالت فرجعنا به فوالله إنه بعد مقدمنا به بأشهر مع أخيه في بهم لنا خلف بيوتنا إذا أتانا أخوه يشتد فقال لي ولأبيه ذاك أخي القرشي قد جاءه رجلان عليهما ثياب بياض فأضجعاه وشقا بطنه وهما يسوطانه قالت فخرجت أنا وأبوه نشتد فوجدناه قائما منتقعا وجهه قالت فالتزمته والتزمه أبوه وقلنا له مالك يا بني قال جاءني رجلان عليهما ثياب بياض فأضجعاني فشقا بطني فالتمسا فيه شيئا لا أدري ما هو قالت فرجعنا إلى خبائنا قالت وقال لي أبوه والله يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله قبل أن يظهر به ذلك قالت فاحتملناه فقدمنا به على أمه فقالت ما أقدمك به يا ظئر وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك قالت قلت قد بلغ الله بابني وقضيت الذي علي وتخوفت الأحداث عليه فأديته إليك كما تحبين قالت ما هذا بشأنك فاصدقيني خبرك قالت فلم تدعني حتى أخبرتها الخبر قالت فتخوفت عليه الشيطان قالت فقلت نعم قالت كلا والله ما للشيطان عليه سبيل وإن لبني لشأنا أفلا أخبرك خبره قالت قلت بلى قالت رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي قصور بصرى من أرض الشام ثم حملت به فوالله ما (1/455) ________________________________________ رأيت من حمل قط كان أخف منه ولا أيسر منه ثم وقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء دعيه عنك وانطلقي راشدة حدثنا نصر بن عبدالرحمن الأزدي قال حدثنا محمد بن يعلى عن عمر بن صبيح عن ثور بن يزيد الشأمي عن مكحول الشأمي عن شداد بن أوس قال بينا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ اقبل شيخ من بني عامر وهو مدرة قومه وسيدهم من شيخ كبير يتوكأ على عصا فمثل بين يدي النبي صلى الله عليه و سلم قائما ونسبه إلى جده فقال يا بن عبدالمطلب إني أنبئت أنك تزعم أنك رسول الله إلى الناس أرسلك بما أرسل به إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء ألا وإنك فوهت بعظيم وإنما كانت الأنبياء والخلفاء في بيتين من بني إسرائيل وأنت ممن يعبد هذه الحجارة والأوثان فما لك وللنبوة ولكن لكل قول حقيقة فأنبئني بحقيقة قولك وبدء شأنك قال فأعجب النبي صلى الله عليه و سلم بمسألته ثم قال يا أخا بني عامر إن لهذا الحديث الذي تسألني عنه نبأ ومجلسا فاجلس فثنى رجليه ثم برك كما يبرك البعير فاستقبله النبي صلى الله عليه و سلم بالحديث فقال يا أخا بني عامر إن حقيقة قولي وبدء شأني أني دعوة أبي إبراهيم وبشرى أخي عيسى ابن مريم وإني كنت بكر أمي وإنها حملت بي كأثقل ما تحمل وجعلت تشتكي إلى صواحبها ثقل ما تجد ثم إن أمي رأت في المنام أن الذي في بطنها نور قالت فجعلت أتبع بصري النور والنور يسبق بصري حتى أضاءت لي مشارق الأرض ومغاربها ثم إنها ولدتني فنشأت فلما أن نشأت بغضت إلي أوثان قريش وبغض إلي الشعر وكنت مسترضعا في بني ليث بن بكر فبينا أنا ذات يوم منتبذ من أهلي في بطن واد من أتراب لي من الصبيان نتقاذف بيننا بالجلة إذ أتانا رهط ثلاثة معهم طست من ذهب ملئ ثلجا فأخذوني من بين أصحابي فخرج أصحابي هرابا حتى انتهوا إلى شفير الوادي ثم أقبلوا على الرهط فقالوا ما أربكم إلى هذا الغلام فإنه ليس منا هذا ابن سيد قريش وهو مسترضع فينا من غلام يتيم ليس له أب فماذا يرد عليكم قتله وماذا تصيبون من ذلك ولكن إن كنتم لا بد قاتليه فاختاروا منا أينا شئتم فليأتكم مكانه فاقتلوه ودعوا هذا الغلام فإنه يتيم فلما رأى الصبيان القوم لا يحيرون إليهم جوابا انطلقوا هرابا مسرعين إلى الحي يؤذنونهم ويستصرخونهم على القوم فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعا لطيفا ثم شق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي وأنا أنظر إليه فلم أجد لذلك مسا ثم أخرج أحشاء بطني ثم غسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها ثم أعادها مكانها ثم قام الثاني منهم فقال لصاحبه تنح فنحاه عني ثم أدخل يده في جوفي فأخرج قلبي وأنا أنظر إليه فصدعه ثم أخرج منه مضغة سوداء فرمى بها ثم قال بيده يمنة منه كأنه يتناول شيئا فإذا أنا بخاتم في يده من نور يحار الناظرون دونه فختم به قلبي فامتلأ نورا وذلك نور النبوة والحكمة ثم أعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرا ثم قال الثالث لصاحبه تنح عني فأمر يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم ذلك الشق بإذن الله ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضا لطيفا ثم قال للأول الذي شق بطني زنه بعشرة من أمته فوزنوني بهم فرجحتهم ثم قال زنه بمائة من أمته فوزنوني بهم فرجحتهم ثم قال زنه بألف من أمته فوزنوني بهم فرجحتهم فقال دعوه فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم قال ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني ثم قالوا يا حبيب لم ترع إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك قال فبينا نحن كذلك إذ أنا بالحي قد جاءوا بحذافيرهم وإذا أمي وهي ظئري أمام الحي تهتف بأعلى صوتها (1/456) ________________________________________ وتقول يا ضعيفاه قال فانكبوا علي فقبلوا رأسي وما بين عيني فقالوا حبذا أنت من ضعيف ثم قالت ظئري يا وحيداه فانكبوا علي فضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني ثم قالوا حبذا أنت من وحيد وما أنت بوحيد إن الله معك وملائكته والمؤمنين من أهل الأرض ثم قالت ظئري يا يتيماه استضعفت من بين أصحابك فقتلت لضعفك فانكبوا علي فضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني وقالوا حبذا أنت من يتيم ما أكرمك على الله لو تعلم ماذا يراد بك من الخير قال فوصلوا بي إلى شفير الوادي فلما بصرت بي أمي وهي ظئري قالت يا بني ألا أراك حيا بعد فجاءت حتى انكبت علي وضمتني إلى صدرها فوالذي نفسي بيده إني لفي حجرها وقد ضمتني إليها وإن يدي في يد بعضهم فجعلت ألتفت إليهم وظننت أن القوم يبصرونهم فإذا هم لا يبصرونهم يقول بعض القوم إن هذا الغلام قد أصابه لمم أو طائف من الجن فانطلقوا به إلى كاهننا حتى ينظر إليه ويداويه فقلت يا هذا ما بي شيء مما تذكر إن آرائي سليمة وفؤادي صحيح ليس بي قلبة فقال أبي وهو زوج ظئري ألا ترون كلامه كلام صحيح إني لأرجو ألا يكون بابني بأس فاتفقوا على أن يذهبوا بي إلى الكاهن فاحتملوني حتى ذهبوا بي إليه فلما قصوا عليه قصتي قال اسكتوا حتى أسمع من الغلام فإنه أعلم بأمره منكم فسألني فاقتصصت عليه أمري ما بين أوله وآخره فلما سمع قولي وثب إلي فضمني إلى صدره ثم نادى بأعلى صوته يا للعرب يا للعرب اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه فواللات والعزى لئن تركتموه وأدرك ليبدلن دينكم وليسفهن عقولكم وعقول آبائكم وليخالفن أمركم وليأتينكم بدين لم تسمعوا بمثله قط فعمدت ظئري فانتزعتني من حجرة وقالت لأنت أعته وأجن من ابني هذا فلو علمت أن هذا يكون من قولك ما أتيتك به فاطلب لنفسك من يقتلك فإنا غير قاتلي هذا الغلام ثم احتملوني فأدوني إلى أهلي فأصبحت مفزعا مما فعل بي وأصبح أثر الشق ما بين صدري إلى منتهى عانتي كأنه الشراك لذلك حقيقة قولي وبدء شأني يا أخا بني عامر فقال العامري أشهد بالله الذي لا إله غيره أن أمرك حق فأنبئني بأشياء أسألك عنها قال سل عنك وكان النبي صلى الله عليه و سلم قبل ذلك يقول للسائل سل عما شئت وعما بدا لك فقال العامري يومئذ سل عنك لأنها لغة بني عامر فكلمه بما علم فقال له العامري أخبرني يابن عبدالمطلب ما يزيد في العلم قال التعلم قال فأخبرني ما يدل على العلم قال النبي صلى الله عليه و سلم السؤال قال فأخبرني ماذا يزيد في الشر قال التمادي قال فأخبرني هل ينفع البر بعد الفجور قال نعم التوبة تغسل الحوبة والحسنات يذهبن السيئات وإذا ذكر العبد ربه عند الرخاء أغاثه عند البلاء قال العامري وكيف ذلك يابن عبدالمطلب قال ذلك بأن الله يقول لا وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا أجمع له أبدا خوفين إن هو خافني في الدنيا أمنني يوم أجمع فيه عبادي عندي في حظيرة الفردوس فيدوم له أمنه ولا أمحقه فيمن أمحق وإن هو أمنني في الدنيا خافني يوم أجمع فيه عبادي لميقات يوم معلوم فيدوم له خوفه قال يابن عبدالمطلب أخبرني إلام تدعو قال أدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له وأن تخلع الأنداد وتكفر باللات والعزى وتقر بما جاء من الله من كتاب أو رسول وتصلي الصلوات الخمس بحقائقهن وتصوم شهرا من السنة وتؤدي زكاة مالك يطهرك الله بها ويطيب لك مالك وتحج البيت إذا وجدت إليه سبيلا وتغتسل من الجنابة وتؤمن بالموت وبالبعث بعد الموت وبالجنة والنار قال يا (1/457) ________________________________________ بن عبدالمطلب فإذا فعلت ذلك فمالي قال النبي صلى الله عليه و سلم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى ( 1 ) قال يابن عبدالمطلب هل مع هذا من الدنيا شيء فإنه يعجبني الوطاءة من العيش قال النبي صلى الله عليه و سلم نعم النصر والتمكن في البلاد قال فأجاب وأناب حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان الكلاعي أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قالوا يا رسول الله أخبرنا عن نفسك قال نعم أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور بصرى من أرض الشام واسترضعت في بني سعد بن بكر فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجا فأخذاني فشقا بطني ثم استخرجا منه قلبي فشقاه فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها ثم غسلا بطني وقلبي بذلك الثلج حتى أنقياه ثم قال أحدهما لصاحبه زنه بعشرة من أمته فوزنني بهم فوزنتهم ثم قال زنه بمائة من أمته فوزنني بهم فوزنتهم ثم قال زنه بألف من أمته فوزنني بهم فوزنتهم ثم قال دعه عنك فلو وزنته بأمته لوزنها قال ابن إسحاق هلك عبدالله بن عبدالمطلب أبو رسول الله صلى الله عليه و سلم وأم رسول الله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة حامل به وأما هشام فإنه قال توفي عبدالله أبو رسول الله بعدما أتى على رسول الله صلى الله عليه و سلم ثمانية وعشرون شهرا حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال قال محمد بن عمر الواقدي الثبت عندنا مما ليس بين أصحابنا فيه اختلاف أن عبدالله بن عبدالمطلب أقبل من الشام في عير لقريش فنزل بالمدينة وهو مريض فأقام بها حتى توفي ودفن في دار النابغة في الدار الصغرى إذا دخلت الدار على يسارك في البيت حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري أن أم رسول الله صلى الله عليه و سلم آمنة توفيت ورسول الله صلى الله عليه و سلم ابن ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة كانت قدمت به المدينة على أخواله من بني عدي بن النجار تزيره إياهم فماتت وهي راجعة به إلى مكة وقد حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني ابن جريج عن عثمان بن صفوان أن قبر آمنة بنت وهب في شعب أبي ذر بمكة حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن العباس بن عبدالله بن معبد بن العباس عن بعض أهله أن عبدالمطلب توفي ورسول الله صلى الله عليه و سلم ابن ثماني سنين وكان بعضهم يقول توفي عبدالمطلب ورسول الله ابن عشر سنين حدثنا ابن حميدن قال حدثنا سلمة قال حدثنا طلحة بن عمرو الحضرمي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه و سلم في حجر أبي طالب بعد جده عبدالمطلب فيصبح ولد عبدالمطلب غمصا رمصا ويصبح صلى الله عليه و سلم صقيلا دهينا (1/458 |
رد: مكتبتي
رجع الحديث إلى تمام أمر كسرى بن قباذ أنو شروان
حدثنا علي بن حرب الموصلي قال حدثنا أبو أيوب يعلى بن عمران البجلي قال حدثني مخزوم بن هانئ المخزومي عن أبيه وأتت له خمسون ومائة سنة قال لما كانت ليلة ولد فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم ارتجس إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وغاضت بحيرة ساوة ورأى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا وقد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها فلما أصبح كسرى أفزعه ما رأى فصبر تشجعا ثم رأى ألا يكتم ذلك عن وزرائه ومرازبته فلبس تاجه وقعد على سريره وجمعهم إليه فلما اجتمعوا إليه أخبرهم بالذي بعث إليهم فيه ودعاهم فبينا هم كذلك إذ ورد عليه كتاب بخمود النار فازداد غما إلى غمه فقال الموبذان وأنا أصلح الله الملك قد رأيت في هذه الليلة وقص عليه الرؤيا في الإبل فقال أي شيء يكون هذا يا موبذان وكان أعلمهم عند نفسه بذلك فقال حادث يكون من عند العرب فكتب عند ذلك من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر أما بعد فوجه إلي رجلا عالما بما أريد أن أسأله عنه فوجه إليه عبدالمسيح بن عمرو بن حيان بن بقيلة الغساني فلما قدم عليه قال له أعندك علم بما أريد أن أسألك عنه قال ليخبرني الملك فإن كان عندي منه علم وإلا أخبرته بمن يعلمه له فأخبره بما رأى فقال علم ذلك عند خال لي يسكن مشارف الشأم يقال له سطيح قال فأته فاسأله عما سألتك وأتني بجوابه فركب عبدالمسيح راحلته حتى قدم على سطيح وقد أشفى على الموت فسلم عليه وحياه فيم يحر سطيح جوابا فأنشأ عبدالمسيح يقول ... أصم أم يسمع غطريف اليمن ... يا فاصل الخطة أعيت من ومن ... أم فاز فازلم به شأو العنن ... أتاك شيخ الحي من آل سنن ... وأمه من آل ذئب بن حجن ... أزرق ممهى الناب صرار الأذن ... أبيض فضفاض الرداء والبدن ... رسول قيل العجم يسري للوسن ... يجوب بي الأرض علنداة شزن ... ترفعني وجن وتهوي بي وجن ... لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن ... حتى أتى عاري الجآجي والقطن ... تلفه في الريح بوغاء الدمن ... كأنما حثحث من حضني ثكن ... فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه وقال عبدالمسيح على جميل يسيح إلى سطيح وقدأوفى على الضريح بعثك ملك بني ساسان لارتجاس الإيوان وخمود النيران ورؤيا الموبذان رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها يا عبدالمسيح إذا كثرت التلاوة وبعث صاحب الهراوة وفاض وادي السماوة وغاضت بحيرة ساوة وخمدت نار فارس فليست الشأم لسطيح شأما يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات وكل ما هو آت آت ثم قضى سطيح مكانه فقام عبدالمسيح إلى رحله وهو يقول (1/459) ________________________________________ شمر فإنك ماضي الهم شمير ... لا يفزعنك تفريق وتغيير ... إن يك ملك بني ساسان أفرطهم ... فإن ذا الدهر أطوار دهارير ... فربما ربما أضحوا بمنزلة ... تهاب صولهم الأسد المهاصير ... منهم أخو الصرح مهران وإخوته ... والهرمزان وسابور وسابور ... والناس أولاد علات فمن علموا ... أن قد أقل فمهجور ومحقور ... وهم بنو الأم لما أن رأو نشبا ... فذاك بالغيب محفوظ ومنصور ... والخير والشر مقرونان في قرن ... فالخير متبع والشر محذور ... فلما قدم عبدالمسيح على كسرى أخبره بقول سطيح فقال إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا قد كانت أمور فملك منهم عشرة أربع سنين وملك الباقون إلى ملك عثمان بن عفان وحدثت عن هشام بن محمد قال بعث وهرز بأموال وطرف من طرف اليمن إلى كسرى فلما صارت ببلاد بني تميم دعا صعصعة بن ناجية بن عقال المجاشعي بني تميم إلى الوثوب عليه فأبوا ذلك فلما صارت في بلاد بني يربوع دعاهم إلى ذلك فهابوه فقال يا بني يربوع كأني بهذه العير قد مرت ببلاد بكر بن وائل فوثبوا عليها فاستعانوا بها على حربكم فلما سمعوا ذلك انتهبوها وأخذ رجل من بني سليط يقال له النطف خرجا فيه جوهر فكان يقال أصاب كنز النطف فصار مثلا وأخذ صعصعة خصفة فيها سبائك فضة وصار أصحاب العير إلى هوذة بن علي الحنفي باليمامة فكساهم وزودهم وحملهم وسار معهم حتى دخل على كسرى وكان لهوذة جمال وبيان فأعجب به كسرى وحفظ له ما كان منه ودعا بعقد من در فعقد على رأسه وكساه قباء ديباج مع كسوة كثيرة فمن ثم سمي هوذة ذا التاج وقال كسرى لهوذة أرايت هؤلاء القوم الذين صنعوا ما صنعوا من قومك هم قال لا قال أصلح هم لك قال بيننا الموت قال قد أدركت بعض حاجتك ونلت ثأرك وعزم على توجيه الخيل إلى بني تميم فقيل له إن بلادهم بلاد سوء إنما هي مفاوز وصحاري لا يهتدى لمسالكها وماؤهم من الآبار ولا يؤمن أن يعوروها فيهلك جندك وأشير إليه أن يكتب إلى عامله بالبحرين وهو آزاذ فروز بن جشنس الذي سمته العرب المكعبر وإنما سمي المكعبر لأنه كان يقطع الأيدي والأرجل وآلى ألا يدع من بني تميم عينا تطرف ففعل ووجه له رسولا ودعا بهوذة فجدد له كرامة وصلة وقال سر مع رسولي هذا فاشفني واشتف فأقبل هوذة والرسول معه حتى صار إلى المكعبر وذلك قريب من أيام اللقاط وكان بنو تميم يصيرون في ذلك الوقت إلى هجر للميرة واللقاط فنادى منادي المكعبر من كان ها هنا من بني تميم فليحضر فإن الملك قد أمر لهم بميرة وطعام يقسم فيهم فحضروا فأدخلهم المشقر وهو حصن حياله حصن يقال له الصفا وبينهما نهر يقال له محلم وكان الذي بنى المشقر رجلا من أساورة كسرى يقال له بسك بن ماهبوذ كان كسرى وجهه لبنائه فلما ابتدأه قيل له إن هؤلاء الفعلة لا يقيمون بهذا الموضع إلا أن تكون معهم نساء فإن فعلت ذلك بهم تم بناؤك وأقاموا عليه حتى يفرغوا منه فنقل إليهم الفواجر من ناحية السواد والأهواز وحملت إليهم روايا الخمر من أرض فارس في البحر فتناكحوا وتوالدوا فكانوا جل أهل مدينة هجر وتكلم القوم بالعربية وكانت دعوتهم إلى عبد القيس فلما جاء الإسلام قالوا لعبد القيس قد علمتم عددنا وعدتنا (1/460) ________________________________________ وعظيم غنائنا فأدخلونا فيكم وزوجونا قالوا لا ولكن أقيموا على حالكم فأنتم إخواننا وموالينا فقال رجل من عبد القيس يا معاشر عبدالقيس أطيعوني وألحقوهم فإنه ليس عن مثل هؤلاء مرغب فقال رجل من القوم أما تستحي أتأمرنا أن ندخل فينا من قد عرفت أوله وأصله قال إنكم إن لم تفعلوا ألحقهم غيركم من العرب قال إذا لا نستوحش لهم فتفرق القوم في العرب وبقيت في عبد القيس منهم بقية فانتموا إليهم فلم يردوهم عن ذلك فلما أدخل المكعبر بني تميم المشقر قتل رجالهم واستبقى الغلمان وقتل يومئذ قعنب الرياحي وكان فارس بني يربوع قتله رجلان من شن كانا ينوبان الملوك وجعل الغلمان في السفن فعبر بهم إلى فارس فخصوا منهم بشرا قال هبيرة بن حدير العدوي رجع إلينا بعدما فتحت إصطخر عدة منهم أحدهم خصي والآخر خياط وشد رجل من بني تميم يقال له عبيد بن وهب على سلسلة الباب فقطعها وخرج فقال ... تذكرت هندا لات حين تذكر ... تذكرتها ودونها سير أشهر ... حجازية علوية حل أهلها ... مصاب الخريف بين زور ومنور ... ألا هل أتى قومي على النأي أنني ... حييت ذماري يوم باب المشقر ... ضربت رتاج الباب بالسيف ضربة ... تفرج منها كل باب مضبر ... وكلم هوذة بن علي المكعبر يومئذ في مائة من أسرى بني تميم فوهبهم له يوم الفصح فأعتقهم ففي ذلك يقول الأعشى ... سائل تميما به أيام صفقتهم ... لما أتوه اسارى كلهم ضرعا ... وسط المشقر في غبراء مظلمة ... لا يستطيعون بعد الضر منتفعا ... فقال للملك أطلق منهم مائة ... رسلا من القول مخفوضا وما رفعا ... ففك عن مائة منهم إسارهم ... وأصبحوا كلهم من غله خلعا ... بهم تقرب يوم الفصح ضاحية ... يرجو الإله بما أسدى وما صنعا ... فلا يرون بذاكم نعمة سبقت ... إن قال قائلها حقا بها وسعا ... يصف بني تميم بالكفر لنعمته قال فلما حضرت وهرز الوفاة وذلك في آخر ملك أنو شروان دعا بقوسه ونشابته ثم قال أجلسوني فأجلسوه فرمى وقال انظروا حيث وقعت نشابتي فاجعلوا ناؤوسي هناك فوقعت نشابته من وراء الدير وهي الكنيسة التي عند نعم وهي تسمى اليوم مقبرة وهرز فلما بلغ كسرى موت وهرز بعث إلى اليمن أسوارا يقال له وين وكان جبارا مسرفا فعزله هرمز بن كسرى واستعمل مكانه المروزان فأقام باليمن حتى ولد له بها وبلغ ولده ثم هلك كسرى أنو شروان وكان ملكه ثمانيا وأربعين سنة ثم ملك هرمز بن كسرى أنوشروان وكانت أمه ابنة خاقان الأكبر فحدثت عن هشام بن محمد قال كان هرمز بن كسرى هذا كثير الأدب ذانية في الإحسان إلى الضعفاء والمساكين والحمل على الأشراف فعادوه وأبغضوه وكان في نفسه عليهم مثل ذلك ولما عقد التاج على رأسه اجتمع إليه أشراف أهل مملكته واجتهدوا في الدعاء له والشكر لوالده فوعدهم خيرا وكان متحريا للسيرة في رعيته (1/461) ________________________________________ بالعدل شديدا على العظماء لاستطالتهم كانت على الوضعاء وبلغ من عدله أنه كان يسير إلى ماه ليصيف فأمر فنودي في مسيره ذلك في جنده وسائر من كان في عسكره أن يتحاموا مواضع الحروث ولا يضروا بأحد من الدهاقين فيها ويضبطوا دوابهم عن الفساد فيها ووكل بتعاهد ما يكون في عسكره من ذلك ومعاقبة من تعدى أمره وكان ابنه كسرى في عسكره فعار مركب من مراكبه ووقع في محرثة من المحارث التي كانت على طريقه فرتع فيها وأفسد منها فأخذ ذلك المركب ودفع إلى الرجل الذي وكل هرمز بمعاقبة من أفسد أو دابته شيئا من المحارث وتغريمه فلم يقدر الرجل على إنفاد أمر هرمز في كسرى ولا في احد ممن كان معه في حشمه فرفع ما رأى من إفساد ذلك المركب إلى هرمز فأمر أن يجدع أذنيه ويتبر ذنبه ويغرم كسرى فخرج الرجل من عند هرمز لينفذ أمره في كسرى ومركبه ذلك فدس له كسرى رهطا من العظماء ليسألوه التغبيب في أمره فلقوه وكلموه في ذلك فلم يجب إليه فسألوه أن يؤخر ما أمر به هرمز في المركب حتى يكلموه فيأمر بالكف عنه ففعل فلقي أولئك الرهط هرمز وأعلموه أن بالمركب الذي أفسد ما أفسد زعارة وأنه عار فوقع في محرثة فأخذ من ساعة وقع فيها وسألوه أن يأمر بالكف عن جدعة وتبتيره لما فيها من سوء الطيرة على كسرى فلم يجبهم إلى ما سألوا من ذلك وأمر بالمركب فجده أذناه وبتر ذنبه وغرم كسرى مثل ما كان يغرم غيره في هذا الحد ثم ارتحل من معسكره وكان هرمز ركب ذات يوم في أوان إيناع الكرم إلى ساباط المدائن وكان ممره على بساتين وكروم وإن رجلا ممن ركب معه من أساورته اطلع في كرم فرأى فيه حصرما فأصاب منه عناقيد ودفعها إلى غلام كان معه وقال له اذهب بها إلى المنزل واطبخها بلحم واتخذ منها مرقة فإنها نافعة في هذا الإبان فأتاه حافظ ذلك الكرم فلزمه وصرخ فبلغ [ من ] إشفاق الرجل من عقوبة هرمز على تناوله من ذلك الكرم أن دفع إلى حافظ الكرم منطقة محلاة بذهب كانت عليه عوضا له من الحصرم الذي رزأ من كرمه وافتدى نفسه بها ورأى أن قبض الحافظ إياها منه وتخليته عنه منة من بها عليه ومعروف أسداه إليه وقيل إن هرمز كان مظفرا منصورا لا يمد يده إلى شيء إلا ناله وكان مع ذلك أديبا أريبا داهيا رديء النية قد نزعه أخواله الأتراك وكان مقصيا للأشراف وإنه قتل من العلماء وأهل البيوتات والشرف ثلاثة عشر ألف رجل وستمائة رجل وإنه لم يكن له رأي إلا في تألف السفلة واستصلاحهم وإنه حبس ناسا كثيرا من العظماء وأسقطهم وحط مراتبهم ودرجاتهم وجهز الجنود وقصر بالأساورة ففسد عليه كثير ممن كان حوله لما أراد الله من تغيير أمرهم وتحويل ملكهم ولكل شيء سبب وإن الهرابذة رفعوا إليه قصة يبغون فيها على النصارى فوقع فيها إنه كما لا قوام لسرير ملكنا بقائمتيه المقدمتين دون قائمتيه المؤخرتين فكذلك لا قوام لملكنا ولا ثبات له مع استفسادنا من بلادنا من النصارى وأهل سائر الملل المخالفة لنا فأقصروا عن البغي على النصارى وواظبوا على أعمال البر ليرى ذلك النصارى وغيرهم من أهل الملل [ والأديان ] فيحمدوكم عليهم وتتوق أنفسكم إلى ملتكم وحدثت عن هشام بن محمد قال خرج على هرمز الترك وقال غيره أقبل عليه شابة ملك الترك الأعظم في ثلاثمائة ألف مقاتل في سنة إحدى عشرة من ملكه حتى صار إلى باذغيس وهراة وإن ملك الروم صار إلى الضواحي في ثمانين ألف مقاتل قاصدا له وإن ملك الخزر صار في جمع عظيم إلى الباب والأبواب فعاث وأخرب وإن رجلين من العرب يقال لأحدهما عباس الأحول والآخر عمرو (1/462) ________________________________________ الأزرق نزلا في جمع عظيم من العرب بشاطيء الفرات وشنوا الغارة على أهل السواد واجترأ أعداؤه عليه وغزوا بلاده وبلغ من اكتنافهم إياها أنها سميت منخلا كثير السمام وقيل قد اكتنف بلاد الفرس الأعداء من كل وجه كاكتناف الوتر سيتي القوس وأرسل شابة ملك الترك إلى هرمز وعظماء الفرس يؤذنهم بإقباله في جنوده ويقول رموا قناطر أنهار وأودية اجتاز عليها إلى بلادكم واعقدوا القناطر على كل نهر من تلك الأنهار لا قنطرة له وافعلوا ذلك في الأنهار والأودية التي عليها مسلكي من بلادكم إلى بلاد الروم لإجماعي بالمسير إليها من بلادكم فاستفظع هرمز ما ورد عليه من ذلك وشاور فيه فأجمع له على القصد لملك الترك فوجه إليه رجلا من أهل الري يقال له بهرام بن بهرام جشنس ويعرف بجوبين في اثني عشر ألف رجل اختاره بهرام على عينيه من الكهول دون الشباب ويقال إن هرمز عرض ذلك الوقت من كان بحضرته من الديوانية فكات عدتهم سبعين ألف مقاتل فمضى بهرام بمن ضم إليه مغذا حتى جاز هراة وباذغيس ولم يشعر شابة ببهرام حتى نزل بالقرب منه معسكرا فجرت بينهما رسائل وحروب وقتل بهرام شابة برمية رماه إياها وقيل إن الرمي في ملك العجم كان لثلاثة نفر منها رمية أرششياطين بين منوشهر وأفراسياب ومنها رمية سوخرا في الترك ومنها رمية بهرام هذه واستباح عسكره وأقام بموضعه فوافاه برموذة بن شابة وكان يعدل بأبيه فحاربه فهزمه وحصره في بعض الحصون ثم ألح عليه حتى استسلم له فوجهه إلى هرمز أسيرا وغنم مما كان في الحصن [ وكانت ] كنوزا عظيمة ويقال إنه حمل إلى هرمز من الأموال والجوهر والآنية والسلاح وسائر الأمتعة مما غنمه وقر مائتي ألف وخمسين ألف بعير فشكر هرمز لبهرام ما كان منه بسبب الغنائم التي صارت إليه وخاف بهرام سطوة هرمز وخاف مثل ذلك من كان معه من الجنود فخلعوا هرمز وأقبلوا نحو المدائن وأظهروا الامتعاض مما كان من هرمز وأن ابنه أبرويز أصلح للملك منه وساعدهم على ذلك بعض من كان بحضرة هرمز فهرب أبرويز بهذا السبب إلى آذربيجان خوفا من هرمز فاجتمع إليه هناك عدة من المرازبة والإصبهبذين فأعطوه بيعتهم ووثب العظماء والأشراف بالمدائن وفيهم بندي وبسطام خالا أبرويز فخلعوا هرمز وسملوا عينيه وتركوه تحرجا من قتله وبلغ الخبر أبرويز فأقبل بمن شايعه من آذربيجان إلى دار الملك مسابقا لبهرام فلما صار إليها استولى على الملك وتحرز من بهرام والتقى هو وهو على شاطئ النهروان فجرت بينهما مناظرة وموافقة ودعا أبرويز بهرام إلى أن يؤمنه ويرفع مرتبته ويسني ولايته فلم يقبل ذلك وجرت بينهما حروب اضطرت أبرويز إلى الهرب إلى الروم مستغيثا بملكها بعد حرب شديدة وبيات كان من بعضهم لبعض وقيل إنه كان مع بهرام جماعة من الأشداء وكان فيهم ثلاثة نفر من وجوه الأتراك لا يعدل بهم في فروسيتهم وشدتهم من الأتراك أحد قد جعلوا لبهرام قتل أبرويز فلما كان الغد من ليلة البيات وقف أبرويز ودعا الناس إلى حرب بهرام فتثاقلوا عليه قصده النفر الثلثة من الأتراك فخرج إليهم أبرويز فقتلهم بيده واحدا واحدا ثم انصرف من المعركة وقد أحس من أصحابه بالفتور والتغير فصار إلى أبيه بطيسبون حتى دخل عليه وأعلمه ما قد تبينه من أصحابه وشاوره فأشار عليه بالمصير إلى موريق ملك الروم ليستنجده فأحرز حرمه في موضع أمن عليهم بهرام ومضى في عدة يسيرة منهم بندي وبسطام وكردي أخو بهرام جوبين حتى صار إلى أنطاكية وكاتب موريق فقبله وزوجه ابنة له كانت عزيزة عليه يقال لها مريم وكان جميع مدة ملك هرمز بن كسرى في (1/463) ________________________________________ قول بعضهم إحدى عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرة ايام وأما هشام بن محمد فإنه قال كان ملكه اثنتي عشرة سنة ثم ملك كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى أنو شروان وكان من أشد ملوكهم بطشا وأنفذهم رأيا وأبعدهم غورا وبلغ فيما ذكر من البأس والنجدة والنصر والظفر وجمع الأموال والكنوز ومساعدة القدر ومساعفة الدهر إياه لم يتهيأ لملك أكثر منه ولذلك سمي أبرويز وتفسيره بالعربية المظفر وذكر أنه لما استوحش من أبيه هرمز لما كان من احتيال بهرام جوبين في ذلك حتى أوهم هرمز أنه على أن يقوم بالملك لنفسه دونه سار إلى آذربيجان مكتتما ثم أظهر أمره بعد ذلك فلما صار في الناحية اجتمعت إليه جماعة ممن كان هناك من الإصبهبذين وغيرهم فأعطوه بيعتهم على نصرته فلم يحدث في الأمر شيئا وقيل إنه لما قتل آذينجشنس الموجه لمحاربة بهرام جوبين انفض الجمع الذي كان معه حتى وافوا المدائن واتبعهم جوبين فاضطرب أمر هرمز وكتبت أخت آذينجشنس إلى أبرويز وكانت تربه تخبره بضعف هرمز للحادث في آذنيجشنس وأن العظماء قد أجمعوا على خلعه وأعلمته أن جوبين إن سبقه إلى المدائن قبل موافاته احتوى عليها فلما ورد الكتاب على أبرويز جمع من أمكنه من أرمينية وآذربيجان وصار بهم إلى المدائن واجتمع إليه الوجوه والأشراف مسرورين بموافاته فتتوج بتاج الملك وجلس على سريره وقال إن من ملتنا إيثار البر ومن رأينا العمل بالخير وإن جدنا كسرى بن قباذ كان لكم بمنزلة الوالد وإن هرمز أبانا كان لكم قاضيا عادلا فعليكم بلزوم السمع والطاعة فلما كان في اليوم الثالث أتى أباه فسجد له وقال عمرك الله أيها الملك إنك تعلم أني بريء مما أتى إليك المنافقون وأني إنما تواريت ولحقت بآذربيجان خوفا من إقدامك على القتل فصدقه هرمز وقال له إن لي إليك يا بني حاجتين فأسعفني بهما إحداهما أن تنتقم لي ممن عاون على خلعي والسمل لعيني ولا تأخذك فيهم رأفة والأخرى أن تؤنسني كل يوم بثلاثة نفر لهم أصالة رأي وتأذن لهم في الدخول علي فتواضع له أبرويز وقال عمرك الله أيها الملك إن المارق بهرام قد أظلنا ومعه الشجاعة والنجدة ولسنا نقدر أن نمد يدا إلى من آتى إليك ما آتى فإن أدالني الله على المنافق فأنا خليفتك وطوع يدك وبلغ بهرام قدوم كسرى وتمليك الناس إياه فأقبل بجنده حثيثا نحو المدائن وأذكى أبرويز العيون عليه فلما قرب منه رأى أبرويز أن الترفق به أصلح فتسلح وأمر بندويه وبسطام وناسا كان يثق بهم من العظماء وألف رجل من جنده فتزينوا وتسلحوا وخرج بهم أبرويز من قصره نحو بهرام والناس يدعون له وقد احتوشه بندويه وبسطام وغيرهما من الوجوه حتى وقف على شاطئ النهروان فلما عرف بهرام مكانه ركب برذونا له أبلق كان معجبا به وأقبل حاسرا ومعه إيزدجشنس وثلاثة نفر من قرابة ملك الترك كانوا جعلوا لبهرام على أنفسهم أن يأتوه بأبرويز أسيرا وأعطاهم بهرام على ذلك أموالا عظيمة ولما رأى بهرام بزة كسرى وزينته والتاج يسايره معه درفش كابيان علمهم الأعظم منشورا وأبصر بندويه وبسطام وسائر العظماء وحسن تسلحهم وفراهة دوابهم اكتأب لذلك وقال لمن معه ألا ترون ابن الفاعلة قد ألحم وأشحم وتحول من الحداثة إلى الحنكة واستوت لحيته وكمل شبابه وعظم بدنه فبينا هو يتكلم بهذا وقد وقف على شاطئ النهروان إذ قال كسرى لبعض من كان واقفا أي هؤلاء بهرام فقال أخ لبهرام يسمى (1/464) ________________________________________ كردي لم يزل مطيعا لأبرويز مؤثرا له عمرك الله صاحب البرذون الأبلق فبدأ كسرى فقال إنك يا بهرام ركن لمملكتنا وسناد لرعيتنا وقد حسن بلاؤك عندنا وقد رأينا أن نختار لك يوما صالحا لنوليك فيه إصبهبذة بلاد الفرس جميعا فقال له بهرام وازداد من كسرى قربا لكني أختار لك يوما أصلبك فيه فامتلأ كسرى حزنا من غير أن يبدو في وجهه من ذلك شيء وامتد بينهما الكلام فقال بهرام لأبرويز يابن الزانية المربى في خيام الأكراد هذا ومثله ولم يقبل شيئا مما عرضه عليه وجرى ذكر إيرش جد بهرام فقرعه أبرويز بطاعة إيرش كات لمنوشهر جده وتفرقا وكل واحد منهما على غاية الوحشة لصاحبه وكانت لبهرام أخت يقال لها كردية من أتم النساء وأكملهن وكان تزوجها فعاتبت بهرام على سوء ملافظته كانت لكسرى وأرادته على الدخول في طاعته فلم يقبل ذلك وكانت بين كسرى وبهرام مبايتة فيقال إنه لما كان من غد الليلة التي كان البيات فيها أبرز كسرى نفسه فلما رآه الأتراك الثلاثة قصدوه فقتلهم بيده أبرويز وحرض الناس على القتال فتبين فشلا فأجمع أبرويز على إتيان بعض الملوك للاستجاشة به فصار إلى أبيه وشاوره فرأى له المصير إلى ملك الروم فأحرز نساءه وشخص في عدة يسيرة فيهم بندويه وبسطام وكردي أخو بهرام فلما خرجوا من المدائن خاف القوم من بهرام أن يرد هرمز إلى الملك ويكتب إلى ملك الروم عنه في ردهم فيتلفوا فأعلموا أبرويز ذلك واستأذنوه في إتلاف هرمز فلم يحر جوابا فانصرف بندويه وبسطام وبعض من كان معهم إلى هرمز حتى أتلفوه خنقا ثم رجعوا إلى كسرى وقالوا سر على خير طائر فحثوا دوابهم وصاروا إلى الفرات فقطعوه وأخذوا طريق المفازة بدلالة رجل يقال له خرشيذان وصاروا إلى بعض الديارات التي في أطراف العمارة فلما أوطنوا إلى الراحة غشيتهم خيل بهرام يرأسها رجل يقال له بهرام بن سياوش فلما نذروا بهم أنبه بندويه أبرويز من نومه وقال له احتل لنفسك فإن القوم قد أطلوك قال كسرى ما عندي حيلة فأعمله بندويه أنه يبذل نفسه دونه وسأله أن يدفع إليه بزته ويخرج ومن معه من الدير ففعلوا ذلك وبادروا القوم حتى تواروا بالجبل فلما وافى بهرام بن سياوش اطلع عليه من فوق الدير بندويه وعليه بزة أبرويز فوهمه بذلك أنه أبرويز وسأله أن ينظره إلى غده ليصير في يده سلما فأمسك عنه ثم ظهر بعد ذلك على حيلته فانصرف به إلى جوبين فحبسه في يدي بهرام بن سياوش ويقال إن بهرام دخل دور الملك بالمدائن وقعد على سريره واجتمع إليه الوجوه والعظماء فخطبهم ووقع في أبرويز وذمه ودار بينه وبين الوجوه مناظرات وكلام كان كلهم منصرفا عنه إلا أن بهرام جلس على سرير الملك وتتوج وانقاد له الناس خوفا ويقال إن بهرام بن سياوش واطأ بندويه على الفتك بجوبين وإن جوبين ظهر على ذلك فقتله وأفلت بندويه فلحق بآذربيجان وسار أبرويز حتى أتى أنطاكية وكاتب موريق ملك الروم منها وأرسل إليه بجماعة ممن كان معه وسأله نصرته فأجابه إلى ذلك وقادته الأمور إلى أن زوجه مريم ابنته وحملها إليه وبعث إليه بثياذوس أخيه ومعه ستون ألف مقاتل عليهم رجل يقال له سرجس يتولى تدبير أمرهم ورجل آخر كانت قوته تعدل بقوة ألف رجل واشترط عليه حياطته وألا يسأله الإتاوة التي كان آباؤه يسألونها ملوك الروم فلما ورد القوم على أبرويز اغتبط وأراحهم بعد موافاتهم خمسة أيام ثم عرضهم وعرف عليهم العرفاء وفي القوم ثياذوس وسرجس والكمي الذي يعدل بألف رجل وسار بهم حتى صار إلى آذربيجان ونزل صحراء تدعى الدنق فوافاه هناك بندويه ورجل من (1/465) ________________________________________ أصبهبذي الناحية يقال له موسيل في أربعين ألف مقاتل وانقض الناس من فارس وأصبهان وخراسان إل أبرويز وانتهى إلى بهرام مكانه بصحراء الدنق فشخص نحوه من المدائن فجرت بينهما حرب شديدة قتل فيها الكمي الرومي ويقال إن أبرويز حارب بهرام منفردا من العسكر بأربعة عشر رجلا منهم كردي أخو بهرام وبندويه وبسطام وسابور بن أفريان بن فرخزاذ وفرخهرمز حربا شديدة وصل فيها بعضهم إلى بعض والمجوس تزعم أن أبرويز صار إلى مضيق واتبعه بهرام فلما ظن أنه قد تمكن منه رفعه إلى الجبل شيء لا يوقف عليه وذكر أن المنجمين أجمعت أن أبرويز يملك ثمانيا وأربعين سنة وقد كان أبرويز بارز بهرام فاختطف رمحه من يده وضرب به رأسه حتى تقصف فاضطرب على بهرام أمره ووجل وعلم أنه لا حيلة له في أبرويز فانحاز نحو خراسان ثم صار إلى الترك وصار أبرويز إلى المدائن بعد أن فرق في جنود الروم عشرين ألف ألف وصرفهم إلى موريق ويقال إن أبرويز كتب للنصارى كتابا أطلق لهم فيه عمارة بيعهم وأن يدخل في ملتهم من أحب الدخول فيها من غير المجوس واحتج في ذلك أن أنوشروان كان هادن قيصر في الإتاوة التي أخذها منه على استصلاح من في بلده من أهل بلده واتخاذ بيوت النيران هنالك وإن قيصر اشترط مثل ذلك في النصارى ولبث بهرام في الترك مكرما عند الملك حتى احتال له أبرويز بتوجيه رجل يقال له هرمز وجهه إلى الترك بجوهر نفيس وغيره حتى احتال لخاتون امرأة الملك ولا طعلها بذلك الجوهر وغيره حتى دست لبهرام من قتله فيقال إن خاقان اغتم لقتله وأرسل إلى كردية أخته وامرأته يعلمها بلوغ الحادث ببهرام منه ويسألها أن تزوج نفسها نطرا أخاه وطلق خاتون بهذا السبب فيقال إن كردية أجابت خاقان جوابا لينا وصرفت نطرا وإنها ضمت إليها من كان مع أخيها من المقاتلة وخرجت بهم من بلاد الترك إلى حدود مملكة فارس وإن نطرا التركي اتبعها في اثني عشر ألف مقاتل وإن كردية قتلت نطرا بيدها ومضت لوجهها وكتبت إلى أخيها كردي فأخذ لها أمانا من أبرويز فلما قدمت عليه تزوجها برويز واغتبط بها وشكر لها ما كان من عتابها لبهرام وأقبل أبرويز على بر موريق وإلطافه وإن الروم خلعوا بعد أن ملك كسرى أربع عشرة سنة موريق وقتلوه وأبادوا ورثته خلا ابن له هرب إلى كسرى وملكوا عليهم رجلا يقال له قوفا فلما بلغ كسرى نكث الروم عهد موريق وقتلهم إياه امتعض من ذلك وأنف منه وأخذته الحفيظة فآوى ابن موريق اللاجيء إليه وتوجه وملكه على الروم ووجه معه ثلاثة نفر من قواده في جنود كثيفة أما أحدهم فكان يقال له رميوزان وجهه إلى بلاد الشام فدوخها حتى انتهى إلى أرض فلسطين وورد مدينة بيت المقدس فأخذ أسقفها ومن كان فيها من القسيسين وسائر النصارى بخشبة الصليب وكانت وضعت في تابوت من ذهب وطمر في بستان وزرع فوقه مبقلة وألح عليهم حتى دلوه على موضعها فاحتفر عنها بيده واستخرجها وبعث بها إلى كسرى في أربع وعشرين من ملكه وأما القائد الآخر وكان يقال له شاهين وكان فاذوسبان المغرب فإنه سار حتى احتوى على مصر والاسكندرية وبلاد نوبة وبعث إلى كسرى بمفاتيح مدينة إسكندرية في سنة ثمان وعشرين من ملكه وأما القائد الثالث فكان يقال له فرهان وتدعى مرتبته شهربراز وإنه قصد القسطنطينية حتى أناخ على ضفة الخليج القريب منها وخيم هنالك فأمره كسرى فخرب بلاد الروم غضبا مما انتهكوا من موريق وانتقاما له منهم ولم يخضع لابن موريق من الروم أحد ولم يمنحه الطاعة غير أنهم قتلوا قوفا الملك الذي كانوا ملكوه عليهم (1/466) ________________________________________ لما ظهر لهم من فجوره وجرأته على الله وسوء تدبيره وملكوا عيهم رجلا يقال له هرقل فلما رأى هرقل عظيم ما فيه بلادالروم من تخريب جنود فارس إياها وقتلها مقاتلتهم وسبيهم ذراريهم واستباحتهم أموالهم وانتهاكهم ما بحضرتهم بكى إلى الله وتضرع إليه وسأله أن ينقذه وأهل مملكته من جنود فارس فرأى في منامه رجلا ضخم الجثة رفيع المجلس عليه بزة قائما في ناحية عنه فدخل عليهما داخل فألقى ذلك الرجل عن مجلسه وقال لهرقل إني قد أسلمته في يدك فلم يقصص رؤياه تلك في يقظته على أحد ورأى الليلة الثانية في منامه أن الرجل الذي رآه في حلمه جالس في مجلس رفيع وأن الرجل الداخل عليهما أتاه وبيده سلسلة طويلة فألقاها في عنق صاحب المجلس وأمكنه منه وقال له هأنذا قد دفعت إليك كسرى برمته فاغزه فإن الظفر لك وإنك مدال عليه ونائل أمنيتك في غزاتك فلما تتابعت عليه هذه الأحلام قصها على عظماء الروم وذوي الرأي منهم فأخبروه أنه مدال عليه وأشاروا عليه أن يغزوه فاستعد هرقل واستخلف ابنا له على مدينة قسطنطينية وأخذ غير الطريق الذي فيه شهربراز وسار حتى أوغل في بلاد أرمينية ونزل نصيبين بعد سنة وكان شاهين فاذوسبان المغرب بباب كسرى حين ورد هرقل نصيبين لموجدة كانت من كسرى عليه وعزله إياه عن ذلك الثغر وكان شهربراز مرابطا للموضع الذي كان فيه لتقدم كسرى كان إليه في الجثوم فيه وترك البراح منه فبلغ كسرى خبر تساقط هرقل في جنوده إلى نصيبين فوجه لمحاربة هرقل رجلا من قواده يقال له راهزار في اثني عشر الف مقاتل وأمره أن يقيم بنينوى من مدينة الموصل على شاطئ دجلة ويمنع الروم أن يجوزوها وكان كسرى حين بلغه خبر هرقل مقيم بدسكرة الملك فنفذ راهزار لأمر كسرى وعسكر حيث أمره فقطع هرقل دجلة في موضع آخر إلى الناحية التي كان فيها جند فارس فأذكى راهزار العيون عليه فانصرفوا إليه وأخبروه أنه في سبعين ألف مقاتل وأيقن راهزار أنه ومن معه من الجنود عاجزون عن مناهضة سبعين ألف مقاتل فكتب إلى كسرى غير مرة دهم هرقل إياه بمن لا طاقة له ولمن معه بهم لكثرتهم وحسن عدتهم كل ذلك يجيبه كسرى في كتابه أنه إن عجز عن أولئك الروم فلن يعجز عن استقتالهم وبذل دمائهم في طاعته فلما تتابعت على راهزار جوابات كتبه إلى كسرى بذلك عبى جنده وناهض الروم فقتلت الروم راهزار وستة آلاف رجل وانهزم بقيتهم وهربوا على وجوههم وبلغ كسرى قتل الروم راهزار وما نال هرقل من الظفر فهده ذلك وانحاز من دسكرة الملك إلى المدائن وتحصن فيها لعجزه كان عن محاربة هرقل وسار هرقل حتى كان قريبا من المدائن فلما تساقط إلى كسرى خبره واستعد لقتاله انصرف إلى أرض الروم وكتب كسرى إلى قواد الجند الذين انهزموا يأمرهم أن يدلوه على كل رجل منهم ومن أصحابهم ممن فشل في تلك الحرب ولم يرابط مركزه فيها فيأمر أن يعاقب بقدر ما استوجب فأحرجهم بهذا الكتاب إلى الخلاف عليه وطلب الحيل لنجاة أنفسهم منه وكتب إلى شهربراز يأمره بالقدوم عليه ويستعجله في ذلك ويصف ما كان من أمر الروم في عمله وقد قيل إن قول الله آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون ( 1 ) إنما نزل في أمر أبرويز ملك (1/467) ________________________________________ فارس وملك الروم هرقل وما كان بينهما مما قد ذكرت من هذه الأخبار ذكر من قال ذلك حدثني القاسم بن الحسن قال حدثني الحسين قال حدثني حجاج عن أبي بكر بن عبدالله عن عكرمة أن الروم وفارس اقتتلوا في أدنى الأرض قال وأدنى الأرض يومئذ أذرعات بها التقوا فهزمت الروم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه وهم بمكة فشق ذلك عليهم وكان النبي صلى الله عليه و سلم يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم وفرح الكفار بمكة وشمتوا فلقوا أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب ونحن أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم فأنزل الله آلم غلبت الروم إلى وهم عن الآخرة هم غافلون فخرج أبو بكر الصديق إلى الكفار فقال أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم فوالله ليظهرن الروم على فارس أخبرنا بذلك نبينا فقام إليه أبي بن خلف الجمحي فقال كذبت يا أبا فصيل فقال له أبو بكر أنت أكذب يا عدو الله فقال أنا حبك عشر قلائص مني وعشر قلائص منك فإن ظهرت الروم على فارس غرمت وإن ظهرت فارس غرمت إلى ثلاث سنين ثم جاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأخبره فقال ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الأجل فخرج أبو بكر فلقي أبيا فقال لعلك ندمت قال لا تعال أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين قال قد فعلت حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثنا حجاج عن أبي بكر عن عكرمة قال كانت في فارس امرأة لا تلد إلا الملوك الأبطال فدعاها كسرى فقال إني أريد أن أبعث إلى الروم جيشا وأستعمل عليهم رجلا من بنيك فأشيري علي أيهم أستعمل قالت هذا فلان وهو أروغ من ثعلب وأحذر من صقر وهذا فرخان وهو أنفذ من سنان وهذا شهر براز وهو أحلم من كذا فاستعمل أيهم شئت قال فإني قد استعملت الحليم فاستعمل شهر براز فسار إلى الروم بأهل فارس وظهر عليهم فقتلهم وخرب مدائنهم وقطع زيتونهم قال أبو بكر فحدثت هذا الحديث عطاء الخراساني فقال أما رأيت بلاد الشام قلت لا قال أما إنك لو أتيتها لرأيت المدائن التي خربت والزيتون الذي قطع فأتيت الشام بعد ذلك فرأيته قال عطاء الخراساني حدثني يحيى بن يعمر أن قيصر بعث رجلا يدعى قطمة بجيش من الروم وبعث كسرى بشهر براز فالتقيا بأذرعات وبصرى وهي أدنى الشأم إليكم فلقيت فارس الروم فغلبتهم فارس ففرح بذلك كفار قريش وكرهه المسلمون فأنزل الله آلم غلبت الروم الآيات ثم ذكر مثل حديث عكرمة وزاد فلم يبرح شهر براز يطؤهم ويخرب مدائنهم حتى بلغ الخليج ثم مات كسرى فبلغهم موته فانهزم شهر براز وأصحابه وأديلب عليهم الروم عند ذلك فاتبعوهم يقتلونهم قال وقال عكرمة في حديثه لما ظهرت فارس على الروم جلس فرخان يشرب فقال لأصحابه لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى فبلغت كسرى فكتب إلى شهر براز إذا أتاك كتابي فابعث إلي برأس فرخان فكتب إليه أيها الملك إنك لن تجد مثل فرخان إن له نكاية وصوتا في العدو فلا تفعل (1/468) |
رد: مكتبتي
فكتب إليه إن في رجال فارس خلفا منه فعجل علي برأسه فراجعه فغضب كسى فلم يجبه وبعث بريدا إلى أهل فارس إني قد نزعت عنكم شهر براز واستعملت عليكم فرخان ثم دفع إلى البريد صحيفة صغيرة وقال إذا ولي فرخان الملك وانقاد له أخوه فأعطه هذه الصحيفة فلما قرأ شهر براز الكتاب قال سمعا وطاعة ونزل عن سريره وجلس فرخان ودفع الصحيفة إليه فقال ائتوني بشهر براز فقدمه ليضرب عنقه فقال لا تعجل حتى أكتب وصيتي قال نعم فدعا بالسفط فأعطاه ثلاث صحائف وقال كل هذا راجعت فيك كسرى وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد فرد الملك إلى أخيه وكتب شهر براز إلى قيصر ملك الروم إن لي إليك حاجة لا تحملها البرد ولا تبلغها الصحف فالقني ولا تلقني إلا في خمسين روميا فإني ألقاك في خمسين فارسيا فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق وخاف أن يكون قد مكر به حتى أتاه عيونه إنه ليس معه إلا خمسون رجلا ثم بسط لهما والتقيا في قبة ديباج ضربت لهما مع كل واحد منهما سكين فدعوا ترجمانا بينهما فقال شهر براز إن الذين خربوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا وإن كسرى حسدنا فأراد أن أقتل أخي فأبيت ثم أمر أخي أن يقتلني فقد خلعناه جميعا فنحن نقاتله معك قال قد أصبتما ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين فإذا جاوز اثنين فشا قال أجل فقتلا الترجمان جميعا بسكينهما فأهلك الله كسرى وجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم الحديبية ففرح ومن معه
وحدثت عن هشام بن محمد أنه قال في سنة عشرين من ملك كسرى أبرويز بعث الله محمدا صلى الله عليه و سلم فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة وهاجر في سنة ثلاث وثلاثين من ملكه إلى المدينة (1/469) ________________________________________ ذكر الخبر عن الأسباب التي حدثت عند إرادة الله إزالة ملك فارس عن أهل فارس ووطأتها العرب بما أكرمهم به بنبيه محمد صلى الله عليه و سلم من النبوة والخلافة والملك والسلطان في أيام كسرى أبرويز فمن ذلك ما روي عن وهب بن منبه وهو ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال كان من حديث كسرى كما حدثني بعض أصحابي عن وهب بن منبه أنه كان سكر دجلة العوراء وأنفق عليها من الأموال ما لا يدرى ما هو وكان طاق مجلسه قد بني بنيانا لم ير مثله وكان يعلق تاجه فيجلس فيه إذا جلس للناس وكان عنده ستون وثلثمائة رجل من الحزاة والحزاة العلماء من بين كاهن وساحر ومنجم قال وكان فيهم رجل من العرب يقال له السائب يعتاف اعتياف العرب قلما يخطىء بعث إليه باذان من اليمن فكان كسرى إذا حزبه أمر جمع كهانه وسحاره ومنجميه فقال انظروا في هذا الأمر ما هو فلما أن بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه و سلم أصبح كسرى ذات غداة وقد انقصمت طاق ملكه من وسطها من غير ثقل وانخرقت عليه دجلة العوراء فلما رأى ذلك حزنه وقال انقصمت طاق ملكي من وسطها من غير ثقل وانخرقت علي دجلة العوراء شاه بشكست يقول الملك انكسر ثم دعا كهانه وسحاره ومنجميه ودعا السائب معهم فقال لهم انقصمت طاق ملكي من غير ثقل وانخرقت علي دجلة العوراء شاه بشكست انظروا في هذا الأمر ما هو فخرجوا من عنده فنظروا في أمره فأخذ عليهم بأقطار السماء وأظلمت عليهم الأرض وتسكعوا في علمهم فلا يمضي لساحر سحره ولا لكاهن كهانته ولا يستقيم لمنجم علم نجومه وبات السائب في ليلة ظلماء على ربوة من الأرض يرمق برقا نشأ من قبل الحجاز ثم استطار حتى بلغ المشرق فلما أصبح ذهب ينظر إلى ما تحت قدميه فإذا روضة خضراء فقال فيما يعتاف لئن صدق ما ارى ليخرجن من الحجاز سلطان يبلغ المشرق تخصب عنه الأرض كأفضل ما أخصبت عن ملك كان قبله فلما خلص الكهان والمنجمون بعضهم إلى بعض ورأوا ما قد أصابهم ورأى السائب ما رأى قال بعضهم لبعض تعلمون والله ما حيل بينكم وبين علمكم إلا لأمر جاء من السماء وإنه لنبي قد بعث أو هو مبعوث يسلب هذا الملك ويكسره ولئن نعيتم لكسرى ملكه ليقتلنكم فأقيموا بينكم أمرا تقولونه له تؤخرونه عنكم إلى أمر ما ساعة فجاءوا كسرى فقالوا له إنا قد نظرنا في هذا الأمر فوجدنا حسابك الذين وضعت على حسابهم طاق ملكك وسكرت دجلة العوراء وضعوه على النحوس فلما اختلف عليهما الليل والنهار وقعت النحوس على (1/470) ________________________________________ مواقعها فزال كا ما وضع عليهما وإنا سنحسب لك حسابا تضع عليه بنيانك فلا يزول قال فاحسبوا فحسبوا له ثم قالوا له ابنه فبنى فعمل في دجلة ثمانية أشهر وأنفق فيها من الأموال ما لا يدري ما هو حتى إذا فرغ منها قال لهم أجلس على سورها قالوا نعم فأمر بالبسط والفرش والرياحين فوضعت عليها وأمر بالمرازبة فجمعوا له واجتمع إليه اللعابون ثم خرج حتى جلس عليها فبينا هو هنالك انتسفت دجلة البنيان من تحته فلم يستخرج إلا بآخر رمق فلما أخرجوه جمع كهانه وسحاره ومنجميه فقتل منهم قريبا من مائة وقال سمنتكم وأدنيتكم دون الناس وأجريت عليكم أرزاقي ثم تلعبون بي فقالوا أيها الملك أخطأنا كما أخطأ من كان قبلنا ولكنا سنحسب لك حسابا فتثبت حتى تضعها على الوثاق من السعود قال انظروا ما تقولون قالوا فإنا نفعل قال فاحسبوا فحسبوا له ثم قالوا له ابنه فبنى وأنفق من الأموال ما لا يدرى ما هو ثمانية أشهر من ذي قبل ثم قالوا قد فرغنا قال أفأخرج فأقعد عليها قالوا نعم فهاب الجلوس عليها وركب برذونا له وخرج يسير عليها فبينا هو يسير فوقها إذا انتسفته دجلة بالبنيان فلم يدرك إلا بآخر رمق فدعاهم فقال والله لأمرن على آخركم ولأنزعن أكتافكم ولأطرحنكم تحت أيدي الفيلة أو لتصدقني ما هدا الأمر الذي تلفقون علي قالوا لا نكذبك أيها الملك أمرتنا حين انخرقت عليك دجلة وانقصمت عليك طاق مجلسك من غير ثقل أن ننظر في علمنا لم ذلك فنظرنا فأظلمت علينا الأرض وأخذ علينا بأقطار السماء فتردد علينا علمنا في أيدينا فلا يستقيم لساحر سحره ولا لكاهن كهانته ولا لمنجم علم نجومه فعرفنا أن هذا الأمر حدث من السماء وأنه قد بعث نبي أو هو مبعوث فلذلك حيل بيننا وبين علمنا فخشينا أن نعينا لك ملكك أن تقتلنا وكرهنا من الموت ما يكره الناس فعللناك عن أنفسنا مما رأيت قال ويحكم فهلا تكونون بينتم لي هذا فأرى فيه رأيي قالوا منعنا من ذلك ما تخوفنا منك فتركهم ولها عن دجلة حين غلبته حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن الفضل بن عيسى الرقاشي عن الحسن البصري أن أصحاب رسول الله قالوا يا رسول الله ما حجة الله على كسرى فيك قال بعث إليه ملكا فأخرج يده من سور جدار بيته الذي هو فيه يتلألأ نورا فلما رآها فزع فقال لم ترع يا كسرى إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا فاتبعه تسلم دنياك وآخرتك قال سأنظر حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف قال بعث الله إلى كسرى ملكا وهو في بيت إيوانه الذي لا يدخل عليه فيه فلم يرعه إلا به قائما على رأسه في يده عصا بالهاجرة في ساعته التي كان يقيل فيها فقال يا كسرى أتسلم أو أكسر هذه العصا فقال بهل بهل فانصرف عنه ثم دعا أحراسه وحجابه فتغيظ عليهم وقال من أدخل هذا الرجل علي فقالوا ما دخل عليك أحد ولا رأيناه حتى إذا كان العام القابل أتاه في الساعة التي أتاه فيها فقال له كما قال له ثم قال له أتسلم أو أكسر هذه العصا فقال بهل بهل بهل ثلاثا فخرج عنه فدعا كسرى حجابه وحراسه وبوابيه فتغيظ عليهم وقال لهم كما قال أول مرة فقالوا ما رأينا أحدا دخل عليك حتى إذا كان في العام الثالث أتاه في الساعة التي جاءه فيها فقال له كما قال أتسلم (1/471) ________________________________________ أو أكسر هذه العصا فقال بهل بهل قال فكسر العصا ثم خرج فلم يكن إلا تهور ملكه وانبعاث ابنه والفرس حتى قتلوه قال عبدالله بن أبي بكر فقال الزهري حدثت عمر بن عبدالعزيز هذا الحديث عن أبي سلمة بن عبدالرحمن فقال ذكر لي أن الملك إنما دخل عليه بقارورتين في يديه ثم قال له أسلم فلم يفعل فضرب إحداهما على الأخرى فرضضهما ثم خرج فكان من أمر هلاكه ما كان حدثني يحيى بن جعفر قال أخبرنا علي بن عاصم قال أخبرنا خالد الحذاء قال سمعت عبدالرحمن بن أبي بكرة يقول بينما كسرى بن هرمز نائم ليلة في هذا الإيوان إيوا المدائن والأساورة محدقون بقصره إذ أقبل رجل يمشي معه عصا حتى قام على رأسه فقال يا كسرى بن هرمز إني رسول الله إليك أن تسلم قالها ثلاث مرات وكسرى مستلق ينظر إليه لا يجيبه ثم انصرف عنه قال فأرسل كسرى إلى صاحب حرسه فقال أنت أدخلت علي هذا الرجل قال لم أفعل ولم يدخل من قبلنا أحد قال فلما كان العام المقبل خاف كسرى تلك الليلة فأرسل إليه أن أحدق بقصري ولا يدخل علي أحد قال ففعل فلما كان تلك الساعة إذا هو قائم على رأسه ومعه عصا وهو يقول له يا كسرى بن هرمز إني رسول الله إليك أن تسلم فأسلم خير لك قال وكسرى ينظر إليه لا يجيبه فانصرف عنه قال فأرسل كسرى إلى صاحب الحرس ألم آمرك ألا يدخل علي أحد قال أيها الملك إنه والله ما دخل عليك من قبلنا أحد فانظر من أين دخل عليك قال فلما كان العام المقبل فكأنه خاف تلك الليلة فأرسل إلى صاحب الحرس والحرس أن أحدقوا بي الليلة ولا تدخل امرأة ولا رجل ففعلوا فلما كان تلك الساعة إذا هو قائم على رأسه وهو يقول يا كسرى بن هرمز إني رسول الله إليك أن تسلم فأسلم خير لك قالها ثلاث مرات وكسرى ينظر إليه لا يجيبه قال يا كسرى إنك قد أبيت علي والله ليكسرنك الله كما أكسر عصاي هذه ثم كسرها وخرح فأرسل كسرى إلى الحرس فقال ألم آمرك ألا يدخل علي الليلة أحد أهل ولا ولد قالوا ما دخل عليك من قبلنا أحد قال فلم يلبث أن وثب عليه ابنه فقتله ومن ذلك ما كان من أمر ربيعة والجيش الذي كان أنفذه إليهم كسرى أبرويز لحربهم فالتقوا بذي قار وذكر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه لما بلغه ما كان من هزيمة ربيعة جيش كسرى قال هذا أول يوم انتصف العرب من العجم وبي نصروا وهو يوم قراقر ويو الحنو حنو ذي قار ويوم حنو قراقر ويوم الجبابات ويو ذي العجرم ويوم الغذوان ويوم البطحاء بطحاء ذي قار وكلهن حول ذي قار فحدثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال حدثني أبو المختار فراس بن خندق أو خندقة وعدة من علماء العرب قد سماهم أن الذي جر يوم ذي قار قتل النعمان بن المنذر اللخمي عدي بن زيد العبادي وكان عدي من تراجمة أبرويز كسرى بن هرمز وكان سبب قتل النعمان بن المنذر عدي بن زيد ما ذكر لي عن هشام بن محمد قال سمعت إسحاق بن الجصاص وأخذته من كتاب حماد وقد ذكر أبي بعضه قال ولد زيد بن حماد بن زيد بن أيوب بن محروف بن عامر بن عصية بن امرىء القيس بن زيد مناة بن تميم ثلاثة عديا الشاعر وكان جميلا شاعرا (1/472) ________________________________________ خطيبا وقد قرأ كتب العرب والفرس وعمارا وهو أبي وعمرا وهو سمي ولهم أخ من أمهم يقال له عدي بن حنظلة من طيىء وكان عمار يكون عند كسرى فكان أحدهما يشتهي هلاك عدي بن زيد وكان الآخر يتدين في نصرانيته وكانوا أهل بيت يكونون مع الأكاسرة لهم معهم أكل وناحية يقطعونهم القطائع ويجزلون صلاتهم وكان المنذر بن المنذر لما ملك جعل ابنه النعمان في حجر عدي فهم الذين أرضعوه وربوه وكان للمنذر ابن آخر يقال له الأسود أمه مارية بنت الحارث بن جلهم من تيم الرباب فأرضعه ورباه قوم من أهل الحيرة يقال لهم بنو مرينا ينسبون إلى لخم وكانوا أشرافا وكان للمنذر بن المنذر سوى هذين من الولد عشرة وكان يقال لولده كلهم الأشاهب من جمالهم فذلك قول الأعشى ... وبنو المنذر الأشاهب بالحيرة يمشون غدوة بالسيوف ... وكان النعمان أحمر أبرش قصيرا وكانت أمه يقال لها سلمى بنت وائل بن عطية الصائغ من أهل فذك وكانت أمة للحارث بن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب من كلب وكان قابوس بن المنذر الأكبر عم النعمان وإخوته بعث إلى كسرى بن هرمز بعدي بن زيد وإخوته فكانوا في كتابه يترجمون له فلما مات المنذر بن المنذر وترك ولده هؤلاء الثلاثة عشر جعل على أمره كله إياس بن قبيصة الطائي وملكه على الحيرةإلى أن يرى كسرى رأيه فكان عليه أشهرا وكسرى في طلب رجل يملكه على العرب ثم إن كسرى بن هرمز دعا عدي بن زيد فقال له من بقي من بني المنذر وما هم وهل فيهم خير فقال بقيتهم في ولد هذا الميت المنذر بن المنذر وهم رجال فقال ابعث إليهم فكتب فيهم فقدموا عليه فأنزلهم على عدي بن زيد فكان عدي يفضل إخوة النعمان عليه في النزل وهو يريهم أنه لا يرجوه ويخلو بهم رجلا رجلا ويقول لهم إن سألكم الملك أتكفونني العرب فقولوا نكفيكهم إلا النعمان وقال للنعمان إن سألك الملك عن إخوتك فقل له إن عجزت عنهم فأنا عن غيرهم أعجز وكان من بني مرينا رجل يقال له عدي بن أوس بن مرينا وكان ماردا شاعرا وكان يقول للأسود [ بن المنذر ] إنك قد عرفت أني لك راج وأن طلبتي ورغبتي إليك أن تخالف عدي بن زيد فإنه والله لا ينصح لك أبدا فلم يلتفت إلى قوله فلما أمر كسرى عدي بن زيد أن يدخلهم عليه جعل يدخلهم عليه رجلا رجلا فيكلمه فكان يرى رجالا قلما رأى مثلهم فإذا سألهم هل تكفونني ما كنتم تلون قالوا نكفيك العرب إلا النعمان فلما دخل عليه النعمان رأى رجلا دميما فكلمه وقال له أتستطيع أن تكفيني العرب قال نعم قال فكيف تصنع بإخوتك قال إن عجزت عنهم فأنا عن غيرهم أعجز فملكه وكساه وألبسه تاجا قيمته ستون ألف درهم فيه اللؤلؤ والذهب فلما خرج وقد ملك قال عدي بن أوس بن مرينا للأسود دونك فإنك قد خالفت الرأي ثم إن عدي بن زيد صنع طعاما في بيعة ثم أرسل إلى ابن مرينا ان ائتني بمن أحببت فإن لي يحاجة فأتاه في ناس فتغدوا في البيعة وشربوا فقال عدي بن زيد لعدي بن مرينا يا عدي إن أحق من عرف الحق ثم لم يلم عليه من كان مثلك إني قد عرفت أن صاحبك الأسود بن المنذر كان أحب إليك أن (1/473) يملك من صاحبي النعمان فلا تلمني على شيء كنت على مثله وأنا أحب ألا تحقد علي شيئا لو قدرت عليه ركبته وأنا أحب أن تعطيني من نفسك ما أعطيتك من نفسي فإن نصيبي من هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك فقام عدي بن زيد إلى البيعة فحلف ألا يهجوه ولا يبغيه غائلة أبدا ولا يزوي عنه خبرا أبدا فلما فرغ عدي بن زيد قام عدي بن مرينا فحلف على مثل يمينه ألا يزال يهجوه أبدا ويبغيه الغوائل ما بقي وخرج النعمان حتى نزل منزله بالحيرة فقال عدي بن مرينا لعدي بن زيد ... ألا أبلغ عديا عن عيدي ... فلا تجزع وإن رثت قواكا ... هياكلنا تبز لغير فقر ... لتحمد أو يتم به غناكا ... فإن تظفر فلم تظفر حميدا ... وإن تعطب فلا يبعد سواكا ... ندمت ندامة الكسعي لما ... رأت عيناك ما صنعت يداكا ... وقال عدي بن مرينا للأسود أما إذا لم تظفر فلا تعجز أن تطلب بثأرك من هذا المعدي الذي عمل بك ما عمل فقد كنت أخبرك أن معدا لا ينام مكرها أمرتك أن تعصيه فخالفتني قال فما تريد قال أريد ألا يأتيك فائدة من مالك وأرضك إلا عرضتها علي ففعل وكان ابن مرينا كثير المال والضيعة فلم يك في الدهر يوم إلا على باب النعمان هدية من ابن مرينا فصار من أكرم الناس عليه وكان لا يقضي في ملكه شيئا إلا بأمر عدي بن مرينا وكان إذا ذكر عدي بن زيد عنده أحسن عليه الثناء وذكر فضله وقال إنه لا يصلح المعدي إلا أن يكون في مكر وخديفة فلما رأى من يطيف بالنعمان منزلة ابن مرينا عنده لزموه وتابعوه فجعل يقول لمن يثق به من أصحابه إذا رأيتموني أذكر عدي بن زيد عند الملك بخير فقولوا إنه لكما تقول ولكنه لا يسلم عليه أحد وإنه ليقول إن الملك يعني النعمان عامله وإنه ولاه ما ولاه فلم يزالوا بذلك حتى أضغنوه عليه وكتبوا كتابا على لسان عدي إلى قهرمان لعدي ثم دسوا له حتى أخذوا الكتاب ثم أتي به النعمان فقرأه فأغضبه فأرسل إلى عدي بن زيد عزمت عليك إلا زرتني فإن قد اشتقت إلى رؤيتك وهو عند كسرى فاستأذن كسرى فأذن له فلما أتاه لم ينظر إليه حتى حبس في محبس لا يدخل عليه فيه أحد فجعل عدي بن زيد يقول الشعر وهو في السجن فكان أول ما قال في السجن من اشعر ... ليت شعري عن الهمام ويأتي ... ك بخبر الأنباء عطف السؤال ... فقال أشعارا وكان كلما قال عدي من الشعر بلغ النعمان وسمعه ندم على حبسه إياه فجعل يرسل إليه ويعده ويمنيه ويفرق أن يرسله فيبغيه الغوائل فقال عدي ... أرقت لمكفهر بات فيه ... بوارق يرتقين رؤوس شيب ... وقال أيصا ... طال ذا الليل علينا واعتكر ... وقال أيضا ألا طال الليالي والنهار (1/474) ________________________________________ وقال حين أعياه ما يتضرع إلى النعمان أشعارا يذكره فيها الموت ويخبره من هلك من الملوك قبله فقال ... أرواح مودع أم بكور ... وأشعارا كثيرة قال وخرج النعمان يريد البحرين فأقبل رجل من غسان فأصاب في الحيرة ما أحب ويقال الذي أغار على الحيرة فحرق فيها جفنة بن النعمان الجفني فقال عدي ... سما صقر فأشعل جانبيها ... وألهاك المروح والعزيب ... فلما طال سجن عدي كتب إلى أخيه أبي وهو مع كسرى بشعر فقال ... أبلغ أبيا على نأيه ... وهل ينفع المرء ما قد علم ... بأن أخاك شقيق الفؤا ... د كنت به والها ما سلم ... لدى ملك موثق بالحدي ... د إما بحق وإما طلم ... فلا أعرفنك كدأب الغلا ... م ما لم يجد عارما يعترم ... فأرضك أرضك إن تأتنا ... تنم نومة ليس فيها حلم ... فكتب إليه أخوه ... إن يكن خانك الزمان فلا عا ... جز باع ولا ألف ضعيف ... ويمين الإله لو أن جأوا ... ء طحونا تضيء فيها السيوف ... ذات رز مجتباة غمرة المو ... ت صحيح سربالها مكفوف ... كنت في حميها لجئتك أسعى ... فاعلمن لو سمعت إذ تستضيف ... أو بمال سئلت دونك لم يم ... نع تلاد لجاجة أو طريف ... أو بأرض أسطيع آتيك فيها ... لم يهلني بعيدها أو مخوف ... في الأعادي وأنت مني بعيد ... عز هذا الزمان والتعريف ... إن تفتني والله إلفا فجوعا ... لا يعقبك ما يصوب الخريف ... فلعمري لئن جزعت عليه ... لجزوع على الصديق أسوف ... ولعمري لئن ملكت عزائي ... لقليل شرواك فيما أطوف ... فزعموا أن أبيا لما قرأ كتاب عدي قام إلى كسرى فكلمه فكتب وبعث معه رجلا وكتب خليفة النعمان إليه إنه قد كتب إليك في أمره فأتاه أعداء عدي بن بقيلة من غسان فقالوا أقتله الساعة فأبى عليهم وجاء الرجل وقد تقدم أخو عدي إليه ورشاه وأمره أن يبدأ بعدي فدخل عليه وهو محبوس بالصنين فقال ادخل عليه فانظر ما يأمرك به فدخل الرسول على عدي فقال إني قد جئت بإرسالك فما عندك قال عندي الذي تحب ووعده عدة وقال لا تخرجن من عندي وأعطني الكتاب حتى أرسل به فإنك والله إن خرجت من عندي لأقتلن فقال لا أستطيع إلا أن آتي الملك بالكتاب فأدخله عليه فانطلق مخبر حتى أتى النعمان فقال إن رسول كسرى قد دخل على عدي وهو (1/475) ذاهب به وإن فعل والله لم يستبق منا أحدا أنت ولا غيرك فبعث إليه النعمان أعداءه فغموه حتى مات ثم دفنوه ودخل الرسول على النعمان بالكتاب فقال نعم وكرامة وبعث إليه بأربعة آلاف مثقال وجارية وقال له إذا أصبحت فادخل عليه فأخرجه أنت بنفسك فلما أصبح ركب فدخل السجن فقال له الحرس إنه قد مات منذ أيام فلم نجترىء على أن نخير الملك للفرق منه وقد علمنا كراهته لموته فرجع إلى النعمان فقال إني قد دخلت عليه وهو حي [ وجئت اليوم فجحدني السجان وبهتني وذكر له أنه قد مات منذ أيام ] فقال له النعمان يبعثك الملك إلي فتدخل إليه قبلي كذبت ولكنك أردت الرشوة والخبث فتهدده ثم زاده جائزة وأكرمه واستوثق منه ألا يخبر كسرى إلا أنه قد مات قبل أن يقدم عليه فرجع الرسول إلى كسرى فقال إنه قد مات قبل أن أدخل عليه وندم النعمان على موت عدي واجترأ أعداء عدي على النعمان وهابهم النعمان هيبة شديدة فخرج النعمان في بعض صيده ذات يوم فلقي ابنا لعدي يقال له زيد فلما رآه عرف شبهه فقال من أنت قال أنا زيد بن عدي بن زيد فكلمه فإذا غلام ظريف ففرح به فرحا شديدا وقربه وأعطاه واعتذر إليه من أمر أبيه وجهزه ثم كتب إلى كسرى إن عديا كان ممن أعين به الملك في نصحه ولبه فأصابه مالا بد منه وانقضت مدته وانقطع أكله ولم يصب به أحد أشد من مصيبتي وأما الملك فلم يكن ليفقد رجلا إلا جعل الله له منه خلفا لما عظم الله له من ملكه وشأنه وقد أدرك له ابن ليس دونه وقد سرحته إلى الملك فإن رأي الملك أن يجعله مكان أبيه فليفعل فلما قدم الغلام على كسرى جعله مكان أبيه وصرف عمه إلى عمل آخر فكان هو الذي يلي ما كتب به إلى أرض العرب وخاصة الملك وكانت له من العرب وظيفة موظفة في كل سنة مهران أشقران والكمأة الرطبة في حينها واليابسة والأقط والأدم وسائر تجارات العرب فكان زيد بن عدي بن زيد يلي ذلك وكان هذا عمل عدي فلما وقع عند الملك بهذا الموقع سأله كسرى عن النعمان فأحسن عليه الثناء فمكث سنوات بمنزلة أبيه وأعجب به كسرى وكان يكثر الدخول عليه وكانت لملوك الأعاجم صفة من النساء مكتوبة عندهم فكانوا يبعثون في تلك الأرضين بتلك الصفة فإذا وجدت حملت إلى الملك غير أنهم لم يكونوا يتناولون أرض العرب بشيء من ذلك ولا يريدونه فبدأ الملك في طلب النساء فكتب بتلك الصفة ثم دخل على كسرى فكلمه فيما دخل فيه ثم قال إني رأيت الملك كتب في نسوة يطلبن له فقرأت الصفة وقد كنت بآل المنذر عالما وعند عبدك النعمان من بناته وبنات عمه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة قال فتكتب فيهن قال أيها الملك إن شر شيء في العرب وفي النعمان خاصة أنهم يتكرمون زعموا في أنفسهم عن العجم فأنا أكره أن يغيبهن عمن تبعث إليه أو يعرض عليه غيرهن وإن قدمت أنا عليه لم يقدر أن يغيبهن فابعثني وابعث معي رجلا من حرسك يفقه العربيه حتى أبلغ ما تحبه فبعث معه رجلا جليدا فخرج به زيد فجعل يكرم ذلك الرجل ويلطفه حتى بلغ الحيرة فلما دخل عليه أعظم الملك وقال إنه قد احتاج إلى نساء لأهله وولده وأراد كرامتك بصهره (1/476) ________________________________________ فبيعث إليك فقال وما هؤلاء النسوة فقال هذه صفتهن قد جئنا بها وكانت الصفة أن المنذر الأكبر أهدى إلى أنو شروان جارية كان أصابها إذ أغار على الحارث الأكبر الغساني بن أبي شمر فكتب إلى أنو شروان يصفها له وقال إني قد وجهت إلى الملك جارية معتدلة الخلق نقية اللون والثغر بيضاء قمراء وطفاء كحلاء دعجاء حوراء عيناء قنواء شماء زجاء برجاء أسيلة الخد شهية القد جثلة الشعر عظيمة الهامة بعيدة مهوى القرط عيطاء عريضة الصدر كاعب الثدي ضخمة مشاشة المنكب والعضد حسنة المعصم لطيفة الكف سبطة البنان لطيفة طي البطن خميصة الخصر غرتي الوشاح رداح القبل رابية الكفل لفاء الفخذين ريا الروادف ضخمة المأكمتين عظيمة الركبة مفعمة الساق مشبعة الخلخال لطيفة الكعب والقدم قطوف المشي مكسال الضحى بضة المتجرد سموعا لسيد ليست بخنساء ولا سعفاء ذليلة الأنف عزيزة النفر لم تغذ في بؤس حيية رزينة حليمة ركينة كريمة الخال تقتصر بنسب أبيها دون فصيلتها وبفصيلتها دون جماع قبيلتها قد أحكمتها الأمو في الأدب فرأيها رأي أهل الشرف وعملها عمل أهل الحاجة صناع الكفين قطيعة اللسان رهوة الصوت تزين البيت وتشين العدو إن أردتها اشتهت وإن تركتها انتهت تحملق عيناها وتحمر وجنتاها وتذبذب شفتاها وتبادرك الوثبة ولا تجلس إلا بأمرك إذا جلست فقبلها كسرى وأمر بإثبات هذه الصفة في دواوينه فلم يزالوا يتوارثونها حتى أفضى ذلك إلى كسرى بن هرمز فقرأ عليه زيد هذه الصفة فشق عليه فقال لزيد والرسول يسمع أما في عين السواد وفارس ما تبلغون حاجتكم فقال الرسول زيد ما العين قال البقر فقال زيد للنعمان إنما أراد كرامتك ولو علم أن هذا يشق عليك لم يكتب إليك به فأنزلهما يومين ثم كتب إلى كسرى إن الذي طلب الملك ليس عندي وقال لزيد اعذرني عنده فلما رجع إلى كسرى قال زيد للرسول الذي جاء سمعه اصدق الملك الذي سمعت منه فإني سأحدثه بحديثك ولا أخالفك فيه فلما دخلا على كسرى قال زيد هذا كتابه فقرأه عليه فقال له كسرى فأين الذي كنت خبرتني به قال قد كنت أخبرتك بضنهم بنسائهم على غيرهم وأن ذلك من شقائهم واختيارهم الجوع والعري على الشبع والرياش واختيارهم السموم والرياح على طيب أرضك هذه حتى أنهم ليسمونها السجن فسل هذا الرسول الذي كان معي عن الذي قال فإني أكرم الملك عن الذي قال ورد عليه أن أقوله فقال للرسول وما قال قال أيها الملك أما في بقر السواد [ وفارس ] ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا فعرف الغضب في وجهه ووقع في قلبه منه ما وقع ولكنه قد قال رب عبد قد أراد ما هو أشد من هذا فيصير أمره إلى التباب وشاع هذا الكلام فبلغ النعمان وسكت كسرى على ذلك أشهرا وجعل النعمان يستعد ويتوقع حتى أتاه كتابه أن أقبل فإن للملك إليك حاجة فانطلق حين أتاه كتابه فحمل سلاحه وما قوي عليه ثم لحق بجبلي طيىء وكانت فرعة ابنة سعد بن حارثة بن لأم عنده وقد ولدت له رجلا وامرأة وكانت أيضا عنده زينب ابنة أوس بن حارثة فأراد النعمان طيئا على أن يدخلوه بين الجبلين ويمنعوه فأبوا ذلك عليه (1/477) ________________________________________ وقالوا لولا صهرك لقاتلناك فإنه لا حاجة لنا في معاداة كسرى ولا طاقة لنا به فأقبل يطوف على قبائل العرب ليس أحد من الناس يقبله غير أن بني رواحة بن سعد من بني عبس قالوا إن شئت قاتلنا معك لمنة كانت له عندهم في أمر مروان القرظ فقال لا أحب أن أهلككم فإنه لا طاقة لكم بكسرى فأقبل حتى نزل بذي قار في بني شيبان سرا فلقي هانىء بن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وكان سيدا منيعا والبيت يومئذ من ربيعة في آل ذي الجدين لقيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجدين وكان كسرى قد أطعم قيس بن مسعود الأبلة فكره النعمان أن يدفع إليه أهله لذلك وعلم أن هانئا مانعه مما يمنع منه نفسه وتوجه النعمان إلى كسرى فلقي زيد بن عدي على قنطرة ساباط فقال انج نعيم إن استطعت النجاء فقال أنت يا زيد فعلت هذا أما والله لئن انفلت لأفعلن بك ما فعلت بأبيك فقال له زيد امض نعيم فقد والله وضعت لك عنده أخية لا يقطعها المهر الأرن فلما بلغ كسرى أنه بالباب بعث إليه فقيده وبعث به إلى خانقين فلم يزل في السجن حتى وقع الطاعون فمات فيه والناس يظنون أنه مات بساباط لبيت قاله الأعشى ... فذاك وما أنجى من الموت ربه ... بساباط حتى مات و هو محرزق ... وإنما هلك بخانقين وهذا قبيل الإسلام فلم يلبث إلا يسيرا حتى بعث الله نبيه صلى الله عليه و سلم وكان سبب وقعة ذي قار بسبب النعمان وحدثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال حدثنا أبو المختار فراس بن خندق وعدة من علماء العرب قد سماهم أن النعمان لما قتل عديا كاد أخو عدي وابنه النعمان عند كسرى وحرفا كتاب اعتذاره إليه بشيء غضب منه كسرى فأمر بقتله وكان النعمان لما خاف كسرى استودع هانىء بن مسعود بن عامر الخصيب بن عمرو والمزدلف بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة حلقته ونعمه وسلاحا غير ذلك وذاك أن النعمان كان بناه ابنتين له قال أبو عبيدة وقال بعضهم لم يدرك هانىء بن مسعود هذا الأمر إنما هو هانىء بن قبيصة بن هانىء بن مسعود وهو الثبت عندي فلما قتل كسرى النعمان استعمل إياس بن قيصة الطائي على الحيرة وما كان عليه النعمان قال أبو عبيدة كان كسرى لما هرب من بهرام مر بإياس بن قبيصة فأهدى له فرسا وجزورا فشكر ذلك له كسرى فبعث كسرى إلى إياس أين تركة النعمان قال قد أحرزها في بكر بن وائل فأمر كسرى إياسا أن يضم ما كان للنعمان ويبعث [ به ] إليه فبعث إياس إلى هانيء أن أرسل إلي ما استودعك النعمان من الدروع وغيرها والمقلل يقول كانت أربعمائة درع والمكثريقول كانت ثمانمائة درع فأبى هانىء أن يسلم خفارته قال فلما منعها هانىء غضب كسرى وأظهر أنه يسأصل بكر بن وائل وعنده يومئذ النعمان بن زرعة التغلبي وهو يحب هلاك بكر بن وائل فقال لكسرى يا خير الملوك أدلك على غرة بكر قال نعم قال أمهلها حتى تقيظ فإنهم لو قد قاظوا تساقطوا على ماء لهم يقال له ذو قار تساقط الفراش في النار فأخذتهم كيف شئت وأنا أكفيكهم فترجموا له قوله تساقطوا تساقط الفراش في النار (1/478) ________________________________________ فأقرهم حتى إذا قاظوا جاءت بكر بن وائل فنزلت الحنو حنو ذي قار وهي من ذي قار [ على مسيرة ] ليلة فأرسل إليهم كسرى النعمان بن زرعة أن اختاروا واحدة من ثلاث خصال فنزل النعمان على هانىء ثم قال له أنا رسول الملك إليكم أخيركم ثلاث خصال إما أن تعطوا بأيديكم فيحكم فيكم الملك بما شاء وإما أن تعروا الديار وإما أن تأذنوا بحرب فتوامروا فولوا أمرهم حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي وكانوا يتيمنون به فقال لهم لا أرى إلا القتال لأنكم إن أعطيتم بأيديكم قتلتم وسبيت ذراريكم وإن هربتم قتلكم العطش وتلقاكم تميم فتهلككم فآذنوا الملك بحرب فبعث الملك إلى إياس وإلى الهامرز التستري وكان مسلحه بالقطقطانة وإلى جلابزين وكان مسلحة ببارق وكتب كسرى إلى قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجدين وكان كسرى استعمله على طف سفوان أن يوافوا إياسا فإذا اجتمعوا فإياس على الناس وجاءت الفرس معها الجنود والفيول عليها الأساورة وقد بعث النبي صلى الله عليه و سلم ورق أمر فارس وقال النبي صلى الله عليه و سلم اليوم انتصفت العرب من العجم فحفظ ذلك اليوم فإذا هو يوم الوقعة فلما دنت جيوش الفرس بمن معهم انسل قيس بن مسعود ليلا فأتى هانئا فقال له أعط قومك سلاح النعمان فيقووا فإن هلكوا كان تبعا لأنفسهم وكنت قد أخذت بالحزم وإن ظفروا ردوه عليك ففعلو وقسم الدروع والسلاح في ذوي القوى والجلد من قومه فلما دنا الجمع من بكر قال لهم هانىء يا معشر بكر إنه لا طاقة لكم بجنود كسرى ومن معهم من العرب فاركبوا الفلاة فتسارع الناس إلى ذلك فوثب حنظلة بن ثعلبة بن سيار فقال له إنما أردت نجاتنا فلم تزد على أن ألقيتنا في الهلكة فرد الناس وقطع وضن الهوادج لئلا تستطيع بكر أن تسوق نساءهم إن هربوا فسمي مقطع الوضن وهي حزم الرحال ويقال مقطع البطن والبطن حزم الأقتاب وضرب حنظلة على نفسه قبة ببطحاء ذي قار وآلى ألآ يفر حتى تفر القبة فمضى من مضى من الناس ورجع أكثرهم واستقوا ما ء لنصف شهر فأتتهم العجم فقاتلتهم بالحنو فجزعت العجم من العطش فهربت ولم تقم لمحاصرتهم فهربت إلى الجبابات فتبعتهم بكر وعجل أوائل بكر فتقدمت عجل وأبلت يومئذ بلاء حسنا واضطمت عليهم جنود العجم فقال الناس هلكت عجل ثم حملت بكر فوجدوا عجلا ثابتة تقاتل وامرأة منهم تقول ... إن يظفروا يحرزوا فينا الغرل ... إيها فداء لكم بني عجل ... وتقول أيضا تحضض الناس ... إن تهزموا نعانق ... ونفرش النمارق ... أو تهربوا نفارق ... فراق غير وامق ... فقاتلوهم بالجبايات يوما ثم عطش الأعاجم فمالوا إلى بطحاء ذي قار فأرسلت إياد إلى بكر سرا وكانوا أعوانا على بكر مع إياس بن قبيصة أي الأمرين أعجب إليكم أن نطير تحت ليلتنا فنذهب أو نقيم ونفر حين تلاقوا القوم قالوا بل تقيمون فإذا التقى القوم انهزمتم بهم قال فصبحتهم بكر بن وائل والظعن واقفة يذمرن الرجال على القتال وقال يزيد بن حمار السكوني وكان حليفا لبني شيبان يا بني شيبان أطيعوني وأكمنوني لهم كمينا ففعلوا وجعلوا يزيد بن حمار رأسهم فكمنوا في مكان من ذي قار نديمه ... أنا ابن سيار على شكيمه ... إن الشراك قد من أديمه ... وكلهم يجري على قديمه (1/479) ________________________________________ يسمى إلى اليوم الجب فاجتلدوا وعلى ميمنة إياس بن قبيصة الهامرز وعلى ميسرته الجلابزين وعلى ميمنة هانىء بن قبيصة رئيس بكر يزيد بن مسهر الشيباني وعلى ميسرته حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي وجعل الناس يتحاضون ويرجزون فقال حنظلة بن ثعلبة ... قد شاع أشياعكم فجدوا ... ما علتي وأنا مؤد جلد والقوس فيها وتر عرد ... مثل ذراع البكر أو أشد ... قد جعلت أخبار قومي تبدو ... إن المنايا ليس منها بد هذا عمير تحته ألد ... يقدمه ليس له مرد ... حتى يعود كالكميت الورد ... خلوا بني شيبان واستبدوا نفسي فداكم وأبي والجد ... وقال حنظلة ياقوم طيبوا بالقتال نفسا ... أجدر يوم أن تفلوا الفرسا ... وقال يزيد بن المكسر بن حنظلة بن ثعلبة بن سيار من فر منكم فر عن حريمه ... وجاره وفر عن نديمه أنا ابن سيار على شكيمه ... إن الشراك قد من أديمه وكلهم يجري على قديمه ... |
رد: مكتبتي
من قارح الهجنةأو صميمه
... قال فراس ثم صيروا الأمر بعد هانىء إلى حنظلة فمال إلى مارية ابنته وهي أم عشرة نفر أحدهم جابر بن أبجر فقطع وضينها فوقعت إلى الأرض وقطع وضن النساء فوقعن إلى الأرض ونادت ابنة القرين الشيبانية حين وقعت النساء إلى الأرض ... ويها بني شيبان بعد صف ... إن تهزموا يصبغوا فينا القلف ... فقطع سبعمائة من بني شيبان أيدي أقبيتهم من قبل مناكبهم لأن تخف أيديهم بضرب السيوف فجالدوهم قال ونادى الهامرز مرد ومرد فقال برد بن حارثة اليشكري ما يقول قالوا يدعو إلى البراز رجل ورجل قال وأبيكم لقد أنصف فبرز له فقتله برد فقال سويد بن أبي كاهل ... ومنا بريد إذ تحدى جموعكم ... فلم تقربوه المرزبان المسورا ... أي لم تجعلوه ونادى حنظلة بن ثعلبة بن سيار يا قوم لا تقفوا لهم فيستغرقكم النشاب فحملت ميسرة بكر وعليها حنظلة على ميمنة الجيش وقد قتل برد منهم رئيسهم الهامرز وحملت ميمنة بكر وعليها يزيد بن مسهر على ميسرة الجيش وعليهم جلابزين وخرج الكمين من جب ذي قار من ورائهم وعليهم يزيد بن حمار فشدوا على قلب الجيش وفيهم إياس بن قبيصة وولت إياد منهزمة كما وعدتهم وانهزمت الفرس قال سليط فحدثنا أسراءنا الذين كانوا فيهم يومئذ قالوا فلما التقى الناس ولت بكر منهزمة (1/480) ________________________________________ فقلنا يريدون الماء فلما قطعوا الوادي فصاروا من ورائه وجاوزوا الماء قلنا هي الهزيمة وذاك في حر الظهيرة وفي يوم قائظ فأقبلت كتيبة عجل كأنهم طن قصب لا يفوت بعضهم بعضا لا يمعنون هربا ولا يخالطون القوم ثم تذامروا فزحفوا فرموهم بجباههم فلم تكن إلا إياها فأمالوا بأيديهم فولوا فقتلوا الفرس ومن معهم ما بين بطحاء ذي قار حتى بلغوا الراحضة قال فراس فخبرت أنه تبعه تسعون فارسا لم ينظروا إلى سلب ولا إلى شيء حتى تعارفوا بآدم ( موضع قريب من ذي قار ) فوجد ثلاثون فارسا من بني عجل ومن سائر بكر ستون فارسا وقتلوا جلابزين قتله حنظلة بن ثعلبة وقال ميمون بن قيس يمدح بني شيبان خاصة في قوله ... فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... وراكبها يوم اللقاء وقلت ... هم ضربوا بالحنو حنو قراقر ... مقدمة الهامرز حتى تولت ... وأفلتنا قيس وقلت لعله ... هنالك لو كانت به النعل زلت ... فهذا يدل على أن قيسا قد شهد ذا قار وقال بكير أصم بني الحارث بن عباد يمدح بني شيبان ... إن كنت ساقية المدامة أهلها ... فاسقي على كرم بني همام ... وأبا ربيعة كلها ومحلما ... سبقا بغاية أمجد الأيام ... ضربوا بني الأحرار يوم لقوهم ... بالمشرفي على مقيل الهام ... عربا ثلاثة آلف وكتيبة ... ألفين أعجم من بني الفدام ... شد ابن قيس شدة ذهبت لها ... ذكرى له في معرق وشآم ... عمرو وما عمرو بقحم داله ... فيها ولا غمر ولا بغلام ... فلما مدح الأعشى والأصم بني شيبان خاصة غضبت اللهازم فقال أبو كلبة أحد بني قيس يؤنبها بذلك ... جدعتما شاعري قوم أولي حسب ... حزت أنوفهما حزا بمنشار ... أعني الأصم وأعشانا إذا اجتمعا ... فلا استعانا على سمع بإبصار ... لولا فوارس لا ميل ولا عزل ... من اللهازم ما قاظوا بذي قار ... نحن أتيناهم من عند أشملهم ... كما تلبس وراد بصدار ... قال أبو عمرو بن العلاء فلما بلغ الأعشى قول أبي كلبة قال صدق وقال معتذرا مما قال ... متى يقرن أصم بحبل أعشى ... يتيها في الضلال وفي الخسار ... فلست بمبصر ما قد يراه ... وليس بسامع أبدا جواري ... وقال الأعشى في ذلك اليوم ... أتانا عن بني الأحرا ... ر قول لم يكن أمما ... أرادوا نحت أنلتنا ... وكنا نمنع الخطما (1/481) ________________________________________ وقال أيضا لقيس بن مسعود ... أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت امرؤ ترجو شبابك وائل ... أتجمع في عام غزاة ورحلة ... ألا ليت قيسا غرقته القوابل ... وقال أعشى بني ربيعة ... ونحن غداة ذي قار أقمنا ... وقد شهد القبائل محلبينا ... وقد جاؤوا بها جأواء فلقا ... ململمة كتائبها طحونا ... ليوم كريهة حتى تجلت ... ظلال دجاه عنا مصلتينا ... فولونا الدوابر واتقونا ... بنعمان بن زرعة أكتعينا ... وذدنا عارض الأحرار وردا ... كما ورد القطا الثمد المعينا (1/482) ________________________________________ ذكر من كان على ثغر العرب من قبل ملوك الفرس بالحيرة بعد عمرو بن هند قد مضى ذكرنا من كان يلي ذلك من قبل ملوك الفرس من آل نصر بن ربيعة إلى حين هلاك عمرو بن هند وقدر مدة ولاية كل من ولي منهم ذلك ونذكر الآن من ولي ذلك لهم بعد عمرو بن هند إلى أن ولي ذلك لهم النعمان بن المنذر والذي ولي لهم ذلك بعد عمرو بن هند أخوه قابوس بن المنذر وأمه هند ابنة الحارث بن عمرو فولي ذلك أربع سنين من ذلك في زمن أنوشروان ثمانية أشهر وفي زمن هرمز بن أنو شروان ثلاث سنين وأربعة أشهر ثم ولي بعد قابوس بن المنذر السهرب ثم ولي بعده المنذر أبو النعمان أربع سنين ثم ولي بعده النعمان بن المنذر أبو قابوس اثنتين وعشرين سنة من ذلك زمن هرمز بن أنو شروان سبع سنين وثمانية أشهر وفي زمن كسرى أبرويز بن هرمز أربع عشرة سنة وأربعة أشهر ثم ولي إياس بن قبيصة الطائي ومعه النخيرجان تسع سنين في زمن كسرى بن هرمز ولسنة وثمانية أشهر من ولاية إياس بن قبيصة بعث النبي صلى الله عليه و سلم فيما زعم هشام بن محمد ثم استخلف آزاذبه بن ماهان بن مهربنداذ الهمذاني سبع عشرة سنة من ذلك في زمن كسرى بن هرمز أربع عشرة سنة وثمانية أشهر وفي زمن شيرويه بن كسرى ثمانية أشهر وفي زمن أردشير بن شيرويه سنة وسبعة أشهر وفي زمن بوران دخت دخت بنت كسرى شهرا ثم ولي المنذر بن النعمان بن المنذر وهو الذي تسميه العرب الغرور الذي قتل بالبحرين يوم جؤاثى إلى أن قدم خالد بن الوليد الحيرة ثمانية أشهر فكان آخر من بقي من آل نصر بن ربيعة فانقرض أمرهم مع زوال ملك فارس فجميع ملوك آل نصر فيما زعم هشام ومن استخلف من العباد والفرس عشرون ملكا قال وعدة ما ملكوا خمسمائة سنة واثنتان وعشرون سنة وثمانية أشهر رجع الحديث إلى ذكر المرزان وولايته اليمن من قبل هرمز وابنه أبرويز ومن وليها بعده حدثت عن هشام بن محمد قال عزل هرمز بن كسرى وين عن اليمن واستعمل مكانه المروزان فأقام باليمن حتى ولد له بها وبلغ ولده ثم إن أهل جبل من جبال اليمن يقال له المصانع خالفوه (1/483) ________________________________________ وامتنعوا من حمل الخراج إليه والمصانع جبل طويل ممتنع إلى جانبه جبل آخر قريب منه بينهما فضاء ليس بالبعيد إلا أنه لا يرام ولا يطمع فيه فسار المروزان إلى المصانع فلما انتهى إليه نظر إلى جبل لا يطمع في دخوله إلا من باب واحد يمنع ذلك الباب رجل واحد فلما رأى أن لا سبيل له إليه صعد الجبل الذي يحاذي حصنهم فنظر إلى أضيق مكان منه وتحته هواء ذاهب فلم ير شيئا أقرب إلى افتتاح الحصن من ذلك الموضع فأمر أصحابه أن يصطفوا له صفين ثم يصيحوا به صيحة واحدة وضرب فرسه فاستجمع حضرا ثم رمى به فوثب المضيق فإذا هو على رأس الحصن فلما نظرت إليه حمير وإلى صنيعه قالوا هذا أيم والأيم بالحميرية شيطان فانتهرهم وزبرهم بالفارسية وأمرهم أن يكتف بعضهم بعضا فاستنزلهم من حصنهم وقتل طائفة منهم وسبى بعضهم وكتب بالذي كان من أمره إلى كسرى بن هرمز فتعجب من صنيعه وكتب إليه أن استخلف من شئت وأقبل إلي قال وكان للمروزان ابنان أحدهما تعجبه العربية ويروي الشعر يقال له خر خسرة والآخر أسوار يتكلم بالفارسية ويتدهقن فاستخلف المروزان ابنه خر خسرة وكان أحب ولده إليه على اليمن وسار حتى إذا كان في بعض بلاد العرب هلك فوضع في تابوت وحمل حتى قدم به على كسرى فأمر بذلك التابوت فوضع في خزانته وكتب عليه في هذا التابوت فلان الذي صنع كذا وكذا قصته في الجبلين ثم بلغ كسرى تعرب خر خسرة وروايته الشعر وتأدبه بأدب العرب فعزله وولى باذان وهو آخر من قدم اليمن من ولاة العجم وكان كسرى قد طغى لكثرة ما قد جمع من الأموال وأنواع الجوهر والأمتعة والكراع وافتتح من بلاد العدو وساعده من الأمور ورزق من مؤاتاته وبطر وشره شرها فاسدا وحسد الناس على ما في أيديهم من الأموال فولى جباية البقايا علجا من أهل قرية تدعى خندق من طسوج بهرسير يقال له فرخزاذ بن سمي فسام الناس سوء العذاب وظلمهم واعتدى عليهم وغصبهم أموالهم في غير حلة بسبب بقايا الخراج واستفسدهم بذلك وضيق عليهم المعاش وبغض إليهم كسرى وملكه وحدثت عن هشام بن محمد أنه قال كان أبرويز كسرى هذا قد جمع من الأموال ما لم يجمع أحد من الملوك وبلغت خيله القسطنطينية وإفريقية وكان يشتو بالمدائن ويتصيف ما بينها وبين همذان وكان يقال إنه كانت له اثنتا عشرة ألف امرأة وجارية وألف فيل إلا واحدا وخمسون ألف دابة بين فرس وبرذون وبغل وكان أرغب الناس في الجوهر والأواني وغير ذلك وأما غير هشام فإنه قال كان [ له ] في قصره ثلاثة آلاف امرأة يطؤهن وألوف جوار اتخذهن للخدمة والغناء وغير ذلك وثلاثة آلاف رجل يقومون بخدمته وكانت له ثمانية آلاف وخمسمائة دابة لمركبه وسبعمائة وستون فيلا واثنا عشر ألف بغل لثقله وأمر فبنيت بيوت النيران وأقام فيها اثني عشر ألف هربذ للزمزمة وإنه أمر أن يحصي ما اجتبي من خراج بلاده وتوابعه وسائر أبواب المال سنة ثماني عشرة من ملكه فرفع إليه أن الذي اجتبي في تلك السنة من الخراج وسائر أبوابه من الورق أربعمائة ألف ألف مثقال وعشرون ألف ألف مثقال يكون ذلك وزن سبعة ستمائة ألف ألف درهم وأمر فحول إلى بيت مال بني بمدينة طيسبون وسماه بهار حفرد خسرو وأموال له أخرى من ضرب فيروز بن يزدجرد وقباذ بن فيروز اثنا عشر (1/484) ________________________________________ ألف بدرة في كل بدرة منها من الورق أربعة آلاف مثقال يكون جميع ذلك ثمانية وأربعين ألف ألف مثقال وهو وزن سبعة ثمانية وستون ألف ألف وخمسمائة ألف وأحد وسبعون ألفا وأربعمائة وعشرون درهما ونصف وثلث ثمن درهم في أنواع لا يحصي مبلغها إلا الله من الجواهر والكسي وغير ذلك وإن كسرى احتقر الناس واستخف بما لا يستخف به الملك الرشيد الحازم وبلغ من عتوه وجرأته على الله أنه أمر رجلا كان على حرس بابه الخاص يقال له زاذان فروخ أن يقتل كل مقيد في سجن من سجونه فأحصوا فبلغوا ستة وثلاثين ألفا فلم يقدم زاذان فروخ على قتلهم وتقدم لتأخير ما أمر به كسرى فيهم لعلل أعدها له فكسب كسرى عداوة أهل مملكته من غير وجه أحد ذلك احتقاره إياهم وتصغيره عظماءهم والثاني تسليط العلج فرخان زاد بن سمي عليهم والثالث أمره بقتل من كان في السجن والرابع إجماعه على قتل الفل الذين انصرفوا إليه من قبل هرقل والروم فمضى ناس من العظماء إلى عقر بابل وفيه شيري بن أبرويز مع إخوته بها قد وكل بهم مؤدبون يؤدبونهم وأساورة يحولون بينهم وبين براح ذلك الموضع فأقبلوا به ودخل مدينة بهرسير ليلا فخلى عمن كان في سجونها وخرج من كان فيها واجتمع إليه الفل الذين كان كسرى أجمع على قتلهم فنادوا قباذ شاهنشاه وصاروا حين أصبحوا إلى رحبة كسرى فهرب من كان في قصره من حرسه وانحاز كسرى بنفسه إلى باغ له قريب من قصره ويدعى باغ الهندوان فارا مرعوبا وطلب فأخذ ماه آذر وروز آذر وحبس في دار المملكة ودخل شيرويه دار الملك واجتمع إليه الوجوه فملكوه وأرسل إلى أبيه يقرعه بما كان منه وحدثت عن هشام بن محمد قال ولد لكسرى أبرويز ثمانية عشر ولدا ذكرا أكبرهم شهريار وكانت شيرين تبنته فقال المنجمون لكسرى إنه سيولد لبعض ولدك غلام ويكون خراب هذا المجلس وذهاب هذا الملك على يديه وعلامته نقص في بعض بدنه فحصر ولده لذلك عن النساء فمكثوا حينا لا يصلون إلى امرأة حتى شكا ذلك شهريار إلى شيرين وبعث إليها يشكو الشبق ويسألها أن تدخل عليه امرأة وإلا قتل نفسه فأرسلت إليه إن لا أصل إلى إدخال النساء عليك إلا أن تكون امرأة لا يؤبه لها ولا يجمل بك أن تمسها فقال لها لست أبالي ما كانت بعد ان تكون امرأة فأرسلت إليه بجارية كانت تحجمها وكانت فيما يزعمون من بنات أشرافهم إلا أن شيرين كانت غضبت عليها في بعض الأمور فأسلمتها في الحجامين فلما أدخلتها على شهريار وثب عليها فحملت بيزدجرد فأمرت بها شيرين فقصرت حتى ولدت وكتمت أمر الولد خمس سنين ثم إنها رأت من كسرى رقة للصبيان حين كبر فقالت له هل يسرك أيها الملك أن ترى ولدا لبعض بنيك على ما كان في ذلك من المكروه فقال لا أبالي فأمرت بيزدجرد فطيب وحلي وأدخلته عليه وقالت هذا يزدجرد بن شهريار فدعا به فأجلسه في حجره وقبله وعطف عليه وأحبه حبا شديدا وجعل يبيته معه فبينا هو يلعب ذات يوم بين يديه إذ ذكر ما قيل فيه فدعا به فعراه من ثيابه واستقبله واستدبره فاستبان النقص في أحد وركيه فاستشاط غضبا وأسفا واحتمله ليجلد به الأرض فتعلقت به شيرين وناشدته الله ألا يقتله وقالت له إنه إن يكن قد حضر في هذا الملك فليس له مرد قال إن هذا المشؤوم الذي أخبرت عنه فأخرجيه فلا أنظر إليه فأمرت به فحمل إلى سجستان وقال آخرون بل كان بالسواد عند ظؤورته في قرية يقال لها خمانية ووثبت فارس على كسرى فقتلته (1/485) ________________________________________ وساعدهم على ذلك ابنه شيرويه بن مريم الرومية وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة ولمضي اثنتين وثلاثين سنة وخمسة أشهر وخمسة عشر يوما من ملكه هاجر النبي صلى الله عليه و سلم من مكة إلى المدينة ثم ملك من بعده ابنه شيرويه واسمه قباذ بن أبريز بن هرمز بن كسرى أنو شروان فذكر أن شيرويه لما ملك دخل عظماء الفرس عليه بعد حبسه إياه فقالوا له إنه لا يستقيم أن يكون لنا ملكان اثنان فإما أن تقتل كسرى ونحن خولك الباخعون لك بالطاعة وإما أن نخلعك ونعطيه الطاعة على ما لم نزل نعطيه قبل أن تملك فهدت هذه المقالة شيرويه وكسرته وأمر بتحويل كسرى من دار المملكة إلى دار رجل يقال له مارسفند فحمل كسرى على برذون وقنع رأسه وسير به إلى تلك الدار ومعه ناس من الجند فمروا به في مسيرهم على إسكاف جالس في حانوت شارع على الطريق فلما بصر بفرسان من الجند معهم فارس مقنع عرف أن المقنع كسرى فحذفه بقالب فعطف إليه رجل ممن كان مع كسرى من الجند فاخترط سيفه فضرب عنق الإسكاف ثم لحق بأصحابه فلما صار كسرى في دار مارسفند جمع شيرويه من كان بالباب من العظماء وأهل البيوتات فقال إنا قد رأينا أن نبدأ بالإرسال إلى الملك أبينا بما كان من إساءته في تدبيره ونوقفه على أشياء منها ثم دعا برجل من أهل أردشير خرة يقال له أسفاذجشنس ولمرتبته رئيس الكتيبة كان يلي تدبير المملكة فقال له انطلق إلى الملك أبينا فقل له عن رسالتنا إنا لم نكن للبلية التي أصبحت فيها ولا أحد من رعيتنا سببا ولكن الله قضاها عليك جزاء منه لك بسيء أعمالك منها اجترامك إلى هرمز أبيك وفتكك به وإزالتك الملك عنه وسملك عينيه وقتلك إياه شر قتلة وما قارفت في أمره من الإثم العظيم ومنها سوء صنيعك إلينا معشر أبنائك في حظرك علينا مثافنة الأخيار ومجالستهم وكل أمر يكون لنا فيه دعة وسرور وغبطة ومنها إساءتك كانت بمن خلدت السجون منذ دهر حتى شقوا بشدة الفقر وضيق المعاش والغربة عن بلادهم وأهاليهم وأولادهم ومنها سوء نظرك في استخلاصك كان لنفسك من النساء وتركك العطف عليهن بمودة منك والصرف لهن إلى معاشرة من كن يرزقن منه الولد والنسل وحبسك إياهن قبلك مكرهات ومنها ما أتيت إلى رعيتك عامة في اجتبائك إياهم الخراج وما انتهكت منهم في غلظتك وفظاظتك عليهم ومنها جمعك الأموال التي اجتبيتها من الناس في عنف شديد واستفساد منك إياهم وإدخالك البلاء والمضار عليهم فيه ومنها تجميرك من جمرت في ثغور الروم وغيرهم من الجنود وتفريقك بينهم وبين أهاليهم ومنها غدرك بموريق ملك الروم وكفرك إنعامه عليك فيما كان من إيوائه إياك وحسن بلائه عندك ودفعه عنك شر عدوك وتنويهه باسمك في تزويجه إياك أكرم السناء من بناته عليه وآثرهن عنده واستخفافك بحقه وتركك إطلابه ما طلب إليك من رد خشبة الصليب التي لم يكن بها ولا بأهل بلادك إليها حاجة علمته فإن كانت لك حجج تدلي بها عندنا وعند الرعية فأدل بها وإن لم تكن لك حجة فتب إلى الله من قريب وأنب إليه حتى نأمر فيك بأمرنا فوعي أسفاذ جشنس رسالة كسرى شيرويه هذه وتوجه من عنده إلى كسرى ليبلغه إياها فلما توجه إلى الموضع الذي كان حبس فيه كسرى ألفى رجلا يقال له جيلنوس كان قائد الجند قد وكل بحراسة كسرى جالسا فتحاورا ساعة ثم سأل أسفاذ جشنس جلينوس أن يستأذن له على كسرى ليلقاه برسالة من شيرويه (1/486) ________________________________________ فرجع جلينوس فرفع الستر الذي كان دون كسرى فدخل عليه وقال له عمرك الله إن أسفاذجشنس بالباب وذكر أن الملك شيرويه أرسله إليك في رسالة وهو يستأذن عليك فرأيك في الأمر فيه برأيك فتبسم كسرى وقال مازحا يا جلينوس أسفاذان كلامك مخالف كلام أهل العقل وذلك أنه إن كانت الرسالة التي ذكرت من شيرويه لملك فليس لنا مع ملكه إذن وإن كان لنا إذن وحجب فليس شيرويه بملك ولكن المثل في ذلك كما قيل يشاء الله الشيء فيكون ويأمر الملك بأمر فينفذ فأذن لأسفاذجشنس يبلغ الرسالة التي حملها فلما سمع جلينوس هذه المقالة خرج من عند كسرى وأخذ بيد إسفاذجشنس وقال له قم فادخل إلى كسرى راشدا فنهض أسفاذجشنس ودعا بعض من كان معه من خدمه ودفع إليه كساء كان لابسه وأخرج من كمه ششتقة بيضاء نقية فمسح بها وجهه ثم دخل على كسرى فلما عاين كسرى خر له ساجدا فأمره كسرى بالانبعاث فانبعث وكفر بين يديه وكان كسرى جالسا على ثلاثة أنماط [ من ] ديباج خسرواني منسوج بذهب قد فرشت على بساط من إبريسم متكئا على ثلاث وسائد منسوخة بذهب وكان بيده سفرجلة صفراء شديدة الاستدارة فلما عاين أسفاذجشنس تربع جالسا ووضع السفرجلة التي كانت بيده على تكأته فتدحرجت من أعلى الوسائد الثلاث لشدة استدارتها واملساس الوسادة التي كانت عليها بامتلاء حشوها إلى أعلى تلك الأنماط الثلاثة ومن النمط إلى البساط ولم تلبث على البساط أن تدحرجت إلى الأرض ووقعت بعيدا متلطخة بتراب فتناولها أسفاذجشنس فمسحها بكمه وذهب ليضعها بين يدي كسرى فأشار إليه أن ينحيها عنه وقال له أعزبها عني فوضعها أسفاذجشنس عند طرف البساط إلى الأرض ثم عاد فقام مقامه وكفر بيده فنكس كسرى ثم قال متمثلا الأمر إذا أدبر فاتت الحيلة في الإقبال به وإذا أقبل أعيت الحيلة في الإدبار به وهذان الأمران متداولان على ذهاب الحيل فيهما ثم قال لأسفاذجشنس إنه قد كان من تدحرج هذه السفرجلة وسقوطها حيث سقطت وتلطخها بالتراب وهو عندنا كالإخبار لنا بما حملت من الرسالة وما أنتم عاملون به وعاقبته فإن السفرجلة التي تأويلها الخير سقطت من علو إلى سفل ثم لم تلبث على مفرشنا أن سقطت إلى الأرض وقعت بعيدا متلطخة بتراب وذلك منها دليل في حال الطيرة أن مجد الملوك قد صار عند السوق وأنا قد سلبنا الملك وأنه لا يلبث في أيدي عقبنا أن يصير إلى من ليس من أهل المملكة فدونك فتكلم بما حملت من رسالة وزودت من الكلام فاندفع أسفاذجشنس في تبليع الرسالة التي حمله إياها شيرويه ولم يغادر منها كلمة ولم يزلها عن نسقها فقال كسرى في مرجوع تلك الرسالة بلغ عني شيرويه القصير العمر أنه لا ينبغي لذي عقل أن يبث من أحد الصغير من الذنب ولا اليسير من السيئة إلا بعد تحقق ذلك عنده وتيقنه إياه منه فضلا عن عظم ما بثثت ونشرت وادعيت منا ونسبتنا إليه من الذنوب والجرائم مع أن أولى الناس بالرد عن ذي ذنب وتوبيخ ذي جرمة من قد ضبط نفسه عن الذنوب والجرائم ولو كنا على ما أضفتنا إليه لم يكن ينبغي أن تنشره وتؤنبنا به أيها القصير العمر القليل العلم فإن كنت جاهلا بما يزمك من العيوب ببثك منا ما بثثت ونسبتك إيانا إلىما نسبت فاستثبت عيوبك واقتصر في الزري علينا والعيب لنا على ما لا يزيدك بسوء مقالتك فيه إلا اشتهارا بالجهل ونقص الرأي أيها العازب العقل العديم العلم فإنه إن كان لإجهادك نفسك في شهرك إيانا من الذنوب بما يوجب علينا القتل حقيقة وكان لك على ذلك برهان فقضاة (1/487) ________________________________________ أهل ملتك ينفون ولد المستوجب للقتل من أبيه وينحونه عن مضامة الأخيار ومجالستهم ومخالطتهم إلا في أقل المواطن فضلا عن أن يملك مع أنه قد بلغ بحمد الله ونعمته من إصلاحنا أنفسنا ونيتنا فيما بيننا وبين الله وبيننا وبين أهل ملتنا وديننا وبيننا وبينك وبين معشر أبنائنا ما ليس لنا في شيء من ذلك تقصير ولا علينا فيه من أحد حجة ولا توبيخ ونحن نشرح الحال فيما ألزمتنا من الذنوب وألحقت بنا من الجرائم عن غير التماس منا لذلك نقصا فيما أدلينا به من حجة أو أتينا عليه من برهان لتزداد علما بجهالتك وعزوب عقلك وسوء صنعيك أما ما ذكرت من أمر أبينا هرمز فمن جوابنا فيه أن الأشرار والبغاة كانوا إغروا هرمز بنا حتى اتهمنا واحتمل غمرا ووغرا ورأينا من ازوراره عنا وسوء رأيه فينا ما تخوفنا ناحيته فاعتزلنا بابه لإشفاقنا منه ولحقنا بأذربيجان وقد استفاض فانتهك من الملك ما انتهك فلما انتهى إلينا خبر ما بلغ منه شخصنا من أذربيجان إلى بابه فهجم علينا المنافق بهرام في جنود عظيمة من العصاة المستوجبة القتل مارقا من الطاعة فأجلانا عن موضع المملكة فلحقنا ببلاد الروم فأقبلنا منها بالجنود والعدة وحاربناه فهرب منا وصار من أمره في بلاد الترك من الهلكة والبوار إلى ما قد اشتهر في الناس حتى إذا صفا لنا الملك واستحكم لنا أمره ودفعنا بعون الله عن رعيتنا البلاء والآفات التي كانوا أشفوا عليها قلنا إن من خير ما نحن بادئون به في سياستنا ومفتتحون به ملكنا الانتقام لأبينا والثأر به والقتل لكل من شرك في دمه فإذا أحكمنا ما نوينا من ذلك وبلغنا منه ما نريد تفرغنا لغيره من تدبير الملك فقتلنا كل من شرك في دمه وسعى فيه ومالأ عليه وأما ما ذكرت من أمر أبنائنا فمن جوابنا أنه ليس من ولد ولدناه ما خلا من استأثر الله به منهم إلا صحيحة أعضاء جسده غير أنا وكلنا بالحراسة لكم وكفكم عن الانتشار فيما لا يعنيكم إرادةكف ما نتخوف من ضرركم على البلاد والرعية ثم كنا أقمنا من النفقات الواسعة في كسوتكم ومراكبكم وجميع ما تحتاجون إليه ما قد علمت وأما أنت خاصة فمن قصتك أن المنجمين كانوا قضوا في كتاب مولدك أنك مثرب علينا أو يكون ذلك بسببك فلم نأمر بقتلك ولكن ختمنا على كتاب قضية مولدك ودفعناه إلى سيرين صاحبتنا ومع ثقتنا بتلك القضية وجدنا فرميشا ملك الهند كتب إلينا في سنة ست وثلاثين من ملكنا وقد أوفدهم إلينا فكتب في أمور شتى وأهدى لنا ولكم معشر أبنائنا هدايا وكتب إلى كل واحد منكم كتابا وكانت هديته لك فاذكرها فيلا وسيفا وبازيا أبيض وديباجة منسوجة بذهب فلما نظرنا فيما أهدي لكم وكتب إليكم وجدته قد وقع على كتابه إليك بالهندية اكتم ما فيه فأمرنا أن يصرف إلى كل واحد منكم ما بعث إليه من هدية أو كتاب واحبسنا كتابه إليك الحال التوقيع الذي كان عليه ودعونا بكاتب هندي وأمرنا بفض خاتم الكتاب وقراءته فكان فيه أبشر وقر عينا وانعم بالا فإنك متوج ماه آذر روز ديبا ذر سنة ثمان وثلاثين من ملك كسرى ومملك على ملكه وبلاده فوثقنا أنك لم تكن لتملك إلا بهلكنا وبوارنا فلم ننتقصك بما استقر عندنا من ذلك مما كنا أمرنا بإجرائه عليك من الأرزاق والمعاون والصلات وغير ذلك شيئا فضلا عن أمرنا بقتلك وأما كتاب فرميشا فقد ختمنا عليه بخاتمنا واستودعناه شيرين صاحبتنا وهي في الأحياء صحيحة العقل والبدن فإن أحببت أن تأخذ منها قضية مولدك وكتاب فرميشا إليك وتقرأهما لتكسبك قراءتك إياهما ندامة وثبورا فافعل (1/488) |
رد: مكتبتي
وأما ما ذكرت من حال من خلد السجن فمن جوابنا فيه أن الملوك الماضين من لدن جيومرت إلى أن ملك بشتاسب كانوا يدبرون ملكهم بالمعدلة ولم يزالوا من لدن بشتاسب إلى أن ملكنا يدبرونه بمعدلة معها ورع الدين فسل إن كنت عديم عقل وعلم وأدب حملة الدين وهم أوتاد هذه الملة عن حال من عصى الملوك وخالفهم ونكث عهدهم والمستوجبين بذنوبهم القتل فيخبروك أنهم لا يستحقون أن يرحموا ويعفى عنهم واعلم مع ذلك أنا لم نأمر بالحبس في سجوننا ولا من قد وجب عليه في القضاء العدل أن يقتل أو تسمل عينه وتقطع يده ورجله وسائر أعضائه وكثيرا ما كان الموكلون بهم وغيره من وزرائنا يذكرون استيجاب من استوجب منهم القتل ويقولون عاجلهم بالقتل قبل أن يحتالوا لأنفسهم حيلا يقتلونك بها فكنا لحبنا استبقاء النفوس وكراهتنا سفك الدماء نتأنى بهم ونكلهم إلى الله ولا نقدم على عقوبتهم بعد الحبس الذي اقتصرنا عليه إلا على منعم أكل اللحم وشرب الشراب وشم الرياحين ولم نعد في ذلك ما في سنن الملة من الحول بين المستوجبين للقتل وبين التلذذ والتنعم بشيء مما منعناهم إياه وكنا أمرنا لهم من المطعم والمشرب وسائر ما يقيمهم بالذي يصلحهم في اقتصاد ولم نأمر بالحول بينهم وبين نسائهم والتوالد والتناسل في حال حبسهم وقد بلغنا أنك أجمعت على التخلية عن أولئك الدعار المنافقين المستوجبين للقتل والأمر بهدم محبسهم ومتى تخل عنهم تأثم بالله ربك وتسيء إلى نفسك وتخل بدينك وما فيه من الوصايا والسنن التي فيها صرف الرحمة والعفو عن المستوجبين للقتل مع أن أعداء الملوك لا يحبون الملك أبدا والعاصين لهم لا يمنحونهم الطاعة وقد وعظ الحكماء وقالوا لا تؤخرن معاقبة المستوجبي العقوبة فإن في تأخيرها مدفعة للعدل ومضرة على المملكة في حال التدبير ولئن نالك بعض السرور إن أنت خليت عن أولئك الدعار المنافقين العصاة المستوجبين للقتل لتجدن غب ذلك في تدبيرك ودخول أعظم المضرة والبلية على أهل الملة
وأما قولك إنا إنما كسبنا وجمعنا وادخرنا الأموال والأمتعة والبزور وغيرها من بلاد مملكتنا بأعنف اجتباء وأشد إلحاح على رعيتنا وأشد ظلم لا من بلاد العدو بالمجاهدة لهم والقهر عن غلبة منا إياهم على ما في أيديهم فمن جوابنا فيه أن من إصابة الجواب في كل كلام يتكلم بجهل وعنجهية ترك الجواب فيه ولكن لم ندع إذا صار ترك الجواب كالإقرار وكانت حجتنا فيما غشينا أن نحتج به قوية وعذرنا واضحا شرح ما سألتنا عنه من ذلك اعلم أيها الجاهل أنه إنما يقيم ملك الملوك بعد الله الأموال والجنود وبخاصة ملك فارس الذي قد اكتنفت بلاده أعداء فاغرة أفواههم لالتقام ما في يديه وليس يقدر على كفهم عنها وردعهم عما يريدون من اختلاس ما يرومون اختلاسه منه إلا بالجنود الكثيفة والأسلحة والعدد الكثيرة ولا سبيل له إلى الكثيف من الجنود والكثير مما يحتاج إليه إلا بكثرة الأموال ووفورها ولا يستكثر من الأموال ولا يقدر على جمعها لحاجة إن عرضت له إليها إلا بالجد والتشمير في اجتباء هذا الخراج وما نحن ابتدعنا جمع الأموال بل اقتدينا في ذلك بآبائنا والماضين من أسلافنا فإنهم جمعوها كجمعنا إياها وكثروها ووفروها لتكون ظهرا لهم على تقوية جنودهم وإقامة أمورهم وغير ذلك مما لم يستغنوا عن جمعها له فأغار على تلك الأموال وعلى جوهر كان في خزائننا المنافق بهرام في عصابة مثله وفتاك مستوجبين القتل فشذبوها وبذروها وذهبوا بما ذهبوا به منها ولم يتركوا في بيوت أموالنا وخزائننا إلا أسلحة من أسلحتنا لم يقدروا على تشذيبها والذهاب بها ولم يرغبوا فيها (1/489) ________________________________________ فلما ارتجعنا بحمد الله ملكنا واستحكمت أمورنا وأذعن لنا الرعية بالطاعة ودفعنا عنهم البوائق التي كانت حلت بهم ووجهنا إلى نواحي بلادنا أصبهبذين وولينا دونهم على تلك النواحي فاذوسبانين واستعملنا على ثغورنا مرازبة وولاة ذوي صرامة ومضاء وجلد وقوينا من ولينا من هؤلاء بالكثيف من الجنود أثخن هؤلاء الولاة من كان بإزائهم من الملوك المخالفين لنا والعدو وبلغ من غاراتهم عليهم وقتلهم من قتلوا وأسرهم من أسروا منهم من سنة ثلاث عشرة من ملكنا ما لم يقدر الرجل من أولئك على إطلاع رأسه في حرم بلاده إلا بخفير أو خائفا أو بأمان منا فضلا عن الإغارة على شيء من بلادنا والتعاطي لشيء مما كرهنا ووصل في مدة هذه السنين إلى بيوت أموالنا وخزائننا مما غنمنا من بلاد العدو من الذهب والفضة وأنواع الجوهر ومن النحاس والفرند والحرير والإستبرق والديباج والكراع والأسلحة والسبي والأسراء ما لم يخف عظم خطر ذلك وقدره على العامة فلما أمرنا في آخر سنة ثلاث عسرة من ملكنا بنقش سكك حديثة لنأمر فيستأنف ضرب الورق بها وجد في بيوت أموالنا على ما رفع إلينا المحصون لما كان فيها من الورق سوى ما أمرنا بعزله من الأموال لأرزاق جنودنا من الورق مائتا ألف بدرة فيها ثمانمائة ألف ألف مثقال فلما رأينا أنا قد حصنا ثغورنا وردعنا العدو عنها وعن رعيتنا [ وجمعنا مشتت أمرنا ] وكعمنا أفواههم الفاغرة كانت لالتقام ما في أيديهم وبسطنا فيهم الأمن وأمنا على نواحي بلادنا الأربع ما كان أهلها فيه من البوائق والمغار أمرنا باجتباء بقايا السنين وما انتهب من بيوت أموالنا من ذهب وفضة ومن خزائننا من جوهر أو نحاس ورد ذلك كله إلى موضعه حتى إذا كان في آخر سنة ثلاثن من ملكنا أمرنا بنقش سكك حديثة يضرب عليها الورق فوجد في بيوت أموالنا سوى ما أمرنا بعزله من الأموال لأرزاق جندنا والأموال التي أحصيت لنا قبل ذلك من الورق أربعمائة ألف بدرة يكون ما فيها ألف ألف ألف مثقال وستمائة ألف ألف مثقال وذلك سوى ما زادنا الله إلى تلك الأموال مما أفاء الله بمنه وطوله علينا من أموال ملوك الروم في سفن أقبلت بها إلينا الريح فسميناها فيء الرياح ولم تزل أموالنا من سنة ثلاثين من ملكنا إلى سنة ثمان وثلاثين من ملكنا التي هي هذه السنة تزداد كثرة ووفورا وبلادنا عمارة ورعيتنا أمنا وطمأنينة وثغورنا وأطرافنا مناعة وحصانة وقد بلغنا أنك هممت لرذولة مروءتك أن تبذر هذه الأموال وتتويها عن رأي الأشرار العتاة المستوحبين للقتل ونحن نعلمك أن هذه الكنوز والأموال لم تجمع إلا بعد المخاطرة بالنفوس بعد كد وعناء شديد لندفع بها العدو المكتنفين لبلاد هذه المملكة المتقلبين إلى غلبتهم على ما في أيديهم وإنما يقدر على كف أولئك العدو في الأزمان والدهور كلها بعد عون الله بالأموال والجنود ولن تقوى الجنود إلا بالأموال ولا ينتفع بالأموال إلا على كثرتها ووفورها فلا تهمن بتفرقة هذه الأموال ولا تجسرن عليها فإنها كهف لملكك وبلادك وقوة لك على عدوك ثم انصرف إسفاذجشنس إلى شيرويه فقص عليه ما قال له كسرى ولم يسقط منه حرفا وإن عظماء الفرس عادوا فقالوا لشيرويه إنه لا يستقيم أن يكون لنا ملكان فإما أن تأمر بقتل كسرى ونحن خولك المانحوك الطاعة وإما أن نخلعك ونعطيه الطاعة فهدت شيرويه هذه المقالة وكسرته وأمر بقتل كسرى فانتدب لقتله رجال كان وترهم كسرى فكلما أتاه الرجل منهم شتمه كسرى وزبره فلم يقدم على قتله أحد حتى أتاه شاب يقال له مهرهرمز بن مردانشاه ليقتله وكان مردانشاه فاذوسبابا لكسرى على ناحية نيمروذ وكان من أطوع الناس لكسرى وأنصحهم له وإن كسرى سأل قبل أن يخلع بنحو من سنتين منجميه وعافته (1/490) ________________________________________ عن عاقبة أمره وأخبروه أن منيته آتية من قبل نيمروذ فاتهم مردانشاه وتخوف ناحيته لعظم قدره وأنه لم يكن في تلك الناحية من يعدله في القوة والقدرة فكتب إليه أن يعجل القدوم عليه حتى إذا قدم عليه أجال الرأي في طلب علة يقتله بها فلم يجد عليه عثرة وتذمم من قتله لما علم من طاعته إياه ونصيحته له وتحريه مرضاته فرأى أن يستبقيه ويأمر بقطع يمينه ويعوضه منها أموالا عظيمة يجود له بها فبغى عليه من العلل ما قطع يمينه وإنما كانت تقطع الأيدي والأرجل وتقطع الأعناق في رحبة الملك وإن كسرى أرسل يوم أمر بقطع يده عينا ليأتيه بخبر ما يسمع من مردانشاه وومن بحضرته من النظارة وإن مردانشاه لما قطعت يمينه قبض عليها بشماله فقبلها ووضعها في حجره وجعل يندبها بدمع له دار ويقول واسمحتاه واراميتاه واكتبتاه واضاربتاه والاعبتاه واكريمتاه فانصرف إلى كسرى الرجل الذي كان وجهه عينا عليه فأخبره بما رأى وسمع منه فرق له كسرى وندم على إتيانه في أمره ما أتى فأرسل إليه مع رجل من العظماء يعلمه ندامته على ما كان منه وأنه لن يسأله شيئا يجد السبيل إلى بذله له إلا أجابه إليه وأسعفه به فأرسل إلى كسرى مع ذلك الرسول يدعو له ويقول إني لم أزل أعرف تفضلك علي أيها الملك وأشكره لك وقد تيقنت أن الذي أتيت إلي مع كراهتك إياه إنما كان سببه القضاء ولكني سائلك أمرا فأعطني من الأيمان على إسعافك إياي به ما أطمئن إليه وليأتني بيقين حلفك على ذلك رجل من النساك فأفرشك إياه وأبثه لك فانصرف رسول كسرى إلى كسرى بهذه الرسالة فسارع إلى ما سأله مردانشاه وحلف بالأيمان المغلظة ليجيبنه إلى ما هو سائله ما لم تكن مسألته أمرا يوهن ملكه وأرسل إليه بهذه الرسالة مع رئيس المزمزمين فأرسل إليه مردانشاه يسأله أن يأمر بضرب عنقه ليمتحي بذلك العار الذي لزمه فأمر كسرى فضربت عنقه كراهة منه للحنث زعم وإن كسرى سأل مهرهرمز بن مردانشاه حين دخل عليه عن اسمه وعن اسم أبيه ومرتبته فأخبره أنه مهرهرمز بن مردانشاه فاذوسبان نيمروذ فقال كسرى أنت ابن رجل شريف كثير الغناء قد كافأناه على طاعته إيانا ونصيحته لنا وغنائه عنا بغير ما كان يستحقه فشأنك وما أمرت به فضرب مهرهرمز على حبل عاتقه بطبرزين كان بيده ضربات فلم يحك فيه ففتش كسرى فوجد قد شد في عضده خرزه لا يحيك السيف في كل من تعلقها فنزعت من عضده ثم ضربه بعد ذلك مهرهرمز ضربة فهلك منها وبلغ شيرويه فخرق جيبه وبكى منتحبا وأمر بحمل جثته إلى الناووس فحملت وشيعها العظماء وأفناء الناس وأمر فقتل قاتل كسرى وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة وكان قتله ماه آذر روزماه وقتل شيرويه سبعة عشر أخا له ذوي أدب وشجاعة ومروءة بمشورة وزيره فيروز وتحريض ابن ليزدين وإلى عشور الآفاق كان لكسرى يقال له شمطا إياه عن قتلهم فابتلي بالأسقام ولم يلتذ بشيء من لذات الدنيا وكان هلاكه بدسكرة الملك وكان مشؤوما على آل ساسان فلما قتل إخوته جزع جزعا شديدا ويقال إنه لما كان اليوم الثاني من اليوم الذي قتلهم فيه دخلت عليه بوران وآزرميدخت أختاه فأسمعتاه وأغلظتا له وقالتا حملك (1/491) ________________________________________ الحرص على ملك لا يتم على قتل أبيك وجميع إخوتك وارتكبت المحارم فلم سمع ذلك منهما بكى بكاء شديدا ورمى بالتاج عن رأسه ولم يزل أيامه كلها مهموما مدنفا ويقال إنه أباد من قدر عليه من أهل بيته وإن الطاعون فشا في أيامه حتى هلك الفرس إلا قليلا منهم وكان ملكه ثمانية أشهر ثم ملك أردشير بن شيرويه بن أبرويز بن هرمز بن أنو شروان وكان طفلا صغيرا قيل إنه كان ابن سبع سنين لأنه لم يكن في أهل بيت المملكة محتنك فملكته عظماء فارس وحضنه رجل يقال له مهآذرجشنس وكانت مرتبته رياسة أصحاب المائدة فأحسن سياسة الملك فبلغ من إحكامه ذلك ما لم يحس معه بحداثة سن أردشير وكان شهر براز بثغر الروم في جند ضمهم إليه كسرى وسماهم السعداء وكان كسرى وشيرويه لا يزالان يكتبان إليه في الأمر يهمهما فيستشيرانه فيه فلما لم يشاوره عظماء فارس في تمليك أردشير اتخذ ذلك ذريعة إلى العتب والتبغي عليهم وبسط يده في القتل وجعله سببا للطمع في الملك والاعتلاء عند ذلك من ضعة العبودية إلى رفعة الملك واحتقر أردشير لحداثة سنه واستطال عليهم وأجمع على دعاء الناس إلى التشاور في الملك ثم أقبل بجنده وقد عمد مهآذر جشنس فحصن سور مدينة طيسبون وأبوابها وحول أردشير ومن بقي من نسل الملك ونسائهم وما كان في بيت مال أردشير من ماله وخزائنه وكراعه إلى مدينة طيسبون وكان الذين أقبل فيهم من الجند شهر براز ستة آلاف رجل من جند فارس بثغر الروم فأناخ إلى جانب مدينة طيسبون وحاصر من فيها وقاتلهم عنها ونصب المجانيق عليها فلم يصل إليها فلما رأى عجزه عن افتتاحها أتاها من قبل المكيدة فلم يزل يخدع رجلا يقال له نيوخسروا وكان رئيس حرس أردشير ونامدار جشنس بن آذر جشنس أصبهبذ نيمروذ حتى فتحا له باب المدينة فدخلها فأخذ جماعة من الرؤساء فقتلهم واستصفى أموالهم وفضح نساءهم وقتل ناس بأمر شهر براز أردشير بن شيرويه سنة اثنتين ماه بهمن ليلة روزآبان في إيوان خسروشاه قباذ وكان ملكه سنة وستة أشهر ثم ملك شهربراز وهو فرخان ماه إسفنديار ولم يكن من أهل بيت المملكة ودعا نفسه ملكا وإنه حين جلس على سرير الملك ضرب عليه بطنه وبلغ من شدة ذلك عليه أنه لم يقدر على إتيان الخلاء فدعا بطست فوضع أمام ذلك السرير فتبرز فيه وإن رجلا من أهل إصطخر يقال له فسفروخ بن ماخراشيذان وأخوين له امتعضوا من قتل شهربراز أردشير وغلبته على الملك وأنفوا من ذلك وتحالفوا وتعاقدوا عل قتله وكانوا جميعا في حرس الملوك وكان من السنة إذا ركب الملك أن يقف له حرسه سماطين عليهم الدروع والبيض والترسة والسيوف وبأيديهم الرماح فإذا حاذى بهم الملك وضع كل رجل منهم ترسه على قربوس سرجه ثم وضع جبهته عليه كهيئة السجود وإن شهر براز ركب بعد ان ملك بأيام فوقف فسفروخ وأخواه قريبا بعضهم من بعض فلما حاذى بهم شهر براز طعنه فسفروخ ثم طعنه أخواه وكان ذلك إسفندارمذماه وروز دي بدين فسقط عن دابته ميتا فشدوا في رجله حبلا وجروه إقبالا وإدبارا وساعدهم على قتله رجل من العظماء يقال له زاذان فروخ بن شهر داران ورجل يقال له ماهياي كان مؤدب الأساورة وكثير من العظماء وأهل البيوتات وعاونوهم على قتل رجال فتكوا بأردشير بن شيرويه وقتلوا رجالا من العظماء وإنهم ملكوا بوران بنت كسرى (1/492) ________________________________________ وكان جميع ما ملك شهر براز أربعين يوما ثم ملكت بوران بنت كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى أنو شروان فذكر أنها قالت يوم ملكت البر أنوي وبالعدل آمر وصيرت مرتبة شهر براز لفسفروخ وقلدته وزارتها وأحسنت السيرة في رعيتها وبسطت العدل فيهم وأمرت بضرب الورق ورم القناطر والجسور ووضعت بقايا بقيت من الخراج على الناس عنهم وكتبت إلى الناس عامة كتبا أعلمتهم ما هي عليه من الإحسان إليهم وذكرت حال من هلك من أهل بيت المملكة وأنها ترجو أن يريهم الله من الرفاهة والاستقامة بمكانها ما يعرفون به أنه ليس ببطش الرجال تدوخ البلاد ولا ببأسهم تستباح العساكر ولا بمكايدهم ينال الظفر وتطفأ النوائر ولكن كل ذلك يكون بالله عز و جل وأمرتهم بالطاعة وحضتهم على المناصحة وكانت كتبها جماعة لكل ما يحتاج إليه وإنها ردت خشبة الصليب على ملك الروم مع جاثليق يقال له إيشوعهب وكان ملكها سنة وأربعة أشهر ثم ملك بعدها رجل يقال له جشنسده من بني عم أبرويز الأبعدين وكان ملكه أقل من شهر ثم ملكت آزرميدخت بنت كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى أنو شروان ويقال إنها كانت من أجمل نسائهم وإنها قالت حين ملكت منهاجنا منهاج أبينا كسرى المنصور فإن خالفنا أحد هرقنا دمه ويقال إنه كان عظيم فارس يومئذ فرخهرمز إصبهبذ خراسان فأرسل إليها يسألها أن تزوجه نفسها فأرسلت إليه إن التزويج للملكة غير جائز وقد علمت أن دهرك فيما ذهبت إليه قضاء حاجتك وشهوتك مني فصر إلي ليلة كذا وكذا ففعل فرخهرمز وركب إليها في تلك الليلة وتقدمت آزرميدخت إلى صاحب حرسها أن يترصده في الليلة التي تواعدا الالتقاء فيها حتى يقتله فنفذ صاحب حرسها لأمرها وأمرت به فجر برجله وطرح في رحبة دار المملكة فلما أصبحوا وجدوا فرخهرمز قتيلا فأمرت بجثته فغيبت وعلم أنه لم يقتل إلا لعظيمة وكان رستم بن فرخهرمز صاحب يزدجرد الذي وجه بعد لقتال العرب خليفة أبيه بخراسان فلما بلغه الخبر أقبل في جند عظيم حتى نزل المدائن وسمل عيني آزرميدخت وقتلها وقال بعضهم بل سمت وكان ملكها ستة أشهر ثم أتي برجل من عقب أردشير بن بابك كان ينزل الأهواز يقال له كسرى بن مهر جشنس فملكه العظماء ولبس التاج وجلس على سرير الملك وقتل بعد أن ملك بأيام وقيل إن الذي ملك بعد آزرميدخت خرزاذ خسروا من ولد أبرويز وقيل إنه وجد بحصن يعرف بالحجارة بالقرب من نصيبين فلما صار إلى المدائن مكث أياما يسيرة ثم استعصوا عليه وخالفوه وقال الذين قالوا ملك بعد آزرميدخت كسرى بن مهراجشنس لما قتل كسرى بن مهرا جشنس طلب عظماء فارس من يملكونه من أهل بيت المملكة فطلبوا من له عنصر من أهل ذلك البيت ولو من قبل النساء فأتوا برجل كان يسكن ميسان يقال له فيروز بن مهرانجشنس ويسمى أيضا جشنسده قد ولدته صهاربخت بنت يزداندار بن كسرى أنو شروان فملكوه كرها وكان رجلا ضخم الرأس فلما توج قال ما أضيق هذا التاج فتطير العظماء من افتتاحه كلامه (1/493) ________________________________________ بالضيق وقتلوه بعد أن ملك أياما ومن الناس من يقول قتل ساعة تكلم بما تكلم به وقال قائل هذا القول ثم شخص رجل من العظماء يقال له زاذي ولمرتبته رئيس الخول إلى موضع في ناحية المغرب قريب من نصيبين يقال له حصن الحجارة فأقبل بابن لكسرى كان نجا إلى ذلك القصر حين قتل شيرويه بني كسرى يقال له فرخزاذ خسروا إلى مدينة طيسبون فانقاد له الناس زمنا يسيرا ثم استعصوا عليه وخالفوه فقال بعضهم قتلوه وكان ملكه ستة أشهر وقال بعضهم كان أهل إصطخر ظفروا بيزدجرد بن شهريار بن كسرى بإصطخر قد هرب به إليها حيث قتل شيرويه إخوته فلما بلغ عظماء أهل إصطخر أن من بالمدائن خالفوا فرخزاذ خسروا أتوا بيزدجرد بيت نار يدعى بيت نار أردشير فتوجوه هناك وملكوه وكان حدثا ثم أقبلوا به إلى المدائن وقتلوا فرخزاذ خسروا بحيل احتالوها لقتله بعد أ ملك سنة وساغ الملك ليزدجرد غير أن ملكه كان عند ملك آبائه كالخيال والحلم وكانت العظماء والوزراء يدبرون ملكه لحداثة سنه وكان أشدهم نباهة في وزرائه وأذكاهم رئيس الخول وضعف أمر مملكة فارس واجترأ عليه أعداؤه من كل وجه وتطرفوا بلاده وأخربوا منها وغزت العرب بلاده بعد أن مضت سنتان من ملكه وقيل بعد أن مضى أربع سنين من ملكه وكان عمره كله إلى أن قتل ثمانيا وعشرين سنة وقد بقي من أخبار يزدجرد هذا وولده أخبار سأذكرها إن شاء الله بعد في مواضعها من فتوح المسلمين وما فتحوا من بلاد العجم وما آل إليه أمره وأمر ولده فجميع ما مضى من السنين من لدن أهبط آدم إلى الأرض إلى وقت هجرة النبي صلى الله عليه و سلم على ما يقوله أهل الكتاب من اليهود وتزعم أنه في التورا الصورة مثبت من أعمار الأنبياء والملوك أربعة آلاف سنة وستمائة سنة واثنتان وأربعون سنة وأشهر وأما على ما تقوله النصارى مما تزعم أنه في توراة اليونانية فإن ذلك خمسة آلاف سنة وتسعمائة سنة واثنتان وتسعون سنة وأشهر وأما جميع ذلك على قول المجوس من الفرس فإنه أربعة آلاف سنة ومائة سنة واثنتان وثمانون سنة وعشرة أشهر وتسعة عشر يوما على أنه داخل في ذلك مدة ما بين وقت الهجرة ومقتل يزدجرد وذلك ثلاثون سنة وشهران وخمسة عشر يوما وعلى أنه حسابهم ذلك وابتداء تأريخهم من عهد جيومرت وجيومرت هو آدم أبو البشر الذي إليه نسبة كل منتسب من الإنس على ما قد بينت في كتابي هذا وأما علماء الإسلام فقد ذكرت قبل ما قال فيه بعضهم وأذكر بعض من لم يمض ذكره منهم الآن فإنهم قالوا كان بين آدم ونوح عشرة قرون والقرن مائة سنة وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون والقرن مائة سنة وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون والقرن مائة سنة ذكر من قال ذلك (1/494) ________________________________________ حدثنا ابن بشار قال حدثنا أبو داود قال حدثنا همام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق حدثني الحارث بن محمد قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي عن غير واحد من أهل العلم قالوا كان بين آدم ونوح عشرة قرون والقرن مائة سنة وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون والقرن مائة سنة وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون والقرن مائة سنة وروي عن عبدالرحمن بن مهدي عن أبي عوانة عن عاصم الأحول عن أبي عثمان عن سلمان قال الفترة بين محمد وعيسى عليهما السلام ستمائة سنة وروي عن فضيل بن عبدالوهاب عن جعفر بن سليمان عن عوف قال كان بين عيسى وموسى ستمائة سنة حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية عن سعيد بن أبي صدقة عن محمد بن سيرين قال نبئت أن كعبا قال إن قوله يا أخت هارون ( 1 ) ليس بهارون أخي موسى قال فقالت له عائشة كذبت قال يا أم المؤمنين إن كان النبي صلى الله عليه و سلم قال فهو أعلم وأخبر وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة قال فسكتت حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا هشام عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال كان بين موسى بن عمران وعيسى بن مريم ألف سنة وتسعمائة سنة ولم يكن بينهما فترة وإنه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم وكان بين ميلاد عيسى والنبي خمسمائة وتسع وستون سنة بعث في أولها ثلاثة أنبياء وهو قوله إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث ( 2 ) والذي عزز به شمعون وكان من الحواريين وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولا أربعمائة وأربعا وثلاثين سنة وإن عيسى حين رفع كان ابن اثنتين وثلاثين سنة وستة أشهر وكانت نبوته ثلاثين شهرا وإن الله رفعه بجسده وإنه حي الآن حدثني محمد بن سهل بن عسكر قال حدثنا إسماعيل بن عبدالكريم قال حدثني عبدالصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول قد خلا من الدنيا خمسة آلاف سنة وستمائة سنة حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري قال حدثنا يحيى بن صالح عن الحسن بن أيوب الحضرمي قال حدثنا عبدالله بن بسر قال قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم لتدركن قرنا فعاش مائة سنة فهذا ما روي عن علماء الإسلام في ذلك وفي ذلك من قولهم تفاوت شديد وذلك أن الواقدي حكى عن جماعة من أهل العلم أنهم قالوا ما ذكرت عنه أنه رواه عنهم وعلى ذلك من قوله ينبغي أن يكون جميع سني الدنيا إلى مولد نبينا صلى الله عليه و سلم أربعة آلاف سنة وستمائة سنة وعلى قول ابن عباس الذي رواه هشام بن محمد عن أبيه عن أبي صالح عنه ينبغي أن يكون إلى مولد النبي صلى الله عليه و سلم خمسة آلاف سنة وخمسمائة سنة (1/495) |
رد: مكتبتي
وأما وهب بن منبه فقد ذكر جملة من قوله من غير تفصيل وأن ذلك إلى زمنه خمسة آلاف سنة وستمائة سنة وجميع مدة الدنيا عند وهب ستة آلاف سنة وقد كان مضى عنده من ذلك إلى زمانه خمسة آلاف سنة وستمائة سنة وكانت وفاة وهب بن منبه سنة أربع عشرة ومائة من الهجرة فكأن الباقي من الدنيا على قول وهب من وقتنا الذي نحن فيه مائتا سنة وخمس عشرة سنة
وهذا القول الذي قاله وهب بن منبه موافق لما رواه أبو صالح عن ابن عباس وقال بعضهم من وقت هبوط آدم عليه السلام إلى أن بعث نبينا صلى الله عليه و سلم ستة آلاف سنة ومائة وثلاث عشرة سنة وذلك أن عنده من مهبط آدم إلى الأرض إلى الطوفان ألفي سنة ومائتي سنة وستا وخمسين سنة ومن الطوفان إلى مولد إبراهيم خليل الرحمن ألف سنة وتسعا وسبعين سنة ومن مولد إبراهيم إلى خروج موسى ببني إسرائيل من مصر خمسمائة سنة وخمسا وستين سنة ومن خروج موسى ببني إسرائيل من مصر إلى بناء بيت المقدس وذلك لأربع سنين من ملك سليمان بن داود ستمائة سنة وستا وثلاثين سنة ومن بناء بيت المقدس إلى ملك الإسكندر سبعمائة سنة وسبع عشرة سنة ومن ملك الإسكندر إلى مولد عيسى بن مريم عليه السلام ثلاثمائة سنة وتسعا وستين سنة ومن مولد عيسى إلى مبعث محمد صلى الله عليه و سلم خمسمائة سنة وإحدى وخمسين سنة ومن مبعثه إلى هجرته من مكة إلى المدينة ثلاث عشرة سنة وقد حدث بعضهم عن هشام بن محمد الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال كان من آدم إلى نوح ألفا سنة ومائتا سنة ومن نوح إلى إبراهيم ألف سنة ومائة سنة وثلاث وأربعون سنة ومن إبراهيم إلى موسى خمسمائة سنة وخمس وسبعون سنة ومن موسى إلى داود مائة سنة وتسع وسبعون سنة ومن داود إلى عيسى ألف سنة وثلاث وخمسون سنة ومن عيسى إلى محمد ستمائة سنة وحدث الهيثم بن عدي عن بعض أهل الكتب أنه قال من آدم إلى الطوفان ألفا سنة ومائتا سنة وست وخمسون سنة ومن الطوفان إلى وفاة إبراهيم ألف سنة وعشرون سنة ومن وفاة إبراهيم إلى دخول بني إسرائيل مصر خمس وسبعون سنة ومن دخول يعقوب مصر إلى خروج موسى منها أربعمائة سنة وثلاثون سنة ومن خروج موسى من مصر إلى بناء بيت المقدس خمسمائة سنة وخمسون سنة ومن بناء بيت المقدس إلى ملك بختنصر وخراب بيت المقدس أربعمائة سنة وست وأربعون سنة ومن ملك بختنصر إلى ملك الإسكندر أربعمائة سنة وست وثلاثون سنة ومن ملك الإسكندر إلى سنة ست ومائتين من الهجرة ألف سنة ومائتان وخمس وأربعون سنة (1/496) ________________________________________ ذكر نسب رسول الله صلى الله عليه و سلم وذكر بعض أخبار آبائه وأجداده اسم رسول الله صلى الله عليه و سلم محمد وهو ابن عبدالله بن عبدالمطلب وكان عبدالله أبو رسول الله أصغر ولد أبيه وكان عبدالله والزبير وعبد مناف وهو أبو طالب بنو عبدالمطلب لأم واحدة وأمهم جميعا فاطمة بنت عمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم حدثنا بذلك ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق وحدثت عن هشام بن محمد عن أبيه أنه قال عبدالله بن عبدالمطلب أبو رسول الله وأبو طالب واسمه عبدمناف والزبير وعبدالكعبة وعاتكة وبرة وأميمة ولد عبد المطلب إخوة أم جيمعهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة وكان عبدالمطلب فيما حدثني يونس بن عبدالأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أنه أخبره أن امرأة نذرت أن تنحر ابنها عند الكعبة في أمر إن فعلته ففعلت ذلك الأمر فقدمت المدينة لتستفتي عن نذرها فجاءت عبدالله بن عمر فقال لها عبدالله بن عمر لا أعلم الله أمر في النذر إلا الوفاء به فقالت المرأة أفأنحر ابني قال ابن عمر قد نهاكم الله أن تقتلوا أنفسكم فلم يزدها عبدالله بن عمر على ذلك فجاءت عبدالله بن عباس فاستفتته فقال أمر الله بوفاء النذر والنذر دين ونهاكم أن تقتلوا أنفسكم وقد كان عبدالمطلب بن هاشم نذر إن توافى له عشرة رهط أن ينحر أحدهم فلما توافى له عشرة أقرع بينهم أيهم ينحر فطارت القرعة على عبدالله بن عبدالمطلب وكان أحب الناس إلى عبدالمطلب فقال عبدالمطلب اللهم هو أو مائة من الإبل ثم أقرع بينه وبين الإبل فطارت القرعة على المائة من الإبل فقال ابن عباس للمرأة فأرى أن تنحري مائة من الإبل مكان ابنك فبلغ الحديث مروان وهو أمير المدينة فقال ما أرى ابن عمر ولا ابن عباس اصابا الفتيا إنه لا نذر في معصية الله استغفري الله وتوبي إلى الله وتصدقي واعملي ما استطعت من الخير فأما ان تنحري ابنك فقد نهاك الله عن ذلك فسر الناس بذلك وأعجبهم قول مروان ورأوا أنه قد أصاب الفتيا فلم يزالوا يفتون بألا نذر في معصية الله وأما ابن إسحاق فإنه قص من أمر نذر عبدالمطلب هذا قصة هي أشيع مما في هذا الخبر الذي ذكرناه عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب وذلك ما حدثنا به ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محد بن إسحاق قال كان عبدالمطلب بن هاشم فيما يذكرون والله أعلم قد نذر حين لقي من قريش في (1/497) ________________________________________ حفر زمزم ما لقي لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا منه حتى يمنعوه لينحرن أحدهم لله عند الكعبة فلما توافى له بنوه عشرة وعرف أنهم سيمنعونه جمعهم ثم أخبرهم بنذره الذي نذر ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك فأطاعوه وقالوا كيف نصنع قال يأخذ كل رجل منكم قدحا ثم ليكتب فيه اسمه ثم ائتوني به ففعلوا ثم أتوه فدخل على هبل في جوف الكعبة وكانت هبل أعظم أصنام قريش بمكة وكانت على بئر في جوف الكعبة وكانت تلك البئر هي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة وكان عند هبل سبعة أقدح كل قدح منها فيه كتاب قدح فيه العقل إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة فإن خرج العقل فعلى من خرج حمله وقدح فيه نعم للأمر إذا أرادوه يضرب به فإن خرج قدح نعم عملوا به وقدح فيه لا فإذا ارادوا أمرا ضربوا به في القداح فإذا خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الأمر وقدح فيه منكم وقدح فيه ملصق وقدح فيه من غيركم وقدح فيه المياه إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح وفيها ذلك القدح فحيثما خرج عملوا به وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما أو ينكحوا منكحا أو يدفنوا ميتا أو شكوا في نسب أحد منهم ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وجزور فأعطوها صاحب القداح الذي يضربها ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون ثم قالوا يا إلهنا هذا ابن فلان قد أردنا به كذا وكذا فأخرج الحق فيه ثم يقولون لصاحب القداح اضرب فيضب فإن خرج عليه منكم كان وسيطا وإن خرج عليه من غيركم كان حليفا وإن خرج عليه ملصق كان على منزلته منهم لا نسب له ولا حلف وإن خرج في شيء سوى هذا مما يعملون به نعم عملوا به وإن خرج لا أخروه عامهم ذلك حتى يأتوا به مرة أخرى ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح فقال عبدالمطلب لصاحب القداح اضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه وأخبره بنذره الذي نذر فأعطى كل رجل منهم قدحه الذي فيه اسمه وكان عبدالله بن عبدالمطلب أصغر بني أبيه وكان فيما يزعمون أحب ولد عبدالمطلب إليه وكان عبدالمطلب يرى أن السهم إذا أخطأه فقد أشوى وهو أبو رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما أخذ صاحب القداحا القداح ليضرب بها قام عبدالمطلب عند هبل في جوف الكعبة يدعو الله ثم ضرب صاحب القداح فخرج القدح على عبدالله فأخذ عبدالمطلب بيده وأخذ الشفرة ثم أقبل إلى إساف ونائلة وهما وثنا قريش اللذان تنحر عندهما ذبائحها ليذبحه فقامت إليه قريش من أنديتها فقالوا ماذا تريد يا عبدالمطلب قال أذبحه فقالت له قريش وبنوه والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه حتى يذبحه فما بقاء الناس على هذا فقال له المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم وكان عبدالله بن أخت القوم والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه وقالت له قريش وبنوه لا تفعل وانطلق به إلى الحجاز فإن به عرافة لها تابع فسلها ثم أنت على رأس أمرك إن أمرتك أن تذبحه ذبحته وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته فانطلقوا حتى قدموا المدينة فوجدوها فيما يزعمون بخيبر فركبوا إليها حتى جاؤوها فسألوها وقص علهيا عبدالمطلب خبره خبر ابنه وما أراد به ونذره فيه فقالت لهم ارجعوا عني اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله فرجعوا عنها فلما خرجوا من عندها قام عبدالمطلب يدعو الله ثم غدوا عليها فقالت نعم قد جاءني الخبر كم الدية فيكم قالوا عشر من الإبل وكانت كذلك قالت فارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم وقربوا عشرا من الإبل ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح فإن خرجت على (1/498) ________________________________________ صاحبكم فزيدوا في الإبل حتى يرضى ربكم وإن خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم فخرجوا حتى قدموا مكة فلما أجمعوا لذلك من الأمر قام عبدالمطلب يدعو الله ثم قربوا عبدالله وعشرا من الإبل وعبدالمطلب في جوف الكعبة عند هبل يدعو الله فخرج القدح على عبدالله فزادوا عشرا فكانت الإبل عشرين وقام عبدالمطلب في مكانه ذلك يدعو الله ثم ضربوا فخرج السهم على عبدالله فزادوا عشرا من الإبل فكانت ثلاثين ثم لم يزالوا يضربون بالقداح ويخرج القدح على عبدالله فكلما خرج عليه زادوا من الإبل عشرا حتى ضربوا عشر مرات وبلغت الإبل مائة وعبدالمطلب قائم يدعو ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل فقالت قريش ومن حضر قد انتهى رضا ربك يا عبدالمطلب فزعموا أن عبدالمطلب قال لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات فضربوا على الإبل وعلى عبدالله وقام عبدالمطلب يدعو فخرج القدح علىالإبل ثم عادوا الثانية وعبدالمطلب قائم يدعو ثم عادوا الثالثة فضربوا فخرج القدح على الإبل فنحرت ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا سبع ثم انصرف عبدالمطلب آخذا بيد ابنه عبدالله فمر فيما يزعمون على امرأة من بني أسد [ بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر يقال لها أم قتال بنت نوفل بن أسد بن عبدالعزى وهي أخت ورقة بن نوفل بن أسد وهي عند الكعبة فقالت له حين نظرت إلى وجهه أين تذهب يا عبدالله قال مع أبي قالت لك عندي مثل الإبل التي نحرت عنك وقع علي الآن قال إن معي أبي ولا أستطيع خلافه ولا فراقه فخرج به عبدالمطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف ابن زهرة ووهب يومئذ سيد بني زهرة سنا وشرفا فزوجه آمنة بنت وهب وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا وهي لبرة بنت عبدالعزى بن عثمان بن عبدالدار بن قصي وبرة لأم حبيب بنت أسد بن عبدالعزى بن قصي وأم حبيب بنت أسد لبرة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي فزعموا أنه دخل عليها حين ملكها مكانه فوقع عليها فحملت بمحمد صلى الله عليه و سلم ثم خرج من عندها حتى أتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت فقال لها مالك لا تعرضين علي اليوم ما كنت عرضت علي بالأمس فقالت له فارقك النور الذي كان معك بالأمس فليس لي بك اليوم حاجة وقد كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل وكان قد تنصر واتبع الكتب حتى أدرك فكان فيما طلب من ذلك أنه كائن لهذه الأمة نبي من بني إسماعيل حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن أبيه إسحاق بن يسار أنه حدث أن عبدالله إنما دخل على امرأة كانت له مع آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة وقد عمل في طين له وبه آثار من الطين فدعاها إلى نفسه فأبطأت عليه لما رأت به من آثار الطين فخرج من عندها فتوضأ وغسل عنه ما كان به من ذلك وعمد إلى آمنة فدخل عليها فأصابها فحملت بمحمد صلى الله عليه و سلم ثم مر بامرأته تلك فقال هل لك فقالت لا مررت بي وبين عينيك غرة فدعوتني فأبيت ودخلت على آمنة فذهبت بها فزعموا أن امرأته تلك كانت تحدث أنه مر بها وبين عينيه مثل غرة الفرس قالت فدعوته رجاء أن يكون بي فأبى علي ودخل على آمنة بنت وهب فأصابها فحملت برسول الله صلى الله عليه و سلم (1/499) ________________________________________ حدثني علي بن حرب الموصلي قال حدثنا محمد بن عمارة القرشي قال حدثنا الزنجي بن خالد عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال لما خرج عبدالمطلب بعبدالله ليزوجه مر به على كاهنة من خثعم يقال لها فاطمة بنت مر متهودة من أهل تبالة قد قرأت الكتب فرأت في وجهه نورا فقالت له يا فتى هل لك أن تقع علي الآن وأعطيك مائة من الإبل فقال ... أما الحرام فالممات دونه ... والحل لا حل فأستبينه ... فكيف بالأمر الذي تبغينه ... ثم قال أنا مع أبي ولا أقدر أن أفارقه فمضى به فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة فأقام عندها ثلاثا ثم انصرف فمر بالخثعمية فدعته نفسه إلى ما دعته إليه فقال لها هل لك فيما كنت أردت فقالت يا فتى إني والله ما أنا بصاحبة ريبة ولكني رأيت في وجهك نورا فأردت أن يكون في وأبى الله إلا أن يجعله حيث أراد فما صنعت بعدي قال زوجني أبي آمنة بنت وهب فأقمت عندها ثلاثا فأنشأت فاطمة بنت مر تقول ... إني رأيت مخيلة لمعت ... فتلألأت بحناتم القطر ... فلمتها نورا يضيء له ... ما حوله كإضاءة البدر ... فرجوتها فخرا أبوء به ... ما كل قادح زنده يوري ... لله ما زهرية سلبت ... ثوبيك ما استلبت وما تدري ... وقالت أيضا ... بني هاشم قد غادرت من أخيكم ... أمينة إذ للباه تعتركان ... كما غادر المصباح عند خموده ... فتائل قد ميثت له بدهان ... وما كل ما يحوي الفتى من تلاده ... لعزم ولا ما فاته لتوان ... فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه ... سيكفيكه جدان يعتلجان ... سيكفيكه إما يد مقفعلة ... وإما يد مبسوطة ببنان ... ولما حوت منه أمينة ما حوت ... حوت منه فخرا ما لذلك ثان ... حدثني الحارث بن محمد قال حدثن محمد بن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثنا معمر وغيره عن الزهري أن عبدالله بن عبدالمطلب كان أجمل رجال قريش فذكر لآمنة بنت وهب جماله وهيئته وقيل لها هل لك أن تزوجيه فتزوجته آمنة بنت وهب فدخل بها وعلقت برسول الله صلى الله عليه و سلم وبعثه أبوه إلى المدينة في ميرة يحمل لهم تمرا فمات بالمدينة فبعث عبدالمطلب ابنه الحارث في طلبه حين أبطأ فوجده قد مات قال الواقدي هذا غلط والمجتمع عليه عندنا في نكاح عبدالله بن عبدالمطلب ما حدثنا به عبدالله بن جعفر الزهري عن أم بكر بنت المسور أن عبدالمطلب جاء بابنه عبدالله فخطب على نفسه وعلى ابنه فتزوجا في مجلس واحد فتزوج عبدالمطلب هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة وتزوج عبدالله بن عبدالمطلب آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة قال الحارث قال ابن سعد قال الواقدي والثبت عندنا ليس بين أصحابنا فيه اختلاف أن (1/500) ________________________________________ عبدالله بن عبدالمطلب أقبل من الشأم في عير لقريش فنزل بالمدينة وهو مريض فأقام بها حتى توفي ودفن في دار النابغة وقيل التابعة في الدار الصغرى إذا دخلت الدار عن يسارك ليس بين أصحابنا في هذا اختلاف |
رد: مكتبتي
ابن عبدالمطلب
وعبدالمطلب اسمه شيبة سمي بذلك لأنه فيما حدثت عن هشام بن محمد عن أبيه كان في رأسه شيبة وقيل له عبدالمطلب وذلك أن أباه هاشما كان شخص في تجارة له في الشام فسلك طريق المدينة إليها فلما قدم المدينة نزل فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق وفيما حدثت عن هشام بن محمد عن أبيه وفيما حدثني الحارث عن محمد بن سعد عن محمد بن عمر ودخل حديث بعضهم في بعض وبعضهم يزيد على بعض على عمرو بن زيد بن لبيد الخزرجي فرأى ابنته سلمى بنت عمرو وأما ابن حميد فقال في حديثه عن سلمة عن ابن إسحاق سلمى بنت زيد بن عمرو ابن لبيد بن حرام بن خداش بن جندب بن عدي بن النجار فأعجبته فخطبها إلى أبيها عمرو فأنكحه إياها وشرط عليه ألا تلد ولدا غلا في أهلها ثم مضى هاشم لوجهته قبل أن يبني بها ثم انصرف راجعا من الشأم فبنى بها في أهلها بيثرب فحملت منه ثم ارتحل إلى مكة وحملها معه فلما أثقلت ردها إلى أهلها ومضى إلى الشأم فمات بها بغزة فولدت له سلمى عبدالمطلب فمكث بيثرب سبع سنين أو ثماني سنين ثم إن رجلا من بني الحارث بن عبد مناة مر بيثرب فإذا غلمان ينتضلون فجعل شيبة إذا خسق قال أنا ابن هاشم أنا ابن سيد البطحاء فقال له الحارثي من أنت قال أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف فلما أتى الحارثي مكة قال للمطلب وهو جالس في الحجر يا أبا الحارث تعلم أني وجدت غلمانا ينتضلون بيثرب وفيهم غلام إذا خسق قال أنا ابن هاشم أنا ابن سيد البطحاء فقال المطلب والله لا أرجع إلى أهلي حتى آتي به فقال له الحارثي هذه ناقتي بالفناء فاركبها فجلس المطلب عليها فورد يثرب عشاء حتى أتى بني عدي بن النجار فإذا غلمان يضربون كرة بين ظهري مجلس فعرف ابن أخيه فقال للقوم أهذا ابن هاشم قالوا نعم هذا ابن أخيك فإن كنت تريد أخذه فالساعة قبل أن تعلم به أمه فإنها إن علمت لم تدعه وحلنا بينك وبينه فدعاه فقال يابن أخي أنا عمك وقد أردت الذهاب بك إلى قومك وأناح راحلته فما كذب أن جلس على عجز الناقة فانطلق به ولم تعلم به أمه حتى كان الليل فقامت تدعو بحربها على ابنها فأخبرت أن عمه ذهب به وقدم به المطلب ضحوة والناس في مجالسهم فجعلوا يقولون من هذا وراءك فيقول عبد لي حتى أدخله منزله على امرأته خديجة بنت سعيد بن سهم فقالت من هذا قال عبد لي ثم خرج المطلب حتى أتى الحزورة فاشترى حلة فألبسها شيبة ثم خرج به حين كان العشي إلى مجلس بني عبد مناف فجعل بعد ذلك يطوف في سكك مكة في تلك الحلة فيقال هذا عبدالمطلب لقوله هذا عبدي حين سأله قومه فقال المطلب ... عرفت شيبة والنجار قد جعلت ... أبناؤها حوله بالنبل تنتضل (1/501) ________________________________________ وقد حدثني هذا الحديث علي بن حرب الموصلي قال حدثني أبو معن عيسى من ولد كعب بن مالك عن محمد بن أبي بكر الأنصاري عن مشايخ الأنصار قالوا تزوج هاشم بن عبد مناف امرأة من بني عدي بن النجار ذات شرف تشرط على من خطبها المقام بدار قومها فتزوجت بهاشم فولدت له شيبة الحمد فربي في اخواله مكرما فبينا هو يناصل فتيان الأنصار إذ أصاب خصله فقال أنا ابن هاشم وسمعه رجل مجتاز فلما قدم مكة قال لعمه المطلب بن عبد مناف قد مررت بدار بني قيلة فرأيت فتى من صفته ومن صفته يناضل فتيانهم فاعتزى إلى أخيك وما ينبغي ترك مثله في الغربة فرحل المطلب حتى ورد المدينة فأراده على الرحلة فقال ذاك إلى الوالدة فلم يزل بها حتى أذنت له وأقبل به قد أردفه فإذا لقيه اللاقي وقال من هذا يا مطلب قال عبد لي فسمي عبدالمطلب فلما قدم مكة وقفه على ملك أبيه وسلمه إليه فعرض له نوفل بن عبد مناف في ركح له فاغتصبه إياه فمشى عبدالمطلب إلى رجالات قومه فسألهم النصرة على عمه فقالوا لسنا بداخلين بينك وبين عمك فلما رأى ذلك كتب إلى أخواله يصف لهم حال نوفل وكتب في كتابه ... أبلغ بني النجار إن جئتهم ... إني منهم وابنهم والخميس ... رأيتهم قوما إذا جئتهم ... هووا لقائي وأحبوا حسيس ... فإن عمي نوفلا قد أبى ... إلا التي يغضي عليها الخسيس ... قال فخرج أبو أسعد بن عدس النجاري في ثمانين راكبا حتى أتى الأبطح وبلغ عبدالمطلب فخرج يتلقاه فقال المنزل يا خال فقال أما حتى ألقى نوفلا فلا قال تركته جالسا في الحجر في مشايخ قريش فأقبل حتى وقف على رأسه ثم استل سيفه ثم قال ورب هذه البنية لتردن على ابن أختنا ركحه أو لأملأن منك السيف قال فإني ورب هذه البنية أرد ركحه فأشهد عليه من حضر ثم قال المنزل يابن أختي فأقام عنده ثلاثا واعتمر وأنشأ عبدالمطلب يقول ... تأبى مازن وبنو عدي ... ودينار بن تيم اللات ضيمي ... وساده مالك حتى تناهى ... ونكب بعد نوفل عن حريمي ... بهم رد الإله علي ركحي ... وكانوا في التنسب دون قومي ... وقال في ذلك سمرة بن عمير أبو عمرو الكناني ... لعمري لأخوال لشيبة قصرة ... من أعمامه دنيا أبر وأوصل ... أجابوا على بعد دعاء ابن أختهم ... ولم يثنهم إذ جاوز الحق نوفل ... جزى الله خيرا عصبة خزرجية ... تواصوا على بر وذو البر أفضل ... قال فلما رأى ذلك نوفل حالف بني عبد شمس كلها على بني هاشم قال محمد بن أبي بكر فحدثت بهذا الحديث موسى بن عيسى فقال يابن أبي بكر هذا شيء ترويه الأنصار تقربا إلينا إذ صير الله الدولة فينا عبدالمطلب كان أعز في قومه من أن يحتاج إلى أن تركب بنو النجار من المدينة إليه قلت أصلح الله الأمير قد احتاج إلى نصرهم من كان خيرا من عبدالمطلب قال وكان متكئا فجلس مغضبا وقال من خير من عبدالمطلب قلت محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم قال صدقت وعاد إلى مكانه وقال (1/502) ________________________________________ لبنيه اكتبوا هذا الحديث من ابن أبي بكر وقد حدثت هذا الحديث في أمر عبدالمطلب وعمه نوفل بن عبد مناف عن هشام بن محمد عن أبيه قال حدثنا زياد بن علاقة التغلبي وكان قد أدرك الجاهلية قال كان سبب بدء الحلف الذي كان بين بني هاشم وخزاعة الذي افتتح رسول الله صلى الله عليه و سلم بسببه مكة وقال لتنصب هذه السحابة بنصر بني كعب أن نوفل بن عبد مناف وكان آخر من بقي من بني عبد مناف ظلم عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف على أركاح له وهي الساحات وكانت أم عبدالمطلب سلمى بنت عمرو النجارية من الخزرج قال فتنصف عبدالمطلب عمه فلم ينصفه فكتب إلى أخواله ... يا طول ليلي لأحزاني وأشغالي ... هل من رسول إلى النجار أخوالي ... ينبي عديا ودينارا ومازنها ... ومالكا عصمة الجيران عن حالي ... قد كنت فيكم ولا أخشى ظلامة ذي ... ظلم عزيزا منيعا ناعم البال ... حتى ارتحلت إلى قومي وأزعجني ... عن ذاك مطلب عمي بترحال ... وكنت ما كان حيا ناعما جذلا ... أمشي العرضنة سحابا لأذيالي ... فغاب مطلب في قعر مظلمة ... وقام نوفل كي يعدو على مالي ... أأن رأى رجلا غابت عمومته ... وغاب أخواله عنه بلا وال ... أنحى عليه ولم يحفظ له رحما ... ما أمنع المرء بين العم والخال ... فاستنفروا وامنعوا ضيم ابن أختكم ... لا تخذلوه وما أنتم بخذال ... ما مثلكم في بني قحطان قاطبة ... حي لجار وإنعام وإفضال ... أنتم ليان لمن لانت عريكته ... سلم لكم وسمام الأبلخ الغالي ... قال فقدم عليه منهم ثمانون راكبا فأناخوا بفناء الكعبة فلما رآهم نوفل بن عبدمناف قال لهم أنعموا صباحا فقالوا له لا نعم صباحك أيها الرجل أنصف ابن أختنا من ظلامته قال أفعل بالحب لكم والكرامة فرد عليه الأركاح وأنصفه قال فانصرفوا عنه إلى بلادهم قال فدعا ذلك عبدالمطلب إلى الحلف فدعا عبدالمطلب بسر بن عمرو وورقاء بن فلان ورجالا من رجالات خزاعة فدخلوا الكعبة وكتبوا كتابا وكان إلى عبدالمطلب بعد مهلك عمه المطلب بن عبد مناف ما كان إلىمن قبله من بني عبد مناف من أمر السقاية والرفادة وشرف في قومه وعظم فيهم خطره فلم يكن يعدل به منهم أحد وهو الذي كشف عن زمزم بئر إسماعيل بن إبراهيم واستخرج ما كان فيها مدفونا وذلك غزالان من ذهب كانت جرهم دفنتهما فيما ذكر حين أخرجت من مكة وأسياف قلعية وأدراع فجعل الأسياف بابا للكعبة وضرب في الباب الغزالين صفائح من ذهب فكان أول ذهب حليته فيما قيل الكعبة وكانت كنيته عبدالمطلب أبا الحارث كني بذلك لأن الأكبر من ولده الذكور كان اسمه الحارث وهو شيبة (1/503) |
رد: مكتبتي
ابن هاشم
واسم هاشم عمرو وإنما قيل له هاشم لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكة وأطعمه وله يقول مطرود بن كعب الخزاعي وقال ابن الكلبي إنما قاله ابن الزبعرى ... عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف ... ذكر أن قومه من قريش كانت أصابتهم لزبة وقحط فرحل إلى فلسطين فاشترى منها الدقيق فقدم به مكة فأمر به فخبز له ونحر جزورا ثم اتخذ لقومه مرقة ثريد بذلك الخبز وذكر أن هاشما هو أول من سن الرحلتين لقريش رحلة الشتاء والصيف وحدثت عن هشام بن محمد عن أبيه قال كان هاشم وعبد شمس وهو أكبر ولد عبد مناف والمطلب وكان أصغرهم أمهم عاتكة بنت مرة السلمية ونوفل وأمه واقدة بني عبد مناف فسادوا بعد أبيهم جميعا وكان يقال لهم المجبرون قال ولهم يقال ... يا أيها الرجل المحول رحله ... ألا نزلت بآل عبد مناف ... فكانوا أول من أخذ لقريش العصم فانتشروا من الحرم أخذ لهم هاشم حبلا من ملوك الشأم والروم وغسان وأخذ لهم عبد شمس حبلا من النجاشي الأكبر فاختلفو بذلك السبب إلى أرض الحبشة وأخذ لهم نوفل حبلا من الأكاسرة فاختلفوا بذلك السبب إلى العراق وأرض فارس وأخذ لهم المطلب حبلا من ملوك حمير فاختلفوا بذلك السبب إلى اليمن فجبر الله بهم قريشا فسموا المجبرين وقيل إن عبد شمس وهاشما توأمان وإن أحدهما ولد قبل صاحبه وإصبع له ملتصقة بجبهة صاحبه فنحيت عنها فسال من ذلك دم فتطير من ذلك فقيل تكون بينهما دماء وولي هاشم بعد أبيه عبد مناف السقاية والرفادة حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا هشام بن محمد قال حدثني معروف بن الخربوذ المكي قال حدثني رجل من آل عدي بن الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف عن أبيه قال وقال وهب بن عبد قصي في ذلك يعني في إطعام هاشم قومه الثريد ... تحمل هاشم ما ضاق عنه ... وأعيا أن يقوم به ابن بيض ... أتاهم بالغرائر متأقات ... من أرض الشأم بالبر النفيض ... فأوسع أهل مكة من هشيم ... وشاب الخبز باللحم الغريض ... فظل القوم بين مكللات ... من الشيزى وحائرها يفيض ... قال فحسده أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وكان ذا مال فتكلف أن يصنع صنيع هاشم فعجز عنه فشمت به ناس من قريش فغضب ونال من هاشم ودعاه إلى المنافرة فكره هاشم ذلك لسنه وقدره ولم تدعه قريش وأحفظوه قال فإني أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق تنحرها ببطن مكة والجلاء عن مكة عشر سنين فرضي بذلك أمية وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي فنفر هاشما عليه فأخذ (1/504) ________________________________________ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها من حضره وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا هشام بن محمد قال أخبرني رجل من بني كنانة يقال له ابن أبي صالح ورجل من أهل الرقة مولى لبني اسد وكان عالما قالا تنافر عبدالمطلب بن هاشم وحرب بن أمية إلى النجاشي الحبشي فأبى أن ينفر بينهما فجعل بينهما نفيل بن عبدالعزى بن رياح بن عبدالله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب فقال لحرب يا أبا عمرو أتنافر رجلا هو أطول منك قامة وأعظم منك هامة وأوسم منك وسامة وأقل منك لامة وأكثر منك ولدا وأجزل منك صفدا وأطول منك مذودا فنفره عليه فقال حرب إن من انتكاث الزمان أن جعلناك حكما فكان أول من مات من ولد عبد مناف ابنه هاشم مات بغزة من أرض الشأم ثم مات عبد شمس بمكة فقبر بأجياد ثم مات نوفل بسلمان من طريق العراق ثم مات المطلب بردمان من أرض اليمن وكانت الرفادة والسقاية بعد هاشم إلى أخيه المطلب |
رد: مكتبتي
ابن عبد مناف
واسمه المغيرة وكان يقال له القمر من جماله وحسنه وكان قصي يقول فيما زعموا ولد لي أربعة فسميت اثنين بصنمي وواحد بداري وواحدا بنفسي وهم عبد مناف وعبدالعزى ابنا قصي وعبدالعزى والد أسد وعبدالدار بن قصي وعبد قصي بن قصي درج ولده وبرة بنت قصي أمهم جميعا حبى بنت حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن خزاعة وحدثت عن هشام بن محمد عن ابيه قال وكان يقال لعبد مناف القمر واسمه المغيرة وكانت أمه حبى دفعته إلى مناف وكان أعظم أصنام مكة تدينا بذلك فغلب عليه عبد مناف وهو كما قيل له ... كانت قريش بيضة فتفلقت ... فالمح خالصة لعبد مناف ... ابن قصي وقصي اسمه زيد وإنما قيل له قصي لأن أباه كلاب بن مرة كان تزوج أم قصي فاطمة بنت سعد بن سيل واسم سيل خير بن حمالة بن عوف بن غنم بن عامر الجادر بن عمرو بن جعثمة بن يشكر من أزدشنوءة حلفاء في بني الديل فولدت لكلاب زهرة وزيدا فهلك كلاب وزيد صغير وقد شب زهرة وكبر فقدم ربيعة بن حرام بن ضنة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد بن زيد أحد قضاعة فتزوج فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق وحدثت عن هشام بن محمد عن أبيه فاطمة أم زهرة وقصي وزهرة رحل قد بلغ وقصي فطيم أو قريب من ذلك فاحتملها إلى بلاده من أرض بني عذرة من أشراف الشأم فاحتملت معها قصيا لصغره وتخلف زهرة في قومه فولدت فاطمة بنت سعد بن سيل (1/505) ________________________________________ لربيعة بن حرام رزاح بن ربيعة فكان أخاه لأمه وكان لربيعة بن حرام ثلاثة نفر من امرأة أخرى وهم حن بن ربيعة ومحمود بن ربيعة وجلهمة بن ربيعة وشب زيد في حجر ربيعة فسمي زيد قصيا لبعد داره عن دار قومه ولم يبرح زهرة مكة فبينا قصي بن كلاب بأرض قضاعة لا ينتمي فيما يزعمون إلا إلى ربيعة بن حرام إذ كان بينه وبين رجل من قضاعة شيء وقد بلغ قصي وكان رجلا شابا فأنبه القضاعي بالغربة وقال له ألا تلحق بقومك ونسبك فإنك لست منا فرجع قصي إلى أمه وقد وجد في نفسه مما قال له القضاعي فسألها عما قال له ذلك الرجل فقالت له أنت والله يا بني أكرم منه نفسا ووالدا أنت ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي وقومك بمكة عند البيت الحرام وفيما حوله فأجمع قصي الخروج إلى قومه واللحوق بهم وكره الغربة بأرض قضاعة فقالت له أمه يا بني لا تعجل بالخروج حتى يدخل عليك الشهر الحرام فتخرج في حاج العرب فإني أخشى عليك أن يصيبك بعض البأس فأقام قصي حتى إذا دخل الشهر الحرام خرج حاج قضاعة فخرج فيهم حتى قدم مكة فلما فرغ من الحج أقام بها وكان رجلا جليدا نسيبا فخطب إلى حليل بن حبشية الخزاعي ابنته حبى بنت حليل فعرف حليل النسب ورغب فيه فزوجه وحليل يومئذ فيما يزعمون يلي الكعبة وأمر مكة فأما ابن إسحاق فإنه قال في خبره فأقام قصي معه يعني مع حليل وولدت له ولده عبدالدار وعبد مناف وعبدالعزى وعبدا بني قصي فلما انتشر ولده وكثر ماله وعظم شرفه هلك حليل بن حبشية فرأى قصي أنه أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة وبني بكر وأن قريشا فرعة إسماعيل بن إبراهيم وصريح ولده فكلم رجالا من قريش وبني كنانة ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبني بكر من مكة فلما قبلوا منه ما دعاهم إليه وبايعوه عليه كتب إلى أخيه من أمه رزاح بن ربيعة بن حرام وهو ببلاد قومه يدعوه إلى نصرته والقيام معه فقام رزاح بن ربيعة في قضاعة فدعاهم إلى نصر أخيه والخروج معه إليه فأجابوه إلى ما دعاهم من ذلك وقال هشام في خبره قدم قصي على أخيه زهرة وقومه فلم يلبث أن ساد وكانت خزاعة بمكة أكثر من بني النضر فاستنجد قصي أخاه رزاحا وله ثلاثة أخوة من أبيه من امرأة أخرى فأقبل بهم وبمن أجابه من أحياء قضاعة ومع قصي قومه بنو النضر فنفوا خزاعة فتزوج قصي حبى بنت حليل بن حبشية من خزاعة فولدت له أولاده الأربعة وكان حليل آخر من ولي البيت فلما ثقل جعل ولاية البيت إلى ابنته حبى فقالت قد علمت أني لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه قال فإني أجعل التفح والإغلاق إلى رجل يقوم لك به فجعله إلى أبي غبشان وهو سليم بن عمرو بن بوي بن ملكان بن أفصي فاشترى قصي ولاية البيت منه بزق خمر وبعود فلما رأت ذلك خزاعة كثروا على قصي فاستنصر أخاه فقاتل خزاعة فبلغنا والله أعلم أن خزاعة أخذتها العدسة حتى كادت تفنيهم فلما رأت ذلك جلت عن مكة فمنهم من وهب مسكنه ومنهم من باع ومنهم من أسكن فولي قصي البيت وأمر مكة والحكم بها وجمع قبائل قريش فأنزلهم أبطح مكة وكان بعضهم في الشعاب ورؤوس جبال مكة فقسم منازلهم بينهم فسمي مجمعا وله يقول مطرود وقيل إن قائله حذافة بن غانم ... أبوكم قصي كان يدعى مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهر (1/506) ________________________________________ وملكه قومه عليهم وأما ابن إسحاق فإنه ذكر أن رزاحا أجاب قصيا إلى ما دعاه إليه من نصرته وخرج إلى مكة مع إخوته الثلاثة ومن تبعه لذلك من قضاعة في حاج العرب وهم مجمعون لنصر قصي والقيام معه قال وخزاعة تزعم أن حليل بن حبشية أوصى بذلك قصيا وأمره به حين انتشر له من ابنته من الأولاد ما انتشر وقال أنت أولى بالكعبة والقيام عليها وبأمر مكة من خزاعة فعند ذلك طلب قصي ما طلب فلما اجتمع الناس بمكة وخرجوا إلى الموقف وفرغوا من الحج ونزلوا منى وقصي مجمع لما أجمع له ومن تبعه من قومه من قريش وبني كنانة ومن معه من قضاعة ولم يبق إلا أن ينفروا للصدر وكانت صوفة تدفع بالناس من عرفة وتجيزهم إذا نفروا من منى إذا كان يوم النفر أتوا لرمي الجمار ورجل من صوفة يرمي للناس لا يرمون حتى يرمي فكان ذوو الحاجات المعجلون يأتونه فيقولون له قم فارم حتى نرمي معك فيقول لا والله حتى تميل الشمس فيظل ذوو الحاجات الذين يحبون التعجيل يرمونه بالحجارة ويستعجلونه بذلك ويقولون ويلك قم قارم فيأبى عليهم حتى إذا مالت الشمس قام فرمى ورمى الناس معه حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق هذا الحديث عن يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه عباد فإذا فرغوا من رمي الجمار وأرادوا النفر من منى أخذت صوفة بناحيتي العقبة فحبسوا الناس وقالوا أجيزي صوفة فلم يجز أحد من الناس حتى ينفذوا فإذا نفرت صوفة ومضت خلي سبيل الناس فانطلقوا بعدهم فلما كان ذلك العام فعلت ذلك صوفة كما كانت تفعل قد عرفت ذلك لها العرب وهو دين في أنفسهم في عهد جرهم وخزاعة وولايتهم أتاهم قصي بن كلاب بمن معه من قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة فقالوا نحن أولى بهذا منكم فناكروه فناكرهم فقاتلوه فاقتتل الناس قتالا شديدا ثم انهزمت صوفة وغلبهم قصي على ما كان بأيديهم من ذلك وحال بينهم وبينه قال وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصي بن كلاب وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة وأنه سيحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة فلما انحازوا عنه باداهم وأجمع لحربهم وثبت معه أخوه رزاح بن ربيعة بمن معه من قومه من قضاعة وخرجت لهم خزاعة وبنو بكر وتهيؤوا لحربهم والتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثرت القتلى من الفريقين جميعا وفشت فيهم الجراحة ثم إنهم تداعوا إلى الصلح إلى أن يحكموا بينهم رجلا من العرب فيما اختلفوا فيه ليقضي بينهم فحكموا يعمر بن عوف بن كعب بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة فقضى بينهم بأن قصيا أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة وأن كل دم أصابه قصي من خزاعة وبني بكر موضوع يشدخه تحت قدميه وأن ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش وبني كنانه وقضاعة ففيه الدية مؤداة وأن يخلى بين قصي بن كلاب وبين الكعبة ومكة فسمي يعمر بن عوف يومئذ الشداخ لما شدخ من الدماء ووضع منها فولي قصي البيت وأمر مكة وجمع قومه من منازلهم إلى مكة وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه فكان قصي أول ولد كعب بن لؤي أصاب ملكا أطاع له به قومه فكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء فحاز شرف مكة كله وقطع مكة أرباعا بين قومه فانزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة التي أصبحوا عليها (1/507) ________________________________________ حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ويزعم الناس أن قريشا هابت قطع شجر الحرم في منازلم فقطعها قصي بيده وأعانوه فسمته العرب مجمعا لما جمع من أمرها وتيمنت بأمره فما تنكح امرأة ولا رجل من قريش إلا في دار قصي بن كلاب وما يتشاورون في أمر ينزل بهم إلا في داره ولا يعقدون لواء لحرب قوم من غيرهم إلا في داره يعقدها لهم بعض ولده وما تدرع جارية إذا بلغت أن تدرع من قريش إلا في داره يشق عليها فيها درعها ثم تدرعه ثم ينطلق بها إلى أهلها فكان أمره في قومه من قريش في حياته وبعد موته كالدين المتبع لا يعمل بغيره تيمنا بأمره ومعرفة بفضله وشرفه واتخذ قصي لنفسه دار الندوة وجعل بابها إلى مسجد الكعبة ففيها كانت قريش تقضي أمورها حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عبدالملك بن راشد عن أبيه قال سمعت السائب بن خباب صاحب المقصورة يحدث أنه سمع رجلا يحدث عمر بن الخطاب وهو خليفة حديث قصي بن كلاب هذا وما جمع من أمر قومه وإخراجه خزاعة وبني بكر من مكة وولايته البيت وأمر مكة فلم يردد ذلك عيه ولم ينكره قال فأقام قصي بمكة على شرفه ومنزلته في قومه لا ينازع في شيء من أمر مكة إلا أنه قد أقر للعرب في شأن حجهم ما كانوا عليه وذلك لأنه كان يراه دينا في نفسه لا ينبغي له تغييره وكانت صوفة على ما كانت عليه حتى انقرضت صوفة فصار ذلك من أمرهم إلى آل صفوان بن الحارث بن شجنة وراثة وكانت عدوان على ما كانت عليه وكانت النسأة من بني مالك بن كنانة على ما كانوا عليه ومرة بن عوف على ما كانوا عليه فلم يزالوا على ذلك حتى قام الإسلام فهدم الله به ذلك كله وابتنى قصي دارا بمكة وهي دار الندوة وفيها كانت قريش تقضي أمورها فلما كبر قصي ورق [ عظمه ] وكان عبدالدار بكره هو كان أكبر ولده وكان فيما يزعمون ضعيفا وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه وذهب كل مذهب وعبدالعزى بن قصي وعبد بن قصي فقال قصي لعبدالدار فيما يزعمون أما والله لألحقنك بالقوم وإن كانوا قد شرفوا عليك لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها ولا يعقد لقريش لواء لحربهم إلا أنت بيدك ولا يشرب رجل بمكة ماء إلا من سقايتك ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعاما إلا من طعامك ولا تقطع قريش أمورها إلا في دارك فأعطاه داره دار الندوة التي لا تقضي قريش أمرا إلا فيها وأعطاه الحجابة واللواء والندوة والسقاية والرفادة وكانت الرفادة خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي بن كلاب فيصنع به طعاما للحاج يأكله من لم تكن له سعة ولا زاد ممن يحضر الموسم وذلك أن قصيا فرضه على قريش فقال لهم حين أمرهم به يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل بيته الحرام وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته وهم أحق الضيف بالكرامة فاجعلوا لهم شرابا وطعاما أيام هذا الحج حتى يصدروا عنكم ففعلوا فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم فيدفعونه إليه فيصنعه طعاما للناس أيام منى فجرى ذلك من أمره على قومه في الجاهلية حتى قام الإسلام ثم جرى في الإسلام إلى يومك هذا فهو الطعام الذي يصنعه السلطان كل عام بمنى حتى ينقضي الحج حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني من أمر قصي بن كلاب وما قال لعبدالدار فيما دفع إليه ابن إسحاق بن يسار عن أبيه عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب قال سمعته يقول ذلك (1/508) ________________________________________ لرجل من بني عبدالدار يقال له نبيه بن وهب بن عامر بن عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار قال الحسن بن محمد فجعل إليه قصي ما كان بيده من أمر قومه كله وكان قصي لا يخالف ولا يرد عليه شيء صنعه ثم إن قصيا هلك فأقام أمره في قومه من بعده بنوه |
رد: مكتبتي
ابن كلاب
وأم كلاب فيما ذكر هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة وله أخوان من أبيه من غيره أمه وهما تيم ويقظة أمهما فيما قال هشام بن الكلبي أسماء بنت عدي بن حارثة بن عمرو بن عامر بن بارق وأما ابن إسحاق فإنه قال أمهما هند بنت حارثة البارقية قال ويقال بل يقظة لهند بنت سرير أم كلاب |
رد: مكتبتي
ابن مرة
وأم مرة وحشية بنت شيبان بن محارب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة وأخواه لأبيه وأمه عدي وهصيص وقيل إن أم هؤلاء الثلاثة مخشية وقيل إن أم مرة وهصيص مخشية بنت شيبان بن محارب بن فهر وأم عدي رقاش بنت ركبة بن نائلة بن كعب بن حرب بن تيم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان |
رد: مكتبتي
السلام عليكم أخ بنالعياط .. هل مكتبتك تحتوي على كتاب التوحيد للامام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ؟؟ |
رد: مكتبتي
ابن كعب
وأم كعب ماوية فيما قال ابن إسحاق وابن الكلبي وماوية بنت كعب بن القين بن جسر بن شيع الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وله أخوان من أبيه وأمه أحدهما يقال له عامر والآخر سامة وهم بنو ناجية ولهم من أبيهم أخ قد انتمى ولده إلى غطفان ولحقوا بهم كان يقال له عوف أمه الباردة بنت عوف بن غنم بن عبدالله بن غطفان ذكر أن الباردة لما مات لؤي بن غالب خرجت بابنها عوف إلى قومها فتزوجها سعد بن ذبيان بن بغيض فتبنى عوفا وفيه يقول فيما ذكره فزارة بن ذبيان ... عرج علي ابن لؤي جملك ... يتركك القوم ولا منزل لك ... ولكعب أخوان آخران أيضا من أبيه من غير أمه أحدهما خزيمة وهو عائذة قريش وعائذة أمه وهي عائذة بنت الخمس بن قحافة من خثعم والآخر سعد ويقال لهم بنانة وبنانة أمهم فأهل البادية منهم اليوم فيما ذكر في بني أسعد بن همام في بني شيبان بن ثعلبة وأهل الحاضرة ينتمون إلى قريش (1/509) |
رد: مكتبتي
لماذا لم تجيب على سؤالي ؟؟ |
رد: مكتبتي
اقتباس:
ووجدته ركيكا جدا .. ولا تهمني مطالعته الان لأني أعرف مجتواه.. ... ... و أفكاره دائما يصدع لنا في رؤسنا العوديين ف يكتيبات .. و زرت حاجا او معتمرا يعطوك منها العشرات لم أنبه لك فقط |
رد: مكتبتي
ابن لؤي
وأم لؤي فيما قال هشام عاتكة بنت يخلد بن النضر بن كنانة وهي أولى العواتك اللائي ولدن رسول الله صلى الله عليه و سلم من قريش وله أخوان من أبيه وأمه يقال لأحدهما تيم وهو الذي كان يقال له تيم الأدرم والدرم نقصان في الذقن قيل إنه كان ناقص اللحي وقيس قيل لم يبق من قيس أخي لؤي أحد وإن آخر من كان بقي منهم رجل هلك في زمان خالد بن عبدالله القسري فبقي ميراثه لا يدري من يستحقه وقد قيل إن أم لؤي وإخوته سلمى بنت عمرو بن ربيعة وهو لحي بن حارثة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء من خزاعة ابن غالب وأم غالب ليلى بنت الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة وإخوته من أبيه وأمه الحارث ومحارب وأسد وعوف وجون وذئب وكانت محارب والحارث من قريش الظواهر فدخلت الحارث الأبطح ابن فهر وفهر فيما حدثت عن هشام بن محمد أنه قال هو جماع قريش قال أمه جندلة بنت عامر بن الحارث بن مضاض الجرهمي وقال ابن إسحاق فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق أمه جندلة بنت الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى يقول فيما ذكر عنه أمه سلمى بنت أد بن طابخة بن إلياس بن مضر وقيل إن أمه جميلة بنت عدوان من بارق من الأزد وكان فهر في زمانه رئيس الناس بمكة فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق في حربهم حسان بن عبد كلال بن مثوب ذي حرث الحميري وكان حسان فيما قيل أقبل من اليمن مع حمير وقبائل من اليمن عظيمة يريد أن ينقل أحجار الكعبة من مكة إلى اليمن ليجعل حج الناس عنده ببلاده فأقبل حتى نزل بنخلة فأغر على سرح الناس ومنع الطريق وهاب أن يدخل مكة فلما رأت ذلك قريش وقبائل كنانة وخزيمة وأسد وجذام ومن كان معهم من أفناء مضر خرجوا إليه ورئيس الناس يومئذ فهر بن مالك فاقتتلوا قتالا شديدا فهزمت حمير وأسر حسان بن عبد كلال ملك حمير أسره الحارث بن فهر وقتل في المعركة فيمن قتل من الناس ابن ابنه قيس بن غالب بن فهر وكان حسان عندهم بمكة أسيرا ثلاث سنين حتى افتدى منهم نفسه فخرج به فمات بين مكة واليمن (1/510) ________________________________________ ابن مالك وأمه عكرشة بنت عدوان وهو الحارث بن عمرو بن قيس بن عيلان في قول هشام وأما ابن إسحاق فإنه قال امه عاتكة بنت عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان وقيل إن عكرشة لقب عاتكة بنت عدوان واسمها عاتكة وقيل إن أمه هند بنت فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان وكان لمالك أخوان يقال لأحدهما يخلد فدخلت يخلد في بني عمرو بن الحارث بن مالك بن كنانة فخرجوا من جماع قريش والآخر منهما يقال له الصلت لم يبق من ذريته أحد وقيل سميت قريش قريشا بقريش بن بدر بن يخلد بن الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة وبه سميت قريش قريشا لأن عير بني النضر كانت إذا قدمت قالت العرب قد جاءت عير قريش قالوا وكان قريش هذا دليل بني النضر في أسفارهم وصاحب ميرتهم وكان له ابن يسمى بدرا احتفر بدرا قالوا فيه سميت البئر التي تدعى بدرا بدرا وقال ابن الكلبي إنما قريش جماع نسب ليس بأب ولا أم ولا حاضن ولا حاضنة وقال آخرون إنما سمي بنو النضر بن كنانة قريشا لأن النضر بن كنانة خرج يوما على نادي قومه فقال بعضهم لبعض انظروا إلى النضر كأنه جمل قريش وقيل إنما سميت قريش قريشا بدابة تكون في البحر تأكل دواب البحر تدعى القرش فشبه بنو النضر بن كنانة بها لأنها أعظم دواب البحر قوة وقيل إن النضر بن كنانة كان يقرش عن حاجة الناس فيسدها بماله والتقريش فيما زعموا التفتيش وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عن الحاجة فيسدونها بما يبلغهم واستشهدوا لقولهم إن التقريش هو التفتيش بقول الشاعر ... أيها الناطق المقرش عنا ... عند عمرو فهل لهن انتهاء ... وقيل إن النضر بن كنانة كان اسمه قريشا وقيل بل لم تزل بنو النضر بن كنانة يدعون بني النضر حتى جمعهم قصي بن كلاب فقيل لهم قريش من أجل أن التجمع هو التقرش فقالت العرب تقرش بنو النضر أي قد تجمعوا وقيل إنما قيل قريش من أجل انها تقرشت عن الغارات حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثني أبو بكر بن عبدالله بن أبي سبرة عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم أن عبدالملك بن مروان سأل محمد بن جبير متى سميت قريش قريشا قال حين اجتمعت إلى الحرم من تفرقها فذلك التجمع التقرش فقال عبدالملك ما سمعت هذا ولكن سمعت أن قصيا كان يقال له القرشي ولم تسم قريش قبله (1/511) ________________________________________ حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني أبو بكر بن عبدالله بن أبي سبرة عن عبدالمجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف قال لما نزل قصي الحرم وغلب عليه فعل أفعالا جميلة فقيل له القرشي فهو أول من سمي به حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني أبو بكر بن أبي سبرة عن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي جهم قال النضر بن كنانة كان يسمى القرشي حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال قال محمد بن عمر وقصي أحدث وقود النار بالمزدلفة حيث وقف بها حتى يراها من دفع من عرفة فلم تزل توقد تلك النار تلك الليلة في الجاهلية حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال فأخبرني كثير بن عبدالله المزني عن نافع عن ابن عمر قال كانت تلك النار توقد على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وعمر وعثمان قال محمد بن عمر وهي توقد إلى اليوم ابن النضر واسم النضر قيس وأمه برة بنت مر بن أد بن أد بن طابخة وأخته لأبيه وأمه نضير ومالك وملكان وعامر والحارث وعمرو وسع وعوف وغنم ومخرمة وجرول وغزوان وحدال وأخوهم من أبيهم عبد مناة وأمه فكيهة وقيل فكهة وهي الذفراء بنت هني بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة وأخو عبد مناة لأمه علي بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن عمرو بن مازن الغساني وكان عبد مناة بن كنانة تزوج هندا بنت بكر بن وائل فولدت له والده ثم خلف عليها أخوه لأمه علي بن مسعود فولدت له فحضن علي بني أخيه فنسبوا إليه فقيل لبني عبد مناة بنو علي وإياهم عنى الشاعر بقوله ... لله در بني عل ... ي أيم منهم وناكح ... وكعب بن زهير بقوله ... صدموا عليا يوم بدر صدمة ... دانت علي بعدها لنزار ... ثم وثب مالك بن كنانة على علي بن مسعود فقتله فوداه أسد بن خزيمة ابن كنانة وأم كنانة عوانة بنت سعد بن قيس بن عيلان وقد قيل إن أمه هند بنت عمرو بن قيس وإخوته من أبيه أسد وأسدة يقال إنه أبو جذام والهون وأمهم برة بنت مر بن أد بن طابخة وهي أم النضر بن كنانة خلف عليها بعد أبيه (1/512) ________________________________________ ابن خزيمة وأمه سلمى بنت سليم بن الحاف بن قضاعة وأخوه لأبيه وأمه هذيل وأخوهما لأمهما تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وقد قيل إن أم خزيمة وهذيل سلمى بنت أسد بن ربيعة ابن مدركة واسمه عمرو وأمه خندف وهي ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وأمها ضرية بنت ربيعة بن نزار قيل بها سمي حمى ضرية وإخوة مدركة لأبيه وأمه عامر وهو طابخة وعمير وهو قمعة ويقال إنه أبو خزاعة حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق أنه قال أم بني إلياس خندف وهي امرأة من أهل اليمن فغلبت على نسب بنيها فقيل بنو خندف قال وكان اسم مدركة عامرا واسم طابخة عمرا قال وزعموا أنهما كانا في إبل لهما يرعيانها فاقتنصا صيدا فقعدا عليه يطبخانه وعدت عادية على إبلهما فقال عامر لعمرو أتدرك الإبل أو تطبخ هذا الصيد فقال عمرو بل أطبخ الصيد فلحق عامر الإبل فجاء بها فلما راحا على أبيهما فحدثاه بشأنهما قال لعامر أنت مدركة وقال لعمرو أنت طابخة وحدثت عن هشام بن محمد قالوا خرج إلياس في نجعة له فنفرت إبله من أرنب فخرج إليها عمرو فأدركها فسمي مدركة وأخذها عامر فطبخها فسمي طابخة وانقمع عمير في الخباء فلم يخرج فسمي قمعة وخرجت أمهم تمشي فقال لها إلياس أين تخندفين فسميت خندف والخندفة ضرب من المشي قال وقال قصي بن كلاب ... أمهتي خندف وإلياس أبي ... قال وقال إلياس لعمرو ابنه ... إنك قد أدركت ما طلبتا ... ولعامر ... وأنت قد أنضجت ما طبختا ... ولعمير ... وأنت قد أسأت وانقمعتا ... ابن إلياس وأمه الرباب بنت حيدة بن معد وأخوه لأبيه وأمه الناس وهو عيلان وسمي عيلان فيما ذكر لأنه (1/513) ________________________________________ كان يعاتب على جوده فيقال له لتغلبن عليك العيلة يا عيلان فلزمه هذا الاسم وقيل بل سمي عيلان بفرس كانت له تدعى عيلان وقيل سمي بذلك لأنه ولد في جبل يسمى عيلان وقيل سمي بذلك لأنه حضنه عبد لمضر يدعى عيلان ابن مضر وأمه سودة بنت عك وأخوه لأبيه وأمه إياد ولهما أخوان من أبيهما من غير أمهما وهما ربيعة وأنمار أمهما جدالة بنت وعلان بن جوشم بن جلهمة بن عمرو من جرهم وذكر بعضهم أن نزار بن معد لما حضرته الوفاة أوصى بنيه وقسم ماله بينهم قال يا بني هذه القبة وهي قبة من أدم حمراء وما أشبهها من مالي لمضر فسمي مضر الحمراء وهذا الخباء الأسود وما أشبهه من مالي لربيعة فخلف خيلادهما فسمي الفرس وهذه الخادم وما أشبهها من مالي لإياد وكانت شمطاء فأخذ البلق والنقد من غنمه وهذه البدرة والمجلس لإنمار يجلس فيه فأخذ أنمار ما أصابه فإن أشكل عليكم في ذلك شيء واختلفتم في القسمة فعليكم بالأفعى الجرهمي فاختلفوا في القسمة فتوجهوا إلى الأفعى فبينما هم يسيرون في مسيرهم إذ رأى مضر كلأ قد رعي فقال إن البعير الذي رعى هذا الكلألأعور وقال ربيعة هو أزور قال إياد هو أبتر وقال أنمار هو شرود فلم يسيروا إلا قليلا حتى لقيهم رجل توضع به راحلته فسألهم عن البعير فقال مضر هو أعور قال نعم قال ربيعة هو أزور قال نعم قال إياد هو أبتر قال نعم قال أنمار هو شرود قال نعم هذه صفة بعيري دلوني عليه فحلفوا له ما رأوه فلزمهم وقال كيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيري بصفته فساروا جمعا حتى قدموا نجران فنزلوا بالأفعى الجرهمي فنادى صاحب البعير هؤلاء أصحاب بعيري وصفوا لي صفته ثم قالوا لم نره فقال الجرهمي كيف وصفتموه ولم تروه فقال مضر رأيته يرعى جانبا ويدع جانبا فعرفت أنه أعور وقال ربيعة رأيت إحدي يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر فعرفت أنه أفسدها بشدة وطئه لازوراره وقال إياد عرفت أنه أبتر باجتماع بعره ولو كان ذيالا لمصع به وقال أنمار عرفت أنه شرود لأنه يرعى المكان الملتف نبته ثم يجوزه إلى مكان آخر أرق منه نبتا وأخبث فقال الجرهمي ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه ثم سألهم من هم فأخبروه فرحب بهم فقال أتحتاجون إلي وأنتم كما أرى فدعا لهم بطعام فأكلوا وأكل وشربوا وشرب فقال مضر لم أر كاليوم خمرا أجود لولا أنها نبتت على قبر وقال ربيعة لم أر كاليوم لحما أطيب لولا أنه ربي بلبن كلب وقال إياد لم أر كاليوم رجلا أسرى لولا أنه لغير أبيه الذي يدعى له وقال أنمار لم أر كاليوم قط كلاما أنفع في حاجتنا من كلامنا وسمع الجرهمي الكلام فتعجب لقولهم وأتى أمه فسألها فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له فكرهت أن يذهب الملك فأمكنت رجلا من نفسها كان نزل بها فوطئها فحملت به وسأل القهرمان عن الخمر فقال من حبلة غرستها على قبر أبيك وسأل الراعي عن اللحم فقال شاة أرضعتها لبن كلبة ولم يكن ولد في الغنم شاة غيرها فقيل لمضر من أين عرفت الخمر ونباتها على قبر قال لأنه أصابني عليها (1/514) ________________________________________ عطش شديد وقيل لربيعة بم عرفت فذكر كلاما فأتاهم الجرهمي فقال صفوا لي صفتكم فقصوا عليه ما أوصاهم به أبوهم فقضي بالقبة الحمراء والدنانير والإبل وهي خمر لمضر وقضي بالخباء الأسود وبالخيل الدهم لربيعة وقضي بالخادم وكانت شمطاء وبالخيل البلق لإياد وقضي بالأرض والدراهم لأنمار |
رد: مكتبتي
اقتباس:
وجدته ركيكا جدا ؟؟ أظنك لم تفهم محتواه لهذا السبب لم تتأثر به ..كيف لكتاب يعلم العقيدة الصحيحة الخالية من الشرك ..يعلم الناس التوحيد يكون ركيك ..؟؟!! |
رد: مكتبتي
اقتباس:
إني رأيت صورة البقاع كانت أجمل قبله من بعده |
رد: مكتبتي
ابن نزار
وقيل إن نزار ا كان يكنى أبا إياد وقيل بل كان يكنى أبا ربيعة أمه معانة بنت جوشم بن جلهمة بن عمرو وإخوته لأبيه وأمه قنص وقناصة وسنام وحيدان وحيدة وحيادة وجنيد وجنادة والقحم وعبيد ا لرماح والعرف وعوف وشك وقضاعة وبه كان معد يكنى وعدة درجوا ابن معد وأم معد فيما زعم هشام مهدد بنت اللهم ويقال اللهم ابن جلحب بن جديس وقيل ابن طسم وقيل ابن الطوسم من ولد يقشان بن إبراهيم خليل الرحمن حدثنا الحارث بن محمد قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا هشام بن محمد قال حدثني محمد بن عبدالرحمن العجلاني وإخوته من أبيه وأمه الديث وقيل إن الديث هو عك وقيل إن عكا هو ابن الديث بن عدنان وعدن بن عدنان فزعم بعض أهل الأنساب أنه صاحب عدن وإليه تنسب وأن أهلها كانوا ولده فدرجوا وأبين وزعم بعضهم أنه صاحب أبين وأنها إليه تنسب وأن أهلها كانوا ولده فدرجوا وأد بن عدنان درج والضحاك والعي وأم جميعهم أم معد وقال بعض النسابة كان عك انطلق إلى سمران من أرض اليمن وترك أخاه معدا وذلك أن أهل حضور لما قتلوا شعيب بن ذي مهدم الحضوري بعث الله عليهم بختنصر عذابا فخرج أرميا وبرخيا فحملا معدا فلما سكنت الحرب رداه إلى مكة فوجد معد إخوته وعمومته من بني عدنان قد لحقوا بطوائف اليمن وتزوجوا فيهم وتطفت عليهم اليمن بولادة جرهم إياهم واستشهدوا في ذلك قول الشاعر ... تركنا الديث أخوتنا وعكا ... ألى سمران فانطلقوا سراعا ... وكانوا من بني عدنان حتى ... أضاعوا الأمر بينهم فضاعا ... ابن عدنان ولعدنان أخوان لأبيه يدعى أحدهما نبتا والآخر منهما عمرا فنسب نبينا محمد صلى الله عليه و سلم لا يختلف النسابون فيه إلى معد بن عدنان وأنه على ما بينت من نسبه (1/515) ________________________________________ حدثني يونس بن عبد الأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال حدثني ابن لهيعة عن أبي الأسود وغيره عن نسبة رسول الله صلى الله عليه و سلم محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أدد ثم يختلفون فيما بعد ذلك وقال الزبير بن بكار حدثني يحيى بن المقداد الزمعي عن عمه موسى بن يعقوب بن عبدالله بن وهب بن زمعة عن عمته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه و سلم قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول معد بن عدنان بن أدد بن زند بن يرى بن أعراق الثرى قالت أم سلمة فزند هو الهميسع ويرى وهو نبت وأعراق الثرى هو إسماعيل بن إبراهيم حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا هشام بن محمد قال حدثني محمد بن عبدالرحمن العجلاني عن موسى بن يعقوب الزمعي عن عمته عن جدتها ابنة المقداد بن الأسود البهراني قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم معد بن عدنان بن أدد بن يرى بن أعراق الثرى وقال ابن إسحاق فيما حدثنا ابن حميد عن سلمة بن الفضل عنه عدنان يزعم بعض النساب بن أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم وبعض يقول بل عدنان بن أدد بن أيتحب بن أيوب بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم قال وقد انتمي قصي بن كلاب إلى قيذر في شعر قال ويقول بعض النساب بل عدنان بن ميدع بن منيع بن أدد بن كعب بن يشجب بن يعرب بن الهميسع بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم قال وذلك أنه علم قديم أخذ من أهل الكتاب الأول وأما الكلبي محمد بن السائب فإنه فيما حدثني الحارث عن محمد بن سعد عن هشام قال أخبرني مخبر عن أبي ولم أسمعه منه أنه كان ينسب معد بن عدنان بن أدد بن الهميسع بن سلامان بن عوص بن بوز بن قموال بن أبي بن العوام بن ناشد بن حزا بن بلداس بن يدلاف بن طابخ بن جاحم بن تاحش بن ماخي بن عبقي بن عبقر بن عبيد بن الدعا بن حمدان بن سنبر بن يثربي بن يخزن بن يلحن بن أرعوى بن عيفى بن ديشان بن عيصر بن أقناد بن إيهام بن مقصر بن ناحث بن زارح بن شمى بن مزى بن عوص بن عرام بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا هشام بن محمد قال وكان رجل من أهل تدمر يكنى أبا يعقوب من مسلمة بني إسرائيل قد قرأ من كتبهم وعلم علما فذكر أن بروخ بن ناريا كاتب أرميا أثبت نسب معد بن عدنان عنده ووضعه في كتبه وأنه معروف عند أحبار أهل الكتاب مثبت في أسفارهم وهو مقارب لهذه الأسماء ولعل خلاف ما بينهم من قبل اللغة لأن هذه الأسماء ترجمت من العبرانية قال الحارث قال محمد بن سعد وأنشدني هشام عن أبيه شعر قصي (1/516) ________________________________________ فلست لحاضن إن لم تأثل ... بها أولاد قيذر والنبيت ... قال أراد نبت بن إسماعيل وقال الزبير بن بكار حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي عن زكرياء بن عيسى عن ابن شهاب قال معد بن عدنان بن أد بن اهميسع بن أسحب بن نبت بن قيذار بن إسماعيل وقال بعضهم هو معد بن عدنان بن أدد بن أمين بن شاجب بن ثعلبة بن عتر بن بريح بن محلم بن العوام بن المحتمل بن رائمة بن العيقان بن علة بن الشحدود بن الظريب بن عبقر بن إبراهيم بن إسماعيل بن يزن بن أعوج بن المطعم بن الطمح بن القسور بن عتود بن دعدع بن محمود بن الزائد بن ندوان بن أتامة بن دوس بن حصن بن النزال بن القمير بن المجشر بن معدمر بن صيفي بن نبت بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن وقال آخرون هو معد بن عدنان بن أدد بن زيد بن يقدر بن يقدم بن هميسع بن نبت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم وقال آخرون هو معد بن عدنان بن أد بن الهميسع بن نبت بن سليمان وهو سلامان بن حمل بن نبت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم وقال آخرون هو معد بن عدنان بن أدد بن المقوم بن ناحور بن مشرح بن يشجب بن مالك بن أيمن بن النبيت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم وقال آخرون هو معد بن عدنان بن أدد بن الهميسع بن أسحب بن سعد بن سعد بن بريح بن نضير بن حميل بن منجم بن لافث بن الصابوح بن كنانة بن العوام بن نبت بن قيذر بن إسماعيل وأخبرني بعض النساب أنه وجد طائفة من علماء العرب قد حفظت لمعد أربعين أبا بالعربية إلى إسماعيل واحتجت لقولهم ذلك بأشعار العرب وأنه قابل بما قالوا من ذلك ما يقول أهل الكتاب فوجد العدد متفقا واللفظ مختلفا وأملى ذلك علي فكتبته عنه فقال هو معد بن عدنان بن أدد بن هميسع وهميسع هو سلمان وهو أمين ابن هميتع وهو هميدع وهو الشاجب بن سلامان هو منجر وهو نبيت سمي بذلك فيما زعم لأنه كان منجر العرب لأن الناس عاشوا في زمانه واستشهد لقوله ذلك بقول قعنب بن عتاب الرياحي ... تناشدني طي وطي بعيدة ... وتذكرني بالود أزمان ينبت ... قال نبيت بن عوص وهو ثعلبة قال وإليه تنسب الثعلبية ابن بورا وهو بوز وهو عتر العتائر وأول من سن العتيرة للعرب ابن شوحا وهو سعد رجب وهو أول من سن الرجيبة للعرب ابن يعمانا وهو قموال وهو بريح الناصب وكان في عصر سليمان بن داود النبي صلى الله عليه و سلم ابن كسدانا وهو محلم ذو العين ابن حرانا وهو العوام ابن بلداسا وهو المحتمل ابن بدلانا وهو يدلاف وهو رائمة ابن طهبا وهو طالب وهو العيقان ابن جهمي وهو جاحم وهو علة ابن محشي وهو تاحش وهو الشحدود ابن معجالي وهو ماخي وهو الظريب خاطم النار ابن عقارا وهو عافي وهو عبقر أبو الجن قال وإليه (1/517) |
رد: مكتبتي
تنسب جنة عبقر ابن عاقاري وهو عاقر وهو إبراهيم جامع الشمل قال وإنما سمي جامع الشمل لأنه أمن في ملكه كل خائف ورد كل طريد واستصلح الناس ابن مداعي وهو الدعا وهو إسماعيل ذو المطابخ سمي بذلك لأنه حين ملك اقام بكل بلدة من بلدان العرب دار ضيافة ابن ابداعي وهو عبيد وهو يزن الطعان وهو أول من قاتل بالرماح فنسبت إليه ابن همادي وهو حمدان وهو إسماعيل ذو الأعوج وكان فرسا له وإليه تنسب الأعوجية من الخيل ابن بشماني وهو بشمين وهو المطعم في المحل ابن بثراني وهو بثرم وهو الطمح ابن بحراني وهو بحرن وهو القسور ابن بلحاني وهو يلحن وهو العنود ابن رعواني وهو رعوي وهو الدعدع ابن عاقاري وهو عاقر ابن داسان وهو الزائد ابن عاصار وهو عاصر وهوالنيدوان ذو الأندية وفي ملكه تفرق بنو القاذور وهو القادور وخرج الملك من ولد النبيت بن القادور إلى بني جاوان ابن القادور ثم رجع إليهم ثانية ابن قنادي وهو قنار وهو إيامة بن ثامار وهو بهامي وهو دوس العتق وهو دوس أجمل الخلق زعم في زمانه فلذلك تقول العرب أعتق من دوس لأمرين أما أحدهما فلحسنه وعتقه والآخر لقدمه وفي ملكه أهلكت جرهم بن فالج وقطورا وذلك أنهم يغوا في الحرم فقتلهم دوس وأتبع الذر آثار من بقي منهم فولج في أسماعهم فأفناهم ابن مقصر وهو مقاصري وهو حصن ويقال له ناحث وهو النزال بن زارح وهو قمير ابن سمي وهو سما وهو المجشر وكان فيما زعم أعدل ملك ولي وأحسنه سياسة وفيه يقول أمية بن أبي الصلت لهرقل ملك الروم ... كن كالمجشر إذ قالت رعيته ... كان المجشر أوفانا بما حملا ...
ابن مزرا ويقال مرهر ابن صنفا وهو السمر وهو الصفي هو أجود ملك رثي على وجه الأرض وله يقول أمية بن أبي الصلت ... إن الصفي بن النبيت مملكا ... أعلى وأجود من هرقل وقيصرا ... ابن جعثم وهو عرام وهو النبيت وهو قيذر قال وتأويل قيذر صاحب ملك كان أول من ملك من ولد إسماعيل ابن إسماعيل صادق الوعد بن إبراهيم خليل الرحمن بن تارح وهو آزر ابن ناحور بن ساروع بن أرغوا بن بالغ وتفسير بالغ القاسم بالسريانية لأنه الذي قسم الأرضين بين ولد آدم وبالغ فهو فالج بن عابر بن شالح فبن أرفخشد بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس النبي صلى الله عليه و سلم ابن يرد وهو يارد الذي عملت الأصنام في زمانه ابن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث وهو هبة الله بن آدم عليه السلام وكان وصي أبيه بعد مقتل هابيل فقال هبة الله من هابيل فاشتق اسمه من اسمه وقد مضى من ذكرنا الأخبار عن إسماعيل بن إبراهيم وآبائه وأمهاته فيما بينه وبين آدم ومما كان من الأخبار والأحداث في كل زمان من ذلك بعض ما انتهى إلينا بوجيز من القول مختصر في كتابنا هذا فكرهنا إعادته وحدثت عن هشام بن محمد قال كانت العرب تقول إنما خدش الخدوش منذ ولد أبونا أنوش وإنما حرم الحنث منذ ولد أبونا شث وهو بالسريانية شيث ونعود الآن إلى (1/518) |
رد: مكتبتي
ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم وأسبابه
فتوفي عبدالمطلب بعد الفيل بثماني سنين كذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر وكان عبدالمطلب يوصي برسول الله صلى الله عليه و سلم عمه أبا طالب وذلك أن أبا طالب وعبدالله أبا رسول الله صلى الله عليه و سلم كانا لأم فكان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد جده وكان يكون معه ثم إن أبا طالب خرج في ركب من قريش إلى الشام تاجرا فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير ضب به رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما يزعمون فرق له أبو طالب فقال والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا أو كما قال فخرج به معه فلما نزل الركب بصرى من أرض الشأم وبها راهب يقال له بجيرى في صومعة له وكان ذا علم من أهل النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة مذ قط راهب إليه يصير علمهم عن كتاب فيما يزعمون يتوارثون كابرا عن كابر فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى صنع لهم طعاما كثيرا وذلك أنه رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو في صومعته عليه غمامة تظله من بين القوم ثم أقبلوا حتى نزلوا في ظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى استظل تحتها فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته ثم أرسل إليهم فدعاهم جميعا فلما رأى بحيرى رسول الله صلى الله عليه و سلم جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته فلما فرغ القوم من الطعام وتفرقوا سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أشياء في حاله في يقظته وفي نومه فجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم يخبره فيجدها بحيرى موافقة لما عنده من صفته ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه ثم قال بحيرى لعمه أبي طالب ما هذا الغلام منك قال ابني فقال له بحيرى ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا قال فإنه ابن أخي قال فما فعل أبوه قال مات وأمه حبلى به قال صدقت ارجع به إلى بلدك واحذر عليه يهود فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا فإنه كائن له شأن عظيم فأسرع به إلى بلده فخرج به عمه سريعا حتى أقدمه مكة وقال هشام بن محمد خرج أبو طالب برسول الله صلى الله عليه و سلم إلى بصرى من أرض الشأم وهو ابن تسع سنين حدثني العباس بن محمد قال حدثنا أبو نوح قال حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبي موسى قال خرج أبو طالب إلى الشأم وخرج معه رسول الله صلى الله عليه و سلم في أشياخ من قريش فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا (1/519) ________________________________________ يخرج إليهم ولا يلتفت قال فهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال هذا سيد العالمين هذا رسول رب العالمين هذا يبعثه الله رحمة للعالمين فقال له أشياخ قريش ما علمك قال إنكم حين أشرفتم من العقبة لم تبق شجرة ولا حجر إلا خر ساجدا ولا يسجدون إلا لنبي وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من عضروف كتفه مثل التفاحة ثم رجع فصنع لهم طعاما فلما أتاهم به كان هو في رعية الإبل قال أرسلوا إليه فأقبل وعليه غمامة فقال انظروا إليه عليه غمامة تظله فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة فلما جلس مال فيء الشجرة عليه فقال انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه قال فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه فالتفت فإذا هو بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم فقال ما جاء بكم قالوا جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليها ناس وإنا اخترنا خيرة بعثنا إلى طريقك هذا قال لهم هل خلفتم خلفكم أحدا هو خير منكم قالوا لا إنما اخترنا خيرة لطريقك هذا قال أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده قالوا لا فتابعوه وأقاموا معه قال فأتاهم فقال أنشدكم الله أيكم وليه قالوا أبو طالب فلم يزل يناشده حتى رده وبعث معه أبو بكر رضي الله تعالى عنه بلالا وزوده الراهب من الكعك والزيت حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن محمد بن عبدالله بن قيس بن مخرمة عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيه محمد بن علي عن جده علي بن أبي طالب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين كل ذلك يحول الله بني وبين ما أريد من ذلك ثم ما هممت بسوء حتى أكرمني الله عز و جل برسالته فإني قد قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معي بأعلى مكة لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الشباب فقال أفعل فخرجت أريد ذلك حتى إذا جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفا بالدفوف والمزامير فقلت ما هذا قالوا فلان بن فلان تزوج بفلانة بنت فلان فجلست أنظر إليهم فضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس قال فجئت صاحبي فقال ما فعلت قلت ما صنعت شيئا ثم أخبرته الخبر قال ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك فقال أفعل فخرجت فسمعت حين جئت مكة مثل ما سمعت حين دخلت مكة تلك الليلة فجلست أنظر فضرب الله على أذني فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فأخبرته الخبر ثم ما هممت بعدها بسوء حتى أكرمني الله عز و جل برسالته (1/520) ________________________________________ ذكر تزويج النبي صلى الله عليه و سلم خديجة رضي الله عنها قال هشام بن محمد نكح رسول الله صلى الله عليه و سلم خديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة وخديجة يومئذ ابنة أربعين سنة حدثنا ابن حميد قال حدثنا سملة عن ابن إسحاق قال كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستتجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم منه وكانت قريش قوما تجارا فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشأم تاجرا وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار مع غلام لها يقال له ميسرة فقبله منها رسول الله صلى الله عليه و سلم فخرج في مالها ذلك وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدما الشأم فنزل رسول الله صلى الله عليه و سلم في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان فأطلع الراهب رأسه إلى ميسرة فقال من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة فقال له ميسرة هذا رجل من قريش من أهل الحرم فقال له الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي ثم باع رسول الله صلى الله عليه و سلم سلعته التي خرج بها واشترى ما أراد أن يشتري ثم أقبل قافلا إلى مكة ومعه ميسرة فكان ميسرة فيما يزعمون إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظللانه من الشمس وهو يسير على بعيره فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فأضعفت أو قريبا من ذلك وحدثها ميسرة عن قول الراهب وعما كان يرى من إظلال الملكين إياه وكانت خديجة امرأة حازمة لبيبة شريفة مع ما أراد الله بها من كرامته فلما أخبرها ميسرة بما أخبرها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت له فيما يزعمون يابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك ثم عرضت عليه نفسها وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسبا وأعظمهن شرفا وأكثرهن مالا كل قومها كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليها فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم ذكر ذلك لأعمامه فخرج معه حمزة بن عبدالمطلب عمه حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها فولدت له ولده كلهم إلا إبراهيم زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة والقاسم وبه كان يكنى صلى الله عليه و سلم والطاهر والطيب فأما القاسم والطاهر والطيب فهلكوا في الجاهلية وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن معه صلى الله عليه و سلم حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا محمد بن عمر قال حدثن معمر (1/521) ________________________________________ وغيره عن ابن شهاب الزهري وقد قال ذلك غيره من أهل البلد إن خديجة إنما كانت استأجرت رسول الله صلى الله عليه و سلم ورجلا آخر من قريش إلى سوق حباشة بتهامة وكان الذي زوجها إياه خويلد وكان التي مشت في ذلك مولاة مولدة من مولدات مكة قال الحارث قال محمد بن سعد قال الواقدي فكل هذا غلط قال الواقدي ويقولون أيضا إن خديجة أرسلت إلى النبي صلى الله عليه و سلم تدعوه إلى نفسها تعني التزويج وكانت امرأة ذات شرف وكان كل قريش حريصا على نكاحها قد بذلوا الأموال لو طمعوا بذلك فدعت أباها فسقته خمرا حتى ثمل ونحرت بقرة وخلقته بخلوق وألبسته حلة حبرة ثم أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم في عمومته فدخلوا عليه فزوجه فلما صحا قال ما هذا العقير وما هذا العبير وما هذا الحبير قالت زوجتني محمد بن عبدالله قال ما فعلت أنى أفعل هذا وقد خطبك أكابر قريش فلم أفعل قال الواقدي وهذا غلط والثبت عندنا المحفوظ من حديث محمد بن عبدالله بن مسلم عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعم ومن حديث ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة ومن حديث ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن عمها عمرو بن أسد زوجها رسول الله صلى الله عليه و سلم وأن أباها مات قبل الفجار قال أبو جعفر وكان منزل خديجة يومئذ المنزل الذي يعرف بها اليوم فيقال منزل خديجة فاشتراه معاوية فيما ذكر فجعله مسجدا يصلي فيه الناس وبناه على الذي هو عليه اليوم لم يغير وأما الحجر الذي على باب البيت عن يسار من يدخل البيت فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يجلس تحته يستتر به من الرمي إذا جاءه من دار أبي لهب ودار عدي بن حمراء الثقفي خلف دار ابن علقمة والحجر ذراع وشبر في ذراع (1/522) ________________________________________ ذكر باقي الأخبار عن الكائن من أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل أن ينبأ وكان بين مولده ووقت نبوته من الأحداث في بلده قال أبو جعفر قد ذكرنا قبل سبب تزويج النبي صلى الله عليه و سلم خديجة واختلاف المختلفين في ذلك ووقت نكاحه صلى الله عليه و سلم إياها وبعد السنة التي نكحها فيها رسول الله هدمت قريش الكعبة بعشر سنين ثم بنتها وذلك في قول ابن إسحاق في سنة خمس وثلاثين من مولد رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان سبب هدمهم إياها فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق أن الكعبة كانت رضمة فوق القامة فأرادوا رفعها وتسقيفها وذلك أن نفرا من قريش وغيرهم سرقوا كنز الكعبة وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة وكان أمر غزالي الكعبة فيما حدثت عن هشام بن محمد عن أبيه أن الكعبة كانت رفعت حين غرق قوم نوح فأمر الله إبراهيم خليله عليه السلام وابنه إسماعيل أن يعيدا بناء الكعبة على أسها الأول فأعادا بناءها كا أنزل في القرآن وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ( 1 ) فلم يكن له ولاة منذ زمن نوح عليه السلام وهو مرفوع ثم أمر الله عز و جل إبراهيم أن ينزل ابنه إسماعيل البيت لما أراد الله من كرامة من أكرمه بنبيه محمد صلى الله عليه و سلم فكان إبراهيم خليل الرحمن وابنه إسماعيل يليان البيت بعد عهد نوح ومكة يومئذ بلاقع ومن حول مكة يومئذ جرهم والعماليق فنكح إسماعيل عليه السلام امرأة من جرهم فقال في ذلك عمرو بن الحارث بن مضاض ... وصاهرنا من أكرم الناس والدا ... فأبناؤه منا ونحن الأصاهر ... فولي البيت بعد إبراهيم إسماعيل وبعد إسماعيل نبت وأمه الجرهمية ثم مات نبت ولم يكثر ولد إسماعيل فغلبت جرهم على ولاية البيت فقال عمرو بن الحارث بن مضاض ... وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت والخير ظاهر ... فكان أول من ولي من جرهم البيت مضاض ثم وليته بعده بنوه كابرا بعد كابر حتى بغت جرهم بمكة واستحلوا حرمتها وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها وظلموا من دخل مكة ثم لم يتناهوا حتى جعل الرجل منهم إذا لم يجد مكانا يزني فيه يدخل الكعبة فيزني فزعموا أن أسافا بغى بنائلة في جوف الكعبة فمسخا حجرين وكانت مكة في الجاهلية لا ظلم ولا بغي فيها ولا يستحل حرمتها ملك إلا هلك مكانه (1/523) ________________________________________ فكانت تسمى الناسة وتسمى بكة تبك أعناق البغايا إذا بغوا فيها والجبابرة قال ولما لم تتناه جرهم عن بغيها وتفرق أولاد عمرو بن عامر من اليمن فانخزع بنو حارثة بن عمرو فأوطنوا تهامة فسميت خزاعة وهم بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة وأسلم ومالك وملكان بنو أفصى بن حارثة فبعث الله على جرهم الرعفا والنمل فأفناهم فاجتمعت خزاعة ليجلوا من بقي ورئيسهم عمرو بن ربيعة بن حارثة وأمه فهيرة بنت عامر بن الحارث بن مضاض فاقتتلوا فلما أحس عامر بن الحارث بالهزيمة خرج بغزالي الكعبة وحجر الركن يلتمس التوبة وهو يقول ... لا هم إن جرهما عبادك ... الناس طرف وهم تلادك ... بهم قديما عمرت بلادك ... فلم تقبل توبته فألقى غزالي الكعبة وحجر الركن في زمزم ثم دفنها وخرج من بقي من جرهم إلى أرض من أرض جهينة فجاءهم سيل أتي فذهب بهم فذلك قول أمية بن أبي الصلب ... وجرهم دمنوا تهامة في الدهر ... فسالت بجمعهم إضم ... وولي البيت عمرو بن ربيعة وقال بنو قصي بل وليه عمرو بن الحارث الغبشاني وهو يقول ... ونحن ولينا البيت من بعد جرهم ... لنعمره من كل باغ وملحد ... وقال ... واد حرام طيره ووحشه ... نحن ولاته فلا نغشه ... وقال عامر بن الحارث ... كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر ... بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر ... وقال ... يا أيها الناس سيروا إن قصركم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا ... كنا أناسا كما كنتم فغيرنا ... دهر فأنتم كما كنا تكونونا ... حثوا المطي وأرخوا من أزمتها ... قبل الممات وقضوا ما تقضونا ... يقول اعملوا لآخرتكم وافرغوا من حوائجكم في الدنيا فوليت خزاعة البيت غير أنه كان في قبائل مضر ثلاث خلال الإجازة بالحج للناس من عرفة وكان ذلك إلى الغوث بن مر وهو صوفة فكات إذا كانت الإجازة قالت العرب أجيزي صوفة والثانية الإفاضة من جمع غداة النحر إلى منى فكان ذلك إلى بني زيد بن عدوان فكان آخر من ولي ذلك منهم أبو سيارة عميلة بن الأعزل بن خالد بن سعد بن الحارث بن وابش بن زيد والثالثة النسيء للشهور الحرم فكان ذلك إلى القلمس وهو حذيفة بن فقيم بن عدي من بني مالك بن كنانة ثم بنيه حتى صار ذلك إلى آخرهم أبي ثمامة وهو جنادة بن عوف بن أمية بن قلع بن حذيفة وقام عليه الإسلام وقد عادت الحرم إلى أصلها فأحكمها الله وأبطل النسيء فلما كثرت معد تفرقت فذلك قول مهلهل (1/524) ________________________________________ غنيت دارنا تهامة في الده ... ر وفيها بنو معد حلولا ... وأما قريش فلم يفارقوا مكة فلما حفر عبدالمطلب زمزم وجد الغزالين غزالي الكعبة اللذين كانت جرهم دفنتهما فيه فاستخرجهما وكان من أمره وأمرهما ما قد ذكرت في موضع ذلك فيما مضى من هذا الكتاب قبل رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق قال وكان الذي وجد عنده الكنز دويكا مولى لبني مليح بن عمرو من خزاعة فقطعت قريش يده من بينهم وكان ممن اتهم في ذلك الحارث بن عامر بن نوفل وأبو إهاب بن غزيز بن قيس بن سويد التميمي وكان أخا الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف لأمه وأبو لهب بن عبدالمطلب وهم الذين تزعم قريش أنهم وضعوا كنز الكعبة حين أخذوه عند دويك مولى بني مليح فلما اتهمتهم قريش دلوا على دويك فقطع ويقال هم وضعوه عنده وذكروا أن قريشا حين استيقنوا بأن ذلك كان عند الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف خرجوا به إلى كاهنة من كهان العرب فسجعت عليه من كهانتها بألا يدخل مكة عشر سنين بما استحل من حرمة الكعبة فزعموا أنهم أخرجوه من مكة فكان فيما حولها عشر سنين وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم فتحطمت فأخذوا خشبها فأعدوه لسقفها وكان بمكة رجل قبطي نجار فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي يطرح فيها ما يهدى لها كل يوم فتشرف على جدار الكعبة فكانوا يهابونها وذلك أنه كان لا يدنوا منها أحد إلا احزألت وكشت وفتحت فاها فبينا هي يوما تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع بعث الله عليها طائرا فاختطفها فذهب بها فقالت قريش إنا لنرجو أن يكون الله عز و جل قد رضي ما أردنا عندنا عامل رقيق وعندنا خشب وقد كفانا الله [ أمر ] الحية وذلك بعد الفجار بخمس عشرة سنة ورسول الله صلى الله عليه و سلم عامئذ ابن خمس وثلاثين سنة فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم فتناول من الكعبة حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه فقال يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا ولا تدخلوا فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس قال والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبي نجيح المكي أنه حدث عن عبدالله بن صفوان بن أمية بن خلف أنه رأى ابنا لجعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم يطوف بالبيت فسأل عنه فقيل له هذا ابن لجعدة بن هبيرة فقال عند ذلك عبدالله بن صفوان جد هذا يعني أبا وهب الذي أخذ من الكعبة حجرا حين اجتمعت قريش لهدمها فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه فقال عند ذلك يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا لا تدخلوا فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد وأبو وهب خال أبي رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان شريفا حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق قال ثم إن قريشا تجزأت الكعبة فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وتيم (1/525) ________________________________________ وقبائل من قريش ضموا إليهم وكان ظهر الكعبة لبني جمح وبني سهم وكان شق الحجر وهو الحطيم لبني عبدالدار بن قصي ولبني أسد بن عبدالعزى بن قصي وبني عدي بن كعب ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه فقال الوليد بن المغيرة أنا أبدؤكم في هدمها فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول اللهم لم ترع اللهم لا نريد إلا الخير ثم هدم من ناحية الركنين فتربص الناس به تلك الليلة وقالوا ننظر فإن أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا هدمنا فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله فهدم والناس معه حتى انتهى الهدم إلى الأساس فأفضوا إلى حجارة خضر كأنها أسنة آخذ بعضها ببعض حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق عن بعض من يروي الحديث أن رجلا من قريش ممن كان يهدمها أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما فلما تحرم الحجر انتقضت مكة بأسرها فانتهوا عند ذلك إلى الأساس قال ثم إن القبائل جمعت الحجارة لبنائها جعلت كل قبيلة تجمع على حدتها ثم بنوا حتى إذا بلغ البنيان موضع الركن اختصموا فيه كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى حتى تحاوزوا وتحالفوا وتواعدوا للقتال فقربت بنو عبدالدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم من الجفنة فسموا لعقة الدم بذلك فمكثت قريش أربع ليال أو خمس ليال على ذلك ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا فزعم بعض الرواة أن أبا أمية بن المغيرة كان عامئذ أسن قريش كلها قال يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه فكان أول من دخل عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما رأوه قالوا هذا الأمين قد رضينا به هذا محمد فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال هلم لي ثوبا فأتي به فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه بيده ثم بنى عليه وكانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل أن ينزل عليه الوحي الأمين قال أبو جعفر وكان بناء قريش الكعبة بعد الفجار بخمس عشرة سنة وكان بين عام الفيل وعام الفجار عشرون سنة واختلف السلف في سن رسول الله صلى الله عليه و سلم حين نبيء كم كانت فقال بعضهم نبئ رسول الله صلى الله عليه و سلم بعدما بنت قريش الكعبة بخمس سنين وبعدما تمت له من مولده أربعون سنة ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن خلف العسقلاني قال حدثنا آدم قال حدثنا حماد بن سلمة قال حدثنا أبو جمرة الضبعي عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم لأربعين سنة حدثنا عمرو بن علي وابن المثنى قالا حدثنا يحيى بن محمد بن قيس قال سمعت ربيعة بن أبي عبدالرحمن يذكر عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث على رأس أربعين (1/526) ________________________________________ حدثنا العباس بن الوليد قال أخبرني أبي قال حدثن الأوزاعي قال حدثني ربيعة بن أبي عبدالرحمن قال حدثني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث على رأس أربعين حدثني ابن عبدالرحيم البرقي قال حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن الأوزاعي قال حدثني ربيعة بن أبي عبدالرحمن قال حدثني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث على رأس أربعين حدثني أبو شرحبيل الحمصي قال حدثني أبو اليمان قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن أنس بن مالك قال أنزل على النبي صلى الله عليه و سلم وهو ابن أربعين حدثنا ابن المثنى قال حدثنا الحجاج بن المنهال قال حدثنا حماد قال حدثنا عمرو بن دينار عن عروة بن الزبير قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو ابن أربعين حدثنا ابن المثنى قال حدثنا الحجاج عن حماد قال أخبرنا عمرو عن يحيى بن جعدة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لفاطمة إنه كان يعرض علي القرآن كل عام مرة وإنه قد عرض علي العام مرتين وإنه قد خيل إلي أن أجلي قد حضر وأن أول أهلي لحاقا بي أنت وإنه لم يبعث نبي إلا بعث الذي بعده بنصف من عمره وبعث عيسى لأربعين وبعثت لعشرين حدثني عبيد بن محمد الوراق قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا هشام قال حدثنا عكرمة عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم لأربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة ومحمد بن ميمون الزعفراني عن هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنزل عليه وهو ابن أريعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة وقال آخرون بل نبئ حين نبئ وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ذكر من قال ذلك حدثنا أحمد بن ثابت الرازي قال حدثنا أحمد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس قال أنزل على النبي صلى الله عليه و سلم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال أنزل على رسول الله صلى الله عليه و سلم الوحي وهو ابن ثلاث وأربعين سنة حدثنا ابن المثنى قال حدثنا عبدالوهاب قال حدثنا يحيى بن سعيد قال سمعت سعيدا يعني ابن المسيب يقول أنزل على رسول الله صلى الله عليه و سلم الوحي وهو ابن ثلاث وأربعين سنة (1/527) ________________________________________ ذكر اليوم الذي نبئ فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم من الشهر الذي نبئ فيه وما جاء في ذلك قال ابو جعفر صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بما حدثنا به ابن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن غيلان بن جرير أنه سمع عبدالله بن معبد الزماني عن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سئل عن صوم الاثنين فقال ذلك يوم ولدت فيه ويوم بعثت أو أنزل علي فيه حدثنا احمد بن منصور قال حدثنا الحسن بن موسى الأشيب قال حدثن أبو هلال قا حدثنا غيلان بن جرير المعولي قال حدثنا عبدالله بن معبد الزماني عن أبي قتادة عن عمر رحمه الله أنه قال للنبي صلى الله عليه و سلم يا نبي الله صوم يوم الاثنين قال ذاك يوم ولدت فيه ويوم أنزلت علي فيه النبوة حدثنا إبراهيم بن سعيد قال حدثنا موسى بن داود عن ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن حنش الصنعاني عن ابن عباس قال ولد النبي صلى الله عليه و سلم يوم الاثنين واستنبئ يوم الاثنين قال أبو جعفر وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم واختلفوا في أي الأثانين كان ذلك فقال بعضهم نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه و سلم لثماني عشرة خلت من رمضان ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن الحسن بن دينار عن أيوب عن أبي قلابة عبدالله بن زيد الجرمي أنه كان يقول فيما بلغه وانتهى إليه من العلم أنزل القرقان على رسول الله صلى الله عليه و سلم لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان وقال آخرون بل أنزل لأربع وعشرين ليلة خلت منه ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني من لا يتهم عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بن دعامة السدوسي عن ابي الجلد قال نزل الفرقان لأربع وعشرين ليلة خلت من رمضان وقال آخرون بل نزل لسبع عشرة خلت من شهر رمضان واستشهدوا لتحقيق ذلك بقول الله (1/528) ________________________________________ عز و جل وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ( 1 ) وذلك ملتقى رسول الله صلى الله عليه و سلم والمشركين ببدر وأن التقاء رسول الله صلى الله عليه و سلم والمشركين ببدر كان صبيحة سبع عشرة من رمضان قال أبو جعفر وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم من قبل أن يظهر له جبريل عليه السلام برسالة الله عز و جل إليه فيما ذكر عنه يرى ويعاين آثارا وأسبابا من آثار من يريد الله إكرامه واختصاصه بفضله فكان من ذلك ما قد ذكرت فيما مضى من خبره عن الملكين اللذين أتياه فشقا بطنه واستخرجا ما فيه من الغل والدنس وهو عند أمه من الرضاعة حليمة ومن ذلك أنه كان إذا مر في طريق لا يمر فيما ذكر عنه بشجر ولا حجر فيه إلا سلم عليه حدثني الحارث بن محمد قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا علي بن محمد بن عبيدالله بن عمر بن الخطاب عن منصور بن عبدالرحمن عن أمه عن برة بنت أبي تجراة قالت إن رسول الله صلى الله عليه و سلم حين أراد الله كرامته وابتداءه بالنبوة كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتا ويفضي إلى الشعاب وبطون الأودية فلا يمر بحجر ولا شجرة إلا قالت السلام عليك يا رسول الله فكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحدا قال أبو جعفر وكانت الأمم تتحدث بمبعثه وتخبر علماء كل أمة منها قومها بذلك وقد حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني علي بن عيسى الحكمي عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول أن أنتظر نبيا من ولد إسماعيل ثم من بني عبدالمطلب ولا أراني أدركه وأنا أؤمن به وأصدقه وأشهده أنه نبي فإن طالت بك مدة فرأيته فأقرئه مني السلام وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك قلت هلم قال هو رجل ليس بالقصير ولا بالطويل ولا بكثير الشعر ولا بقليله وليست تفارق عينيه حمرة وخاتم النبوة بين كتفيه واسمه أحمد وهذا البلد مولده ومبعثه ثم يخرجه قومه منها ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره فإياك أن تخدع عنه فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم فكل من أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون هذا الدين وراءك وينعتونه مثل ما نعته لك ويقولون لم يبق نبي غيره قال عامر فلما أسلمت أخبرت رسول الله صلى الله عليه و سلم قول زيد بن عمرو وأقرأته منه السلام فرد عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم وترحم عليه وقال قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عمن لا يتهم عن عبدالله بن كعب مولى عثمان أنه حدث أن عمر بن الخطاب بينا هو جالس في الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ أقبل رجل من العرب داخل المسجد يريد عمر يعني ابن الخطاب فلما نظر إليه عمر قال إن الرجل لعلى شركه بعد ما فارقه أو لقد كان كاهنا في الجاهلية فسلم عليه الرجل ثم جلس فقال له عمر هل أسلمت فقال نعم فقال هل كنت كاهنا في الجاهلية فقال الرجل سبحان الله لقد استقبلتني بأمر ما أراك قلته لأحد من رعيتك منذ وليت فقال عمر اللهم غفرا قد كنا في الجاهلية على شر من ذلك نعبد الأصنام ونعتنق الأوثان حتى أكرمنا الله بالإسلام فقال نعم والله يا أمير المؤمنين لقد كنت كاهنا في الجاهلية (1/529) ________________________________________ قال فأخبرنا ما أعجب ما جاءك به صاحبك قال جاءني قبل الإسلام بشهر أو سنة فقال لي ألم تر إلى الجن وإبلاسها وإياسها من دينها ولحوقها بالقلاص وأحلاسها قال فقال عمر عند ذلك يحدث الناس والله إني لعند وثن من أوثان الجاهلية في نفر من قريش قد ذبح له رجل من العرب عجلا فنحن ننظر قسمه ليقسم لنا معه إذ سمعت من جوف العجل صوتا ما سمعت صوتا قط أنفذ منه وذلك قبل الإسلام بشهر أو شيعه يقول يا آل ذريح أمر بجيح ورجل يصيح يقول لا إله إلا الله حدثنا ابن حميد قال حدثنا علي بن مجاهد عن ابن إسحاق عن الزهري عن عبدالله بن كعب مولى عثمان بن عفان مثله حدثنا الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني محمد بن عبدالله عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال كنا جلوسا عند صنم ببوانة قبل أن يبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم بشهر نحرنا جزورا فإذا صائح يصيح من جوف واحدة اسمعوا إلى العجب ذهب استراق الوحي ونرمى بالشهب لنبي بمكة اسمه أحمد مهاجره إلى يثرب قال فأمسكنا وعجبنا وخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم حدثني أحمد بن سنان القطان الواسطي قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس أن رجلا من بني عامر أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال أرني الخاتم الذي بين كتفيك فإن يك بك طب داويتك فإني أطب العرب قال أتحب أن أريك آية قال نعم ادع ذاك العذق قال فنظر إلى عذق في نخلة فدعاه فجعل ينقز حتى قام بين يديه قال قل له فليرجع فرجع فقال العامري يا بني عامر ما رأيت كاليوم أسحر قال أبو جعفر والأخبار عن الدلالة على نبوته صلى الله عليه و سلم أكثر من أن تحصى ولذلك كتاب يفرد إن شاء الله ونرجع الآن إلى |
رد: مكتبتي
ذكر الخبر عما كان من أمر نبي الله صلى الله عليه و سلم عند ابتداء الله تعالى ذكره إياه بإكرامه بإرسال جبريل عليه السلام إليه بوحيه
قال أبو جعفر قد ذكرنا قبل بعض الأخبار الواردة عن أول وقت مجيء جبريل نبينا محمدا صلى الله عليه و سلم بالوحي من الله وكم كان سن النبي صلى الله عليه و سلم يومئذ ونذكر الآن صفة ابتداء جبريل إياه بالمصير إليه وظهوره له بتنزيل ربه فحدثني أحمد بن عثمان المعروف بأبي الجوزاء قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا أبي قال سمعت النعمان بن راشد يحدث عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت كان أول ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه و سلم من الوحي الرؤيا الصادقة كانت تجيء مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان بغار حراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها حتى فجأه الحق فأتاه فقال يا محمد أنت رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فجثوت لركبتي وأنا قائم ثم زحفت ترجف بوادري ثم دخلت على خديجة فقلت زملوني زملوني حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال يا محمد أنت رسول الله قال فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل فتبدى لي حين هممت بذلك فقال يا محمد أنا جبريل وأنت رسول الله ثم قال اقرأ قلت ما أقرأ قال فأخذني فغتني ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد ثم قال اقرأ باسم ربك الذي خلق ( 1 ) فقرأت فأتيت خديجة فقلت لقد أشفقت على نفسي فأخبرتها خبري فقالت أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا ووالله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتؤدي الأمانة وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ثم انطلقت بي إلى ورقة بن نوفل بن أسد قالت اسمع من ابن أخيك فسألني فأخبرته خبري فقال هذا الناموس الذي أنزل على موسى بن عمران ليتني فيها جذع ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك قلت أمخرجي هم قال نعم إنه لم يجئ رجل قط بما جئت به إلا عودي ولئن أدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم كان أول ما نزل علي من القرآن بعد اقرأ ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم فستبصر ويبصرون ويا أيها المدثر قم فأنذر ووالضحى والليل إذا سجى ( 2 ) (1/531) ________________________________________ حدثني يونس بن عبدالأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال حدثني عروة أن عائشة أخبرته ثم ذكر نحوه غير أنه لم يقل ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن إلى آخره حدثنا محمد بن عبدالملك بن أبي الشوارب قال حدثنا عبدالواحد بن زياد قال حدثنا سليمان الشيباني قال حدثنا عبدالله بن شداد قال أتى جبريل محمدا صلى الله عليه و سلم فقال يا محمد اقرأ فقال ما أقرأ قال فضمه ثم قال يا محمد اقرأ قال ما أقرأ قال فضمه ثم قال يا محمد اقرأ قال وما أقرأ قال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق حتى بلغ علم الإنسان ما لم يعلم قال فجاء إلى خديجة فقال يا خديجة ما أراني إلا قد عرض لي قالت كلا والله ما كان ربك يفعل ذلك بك ما أتيت فاحشة قط قال فأتت خديجة ورقة بن نوفل فأخبرته الخبر فقال لئن كنت صادقة إن زوجك لنبي وليلقين من أمته شدة ولئن أدركته لأومنن به قال ثم أبطأ عليه جبريل فقالت له خديجة ما أرى ربك إلا قد قلاك قال فأنزل الله عز و جل والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى ( 1 ) حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال سمعت عبدالله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي حدثنا يا عبيد كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه و سلم من النبوة حين جاء جبريل عليه السلام فقال عبيد وأنا حاضر يحدث عبدالله بن الزبير ومن عنده من الناس كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يجاور في حراء من كل سنة شهرا وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية والتحنث التبرر وقال أبو طالب ... وراق ليرقى في حراء ونازل ... فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يجاور ذلك الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين فإذا قضى رسول الله صلى الله عليه و سلم جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله عز و جل فيه ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه فيها وذلك في شهر رمضان خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى حراء كما كان يخرج لجواره معه أهله حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها جاءه جبريل بأمر الله فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ فقلت ما اقرأ فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم ارسلني فقال اقرأ فقلت ماذا أقرأ وما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود إلي بمثل ما صنع بي قال اقرأ باسم ربك الذي خلق إلى قوله علم الإنسان مالم يعلم قال فقرأته قال ثم انتهى ثم انصرف عني وهببت من نومي وكأنما كتب في قلبي كتابا قال ولم يكن من خلق الله أحد أبغض إلي من شاعر أو مجنون كنت لا أطيق أن أنظر إليهما قال قلت إن الأبعد يعني نفسه لشاعر أو مجنون لا تحدث بها عني قريش أبدا لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن (1/532) ________________________________________ قال فخرجت أريد ذلك حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل قال فرفعت رأسي إلى السماء فإذا جبرئيل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبرئيل قال فوقفت أنظر إليه وشغلني ذلك عما أردت فما أتقدم وما أتأخر وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي ولا أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي حتى بلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا فقالت يا أبا القاسم أين كنت فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إلي قال قلت لها إن الأبعد لشاعر أو مجنون فقالت أعيذك بالله من ذلك يا أبا القاسم ما كان الله ليصنع ذلك بك مع ما أعلم منك من صدق حديثك وعظم أمانتك وحسن خلقك وصلة رحمك وما ذاك يا بن عم لعلك رأيت شيئا قال فقلت لها نعم ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت أبشر يا بن عم واثبت فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد وهو ابن عمها وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والإنجيل فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه رأى وسمع فقال ورقة قدوس قدوس والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر يعني بالناموس جبرئيل عليه السلام الذي كان يأتي موسى وإنه لنبي هذه الأمة فقولي له فليثبت فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبرته بقول ورقة فسهل ذلك عليه بعض ما هو فيه من الهم فلما قضى رسول الله صلى الله عليه و سلم جواره وانصرف صنع كما كان يصنع وبدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالبيت فقال يابن أخي أخبرني بما رأيت أو سمعت فأخبره رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له ورقة والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء إلى موسى ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه ولئن أنا أدركت ذلك لأنصرن الله نصرا يعلمه ثم أدنى رأسه فقبل يافوخه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى منزله وقد زاده ذلك من قول ورقة ثباتا وخفف عنه بعض ما كان فيه من الهم فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير أنه حدث عن خديجة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه و سلم فيما يثبته فيما أكرمه الله به من نبوته يا بن عم أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك قال نعم قالت فإذا جاءك فأخبرني به فجاءه جبرئيل عليه السلام كما كان يأتيه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لخديجة يا خديجة هذا جبرئيل قد جاءني فقالت نعم فقم يا بن عم فاجلس على فخذي اليسرى فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم فجلس عليها قالت هل تراه قال نعم قالت فتحول فاقعد على فخذي اليمنى فتحول رسول الله صلى الله عليه و سلم فجلس عليها فقالت هل تراه قال نعم قالت فتحول فاجلس في حجري فتحول فجلس في حجرها قالت هل تراه قال نعم فتحسرت فألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه و سلم جالس في حجرها ثم قالت هل تراه قال لا فقالت يا بن عم اثبت وأبشر فوالله إنه لملك وما هو بشيطان فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال وحدثت بهذا الحديث (1/533) ________________________________________ عبدالله بن الحسن فقال قد سمعت أمي فاطمة بنت الحسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة إلا أني قد سمعتها تقول أدخلت رسول الله صلى الله عليه و سلم بينها وبين درعها فذهب عند ذلك جبرئيل فقالت لرسول الله صلى الله عليه و سلم إن هذا لملك وما هو بشيطان حدثنا ابن المثنى قال حدثنا عثمان بن عمر بن فارس قال حدثنا علي بن المبارك عن يحيى يعني ابن أبي كثير قال سألت أبا سلمة أي القرآن أنزل أول فقال يا أيها المدثر فقلت يقولون اقرأ باسم ربك فقال أبو سلمة سألت جابر بن عبدالله أي القرآن أنزل أول فقال يا أيها المدثر فقلت اقرأ باسم ربك الذي خلق فقال لا أخبرك إلا ما حدثنا النبي صلى الله عليه و سلم قال جاورت في حراء فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي فنوديت فنظرت عن يميني وعن شمالي وخلفي وقدامي فلم أر شيئا فنظرت فوق رأسي فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض فخشيت منه قال ابن المثنى هكذا قال عثمان بن عمر وإنما هو فجئثت منه فلقيت خديجة فقلت دثروني فدثروني وصبوا علي ماء وأنزل علي يا أيها المدثر قم فأنذر حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع عن علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير قال سألت أبا سلمة عن أول ما نزل من القرآن قال نزلت يا أيها المدثر أول قال قلت إنهم يقولون اقرأ باسم ربك الذي خلق فقال سألت جابر بن عبدالله فقال لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم قال جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت فسمعت صوتا فنظرت عن يميني فلم أر شيئا وعن شمالي فلم أر شيئا ونظرت أمامي فلم ار شيئا ونظرت خلفي فلم ار شيئا فرفعت رأسي فرأيت شيئا فأتيت خديجة فقلت دثروني وصبوا علي ماء قال فدثروني وصبوا علي ماء باردا فنزلت يا أيها المدثر وحدثت عن هشام بن محمد قال أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه و سلم أول ما أتاه ليلة السبت وليلة الأحد ثم ظهر له برسالة الله عز و جل يوم الاثنين فعلمه الوضوء وعلمه الصلاة وعلمه اقرأ باسم ربك الذي خلق وكان لرسول الله صلى الله عليه و سلم يوم الاثنين يوم أوحي إليه أربعون سنة حدثني أحمد بن محمد بن حبيب الطوسي قال حدثنا أبو داود الطيالسي قال أخبرنا اجعفر بن عبدالله بن عثان القرشي قال أخبرني عمر بن عروة بن الزبير قال سمعت عروة بن الزبير يحدث عن أبي ذر الغفاري قال قلت يا رسول الله كيف علمت أنك نبي أول ما علمت حتى علمت ذلك واستيقنت قال يا أبا ذر أتاني ملكان وأنا ببعض بطحاء مكة فوقع أحدهما في الأرض والآخر بين السماء والأرض فقال أحدهما لصاحبه أهو هو قال هو هو قال فزنه برجل فوزنت برجل فرجحته ثم قال زنه بعشرة فوزنني بعشرة فرجحتهم ثم قال زنه بمائة فوزنني بمائة فرجحتهم ثم قال زنه بألف فوزنني بألف فرجحتهم فجعلوا ينتثرون علي من كفة الميزان قال فقال أحدهما للآخر لو وزنته بأمته رجحها ثم قال أحدهما لصاحبه شق بطنه فشق بطني ثم قال أحدهما أخرج قلبه أو قال شق قلبه فشق قلبي فأخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم فطرحها ثم قال أحدهما للآخر اغسل بطنه غسل الإناء واغسل قلبه غسل الإناء أو اغسل قلبه غسل الملاءة ثم دعا بالسكينة كأنها وجه هرة (1/534) ________________________________________ بيضاء فأدخلت قلبي ثم قال أحدهما لصاحبه خط بطنه فخاطا بطني وجعلا الخاتم بين كتفي فما هو إلا أن وليا عني فكأنما أعاين الأمر معاينة حدثنا محمد بن عبدالأعلى قال حدثنا ابن ثور عن معمر عن الزهري قال فتر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فترة فحزن حزنا شديدا جعل يغدو إلى رؤوس شواهق الجبال ليتردى منها فكلما أوفى بذروة جبل تبدى له جبرئيل فيقول إنك نبي الله فيسكن لذلك جأشه وترجع إليه نفسه فكان النبي صلى الله عليه و سلم يحدث عن ذلك قال فبينما أنا أمشي يوما إذ رأيت الملك الذي كان يأتيني بحراء على كرسي بين السماء والأرض فجئثت منه رعبا فرجعت إلى خديجة فقلت زملوني فزملناه أي دثرناه فأنزل الله عز و جل يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر قال الزهري فكان أول شيء أنزل عليه اقرأ باسم ربك الذي خلق حتى بلغ ما لم يعلم ( 1 ) حدثني يونس بن عبدالأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال أخبرني ابو سلمة بن عبدالرحمن أن جابر بن عبدالله الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يحدث عن فترة الوحي بينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فجئثت منه فرقا وجئت فقلت زملوني زملوني فدثروني فأنزل الله عز و جل يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر إلى قوله والرجز فاهجر قال ثم تتابع الوحي قال أبو جعفر فلما أمر الله عز و جل نبيه محمدا صلى الله عليه و سلم أن يقوم بإنذار قومه عقاب الله على ما كانوا عليه مقيمين من كفرهم بربهم وعبادتهم الآلهة والأصنام دون الذي خلقهم ورزقهم وأن يحدث بنعمة ربه عليه بقوله وأما بنعمة ربك فحدث وذلك فيما زعم ابن إسحاق النبوة حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق وأما بنعمة ربك فحدث أي ما جاءك من الله من نعمته وكرامته من النبوة فحدث اذكرها وادع إليها قال فجعل رسول الله صلى الله عليه و سلم يذكر ما أنعم الله عليه وعلى العباد به من النبوة سرا إلى من يطمئن إليه من أهله فكان أول من صدقه وآمن به واتبعه من خلق الله فيما ذكر زوجه خديجة رحمها الله حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال قال الواقدي أصحابنا مجمعون على أن أول أهل القبلة استجاب لرسول الله صلى الله عليه و سلم خديجة بنت خويلد رحمها الله قال أبو جعفر ثم كان أول شيء فرض الله عز و جل من شرائع الإسلام عليه بعد الإقرار بالتوحيد والبراءة من الأوثان والأصنام وخلع الأنداد الصلاة فيما ذكر حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال وحدثني بعض أهل العلم أن الصلاة حين افترضت على رسول الله صلى الله عليه و سلم أتاه جبرئيل وهو بأعلى مكة فهمز له بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت منه عين فتوضأ جبرئيل عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه و سلم ينظر إليه ليريه كيف الطهور (1/535) ________________________________________ للصلاة ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه و سلم كما رأى جبرئيل عليه السلام توضأ ثم قام جبرئيل عليه السلام فصلى به وصلى النبي صلى الله عليه و سلم بصلاته ثم انصرف جبرئيل عليه السلام فجاء رسول الله صلى الله عليه و سلم خديجة فتوضأ لها يريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبرئيل عليه السلام فتوضأت كما توضأ رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم صلى بها رسول الله صلى الله عليه و سلم كما صلى به جبرئيل عليه السلام فصلت بصلاته حدثنا ابن حميد قال حدثنا هارون بن المغيرة وحكام بن سلم عن عنبسة عن أبي هاشم الواسطي عن ميمون بن سياه عن أنس بن مالك قال لما كان حين نبيء النبي صلى الله عليه و سلم وكان ينام حول الكعبة وكانت قريش تنام حولها فأتاه ملكان جبرئيل وميكائيل فقالا بأيهم أمرنا فقالا أمرنا بسيدهم ثم ذهبا ثم جاءا من القبلة وهم ثلاثة فألفوه وهو نائم فقلبوه لظهره وشقوا بطنه ثم جاؤوا بماء من ماء زمزم فغسلوا ما كان في بطنه من شك أو شرك أو جاهلية أو ضلالة ثم جاؤوا بطست من ذهب ملئ إيمانا وحكمة فملئ بطنه وجوفه إيمانا وحكمة ثم عرج به إلى السماء الدنيا فاستفتح جبرئيل فقالوا من هذا فقال جبرئيل فقالوا من معك فقال محمد قالوا وقد بعث قال نعم قالوا مرحبا فدعوا له في دعائهم فلما دخل فإذا هو برجل جسيم وسيم فقال من هذا يا جبرئيل فقال هذا أبوك آدم ثم أتوا به إلى السماء الثانية فاستفتح جبرئيل فقيل له مثل ذلك وقالوا في السموات كلها كما قال وقيل له في السماء الدنيا فلما دخل إذا برجلين فقال من هؤلاء يا جبرئيل فقال يحيى وعيسى ابنا الخالة ثم أتي به السماء الثالثة فلما دخل إذا هو برجل فقال من هذا يا جبرئيل قال هذا أخوك يوسف فضل بالحسن على الناس كما فضل القمر ليلة البدر على الكواكب ثم أتي به السماء الرابعة فإذا هو برجل فقال من هذا يا جبرئيل فقال هذا إدريس ثم قرأ ورفعناه مكانا عليا ( 1 ) ثم أتي به السماء الخامسة فإذا هو برجل فقال من هذا يا جبرئيل قال هذا هارون ثم أتي به السماء السادسة فإذا هو برجل فقال من هذا يا جبرئيل فقال هذا موسى ثم أتي به السماء السابعة فإذا هو برجل فقال من هذا يا جبرئيل قال هذا أبوك إبراهيم ثم انطلق إلى الجنة فإذا هو بنهر أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل بجنبتيه قباب الدر فقال ما هذا يا جبرئيل فقال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك وهذه مساكنك قال وأخذ جبرئيل بيده من تربته فإذا هو مسك أذفر ثم خرج إلى سدرة المنتهى وهي سدرة نبق أعظمها أمثال الجرار وأصغرها أمثال البيض فدنا ربك عز و جل فكان قاب قوسين أو أدنى ( 1 ) فجعل يتغشى السدرة من دنو ربها تبارك وتعالى أمثال الدر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ ألوان فأوحى إلى عبده وفهمه وعلمه وفرض عليه خمسين صلاة فمر على موسى فقال ما فرض على أمتك فقال خمسين صلاة قال ارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك فإن أمتك أضعف الأمم قوة وأقلها عمرا وذكر ما لقي من بني إسرائيل فرجع فوضع عنه عشرا ثم مر على موسى فقال ارجع إلى ربك فسله التخفيف كذلك حتى جعلها خمسا قال ارجع إلى ربك فسله التخفيف فقال لست براجع غير عاصيك وقذف في قلبه ألا يرجع فقال الله عز و جل لا يبدل (1/536) |
رد: مكتبتي
كلامي ولا يرد قضائي وفرضي وخفق عن أمتي الصلاة لعشر قال أنس وما وجدت ريخا قط ولا ريح عروس قط أطيب ريحا من جلد رسول الله صلى الله عليه و سلم ألزقت جلدي بجلده وشممته
قال أبو جعفر ثم اختلف السلف فيمن اتبع رسول الله صلى الله عليه و سلم وآمن به وصدقه على ما جاء به من عند الله من الحق بعد زوجته خديجة بن خويلد وصلى معه فقال بعضهم كان أول ذكر آمن برسول الله صلى الله عليه و سلم معه وصدقه بما جاءه من عند الله علي بن أبي طالب عليه السلام ذكر بعض من قال ذلك ممن حضرنا ذكره حدثنا ابن حميد قال حدثنا إبراهيم بن المختار عن شعبة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس قال أول من صلى علي حدثنا زكرياء بن يحيى الضرير قال حدثنا عبدالحميد بن بحر قال أخبرنا شريك عن عبدالله بن محمد بن عقيل عن جابر قال بعث النبي صلى الله عليه و سلم يوم الإثنين وصلى علي يوم الثلاثاء حدثنا ابن المثنى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة عن زيد بن أرقم قال أول من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه و سلم علي بن أبي طالب قال فذكرته للنخعي فأنكره وقال أبو بكر أول من أسلم حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة مولى الأنصار عن زيد بن أرقم قال أول من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه و سلم علي بن أبي طالب عليه السلام حدثنا أبو كريب قال حدثنا عبيد بن سعيد عن شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت أبا حمزة ( رجلا من الأنصار ) يقول سمعت زيد بن أرقم يقول أول رجل صلى مع رسول الله صلى الله عليه و سلم علي عليه السلام حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي قال حدثنا عبيد الله بن موسى قال أخبرنا العلاء عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبدالله قال سمعت عليا يقول أنا عبدالله وأخو رسوله وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كاذب مفتر صليت مع رسول الله قبل الناس بسبع سنين حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال حدثنا سعيد بن خثيم عن أسد بن عبدة البجلي عن يحيى بن عفيف عن عفيف قال جئت في الجاهلية إلى مكة فنزلت على العباس بن عبد المطلب قال فلما طلعت الشمس وحلقت في السماء وأنا أنظر إلى الكعبة أقبل شاب فرمى ببصره إلى السماء ثم استقبل الكعبة فقام مستقبلها فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه قال فلم يلبث حتى جاءت امرأ فقامت خلفهما فركع الشاب فركع الغلام والمرأة فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة فخر الشاب ساجدا فسجدا معه فقلت يا عباس أمر عظيم فقال أمر عظيم أتدري من هذا فقلت لا قال هذا محمد بن عبدالله بن عبد المطلب ابن أخي أتدري من هذا معه قلت لا قال هذا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن أخي أتدري من هذه المرأة التي خلفهما قلت لا قال هذه (1/537) ________________________________________ خديجة بنت خويلد زوجة ابن أخي وهذا حدثني أن ربك رب السماء أمرهم بهذا الذي تراهم عليه وأيم الله ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة حدثنا أبو كريب قال حدثنا يونس بن بكير قال حدثنا محمد بن إسحاق قال حدثني يحيى بن أبي الأشعث الكندي من أهل الكوفة قال حدثني إسماعيل بن إياس بن عفيف عن أبيه عن جده قال كنت أمرأ تاجرا فقدمت أيام الحج فأتيت العباس فبينا نحن عنده إذ خرج رجل يصلي فقام تجاه الكعبة ثم خرجت امرأة فقامت معه تصلي وخرج غلام فقام يصلي معه فقلت يا عباس ما هذا الدين إن هذا الدين ما أدري ما هو قال هذا محمد بن عبدالله يزعم أن الله ارسله به وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه وهذه امرأته خديجة بن خويلد آمنت به وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب آمن به قال عفيف فليتني كنت آمنت يومئذ فكنت أكون رابعا حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل وعلي بن مجاهد قال سلمة حدثني محمد بن إسحاق عن يحيى بن أبي الأشعث قال أبو جعفر وهو في موضع آخر من كتابي عن يحيى بن الأشعث عن إسماعيل بن إياس بن عفيف الكندي وكان عفيف أخا الأشعث بن قيس الكندي لأمه وكان ابن عمه عن أبيه عن جده عفيف قال كان العباس بن عبد المطلب بمنى فأتا رجل مجتمع فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم قام يصلي فخرجت امرأة فتوضأت وقامت تصلي ثم خرج غلام قد راهق فتوضأ ثم قام إلى جنبه يصلي فقلت ويحك يا عباس ما هذا قال هذا ابن أخي محمد بن عبدالله بن عبد المطلب يزعم أن الله بعثه رسولا وهذا ابن أخي علي بن أبي طالب قد تابعه على دينه وهذه امرأته خديجة ابنة خويلد قد تابعته على دينه قال عفيف بعدما أسلم ورسخ الإسلام في قلبه يا ليتني كنت رابعا حدثنا ابن حميد قال حدثنا عيسى بن سوادة بن الجعد قال حدثنا محمد بن المنكدر وربيعة بن أبي عبدالرحمن وأبو حازم المدني والكلبي قالوا علي أول من أسلم قال الكلبي أسلم وهو ابن تسع سنين حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال كان أول ذكر آمن برسول الله صلى الله عليه و سلم وصلى معه وصدقه بما جاءه من عند الله علي بن أبي طالب وهو يومئذ ابن عشر سنين وكان مما أنعم الله به على علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل الإسلام حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال فحدثني عبدالله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج قال كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب وما صنع الله له وأراده به من الخير أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثير فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم للعباس عمه وكان من أيسر بني هاشم يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة فانطلق بنا فنخفف عنه من عياله آخذ من بنيه رجلا وتأخذ من بنيه رجلا فنكفهما عنه قال العباس نعم فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا أنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه فقال لهما أبو طالب إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما فأخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم (1/538) ________________________________________ عليا فضمه إليه وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه فلم يزل علي بن أبي طالب مع رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى بعثه الله نبيا فاتبعه علي فآمن به وصدقه ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال فحدثني محمد بن إسحاق قال وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من عمه أبي طالب وجميع أعمامه وسائر قومه فيصليان الصلوات فيها فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان فقال لرسول الله صلى الله عليه و سلم يا بن أخي ما هذا الدين الذي أراك تدين به قال أي عم هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم أو كما قال بعثني الله به رسولا إلى العباد وأنت يا عم أحق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه أو كما قال فقال أبو طالب يا بن أخي إني لا أستطيع أن أفارق ديني ودين آبائي وما كانوا عليه ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما حييت حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال ووزعموا أنه قال لعلي بن أبي يطالب أي بني ما هذا الدين الذي أنت عليه قال يا أبه آمنت بالله وبرسوله وصدقته بما جاء به وصليت معه لله فزعموا أنه قال له أما إنه لا يدعوك إلا إلى خير فالزمه حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال أخبرنا إبراهيم بن نافع عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال أسلم علي وهو ابن عشر سنين قال الحارث قال ابن سعد قال الواقدي واجتمع أصحابنا على أن عليا أسلم بعدما تنبأ رسول الله صلى الله عليه و سلم بسنة فأقام بمكة اثنتي عشرة سنة وقال آخرون أول من أسلم من الرجال أبو بكر رضي الله عنه ذكر من قال ذلك حدثنا سهل بن موسى الرازي قال حدثنا عبدالرحمن بن مغراء عن مجالد عن الشعبي قال قلت لابن عباس من أول الناس إسلاما فقال أما سمعت قول حسان بن ثابت ... إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا ... خير البرية أتقاها وأعذلها ... بعد النبي وأوفاها بما حملا ... الثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا ... وحدثني سعيد بن عنبسة الرازي قال حدثنا الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس نحوه حدثنا ابن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال حدثنا الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس نحوه حدثنا بحر بن نصر الخولاني قال حدثنا عبدالله بن وهب قال أخبرني معاوية بن صالح قال حدثني أبو يحيى وضمرة بن حبيب وأبو طلحة عن أبي أمامة الباهلي قال حدثني عمرو بن عبسة (1/539) ________________________________________ قال أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو نازل بعكاظ قلت رسول الله من تبعك على هذا الأمر قال اتبعني عليه رجلان حر وعبد أبو بكر وبلال قال فأسلمت عند ذلك قال فلقد رأيتني إذ ذاك ربع الإسلام حدثني ابن عبدالرحيم البرقي قال حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال حدثنا صدقة عن نصر بن علقمة عن أخيه عن ابن عائذ عن جبير بن نفير قال كان أبو ذر وابن عبسة كلاهما يقول لقد رأيتني ربع الإسلام ولم يسلم قبلي إلا النبي وأبو بكر وبلال كلاهما لا يدري متى أسلم الآخر حدثنا ابن حميد قال حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال أول من أسلم أبو بكر حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع قال حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال قال إبراهيم النخعي أبو بكر أول من أسلم وقال آخرون أسلم قبل أبي بكر جماعة ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا كنانة بن جبلة عن إبراهيم بن طهمان عن الحجاج بن الحجاج عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن محمد بن سعد قال قلت لأبي أكان أبو بكر أولكم إسلاما فقال لا ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين ولكن كان أفضلنا إسلاما وقال آخرون كان أول من آمن واتبع النبي صلى الله عليه و سلم من الرجال زيد بن حارثة مولاه ذكر من قال ذلك حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال قال الواقدي حدثني ابن أبي ذئب قال سألت الزهري من أول من أسلم قال من النساء خديجة ومن الرجال زيد بن حارثة حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا مصعب بن ثابت عن أبي الأسود عن سليمان بن يسار قال أول من أسلم زيد بن حارثة حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد يعني ابن عمر قال حدثنا ربيعة بن عثمان عن عمران بن أبي أنس مثله وحدثني عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالحكم قال حدثنا عبدالملك بن مسلمة قال حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة قال أول من أسلم زيد بن حارثة وأما ابن إسحاق فإنه قال في ذلك ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه ثم أسلم زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم فكان أول ذكر أسلم وصلى بعد علي بن أبي طالب ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة الصديق فلما أسلم أظهر إسلامه ودعا إلى الله عز و جل وإلى رسوله قال وكان أبو بكر رجلا مألفا لقومه محببا سهلا وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير أو شر وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر لعلمه وتجاربه وحسن (1/540) ________________________________________ مجالسته فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه فأسلم على يديه فيما بلغني عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيدالله فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم حين استجابوا له فأسلموا وصلوا فكان هؤلاء الثمانية النفر الذين سبقوا إلى الإسلام فصلوا وصدقوا برسول الله صلى الله عليه و سلم وآمنوا بما جاء به من عند الله ثم تتابع الناس في الدخول في الإسلام الرجال منهم والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به الناس وقال الواقدي في ذلك ما حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد عنه اجتمع أصحابنا على أن أول أهل القبلة استجاب لرسول الله صلى الله عليه و سلم خديجة بنت خويلد ثم اختلف عندنا في ثلاثة نفر في أبي بكر وعلي وزيد بن حارثة أيهم أسلم أول قال وقال الواقدي أسلم معهم خالد بن سعيد بن العاص خامسا وأسلم أبو ذر قالوا رابعا أو خامسا وأسلم عمرو بن عبسة السلمي فيقال رابعا أو خامسا قال فإنما اختلف عندنا في هؤلاء النفر أيهم أسلم أول وفي ذلك روايات كثيرة قال فيختلف في الثلاثة المتقدمين وفي هؤلاء الذين كتبنا بعدهم حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني مصعب بن ثابت قال حدثنا أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن الأسود بن نوفل قال كان إسلام الزبير بعد أبي بكر كان رابعا أو خامسا وأما ابن إسحاق فإنه ذكر أن خالد بن سعيد بن العاص وامرأته أمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة من خزاعة أسلما بعد جماعة كثيرة غير الذين ذكرتهم بأسمائهم أنهم كانوا من السابقين إلى الإسلام ثم إن الله عز و جل أمر نبيه محمدا صلى الله عليه و سلم بعد مبعثه بثلاث سنين أن يصدع بما جاءه منه وأن يبادي الناس بأمره ويدعو إليه فقال له فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ( 1 ) وكان قبل ذلك في السنين الثلاث من مبعثه إلى أن أمر بإظهار الدعاء إلى الله مستسرا مخفيا أمره صلى الله عليه و سلم وأنزل عليه وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون ( 1 ) قال وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا صلوا ذهبوا إلى الشعاب فاستخفوا من قومهم فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم فاقتتلوا فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلا من المشركين بلحي جمل فشجه فكان أول دم أهريق في الإسلام فحدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال صعد رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم الصفا فقال يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش فقالوا مالك قال أرأيت إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم (1/541) ________________________________________ تصدقونني قالوا بلى قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب تبا لك ألهذا دعوتنا أو جمعتنا فأنزل الله عز و جل تبت يدا أبي لهب وتب ( 1 ) إلى آخر السورة حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية وأنذر عشيرتك الأقربين ( 2 ) خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى صعد الصفا فهتف يا صباحاه فقالوا من هذا الذي يهتف قالوا محمد فقال يا بني فلان يا بني عبد المطلب يا بني عبد مناف فاجتمعوا إليه فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي قالوا ما جربنا عليك كذبا قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب تبا لك ما جمعتنا إلا لهذا ثم قام فنزلت هذه السورة تبت يدا أبي لهب وتب إلى آخر السورة حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن عبد الغفار بن القاسم عن المنهال بن عمرو عن عبدالله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب عن عبدالله بن عباس عن علي بن أبي طالب قال لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنذر عشيرتك الأقربين دعاني رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال لي يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت بذلك ذرعا وعرفت أني متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره فصمت عليه حتى جاءني جبرئيل فقال يا محمد إنك إلا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك فاصنع لنا صاعا من طعام واجعل عليه رحل شاة واملأ لنا عسا من لبن ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به فلما وضعته تناول رسول الله صلى الله عليه و سلم حذية من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال خذوا بسم الله فأكل القو م حتى ما لهم بشيء حاجة وما أرى إلا موضع أيديهم وايم الله الذي نفس علي بيده وإن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم ثم قال اسق القوم فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتى رووا منه جميعا وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله فلما أراد رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال لهد ما سحركم صاحبكم فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال الغد يا علي إن هذا الرجل سيقني إلى ما قد سمعت من القول فتفرق القوم قبل أن أكلمهم فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت ثم اجمعهم إلي قال ففعلت ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقربته لهم ففعل كما فعل بالأمس فأكلوا حتى ما لهم بشيء حاجة ثم قال اسقهم فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعا ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به إني قد جئتكم بخير الدنيا والاخرة وقد أمرني الله تعالى أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون (1/542) ________________________________________ أخي ووصيي وخليفتي فيكم قال فأحجم القوم عنها جميعا وقلت وإني لأحدثهم سنا وأرمصهم عينا وأعظمهم بطنا وأحمشهم ساقا أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه فأخذ برقبتي ثم قال إن هذا أخي ووصي وخليفتي فيكم فاسمعو له وأطيعوا قال فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع حدثني زكرياء بن يحيى الضرير قال حدثنا عفان بن مسلم قال حدثنا أبو عوانة عن عثمان بن المغيرة عن أبي صادق عن ربيعة بن ناجد أن رجلا قال لعلي عليه السلام يا أمير المؤمنين بم ورثت ابن عمك دون عمك فقال علي هاؤم ثلاث مرات حتى اشرأب الناس ونشروا آذانهم ثم قال جمع رسول الله صلى الله عليه و سلم أو دعا رسول الله بني عبد المطلب منهم رهطه كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق قال فصنع لهم مدا من طعام فأكلوا حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس قال ثم دعا بغمر فشربوا حتى رووا وبقي الشراب كأنه لم يمس ولم يشربوا قال ثم قال يا بني عبد المطلب إني بعثت إليكم بخاصة وإلى الناس بعامة وقد رأيتم من هذا الأمر ما قد رأيتم فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي فلم يقم إليه أحد فقمت إليه وكنت أصغر القوم قال فقال اجلس قال ثم قال ثلاث مرات كل ذلك أقوم إليه فيقول لي اجلس حتى كان في الثالثة فضرب بيده على يدي قال فبذلك ورثت ابن عمي دون عمي فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة حدثنا محمد بن إسحاق عن عمرو بن عبيد عن الحسن بن أبي الحسن قال لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنذر عشيرتك الأقربين قام رسول الله صلى الله عليه و سلم بالأبطح ثم قال يا بني عبد المطلب يا بني عبد مناف يا بني قصي قال ثم فخذ قريشا قبيلة قبيلة حتى مر على آخرهم إني أدعوكم إلى الله وأنذركم عذابه حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا جارية بن أبي عمران عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يصدع بما جاءه من عند الله وأن يبادي الناس بأمره وأن يدعوهم إلى الله فكان يدعو من أول ما نزلت عليه النبوة ثلاث سنين مستخفيا إلى أن أمر بالظهور للدعاء قال ابن إسحاق فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عنه فصدع رسول الله صلى الله عليه و سلم بأمر الله وبادى قومه بالإسلام فلما فعل ذلك لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه بعض الرد فيما بلغني حتى ذكر آلهتهم وعابها فلما فعل ذلك ناكروه وأجمعوا على خلافه وعداوته إلا من عصم الله منهم بالإسلام وهم قليل مستخفون وحدب عليه أبو طالب عمه ومنعه وقام دونه ومضى رسول الله صلى الله عليه و سلم على أمر الله مظهرا لأمره لا يرده عنه شيء فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يعتبهم من شيء [ يكرهونه مما ] أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم ورأوا أن أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البختري بن هشام والأسود بن المطلب والوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل ونبيه ومنبه ابنا الحجاج أو من مشى إليه منهم فقالوا يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب ألهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه ومضى رسول الله صلى الله عليه و سلم على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه قال ثم شري الأمر بينه (1/543) ________________________________________ وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم بينها وتذامروا فيه وحض بعضهم بعضا عليه ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين أو كما قالوا ثم انصرفوا عنه فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم له ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله صلى الله عليه و سلم لهم ولا خذلانه حدثني محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا اسباط عن السدي أن ناسا من قريش اجتمعوا فيهم أبو جهل بن هشام والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش فقال بعضهم لبعض انطلقوا بنا إلى أبي طالب فنكلمه فيه فلينصفنا منه فيأمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه الذي يعبد فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا شيء فتعيرنا العرب يقولون تركوه حتى إذا مات عمه تناولوه قال فبعثوا رجلا منهم يدعى المطلب فاستأذن على أبي طالب فقال هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم يستأذنون عليك قال أدخلهم فلما دخلوا عليه قالوا يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه قال فبعث إليه أبو طالب فلما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم قال يا بن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم وقد سألوك النصف أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك قال أي عم أولا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها قال وإلام تدعوهم قال أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم قال فقال أبو جهل من بين القوم ما هي وأبيك لنعطينكها وعشرا أمثالها قال تقول لا إله إلا الله قال فنفروا [ وتفرقوا ] وقالوا سلنا غير هذه فقال لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها قال فغضبوا وقاموا من عنده غضابى وقالوا والله لنشتمنك وإلهك الذي يأمرك بهذا وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد إلى قوله إلا اختلاق ( 1 ) وأقبل على عمه فقال له عمه يا بن أخي ما شططت عليهم فأقبل عى عمه دعاه فقال قل كلمة أشهد لك بها يوم القيامة تقول لا إله إلا الله فقال لولا أن تعيبكم بها العرب يقولون جزع من الموت لا لأعطيتكها ولكن على ملة الأشياخ قال فنزلت هذه الآية إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ( 2 ) حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا أبو أسامة قال حدثنا الأعمش قال حدثنا عباد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقال إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول فلو بعثت إليه فنهيته فبعث إليه فجاء النبي صلى الله عليه و سلم فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل قال فخشي أبو جهل إن جلس إلىجنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه فوثب فجلس في ذلك المجلس ولم يجد رسول الله صلى الله عليه و سلم مجلسا قرب عمه فجلس (1/544) ________________________________________ عند الباب فقال له أبو طالب أي ابن أخي ما بال قومك يشكونك يزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول قال وأكثروا عليه من القول وتكلم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية ففزعوا لكلمته ولقوله فقال القوم كلمة واحدة نعم وأبيك عشرا فما هي فقال أبو طالب وأي كلمة هي يا بن أخي قال لا إله إلا الله قال فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب قال ونزلت من هذا الموضع إلى قوله لما يذوقوا عذاب ( 1 ) لفظ الحديث لأبي كريب رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال فحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن قريشا حين قالت لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له يا بن أخي إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا فأبق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق فظن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء وأنه خاذله ومسلمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا عماه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه و سلم فبكى ثم قام فلما ولى ناداه أبو طالب فقال أقبل يا بن أخي فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبدا قال ثم إن قريشا لما عرفت أن أبا طالب أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه و سلم وإسلامه وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له فيما بلغني يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأشعره وأجمله فخذه فلك عقله ونصرته واتخذه ولدا فهو لك وأسلم لنا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم فنقتله فإنما رجل كرجل فقال والله لبئس ما تسومونني أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه هذا والله ما لا يكون أبدا فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف والله يا أبا طالب لقد انصفك قومك وجهدوا على التخلص مما تكرهه فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا فقال أبو طالب للمطعم والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك أو كما قال أبو طالب قال فحقب الأمر عند ذلك وحميت الحرب وتنابذ القوم وبادى بعضهم بعضا قال ثم إن قريشا تذامروا على من في القبائل منهم من اصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي أسلموا معه فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ومنع الله رسوله منهم بعمه أبي طالب وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا تصنع ما تصنع في بني هاشم وبني المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه و سلم والقيام دونه فاجتمعوا إليه وقاموا معه وأجابوا إلى ما دعاهم إليه من الدفع عن رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا ما كان من أبي لهب فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره من جدهم معه وحدبهم عليه جعل يمدحهم ويذكر فضل رسول الله صلى الله عليه و سلم فيهم ومكانه منهم ليشد لهم رأيهم (1/545) |
رد: مكتبتي
حدثنا علي بن نصر بن علي الجهضمي وعبدالوارث بن عبدالصمد بن عبدالوارث قال علي بن نصر حدثنا عبدالصمد بن عبدالوارث وقال عبدالوارث حدثني أبي قال حدثنا أبان العطار قال حدثنا هشام بن عروة عن عروة أنه كتب إلى عبدالملك بن مروان أما بعد فإنه يعني رسول الله صلى الله عليه و سلم لما دعا قومه لما بعثه الله من الهدى والنور الذي أنزل عليه لم يبعدوا منه أول ما دعاهم وكادوا يسمعون له حتى ذكر طواغيتهم وقدم ناس من الطائف من قريش لهم أموال أنكروا ذلك عليه واشتدوا عليه وكرهو ما قال [ لهم ] وأغروا به من أطاعهم فانصفق عنه عامة الناس فتركوه إلا من حفظه الله منهم وهم قليل فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث ثم ائتمرت رؤسهم بأن يفتنوا من تبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم فكانت فتنة شديدة الزلزال على من اتبع رسول الله صلى الله عليه و سلم من أهل الإسلام فافتتن من افتتن وعصم الله منهم من شاء فلما فعل ذلك بالمسلمين أمرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يخرجوا إلىأرض الحبشة وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشي لا يظلم أحد بأرضه وكان ينثى عليه مع ذلك صلاح وكانت أرض الحبشة متجرا لقريش يتجرون فيها يجدون فيها رفاغا من الرزق وأمنا ومتجرا حسنا فأمرهم بها رسول الله صلى الله عليه و سلم فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة وخاف عليهم الفتن ومكث هو فلم يبرح فمكث بذلك سنوات يشتدون على من أسلم منهم ثم إنه فشا الإسلام فيها ودخل فيه رجال من أشرافهم
قال أبو جعفر فاختلف في عدد من خرج إلى أرض الحبشة وهاجر إليها هذه الهجرة وهي الهجرة الأولى فقال بعضهم كانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة ذكر من قال ذلك حدثنا الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا يونس بن محمد الظفري عن أبيه عن رجل من قومه قال وأخبرنا عبيدالله بن العباس الهذلي عن الحارث بن الفضيل قالا خرج الذين هاجروا الهجرة الأولى متسللين سرا وكانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة حتى انتهوا إلى الشعيبة منهم الراكب والماشي ووفق الله المسلمين ساعة جاؤوا سفينتين للتجار حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار وكان مخرجهم في رجب في السنة الخامسة من حين نبئ رسول الله صلى الله عليه و سلم وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدا قالوا وقدمنا أرض الحبشة فجاورنا بها خير جار أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذي ولا نسمع شيئا نكرهه حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني يونس بن محمد عن أبيه قال وحدثني عبدالحميد وعن محمد بن يحيى بن حبان قالا تسمية القوم الرجال والنساء عثمان بن عفان معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة معه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد ومصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار وعبدالرحمن بن عوف بن عبد عوف بن الحارث بن زهرة وأبو سلمة بن عبدالأسد بن هلال بن (1/546) ________________________________________ عبدالله بن عمر بن مخزوم معه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم وعثمان بن مظعون الجمحي وعامر بن ربيعة العنزي من عنز بن وائل ليس من عنزة حليف بني عدي بن كعب معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة وأبو سبرة بن أبي رهم بن عبدالعزى العامري وحاطب بن عمرو بن عبد شمس وسهيل بن بيضاء من بني الحارث بن فهر وعبدالله بن مسعود حليف بني زهرة قال أبو جعفر وقال آخرون كان الذين لحقوا بأرض الحبشة وهاجروا إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا وولدوا بها اثنين وثمانين رجلا إن كان عمار بن ياسر فيهم وهو يشك فيه ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال لما رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله وعمه أبي طالب وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم أحد عنده وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله عز و جل بدينهم فكانت أول هجرة كانت في الإسلام فكان أول من خرج من المسلمين من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية ومعه امرأته رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ومن بني عبد شمس أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ومعه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي ومن بني أسد بن عبدالعزى بن قصي الزبير بن العوام فعد النفر الذين ذكرهم الواقدي غير أنه قال من بني عامر بن لؤي بن غالب بن فهر أبو سبرة بن أبي رهم بن عبدالعزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي ويقال بل أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي قال ويقال هو أول من قدمها فجعلهم ابن إسحاق عشرة وقال كان هؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة فيما بلغني قال ثم خرج جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة فكانوا بها منهم من خرج بأهله معه ومنهم من خرج بنفسه لا أهل معه ثم عد بعد ذلك تمام اثنين وثمانين رجلا بالعشرة الذين ذكرت بأسمائهم ومن كان منهم معه أهله وولده ومن ولد له بأرض الحبشة ومن كان منهم لا أهل معه قال أبو جعفر ولما خرج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أرض الحبشة مهاجرا إليها ورسول الله صلى الله عليه و سلم مقيم بمكة يدعو إلى الله سرا وجهرا قد منعه الله بعمه أبي طالب وبمن استجاب لنصرته من عشيرته ورأت قريش أنهم لا سبيل لهم إليه رموه بالسحر والكهانة والجنون وأنه شاعر وجعلوا يصدون عنه من خافوا منه أن يسمع قوله فيتبعه فكان أشد ما بلغوا منه حينئذ فيما ذكر ما حدثنا ابن حميد قال (1/547) ________________________________________ حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال قلت له ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما كانت تظهر من عداوته قال قد حضرتم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر فذكروا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا ما رأينا ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط سفه أحلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا وفرق جماعتنا وسب آلهتنا لقد صبرنا منه على أمر عظيم أو كما قالوا فبينا هم كذلك إذا طلع رسول الله صلى الله عليه و سلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن ثم مر بهم طائفا بالبيت فلما مر بهم غمزوه ببعض القول قال فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم مضى فلم مر بهم الثانية غمزوه مثلها فعرفت ذلك في وجهه ثم مضى ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها فوقف فقال أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح قال فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع وحتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول انصرف يا أبا القاسم راشدا فوالله ما كنت جهولا قال فانصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم فقال بعضهم لبعض ذكرتم ما بلغ منكم وما بغلكم عنه حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه فبينا هم كذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه و سلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به يقولون له أنت الذي تقول كذا وكذا لما يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم فيقول رسول الله صلى الله عليه و سلم نعم أنا الذي أقول ذلك قال فلقد رأيت رجلا منهم آخذا بجمع ردائه قال وقام أبو بكر الصديق دونه يقول وهو يبكي ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ثم انصرفوا عنه فإن ذلك أشد ما رأيت قريشا بلغت منه قط حدثنا يونس بن عبدالأعلى قال حدثنا بشر بن بكر قال حدثنا الأوزاعي قال حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبدالرحمن قال قلت لعبد الله بن عمرو حدثني بأشد شيء رأيت المشركين صنعوا برسول الله صلى الله عليه و سلم قال أقبل عقبة بن أبي معيط ورسول الله صلى الله عليه و سلم عند الكعبة فلوى ثوبه في عنقه وخنقه خنقا شديدا فقام أبو بكر من خلفه فوضع يده على منكبه فدفعه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قال أبو بكر يا قوم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله إلى قوله إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ( 1 ) قال ابن إسحاق وحدثني رجل من أسلم كان واعية أن أبا جهل بن هشام مر برسول الله صلى الله عليه و سلم وهو جالس عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف له فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه و سلم ومولاة لعبد الله بن جدعان التيمي في مسكن لها فوق الصفا تسمع ذلك ثم انصرف عنه فعمد إلى نادي قريش عند الكعبة فجلس معهم فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحا قوسه راجعا من قنص له وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم وكان أعز قريش وأشدها شكيمة فلما مر بالمولاة وقد قام رسول الله صلى الله عليه و سلم ورجع إلى بيته قالت يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن (1/548) ________________________________________ أخيك محمد آنفا قبل أن تأتي من أبي الحكم بن هشام وجده ها هنا جالسا فسبه وآذاه وبلغ منه ما يكره ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد قال فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته فخرج سريعا لا يقف على أحد كما كان يصنع يريد الطواف بالكعبة معدا لأبي جهل إذا لقيه أن يقع به فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها ضربة فشجه به اشجة منكرة وقال أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول فرد ذلك علي إن استطعت وقامت رجال بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل منه فقال أبو جهل دعوا أبا عمارة فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا وتم حمزة على إسلامه فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد عز وأن حمزة سيمنعه فكفوا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعض ما كانوا ينالون منه حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه قال كان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة عبد الله بن مسعود قال اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا والله ما سمعت قريش بهذا القرآن يجهر لها به قط فمن رجل يسمعهموه فقال عبد الله بن مسعود أنا قالوا إنا نخشاهم عليك إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه فقال دعوني فإن الله سيمنعني قال فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتها حتى قام عند المقام ثم قال بسم الله الرحمن الرحيم رافعا بها صوته الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان ( 1 ) قال ثم استقبلها يقرأ فيها قال وتأملوا وجعلوا يقولون ما يقول ابن أم عبد ثم قالوا إنه ليتلوا بعض ما جاء به محمد فقاموا إليه فجعلوا يضربون في وجهه وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه فقالوا هذا الذي خشينا عليك قال ما كان أعداء الله أهون علي منهم الآن لئن شئتم لأغادينهم غدا بمثلها قالوا لا حسبك فقد أسمعتهم ما يكرهون قال أبو جعفر ولما استقر الدين بالذين هاجروا إلى أرض الحبشة القرار بأرض النجاشي واطمأنوا تآمرت قريش فيما بينها في الكيد بمن ضوى إليها من المسلمين فوجهوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي إلى النجاشي مع هدايا كثيرة أهدوها إليه وإلى بطارقته وأمروهما أن يسألا النجاشي تسليم من قبله وبأرضه من المسلمين إليهم فشخص عمرو وعبد الله إليه في ذلك فنفذا لما أرسلهما إليه قومهما فلم يصلا إلى ما أمل قومهما من النجاشي فرجعا مقبوحين وأسلم عمر بن الخطاب رحمه الله فلما أسلم وكان رجلا جلدا جليدا منيعا وكان قد أسلم قبل ذلك حمزة بن عبدالمطلب ووجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم في أنفسهم قوة وجعل الإسلام يفشو في القبائل وحمى النجاشي من ضوى إلى بلده منهم اجتمعت قريش فائتمرت بينها أن يكتبوا بينهم كتابا يتعاقدون فيه على ألا ينكحوا إلى بني هاشم وبني المطلب ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم فكتبوا بذلك صحيفة وتعاهدوا وتواثقوا على ذلك ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا بذلك الأمر على أنفسهم فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو (1/549) ________________________________________ هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب إلى قريش وظاهرهم عليه فأقاموا على ذلك من أمرهم سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا ألا يصل إلى أحد منهم شيء إلا سرا مستخفيا به من أراد صلتهم من قريش وذكر أن أبا جهل لقي حكيم بن حزام ابن خويلد بن أسد معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد وهي عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ومعه في الشعب فتعلق به وقال أتذهب بالطعام إلى بني هاشم والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة فجاء أبو البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فقال ما لك وله قال يحمل الطعام إلى بني هاشم فقال له أبو البختري طعام لعمته عنده بعثت إليه فيه أفتمنعه أن يأتيها بطعامها خل سبيل الرجل فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه فأخذ أبو البختري لحي بعير فضربه فشجه ووطئه وطئا شديدا وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه فيشمتوا بهم ورسول الله صلى الله عليه و سلم في كل ذلك يدعو قومه سرا وجهرا آناء اليل وآناء النهار والوحي عليه من الله متتابع بأمره ونهيه ووعيد من ناصبه العداوة والحجج لرسول الله صلى الله عليه و سلم على من خالفه فذكر أن أشراف قومه اجتمعوا له يوما فيما حدثني محمد بن موسى الحرشي قال حدثنا أبو خلف عبد الله بن عيسى قال حدثنا داود عن عكرمة عن ابن عباس أن قريشا وعدوا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة ويزوجوه ما أراد من النساء ويطؤوا عقبه فقالوا هذا لك عندنا يا محمد وكف عن شتم آلهتنا فلا تذكرها بسوء فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة فهي لك ولنا فيها صلاح قال ما هي قالوا تعبد آلهتنا سنة اللات والعزى ونعبد إلهك سنة قال حتى أنظر ما يأتي من عند ربي فجاء الوحي من اللوح المحفوظ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون السورة وأنزل الله عز و جل قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون إلى قوله بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ( 1 ) حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية عن محمد بن إسحاق قال حدثني سعيد بن ميناء مولى أبي البختري قال لقي الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد ونشركك في أمرنا كله فإن كان الذي جئت به خيرا مما في أيدينا كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يدك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه فأنزل الله عز و جل قل يا أيها الكافرون حتى انقضت السورة فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم حريصا على صلاح قومه محبا مقاربتهم بما وجد إليه السبيل قد ذكر أنه تمنى السبيل إلى مقاربتهم فكان من أمره في ذلك ما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد المدني عن محمد بن كعب القرظي قال لما رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم تولي قومه عنه وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من الله تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه وكان يسره مع حبه قومه وحرصه عليهم أن يلين له بعض ما قد غلظ عليه من أمرهم حتى حدث (1/550) |
رد: مكتبتي
بذلك نفسه وتمناه وأحبه فأنزل الله عز و جل والنجم إذ هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى فلما انتهى إلى قوله أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ( 1 ) ألقى الشيطان على لسانه لما كان يحدث به نفسه ويتمنى أن يأتي به قومه تلك الغرانيق العلا وإن شافعتهن لترتجى فلما سمعت ذلك قريش فرحوا وسرهم وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم فأصاخوا له والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم ولا يتهمونه على خطإ ولا وهم ولا زلل فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها فسجد المسلمون بسجود نبيهم تصديقا لما جاء به واتباعا لأمره وسجد من في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم لما سمعوا من ذكر آلهتهم فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة فإنه كان شيخا كبيرا فلم يستطع السجود فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها ثم تفرق الناس من المسجد وخرجت قريش وقد سرهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم يقولون قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر قد زعم فيما يتلو أنها الغرانيق العلا وأن شفاعتهن ترتضى وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وقيل أسلمت قريش فنهض منهم رجال وتخلف آخرون وأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا محمد ماذا صنعت لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله عز و جل وقلت ما لم يقل لك فحزن رسول الله صلى الله عليه و سلم عند ذلك حزنا شديدا وخاف من الله خوفا كثيرا فأنزل الله عز و جل وكان به رحيما يعزيه ويخفض عليه الأمر ويخبره أنه لم يك قبله نبي ولا رسول تمنى كما تمنى ولا أحب كما أحب إلا والشيطان قد ألقى في أمنيته كما ألقى على لسانه صلى الله عليه و سلم فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته أي فإنما أنت كبعض الأنبياء والرسل فأنزل الله عز و جل وما أرسلنا من قبلك من رسولا ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فنيسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ( 2 ) فأذهب الله عز و جل عن نبيه الحزن وآمنه من الذي كان يخاف ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم أنها الغرانيق العلا وأن شفاعتهن ترتضى بقول الله عز و جل حين ذكر اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى أي عوجاء إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم إلى قوله لمن يشاء ويرضى ( 3 ) أي فكيف تنفع شفاعة آلهتكم عنده
فلما جاء من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه قالت قريش ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتكم عند الله فغير ذلك وجاء بغيره وكان ذانك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد وقعا في فم كل مشرك فازدادوا شرا إلى ما كانوا عليه وشدة على من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه و سلم منهم وأقبل أولئك النفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم الذين خرجوا من أرض الحبشة لما بلغهم من إسلام أهل مكة حين سجدوا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن الذي كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلا فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار او مستخفيا فكان ممن قدم مكة منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة فشهد معه بدرا من بني عبد شمس بن عبد مناف بن قصي عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية (1/551) ________________________________________ معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس معه امرأته سهلة بن سهيل وجماعة أخر معهم عددهم ثلاثة وثلاثون رجلا حدثني القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين بن داود قال حدثني حجاج عن أبي معشر عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس قالا جلس رسول الله صلى الله عليه و سلم في ناد من أندية قريش كثير أهله فتمنى يومئذ ألا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه فأنزل الله عز و جل والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى فقرأها رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى إذا بلغ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألقى الشيطان عليه كلمتين تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترجى فتكلم بهما ثم مضى فقرأ السورة كلها فسجد في آخر السورة وسجد القوم معه جميعا ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى جبهته فسجد عليه وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود فرضوا بما تكلم به وقالوا قد عرفنا أن الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فإذا جعلت لها نصيبا فنحن معك قالا فلما أمسى أتاه جبرئيل عليه السلام فعرض عليه السورة فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال ما جئتك بهاتين فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم افتريت على الله وقلت على الله ما لم يقل فأوحى الله إليه وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره إلى قوله ثم لا تجد لك علينا نصيرا ( 1 ) فما زال مغموما مهموما حتى نزلت وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلى قوله والله عليم حكيم ( 2 ) قال فسمع من كان بأرض الحبشة من المهاجرين أن أهل مكة قد أسلموا كلهم فرجعوا إلى عشائرهم وقالوا هم أحب إلينا فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان ثم قام فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق في نقض الصحيفة التي كانت قريش كتبت بينها على بني هاشم وبني المطلب نفر من قريش وكان أحسنهم بلاء فيه هشام بن عمرو بن الحارث العامري من عامر بن لؤي وكان ابن أخي نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمه وإنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب فقال يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك حيث قد علمت لا يبايعون ولا يبتاع منهم ولا ينكحون ولا ينكح إليهم أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا قال ويحك يا هشام فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها قال قد وجدت رجلا قال من هو قال أنا قال له زهير ابغنا ثالثا فذهب إلى المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف فقال له يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا قال ويحك فماذا اصنع إنما أنا رجل واحد قال قد وجدت ثانيا قال من هو قال أنا قال ابغنا ثالثا قال قد فعلت قال من هو قال زهير بن أبي أمية قال ابغنا رابعا (1/552) ________________________________________ فذهب إلى أبي البختري بن هشام فقال له نحوا مما قال للمطعم بن عدي فقال وهل من أحد يعين على هذا قال نعم قال من هو قال زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك قال ابغنا خامسا فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم فقال له وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد قال نعم ثم سمى له القوم فاتعدوا له خطم الحجون الذي بأعلى مكة فاجتمعوا هنالك وأجمعوا أمرهم وتعاهدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها وقال زهير أنا أبدؤكم فأكون أولكم يتكلم فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم وغدا زهير بن أبي أمية عليه حلة له فطاف بالبيت سبعا ثم أقبل على الناس فقال يا أهل مكة أنأكل الطعام ونشرب الشراب ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يبايعون ولا يبتاع منهم والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة قال أبو جهل وكان في ناحية المسجد كذبت والله لا تشق قال زمعة بن الأسود أنت والله أكذب ما رضينا كتابها حين كتبت قال أبو البختري صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به قال المطعم بن عدي صدقتما وكذب من قال غير ذلك نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك قال أبو جهل هذا أمر قضي بليل وتشوور فيه بغير هذا المكان وأبو طالب جالس في ناحية المسجد وقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا ما كان من باسمك اللهم وهي فاتحة ما كانت تكتب قريش تفتتح بها كتابها إذا كتبت قال وكان كاتب صحيفة قريش فيما بلغني التي كتبوا على رسول الله صلى الله عليه و سلم ورهطه من بني هاشم وبني المطلب منصور بن عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي فشلت يده وأقام بقيتهم بأرض الحبشة حتى بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري فحملهم في سفينتين فقدم بهم على رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو بخيبر بعد الحديبية وكان جميع من قدم في السفينتين ستة عشر رجلا ولم يزل رسول الله صلى الله عليه و سلم مقيما مع قريش بمكة يدعوهم إلى الله سرا وجهرا صابرا على أذاهم وتكذيبهم إياه واستهزائهم به حتى إن كان بعضهم فيما ذكر يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي ويطرحها في برمته إذا نصبت له حتى اتخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم منهم فيما بلغني حجرا يستتر به منهم إذا صلى حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني ابن إسحاق قال حدثني عمر بن عبدالله بن عروة بن الزبير عن عروة بن الزبير قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يخرج بذلك إذا رمي به في داره على العود فيقف على بابه ثم يقول يا بني عبد مناف أي جوار هذا ثم يلقيه بالطريق ثم إن أبا طالب وخديجة هلكا في عام واحد وذلك فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قبل هجرته إلى المدينة بثلاث سنين فعظمت المصيبة على رسول الله صلى الله عليه و سلم بهلاكهما وذلك أن قريشا وصلوا من أذاه بعد موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته منه حتى نثر بعضهم على رأسه التراب حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال حدثني هشام بن عروة عن أبيه قال لما نثر ذلك السفيه التراب على رأس رسول الله صلى الله عليه و سلم دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم بيته والتراب على رأسه (1/553) ________________________________________ فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب وهي تبكي ورسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لها يا بنية لا تبكي فإن الله مانع أباك قال ويقول رسول الله صلى الله عليه و سلم ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب ولما هلك أبو طالب خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصر والمنعة له من قومه وذكر أنه خرج إليهم وحده فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا ابن إسحاق قال حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال لما انتهى رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم وهم إخوة ثلاثة عبد ياليل بن عمرو بن عمير ومسعود بن عمرو بن عمير وحبيب بن عمرو بن عمير وعندهم امرأة من قريش من بني جمح فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وكلمهم بما جاء لهم من نصرته على الإسلام والقيام معه عل من خالفه من قومه فقال أحدهم هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك وقال الآخر ما وجد الله أحدا يرسله غيرك وقال الثالث والله لا أكلمك كلمة أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف وقد قال لهم فيما ذكر لي إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا علي وكره رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يبلغ قومه عنه فيذئرهم ذلك عليه فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجؤوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه فعمد إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقي من سفهاء ثقيف وقد لقي رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما ذكر لي تلك المرأة من بني جمح فقال لها ماذا لقينا من أحمائك فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فيما ذكر لي اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وانت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى لا حول ولا قوة إلا بك فلما رأى ابنا ربيعة عتبة وشيبة ما لقي تحركت له رحمهما فدعوا له غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس فقالا له خذ قطفا من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه ففعل عداس ثم أقبل به حتى وضعه بني يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما وضع رسول الله صلى الله عليه و سلم يده قال بسم الله ثم أكل فنظر عداس إلى وجهه ثم قال والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة قال له رسول الله صلى الله عليه و سلم ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس وما دينك قال أنا نصراني وأنا رجل من أهل نينوى فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى قال له وما يدريك ما يونس بن متى قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه و سلم يقبل رأسه ويديه ورجليه قال يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه أما غلامك فقد أفسده عليك فلما جاءهما عداس قالا له ويلك يا عداس مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه قال يا سيدي ما في [ هذه ] (1/554) ________________________________________ الأرض خير من هذا الرجل لقد خبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي فقالا ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه ثم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم انصرف من الطائف راجعا إلى مكة حين يئس من خبر ثقيف حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي فمر به نفر من الجن الذين ذكر الله عز و جل قال محمد بن إسحاق وهم فيما ذكر لي سبعة نفر من جن أهل نصيبين اليمن فاستمعوا له فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا فقص الله عز و جل خبرهم عليه وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن إلى قوله ويجركم من عذاب أليم ( 1 ) وقال قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ( 2 ) إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة قال محمد وتسمية النفر من الجن الذي استمعوا الوحي فيما بلغني حسا ومسا وشاصر وناصر واينا الأرد وأينين والأحقم قال ثم قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم مكة وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه إلا قليلا مستضعفين ممن آمن به وذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما انصرف من الطائف مريدا مكة مر به بعض أهل مكة فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم هل أنت مبلغ عني رسالة أرسلك بها قال نعم قال أئت الأخنس بن شريق فقل له يقول لك محمد هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالة ربي قال فأتاه فقال له ذلك فقال الأخنس إن الحليف لا يجير على الصريح قال فأتى النبي صلى الله عليه و سلم فأخبره قال تعود قال نعم قال ائت سهيل بن عمرو فقل له إن محمدا يقول لك هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالات ربي فأتاه فقال له ذلك قال فقال إن بني عامر بن لؤي لا تجير على بني كعب قال فرجع إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأخبره قال تعود قال نعم قال ائت المطعم بن عدي فقل له إن محمدا يقول لك هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالات ربي قال نعم فليدخل قال فرجع الرجل إليه فأخبره وأصبح المطعم بن عدي قد لبس سلاحه هو وبنوه وبنو أخيه فدخلوا المسجد فلما رآه أبو جهل قال أمجير أم متابع قال بل مجير قال فقال قد أجرنا من أجرت فدخل النبي صلى الله عليه و سلم مكة وأقام بها فدخل يوما المسجد الحرام والمشركون عند الكعبة فلما رآه أبو جهل قال هذا نبيكم يا بني عبد مناف قال عتبة بن ربيعة وما تنكر أن يكون منا نبي أو ملك فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه و سلم أو سمعه فأتاهم فقال أما أنت يا عتبة بن ربيعة فوالله ما حميت لله ولا لرسوله ولكن حميت لأنفك وأما أنت يا أبا جهل بن هشام فوالله لا يأتي عليك غير كبير من الدهر حتى تضحك قليلا وتبكي كثيرا وأما أنتم يا معشر الملإ من قريش فوالله لا يأتي عليكم غير كبير من الدهر حتى تدخلوا فيما تنكرون وأنتم كارهون وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يعرض نفسه في المواسم إذا كانت على قبائل العرب يدعوهم إلى الله [ وإلى نصرته ] ويخبرهم أنه نبي مرسل ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به حدثنا ابن حميد (1/555 |
رد: مكتبتي
قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني حسين بن عبيد الله بن عبدالله بن عباس قال سمعت ربيعة بن عباد يحدث أبي قال إني لغلام شاب مع أبي بمنى ورسول الله صلى الله عليه و سلم يقف على منازل القبائل من العرب فيقول يا بني فلان إني رسول الله إليكم يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد وأن تؤمنوا بي وتصدقوني وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به
قال وخلفه رجل أحول وضيء له غديرتان عليه حلة عدنية فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه و سلم من قوله وما دعا إليه قال الرجل يا بني فلان إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش إلىما جاء به من البدعة والضلالة فلا تطيعوه ولا تسمعوا له قال فقلت لأبي يا أبت من هذا الرجل الذي يتبعه يرد عليه ما يقول قال هذا عمه عبد العزى أبو لهب بن عبد المطلب حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال وحدثني محمد بن إسحاق قال حدثنا محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أتى كندة في منازلهم وفيهم سيد لهم يقال له مليح فدعاهم إلى الله عز و جل وعرض عليهم نفسه فأبوا عليه حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبدالله بن حصين أنه أتى كلبا في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبدالله فدعاهم إلى الله عز و جل وعرض عليهم نفسه حتى إنه ليقول لهم يا بني عبدالله إن الله قد أحسن اسم أبيكم فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال محمد بن إسحاق حدثني بعض أصحابنا عن عبدالله بن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أتى بني حنيفة في منازلهم فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه فلم يكن أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أنه أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه فقال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب ثم قال له أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك قال الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء قال فقال له أفتهدف نحورنا للعرب دونك فإذا ظهرت كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك فأبوا عليه فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم قد كانت أدركته السن حتى لا يقدر على أن يوافي معهم الموسم فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم فقالوا جاءنا فتى من قريش ثم أحد بني عبد المطلب يزعم أنه نبي ويدعو إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به معنا إلى بلادنا قال فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال يا بني عامر هل لها من تلاف هل لذناباها من مطلب والذي نفس فلان بيده ما تقولها إسماعيلي قط وإنها لحق فأين كان رأيكم عنه (1/556) ________________________________________ فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم على ذلك من أمره كلما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الإسلام ويعرض عليهم نفسه وما جاء به من الله من الهدى والرحمة لا يسمع بقادم يقدم من العرب له اسم وشرف إلا تصدى له فدعاه إلى الله وعرض عليه ما عنده حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق قال حدثني عاصم بن عمر بن قتادة الظفري عن أشياخ من قومه قالوا قدم سويد بن صامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا قال وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل لجلده وشعره ونسبه وشرفه وهو الذي يقول ... ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفري ... مقالته كالشحم ما كان شاهدا ... وبالغيب مأثور على ثغرة النحر ... يسرك باديه وتحت أديمه ... نميمة غش تبتري عقب الظهر ... تبين لك العينان ما هو كاتم ... ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر ... فرشني بخير طالما قد بريتني ... وخير الموالي من يريش ولا يبري ... مع أشعار له كثيرة يقولها قال فتصدى له رسول الله صلى الله عليه و سلم حين سمع به فدعاه إلى الله وإلى الإسلام قال فقال له سويد فلعل الذي معك مثل الذي معي فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم وما الذي معك قال مجلة لقمان يعني حكمة لقمان فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم اعرضها علي فعرضها عليه فقال إن هذا لكلام حسن معي أفضل من هذا قرآن أنزله الله علي هدى ونور قال فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه وقال إن هذا لقول حسن ثم انصرف عنه وقدم المدينة فلم يلبث أن قتلته الخزرج فإن كان قومه ليقولون قد قتل وهو مسلم وكان قتله قبل بعاث حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني الحصين بن عبدالرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ أخو بني عبدالأشهل عن محمود بن لبيد أخي بني الأشهل قال لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة ومعه فتية من بني عبدالأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج سمع بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فأتاهم فجلس إليهم فقال لهم هل لكم إلى خير مما جئتم له قالوا وما ذاك قال أنا رسول الله بعثني إلى العباد أدعوهم إلى الله أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا وأنزل علي الكتاب ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن فقال إياس بن معاذ وكان غلاما حدثا أي قوم هذا والله خير مما جئتم له قال فيأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ وقال دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا قال فصمت إياس وقام رسول الله صلى الله عليه و سلم عنهم وانصرفوا إلى المدينة فكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج قال ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك قال محمود بن لبيد فأخبرني من حضره من قومي عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات فما كانوا يشكون أن قد مات مسلما (1/557) ________________________________________ لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله صلى الله عليه و سلم ما سمع قال فلما أراد الله عز و جل إظهار دينه وإعزاز نبيه وإنجاز موعده له خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم فبينا هو عند العقبة إذ لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا قال ابن حميد قال سلمة قال محمد بن إسحاق فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قالوا لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لهم من أنتم قالوا نفر من الخزرج قال أمن موالي يهود قالوا نعم قال أفلا تجلسون حتى أكلمكم قالوا بلى قال فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز و جل وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن قال وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام أن يهود كانوا معهم ببلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم وكانوا أهل شرك أصحاب أوثان وكانوا قد عزوهم ببلادهم فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم إن نبيا الآن مبعوث قد أظل زمانه نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم فلما كلم رسول الله صلى الله عليه و سلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض تعلمن والله إنه للبني الذي توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام وقالوا له إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم وعسى الله أن يجمعهم بك وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا وهم فيما ذكر لي ستة نفر من الخزرج منهم من بني النجار وهم تيم الله ثم من بني مالك بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار وهو أبو أمامة وعوف بن الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار وهو ابن عفراء ومن بني زريق بن عامر بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق ومن بني سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر ثم من بني سواد قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة ومن بني حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة عقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام ومن بني عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة جابر بن عبدالله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد قال فلما قدموا المدينة على قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى فبايعوا رسول الله صلى الله عليه و سلم على بيعة النساء وذلك (1/558) ________________________________________ قبل أن يفترض عليهم الحرب منهم من بني النجار أسعد بن زرارة بن عدس بن عبدي بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار وهو أبو أمامة وعوف ومعاذ ابنا الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار وهما ابنا عفراء ومن بني زريق بن عامر رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق ومن بني عوف بن الخزرج ثم من بني غنم بن عوف وهم القواقل عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن الخزرج وأبو عبدالرحمن وهو يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو بن عمارة من بني غضينة من بلي حليف لهم ومن بني سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج عباس بن عبادة بن نضلة لن مالك بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف ومن بني سلمة ثم من بني حرام عقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة ومن بني سواد قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة وشهدها من الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر ثم من بني الأشهل أبو الهيثم بن التيهان اسمه مالك حليف لهم ومن بني عمرو بن عوف عويم بن ساعدة بن صلعجة حليف لهم حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبدالله اليزني عن أبي عبدالرحمن بن عسيلة الصنابحي عن عبادة بن الصامت قال كنت فيمن حضر العقبة الأولى وكنا اثني عشر رجلا فبايعنا رسول الله صلى الله عليه و سلم على بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض الحرب على ألا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف فإن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم شيئا من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق أن ابن شهاب ذكر عن عائذ الله بن عبدالله أبي إدريس الخولاني عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه و سلم مثله حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال فلما انصرف عنه القوم بعث معهم رسول الله صلى الله عليه و سلم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين فكان يسمى مصعب بالمدينة المقرئ وكان منزله على أسعد بن زرارة بن عدس أبي أمامة حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال وحدثني عبيد الله بن المغيرة بن (1/559) ________________________________________ معيقيب وعبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر وكان سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس ابن خالة أسعد بن زرارة فدخل به حائطا من حوائظ بني ظفر على بئر يقال لها بئر مرق فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجال ممن أسلم وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير يومئذ سيدا قومهما من بني عبدالأشهل وكلاهما مشرك على دين قومه فلما سمعا به قال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير لا أبا لك انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما أن يأتيا دارنا فإنه لولا أن أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إليهما فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه قال مصعب إن يجلس أكلمه قال فوقف عليهما متشتما فقال ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا اعتزلانا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة فقال له مصعب أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره قال أنصفت ثم ركز حربته وجلس إليهما فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن فقالا فيما يذكر عنهما والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله ثم قال ما أحسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين قالا له تغتسل فتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين قال فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين ثم قال لهما إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن سعد بن معاذ ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا قال أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بن حضير بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم فلما وقف على النادي قال له سعد ما فعلت قال كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما فقالا نفعل ما أحببت وقد حدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك قال فقام سعد مغضبا مبادرا تخوفا للذي ذكر له من بني حارثة فأخذ الحربة من يده ثم قال والله ما أراك أغنيت شيئا ثم خرج إليهما فلما رآهما سعد مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما فوقف عليهما متشتما ثم قال لأسعد بن زرارة يا أبا أمامة لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني تغشانا في دارنا بما نكره وقد قال أسعد لمصعب أي مصعب جاءك والله سيد من وراءه من قومه إن يتبعك لم يخالف عليك منهم اثنان فقال له مصعب أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره قال سعد أنصفت ثم ركز الحربة فجلس فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن قالا فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم به في إشراقه وتسهله ثم قال لهما كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين قالا تغتسل فتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين قال فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق وركع ركعتين ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير فلما رآه قومه مقبلا قالوا نحلف بالله لقد رجع سعد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم فلما وقف عليهم قال يا بني عبدالأشهل كيف تعلمون أمري فيكم قالوا سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة قال فإن كلام رجالكم (1/560) ________________________________________ ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله قال فوالله ما أمسى في دار عبدالأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف وتلك أوس الله وهم من أوس بن حارثة وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت وهو صيفي وكان شاعرا لهم وقائدا يسمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن الإسلام فلم يزل على ذلك حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق قال ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة فواعدوا رسول الله صلى الله عليه و سلم العقبة من أوسط أيام التشريق حين أراد الله بهم ما أراد من كرامته والنصر لنبيه صلى الله عليه و سلم وإعزاز الإسلام وأهله وإذلال الشرك وأهله فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني معبد بن كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين أخو بني سلمة أن أخاه عبدالله بن كعب وكان من أعلم الأنصار حدثه أن أباه كعب بن مالك حدثه وكان كعب ممن شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه و سلم بها قال خرجنا في حجاج قومنا وقد صلينا وفقهنا ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا فلما وجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة قال البراء لنا والله يا هؤلاء إني قد رأيت رأيا والله ما أدري أتوافقونني عليه أم لا قال فقلنا وما ذاك قال قد رأيت ألا أدع هذه البنية مني بظهر يعني الكعبة وأن أصلي إليها قال فقلنا والله ما بلغنا عن نبينا أنه يصلي إلا إلى الشام وما نريد أن نخالفه قال فقال إني لمصل إليها قال فقلنا له لكنا لا نفعل قال فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشأم وصلى إلى الكعبة حتى قدمنا مكة قال وقد عبنا عليه ما صنع وأبى إلا الإقامة على ذلك فلما قدمنا مكة قال لي يا بن أخي انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا فإني والله لقد وقع في نفسي شيء منه لما رأيت من خلافكم إياي فيه قال فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وكنا لا نعرفه ولم نره قبل ذلك فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال هل تعرفانه قلنا لا قال فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه قلنا نعم قال وقد كنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجرا قال فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس بن عبد المطلب قال فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه و سلم جالس مع العباس فسلمنا ثم جلسنا إليه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم للعباس هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل قال نعم هذا البراء بن معرور سيد قومه وهذا كعب بن مالك قال فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه و سلم الشاعر قال نعم قال فقال له البراء بن معرور يا نبي الله إني خرجت في سفري هذا وقد هداني الله للإسلام فرأيت ألا أجعل هذه البنية مني بظهر فصليت إليها وقد خالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شيء فماذا ترى يا رسول الله قال قد كنت على قبلة لو صبرت عليها فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه و سلم وصلى معنا إلى الشأم قال وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة (1/561) ________________________________________ حتى مات وليس ذلك كما قالوا نحن أعلم به منهم قال ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم العقبة من أوسط ايام التشريق قال فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم لها ومعنا عبدالله بن عمرو بن حرام أبو جابر أخبرناه وكنا نكتم من معنا من المشركين من قومنا أمرنا فكلمناه وقلنا له يا أبا جابر إنك سيد من سادتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ثم دعوناه إلى الإسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه و سلم إيانا العقبة قال فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبا فبتنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه و سلم نتسلل مستخفين تسلل القطا حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلا ومهم امرأتان من نسائهم نسيبة بن كعب أم عمارة إحدى نساء بني مازن بن النجار وأسماء بنت عمرو بن عدي إحدى نساء بني سلمة وهي أم منيع فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له فلما جلس كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب فقال يا معشر الخزرج وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها أن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا وهو في عز من قومه ومنعة في بلده وإنه قد أبى إلا الانقطاع إليكم واللحوق بكم فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده قال فقلنا له قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله وخذ لنفسك وربك ما أحببت قال فتكلم رسول الله صلى الله عليه و سلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام ثم قال أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم قال فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحرب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر قال فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه و سلم أبو الهيثم بن التيهان حليف بني عبدالأشهل فقال يا رسول الله إن بيننا وبين الناس حبالا وإنا قاطعوها يعني اليهود فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قال بل الدم الدم الهدم الهدم أنتم مني وأنا منكم أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم فأخرجوا اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال قال محمد بن إسحاق فحدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال للنقباء أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين (1/562) ________________________________________ لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي قالوا نعم حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنا محمد بن إسحاق قال وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه و سلم قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري ثم أخو بني سالم بن عوف يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل قالوا نعم قال إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن فهو والله خزي الدنيا والآخرة إن فعلتم وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة قالوا فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف فلما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا قال الجنة قالوا ابسط يدك فبسط يده فبايعوه وأما عاصم بن عمر بن قتادة فقال والله ما قال العباس ذلك إلا ليشد العقد لرسول الله صلى الله عليه و سلم في أعناقهم وأما عبدالله بن أبي بكر فقال والله ما قال العباس ذلك إلا ليؤخر القوم تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبدالله بن أبي بن سلول فيكون أقوى لأمر القوم والله أعلم أي ذلك كان فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يديه وبنو عبدالأشهل يقولون بل أبو الهيثم بن التيهان قال ابن حميد قال سلمة قال محمد وأما معبد بن كعب بن مالك فحدثني قال أبو جعفر وحدثني سعيد بن يحيى بن سعيد قال حدثني أبي قال حدثنا محمد بن إسحاق عن معبد بن كعب قال فحدثني في حديثه عن أخيه عبدالله بن كعب عن أبيه كعب بن مالك قال كان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه و سلم البراء بن معرور ثم تتابع القوم فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه و سلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط يا أهل الجباجب هل لكم في مذمم والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما يقول عدو الله هذا أزب العقبة هذا ابن أزيب اسمع عدو الله أما والله لأفرغن لك ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ارفضوا إلى رحالكم فقال له العباس بن عبادة بن نضلة والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم قال فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاءونا في منازلنا فقالوا يا معشر الخزرج إنا قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم قال فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه قال وصدقوا لم يعلموا قال وبعضنا ينظر إلى بعض وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي وعليه نعلان جديدان قال فقلت كلمة كأني أريد أن أشرك القوم فيها فيما قالوا يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش قال فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إلي وقال والله لتنتعلنهما قال يقول أبو جابر مه أحفظت والله الفتى فاردد عليه نعليه قال قلت والله (1/563) |
رد: مكتبتي
لا أردهما فأل والله صالح والله لئن صدق الفأل لأسلبنه
فهذا حديث كعب بن مالك عن العقبة وما حضر منها قال أبو جعفر وقال غير ابن إسحاق كان مقدم من قدم على النبي صلى الله عليه و سلم للبيعة من الأنصار في ذي الحجة وأقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بعدهم بمكة بقية ذي الحجة من تلك السنة والمحرم وصفر وخرج مهاجرا إلى المدينة في شهر ربيع الأول وقدمها يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت منه وحدثني علي بن نصر بن علي وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال علي بن نصر حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث وقال عبد الوارث حدثني أبي قال حدثنا أبان العطار قال حدثنا هشام بن عروة عن عروة انه قال لما رجع من أرض الحبشة من رجع منها ممن كان هاجر إليها قبل هجرة النبي صلى الله عليه و سلم إلى المدينة جعل أهل الإسلام يزدادون ويكثرون وإنه أسلم من الأنصار بالمدينة ناس كثير وفشا بالمدينة الإسلام فطفق أهل المدينة يأتون رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة فلما رأت ذلك قريس تذامرت على أن يفتنوهم ويشتدوا عليهم فأخذوهم وحرصوا على أن يفتنوهم فأصابهم جهد شديد وكانت الفتنة الآخرة وكانت فتنتين فتنة أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة حين أمرهم بها وأذن لهم في الخروج إليها وفتنة لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة ثم إنه جاء رسول الله صلى الله عليه و سلم من المدينة سبعون نقيبا رؤوس الذين أسلموا فوافوه بالحج فبايعوه بالعقبة وأعطوه عهودهم على أنا منك وأنت منا وعلى أنه من جاء من أصحابك أو جئتنا فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا فاشتدت عليهم قريش عند ذلك فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أصحابه بالخروج إلى المدينة وهي الفتنة الآخرة التي أخرج فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم أصحابه وخرج وهي التي أنزل الله عز و جل فيها وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ( 1 ) حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال وحدثني عبدالله بن ابي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنهم أتوا بعدالله بن ابي بن سلول يعني قريشا فقالوا مثل ما ذكر كعب بن مالك من القول لهم فقال لهم إن هذا لأمر جسيم ما كان قومي ليتفوقوا علي بمثل هذا وما علمته كان فانصرفوا عنه وتفرق الناس من منى فتنطس القوم الخبر فوجدوه قد كان وخرجوا في طلب القوم فأدركوا سعد بن عبادة بالحاجر والمنذر بن عمرو أخا بني ساعدة بن كعب بن الخزرج وكلاهما كان نقيبا فأما المنذر فأعجز القوم وأما سعد فأخذوه وربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجبذونه بجمته وكان ذا شعر كثير فقال سعد فوالله إني لفي أيديهم إذ طلع علي نفر من قريش فيهم رجل أبيض وضيء شعشاع حلو من الرجال قال قلت إن يكن عند أحد من القوم خير فعند هذا فلما دنا مني رفع يديه فلطمني لطمة شديدة قال قلت في نفسي والله ما عندهم بعد هذا خير قال فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني إذ أوى إلي رجل منهم ممن معهم فقال ويحك أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد قال قلت بلى والله لقد كنت أجير لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف تجارة وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي وللحارث بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف قال (1/564) ________________________________________ ويحك فاهتف باسم الرجلين واذكر ما بينك وبينهما قال ففعلت وخرج ذلك الرجل إليهما فوجدهما في المسجد عند الكعبة فقال لهما إن رجلا من الخزرج الآن يضرب بالأبطح وإنه ليهتف بكما ويذكر أن بينه وبينكما جوارا قالا ومن هو قال سعد بن عبادة قالا صدق والله إن كان ليجير تجارنا ويمنعهم أن يظلموا ببلده قال فجاءا فخلصا سعدا من أيديهم وانطلق وكان الذي لكم سعدا سهيل بن عمرو أخو بني عامر بن لؤي قال أبو جعفر فلما قدموا المدينة أظهروا الإسلام بها وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من أهل الشرك منهم عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة وكان ابنه معاذ بن عمرو قد شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه و سلم في فتيان منهم وبايع رسول الله صلى الله عليه و سلم من بايع من الأوس والخزرج في العقبة الاخرة وهي بيعة الحرب حين أذن الله عز و جل في القتال بشروط غير الشروط في العقبة الأولى وأما الأولى فإنما كانت على بيعة النساء على ما ذكرت الخبر به عن عبادة بن الصامت قبل وكانت بيعة العقبة الثانية على حرب الأحمر والأسود على ما قد ذكرت قبل عن عروة بن الزبير وقد حدثنا بن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه الوليد عن عبادة بن الصامت وكان أحد النقباء قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه و سلم على بيعة الحرب وكان عبادة من الاثني عشر الذين بايعوا في العقبة الأولى قال أبو جعفر فلما أذن الله عز و جل لرسوله صلى الله عليه و سلم في القتال ونزل قوله وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ( 1 ) وبايعه الأنصار على ما وصفت من بيعتهم أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أصحابه ممن هو معه بمكة من المسلمين بالهجرة والخروج إلى المدينة واللحوق بإخوانهم من الأنصار وقال إن الله عز و جل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها فخرجوا أرسالا وأقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه بالخروج من مكة فكان أول من هاجر من المدينة والهجرة إلى المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم من قريش ثم من بني مخزوم أبو سلمة بن عبدالأسد بن هلال بن عبدالله بن عمر بن مخزوم هاجر إلى المدينة قبل بيعة أصحاب العقبة رسول الله صلى الله عليه و سلم بسنة وكان قدم على رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة من أرض الحبشة فما آذته قريش وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار خرج إلى المدينة مهاجرا ثم كان أول من قدم المدينة من المهاجرين بعد أبي سلمة عامر بن ربيعة حليف بني عدي بن كعب معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة بن غانم بن عبدالله بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب ثم عبدالله بن جحش بن رئاب وأبو أحمد بن جحش وكان رجلا ضرير البصر وكان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد ثم تتابع أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة أرسالا وأقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة ولم يتخلف معه بمكة أحد المهاجرين إلا أخذ فحبس أو فتن إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه و سلم في الهجرة فيقول له رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبا فطمع أبو بكر أن يكونه فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير (1/565) ________________________________________ بلدهم ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم عرفوا أنهم قد نزلوا دارا وأصابوا منهم منعة فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه و سلم إليهم وعرفوا أنه قد أجمع أن يلحق بهم لحربهم فاجتمعوا له في دار الندوة وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم حين خافوه فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني عبدالله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج عن ابن عباس قال وحدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس والحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس قال لما اجتمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا دار الندوة ويتشاوروا فيها في أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم غدوا في اليوم الذي اتعدوا له وكان ذلك اليوم يسمى الزحمة فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل عليه بت له فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفا على بابها قالوا من الشيخ قال شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى ألا يعدمكم منه رأي ونصح قالوا أجل فادخل فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش كلهم من كل قبيلة من بني عبد شمس شيبة وعتبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب ومن بني نوفل بن عبد مناف طعيمة بن عدي وجبير بن مطعم والحارث بن عامر بن نوفل ومن بني عبد الدار بن قصي النضر بن الحارث بن كلدة ومن بني أسد بن عبد العزى أبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود بن المطلب وحكيم بن حزام ومن بني مخزوم أبو جهل بن هشام ومن بني سهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج ومن بني جمح أمية بن خلف ومن كان معهم وغيرهم ممن لا يعد من قريش فقال بعضهم لبعض إن هذا الرجل قد كان أمره ما قد كان وما قد رأيتم وإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأيا قال فتشاوروا ثم قال قائل منهم احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين قبله زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه منه ما أصابهم قال فقال الشيخ النجدي لا والله ما هذا لكم برأي والله لو حبستموه كما تقولون لخرج أمره من وراء الباب الذي أغلقتموه دونه إلى أصحابه فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ثم يكاثروكم حتى يغلبوكم على أمركم هذا ما هذا لكم برأي فانظروا إلى غيره ثم تشاوروا فقال قائل منهم نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلدنا فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت قال الشيخ النجدي والله ما هذا لكم برأي ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بها فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد أديروا فيه رأيا غير هذا قال فقال أبو جهل بن هشام والله إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد قالوا وما هو يا أبا الحكم قال أرى أن تأخذوا من كل قبيلة فتى شابا جلدا نسيبا وسيطا فينا ثم نعطي كل فتى منهم سيفا (1/566) ________________________________________ صارما ثم يعمدون إليه ثم يضربونه بها ضربة رجل واحد فيقتلونه فنستريح فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل كلها فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا ورضوا منا بالعقل فعقلناه لهم قال فقال الشيخ النجدي القول ما قال الرجل هذا الرأي لا رأي لكم غيره فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه قال فلما كان العتمة من الليل اجتمعوا على بابه فترصدوه متى ينام فيثبون عليه فلما رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم مكانهم قال لعلي بن أبي طالب نم على فراشي واتشح ببردي الحضرمي الأخضر فنم فإنه لا يخلص إليك شيء تكرهه منهم وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم ينام في برده ذلك إذا نام قال أبو جعفر زاد بعضهم في هذه القصة في هذا الموضع وقال له إن أتاك ابن أبي قحافة فأخبره أني توجهت إلى ثور فمره فليلحق بي وأرسل إلى بطعام واستأجر لي دليلا يدلني على طريق المدينة واشتر لي راحلة ثم مضى رسول الله صلى الله عليه و سلم وأعمى الله أبصار الذين كانوا يرصدونه عنه وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال اجتمعوا له وفيهم أبو جهل بن هشام فقال وهم على بابه إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن وإن لم تفعلوا كان لكم منه ذبح ثم بعثتم بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون فيها قال وخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخذ حفنة من تراب ثم قال نعم أنا أقول ذلك أنت أحدهم وأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات من يس يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم ( 1 ) إلى قوله وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه و سلم من هؤلاء الآيات فلم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال ما تنتظرون ها هنا قالوا محمدا قال خيبكم الله قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته أفما ترون ما بكم قال فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب ثم جعلوا يطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله صلى الله عليه و سلم فيقولون والله إن هذا لمحمد نائم عليه برده فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام علي عن الفراش فقالوا والله لقد صدقنا الذي كان حدثنا فكان مما نزل من القرآن في ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ( 1 ) وقول الله عز و جل أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل (1/567) ________________________________________ تربصوا فإني معكم من المتربصين ( 2 ) وقد زعم بعضهم أن أبا بكر أتى عليا فسأله عن نبي الله صلى الله عليه و سلم فأخبره أنه لحق بالغار من ثور وقال إن كان لك فيه حاجة فالحقه فخرج أبو بكر مسرعا فلحق نبي الله صلى الله عليه و سلم في الطريق فسمع رسول الله صلى الله عليه و سلم جرس أبي بكر في ظلمة الليل فحسبه من المشركين فأسرع رسول الله صلى الله عليه و سلم المشي فانقطع قبال نعله ففلق إبهامه حجر فكثر دمها وأسرع السعي فخاف أبو بكر أن يشق على رسول الله صلى الله عليه و سلم فرفع صوته وتكلم فعرفه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقام حتى أتاه فانطلقا ورجل رسول الله صلى الله عليه و سلم تستن دما حتى انتهى إلى الغار مع الصبح فدخلاه وأصبح الرهط الذين كانوا يرصدون رسول الله صلى الله عليه و سلم فدخلوا الدار وقام علي عليه السلام عن فراشه فلما دنوا منه عرفوه فقالوا له أين صاحبك قال لا أدري أو رقيبا كنت عليه أمرتموه بالخروج فخرج فانتهروه وضربوه وأخرجوه إلى المسجد فحبسوه ساعة ثم تركوه ونجى الله رسوله من مكرهم وأنزل عليه في ذلك وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين قال أبو جعفر وأذن الله عز و جل لرسوله صلى الله عليه و سلم عند ذلك بالهجرة فحدثنا علي بن نصر الجهضمي قال حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث وحدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال حدثنا أبي قال حدثنا أبان العطار قال حدثنا هشام بن عروة عن عروة قال لما خرج أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة وقبل أن يخرج يعني رسول الله صلى الله عليه و سلم وقبل أن تنزل هذه الآية التي أمروا فيها بالقتال استأذنه أبو بكر ولم يكن أمره بالخروج مع من خرج من أصحابه حبسه رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال له أنظرني فإني لا أدري لعلي يؤذن لي بالخروج وكان أبو بكر قد اشترى راحلتين يعدهما للخروج مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة فلما استنظره رسول الله صلى الله عليه و سلم وأخبره بالذي يرجو من ربه أن يأذن له بالخروج حبسهما وعلفهما انتظار صحبة رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى أسمنهما فلما حبس عليه خروج النبي صلى الله عليه و سلم قال أبو بكر أتطمع أن يؤذن لك قال نعم فانتظره فمكث بذلك فأخبرتني عائشة أنهم بينا هم ظهرا في بيتهم وليس عند أبي بكر إلا ابنتاه عائشة وأسماء إذا هم برسول الله صلى الله عليه و سلم حين قام قائم الظهيرة وكان لا يخطئه يوما أن يأتي بيت أبي بكر أول النهار وآخره فلما رأى أبو بكر النبي صلى الله عليه و سلم جاء ظهرا قال له ما جاء بك يا نبي الله إلا أمر حدث فلما دخل عليهم النبي صلى الله عليه و سلم البيت قال لأبي بكر أخرج من عندك قال ليس علينا عين إنما هما ابنتاي قال إن الله قد أذن لي بالخروج إلى المدينة فقال أبو بكر يا رسول الله الصحابة الصحابة قال الصحابة قال أبو بكر خذ إحدى الراحلتين وهما الراحلتان اللتان كان يعلفهما أبو بكر يعدهما للخروج إذا أذن لرسول الله صلى الله عليه و سلم فأعطاه إحدى الراحلتين فقال خذها يا رسول الله فارتحلها فقال النبي صلى الله عليه و سلم قد أخذتها بالثمن وكان عامر بن فهيرة مولدا من مولدي الأزد كان للطفيل بن عبدالله بن سخبرة وهو أبو الحارث بن الطفيل وكان أخا عائشة بنت أبي بكر وعبد الرحمن بن أبي بكر لأمهما فأسلم عامر بن فهيرة وهو مملوك لهم فاشتراه أبو بكر فأعتقه وكان حسن الإسلام فلما خرج النبي صلى الله عليه و سلم وأبو بكر كان لأبي بكر منيحة من غنم تروح على (1/568) ________________________________________ أهله فأرسل أبو بكر عامرا في الغنم إلى ثور فكان عامر بن فهيرة يروح بتلك الغنم على رسول الله صلى الله عليه و سلم بالغار في ثور وهو الغار الذي سماه الله في القرآن فأرسل بظهرهما رجلا من بني عبد بن عدي حليفا لقريش من بني سهم ثم آل العاص بن وائل وذلك العدوي يومئذ مشرك ولكنهما استأجراه وهو هاد بالطريق وفي الليالي التي مكثا بالغار كان يأتيهما عبدالله بن أبي بكر حين يمسي بكل خبر بمكة ثم يصبح بمكة ويريح عامر الغنم كل ليلة فيحلبان ثم يسرح بكرة فيصبح في رعيان الناس ولا يفطن له حتى إذا هدأت عنهما الأصوات وأتاهما أن قد سكت عنهما جاءهما صاحبهما ببعيريهما فانطلقا وانطلق معهما بعامر بن فهيرة يخدمهما ويعينهما يردفه أبو بكر ويعقبه على رحله ليس معهما أحد إلا عامر بن فهيرة وأخو بني عدي يهديهما الطريق فأجاز بهما في أسفل مكة ثم مضى بهما حتى حاذى بهما الساحل أسفل من عسفان ثم استجاز بهما حتى عارض الطريق بعدما جاوز قديدا ثم سلك الخرار ثم أجاز على ثنية المرة ثم أخذ على طريق يقال لها المدلجة بين طريق عمق وطريق الروحاء حتى توافوا طريق العرج وسلك ماء يقال له الغابر عن يمين ركوبة حتى يطلع على بطن رئم ثم جاء حتى قدم المدينة على بني عمرو بن عوف قبل القائلة فحدثت أنه لم يبق فيهم إلا يومين وتزعم بنو عمرو بن عوف أن قد أقام فيهم أفضل من ذلك فاقتاد راحلته فاتبعته حتى دخل في دور بني النجار فأراهم رسول الله صلى الله عليه و سلم مريدا كان بين ظهري دورهم وقد حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبدالله بن الحصين التميمي قال حدثني عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم قالت كان رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يخطئه أحد طرفي النهار أن يأتي بيت أبي بكر إما بكرة وإما عشية حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله بالهجرة وبالخروج من مكة من بين ظهراني قومه أتانا رسول الله صلى الله عليه و سلم بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها قالت فلما رآه أبو بكر قال ما جاء رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه الساعة إلا لأمر حدث قالت فلما دخل تأخر أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أخرج عني من عندك قال يا نبي الله إنما هما ابنتاي وما ذاك فداك أبي وأمي قال إن الله عز و جل قد أذن لي بالخروج والهجرة فقال أبو بكر الصحية يا رسول الله قال الصحبة قالت فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي من الفرح ثم قال يا نبي الله إن هاتين راحلتاي كنت أعددتهما لهذا فاستأجرا عبدالله بن أرقد رجلا من بني الديل بن بكر وكانت أمه امرأة من بني سهم بن عمرو وكان مشركا يدلهما على الطريق ودفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما ولم يعلم فيما بلغني بخروج رسول الله صلى الله عليه و سلم أحد حين خرج إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر الصديق وآل أبي بكر فأما علي بن أبي طالب فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما بلغني أخبره بخروجه وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم الودائع التي كانت عنده للناس وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم وليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عند رسول الله صلى الله عليه و سلم لما يعرف من صدقه وأمانته فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه و سلم للخروج أتى أبا بكر بن أبي قحافة فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته ثم عمدا إلى غار بثور جبل بأسفل مكة فدخلاه وأمر أبو بكر ابنه عبدالله بن أبي بكر أن يسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر وأمر عامر بن فهيرة مولاه (1/569) ________________________________________ أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحها عليهما إذا أمسى بالغار وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما فأقام رسول الله صلى الله عليه و سلم في الغار ثلاثا ومعه أبو بكر وجعلت قريش حين فقدوه مائة ناقة لمن يرده عليهم فكان عبدالله بن أبي بكر يكون في قريش ومعهم ويستمع ما يأتمرون به وما يقولون في شأن رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبي بكر ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يرعى في رعيان أهل مكة فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا فإذا غدا عبدالله بن أبي بكر من عندهما إلى مكة اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يعفي عليه حتى إذا مضت الثلاث وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذي استأجرا ببعيريهما وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما ونسيت أن تجعل لها عصاما فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس فيها عصام فحلت نطاقها فجعلته لها عصاما ثم علقتها به فكان يقال لأسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين لذلك فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم قرب له أفضلهما ثم قال له اركب فداك أبي وأمي فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إني لا أركب بعيرا ليس لي قال فهو لك يا رسول الله بأبي أنت وأمي قال لا ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به قال كذا وكذا قال قد أخذتها بذلك قال هي لك يا رسول الله فركبا فانطلقا وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه يخدمهما بالطريق حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال وحدثت عن أسماء بنت أبي بكر قالت لما خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فوقفوا على باب أبي بكر فخرجت إليهم فقالوا أين أبوك يا ابنة أبي بكر قلت لا أدري والله أين أبي قالت فرفع أبو جهل يده وكان فاحشا خبيثا فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي قالت ثم انصرفوا ومكثنا ثلاث ليال لا ندري أين توجه رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يغني بأبيات من الشعر غناء العرب والناس يتبعونه يسمعون صوته وما يرونه حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول ... جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد ... هما نزلاها بالهدى واغتدوا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد ... ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد ... قالت فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم وأن وجهه إلى المدينة وكانوا أربعة رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو بكر وعامر بن فهيرة وعبدالله بن أرقد دليلهما قال أبو جعفر حدثني أحمد بن المقدام العجلي قال حدثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال حدثنا عبد الحميد بن أبي عبس بن محمد بن أبي عبس بن جبر عن أبيه قال سمعت قريش قائلا يقول في الليل على أبي قبيس ... فإن يسلم السعدان يصبح محمد ... بمكة لا يخشى خلاف المخالف ... (1/570) |
رد: مكتبتي
فلما أصبحوا قال أبو سفيان من السعدان سعد بكر سعد تميم سعد
هذيم فلما كان في الليلة الثانية سمعوه يقول ... أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ... ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف (1/570) ________________________________________ أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا ... على الله في الفردوس منية عارف ... فإن ثواب الله للطالب الهدى ... جنان من الفردوس ذات رفارف ... فلما أصبحوا قال أبو سفيان هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة قال أبو جعفر وقدم دليلهما بهما قباء على بني عمرو بن عوف لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين حين اشتد الضحى وكادت الشمس أن تعتدل حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عبدالرحمن بن عويم بن ساعدة قال حدثني رجال قومي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قالوا لما سمعنا بمخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم من مكة وتوكفنا قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا ننتظر رسول الله صلى الله عليه و سلم فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال فإذا لم نجد ظلا دخلنا بيوتنا وذلك في أيام حارة حتى إذا كان في اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم جلسنا كما كنا نجلس حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا وقدم رسول الله صلى الله عليه و سلم حين دخلنا البيوت فكان أول من رآه رجل من اليهود وقد رأى ما كنا نصنع وإنا كنا ننتظر قدوم رسول الله صلى الله عليه و سلم فصرخ بأعلى صوته يا بني قيلة هذا جدكم قد جاء قال فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو في ظل نخلة ومعه أبو بكر في مثل سنه وأكثرنا من لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل ذلك قال وركبه الناس وما نعرفه من أبي بكر حتى زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فقام أبو بكر فأظله بردائه فعرفناه عند ذلك فنزل رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما يذكرون على كلثوم بن هدم أخي بني عمرو بن عوف ثم أخذ بني عبيد ويقال بل نزل على سعد بن خيثمة ويقول من يذكر أنه نزل على كلثوم بن هدم إنما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا خرج من منزل كلثوم بن هدم جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة وذلك أنه كان عزبا لا أهل له وكان منازل العزاب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم من المهاجرين عنده فمن هنالك يقال نزل على سعد بن خيثمة وكان يقال لبيت سعد بن خيثمة بيت العزاب فالله أعلم أي ذلك كان كلا قد سمعنا ونزل أبو بكر بن أبي قحافة على خبيب بن أساف أخي بني الحارث بن الخزرج بالسنح ويقول قائل كان منزله على خارجة بن زيد بن أبي زهير أخي بني الحارث بن الخزرج وأقام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم الودائع التي كانت عنده إلى الناس حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله صلى الله عليه و سلم فنزل معه على كلثوم بن هدم فكان علي يقول وإنما كانت إقامته بقباء على امرأة لا زوج لها مسلمة ليلة أو ليلتين وكان يقول كنت نزلت بقباء على امرأة لا زوج لها مسلمة فرأيت إنسانا يأتيها في جوف الليل فيضرب عليها بابها فتخرج إليه فيعطيها شيئا معه قال فاستربت لشأنه فقلت لها يا أمة الله من هذا الرجل الذي يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين إليه فيعطيك شيئا ما أدري ما هو وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك قالت هذا سهل بن حنيف بن واهب قد عرف أني امرأة لا أحد لي فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها ثم جاءني بها وقال احتطبي بهذا فكان علي بن أبي طالب يأثر ذلك من أمر سهل بن حنيف حين هلك عنده بالعراق (1/571) ________________________________________ حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني هذا الحديث علي بن هند بن سعد بن سهل بن حنيف عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسس مسجدهم ثم أخرجه الله عز و جل من بين أظهرهم يوم الجمعة وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك والله أعلم ويقول بعضهم إن مقامه بقباء كان بضعة عشر يوما قال أبو جعفر واختلف السلف من أهل العلم في مدة مقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة بعد ما استنبئ فقال بعضهم كانت مدة مقامه بها إلى أن هاجر إلى المدينة عشر سنين ذكر من قال ذلك حدثنا ابن المثنى قال حدثنا يحيى بن محمد بن قيس المدني يقال له أبو زكير قال سمعت ربيعة بن أبي عبد الرحمن يذكر عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث على رأس أربعين فأقام بمكة عشرا حدثني الحسين بن نصر الآملي قال حدثنا عبيدالله بن موسى عن شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبدالرحمن قال أخبرتني عائشة وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لبث بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن حدثنا ابن المثنى قال حدثنا عبد الوهاب قال حدثنا يحيى بن سعيد قال سمعت سعيد بن المسيب يقول أنزل على رسول الله صلى الله عليه و سلم القرآن وهو ابن ثلاث وأربعين فأقام بمكة عشرا حدثني أحمد بن ثابت الرازي قال حدثنا أحمد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس قال أنزل على النبي صلى الله عليه و سلم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة فمكث بمكة عشرا حدثني محمد بن إسماعيل قال حدثنا عمرو بن عثمان الحمصي قال حدثنا أبي قال حدثنا محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار قال هاجر رسول الله صلى الله عليه و سلم على رأس عشر من مخرجه قال أبو جعفر وقال آخرون بل أقام بعدما استنبئ بمكة ثلاث عشرة سنة ذكر من قال ذلك حدثنا ابن المثنى قال حدثنا حجاج بن المنهال قال حدثنا حماد يعني ابن سلمة عن أبي جمرة عن ابن عباس قال أقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه حدثني محمد بن خلف قال حدثنا آدم قال حدثنا حماد بن سلمة قال حدثنا أبو جمرة الضبعي عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم لأربعين سنة وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة حدثني محمد بن معمر قال حدثنا روح قال حدثنا زكرياء بن إسحاق قال حدثنا عمرو بن دينار عن ابن عباس قال مكث رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة ثلاث عشرة سنة (1/572) ________________________________________ حدثني عبيد بن محمد الوراق قال حدثنا روح قال حدثنا هشام قال حدثنا عكرمة عن ابن عباس قال بعث النبي صلى الله عليه و سلم لأربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه ثم أمر بالهجرة قال أبو جعفر وقد وافق قول من قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم لأربعين سنة وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة قول أبي قيس صرمة بن أبي أنس أخي بني عدي بن النجار في قصيدته التي يقول فيها وهو يصف كرامة الله إياهم بما أكرمهم به من الإسلام ونزول نبي الله صلى الله عليه و سلم عليهم ... ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى صديقا مواتيا ... ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا ... فلما أتانا أظهر الله دينه ... فأصبح مسرورا بطيبة راضيا ... وألفى صديقا واطمأنت به النوى ... وكان له عونا من الله باديا ... يقص لنا ما قال نوح لقومه ... وما قال موسى إذ أجاب المناديا ... وأصبح لا يخشى من الناس واحدا ... قريبا ولا يخشى من الناس نائيا ... بذلنا له الأموال من جل مالنا ... وأنفسنا عند الوغى والتناسيا ... ونعلم أن الله لا شيء غيره ... ونعلم أن الله أفضل هاديا ... فأخبر أبو القيس في قصيدته هذه أن مقام رسول الله صلى الله عليه و سلم في قومه قريش كان بعدما استنبئ وصدع بالوحي من الله بضع عشرة حجة وقال بعضهم كان مقامه بمكة خمس عشرة سنة ذكر من قال ذلك حدثني بذلك الحارث عن ابن سعد عن محمد بن عمر عن إبراهيم بن إسماعيل عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس واستشهد بهذا البيت من قول أبي قيس صرمة بن أبي أنس غير أنه أنشد ذلك ... ثوى في قريش خمس عشرة حجة ... يذكر لو يلقى صديقا مواتيا ... قال أبو جعفر وقد روي عن الشعبي إن إسرافيل قرن برسول الله صلى الله عليه و سلم قبل أن يوحى إليه ثلاث سنين حدثني الحارث قال حدثنا ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر الواقدي قال حدثنا الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال وحدثنا إملاء من لفظه منصور عن الأشعث عن الشعبي قال قرن إسرافيل بنبوة رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاث سنين يسمع حسه ولا يرى شخصه ثم كان بعد ذلك جبريل عليه السلام قال الواقدي فذكرت ذلك لمحمد بن صالح بن دينار فقال والله يا بن أخي لقد سمعت عبدالله بن أبي بكر بن حزم وعاصم بن عمر بن قتادة يحدثان في المسجد ورجل عراقي يقول لهما هذا فأنكراه جميعا وقالا ما سمعنا ولا علمنا إلا أن جبريل هو الذي قرن به وكان يأتيه بالوحي من يوم نبئ إلى أن توفي صلى الله عليه و سلم حدثنا ابن المثنى قال حدثنا ابن أبي عدي عن داود عن عامر قال أنزلت عليه النبوة وهو ابن (1/573) ________________________________________ أربعين سنة فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين فكان يعلمه الكلمة والشيء ولم ينزل القرآن على لسانه فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل عليه السلام فنزل القرآن على لسانه عشر سنين بمكة وعشر سنين بالمدينة قال أبو جعفر فلعل الذين قالوا كان مقامه بمكة بعد الوحي عشرا عدوا مقامه بها من حين أتاه جبريل بالوحي من الله عز و جل وأظهر الدعاء إلى توحيد الله وعد الذين قالوا كان مقامه ثلاث عشرة سنة من أول الوقت الذي استنبئ فيه وكان إسرافيل المقرون به وهي السنون الثلاث التي لم يكن أمر فيها بإظهار الدعوة وقد روي عن قتادة غير القولين اللذين ذكرت وذلك ما حدثت عن روح بن عبادة قال حدثنا سعيد عن قتادة قال نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه و سلم ثماني سنين بمكة وعشرا بعد ما هاجر وكان الحسن يقول عشرا بمكة وعشرا بالمدينة (1/574) |
رد: مكتبتي
************************************************** *******
* * ** * * ** * * الحمد**لله** تم**ختم** الجزء** الاول ** ** * * ** * * ** * * ** ************************************************** ********* |
رد: مكتبتي
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر الوقت الذي عمل فيه التأريخ قال أبو جعفر ولما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة أمر بالتأريخ فيما قبل حدثني زكرياء بن يحيى بن أبي زائدة قال حدثنا أبو عاصم عن ابن خريج عن أبي سلمة عن ابن شهار أن النبي صلى الله عليه و سلم لما قدم المدينة وقدمها في شهر ربيع الأول أمر بالتأريخ قال أبو جعفر فذكر أنهم كانوا يؤرخون بالشهر والشهرين من مقدمه إلى أن تمت السنة وقد قيل إن أول من أمر بالتأريخ في الإسلام عمر بن الخطاب رحمه الله ذكر الأخبار الواردة بذلك حدثني محمد بن إسماعيل قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا حيان بن علي الغزي عن مجالد عن الشعبي قال كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر إنه تأتينا منك كتب ليس لها تأريخ قال فجمع عمر الناس للمشورة فقال بعضهم أرخ لمبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال بعضهم لمهاجررسول الله صلى الله عليه و سلم فقال عمر لا بل نؤرخ لمهاجر رسول الله صلى الله عليه و سلم فإن مهاجره فرق بين الحق والباطل حدثني محمد بن إسماعيل قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا خالد بن حيان أبو يزيد الخراز عن فرات بن سلمان عن ميمون بن مهران قال رفع إلى عمر صك محله في شعبان فقال عمر أي شعبان الذي هو آت أو الذي نحن فيه قال ثم قال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ضعوا للناس شيئا يعرفونه فقال بعضهم اكتبوا على تأريخ الروم فقيل إنهم يكتبون من عهد ذي القرنين فهذا يطول وقال بعضهم اكتبوا على تأريخ الفرس فقيل إن الفرس كلما قام ملك طرح من كان قبله فاجتمع رأيهم على أن ينظروا كم أقام رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة فوجدوه عشر سنين فكتب التأريخ من هجرة رسول الله صلى الله عليه و سلم حدثت عن أمية بن خالد وأبي داود الطيالسي عن قرة بن خالد السدوسي عن محمد بن سيرين قال قام رجل إلى عمر بن الخطاب فقال أرخوا فقال عمر ما أرخوا قال شيء تفعله الأعاجم يكتبون في شهر كذا من سنة كذا فقال عمر بن الخطاب حسن فأرخوا فقالوا من أي السنين نبدأ قالوا من مبعثه وقالوا من وفاته ثم أجمعوا على الهجرة ثم قالوا فأي الشهور نبدأ فقالوا رمضان ثم قالوا المحرم فهو منصرف الناس من حجهم وهو شهر حرام فأجمعوا على المحرم (2/3) ________________________________________ حدثني محمد بن إسماعيل قال حدثني سعيد بن أبي مريم وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا أبي قالا جميعا حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم قال حدثني أبو حازم عن سهل بن سعد قال ما اصاب الناس العدد ما عدوا من مبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا من وفاته ولا عدوا إلا من مقدمه المدينة حدثني محمد بن إسماعيل قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا يعقوب بن إسحاق قال حدثني محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن عبدالله بن عباس قال كان التأريخ في السنة التي قدم فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة وفيها ولد عبد الله بن الزبير حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي عباد قال حدثنا محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال كان التأريخ في السنة التي قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم فيها فذكر مثله حدثني محمد بن إسماعيل قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا نوح بن قيس الطاحي عن عثمان بن محصن أن ابن عباس كان يقول في والفجر وليال عشر ( 1 ) قال الفجر هو المحرم فجر السنة حدثني محمد بن إسماعيل قال حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد عن عبيد بن عمير قال إن المحرم شهر الله عز و جل وهو رأس السنة فيه يكسى البيت ويؤرخ التأريخ ويضرب فيه الورق وفيه يوم كان تاب فيه قوم فتاب الله عز و جل عليهم حدثني أحمد بن ثابت الرازي قال حدثنا أحمد قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا زكرياء بن إسحاق عن عمرو بن دينار أن أول من أرخ الكتب يعلى بن أمية وهو باليمن وأن النبي صلى الله عليه و سلم قدم المدينة في شهر ربيع الأول وأن الناس أرخوا لأول السنة وإنما أرخ الناس لمقدم النبي صلى الله عليه و سلم وقال علي بن مجاهد عن محمد بن إسحاق عن الزهري وعن محمد بن صالح عن الشعبي قالا أرخ بنو إسماعيل من نار إبراهيم عليه السلام إلى بنيان البيت حين بناه إبراهيم وإسماعيل ثم أرخ بنو إسماعيل من بنيان البيت حتى تفرقت فكان كلما خرج قوم من تهامة أرخوا بمخرجهم ومن بقي بتهامة من بني إسماعيل يؤرخون من خروج سعد ونهد وجهينة بني زيد من تهامة حتى مات كعب بن لؤي فأرخوا من موت كعب بن لؤي إلى الفيل فكان التأريخ من الفيل حتى أرخ عمر بن الخطاب من الهجرة وذلك سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة حدثني عبدالرحمن بن عبدالله بن عبد الحكم قال حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنا الدراوردي عن عثمان بن عبيدالله بن أبي رافع قال سمعت سعيد بن المسيب يقول جمع عمر بن الخطاب الناس فسألهم فقال من أي يوم نكتب فقال علي عليه السلام من يوم هاجر رسول الله (2/4) ________________________________________ صلى الله عليه و سلم وترك أرض الشرك ففعله عمر رضي الله عنه قال أبو جعفر وهذا الذي رواه علي بن مجاهد عمن رواه عنه في تأريخ بني إسماعيل غير بعيد من الحق وذلك أه لم يكونوا يؤرخون على أمر معروف يعمل به عامتهم وإنما كان المؤرخ منهم يؤرخ بزمان قحمة كانت في ناحية من نواحي بلادهم ولزبة أصابتهم أو بالعامل كان يكون عليهم أو الأمر الحادث فيهم ينتشر خبره عندهم يدل على ذلك اختلاف شعرائهم في تأريخاتهم ولو كان لهم تأريخ على أمر معروف وأصل معمول عليه لم يختلف ذلك منهم ومن ذلك قول الربيع بن ضبع الفزاري ... هأنذا آمل الخلود وقد أدرك عقلي ومولدي حجرا ... أبا امرئ القيس هل سمعت به ... هيهات هيهات طال ذا عمرا ... فاخ عمره بحجر ابن عمرو أبي امريء القيس وقال نابغة بني جعدة ... فمن يك سائلا عني فإني ... من الشبان أزمان الخنان ... فجعل النابغة تأريخه ما أرخ بزمان علة كانت فيهم عامة وقال آخر ... وما هي إلا في إزار وعلقة ... مغار ابن همام على حي خثعما ... فكل واحد من هؤلاء الذين ذكرت تأريخهم في هذه الأبيات أرخ على قرب زمان بعضهم من بعض وقرب وقت ما أرخ به من وقت الآخر بغير المعنى الذي أرخ به الآخر ولو كان لهم تأريخ معروف كما للمسلمين اليوم ولسائر الأمم غيرها كانوا إن شاء الله لا يتعدونه ولكن الأمر في ذلك كان عندهم إن شاء الله على ما ذكرت فأما قريش من بين العرب فإن آخر ما حصلت من تأريخها قبل هجرة النبي صلى الله عليه و سلم من مكة إلى المدينة على التأريخ بعام الفيل وذلك عام ولد رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان بين عام الفيل والفجار عشرون سنة وبين الفجار وبناء الكعبة خمس عشرة سنة وبين بناء الكعبة ومبعث النبي صلى الله عليه و سلم خمس سنين قال أبو جعفر وبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو ابن أربعين سنة وقرن بنبوته كما قال الشعبي ثلاث سنين إسرافيل وذلك قبل أن يؤمر بالدعاء وإظهاره على ما قدمنا الرواية والإخبار به ثم قرن بنبوته جبريل عليه السلام بعد السنين الثلاث وأمره بإظهار الدعوة إلى الله فأظهرها ودعا إلى الله مقيما بمكة عشر سنين ثم هاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأول من سنة أربع عشرة من حين استنبئ وكان خروجه من مكة إليها يوم الاثنين وقدومه المدينة يوم الاثنين لمضي اثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الأول حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري قال حدثنا موسى بن داود عن ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن حنش الصنعاني عن ابن عباس قال ولد النبي صلى الله عليه و سلم يوم الاثنين واستنبئ يوم الاثنين ورفع الحجر يوم الاثنين وخرج مهاجرا من مكة إلىالمدينة يوم الاثنين وقدم المدينة يوم الاثنين وقبض يوم الاثنين (2/5) |
| الساعة الآن 08:30 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى