![]() |
أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سأقوم بتكملة موضوعي أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله الدي كان في القسم الإسلامي العام ثم نقل إلى قسم الحوار الديني ليخفى أو بالأحرى ليحدف مع أني لأجله عكفت على قراءة ست مجلدات تخص اثار بن باديس رحمه الله إضافة إلى عدة رسائل في أصول الدعوة السلفية http://montada.echoroukonline.com/sh...d.php?t=226567 http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif الفصل الثاني :أصــــــــــــول الفقه http://upload.arabia4serv.com/images...4827587308.gif المبحث الأول : مصادر تلقي الفقه هي الكتاب والسنة والإجماع http://upload.arabia4serv.com/images...7839198439.gif وهذا من الأصول الواضحة والمتفق عليها بين جميع أهل السنة بل هذا من العقائد عندهم فلا يتوهمن متوهم أن كل ما تعلق بالفقه أو الأصول فهو خارج عن مسمى العقيدة أو أنه داخل في إطار الظنيات ولا يمكن أن يرقى إلى مستوى القطعيات التي يكفر منكرها أو المخالف فيها ، وإنما تكلم هنا المتأخرون في قدرة أهل الأعصار المتأخرة على الاستقلال بالنظر في هذه المصادر الشرعية، وسيأتي في المطالب التالية توضيح هذه المسألة وغيرها مما هو مرتبط بها ، وكلام الشيخ ابن باديس واضح أيضا في دعوة الناس وأهل العلم خاصة إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة في ميدان الفقه والفتوى والابتعاد عن منهج المتأخرين الذي باعد بين المسلمين وأصول دينهم ، كما دعا إلى ضرورة ربط الفتاوى بالأدلة الشرعية ليعلم الناس أن هذه الأحكام صادرة عن الله تعالى، وليست مجرد آراء يمكن لكل واحد أن يتخير منها ما يشاء ، ومن نصوصه في هذا الباب قوله رحمه الله تعالى :( وبيّن القرآن أصول الأحكام وأمهات مسائل الحلال والحرام ووجوه النظر والاعتبار مع حكم الأحكام وفوائدها في الصالح العام والخاص، فهجرناها واقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية مجردة بلا نظر، جافة بلا حكمة، محجبة وراء أسوار من الألفاظ المختصرة تفنى الأعمار قبل الوصول إليها) ([114]). ومن نصوصه أيضا تعليق له على فتوى أصدرها الأزهريون في وقته قال فيه :( كنا ننتظر من مجلة يحرّرها كبار علماء الأزهر الشريف أن تأتينا في باب الفتاوى والأحكام منها بأدلة المسائل ومستندات الأقوال ، ومن إبدائها رأيها في الترجيح بالطرق المعتبرة عند أهله، وكنا ننتظر كذلك أنها لا ترجع في استدلالها إلا إلى الكتاب والسنة...) ([115]). وقال أيضا وهو يلوم المتصدرين من أهل زمانه على هجرهم للسنة النبوية :( وعلمنا القرآن أن النبي صلى الله عليه وسلم هو المبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، وأن عليهم أن يأخذوا ما أتاهم وينتهوا عما نهاهم عنه، فكانت سنته العملية والقولية تالية للقرآن، فهجرناها كما هجرناه وعاملناها بما عاملناه حتى أنه ليقل في المتصدرين للتدريس من كبار العلماء في أكبر المعاهد من يكون ختم كتب الحديث المشهورة كالموطأ والبخاري ومسلم ونحوها مطالعة، فضلا عن غيرهم من أهل العلم، فضلا عن غيرها من كتب السنة)([116]). وله نصوص أخرى تتضمن هذا المعنى يأتي نقلها في شرح الأصول الآتي ذكرها. المبحث الثاني : عدم إحداث الأقوال الجديدة المخالفة لإجماع السلف http://upload.arabia4serv.com/images...7839198439.gif الحجة الملزمة عند أهل السنة هي الكتاب والسنة الصحيحة الصريحة وما أجمعت عليه العلماء، فلا يجوز إحداث الأقوال الجديدة المخالفة لإجماع السلف ولا الخارجة عن مذاهبهم إذا اختلفوا، كما لا يجوز مخالفة الكتاب والسنة، لأن المتأخرين كما هم مقيدون بالكتاب والسنة فهم مقيدون بفهم السلف الصالح وبمذاهبهم، فباب الفقه لا يختلف عن باب الاعتقاد ولا عن غيره من الأبواب ، والأصل المذكور واضح فلا يحتاج إلى كثير شرح، والشيخ ابن باديس رحمه الله لإدراكه لأهمية هذا الأصل قد نبه عليه في غير ما موضع، ومن المواضع التي بين فيها أصل الرجوع إلى الكتاب والسنة ، مع توضيح ضابطه وهو التقيد بفهم العلماء السابقين قوله رحمه الله : «لا نجاة للناس من هذا التيه الذي نحن فيه والعذاب المنوع الذي نذوقه ونقاسيه إلا بالرجوع إلى القرآن، إلى علمه وهديه في بناء العقائد والأحكام والآداب عليه والتفقه فيه، والسنة النبوية شرحه وبيانه ، والاستعانة على ذلك بإخلاص القصد وصحة الفهم والاعتضاد بأنظار العلماء الراسخين والاهتداء بهديهم في الفهم عن رب العالمين»([117]). وإذا ذُكر العلماء فأوَّل من ينصرف إليهم الذهن هم العلماء المتقدمون قبل المتأخرين الذين هم مَحكُمُون بهذا الأصل، كما سبق نقله عنه في بيانه لمعنى الإمام الذي يستحق أن يقتدى به. وصرح بهذا المعنى في موضع آخر فقال :( ولو كان هذا الاختلاف من باب اختلاف العلماء فيما لا نص فيه أو فيه ظاهر يقبل التأويل على وجوه من النظر شتى لكان للمختلفين عذر قائم ووجهة سديدة ، ولكنه اختلاف يمت إلى الهوى بأقرب نسب وينجذب إلى التعصب بأوثق الأسباب، وحجته الداحضة قولهم رأى بنو فلان »([118]). [114]/ الآثار (1/250). [115]/ الآثار (3/240). [116]/ الآثار (1/251). [117]/ الآثار (1/252). [118]/ الآثار (6/69). يتبع إن شاء الله...... |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
المبحث الثالث : التزام الصحة http://upload.arabia4serv.com/images...7839198439.gif ومن الأصول التي يتفق عليها علماء أهل السنة ضرورة التزام الصحة في باب الأحكام والحلال والحرام ، نعم قد يختلفون في بعض شروط الصحة وفي كثير من التطبيقات، ولكن ذلك بعد اتفاقهم على أنه لا بد من التثبت في باب الرواية والرجوع إلى أهل الفن المتخصصين في هذا الباب ، وهذا أصل قد يغفل عنه بعض الناس وقد يغلو فيه آخرون حتى إنهم يجعلون علامة السلفيين الاجتهاد في الحديث، وليس ذلك بلازم نفيا ولا إثباتا، لأنه قد يشتغل بالحديث أعدى أعداء أهل السنة فلا يكون ذلك شفيعا لهم، وقد يكون السني ورافع لوائهم غير مشتغل بذلك ويكتفي باتباع العلماء الذين سبقوه والاتباع غير التقليد كما لا يخفى . وإنما أكَّدت على هذا لأن بعض الغلاة قد يتنقص ابن باديس أو غيره من أهل العلم المعاصرين أو المتقدمين لعدم تفرغهم للتصنيف في هذا المجال أو عدم تخصصهم فيه، وليس هذا مما يجوز أن يتنقص به أهل العلم وإنما يتكلم بهذا بعض المبتدئين في العلم –وإن تقادم عهد التزامهم -الذين يفتقدون الموجهين الناصحين. والشيخ ابن باديس رحمه الله من العلماء الذين رفعوا الدعوة إلى التثبت في ما هو موجود في الكتب المصنفة، وإضافة إلى ما سبق نقله في المبحث الأول ننقل هنا نصوصا أخرى تؤكد ما ذكرناه هناك، ومن ذلك التقديم الذي صدر به رسالة كتبها مبارك الميلي في بيان درجة حديث من الأحاديث المشهورة على الألسنة في ذلك الزمان، وهو لا يصح بحال حيث قال فيه :( تقوم الدعوة الإصلاحية على أساس الكتاب والسنة، فلا جرم أن كان رجالها من المعتنين بالسنة القائمين عليها رواية ودراية الناشرين لها بين الناس، ومن عنايتهم تحريهم فيما يستدلون به ويستندون إليه منها ، فلا يجوز عليهم إلا ما يصلح للاستدلال والاستناد ، ولا يذكرون منها شيئا إلا مع بيان مخرجه ورتبته حتى يكون الواقف عليه على بيِّنة من أمره مما لو التزمه كل عالم – كما هو الواجب - لما راجت الموضوعات والواهيات بين الناس فأفسدت عليهم كثيرا من العقائد والأعمال ) ([119]). وكذلك نذكر رده على بعض علماء المغرب الذين قرضوا رسالة فيها أحاديث موضوعة معزوة إلى دواوين السنة المشهورة وليست فيها فقال رحمه الله: ( والحقيقة أن إخواننا هؤلاء ما أتوا إلا من ناحية الضعف الفاشية البادية في أكثر علماء المسلمين اليوم وقبل اليوم بكثير، وهي الإعراض عن كتب السنة وعدم الإطلاع عليها والوقوفِ على المشهور منها فضلا عن غيره، وعرف هذا منهم حتى صار من ينسب شيئا إلى النبي r أو إلى جوامع سننه لا يخشى شيئا من ناحيتهم في الرد عليهم وتبيين حقيقة ما جاء به بل صاروا هم أنفسهم – إلا من شاء ربك – كحاطب ليل ينقلون إذا كتبوا الغث والسمين لا يميزون بين المقبول والمردود)([120]). وبيَّن في موضع آخر أن هذا التثبت المطلوب لا يستدعي أن يكون المتثبت محدثا خالصا وأنه يكفيه الرجوع إلى أئمة الفن الموثوق بهم فقال :( وخطتنا الأخذ بالثابت عند أهل النقل الموثوق بهم والاهتداء بفهم الأئمة المعتمد عليهم)([121]). ويرى الشيخ رحمه الله تعالى أنه من الواجب على المفتي أن يفصل القول في بيان ضعف الأحاديث وأن لا يجمل في مواضع الجدال والنقاش والخلاف، فقد جاء في فتوى أحد شيوخ الأزهر ما يلي: ( الحديث ضعيف على ما صرح به الشهاب الخفاجي في شرح الشفا، بل مال الحافظ الذهبي إلى أنه موضوع وإذا ينهار الإشكال من أساسه)، قال الشيخ معلقا على كلامه: (وهذا وإن كان كافيا في الجواب لكن المنتظر من عالم من هيئة كبار العلماء أن يذكر سنده ويبين المطعون فيه من رجال ويرجح ضعفه أو وضعه…) ([122]) وليس هذا بمطلوب مطلقا وإنما هو محمول على ما ذكرته من مواضع المناقشة والمجادلة والله أعلم. [119]/ الآثار (2/338). [120]/ الآثار (3/252) و(6/82). [121]/ الآثار (5/94). [122]/ الآثار (3/241). يتبع إن شاء الله ......... |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
المبحث الرابع : إبطال نظرية التقليد العام الملزم للناس http://upload.arabia4serv.com/images...7839198439.gif ومن الأصول التي اتفق عليها المجددون السلفيون في كل زمان إبطال ما يسمى بنظرية التقليد العام الملزم لجميع الناس القاضية بتحريم النظر في الأدلة والاجتهاد في المسائل ، والدعوةُ إلى بعث الاجتهاد في الأمة ممن تأهل له والسعي لتأهيل المنتسبين إلى العلم ليبلغوا درجته ، وكذا دعوة العامة وغيرهم إلى الارتقاء إلى رتبة الاتباع التي تعني أن يؤخذ الحكم الشرعي من العالم مقرونا بدليله، وتؤهل طلبة العلم لفهم الحجة والدليلِ وأسبابِ الترجيح بين الأقوال، وليس من مذهبهم تحريم التقليد بإطلاق كما قد ينسبه إليهم مخالفوهم، بل هو عندهم بمنزلة الضرورة حيث يتعذر الاجتهاد بالنسبة لمن له أهلية الاجتهاد والاختيار، وكذا لمن الأصل فيه أن يكون متبعا، وذلك حيث لم يجد من يفتيه بالدليل ويقنعه بالحجة. ونظرا للحال الغالبة على الأمة الإسلامية فإننا نجد من أهل العلم الذين لا شك في سلفيتهم ينصحون المتعلمين بدراسة الفقه على واحد من المذاهب المنتشرة، وليس ذلك إقرارا منهم للوضع ولكن هو من باب الضرورة التي فرضها واقع الأمة حيث ارتفع العلم وقل أهل الاجتهاد حتى في أرض العلم والتوحيد، ولا حديث عن البلاد الشاسعة الأخرى التي لا تكاد تجد فيها عالما بالكتاب والسنة، فليفهم هذا فإنه مهم يقي أهل الحق والإنصاف من أن يسؤوا الظن بالعلماء السنيين ويحفظهم أيضا من الانحراف عن خطتهم ومنهجهم. والشيخ ابن باديس رحمه الله تعالى أحد المجددين المعاصرين الذين دعوا جهرة إلى رفع تلك القيود المعنوية التي كبلت عقول الأمة طلبتها وعلمائها، وكان مما قاله في هذا السياق هذه الكلمات الواضحات النيرات :( كما أدخلت على مذهب أهل العلم بدعة التقليد العام الجامد التي أماتت الأفكار وحالت بين طلاب العلم وبين السنة والكتاب، وصيّرتها في زعم قوم غير محتاج إليهما من نهاية القرن الرابع إلى قيام الساعة، لا في فقه ولا استنباط ولا تشريع، استغناء عنهما - زعموا- بكتب الفروع من المتون والمختصرات، فأعرض الطلاب عن التفقه في الكتاب والسنة وكتب الأئمة وصارت معانيها الظاهرة بَلْهَ الخفية مجهولة حتى عند كبار المتصدّرين) ([123]). فالتقليد العام بدعة عطلت العقول وأماتت الأفكار وفصلت الأمة عن أصل دينها، بل هي عند الشيخ داء قديم ينبغي أن يعالج وأن يتخلص منه حتى تنهض الأمة. وفي تقرير هذا يقول: ( ونزيد أن نذكر اليوم أن هذا الإعراض عن ربط الفروع بأصولها ومعرفة مأخذها هو داء قديم في هذا المغرب من أقصاه إلى أدناه، بل داء عضال فيما هو أرقى من المغارب الثلاث وهو الأندلس ) ([124]). ثم نقل شكوى الحافظ ابن عبد البر من أهل زمانه لميلهم إلى التقليد وابتعادهم عن النظر والاستدلال، وكان مما ذكر ابن عبد البر رحمه الله تعالى أبياتا للمنذر بن سعيد البلوطي شافية كافية معبّرة حقا : عـذيـري من قوم يقولون كلمـا طلبت دليـلا : هكــذا قـال مالك فإن عدت قالوا هكذا قال أشهـب وقـد كـان لا تخفى عليـه المسالك فـإن زدت قـالوا : سحنون مثلـه ومـن لـم يقل ما قالـه فهـو آفك فإن قلت: قال الله ضجوا وأكـثروا وقالوا جميعـا أنت قــرن مماحـك وإن قلت : قـال الرسـول فقولهم أتت مالكـا في تـرك ذاك المسالـك قال ابن باديس:( واستشهد ابن عبد البر بأبيات القاضي منذر بن سعيد البلوطي المولود سنة 265 هـ والمتوفى سنة 355 هـ لتبيين قدم هذا الداء في الأندلس وشكوى العلماء الأعلام منه وإنكاره على أهله ). وكما نص الشيخ على ما هو واجب وما الذي تنهض به الأمة وما الذي ينبغي أن نسعى لنصل إليه، فقد نص أيضا على جواز التقليد بالنسبة للعوام للاعتبارات التي سبق شرحها فقال رحمه الله :( والمقلد في الفروع دون علم بأدلتها متبع لمفتيه فيها يصدق عليه باعتبار الأدلة التي يجهلها أنه متبع ما ليس له به علم، لكنه له علم من ناحية أخرى، وهي علمه بأن التقليد هو حكم الله تعالى في حق مثله من العوام بما أمر الله تعالى من سؤال أهل العلم وما رفع عن العاجز من الإصر وهو من العامة العاجزين عن درك أدلة الأحكام)([125]). وقال في مبادئ الأصول :( التقليد هو أخذ قول المجتهد دون معرفة لدليله وأهله هو من لا قدرة له على فهم الدليل وهم العامة غير المتعاطين لعلوم الشريعة واللسان)([126]). وهذا صريح بأن التقليد ليس إلا من شأن العامة ، وقد سمى في موضع المتفقهين المتأخرين بالفروعيين على سبيل الذم فقال:(ولما لم تكن عندهم الأصول تاهوا في الفروع المنتشرة، ومحال أن يضبط الفروع من لم يعرف أصولها، وذكر ما أداهم إليه إهمال النظر من الانقطاع عن أقوال مالك نفسه وأمثاله إلى أمثالهم من الفروعيين التائهين الناظرين بغير علم)([127]). [123]/ الآثار (5/38). [124]/ الآثار (4/78). [125]/ الآثار (1/141). [126]/ الفتح المأمول (163). [127]/ الآثار (4/81 يتبع إن شاء الله............ |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
ومن الأمور النظرية التي تميز بها السلفيون إثباتهم لرتبة الاتباع المتوسطة بين الاجتهاد والتقليد الذي هو أخذ القول من غير بحث عن دليله ، بل جعلوها هي الواجب الأصلي على كل مسلم لأنها تعني أن يؤخذ الحكم والقول بدليله، والمخالفون من أهل التقليد لا يرون إلا التقليد المحض لمن عجز عن الاجتهاد وليس ذلك بأمر لازم، لأن الواقع يبين تفاوت الناس في إدراكهم للعلوم الشرعية وفي فهمهم للنصوص، فلماذا يجعل حكمهم واحدا وهو التقليد ؟ وإذا كان الاجتهاد فرض كفاية فإن الاتباع أوجب منه ويتعين على كل من قدر عليه والله تعالى أعلم، وقد حث الشيخ ابن باديس على قرن الفتوى بالدليل حتى يعتاد الناس ذلك وحتى يرتقى بهم عن رتبة التقليد المحض ، فقال رحمه الله :( ومما ينبغي لأهل العلم أيضا إذا أفتوا وأرشدوا أن يذكروا أدلة القرآن والسنة لفتاواهم ومواعظهم ليقربوا المسلمين إلى أصل دينهم ويذيقوهم حلاوته ويعرفوهم منزلته، فإلى الكتاب والسنة أيها العلماء إن كنتم للخير تريدون)([128]). ومما يبين وجوب ارتقاء الناس إلى رتبة الاتباع –أخذ الحكم مع دليله- عند القدرة قوله رحمه الله :(فمن تبع مخلوقا وأطاعه فيما يأمره وينهاه دون أن يكون في طاعته مراعيا طاعة الله فقد عبده واتخذه ربا فيما أطاعه فيه..)([129]). وله أقوال أخرى يدعو فيها المنتسبين إلى العلم خصوصا لأن يسلكوا مسلك الاتباع ومن ذلك ما قاله في تقديمه لكتاب الفكر السامي :( إن كتابكم هذا إن شاء الله هو أساس النهضة الفقهية في جامع القرويين المعمور نهضة تبنى على النظر والاستدلال، فيخرج بها أهل العلم من جمود التقليد إلى سعة الاتباع بالدليل) ([130]). وهو يحسب أن هذه الدعوة هي من دعوة القرآن حيث قال عن كتاب الله تعالى بأنه:( يخاطب العقل ويدعو إلى الفطرة ويقارع بالحجة ويدعو إلى التفكير ، ويحارب الجمود ويحث على الاستدلال)([131]). وقد أثبت هذه الرتبة التي قل من أثبتها ودعا إليها في إملائه في الأصول فقال: ( الاتباع هو أخذ قول المجتهد مع معرفة دليله ومعرفة كيفية أخذه للحكم من ذلك الدليل، حسب القواعد المتقدمة وأهله هم المتعاطون للعلوم الشرعية واللسانية الذين حصلت لهم ملكة صحيحة فيهما فيمكنهم عند اختلاف المجتهدين معرفة مراتب الأقوال من القوة والضعف، واختيار ما يترجح منها، واستثمار ما في الآيات والأحاديث من أنواع المعارف المفيدة في إنارة العقول، وتزكية النفوس وتقويم الأعمال، ولهذا كان حقا على المعلمين والمتعلمين للعلوم الشرعية واللسانية أن يجروا في تعليمهم وتعلمهم على ما يوصل إلى هذه الرتبة على الكمال)([132]). وكما أن المجددين جعلوا من أصولهم إبطال تلك النظرية التي فصلت بين الفقه وأدلته وبين الأمة ومصادر دينها، فقد دعوا أيضا إلى فتح باب الاجتهاد وإلى العودة إلى الاجتهاد بجميع أنواعه وأقسامه، وقد اعتبروا تعطيل الاجتهاد من الأسباب التي أعطت الحجة وسهلت الأمر على الحكام أن يرفضوا أحكام الشريعة الإسلامية، حيث ظهر عجز المنتسبين إلى العلم عن إيجاد الأجوبة للنوازل الحادثة والحوادث المتجددة لارتباط معظمهم بالفروع المدونة في المختصرات وتركهم الكتاب والسنة اللذين فيهما الجواب الشافي عن كل سؤال والبيان لكل جديد يطرأ، وفي الحقيقة أن من يسمى بالعلماء عند المتأخرين قد أساءوا كثيرا إلى هذه الشريعة الغراء بما صرحوا به من غلق باب الاجتهاد، بل وأساءوا إلى أنفسهم حيث حرموا أنفسهم من أن يكونوا علماء بحق، فإنهم وإن وصفوا بالعلماء وشيوخ الإسلام إلا أن حقيقة العلم هي ما أخذ من الكتاب والسنة وليس هو مجرد حفظ مختصر فقهي واستحضار ما جرد فيه من فروع ، وقد نصّ الشيخ ابن باديس رحمه الله تعالى في موضع على أن ما يؤخذ فقها مجردا عن الدليل لا يعتبر علما، وأن الجاهل البسيط خير من المقلد فقال رحمه الله تعالى :(إذا كان التفكير لازما للإنسان في جميع شؤونه وكل ما يتّصل به إدراكه فهو لطلاب العلم ألزم من كل إنسان، فعلى الطالب أن يفكّر فيما يفهم من المسائل وفيما ينظر من الأدلة تفكيرا صحيحا مستقلا عن تفكير غيره، وإنما يعرف تفكير غيره ليستعين به ثم لا بد له من استعمال فكره هو بنفسه. بهذا التفكير الاستقلالي يصل الطالب إلى ما يطمئن له قلبه ويسمى حقيقة علما وبه يأمن من الوقوع فيما أخطأ فيه غيره، ويحسن التخلص منه إن وقع فيه ... فالتفكير التفكير يا طلبة العلم فإن القراءة بلا تفكير لا توصل إلى شيء من العلم، وإنما تربط صاحبها إلى صخرة الجمود والتقليد وخير منها الجاهل البسيط) ([133]). وقال الشيخ وهو يتحدث عن تعطيل أتاتورك للشريعة في تركيا :» وهنا يجب أن أقول إن كل وصمة يرمى بها الإسلام إنما هي من إفراط مثل هاته الطائفة الملحدة وتفريط طائفة العلماء المقلدة ، ولقد طالت مصيبة الإسلام بهاتين الطائفتين من عهد بعيد …ولو دعا الكماليون العلماء المستقلين أهل النظر والاستدلال لأروهم من الإسلام ما كانوا يجهلون، وأبانوا لهم عن مبادئه السامية وقواعده العالية الصالحة لكل إنسان الممكنة التطبيق على مقتضيات الأزمان ما لم يكونوا يحتسبون « ([134]). وقال في مقال اقترح فيه بعض الأشياء لإصلاح التعليم في الزيتونة: » وأما فرع القضاء والفتوى من قسم التخصص فيتوسع لهم في فقه المذهب ثم الفقه العام ويكون "بداية المجتهد " من الكتب التي يدرسونها ، ويدرسون آيات الأحكام وأحاديث الأحكام ، ويدرسون علم التوثيق ويتوسعون في علم الفرائض والحساب ، ويطلعون على مدارك المذاهب حتى يكونوا فقهاء إسلاميين ينظرون إلى الدنيا من مرآة الإسلام الواسعة لا من عين المذهب الضيقة« ([135]). ورغم أن دراسة الشيخ ابن باديس لم تكن سوى عند علماء المالكية الذين عرف أكثرهم بالتعصب والجمود، إلا أنه ظهر في فتاويه مع قلة المدون منها متحررا من التقليد المحض وناظرا في الأدلة الشرعية، ولم يكن دائما ملتزما بالمشهور أو بما يقوله خليل، فقد كتب بحثا ماتعا في مسألة القراءة على الأموات على طريقة الأئمة المجتهدين وختمه بقوله:( إلى هنا ننتهي من البحث الذي بيناه على النظر والاستدلال لا على مجرد سرد الأقوال ) ([136]). وقال في موضع :( فالذكاة لا تفيد فيها في مشهور مالك وتفيد فيها في مذهب الشافعي وجماعة من المالكية، وهي فسحة ينبغي اعتمادها)([137]). وقال في قضية تحديد الصاع والمد :( وفي الصاع أربعة أمداد والمد ملء اليدين المتوسطتين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين ، وهذا تقريب فيه تسهيل على الناس في هذا الأمر العام ، ليس فيه تشديد بالنقير والقطمير والحبة والقمحة فلا تكن من المتنطعين ) ([138]). كما أنه أفتى أيضا فيما يعد من نوازل على ضوء التخريج والنظر في التكييف الشرعي لها ، فلما طرح عليه سؤال استعمال دواء منع الحمل بسبب الضعف، أرجعها إلى أصل العزل الذي اختلف فيه بين المنع والكراهة والجواز بشرط الإذن، وقد ألحقه الشيخ بمشهور المذهب المالكي وقال :( فيقاس عليه شرب الدواء لمنع الولادة فيجوز ما لا يلحق ضررا بالجسم إذا كان بإذن الزوج لأن له حقا في الولد، وإذا كانت ضعيفة عن الولادة فلا تتوقف على إذنه ) ([139]). ومما نظر فيه من النوازل قضية كراء الأسواق أو ثمن الدخول إليها الذي عرف عند العامة بالمكوس فقد أجازه الشيخ ولم يعتبره ضريبة أو مكسا كما هو اسمه عند العامة وقال :( نظيره من اكترى اصطبلا ثم يأخذ على أرباب المواشي أجرة بقاء مواشيهم في اصطبله مدة محدودة ) ([140]). ولما اعترض عليه من أصر على أنه مكس محرم بيَّن له وجه الفرق بين الأمرين من وجهين، أحدهما أن المال المأخوذ يكون محرما في حالة ما إذا كان السوق ملكا مشاعا ، بخلاف ما إذا كان ملكا لبلدية أو غيرها فهي تكريه للناس مقابل ما تقدمه من أعمال التنظيف والحراسة وغيرها ، والثاني منها أن المكتري لا يلاحظ إلا المدة المعلومة التي تبقى فيها السلع داخل السوق ولا ينظر هل باع وكم باع فهذه إجارة صحيحة، بخلاف صاحب المكس أو الضريبة الذي يجعلها على السلعة الداخلة إلى السوق أو المبيعة([141]). يتبع إن شاء الله........ |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
المبحث السابع : إصلاح منهج التعليم والعمل على تصفية الفقه http://upload.arabia4serv.com/images...7839198439.gif ومن الأمور العملية والخصائص العلمية التي تتميز بها الدعوة السلفية المعاصرة الدعوة إلى تصفية العلوم الشرعية، مما دخلها من مذاهب محدثة ومناهج مخترعة ومنحرفة ، وما حوته من آراء شاذة وضعيفة ، وعلى رأس هذه العلوم العقيدة ثم الفقه الإسلامي، ولا شك أن عملية التصفية ليست مما يقوم به فرد من الأفراد أو عالم من العلماء ولو في علم واحد من العلوم، لذلك فإن أكثر علماء ومجددي العصر الحديث سعوا إلى إيجاد الأجواء المساعدة على ذلك كالدعوة إلى إحياء روح البحث والاجتهاد والترجيح، والنظر في تصحيح الأحاديث وتضعيفها، وكذلك الدعوة إلى تجديد مناهج التعليم التي درج عليها المتأخرون بإصلاح الطرائق وتغيير الكتب المقررة وجعلها توافق الفكر السلفي في جميع أبعاده، وبعد أن مرَّ زمن غير قصير على هذه الدعوات تجسد ذلك في البرامج التي تبنتها الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، ثم في ظهور الدراسات الحديثة في ميدان الفقه والأصول والحديث وغيرها، وإن هذا من الأمور التربوية التي تضمن البقاء للمنهج السلفي وتجسِّد أصوله عمليا، ويضمن عدم ارتباط المنهج بفكر جماعة معينة فيزول بزوالهم ، والشيخ ابن باديس كان من الرجال الأفذاذ الذين تنبهوا إلى أن بداية الإصلاح تكون بإصلاح التعليم وأساليبه ومقرراته فدعا جهرة وصراحة إلى ضرورة التغيير فقال رحمه الله تعالى في موضع : (لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم ، فإنما العلماء من الأمة بمثابة القلب ، إذا صلح صلح الجسد كله ، وإذا فسد فَسد الجسد كله وصلاح المسلمين إنما هو بفقههم الإسلام وعلمهم به، وإنما يصل إليهم هذا على يد علمائهم ، فإذا كان علماؤهم أهل جمود في العلم وابتداع في العمل فكذلك المسلمون يكونون فإذا أردنا الصلاح للمسلمين فلنصلح علماءهم ، ولن يصلح العلماء إلا إذا صلح تعليمهم …ولن يصلح هذا التعليم إلا إذا رجعنا به إلى التعليم النبوي في شكله وموضوعه وصورته فيما كان يعلم r وفي صورة تعليمه ) ([142]). ولكنه لم يكن مستعجلا ذلك لعلمه بأن الأمر يستدعي اقتناعا جماعيا وعملا جبارا لا تنهض به إلا أمة من العلماء تتخصص في هذا الباب ، ولقد انتقد الشيخ في أحد مقالاته الوضع التعليمي الذي كان سائدا في زمانه لانحرافه عما كان عليه السلف الصالح شكلا ومضمونا، وقد حاول الإصلاح حسب ما قدر عليه، واقترح على غيره في عدة مناسبات تغيير هذه المناهج ، ولكن الأمر لم يكن بالهين ولا بالسهل، فإن ما أفسد خلال قرون لا يمكن إصلاحه في ساعات أو سنوات، قال الشيخ رحمه الله تعالى بعد تصوير موجز لحال التعليم في عصر النبوة والسلف الصالح:( هذا هو التعليم الديني السني السلفي، فأين منه تعليمنا نحن اليوم وقبل اليوم منذ قرون وقرون؟ فقد حصلنا على شهادة العالمية من جامع الزيتونة ونحن لم ندرس آية واحدة من كتاب الله ولم يكن عندنا أي شوق أو أدنى رغبة في ذلك، ومن أين يكون لنا هذا ونحن لم نسمع من شيوخنا يوما منزلة القرآن من تعلم الدين والتفقه فيه ولا منزلة السنة النبوية من ذلك . هذا جامع الزيتونة فدع عنك الحديث عن غيره مما هو دونه بمديد مراحل. فالعلماء إلا قليلا منهم أجانب أو كالأجانب من الكتاب والسنة من العلم بهما والتفقه فيهما، ومن فطن منهم لهذا الفساد التعليمي الذي باعد بينهم وبين العلم بالدين وحملهم وزرهم ووزر من في رعايتهم، لا يستطيع إذا كانت له همة ورغبة أن يتدارك ذلك إلا في نفسه، أما تعليمه لغيره فإنه لا يستطيع أن يخرج فيه عن المعتاد الذي توارثه الآباء والأجداد رغم ما يعلم ما فيه من فساد وإفساد)([143]). والشيخ رحمه الله تعالى مع أنه لم يعمر طويلا ومع كثرة أشغاله فقد أسهم في هذا المضمار بما لا ينبغي أن يستهان به ويكفيه اعتماده في دروسه العامة على تفسير القرآن تفسيرا مستقلا عن أي كتاب من كتب المتأخرين، وشرحه للموطأ بالطريقة نفسها، وهو وإن لم يؤلف كتابا في الفقه الذي هو المقصود أساسا بالكلام هنا فشرحه للموطأ يعتبر من مظاهر التجديد لأن الموطأ كتاب فقه وحديث في آن واحد([144]) وكذلك قد ترك لنا الشيخ إملاء مختصرا في علم الأصول وهو مع صغر حجمه يدل على فكرٍ متحررٍ وعلى نظرة تجديدية للعلم، ويكفيه فخرا في هذا أنه صنف مختصرا لنفسه ولم يعمد إلى طريقة المتأخرين التي تعتمد شرح المتون الرائجة أو تدوين الحواشي على شروحها المنتشرة، وقد تجنب الشيخ في هذا المختصر كل ما ينتقد على تلك المختصرات الشائعة عند المتأخرين من إدخال المسائل الفرضية التي لا حاجة إليها والعقلية الكلامية وربما الفقهية أيضا، ولم يتقيد أيضا بألفاظ التعاريف التي يطول الجدل في جدواها ومحترزاتها، واعتمد على عنصر التمثيل الذي يكاد يكون مفقودا في أكثرها، ولقد كان مجددا حتى في الأسلوب والعبارة فرحمه الله رحمة واسعة، واسمع إليه وهو يتحدث عما أحدثه في واقعه من تغيير قال رحمه الله :(وأحدثنا تغييرا في أساليب التعليم ، وأخذنا نحث على تعلم جميع العلوم باللسان العربي …، ونحبب الناس في فهم القرآن ، وندعو الطلبة إلى الفكر والنظر في الفروع الفقهية والعمل على ربطها بأدلتها الشرعية ، ونرغبهم في مطالعة كتب الأقدمين ومؤلفات المعاصرين ، لما قمنا بهذا وأعلناه قامت علينا وعلى من وافقنا قيامة أهل الجمود والركود وصاروا يدعوننا للتنفير منا عبداويين دون أن أكون والله يوم جئت قسنطينة قرأت كتب الشيخ محمد عبده إلا القليل ) ([145]). [143]/ الآثار (4/76). [144]/ قال الشيخ مبارك الميلي وهو يصف منهج ابن باديس في التدريس :« التعليم المسجدي وهو للطلبة والعامة، فأما العامة فكانوا يحضرون للمسجد إما لطلب الاعتقادات من كتب الكلام أمثال صغرى السنوسي ، وإما لمعرفة العبادات من كتب الفقه كابن عاشر وخليل ، وفي هذا الدور أصبحوا يحضرون لمعرفة الاعتقادات من آيات الله ، ولمعرفة العبادات من كتب السنة كالموطأ ، ولمعرفة الشمائل من شمائل الترمذي أو الشفا ، ولسماع العظات من القرآن والحديث ، فالتعليم المسجدي اليوم يقوم على الكتاب والسنة من غير أن يحارب كتب الكلام والفقه ، وإنما يحارب كتب المناقب والرقائق المحشوة بالموضوعات والأساطير ، والتعليم المسجدي ليس بجديد وإنما الجديد فيه دراسة الكتاب والسنة وتوجيه العامة إليهما في اعتقاداتها وعباداتها وسلوكها. أما الطلبة المسجديون فقد نظموا في هذا الدور تنظيما يميز كل طبقة من أخرى ، ويعطيها من المعلومات ما يناسبها ، ولا تزال مادة تعليمه المتن والشرح غالبا ، لكن أسلوبه لم يبق على ما كان عليه ، فقد صار المعلم يشرح المسألة العلمية مستقلة ثم يعود إلى عبارة المؤلف لينزلها عليها ويبين وفاءها أو قصورها » الشيخ مبارك الميلي لمحمد الميلي (183-184). يتبع إن شاء الله.......... |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
ولأهل السنة في باب السلوك أو التزكية- الذي يجمع بين أبواب العبادات والقربات والآداب والأخلاق- عدة أصول تميزهم عن غيرهم ممن انحرف عن طريق السلف فيه، اقتصرت منها أيضا على الأصول المتعلقة بمصادر التلقي إضافة إلى قواعد أخرى تتعلق بالبدعة بمفهومها وعموم ذمها وما يدخل فيها وما لا يدخل. 1-المصادر المعتبرة في السلوك الصحيح ( أخلاقا وعبادة ) هي الكتاب والسنة الصحيحة وعمل السلف الصالح([146]). 2-لا اعتبار في هذا الباب أو غيره بالإلهام المجرد أو الكشف أو الذوق أو التحسين العقلي أو غير ذلك([147]). 3-عدم اعتماد الضعيف من الأحاديث ولا غيره من الأخبار في إثبات العبادات، وليس معنى ذلك الجزم بعدم روايته في فضائل الأعمال الثابتة لأن هذه مسألة خلافية بين أهل السنة([148]). 4-اجتناب العبادات المبتدعة وهي كل ما لم يقم دليل على شرعيته ، سواء كان معتمد أصحابه تقليدا أو كشفا أو حديثا ضعيفا أو تخصيصا لما ثبت أصله بلا مخصص([149]). 5-أن البدع الدينية كلها ضلالة ليس فيها حسن ولا مباح([150]). 6- أن النظر في المصالح يختص بغير أبواب التعبدات([151]). 7-إبطال منهج أهل الطرق الصوفية جملة وتفصيلا لمخالفاته الاعتقادية والسلوكية([152]). المبحث الأول : مصادر تلقي السلوك هي الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح http://upload.arabia4serv.com/images...7839198439.gif لا يختلف باب السلوك عند أهل السنة عما تقدم ذكره من أبواب من حيث المصادر، فإن الحجة فيه هي الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح ، وهم يعتقدون أن في الشرع كفاية وغنى عما سواه ، يقول الشيخ ابن باديس وهو يدعو إلى الرجوع إلى هدي القرآن في هذا الباب وينتقد الأوضاع الصوفية الغالية التي كانت سائدة في زمانه:(بيَّن القرآن مكارم الأخلاق ومنافعها ومساوئ الأخلاق ومضارها وبيَّن السبيل للتخلي عن هذه للتحلي بتلك مما يحصل به الفلاح بتزكية النفس والسلامة من الخيبة بتدسيتها، فهجرنا ذلك كله ووضعنا أوضاعا من عند أنفسنا واصطلاحات من اختراعاتنا خرجنا في أكثرها عن الحنيفية السمحة إلى الغلو والتنطع وعن السنة البيضاء إلى الإحداث والتبدع وأدخلنا فيها النسك الأعجمي والتخييل الفلسفي ، ما أبعدها غاية البعد عن روح الإسلام« ([153]). وقال وهو يتحدث عن أفضل الذكر وأنه في الثابت من الأذكار ما يغني عما أحدثه أهل الطرق :( وقد روى عنه الأئمة من أذكار اليوم والليلة وسائر الأذكار ما فيه الكفاية والشفاء )([154]). ومعلوم أنَّ من أُسُس بدعة الطرق تحديد الأذكار المخترعة وتوقيتها بأوقات وأعداد معينة وإلزام أتباع الطريقة بها ، والشيخ في هذا النص قد أبطل هذا الأساس إذ أعلن أن في المروي عن النبي صلى الله عليه و سلم من الأذكار ما يغني ويكفي عما سواه. وقال رحمه الله وهو يحكي ما كان يجري في رحلة له في الغرب الجزائري :( فكنا نجيب بأن ما كان من باب تزكية النفس وتقويم الأخلاق والتحقيق بالعبادة والإخلاص فيها فهو التصوف المقبول ، وكلام أئمته فيه ككلام سائر أئمة الإسلام في علوم الإسلام لابد من بنائه على الدلائل الصحيحة من الكتاب والسنة ، ولابد من الرجوع عند التنازع فيه إليهما وكنت أذكر ما يوافق هذا من كلام أئمة الزهد المتقدمين كالجنيد وأضرابه)([155]). [146]/ قال ابن تيمية في المجموع (10/362-363) :( فالعلم المشروع والنسك المشروع مأخوذ عن أصحاب رسول الله وأما ما جاء عمن بعدهم، فلا ينبغي أن يجعل أصلا وإن كان صاحبه معذورا، بل مأجورا لاجتهاد أو تقليد، فمن بنى الكلام في العلم الأصول والفروع على الكتاب والسنة والآثار المأثورة عن السابقين فقد أصاب طريق النبوة، وكذلك من بنى الإرادة والعبادة والعمل والسماع المتعلق بأصول الأعمال وفروعها من الأحوال القلبية والأعمال البدنية على الإيمان والسنة والهدى الذي كان عليه محمد وأصحابه فقد أصاب طريق النبوة وهذه طريق أئمة الهدى ) . [147]/ قال ابن القيم في مدارج السالكين (1/494-495):» القاعدة الأولى : أن الذوق والحال والوجد هل هو حاكم أو محكوم عليه فيحكم عليه بحاكم آخر أو ويتحاكم إليه؟ فهذا منشأ ضلال من ضل من المفسدين لطريق القوم الصحيحة، حيث جعلوه حاكما فتحاكموا إليه فيما يسوغ ويمتنع، وفيما هو صحيح وفاسد، وجعلوه محكا للحق والباطل فنبذوا لذلك موجب العلم والنصوص، وحكموا فيها الأذواق والأحوال والمواجيد فعظم الأمر وتفاقم الفساد والشر، وطمست معالم الإيمان والسلوك المستقيم وانعكس السير، وكان إلى الله فصيروه إلى النفوس، فالناس المحجوبون عن أذواقهم يعبدون الله وهؤلاء يعبدون نفوسهم )، وانظر المدارج (2/70-71) و(2/334). [148]/ قال ابن تيمية في المجموع (18/65-66):( وكذلك ما عليه العلماء من العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، ليس معناه إثبات الاستحباب بالحديث الذي لا يحتج به فإن الاستحباب حكم شرعي ، فلا يثبت إلا بدليل شرعي، ومن أخبر عن الله أنه يحب عملا من الأعمال من غير دليل شرعي فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، كما لو أثبت الإيجاب أو التحريم، ولهذا يختلف العلماء في الاستحباب كما يختلفون في غيره ، بل هو أصل الدين المشروع، وإنما مرادهم بذلك أن يكون العمل مما قد ثبت أنه مما يحبه الله أو مما يكرهه الله بنص أو إجماع، كتلاوة القرآن والتسبيح والدعاء والصدقة والعتق والإحسان إلى الناس، وكراهة الكذب والخيانة ونحو ذلك فإذا روى حديث في فضل بعض الأعمال المستحبة وثوابها وكراهة بعض الأعمال وعقابها فمقادير الثواب والعقاب وأنواعه إذا روى فيها حديث لا نعلم أنه موضوع جازت روايته والعمل به بمعنى أن النفس ترجو ذلك الثواب أو تخاف ذلك العقاب كرجل يعلم أن التجارة تربح لكن بلغه أنها تربح ربحا كثيرا فهذا إن صدق نفعه وإن كذب لم يضره ومثال ذلك الترغيب والترهيب بالإسرائيليات والمنامات وكلمات السلف والعلماء ووقائع العلماء ونحو ذلك مما لا يجوز بمجرده إثبات حكم شرعي لا استحباب ولا غيره). [149]/ قال ابن تيمية (1/ 160) :( وفيهم من ينظم القصائد في دعاء الميت والاستشفاع به والاستغاثة أو يذكر ذلك في ضمن مديح الأنبياء والصالحين، فهذا كله ليس بمشروع ولا واجب ولا مستحب باتفاق أئمة المسلمين، ومن تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة، فهو ضال مبتدع بدعة سيئة لا بدعة حسنة باتفاق أئمة الدين، فإن الله لا يعبد إلا بما هو واجب أو مستحب، وكثير من الناس يذكرون في هذه الأنواع من الشرك منافع ومصالح، ويحتجون عليها بحجج من جهة الرأي أو الذوق أو من جهة التقليد والمنامات ونحو ذلك ) وقال في اقتضاء الصراط المستقيم (314-315) :( فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها ولم تستحب الشريعة ذلك، فهو من المنكرات وبعضه أشد من بعض، سواء كانت البقعة شجرة أو غيرها أو قناة جارية أو جبلا أو مغارة، وسواء قصدها ليصلي عندها أو ليدعو عندها أو ليقرأ عندها أو ليذكر الله سبحانه عندها أو لينسك عندها، بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينا ولا نوعا ) . [150]/ قال ابن تيمية في الاقتضاء (269-271):( ولهذا كان الأصل الذي بنى الإمام أحمد وغيره من الأئمة عليه مذاهبهم أن أعمال الخلق تنقسم إلى عبادات يتخذونها دينا ينتفعون بها في الآخرة أو في الدنيا والآخرة، وإلى عادات ينتفعون بها في معايشهم، فالأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله، والأصل في العادات أن لا يحظر منها إلا ما حظره الله،… واعلم أن هذه القاعدة وهي الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته قاعدة عامة عظيمة، وتمامها بالجواب عما يعارضها، وذلك أن من الناس من يقول البدع تنقسم إلى قسمين حسنة وقبيحة بدليل قول عمر t في صلاة التراويح نعمت البدعة هذه، وبدليل أشياء من الأقوال والأفعال أحدثت بعد رسول الله e وليست بمكروهة أو هي حسنة، للأدلة الدالة على ذلك من الإجماع أو القياس، … ثم هؤلاء المعارضون لهم هنا مقامان، أحدهما أن يقولوا إذا ثبت أن بعض البدع حسن وبعضها قبيح فالقبيح ما نهانا عنه الشارع أما ما سكت عنه من البدع فليس بقبيح بل قد يكون حسنا فهذا مما قد يقوله بعضهم، المقام الثاني أن يقال عن بدعة سيئة هذه بدعة حسنة، لأن فيها من المصلحة كيت وكيت، وهؤلاء المعارضون يقولون ليست كل بدعة ضلالة، والجواب أن القول أن شر الأمور محدثاتها وأن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، والتحذير من الأمور المحدثات، فهذا نص رسول الله e فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع ومن نازع في دلالته فهو مراغم) . [151]/ قال الشاطبي في الاعتصام (2/627)-دار ابن عفان-:( فهذه أمثلة عشرة توضح لك الوجه العملي في المصالح المرسلة ، وتبين لك اعتبار أمور : أحدها الملائمة لمقاصد الشرع بحيث لا تنافي أصلا من أصوله ، ولا دليلا من دلائله ، والثاني أن عامة النظر فيها إنما هو فيما غفل معناه وجرى على وفق المناسبات المعقولة التي إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول ، فلا مدخل لها في التعبدات ، ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية ، لأن عامة التعبدات لا يعقل معناها على التفصيل ، كالوضوء والصلاة والصيام في زمن مخصوص دون غيره ، والحج ونحو ذلك « وقال (2/633):» وإذا تقررت هذه الشروط علم أن البدع كالمضاد للمصالح المرسلة لأن موضوع المصالح المرسلة ما عقل معناه على التفصيل ، والتعبدات من حقيقتها أن لا يعقل معناها على التفصيل )وانظر حقيقة البدعة لسعيد بن ناصر الغامدي (2/184-185). [152]/ قال ابن تيمية في المجموع (11/15):( فمن جعل طريق أحد من العلماء والفقهاء، أو طريق أحد من العباد والنساك أفضل من طريق الصحابة فهو مخطئ ضال مبتدع)، وقال (10/340-341):» فمحمد أرسل إلى كل أحد من الإنس والجن كتابيهم وغير كتابيهم، في كل ما يتعلق بدينه من الأمور الباطنة والظاهرة، في عقائده وحقائقه وطرائقه وشرائعه، فلا عقيدة إلا عقيدته، ولا حقيقة إلا حقيقته ، ولا طريقة إلا طريقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا يصل أحد من الخلق إلى الله وإلى رضوانه وجنته وكرامته، وولايته إلا بمتابعته باطنا وظاهرا في الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة … وليس لله ولى إلا من اتبعه باطنا وظاهرا فصدقه فيما أخبر به من الغيوب والتزم طاعته فيما فرض على الخلق من أداء الواجبات وترك المحرمات، فمن لم يكن له مصدقا فيما أخبر، ملتزما طاعته فيما أوجب وأمر به في الأمور الباطنة التي في القلوب، والأعمال الظاهرة التي على الأبدان، لم يكن مؤمنا فضلا عن أن يكون وليا لله « وقال (22/524):» فإن الدعاء من أفضل العبادات، وقد نهانا الله عن الاعتداء فيه، فينبغي لنا أن نتبع فيه ما شرع وسن، كما أنه ينبغي لنا ذلك في غيره من العبادات، والذي يعدل عن الدعاء المشروع إلى غيره، وإن كان من أحزاب بعض المشائخ الأحسن له أن لا يفوته الأكمل الأفضل ، وهى الأدعية النبوية، فإنها أفضل وأكمل باتفاق المسلمين من الأدعية التي ليست كذلك، وإن قالها بعض الشيوخ، فكيف يكون في عين الأدعية ما هو خطأ أو إثم أو غير ذلك. ومن أشد الناس عيبا من يتخذ حزبا ليس بمأثور عن النبي e ، وإن كان حزبا لبعض المشائخ ويدع الأحزاب النبوية التي كان يقولها سيد بنى آدم وإمام الخلق وحجة الله على عباده والله أعلم ) . [153]/ الآثار (1/250). [154]/ الآثار (1/32). [155]/ الآثار (4/261) وقال بعدها :( إن بعض الشيوخ المنتمين إلى الطريق لما سمعني أستدل بكلام الجنيد على لزوم وزن الأعمال والأقوال والأحوال والفهوم بالكتاب والسنة قال لي وما الجنيد إلا واحد من الناس . وما صار الجنيد واحدا من الناس إلا يوم استدللت بكلامه ) . يتبع إن شاء الله.......... |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
المبحث الثاني : إبطال الاحتجاج بالإلهام المجرد أو الكشف أو الذوق http://upload.arabia4serv.com/images...7839198439.gif ومع التصريح بالاعتماد على الأدلة الثلاثة في باب السلوك، فإن أهل السنة يصرحون أيضا ببطلان طريق من خالف في ذلك وأحدث واعتمد من المصادر ما لم يأذن به الله فكما صرحوا ببطلان المنهج الكلامي في الاعتقاد وبطلان التقليد في الفقه، فقد صرحوا بأنه لا اعتبار في هذا الباب لا بدعوى الكشف والإلهام ولا بالذوق والاستحسان، ولا غيرها من الطرائق المبتدعة التي لم يأذن بها الله تعالى، ومن كلام الشيخ ابن باديس رحمه الله في هذا السياق قوله في الرد على أحد المتصوفة : ( لما كتبنا في الجزء الماضي في تحقيق العبادة الشرعية تحرينا الاستدلال بالكتاب والسنة وهدي الصحابة ، لأن المسألة مسألة دينية وهذه هي مآخذها ، ولأنها جرى فيها خلاف والله تعالى يقول :'' فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً '' (النساء59). فقال أحد الكاتبين في جريدة أتى البيوت من ظهورها ، فسمى استدلالنا بالكتاب والسنة وهدي الصحابة إتيانا للبيوت من ظهورها وهي كلمة مصادمة للآية القطعية المتقدمة وغيرها ، ولعل الكاتب لم يتفهمها ولم يدر ما مقتضاها وإلا فما كان لمسلم أن يقولها، ثم إذا كان الكتاب والسنة وهدي سادات الأمة ظهورا للبيوت ، فما هي يا صوفي الزمان أبوابها ) ([156]). فلا استدلال عنده إلا بهذه الثلاثة المذكورة أما أقوال المتصوفة وأذواقهم ومواجيدهم فلا عبرة بها . وقد صرح في موضع بأن الشرع لا يؤخذ من المنام كما أن الزعم بأن الله تعالى يُعلم الناس أحكاما جديدة عن طرقه فيه اتهام للرسول r بكتمان الهدي واتهام للشرع بالنقص، قال رحمه الله وهو ينتقد أصول الطريقة التيجانية :( فمن اعتقد أن صلاة الفاتح علمها النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب الطريقة التيجانية دون غيره كان مقتضى اعتقاده هذا أنه مات ولم يبلغ وهذا كفر ، فإن زعم أنه علمه إياها في المنام فالإجماع على أنه لا يؤخذ من الدين في المنام مع ما فيه من الكتم وعدم التبليغ المتقدم) ([157]). وإذا كان ادعاء الرؤية فيه اتهام للدين والرسول فحكم الكشف ودعوى الإلهام لا يختلف عنده. [156]/ الآثار (5/108). [157]/ الآثار (3/316). يتبع إن شاء الله........... |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
المبحث الثالث : التزام الصحة في إثبات العبادات http://upload.arabia4serv.com/images...7839198439.gif وكما سبق فإنه لا يجوز عند أهل الحق أن يعتمد في الدين إلا على ما صح عن الرسول عليه الصلاة و السلام سواء في العقيدة أو الفقه، فإن شأن قضايا السلوك لا يختلف عن غيره من أبواب الدين فلا يجوز إثبات أي عبادة من العبادات ولا إثبات أي أصل من الأصول فيه إلا بما كان ثابتا عن الرسول صحيحا أو حسنا عن أهل الحديث ، واسمع إلى الشيخ وهو يتقصد النصح والتنبيه على أنه لا يجوز أن يعتمد كل ما جاء في كتاب حلية الأولياء اغترارا بكون مصنفه محدثا وأن موضوعه السلوك والفضائل، فقال رحمه الله :( ذكرنا هذا الحديث الموضوع الذي رواه أبو نعيم في كتابه حلية الأولياء لننبه على وضعه ونحذر قراء الحلية - وقد طبعت منها أجزاء – من الاعتماد على كل ما فيها ، فإن كثيرا من المنتسبين إلى العلم يغترون باسم الكتاب واسم مؤلفه فيتناولون كل ما فيه من الأحاديث بالقبول والتسليم كأنه ثابت صحيح مع أننا نجد فيه هذا الحديث الموضوع الذي قال فيه ابن الجوزي ما قال) ([158]). وقال رحمه الله في موضع آخر تحت عنوان تحذير:( يجري على الألسنة ما رواه الطبراني في الأوسط عن عائشة مرفوعا :" لا تنزلوهن الغرف ولا تعلمونهم الكتابة وعلموهن الغزل وسورة النور " قال الشوكاني : في سنده محمد بن إبراهيم الشامي قال الدارقطني كذاب ، وكثيرا ما تكون هذه الأخبار الدائرة على الألسنة باطلة في نفسها معارضة لما صح في غيرها فيجب الحذر منها ) ([159]). وقضية التحذير من اعتماد كل ما يروى وكل ما هو متداول في الكتب والألسنة أمر متكرر في كتابات الشيخ رحمه الله تعالى مما يدلنا على شدة اعتنائه به وعلى أنه كان مظهرا من مظاهر التجديد التي تميز بها ، ولا يدعي أحد أن الشيخ كان محدثا ناقدا كما لا يزعم أحد أن التثبت من الصحة والتزامها لا يكون إلا من محدث ، فالشيخ رحمه الله لا يقول للناس كونوا محدثين، ولكن كان يقول لهم عليكم أن تتبينوا بالرجوع إلى أهل الاختصاص وإلى الكتب المصنفة في نقد الأحاديث وفي التصحيح والتعليل، وقد حمَّل أهل العلم والخطباء المسؤولية عن انتشار الأحاديث الموضوعة في الأمة فقال رحمه الله تعالى :( من قلة الاحتياط في الدين وعدم الاحترام للعلم ما يجري على ألسنة كثير من الناس من قولهم :" قال رسول الله " صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، دون معرفة للحديث عند أهله، ومصيبة بعض المتسمين بالعلم والقائمين بالخطب الجمعية في هذا أشد وأضر لتعديها منهم إلى غيرهم ونشرهم الموضوعات الكثيرة في الناس ، ولا يكفيهم أنهم سمعوا أو وجدوا فقالوا ، فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع " رواه مسلم في مقدمة صحيحه([160]) ، والكذب على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عظيم ، والتحري فيما دونه واجب فكيف به ) ([161]). ومما ينبغي التذكير به في هذا الموضع أن التساهل في الفضائل والترغيب والترهيب الذي أجازه كثير من علماء أهل السنة من السلف والخلف لا يتنافى مع ما ذكرنا لأن الجواز عندهم مقيد بعدم تشريع عبادة جديدة كما هو مشروط بأن لا يكون الضعف شديدا ، وكثير من المتأخرين قد أهمل القيد وتخطى الشرط فوقع في المحذور ، والشيخ رحمه الله كان ممن يرى جواز رواية الضعيف في هذا الباب ولم يهمل أن ينبه إلى ضوابط ذلك التي أشرنا إليها فقال في موضع :( لا نعتمد في إثبات العقائد والأحكام على ما ينسب للنبي r من الحديث الضعيف لأنه ليس لنا به علم ، فإذا كان الحكم ثابتا بالحديث الصحيح مثل قيام الليل ثم وجدنا حديثا في فضل قيام الليل بذكر ثواب عليه مما يرغب فيه جاز عند الأكثرين أن نذكره مع التنبيه على ضعفه الذي لم يكن شديدا على وجه الترغيب ، ولو لم يكن الحكم قد ثبت لما جاز الالتفات إليه وهذا هو معنى قولهم الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال أي في ذكر فضائلها المرغبة فيها لا في أصل ثبوتها. فما لم يثبت بالدليل الصحيح في نفسه لا يثبت بما جاء من الحديث الضعيف في ذكر فضائله باتفاق أهل العلم أجمعين)([162]). فتأمل نقله للاتفاق على أن ما لم يكن ثابتا أصله في الشرع لم يجز أن يروى في فضله حديث وقبله اشتراطه أن الضعف ينبغي أن لا يكون شديدا . وقد أكد ما رآه عمليا حينما كتب في تضعيف حديث قراءة يس على الأموات الذي يزعم كثير من الناس جهلا أنه وارد في فضائل الأعمال ([163]). ونختم هذا المبحث بكلمة للشيخ في هذا الباب انتقد فيها حال الخطب الجمعية في زمانه وما فيها من مخالفات، فقال رحمه الله :( أكثر الخطباء في الجمعات اليوم في قطرنا يخطبون الناس بخطب معقدة مسجعة طويلة من مخلفات الماضي لا يراعى فيها شيء من أحوال الحاضر وأمراض السامعين تلقى بترنم وتلحين أو غمغمة وتمطيط ، ثم كثيرا ما تختتم بالأحاديث المنكرات أو الموضوعات . هذه حال بدعية في شعيرة من أعظم الشعائر الإسلامية سد بها أهلها بابا عظيما من الخير فتحه الإسلام وعطلوا بها الوعظ والإرشاد وهو ركن عظيم من أركان الإسلام )([164]). [158]/ الآثار (3/49-50). [159]/ الآثار (3/62). [160]/ مسلم (5). [161]/ الآثار (2/119). [162]/ الآثار (1/143). [163]/ الآثار (3/300). [164]/ الآثار (1/71). يتبع إن شاء الله........... |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
من الأصول القطعية والمشهورة أيضا عند أهل السنة اجتناب العبادات المبتدعة، بل إعلان الحرب عليها حيث أمكن ذلك ، والبدعة في الدين هي كل ما لم يقم دليل على شرعيته سواء كان في جانب الأعمال غير الثابتة في الشرع، أو في جانب كيفيات الأعمال الثابتة، أو جانب تخصيصها بالأزمنة والأمكنة، ومهما كان مستند صاحبها ما دام لم يدل على شرعيتها الكتاب والسنة أو إجماع سلف الأمة، وهم يعتبرون الابتداع في الدين ضربا من الاستدراك على الشرع واتهامه بالنقص والحاجة إلى غيره ليكمله، لأن أدلة الشرع نفسها قد أعربت عن استغنائها عن غيرها، وأنها كافية لمن أراد سبيل الهدى، وقد قال الشيخ ابن باديس رحمه الله وهو يقرر هذا المعنى ويحذر من سلوك طريق الابتداع في الدين:( من أبين المخالفة عن أمره وأقبحها الزيادة في العبادة التي يتعبد لله بها على ما مضى من سنته فيها ، وإحداث محدثات على وجه العبادة في مواطن مرت عليه ولم يتعبد بمثل ذلك فيها ، وكلا هذين زيادة وإحداث مذموم، يكون مرتكبه كمن يرى أنه اهتدى إلى طاعة لم يهتد إليها رسول الله صلى الله عليه و سلم وسبق إلى فضيلة قصر رسول الله r عنها، وكفى بهذا وحده فتنة وبلاء )([165]). وقد أعلن الشيخ أن من ركائز دعوته محاربة البدع كما صرح أن الابتداع هو سبب تخلف المسلمين وانحرافهم عن الدين الذي به سعادتهم وعزهم في الدنيا قبل الآخرة فقال رحمه الله :( ونقاوم كل معوج من الأخلاق وفاسد العادات ، ونحارب على الخصوص البدع التي أدخلت على الدين الذي هو قوام الإخلاص فأفسدته، وعاد وبال ذلك الفساد علينا ، وتأخرنا من حيث يكون تقدمنا وسقطنا بما لا نرتفع إلا به) ([166]). وأعظم البدع نكارة بدع العقائد العملية التي تصب في معنى الشرك الأكبر والأصغر لذلك فقد كان تركيز الشيخ عليها أكثر من غيرها ، قد قال الشيخ رحمه الله في ذمها :( من الناس من يخترع أعمالا من عند نفسه ويتقرب بها إلى الله، مثل ما اخترع المشركون عبادة الأوثان بدعائها والذبح عليها والخضوع لديها ، وانتظار قضاء الحوائج منها ، وهم يعلمون أنها مخلوقة لله مملوكة له ، وإنما يعبدونها – كما قالوا – لتقربهم إلى الله زلفى ،…وكما اخترع طوائف من المسلمين الرقص والزمر والطواف حول القبور والنذر لها والذبح عندها ونداء أصحابها وتقبيل أحجارها ونصب التوابيت عليها وحرق البخور عندها وصب العطور عليها ، فكل هذه اختراعات فاسدة في نفسها لأنها ليست من سعي الآخرة الذي كان يسعاه محمد r وأصحابه من بعده فساعيها موزور غير مشكور)([167]). ومفهوم البدعة عند الشيخ ابن باديس يشمل أيضا ما كان في العبادات ولو كان على سبيل التخصيص لما كان مشروعا متفقا على مشروعيته، فقد قال رحمه الله تعالى عن تخصيص زيارة القبور بوقت معين:( وكذلك التزامها في وقت مخصوص بشكل مخصوص كما تلتزم الطاعات التي فرضها الشارع وجعل لها أوقاتا، فإن هذا ليس مما يتسع له صدر الدين ، ولا مما كان في عهد السلف الصالحين، ولا سيما مع التكلف الذي كثر من يرتكبه بإلزام وبغير إلزام ) ([168]). وقال في موضع آخر:« إن ما ورد من العبادة مقيدا بقيده يلتزم قيده، وما ورد منها مطلقا يلتزم إطلاقه ، فالآتي بالعبادة المقيدة دون قيدها مخالف لأمر الشرع ووضعه، والآتي بالعبادة المطلقة ملتزما فيه ما جعله بالتزامه كالقيد مخالف كذلك لأمر الشرع ووضعه وهو أصل في جميع العبادات »([169]).وقال رحمه الله تعالى عن تخصيص قراءة القرآن بمواضع لم يرد فيها نص شرعي : ( بعد أن ثبت أن قراءة القرآن العظيم في تلك المواضع بدعة ، وأنها مكروهة فهل هي كراهة تنزيه أو تحريم ؟ ذهب الشاطبي إلى أن الكراهة حيثما عبر بها في البدعة فهي كراهة تحريم على تفاوت مراتبها في ذلك وساق على ذلك جملة من الأدلة الكافية في الباب السادس من كتابه الاعتصام)([170]). ومن الشبهات التي يتمسك بها محسنو البدع أن يسألوا عن دليل منع العبادة المشروعة على وجه مخصوص ، وذلك جهلا منهم أن السنة قسمان سنة فعلية وسنة تركية، وأنه كما يصح الاستدلال بفعل النبي صلى الله عليه و سلم يصح الاستدلال بتركه للشيء والعمل حيث كان المقتضي قائما، وفي تقرير هذا المعنى يقول ابن باديس رحمه الله : (الاستدلال بترك النبي صلى الله عليه و سلم أصل عظيم في الدين ، والعمل النبوي دائر بين الفعل والترك ، ولهذا تكلم علماء الأصول على تركه كما تكلموا على فعله ، وقد ذكرنا جملة من كلامهم فيما قدمنا ، غير أن تقرير هذا الأصل الذي يهدم بدعا كثيرة من فعل ما تركه النبي صلى الله عليه و سلم مما يتأكد مزيد تثبيته وبيانه ، إذ بالغفلة عنه ارتكبت بدع وزيدت زيادات ليست مما زيدت عليه في شيء « ([171]). وقال رحمه الله تعالى مطبقا لهذا الأصل على قراءة القرآن على الموتى عند الاحتضار وعند الدفن وبعده:(وإذا كان ترك القراءة هو السنة فالقراءة قطعا بدعة، إذ ما فعله النبي صلى الله عليه و سلم من القربات ففعله سنة وما تركه مما يحسب قربة مع وجود سببه فتركه هو السنة وفعله قطعا بدعة، والقراءة في هذه المواطن الثلاثة التي حسب أنها قربة قد وجد سببها في زمنه فمات الناس وشيع جنائزهم وحضر دفنهم ولم يفعل هذا الذي حسب اليوم قربة ، ومن المستحيل شرعا أن يترك قربة مع وجود سببها بين يديه ، ثم يهتدي إليها من يجيء من بعده ويسبق هو إلى قربة فاتت محمدا صلى الله عليه و سلم وأصحابه والسلف الصالح من أمته ، ولا يكون الإقدام على إحداث شيء للتقرب به مع ترك النبي صلى الله عليه و سلم له مع وجود سببه إلا افتئاتا عليه وتشريعا من بعده، وادعاء ضمنيا للتفوق عليه في معرفة ما يتقرب به والحرص عليه والهداية إليه ، فلن يكون فعل ما تركه والحالة ما ذكر من المباحات أبدا، بل لا يكون إلا من البدع المنكرات«([172]). [165]/ الآثار (1/224). [166]/ الآثار (5/175). [167]/ الآثار (1/87). [168]/ الآثار (3/235). [169]/ الآثار (2/57). [170]/ الآثار (3/274). [171]/ الآثار (3/295). يتبع إن شاء الله....... |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
المبحث الخامس: البدع الدينية كلها ضلالة ومن الأصول التي يتميز أهل السنة بها أنهم لا يفرقون بين بدعة وبدعة فيما يتعلق بأمور الدين، فإن البدعة عندهم كلها ضلالة كما نطق به رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وليس فيها ما يستحسن ولا ما يباح، بل هم يعتقدون أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه و سلم ، وكل هدي ليس منه فهو مضاد له ولا خير فيه، وكلام الشيخ ابن باديس رحمه الله في هذا الباب كله يصب في تأكيد هذا المعنى وتقريره، وليس يوجد في كلامه إشارة إلى تفريق بين بدعة وبدعة أخرى، أو وصف ما ثبت عنده أنه بدعة بالحسن أو الجواز والاستحباب ونحو ذلك، بل الذي نجده دائما هو التعميم في الذم للبدع كلها والرد على من قال بضد ذلك، ومن ذلك في قوله رحمه الله:( إن الذي ابتدع مثل هذه البدعة التي هي تقرب فيما لم يكن قربة كأنه يرى أن طاعة الله تنقص هذه الشريعة فهو يستدركها وأن محمدا صلى الله عليه و سلم خفيت عليه قربة هو اهتدى إليها أو لم تخف عليه ولكنه كتمها ، وهذه كلها مهلكات لصاحبها، فلا يكون ما أوقعه فيها من ابتداع تلك التي يحسبها قربة إلا محرما ، وقد قال مالك فيما سمعه منه ابن الماجشون :" من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا صلى الله عليه و سلم خان الرسالة لأن الله يقول :( اليوم أكملت لكم دينكم )، فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا " وهذا من جهة النظر المؤيد بكلام مالك ، وأما من جهة الأثر فقد جاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله r كان يقول في خطبته :" أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه و سلم، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة "([173]) وفيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :" من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا "([174]) ووجه الدليل من الحديثين أنه سمى في الحديث الأول البدعة شرا وضلالا فعم ولم يخص ، وأثبت الإثم لمرتكب الضلالة والداعي إليها ، والإثم لا يكون إلا في الحرام فيكون النظر هكذا كل بدعة ضلالة وكل ضلالة يؤثم صاحبها، فكل بدعة يؤثم صاحبها، وكل ما يؤثم عليه فهو حرام فكل بدعة حرام)[175]). وهذا النص لوحده كاف لبيان منهج الشيخ في هذه القضية ، ولكن زيادة للفائدة ولبيان تكرُّر كلام الشيخ في هذا الباب وردا على من زعم أنه ليس للشيخ إلا مقتطفات حسنة في مواضع أنقل بقية المواضع التي صرح فيها بذم البدع جملة وأنها كلها ضلالة دون استثناء ، فقال رحمه الله ردا عمن يستجيز البدع معتمدا على نية التقرب الحسنة عنده :( وكثيرا ما يرتكبون البدع كدعاء المخلوقات وكالحج إلى الأضرحة وإيقاد الشموع عليها والنذر لها وضرب الدف في بيوت الله ، وغير هذا من أنواع البدع والمنكرات ويتوكؤون في ذلك كله على ( إنما الأعمال بالنيات ) كلا! ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ، فإن البدع كلها من قسم المخالفات ، والمخالفات لا تنقلب طاعات بالنيات«([176]). وقال في موضع آخر وهو يدافع عن دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب رحمه الله تعالى :( وإنما كانت غاية ابن عبد الوهاب تطهير الدين من كل ما أحدث فيه المحدثون من البدع، في الأقوال والأعمال والعقائد، والرجوع بالمسلمين إلى الصراط السوي من دينهم القويم بعد انحرافهم الكثير وزيغهم المبين)([177]) والشاهد في كلامه قوله :" كل ما أحدث فيه المحدثون" ، وكذلك قال في رده على بعض الكتاب المخالفين لخط جمعية العلماء :( ثم يقول "نحن مالكيون" ومن ينازع في هذا ، وما يقرئ علماء الجمعية إلا فقه مالك ، ويا ليت الناس كانوا مالكية حقيقة إذا لطرحوا كل بدعة وضلالة، فقد كان مالك رحمه الله كثيرا ما ينشد : وخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع) ([178]). وكذلك لما كتب الشيخ أصول جمعية العلماء ودعوتها نص في المادة السابعة على أن البدع كلها ضلالة فقال رحمه الله :( البدعة كل ما أحدث على أنه عبادة وقربة ولم يثبت عن النبي r فعله وكل بدعة ضلالة ) ([179]). وقال في موضع آخر :( من أبين المخالفة عن أمره وأقبحها الزيادة في العبادة التي تعبد لله بها على ما مضى من سنته فيها وإحداث محدثات على وجه العبادة في مواطن مرت عليه ولم يتعبد بمثل ذلك المحدث فيها ، وكلا هذين زيادة وإحداث وابتداع مذموم يكون مرتكبه كمن يرى أنه اهتدى إلى طاعة لم يهتد إليها رسول الله صلى الله عليه و سلم، وسبق إلى فضيلة قصر رسول الله صلى الله عليه و سلم عنها ، وكفى بهذا وحده فتنة وبلاء ، ودع ما يجر إليه من بلايا أخرى ) ([180]). ومن الشبه التي قد يتمسك بها بعض من يستحسن البدع ويقسمها إلى حسنة وسيئة حديث النبي صلى الله عليه و سلم المشهور الذي قال فيه من سن في الإسلام سنة حسنة ، وقد أوضح الشيخ رحمه الله تعالى عدم دلالته على مرادهم بحمله على غير ابتداء العبادات وتخصيصه بأمور البر والإحسان كما هو مبين في سبب وروده فقال :( علمنا أن المراد بمن سن سنة حسنة ..هو من ابتدأ طريقا من الخير في أعمال البر والإحسان وما ينفع الناس في شؤون الحياة ، ولا يشمل ذلك ما يحدثه المحدثون من البدع في العبادات من الزيادات والاختراعات إذ الزيادة على ما وضعه الشرع من العبادات وحدده افتيات عليه واستنقاص له وهذه هي البدعة التي قال فيها النبي صلى الله عليه و سلم : "كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار([181]) ) ([182]). [174]/ مسلم (2674). [175]/ الآثار (3/275). [176]/ الآثار (2/65-66). [177]/ الآثار (5/32). [178]/ الآثار (5/283). [179]/ الآثار (5/154). [180]/ الآثار (1/224). [181]/ ورد هذا اللفظ عند النسائي (1578) وصححه ابن خزيمة (1785). [182]/ الآثار (1/38 |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
المبحث السادس: النظر في المصالح يختص بغير أبواب التعبدات وهذا الأصل في الواقع من مكملات الأصول السالفة الذكر حيث أن بعض الناس قد يشرع في الدين أشياء وهو يحسب أنها من المصالح التي يسميها الأصوليون المصالح المرسلة، بينما يغلو آخرون فيتوسعون في باب البدع فيجعلون كثيرا مما هو مباح في الشرع وهو من باب الوسائل من قبيل البدع فاقتضى الأمر بأن ينص على أن الابتداع يختص بالعبادات المقصودة أو بباب التعبدات كما أن اعتبار المصالح يختص بغير أبواب العبادات المحضة أو التعبدات ، ومن هذا الباب أو ذاك ، فقد نص الشيخ ابن باديس رحمه الله في أصول الجمعية بعد أن عرف البدعة على ذلك في المادة الثامنة فقال : (المصلحة كل ما اقتضته حاجة الناس في أمر دنياهم ، ونظام معيشتهم وضبط شؤونهم، وتقدم عمرانهم ، مما تقره أصول الشريعة ) ([183]). وكما ذكرنا فإن من فائدة هذا الضابط كشف تلبيس أو خطأ بعض من يستدل على البدع بما لا يشملها من أدلة الشرع، وقد طبق ذلك الشيخ ابن باديس رحمه الله في رده على ابن عاشور لما نقل عن أبي سعيد بن لب -كبير فقهاء غرناطة في القرن الثامن- قوله: ( إن ما جرى عليه عمل الناس وتقادم في عرفهم وعادتهم ينبغي أن يلتمس لهم مخرج شرعي على ما أمكن من وفاق أو خلاف ( أي بين العلماء) إذ لا يلزم ارتباط العمل بمذهب معين أو بمشهور من قول قائل ) ليدلل على أن ما جرى عليه العمل وكان له وجه يترك على حاله ولا يغير . فأجابه ابن باديس بجواب بديع قال فيه :( ما يجري به عمل الناس ينقسم إلى قسمين قسم المعاملات وقسم العبادات، وقسم المعاملات هو الذي يتسع النظر فيه للمصلحة والقياس والأعراف وهو الذي تجب توسعته على الناس بسعة مدارك الفقه وأقوال الأئمة والاعتبارات المتقدمة، وفي هذا القسم جاء كلام أبي سعيد هذا وغيره وفيه نَقلُه الفقهاء، أوَما تراه كيف يعبر بالعرف والعادة ، وأما قسم العبادات فإنه محدود لا يزاد عليه ولا ينقص منه فلا يقبل منه إلا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يتقرب إلا بما تقرب به وعلى الوجه الذي كان تقربه به ، ومن نقص فقد أخل ومن زاد فقد ابتدع وشرع وذلك هو الظلام والضلال ) ([184]). المبحث السابع : إبطال منهج أهل الطرق جملة وتفصيلا http://upload.arabia4serv.com/images...7839198439.gif ومن أظهر الأمور التي يتبرأ منها أهل السنة في باب السلوك الفرق الطرقية التي تدعي سلوك طريق الزهد والتصوف والانقطاع عن الدنيا والتفرغ للعبادة ، يتبرؤون منهم لأن أصل منهجهم مبتدع ليس له أصل لا في الكتاب ولا في السنة، ولا عرف في السلف الصالح من تخصص في الزهد دون غيره، وزعم أنه يتفرغ للعبادة وتصفية القلب من الدنيا وغيرها بلا علم ولا اتباع، ولأن هذا المنهج لا يقوم إلا على البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان من أوراد وأذكار ومظاهر شركية وولاء في الشيوخ ، ولأنه قد دخل فيه مبتغو الدنيا المتزينون بزي التصوف وهم الذين يسمون بالمتصوفة المرتزقة، بل ودخل فيه الزنادقة والملاحدة من مدعي الحلول والاتحاد، وبراءة الشيخ ابن باديس من الطرق والطرقية أشهر من أن يدلل عليه مع أنه ما نشأ إلا نشأتهم ، ولكنه ما اشتهر ولا عرف إلا بالدعوة الإصلاحية المعادية للطرقية في كل اتجاه (عقيدة وسلوكا وعبادة ومنهجا وسياسة )، وقد دون الشيخ رحمه الله هذه البراءة في أصول الجمعية التي كتبها ونشرها في الناس وذلك في المواد 14-15-16 حيث قال فيها :( 14-اعتقاد تصرف واحد من الخلق مع الله في شيء ما شرك وضلال ، ومنه اعتقاد الغوث والديوان. 15-بناء القباب على القبور و وقد السرج عليها والذبح عندها ولأجلها والاستغاثة بأهلها ضلال من أعمال الجاهلية ، ومضاهاة لأعمال المشركين ، فمن فعله جاهلا يُعلَّم ومن أقرَّه ممن ينتسب إلى العلم فهو ضال مضل . 16- الأوضاع الطرقية بدعة لم يعرفها السلف ، ومبناها كلها على الغلو في الشيخ ، والتحيز لاتباع الشيخ ، وخدمة دار الشيخ وأولاد الشيخ ، إلى ما هنالك من استغلال وإذلال وإعانة لأهل الإذلال والاستغلال ، ومن تجميد للعقول وإماتة للهمم وقتل للشعور وغير ذلك من الشرور) ([185]). ومن المواضع التي تكلم فيها عن الطرقية ذما ما كتبه عن الحكومة المصرية التي كانت تساندهم فقال رحمه الله: ( وأما الحكومة الطرقية فهي حكومة مصر التي تشارك المشاركة الرسمية في بدع المواليد وتؤيد تأييدا رسميا الاجتماعات الصوفية بما فيها من مناكر وقبح مظاهر وسوء مناظر مما تضج به صحافتها كل يوم فضلا عن العلماء المصلحين من أمتها)([186]). وقال في موضع آخر :( مصر التي كانت مبعث أكثر البدع والضلالات الاعتقادية والعملية من يوم انتصبت فيها دولة الفاطميين ، فرسخت فيها البدع الطرقية وغير الطرقية -والطرق حيثما كانت تكأة وملجأ البدع والخرافات – وصارت الخطة الطرقية من الخطط الإسلامية في الحكومات المصرية التي تحميها وتؤيدها، فصارت البدع والضلالات رسمية في نظر المسلمين وغير المسلمين ) ([187]). وفي المقابل مدح المملكة السعودية الناشئة في زمانه بأنها طهرت أرض الحجاز من بدعهم وأرجعتهم إلى عقولهم على حد تعبيره فقال :( فالحكومة السعودية التي طهرت الحجاز من البدع والضلالات والخرافات وأرجعت أتباع الطرق التي تسمي نفسها طرقا صوفية إلى عقولهم ودينهم)([188]). [183]/ الآثار (5/154). [184]/ الآثار (3/284). [185]/ الآثار (5/155). [186]/ الآثار (3/262). [187]/ الآثار (5/129). [188]/ الآثار (3/263) |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
الفصل الرابع : أصول الدعوة والإصلاح ومن الأبواب التي يجدر بنا إفرادها باب الدعوة ومنهج الإصلاح الذي قد يخص به اصطلاح "المنهج"، خاصة في هذا الزمن الذي أصبح فيه ميدان الدعوة معتركا تمايزت فيه صفوف الداعين وتباينت فيه أهدافهم وطرائقهم، ومن الأصول المدرجة في هذا الباب ما هو اعتقادي ومنها ما هو فقهي، ولكن الكل قد ثبت بالدليل القطعي، وفيما يأتي تعداد الأصول التي نص عليها الشيخ ابن باديس رحمه الله. 1-مصدر تلقي منهج الدعوة والإصلاح وقضاياه هو الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح، خلافا لمن يجعله ثمرة للتجارب الفردية والجماعية([189]). 2-اعتقاد بقاء المنهج محفوظا في كل زمان يتوارثه العلماء، خلافا لمن يفسر التجديد بالإحداث والاختراع على يد إمام أو قائد يأتي في آخر الزمان([190]). 3-اعتبار الدعوة إلى التوحيد أولى الأولويات، لأنه أصل الدين وهدف دعوة النبي r ، وسبيل النجاة في الآخرة وشرط التمكين في الدنيا([191]). 4-اعتقاد شمول الشريعة لكل ما يحتاج إليه الناس لصلاح دنياهم وأخراهم([192]). 5-طريق الإصلاح هو التعليم والتكوين وتبصير الجماهير بعقائد هذا الدين وقواعده، وتربية الأمة على الالتزام بالشعائر الإسلامية، واعتقاد عدم جدوى العمل السياسي- وأي عمل سواه- في غياب التربية والتوعية([193]). 6-العلم الصحيح هو سلاح الدعاة في معركة الإصلاح([194]). 7-نبذ الحزبيات المفرقة لشمل الأمة والمبددة للجهود ، ومباركة كل عمل يجمع الأمة على ما فيه صلاح عقيدتها ويوحد صفها في وجه عدوها([195]). 8-إظهار الحق والأمر بالمعروف والنهي عن كل منكر ([196]). 9-سلوك الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة واجتناب التسرع في الحكم على الناس بالكفر والفسق والبدعة([197]). المبحث الأول : اعتماد الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح إنه مما تميز به أهل الدعوة السلفية في عصر النهضة الحديثة ، أنهم يجعلون منهج الدعوة إلى الله والطريق إلى إصلاح الأمة وإعادة مجدها وتمكينها مستمدا من المصادر الشرعية المعروفة الكتاب والسنة النبوية وما كان عليه السلف الصالح، خلافا لأهل المناهج الأخرى التي لا تنتسب إلى السلفية الزاعمين أن المنهج يستفاد من التجارب الخاصة للأفراد وللجماعات والتي ترى أن سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير ملزمة لهم حالا ومقالا، والالتزام بهذا الأصل قد صرح به الشيخ ابن باديس في غير موضع من مقالاته فقال في موضع من تفسيره :''فعلى الأمم التي تريد أن تنال حظها من هذا الوعد (التمكين ) أن تصلح من أنفسها الصلاح الذي بينه القرآن، فأما إذا لم يكن لها حظ من ذلك الصلاح فلا حظ لها من هذا الوعد وإن دانت بالإسلام . ولله سنن نافذة بمقتضى حكمته ومشيئته في ملك الأرض وسيادة الأمم، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء « ([198]). نعم إنها السنن التي لا يفلح من غالبها ولا يحظى بالتأييد الرباني من تنكر لها ، يقول هذا رغم أن الواقع الذي عاشه -واقع الاستعمار وغياب الخلافة-كان يغري بدخول المعتركات السياسية ولم يكن الشيخ غافلا عن هذا الواقع، بل كان خبيرا به سابرا لغوره، الأمر الذي جعله يعتبره أعراضا لداء أصيل مستحكم في الأمة وليست هي أول داء ينبغي علاجه، وقد بين هذه الحقيقة في موضع من تفسيره إذ قال :( لقد شعر المسلمون عموما بالبلايا والمحن التي لحقتهم وفي أوّلها سيف الجور المنصبّ على رؤوسهم، وأدرك المصلحون منهم أن سبب ذلك هو مخالفتهم عن أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم فأخذت صيحات الإصلاح ترتفع في جوانب العالم الإسلامي في جميع جهات المعمورة تدعو الناس إلى معالجة أدوائهم بقطع أسبابها واجتثاث أصلها وما ذاك إلا بالرجوع إلى ما كان عليه محمد صلى الله عليه و سلم وما مضت عليه القرون الثلاثة المشهود لها منه بالخير في الإسلام ، قد حفظ الله علينا ذلك بما إن تمسكنا به لن نضل أبدا - كما في الحديث الصحيح- الكتاب والسنة ، وذلك هو الإسلام الصحيح الذي أنقذ الله به العالم أولا ولا نجاة للعالم مما هو فيه اليوم إلا إذا أنقذه الله به ثانيا ''([199]). فالظلم والجور ومنه ضياع الحقوق وفقدان الحكم العادل مرض وبلية في حد ذاته، ولكن هو بالنسبة إلى الابتعاد عن تعاليم الإسلام الصحيح عقيدة وسلوكا وشريعة مجرد أثر حتمي وعقوبة ربانية لا تزول إلا بزوال أصلها وسببها المباشر، ولن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. [189]/ قال ابن القيم في مدارج السالكين (2/70-72):( الاعتراض على ذلك بالسياسات الجائرة التي لأرباب الولايات التي قدموها على حكم الله ورسوله وحكموا بها بين عباده وعطلوا لها وبها شرعه وعدله وحدوده، فقال الأولون: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل، وقال الآخرون: إذا تعارض الأثر والقياس قدمنا القياس، وقال أصحاب الذوق والكشف والوجد: إذا تعارض الذوق والوجد والكشف وظاهر الشرع قدمنا الذوق والوجد والكشف، وقال أصحاب السياسة: إذا تعارضت السياسة والشرع قدمنا السياسة، فجعلت كل طائفة قبالة دين الله وشرعه طاغوتا يتحاكمون إليه، فهؤلاء يقولون لكم النقل ولنا العقل، والآخرون يقولون: أنتم أصحاب آثار وأخبار ونحن أصحاب أقيسة وآراء وأفكار، وأولئك يقولون: أنتم أرباب الظاهر ونحن أهل الحقائق، والآخرون يقولون: لكم الشرع ولنا السياسة، فيا لها من بلية عمت فأعمت، ورزية رمت فأصمت وفتنة دعت القلوب، فأجابها كل قلب مفتون وأهوية عصفت، فصمت منها الآذان وعميت منها العيون … )، ويقول الشيخ ربيع بن هادي المدخلي في كتابه منهج الأنبياء في الدعوة (123):« عرفنا فيما مضى منهج الأنبياء في الدعوة إلى التوحيد ومحاربة الشرك ومظاهره وأسبابه ، وأنه منهج قائم على العقل والحكمة والفطرة، وعرفنا أدلة ذلك جملة وتفصيلا من نصوص الكتاب والسنة ومن الناحية العقلية . والآن نسأل هل يجوز للدعاة في عصر من العصور العدول عن منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله الجواب في ضوء ما سبق وما سيأتي لا يجوز شرعا ولا عقلا العدول عن هذا المنهج واختيار سواه. أولا : أن هذا المنهج هو الطريق القويم الذي رسمه الله لجميع الأنبياء من أولهم إلى آخرهم ، والله هو واضع هذا المنهج وهو خالق الإنسان والعالم بطبائع البشر وما يصلح أرواحهم وقلوبهم ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) ». [190]/ قال شيخ الإسلام ابن تيمية (4/97) عن أهل الحديث :« أما أهل العلم فكانوا يقولون هم الأبدال لأنهم أبدال الأنبياء ، وقائمون مقامهم حقيقة ليسوا من المعدمين الذين لا يعرف لهم حقيقة، كل منهم يقوم مقام الأنبياء في القدر الذي ناب عنهم فيه، هذا في العلم والمقال وهذا في العبادة والحال، وهذا في الأمرين جميعا، وكانوا يقولون هم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة الظاهرون على الحق لأن الهدى ودين الحق الذي بعث به رسله معهم هو الذي وعد الله بظهوره على الدين كله ». [191]/ قال ابن تيمية(15/157):« فالدعوة إلى الله تكون بدعوة العبد إلى دينه وأصل ذلك عبادته وحده لا شريك له ، كما بعث الله بذلك رسله وأنزل به كتبه ». وقال ابن القيم في مدارج السالكين (3/411): «التوحيد أول دعوة الرسل وأول منازل الطريق ، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله تعالى …فالتوحيد مفتاح دعوة الرسل ». [192]/ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (19/155):« إن رسول الله e بيَّن جميع الدين أصوله وفروعه، باطنه وظاهره، علمه وعمله، فإن هذا أصل أصول العلم والإيمان، وكل من كان أعظم اعتصاما بهذا الأصل كان أولى بالحق علما وعملا ». والذي جاء به الرسول e هو القرآن (كلام الله تعالى ) والسنة ( شرحه وبيانه ). وقال الشافعي مقررا هذا المعنى في الرسالة :« فليست تنـزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها » [193]/ يقول ابن تيمية (28/232):« فالكتاب هو الأصل ولهذا أول ما بعث الله رسوله أنزل عليه الكتاب ومكث بمكة لم يأمره بالسيف حتى هاجر وصار له أعوان على الجهاد » ويقول ابن القيم في جلاء الأفهام (415):» فمن دعا إلى الله تعالى فهو على سبيل رسوله، وهو على بصيرة وهو من أتباعه ومن دعا إلى غير ذلك، فليس على سبيله ولا هو على بصيرة ولا هو من أتباعه، فالدعوة إلى الله تعالى هي وظيفة المرسلين وأتباعهم وهم خلفاء الرسل في أممهم والناس تبع لهم، والله سبحانه قد أمر رسوله أن يبلغ ما أنزل إليه، وضمن له حفظه وعصمته من الناس، وهكذا المبلغون عنه من أمته لهم من حفظ الله وعصمته إياهم بحسب قيامهم بدينه وتبليغهم لهم « . [194]/ قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة (1/154):»وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها، فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، بل لابد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى حد يصل إليه السعي، ويكفي هذا في شرف العلم أن صاحبه يحوز به هذا المقام والله يؤتي فضله من يشاء « . [195]/ قال ابن تيمية (28/15-16):» وليس للمعلمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا ما يلقي بينهم العداوة والبغضاء، بل يكونون مثل الإخوة المتعاونين على البر والتقوى، كما قال تعالى:] وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ[ وليس لأحد منهم أن يأخذ على أحد عهدا بموافقته على كل ما يريده وموالاة من يواليه ومعاداة من يعاديه« ، وقال (3/347):»فمن جعل شخصا من الأشخاص غير رسول الله rمن أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدعة والفرقة كما يوجد ذلك في الطوائف من أتباع أئمة في الكلام في الدين وغير ذلك كان من أهل البدع والضلال والتفرق، وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله r». [196]/ قال ابن تيمية في العقيدة الواسطية(3/158):» ثم هم مع هذه الأصول ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة « وقال (15/165-166):» إذا تبين ذلك فالدعوة إلى الله واجبة على من اتبعه، وهم أمته يدعون إلى الله كما دعا إلى الله، وكذلك يتضمن أمرهم بما أمر به ونهيهم عما ينهى عنه، وإخبارهم بما أخبر به إذ الدعوة تتضمن الأمر، وذلك يتناول الأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر، وقد وصف أمته بذلك في غير موضع كما وصفه بذلك … « . [197]/ قال ابن تيمية في الاستقامة (2/233):» فلا بد من هذه الثلاثة العلم والرفق والصبر العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه والصبر بعده، وإن كان كل من الثلاثة لا بد أن يكون مستصحبا في هذه الأحوال« وقال في المجموع (15/167):» والقيام بالواجبات من الدعوة الواجبة وغيرها يحتاج إلى شروط يقام بها كما جاء في الحديث(!) ينبغي لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر: أن يكون فقيها فيما يأمر به فقيها فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به رفيقا فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به حليما فيما ينهى عنه، فالفقه قبل الأمر ليعرف المعروف وينكر المنكر والرفق عند الأمر ليسلك أقرب الطرق إلى تحصيل المقصود والحلم بعد الأمر ليصير على أذى المأمور المنهي، فإنه كثيرا ما يحصل له الأذى بذلك، ولهذا قال تعالى:] وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَك[ (لقمان:ة17) وقد أمر نبينا بالصبر في مواضع كثيرة كما قال تعالى في أول المدثر :] قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر [ … '' . [198]/ الآثار (1/210). |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
السلام عليكم
بورك فيك للمتابعة ملاحظة : العنوان أخص من المحتوى إذ أراه شمل التزكية وهي ليست من اصول الفقه |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
اقتباس:
وعليكم السلام ورحمة الله و بركاته تعلم أني بدأت الموضوع بعنوان أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله http://montada.echoroukonline.com/sh...d.php?t=226567 بأربعة فصول الفصل الأول : أصول العقيدة الفصل الثاني: أصول الفقه الفصل الثالث: أصول السلوك الفصل الرابع : أصول الدعوة و الإصلاح عندما انتهيت من أصول العقيدة و جدت الموضوع اختفى فأكملت بأصول الفقه ولم أكن أريد من البداية تكثير العناوين فجاء العنوان أخص من المحتوى شكرا على المتابعة أستاذي الكريم ( حتى أنا راني نقرا) |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
المبحث الثاني : اعتقاد بقاء المنهج محفوظا في كل زمان http://upload.arabia4serv.com/images...7839198439.gif ومن القواعد المنهجية المرتبطة بقضايا الدين عموما والدعوة خصوصا اعتقاد بقاء المنهج والدين محفوظا في كل زمان يتوارثه العلماء الربانيون العاملون ، فكما يعتقد المسلمون عموما أن القرآن محفوظ فكذلك أهل السنة يعتقدون أن الفهم الصحيح للقرآن موجود في كل زمان لا يمكن أن يضيع، وقد تكفل بذلك رب العزة سبحانه حتى تبقى حجته قائمة على العباد وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ببقاء الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة ، وأخبر بأن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها ، الأمر الذي يجعل أهل السنة لا يقبلون رأيا جديدا في قضايا الدعوة كما لا يقبلون في العقيدة والفقه أي قول محدث جديد لأن القضايا المنهجية الكلية أولى بالحفظ من المسائل الجزئية . ومفهوم التجديد عندهم هو إحياء ما اندرس من معالم الدين والسنة وليس هو الاختراع والابتداء للأشياء الجديدة البحتة. وقد قرر هذا المعنى الشيخ ابن باديس في بعض المواضع من مقالاته منها ما سطره تحت عنوان ( لا تخلو الأرض من قائم لله بالحجة ) قدم به لخطبة لأحد ملوك المغرب السلفيين في القرون الماضية حيث قال :( من المعلوم عند أهل العلم أن مما حفظ الله به دينه وأبقى به حجته أن لا تنقطع الدعوة إلى الله في هذه الأمة والقيام على الحق والإعلان بالسنن والرد على المنحرفين والمتغالين والزائغين والمبتدعين، وأن أهل هذه الطائفة معروفة مواقفهم في كل جيل، محفوظة آثارهم عند العلماء. غير أن غلبة الجهل وكثرة أهل الضلال قد تحول دون بلوغ صوتهم إلى جميع الناس، فترى أنصار الباطل كلما ظهر داع من دعاة الحق في ناحية اعترضوه بسكوت من سكت من قبله؛ وأوهموا أتباعهم المغرورين بهم أن هذا الداعي جاء بدين جديد « ([200]). ولما كان من أسلحة المبتدعين الجامدين على بدع سابقيهم الاحتجاج على من يحيي السنن بأنه قد جاءهم بما لم يعرفه آباؤهم ولا أجدادهم فقد كتب الشيخ رحمه الله تعالى مقالا نقل فيه أقوال السابقين من أهل العلم في إنكار البدع ، وقدم لتلك النقول بمقدمة أكد فيها العقيدة التي نقول عنها إنها من عقائد أهل السنة، فقال رحمه الله: (كلما قام دعاة الإصلاح بالإنكار على البدع الفاشية والضلالات الرائجة وبينوا قبحها وضررها بالبراهين الساطعة، وأفحموا أهلها بالأدلة القاطعة صاح المتعايشون عليها من أتباعهم المغترين بهم ، لو كان ما نحن عليه باطلا لأنكره العلماء المتقدمون قبل أن ينكره هؤلاء العصريون لكن المتقدمين رحمهم الله رأوه وسكتوا عليه ورضوا به ومضى على ذلك الزمن الطويل وعاش عليه الجيل بعد الجيل ، وقالوا مثل ما قال الأولون:( مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ)(المؤمنون24)، ( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) (الزخرف23)، ولما كان هذا قد يغر الجاهل وشبه الجاهل فيحسب أن الأمر كما ذكروا، وأن العلماء المتقدمين سكتوا وما أنكروا أردنا أن ننقل لقراء السنة بعضا من إنكار أهل العلم على هؤلاء المتسمين بالفقراء الداعين لطريقة الزهد المتمسكين بالبدعة ليعرفوا سنة العلماء في الرد عليهم والتقبيح لحالهم ، والتحذير من ضلالهم فيعلموا أن العلماء الإصلاحيين المعاصرين ما جاءوا إلا بما يفرضه عليهم الدين من نصح المسلمين وإرشاد الضالين والذب عن سنة خاتم الأنبياء والمرسلين |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
المبحث الثالث : اعتبار الدعوة إلى التوحيد أولى الأولويات ومما يتميز به السلفيون عن غيرهم في العصر الحاضر، وفي كل زمان أنهم لا يقدمون شيئا في دعوتهم على التوحيد لا قولا ولا عملا ، وهو أولى الأولويات عندهم ، لأنهم يعتقدون أن التوحيد هو أصل الدين وهدف دعوة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وجميع الأنبياء والمرسلين، بل هو الغاية من خلق الإنس والجن كما أخبر به المولى عز وجل، ولأنهم يعتقدون أنه بالتوحيد (توحيد العبادة ) تكون النجاة في الآخرة ، وأن تحقيقه شرط للتمكين في الدنيا ، خلافا لأهل المناهج الجديدة الأخرى التي ترجئ قضايا التوحيد وتراها من أسباب التفريق بين المسلمين، أو ترى قضايا الحكم والسياسة أولى منها قولا أو حالا ، والشيخ ابن باديس السلفي قد صرح بكون التوحيد هو أساس الدين قال رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ''لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً'' (الإسراء22):( هذا أساس الدين كله وهو الأصل الذي لا تكون النجاة ولا تقبل الأعمال إلا به ، وما أرسل الله رسولا إلا داعيا إليه ومذكرا بحججه ، وقد كانت أفضل كلمة قالها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هي كلمة لا إله إلا الله وهي كلمته الصريحة فيه)([202]). وقال في موضع رد فيه على علماء الزيتونة إذ سكتوا على من يعلن بالعقائد الشركية في الإذاعة :( يعلم العلماء أن التوحيد هو الأساس الذي تبتني عليه أعمال الإيمان أعمال القلوب وأعمال الجوارح ، وأن الله لا يقبل شيئا إذا انبنى على الشرك، وقد قال تعالى :'' لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ '' (الزمر65)، فما هي قيمة تلك المواعظ والإرشادات المذاعة على من يعتقد أن ابن عبد السلام وأمثاله يتصرفون في الكون ويحكمون فيه وهو في قبضة أيديهم ؟ إن السواد الأعظم من العامة وهم الذين توجه إليهم تلك المواعظ والإرشادات أولا قد نخرت صدورهم تلك العقائد الشركية)([203]). وقد صرح في موضع آخر بأن همه الأول كان تطهير العقائد مما علق بها من مظاهر الشرك، قال رحمه الله:( لا يكون الإصلاح إلا بالانتقاد فلذلك وجدنا أنفسنا في خطتنا مضطرين إليه، وقد كانت منا انتقادات سياسية واجتماعية وأدبية ودينية، وكانت وجهتنا الأولى في النقد الديني هي الاعتقادات، ولقد كان همنا الأول تطهير عقيدة التوحيد من أوضار الشرك القولي والفعلي والاعتقادي، فإن التوحيد هو أساس السلوك ولذلك ابتدئ بإياك نعبد قبل اهدنا في فاتحة القرآن العظيم. هنا اصطدمنا بزعماء الطرق وشيوخ الزوايا الاصطدام المعروف، لأنه إذا خلص التوحيد توجه الناس إلى ربهم الذي خلقهم وتركوهم واعتقدوا فيهم أنهم مخلوقون مثلهم لا يضرون ولا ينفعون إلى غير ذلك مما ينتجه التوحيد الصحيح من تحرير العقول والأرواح والقلوب والأبدان)([204]). وقد بين كذلك أن علاج أوضاع الأمة الإسلامية يمر حتما بطريق إصلاح العقائد فقال :( فالإيمان والتقوى هما العلاج الوحيد لنا من حالتنا، لأننا إذا التزمناهما نكون قد أقلعنا عن أسباب العذاب …ولنبدأ من الإيمان بتطهير عقائدنا من الشرك وأخلاقنا من الفساد وأعمالنا من المخالفات ) ([205]). [202]/ الآثار (1/95-96). [203]/ الآثار (6/292-293). [204]/ الآثار (5/75). [205]/ الآثار (1/166). |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
اقتباس:
ما أعظم هذا الأصل الذي غفل عنه كثير من الدعاة بورك فيك على النقولات |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
وفيك بارك الله أستاذنا الفاضل |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
المبحث الرابع : اعتقاد شمول الشريعة ومن أصول العقيدة الإسلامية المستصحبة في كل أبواب الدين اعتقاد شمولية الشريعة الإسلامية لكل ما يحتاج إليه الناس لصلاح دنياهم وأخراهم، فلا يوجد ميدان من ميادين الحياة يمكن فصله عن الشريعة ، لا السياسة وقضايا الحكم ولا الاقتصاد والأمور التجارية ولا قضايا التربية وعلم الاجتماع ولا الطب ولا الصحافة ولا الرياضة الخ ، وليس الدين مقصورا على العبادات فحسب أو العبادات وأحكام الأسرة كما يدعيه الملاحدة ويظنه كثير من جهلة المسلمين، والسلفيون يدافعون عن هذه العقيدة ويقفون في وجه من أنكرها بمقاله وكذا من تنكر لها بحاله ممن يدعي الإسلام بل وحمل لواء الإسلام والدعوة إليه، وفي تقرير هذه القاعدة الاعتقادية يقول الشيخ ابن باديس رحمه الله :( هذا شيء قليل مما للقرآن في الذكر بأنواعه الثلاثة، إلى ما فيه من علم مصالح العباد في المعاش والمعاد، وبسط أسباب الخير والشر والسعادة والشقاوة في الدنيا والأخرى ، وعلم النفوس وأحوالها ، وأصول الأخلاق والأحكام ، وكليات السياسة والتشريع ، وحقائق الحياة والعمران والاجتماع ، ونظم الكون المبنية على الرحمة والقوة والعدل والإحسان إلى ما تقصر عن عده الألسنة وتعجز عن الإحاطة به الأفهام )([206]). وهذا الذي ذكرناه لا ينبغي أن يبقى مجرد دعوى عاطفية مجردة عن التجسيد في الواقع، بل لابد من الرجوع إلى المصادر الحية الخالدة للشريعة الإسلامية لنتبين ذلك ولتبيينه للناس بعد ذلك، وفي هذا المعنى يقول الشيخ رحمه الله وهو يشرح قوله تعالى :'' وكل شيء فصلناه تفصيلا '' :( فكل ما يحتاج إليه العباد لتحصيل السعادتين من عقائد الحق وأخلاق الصدق وأحكام العدل ووجوه الإحسان كل هذا فصل في القرآن تفصيلا ، كل فصل على غاية البيان والإحكام ، وهذا دعاء وترغيب للخلق أن يطلبوا ذلك كله من القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم في العلم والعمل ويأخذوا منه ويهتدوا به ، فهو الغاية التي ما وراءها غاية في الهدى والبيان ) ([207]). ولما كانت هذه العقيدة أصلا عظيما من أصول الإسلام فلابد أن يجتهد الدعاة في توضيحها والدعوة إلى تجسيدها في الواقع ، وتيسير السبل المؤدية إلى ذلك من نشر العلم والدعوة إلى الاجتهاد وكذلك لابد من توعية الناس بأنه لا شفاء لهم من أمراضهم الفردية والاجتماعية إلا بالرجوع إلى الشريعة الإسلامية وتحكيمها في حياتهم اليومية ولقد كان الشيخ يبين في كثير من المناسبات هذه الحقيقة فقال في موضع :( على أن القرآن هو شفاء للاجتماع البشري كما هو شفاء لأفراده فقد شرع من أصول العدل وقواعد العمران ونظم التعامل وسياسة الناس ما فيه العلاج الكافي والدواء الشافي لأمراض المجتمع الإنساني من جميع أمراضه وعلله ) ([208]). وقال في موضع آخر :( العقيدة الثالثة : الإسلام دين الله الذي شرعه وارتضاه ودليلها مستفاد من وصفه بأنه صراط مستقيم ، فهو تشريع تام وعام لجميع أعمال الإنسان، أعمال قلبه وأعمال لسانه وأعمال جوارحه وجميع معاملاته الخاصة والعامة بين أفراده وأممه ، ولا تخرج كلية من كلياته ولا جزئية من جزئياته عن هذا الأصل العام المتجلي في جميع الأحكام وهو الحق والعدل والخير والإحسان )([209]). وكما أنه لابد من نشر العقيدة الصحيحة فإنه لابد من التحذير من ضدها ، وهو في هذا الباب الميل إلى الشرائع الأرضية وإلى التقنينات والتنظيمات والنظريات الجاهلية، وكذا لابد من التحذير من أسباب الانحراف عنها في هذا الزمان الذي يرجع إلى الجهل بالشريعة مضافا إلى الانبهار بالحضارة الغربية وزخرفها وبهرجها ، وقد رد الشيخ ابن باديس رحمه الله على النابتة التي كانت في زمانه وقد وقعت في هذه الشراك وفند بعض شبههم فقال: ( رأى بعض الناس المدنية الغربية المسيطرة اليوم على الأرض وهي مدنية مادية في نهجها وغايتها ونتائجها فالقوة عندها فوق الحق والعدل والرحمة والإحسان ، فقالوا إن رجال هذه المدنية هم الصالحون الذين وعدهم الله بإرث الأرض ، وزعموا أن المراد بالصالحين في الآية الصالحون لعمارة الأرض ، فيالله للقرآن وللإنسان ، من هذا التحريف السخيف كأن عمارة الأرض هي كل شيء ولو ضلت العقائد وفسدت الأخلاق واعوجت الأعمال وساءت الأحوال وعذبت الإنسانية بالأزمات الخانقة وروعت بالفتن والحروب المخربة الجارفة ، وهددت بأعظم حرب تأتي على الإنسانية من أصلها والمدنية من أساسها، وهذه هي بلايا الإنسانية التي يشكو منها أبناء هذه المدنية المادية التي عمرت الأرض وأفسدت الإنسان ، ثم يريد هذا المحرف أن يطبق عليها آي القرآن كتاب الحق والعدل والرحمة والإحسان ، وإصلاح الإنسان ليصلح العمران ، فأما الصالحون فهو لفظ قرآني قد فسره القرآن كما سبق ، وقد شرف أهله بإضافتهم إلى الله في قوله "عبادي" فحمله على الصالحين لعمارة الأرض تحريف للكلم عن مواضعه أبشع تحريف وأبطله فليحذر المؤمن ومن مثله من تحريفات المبطلين المفتونين )([210]). [206]/ الآثار (1/41). [207]/ الآثار (1/79). [208]/ الآثار (1/190). [209]/ الآثار (1/370). [210]/ الآثار (1/210). |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
ولما كانت صور الفساد الواقعة كثيرة ومتراكمة ، ولما كان الانحراف عن دين الفطرة قد شمل كل ميدان كان على دعاة الحق أن تكون لهم خطة محكمة للعمل الدعوي تجنبهم الانحراف عن الطريق وتحفظ جهودهم من الضياع ، وقد رأى السلفيون -كما سبق ذكره- أن التوحيد هو هدف دعوة الرسل وأن كل شيء يهون أمامه ولا سبيل إلى نشره إلا سلوك طريق الأنبياء في تبليغه، وطريقُ نبينا صلى الله عليه و السلام قد علمناه مفصلا في سيرته العطرة، وهو قد بدأ بالتعليم ونشر مبادئ هذا الدين ، كما أنه كان أول ما أمر بتبليغه هو العقائد المتعلقة بالله والرسول واليوم الآخر وهو الموضوع الغالب على أول ما أنزل من القرآن ، فكذلك ينبغي أن يكون مسير كل الدعوات التي تريد أن تستمر وتطمح أن تكلل بالنجاح ، ولقد اختار السلفيون هذا الطريق وهذا المنطلق بناء على ما ذكرنا، وهم يعتقدون عدم جدوى كل الطرق الأخرى التي يسعى أصحابها من خلالها إلى إعزاز الدين وتحقيق التمكين، وبالخصوص الجماعات الخائضة في ميادين السياسة ومعتركاتها العفنة، وبالنسبة للعلامة ابن باديس فقد سبق أن نقلنا عنه في المبحث الأول من هذا الفصل أقوالا يؤكد فيها أن طريق الإصلاح توقيفي، وأنه متوقف على الرجوع إلى الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح، كما أنه صرح في موضع ترجيحه للعمل الدعوي المبني على إصلاح العقائد على العمل السياسي المبني على تجميع الجماهير ومبدأ المطالبة والمغالبة فقال رحمه الله: ( فإننا اخترنا الخطة الدينية على غيرها عن علم وبصيرة ، وتمسكا بما هو مناسب لفطرتنا وتربيتنا من النصح والإرشاد وبث الخير والثبات على وجه واحد والسير على خط مستقيم، وما كنا لنجد هذا كله إلا فيما تفرغنا له من خدمة العلم والدين، في خدمتهما أعظم خدمة وأنفعها للإنسانية عامة. ولو أردنا أن ندخل الميدان السياسي لدخلناه جهرا ولضربنا فيه المثل الأعلى بما عرف عنا من ثباتنا وتضحيتنا، ولقُدْنا الأمة كلها للمطالبة بحقوقها ولكان أسهل شيء علينا أن نسير بها على وفق ما نرسمه لها وأن نبلغ من أنفسنا إلى أقصى غايات التأثير عليها، فإن مما نعلمه - ولا يخفى على غيرنا - أن القائد الذي يقول لها إنك مظلومة في حقوقك وإني أريد أن أوصلك إليها يجد منها ما لا يجده من يقول لها: إنك ضالة عن أصول دينك وإنني أريد هدايتك، فذاك تلبيه كلها وهذا يقاومه معظمها أو شطرها ، هذا كله نعلمه ولكننا اخترنا ما اخترنا لما ذكرنا، فإنا فيما اخترناه بإذن الله لماضون وعليه متوكلون) ([211]). ولقد كان هذا اختيارا من الاختيارات الصعبة التي اختارها العلامة ابن باديس رحمه الله في حركته الإصلاحية، لقد كان هذا الاختيار صعبا في نظرنا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الزمن الذي كان يعيشه والواقع الذي كان محيطا به، إذ لا يجهل ولا ينكر مقدار تأثير ذلك (الواقع ) على اختيارات المفكرين والمصلحين وتوجهاتهم، ولكن العالم الرباني لا يختار شيئا إلا وله فيه مستند شرعي، فهو أخبر أنه ما ترك المعترك السياسي جبنا أو عجزا ولكن ليقينه بعدم جدواه، ولأن فيه اعترافا ضمنيا بشرعية النظام الفرنسي الكافر، وبين للناس أنه كان قادرا على تجميع الجماهير حوله بتلك الأماني والأغاني التي يتغنى بها أهل السياسة في كل زمان، ولكن ليس شيء من ذلك من شأن أهل العلم والإصلاح، وليس ذلك من المنهج الإسلامي القائم على عقيدة التوحيد في شيء، لقد علم الشيخ علم اليقين أن الرجوع إلى الدين الصحيح شرط في التمكين الذي يكون حينها منحة من رب العالمين. ومما يحسن نقله هنا أن الشيخ وجمعيته قد اضطرا للمشاركة في المؤتمر الإسلامي الجزائري الذي كان يطالب بحقوق المسلمين في الجزائر سنة 1936 من أجل المطالب الدينية المحضة المتعلقة بحرية التعليم في المساجد واسترجاع الأوقاف التي بها يقوم التعليم الديني ، وفي مرحلة من المراحل تخلى عن المؤتمر من كان يتزعمه فاختير الشيخ لرئاسته ولكنه اعتذر عن قبول ذلك وكتب بيانا قال فيه :( قررت اللجنة التنفيذية للمؤتمر الإسلامي الجزائري في جلستها الأخيرة بنادي الترقي إسناد رئاسة المؤتمر إلي بدون أخذ رأيي في هذه المسألة الخطيرة، إذ كنت غائبا عن تلك الجلسة. وأنا مع شكري لإخواني الذين أولوني ثقتهم الاجتماعية ، ومع كون الأمة الجزائرية لم تعرف عني في وقت من الأوقات الفرار من الواجبات مع كل هذا أعلن لهؤلاء الإخوان أنهم غفلوا حين أسندوا الرئاسة إلي عن أشغالي العلمية التي تستغرق أوقاتي كلها والتي أضحي في سبيلها بكل عزيز، كما غفلوا عن ارتباطي بهيئات علمية مروضة على الشورى لا تعرف غير سبيلها سبيلا ، وأنها هي المالكة لحياتي لأني جعلت حياتي وقفا عليها . وبناء على هذا فإني أعلن لهؤلاء الإخوة وللأمة الجزائرية كلها أنني لست لنفسي وإنما أنا للأمة أعلم أبناءها وأجاهد في سبيل دينها ولغتها، وأن كل ما يقطع علي الطريق أو يعوقني عن أداء واجبي في السبيل فإني لا أرضى به ولو كان ذلك مصلحة الأمة ) ([212]). [211]/ الآثار (5/286). [212]/ الآثار (6/181) وبعد مشاورة إخوانه في الجمعية أكد الرفض في بيان آخر انظره في (6/186) |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
المبحث السادس : العلم الصحيح هو سلاح الدعاة في معركة الإصلاح http://upload.arabia4serv.com/images...7839198439.gif لقد ذكرنا أن أهل الحق قد جعلوا التوحيد هدف دعوتهم ، والدعوة إلى طريق تحقيقه بمفهومه الواسع فكذلك قد جعلوا من العلم الصحيح وسيلة وسلاحا لدعوتهم ولدعاتهم في معركة الإصلاح، وهذا المعنى معلوم من النصوص الشرعية ومن كلام أهل العلم، فإن الدعوة لا تقوم إلا على العلم، ولا يكون داعيا إلى الله تعالى مصلحا متبوعا إلا من كان متسلحا بالعلم الشرعي، لأن هذا العلم هو مادة الإسلام وموضوعه، قال الشيخ ابن باديس رحمه الله في تفسير قوله تعالى :" ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " (النحل:125):( الحكمة هي العلم الصحيح الثابت المثمر للعمل المتقن … فالحكمة التي أمر الله نبيه r أن يدعو الناس إلى سبيل ربه بها هي البيان الجامع الواضح للعقائد بأدلتها، والحقائق وبراهينها والأخلاق الكريمة بمحاسنها ومقابح أضدادها، والأعمال الصالحة من أعمال القلب واللسان والجوارح بمنافعها ومضار خلافها«([213]). وقال في موضع آخر:( العلم هو وحده الإمام المتبع في الحياة في الأقوال والأفعال والاعتقادات ) ([214]). وبين بعد ذلك الأثر الناتج عن ترك العلم الشرعي فقال: (ولعمر الله إنه ما دخل الضلال عقائد الناس ولا جرى الباطل والزور على ألسنتهم ولا كان الفساد والشر في أفعالهم إلا بإهمالهم أو تساهلهم في هذا الأصل العظيم )([215]). وكذلك مما تجدر الإشارة إليه هنا أنه ليس كل علم هو مقصود بهذا الكلام وإنما هو العلم الصحيح المأخوذ من منابعه الصافية من الكتاب والسنة والذي يلقن بالطرق الشرعية السلفية أيضا، وفي هذا يقول الشيخ رحمه الله تعالى: ( لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم ، فإنما العلماء من الأمة بمثابة القلب ، إذا صلح صلح الجسد كله ، وإذا فسد فسد الجسد كله وصلاح المسلمين إنما هو بفقههم الإسلام وعلمهم به، وإنما يصل إليهم هذا على يد علمائهم ، فإذا كان علماؤهم أهل جمود في العلم وابتداع في العمل فكذلك المسلمون يكونون فإذا أردنا الصلاح للمسلمين فلنصلح علماءهم، ولن يصلح العلماء إلا إذا صلح تعليمهم …ولن يصلح هذا التعليم إلا إذا رجعنا به إلى التعليم النبوي في شكله وموضوعه وصورته، فيما كان يعلم r وفي صورة تعليمه) ([216]). فالعلم يحتاج إلى تصفية وربط بالمصادر الأصلية لهذا الدين وكذلك المناهج المتبعة تحتاج إلى مراجعة وإلى رجوع إلى المنهج النبوي وقلَّ من الناس من فهم هذا ودعا إليه في هذه الأزمنة وقد سبق أن تحدثنا عن الموضوع في آخر بحث من الفصل الثاني ونكتفي هنا بنقل هذه الكلمة للشيخ رحمه الله إذ يقول : ( ونحن بعد أن بينا تعليم الدين من سنة النبي صلى الله عليه و سلم ومن عمل السلف الصالح من أهل القرون الفاضلة المحمودة، ومنهم إمامنا إمام دار الهجرة مالك، فإننا عقدنا العزم على إصلاح التعليم الديني في دروسنا حسب ما تبلغ إليه طاقتنا إن شاء الله)[217] [213]/ الآثار (1/67-68). [214]/ الآثار (1/139). [215]/ الآثار (1/140). [216]/ الآثار (4/74). [217]/ الآثار (4/77). |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
المبحث السابع : نبذ الحزبيات المفرقة لشمل الأمة والمبددة للجهود http://upload.arabia4serv.com/images...7839198439.gif ومن الأمور التي يتميز بها أهل السنة والجماعة أنهم أهل الجماعة لا يتفرقون ولا يكونون سببا للفرقة، بل يدعون إلى الاجتماع وهم حريصون على أسبابه، ومن ثَم فهم مجانبون لأهل الحزبيات الضيقة التي تجعل الولاء في تنظيماتها وفي شيوخها وقادتها، ويرون في هذه الحزبيات أنها مقتل العمل الدعوي، ومن أعظم أسباب الانحراف عن النهج السليم وتبديد الجهود وتضييعها، ولابد من التفريق هنا بين مجرد التنظيم الذي هو مظهر من مظاهر الاجتماع وتوحيد الجهود والتعاون على الخير، وبين التحزُّب الذي يعني عقد الولاء والبراء في جماعة ما وإن لم يكن لها تنظيم ، وقد كتب الشيخ ابن باديس رحمه الله تعالى في هذا مقالا عنوانه دعوى الجاهلية قال فيه :( كل من سعى إلى تحصيل شيء مستعينا بذوي عصبية له لنسبة جنس، أو قبيلة أو بلد أو شيخ أو حرفة أو فكرة غير ناظر إلى أنه على حق أو على باطل ، فقد دعا بدعوى الجاهلية وكل من أجابه فقد شاركه في دعواه ، أما من عرف الحق وتيقن من نفسه الصدق في طلبه واستعان على تحصيله بمن تربطهم به روابط خاصة ولا يأبى أن يعينه عليه من لم يكن من جماعته لأن قصده إلى تحصيل الحق بإعانة أي كان ، فهذا لا يكون دعا بدعوى الجاهلية بل دعوى إسلامية لأنها لا تخرج عن التعاون على الحق وهو من التعاون على البر والتقوى ) ([218]). وقال بعدها :( ليحذر المسلم من كل كلمة مفرقة من كل ما يثير عصبية للباطل وحمية جاهلية لا يدعو بها ولا يجيب من دعا إليها، فإن بلاء كثيرا حل بنا وفتنة كبيرة أصابتنا من تلك الكلمات المفرقة . ولتكن دعوته إذا دعا بالكلمات الجامعة التي تشعر بالأخوة العامة ، وتبعث على القيام بالواجب بأيد متشابكة وقلوب متحدة ، حتى إذا دعا جماعة خاصة يعلم منها نفعا خاصا في مكان خاص فليكن بما يفهم أنه إلى الحق دعاهم وعلى القيام به استعان بهم دون إباية من انضمام كل من ينضم إليهم ) ([219]). وهذا لا يعني أنه يتبنى فكرة نجتمع وانتهى الأمر، لا!! بل لابد من تحديد الأمور الكلية والقطعية التي لا ينبغي خرمها بحال والأهداف التي يراد الوصول إليها من خلال هذا العمل الجماعي، وهذا ما فعلة الشيخ حيث كتب أصول دعوة جمعية العلماء بنفسه، ووضع مع بقية إخوانه القانون الأساسي للجمعية الذي رضيه من له علم من الطرقية أول الأمر ثم انسحبوا منها ، وهاهو الشيخ يحدثنا عن انسحابهم منها :( ها هو القانون الأساسي للجمعية كما وضع أول مرة منذ خمس سنوات وقد كان الذين وضعوه شطرهم من الطرقيين، ولكنهم ما أكملوا السنة الأولى حتى فروا من الجمعية وناصبوها العداء واستعانوا عليها بالظلمة ورموها بالعظائم وجلبوا عليها من كل ناحية بكل ما كان عندهم من كيد ، ذلك لأنهم وجدوا كثيرا من الآفات الاجتماعية التي تحاربها هي مصدر عيشهم ووجدوا قسما منها مما تغضب محاربته سادتهم ومواليهم وقد شاهدوا مظاهر الغضب بالفعل منهم، فما رفضتهم الجمعية ولا أبعدتهم ولكنهم هم أبعدوا أنفسهم «([220]). [218]/ الآثار (2/93). [219]/ الآثار (2/94). [220]/ الآثار (4/198). |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
المبحث الثامن : إظهار الحق والأمر بالمعروف والنهي عن كل منكر http://upload.arabia4serv.com/images...7839198439.gif ومن أصول الإسلام المتفق عليها ومن صفات أهله المميزة لهم والتي مدحهم بها رب العالمين في القرآن الكريم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لأن من ثمرة الإيمان الحق الغيرة على هذا الدين والبذل في سبيله ، والسلفيون قولا وعملا لا يفرطون في باب الدعوة والتبليغ ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك بحسب المراتب التي بيَّنها النبي صلو الله عليه و سلم ، فهم لا يعرفون المداهنة التي توجب ضياع الحق وعدم بيانه ، وهم بهذا الأصل يتميزون عن طوائف من الناس مالوا إلى الإرجاء وعطلوا الأمر والنهي مداهنة لبعض الناس وحرصا على عدم إغضاب آخرين ، ويقول الشيخ رحمه الله في التحريض على هذه الصفة الحميدة :( على أهل الحق أن يكون الحق راسخا في قلوبهم عقائد، وجاريا على ألسنتهم كلمات ، وظاهرا على جوارحهم أعمالا ، يؤيدون الحق حيثما كان وممن كان ، ويخذلون الباطل حيث كان وممن كان ، ويقولون كلمة الحق على القريب والبعيد على الموافق والمخالف ويحكمون بالحق كذلك على الجميع ، ويبذلون نفوسهم وأموالهم في سبيل نشره بين الناس وهدايتهم إليه بدعوة الحق ، وحكمة الحق وأسبابه ووسائله على ذلك يعيشون وعليه يموتون ، فلنجعل هذا السلوك سلوكنا وليكن همنا ، فما وفينا منه حمدنا الله تعالى عليه ، وما قصرنا فيه تبنا واستغفرنا ربنا، فمن صدقت عزيمته ووطن على العمل نفسه أعين ويسر للخير وربك التواب الرحيم ) ([221]). ويرى الشيخ أن الأمر بالمعروف واجب وجوبا عينيا، لكنه حسب العلم والاستطاعة، فقال رحمه الله :( ومن الدعوة إلى الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو فرض عين على كل مسلم ومسلمة بدون استثناء، وإنما يتنوع الواجب بحسب رتبة الاستطاعة) ([222]). وجمعا بين هذا الأصل والأصل الذي قبله فقد نبه الشيخ على أن أمر الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابد أن يكون عن علم وبصيرة، وذلك حتى لا ينتج عن النهي عن المنكر منكر أعظم منه، فقال الشيخ في موضع وهو يؤكد قضية الوجوب في تفسير قوله تعالى :'' قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني '':( على كل مسلم أن يكون داعيا إلى الله : لقد كان في بيان أن الدعوة إلى الله هي سبيل محمد صلى الله عليه وسلم وما يفيد أن على أتباعه -وهو قدوتهم ولهم فيه أسوة حسنة- أن تكون الدعوة إلى الله سبيلهم، لكن لتأكيد هذا عليهم، وبيان أنه من مقتضى كونهم أتباعه، وأن اتباعهم له لا يتم إلا به جاء التصريح بذلك هكذا ''أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني'' فالمسلمون أفرادا وجماعات عليهم أن يقوموا بالدعوة إلى الله وأن تكون دعوتهم على بيّنة وحجة وإيمان ويقين وأن تكون دعوتهم وفقا لدعوته وتبعا لها)([223]). وإذا كان هذا الأصل واجبا على عامة الناس بحسب علمهم، فهو واجب على العلماء وجوبا عينيا ملازما خاصة في بيان المنكرات العامة التي تهم عموم الأمة ، فإن الناس كما يعتبرون فتاوى العلماء فإنهم ينظرون إلى سكوتهم، بل ويستدلون به، لذلك فإن المسؤولية الملقاة على أهل العلم في هذا الباب أعظم بكثير من المسؤولية الملقاة على غيرهم ، وهذا نداء العلامة ابن باديس رحمه الله تعالى إلى علماء الزيتونة يقرر فيه بعض المعاني التي ذكرنا قال رحمه الله:( إن مسؤولية العلماء عند الله فيما أصاب المسلمين في دينهم لعظيمة وإن حسابهم على ذلك لشديد طويل، ذلك بما كتموا من دين الله، وبما خافوا في نصرة الحق سواه، وبما حافظوا على منزلتهم عند العامة وسادة العامة ولم يحافظوا على درجاتهم عنده، وبما شحوا ببذل القليل من دنياهم فيما يرضيه، وبما بدلوا وأسرفوا في الكثير من دينهم فيما يغضبه اللهم إلا نفرا منهم...) ([224]). ثم تعرض لذكر بعض المسائل المنكرة التي سكت عنها علماء الزيتونة خوفا من فرنسا أو سلطان العوام فقال : ( لقد سئلتم عن رفض الشريعة الإسلامية بسبب التجنس ذلك الرفض المخرج عن الإسلام فسكتم ، وقال الناس إنكم خفتم على مناصبكم وها أنتم تسألون اليوم عن البدع والمنكرات الفاشية في المسلمين باسم الدين ، تنكر البدع التي أماتت ضمائرهم وخدرت عقولهم وجمدت أفكارهم وأفسدت أخلاقهم وأضاعت أموالهم، وسلبتهم حقيقة دينهم ، وتركتهم بلاء على أنفسهم ، وفتنة لغيرهم فهل أنتم اليوم ساكتون وبالتخويف على مناصبكم معتذرون؟ إننا ندعوكم بكلمة الله إلى الصدع بالحق وإنقاذ المسلمين ، فإن أجبتم فذلك الظن بكم والله معكم ولن يتركم أعمالكم ، وإن أبيتم فعليكم إثم الهالكين وحسب المسلمين رب العالمين )([225]). إن الرد على المخالف من أصول الإسلام القطعية ، وقد رد الشيخ على كثير من المبطلين في زمانه فكتب ردا على أحمد بن عليوه لما أساء الأدب مع الرسول صلى الله عليه و سلم ، وكتب ردا على الحجوي المغربي لما تساهل في الحكم على الطريقة التيجانية ، ورد على المولود الحافظي في زعمه أن الواصلين يعبدون الله تعالى بلا خوف ولا رجاء ، ورد على شيخه الطاهر بن عاشور في فتواه في القراءة على الأموات وبدع الجنائز ، ورد على بكير المزابي لما طعن في السلف الصالح ، كما رد على فرحات عباس لما زعم أن الجزائر فرنسية الخ ، هذا ما يتعلق بالردود المباشرة على الأشخاص المعينين ، وإلا فإن له مواضع كثيرة يرد فيها الباطل دون تسمية أصحابه لعدم الحاجة إلى ذلك ، لأن القصد من الرد بيان الحق وهداية الخلق ، وليس التنقيص من المخطئين أو تتبع أخطاء المبطلين لأن ذلك ينافي الحكمة ، فقد ينسى الداعية والعالم نفسه وينصرف عن دعوته ويشغل عما هو أهم وهو التربية والتكوين، وفي هذا المعنى يقول الشيخ عبد الحميد بن باديس :« فلا نعجب لمن يعارض ويكايد ويماري ، ولكننا نعجب لأنفسنا ولكم إذا أقمنا لتلك المعارضات والمكائد وزنا أو شغلنا بها حيزا من نفوسنا أو أضعنا فيها حصة من أوقاتنا، وإن أدنى ما يغنمه المبطل أن يضيع الوقت على المحق، وإنني أوصيكم ونفسي في هذا المقام أن يكون في حقكم شاغل لكم عن باطل المبطلين ، فإذا قام حقكم واستوى قضيتم على المبطلين وباطلهم ، وإننا نشهد الله والمنصفين من الأمة على أننا ماضون في بيان الحق وأن مبدأنا الإصلاحي التهذيبي قد ملك علينا حواسنا وأوقاتنا، فإذا بدر منا في بعض الأوقات كلام على باطل المبطلين فليس ذلك عن قصد له وحفل به، ولكن لأنه صادمنا وتوقف إثبات حقنا على نفيه . وما حيلة من يسلك سبيلا فتعترضه الصخور حتى لا يجد عنها محيدا، إن الضرورة تقضي عليه أن يجهد في نزعها وإماطتها ثم لا يكون جهده في ذلك إلا كتماديه في السير»([226]). [221]/ الآثار (1/187). [222]/ الآثار (1/61). [223]/ الآثار (1/60). [224]/ الآثار (3/267). [225]/ الآثار (3/269). [226]/ الآثار (4/165-166). |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
المبحث التاسع : الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة http://upload.arabia4serv.com/images...7839198439.gif ومن الأصول التي لابد من بيانها وتبنيها في باب الدعوة إلى الله وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ أصل سلوك الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي أحسن، الذي يجنب الدعاة وعموم الناس المبلِّغين من الوقوع في الإفساد وهم يقصدون الإصلاح، ويعصمهم من تنفير الناس وتشويه الإسلام من حيث هم يريدون الترغيب فيه وتحسين صورته ، ومن المعاني المندرجة في هذا الأصل ما سبق ذكره من اشتراط العلم في الداعي الموجه ( العلم بأصول الدعوة وأساليبها ) والعلم بكل مسألة يريد المسلم الخوض فيها، ويندرج في هذا الأصل أيضا قضية الحلم في عرض الحق وتبليغه، فلا يقابل الداعي الناس بالتفسيق والتبديع وربما بالتكفير! إن كان المنكر المراد تغييره كفرا، لما في ذلك من مفسدة الصد عن سبيل الله وتبغيض الحق وأهله إلى هؤلاء الناس، الذين يحتاج أكثرهم إلى تبشير ودعوة بالتي هي أحسن، ومما يندرج تحت هذا الأصل الصبر بعد التبليغ الصبر على الأذى وعلى عدم استجابة الناس، فلابد من اجتناب التهور وردود الفعل غير الشرعية، خاصة ممن نطق وتكلم باسم الإسلام، ولابد من الثبات على نفس الطريق الذي رسمه الداعي لنفسه وأن لا يستعجل الثمرة وأن لا يتعجل خطوات العمل الدعوي فيرجع مخربا لعمله ولعمل غيره من الدعاة من حيث لا يشعر ، ولذلك كان من الكلمات التي رددها كثيرا محدث العصر الألباني رحمه الله، وهو ينصح العاملين في ساحة الدعوة والمجتهدين في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:" قل كلمتك وانصرف "، التي تعني أن الداعي مكلف أن يبلغ لا أن يجبر الناس على الامتثال، والحرص الزائد من الداعي على استجابة الناس من أعظم أسباب الانحراف في هذا الزمن، فما ظهر التمييع والمميعون إلا من هذا المنطلق، ولا ظهرت القسوة والشدة إلا منه أيضا، وأهل الحق يسيرون على خط واحد ويعاملون الناس بقواعد شرعية ثابتة، لا تتأثر بواقع ولا بالأحوال النفسية للدعاة . وفي بيان بعض هذه المعاني يقول ابن باديس رحمه الله تعالى في تفسير قوله عز وجل (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً)(الإسراء54): ( وخاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه و سلم أنه لم يرسله وكيلا على الخلق حفيظا عليهم كفيلا بأعمالهم ، فما عليه إلا تبليغ الدعوة ونصرة الحق بالحق والهداية والدلالة إلى دين الله وصراطه المستقيم ، خاطبه بهذا ليؤكد لخلقه ما أمرهم به من قول التي هي أحسن للموافق والمخالف فلا يحملنهم بغض الكفر والمعصية على السوء في القول لأهلها، فإنما عليهم تبليغ الحق كما بلغه نبيهم صلى الله عليه و سلم ولن يكون أحد أحرص منه على تبليغه، فحسبهم أن يكونوا على سنته وهديه)([227]). إذن لن يكون في الدعاة أحد أغير على الدين وأكثر حرصا على هداية الناس من نبينا وقدوتنا محمد صلى الله عليه و سلم، لذلك حسبنا الاقتداء به في لينه ورفقه مع عدم استعجاله ، وقد ركز ابن باديس على قضية الأسلوب والقسوة في الكلام والجور في الأحكام، وكأنه استشعر وقوع ذلك من الناس، أو علم كثرة فشوه في الناس تبعا لقلة العلم في آخر الزمان فقال في موضع آخر :( أقوى الأحوال مظنة لكلمة السوء هي حالة المناظرة والمجادلة ، وأقرب ما تكون إلى ذلك إذا كان الجدال في أمر الدين والعقيدة ، فما أكثر ما يضلل بعضه بعضا أو يفسقه أو يكفره فيكون ذلك سببا لزيادة شقة الخلاف اتساعا ، وتمسك كل برأيه ونفوره من قول خصمه ، دع ما يكون عن ذلك من البغض والشر …فلا يقال للكافر عند دعوته أو مجادلته إنك من أهل النار، ولكن تذكر الأدلة على بطلان الكفر وسوء عاقبته، ولا يقال للمبتدع يا ضال، وإنما تبين البدعة وقبحها، ولا يقال لمرتكب الكبيرة يا فاسق، ولكن يبين قبح تلك الكبيرة وضررها وعظم إثمها وتُقبح القبائح والرذائل في نفسها وتجتنب أشخاص مرتكبيها) ([228]). وفي هذه الجملة الأخيرة مظهر من مظاهر الحكمة في الدعوة التي ربما غفل عنها من قل علمه بسنة النبي صلى الله عليه و سلم ومنهجه في الدعوة وهو أن يكون التركيز في العلاج على المرض في حد ذاته وعلى أعراضه وسبل علاجه، ولا يجعل الكلام على أعيان المرضى لأن ذلك من أسباب التنفير وقد كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا رأى منكرا في أناس وضع المنبر وقال ما بال أقوام حتى لا يجرح نفوس من وقع في ذلك المنكر ولا ينفرهم ، وفي السياق نفسه يقول الشيخ رحمه الله تعالى في تفسير قوله عز وجل :(وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ) :( والتي هي أحسن هي الكلمة الطيبة والمقالة التي هي أحسن من غيرها فيعم ذلك ما يكون من الكلام في التخاطب العادي بين الناس …وما يكون من الكلام في مقام التنازع والخصام فيقتصر على ما يوصله إلى حقه في حدود الموضوع المتنازع فيه، دون إذاية لخصمه ولا تعرض لشأن من شؤونه الخاصة به ، وما يكون من باب إقامة الحجة وعرض الأدلة فيسوقها بأجلى عبارة وأوقعها في النفس خالية من السب والقدح ومن الغمز والتعريض ومن أدنى تلميح إلى شيء قبيح وهذا يطالب به المؤمنون سواء كان ذلك فيما بينهم أو بينهم وبين غيرهم…وهذا الأدب الإسلامي وهو التروي عند القول واجتناب السيئ والاختيار الأحسن ضروري لسعادة العباد وهنائهم، وما كثرت الخلافات والخصومات وتنافرت المشارب وتباعدت المذاهب حتى صار المسلم عدو المسلم…إلا لتركهم هذا الأدب وتركهم للتروي عند القول والتعمد للسيئ بل للأسوأ في بعض الأحيان)([229]). ويقول أيضا :( فالنقائص الشخصية في الإنسان لا تقال في غيبته لأنها غيبة محرمة، ولا يجابه بها في حضوره لأنها إذاية ، إلا إذا واجه بها على وجه النصيحة بشروطها المعتبرة التي من أولها أن لا تكون في الملأ )([230]). ومن مظاهر الحكمة عند الجدال التواضع للخصم وعدم ادعاء امتلاك الحقائق المطلقة التي لا تقبل النقاش ، لأن الخصم إن شعر بذلك من الداعي يحرص هو الآخر على نفس الدعوى وانصرف عن تفهم ما يقوله الداعي وجعل همه في الدفاع عما هو عليه، وقد نبه الشيخ رحمه الله إلى هذا المعنى في سياق بديع وهو يفسر قوله تعالى :( قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ) فقال : (ومن فوائد الآية الكريمة استدراج الضال لقبول الهداية ، وذلك بمناصفته بأنك على ناحيتك وهو على ناحيته وإظهار التساوي معه أمام علم الله وقدرته ، وهذا من أنفع الأسباب في نجاح الدعوة وعليه في القرآن آيات كثيرة منها سورة :] قل يا أيها الكافرون [ فينبغي لدعاة الحق أن يلتزموه ولا يهملوه . والبراءة من أهل الباطل وذلك بإعلان المباينة لهم والمخالفة لهم في عملهم وما انبنى عليه عملهم بأسلوب المناصفة الذي جاءت به الآية الكريمة فتحصل البراءة مع الفائدة المتقدمة)([231]). وكثير من الناس في هذا الباب لا يعرفون إلا الغلو والتطرف، فلا يستطيع أن يجمع في قلبه بين البراءة من الشرك والبدعة والمعصية، وبين الحكمة في التبليغ والجدال بالتي هي أحسن، ودين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي عنه ، وإذا قلنا أنه لابد من تجنب الحكم على الناس بكفر وغيره عند دعوتهم، فلا يعني هذا أن لا نحكم على الفعل بالكفر ونحوه وأن نبغضه ، ولا ينفي ذلك الحكم على الشخص نفسه بعد استيفاء شروط التكفير وانتفاء الموانع ، لذلك نورد بعض نصوص الشيخ في هذا السياق، قال رحمه الله :( فلذا بين تعالى أن هدايته لخلقه إنما تكون برسوله وكتابه فيتمسك بها من يريد الهدى ، وليحكم على من لم يهتد بها بالزيغ والضلال)([232]). وقال أيضا : (والمباينة والتبري لازمة من كل كفر وضلال، وذلك مستفاد من الدعوة إلى الله وتنزيهه ، وإنما خصص المشركين لما تقدم ولأن الشرك هو شر الكفر وأقبحه ) ([233]). [227]/ الآثار (1/155). [228]/ الآثار (1/154). [229]/ الآثار (1/152-153). [230]/ الآثار (1/141). [231]/ الآثار (1/197). [232]/ الآثار (1/55). [233]/ الآثار (1/65). |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
خاتمة في انتساب ابن باديس إلى السلفية http://upload.arabia4serv.com/images...7839198439.gif قد ينكر بعض الناس أن الشيخ ابن باديس كان سنيا سلفيا ، وفيما ذكرنا فصلنا في هذا البحث إن شاء الله دلالة على أن الشيخ رحمه الله لم يكن إلا كذلك، ولما كان بعضهم يطلب فوق ذلك دليل الانتساب والتسمية، رأينا أن لا نخلي هذا الموضع من بعض أقواله الدالة على انتسابه إلى السلف وارتضائه النسبة إليهم. على أن عدم انتساب ابن باديس إلى السلفية-لفظا- ليس مما يؤخره عنها، لأننا لو بحثنا عن ذلك في كلام كثير من علماء أهل السنة لما وجدنا ذلك أيضا، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه. ولا بأس أن نذكر في هذا المقام بأصل من الأصول الإسلامية، وهو قبول ما يُظهر الناس وأن أهل السنة هم الذين ليس لهم نسبة إلا السنة ، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على أحدهم :(وإن أردت بالتستر أنهم يجتنون به ويتقون به غيرهم ويتظاهرون به حتى إذا خوطب أحدهم قال أنا على مذهب السلف، وهذا الذي أراده والله أعلم فيقال له لا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق ، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقا، فإن كان موافقا له باطنا وظاهرا فهو بمنزلة المؤمن الذي هو على الحق باطنا وظاهرا، وإن كان موافقا له في الظاهر فقط دون الباطن فهو بمنزلة المنافق فتقبل منه علانيته وتوكل سريرته إلى الله، فإنا لم نؤمر أن ننقب عن قلوب الناس ولا أن نشق بطونهم)([234]). قال ابن باديس رحمه الله في الدفاع عن الشيخ ابن عبد الوهاب :(قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوة دينية فتبعه عليها قوم فلقبوا بالوهابيين، ولم يدع إلى مذهب مستقل في الفقه ، فإن أتباع النجديين كانوا قبله ولا زالوا إلى الآن بعده حنبليين ، يدرسون الفقه في كتب الحنابلة ، ولم يدع إلى مذهب مستقل في العقائد ، فإن أتباعه كانوا ولا زالوا إلى الآن سنيين سلفيين أهل إثبات وتنزيه …الخ »([235]). وقال: ( هذا هو التعليم الديني السني السلفي، فأين منه تعليمنا نحن اليوم وقبل اليوم منذ قرون وقرون؟ فقد حصلنا على شهادة العالمية من جامع الزيتونة ونحن لم ندرس آية واحدة من كتاب الله ولم يكن عندنا أي شوق أو أدنى رغبة في ذلك، ومن أين يكون لنا هذا ونحن لم نسمع من شيوخنا يوما منزلة القرآن من تعلم الدين والتفقه فيه ولا منزلة السنة النبوية من ذلك)([236]). وقال وهو يعدد أصول الجمعية : (الأصل الخامس: سلوك السلف الصالح « الصحابة والتابعين وأتباع التابعين » تطبيق صحيح لهدي الإسلام . والأصل السادس: فهوم السلف الصالح أصدق الفهوم لحقائق الإسلام ونصوص الكتاب والسنة … والأصل السابع عشر: ندعو إلى ما دعا إليه الإسلام ، وما بيناه من الأحكام بالكتاب والسنة وهدي السلف الصالح من الأئمة ) وكتب مقالا عنونه بقوله: (مناظرة بين سلفي ومعتزلي في مجلس الواثق) ([237]) . وقال في تقديمه لمقال ملك العرب المنشور في الشهاب :( هي صفحة من تاريخ الملك العربي السلفي عبد العزيز آل سعود الذي شرفه الله بخدمة ذلك البيت المعظم في هذا العهد ، ومد تعالى بملكه رواق الأمن والعدل والتهذيب والدين الخالص عن ربوع الحجاز أرض الحرمين الشريفين ، وإن نهضة هذا الملك العظيم ، وفي حياته وصفاته لدرسا عميقا ومجالا واسعا للعبرة والتفكير ) ([238]). وأخيرا هذه كلمة قالها في الثناء على الشيخ الطيب العقبي:( حياك الله وأيدك يا سيف السنة وعلم الموحدين، وجازاك الله أحسن الجزاء عن نفسك وعن دينك وعن إخوانك السلفيين المصلحين ) ([239]). وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين . [234]/ مجموع الفتاوى (4/149) رحم الله ابن تيمية كأنه يرد بكلامه هذا على بعض أهل زماننا. [235]/ الآثار (5/32). [236]/ الآثار (4/76). [237]/ الآثار (3/155). [238]/ الآثار (3/145). [239]/ الآثار (5/435). |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
« فلا نعجب لمن يعارض ويكايد ويماري ، ولكننا نعجب لأنفسنا ولكم إذا أقمنا لتلك المعارضات والمكائد وزنا أو شغلنا بها حيزا من نفوسنا أو أضعنا فيها حصة من أوقاتنا، وإن أدنى ما يغنمه المبطل أن يضيع الوقت على المحق، وإنني أوصيكم ونفسي في هذا المقام أن يكون في حقكم شاغل لكم عن باطل المبطلين ، فإذا قام حقكم واستوى قضيتم على المبطلين وباطلهم ، وإننا نشهد الله والمنصفين من الأمة على أننا ماضون في بيان الحق وأن مبدأنا الإصلاحي التهذيبي قد ملك علينا حواسنا وأوقاتنا، فإذا بدر منا في بعض الأوقات كلام على باطل المبطلين فليس ذلك عن قصد له وحفل به، ولكن لأنه صادمنا وتوقف إثبات حقنا على نفيه . وما حيلة من يسلك سبيلا فتعترضه الصخور حتى لا يجد عنها محيدا، إن الضرورة تقضي عليه أن يجهد في نزعها وإماطتها ثم لا يكون جهده في ذلك إلا كتماديه في السير»
رحم الله الشيخ بن باديس كلامه و الله درر |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
قال ابن باديس رحمه الله: «فصلاحُ النَّفسِ هو صلاحُ الفَرْدِ، وصلاحُ الفردِ هو صلاحُ المجْمُوعِ، والعنايةُ الشَّرعيَّةُ مُتَوَجِّهَةٌ كُلُّها إلى إصلاحِ النُّفوسِ؛ إِمَّا مباشرةً وإمَّا بواسطةٍ، فما مِنْ شيءٍ مِمَّا شَرَعَهُ اللهُ تعالى لعبادِه منَ الحقِّ والخيرِ والعدلِ والإحسانِ، إلاَّ وهو راجعٌ عليها بالصَّلاح، وما من شيءٍ نهى اللهُ تعالى عنه من الباطلِ والشَّرِّ والظُّلمِ والسُّوءِ، إلاَّ وهو عائدٌ عليها بالفساد؛ فتكميل النَّفْسِ الإنسانيَّةِ هو أعظمُ المقصودِ من إنزالِ الكتبِ وإرسالِ الرُّسلِ، وشرع الشَّرَائِعِ» الاثار |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
بارك الله فيكم على تثبيت الموضوع |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
لا أدري لماذا أنتم حريصون على ضم مصلحنا [ عبد الحميد بن بادبيس] إلى [السلفية المستحدثة ]، والرجل أعلى منها .
|
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
اقتباس:
لو تقرأ يا أخي لوجدت الشيخ رحمه الله حريصا على ذلك الإنتماء في أكثر من قول بورك فيك |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
( على أهل الحق أن يكون الحق راسخا في قلوبهم عقائد، وجاريا على ألسنتهم كلمات ، وظاهرا على جوارحهم أعمالا ، يؤيدون الحق حيثما كان وممن كان ، ويخذلون الباطل حيث كان وممن كان ، ويقولون كلمة الحق على القريب والبعيد على الموافق والمخالف ويحكمون بالحق كذلك على الجميع ، ويبذلون نفوسهم وأموالهم في سبيل نشره بين الناس وهدايتهم إليه بدعوة الحق ، وحكمة الحق وأسبابه ووسائله على ذلك يعيشون وعليه يموتون ، فلنجعل هذا السلوك سلوكنا وليكن همنا ، فما وفينا منه حمدنا الله تعالى عليه ، وما قصرنا فيه تبنا واستغفرنا ربنا، فمن صدقت عزيمته ووطن على العمل نفسه أعين ويسر للخير وربك التواب الرحيم )
|
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
بارك الله فيك على المجهود جعله الله في ميزان الحسنات.
كثير من الأخوة تدندن حول الإستحداث وأن السلفية من البدع (يا سلام) كما يُلام الإخوة السلفية عند نسبتهم الشيخ إبن باديس وأخوه الإبراهيمي لهم أو قل منهج الجمعية أولا السلفية منهج وليست حزب قال الشيخ محمد الصالح بن عثيمين – رحمه الله - : السلفيَّة هي اتباع منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ؛ لأنهم سلفنا تقدموا علينا ، فاتِّباعهم هو السلفيَّة ، وأما اتِّخاذ السلفيَّة كمنهج خاص ينفرد به الإنسان ويضلل من خالفه من المسلمين ولو كانوا على حقٍّ : فلا شكَّ أن هذا خلاف السلفيَّة ، فالسلف كلهم يدْعون إلى الإسلام والالتئام حول سنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم. وقال"فالسلفيَّة بمعنى أن تكون حزباً خاصّاً له مميزاته ويُضلِّل أفراده سواهم : فهؤلاء ليسوا من السلفيَّة في شيء" . وهذا هو مدار كلام كلّ من يحب الله ورسوله و الصحابة ،فكيف ندعي ونقول أن السلفي بدعة مستحدثة وهي تدعوا كما قال إبن مسعود رضي الله عنه « إنكم أصبحتم على الفطرة، وإنكم ستحدثون، ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة، فعليكم بالهدي الأول ». [الدارمي (169) ، السنَّة للمروزي (80)] وقال أيضا "وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : « مَنْ كان مُسْتنّا فَلْيَسْتن بمَنْ قَدْ مَاتَ أولئكَ أَصْحابُ مُحمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا خَيرَ هذه الأمَّة، وأَبَرها قُلوبا، وأَعْمقَها عِلْما، وأَقَلّها تَكلفا، قَوم اخْتارَهُمُ اللهُ لِصُحْبَة نَبيه - صلى الله عليه وسلم - ونَقلِ دينه فَتَشبَّهوا بأَخْلاقِهِم وطَرائِقِهم ؛ فَهُمْ كانوا عَلَى الهَدْي المُستقِيم ». [جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (2/97) ، الحجة في بيان المحجة للأصبهاني (498) ، الشريعة للآجري (1143)] وكلام الصحابة عليهم الرضوان ليس هنا المجال لحصره ، فلو كنّا نحبهم ونوقرهم ونجلهم فكلامهم يصبح على العين والرأس أما غير ذلك فإدعات إن المحب لمن يحب مطيع وهذا الواجب أن نفتخر به لا أن نتنابز و ننفر منه على أساس أن عندهم أخطاء وزلاّت من ذا الذى ما ساء قط ****** ومن له الحسنى فقط ثانية الجمعية سلفية المنهج بكل علمائها حب ّ من حب وكره من كره وهي مبثوثة في كلامهم ومقالاتهم والمشايخ بسطوا ذلك فلادعي للعودة للموضوع أو محاولة البحث عما يناقض ذلك لأنهم أعلم منّا بذلك، وهي من المزايا التي تحسب للعلماء فلو حاولنا الوقوف عند المتناقضات لما إستطاع أحد أن ينتسب لسلف فهم من هم.... فما أبعدنا عنهم كبعد الثرى عن الثريا ،فالشيخ فركوس مثلا عندما إهتم بكتب الشيخ إبن باديس هل غاب عنه أنه إحتفل بالمولد أو أنه أثنى على العلماني كمال أتاتورك،ولكن الأصل في الدعوة إلى الله هو التوحيد التي أفنى فيها الرسول عشر سنوات من مسار الرسالة وحث عليها صحابته في كل سراياهم كما جاء في حديث معاد وهذا هو أصل عمل الجمعية وله أنشأت المدارس وكان لها من الإمكانيات التي تجعلها تلقي خطبا رنانة تحدثها عن السياسة وأغوارها...... أعتذر عن الإطالة ولكن أتعجب من كل هذا البغض لناس تأسوا بأفضل الخلق بعد الرسل فلم ينتسبوا لشخص كالطرق الصوفية أو لأفكار سياسة والله أعلم |
رد: أصول الدعوة السلفية عند بن باديس رحمه الله/أصول الفقه
بارك الله فيك الأخ أبشر على الإضافة القيمة
|
| الساعة الآن 11:50 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى