منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   منتدى الدعوة والدعاة (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=159)
-   -   الذب عن الصحابي ابي هريرة ورد شبه الطاعنين (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=192548)

محمد تلمساني 11-01-2012 09:45 AM

الذب عن الصحابي ابي هريرة ورد شبه الطاعنين
 
الذب عن الصحابي ابي هريرة ورد شبه الطاعنين

ترجمة مختصرة


ترجمة أبي هريرة رضي الله عنه




هو دوسي أزدي { يماني } مكثر حافظ ، وفي اسمه اختلاف شديد ، أفرده بعض الحفاظ بجزء وأشهره : عبد الرحمن بن صخر ، وقال الحاكم أبو أحمد : إنه أصح ، وقال ابن عبد البر في الاستعاب : عبد الله أو عبد الرحمن هو الذي يسكن القلب إلى اسمه في الإسلام ، وقال النووي : الأصح أنه عبد الرحمن من نحو ثلاثين قولاً ، وقال غيره أكثرمن ذلك .

اسمه وكنيته

وقال ابن حبان في ثقاته : الأشبه أن اسمه في الجاهلية عبدنهم فسماه رسول الله r عبد الله وهو أول من كني بأبي هريرة لهرة كانت له يعلب بها صغيراً { أول } من كناه بها فيه قولان : أحدهما: النبي r قال أبو عمر : وهو الأشبه .

والثاني : والده ، وكان يكره تصغير ه ويقول : كناني رسول الله r بأبي هر ، ذكره ابن عساكر ، وكان يكنى في الجاهلية بابي الأسود .

عام إسلامه

أسلم عام خبير سنة سبع من الهجرة .


صفته


ومن صفته أنه كان أدم ، بعيد مابين المنكبين ، صاحب ضفيرتين ، أفرق الثنيتين ، وكان يخضب بالحمرة، صحب النبي r على ملء بطنه ، وكان يدور معه حيث ما دار ، وكان غيره يشغله الصفق بالأسواق ، فقال عليه السلام مرة : (( من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه إليه فلن ينسى شيئاً سمعه مني )) قال : فبسطت بردة علي حتى قضى حديثه ثم قبضتها إليَّ ، فوالذي نفسي بيده ما نسيت بعد شيئاَ سمعته منه . ( رواه البخاري ومسلم ) وكان ذَكَر له قبل ذلك : إني أخشى أن أنسى ما أسمعه منك ففعل به { ذلك } ، وشهد له بالحرص على العلم .

وروى سليم بن حبان عن أبيه عن أبي هريرة قال : نشأت يتيماً وهاجرت مسكيناً وكنت أجيراًلابنة غزوان / بطعام بطني وعقبة رجلي ، أحدو بهم إذا ركبوا وأحتطب إذا نزلوا ، { فالحمد لله } الذي جعل الدين قواماً وأبا هريرة إماماً .

وروى أبو يزيد المديني عنه أنه قام على منبر رسول الله r مقاماً دون مقام رسول الله r بعينه ، ثم قال : الحمد لله الذي هدى أبا هريرة للإسلام ، الحمد لله الذي علم أبا هريرة القرآن ، الحمد لله الذي منَّ على أبي هريرة بمحمد r ، الحمد لله الذي أطعمني الخمير ، وألبسني الحبير ، الحمد لله الذي زوجني ابنة غزوان بعدما كنت أجيراً لها بطعام بطني وعقبة رجلي ، أرحلتنتي فأرحلتها كما أرحلتني .

عنه قال كنت أصرع بين القبر والمنبر من الجوع حتى يقولوا مجنون (البخاري في الفتح 9/128) و (أحمد في الزهد 31)

وفي (( طبقات ابن سعدي 4/328)) دعا له النبي r أن يحببه إلى كل مؤمن ومؤمنة ، وقال الإمام أحمد : رأيت النبي r في المنام فقلت : يا رسول الله ماروى أبو هريرة عنك حق ؟ قال : نعم .


عدد ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم

روى عن النبي r فأكثر ، وهو أكثر الصحابة حديثاً ، قال : حفظت { عن } رسول الله r ثلاث حُرُب أخرجت منها جرابين ، وفي رواية : حفظت عنه وعائين فأما أحدهما فبثثته للناس وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم.

( روي له عن النبي r خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثاً ) .

وليس لأحد من الصحابة هذا القدر ولا مايقاربه ، أخرج له في ( الصحيحين ستمائة حديث وتسعة أحاديث ، اتفقا منهما على ثلاثمائة وستة وعشرين / حديثاً ، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين ومسلم بمائة وتسعين )

قال الشافعي : أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره . قال أبو هريرة فيما يثبت عنه : ليس أحد أكثر حديثاً مني إلا فلانا ، كان يكتب ولا أكتب . وأراد عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما) ، وقد عاش عبد الله أكثر منه إلاَّ أن أبا هريرة كان مقيما بالمدينة ولم يخرج منها وكان الناس يأتونها من كل ناحية بعد رسول الله r لكونها محط الركاب لأجل الخلافة ولزيارة قبر رسول الله r ، والصلاة في مسجده ، ولأجل العلم ، وكان أبو هريرة متصدياً للرواية ونشر العلم ، بخلاف عبد الله بن عمرو فإنه سافر إلى البلاد وغلب عليه العبادة فلهذا لم يشتهر حديثه ولم تكثر روايته ، واشتهر وكثر حديث أبي هريرة ، رضي الله عنهما .

قال رضي الله عنه : إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة ، والله لولا اثنان في كتاب الله ما حدثت شيئاً وتلى ]إنَّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات [ البقرة (159) . إلى قوله :] الرحيم [ البقرة (160) . وكان يقول : إخوننا من المهاجرين شغلهم الصفق في الأسواق ، وإخواننا من الأنصار شغلهم العمل في أموالهم .

رآه أبو بكر بن داود في المنام ، وقال له : إني أحبك ، فقال : أنا أول صاحب حديث كان في الدنيا .

وكان رضي الله عنه من أصحاب الصفة ، قال أبو نعيم في الحلية : كان عريفهم وأشهر من سكنها ، قال البخاري : روى { عنه } أكثر من ثمانمائة رجل مابين صاحب وتابع .

وكان أحد من يفتي بالمدينة مع ابن عمر وابن العباس (رضي الله عنهما)

وكان يسبح في اليوم اثنتي عشر ألف تسبيحة ، وكان يدمن من الصيام والقيام والضيافة .

ولي المدينة لمعاوية ثم عزل بمروان ، وكان يمر بالسوق يحمل الحزمة من الحطب . وهو يقول : أوسعوا الطريق للأمير – كان فيه دعابة t قال له عمر : كيف وجدت الإمارة ؟

قال : بعثتني وأنا كاره ، ونزعتني وقد أحببتها . وأتاه بأربعمائة ألف من البحرين وعزله ، ثم أراده على العمل فأبى .

ولم يزل يسكن المدينة ، وكان ينزل ذا الحليفة وله بها دار تصدق بها على مواليه فباعوها من عمرو بن بزيغ . وصلى على عائشة رضي الله عنها وأم سلمة { زَوْجَي } النبي r . وكان يقول لبنته : (( لاتلبسي الذهب فإني أخشى عليك اللهب )) .

وقال أبو عثمان { المهدي } : تضيفت أبا هريرة سبعاً فكان هو وامرأته وخادمه يتعقبون الليل أثلاثاً يصلى هذا ثم يوقظ الآخر فيصلي ثم يوقظ الثالث .

كثرة حديثه وأسبابها : كان أبو هريرة رضي الله عنه يبين أسباب كثرة حديثه فيقول : إنكم لتقولون أكثر أبوهريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والله الموعد ، ويقولون : ما للمهاجرين لا يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الأحاديث ، وإن أصحابي من المهاجرين كانت تشغلهم أرضوهم والقيام عليها ، وإني كنت امرءاً مسكيناً :" ألزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ملء بطني " وكنت أكثر مجالسة رسول الله، أحضر إذا غابوا ، وأحفظ إذا نسوا ، وإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حدثنا يوماً فقال: " من يبسط ثوبه حتى أفرغ فيه من حديثي ، ثم يقبضه إليه فلا ينسى شيئاً سمعه مني أبداً " فبسطت ثوبي - أو قال نمرتي - فحدثني ثم قبضته إلىّ ، فوالله ما كنت نسيت شيئاً سمعته منه .
وكان يقول: وأيم الله.. لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بشيء أبداً، ثم يتلوا: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّهُ لِلنَّاسِ فىِ الْكِتَبِ أُوْلئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّعِنُونَ }. وكان يدعو الناس إلى نشر العلم، وعدم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، من ذلك ما يرويه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أنه قال: " من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة " وعنه أيضاً : " ومن كذب علىّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" متفق عليه .
وقد شهد له إخوانه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكثرة سماعه وأخذه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذه الشهادات تدفع كل ريب أو ظن حول كثرة حديثه ، حتى إن بعض الصحابة رضي الله عنهم رووا عنه لأنه سمع من النبي الكريم ولم يسمعوا ، ومن هذا أن رجلا جاء إلى طلحة ابن عبيد الله، فقال: يا أبا محمد، أرأيت هذا اليماني- يعني أبا هريرة - أهو أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منكم ؟ نسمع منه أشياء لا نسمعها منكم ، أم هو يقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لم يقل ؟ قال : أما أن يكون سمع ما لم نسمع ، فلا أشك ، سأحدثك عن ذلك : إنا كنا أهل بيوتات وغنم وعمل ، كنا نأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طرفى النهار ، وكان مسكيناً ضيفاً على باب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده مع يده ، فلا نشك أنه سمع ما لم نسمع ، ولا تجد أحداً فيه خير يقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لم يقل وقال في رواية : " قد سمعنا كما سمع ، ولكنه حفظ ونسينا " .
وروى أشعث بن سليم عن أبيه قال : سمعت أبا أيوب " الأنصاري " يحدّث عن أبي هريرة فقيل له : أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتحدّث عن أبي هريرة رضي الله عنه ؟ فقال: إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع ، وإني أن أحدث عنه أحبّ إليّ من أن أحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - يعني ما لم أسمعه منه .
ثم إن جرأة أبى هريرة رضي الله عنه في سؤال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أتاحت له أن يعرف كثيراً مما لم يعرفه أصحابه ، فكان لا يتأخر عن أن يسأله عن كل ما يعرض له، حيث كان غيره لا يفعل ذلك ، قال أٌبي بن كعب : كان أبو هريرة رضي الله عنه جريئاً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأله عن أشياء لا نسأله عنها .
كما كان يسأل الصحابة الذين سبقوه إلى الإسلام ، فكان لا يتأخر عن طلب العلم ، بل كان يسعى إليه في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وبعد وفاته .
وهو الذي يروى عنه : " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" .
وقد رأينا أبا هريرة رضي الله عنه يحب الخير ويعمل من أجله ، فما أظنه يتأخر عن خير من هذا النوع، وهو الذي صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكلمة يعلمه إياها، ولحكمة يعظه بها

مرضه ووفاته :
لما حضرته المنية رضي الله عنه قال: لاتضربوا علي فسطاطاً ، ولاتتبعوني بنار وأسرعوا بي إسراعاً ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إذا وضع الرجل الصالح - أو المؤمن - على سريره قال: قدموني، وإذا وضع الرجل الكافر - أو الفاجر - على سريره ، قال ياويلي أين تذهبون بي ؟ وكانت وفاته في السنة التي توفيت فيها عائشة أم المؤمنين عام (58 هـ).



مكان موته :

ومات بها (أي المدينة المنورة) وقيل : بالعقيق ، ودفن بالبقيع ، وأما ماشتهر { بأن } قبره بقرية بسناجية بالقرب من عسقلان ، وعقد عليه الملك الأشرف ابن منصور قبة ، فليس بصحيح ، بل ذاك قبر جندرة بن حبيشة أبي قر صافة .


مولده ووفاته :

ولد في سنة إحدى وثلاثين من الفيل ، قاله {العتيقي والقعنبي} في (( تاريخه )) وفي وفاته أقوال : أحدها :{ سنة سبع وخمسين ، وفيها ماتت عائشة رضي الله عنها . ثانيها : سنة ثمان } ثالثها : سنة تسع قال النووي في (( شرح مسلم )) : وهو الصحيح .

وقال الواقدي : صلى على عائشة في رمضان سنة ثمان وعلى أم سلمة في شوال سنة تسع ، ثم توفي بعدها في هذه السنة وله ثمان وسبعون سنة ، وكان يقول (( اللهم لا تدركني سنة ستين )) فتوفي فيها أو قبلها بسنة .



محمد تلمساني 11-01-2012 10:27 AM

دعوى أن أبا هريرة كان يكتم العلم
 
دعوى أن أبا هريرة كان يكتم العلم



مضمون الشبهة:
يزعم بعض منكري السنة أن أبا هريرة - رضي الله عنه - كان يكتم العلم، ودليل ذلك: اعترافه في حديث له قال فيه: «حفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعاءين: فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم»، وهذا دليل واضح على كتمانه العلم؛ وذلك خوفا على نفسه من القتل.
ويتساءلون: هل يخشىأبو هريرة الله أم الناس؟!
ويرمون من وراء هذا إلى القول بالطعن في عدالة أبي هريرة - رضي الله عنه - بدعوى كتمانه جزءا كبيرا من السنة النبوية.
وجها إبطال الشبهة:
1)إن أبا هريرة معروف بتمسكه بالحق، وما كان يخشى الناس في الله - سبحانه وتعالى - ومواقفه من مروان بن الحكم معروفة، ولكنه عمل بقاعدة "دفع الضرر مقدم على جلب النفع" وقول علي: «حدثوا الناس بما يعرفون»، فلم يتكلم بأحاديث قد لا تدركها كل العقول خاصة أخبار الفتن والملاحم مما قد يحدث الفتنة ويهيج من لا يفهمها من الناس، لاسيما أنها لم تضم أحكاما تشريعية يحتاج إليها المسلمون.
2)لا يسع أبا هريرة أن يكتم علما ينتفع به الناس، وهو الراوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: «من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة».
التفصيل:
أولا. أبو هريرة وقاعدة دفع الضرر:
يتحتم علينا بداية أن نذكر أن حديث أبي هريرة: «حفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعاءين: فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم»[1]، حديث صحيح رواه الإمام البخاري في صحيحه، وهو كما يقول الدكتور أبو شهبة: "في غاية الصحة رواية ودراية، والمراد بالوعاءين: نوعان من الأحاديث التي تلقاها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فأحد الوعاءين وهو الأول: فيه ما يتعلق بأحاديث الأحكام والآداب والمواعظ وقد بلغه حتى لا يكون كاتما للعلم، وأما الآخر: وهو ما يتعلق بالفتن والملاحم، وأشراط الساعة، والإشارة إلى ولاة السوء، فقد آثر أن لا يذكر الكثير منه حتى لا يكون فتنة لسامعه"[2].
قال العلامة ابن كثير في البداية والنهاية: "وهذا الوعاء الذي كان لا يتظاهر به هو الفتن والملاحم، وما وقع بين الناس من الحروب والقتال، وما سيقع مع معرفة أبي هريرة لها، التي لو أخبر بها قبل كونها لبادر كثير من الناس إلى تكذيبه، وردوا ما أخبر به من الحق، كما قال: لو أخبرتكم أنكم تقتلون إمامكم، وتقتتلون فيما بينكم بالسيوف لما صدقتموني"[3].
وينبغي علينا - أيضا - أن نذكر أن أبا هريرة - رضي الله عنه - ما كان ليخشى الناس في الله - سبحانه وتعالى - وهو المعروف بصرامته في الحق ومواجهته للحكام بما يكرهون، ولقد قال الحافظ الذهبي - رحمه الله - في تأويل الحديث: "هذا دال على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تحرك فتنة في الأصول، أو الفروع، أو المدح والذم، أما حديث يتعلق بحل أو حرام فلا يحل كتمانه، فإنه من البينات والهدى"[4].
ويؤيد ذلك "أن الأحاديث المكتومة لو كانت من الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانها؛ لما ذكره في الحديث الأول من الآية الدالة على ذم كتم العلم"[5]، يقصد قول أبي هريرة رضي الله عنه: «إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا، ثم يتلو: )إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159) إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم (160)( (البقرة)»[6].
وعليه فلم يكن كتمان أبي هريرة - رضي الله عنه - لهذا الوعاء من العلم بسبب خشية الناس كما يزعم بعض المغرضين، وكيف هذا وهو المعروف بصرامته في الحق ومواجهته للحكام بما يكرهون، وندلل على ذلك بما ذكره ابن كثير في "البداية والنهاية" عن الوليد بن رباح، قال: "سمعت أبا هريرة يقول لمروان: والله ما أنت وال، وإن الوالي لغيرك فدعه - يعني حين أرادوا أن يدفنوا الحسن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - ولكنك تدخل فيما لا يعنيك، إنما تريد بهذا إرضاء من هو غائب عنك، يعني معاوية... قال - أي أبي الوليد بن رباح - فوالله ما زال مروان يقصر عن أبي هريرة ويتقيه بعد ذلك، ويخافه ويخاف جوابه"[7] وفي رواية أن أبا هريرة قال لمروان: "إني أسلمت وهاجرت اختيارا وطوعا، وأحببت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حبا شديدا، وأنتم أهل الدار وموضع الدعوة، أخرجتم الداعي من أرضه، وآذيتموه وأصحابه، وتأخر إسلامكم عن إسلامي إلى الوقت المكروه إليكم فندم مروان على كلامه له واتقاه"[8].
فها هو أبو هريرة - رضي الله عنه - يسمع مروان ما يكرهه، ومروان هو والي المدينة وأحد أقارب الخليفة معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - ترى لو كان تركه الحديث خشية الناس كما يزعمون - هل كان يقول ما قاله لمروان؟
إذن السبب الحقيقي الذي منع أبا هريرة - رضي الله عنه - من بث بعض الأحاديث، هو - كما ذكرنا آنفا - أن هذه الأحاديث تذكر الفتن التي يتعرض لها المسلمون، وما يقع بينهم من حروب وقتال، ولا شك أن التحدث بها يزيد هذه الفتن اشتعالا، وهذا لا يجوز بحال من الأحوال.
وقد ذكر "بعض العلماء سببا آخر لكتم أبي هريرة - رضي الله عنه - هذه الأحاديث، وهو أن يكون أراد ما يتعلق بأشراط الساعة وتغير الأحوال في آخر الزمان، فينكر ذلك ما لم يألفه ويعترض عليه من لا شعور له به"[9]، وذلك عملا بحديث ابن مسعود موقوفا عليه: «ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة»[10]
يؤكد ذلك - أيضا - حديثه - أي: أبو هريرة - الذي قال فيه: "لو حدثتكم بكل ما في جوفي لرميتموني بالبعر"، قال الحسن راوي الحديث عن أبي هريرة: "صدق، والله لو أخبرنا أن بيت الله يهدم أو يحرق ما صدقه الناس"[11].
ثم إن كتمان أبي هريرة لهذا الوعاء لم يكن لخوفه ألا يسمع الناس له لمهانته وضعفه فيرمونه بالبعر وبالمزابل؛ بل لأنه أراد أن يحدث الناس على قدر عقولهم وأن يخاطبهم بما يفهمون ويعرفون"[12].
وفي صحيح البخاري عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: «حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟!»[13]، وقد ذكر البخاري هذا الأثر في باب "من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية ألا يفهموا"، قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: " ممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب... ونحوه عن حذيفة وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين[14]؛ لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي، وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب"[15].
وقد يعتقد بعض الناس أن الحديث دال على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كتم شيئا من الوحي عن جميع الصحابة سوى أبي هريرة، فإذا نظرنا في هذا الاعتقاد لوجدنا أنه جهل منهم؛ وذلك لأن الحديث ليس فيه ما يفيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد اختصه بهذا الوعاء دون غيره من الصحابة، فليس فيه شيء من كتمان الوحي الذي أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغه الناس[16]، إذ إن هذا غير معقول؛ لأنه ينافي - أيضا - تبليغ الرسالة، وأمر الله - عز وجل - في قوله: )يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين (67)( (المائدة).
وأما أن يكون ما اختصه به من الآداب فبعيد جدا؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما بعث ليتمم مكارم الأخلاق، ومنعه ذلك عن الأمة ينافي تبليغ الرسالة أيضا، فليس من المتصور أن يلقن الرسول الكريم بعض ما يتعلق بالأخلاق والآداب أبا هريرة، ويترك الأمة من غير أن يفيدها بشيء من هذا"[17].
وبالرغم من هذا فإن أبا هريرة ليس بدعا في قوله أو فعله؛ فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يختص بعض أصحابه بأشياء دون الأخرين، من هذا حديثه لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار، قال يا رسول الله: أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: إذا يتكلوا وأخبر بها معاذ عند موته تأثما» [18]، أي: "خوفا من أن يكون قد كتم العلم"[19]، وأعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - حذيفة بن اليمان أسماء المنافقين فكان لا يعرفهم سواه - رضي الله عنه - ولا مشاحة في ذلك.
ومن هنا يتأكد لنا أن الوعاء الثاني الذي لم يبثه أبو هريرة لم يكن فيه ما يتعلق بالأحكام ولا بالآداب والأخلاق إنما بعض ما يتعلق بأشراط الساعة، أو بعض ما يقع للأمة من فتن، وكتمان مثل هذه الأمور جائز، وعليه فليس هذا الكتمان مطعن على صحابي جليل مثل أبي هريرة رضي الله عنه.
ثانيا. أبو هريرة ينشر العلم بين الناس:
كان أبو هريرة من أوعية العلم، ومن كبار أئمة الصحابة في الحديث، مع الجلالة والعبادة، والتواضع والورع، وكان يقول: «وايم الله... لولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا، ثم يتلو: )إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159) إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم (160)( (البقرة)»[20].
وكان يدعو الناس إلى نشر العلم، وعدم الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن ذلك ما يرويه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة»[21]، وعنه أيضا: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»[22].
هكذا كان يشعر أبو هريرة أن من واجبه أن يفقه الناس ويعلمهم ما سمعه من الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، ويرى هذا لزاما عليه، لذلك لم يتوان في هذا المضمار ولم يقصر فيه، بل كان في طليعة المعلمين، سعى لنشر العلم، وأفتى الناس أكثر من عشرين سنة، وكان طلاب العلم وأصحاب المسائل لا ينقطعون عنه؛ لعلمه الجم، وحفظه الجيد، فقد كان من أعلم الصحابة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويظهر لنا ذلك فيما حدث له مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال أبو هريرة رضي الله عنه: "أخذت الناس ريح بطريق مكة، وعمر بن الخطاب حاج، فاشتدت عليهم، فقال عمر لمن حوله: من يحدثنا عن الريح؟ فلم يرجعوا إليه شيئا، فبلغني الذي سأل عنه عمر من ذلك، فاستحثثت راحلتي حتى أدركته، فقلت: يا أمير المؤمنين، أخبرت أنك سألت عن الريح، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الريح من روح الله، تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها، واستعيذوا به من شرها»[23].
انظر إلى حرصه - رضي الله عنه - في تبليغ ما عرفه من علم، فلم ينتظر عودة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حتى يحدثه عن الريح، بل استحث راحلته وسعى خلفه عندما علم وأخبره بما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ذلك.
ومما يثبت حرصه - رضي الله عنه - على نشر العلم وعدم كتمانه أن من عاصره من التابعين لاحظوا كثرة تحديثه، فجعلوا يسألون الصحابة عن السبب؛ فقد جاء رجل إلى طلحة بن عبيد الله، فقال: "يا أبا محمد، أرأيت هذا اليماني - يعني أبا هريرة - أهو أعلم بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منكم؟ نسمع منه أشياء لا نسمعها منكم، أم هو يقول عن رسول الله ما لم يقل؟ قال: أما أن يكون سمع ما لم نسمع، فلا أشك، وسأحدثك عن ذلك! إنا كنا أهل بيوتات وغنم وعمل، كنا نأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طرفي النهار، وكان مسكينا ضيفا على باب رسول الله يده مع يده، فلا نشك أنه سمع ما لم نسمع، ولا تجد أحدا فيه خير يقول عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لم يقل"[24].
فهل بعد شهادة معاصريه له بكثرة الحديث حتى لفت أنظارهم هذا منه، يتهم بأنه كان يكتم العلم؟! إنه لو كان كتوما للعلم ما اشتهر عنه ذلك.
ونراه بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجالس أصحابه يسألهم ويسألونه حتى إنه كان يأتي إلى كل من يظن عنده بعض العلم[25]؛ فقد "جاء إلى كعب الأحبار يسأل عنه، وكعب في القوم، فقال كعب: ما تريد منه؟ فقال: أما إني لا أعرف أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحفظ لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مني، فقال كعب: أما إنك لم تجد طالب شيء إلا شبع منه يوما من الدهر إلا طالب علم أو طالب دنيا، فقال: أنت كعب؟ فقال: نعم، فقال: لمثل هذا جئتك"[26].
ولقي أبو هريرة كعب الأحبار فجعل يحدثه ويسأله، فقال كعب: "ما رأيت أحدا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة"[27].
نشر أبي هريرة العلم في سائر الأمصار:
كان أبو هريرة يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة المنورة وفي مكة المكرمة، كما حدث في دمشق، وحفظ عنه أهلها، وحدث في البحرين، وكان يحدث حيثما حل، ويفتي الناس بما سمع من الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن يتبع حديثه يرى أنه قد جعل بيته معهدا للمسلمين يترددون عليه، ليسمعوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كان يستقبل طلاب العلم في أرضه بالعقيق ويحدثهم ويكرمهم، ويدخل السرور عليهم بما أنعم الله عليه من حسن المعشر ولطيف الخلق، وكثرة العلم والخير.
أبو هريرة يفتي بحضرة الصحابة:
وكانت أكثر مجالسه في المسجد النبوي إلى جانب الحجرة المشرفة، وقد عرف الناس فضله ومكانته، فكانوا يرجعون إليه في كثير من أمورهم، وكان يفتي بوجود علماء الصحابة، وكان بعض الصحابة كزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس يحيلون السائلين عليه؛ لأنهم عرفوا علمه وإتقانه.
فعن معاوية بن أبي عياش الأنصاري:"أنه كان جالسا مع ابن الزبير، فجاء محمد بن إياس بن البكير، فسأل عن رجل طلق ثلاثا قبل الدخول، فبعثه إلى أبي هريرة وابن عباس - وكانا عند عائشة - فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة، فقد جاءتك معضلة، فقال الواحدة تبينها والثلاث تحرمها"[28].
ويصف لنا محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم مجلسا لأبي هريرة، فيقول: "إنه قعد في مجلس فيه أبو هريرة، وفيه مشيخة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضعة عشر رجلا، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحديث فلا يعرفه بعضهم، ثم يتراجعون فيه فيعرفه بعضهم، ثم يحدثهم بالحديث فلا يعرفه بعضهم، ثم يعرفه، حتى فعل ذلك مرارا، قال: فعرفت - يومئذ - أنه أحفظ الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "[29].
وقد وثق الناس بأبي هريرة وعرفوا مكانته، فكانوا يتواعدون لينطلقوا إليه، فيسمعوا حديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من ذلك ما رواه مكحول، قال: "تواعد الناس ليلة من الليالي إلى قبة من قباب معاوية، فاجتمعوا فيها، فقام أبو هريرة: فحدثهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أصبح"[30].
وعن محمد بن سيرين أن أبا هريرة كان يقوم كل خميس فيحدثهم[31]، وقد عرف الصحابة والتابعون سعة علمه، ومكانته من الرسول - صلى الله عليه وسلم - فكانوا لا يرونه في مكان إلا اجتمعوا حوله ينهلون من علمه.
وكان أبو هريرة حريصا كل الحرص على تبليغ العلم ونشره، وبيان السنة في أية فرصة تسنح له، من هذا ما رواه مسلم بسنده عن أبي الشعثاء، قال: «كنا قعودا في المسجد مع أبي هريرة، فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم»[32]؛ وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الخروج من المسجد إذا أذن المؤذن.
وكان أبو هريرة يدعو الناس إلى طلب العلم بالحكمة والموعظة الحسنة ويضفي إلى ذلك شيئا من مرحه فتقبله النفوس وتطمئن له القلوب، من هذا ما روي عن أبي هريرة أنه مر ذات يوم بسوق المدينة - وقد هاله انشغال الناس في الدنيا - فوقف عليها، فقال: «يا أهل السوق ما أعجزكم!! قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: ذاك ميراث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم وأنتم ههنا، تذهبون فتأخذون نصيبكم منه، قالوا: وأين هو؟ قال: في المسجد، فخرجوا سراعا إلى المسجد، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم: ما لكم؟ قالوا: يا أبا هريرة فقد أتينا فدخلنا فلم نر فيه شيئا يقسم، فقال لهم أبو هريرة: أما رأيتم في المسجد أحدا؟ قالوا: بلى، رأينا قوما يصلون، وقوما يقرأون القرآن، وقوما يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة: ويحكم، فذاك ميراث محمد صلى الله عليه وسلم»[33].
وكان أبو هريرة حين يعقد حلقات الحديث، يسمح لبعض طلابه بالكتابة عنه، ويمكننا أن نعتبر هذه الحلقات التي يكتب فيها طلاب أبي هريرة عنه مجالس إملاء الحديث[34].
فمما سبق يتبين لنا أن أبا هريرة - رضي الله عنه - لم يكتم علما ينتفع الناس به، وقد نشر الحديث في كافة ربوع الأرض وتلقى الصحابة على يديه الحديث، وكان يحدث بحضرتهم، ويفتي بحضرتهم، وما سئل من علم من فتيا أو حديث إلا أجاب عنه، وأفتى فيه، واعترف له الصحابة بكثرة حديثه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه فلا مسوغ لشبهة أو افتراء يصم أبا هريرة بكتمان العلم والحديث.
الخلاصة:
·إن مما عرف به أبو هريرة - رضي الله عنه - من الشدة في الحق، وعدم هيبته من الحكام، مثل قوله لمروان بن الحكم يوما: "والله ما أنت بوال، وإن الوالي لغيرك؛ فدعه، ولكنك تدخل فيما لا يعنيك، إنما تريد بهذا إرضاء من هو غائب عنك، يعني معاوية"، وأنكر عليه عندما رأى في داره تصاوير، فلو كان أبو هريرة يخشى الناس ما أمر الحكام وما نهاهم، أما وقد عرفت جرأته فلا تقبل دعوى أن أبا هريرة كتم شيئا من العلم خشية الناس.
·ما كان لمثل أبي هريرة أن يكتم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو يستنكف عن نشر علم علمه منه - صلى الله عليه وسلم - أو فتيا سئل عنها، وهو الراوي لحديث "من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة".
·إذا كان لا يحل لعالم أن يسأل عن علم فيكتمه، فمن باب أولى ألا يكتمه أبو هريرة لمقام الصحبة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقربه الشديد من مصدر النور المحمدي، ولكن العلم نوعان:
ـ علم يحتاج إليه لصلاح الدنيا والآخرة، وهذا العلم يأثم كاتمه، وهو المقصود بالذم في الحديث والمتوعد عليه بالعقاب.
ـ وعلم لا يتوقف عليه حكم شرعي، ولا يتوصل به إلى غيره، ومعرفته فضلة، وهذا بالخيار حدثت به أو لم تحدث، وهو يدور - أيضا - تحت قاعدة المصالح والمفاسد؛ أي إذا رأى العالم به أن التحدث به لا نفع فيه بل يجلب مضرة وجب كتمانه، ولا يحل التحدث به، وهذا المعني بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أنت بمحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة".
·الوعاء الذي لم يبثه أبو هريرة - رضي الله عنه - كان من قبل العلم الذي معرفته فضلة، وهو ما يتعلق بالفتن والملاحم وشرائط الساعة، ويجوز كتمان ما يتعلق بذلك إذا أدى إلى مفاسد، وهذا يتضح من قول أبي هريرة: "لو أخبرتكم أنكم تقتلون إمامكم وتقتتلون فيما بينكم بالسيوف لما صدقتموني"، والقاعدة الشرعية تقول: دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة، وقد كان أبو هريرة - رضي الله عنه - في ذلك مثل سائر الصحابة لا يحدث الناس إلا بما ينفعهم.
·ليس صحيحا أن أبا هريرة - رضي الله عنه - كان يكتم العلم، بل المعروف عنه أنه كان أكثر الصحابة نشرا لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد حدث في المدينة ومكة كما حدث في دمشق، كما كان يفد إليه طلاب العلم من كل مكان، وقد حدث عنه - رضي الله عنه - خلف كثير من الصحابة والتابعين، فقيل: بلغ عدد أصحابه ثمانمائة كلهم روى عنه الحديث، فكيف يتهم مثله بكتمان العلم؟!



(*) الرد على الطاعن في أبي هريرة رضي الله عنه، الحسن بن علي الكتاني.
[1]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: العلم، باب: حفظ العلم، (1/261)، رقم (120).
[2]. دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين، د. محمد محمد أبو شهبة، مطبعة الأزهر الشريف، القاهرة، 1991م، ص262.
[3]. البداية والنهاية، ابن كثير، دار التقوى، القاهرة، 2004م، (4/ 590).
[4]. سير أعلام النبلاء، الذهبي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط7، 1410هـ/ 1990م، (2/ 597).
[5]. فتح الباري بشرح صحيح الباري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (1/ 262).
[6]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: العلم، باب: حفظ العلم، (1/ 258)، رقم (118).
[7]. البداية والنهاية، ابن كثير، دار التقوى، القاهرة، 2004م، (4/ 593).
[8]. البداية والنهاية، ابن كثير، دار التقوى، القاهرة، 2004م، (4/ 593).
[9]. فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (1/ 262) بتصرف.
[10]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، المقدمة، باب: النهي عن الحديث بكل ما سمع، (1/170، 171).
[11]. الطبقات الكبير، ابن سعد، تحقيق: علي محمد عمر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2002م، (5/ 237).
[12]. السنة قبل التدوين، د. محمد عجاج الخطيب، مكتبة وهبة، مصر، ط4، 1425هـ/ 2004، ص453.
[13]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: العلم، باب: من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن يفهموا، (1/272) معلقا.
[14]. قصة العرنيين: رواها البخاري عن قتادة: « أن أنسا ـ رضي الله عنه ـ حدثهم: أن ناسا من عكل وعرينة قدموا المدينة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتكلموا بالإسلام، فقالوا: يانبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة، فأمر لهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فانطلقوا، حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ واستاقوا الذود، فبلغ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم، وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم، قال قتادة: "بلغنا أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة » صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: المغازي، باب: قصة عكل وعرينة، (7/524)، رقم (4192).
[15]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (1/ 272).
[16]. الحديث والمحدثون، محمد محمد أبو زهو، مطبعة مصر، القاهرة، ط1، 1378هـ/ 1958م، ص154 بتصرف.
[17]. أبو هريرة راوية الإسلام، د. محمد عجاج الخطيب، مكتبة وهبة، القاهرة، ط3، 1402هـ/ 1982م، ص123.
[18]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: العلم، باب: من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفقهوا، (1/272)، رقم (128).
[19]. أبو هريرة راوية الإسلام، د. محمد عجاج الخطيب، مكتبة وهبة، القاهرة، ط3، 1402هـ/ 1982م، ص123 بتصرف.
[20]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: العلم، باب: حفظ العلم، (1/ 258)، رقم (118).
[21]. صحيح: أخرجه الإمام أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي هريرة، (15/ 194)، رقم (8035). وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند.
[22]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: العلم، باب: إثم من كذب على النبي، (1/242)، رقم (107). صحيح مسلم (بشرح النووي)، المقدمة، باب: تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، (1/169).
[23]. صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي هريرة، (14/ 52)، رقم (7619. وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
[24]. سير أعلام النبلاء، الذهبي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط7، 1410هـ/ 1990م، (2/ 605، 606).
[25]. أبو هريرة راوية الإسلام، د. محمد عجاج الخطيب، مكتبة وهبة، القاهرة، ط3، 1402هـ/ 1982م، ص118: 121 بتصرف.
[26]. الطبقات الكبير، ابن سعد، تحقيق: علي محمد عمر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2002م، (5/ 237).
[27]. الطبقات الكبير، ابن سعد، تحقيق: علي محمد عمر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2002م، (5/ 237).
[28]. سير أعلام النبلاء، الذهبي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط7، 1410هـ/ 1990م، (2/ 607).
[29]. سير أعلام النبلاء، الذهبي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط7، 1410هـ/ 1990م، (2/ 617).
[30]. سير أعلام النبلاء، الذهبي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط7، 1410هـ/ 1990م (2/ 599).
[31]. الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، الخطيب البغدادي، تحقيق: د. محمد عجاج الخطيب، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414هـ/ 1994م، (2/ 64).
[32]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن الخروج من المسجد إذا أذن المؤذن، (3/1236)، رقم (1462).
[33]. حسن: أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، (2/ 114),رقم (1429). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم (83).
[34]. انظر: أبو هريرة راوية الإسلام، د. محمد عجاج الخطيب، مكتبة وهبة، القاهرة، ط3، 1402هـ/ 1982م، ص110: 115.

محمد تلمساني 11-01-2012 10:33 AM

ماذا تعرف عن أبي هريرة -رضي الله عنه- ؟!
 

ماذا تعرف عن أبي هريرة -رضي الله عنه- ؟!


اسمـــه :.

قال ابن عبد البر في الاستعياب في معرفة الاصحاب" أبو هريرة الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودوس هو ابن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث. قال خلفية بن خياط: أبو هريرة هو عمير بن عامر بن عبد ذي الشرى بن طريف بن عتاب بن أبي صعب بن منبه بن سعد بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم أبن دوس

قال أبو عمر: اختلفوا في اسم أبي هريرة واسم أبيه اختلافاً كثيراً لا يحاط به ولا يضبط في الجاهلية والإسلام فقال خليفة: ويقال: اسم أبي هريرة عبد الله بن عامر ويقال: برير بن عشرقة. ويقال: سكين بن دومة. وقال أحمد بن زهير سمعت أبي يقول اسم أبي هريرة عبد الله ابن عبد شمس ويقال: عامر وقال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: اسم أبي هريرة عبد الله بن عبد شمس ويقال: عبد نهم بن عامر ويقال: عبد غنم ويقال: سكين وذكر محمد بن يحيى الذهلي عن أحمد بن حنبل مثله سواء وقال عباس: سمعت يحيى بن معين يقول اسم أبي هريرة عبد شمس، وقال أبو نعيم: اسم أبي هريرة عبد شمس، وروى سفيان بن حصين عن الزهري عن المحرر بن أبي هريرة قال: اسم أبي هريرة عبد عمرو بن عبد غنم. وقال أبو حفص الفلاس: أصح شيء عندنا في اسم أبي هريرة عبد عمرو بن عبد غنم. وقال ابن الجارود: اسم أبي هريرة كردوس وروى الفضل بن موسى السيناني عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عبد شمس من الأزد من دوس وذكر أبو حاتم الرازي عن الأوسي عن ابن لهيعة قال: اسم أبي هريرة كردوس بن عامر.

وذكر البخاري عن ابن أبي الأسود قال: اسم أبي هريرة عبد شمس. ويقال عبد نهم أو عبد عمرو.
قال أبو عمر: محال أن يكون اسمه في الإسلام عبد شمس أو عبد عمرو أو عبد غنم أو عبد نهم وهذا إن كان شيء منه فإنما كان في الجاهلية وأما في الإسلام فاسمه عبد الله أو عبد الرحمن والله أعلم على أنه اختلف في ذلك أيضاً اختلافاً كثيراً.

قال الهيثم بن عدي: كان اسم أبي هريرة في الجاهلية عبد شمس وفي الإسلام عبد الله وهو من الأزد من دوس.


وقال " وروى إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق قال: اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر وعلى هذه اعتمدت طائفة ألفت في الأسماء والكنى.

وذكر البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس قال كان اسم أبي هريرة في الجاهلية عبد شمس وفي الإسلام عبد الله.

قال أبو عمر: ويقال أيضاً في اسم أبي هريرة عمرو بن عبد العزى وعمرو ابن عبد غنم وعبد الله بن عبد العزى وعبد الرحمن بن عمرو ويزيد ابن عبيد الله ومثل هذا الاختلاف والاضطراب لا يصح معه شيء يعتمد عليه إلا أن عبد الله أو عبد الرحمن هو الذي سكن إليه القلب في اسمه في الإسلام والله أعلم وكنيته أولى به على ما كناه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما في الجاهلية فرواية الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه في عبد شمس صحيحة ويشهد له ما ذكر ابن إسحاق ورواية سفيان بن حصين عن الزهري عن المحرر بن أبي هريرة فصالحة وقد يمكن أن يكون له في الجاهلية اسمان عبد شمس وعبد عمرو.

وأما في الإسلام فعبد الله أو عبد الرحمن. وقال أبو أحمد الحاكم: أصح شيء عندنا في اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر ذكر ذلك في كتابه في الكنى، وقد غلبت عليه كنيته فهو كمن لا اسم له غيرها. وأولى المواضع بذكره الكنى وبالله التوفيق."

ولا يضر عدم معرفة اسمه اذا عرف شخصه وعدالته وضبطه ولقد بات شارح الطحاوية عُمراً وهو غير معروف بيد ان شرحه يلوح !

ولقد مكثت سنيناً وينادونني باسم عائلتي ظناً منهم انه اسمي ! لما يشير انه قد يكون من بلاد القوقاز ! , مع ذلك عرفت بذلك الاسم ولم يخفى عليهم المسمى وان الاسم ليس اسمي

نسبـــه:.

وأما نسبة فيذكر المؤرخون أنه من قبيلة دوس الأزديه اليمانية، وقد توفي سنة سبع وخمسين، وقيل سنة ثمان وخمسين وقيل: سنة تسع وخمسين، وهو ابن ثمان وسبعين سنة، وقد ضعف القول الأخير الحافظ الذهبي، واعتمد الأول الحافظ ابن حجر، وكانت وفاته بالمدينة المنورة، وقيل: بالعقيق، فحمل إلى المدينة ودفن بالبقيع، وكان من المشيعين له رضى الله عنه: عبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهما.


اسلامــه :.

أسلم أبو هريرة رضي الله عنه عام خيبر في المحرم سنة سبع من الهجرة، وشهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم، فعن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: "شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر... الحديث"
وعن أبي الغيث، عن أبي هريرة، قال: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ففتح الله علينا... الحديث"
كما شهدنا غيرها من المشاهد بعدها، وبذلك قد حاز فضل الجهاد في سبيل الله تعالى إلى جانب شرف الصحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ صحبه منذ ذلك اليوم إلى وفاته صلى الله عليه وسلم، وهي مدة تزيد على أربع سنين لازمه فيها ملازمة تامة تفرغ فيها للأخذ عنه، والتعلم منه، فكانت يده مع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يدور معه حيث دار، وينتقل معه حيث ينتقل، لا ينفك عنه سفراً ولا حضراً، إذ لا يشغله عن ذلك بيع ولا شراء ولا رعاية أموال.


قصــة اسلام أمــه :.

قال: "كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوماً، فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا ابكي، قلت : يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام، فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة.
فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اهد أم أبي هريرة" فخرجت مستبشراً بدعوة نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، قال: فاغتسلت ولبست درعها، وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت : يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله.

قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت: يا رسول الله أبشر، قد استجاب الله دعوتك،

وهدى أم أبي هريرة، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال خيراً قال قلت يا رسول الله ادع الله أن يحببنى أنا وأمى إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا - قال - فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « اللهم حبب عبيدك هذا - يعنى أبا هريرة وأمه - إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم المؤمنين ». فما خلق مؤمن يسمع بى ولا يرانى إلا أحبني" مسلم
وبذلك من وجد في قلبه على ابي هريرة رضي الله عنه فليتهم نفسه !

قال ابن كثير البداية 8/108" قال ابن كثير: وهذا الحديث من دلائل النبوة، فإن أبا هريرة محبب إلى جميع الناس، وقد شهر الله ذكره بما قدره أن يكون من روايته"


ملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم :.

صح عنه أنه قال : "إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله الموعد، إني كنت أمراً مسكيناً أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فحضرت من النبي صلى الله عليه وسلم مجلساً، فقال : "من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي، ثم يقبضه إليه، فلن ينسى شيئاً سمعه مني، فبسطت بردة علي حتى قضى حديثه، ثم قبضها إلي، فوالذي نفيس بيده ما نسيت شيئاً سمعته منه بعد" متفق عليه

وبهذا نرى أن أبا هريرة رضي الله عنه قد غمرته بركة صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وملازمته له، وخدمته إياه، حيث رزقه الله تعالى ببركة تلك الصحبة حفظ ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدم نسيانه.



ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بُد :.

عن مجاهد أن أبا هريرة كان يقول أالله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر ولم يفعل ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر فلم يفعل ثم مر بي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي ثم قال يا أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال الحق ومضى فتبعته فدخل فاستأذن فأذن لي فدخل فوجد لبنا في قدح فقال من أين هذا اللبن قالوا أهداه لك فلان أو فلانة قال أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي قال وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحد إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها فساءني ذلك فقلت وما هذا اللبن في أهل الصفة كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها فإذا جاء أمرني فكنت أنا أعطيهم وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بد فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت

قال يا أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال خذ فأعطهم قال فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد روي القوم كلهم فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم فقال أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال بقيت أنا وأنت قلت صدقت يا رسول الله قال اقعد فاشرب فقعدت فشربت فقال اشرب فشربت فما زال يقول اشرب حتى قلت لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا قال فأرني فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة" بخاري


عبادته وتقواه:.

عرف أبو هريرة رضي الله عنه بالعبادة والتقوى، وكل ما يقربه إلى الله تعالى، كيف لا يكون كذلك، وقد صحب الأسوة الحسنة في العبادة، ورآه كيف كان يجهد نفسه فيها، حتى تورمت قدماه صلى الله عليه وسلم، فكان يكثر من الصلاة والصيام وقراءة القرآن، وقيام الليل.

فعن حماد بن زيد عن عباس الجريري قال: سمعت أبا عثمان النهدي قال: "تضيفت أبا هريرة سبعاً، فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثاً، يصلي هذا، ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا، ثم يرقد ويوقظ هذا، قال : قلت : يا أبا هريرة كيف تصوم؟ قال: أما أنا فأصور من أول الشهر ثلاثاً، فإن حدث لي حادث كان آخر شهري.( أحمد)
وعن ابن جريج قال: قال أبو هريرة: إني أجزئ الليل ثلاثة أجزاء، فجزء لقراءة القرآن، وجزء أنام فيه، وجزء أتذكر فيه حديث رسول الله. ابن كثير: البداية والنهاية 8/113.

وصح عنه أنه قال: "أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام"

وعن حماد بن سلمة، عن هشام بن سعيد بن زيد الأنصاري، عن شرحبيل أن أبا هريرة كان يصوم الأثنين والخميس. الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/610.

وكان إلى جانب ذلك كثير التسبيح، والحمد لله تعالى على نعمة الإسلام وغيرها من النعم التي أنعم بها تعالى عليه، كما كان شديد الخوف من الله تعالى، كثير التحذير من النار، أعاذنا الله منها.

فعن ميمون بن ميسرة، قال: "كانت لأبي هريرة صيحتان في كل يوم: أول النهار وآخره، يقول: ذهب الليل، وجاء النهار، وعرض آل فرعون على النار، فلا يسمعه أحد إلا استعاذ بالله من النار" الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/611.

وروي عن ابن المبارك: أن أبا هريرة بكى في مرضه، فقيل: ما يبكيك؟ قال: ما أبكي على دنياكم هذه، ولكن على بعد سفري، وقلة زادي، وأني أمسيت في صعود، ومهبطه على جنة أو نار، فلا أدري إلى أيهما يؤخذ بي. المصدر نفسه 2/625.

وروي عنه أيضاً: أن أبا هريرة قال: "لا تغبطن فاجراً بنعمة، فإن من ورائه طالباً حثيثاً طلبه، جهنم كلما خبت زدناهم سعيراً". وقال ابن كثير: "وقد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والعبادة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم".ابن كثير: البداية والنهاية 8/113.


تواضعه وكرمه وطيب أخلاقه:.

عرف أبو هريرة بتواضعه الجم في كل مراحل حياته، فلم ينس ماضيه بعد أن منّ الله تعالى عليه بنعمة العلم والجاه والفضل، كمن يحاولون نسيان ماضيهم إذا طابت أيامهم ووسع الله عليهم، وإنما كان يستحضر ماضيه، وما عانى فيه من فاقة وحرمان، ليشكر الله تعالى على نعمة الدين وغيرها من النعم التي أسبغها عليه، ويستزيد بذلك من نعمه تعال، فقد روي عنه أنه قال: نشأت يتيماً، وهاجرت مسكيناً، وكنت أجيراً لابنة غزوان بطعام بطنى، وعقبة رجلي، أحدو بهم إذا ركبوا، واحتطب إذا نزلوا، فالحمد لله الذي جعل الدين قواماً، وأبا هريرة إماماً بعد أن كان أجيراً لابنة غزوان على شبع بطنه، وحمولة رجله.

قال الذهبي: وكان من أوعية العلم مع الجلالة والعبادة والتواضع.

وكان مع تواضعه كريماً، وكيف لا يكون كذلك وقد صحب من كان أجود من الريح المرسلة صلى الله عليه وسلم، فقد روى أبو نضرة العبدي عن الطفاوي قال: نزلت أبي هريرة بالمدينة ستة أشهر، فلم أر رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد تشميراً، ولا أقوم على ضيف منه.


بره بأمه وحب الناس له:.

كان أبو هريرة باراً بأمه، وكان من بره بها: اصطحابه لها في الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مشركة، رجاء أن تؤمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقد حقق الله تعالى رجاءه حيث أجاب النبي صلى الله عليه وسلم طلبه بالدعاء لأمنه فآمنت، وفرح بذلك فرحاً شديداً أبكاه كما مرّ.

وكان من بره بها أيضاً، ما روي عنه أنه قال: خرجت يوماً من بيتي إلى المسجد، فوجدت نفراً، فقالوا: ما أخرجك؟ قلت: الجوع، فقالوا : ونحن والله ما أخرجنا إلا الجوع، فقمنا، فدخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "ما جاء بكم بهذه الساعة"؟، فأخبرناه فدعا بطبق فيه تمر، فأعطى كل رجل منا تمرتين، فقال: "كلوا هاتين التمرتين، واشروا عليهما من الماء، فإنهما ستجزيانكم يومكم هذا"، فأكلت تمرة، وخبأت الأخرى، فقال: "يا أبا هريرة لم رفعتها"؟، قلت: لأمي. قال: "كلها فسنعطيك لها تمرتين".والذهبي: سيرا أعلام النبلاء 2/592.

ومن برّه بها، ما روي عن ابن شهاب الزهري: أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه لصحبتها. ابن سعد: الطبقات 4/329


رواياته وحفظه :.

كان أبو هريرة رضي الله عنه من أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلمن فقد رُوي عنه نحو خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً مسنداً، وتعود كثرة رواياته وحفظه لها إلى أمور:

1- صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم مدة تزيد على أربع سنين، وهي مدة كافية لحفظ ما حفظ من أحاديث في العادة، بل لأكثر منها. من قِبل من يتفرغ فيها للأخذ والحفظ.

2- أخذه لكثير من تلك الروايات عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، ولا سيما التي فاته سماعها من النبي صلى الله عليه وسلم قبل إسلامه، كأبي بكر وعمر والفضل ابن عباس وأبي بن كعب وأسامة بن زيد وعائشة وغيرهم.

3- تفرغه للعلم والحفظ، كما مر.

4 - تأخر وفاته إلى ما بعد سنة خمسين هجرية، وكما توفي قله أكثر علماء الصحابة وحفاظهم رضي الله عنهم، ولم يبق بعده إلا القيل منهم، كعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وعائشة وآخرين رضي الله عنهم. في وقت اشتدت الحاجة فيه إلى علم الصحابة رضي الله عنهم نظراً لاتساع رقعة الدولة الإسلامية، وازدياد الداخلين في الإسلام، وكثرة الباحثين عن العلم من أولاد الصحابة وغيرهم ممن عنوا بعلم الصحابة باعتبارهم المراجع الوحيدة والأمينة التي تصلهم مباشر برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سيما من عرف منهم بالحفظ والملازمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي هريرة رضي الله عنه.


شهادة أهل العلم له بالحفظ:.

لهذه الأمور، وببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالحفظ كان من أحفظ الصحابة رضي الله عنهم وأكثرهم حديثاً.
فقد أخرج الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال لأبي هريرة: يا أبا هريرة أنت كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظنا لحديثه.

عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أنه قال: لا أشك أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع..الحديث".الترمذي

وقال ابن عبد البر: وكان أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار لانشغال المهاجرين بالتجارة، والأنصار بحوائطهم، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه حريص على العلم والحديث.

وقال أبو نعيم: كان أحفظ الصحابة لأخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا له بأن يحببه إلى المؤمنين.

وقال الحاكم: قد تحريت الابتداء من فضائل أبي هريرة رضي الله عنه، لحفظه لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وشهادة الصحابة والتابعين له بذلك، فإن كل من طلب حفظ الحديث من أول الإسلام وإلى عصرنا هذا فإنهم من أتباعه وشيعته إن هو أولهم وأحقهم باسم الحفظ.

وكفى بشهادة هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم ومن تلاهم من أعلام علماء الأمة على كثرة روايته وحفظه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم


عدالته وضبطه:.

لقد ثبتت العدالة لأبي هريرة رضي الله عنه بتعديل الله عز وجل العام لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم وتعديل النبي صلى الله عليه وسلم لهم، بالآيات والأحاديث السابقة غيرها مما لم نذكره هنا خشية الإطالة، وذلك لما كانوا عليه من صدق الإيمان وحسن الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما قاموا به من جهود وتضحيات، لنصرة الإسلام وإعلاء كلمته.

قال الخطيب: على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شئ مما ذكرنا لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين: القطع على عدالتهم والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون بعدهم.- الكفاية 94-

ولم يثبت من خلال سيرة أبي هريرة ما ينافي ذلك من ردة أو كذب، أو نفاق، أو غير ذلك، مما نعيذه بالله تعالى منه، ومما يؤكد ذلك: رواية من ذكرنا قبل قليل من الصحابة والتابعين الذي بلغ عددهم المئات عنه.
كما أن العدالة تثبت عند علماء الجرح والتعديل للراوي من غير الصحابة رضي الله عنهم، برواية عدلين عنه وتوثيقهم له، ومنهم من اكتفى بتعديل واحد له.

فكيف بمن روى عنه أكثر من عشرين صحابياً، ومئات من ثقات التابعين رضي الله عنهم، ووثقوه، من ذلك ما تقدم عن ابن عمر رضي الله عنهما من قوله لأبي هريرة: "أنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحفظنا لحديثه" وقول طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه: "لا أشك أن أبا هريرة سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع".
وما روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال لرجل سأله عن شئ: "عليك أبا هريرة".

لهذا كله أجمع العلماء من المحدثين وغيرهم على تعديله مع غيره من الصحابة رضي الله عنهم، وقبول ما صحت نسبتها إليه من روايات، أما ما لم تصح نسبتها إليه فهي مردودة لا يحتج بها مثل غيرها من الروايات الضعيفة والموضوعة المنسوبة إلى غيره من الصحابة من آل البيت وغيرهم رضي الله عنهم وأرضاهم.

وعليه فلا التفات إلى التشكيك بهن أو بما صحت نسبته إليه من روايات من قبل من توارثوا سوء الظن بأصحاب رسول الله صلى الله عليه سلم، ومن رددوا مفترياتهم من الجاهلين بسيرة هذا الصحابي الجليل، والمستخفين بشرف صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدم بذلك ما لم يقدم مثله أو قريباً منه لهذا الدين المتقولون عليه وعلى غيره من سلف الأمن الصالح وعلمائها المخلصين.

روى البخاري ومسلم وأحمد عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين، فسمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلف نبي، وأنه لا نبي بعدي ... الحديث": أي أنه لم يزد فيه ولم ينقص منه على مدى المدة المذكورة.


قصة امتحانه في حفظه واتقانه :.

وروى الحاكم عن كاتب مروان بن الحكم أمير المدينة قال: "إن مروان دعا أبا هريرة، فأقعدني خلف السرير وجعل يسأله، وجعلت أكتب حتى إذا كان عند رأس الحول دعا به فأقعده وراء الحجاب، فجعل يسأله عن ذلك فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا أخر". الحاكم:المستدرك3/510، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي عليه


الاسانيد الى أبي هريرة واصحها :.

روي عن اهل العلم في ذلك أقوال:
فقيل: "أصح أسانيد أبي هريرة: الزهري عن سعيد بن المسيب عنه، وقل أبو الزناد، عن الأعرج عنه، وقيل: حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة".
ومنهم من قال: "إن أصح أسانيد اليمانيين معمر عن همام عن أبي هريرة".
وقال أحمد بن صالح المصري: "أثبت أسانيد أهل المدينة: إسماعيل بن أبي حكيم، عن عبيدة بن سفيان، عن أبي هريرة"
وقال أبوبكر البرديجي: "أجمع أهل النقل على صحة أحاديث الزهري عن سالم، عن أبيه، وعن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة"


اهتمامه بالدعوة وتبليغ العلم:.

كان أبو هريرة رضي الله عنه واحداً من علماء الصحابة رضي الله عنهم، الذين تحملوا أمانة الدعوة وتبليغ العلم الذي تلقوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان من أكثرهم نشاطاً في هذا المجال، وذلك لسعة علمه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحاجة الناس في وقته إلى علمه وتعليمه لهم ولخوفه من تبعات كتمان العلم، فقد روي عنه أنه
قال: "وايم الله لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بشئ أبداً" ثم تلا : "إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى" البقرة:159 الآية كلها.

وروي عنه أيضاً أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة"

روى الهيثمي عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه مر بسوق المدينة، فوقف عليها، فقال: "يا أهل السوق ما أعجزكم قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: ذاك ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم وأنتم ها هنا! ألا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه. قالوا : وأين هو؟ قال: في المسجد، فخرجوا سراعاً، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا فقال لهم: ما لكم؟ قالوا: يا أبا هريرة فقد أتينا المسجد فدخلنا فلم نر فيه شيئاً يقسم، فقال لهم أبو هريرة: وما رأيتم في المسجد أحداً؟ قالوا: بلى رأينا قوماً يصلون، وقوماً يقرؤون القرآن، وقوماً يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة: ويحكم لذاك ميراث محمد صلى الله عليه وسلم. الهيثمي: مجمع الزوائد 1/123-124.

وبهذا الأسلوب الدعوي الرائع بين لهم أبو هريرة رضي الله عنه الميراث النبوي الحقيقي الرابح، إذ إنه لم يورث لهم درهماً ولا ديناراً ولا غيرهما من الأموال، وإنما ترك لهم الكتاب والسنة، وما اشتملا عليه من أنواع الهدي والمعرفة والفلاح

محمد تلمساني 11-01-2012 10:37 AM

ما هو العلم الذي أسره أبو هريرة رضي الله عنه ، وخاف من نشره ؟!
 
ما هو العلم الذي أسره أبو هريرة رضي الله عنه ، وخاف من نشره ؟!


السؤال : هل يمكنكم أن تشرحوا بشيء من التفصيل أي أنواع العلم لم يكن أبو هريرة ينشره ، هذا الحديث مأخوذ من الجزء الأول كتاب 3 الحديث 121 من صحيح البخاري . رواه أبو هريرة : ( حفظت عن رسول الله وعاءين ، فأما الأول فبثثته ، وأما الآخر وأما الآخر لو بثثته قطع هذا البلعوم ) . جزاكم الله خيرا.


الجواب :
الحمد لله
روى البخاري (120) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : " حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِعَاءَيْنِ : فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ " .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "الفتح" (1/216) :
" حَمَلَ الْعُلَمَاء الْوِعَاء الَّذِي لَمْ يَبُثّهُ عَلَى الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا تَبْيِين أَسَامِي أُمَرَاء السُّوء ، وَأَحْوَالهمْ وَزَمَنهمْ , وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَكُنِّي عَنْ بَعْضه وَلَا يُصَرِّح بِهِ ، خَوْفًا عَلَى نَفْسه مِنْهُمْ , كَقَوْلِهِ : أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ رَأْس السِّتِّينَ وَإِمَارَة الصِّبْيَان ؛ يُشِير إِلَى خِلَافَة يَزِيد بْن مُعَاوِيَة لِأَنَّهَا كَانَتْ سَنَة سِتِّينَ مِنْ الْهِجْرَة . وَاسْتَجَابَ اللَّه دُعَاء أَبِي هُرَيْرَة فَمَاتَ قَبْلهَا بِسَنَةٍ .
قَالَ اِبْن الْمُنِير : وَإِنَّمَا أَرَادَ أَبُو هُرَيْرَة بِقَوْلِهِ : " قُطِعَ " أَيْ : قَطَعَ أَهْل الْجَوْر رَأْسه إِذَا سَمِعُوا عَيْبه لِفِعْلِهِمْ وَتَضْلِيله لِسَعْيِهِمْ , وَيُؤَيِّد ذَلِكَ أَنَّ الْأَحَادِيث الْمَكْتُوبَة لَوْ كَانَتْ مِنْ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مَا وَسِعَهُ كِتْمَانهَا . وَقَالَ غَيْره : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ مَعَ الصِّنْف الْمَذْكُور مَا يَتَعَلَّق بِأَشْرَاطِ السَّاعَة وَتَغَيُّر الْأَحْوَال وَالْمَلَاحِم فِي آخِر الزَّمَان , فَيُنْكِر ذَلِكَ مَنْ لَمْ يَأْلَفهُ , وَيَعْتَرِض عَلَيْهِ مَنْ لَا شُعُور لَهُ بِهِ " انتهى ملخصا .
وقال العيني في العمدة :
" أراد به نوعين من العلم ، وأراد بالأول : الذي حفظه من السنن المذاعة ، لو كتبت لاحتمل أن يملأ منها وعاء ، وبالثاني : ما كتمه من أخبار الفتن كذلك .
ويقال : حمل الوعاء الثاني على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء الجور وأحوالهم وذمهم " انتهى . "عمدة القاري" (3 / 364)
وقال القرطبي رحمه الله : " حُمل على ما يتعلق بالفتن من أسماء المنافقين ونحوه ، أما كتمه عن غير أهله فمطلوب بل واجب " انتهى .
"التيسير بشرح الجامع الصغير" (2 / 852)
وقال ابن بطال رحمه الله :
" قال المهلب ، وأبو الزناد : يعنى أنها كانت أحاديث أشراط الساعة ، وما عرف به صلى الله عليه وسلم من فساد الدين ، وتغيير الأحوال ، والتضييع لحقوق الله تعالى ، كقوله صلى الله عليه وسلم : ( يكون فساد هذا الدين على يدى أغيلمة سفهاء من قريش ) ، وكان أبو هريرة يقول : لو شئت أن أسميهم بأسمائهم ، فخشى على نفسه ، فلم يُصَرِّح . وكذلك ينبغى لكل من أمر بمعروف إذا خاف على نفسه في التصريح أن يُعَرِّض . ولو كانت الأحاديث التي لم يحدث بها من الحلال والحرام ما وَسِعَهُ تركها ، لأنه قال : " لولا آيتان في كتاب الله ما حدثتكم ، ثم يتلو : ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ) البقرة / 159 .
"شرح صحيح البخارى" لابن بطال (1 / 195) .

وقال ابن الجوزي رحمه الله :
" ولقائل أن يقول : كيف استجاز كتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال :
( بلغوا عني ) ؟ وكيف يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما إذا ذكر قتل راويه ؟ وكيف يستجيز المسلمون من الصحابة الأخيار والتابعين قتل من يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
فالجواب أن هذا الذي كتمه ليس من أمر الشريعة ؛ فإنه لا يجوز كتمانها ، وقد كان أبو هريرة يقول : " لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم " وهي قوله ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ) فكيف يظن به أن يكتم شيئا من الشريعة بعد هذه الآية ، وبعد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ عنه ؟ وقد كان يقول لهم : ( ليبلغ الشاهد منكم الغائب ) وإنما هذا المكتوم مثل أن يقول : فلان منافق ، وستقتلون عثمان ، و( هلاك أمتي على يدي أغيلمة من قريش ) بنو فلان ، فلو صرح بأسمائهم لكذبوه وقتلوه " انتهى .
"كشف المشكل من حديث الصحيحين" (ص / 1014)

فقد تبين أن الأحاديث التي ترك أبو هريرة رضي الله عنها نشرها وإذاعتها بين عموم الناس ، ليست مما يتعلق بالحلال والحرام ، ولا مما يترتب عليه عمل أو تكليف ، وإنما هي أحاديث عن بعض الفتن ، وأحوال الملوك والأمراء ، مما لا ينبغي أن ينشغل به ، أو يخوض فيه إلا خاصة أهل العلم والرأي .


والله أعلم .

محمد تلمساني 11-01-2012 10:40 AM

شبهة كثرة رواياته
 


شبهة كثرة رواياته


يرى البعض أن كثرة رواياته مع قصر مدة صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر يدعو إلى الشك في صحتها، ويجاب على هذه الشبهة من وجوه:

- أن كثرة روايات كثرة نسبية وليست كثرة مطلقة إذ أنه أكثر من روي عنه من الصحابة رضي الله عنهم، لا أكثر من يحفظ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما يؤكد هذا اعترافه رضي الله عنه بأن ما كان عند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما من حديث أكثر مما كان عنده، لأن عبد الله كما قال: كان يكتب، وهو لا يكتب، وهذا ما أفصح عنه الإمام أبو بكر بن خزيمة بقوله: كان من أكثر أصحابه عنه رواية فيما انتشر من رواياته وروايات غيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع مخارج صحاح.

وإن عدم كثرة الرواية عمن عداه ممن طالت صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر نسبي، ويرجع بعض أسبابها إلى وفاة بعضهم المبكرة، إذا أن منهم من توفي، في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من توفي بعد وفاته بقليل، كما أن منهم من كان مقلاً للرواية لا يحدث إلا إذا سئل، وكان من هؤلاء الخلفاء الراشدون، وأبيه بن كعب، وابن مسعود، وأبو سعيد الخدري، وغيرهم رضي الله عنهم.


- إن قصر صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم قصر نسبي: أي بالنسبة لمن طالت صحبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم، كالعشرة المبشرين بالجنة، وغيرهم من السابقين الأولين من الصحابة رضي الله عنهم، وإلا فإنها في الواقع ليست قصيرة كما يتوهم، إذ زادت على أربع سنين كما تقدم

وهي مدة كافية لجمعه ما جمع، وروايته ما روى من أحاديث، علماً أنه قد لازم فيها النبي صلى الله عليه وسلم ملازمة تامة، حضراً وسفراً، يدور معه حيث دار، تفرغ فيها للعلم والتحصيل، لا يشغله عنهما شاغل من تجارة، أو زراعة، أو أعباء عائلية أو غير ذلك، وهي ملازمة لم تتيسر لكثير ممن كانت صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أطول من صحبته له، لانشغالهم بأمور الحياة الضرورية، روي عن البراء بن عازب رضي الله عنه، أنه قال: ليس كلما سمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ فيحدث الشاهد الغائب.

وروي أنه جاء رجل إلى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، فقال: يا أبا محمد، والله ما ندري هذا اليماني أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم أم أنتم؟ تقوّل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل، يعني أبا هريرة، فقال: طلحة: والله ما يشك أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إنا كنا قوماً أغنياء، لنا بيوت وأهلون، كنا نأتي نبي الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار، ثم نرجع

كما كانوا مشغولين أيضاً بأمور الدعوة، والقيام بالمهمات التي كان يكلفهم بها النبي صلى الله عليه وسلم، كالخروج في السرايا والغزوات، وتبليغ العلم، ونقل الكتب إلى الملوك والأمراء المجاورين للجزيرة العربية، وما تتطلبه مثل هذه المهمات من سفر وغياب عن مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يدوم غيابهم أياماً أو أشهراً.
كما أن منهم من لم يكن يساكن النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، حتى يتسنى له لقاؤه متى شاء، أو في الوقت الذي تمسح له ظروفه اللقاء به.

لهذه الأسباب وغيره لم تتيسر الملازمة التامة لكثير ممن طالت صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما تيسرت لأبي هريرة رضي الله عنه، ويشهد لذلك ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحفظنا لحديثه.


- حرصه على العلم والتحصيل ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالحفظ، كان أبو هريرة رضي الله عنه مهتماً بالعلم، حريصاً على التعلم، شهد له بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قلت : يا نبي الله من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: "لقد ظننت أن يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث".

وقد دعا لأبي هريرة بالحفظ وعدم النسيان، حيث أمن على دعائه بذلك. فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال: فإني بينما أنا جالس وأبو هريرة، وفلان في المسجد ذات يوم ندعوا الله ونذكره، إذ خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم، حتى جلس إلينا، فسكتنا، فقال: عودوا للذي كنتم فيه، قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمن على دعائنا ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللهم إني أسألك ما سألك صاحباي، وأسألك علماً لا ينسى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آمين" فقلنا: يا رسول الله، ونحن نسأل الله علماً لا ينسى، فقال: "سبقكما بها الدوسي"

وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رجل لابن عمر: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عمر: أعيذك بالله أن تكون في شك مما يجئ به، ولكنه اجترأ وجبنا.

وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كان أبو هريرة جريئاً على النبي صلى الله عليه وسلم، يسأله عن أشياء لا نسأله عنها.

- تأخر وفاته وحاجة الناس إلى علمه، وكثرة الرواة عنه: كان أبو هريرة رضي الله عنه من القلائل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين امتد بهم العمر إلى ما بعد سنة خمسين من الهجرة، واحتاج الناس إلى علمهم والرجوع إليهم فيما أشكل عليهم من أمور، ولما كان من أكثر الصحابة حفظاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجمعاً له، واستعداداً لبذله، كان حرياً أن يقبل عليه طلاب العلم وعشاق المعرفة، وحماة الدين من صحابة وتابعين رضي الله عنهم، حيث روى عنه نحو ثمانية وعشرين من كبار الصحابة وصغارهم، كزيد بن ثابت، وأبي أيوب الأنصاري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وأبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعائشة، وغيرهم رضي الله عنهم، كما روى عنه وتتلمذ عليه مئات من التابعين، رضي الله عنهم

- تعدد طرق رواياته: لقد أسهم طرق بعض رواياته إلى حد ما في زيادة عدد ما نسب إليه من روايات، ومن يطلع على رواياته في مسند الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، التي بلغ عددها بشرح الشيخ: أحمد محمد شاكر رحمه الله (3848) رواية يرى أن ما يقرب من ثلثها قد تكررت روايتها فيه، لزيادة راو أو تغير صيغة أداء في السند، أو زيادة لفظ في المتن، فأدى ذلك إلى عد الرواية الواحدة في الواقع: روايتين أو أكثر حسب عدد تكررها، وهذا ما فعله المرقمون لمسند أحمد، وهم معذورون في ذلك، لأسباب فنية حديثة معروفة لدى أهل هذا العلم


- مشاركة كثير من الصحابة له فيما روى من روايات:

إن من يطلع على كتب الحديث المعتمدة والمتداولة اليوم بين المسلمين، ويتتبع فيها روايات أبي هريرة رضي الله عنه، يجد أن أكثرها قد شاركه في روايتها صحابي أو أكثر، ولا سيما التي كانت مثار اعتراض أو طعن من قبل أهل الأهواء والبدع، وغيرهم ممن لا خبرة لهم بما تصح به الأحاديث، وما لا تصح.

محمد تلمساني 11-01-2012 10:44 AM

شبهة استدراك بعض الصحابة عليه
 
شبهة استدراك بعض الصحابة عليه
ذهب البعض ممن لا خبرة لهم بطبيعة استدراك بعض الصحابة رضي الله عنهم على بعض، إلى القول: بضعف ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه، أو ضعف ما استدرك عليه خاصة، وذلك لأنه قد استدرك عليه من قبل عائشة وابن عمر رضي الله عنهما.

ويجاب عن هذه الشبهة بما يأتي:

1 - إن استدراك عائشة وابن عمر رضي الله عنهما عليه كان من الأمور التي اقتضتها طبيعة الحوار العلمي، والمذاكرة التي كانت تحصل بين الصحابة رضي الله عنهم أحياناً، إذ قد استدرك أكثر من صحابي على غيره رواية أو مسألة علمية، فأقنع صاحبه بها، أو اقتنع هو بما عند صاحبه فيها، وهذا أمر معروف عند العلماء، ولا سيما المحدثين منهم، وهو لا يؤثر في عدالة المستدرك عليه ولا في أمانته، كما لا تؤثر مخالفة الثقة لثقة مثله: في عدالتهما، أو فيما يرويان من روايات.
وكان استدراك عائشة وابن عمر رضي الله عنهما على أبي هريرة يسير في هذا الإطار

2- إن استدراك عائشة رضي الله عنها عليه مستفاد مما روي أنها دعت أبا هريرة، فقالت له: يا أبا هريرة ما هذه الأحاديث التي تبلغنا أنك تحدث بها عن النبي صلى الله عليه وسلم، هل سمعت إلا ما سمعنا، وهل رأيت إلا ما رأينا؟ قال : يا أماه إنه كان يشغلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المرآة والمكحلة والتصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني والله ما كان يشغلني عنه شئ.الحاكم: المستدرك 3/509، وقال صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي عليه

ففي هذا الحديث نرى أبا هريرة رضي الله عنه يجيب عائشة رضي الله عنها على تساؤلاتها بما يبدو أنها قد اقتنعت به، إذ لم ترد أو تعلق عليه بشئ، لما فيه من صراحة وواقعية يسلم بها ذوو النفوس الكريمة والمقاصد السليمة.

وبهذا يتضح أن استدراكها ما هو إلا تساؤل أرادت منه الجواب عليه، فلما أجابها بما أجابها به، عرفت أن عنده ما ليس عندها، وأنه قد سمع ما لم تسمعه، ورأى ما لم تره، نظراً لملازمته التامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وانشغالها رضي الله عنهما بما تنشغل به النساء المتزوجات عادة.

ويراد بالاستدراك هنا: الاعتراض، لا الاستدراك الاصطلاحي، وهو استدراك إمام على إمام .. ولم يتهمه أحد منا أنه تقوّل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل


3 - وأما استدراك ابن عمر رضي الله عنهما عليه، فهو اعتراضه عليه في حديث (اتباع الجنازة) وهو ما روي أنه مرّ بأبي هريرة رضي الله عنه، وهو يحدث عن النبي صلى الله عليه سلم: "من تبع جنازة فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان، القيراط أعظم من أحد" فقال ابن عمر: يا أبا هريرة: انظر ما تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام إليه أبو هريرة حتى انطلق إلى عائشة رضي الله عنها، فقال لهاك يا أم المؤمنين أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من تبع جنازة، فصلى عليها فله قيراط، وإن شهد دفنها فله قيراطان؟" فقالت: اللهم نعم.

فقال أبو هريرة: إنه لم يكن يشغلنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس، ولا صفق بالأسواق، إنما كنت أطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة يعلمنيها، أو أكلة يطعمنيها، فقال ابن عمر: يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلمنا بحديثه.

4 - هذا ولم يكن أبو هريرة رضي الله عنه هو الصحابي الوحيد الذي استدرك عليه من قبل بعض إخوانه من الصحابة، وإنما قد استدرك على غيره، فقد استدركت عائشة رضي الله عنها على ابن عمر وغيره من الصحابة رضي الله عنهم، كما استدرك بعضهم عليها، وهو أمر معروف


ومما تقدم يتأكد لنا: أن استدراك بعض الصحابة على بعض لم يترتب عليه تكذيب للمستدرك عليه، ولا خدش لعدالته، أو انتقاص لأمانته، كما توهم الجاهلون ذلك.

محمد تلمساني 11-01-2012 10:50 AM

تهمة اهتمامه بشبع بطنه
 
تهمة اهتمامه بشبع بطنه
اتهم البعض أبا هريرة رضي الله عنه بالاهتمام بشبع بطنه، وأنه ما صحب النبي صلى الله عليه وسلم إلا لذلك، معولاً في شبهته هذه على ما روي من قوله: "كنت أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ملء بطني"، وقوله: "كنت أطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة يعلمنيها، أو أكلة يطعمنيها" وما في معناهما من عبارات.

وهذا اتهام باطل أيضاً من وجوه:

1- عدم فهم صاحب هذه الشبهة لمراد أبي هريرة رضي الله عنه من قوله: كنت أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ملء بطني، وما في معناه، وعدم معرفته بما دفعه إلى هذا القول، وذلك لأن مراد أبي هريرة من ذكره لشبع بطنه فيما روي عنه من روايات هو: بيان تفرغه التام لملازمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحفظه لما سمعه منه، وأنه لم يشغله عن ذلك شاغل، حتى لقمة العيش التي قد تشغل غيره، حيث وجدها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه ما قال ذلك عبثاً أو سذاجة، كما زعم البعض، وإنما أراد به الرد علي من قالوا: إن أبا هريرة قد أكثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما يفهم من قوله: "إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله الموعد، إني كنت امرأً مسكيناً، أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم...الحديث".


2- لو كان همه إشباع بطنه لكان بإمكانه البحث عنه عند أمير من أمراء اليمن، أو رئيس قبيلة من قبائلها، يعمل عنده بزراعة، أو رعي مواش، أو غير ذلك، ولوفر على نفسه عناء السفر، وترك الأهل والعشيرة والبلد، وبالهجرة من اليمن إلى الحجاز، إلى رجل لم يكن ملكاً، أو ذا سلطان أو مال يومها، ولم يكن قد تخلص من أعدائه الثلاثة المتربصين به الدوائر: المشركين في مكة وغيرها، والمنافقين في المدينة وحولها، واليهود المجاورين لها، وكانت احتمالات النصر والهزيمة كلها واردة في المقاييس البشرية والمادية.

ولم تغب هذه الاحتمالات عن ذهب أبي هريرة الشاب الفطن واليماني الحكيم، وهو يحث رحاله نحو المدينة، نحو النور الذي شع فيها: ملبياً دعوة الحق، دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعوة الإيمان بالله الواحد الأحد، وقد شهد بعد وصوله المدينة بيومين أو ثلاثة: غزوة خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

3- لو كان همه إشباع بطنه، لترك ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم، وبحث عمن يشبعها له من موسري الصحابة رضي الله عنه أو غيرهم من أهل المدينة، بعمل أو غيره إذا لم يتيسر له إشباعها في أكثر أيام ملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم، إذا كان لا يحصل في بعض الأيام على أكثر من تمرة أو تمرتين، أو شربة لبن، أو ما قارب ذلك، فقد روي عنه أنه قال: خرجت يوماً من بيتي إلى المسجد فوجدت نفراً، فقالوا: ما أخرجك؟ قلت : الجوع فقالوا: ونحن والله ما أخرجنا إلا الجوع، فقمنا فدخلنا على رسول الله، فقال: "ما جاء بكم هذه الساعة"؟ فأخبرناه فدعا بطبق فيه تمر، فأعطى كل رجل منا تمرتين، فقال:"كلوا هاتين التمرتين واشربوا عليهما من الماء فإنهما ستجزيانكم يومكم هذا".

كما روي عنه أنه قد أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم قدح لبن، فأمره أن يدعو أهل الصفة، وكان عريفهم، فدعاهم فلما جلسوا قال:" خذا يا أبا هريرة فأعطهم"، فجعلت أعطي الرجل فيشرب حتى يروى، حتى أتيت على جميعهم، وناولته رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع رأسه إلى مبتسماً، وقال:"بقيت أنا وأنت" قال: "فاشرب"، فشربت، قال:"اشرب"...

فلو كان كما قيل لما توانى عن ان يشبع بطنه ! والله المستعان

محمد تلمساني 11-01-2012 10:58 AM

تهمة اهتمامه بشبع بطنه
 
تهمة اهتمامه بشبع بطنه
اتهم البعض أبا هريرة رضي الله عنه بالاهتمام بشبع بطنه، وأنه ما صحب النبي صلى الله عليه وسلم إلا لذلك، معولاً في شبهته هذه على ما روي من قوله: "كنت أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ملء بطني"، وقوله: "كنت أطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة يعلمنيها، أو أكلة يطعمنيها" وما في معناهما من عبارات.

وهذا اتهام باطل أيضاً من وجوه:

1- عدم فهم صاحب هذه الشبهة لمراد أبي هريرة رضي الله عنه من قوله: كنت أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ملء بطني، وما في معناه، وعدم معرفته بما دفعه إلى هذا القول، وذلك لأن مراد أبي هريرة من ذكره لشبع بطنه فيما روي عنه من روايات هو: بيان تفرغه التام لملازمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحفظه لما سمعه منه، وأنه لم يشغله عن ذلك شاغل، حتى لقمة العيش التي قد تشغل غيره، حيث وجدها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه ما قال ذلك عبثاً أو سذاجة، كما زعم البعض، وإنما أراد به الرد علي من قالوا: إن أبا هريرة قد أكثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما يفهم من قوله: "إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله الموعد، إني كنت امرأً مسكيناً، أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم...الحديث".


2- لو كان همه إشباع بطنه لكان بإمكانه البحث عنه عند أمير من أمراء اليمن، أو رئيس قبيلة من قبائلها، يعمل عنده بزراعة، أو رعي مواش، أو غير ذلك، ولوفر على نفسه عناء السفر، وترك الأهل والعشيرة والبلد، وبالهجرة من اليمن إلى الحجاز، إلى رجل لم يكن ملكاً، أو ذا سلطان أو مال يومها، ولم يكن قد تخلص من أعدائه الثلاثة المتربصين به الدوائر: المشركين في مكة وغيرها، والمنافقين في المدينة وحولها، واليهود المجاورين لها، وكانت احتمالات النصر والهزيمة كلها واردة في المقاييس البشرية والمادية.

ولم تغب هذه الاحتمالات عن ذهب أبي هريرة الشاب الفطن واليماني الحكيم، وهو يحث رحاله نحو المدينة، نحو النور الذي شع فيها: ملبياً دعوة الحق، دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعوة الإيمان بالله الواحد الأحد، وقد شهد بعد وصوله المدينة بيومين أو ثلاثة: غزوة خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

3- لو كان همه إشباع بطنه، لترك ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم، وبحث عمن يشبعها له من موسري الصحابة رضي الله عنه أو غيرهم من أهل المدينة، بعمل أو غيره إذا لم يتيسر له إشباعها في أكثر أيام ملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم، إذا كان لا يحصل في بعض الأيام على أكثر من تمرة أو تمرتين، أو شربة لبن، أو ما قارب ذلك، فقد روي عنه أنه قال: خرجت يوماً من بيتي إلى المسجد فوجدت نفراً، فقالوا: ما أخرجك؟ قلت : الجوع فقالوا: ونحن والله ما أخرجنا إلا الجوع، فقمنا فدخلنا على رسول الله، فقال: "ما جاء بكم هذه الساعة"؟ فأخبرناه فدعا بطبق فيه تمر، فأعطى كل رجل منا تمرتين، فقال:"كلوا هاتين التمرتين واشربوا عليهما من الماء فإنهما ستجزيانكم يومكم هذا".

كما روي عنه أنه قد أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم قدح لبن، فأمره أن يدعو أهل الصفة، وكان عريفهم، فدعاهم فلما جلسوا قال:" خذا يا أبا هريرة فأعطهم"، فجعلت أعطي الرجل فيشرب حتى يروى، حتى أتيت على جميعهم، وناولته رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع رأسه إلى مبتسماً، وقال:"بقيت أنا وأنت" قال: "فاشرب"، فشربت، قال:"اشرب"...

فلو كان كما قيل لما توانى عن ان يشبع بطنه ! والله المستعان

محمد تلمساني 11-01-2012 11:02 AM

شبهة كتمانه لبعض ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
 

شبهة كتمانه لبعض ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

من الشبه التي أثارها بعض أهل الأهواء: أن كتم بعض ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يعد كتماناً للوحي الذي أمر الله تعالى رسوله بتبليغه للناس، مستندين في ذلك إلى ما صح عنه أنه قال: "حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين: فأما أحدهما فبثثته في الناس، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم".بخاري
وفي رواية: "حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث ما حدثتكم بها، ولو حدثتكم بحديث منها لرجمتموني بالأحجار". الحاكم
هذا ويجاب على هذه البشهة بما يأتي:

1 - لقد أراد أبو هريرة رضي الله عنه: بالوعاءين وما في معناهما، قسمين أو مجموعتين من الأحاديث: أحدهما وهو الأكثر ما رواه للناس ونشره بينهم، وهو ما يجب تبليغه لهم، ولا يجوز كتمانه عنهم، والثاني وهو الأقل، ولعله لا يتجاوز الحديث أو الحديثين كثيراً، هو الذي أخفاه ولم يروه للناس، وذلك مما لا يطلب العمل به، أو مما قد يثير فتنة، أو
يترتب عليه اتكال، أو يلحق منه أذى، أو تكذيب لمن يرويه، أو غير ذلك، قال الذهبي: هذا على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تحرك فتنة في الأصول أو الفروع، أو المدح أو الذم، أما حديث يتعلق بحل أو حرام، فإنه لا يحل كتمانه بوجه، فإنه من البينات والهدى. أي يجب بيانه للناس، ولا يجوز كتمانه.
وقال ابن كثير: وهذا الوعاء الذي كان لا يظهره هو الفتن والملاحم وما وقع بين الناس من الحروب والقتال، وما سيقع، وهذه لو أخبر بها قبل كونها، لبادر كثير من الناس إلى تكذيبه.

2- لم يكن أبو هريرة رضي الله عنه الصحابي الوحيد الذي كتم بعض ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ ثبت أن بعض الصحابة رضي الله عنهم كتموا بعض ما رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث، وكان منهم: معاذ بن جبل رضي الله عنه، فقد روى مسلم عنه قال: "كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له عفير، قال: فقال: "يا معاذ تدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟، قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله عز وجل أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً، قال: قلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس، قال: لا تبشرهم فيتكلوا".

ومنهم: عبادة بن الصامت رضي الله عنه، فقد صح عنه أنه قال في مرض موته: ما من حديث سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم
لكم فيه خير إلا حدثتكموه، إلا حديثاً واحداً وسوف أحدثكموه اليوم، وقد أحيط بنفسي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار".

قال القاضي عياض:"ومثل هذا عن الصحابة رضي الله عنهم كثير في ترك الحديث بما ليس تحته عمل، ولا تدعو إليه ضرورة، أو ما تحتمله عقول العامة أو حشيت مضرته على قائله أو سامعه"

3 - دعوة كبار الصحابة رضي الله عنهم إلى الإقلال من رواية الحديث، وحثهم على ذلك، لأسباب رأوها داعية للإقلال من روايته.
فقد روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فيما يعمل به.

قال ابن كثير: وهذا محمول من عمر على أنه خشي من الأحاديث التي قد تضعها الناس على غير مواضعها، وأنهم يتكلون على ما فيها من أحاديث الرخص، وأن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ، فيحملها الناس عنه.
وصح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "حدثوا بما يعرفون " وبهذا يبدو جلياً أن ما أخفاه أبو هريرة لا يخرج عن الأسباب التي أخفى من أجلها بعض الصحابة رضي الله عنهم ما أخفوه من روايات، وأنه لم يكن كتماناً لما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بتبليغه للناسب كما توهم الواهمون.


محمد تلمساني 11-01-2012 11:06 AM

شبهة عزل عمر له عن ولاية البحرين
 
شبهة عزل عمر له عن ولاية البحرين
من الشبه التي أثارها بعض أهل الأهواء أيضاً، قولهم: إن عزل عمر ابن الخطاب رضي الله عنه له عن ولاية البحرين يثير الشك في أمانته.

وهي شبهة باطلة لما يأتي:

1 - لم يكن عمر رضي الله عنه شاكاً في أمانة أبي هريرة رضي الله عنه، حين عزله عن ولاية البحرين، وإنما أراد بمساءلته له وعزله أن يقطع التساؤل حول ما نمى عنده من مال بعد ولايته للبحرين، وإن كان ذلك المال محدوداً، ولكن كما يقول المثل:"إذا لبس الفقير جديداً قيل: من أعطاك هذا"؟ وعلى افتراض أنه كان شاكاً في أمانته، فإن هذا الشك قد زال بعد سؤاله له عن مصدر هذا المال، وجواب أبي هريرة المقنع على سؤاله.

فعن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين "أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال يا عدو الله وعدو كتابه؟ فقال أبو هريرة: فقلت: لست بعدو الله وعدو كتابه، ولكن عدو من عاداهما، قال: فمن أين لك؟ قلت: خيل نتجت، وغلى رقيق لي، وأعطية تتابعت، فنظروا فوجدوه كما قال".
ومما يؤكد اقتناع عمر رضي الله عنه بجوابه، وزوال شكه في أمانته، دعوته له لولاية البحرين مرة أخرى.
فقد جاء في نفس الرواية "أنه لما كان بعد ذلك، دعا عمر ليوليه،
فأبى، فقال: تكره العمل، وقد طلب العمل من كان خيراً منك: يوسف عليه السلام، فقال: يوسف نبي ابن نبي، وأنا أبو هريرة بن أميمة، وأخشى ثلاثاً واثنتين، قال: فهلا قلت: خمساً؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، واقضي بغير حلم، وأن يضرب ظهري، وينتزع مالي، ويشتم عرضي".

وهذه الرواية اصح رواية في موضوع عزل عمر له، عن ولاية البحرين، لثقة رواتها، وتعدد طرقها إلى التابعي الجليل محمد بن سيرين رضي الله عنه، وهي تفيد أن عزله لم يكن لخيانة، أو قلة أمانة، أو تقصير في واجب، وإلا فبماذا تفسر دعوة عمر رضي الله عنه له ليوله ثانية على البحرين بعد أن كان قد عزله عنها؟.

2- كان من سياسة عمر رضي الله عنه المتميزة في الحكم متابعة الولاة والعمل ومساءلتهم، لأدنى ما يرفع عنهم أو يقال ضدهم، مهما علت مراتبهم، وسمت منازلهم في السبق إلى الإسلام، والفضل فيه، لذا نراه يحاسب أبا هريرة ويحاسب من هو دونه، ومن هو أعلى منه في مراتب الصحبة والفضل، كسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أحد السابقين الأولين للإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، ومجابي الدعوة منهم، وكان عمر رضي الله عنه قد عزله عن إمرة الكوفة، وقال بعد ذلك في وصيته لأهل الشورى: "إن أصابت الإمرة سعداً فذاك، وإلا فليستعن به الذي يلي الأمر، فإني لم أعزله عن عجزن ولا خيانة"

وعمير بن سعد بن عبيد الأنصاري الصحابي، الذي كان يقال فيه: "عمير نسيج وحده"، وقيل: إن الذي وصفه بهذا هو عمر رضي الله عنه وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال لعبد الرحمن بن عمير بن سعد: "ما كان بالشام أفضل من أبيك".
ومع هذا فقد روى الترمذي عن أبي إدريس الخولاني أن عمر رضي الله عنه عزله عن ولاية حمص وولى صحابياً آخر مكانه.

وعليه فمساءلة عمر لبعض ولاته، وعزلهم أحياناً، كانت سياسة له كما أسلفنا، وليست بالضرورة إدانة لمن يعزلهم، لعله أراد أن يسن بها سنة لمن بعده من الخلفاء والأمراء.

الاستعياب في تمييز الاصحاب لابي عمر ابن عبد البر
وابو هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ل د. حارث الضاري

محمد تلمساني 11-01-2012 11:09 AM

رد الشبهات 7 كيف يشهد أبو هريرة لأبي هريرة
 
رد الشبهات 7 ..

بقلم : أبو حب الله ......



كيف يشهد أبو هريرة لأبي هريرة ؟!!..

1)) ما هو اسمه ؟!..
2)) كيف يشهد أبو هريرة لأبي هريرة ؟!..
3)) ما هو عدد الأحاديث التي تفرد بها أبو هريرة ؟!..
4)) لماذا الهجوم على أبي هريرة بالذات ؟!!..

الإخوة الكرام ..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...

يُـحكى أن نحلة ً: وقفت في يوم ٍعلى نخلةٍ .. ثم لما تأهبت
للرحيل قالت : يا أيتها النخلة : استعدي وتماسكي جيدا ً:
لأني سوف أرحل عنكي !!.. فقالت لها النخلة باستغراب :
وهل شعرت بكِ حين حططتي : حتى أشعر بك حين ترحلين ؟!
----
فهكذا هو حال (السفهاء) دوما ًيا إخواني مع (العظماء) !!!..
يذرون في وجوههم الشبهات والأباطيل : وما فعلهم في ذلك :
إلا كمَن يذرو التراب في وجه الشمس : يظن أنه قادرٌ على
إخفائها أو حتى طمس نورها !!!!!!!!!!!!!!!!....
وهيهات !..
------------
1)) ما هو اسمه ؟!..

لقد جرت عادة العرب في رجالهم : أن يهتموا أيما اهتمام ٍ
بالكـُـنية !!.. حتى أنها قد تغلب في كثير ٍمِن الأحيان في شهرتها
وكثرة استخدامها : على اسم الشخص نفسه !!!..
وأما أصحاب الزيغ من المستشرقين والطاعنين في الدين : ففي
حربهم الضروس لمحاولة هدم (السُـنة) كمرحلة أولى لهدم الدين
كله تبعا ًلذلك :
فلم تمر عليهم هذه المعلومة مرور الكرام !!!..
بل رأوا فيها (شبهة ًجديدة) : يُمكن إضافتها لشبهات عديدة :
قد أكالوها للصحابي الجليل (أبي هريرة) رضي الله عنه !!!!...
----
فبعد كل الخبل الذي افتروه عقلا ًومنطقا ً(مثل نفيهم أن يكون
الرسول قد تحدث في الدين إلى الناس بغير القرآن !.. أو نفيهم
أن يتناقل الصحابة والتابعين والصالحين أحاديث وأخبار النبي
وسُـنته فيما بينهم بالسند : حتى تدوينها في كتب السُـنة) ثم
تجدهم بعد ذلك وحدهم (أي مُنكري السُـنة) : يستحلون
لأنفسهم ((فقط)) : الاستشهاد والاقتباس من الأحاديث وكتب
السير والتاريخ المكذوبة على الرسول وصحابته والتاريخ :
وكأن ما لا يقبلونه على الناس : قد صار مباحا ًلهم فجأة !!..
أقول :
تجدهم بعد كل هذا الخبل : يُثيرون الشبهة في عدم معرفة اسم
(أبي هريرة) الحقيقي رضي الله عنه !!!!!!...
وكأنهم يعتقدون بهذا مثلا ً: أنهم سيثبتون بعد ذلك أنه كان
شخصية ًوهمية (كما حاول الروافض من قبل مع عبد الله بن
سبأ اليهودي !) .. أو يُثبتون أنه كان نكرة وسط الصحابة !!..
-----
ولن أتحدث هنا عن عدد الأحاديث التي رواها (أبو هريرة)
رضي الله عنه عن النبي : ونقلها عنه ما يقارب الـ (800)
صحابي وتابعي !!!.. لأن تفصيل ذلك سيأتي بعد قليل ٍبإذن
الله : مما يؤكد عدم تواطؤ هؤلاء الـ (800) صحابي وتابعي
على كذب اختلاق شخصية (وهمية) يقينا ً!!!!...
ناهيك بالطبع عن ترجمة هذا الصحابي الجليل في كل كتب
تراجم الرجال والسير !!!!!...
هذه واحدة ...
-----
وأما الثانية فهي : أن كثيرا ًمن الصحابة بالفعل (ومثلهم مثل
أبي هريرة في ذلك ولا فرق) :
نجد أن منهم مَن اشتهر بكنيته تماما ً: للدرجة التي لو سألت
فيها سواد المسلمين عن اسمه : ما عرفه منهم إلا أقل أقل أقل
القليل !!!!!!!!!!.... وأتحداكم بالآتي : وحاولوا أن تسألوا
أهاليكم وزملاءكم وأصدقائكم عنهم :
(أبو بكر الصديق) (أبو طلحة الأنصاري) (أبو ذر الغفاري)
(أبو أمامة الباهلي) (أبو عبيدة بن الجراح) (أبو أيوب
الأنصاري) (أبو سعيد الخدري) (أبو الدرداء) (أبو قتادة)
(أبو موسى الأشعري) (أبو بكرة) (أبو حُميد) (أبو أ ُسيد)
(أبو سلمة) (أبو خزيمة) ............. والقائمة طويلة !!!...
فأسأل :
كم مِنا يعلم الاسم الحقيقي لـ ((بعض)) هؤلاء الصحب الكرام ؟!
(وفيهم مَن فيهم مِن أكابر الصحابة كما هو واضح) !!!.........
فهل بالله عليكم : قدح في شخص أحدهم : عدم معرفة الناس
والمسلمين له : إلا بكــُنيته ؟!!!!!!!....
هل بالله عليكم : ضره ذلك أو قدح في دينه بشيء ؟!!!.............
اللهم لا !!!!...
-----
وأما إذا كان وجه الشبهة هو كثرة الاختلاف على الاسم الحقيقي
للصحابي المشهور بكنيته : فهذا بسبب طغيان الكنية كما قلنا على
الاسم الحقيقي !.. وما (أبا هريرة) في ذلك ببدعة وسط الصحابة ؟!
بل قد اختــُلف في الاسم الحقيقي لكثير منهم أيضا ً!.. فلماذا تم ترك
الحديث عن كل هؤلاء : وانصب الطعن في (أبي هريرة) وحده ؟!
فهذا (أبو ذر الغفاري) رضي الله عنه :
قد اختــُلف في اسمه كثيرا ً: ولكن الراجح مِن قول العلماء كما هو
معروف ومشهور هو : (جندب بن جنادة) !!!!...
وإليكم الكلام التالي مِن (أ ُسد الغابة 6/99) و(طبقات بن سعد 4/61)

" هذا : وقد اختــُلف في اسم أبي ذر .. فقيل : جندب بن جنادة - وهو
أكثر وأصح ما قيل - وقيل : برير بن عبد الله .. وبرير بن جنادة ..
وبريرة بن عشرقة .. وقيل : جندب بن عبد الله .. وقيل جندب بن سكن ..
والمشهور : جندب بن جنادة بن قيس بن عمرو بن مليل بن صعير بن
حرام بن غفار .. وقيل : جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد الله بن حرام
بن غفار بن قليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن
مدركة الغفاري " !!!!!!!!!!!..
-----
فهكذا أيضا ًكان راوية الإسلام الأول بلا منازع : فما العلة إذا ً؟!!..
حيث اختــُلف في اسم (أبي هريرة) رضي الله عنه : ولكن الراجح
أيضا ًوالمعروف مِن قول العلماء : هو أن اسمه قبل الإسلام كان :
(عبد شمس بن صخر) .. فلما أسلم وجاء إلى النبي : أسماه النبي :
(عبد الرحمن بن صخر الدوسي) نسبة ًلقبيلة دوس المعروفة !!..
وكما كان دأب النبي في تغيير الأسماء القبيحة أو الشركية !!!...
فما الغريب إذا ًعند هؤلاء المعترضين ؟!!!..
وما الشاذ في ذلك الصحابي الجليل الذي لما لم يجدوا شيئا ً
يعيبونه عليه : عابوا عليه كنيته بـ (أبي هريرة) !!!!!!!!!!!!!!...
فسبحان الله العظيم !!..
عندما يتصف الصحابي بالغلظة والقوة : ينتقدونه !!!!..
وعندما يتصف بالرحمة والعطف واللين : أيضا ًينتقدوه !!!!.....
-----
فأما سبب كنيته بـ (أبي هريرة) : فهو أنه كان يرعى الغنم
في قومه في اليمن : ومعه هرة صغيرة : يعطف عليها ..
فيضعها في الليل في الشجر .. ويصحبها في النهار معه !!!!..
فهل مِن اعتراض ؟!!!!!!!!!!!!!!!....
----
(وسوف أذكر لكم قرب نهاية هذه الرسالة : لماذا الهجوم على
أبي هريرة بالذات إن شاء الله) ...
----------
----------------------

2)) كيف يشهد أبو هريرة لأبي هريرة ؟!!..

مِن الرسائل والأسئلة والتعليقات التي جاءتني : هي قول أحد
الإخوة الكرام :
كيف نقبل شهادة (أبي هريرة) على نفسه بحفظ آحاديث
النبي ؟؟؟.. وكذلك شهادة (عبد الله بن عمرو) بأن النبي
أذن له في كتابة آحاديثه ؟؟...
----
حيث يقصد الأخ السائل : ما أوردته لكم مِن آحاديث تدل
على موافقة النبي على نقل الصحابة الآحاديث عنه !
سواءٌ كان النقل شفاهية ً.. أو كتابة ً...
حيث روى البخاري في صحيحه عن (أبي هريرة) قال :
" قلت : يا رسول الله : إني أسمع مِنك حديثا ًكثيرا ً:
أنساه (أي مِن كثرته وتشابهه) .. قال : ابسط
رداءك .. فبسطته .. قال : فغرف بيديه : ثم قال :
ضـُمه .. فضممته : فما نسيت شيئا ًبعده " !!..
رواه البخاري .......
---
وأما إقرار النبي للنقل عنه كتابة ً:
فعن (عبد الله بن عمرو) قال :
" كنت أكتب كل شىءٍ أسمعه مِن رسول الله صلى
الله عليه وسلم : أريد حفظه .. فنهتني قريش ٍوقالوا :
أتكتب كل شىءٍ تسمعه : ورسول الله صلى الله عليه
وسلم : بشر : يتكلم في الغضب والرضا ؟!.. فأمسكت
عن الكتابة .. فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه
وسلم : فأومأ بإصبعه إلى فيه (أي أشار إلى فمه) فقال :
اكتب .. فوالذي نفسي بيده : ما يخرج منه إلا حق " !..
رواه أبو داود وصححه الألباني ...
---------
حيث ظن أخي الكريم أن مجرد كون راويي الحديثين
هما (أبو هريرة) و(عبد الله بن عمرو) نفسيهما :
أن ذلك : يقدح في صحة هذا الاستدلال !!!..
فأقول والله المستعان .......
----
إن لكل قول : بينة ٌودليل !...
فإذا غابت تلكم البينة وذاك الدليل عن ذلك القول :
تعرض القائل لشبهة الكذب حينئذٍ ولا ملامة !...
فعندما يشم الناس مِن فمي رائحة الخمر مثلا ً: فتلك
بينة ٌودليلٌ على شربي للخمر : مهما دافعت عن نفسي
ونفيت !.. والعكس بالعكس : أي إذا أمسكني الناس
واتهموني بشرب الخمر : ثم لم يجدوا مِني رائحتها :
فذاك دليل براءةٍ ولا شك !!!...
----
فـ (أبو هريرة) و(عبد الله بن عمرو) رضي الله عنهما
عندما يرويان مثل هذه الآحاديث : إنما يرويانهم وسط
مئات الصحابة الذين لو علِموا أنهما يكذبان :
لردوا عليهما ولفضحوهما في الحال ! ولانتقلت تلك
الردود أو الفضائح إلينا : عبر الآحاديث أيضا ً!!!!...
---
ولكن كان المُشاهد هو : قبول مئات الصحابة والتابعين
لهذه الآحاديث مِن (أبي هريرة) و(عبد الله بن عمرو) :
بالموافقة والتصديق !!!...
وذلك لأنهم قد رأوا مِن الدلالات ما يؤكد قول كل ٍمِنهما !
فكان (أبو هريرة) بالفعل (وكما قال في الحديث) :
أكثر الناس حفظا ًلحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم !
بل : وأكثر الناس رواية ًعن النبي كما سنرى بالأرقام
بعد قليل .....
وكان (عبد الله بن عمرو) بالفعل : هو صاحب الآحاديث
المُدونة الموثوقة بين الصحابة والتابعين !..
حتى أن (أبا هريرة) نفسه : ظن أن مَن يليه في كثرة
الحديث عن النبي : هو (عبد الله بن عمرو) !!!..
حيث جاء عن (أبي هريرة) في الحديث الصحيح :
" قال : ليس أحدٌ أكثر حديثا ًعن رسول الله صلى الله
عليه وسلم مِني : إلا عبد الله بن عمرو !.. فإنه كان
يكتب : وكنت لا أكتب "
صححه الألباني في سنن الترمذي (3841 و 2668)
---------
وأما كبار الصحابة : فكانوا يعترفون لـ (أبي هريرة)
رضي الله عنه بهذه المنزلة الرفيعة : فكيف لا نقبل نحن
شهادته : إذا كان قد قبلها مَن هم أفضل مِنا ؟!!!!!!..
فعن (عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما : أنه قال
لـ (أبي هريرة) رضي الله عنه :
" أنت كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم :
وأحفظنا (وفي رواية أعلمنا) بحديثه " !!!!...
صحيح سنن الترمذي للألباني (3836) ..
وأما قصة ذلك كما جاء في صحيح مسلم وغيره :
عن (عامر بن سعد بن أبي وقاص) رضي الله عنه أنه :
" كان قاعدا ًعند ابن عمر رضي الله عنهما : إذ طلع
خباب صاحب المقصورة فقال : يا عبد الله بن عمر ألا
تسمع ما يقول أبو هريرة رضي الله عنه !.. يقول إنه :
سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : مَن خرج
مع جنازة مِن بيتها وصلى عليها واتبعها حتى تــُدفن :
كان له قيراطان مِن الأجر : كل قيراط مِثل أ ُحد (وهو
الجبل المعروف بالمدينة) .. ومَن صلى عليها (أي ولم
يحضر دفنها) ثم رجع : كان له مِن الأجر مثل أ ُحد !..
فأرسل ابن عمر (أي رسولا ً) إلى عائشة رضي الله عنها :
يسألها عن قول أبي هريرة : ثم يرجع إليه فيخبره بما
قالت .. وأخذ ابن عمر قبضة ًمِن حصى المسجد : يُـقلبها
في يده حتى يرجع .. فقال (أي الرسول) قالت عائشة :
صدق أبو هريرة .. فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في
يده الأرض .. ثم قال : لقد فرطنا في قراريطٍ كثيرة " !
حتى كان (ابن عمر) يترحم عليه فى جنازته ويقول :
" كان يحفظ على المسلمين حديث رسول الله " !......
------
ومع المقارنة بالحاسب الآلي لآحاديث الصحابة في كتب
الآحاديث الستة المُعتمدة (البخاري ومسلم والترمذي
والنسائي وأبي داود وابن ماجة) : نرى أن أكثرهم رواية
عن رسول الله (وهم الذين تعدوا الألف حديث) هم :
1.. (أبو هريرة) : 5374 حديث بالمُكرر ..
2.. (عبد الله بن عمر) : 2630 حديث بالمُكرر ..
3.. (أنس بن مالك) : 2286 حديث بالمُكرر ..
4.. (عائشة) أم المؤمنين : 2210 حديث بالمُكرر ..
5.. (عبد الله بن عباس) : 1660 حديث بالمُكرر ..
6.. (جابر بن عبد الله) : 1540 حديث بالمُكرر ..
7.. (أبو سعيد الخدري – سعد بن مالك) :
1170 حديث بالمُكرر ..
----
وأما سر كثرة رواية (أبي هريرة) عن النبي : برغم
صغر مدة صحبته مقارنة ًبغيره : فتعالوا معا ًنقرأ
الآتي ..............
---
أسلم (أبو هريرة) في اليمن على يد (الطفيل بن عمرو)
رضي الله عنهما .. وكان قد تعدى الثلاثين مِن العمر بقليل ..
وما أن أسلم وملأ الإيمان قلبه : حتى أدرك أنه :
قد فاته الكثير والكثير مِن الخير مِن صحبة النبي !..
فهاجر على الفور إلى المدينة .. فقدم على رسول الله
أثناء فتح خيبر في شهر المُحرم عام 7 مِن الهجرة ..
فشهد غزوة خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
ثم قرر أن يُلازم رسول الله حتى آخر حياته !.. ولا ينشغل
عنه بشيء ...
----
فكان مع رسول الله في مسجده .. يدور معه في بيوت
نسائه يخدمه (وبيوت زوجات النبي : كانت غرفا ًمُلاصقة
للمسجد النبوي كم سأ ُريكم صورتها في رسالة قادمة)
حيث اختار (أبو هريرة) أخذ العلم والسُـنن والحديث عن
النبي : بدلا ًمِن قضاء وقته في السعي على الرزق كغيره
مِن أكابر الصحابة !!!..
حتى أن كبار الصحابة أنفسهم : كانوا يسألونه عن آحاديث
النبي التي تفوتهم ! وذلك كـ (عمر وعثمان وطلحة وعلي
والزبير) رضي الله عنهم أجمعين !!.. حيث ما كان يخفى
عليه شيءٌ مِن أحادبث رسول الله منذ لازمه !.... ولا حتى
في غزواته !.. وكانت تكفيه اللقيمات القليلة في ذلك !....
بل : وأصابته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم المباركة
له بقوة الحفظ وعدم النسيان كما قرأنا معا ً!!!!!....
---
وعلى هذا : فقد صاحب (أبو هريرة) النبيَ : أربعة أعوام
إلا قليل (تقريبا ً1460 يوم) !!!... سمع خلالها العديد
والعديد مِن آحاديث النبي !... حتى أنه عندما كان يُسأل
بغرابة مِن التابعين عن سر تلك الكثرة : كان يقول كما
في صحيح البخاري وغيره :
" يقولون : إن أبا هريرة : قد أكثر (أي في رواية
الحديث عن النبي) والله الموعد (أي والله يحكم عليّ
إن كنت كاذبا ًيوم القيامة) ويقولون : ما بال المهاجرين
والأنصار : لا يتحدثون مثل أحاديثه ؟!.. وسأخبركم عن
ذلك :
إن إخوانى مِن الأنصار : كان يشغلهم عمل أراضيهم ..
وإن إخوانى مِن المهاجرين : كان يشغلهم الصفق (أي
التجارة) بالأسواق .. وكنت ألزم رسول الله عليه الصلاة
والسلام : على ملئ بطنى (أي لا أبغي مِنه إلا أن يُطعمني
مِما يطعم : حرصا ًمِني على ملازمته التامة لأخذ الحديث
عنه) .. فأشهد إذا غابوا !.. وأحفظ إذا نسوا !..
ولقد قال رسول الله يوما ً:
أيكم يبسط ثوبه : فيأخذ مِن حديثى هذا : ثم يجمعه إلى
صدره ؟! فإنه لن ينس شيئا ًسمعه (وفي صيغة الخطاب
هذه مِن رسول الله " أيكم " : إشارة إلى أنه كان هناك
أكثر مِن جالس أمام النبي !!) .. فبسطت بُردة ًعلىّ : حتى
فرغ مِن حديثه .. ثم جمعتها إلى صدرى : فما نسيت بعد
ذلك اليوم شيئا ًحدثنى به !.. ولولا آيتان أنزلهما الله فى
كتابه : ما حدثت شيئا ًأبدا ً(أي مخافة كتمان العلم) :
" إن الذين يكتمون ما أنزلنا مِن البينات والهدى : مِن بعد
ما بيناه للناس في الكتاب : أولئك يلعنهم الله .. ويلعنهم
اللاعنون .. إلا الذين : تابوا .. وأصلحوا .. وبينوا :
فأولئك أتوب عليهم : وأنا التواب الرحيم " ....
----
فهذا الكلام مِن (أبي هريرة) نفسه : قد شهد له الصحابة
الذين عايشوه بالصدق (حيث مات عام 59 هـ) !!.. وذلك
كما رأينا بالأعلى ! كما يشهد له أيضا ً: أخبار عدم ملازمة
الصحابة كلهم للنبي طوال الوقت بالفعل .. وذلك مِثل قول
(عمر) رضي الله عنه في جزء مِن حديث صحيح (وهو حديث
اعتزال النبي لنسائه قرابة الشهر) :
" وكان منزلي بالعوالي (مكان في ضواحي المدينة) في
بني أمية .. وكان لي جارٌ مِن الأنصار : كنا نتناوب النزول
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : فينزل يوما ً: فيأتيني
بخبر الوحي وغيره (أي بالجديد مِن القرآن والسُـنة) ..
وأنزل يوما ً: فآتيه بمثل ذلك " ...
صحيح سنن الترمذي للألباني (3318) ...
-----
وأتساءل مرة ًأخرى يا إخواني : كيف لا نقبل شهادة
(أبي هريرة) : والتي قبلها عنه : أكثر مِن (800) صحابي
وتابعي رووا عنه آحاديثه !!!!!!!..
فمِن الصحابة : (زيد بن ثابت - عبد الله بن عباس –
عبد الله بن عمر - أنس بن مالك – عائشة - أبو أيوب
الأنصاري) وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين ..
ومِن التابعين : (مروان بن الحكم - الحسن البصرى –
ابن سيرين - عامر الشعبى - عروة ابن الزبير – همام بن
منبه) وغيرهم الكثير رحمهم الله ....
فهل كل أولئك الـ 800 : تواطأوا على الكذب معه أو له ؟!
وهل يستمر الكذب لأكثر مِن 46 عاما ًمِن بعد موت النبي ؟!
------------
-------------------

3)) ما هو عدد الأحاديث التي تفرد بها أبو هريرة ؟!..

وأما المفاجأة الكبرى يا إخواني ....................
فهي أن الطاعنين في آحاديث (أبي هريرة) : ويوهمون
الناس أنه قد تفرد بها دونا ًعن باقي الصحابة (وخصوصا ً
أن منها بعض الآحاديث الغريبة كخلق الله آدم على صورته
وكرؤية المؤمنين لله تعالى يوم القيامة والشفاعة ..... إلخ) :
هؤلاء الطاعنين في (أبي هريرة) عن طريق أمثال تلك
الآحاديث جميعا ً: لا يعلمون أن ما تفرد به (أبو هريرة)
رضي الله عنه مِن رواية آحاديث النبي في الكتب الستة :
هو أقل مِن عشرة آحاديث فقط !!!!!!!!!!.....
وأما باقي الآحاديث المروية عنه : فقد شاركه غيره روايتها
أيضا ًمِن الصحابة أيضا ًوأمهات المؤمنين !!!!....
صدق أو لا تصدق !...
---
(ملحوظة : أرجو مراجعة رسالتي : الرد على عبد الحسين
الموسوي .. ومحمود أبو رية .. والسُـنة .. وأبو هريرة) ..
----
فالآحاديث التي رواها (أبو هريرة) هي : 5374 حديثا ً
بالمُكرر .. وبمقارنتها بالحاسب الآلي في برامج الحديث
(كبرنامج : موسوعة الحديث الشريف وغيره) : يتبين
أن عدد الآحاديث المُكررة فيها هو : 4074 حديث !...
فيكون عدد الأحاديث الفعلية التي رواها (أبو هريرة) في
كتب الحديث الستة هو : 1300 حديثا ًفقط !..
---
ثم بمقارنة تلك الآحاديث مع آحاديث باقي الصحابة :
لوجدنا أن ما تفرد به (أبو هريرة) عن غيره هو : أقل
مِن عشرة آحاديث فقط !!!!..
---
وعلى نفس المنوال : إذا قمنا بإضافة باقي كتب الحديث
التسعة (موطأ مالك – مُسند أحمد – الدارمي) : لوجدنا
أن آحاديث (أبي هريرة) تبلغ : 8960 حديثا ً.. وبعد
حذف المُكرر : يكون العدد الفعلي هو : 1475 حديث !
ومع المقارنة مع روايات نفس الآحاديث لصحابة آخرين :
لوجدنا أن ما تفرد به أبو هريرة في كتب الحديث التسعة
هو فقط : 42 حديثا ً!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!...
إذا ً:
فلماذا كل هذا الهجوم على أبي هريرة وحده ؟؟!!!..
---------------
----------------------

4)) لماذا الهجوم على أبي هريرة بالذات ؟!!..

نخلص مِن كل ما سبق : إلى الحقيقة التي أخبرتكم عنها
في الرسالة السابقة : وهي أن الغرض الأساسي مِن الطعن
في الصحابي الجليل (أبي هريرة) هو :
الطعن في السُـنة : لصالح كل أعداء الدين !!.. بدءا ًمِن
المستشرقين مِن اليهود والنصارى !!.. وانتهاءً بالفرق
الإسلامية الضالة التي تصطدم بعشرات الآحاديث النبوية
التي تفضحهم !!!..
---
حيث لما كان الطعن في السُـنة : يستوجب الطعن في الصحابة
الذين نقلوا إلينا هذه السُـنة :
فهنا توقف الطاعنون ليبحثوا عن كبش فداء !!!...
لأن الطعن في (كل) الصحابة : يعني الطعن في القرآن الذي
ما انتقل إلينا إلا : عن طريق هؤلاء الصحابة !!!!...
ولكان ذلك كفيلا ًبالطبع بفضح مجهودات هؤلاء الطاعنين !!..
فكان كبش الفداء المُختار هو (أبو هريرة) رضي الله عنه !..
لأن الطعن فيه : يعني الطعن في أكثر مِن (ألف ونصف)
حديث ٍتقريبا ً: تشمل معظم ثوابت وأ ُسس هذا الدين في
العقائد والتوحيد والأحكام !....
حيث الطعن فيه وحده : يُعوضهم عن الطعن في كثير ٍمِن
الصحابة المشهود لهم بالصلاح والخيرية والرضا عنهم :
بنص القرآن الكريم في أكثر مِن موضع !.....
-----
وعلى هذا : تم بث العديد مِن الأكاذيب على هذا الصحابي
الجليل : والتي حتى : لم ينظر قائلوها وناقلوها إليها :
بنظر العقل والمنطق !!!...
حيث أختم معكم هذه الرسالة بمثالين عن هذا ..
الأول :
ما جاء في كتاب : (أبو هريرة : شيخ المضيرة)
لـ (محمود أبو رية) .. مِن افتراء النفاق على (أبي
هريرة) رضي الله عنه بقولهم أنه :
" كان يأكل مع (معاوية) : فإذا حضرت الصلاة : صلى
خلف (علي) رضي الله تعالى عنهما !.. فإذا سأله الناس
عن ذلك قال : مضيرة معاوية : أدسم !.. والصلاة خلف
عليّ : أفضل " !!!....
وكل قاريء للتاريخ (سُني أو شيعي أو حتى مستشرق
كافر) : يسأل : منذ متى اجتمع (علي) و(معاوية) رضي
الله عنهما في مكان واحد مِن بعد الفتنة : ليأكل (أبو
هريرة) مع هذا !!.. ثم يُصلي خلف ذاك !!!...
و(عليٌ) في العراق أو المدينة : و(معاوية) في الشام !
---
وأما المثال الثاني والأخير :
فهي قولهم أن (أبا هريرة) : قد اصطفاه بنو أمية :
ورفعوا قدره وبنو له قصر العقيق ! : لأنه : أحسن
فيهم وفي (معاوية) رواية الآحاديث : وأخذ جانبه
في الفتنة بينه وبين (علي) !!!..
والصواب (تاريخيا َومِن كتب السير الموثوقة) :
أن (أبا هريرة) : كان مِمَن اعتزلوا الفتنة أصلا ًمثل
(سعد بن أبي وقاص) و(محمد بن مسلمة) وغيرهم !
وكيف لا : وهو راو ِحديث القعود في أيام الفتن !
---
كما أنه لم يكن مُعدما ًحتى تستهويه الدنيا كما تستهوي
ذوي القلوب المريضة !.. بل كان ولاه مِن قبل (عمر)
رضي الله عنه على (البحرين) ! وما أدراك ما (عمر) !
وكيف لا وهو راو ِآحاديث المنع عن المسألة ومداهنة
الناس للنيل مِن عطائهم !!!..
---
بل : وانظروا لهذا الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه
عن (أبي زرعة) يقول :
" دخلت مع أبي هريرة : في دار مروان .. فرأى فيها
تصاوير فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول : قال الله عز وجل : ومَن أظلم مِمَن ذهب يخلق
خلقا ًكخلقي !.. فليخلقوا ذرة !.. أو ليخلقوا حبة !..
أو ليخلقوا شعيرة " !....
فهل هذا هو الذي أحسن وضع الآحاديث لبني أ ُمية ؟
أم أن هذا هو سلوك مَن يصدع بالحق ؟!..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .....

محمد تلمساني 12-01-2012 09:41 AM

أبو هريرة إمام الرواة وزعيم الحفاظ رغم أنف كل جاهل ومخالف
 
أبو هريرة إمام الرواة وزعيم الحفاظ رغم أنف كل جاهل ومخالف

لهج أعداء السنة ومنكروها، أعداء الإسلام، قديماً وحديثاً، وشغفوا بالطعن فى أبى هريرة وتشكيك الناس فى إسلامه، وفى صدقه وروايته، وما إلى ذلك أرادوا! وإنما أرادوا أن يصلوا إلى التشكيك فى راوية السنة الأول، وأحفظ من رواها فى دهره، فأبو هريرة على رأس السبعة المكثرين من الرواية الذين عناهم من أنشد :

سبع من الصحب فوق الألف قد نقلوا *** من الحديث عن المختار خير مضـر
أبـو هريـرة، سعـد، جابر، أنـس *** صديقة، وابن عباس، كذا ابن عمـر

فأبو هريرة هو أكثرهم حديثاً فقد روى (5374) حديثاً، ثم عبد الله بن عمر روى (2630) حديثاً، ثم أنس بن مالك روى (2286) حديثاً، ثم عائشة أم المؤمنين روت (2210) حديثاً، ثم ابن عباس روى (1660) حديثاً، ثم جابر بن عبد الله روى (1540) حديثاً، ثم أبو سعيد الخدرى (سعد بن مالك) روى (1170) حديثاً

وما اتهم به أبو هريرة ، من أكاذيب وافتراءات من قبل أرباب الأهواء قديماً وحديثاً، سندهم فيه إما روايات مكذوبة أو ضعيفة، وإما روايات صحيحة لم يفهموها على وجهها، بل تأولوها تأويلاً باطلاً يتفق وأهواءهم

وقد تصدى للرد على تلك الطعون رهط من علماء الإسلام على رأسهم أبى هريرة نفسه، وصدق على دفاعه - على ما سيأتى - كبار الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم من أئمة المسلمين، منهم الحاكم فى المستدرك، وابن عساكر فى تاريخه، وابن كثير فى البداية والنهاية، وابن قتيبة فى تأويل مختلف الحديث، وعبد المنعم صالح العلى فى كتابه دفاع عن أبى هريرة، والدكتور محمد السماحى فى كتابيه "أبو هريرة فى الميزان"، والمنهج الحديث فى علوم الحديث، والدكتور السباعى فى كتابه "السنة ومكانتها فى التشريع، والدكتور عجاج الخطيب فى كتابيه السنة قبل التدوين، وأبو هريرة راوي الإسلام، والشيخ عبد الرحمن المعلمى فى كتابه (الأنوار الكاشفة)، والدكتور أبو زهو فى الحديث والمحدثون، والدكتور أبو شهبة فى دفاع عن السنة، والدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف فى كتابه "المختصر فى علم رجال الأثر" وفى مقدمة كتاب الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمى وغيرهم

ونكتفى هنا بترجمة للصحابى الجليل نتعرف بها على مكانته فى الإسلام، وبراءته مما نسب إليه من أكاذيب وذلك بعد أن نتعرف على أصناف الطاعنين فيه، والذين ذكرهم الإمام ابن خزيمة بقوله : "إنما يتكلم فى أبى هريرة لدفع أخباره من قد أعمى الله قلوبهم فلا يفهمون معانى الأخبار
1- إما معطل جهمي يسمع أخباره التى يرونها خلاف مذهبهم الذي هو كفر، فيشتمون أبا هريرة، ويرمونه بما الله تعالى قد نزهه عنه، تمويهاً على الرعاء، والسفل أن أخباره لا تثبت بها الحجة
2- وإما خارجي يرى السيف على أمة محمد ، ولا يرى طاعة خليفة ولا إمام، إذا سمع أخبار أبى هريرة عن النبى خلاف مذهبهم الذى هو ضلال لم يجد حيلة فى دفع أخباره بحجة وبرهان، كان مفزعة الوقيعة فى أبى هريرة.
3- أو قدري اعتزل الإسلام وأهله، وكفر أهل الإسلام الذين يتبعون الأقدار الماضية التى قدرها الله تعالى، وقضاها قبل كسب العباد لها، إذا نظر إلى أخبار أبى هريرة التى قد رواها عن النبى فى إثبات القدر لم يجد حجة يؤيد صحة مقالته التى هى كفر وشرك، كانت حجته عند نفسه أن أخبار أبى هريرة، لا يجوز الاحتجاج بها
4- أو جاهل يتعاطى الفقه، ويطلبه من غير مظانة، إذا سمع أخبار أبى هريرة فيما يخالف مذهب من قد اجتبى مذهبه، وأخباره تقليداً بلا حجة ولا برهان، تكلم فى أبى هريرة، ودفع أخباره التى تخالف مذهبه، ويحتج بأخباره على مخالفته إذا كانت أخباره موافقة لمذهبه، وقد أنكر بعض هذه الفرق على أبى هريرة أخباراً لم يفهموا معناها"
قلت : والله إن من يتكلم فى أبى هريرة فى عصرنا لا يخرج فى عقيدته، ومذهبه عما ذكرهم الإمام ابن خزيمة - رحمه الله تعالى -
أبـو هريـرة إسلامـه وصحبتـه :

قدم أبو هريرة مهاجراً من اليمن إلى المدينة ليالى فتح خيبر فى المحرم سنة سبع من الهجرة، وكان قد أسلم على يد الطفيل بن عمرو فى اليمن، وشهد هذه الغزوة مع رسول الله ، ولازمه إلى آخر حياته يخدمه، ويتلقى العلم عنه ، ويتحدث هو عن ذلك لما سأله مروان بن الحكم قائلاً له: "إن الناس قد قالوا إنك أكثرت على رسول الله الحديث، وإنما قدمت قبل وفاة النبى بيسير، فقال أبو هريرة:نعم! قدمت ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر سنة سبع، وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين سنة سنوات، وأقمت معه حتى توفى، أدور معه فى بيوت نسائه وأخدمه، وأنا والله يومئذ مقل (أى فقير)، وأصلى خلفه، وأحج، وأغزو معه، فكنت والله أعلم الناس بحديثه، قد والله سبقنى قوم بصحبته والهجرة إليه من قريش والأنصار، وكانوا يعرفون لزومى له فيسألونى عن حديثه، منهم عمر، وعثمان، وعلي، وطلحة والزبير، فلا والله ما يخفى على كل حديث كان بالمدينة
قال:فوالله ما زال مروان يقصر عن أبى هريرة، ويتقيه بعد ذلك ،ويخافه،ويخاف جوابه

وفيما سبق رد على دعوى الرافضة ومن قال بقولهم : "إن أبا هريرة لم يصاحب النبى إلا سنة وتسعة أشهر، فالمعروف أن أبا هريرة أسلم عام خيبر، وخيبر كانت فى جمادى الأولى سنة سبع وبين خيبر ووفاة النبى أربع سنوات، إلا شهرين تقريباً فإن الوفاة كانت فى ربيع الأول سنة 11هـ

خلقـه وتقـواه :

كان ، صادق اللهجة، خفيف الروح محبباً إلى الصحابة، وكان تقياً ورعاً كثير التعبد،شديد الخشية لله تعالى، وكان يقول:"وأيم الله لولا آية فى كتاب الله ما حدثتكم بشئ أبداً، ثم يتلو قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُون}

وكان صواماً قواماً يتناوب قيام الليل، هو وزوجته، وخادمه، فيما رواه عنه أبو عثمان النهدي قال : "تضيفت أبا هريرة سبعاً، فكان هو وامرأته، وخادمه يتعقبون الليل أثلاثاً : يصلى هذا، ثم يوقظ الآخر فيصلى، ثم يوقظ الثالث"
وقد أرسله النبى صلى الله عليه وسلم مع العلاء بن الحضرمي إلى البحرين لينشر الإسلام، ويفقه المسلمين فى الدين

كما استعمله الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على البحرين فترة ثم عزله، وبعد ذلك دعاه عمر ليوليه فلم يقبل أبو هريرة وقال : "أخشى أن أقول بغير علم، وأقضى بغير حلم، وأن يضرب ظهري وينزع مالي، ويشتم عرضي"

يقول الإمام الجوينى : "وهذا مما يتمسك به فى أبى هريرة رضي الله عنه فعمر مع تنزهه عن المداراة والمداجاة والمداهنة، اعتمده وولاه فى زمانه أعمالاً جسيمة، وخطوباً عظيمة، وكان يتولى زماناً على الكوفة وكان يبلغه روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلو لم يكن من أهل الرواية، لما كان يقرره عمر رضي الله عنه مع العلم بإكثاره"

ولم يشترك أبو هريرة فى الفتن التى حدثت بعد استشهاد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه بل اعتزلها ولم يفارق الحجاز منذ استعمله عمر على البحرين ثم عزله ولم يزل يسكن المدينة، وبها كانت وفاته

وفى هذا رد على الرافضة الزنادقة ومن قال بقولهممن اشتراك أبى هريرة فى الفتنة بين علي ومعاوية-رضى الله عنهما-"فكان يأكل مع معاوية فإذا حضرت الصلاة صلى خلف علي رضي الله تعالى عنه ،فإذا قيل له فى ذلك قال:مضيرة معاوية أدسم،والصلاة خلف عليّ أفضل"
فهذه القصة التى بنى عليها الرافضى محمود أبو رية تسمية كتابه "شيخ المضيرة أبو هريرة" هذه القصة لا يصدقها عاقل، والأحداث التاريخية تكذبها

يقول الدكتور محمد أبو شهبة : "كيف يصح هذا فى العقول، وعليّ كان بالعراق، ومعاوية كان بالشام، وأبو هريرة كان بالحجاز، إذ الثابت أنه بعد أن تولى إمارة البحرين فى عهد عمر رضي الله عنه لم يفارق الحجاز"

وقال الإمام ابن عبد البر : "استعمله عمر على البحرين ثم عزله، ثم أراده على العمل، فأبى عليه، ولم يزل يسكن المدينة وبها كانت وفاته"
وبهذا يتبين لنا كذب ادعاءاتهم، ويظهر لنا مدى حقدهم، اللهم إلا إذا كانت الشيعة ترى أن أبا هريرة أعطى بساط سليمان أو كانت الأرض تطوى له طياً!!!

وعودة إلى خلقه وتقواه : فقد اشتهر رضي الله تعالى عنه بالتواضع، والمرح، فكان يداعب الأطفال، ويمازح الناس ويلاطفهم، ومن ذلك أنه كان يمر فى السوق، يحمل الحزمة من الحطب على ظهره-وهو يومئذ أمير مروان على المدينة فيقول:أوسعوا الطريق للأمير
فمعاوية رضي الله تعالى عنه استعمله فى عهده على المدينة ثم عزله وولى عليها مروان، ثم استخلفه مروان عليها حين توجه إلى الحج

قـوة ذاكرتـه وروايتـه :

لقد لازم أبو هريرة رسول الله منذ قدم عليه مهاجراً، ينهل من عمله، ويتلقى عنه أحاديثه ويحفظها، واجتهد فى ذلك حتى صار أحفظ أصحابه، وأكثرهم رواية للحديث، فقد روى (5374) خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً نبوياً - كما فى مسند بقى ابن مخلد- اتفق الشيخان البخارى ومسلم على (325) ثلاثمائة وخمسة وعشرين حديثاً منها،وانفرد البخارى بثلاثة وتسعين،ومسلم بمائة وتسعة وثمانين( )،وقيل غير ذلك0
وهذه الروايات التى زادت على خمسة آلاف هى بالمكرر
وذكر الدكتور الأعظمى فى كتابه : أبو هريرة فى ضوء مروياته أن أحاديثه فى المسند والكتب والسنة هى 1336 حديثاً فقط، وذلك بعد حذف الأسانيد المكررة وهذا القدر يستطيع طالب عادى أن يحفظه فى أقل من عام، فما بالك بمن كان حفظه من معجزات النبوة"
ويقول الدكتور أبو شهبة : "وأحب ألا يعزب عن بالنا أن هذه الخمسة آلاف والثلاثمائة والأربعة والسبعون حديثاً، الكثير منها لا يبلغ السطرين أو الثلاثة، ولو جمعتها كلها لما زادت عن جزء" فأي غرابة فى كثرة مروياته مع حداثة صحبته، مع أن السنين الأربع ليست بالزمن القصير فى عمر الصحبة، ولا سيما ما توافر له دون غيره من الصحابة من أمور كانت سبباً في تفوقه فى الرواية وكثرة مروياته منها :

أسباب كثرة مروياته :

أولاً : شدة ملازمته للنبى عليه الصلاة والسلام منذ قدم مهاجراً إليه سنة سبع من الهجرة يدور معه فى بيوت نسائه يخدمه، ويصلى خلفه، ويحج، ويغزو معه كما حدث عن نفسه، ومما أعانه على التفرغ لذلك أنه كان فقيراً، ولم تكن له زوجه، ولا أولاد حينئذ - ونحو ذلك مما يشغل، مع شدة حرصه على تلقى الحديث عن النبى ، وشهد له النبى عليه السلام بهذا الحرص ومن الآثار الدالة على ذلك : ما جاء فى الصحيح عنه قال : "يقولون : إن أبا هريرة قد أكثر والله الموعد ويقولون : ما بال المهاجرين والأنصار لا يتحدثون مثل أحاديثه؟ وسأخبركم عن ذلك : إن إخوانى من الأنصار كان يشغلهم عمل أراضيهم وإن إخوانى من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وكنت ألزم رسول الله عليه الصلاة والسلام على ملئ بطنى فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، ولقد قال رسول الله يوماً : "أيكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثى هذا، ثم يجمعه إلى صدره، فإنه لن ينس شيئاً سمعه، فبسطت بردة على حتى فرغ من حديثه، ثم جمعتها إلى صدرى، فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئاً حدثنى به ولولا آيتان أنزلهما الله فى كتابه ما حدثت شيئاً أبداً : {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ*إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}

ثانياً : دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالحفظ وعدم النسيان، ومما يدل على ذلك الرواية السابقة، وما رواه الحاكم فى المستدرك عن زيد بن ثابت، أن رجلاً جاء إليه فسأله عن شئ فقال له زيد : عليك بأبى هريرة، فإنه بينما أنا وأبو هريرة فى المسجد وفلان فى المسجد ذات يوم ندعوا الله تعالى، ونذكر ربنا خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس إلينا قال : فجلس وسكتـنا فقال عودوا للذى كنتم فيه، قال زيد فدعوت أنا وصاحبى قبل أبى هريرة،وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمن على دعائنا قال:ثم دعا أبو هريرة فقال : اللهم إنى أسألك مثل الذى سألك صاحباى هذان وأسألك علماً لا ينسى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آمين"فقلنا يا رسول الله ونحن نسأل الله علماً لا ينسى فقال:"سبقكما بها الدوسى"

ثالثاً : إن أبا هريرة تميز بقوة ذاكرته وحفظه وحسن ضبطه، خاصة بعد أن دعا له الرسول بالحفظ وعدم النسيان - كما سبق - فكان حافظاً متقناً ضابطاً لما يرويه

ويدل على ذلك قصة امتحان مروان له فيما رواه الحاكم عن أبى الزُّعَيْزِعَة كاتب مروان بن الحكم، أن مروان بن الحكم دعا أبا هريرة فأقعدنى خلف السرير، وجعل يسأله وجعلت أكتب حتى إذا كان عند رأس الحول، دعا به فأقعده وراء الحجاب فجعل يسأله عن ذلك، فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا آخر" وقد نقل هذه القصة الذهبى فى سير أعلام النبلاء، ثم عقب بقوله : "قلت هكذا فليكن الحفظ"

وهذه القصة نقلها أيضاً ابن حجر فى الإصابة، وابن كثير فى البداية(، وهى تدل على قوة حفظه وإتقانه، كما شهد له بذلك الصحابة، والتابعون فمن بعدهم من أئمة المسلمين إلى يومنا هذا على ما سيأتى بعد قليل

وكان رضي الله عنه يراجع ما يسمعه من النبى صلى الله عليه وسلم تأكيداً لحفظه، فقد روى عنه أنه قال : "جزأت الليل ثلاثة أجزاء:ثلثاً أصلى،وثلثاً أنام، وثلثاً أذكر فيه حديث رسول الله "

رابعاً : أدرك أبو هريرة كبار الصحابة، وروى عنهم كثيراً من الأحاديث فتكامل علمه بها واتسع أفقه فيها

خامساً : امتداد عمره رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث عاش بعده نحو سبعة وأربعين عاماً، واحتياج الناس إليه فكان يحدثهم ويبث بينهم ما يحفظه من أحاديث، وأعانه على ذلك : ابتعاده عن الفتن وغيرها من المشاغل ووجوده فى المدينة، والناس يفدون إليها، وكانت له حلقة فى مسجد الرسول يحدث الناس فيها بالأحاديث النبوية، فساعد ذلك على انتشار مروياته وتداولها، وكثرة أتباعه وتلامذته، حتى بلغوا نحو ثمانمائة من الصحابة والتابعين كلهم يجلونه ويثقون به ويثنون عليه على ما سيأتى بعد قليل.

قال الإمام البخارى - رحمه الله - : "روى عنه نحواً من ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم، من الصحابة والتابعين وغيره" ومن أشهر من روى عنه من الصحابة : زيد ابن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعائشة، وأبو أيوب الأنصارى0 ومن أشهر من روى عنه من التابعين : مروان بن الحكم، والحسن البصرى، وسعيد بن المسيب، وعامر الشعبى، وعروة ابن الزبير، وهمام بن منبه - وقد كتب عنه الصحيفة المشهورة وغيرهم كثير.

شهادة الرسول والصحابة ومن بعدهم من أهل العلم بقوة حفظه
وإتقانه وكثرة سماعه وحرصه على الحديث

1- روى عنه أنه قال ذات يوم : يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألنى عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة من قال : لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه"
2- وعن ابن عمر-رضى الله عنهما- أنه مر بأبى هريرة ، وهو يحدث عن النبى صلى الله عليه وسلم: من تبع جنازة فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان أعظم من أحد0 فقال ابن عمر : يا أبا هريرة انظر ما تحدث عن رسول الله ، فقام إليه أبو هريرة حتى انطلق إلى عائشة -رضى الله عنها- فقال لها : يا أم المؤمنين أنشدك الله أسمعت رسول الله يقول : "من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط، وإن شهد دفنها فله قيراطان؟ فقالت : اللهم نعم، فقال أبو هريرة : إنه لم يكن يشغلنا عن رسول الله عرس ولا صفق بالأسواق، إنما كنت أطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة يعلمنيها أو أكلة يطعمنيها
فقال ابن عمر : يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمنا بحديثه.
وكان ابن عمر يترحم عليه فى جنازته ويقول : "كان يحفظ على المسلمين حديث رسول الله"

وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : قال رجل لابن عمر : إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله فقال ابن عمر : أعيذك بالله أن تكون فى شك مما يجئ به، ولكنه اجترأ وجبنا" ومعنى "اجترأ" هنا أى على سؤال النبى عليه السلام والتعلم منه، فى حين كانوا يهابون سؤال النبى صلى الله عليه وسلم.
يدل على ذلك ما رواه الحاكم عن أبى بن كعب رضي الله عنه قال : كان أبو هريرة جريئاً على النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن أشياء لا نسأله عنها(

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : "نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شئ فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع … الحديث"

3- وعن مالك بن أبى عامر قال : كنت عند طلحة بن عبيد الله فدخل عليه رجل فقال : يا أبا محمد والله ما ندرى هذا اليماني أعلم برسول الله أم أنتم، تقول على رسول ما لم يقل - يعني أبا هريرة - فقال طلحة : والله ما يشك أنه سمع من رسول الله ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إنا كنا قوماً أغنياء لنا بيوت وأهلون كنا نأتى نبى الله طرفى النهار ثم نرجع، وكان أبو هريرة مسكيناً لا مال له، ولا أهل ولا ولد وإنما كانت يده مع يد النبى صلى الله عليه وسلم وكان يدور معه حيثما دار، ولا نشك أنه قد علم ما لم نعلم، وسمع ما لم نسمع، ولم يتهمه أحد منا، أنه تقول على رسول الله ما لم يقل"
وهذا الخبر ذكره ابن حجر فى الإصابة وزاد فى قوله طلحة : "قد سمعنا كما سمع، ولكنه حفظ ونسينا"

4- وقال ابن خزيمة : وقد روى عن أبى هريرة أبو أيوب الأنصارى مع جلالة قدره، ونزول رسول الله عنده، ولما يقبل له : تحدث عن أبى هريرة وأنت صاحب منزلة عند رسول الله ؟ فقال : إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع، وإنى إن أحدث عنه أحب إلىَّ من أن أحدث عن رسول الله يعنى ما لم أسمعه منه.

5- وعن محمد بن عمرو بن حزم الأنصارى أنه قعد فى مجلس فيه أبو هريرة، وفيه مشيخة من أصحاب رسول الله ، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبى بالحديث، فلا يعرفه بعضهم، ثم يتراجعون فيه، فيعرفه بعضهم ثم يحدثهم بالحديث، فلا يعرفه بعضهم، ثم يعرفه حتى فعل ذلك مراراً قال : فعرفت يومئذ أنه أحفظ الناس عن رسول الله .
6- ولم يكن أبو هريرة من أهل الحفظ فقط وإنما كان من أهل الفقه وشهد له بذلك الصحابى الجليل ابن عباس .

يقول الحافظ السخاوى:"ولا عبرة برد بعض الحنفية روايات سيدنا أبى هريرة ، وتعليلهم بأنه ليس فقيهاً، فقد عملوا برأيه فى الغسل ثلاثاً من ولوغ الكلب وغيره، وولاه عمر الولايات الجسيمة
وقال ابن عباس له كما فى مسند الشافعى، وقد سئل عن مسألة "افته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة، فأفتى، ووافقه على فتياه"

7- وعن أبى صالح السمان قال : "كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب رسول الله ، ولم يكن بأفضلهم"

وفى هذا رد على من يحاول الربط بين المنزلة فى الدين وكثرة الرواية، فالربط بينهما ليس من التحقيق العلمى فى شئ
وقال الإمام الشافعي : "أبو هريرة أحفظ من روى الحديث فى دهره"
وقال الإمام الذهبي : "أبو هريرة إليه المنتهى فى حفظ ما سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم، وأدائه بحروفه"
وقال أيضاً : "وكان من أوعية العلم،ومن كبار أئمة الفتوى مع الجلالة،والعبادة،والتواضع"

10- وقال شمس الأئمة السرخسي : "إن أبا هريرة ممن لا يشك أحد فى عدالته، وطول صحبته مع رسول الله"

إن كل هذه النقول وغيرها كثير تبين لنا مدى افتراء الرافضة، والمستشرقين، وضعفاء الإيمان الذين اتهموا أبا هريرة بالكذب، والخيانة، فى رواية الحديث، بسبب كثرة أحاديثه مع قلة صحبته

وأعتقد أنه ليس هناك ما يدعوا إلى اتهام أبى هريرة بتلك الافتراءات، وقد تهيأت له الأسباب السابقة التى أعانته على هذا التفوق فى الرواية، وشهد له بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبار الصحابة، ومن بعدهم من أئمة المسلمين السابق ذكرهم.

وأي غرابة فى حفظ أبي هريرة أحاديث لم تبلغ خمسة آلاف وخمسمائة ومعلوم أن العرب قد اشتهروا وامتازوا بقوة حفظهم، ووجد فى الصحابة والتابعين من كان آية عجباً فى قوة الذاكرة، وسرعة الحفظ؛ فالإمام أحمد بن حنبل، والبخارى، وأبو زرعة، وأشباههم، كان كل واحد منهم يحفظ عشرات الألوف من الأحاديث بأسانيدها"

يقول الدكتور السباعي دفاعاً عن أبي هريرة : "إن صحابياً يظل يحدث الناس سبعاً وأربعين سنة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم على مسمع من كبار الصحابة، وأقرب الناس إليه من زوجته وأصحابه، ثم لا يلقى إلا تجلة وإعظاماً، يرجع إليه فى معرفة الأحاديث، ويهرع إليه التابعون من كل جانب … ويبلغ الآخذون عنه ثمانمائة من أهل العلم … وكلهم يجمعون على جلالته والثقة به … وتمر هذه القرون وكلها شهادات صدق فى أحاديثه وأخباره … ويأتى اليوم من يزعم أن المسلمين جميعاً … لم يعرفوه على حقيقته، وأنه فى الواقع كان يكذب ويفترى، إن موقفاً كهذا يقفه بعض الناس من مثل هذا الصحابي العظيم، لجدير بأن يجلب لأهله والقائلين به الاستخفاف، والازدراء بعلومهم، وعقولهم جميعاً"

إن حب هذا الصحابي الجليل لعلامة على الإيمان وبغضه لعلامة على النفاق وهذا تصديقاً لدعوة النبى صلى الله عليه وسلم لما سأله أبو هريرة بأن يدعو الله له بأن يحببه هو وأمه إلى عباده المؤمنين ويحببهم إليهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اللهم حبب عبيدك هذا -يعنى أبا هريرة- وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهم المؤمنين" يقول أبو هريرة فما خلق الله مؤمناً يسمع بى ولا يرانى إلا أحبني"

يقول الحافظ ابن كثير:"وهذا الحديث من دلائل النبوة، فإن أبا هريرة محبب إلى جميع الناس، وقد شهر الله ذكره بما قدره أن يكون من روايته من إيراد هذا الخبر عنه على رؤوس الناس فى الجوامع المتعددة فى سائر الأقاليم فى الإنصات يوم الجمعة بين يدى الخطبة، والإمام على المنبر، وهذا من تقدير الله العزيز العليم، ومحبة الناس له"

يقول فضيلة الأستاذ الدكتور على أحمد السالوس : [هذا أبو هريرة وعاء العلم، فكيف نجد فى عصرنا من ينسب نفسه للإسلام ويعرض عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة والتابعين، والأئمة الأعلام الهداة المهديين، ويأخذ بقول الضالين المضلين؟!

هذا المسلك يفسره العلامة المرحوم الشيخ أحمد شاكر فيقول : "وقد لهج أعداء السنة، أعداء الإسلام، فى عصرنا، وشغفوا بالطعن فى أبى هريرة، وتشكيك الناس فى صدقه وفى روايته وما إلى ذلك أرادوا، وإنما أرادوا أن يصلوا –زعموا- إلى تشكيك الناس فى الإسلام، تبعاً لسادتهم المبشرين، وإن تظاهروا بالقصد إلى الاقتصار على الأخذ بالقرآن، أو الأخذ بما صح من الحديث فى رأيهم، وما صح من الحديث فى رأيهم إلا ما وافق أهواءهم، وما يتبعون من شعائر أوروبا وشرائعها ولن يتورع أحدهم عن تأويل القرآن، إلى ما يخرج الكلام عن معنى اللفظ فى اللغة التى نزل بها القرآن، ليوافق تأويلهم هواهم وما إليه يقصدون!!
وما كانوا بأول من حارب الإسلام من هذا الباب، ولهم فى ذلك سلف من أهل الأهواء قديماً والإسلام يسير فى طريقه قدماً، وهم يصيحون ما شاءوا، لا يكاد الإسلام يسمعهم، بل هو إما يتخطاهم لا يشعر بهم، وإما يدمرهم تدميراً

ومن عجب أن تجد ما يقول هؤلاء المعاصرون، يكاد يرجع فى أصوله ومعناه إلى ما قال أولئك الأقدمون! بفرق واحد فقط : أن أولئك الأقدمين، زائغين كانوا أم ملحدين، كانوا علماء مطلعين أكثرهم ممن أضله الله على علم!! أما هؤلاء المعاصرون، فليس إلا الجهل والجرأة، وامتضاغ ألفاظ لا يحسنوها، يقلدون فى الكفر، ثم يتعالون على كل من حاول وضعهم على الطريق القويم!!"

رضي الله عن الحافظ علينا شرائع الدين أبي هريرة الصحابي الجليل العدل والثقة والعظيم ، وجعلنا الله سبحانه وتعالى من محبيه، وجمعنا معه في واسع جنته مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع صحابته الكرام العظام رضي الله تعالى عنهم.

محمد تلمساني 12-01-2012 09:44 AM

الرد على الكاتب عمرو إسماعيل في مقاله "كسب أبو هريرة وخسر عمر"
 
الرد على الكاتب عمرو إسماعيل في مقاله "كسب أبو هريرة وخسر عمر"

في الحقيقة لم يتبين لي من هو كاتب هذا المقال على التحقيق ، فلقد تناقله الرافضة في مواقعهم ، واقتبس منه النصارى واللادينيون على حد سواء ، بالرغم ما في هذا المقال من افتراء وجهل .
وعلى كل حال ، سأتعامل مع المقال على أنه من كتابة "عمرو إسماعيل" لأنه يحمل اسمه في كثير من المواقع على الإنترنت ، وإن كنت أميل إلى وجود أنفاس الرافضة فيه .
وسوف نرى من خلال الرد أن الكاتب على جهل عظيم بالسنة وعلومها ، وأن الشبهات التي أثارها ليست من اختراعه ، بل تلقفها من رجل مغرض كذوب عدو للسنة ، وهو محمود أبو رية ، ولقد رد عليه العديد من أهل العلم ، أبرزهم الشيخ المحدث العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني رحمه الله في "الأنوار الكاشفة" ، والشيخ محمد أبو شهبة في "كتابه دفاع عن السنة" ، والشيخ مصطفى السباعي في "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي" وغيرهم. وترجع هذه الشبه في أصلها إلى النظام شيخ المعتزلة الذي رد عليه ابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث" ..

فكما ترى أن هذه الشبه التي يطرحها بعض المعاصرين تعود إلى الأقدمين ، يقول الشيخ المحدث أحمد شاكر رحمه الله (1):
((ومن عجب أن تجد ما يقول هؤلاء المعاصرون ، يكاد يرجع في أصوله ومعناه إلى ما قال أولئك الأقدمون !، بفرق واحد فقط : أن أولئك الأقدمين، زائغين كانوا أم ملحدين ، كانوا علماء مطلعين، أكثرهم ممن أضله الله على علم!! وأما هؤلاء المعاصرون ، فليس إلا الجهل والجرأة وامتضاغ ألفاظ لا يحسنونها يقلدون في الكفر ، ثم يتعالون على كل من حاول وضعهم على الطريق القويم !!)) انتهى.

قلت : صدق والله ، وأصاب الحق.

والآن نشرع بعون الله وتأييده في الرد على الكاتب ، ونتتبع افتراءاته فننقضها واحدة واحدة ، ثم نبين الحق والصواب ، والله الهادي إلى سبيل الرشاد .

قال الكاتب عمرو إسماعيل :
(( إذا أخذنا في الاعتبار أن السنة النبوية كما هي مروية في كتب الصحاح الستة هي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم للمسلمين))
الرد:
أولًا : لا بد لكل من يلج في فن لا يحسنه أن يتعثر ويقع بحفر جهله ، فإنَّ حصْرَ السنة النبوية في الكتب الستة جهل بيّن ، فالسنة النبوية ليست محصورة فيما ذكر ، بل تشمل كل حديث روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانطبقت عليه شروط الصحة ، سواء وجد في الكتب الستة أو في غيرها .

ثانيًا : قوله " الصحاح الستة " ، ويقصد بها " صحيحي البخاري ، ومسلم ، وسنن الترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجه" والأفضل أن نقول "الكتب الستة" ، لأن أصحاب السنن الأربعة لم يلتزموا فيها الصحة ، قال العلامة الألباني (2):
((من الخطأ أيضا إطلاق بعض المتأخرين على الكتب الستة : " الصحاح الستة " ، أي الصحيحين والسنن الأربعة ، لان أصحاب السنن لم يلتزموا الصحة ، ومنهم الترمذي ، وهو ما بينه علماء المصطلح كابن الصلاح ، وابن كثير ، والعراقي وغيرهم )) اهـ.

قلت : ولقد درج الرافضة في عصرنا هذا على ترداد هذا المصطلح ، ليوهموا أن كل ما فيها صحيح ، وذلك بمثابة تخدير للقارئ إذا ما استشهدوا بأحاديث ضعيفة منها ، فلا يشك ولا يرتاب ، فيتجرع الطعم وهو لا يدري .

نعم ، لقد استعمل هذا المصطلح قلة قليلة من أهل السنة ، كرزين بن معاوية في "التجريد للصحاح الستة" وصديق حسن خان في "الحطة في ذكر الصحاح الستة" ، ولكن عن طريق التغليب ،أي أن الغالب عليها الصحة ، والأفضل أن نقول "الكتب الستة".

قال الشيخ علي الحلبي الأثري (3) : (( أما تسميته - أي صديق علي خان- للكتب الستة بـ "الصحاح الستة" فهذا مما ينتقد عليه ، فإن فيه تساهلًا واضحًا لا يخفى ، وقد أشار إلى ذلك الحافظ العراقي في "ألفيته الحديثية" بقوله نظمًا :
ومن عليها أطلق الصحيحا ----- فقد أتى تساهلًا صريحًا
ولكن المصنف رحمه الله نقل في موضع آخر من كتابه عن المحدث عبد الحق الدَّهلوي رحمه الله في "لمعات التنقيح" (1/ 8 - 9) توجيهًا لإطلاق لفظ "الصحاح" على الكتب الستة ، حيث قال : "وتسميتها بالصحاح الستة بطريق التغليب ..."
قلت (الشيخ الحلبي) : وهذا حق لا ريب فيه ، وإن كانت الجادة تسميتها بـ " الكتب الستة"، كما شرح ذلك غير واحد من أهل العلم ، كالحافظ السيوطي في "تدريب الراوي" (1/ 165) و "شرح ألفيته" ( ص 17) و "الحافظ ابن كثير في "الباعث الحثيث" ( ص 33) والعلامة ابن الوزير في "الروض الباسم" (1 / 67) ، والإمام اللكنوي في "الأجوبة الفاضلة" ( ص 66 - 140) وغيرهم )) انتهى.

قال عمرو إسماعيل :
( العدد الأكبر من الأحاديث رواها الصحابي الجليل أبو هريرة يصبح من نافلة القول أن أبو هريرة بعد رسولنا الكريم صلوات الله عليه وسلم هو أكثر من أثر علي فهمنا الحالي للإسلام ).
الرد:
ليس لأبي هريرة رضي الله عنه تأثير في فهمنا الحالي للإسلام ، فهو - كغيره من الصحابة - مجرد ناقل لأقوال النبي صلى الله عليه وسلم ، وهدف الكاتب أن يطعن بأن أبا هريرة - وحاشاه - يفتعل الأحاديث ، ولا يغرنك وصفه لأبي هريرة بـ (الصحابي الجليل) ، فهو أسلوب خبيث ، إذ أن مقاله ظاهر الطعن بأبي هريرة رضي الله عنه.

قال عمرو إسماعيل :
(ولعله من هذا المنطلق أكثر تأثيرا من صحابة رسول الله من الخلفاء الراشدين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي .. فالأحاديث المروية عنهم أقل كثيرا وتعد علي أصابع اليد الواحدة).
الرد:
القول بأن الخلفاء الراشدين مروياتهم تعد على الأصابع افتراء واضح ، بل مروياتهم بلغت المئات ، وما على المرء إلا أن ينظر في كتب السنة ليعلم كذب الكاتب وبطلان قوله.
وهذا عدد مروياتهم حسب ما ذكره الحافظ أبو محمد بن حزم (4):
عمر بن الخطاب: خمسمائة حديث وسبعة وثلاثون حديثاً .
علي بن أبي طالب: خمسمائة حديث وستة وثلاثون حديثاً.
عثمان بن عفان: مائة حديث وستة وأربعون حديثاً.
أبو بكر الصديق: مائة حديث واثنان وأربعون حديثاً.

وبهذا يتبين كذب الكاتب وقلة حيائه .

قال عمرو إسماعيل :
(على حين أنه لم يصاحب النبي (صلى الله عليه وآله) إلا عاما وتسعة أشهر - أو ثلاثة أعوام حسب بعض الروايات -).

الرد:
الصحيح بأنه تجاوز الثلاثة أعوام ، والكاتب نقل بنفسه بعد أسطر أنه (( أسلم عام خيبر سنة 7هـ وشهد فتح خيبر مع الرسول صلى الله عليه وسلم )) ، فلو حسبها سيجد أنها أكثر من ثلاث سنوات .

وفي مسند أحمد عن قيس بن أبي حازم قال أتينا أبا هريرة نسلم عليه قال قلنا حدثنا فقال : صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين .. الحديث .
قال الشيخ المحدث شعيب الأرنؤوط (5) : "إسناده صحيح على شرط الشيخين" .

قال عمرو إسماعيل :
(وقد احتوت صحاح أهل السنة على 5374 حديثا لأبو هريرة روى منها البخاري 446 حديثا).
الرد :
أولًا : ليس هذا العدد ما احتوته الكتب الستة ، بل هذا ما ذكره أبو محمد بن حزم في "جوامع السيرة " (6) أن مسند بقي بن مخلد يحتوي على ( 5374 ) حديثاً لأبي هريرة .

ويبدو أن قصد الكاتب الطعن في كثرة رواية أبي هريرة ، كما دندن غيره أن عامًا وتسعة أشهر لا تكفي لسماع خمسة آلاف حديث .

والجواب على ذلك يكون في التنبيه على أمرين:
الأمر الأول : أننا أثبتنا أن صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم بلغت أكثر من ثلاث سنوات .

الأمر الثاني : أن هذه الخمسة آلاف فيها :
الضعيف : الذي لم يثبت عنه .
والمكرر: الحديث الواحد ولكن تعدد النقلة ، فروي بأكثر من إسناد .
والصحيح المرفوع : الذي ثبت من حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم .
والصحيح الموقوف : من رواية أبي هريرة عن نفسه أو عن الصحابة ، وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم .

فلو حذفنا المكرر والضعيف والموقوف لبقي من حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم أقل من هذا العدد بكثير ، يقول الباحث عماد الشربيني (7)
(( ذكر الدكتور الأعظمي في كتابه "أبو هريرة في ضوء مروياته" - (ص 76) - أن أحاديثه في المسند والكتب والسنة هي 1336 حديثاً فقط، وذلك بعد حذف الأسانيد المكررة . وهذا القدر يستطيع طالب عادى أن يحفظه في أقل من عام، فما بالك بمن كان حفظه من معجزات النبوة !؟)) انتهى.

قلت : فلو قسمنا 1336 على ثلاث سنوات ونيِّف من عمر الصحبة ، فيكون الحاصل حديثًا واحدًا وكسرًا في اليوم الواحد ، أي ما يقارب أربعة أحاديث كل ثلاثة أيام ، أو قل - إن شئت - إن الناتج حديثان في اليوم الواحد على أعلى تقدير ، فأي غرابة في هذا لو أنصف المنصفون ؟؟

وللعلم ، فإن من النادر جداً جداً في كل ما روى أبو هريرة عن النبي عليه السلام أن نجد حديثاً انفرد به دون أن يرويه غيره من الصحابة ..

يقول الدكتور عبد الغفور البلوسي (8) :
(( فالعدد الذي رواه بقي بن مخلد لأبي هريرة رضي الله عنه ، إنما هو باعتبار الطرق والرواة عنه ، وسواء أكانت هذه الطرق صحيحة أم غير صحيحة ، فلا محالة تجد في هذا العدد المكرر باللفظ أو بالمعنى ، كما تشاهد ذلك من فهارس مسند أبي هريرة من مسند إسحاق وكما سبق ذكره في مسند احمد ، وهو خير دليل لذلك ، فهم يعدون المكرر والضعيف والواهي والموضوع وكل ما أسند إليه بأي وصف كان ، ومن هنا فالعدد الصافي من حديثه بعد حذف المكرر وغير الثابت منه لا يكون إلا اقل بقليل مما ذكر من العدد ، ولم يتفرد أبو هريرة رضي الله عنه في هذا العدد المذكور ، بل شاركه غيره من الصحابة إلا في القليل النادر جدًا ، فإذًا لا يغرنك إيهام الأعداد وتلبيس الحاقدين على الصحابة ولاسيما على أبي هريرة رضي الله عنه)).

فإن قيل :
كيف تكون رواية أبي هريرة أكثر من رواية أبي بكر؟
مع أن عمر أبي هريرة في الصحبة دون الأربع سنوات في حين أن أبا بكر أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم من الرجال ، وصحبته تزيد على العشرين سنة ؟

أقول وبالله تعالى التوفيق :
هذا السؤال يطرحه الكثير من المشككين ، وجوابه سهل لمن أمعن النظر :
فأبو بكر الصديق رضي الله عنه توفي سنة 13 هـ ، أي بعد وفاة النبي عليه السلام بثلاث سنوات أو أقل.
أما أبو هريرة رضي الله عنه فتوفي سنة 58 هـ ، وعاش ما يقارب الخمسين عامًا بعد وفاة النبي عليه السلام ، وحوالي 45 عامًا بعد وفاة الصديق أبي بكر ، فكثر لقاء التابعين لأبي هريرة والتردد عليه لأخذ علم النبوة عنه ..
هذا إذا أخذنا في الاعتبارما حصل من توسع الفتوحات في أيام أبي هريرة وكثرة دخول الناس في الإسلام ، وحاجتهم لمعرفة الشرائع من أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها ، فبرزت الحاجة لمن بقي من الصحابة في تعليم الناس أمور دينهم .
وهذا بخلاف ما كان أيام الصديق رضي الله عنه ، فكان كل من حوله في المدينة من الصحابة ، وكلهم شاهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأخذ عنه ، فهل ترى حاجة لأبي بكر في أن يعلم الصحابة كيفية وضوء رسول الله عليه السلام وصلاته وأن يحدثهم عن صيامه وحجه ؟

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نقلًا عن العلامة ابن حزم (9) :
((إن أبا بكر رضي الله عنه لم يعش بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سنتين وستة أشهر ، ولم يفارق المدينة إلا حاجًا أو معتمرًا ، ولم يحتج الناس إلى ما عنده من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن كل من حواليه أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم))

ومن أسباب كثرة حديث أبي هريرة رضي الله عنه :
- حرصه على ملازمة النبي صلى الله عليه ، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال :
"إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة ، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثًا ، ثم يتلو ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى إلى قوله الرحيم )
إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق ، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم ، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه ، ويحضر ما لا يحضرون ، ويحفظ ما لا يحفظون ".

- حرصه على سؤال النبي صلى الله عليه وسلم وشهادته له بذلك :
ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة أنه قال :
قلت يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ؟
فقال :لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك ، لما رأيت من حرصك على الحديث ، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال : لا إله إلا الله خالصًا من قبل نفسه.

- بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة :
ففي الصحيحين و اللفظ للبخاري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال:
"قلت: يا رسول الله إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه، قال: "أبسط رداءك". فبسطته. قال: فغرف بيديه ثم قال: "ضمَّه"، فضممته، فما نسيت شيئًا بعده" .

وهذا الحديث وما قبله يدل على كثرة ملازمة أبي هريرة رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم ، ويبيّن سبب سعة حفظه وسماعه ، ويشهد له الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهو يقول لأبي هريرة رضي الله عنه (كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلمنا بحديثه ) رواه أحمد في مسنده والحاكم وصححه ووافقه الذهبي . .

قال عمرو إسماعيل :
(وكان يفتي في الناس، ويحدث في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتولى الإمارة فقد ولي إمارة البحرين لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم نزعه عنها، ولما عاد سأله عمر: كيف وجدت الإمارة يا أبا هريرة؟ قال: بعثتني وأنا كاره، ونزعتني وقد أحببتها).

الرد:
الرواية التي فيها " بعثتني وأنا كاره، ونزعتني وقد أحببتها" أخرجها ابن سعد في الطبقات عن إسحاق بن عبد الله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وإسحاق بن عبد الله هو ابن أبي طلحة (10) لم يسمع من عمر رضي الله عنه ، إذ أنه ولد بعد وفاة عمر (11) بزمن طويل ، فالإسناد ضعيف بسبب الانقطاع .

قال عمرو إسماعيل :
(والغريب والغير مفهوم أن ابو هريرة نفسه روي أحاديث تمنع تدوين الأحاديث مثل الحديث التالي :
روى أبو هريرة عن النبي أنه قال:" ما هذه الكتب التي بلغني أنكم قد كتبتم، إنما أنا بشر. فمن كان عنده شيء منها فليأت بها، يكمل أبو هريرة، فجمعنا ما كتبناه وأحرقناه في النار").

الرد:
هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" (10 /43) من طريق عبد الرحمن بن زيد ، عن أبيه ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، قال :
كنا قعودًا نكتب ما نسمع من النبي صلى الله عليه وسلم فخرج علينا ، فقال : " ما هذا تكتبون ؟ " فقلنا : ما نسمع منك ، فقال : " أكتاب مع كتاب الله ؟ " فقلنا : ما نسمع ، فقال : " أكتاب غير كتاب الله امحضوا كتاب الله ، وأخلصوه " قال : فجمعنا ما كتبنا في صعيد واحد ، ثم أحرقناه بالنار ، قلنا : أي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتحدث عنك ؟ قال : " نعم تحدثوا عني ولا حرج ، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار " قال : فقلنا : يا رسول الله أنتحدث عن بني إسرائيل ؟ قال : " نعم ، تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، فإنكم لا تحدثون عنهم بشيء إلا وقد كان فيهم أعجب منه " .
وكذلك الخطيب البغدادي في "تقييد العلم"(ص34) من طرق عن عبد الرحمن بن زيد به بنحوه .

قال عنه الحافظ الذهبي "حديث منكر" (12)

قلت : وآفة إسناده عبد الرحمن بن زيد فإنه ضعيف كما في التقريب (13).

كما رُوي هذا الحديث بغير هذا اللفظ عن ابن عباس وابن عمر ، أخرجه الطبراني في " الأوسط" من طريق عيسى بن ميمون ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن ابن عباس ، وعن زيد بن أسلم ، عن ابن عمر ، قالا :
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوبًا رأسه ، فرقي درجات المنبر ، فقال : " ما هذه الكتب التي بلغني أنكم تكتبونها ؟ أكتاب مع كتاب الله ؟ يوشك أن يغضب الله لكتابه فيسرى عليه ليلًا ، فلا يترك في ورقة ولا قلب منه حرفًا إلا ذهب به " فقال من حضر المجلس : فكيف يا رسول الله بالمؤمنين والمؤمنات ؟ قال : " من أراد الله به خيرًا أبقى في قلبه لا إله إلا الله " .

قلت : وهذا إسناد ضعيف لضعف عيسى بن ميمون كما في التقريب (14) .

وعلى فرض صحة الحديث ، فإن النهي كان عن الكتابة وليس عن التحديث ، ففي الحديث نفسه أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم " أنتحدث عنك ؟ قال : نعم تحدثوا عني ولا حرج" .
ولقد أخفى الكاتب النزيه هذا الجزء من تتمة الحديث وبتره من الاقتباس ، ليقول لنا "والغريب والغير مفهوم أن ابو هريرة نفسه روي أحاديث تمنع تدوين الأحاديث " .
فإن كان الكاتب لا يعرف الفرق بين التحديث والتدوين ، فالمشكلة في فهمه وليست في الرواية .. فلو أن أبا هريرة روى النهي عن كتابة الحديث ثم رأيناه كتب ، لقلنا إن الكاتب كان محقًا في استغرابه وتعجبه ، ولكن أبا هريرة حدّث عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكتب ، وهذا عين ما في الرواية وليس خلافها.

أما النهي عن كتابة الحديث فهو ثابت عنه صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الآتي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

قال عمرو إسماعيل :
(وفي صحيح مسلم (ج 18، ص 229)، أن النبي قال:" لا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه" ).
الرد:
أولاً هذا الحديث من رواية أبي سعيد الخدري وليس عن أبي هريرة رضي الله عنهما .

ثانياً : قال العلامة القيّم ابن القيّم رحمه الله (15) :
"قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الكتابة والإذن فيها متأخر، فيكون ناسخًا لحديث النهي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في غزاة الفتح " اكتبوا لأبي شاه " يعني خطبته التي سأل أبو شاه كتابتها، وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة، وحديثه متأخر عن النهي، لأنه لم يزل يكتب، ومات وعنده كتابته، وهي الصحيفة التي كان يسميها " الصادقة " ولو كان النهي عن الكتابة متأخرًا، لمحاها عبد الله، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمحو ما كتب عنه غير القرآن، فلما لم يمحها، وأثبتها، دل على أن الإذن في الكتابة متأخر عن النهي عنها، وهذا واضح والحمد لله " انتهى .

وقال الحافظ الذهبي رحمه الله (16) :
"وكتب - أي عبد الله بن عمرو بن العاص- الكثير بإذن النبي صلى الله عليه وسلم، وترخيصه له في الكتابة بعد كراهيته للصحابة أن يكتبوا عنه سوى القرآن ، وسوَّغ ذلك صلى الله عليه وسلم.
ثم انعقد الإجماع بعد اختلاف الصحابة رضي الله عنهم على الجواز والاستحباب لتقييد العلم بالكتابة.
والظاهر أن النهي كان أولًا لتتوفر هممهم على القرآن وحده، وليمتاز القرآن بالكتابة عما سواه من السنن النبوية، فيؤمن اللبس، فلما زال المحذور واللبس، ووضح أن القرآن لا يشتبه بكلام الناس أذن في كتابة العلم، والله أعلم" انتهى.

قال عمرو إسماعيل :
(وصعد الخليفة عمر بن الخطاب المنبر، وقال:"أيها الناس بلغني أنه قد ظهرت في أيديكم كتب، فأحبها إلي أحسنها وأقومها، فلا يبقين أحد عنده كتاب إلا أتاني به فأرى رأيي فيه. فظن الناس الذين كتبوا عن رسول الله أنه يريد أن ينظر بها، فأتوه بكتبهم، فجمعها وأحرقها. ثم قال: أمنية عندي كأمنية أهل الكتاب. ثم كتب إلى عماله في الأمصار قائلاً: من كان عنده من السنة شيء فليتلفه (ابن حزم: الإحكام، ج2، ص 139)

الرد :
هذا الأثر أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (5/188) وبنحوه الخطيب البغدادي (واللفظ له) في "تقييد العلم" (ص 52) كلاهما عن القاسم بن محمد أن عمر بن الخطاب بلغه أنه قد ظهر في أيدي الناس كتب فاستنكرها وكرهها , وقال : " أيها الناس إنه قد بلغني أنه قد ظهرت في أيديكم كتب فأحبها إلى الله أعدلها وأقومها , فلا يبقين أحد عنده كتاب إلا أتاني به , فأرى فيه رأيي " قال : فظنوا أنه يريد أن ينظر فيها ويقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف , فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار , ثم قال : " أمنية كأمنية أهل الكتاب ؟ " (17)

قلت : إسناده ضعيف بسبب الانقطاع ، القاسم لم يسمع من عمر رضي الله عنه ، إذ أنه ولد بعد وفاة عمر بأزيد من عشر سنوات (18) ، وكذا قال العلامة المعلمي رحمه الله في الأنوار الكاشفة .

قال عمرو إسماعيل :
(وهدده عمر بن الخطاب أبو هريرة بالعقوبة لو عاد للحديث عن النبي).
الرد :
الكاتب لم يذكر مصدره ، ولكن هذه الشبهة عندنا معلومة وتتردد كثيرًا من النصارى والملحدين وغيرهم ، وسوف نورد الرواية ثم نتكلم عن درجتها ونبين الكلام حولها .

الرواية :
عن إسماعيل بن عبيد الله عن السائب بن يزيد قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لألحقنك بأرض دوس.

تخريج الرواية:
قال الشيخ شعيب الأرنؤوط (19) : " أخرجه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه (1475) من طريق محمد بن زرعة الرعيني، حدثنا مروان بن محمد، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن السائب بن يزيد، سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو
لألحقنك بأرض دوس، وقال لكعب: لتتركن الأحاديث أو لألحقنك بأرض القردة.
وهذا إسناد صحيح، محمد بن زرعة قال أبو زرعة في " تاريخه " 1 / 286: ثقة حافظ من أصحاب الوليد بن مسلم مات سنة ست عشرة ومائتين، ومروان بن محمد هو الطاطري: ثقة كما في " التقريب " وباقي السند من رجال الصحيح.
وذكره ابن كثير في " البداية " 8 / 106 من طريق أبي زرعة، وقد تصحف فيه إسماعيل بن عبيدا لله إلى عبد الله، وهو في " تاريخ ابن عساكر " 19 / 117 / 2 " انتهى.

رد المطاعن :
لقد عرفنا صحة الإسناد ، فإن قيل:
هل في هذا الحديث مستمسك للقرآنيين بأن عمر لا يعتبر الأحاديث حجة في الدين؟
الجواب :
ليس في ذلك أدنى مستمسك ، إذ أن المتواتر عن عمر رضي الله عنه العمل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، كيف وحديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم واحتجاجه به مبثوث في كتب الحديث ، وروايته ربت على الخمسمائة حديث (20)، فمن ذلك :
- الحديث المشهور عنه في الكتب الستة وغيرها مرفوعًا : "إنما الأعمال بالنيات" ..
- وقوله وهو على المنبر : " ألم تسمعوا النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل" متفق عليه ..
- ومن حديثه المتفق عليه مرفوعًا : "إذا أقبل الليل من ها هنا ، وأدبر النهار من ها هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" ..
- وقوله وهو على المنبر في خطبة العيد " هذان يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما ، يوم فطركم من صيامكم ، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم" متفق عليه ..
وغير ذلك كثير جدًا ، وخصوصًا حديثه عن النبي صلى الله وسلم وهو على المنبر بحضرة الصحابة رضي الله عنهم لأكبر دليل على احتجاجه بالحديث والعمل به .

فإن قيل :
إذا كان ذلك كذلك ، فلمَ نهى عمر أبا هريرة عن التحديث ؟
الجواب :
لعمر رضي الله عنه مذهب في الإقلال من الرواية ، قال الحافظ الذهبي(21) عقب الرواية - التي فيها نهي عمر - : " هكذا هو كان عمر رضي الله عنه يقول: أقلوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وزجر غير واحد من الصحابة عن بث الحديث ، وهذا مذهب لعمر ولغيره انتهى.

قلت : والرواية التي ذكرها الذهبي أخرجها الحاكم في المستدرك عن قرظة ، أن عمر ، رضي الله عنه قال لهم : « أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و أمضوا و أنا شريككم» (22) .

فإن قيل :
هل كان هذا مذهبًا لعمر وحده بين الصحابة؟
الجواب :
لم يكن هذا مذهبًا لعمر وحده ، بل شاركه فيه غيره من الصحابة رضي الله عنهم ، فعند البخاري عن أنس بن مالك قال : "إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من تعمد علي كذبًا فليتبوأ مقعده من النار .

وعند البخاري أيضًا عن عبد الله بن الزبير قال : قلت للزبير : إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث فلان وفلان ، قال : أما إني لم أفارقه ، ولكن سمعته يقول : من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار .
فهذا أنس والزبير يتجنبان كثرة التحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وفي مقدمة صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال : ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة .
وفي البخاري عن عليّ رضي الله عنه قال : حدثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يكذب الله ورسوله.
فابن مسعود وعليّ رضي الله عنهما من مذهبهما ترك التحديث ببعض دون بعض ، وهو مذهب أبي هريرة رضي الله عنه كما في البخاري عنه أنه قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين ، فأما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم (23).

فإن قيل :
هل لهم مستند من كلام النبيّ صلى الله عليه وسلم ؟
الجواب :
قال الباحث عماد الشربيني (24) :
((وما كان كبار الصحابة في نهيهم عن الإكثار من الرواية بدعاً في ذلك وإنما هم متبعون لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولمنهجه في الحفاظ على رسالة الإسلام قرآناً وسنة .
وفى ذلك يقول أبو عبد الله الحاكم : "إنكار عمر أمير المؤمنين على الصحابة كثرة الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه سنة"(25) ، والسنة هنا ما روى عن أبى قتادة رضي الله عنه؛ أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر : "يا أيها الناس إياكم وكثرة الحديث عنى، فمن قال علىَّ فلا يقل إلا حقاً أو إلا صدقاً ومن قال علىَّ ما لم أقل متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"(26) ..)) انتهى.

قلت : وكذلك مستندهم قول النبي صلى الله عليه وسلم (من تعمد علي كذبًا فليتبوأ مقعده من النار) كما مرّ معنا مسبقًا .

فإن قيل :
ما السبب في ذهاب من ذكرنا من الصحابة إلى الإقلال من الحديث ؟
الجواب :
لقد أجاب الشيخ الجليل محمد أبو شهبة رحمه الله عن هذا السؤال جوابًا أجاد فيه ، واعتمد عليه الباحث عماد الشربيني في "كتابات أعداء الإسلام" ، وسأنقل هنا طرفًا منه بتصرف أختصر فيه أهم ما جاء فيه ، ويحسن الرجوع إلى الكتب المذكورة للاستزادة ..
يقول جزاه الله خيرًا عن الأسباب والوجوه التي من أجلها امتنع بعض الصحابة عن التحديث (27) :
أولاً : خوف الخطأ أو الزيادة والنقصان في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، والدخول في وعيد النبي صلى الله عليه وسلم الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم "من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" ، وبذلك صرحت الآثار الواردة عمن امتنع عن التحديث أو لم يكثر منه .

ثانياً : من الوجوه والأسباب التي كان الصحابة من أجلها يمتنعون أو ينهون عن الإكثار من التحديث، إذا كان المخاطبون بالأحاديث قوم حديثي عهد بالإسلام ولم يكونوا قد أحصوا القرآن وأتقنوه فيخافون عليهم الاشتغال عنه بالأحاديث قبل إتقانه هو أولاً إذ هو الأصل لكل علم . ويشير إلى هذا السبب صراحة قول عمر رضي الله عنه : "إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جودوا القرآن" أي جودوا الأصل الأول، وهو القرآن، وابدؤا به أولاً، ولا تبدؤا بالأحاديث؛ فتشغلوهم عن إتقان القرآن .
ويدل على ذلك صراحة رواية الحاكم : "فلا تبدءونهم بالأحاديث فيشغلونكم جردوا القرآن وأقلوا الرواية" (28) .

ثالثاً : من الأسباب التي كان الصحابة يمتنعون أو ينهون من أجلها عن الإكثار من التحديث، خوفهم الاشتغال بكثرة الحديث عن تدبره وتفهمه، لأن المكثر لا تكاد تراه إلا غير متدبر ولا متفقه(29) .....
ولا يخفى أيضاً أن الإكثار، يجعل المكثر، يسرد الحديث سرداً سريعاً يلتبس على المستمع، وهذا ما أنكرته أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- على أبى هريرة رضي الله عنه في الحديث الذي رواه الشيخان، عن عروة بن الزبير رضي الله عنه أن عائشة -رضي الله عنها- قالت : "ألا يعجبك أبو هريرة! جاء فجلس إلى جنب حجرتي، يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم يسمعني ذلك . وكنت أسبح . فقام قبل أن أقضى سبحتي . ولو أدركته لرددت عليه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم(30) .

رابعاً : إنهم كانوا ينهون أو يمتنعون عن التحديث والإكثار منه، إذا كانت الأحاديث من المتشابهات التي يعسر على العامة، وضعاف العقول فهمها، فيحملونها على خلاف المراد منها، ويستدلون بظاهرها، ويكون الحكم بخلاف ما فهموا، وقد تؤدى تلك المتشابهات إلى تكذيب الله ورسوله(31) .
... وفى ذلك يقول ابن مسعود رضي الله عنه : "ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"(32) ويقول عليّ رضي الله عنه "حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله"(33) . انتهى

قال عمرو إسماعيل :
(إن اتهام أبي هريرة بالكذب جاء حتى من الأوساط السنية المعروفة بولعها برواية الحديث وتعظيمها له، كما يتبين من وصف أحد كبار الحنابلة :"لم يكن من فقهاء الصحابة، وقد أنكر عليه عمر بن الخطاب أشياء" (الجوزي: مرآة الزمان، ج1، ص23)..).

الرد :
هذا الكلام إما جهل أو تضليل من الكاتب عمرو إسماعيل ، وإليك التفصيل :
أولًا : مصدره "مرآة الزمان" ينسبه لأحد كبار الحنابلة ، وكأنه يريد أن يتبادر لذهن القارئ لأول وهلة أن صاحبه هو أبو الفرج عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الجوزي صاحب "المنتظم في التاريخ" (34) ، إذ أنه حنبلي المذهب ، ولكن الحقيقة أن كتاب "مرآة الزمان" لأبي المظفر يوسف بن قزغلي سبط ابن الجوزي - أي حفيده - ، وهو حنفي المذهب (35) ، ولعله تعمد التلبيس لعلمه ما قيل عنه من تشيعه ورفضه ، قال الذهبي عنه في "السير"(36):
((.. صنف " تاريخ مرآة الزمان " وأشياء ، ورأيت له مصنفًا يدل على تشيعه)) انتهى .

وقال عنه في "ميزان الاعتدال" (37):
((وألف كتاب مرآة الزمان ، فتراه يأتي فيه بمناكير الحكايات ، وما أظنه بثقة فيما ينقله ، بل يجنف ويجازف ، ثم إنه ترفض ، وله مؤلف في ذلك نسأل الله العافية)).
ثم قال :
((قال الشيخ محيي الدين السوسي : لما بلغ جدي موت سبط بن الجوزي قال لا رحمه الله تعالى كان رافضيًا )) انتهى.

ولقد نقل الحافظ ابن حجر كلام الذهبي في "لسان الميزان" (38) ولم يعترض عليه .

قلت : من كان فيه رفض لا يقبل منه القول في أبي هريرة رضي الله عنه، لأن من طبع القوم التنقيص منه والطعن به وفي غيره من الصحابة ، وسبط ابن الجوزي وإن ترجم له علماء آخرون وأثنوا عليه ، إلا أن الإمام الذهبي رحمه الله اطلع على تشيعه ورفضه ، ومن علم حجة على من لم يعلم ..
وعلى فرض خطأ الذهبي في الحكم عليه بالرفض ، فإن كلامه حول أبي هريرة ليس فيه اتهام بالكذب كما يفتري الكاتب ، وهو ما سنراه في " ثانيًا " .

ثانيًا : إن عبارة " لم يكن من فقهاء الصحابة" ليست تكذيباً له في مروياته ، فعلوم الإسلام تنقسم إلى حديث وتفسير وفقه وغيره ، وهناك من الصحابة من برع في التفسير كابن عباس وابن مسعود ، ومنهم من برع في الرواية والحفظ كأبي هريرة وأنس وجابر بن عبد الله، ومنهم من برع في الفقه كعمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعائشة، ومنهم من جمع أكثر من فن ، فكون أبي هريرة ليس مشهوراً في الفقه لا ينقص من شأنه في الحفظ والتحديث ، ولا يُعَدُّ هذا تكذيباً له ، فهو معروف بالرواية ، وكون ابن عمر غير مشهور بالتفسير لا يضر روايته وفقهه ، تماماً كما رأينا في الكثير من العلماء من يشتهر بفن دون آخر ، وليس هذا مما يطعن في العلوم التي اختصوا واشتهروا بها .

ثالثًا : إن عبارة " لم يكن من فقهاء الصحابة" مردودة على قائلها ، إذ أنه معدود منهم ، قال شيخ الإسلام نقلًا عن ابن حزم " وإنما يعرف علم الصحابي بأحد وجهين لا ثالث لهما ، أحدهما :كثرة روايته وفتاويه ، والثاني : كثرة استعمال النبي صلى الله عليه وسلم له" انتهى .(39)

أما من جهة روايته ، فهو أكثر الصحابة رواية ، وأما من جهة الفتوى فلقد روي عنه الكثير من الفتوى ، وكتب الفقه تزخر بذلك ، وعده ابن حزم رحمه الله من المتوسطين من الصحابة الذين رويت عنهم الفتيا (40) ، وتبعه على ذلك ابن القيم رحمه الله في "أعلام الموقعين".
وابن حزم من أصحاب الاستقراء التام والاطلاع الواسع ، ويعتمد الكثير من أهل العلم على استقرائه ويرجعون إليه .

أما قوله أنكر عمر عليه أشياء ، فهذا يحتاج إلى دليل وأمثلة حتى نجيب على ضوئها ، ونقول : ليس كل إنكار تكذيبًا ، فلك أن تعجب من الكاتب كيف يصدر كلامه بأن أبا هريرة متهم بالكذب من الأوساط السنية ثم لا يأتي باقتباسه بحرف واحد يدل على زعمه ، مما يجعل الكاتب نفسه متورطًا بالكذب والافتراء على أبي هريرة رضي الله عنها .
وهذا ابن عمر رضي الله عنه يقول لأبي هريرة رضي الله عنه (كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلمنا بحديثه ) رواه أحمد في مسنده والحاكم وصححه ووفقه الذهبي .

قال عمرو إسماعيل :
(وقد اتهمه عمر بن الخطاب ليس بالكذب فحسب بل وبسرقة مال المسلمين عندما ولاه البحرين).
الرد :
عمر رضي الله عنه كان معروفاً بالحزم وعدم التساهل في محاسبة ولاته وذلك حفاظاً منه على أموال ومصالح المسلمين ، فلما رأى ما عند أبي هريرة استنكر وسأله ، وهذا نص الرواية كما أخرجها ابن عساكر (41) عن محمد بن سيرين قال : "استعمل عمر أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال يا عدو الله وعدو كتابه، قال: لست بعدو الله ولا عدو كتابه، ولكني عدو من عاداهما، قال: فمن أين هذا - قال: خيل نتجت لي وغلة رقيق، وأعطية تتابعت علي، فنظروا فوجدوه كما قال. ثم بعد ذلك دعاه عمر ليستعمله فأبى ".

فلقد تبيّنت براءة أبي هريرة وتحقق صدقه رضي الله عنه وذلك بنص الرواية " فنظروا فوجدوه كما قال " ، ولذلك أراد عمر أن يوليه مرة أخرى لثقته به ، ولكن كاتب المقال أخفى هذه الحقيقة ولم يذكرها في محلها لغرض في نفسه ، والطريف أن الكاتب أورد ما يشبه هذه الرواية بعد بضعة أسطر ، حيث تظهر سطحية التفكير والنقد.

قال عمرو إسماعيل :
( وقد روى مسلم في صحيحه أن عمر بن الخطاب ضرب أبا هريرة لما سمعه يحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): - من قال لا إله إلا الله دخل الجنة- ).
الرد :
هذا القول من الكاتب هدفه تلبيس المسألة على القارئ ليظن أنّ عمر رضي الله عنه ضرب أبا هريرة تكذيباً لروايته ، وهذا عين الغش والتدليس ، فالرسول صلى الله عليه وسلم - كما جاء في الرواية عند مسلم - أرسل أبا هريرة وأعطاه نعليه كعلامة أنه أرسله ليبشر بالجنة من يلقاه "يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه " فلقي عمرَ وأخبره بذلك ، فضرب عمر بيده بين ثديي أبي هريرة ، ثم ذهبا للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر: يا رسول الله ! بأبي أنت وأمي ، أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره بالجنة ؟ ، قال : نعم ، قال : فلا تفعل ، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فخلهم .

فالمسألة ليست لأن أبا هريرة يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ، فالرواية تؤكد صدقه وأنه سمع من النبي عليه السلام ، ولكن كان هذا من عمر لأجل رأي رآه وأراد أن يعرضه على النبي صلى الله عليه وسلم ، قال النووي في شرح الحديث : "وليس فعل عمر رضي الله عنه ومراجعته النبي صلى الله عليه وسلم اعتراضا عليه وردا لأمره إذ ليس فيما بعث به أبا هريرة غير تطييب قلوب الأمة وبشراهم ، فرأى عمر رضي الله عنه أن كتم هذا أصلح لهم وأحرى أن لا يتكلوا ، وأنه أعود عليهم بالخير من معجل هذه البشرى . فلما عرضه على النبي صلى الله عليه وسلم صوبه فيه ".

فأبو هريرة صادق في روايته وليس في ذلك أدنى شك ولله الحمد والمنة .

قال عمرو إسماعيل :
( وروى ابن عبد البر عن أبي هريرة نفسه قال: لقد حدثتكم بأحاديث لو حدثت بها زمن عمر بن الخطاب لضربني عمر بالدرة) .
الرد :
قلت: أخرجه الحافظ ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (67 / 343) عن ابن وهب حدثني يحيى بن أيوب عن محمد بن عجلان أن أبا هريرة كان يقول : " إني لأحدث أحاديث لو تكلمت بها في زمان عمر أو عند عمر لشج رأسي".

قال الشيخ شعيب الأرنؤووط (42): ((أورده ابن كثير في " البداية " عن ابن وهب عن يحيى بن أيوب، ورجاله ثقات، إلا أنه منقطع، لان ابن عجلان لم يسمع من أبي هريرة)) وكذا قال العلامة المعلمي في "الأنوار".

ثم قال الشيخ الأرنؤوط : (( وفي " المصنف " (20496) أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري قال: قال أبو هريرة لما ولي عمر، قال: أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فيما يعمل به، قال: ثم يقول أبو هريرة: أفإن كنت محدثكم بهذه الاحاديث وعمر حي ؟ أما والله إذا لالفيت المخفقة ستباشر ظهري)) .

قلت (العميد) : ومن طريقه أخرجه الحافظ ابن عساكر - مع اختلاف في اللفظ - في "تاريخ دمشق" (67 / 344) ، ولم يبيّن الشيخ شعيب رحمه الله درجة هذه الرواية ، فإنَّ إسنادها ضعيف للانقطاع ، فرواية الزهري عن أبي هريرة مرسلة(43) .

قلت : وأخرج ابن عساكر قبله بنحوه عن صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن أبي سلمة قال : سمعت أبا هريرة يقول : ما كنا نستطيع أن نقول قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قبض عمر قال أبو سلمة : فسألته بم ؟ قال : كنا نخاف السياط وأومأ بيده إلى ظهره ".

قال المعلمي اليماني رحمه الله (44) : ((إنما رواه عن الزهري إنسان ضعيف ، يقال له صالح بن أبي الأخضر ، قال فيه الجوزجاني- وهو من أئمة الجرح والتعديل- "اتهم في حديثه")).

قلت (العميد) : وله علة أخرى ، ألا وهي ما ذكرته آنفًا من أن رواية الزهري عن أبي هريرة مرسلة.
وعلى فرض ثبوت الرواية ، فإن الجواب عنها يكون بمثل ما ذكرناه سابقًا في حملها على النهي عن الإكثار من التحديث ، ولقد فصلت المسألة في الجواب عن رواية (لتتركن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لألحقنك بأرض دوس).

ثم يتابع المعلمي رحمه الله قائلًا (45): (( وبعد ، فإن الإسلام لم يمت بموت عمر، وإجماع الصحابة بعده على إقرار أبي هريرة على الإكثار ، مع ثناء جماعة منهم عليه ، وسماع كثير منهم منه ، وروايتهم عنه كما يأتي يدل على بطلان المحكي عن عمر من منعه، بل لو ثبت المنع ثبوتاً لا مدفع له ، لدل إجماعهم على أن المنع كان على وجه مخصوص ، أو لسبب عارض ، أو استحساناً محضاً ، لا يستند إلى حجة ملزمة. وعلى فرض اختلاف الرأي فإجماعهم بعد عمر أولى بالحق من رأي عمر)) انتهى.

قال عمرو إسماعيل :
((ويدل ما أثر عنه من فعل وقول انّه كان رجلاً محبّاً للمال وذاخراً له)) .

ثم جاء ليثبت فريته وتجنيه فقال :
((فلنأت ببعض النماذج الدالة على ذلك:
فعن ابن المسيب، قال: كان أبو هريرة إذا أعطاه معاوية سكت، وإذا أمسك عنه تكلّم)) .

الرد :
الكاتب يريد أن يتهم أبا هريرة بأنه كان محبًا للمال ، ثم يأتي بهذه الرواية ليدلل على كلامه !
فلو أن الكاتب كان من أهل الإنصاف وليس من أهل الإجحاف لنظر إلى قوله "إذا أعطاه معاوية سكت " وسأل نفسه : ماذا أعطاه ؟ و"سكت" أبو هريرة عن ماذا ؟
وذات الشيء عن قوله " وإذا أمسك عنه تكلّم" ، فيسأل نفسه أمسك عن ماذا؟ و"تكلم" عن ماذا ؟

ليس في الرواية بيان ما أعطاه معاوية ، ولا ما سكت عنه أبو هريرة ، فتحميل الكلام بالظنون والأوهام على ما يشتهي الحاقدون مردود وباطل ، تمامًا كما فعل عدو السنة أبو رية - الذي ينقل الكاتب وغيره عنه - إذ قال (46) :
((ولعل سكوت أبى هريرة إذا ما أعطاه معاوية أن لا يبث أحاديث لا ترضي معاوية أو لا تنال من عدوه)) .

قلت : هل رأيتم قوله "لعل" !!!؟؟؟
انظر كيف يبيحون لأنفسهم انتهاك أعراض الناس بـ "لعل" ؟
يبنون أقوالهم على الأهواء والظنون ثم يجعلونها حقائق ، فيتعلق الجهلة والمغرضون بها ويعضون عليها بالنواجذ .

تالله إن هذا الخلق لا يأتي إلا من حاقد امتلأ قلبه بالبغضاء ، بغضاء تسمع لها شهيقًا وهي تفور.

ونسألهم :
لمَ لا يكون معنى الرواية عندهم " كان أبو هريرة إذا أعطاه معاوية ((حقه)) سكت، وإذا أمسك عنه ((حقه)) تكلّم ((مطالبًا به)) ؟

وهذا ما نرجحه بل ونقطع به ، لما عُرف عنه رضي الله عنه من التقى والورع ، خصوصًا أن الراوي عنه هنا صهره (زوج ابنته) سعيد بن المسيب سيد التابعين وإمام أهل المدينة وفقيه الفقهاء ، الذي أكثرُ حديثه المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه (47) ، فلو أن الرواية كانت كما تأولها المغرضون ، فهل كان سعيد بن المسيب رضي الله عنه بعدها يستحل الرواية عنه ؟

والأمر الآخر هو : أن معاوية رضي الله عنه ليس بحاجة إلى أن يدفع كلام أبي هريرة عنه بالمال وهو سيد الشام وحاكمها ، وأمره نافذ فيها .

ثم إن هذه الرواية تشهد لأبي هريرة بأنه كان لا يخاف الحكام ، ويقول ولا يأبه ولا يخشى أحدًا ، وهذا عكس ما يحاول الطاعنون إلصاقه به من أنه كان يتشيع لبني أمية.

الخلاصة أيها القارئ الكريم ، أننا معشر المسلمين من أهل السنة نحسن الظن بأبي هريرة رضي الله عنه ، ونقول إن أبا هريرة كان إذا أعطاه معاوية حقه سكت ، وإذا أمسك عنه تكلم مطالبًا بحقه ، وليست المطالبة بالحقوق عيبًا ولا مذمة .

وإنما قلنا نحسن الظن به لتعديل الله سبحانه وتعالى في كتابه لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ومدح النبي عليه السلام والصحابة والتابعين وأهل العلم من بعدهم له.

قال عمرو إسماعيل :
( روى إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة: انّ عمر قال لاَبي هريرة: كيف وجدت الاَمارة؟ قال: بعثتني وأنا كاره، و نزعتني وقد أحببتها.وأتاه بأربعمائة ألف من البحرين.
فقال: ما جئت به لنفسك؟ قال: عشرين ألفاً.
قال: من أين أصبتها ؟ قال: كنت أتّجر، قال: أنظر إلى رأس مالك و رزقك فخذه، واجعل الآخر في بيت المال)

الرد :
هذه الرواية ضعيفة بسبب الانقطاع ، فعبد اللّه بن أبي طلحة لم يدرك عمر ، ولكن الرواية التي أوردناها آنفاً عن محمد بن سيرين (استعمل عمر أبا هريرة على البحرين، فقدم بعشرة آلاف ... الرواية ) رجالها ثقات ، فنقول وبالله تعالى التوفيق :
ليس في تملك المال بالحلال عن طريق التجارة ما يقدح البتة ، وليس عيباً أن يتاجر المرء ويكسب المال ، فما يقدح به الكاتب هنا هو مجرد الطعن ممن احتار كيف يجد الطعن ، فنعوذ بالله من التعصب والحقد كيف يصنع بأهله .

الهامش:
-------------
(1) تعليق الشيخ أحمد شاكر على مسند الإمام أحمد (6/ 523) الطبعة الأولى - دار الحديث - القاهرة
(2) في مقدمة "ضعيف سنن الترمذي" ص 21 .
(3) في مقدمة تحقيقه لكتاب "الحطة في ذكر الصحاح الستة" ص 11 .
(4) "جوامع السيرة" (1 / 276 - 278) لأبي محمد علي بن أحمد بن حزم (توفي 456 هـ)
وذكر ابن حزم هذا العدد (حاشا ما روى عثمان) في كتابه " الفصل في الملل والأهواء والنحل" (4/213). ، ولكن جاء فيه أن المروي عن علي رضي الله عنه خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثًا.
قلت : عدد ما روي عن عليّ في كتاب "الفصل" هو الصواب ، والمذكور في "جوامع السيرة" تصحيف ، إذ أن ابن حزم ذكر صراحة في كتابه "الفصل" : (زاد حديث عليّ على حديث عمر تسعة وأربعين حديثًا) ، وهو الفارق بين عدد حديث عمر وعليّ رضي الله عنهما ، ويؤيد ذلك أن محقق "جوامع السيرة" إحسان عباس قال في الهامش : (وقد وقع " عمر " بعد " علي " في الأصل) ، وهذا يقوي أن عدد مرويات عليّ أكثر من عدد مرويات عمر ، إذ أن ابن حزم - رحمه الله - التزم الترتيب حسب الكثرة .
وكذلك نقل ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب (1 / 63) عن الحافظ الذهبي أن مرويات عليّ رضي الله عنه خمسمائة وستة وثمانون ، وهو الموافق لما رجحتُه ، وبالله تعالى التوفيق.
(5) في تعليقه على المسند (13/ 367) الطبعة الأولى 1417 هـ . مؤسسة الرسالة
(6) "جوامع السيرة" (1 / 275) لأبي محمد علي بن أحمد بن حزم المعروف بابن حزم الظاهري ، تحقيق إحسان عباس ، ونقله عنه ابن حجر في "الإصابة في معرفة الصحابة" (4/ 203)
(7) "كتابات أعداء الإسلام"( ص 643) للدكتور عماد الشربيني في ملفات وورد على الشبكة.
(8) مقدمة مسند إسحاق بن راهويه (1/ 48) بتحقيقه.
(9) منهاج السنة النبوية (7 / 519) لشيخ الإسلام ابن تيمية ، وانظر "الفصل في الملل والأهواء والنحل" (4/213) للعلامة ابن حزم الظاهري.
(10) قال الذهبي في "السير" (6 / 34) : "توفي في خلافة الوليد بن عبد الملك، عن نحو من ثمانين سنة" انتهى ، وفي تهذيب الكمال (2/ 445) : توفى سنة اثنتين و ثلاثين و مئة .
(11) توفي عمر رضي الله عنه سنة 23 هـ . انظر تهذيب الكمال (21 / 317)
(12) ميزان الاعتدال (2 / 565) للذهبي .
(3) تقريب التهذيب (1 / 570) لابن حجر العسقلاني.
(14) تقريب التهذيب (1 / 776) .
(15) تهذيب السنن ( 5 / 245).
(16) سير أعلام النبلاء (3/ 80 ، 81) .
(17) وهذا لفظ ابن سعد قال: أخبرنا زيد بن يحيى بن عبيد الدمشقي قال: أخبرنا عبد الله بن العلاء قال: سألت القاسم يملي علي أحاديث فقال: إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها فلما أتوه بها أمر بتحريقها ثم قال: مثناة كمثناة أهل الكتاب. قال فمنعني القاسم يومئذ أن أكتب حديثًا.
(18) قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (5 / 54) " ولد - أي القاسم - في خلافة الإمام عليّ " اهـ. ، وخلافة علي رضي الله عنه كانت بين سنة 35 و 40 هـ. ، وعمر رضي الله عنه توفي في سنة 23 هـ ، انظر تهذيب الكمال (21 / 317).
(19) انظر تعليق الشيخ الأرنؤوط في الهامش على "سير أعلام النبلاء" (2 / 601)
(20) جوامع السيرة لابن حزم (1 / 276) و"الفصل" (4/213) له.
(21) سير أعلام النبلاء (2 / 601)
(22) المستدرك للحاكم (1/183) ، وقال الحاكم عقبها "هذا حديث صحيح الإسناد له طرق تجمع" ووافقه الذهبي فقال "صحيح وله طرق".
(23) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (1/ 216 ، 217) : " وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم، وقد كان أبو هريرة يكني عن بعضه ولا يصرح به خوفًا على نفسه منهم، كقوله: أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين من الهجرة. "
ثم قال : " قال - أي ابن المنير - :وإنما أراد أبو هريرة بقوله: "قطع " أي قطع أهل الجور رأسه إذا سمعوا عيبه لفعلهم وتضليله لسعيهم، ويؤيد ذلك أن الأحاديث المكتوبة لو كانت من الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانها لما ذكره في الحديث الأول من الآية الدالة على ذم من كتم العلم.
وقال غيره : يحتمل أن يكون أراد مع الصنف المذكور ما يتعلق بأشراط الساعة وتغير الأحوال والملاحم في آخر الزمان، فينكر ذلك من لم يألفه، ويعترض عليه من لا شعور له به".
قال ابن كثير في البداية والنهاية (8 / 114):
"وهذا الوعاء الذي كان لا يتظاهر به هو الفتن والملاحم وما وقع بين الناس من الحروب والقتال، وما سيقع التي لو أخبر بها قبل كونها لبادر كثير من الناس إلى تكذيبه، وردوا ما أخبر به من الحق، كما قال: لو أخبرتكم أنكم تقتلون إمامكم وتقتتلون فيما بينكم بالسيوف لما صدقتموني".
(24) "كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها" (325 ، 326) للأستاذ عماد الشربيني المدرس بجامعة الأزهر أصول الدين القاهرة ، والكتاب موجود على ملفات وورد على الانترنت.
(25) المستدرك1/193 تعقيباً على حديث حبس عمر لبعض الصحابة،والحديث سبق تخريجه ص319-320 (من هامش المصدر السابق)
(26) أخرجه الحاكم في المستدرك كتاب العلم، باب التوقي عن كثرة الحديث 1/111 وقال : هذا حديث على شرط مسلم ووافقه الذهبي فقال : على شرط مسلم ( من هامش المصدر السابق ).
(27) دفاع عن السنة" (481 - 488) وانظر "كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها" (323 - 330) .
(28) المستدرك للحاكم (1/183) ، وقال الحاكم عقب الرواية "هذا حديث صحيح الإسناد له طرق تجمع" ووافقه الذهبي فقال "صحيح وله طرق".
(29) قاله ابن عبد البر في جامع بيان العلم 2/123، ونقله عن جماعة فقهاء المسلمين 2/124، وقاله الخطيب في شرف أصحاب الحديث ص 161. ( [ 29 - 33] من هامش كتاب المؤلف).
(30) أخرجه البخاري (بشرح فتح الباري) كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم 6/655 رقم 3568، ومسلم (بشرح النووي) كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبى هريرة الدوسي رضي الله عنه 8/291 رقم 2493.
(31) شرف أصحاب الحديث 161، 162، والبداية والنهاية 8/106، وانظر : الموافقات للشاطبي فصل (ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره) 4/548.
(32) أخرجه مسلم (بشرح النووي) المقدمة، باب النهى عن الحديث بكل ما سمع 1/108 رقم 5.
(33) أخرجه البخاري (بشرح النووي) كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا 1/272 رقم 127، بدون (ودعوا ما ينكرون).
(34) وله كتاب "الموضوعات" و "زاد المسير في علم التفسير" و"صيد الخاطر " من الكتب النافعة الماتعة التي تعنى بأعمال القلوب وتهذيب النفس بالعبادات والطاعات وصونها من المعاصي المحرمات.

(35) كان في بادئ أمره حنبليًا ثم انتقل إلى المذهب الحنفي ، ذكره ابن العماد الحنبلي في "شذرات الذهب" (5 / 267) واليونيني في "ذيل مرآة الزمان" (1 / 39)
(36) سير أعلام النبلاء (23 / 297).
(37) ميزان الاعتدال (4 / 471).
(38) "لسان الميزان" (6 / 328) لابن حجر.
(39) منهاج السنة النبوية (7 / 517) ، وانظر "الفصل في الملل والأهواء والنحل" (4/212) للعلامة ابن حزم الظاهري.
(40) الإحكام لابن حزم (5 / 663) ، وجوامع السيرة له (1 / 320) ، وكذلك ابن القيم في "أعلام الموقعين" (1/ 12)
(41) تاريخ دمشق (67 / 370)
(42) هامش "سير أعلام النبلاء" (2 / 601)، وانظر الأنوار الكاشفة ص 155.
(43) "تهذيب الكمال" (26 / 426)
(44) الأنوار الكاشفة ص 155.
(45) المصدر السابق.
(46) انظر "شيخ المضيرة " ص 220.
(47) "سير أعلام النبلاء" للذهبي (4 / 224).

ويليه الجزء الثاني إن شاء الله

محمد تلمساني 12-01-2012 09:49 AM

كيف روى أبو هريرة رضي الله عنه كل هذه الأحاديث ومدة صحبته ثلاث سنوات فقط ؟
 
كيف روى أبو هريرة رضي الله عنه كل هذه الأحاديث ومدة صحبته ثلاث سنوات فقط ؟


السؤال : إحدى الأخوات المسلمات سألتني سؤالاً فلم أستطع أن أجيبها ، قالت : طالما أن أبا هريرة رضي الله عنه أسلم وصحب النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاث سنوات فقط ، فكيف روى جميع هذه الأحاديث ؟ أرجو التفصيل ، وتدعيم الإجابة بالأدلة ، حتى أتمكن من الشرح لها وتفهيمها .

الجواب :
الحمد لله
أولاً :
ليس هذا محل إشكال على الإطلاق ، وإذا قمنا بعملية حسابية سريعة يتبين لنا أن هذا الإشكال لا حقيقة له .
وبيان ذلك : أن ثلاث سنوات من صحبة أبي هريرة رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم تعني أكثر من (1050) يوماً .
وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه ملازماً للنبي صلى الله عليه وسلم ملازمة تامة ، يصاحبه أينما حل وارتحل ، ويقضي معه معظم يومه ، كما أخبر هو عن نفسه رضي الله عنه ، وأقر له الصحابة بذلك ، فكم حديثاً نتوقع أن يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم ؟
لا نريد أن نبالغ في العدد المفترض كي يتقبل القارئ الحجة ، بل نفترض عدداً يقبله كل منصف يريد معرفة الحق لاتباعه ، ولتكن خمسة أحاديث في اليوم فقط ، ونعني بالأحاديث هنا خمسة مواقف ، فالحديث قد يكون قولياً ، وقد يكون فعلياً ، وقد يكون إقرارا من النبي صلى الله عليه وسلم لفعل أو قول فعل أمامه أو بلغه ، وقد يكون الحديث وصفا للنبي صلى الله عليه وسلم .
فلو نقل أبو هريرة رضي الله عنه لنا فعلاً فعله النبي صلى الله عليه وسلم أو حدثاً معيناً - ولو كيفية الخروج للصلاة - فهذا يعد حديثا في عرف المحدثين .
فلو فرضنا أن أبا هريرة رضي الله عنه سيسمع عند كل صلاة من الصلوات الخمس كلمة من النبي صلى الله عليه وسلم ، أو يشاهد موقفاً معيناً ، فستكون حصيلة العلم الذي يجمعه أبو هريرة رضي الله عنه في اليوم الواحد خمسة أحاديث فقط .
ولا نظن أن أحداً يزعم أن هذا عدد كبير لحال أي صديق مع صديقه ، فكيف بحال أبي هريرة رضي الله عنه المتفرغ للعلم ، وهو يصاحب أعظم الرسل ، وسيد البشر ، محمداً صلى الله عليه وسلم ؟
وعليه ؛ ففي آخر صحبة أبي هريرة رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم ستكون حصيلة الأحاديث أكثر من خمسة آلاف حديث .
وهكذا هي فعلا الأحاديث التي تروى عن أبي هريرة في كتب السنة ، نحو (5374) بحسب عددها في " مسند بقي بن مخلد " أضخم موسوعة حديثية مؤلفة ، نقلاً عن الدكتور أكرم العمري في كتابه " بقي بن مخلد ومقدمة مسنده " (ص/19).
فأين هي المبالغة المنسوبة لأبي هريرة رضي الله عنه في روايته للأحاديث ؟
نظن أن أي منصف يتأمل عدد مرويات أبي هريرة رضي الله عنه مع مدة صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم يستنتج أنه لا صحة لهذه الزوبعة التي يثيرها البعض على مرويات أبي هريرة رضي الله عنه .
فكيف إذا علم القارئ الكريم أن الخمسة آلاف حديث المروية لأبي هريرة رضي الله عنه في كتب السنة تشمل الصحيح والضعيف والموضوع ؟ يعني أن بعض هذه الأحاديث التي تُنسب لأبي هريرة رضي الله عنه لم تصح عنه من الأصل .
وكيف لو علم القارئ الكريم أيضاً أن الخمسة آلاف حديثاً المروية لأبي هريرة رضي الله عنه في كتب السنة تشمل المكرر الذي جاء بمتن ونص واحد ولكن تعددت أسانيده وطرقه ؟ فبعض الأحاديث تروى من عشرة طرق ونصها واحد ، فهذه يعدها العلماء عشرة أحاديث وليست حديثا واحداً .
وكيف لو علم القارئ الكريم أيضاً : أن الخمسة آلاف حديثاً المروية لأبي هريرة رضي الله عنه في كتب السنة لم يأخذها كلها من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة ، بل أخذ كثيراً منها عن إخوانه السابقين في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم ؟
ثم كيف لو علم القارئ الكريم أيضاً أن أبا هريرة رضي الله عنه صحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أربع سنوات ، وليس ثلاثة فقط .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في مدة صحبة أبي هريرة رضي الله عنه :
" قدم في خيبر سنة سبع ، وكانت خيبر في صفر ، ومات النبي صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول سنة إحدى عشرة ، فتكون المدة أربع سنين وزيادة ، وبذلك جزم حميد بن عبد الرحمن الحميري" انتهى .
" فتح الباري " (6/608).
وأما إخبار أبي هريرة رضي الله عنه عن نفسه أنه صحب النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين ، كما وقع في "صحيح البخاري" (حديث رقم/3591) أنه قال : (صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلاَثَ سِنِينَ ، لَمْ أَكُنْ فِى سِنِىَّ أَحْرَصَ عَلَى أَنْ أَعِىَ الْحَدِيثَ مِنِّى فِيهِنَّ) .
فهذا محمول على تقديره رضي الله عنه للمدة التي لازم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ملازمة شديدة ، واستثنى الأيام التي ابتعد فيها حين ذهب إلى البحرين ، أو في بداية إسلامه ، أو في أيام الغزوات ، حيث قد لا يتيسر له ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم في يومه وليلته .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :
" فكأن أبا هريرة اعتبر المدة التي لازم فيها النبي صلى الله عليه وسلم الملازمة الشديدة ، وذلك بعد قدومهم من خيبر ، أو لم يعتبر الأوقات التي وقع فيها سفر النبي صلى الله عليه وسلم من غزوه وحجه وعُمَرِه ؛ لأن ملازمته له فيها لم تكن كملازمته له في المدينة ، أو المدة المذكورة بقيد الصفة التي ذكرها من الحرص ، وما عداها لم يكن وقع له فيها الحرص المذكور ، أو وقع له لكن كان حرصه فيها أقوى ، والله أعلم " انتهى.
" فتح الباري " (6/608) .
فإذا تبين أن صحبة أبي هريرة للنبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أربع سنين ، وأسقطنا من عدد الأحاديث المروية عن أبي هريرة الأحاديث المكررة والضعيفة ، فأي محل يبقى لدعوى مبالغة أبي هريرة رضي الله عنه في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟
ثانياً :
ثم ننقل هنا بعض ما كتبه علماؤنا رحمهم الله في توضيح أسباب كثرة روايات أبي هريرة رضي الله عنه في كتب السنة عن غيره من الصحابة رض الله عنهم .
قال العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله :
"لكثرة حديث أبي هريرة رضي الله عنه أسباب ، استخرجناها من عدة روايات :
أحدها : أنه قصد حفظ أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم ، وضبط أحواله ؛ لأجل أن يستفيد منها ، ويفيد الناس ، ولأجل هذا كان يلازمه ويسأله ، وكان أكثر الصحابة لا يجترئون على سؤاله إلا عند الضرورة ، وقد ثبت أنهم كانوا يُسَرُّون إذا جاء بعض الأعراب من البدو وأسلموا ؛ لأنهم كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم .
ومن الدلائل على هذا السبب ما رواه عنه البخاري قال : قلت : يا رسول الله ! من أسعد الناس بشفاعتك ؟ قال : ( لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث) .
وما رواه أحمد عن أُبيّ بن كعب : أن أبا هريرة كان جريئًا على أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء لا يسأله عنها غيره .
ثانيها : أنه كان يلازم النبي صلى الله عليه وسلم ، ويتبعه حتى في زيارته لنسائه وأصحابه ليستفيد منه ، ولو في أثناء الطريق ، فكانت السنين القليلة من صحبته له كالسنين الكثيرة من صحبة كثير من الصحابة الذين لم يكونوا يَرَوْنه صلى الله عليه وسلم إلا في وقت الصلاة ، أو الاجتماع لمصلحة يدعوهم إليها ، أو حاجة يفزعون إليه فيها ، وقد صرح بذلك لمروان .
وأخرج البغويّ بسند جيد - كما قال الحافظ ابن حجر - عن ابن عمر أنه قال لأبي هريرة :
أنت كنت أَلَزَمَنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمَنا بحديثه .
وفي " الإصابة " عنه أنه قال : أبو هريرة خير مني وأعلم بما يحدث .
وعن طلحة بن عُبيد الله : لا أشك أن أبا هريرة سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم
ما لم نسمع .
ثالثها : أنه كان جيد الحفظ قوي الذاكرة ، وهذه مزية امتاز بها أفراد من الناس كانوا كثيرين في زمن البداوة ، وما يقرب منه ؛ إذ كانوا يعتمدون على حفظهم ، ومما نقله التاريخ لنا عن اليونان أن كثيرين منهم كرهوا بدعة الكتابة عندما ابتدءوا يأخذونها ، وقالوا : إن الإنسان يتكل على ما يكتب فيضعف حفظه ، وإننا نفاخر بحفاظ أمتنا جميع الأمم ، وتاريخهم ثابت محفوظ ، قال الإمام الشافعيّ : أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره ، وقال البخاري مثل ذلك ، إلا أنه قال : عصره . بدل دهره .
وأعظم من ذلك ما رواه الترمذي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لأبي هريرة : أنت كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظنا لحديثه .
رابعها : بشارة النبي صلى الله عليه وسلم له بعدم النسيان ، كما ثبت في حديث بسط الرداء المتقدم – وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي هريرة : (ابْسُطْ رِدَاءَكَ . فَبَسَطْهُ . فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ : ضُمّهُ . قال أبو هريرة : فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ) رواه البخاري (119) - وهو مروي من طرق متعددة في الصحاح والسنن .
خامسها : دعاؤه له بذلك كما ثبت في حديث زيد بن ثابت عالم الصحابة الكبير رضي الله عنه عند النسائي ، وهو : ( أن رجلاً جاء إلى زيد بن ثابت فسأله ، فقال له زيد : عليك بأبي هريرة ، فإني بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد ، ندعو الله ونذكره ، إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس إلينا فقال : عودوا للذي كنتم فيه . قال زيد فدعوت أنا وصاحبي ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمّن على دعائنا ، ودعا أبو هريرة فقال : إني أسألك
مثل ما سأل صاحباي ، وأسألك علمًا لا يُنسى , فقال : سبقكم بها الغلام الدوسي ) – قال الحافظ ابن حجر في " الإصابة " (4/208) : إسناده جيد -.
سادسها : أنه تصدى للتحديث عن قصد ؛ لأنه كان يحفظ الحديث لأجل أن ينشره ، وأكثر الصحابة كانوا ينشرون الحديث عند الحاجة إلى ذكره في حكم أو فتوى أو استدلال ، والمتصدي للشيء يكون أشد تذكرًا له ، ويذكره بمناسبة وبغير مناسبة ؛ لأنه يقصد التعليم لذاته ، وهذا السبب لازم للسبب الأول من أسباب كثرة حديثه .
سابعها : أنه كان يحدث بما سمعه وبما رواه عن غيره من الصحابة كما تقدم ، فقد ثبت عنه أنه كان يتحرى رواية الحديث عن قدماء الصحابة ، فروى عن أبي بكر وعمر ، والفضل بن العباس وأُبيّ بن كعب ، وأسامة بن زيد وعائشة ، وأبي بصرة الغفاري ، أي : أنه صرح بالرواية عن هؤلاء، ومن المقطوع به أن بعض أحاديثه التي لم يصرح فيها باسم صحابي كانت مراسيل ؛ لأنها في وقائع كانت قبل إسلامه ، ومراسيل الصحابة حجة عند الجمهور .
فمن تدبر هذه الأسباب لم يستغرب كثرة رواية أبي هريرة ، ولم ير استنكار أفراد من أهل عصره لها موجبًا للارتياب في عدالته وصدقه ؛ إذ علم أن سبب ذلك الاستنكار عدم الوقوف على هذه الأسباب .
على أن جميع ما أخرجه البخاري في صحيحه له (446) حديثًا ، بعضها من سماعه ، وبعضها من روايته عن بعض الصحابة ، وهي لو جمعت لأمكن قراءتها في مجلس واحد ؛ لأن أكثر الأحاديث النبوية جمل مختصرة .
فهل يستكثر عاقل هذا المقدار على مثل أبي هريرة أو من هو دونه حفظًا ، وحرصًا على تحمل الرواية وأدائها؟!" انتهى باختصار.
"مجلة المنار" (19/25) .

والله أعلم .


الإسلام سؤال وجواب

محمد تلمساني 12-01-2012 09:59 AM

دفاع عن أبي هريرة رضي الله عنه
 
دفاع عن أبي هريرة رضي الله عنه
المؤلف : عبد المنعم صالح العلي العزي



http://www.waqfeya.com/book.php?bid=1093




الساعة الآن 05:09 AM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى