منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   المنتدى الاسلامي العام (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=90)
-   -   الإمام الغزالي ذو فكر منهجيّ فذّ واختصاصات علميّة شتّى (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=47824)

nadjet89 21-11-2008 05:45 PM

الإمام الغزالي ذو فكر منهجيّ فذّ واختصاصات علميّة شتّى
 
الإمام الغزالي ذو فكر منهجيّ فذّ واختصاصات علميّة شتّى

د.محمد سعيد رمضان البوطي

للإمام الغزالي مكانة جليلة في عقلي وقلبي، منذ أول عهدي بالسير في طريق المعرفة.‏
وليس هذا إطراءً له، ولا برهان عظمة في شخصه أو سموٍّ في مكانته. فالرجل كان ولا يزال ملء قلب العالم وعقله، بكل ما فيه من نحل ومذاهب وفئات. فماذا عسى أن يغير أو يزيد في الأمر، مكانته من فؤاد واحد مثلي وعقله؟!...
ولكني أريد أن أبني على ما قلت أنني، منذ معرفتي للغزالي وإقبالي على قراءة كتبه، كنت أتساءل في نفسي عن سر هذه المكانة التي يتبوّؤها، وعن مصدر هذا الجلال الذي يحيط به، بل عن سر إعجاب الفكر العالمي به.‏
ولقد استقر في ذهني، بعد طول فكر وتأمل، أن مصدر ذلك كله كان يتمثل في مزيتين اثنتين امتاز بهما الغزالي دون أقرانه، ودون الذين جاؤوا من بعده، ودون كثير ممن خلوا من قبله.‏
أولى هاتين المزيتين أنه لم يكن على غرار من عاصره أو جاء من بعده من العلماء، في التوجه إلى اختصاص علمي واحد، مع المشاركة في بقية العلوم الأخرى أو بعض منها، مشاركة إجمالية عامة. بل إنك لتنظر، فتجد اسمه يلتمع في كل قائمة تضم أسماء ذوي الاختصاص في أي من العلوم الإسلامية والعقلية المتداولة. فهو الاسم الوحيد الذي يتكرر في تلك القوائم كلها!..‏
تنظر في قائمة علماء الفقه، فتجد اسمه مستقراً في قلبها. وتلتفت إلى قائمة علماء الأصول، أي (قواعد تفسير النصوص) وإذا اسمه يلتمع في علاها. وتتأمل قائمة علماء الفلسفة الإسلاميين، فإذا اسمه هو أول الأسماء فيها. وتنتقل إلى قائمة علماء الكلام فتجده مستقراً في مقدمتها. ثم تنظر علماء التربية والتصوف، فإذا هو يتبوّأ مركز الصدارة فيها. وتتحول إلى قائمة علماء النفس فإذا اسمه قد سبق أيضاً إليها!..‏
بقي علم واحد، لم يظهر للغزالي اسم بين أسماء العلماء المتخصصين فيه، بل لعله كان دون مستوى المشاركة فيه أيضاً. وهو علم الحديث والرواية؛ وإن ذكر المترجمون له أنه أخذ يشتغل بالحديث في آخر حياته، ولكن الموت عاجله، قبل أن ينجز من ذلك سوى شيء يسير(1).
أما المزية الثانية التي كان يتمتع بها، فهي الفكر المنهجي الدقيق، الملازم له في كل ما يكتب ويبحث فيه، أياً كان الموضوع أو العلم الذي يعالجه.‏
ولست أدري ماذا أقول في مصدر هذه المزية العجيبة لديه: أهي فطرة فطره الله عليها، فهو منذ نشأته العلمية، كان يتناول المسائل والمباحث العلمية المختلفة بتلك الفكرة المنهجية المبرمجة، أم هي أثر خلّفته في فكره دراساته المنطقية والفلسفية، فتمرس بها واعتاد عليها ولازمها في كل ما يكتب أو يؤلف فيه.‏
ومهما يكن فإنك لا تكاد تقرأ للغزالي بحثاً في أي من العلوم العقلية أو النقلية إلا وتجده يسير بك في تحليل هذا البحث ودراسته، من خلال منهج دقيق متبصّراً!.. فهو يبدأ بتفتيت كل المسألة إلى أجزائها، أو كلي الموضوع الواحد إلى جزئياته. ثم يضع تلك الأجزاء أو الجزئيات تحت مجهر السبر والتقسيم، ويُخضعها جميعاً لاستقراء الاحتمالات العقلية كاملة، ثم ينقد تلك الاحتمالات واحداً إثر آخر، ويكشف عما قد يكون في تضاعيف كل منها من الزغل ومظاهر البطلان؛ إلى أن يوصله منهج السبر العقلي، وطريقة الطرح والإسقاط، إلى مكمن الحق ومنبعه بين تلك الفرضيات والاحتمالات كلها. فيمعن عندئذ في تجليته وصقله باستخراج البراهين العلمية المتفقة مع نوع ذلك الموضوع وطبيعته. ثم لا يتركه إلا وقد حصّنه في سور من القناعة العلمية وفي كسوة من البيان الرائع والأسلوب المبسّط الأخّاذ!..‏
وليست هذه طريقته في تحقيق القضايا العقلية أو العلوم الفلسفية خاصة، بل ذلك هو شأنه حتى في عرض مواجيده الإيمانية ووصاياه ومواعظه الصوفية. أجل، تلك هل طريقة محاكمته للبحوث والموضوعات، سواء تلك التي تقرؤها في "تهافت" الفلاسفة أم التي تتأملها في "إحياء علوم الدين" أم التي تدرسها في "الوسيط" في الفقه أم في "المستصفى" في أصول الفقه أم في أي كتاب من كتبه أو رسالة من رسائله!..
فهاتان الخصيصتان اللتان امتاز بهما الإمام الغزالي، قد أكسبتاه سلطاناً كبيراً على عقول قرائه ودارسي كتبه وأفكاره. بل أكسبتا أفكاره وكتاباته روحاً تدعو إلى الاستئناس بها والركون إليها، لا تجدها في أكثر ما تقرؤه للآخرين.‏
وذلك لأن اتساع باعه في ميادين العلوم المختلفة، إلى درجة العمق والإتقان لكل منها، يسر له دعم آرائه وأفكاره، أياً كانت، بالحجة العلمية المقنعة. كما أن فكره المنهجي من البساطة في العرض واليسر في الفهم؛ بحيث يفهمها، بل يتذوقها ويتفاعل معها كل من أوتي نصيباً من الثقافة والفهم.
وإنما يمتلك العالم أو الكاتب أفكار الناس ويجتذبها إليه، بعلمه العميق إذ يبني على أساسه حججه المقنعة، وبمنهجه في ترتيب الدلائل والمقدمات إذ يكوّن منه أسلوبه في العرض والبيان.‏
فإذا أوتي بعد ذلك قدرة على إفراغ المعاني العلمية في صياغة دقيقة وعبارات رشيقة وطُوِّعت له الأداة اللغوية في السير بها إلى تحقيق ذلك، فهو منتهى ما يمكن أن يرقى إليه الباحث والعالم في محاورة الناس والتعبير لهم عن معارفه وأفكاره.‏
وما من ريب في أن الإمام الغزالي رحمه الله، كان يتمتع بهذه المزايا كلها.
هذا، ولقد كان من آثار ذلك كله، أنك تنظر فتجد أن كتاباته كلها تتسم بطابع كلي واحد، مهما تنوعت مضامينها واختلفت أو تباينت العلوم التي تعبر عنها. فطابع المحاكمة العقلية، والتنسيق والتقسيم، والتحليلات النفسية والفلسفية، هو الصيغة العامة التي تبرز في سائر مؤلفاته وكتاباته.‏
ولعل من المناسب أن نتناول، ولو بإيجاز، بعض الأمثلة التي تبرز هذه الحقيقة. فإنها ستعيننا، بدون ريب، في اكتشاف جوانب هذه المزية الفريدة التي كان يتمتع بها الغزالي:
كتاب "المستصفى" من أواخر ما ألفه الإمام الغزالي، إن لم يكن آخر مؤلفاته على الإطلاق. وهو يعدّ من المؤلفات النادرة، بل الفريدة في علم أصول الفقه. ولا ريب أن من أهم ما يمتاز به عن كل ما كتب في هذا الفن تلك المقدمة التي وضع فيها يبن يدي القارئ المنهج العقلي والنقلي للمعرفة، وكيفية صياغة الحد والبرهان، وفلسفة دلالات الألفاظ وضوابطها، ومدارك اليقين مع الفرق بين العلمي منها والوهمي.‏
ويخطئ من يتصور أن الغزالي لم يزد في عرضه لهذه المقدمة على أن ألصق طائفة من مباحث المنطق اليوناني بصدر كتابه هذا وجعلها فاتحة بحوثه.. فأغلب الظن أن هؤلاء لم يقرؤوا شيئاً من هذه المقدمة. ولم يزيدوا على أن استعرضوا عناوينها، فشموا منها رائحة المنطق ورأوا فيها بعض اصطلاحاته الشائعة. فضاقت بها صدورهم، وأعرضوا عنها، بعد أن حكموا عليها حكماً غيابياً دون قراءة متبصرة(2). ولو أنهم قرؤوها بأناة، لرأوا أن الغزالي صاغ في تلك المقدمة منهجاً علمياً للمعرفة، متحرراً وبعيداً عن المنطق اليوناني. وهو ذلك المنهج الذي تعتز به حضارتنا العربية الإسلامية أيما اعتزاز(3). لا ريب في أنك قد تجد فيها قواعد واصطلاحات من المنطق اليوناني. ولكنها مفككة الأوصال، ومحولة إلى ما يشبه أنقاضاً أُدخلت في قوام بنيان مستقل لمنطق منهجي سديد.
فلئن كانت غاية خصوم المنطق أن يبترّأ اللسان العربي والفكر الإسلامي من كل ما فيه من ألفاظ وقواعد واصطلاحات فإنه لمَطلَب عسير، بل متعذر على العقل الإنساني أياً كان صاحبه. فما من باحث يستطيع أن يبرهن على أن بنيان المنطق الأرسططاليسي بكل جزئياته وقواعده وتصوراته وألفاظه لغو وباطل من القول!.. بل الثابت يقيناً أن فيه الكثير من الموازين والأحكام الصحيحة والدقيقة، إلى جانب ما قد يكون فيه من الأغلاط والتصورات الباطلة. وإنما يتمثل الإبداع الفكري والتحرر العقلي في أن يتمتع الباحث بشخصيته المستقلة، ثم يتحصن بطاقة علمية ممتازة، ثم يقتحم ميادين الأفكار والعلوم والفلسفات كلها فيلتقط منها الحق ويتجنب الباطل ويحذر منه. وتلك هي حقيقة المقدمة المنهجية التي أقام منها الغزالي مدخلاً إلى كتابه المستصفى.‏
كانت هذه كلمة على هامش هذه المقدمة.‏
وإنما أريد أن أضع بين يدي القارئ مثالاً، كما قد قلت، تتضح من خلاله الشخصية العلمية التي يمتاز بها الغزالي رحمه الله:‏
باب الحكم، يعد من أوائل أبواب أصول الفقه الهامة. ويقرر فيه علماء الشريعة الإسلامية أن اللهخالق الأشياء كلها وخالق الصفات التي تتصف بها. فهو خالق الخير، وهو الذي خلق فيه معنى الخير، وهو خالق الشر وهو الذي أضفى عليه صفة الشر. إذن فأحكام اللهفي شرعه ليست خاضعة لمقتضى الخير والشر في الأشياء، بل صفة الخير والشر في الأشياء هي الخاضعة لحكم الله. وعلى هذا فالعقل وحده لا يستقل بمعرفة أحكام اللهفي الأشياء لمجرد ما قد يبدو فيها من سمات الخير أو الشر. بل لابد للعقل أن يتلقى أحكام اللهمن مصدر الوحي والرسالة. وقد أوضح الغزالي هذا مفصلاً، في باب الحكم.‏
غير أن من المعلوم أن هذا الذي ذهب إليه جماهير علماء الشريعة الإسلامية، يخالف ما ذهب إليه المعتزلة. فإنهم يرون أن في الأشياء ما ينبع معنى الخير أو الشر من داخله، فهو لا يحتاج إلى أن يُخلق خلقاً مستقلاً، لأنه يُخلق مع إيجاد الله للشيء بحد ذاته. أي فوصف الحسن أو القبح فيه ذاتي وجوهري، وليس اعتبارياً عرضياً. وعلى هذا فإن العقل قد يستقل بمعرفة أحكام اللهفي تلك الأشياء، وذلك تبعاً لما تتصف به من حسن أو قبح. ويستقل العقل عندئذ بإصدار الحكم باتباع الحسن واجتناب القبيح، دون حاجة إلى انتظار الوحي والأنبياء.
والطريقة المتبعة لدى سائر المؤلفين في أصول الفقه أنهم يذكرون رأي الجمهور ودليله، ويُتبعونه ببيان رأي المعتزلة وأدلتهم، ثم يرجحون ما استقر عليه الجمهور. وهي طريقة متكررة متشابهة يتناقلها المؤلفون بعضهم من بعض.
ولكن الإمام الغزالي جعل من هذه المسألة مطلباً علمياً مستقلاً، وفتح في سبيل تمحيصها ملف نقاش علمي دقيق طبقاً لفكره المنهجي الذي ألمحنا إليه.
بدأ قبل كل شيء فجمع على سبيل الحصر المعاني التي قد تُراد من كلمة الحسن أو القبح في فعل أو شيء ما، وذلك عن طريق الاستقراء العقلي. ثم أخذ يسقط من هذه المعاني ما لا يدخل في دائرة البحث ونقطة النزاع واحداً إثر آخر. حتى إذا ضاقت الدائرة وتحدد المعنى المراد، وتحرر بذلك محل النزاع وانضبط حجمه بين المعتزلة والجمهور أخذ الغزالي ينبه إلى (مثارات الغلط)، على حد تعبيره، التي انزلق فيها المعتزلة. وراح يفصّل القول في هذه المثارات بتفصيل وأناة، جاعلاً من المثال المفضّل لدى المعتزلة، وهو حسن إنقاذ الغريق، محط التجربة والبحث.‏
وحديث الغزالي عن مثارات أخطاء المعتزلة –على حد تعبيره- مُسهب وطويل. ولكن بوسعي أن أذكر هنا خلاصة عنه تجسد بحق هذه المزايا التي اختص بها الغزالي عن غيره.
بدأ الغزالي ببيان الحالة التي يكون مثار الغلط فيها واضحاً جلياً، ثم تجاوزها إلى حالة يكون رصد أسباب الخطأ فيها أقل وضوحاً، ثم تجاوزها إلى حالة ثالثة يكون وجه الخطأ فيها خفياً، ولكنه نبه إلى مكمنه وسره من خلال معلوماته الدقيقة العجيبة في مجال علم النفس. وهو ميدان قلما يجول فيه غيره.
أما مثار الغلط في الحالة الأولى، فهو أن الإنسان الذي يندفع إلى إنقاذ شخص يشرف على الغرق، إنما يحمله على ذلك ما يعلم من ثناء الناس عليه وتحدثهم عن شهامته ونجدته، فحسن هذا العمل آت من هذا العارض الخارجي. وإنما يستبين ذلك في حالة وجود ناس من حوله يرون عمله.‏
أما مثار الغلط في الحالة الثانية، فهو أن هذا الذي يندفع إلى إنقاذ ذلك الشخص، يعلم أنه إذا أنقذه من الهلاك فلسوف يحدث الناس عن شهامته وإنسانيته وبطولته فيما أقدم عليه، فيكون هذا التصور باعثاً له على فعله ذاك، فهو آت أيضا من عارض خارجي. غير أن هذا المثار الثاني يكون عندما لا يوجد حول الغريق أو المنقذ من قد يراه من الناس، ولذلك فسبب الغلط هنا أقل وضوحاً.
أما مثار الغلط في الحالة الثالثة، وهي أخفاها وأدقها، (وإنما يكون ذلك عندما يكون المكان خالياً من المارة والناس، ولا تطمع –لسبب ما- في أن يتحدث ذلك الشخص الموشك على الغرق، لأحد عمن أنقذه، فإن الإنسان مع ذلك يندفع إلى إنقاذه) يقول الغزالي، أما مثار الغلط هنا، فهو تأثر النفس الإنسانية عادة بذلك الوهم الذي يسميه (سبق التصور إلى العكس) أقول: وإنما يعني به ذلك الذي يسمونه اليوم برد الفعل الشرطي.‏
ويقف الغزالي هنا، ليعرف القارئ على هذا القانون، ويمضي في تحليله، وبيان كيفية تأثر جل الناس به إن لم نقل كلهم، ويضرب له أمثلة كثيرة مختلفة، حتى إذا فهمه القارئ وتذوقه تماماً، وعرف كيفية تأثيره على الواهمة، عاد فأوضح كيفية انطباقه على قصة إنقاذ الغريق في هذه الحالة الثالثة.‏
ويمضي فيوضح أن هذا الإنسان عندما يرى ذلك الشخص موشكاً على الغرق، وهو يرفع يديه مستنجداً مستغيثاً، لابد أن يتخيل بمقتضى الطبع الإنساني أنه واقع مكانه في ذلك المأزق، وكيف أنه يرى شخصاً يمر به دون أن يكترث به، ويتصور عندئذ مدى المقت والاحتقار اللذين سيشعر بهما تجاهه، فتتأذى مشاعره من هذا التصور بحكم كونه مؤثراً طبيعياً. ثم ينظر إلى حال هذا الغريق فينبعث لديه ذلك التأثر نفسه مقترناً بمنظره وهو يشرف على الغرق دون أن ينقذه أحد، إذ يخيل إليه أنه ينظر الساعة إليه باحتقار وازدراء. فيهب لنجدته عندئذ، بدافع من الرغبة الخفية في أن يرد عن نفسه هذه التهمة التي يتخيلها بمقتضى قانون الإقران، والتي تؤذيه وترمضه بدون ريب.
وقد لا يرصد الإحساس الإنساني في تلك اللحظة، هذا التحليل الدقيق، لاسيما عندما لا يكون الغريق ملتفتاً أو متنبهاً إليه، فيتوهم الرجل أنه ليس مندفعاً إلى الإنقاذ إلا لحسن ذاتي فيه. ولكن الحقيقة أنه يفعل ذلك دفاعاً عن نفسه وكرامته ضد وهم من عادة الإنسان أن يتأثر به أكثر مما يتأثر لكثير من الحقائق الثابتة وإن كان هذا الدافع يبقى في الأغلب خفياً عن ساحة الشعور السطحي.‏
فانظر الآن إلى أصل هذه المسألة كم هي صغيرة وجزئية، ألا وهي مسألة الحكم في مقياس الشرع هل يمكن أن يستقل به العقل دون استناد إلى وحي. إنّ بوسعك أن تقرأها في أي من كتب أصول الفقه المختصرة والمطولة، فلا تجدها تخرج بك عن نطاق مسألة فقهية ذات جذور أصولية.
غير أن الغزالي فككها جزئيات وأجزاءً ووزعها بين أبعادها العلمية المختلفة، وكشف عن الشرايين الواصلة بينها وبين سائر ما تتعلق به من دقائق التحليلات الفلسفية والأحكام النفسية. وأقام من ذلك كله براهين علمية على الحق الذي ذهب إليه أهل السنة والجماعة، وعلى الوهم الجلي آناً والخفي آناً، الذي انجرف فيه المعتزلة(4).
وتلك هي طريقة الغزالي في معالجة وتحليل سائر المسائل والمعضلات العلمية على اختلافها.‏
ولكن فلنعرض مثالاً آخر، نأخذه من غير "المستصفى". وليكن من كتابه "تهافت الفلاسفة".
وحسبك أن تقف منه على ذلك التحليل العلمي العجيب الذي ناقش من خلاله الفلاسفة الإغريقيين ومقلديهم من الفلاسفة الإسلاميين، في مسألة قانون السببية وحقيقته. لقد برهن من خلال بيان طويل الذيل على أن ما نتوهمه سبباً يستلزم على وجه الحتم والضرورة مُسَبَّبَُهُ في دنيا الطبيعة وأشيائها المادية، لا يعدو في الحقيقة أن يكون في حجمه العلمي الدقيق، اقترانات مجردة، أضاف إليها الوهم النفسي من عنده- بسبب طول الاقتران وعدم انفكاكه- حكماً فضولياً من عنده دون أي رصيد علمي، ألا وهو توهم حتمية هذا الاقتران في الماضي وفيما لا يزال؛ وليس لقرار النفس هذا من برهان على ذلك إلا استمرار الاقتران.
وأهم ما في هذا البحث العجيب الذي تناوله الغزالي من أطرافه العلمية كلها، وسبق في ذلك العلماء الوضعيين والتجريبيين الذين جاؤوا فيما بعد، أنه نبه من خلاله إلى ما سماه "اليقين التدريبي" وإلى الفرق الدقيق الذي لا يتبينه كثير من الباحثين بينه وبين اليقين العلمي.
وأنا لا أعلم –اعتماداً على اطلاعي- أحداً سبق الغزالي إلى الحديث عن "اليقين التدريبي" هذا، والفرق بينه وبين اليقين العلمي. ولكم التبس على باحثين وعلماء الفرق بينهما!..
واليقين العلمي هو ذاك الذي يعتمد على براهين علمية مجردة، بعيداً عن سلطان النفس وتأثراتها، وهو يحتاج، كما يقرر الغزالي في أكثر من موضع في كتابه الإحياء، إلى معاناة دائبة تهدف إلى تحرير العقل من أهواء النفس وأوهامها، كما يحتاج إلى تعبيد الطريق إليه وتصفيته من تعاريج الزغل الفكري وتضاريس الظنون والعصبيات.‏
أما اليقين التدريبي فهو ما توافرت لديه البراهين التي تُكسب النفس طمأنينة إليه وثقة بإمكان الاعتماد عليه. ومن أبرز أمثلته فيما يراه الغزالي تلك الاقترانات التي يتخيلها الإنسان أسباباً ومسببات، فإن طول الاقتران بين أمرين دون ظهور أي انفكاك بينهما، يورث النفس طمأنينة بأن الاقتران سيستمر وأن شذوذاً لن يقع في العلاقة القائمة بينهما. وذلك كيقين النفس بأن النار ستظل محرقة، اعتماداً على التجارب المتكررة الماضية التي لم يظهر فيها أي شذوذ.‏
ويقرر الغزالي أن هذا اليقين، وإن لم يكن علمياً، غير أن فيه من القوة ما يكفي للاعتماد عليه في إقامة أنظمة الحياة، والتعامل معها طبقاً لنواميسها القائمة، وما يضمن للإنسان أن لا يتيه ويضطرب وسط الاحتمالات العقلية التي قد تجعله لا يثق بشيء، خصوصاً عندما سمع العلماء يقولون: إن هذه الاقترانات القائمة بين ما نراه أسباباً ومسببات لا وثوق بها، وليس ثمة دليل علمي على حتمية العلاقة بينهما.‏
غير أن على الإنسان أن يتحرر من هذا اليقين التدريبي عندما يريد أن يتأمل ويحاكم الأمور إلى براهينها العلمية الصافية عن الشوائب، وأن يحرص على وضعها في ميزان القرار العقلي المجرد. ذلك لأن التعامل السلوكي مع الحياة شيء، ودراسة قوانينها على ضوء الأدلة العلمية المجردة شيء آخر(5).‏
وأعود فأكرر ما قلته: إنني لا أزال أعتقد أن الغزالي هو أول من كشف عن هذا الفرق بين هذين النوعين من اليقين: اليقين التدريبي النفسي، واليقين العقلي المجرد، وميز بين وظيفة كل منهما، وحدد لكل منهما مجاله وعمله.‏
فإن كنت مخطئاً، وكان ثمة من سبق الغزالي إلى بيان هذه الحقيقة الهامة، فله مني الشكر الجزيل، إن هو تكرم فنبهني إلى ذلك، وذكر لي اسم ذلك العالم أو الفيلسوف الذي سبقه إلى الحديث عن "اليقين التدريبي" ومظاهر الفرق بينه وبين "اليقين العلمي".‏
ولا ريب عندي في أن هذا التحليل الهام، يشكل مَعلمَة بالغة الأهمية على طريق منهج المعرفة والسلوك.‏
وبعد، فإن الحديث عن الإمام الغزالي يظل مبتوراً ما لم يتوّج بالحديث عن كتابة العجيب العظيم: إحياء علوم الدين.‏
ولا ريب عندي في أن هذا الكتاب من أعاجيب المؤلفات النادرة في تاريخ التراث الإسلامي العربي. إنه في الحقيقة موسوعة علوم شتى. فقد ضم في ثناياه علم النفس، والأخلاق، والاجتماع، والفلسفة، إلى جانب العلوم الإسلامية من عقيدة وفقه وتصرف (أعني علم أمراض القلب وعلاجاته). إلا أنك لا تجد هذه العلوم المختلفة المتنوعة منثورة فيه على انفراد، كمخزن ضم أصنافاً من البضائع المتراصة. وإنما صاغ منها الإمام الغزالي جوانب وأركاناً متناسقة متماسكة لبنيان علمي واحد أقام منه مجمّعاً للحقائق الإسلامية الكاملة التي لا مزيد عليها.
إن الذي ينشد معرفة الغزالي الضليع في تحليل النفس الغائص في أسرارها والمتمكن من علومها بوسعه أن يعرفه بهذه الصفة تماماً من خلال مطالعة كتابه إحياء علوم الدين. والذي ينشد معرفة الغزالي ذي الباع الواسعة في علم الاجتماع والأخلاق وفلسفتهما ومقوماتهما، فليبحث عنه في كتابه الإحياء. والذي ينشد معرفة الغزالي أستاذ التربية الإنسانية والمشخّص بدقة لمراض النفس التي تعصف بسعادة الفرد والمجتمع، والواصف لأدويتها وعلاجاتها وسبيل الوقاية منها، بوسعه أن يعثر عليه في هذا الكتاب ذاته: الإحياء. والأديب الذي يبحث عن الغزالي الكاتب، المحلل، الذي يقتنص بقلمه أدق المعاني وأعوصها، فإذا هي جلية سائغة الفهم، مصوغة بأدق العبارات وأبسطها، مكسوة بأجمل الأساليب التي تتنزه عن الركاكة والتعقيد، وتسمو على الصنعة والتكلف سيجده في كل ما يقع عليه من مؤلفاته المتنوعة، ولكن إن أبى أن يوجع رأسه بمسائل العلوم الدقيقة، فليتلمسه في كتابه الإحياء فسيجد فيه السهل الممتنع سواء من حيث المضمون العلمي أم من حيث الصياغة والأسلوب.‏
هذا الكتاب العظيم العجيب، فيه ثغرة واحدة من النقص، وجلّ من انفرد بالكمال المطلق عن جميع عباده.‏
هذه الثغرة هي وجود كثير من الأحاديث الضعيفة وربما الموضوعة فيه؛ وقد عثر أولئك الذين يحبون انتقاصه ويبحثون له عن زلة كي يشهروه بها على رؤوس الناس، من هذه الثغرة على ما يشبه الكنز المحبب إليهم. فأخذوا يقومون ويقعدون بالحديث عنها، وبذلوا قصارى جهدهم في أن ينسجوا منها حجاباً يسدلونه على كل ما في هذه الموسوعة العلمية من خير وذخر ومعين تربية وتعليم للأجيال!..‏
غير أن من دلائل رضى الله عن هذا الكتاب العظيم، أن قيّض له من يأتي فيتدارك فيه هذا النقص ويسدّ تلك الثغرة. فقد أقبل العلامة الحافظ زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي المتوفى عام 806هـ فخرّج جميع الأحاديث الواردة في الاحياء، فكان ذلك ذيلاً مباركاً متمماً له، مقروناً به إلى هذا اليوم.‏
وقد كان هذا العمل الجليل الذي قام به الحافظ العراقي، مثالاً جلياً للفرق بين من يرى نقصاً في عمل عظيم الفائدة والخير، فينشط لتكميل ذلك النقص الذي فيه، غيرةً منه على ذلك الخير أن لا ينقطع عن الناس رفده، وتعاوناً مع صاحب ذلك الغرس على البناء ونشر كلمة الحق، وبين من لا يُهمّه إلا أن يعثر على النقائص ليجعل منها معولاً لتحطيم البناء، ويسعى لالتقاط مظاهر التقصير ليُشهرها بين الناس على رماح ضغائنه وأحقاده.‏
أما الغزالي الفيلسوف، فهو لم يعجب فريقين من الناس:‏
الفريق الأول، أولئك الذين تركن نفوسهم إلى تلك الفلسفات التي تحاول أن تنهج بالأفكار منهجاً مادياً ينأى عن الصراط الإسلامي ومبادئه ومُثُله. فهؤلاء يجنحون إلى فلسفة أمثال ابن سينا وابن رشد والفارابي ومن سلك مسلكهم، والغريب أن فلسفة هؤلاء الناس تمثل الفكر التقليدي الرجعي المتقوقع في العتيق من الفلسفات الإغريقية القديمة، بينما تمثل فلسفة الغزالي الفكر التقدمي المتجدد الثائر على القديم الذي تبيّن خطؤه، ومع ذلك فإنك تنظر إلى هذا الفريق الذي يرفع فوق رأسه لواء التقدم والتجديد، يحارب التقدم العلمي الحق في فلسفة الغزالي، وينتصر للرجعية القديمة في آراء الفارابي وابن رشد!...‏
أما الفريق الثاني، فهم أولئك الذين ينعتون أنفسهم بالسلفية، ويدّعون ارتباطهم الشديد بمنهج العصور الثلاثة الأولى في صدر الإسلام. ولما كان صدر الإسلام لا يعرف شيئاً من هذه (الرعونات الفكرية المبتدعة) فقد كان على أجيال المسلمين فيما بعد أن تبقى على تلك الحال، وأن لا تشغل ذهنها بهذا النوع من العلوم. ونظراً إلى أن الغزالي قد أقبل إلى هذا العلم فدرسه وتعلمه، وأصغى إليه بفكره وعقله، فقد شذ عن صراط السلف وهديه، وانحرف بذلك وابتدع!..‏
هكذا يقول رجال هذا الفريق!.. يقولون ذلك دون أن يسألوا عقولهم: وماذا صنع الغزالي بالفلسفة الإغريقية بعد أن درسها وتعرف عليها؟ وهل حصّن العقل الإسلامي المتحرر ضد وباء تلك الفلسفة وغثائها أحد غير الغزالي عندما تعلمها فكشف الزيف الذي فيها، وأطفأ بريقه الخداع بموازينه العلمية الدقيقة، ثم رمى به بعيداً عن أودية الإهمال والنسيان؟‏
ومن المعلوم أن رائد هذا الفريق من الناس في محاربة الفلسفة والمنطق والتحذير من دراستهما هو ابن تيمية رحمه الله. ولكن العجيب حقاً أنك، عندما تصغي إليه وهو يسخّف المنطق والفلسفة ويحرم على الناس تعلمهما، تجده لا يستدل على ذلك إلا بما قد حفظه وتعلمه من هذا العلم المحرّم ذاته. فهو ينقل لك أقوالهم ويسخف آراءهم ويسخر من موازينهم المنطقية، ثم يستدل بصنيعه هذا على أن الخوض في هذا الفن حرام!.. فيا لله من رجل يحرم على الناس ما يبيحه لنفسه!.. ويا عجباً لمنطق من يقول: لقد تعلمت لكم الفلسفة، فرأيتها باطلاً من القول. فلا تتعلموها إذن، فهي عليكم حرام!..‏
أما نحن فأولى بنا أن نقتدي بفعل ابن تيمية، الذي استجازه لنفسه؛ لا أن نقيد أنفسنا بأقواله التي صدّرها لغيره. وهذا ما فعله الإمام الغزالي تماماً، وهذا ما يجدر بالمسلمين كلهم أن يفعلوه.ودعني أنقل لك كلاماً من رسالة وجهها العلامة المحدث الحافظ عفيف الدين المطري، إلى ابن السبكي رحمه الله يحدثه فيها عن الغزالي وبعض من رجال هذا الفريق.‏
"وأما ما ذكره الشيخ تقي الدين بن الصلاح فما ذكره من عند نفسه ومن كلام يوسف الدمشقي والمازري، فما أُشبّه هؤلاء الجماعة رحمهم الله إلا بقوم متعبدين سليمة قلوبهم، قد ركنوا الهوينى، فرأوا فارساً عظيماً من المسلمين، قد رأى عدواً عظيماً لأهل الإسلام فحمل عليهم وانغمس في صفوفهم، وما زال في غمرتهم حتى فل شوكتهم وكسرهم، وفرّق جموعهم شذر مذر، وفلق هام كثير منهم. فأصابه يسير من دمائهم، وعاد سالماً، فرأوه وهو يغسل الدم عن نفسه، ثم دخل معهم في صلاتهم وعباداتهم. فتوهموا أيضاً أثر الدم عليه، فأنكروا عليه!.. هذا حال الغزالي وحالهم. والكل إن شاء الله مجتمعون في مقعد صدق عند مليك مقتدر(6).
بقي أن أتكلم على كتاب الغزالي "المنقذ من الضلال" هذا الكتاب الذي يمثل في تاريخ تراثنا العربي الإسلامي، باكورة ما يسمى اليوم بالقصة أو السيرة الذاتية.‏
والكلام على هذا الكتاب طويل الذيل، تتفرع عنه مسائل وبحوث في غاية الأهمية. لا يمكن إعطاؤها حقها في هذه الأسطر المتبقية من هذا البحث.‏
وقد كنت بين أن أفرد هذا المقال للحديث عن "المنقذ من الضلال" فلا أعرض لشيء من الجوانب التي عرضت لها عن مزايا الإمام الغزالي، وبين أن أكتب ما قد ذكرت مما يتعلق بشخصيته العلمية عامة، وأرجئ الحديث عن "سيرته الذاتية" هذه إلى فرصة أخرى. وكان أن اختار اللهلي ما قد فعلت.
غير أني أريد أن أختم حديثي هذا بما قد نبه إليه معظم من ترجم للإمام الغزالي، وهو أن ثمة كتابين يُنسبان إليه ويُقحم ذكرهما في قائمة مؤلفاته. وهما، السر المكتوم، والمضنون به على غير أهله.‏
والواقع أن هذين الكتابين ليسا للإمام الغزالي، بل وضعا عليه، ودُسا بين مؤلفاته زوراً وبهتاناً. نص على ذلك الأسنوي في ترجمته له، وابن العماد في كتابه شذرات الذهب، وابن السبكي في طبقات الشافعية وغيرهم.‏
والحديث عن صناعة الدس في تاريخ تراثنا الإسلامي من الأهمية بمكان. ومن المعلوم أن أبطال هذا السلوك الشائن طائفة من الزنادقة، كان شأنهم أن يبتغوا إلى نشر أفكارهم الزائفة أقرب السبل وأيسرها إلى أذهان الناس. وذلك بأن يعمدوا إلى كتاب من أكثر الكتب رواجاً بين الناس لمؤلف نال أعلى درجة من الثقة فيما بينهم، فيدسوا فيه ما شاؤوا من أباطيلهم، ثم يتركوها تروج بتلك الطريقة بين العقول.‏
ومن أشهر الكتب التي حشدها هؤلاء الزنادقة بما شاؤوا من أباطيلهم كتاب الفتوحات للشيخ محيي الدين بن عربي، كما نص على ذلك العلاّمة المقري صاحب نفح الطيب، وابن العماد في كتابه شذرات الذهب، والشعراني في كتابه اليواقيت والجواهر، والحاجي خليفة في كتابه كشف الظنون. ومن أشهر من دسوا عليه أيضاً الإمام الغزالي في أماكن من كتابه الاحياء، وفيما أقدموا عليه من إلصاق الكتابين المذكورين به وهو منهما بريء. بل إن معظم ما يدور عليه مضمون كتابه تهافت الفلاسفة، ليس إلا تحطيماً وتمزيقاً لما أثبته أولئك الزنادقة في هذين الكتابين اللذين دسوهما عليه.‏
ولعل الله يوفق، فنتوفر على كتابة بحثٍ مستقلٍ عن قصة هذا العمل الخطير في تاريخ تراثنا الإسلامي والله ولي التوفيق.‏

د.محمد سعيد رمضان البوطي‏

فرحوح ج 21-11-2008 07:15 PM

رد: الإمام الغزالي ذو فكر منهجيّ فذّ واختصاصات علميّة شتّى
 
http://www.gulflobby.com/upload/get-...m_lk5f77sg.gif
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
اعلام عاشوا في قلوبنا ...و عقولنا ...
تعلمنا منهم الكثير ...جزاهم الله الجنان
كنت انتظر بشغف حديث الاثنين للشيخ
الغزالي رحمه الله ... دون ان انسى ملتقيات
الفكر الاسلامي التي كانت تبث يوم الخميس
حين كانت الجزائر ملاذ الدعاة ...
جزاكم الله خيرا ...دمتم بالف خير
http://www.gulflobby.com/upload/get-...m_lk5f77sg.gif

nadjet89 21-11-2008 07:38 PM

رد: الإمام الغزالي ذو فكر منهجيّ فذّ واختصاصات علميّة شتّى
 
فعلا اختي فضيلة ...................جزاك الله خيرا

عبد الله ياسين 21-11-2008 08:33 PM

رد: الإمام الغزالي ذو فكر منهجيّ فذّ واختصاصات علميّة شتّى
 
للتصحيح فقط ؛ الشيخ البوطي يتكلّم عن حجّة الإسلام أبى حامد الغزالي مجدّد القرن الخامس الهجري ؛ و حديثه لا يتناول العلاّمة محمّد الغزالي المُعاصر رحمه الله برحمته الواسعة

بارك الله فيكم و رحم الله أئمّتنا

عبد الله ياسين 21-11-2008 08:57 PM

رد: الإمام الغزالي ذو فكر منهجيّ فذّ واختصاصات علميّة شتّى
 
للفائدة ننقلُ لكم المزيد من كلام الشيخ البوطي حول حجّة الإسلام و حبر الأنام الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله...

نسخهُ أخٌ فاضل :


قال العلامة البوطي حفظه الله في كتابه "شخصيات استوقفتني" ص(101) طبعة دار الفكر ضِمنَ وقفته مع حجّة الإسلام الإمام أبوحامد الغزالي :

الأوهام التي أُلصقت بالغزالي فانتقصوه بسببها

مما لا ريب فيه أن الغزالي لم يكن معصومًا عن الزلل والخطأ، شأنه في ذلك شأن الناس جميعًا حاشا الرُّسل والأنبياء. ولكنَّ تعرُّضه للخطأ بحكم كونه غير معصوم ما ينبغي أن يكون ثغرة تُسرِّبُ إليه من خلالها الاتِّهامات الباطلة، أو مظهرَ ضعف يُنْسَبُ إليه بسببه ماليس فيه.

غير أن في الناس من فعلوا ذلك، أي نسبوا إليه أوهامًا باطلة. منهم من كانوا معاصرين له، ومنهم من جاؤوا بعده.

وفي الناس من وقفوا له على مآخذ وأفكار في بعض كتبه قد نؤيدهم في أنها غير صحيحة أو غير دقيقة أو خاضعة للنقاش والبحث، ولكنهم بدلاً من أن يلتقطوها فينبِّهوا إليها ويحذِّروا منها، أخذوا الجار بظلم الجار، وحكموا على كل الكتاب الذي هي فيه بالحرق أو الإتلاف !!..

وأنا أتتبع تلك الأوهام التي أُلصقت به ظلمًا، وهذه المآخذ التي اُتُّخِذَت ذريعة لنسف غيرها، لأتسائل بعد ذلك في عجب: أهو جهل ساق أصحابه إلى ما قد تورّطوا فيه، أم هي حفيظة جرّت أصحابها عمدًا إلى دسيعة ظلم ؟

[ الغزالي يُقدِّم كتابه (المستصفى) بمسائل من المنطق اليوناني ! ]


فمن قبيل الأوهام التي ألصقت به وهو منها بريء، ما قاله بعضهم، من أنه -أي الغزالي- صدَّر كتابه (المستصفى) بطائفة من مسائل المنطق اليوناني، ثم زعم أن العالم لا ثقة بعلمه إن لم يخضع علمه لمعايير هذا المنطق وأحكامه، ومن ثم ألزم الناس بأن يجعلوا من تلك المعايير سلّمًا إلى بلوغ علومهم ومعارفهم (1) .

وأقول: أغلب الظن أن هؤلاء لم يقرؤوا شيئًا من هذه المقدمة التي افتتح بها الغزالي كتابه (المستصفى) ، ولم يزيدوا على أن استعرضوا عناوينها، فشمّوا منها رائحة المنطق اليوناني حسب ما خيل إليهم، أو رأوا فيها بعض اصطلاحاته الشائعة، فضاقت بها صدورهم، وأعرضوا عنها، بعد أن حكموا عليها حكمًا غيابيًّا دون قراءة متبصِّرة.

ولو أنهم تمهَّلوا فقرؤوا، لرأوا أن الغزالي صاغ في تلك المقدمة منهجًا علميًا للمعرفة، متحرِّرًا وبعيدًا عن المنطق اليوناني، وهو ذلك المنهج الإسلامي الذي تعتزُّ به حضارتنا العربية والإسلامية أيما اعتزاز
(2) ، من ذلك تنوُّع المقارنة العلمية بين متعددين وانقسامها إلى ما يسمى بالترادف والتخالف والتضاد والتناقض .. وانقسام المقارنة بين عامين متفاوتين في درجة العموم، إلى عموم وخصوص مطلق، وإلى عموم وخصوص من وجه .. ومن ذلك الدلالة المنبثقة عن الاقتضاء، والدلالة المنبثقة عن اللزوم بأنواعه الوضعي والطبيعي والعرفي واللغوي .. ومن ذلك التنبيه إلى انقسام المعنى الذي في الذهن إلى كلٍّ ذي أجزاء، وإلى كلِّي ذي جزئيات، ... إلخ، فمن هو هذا الذي يجهل أن هذه ليست إلا جملة قواعد تنظيمية، يفرزها العقل الإنساني للانضباط بها والسير بمقتضاها، لدى السير في مجال البحث واكتشاف المعلومات والوصول إلى مستوى اليقين بشأنها ؟ والعقل لا يكون عقلاً إلا إن هدى صاحبه إلى هذا النظام في طريق المعرفة والاستنباط.

نعم، قد تجد في مقدمة الغزالي هذه كلمات وعبارات تنتسب إلى مصطلح المنطق اليوناني، ولكنها كلمات مفككة ومقطعة الأوصال، ومحوَّلة إلى ما يشبه أنقاضًا، أُدخِلَت في قِوام بنيان مستقل، لمنطق عقلي منهجي إسلامي سديد .. فلئن كان هذا أيضًا غير مقبول، وكانت غاية هذا المنتقد أن يتبرَّأ اللّسان العربي والفكر الإسلامي، من كل ما في المنطق اليوناني من ألفاظ وعبارات ومصطلحات، فإنه لمطلب عسير، بل متعذر على العقل الإنساني وعلى اللسان العربي أيًّا كان صاحبه، وهيهات للناقد ذاته أن يتحقق بهذا الذي يدعو إليه.

على أنه ما من باحث يستطيع أن يبرهن على أن بنيان المنطق الأرسطاطاليسي، بكل جزئياته وكلِّياته وتصوُّراته وقواعده وألفاظه الاصطلاحيّة لغوٌ وباطلٌ من القول !..

بل الثابت يقينًا، أن الباطل الكثير والكبير الذي فيه، لا يتماسك إلا اعتمادًا على موازين وأحكام صحيحة ودقيقة قلَّت أو كَثُرت .. وإنما يتمثَّل الإبداع العلمي والتحرر العقلي في أن يتمتع الباحث بشخصيته المستقلة، ثم يتحصَّن بطاقة علمية ممتازة، ثم يقتحم ميادين الأفكار والعلوم والفلسفات كلها، فيلتقط منها الحق ويتجنَّب الباطل ويحذر منه.

وتلك هي حقيقة المقدمة المنهجية التي أقام منها الغزالي مدخلاً إلى كتابه (المستصفى) .

* * * * *

[ الغزالي عَكَف على قراءة (رسائل إخوان الصفا) ! ]

ومن الأوهام التي ألصقت بالغزالي وهو منها بريء، ما قاله الإمام أبو عبد الله المازَريُّ المالكي في مجال النقد والطعن عليه، من أنه كان يعكف على قراءة (رسائل إخوان الصفا) !.. وهي رسائل مُزِجَ فيها القليل من الحق بالكثير من الباطل(3) .

وأقول: ما هو محطُّ الإنكار في هذا على الغزالي ؟ أهو قراءة هذه الرسائل والاطِّلاع على ما فيها، أم هو تأثُّر الغزالي بها وقبوله للباطل الذي فيها ؟

إن كان مجرّد القراءة هو محطُّ الإنكار، فقد علمنا أنه ليس في كتاب الله ولا في سنّة رسول الله ولا في شيء من قواعد الشرع ما يدلُّ على أن قراءة كلام المبطلين أو الإصغاء إليه، لمن يريد أن يكشف عن عواره، ويعلن عن بطلانه وزيغه، من الانحراف الذي يستوجب الطعن. بل قرأنا في كتاب الله تعالى ما يدلُّ على أنه واجب كفائي يثاب عليه. وهو قول الله تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [النحل: 16/125] ، وهل تكون مجادلة المبطل إلا بعد الإصغاء إلى الباطل الذي يتمسك به ويدعو إليه ؟ وهل يكون الإصغاء إلا بقراءة ما هو مكتوب، أو بسماع ما هو منطوق ؟

وقد نقل الغزالي في (المنقذ من الضلال) إنكار من سمَّاهم بعض أهل الحق، في تقريره لشبه المبطلين وإبرازها وتجليتها بين يدي إبطالها والرَّد عليها، إذ يُؤدي ذلك -من وجهة نظرهم- إلى الترويج لها والتعريف بها. ثم قال ما نصّه :
(( وهذا الإنكار من وجه حق، فقد أنكر أحمد بن حنبل على الحارث المحاسبي رحمهما الله تصنيفه في الرَّد على المعتزلة، فقال الحارث: الرد على البدع فرض. فقال أحمد: نعم، ولكنك حكيت شبهتهم أولاً ثم أجبت عنها، فبِمَ تأمن أن يطالع الشبهة من يعلق ذلك بفهمه، ولا يلتفت إلى الجواب، أو ينظر في الجواب، ولا يفهم كنهه ؟ )) . ثم قال الغزالي:
((وما ذكره أحمد بن حنبل حق، ولكن في شبهة لم تنتشر ولم تشتهر. فأما إذا انتشرت، فالجواب عنها واجب، ولا يمكن الجواب عنها إلا بعد الحكاية. نعم ينبغي أن لا يتكلَّف لهم شبهة لم يتكلَّفوها، ولم أتكلَّف أنا ذلك ))
(4) .

وإن كان محطّ الإنكار هو دعوى تأثُّر الغزالي بالفلسفات الباطلة التي حشيت بها (رسائل إخوان الصفا) ، وقبوله لها، فأين هو مصداق هذه الدعوى، وما وجدنا لدى الغزالي إلاّ نقيضها ؟.. وما هي المسائل التي جرى وراءها، فاقتنع بها وتقبّلها، ولم نجد في جملة ما عاد به الغزالي من قراءته لتلك الرسائل إلاَّ كشفًا لزيفها، وتدليلاً على بطلانها، ؟ ثم زاد فحذَّر من الإقبال على (رسائل إخوان الصفا) وأمثالها، ومن الركون إليها، بالنسبة إلى من لم يبلغ درجة القدرة على تعريتها، وفضح الدَّجل المعشَّش فيها. يقول:
(( .. إن من نظر في كتبهم (كإخوان الصفا) وغيره، فرأى ما مزجوه بكلامهم من الحكم النَّبوية والكلمات الصوفية، ربما استحسنها وقبلها، وحسَّن اعتقاده فيها. فيسارع إلى قبول باطلهم الممزوج به، لحسن ظنِّه بما رآه واستحسنه. وذلك نوع استدراج إلى الباطل . ولأجل هذه الآفة يجب الزَّجر عن مطالعة كتبهم، لما فيها من الغدر والخطر. وكما يجب صون من لا يحسن السباحة عن مزالق الشطوط، يجب صون الخلق عن مطالعة تلك الكتب. وكما يجب صون الصبيان عن مسِّ الحيات، يجب صون الأسماع عن مختلِط الكلمات ))
(5) .

فيا عجبًا لحال من يأخذ الغزالي بما يجب أن يشكره عليه، ويطعن فيه بما هو مناط مثوبة وأجر !..

ويتبع هذا الطعن ذاته، إنكارُ المازَري عليه قراءته لابن سينا، فقد رأى في ذلك نقيصة كبرى تلحق به !!..

وأقول: لقد كان من نتيجة قراءة الغزالي آراء ابن سينا وأفكاره أن أثبت موجبات كفره، ودلائل زيغه عن المحجة، وشروده إلى أودية التيه، وتوغُّله في الأوهام الباطلة، وتحذيره الناس من الانخداع ببهرج زيفه. فهل يفسَّرُ إنكار المازَري على الغزالي فعله هذا إلا غيرة على ابن سينا، وإشفاقًا عليه من فضح الغزالي له ؟..

أما إن كان المازَريُّ يعني أن مجرد قراءة الغزالي لابن سينا وأمثاله يعدُّ انخراطًا في مذهبهم وقبولاً لباطلهم، فلعله ينكر على رسول الله صلى الله عليه و سلم أيضًا يوم كان يُصغي إلى أوهام أبي جهل وأضرابه ليبطلها ويردّها عليهم، أنه قد انخرط بذلك في سلكهم وانضمَّ إلى ضفِّهم !.. ولكن أفيعقل هذا، أو يقبله منصف ؟!..

* * * * *

[ قول ابن العربي: الغزالي بلع الفلاسفة، وما استطاع أن يتقيَّأهم ! ]

ومن هذه الأوهام التي نسجت فألصقت بالغزالي، وهو منها بريء، بل هو قائم ومعتزّ بنقيضها، ما نقله الذهبي عن أبي بكر بن العربي أنه قال: ((شيخنا الغزالي بلع الفلاسفة، وأراد أن يتقيّأهم فما استطاع )) (6) !!..

ألا ليت ابن العربي وضعنا أمام مدلولٍ لكلامه البليغ هذا: (( .. بلع الفلاسفة)) حتى نلاحق الغزالي بعد ذلك ونهيب به أن يتقيّأهم .. متى وكيف بلعهم، حتى يتقيّأهم ؟

لو أن ابن العربي لفت أنظارنا إلى لوثة واحدة من أخيلة الفلاسفة وسماديرهم، خُدِعَ بها الغزالي فركن إليها وأخذ بها، لردَّدنا معه كلمته البليغة: (( بلع الفلاسفة )) .

ولقد قلت لنفسي ذات يوم، لعلَّ ابن العربي رأى من تأثُّر الغزالي بأوهام الفلاسفة مالم نره، ولم يشأ أن يتبع الادّعاء بالبيّنة فاكتفى بجملته البليغة الأدبية هذه. فقمت أتتبع مظانّ ذلك في سائر ما خلفه الغزالي لنا من حربه العلمية للفلاسفة وأفكارهم الزائغة، بدءًا بتهافت الفلاسفة، فلم أجد أنه قد خُدِعَ بشيء من أوهامهم أو تحيَّز أو انزلق إلى باطل من أفكارهم. وإنما رأيته يتتبع ضلالاتهم ويذيبها بحججه العلمية القاصمة، مستعملاً كلما اقتضى الأمر أساليبهم وأسلحتهم.

قالوا بالقدم النوعي للعالم وألبسوا دعواهم هذه كسوة العلم، التي اغترَّ بها أمثال الفارابي وابن سينا .. فكان أن مزَّق الغزالي عن هذه الدعوى ثوبها الزائف، وخنقها بحبال من البراهين العلمية، التي لا يتأتى للمتعاملين بأساليب الفلسفة جحود أيّ منها، والتي تسجد لقرار الله القائل: { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } [الرَّعد: 13/16 ، الزُّمر: 39/62 ] .

أنكروا النّشأة الثانية بعد الموت، واصطنعوا لإثبات إنكارهم أغلوطات وألوانًا من المخرقة، طالما خدعت كثيرًا من ذوي الألباب، فقيَّض الله من الغزالي لسانًا لم يتمتّع به غيره، وأنطقه بحجج علمية دقيقة لم يتبيّنها غيره، ودفعه اللُّطف الإلهي، مجهزًا بالحجة القاصمة ولسانها المبين، إلى ساحة الانتصار للحق الأبلج الذي أكده كتاب الله القائل: { أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ } [ القيامة: 75/3 - 4] ، فقام وحيدًا في تلك الساحة، يستنطق العلم منضبطًا بمنهجه وموازينه، شاهدًا لبيان الله، بل ساجدًا لقراره ووعده. ورأى العالم أجمع مشهد الباطل كيف تتبدّد أخيلته، وكيف ينهزم الكلام الضبابي أمام المنطق العلمي السديد، المحبوك نسيجه من سدى العقل ولحمة النقل.

زعموا أن للأسباب تأثيرًا ذاتيًا فيما يسمونه المسببات، ونسوا أو تناسوا أن الذي قدّم الأول فجعله سببًا، وأخَّر الثاني فسمِّي مسبّبًا، إنما هو الله، وأن الذي خلق التأثير في هذا الثاني، إنما هو الله ذاته، الذي أعطى الأول دور الفاعل المسبّب، وحمَّل الثاني آثار المنفعل المتسبّب .. فجاءهم الغزالي بحقائق علمية ساطعة، لم يُسبق إليها من قبل، ولا نسج على منواله فيها أحد من بعد، واستنطق العقل، مستندًا إلى دليل التجربة والمشاهدة، بأن علاقة ما بين السبب والمسبب فيما يؤكده العلم وتؤيّده التجربة، ليست إلا علاقة اقتران استقر فاستمرّ، فخيل إلى الناظر أن الاقتران الدائم نتيجة تأثير. ثم برهن على أن هذا الخيال عريٌّ عن أي مستند علمي، مذكِّرًا بأن العلم لا يسمّى علمًا، إلا إن كان تابعًا للمعلوم، وأن الافتراض الذهني أبعد ما يكون عن العلم عندما يفرض على المعلوم، أي الواقع الخارجي، أن يكون هو التابع له ..

وانتصر الغزالي في نهاية جولة علمية رائعة، يشهد له بها اليوم العالم كله، للبيان الرَّباني الذي يحصر الفاعليّات كلها في الذات العليّة الذي بيده الخلق والأمر، القائل: { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا } [ فاطر: 35/41 ] ، والقائل: { وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ } [ الرّوم: 30/25 ] ، والقائل عن سفينة نوح: { وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } [ القمر: 54/13 - 14 ] .

فإذا كان الانتصار لدين الله وعقائد الإسلام، وتبديد الشُّبهات التي قد تتكاثر بفعل الزنادقة أو الفلاسفة التائهين، بين عقول الناس ونصوص الكتاب المبين، يسمى ابتلاعًا لهؤلاء الفلاسفة أو الزنادقة، إذن فرسول الله صلى الله عليه و سلم كان أول مبتلع للمشركين، الذين طهَّر الله الجزيرة العربية به منهم !.. ولكن لماذا يتمنى ابن العربي رحمه الله لو عاد فتقيّأهم ؟

ألا ليت أن أبا بكر بن العربي كان حيًّا لأسأله فيجيبني: ماذا يعني بهذه الكلمة الإنشائية التي لا يستبين لها معنى ؟ أهي مدح تعبر عن ذوبان الفلاسفة وفلسفتهم في ضرام حججه الدامغة الخادمة لكتاب الله والمؤيدة لما جاء به من الحق ؟ إذن فلماذا يريد منه أن يعود فيتقيّأهم، ليعودوا إلى سابق لغوهم ؟ أم هي كلمة قدح تعبر عن النقيض، أي عن ابتلاعهم له، وهيمنتهم عليه، وتبديدهم لبراهينه وحججه ؟ فأين هو مصداق ما يقول ؟ وها نحن لا نرى على صعيد الواقع المشاهد إلاَّ نقيض هذا النقيض. وما أظن إلا أن ابن العربي سمع بكتاب ( تهافت الفلاسفة ) ولم يتوفر على قراءة شيء منه !!..

* * * * *

[ الغزالي انحرف عن طريق العلماء إلى التصوف والوساوس !! ]

ومن الأوهام التي ألصقت بالغزالي ما رواه الذهبي عن محمد بن الوليد الطَّرطوشي في رسالة له إلى ابن المظفر، أنه قال عنه: (( أما أبوحامد فقد رأيته وكلمته، فرأيته جليلاً من أهل العلم واجتمع فيه العقل والفهم)) إلى أن قال: ((ثم بدا له البعد عن طريق العلماء، ودخل في غمار العمّال، ثم تصوَّف وهجر العلوم وأهلها، ودخل في علوم الخواطر وأرباب القلوب ووساوس الشيطان، ثم شابها بآراء الفلاسفة ورموز الحلاج، وجعل يطعن على الفقهاء والمتكلِّمين، ولقد كاد أن ينسلخ من الدين ..)) (7) .

أقول: وهذا الذي ذكره الطرطوشي عن الغزالي، سلك فيه مسلك المازَريّ وابن العربي من اتّهام الغزالي بعموميات، لا تنحطُّ على أي جزئيات وتفاصيل يمكن استبانة الحق فيها من صدق هذا الاتِّهام أو عدم صدقه .. فاتِّهامه مثلاً بأنه دخل في غُمار العمّال، وبأنّه تَصوَّفَ .. وهجر العلوم وأهلها .. ودخل في علوم الخواطر .. ووساوس الشيطان، وشابها بآراء الفلاسفة ورموز الحلاج .. إلخ. كل هذا تعميم لا يستبين من ورائه أي مثال تفصيلي ينهض شاهدًا على صدق هذا الاتّهام أو عدم صدقه.

فما التَّصوف المذموم الذي اتّهم به ؟ وما الدليل على ذلك من قوله ؟ وما هي علوم الخواطر التي دخل فيها ؟ وما هي أمثلتها التفصيلية التي بوسعنا أن نضعها في ميزان الكتاب والسُّنة لنتبيَّن أهي من الخواطر السَّيئة المبتدعة، أم من العلوم والمعارف المستحسنة ؟ وما هو المقصود بوساوس الشياطين ؟ وما السبيل الذي تبين له من خلالها أنها وساوس الشياطين وليست إلهامات من الله عزّ وجلّ ؟ وما هي آراؤه التي استقاها من ضلالات الفلاسفة ؟ وما هي الرموز التي نقلها فتبنّاها ودعا إليها من الحلاّج ؟ وقد علمنا كما علم الذهبي ونقله، أن الغزالي كفَّر الحلاج بعباراته التي فاه بها مخالفًا للشرع، وأيَّد قتله
(8) !..

إن هذه الادِّعاءات تظلُّ حجة على مدَّعيها إلى أن يدعمها بتفاصيل الأقوال والاعتقادات المؤيّدة، فكيف .. وإن مؤلَّفات الغزالي تنطق في تفاصيلها بنقيض هذه الادِّعاءات ؟

والعجيب أن الطرطوشي انتقد هجر الغزالي للتّعليم في النِّظامية معبِّرًا بهذا التّعميم العجيب: ((هجر العلوم وأهلها)) دون أن يشير إلى أنه قد عاد إليها بعد ذلك متجاهلاً السبب الذي من أجله ترك التعليم والوظيفة إلى حين ..

بل الأعجب من هذا أن الطرطوشي ينتقد الغزالي بهذه العموميات التي ينسبها إليه، دون دليل، ولم ينتقده للعيوب الكبرى التي كان يعاني منها الغزالي أيام تدريسه في النِّظامية وإقباله على مجد الأستاذيّة والتَّعليم، من التَّباهي على الآخرين بعلومه واستخفافه بهم، وقصده من أعمال التَّأليف والتدريس بلوغ المجد الدنيوي ومنافسة الأقران. وهو ما اعترف به الغزالي وعرف من نفسه. ولو أن الطرطوشي وقف عند هذا العيب الكبير وانتقده بسببه لكان الغزالي أوّل مؤيدٍ ومصدقٍ له.. ولما انتقده عندئذٍ بسبب ما عبَّر عنه بهجره التعليم وأهله.. فمنذا الذي ينتقد المقبل على الصلاة، إذا انصرف عنها ليغتسل ويتطهَّر أولاً ؟..

إن الذي ميَّز الإمام الغزالي عن الطرطوشي وأمثاله أن هؤلاء إنما كانوا يبحثون في أنفسهم وفي الآخرين عن كمال المظهر وصياغة العبارات وموازين الأعمال الظاهرة .. أما الغزالي، فقد ساقته العناية الإلهية في الشطر الثاني من عمره، إلى اختراق صور الأعمال إلى بواعثها الكامنة وراء الصدر، وإلى أن يسبر غور نفسه، فيقف على ما يعانيه من باطن الإثم ليعالجه ..

وهذه المزية هي محور انتقادات الطرطوشي، وهي العيب الذي عبَّر عنه بقوله: (( .. ودخل في علوم الخواطر وأرباب القلوب .. )) ، وهل هذا في مضمونه البعيد إلا انتقاد لمعنى كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم : ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)) . فاعجب لمزية تتحول عند هذا الرجل والقلّة من أمثاله، نقيصة وعيبًا، وللنقيصة الكبرى التي تتمثَّل في الآفات القلبيّة التي عالج الغزالي نفسه منها، تذوب في ناظره وناظر أمثاله، فلا يقيم لها وزنًا، ولا يلقي لها بالاً، ولا يرى أنها مرض خفي وخطير يحتاج إلى مقاومة وعلاج !!.. بل يرى في معالجة الغزالي نفسه منها نقيصة كبرى جعلته يسقط -على حد تعبير الطرطوشي- على أمّ رأسه !..

* * * * *

[ الغزالي يقول: ليس في الإمكان أبدع ممّا كان !! ]

ومن هذه الأوهام التي ألصقت بالغزالي، انتقاد أبي بكر بن العربي، كلمته المشهورة التي سطَّرها في بعض مؤلّفاته: (( ليس في الإمكان أبدع ممّا كان )) .

أقول: لقد أُتي ابن العربي من سوء فهمه للمعنى الذي عناه الغزالي بها.

وقد ذكر الغزالي هذا الكلام، في معرض تأكيده لما هو مقرر في مذهب أهل السُّنة والجماعة، من أنه لا يوجد في الأشيء أو الأفعال حسن أو قبح ذاتي كامن في جوهره، بحيث تكون أحكام الله تعالى بشأنها تابعة لما يقتضيه ذلك الحسن أو القبح، بل إن الحسن والقبح الذي فيها ليس إلا وصفًا أضفاه الله عليها. ولسنا هنا بصددد عرض الأدلة الكثيرة على هذا الكلام
(9) .

ينتج عن هذا أن الله عزّ وجلّ عندما تعلَّقت إرادته بإيجاد هذه الخليقة على الشكل الذي أوجدها عليه، وعلى النظام الذي أقامها فيه، فإن هذا الشكل مع نظامه هذا هو منتهى الحسن الذي يمكن أن تتمتع به هذه الخليقة، وذلك لدليل نقلي هو قول الله تعالى: { الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ } [السَّجدة: 32/7 ] . ولدليل عقلي يتلخص في أنّا لو اعتقدنا أن هذه الخليقة لم تستكمل سائر صفات الحسن، على الشكل والنظام اللذين أقامهما الله عليهما، ومن ثم فإن بالإمكان تجاوز ذلك إلى ما هو أحسن وأكمل، لكان ذلك نتيجة اعتقادٍ منا، بأن أفعال الله وخَلْقه تابعان لمقاييس الحسن الثابتة بحدِّ ذاتها، فقد يصل خلقه للأشياء إلى منتهى مقاييس الحسن وقد لا يصل، ومن ثم يصلح أن يقال: إن هذه المخلوقات بنظامها الحالي الذي شاءه الله تعالى، يمكن أن ترقى إلى درجة أتمّ وأعلى في مراتب الكمال والحسن.

وهذا هو التَّصور الخاطئ الذي ضلَّ فيه المعتزلة، وردَّ عليهم جمهور المسلمين، وفي مقدمتهم الإمام الغزالي بالأدلة العلمية الحاسمة.

إذن فقرار الغزالي الذي عبَّر عنه بهذه الكلمة الجامعة، ترجمة دقيقة لما عليه أهل السُّنة والجماعة. من أن صفة الحسن والقبح في الأشياء هي الأخرى من خلق الله وإيجاده.

ولو لم نقل بهذا الذي قاله الغزالي لقلنا، البتّة، بنقيضه، وهو: كان من الممكن أن توجد هذه الخليقة على شكل أو نظام أحسن مما هي عليه الآن !.. وهذا يعني أن إرادة الله وقدرته قد تقاصر كل منهما عن بلوغ درجة الكمال في الخلق والإبداع، وهو يعني في الوقت ذاته أن مقاييس الكمال ثابتة بشكل ذاتي في هذا الكون، وأن أفعال الله كانت ولا تزال لاحقة بها سائرة وراءها.

وهذا ما يبرأ إلى الله منه السلف الصالح وأهل السُّنة والجماعة قاطبة.

بقي أن أوضح أن الشبهة التي جعلت ابن العربي ينكر هذا الكلام، ما قد تصوره فيه من أنه يستلزم نسبة العجز إلى الله تعالى.

غير أن بوسعك أن تعلم بأنها شبهة وهمية داحضة، إذا ما وقفت بتأمُّل عند كلمة (( ... كان )) فالغزالي يقرّر أن ما تعلقت به إرادة الله تعالى من الخلق والإبداع، هو منتهى الحسن والكمال .. ومعنى هذا أن الله كان ولا يزال قادرًا على أن يوجه إرادته، ومن ثم قدرته، إلى إبداع خليقة غير هذه التي تعلقت إرادته بخلقها، ولكانت تلك الخليقة عندئذ هي المتّصفة بالكمال الأتمّ.

لكن أما وقد تعلقت إرادة الله تعالى ومن ثم قدرته بإيجاد هذا الكون على هذا المنوال، فإن هذا المنوال هو الشكل الأتمّ والنظام الأكمل، ودليل ذلك أن إرادة الله تعالى تعلقت بإيجاده على هذا المنوال. وإرادة الله تعالى لا تتعلّق بإيجاد شيء إلا ويكون وجوده في منتهى الحكمة، وبالغًا ذروة الكمال في وصفه الكمالي، فإذا شاء الله أن يعدمه، وتعلقت إرادته التنجيزية بإيجاده على نهج آخر، فإن هذا النهج الجديد هو عندئذ منتهى الحسن والكمال .. ذاك يتصف بمنتهى الكمال والحسن في ميقاته الذي وجد فيه، وهذا يتصف أيضًا بمنتهى الكمال والحسن في ميقاته الذي وجد فيه.

فأي شائبة تراها في هذا الكلام التوحيدي الدقيق، الذي لم يشهد التاريخ الإسلامي دفاعًا علميًّا أدق منه، عن عقيدة السلف الصالح ( أهل السُّنة والجماعة ) ؟

* * * * *

[ لماذا لَم يُجاهِد الإمام الغزالي مع شهوده غزو الصليبيين ؟! ]


ومن هذه الأوهام أيضًا ما يأخذه بعض المعاصرين على الإمام الغزالي - بالإضافة إلى ما قد مرَّ ذكره - من أنه شهد غزو الصليبيين لهذه البلاد العربية الإسلامية، ولم يؤثر عنه أنه حمل السلاح في وجه الصليبيين الغزاة وقاتل مع من قاتل آنذاك في سبيل الله .

ولتَمنَّيتُ أن يكون هؤلاء الناقدون أو بعضهم، أعضاء في حركة حماس أو الجهاد الإسلامي في فلسطين، أو من المقاتلين مع حزب الله في لبنان، إذن لشممت من كلامهم رائحة الصدق والإخلاص. ولكني نظرت، فوجدت أن كل هؤلاء الذين واجهوني أكثر من مرة بهذا النقد المرير للإمام الغزالي، لم يحمل واحد منهم يومًا سلاحًا في وجه عدو.. إلا أن يكون قد حمله مكرهًا لأداء الخدمة الإلزامية.

فما مبعث هذا النقد من أناس هذا هو شأنهم، في حقِّ الإمام الغزالي، الذي عرفت الآن خلاصة لترجمته وسيرة حياته ؟

ثم ما هو السبب الذي يدعوهم إلى أن يخصّوه هو بهذا النقد، من دون الأئمة الكثيرين من أمثاله، ممن عاصروا الغزو الصليبي، وكانوا منصرفين إلى أعمالهم وجهودهم العلمية والتعليمية التي أقامهم الله فيها، من أمثال إمام الحرمين الجويني، والقاضي أبابكر بن العربي، والعزّ بن عبدالسلام، وابن رشد أبي الوليد، وأبي بكر الطرطوشي، وعبدالله بن قدامة، والإمام المازري .. وكثيرين من أمثالهم من جلّة الأئمة العلماء الفضلاء المشهود لهم بالإمامة في العلم والعمل والسلوك ؟

وأنا لا أعني أن هؤلاء وأمثالهم كانوا مقصِّرين كتقصير الغزالي، في عدم تركه لأعماله العلميّة، وعدم انخراطه مع المجاهدين الذين وقفوا في وجه الحملات الصليبية، بل إنهم جميعًا كانوا مثال الاستقامة على الحق، والتَّقيد بما تقتضيه أحكام الشريعة الإسلامية، في تقاسم الجهود والاختصاصات.

ولا أعتقد أن في المسلمين الصادقين في إسلامهم، الملتزمين بآداب الشَّرع وأحكامه، من يشك في أن الغزالي كان على استعداد لأن يُعرَض عن علومه ودروسه وتأليفه، ويتجه ليقاتل، جنديًّا، مع المقاتلين للغزاة الصليبيين، لو أن إمام المسلمين أو القائد الأعلى لجيوش المسلمين، أعلن عن عجز الجيوش عدديًا، وعن حاجته إلى أن ينخرط علماء الدين، وحرّاس الشريعة، والمنافحون عن حقائق الإسلام، والمحذرون من أباطيل خصومه، جنودًا مقاتلين فيه. ولا شك في أن بقية العلماء الأعلام كانوا سينهجون نهجه، ويقتفون في ذلك أثره.

ولكن هل أعلن إمام للمسلمين أو قائد في جيش من جيوش المسلمين، عن ذلك العجز وهذه الحاجة ؟ لم يحصل هذا قطّ، ولو تمَّ ذلك لسمعنا خبره في التاريخ.

إذن فأمر التوجُّه لقتال العدو، والحالة هذه، داخل في دائرة الفروض الكفائية، وكما أن الجهاد والحالة هذه فرض كفائي، فإن حراسة العقائد الإسلامية، والتبصير بأحكام الشريعة الإسلامية، وحمايتها من العبث والدخيل، أيضًا من الفروض الكفائية التي لا يجوز إهمال القدر الأساسيّ منها. ولا يجوز إبطال فرض كفائي بمثله.

فكيف عندما يكون الحارس لعقائد الإسلام ومبادئه، هو حجة الإسلام الغزالي ؟

ترى أيهما كان يشكِّل الدعامة الراسخة لعلوم الإسلام وحقائقه، والحصنَ الذي يقي الإسلام مع الزمن من أباطيل الفلسفة وسماديرها: أن يعرض الغزالي عن تافت الفلاسفة ويترك زيفهم يتسرَّب إلى عقول المسلمين، وأن يعرض عن التبصير بسبيل تزكية النفس والمنهج التربوي الموصل إلى الله، ويتَّجه ليكون واحدًا من آلاف المقاتلين، في ثغر لا حاجة فيه إلى المزيد .. أم أن يعكف على هذا الذي أقامه الله فيه من تمزيق الباطل بمنطق الحق الذي أقدره الله على بيانه واضحًا مبسَّطًا، كما لم يُقْدِرْ على ذلك أيًّا من علماء عصره ؟!..

ماذا كان حال المسلمين اليوم، لو لم تجد الفلسفة الباطلة الرعناء نفسها، أمام السَّدّ العلمي الأشمّ المتمثِّل في عبقرية الغزالي وبليغ بيانه ؟.. وكيف كانت حال المسلمين اليوم لو لم ينجدهم الله بكتابه الإحياء، الذي زُكِّيَت به ملايين النفوس، وشفي به الملايين من مرضى القلوب ؟.. وما الثغرة التي تسرب منها الصليبيون إلى المسلمين وبلادهم، لا لشيء، إلاّ لأن الغزالي لم يتّخذ مكانه فيها واقفًا في وجه الصَّليبيين ؟!..

ليس في العقلاء مَن يجهل أن صاحب الاختصاص ينبغي أن يوضع في المكان الذي يناسب اختصاصه، وليس فيهم من يجهل أن الدنيا لا تصلح إلا باتِّباع هذا القانون. فالقائد الحربي الفذّ ما ينبغي أن يُقْتَلَع من موقعه الذي يناسبه من الثغر الذي هو فيه، ليؤتى به قاضيًا يفصل بين الخصوم، أو محاضرًا في الفلسفة وعلوم الدين .. والقاضي الذي أوتي بصيرة نافذة بالأقضية والفصل بين المتخاصمين أو العالم المتبحِّر الذي جعل الله من بصيرته العلمية عينًا حارسة لعقائد الأمة وثقافتها ومداركها العلمية السليمة؛ أن لا يبعث بها مدجل أو دخيل، ما ينبغي أن يُقْتَلَع هو الآخر من موقعه الذي أقامه الله فيه، ليُحوَّل إلى جندي في معركة أو ضابط في ثغر.

وإن مخالفة هذا القانون لهو أيسر سبيل إلى الإفساد والفوضى.

نعم، إن هذا القانون يختفي عندما يتحوَّل الفرض الكفائي، في الوقوف في وجه العدو، إلى فرض عيني يتّجه بالخطاب إلى كل المكلَّفين والمكلَّفات .. وهذا مالم يحصل في عهد الإمام الغزالي. أي في السنوات العشر الأخيرة من حياته، والتي فيها وحدها عاصر الغزو الصليبي، على أنه كان قد رجع عندئذٍ إلى وطنِه ومسقط رأسه.

ومع ذلك، فكم تمنَّيت أن يكون في هؤلاء الناقدين فدائيون في حركة حماس، أو الجهاد الإسلامي، أو مقاتلون في صفوف حزب الله في لبنان، ليتأتى لي أن أحسن الظّن بدوافع نقدهم.. ولكنهم ليسوا من هؤلاء ولا أولئك ولا الآخرين.

إذن فمن هم ؟.. وما اختصاصهم ؟..

اختصاصهم ممارسة النقد.. لا لشيء إلا حبًّا بالنقد.. وكم في الناس من لم يسعفهم الحظّ بأعمال إيجابية تعلي من شأنهم وتفيد مجتمعاتهم، فاستعاضوا عن ذلك بتحطيم أعمال الآخرين ثم التَّسلق عليها، علَّه يسعفهم بما لم يسعفهم به الحظّ من الأعمال الإنشائية والخدمات المفيدة.

غير أن رعونات التَّحطيم ما كانت يومًا ما بديلاً، في النتائج والآثار، عن جهود العلم والبناء.

* * * * *

[ حَول كتاب « إحياء علوم الدين » للإمام الغزالي ]

أما المآخذ التي اُتُّخِذَت ذريعة لنسف جملة من الحقائق التي لا شائبة فيها ولا مأخذ عليها، فألخص القول في ذلك بما يلي:

أولاً: أعود فأؤكد ما هو ثابت ومقرر من أن الغزالي، كأمثاله، من غير الرسل والأنبياء، غير معصوم عن الخطأ والسهو والجهالة. بل لا شك في أنه يوجد في كلامه ما قد يقتضي ميزان القرآن والسُّنَّة ردّه وعدم الأخذ به.

وإنا لواجدون في كتابه ( إحياء علوم الدين ) أمثلة من ذلك، قلَّت أو كثرت. من ذلك أنه يفيض بالأحاديث الضعيفة والموضوعة .. ومن ذلك أنه بنى على بعض هذه الأحاديث أحكامًا أخذ بها، وليس لها من مَدْرَكٍ ومعتمد إلا تلك الأحاديث الضعيفة أو الباطلة.

مثال ذلك تنبيهه الناس في أكثر من مناسبة إلى عدم الخوض في دقائق القضاء والقدر ومشكلاتها، اعتمادًا منه على الحديث الذي رواه الطبراني: ((إذا ذُكِرَ أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا )) . والحديث ضعيف، بل منكر، لوجود يزيد بن ربيعة فيه.

ومثاله أيضًا ما قاله في ( الإحياء ) من استحباب أن يُبْدَأ في قصِّ الأظافر بالسبابة، لأن لها الفضل على بقية الأصابع، وروى في ذلك أثرًا عن علي رضي الله عنه، لم يصح.

هذا إلى جانب حكايات رواها عن بعض المتصوفة، الذين بالغوا وتزيدوا في حمل أنفسهم على الشدائد والمكاره، أو سلكوا في فهم الزهد مسالك مخالفة لما جاء به القرآن وبيَّنته السُّنة. وربما كان له في ذلك اجتهاد مخالف يؤيد أصحاب تلك الحكايات. وعلى كل حال فإنا لا نؤيد إلا ما دلَّت عليه نصوص الكتاب والسنة، واتّفق على الأخذ به السَّلف الصالح وجماهير علماء المسلمين.

فأما جمهرة العلماء الذين عُرِفوا إلى جانب علومهم الغزيرة، بالإخلاص لوجه الله عزّ وجلّ، والذين يأخذون بالمبدأ المنطقي والديني القائل: ( ما منّا إلا من ردّ وردّ عليه ) ، والقائل: ( خذ ما صفا ودع ما كدر ) ، فقد عكفوا على الاستفادة من الخير الكبير والكثير، الذي يفيض به هذا الكتاب، الذي هو من أعاجيب المؤلفات النادرة في تاريخ التراث الإسلامي، ودعوا الناس إلى ذلك، واتّجهوا في الوقت ذاته إلى ما فيه من ثغرة الأحاديث الضعيفة والباطلة، فسدّوها بالتخريج والتصحيح، كما فعل الحافظ العراقي، وكما فعل ابن السبكي، إذ جمع في طبقاته سائر الأحاديث الضعيفة أو الباطلة الواردة في الإحياء، ونبَّه إليها. وبذلك حافظوا على الخير العظيم الذي يندر أن تراه في غير هذا الكتاب، ومَحَّصوه في الوقت ذاته من المآخذ والهنات. على أنك لو قارنت بين الخير الكثير المتنوع، والنادر الذي يزخر به الإحياء من المآخذ أو الأخطاء الموجودة فيه، لوجدت أن هذه المآخذ مهما بولغ في تصور كثرتها لا تزيد على 1% .

وأما القلّة من العلماء - وكلهم من المالكية المغاربة - فقد أصرّوا على أن يأخذوا الجيران بظلم الجار، وآثروا نسف البناء الصالح الذي يأوي إليه الفقراء والشاردون، بسبب أبواب غير محكمة، ونوافذ يتسرب إليها الهواء والغبار. فأصرّوا إصرارهم على ضرورة حرق كتاب ( الإحياء ) . وقد تمَّ إحراق نسخه في أكثر من مكان في جهات المغرب.

وهذا هو الفرق بين من يرى نقصًا في عظيم الفائدة واسع البركة والخير، فينشط لتكميل ذلك النقص، غيرة منه على الخير أن لا ينقطع عن الناس رفده، وتعاونًا مع صاحب ذلك الغرس على رعاية البناء ونشر كلمة الحق، وبين من لا يهمه إلا أن يعثر على النقائص ليجعل منها معولاً لتحطيم البناء كله، ويسعى لالتقاط مظاهر النقص كي يشهرها بين الناس ويرفعها فوق رماح من ضغائنه وأحقاده.

______________________________
(1) لعل من أبرز الناقدين عليه في هذا والمتسرعين في هذا الحكم تقي الدين ابن الصلاح. انظر طبقات الشافعية 6/220
(2) اقرأ قصة هذا المنهج في كتاب ( مناهج البحث عند مفكري الإسلام ) للدكتور علي سامي النَّشار.
(3) انظر ما قاله المازَري في حق الإمام الغزالي منتقدًا، طبقات الشافعية لابن السبكي 6/241
(4) المنقذ من الضلال بتحقيق محمود بيجو 56 و57
(5) المنقذ من الضلال: 54
(6) سير أعلام النبلاء 19
(7) سير أعلام النبلاء 19/339 ، وطبقات الشافعية لابن السبكي 6/243
(8) انظر سير أعلام النبلاء 19/333
(9) انظر تفصيل الأدلة العلمية العجيبة التي ذكرها الغزالي وناقش بها المعتزلة في المستصفى 1/58 طبعة بولاق.

أبو عبد الرحمن يوسف 21-11-2008 09:36 PM

رد: الإمام الغزالي ذو فكر منهجيّ فذّ واختصاصات علميّة شتّى
 
ووُصف أبو حامد الغزالي تجاوز الله عنا عنه بأنه (حجة الإسلام) وحجة الإسلام: كتاب الله وسنة رسوله وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، ثم فقهاء الصحابة والتابعين وتابعيهم في القرون المفضلة المشهود لهم بالثبات على منهاج النبوة، أما أبو حامد تجاوز الله عنه فوقع في هوة الفلسفة ولما تبين له شرها حاول الخروج منها فوقع في هوة التصوف، وكلاهما خروج عن الإسلام لا حجةً له ولا عليه.

الكلام الشيخ سعد الحصين

أبو عبد الرحمن يوسف 21-11-2008 09:43 PM

رد: الإمام الغزالي ذو فكر منهجيّ فذّ واختصاصات علميّة شتّى
 
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
الموضوع : تحذير العلماء من كتاب ( إحياء علوم الدين ) للغزالي .

أبو حامد الغزالي هو : محمد بن أحمد الطوسي الغزالي المتوفي سنة 505هـ.
صاحب التصانيف الكثيرة في الفقه ، و الأصول ، و الفلسفة ، و علم الكلام ، و التصوف ، و قد مر رحمه الله بمراحل كثيرة و أطوار متعددة ، و عكف في نهاية حياته على دراسة الحديث ، فنسأل الله أن يرزقنا الهداية و حسن الخاتمة .
كتاب إحياء علوم الدين ، فقد مدحه قوم حتى غلو في مدحه و قالوا: من لم يقرأ الإحياء فليس من الأحياء ، و ذمه قوم حتى أفتوا بحرقه و منعه .
ولكن مايهمنا في أقوال هؤلاء القوم هو قول العلماء الربانيون الذين لهم النظر الثاقب المتجرد عن العاطفة والمداهنة* .. فإليكم هذا الجمع الطيب من أقول أهل العلم حول هذا الكتاب المنتشر بين الناس ..

1 ) قال الإمام ابن الجوزي أعلم أن في كتاب "الإحياء" آفات لا يعلمها إلا العلماء ، و أقلها الأحاديث الباطلة الموضوعة ، و الموقوفة و قد جعلها مرفوعة و إنما نقلها كما اقتراها لا أنه افتراها ، و لا ينبغي التعبد بحديث موضوع و الاغترار بلفظ مصنوع . اهـ .

و قال أيضا ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس : و جاء أبو حامد الغزالي فصنف لهم كتاب "الإحياء" على طريقة القوم ، و ملأه بالأحاديث الباطلة، و هو لا يعلم بطلانها ، و تكلم في علم المكاشفة ، و خرج عن قانون الفقه ، و قال: إن المراد بالكوكب، و الشمس، و القمر اللواتي رآهن إبراهيم صلوات الله عليه أنوار هي حُجُب الله عز وجل ، و لم يُرد هذه المعروفات ، و هذا من جنس كلام الباطنية) انتهى.

2 ) قال الإمام الطرطوشي المالكي : فلما عمل كتابه سماه "إحياء علوم الدين" عمد يتكلم في علوم الأحوال و مراقي الصوفية ، و كان غير دري بها و لا خبير بمعرفتها ، فسقط على أم رأسه فلا في علماء المسلمين قر ، و لا في أحوال الزاهدين استقر ، شحن كتابه بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا أعلم كتاباً على بسيط الأرض في مبلغ علمي أكثر كذبا على رسول الله صلى الله عليه و سلم منه، سبكه بمذاهب الفلاسفة و معاني "رسائل إخوان الصفاء" و هم قوم يرون النبوة اكتساباً ، و ليس النبي في زعمهم أكثر من شخص فاضل تخلق بمحاسن الأخلاق . اهـ .


المصدر : نقلا عن سير أعلام النبلاء للذهبي 19/334.

3 ) قال الإمام المازري المالكي بعد كلام في نقد الإحياء: و رأيت له في الجزء الأول يقول : إن في علومه ما لا يسوغ أن يودع في كتاب ، فليت شعري أحق هو أو باطل؟!.
فإن كان باطلاً فصَدَق ، و إن كان حقاً و هو مراده بلا شك فلم لا يودع في الكتب ؟ ألغموضته و دقته؟ فإن كان هو فهمه ، فما المانع أن يفهمه غيره ؟! .


نقله الذهبي في السير 19/340
.

4 ) قال القاضي عياض : و الشيخ أبو حامد ذو الأنباء الشنيعة و التصانيف الفظيعة ، غلا في طريق التصوف ، و تجرد لنصر مذهبهم ، و صار داعية في ذلك ، و ألف فيه تواليفه المشهورة ، أخذ عليه فيها مواضع ، و ساءت به ظنون أمة ، و الله أعلم بسره ، و نفذ أمر السلطان عندنا بالمغرب ، و فتوى الفقهاء بإحراقها و البعد عنها ، فامتثل ذلك .


نقله الذهبي في السير 19/327.

5 ) قال شيخ الإسلام ابن تيمية : و الإحياء فيه فوائد كثيرة ، لكن فيه مواد مذمومة ، فإنه فيه مواد فاسدة من كلام الفلاسفة تتعلق بالتوحيد و النبوة و المعاد ، فإذا ذكر معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدواً للمسلمين ألبسه ثياب المسلمين .و قد أنكر أئمة الدين على أبي حامد هذا في كتبه و قالوا : مرضه "الشفاء" يعني "شفاء" ابن سينا في الفلسفة.
و فيه أحاديث و آثار ضعيفة بل موضوعة كثيرة ، و فيه أشياء من أغاليظ الصوفية و ترهاتهم ، و فيه مع ذلك من كلام المشايخ الصوفية العارفين المستقيمين في أعمال القلوب الموافقة للكتاب و السنة ، و من غير ذلك من العبادات و الأدب ما هو موافق للكتاب و السنة ، ما هو أكثر مما يردّ منه ، فلهذا اختلف فيه اجتهاد الناس و تنازعوا فيه .اهـ .


المصدر :مجموع الفتاوى 10/55.

6 ) وأختم بكلام الامام الذهبي في المصدر نفسه ( سير أعلام النبلاء* 19/339 )
أما "الإحياء" ففيه من الأحاديث الباطلة جملة ، و فيه خير كثير لولا ما فيه من آداب ، و رسوم ، و زهد من طرائق الحكماء و منحرفي الصوفية نسأل الله علما نافعاً . تدري ما العلم النافع ؟ هو ما نزل به القرآن ، و فسره الرسول صلى الله عليه وسلم قولاً و فعلاً ، و لم يأت نهي عنه. قال عليه السلام : "من رغب عن سنتي فليس مني" فعليك يا أخي بتدبر كتاب الله، و بإدمان النظر في الصحيحين، و سنن النسائي، ورياض النووي و أذكاره تفلح و تنجح . و إياك و آراء عباد الفلاسفة و وظائف أهل الرياضات ، وجوع الرهبان ، و خطاب طيش رؤوس أصحاب الخلوات ، فكل الخير في متابعة الحنفية السمحة ، فوا غوثاه بالله ، اللهم اهدنا إلى صراطك المستقيم . اهـ .

عبد الله ياسين 21-11-2008 11:23 PM

رد: الإمام الغزالي ذو فكر منهجيّ فذّ واختصاصات علميّة شتّى
 
الأخ "يوسف1441" لعلمك فقط :

الإمام ابن الجوزي موافقٌ مائة بالمائة للأشاعرة ؛ و اقرأ كتبه حتى تعرف ذالك ؛ اقرأ مثلاً : "دفع شُبه التشبيه بأكفّ التنزيه " و هو مُحبٌّ للتصوّف السنّي و اقرأ كتابه "صفة الصفوة " خاصة عند ترجمة السيّدة رابعة العدوية الصوفية...

الإمام الطرطوشي المالكي أشعريٌّ قحّ و صوفيّ مُحبٌّ للتصوّف السنّي و اقرأ كتبه و دونك ترجمته في كتب التراجم والتاريخ ...

الإمام المازري المالكي أشعريّ حتى النّخاع و هو محبٌّ للتصوّف السنّي و حبذا لو طالعت تعليقاته على صحيح مسلم "المُعلم بفوائد صحيح مُسلم" و من باب أولى أن تعرّج على ما ذكره مفخرة الزيتونة العلامة الفهامة الشيخ الشاذلي النّيفر - رحمه الله- عند ترجمة الإمام المازري في مقدّمة الكتاب...

مفخرة المغرب القاضي عياض المالكي أشعريّ من كبار أئمة الأشعرية في المغرب و هو محبٌّ للتصوّف السنّي ؛ اقرأ كتبه خاصة شرحه على صحيح مسلم المعروف بـ : "إكمال المعلم بفوائد مسلم "...

الشيخ ابن تيمية لا ينكر التصوّف الأصيل ؛ و كلامه في المُجلد العاشر
و الحادي عشر من "مجموع الفتاوى" كلّه عن التصوّف و الآداب التي ينكرها المُكابرون ؛ فلا غرو بعدها أن حاول بعضهم طبع مجموع الفتاوى بدون هذين المُجلّدين !!!...

الحافظ الذهبي محبٌّ للتصوّف السنّي ؛ و في كتابه "سير أعلام النبلاء" تجدهُ يفخر بنسبة سنده للسهروردي و يذكر أنه لبس خرقة الصوفية ...

اقرأ بعلم حتى تنقشع عن وجهك سحابة الجهل ...

أما عن نقولاتك فقد سبق بيان الشيخ البوطي ... و لو راجعتَ ما كتبه الإمام السبكي في طبقاته و الإمام ابن الأثير في الكامل و ...غيرهم ؛ لعلمتَ أنّك تناطح الجبال !

رجاء :

لمَ لا تنقُل كاملَ كلام الأئمّة حتى يتبيّن للجميع أمانتك العلمية ( أعرفُ أنه نسخٌ و لصق آلي ) !!!





رميته 21-11-2008 11:43 PM

رد: الإمام الغزالي ذو فكر منهجيّ فذّ واختصاصات علميّة شتّى
 
نجاة , فضيلة : شكرا جزيلا لكما على الموضوع وعلى التعليق الطيب . بارك الله فيكما ونفع الله بكما .
عبد الله ياسين : أخي الكريم والفاضل والعزيز شكرا جزيلا لك ووفقك الله لكل خير .
جعل الله ما كتب ونشرت هنا ثقيلا جدا في ميزان حسناتك يوم القيامة .
رحم الله حجة الإسلام أبا حامد الغزالي ونفعنا الله بعلمه ( وأما أخطاؤه في الإحياء وفي غيره من كتبه فلا يخلو من مثلها عالم من علماء الدنيا , لأن الكل يؤخد منه ويرد عليه إلا الرسول محمد عليه الصلاة والسلام , وحسنات إحياء علوم الدين أكثر بكثير من سيئاته ) , ورحم الله الشيخ محمد الغزالي رحمه الله كذلك ونفعنا بعلمه .
بارك الله في جميع علماء الإسلام ودعاته وحشرنا يوم القيامة جميعا معهم في الجنة , آمين .

algeroi 22-11-2008 09:48 AM

رد: الإمام الغزالي ذو فكر منهجيّ فذّ واختصاصات علميّة شتّى
 
عبد الله يسين .. كلامك حجة عليك!!
فاذا كان هذا هو حكم الاشعرية على اشعري .. ماذا تنتظر من غيرهم ؟؟

وكنا ننتظر منك ان ترد قدح هؤلاء الاعلام في انحرافات الغزالي رحمه الله بدلائل من كلامه تنقض كلام قادحيه وتثبت تهافتهم او تلزم الصمت على اقل تقدير ..

اما الحديث عن علاقة ائمة الاسلام بالتصوف فيحتاج الى تحرير ولا يكفي لبيانه مثل هذه
الاطلاقات العرجاء فالمصطلح عرف تطورا كبيرا وتحول من مجرد مصطلح دال على الزهد والاستغراق في العبادة الى مصطلح فلسفي عائم يدل على عالم من الشعوذة والدجل والزندقة الالحاد

ومع هذا فنحن نقول بان الغزالي رحمه الله من العلماء الكبار اما اخطاؤه وان كنا نعتذر له فيها الا اننا نؤكد على ضرورة التنبيه عليها وحماية عقائد العوام من اثرها المخرب لحقائق التوحيد

وحسبك ان تقرء هذا القول من شيخ الاسلام رحمه الله عن ضلال الصوفية وبُعدهم عن حقيقة التوحيد لتعرف اي بحر من بحور الضلال يغرق فيه اهل نحلتك :
( ومنهم([1][6]) من لا يعرف ابتداء إلا طريقة الرياضة، والتجرد والتصوف، ككثير من الصوفية والفقراء الذين وقعوا في الاتحاد، والتأله المطلق، مثل‏:‏ عبد الله الفارسي، والعفيف التلمساني ونحوهما‏.‏
ومنهم من قد يجمع كالصدر القوْنَوِي ونحوه‏.‏ والغالب عليهم عالم التوهم‏.‏ فتارة يتوهمون ما له حقيقة، وتارة يتوهمون ما لا حقيقة له ،كتوهم إلهية البشر ،وتوهم النصارى ،وتوهم المنتظر ،وتوهم الغوث المقيم بمكة أنه بواسطته يدبر أمر السماء والأرض، ولهذا يقول التلمساني ‏:‏ ثبت عندنا بطريق الكشف ما يناقض صريح العقل‏.‏
ولهذا أصيب صاحب الخلوة بثلاث توهمات‏ :‏
أحدها‏ :‏ أن يعتقد في نفسه أنه أكمل الناس استعداداً‏.‏
والثاني‏ :‏ أن يتوهم في شيخه أنه أكمل من على وجه الأرض‏.‏
والثالث ‏:‏ أنه يتوهم أنه يصل إلى مطلوبه بدون سبب ،وأكثر اعتماده على القوة الوهمية ،فقد تعمل الأوهام أعمالا لكنها باطلة ،كالمشيخة الذين لم يسلكوا الطرق الشرعية النبوية ،نظراً أو عملاً ،بل سلكوا الصابئية‏.‏
ويشبه هؤلاء من بعض الوجوه‏ :‏ أكثر الأحمدية، واليونسية، والحريرية، وكثير من العدوية، وأصحاب الأوحد الكرماني، وخلق كثير من المتصوفة والمتفقرة بأرض المشرق؛ ولهذا تغلب عليهم الإباحة ،فلا يؤمنون بواجبات الشريعة ومحرماتها‏.‏ وهم إذا تألهوا في تألهٍ مطلقٍ ،لا يعرفون من هو إلههم بالمعرفة القلبية، وإن حققه عارفوهم الزنادقة، جعلوه الوجود المطلق ‏.‏
ومنهم من يتأله الصالحين من البشر، وقبورهم ونحو ذلك‏.‏
فتارة يضاهئون المشركين ،وتارة يضاهئون النصارى ،وتارة يضاهئون الصابئين وتارة يضاهئون المعطلة الفرعونية ،ونحوهم من الدهرية ،وهم من الصابئين ،لكن كفار في الأصل‏.‏ والخالص منهم يعبد الله وحده، لكن أكثر ما يعبده بغير الشريعة القرآنية المحمدية، فهم منحرفون، إما عن شهادة أن لا إله إلا الله، وإما عن شهادة
أن محمداً رسول الله، وقد كتبته في غير هذا‏ ) اهـ .. موقف الإمامين ابن تيميَّة وابن القيّم من الصُّوفية للشيخ ربيع بن هادي المدخلي‏

ويقول الحافظ الذهبي : ( قال الحافظ سعيد بن عمرو البردعي : شهدت أبا زرعة وقد سئل عن الحارث المحاسبي وكتبه فقال للسائل : إياك وهذه الكتب هذه كتب بدع وضلالات عليك بالأثر فإنك تجهد فيه ما يغنيك قيل له في هذه الكتب عبرة فقال من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة بلغكم أن سفيان ومالكا والأوزاعي صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس ما أسرع الناس إلى البدع مات الحارث سنة ثلاث وأربعين ومائتين وأين مثل الحارث فكيف لو رأى أبو زرعة تصانيف المتأخرين كـ ( القوت) لأبي طالب وأين مثل القوت كيف لو رأى بهجة الأسرار لابن جهضم , وحقائق التفسير للسلمي لطار لبه كيف لو رأى تصانيف أبي حامد الطوسي في ذلك على كثرة ما في الإحياء من الموضوعات كيف لو رأى الغنية للشيخ عبد القادر كيف لو رأى فصوص الحكم والفتوحات المكية بلى لما كان الحارث لسان القوم في ذاك العصر كان معاصره ألف إمام في الحديث فيهم مثل أحمد بن حنبل وابن راهويه ولما صار أئمة الحديث مثل ابن الدخميسي وابن شحانة كان قطب العارفين كصاحب الفصوص وابن سفيان(1) نسأل الله العفو والمسامحة آمين )
.......
(1 ) كذا والصواب ابن سبعين .. ميزان الاعتدال في نقد الرجال (2/166) بواسطة "تنبيه الدكتور عبد العزيز القاري إلى خطورة قوله .." للشيخ ربيع بن هادي المدخلي


الساعة الآن 07:16 AM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى