![]() |
عن صيد الخاطر ..
ابن الجوزي عن صيد الخاطر
فصل العلماء العاملون لقيت مشايخ أحوالهم مختلفة يتفاوتون في مقاديرهم في العلم. وكان أنفعهم لي في صحبة العامل منهم بعلمه وإن كان غيره أعلم منه. ولقيت جماعة من علماء الحديث يحفظون ويعرفون ولكنهم كانوا يتسامحون بغيبة يخرجونها مخرج جرح وتعديل ويأخذون على قراءة الحديث أجرة ويسرعون بالجواب لئلا ينكسر الجاه وإن وقع خطأ. ولقيت عبد الوهاب الأنماطي فكان على قانون السلف لم يسمع في مجلسه غيبة ولا كان يطلب أجراً على سماع الحديث وكنت إذا قرأت عليه أحاديث الرقائق بكى واتصل بكاؤه. فكان - وأنا صغير السن حينئذ - يعمل بكاؤه في قلبي ويبني قواعد. وكان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل. ولقيت الشيخ أبا منصور الجواليقي فكان كثير الصمت شديد التحري فيما يقول متقناً محققاً. وكان كثير الصوم والصمت فانتفعت برؤية هذين الرجلين أكثر من انتفاعي بغيرهما. ففهمت من هذه الحالة أن الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول. ورأيت مشايخ كانت لهم خلوات في انبساط ومزاح فراحوا عن القلوب وبدد تفريطهم ما جمعوا من العلم. فقل الانتفاع بهم في حياتهم ونسوا بعد مماتهم فلا يكاد أحد أن يلتفت إلى مصنفاتهم. فالله الله في العلم بالعمل فإنه الأصل الأكبر. والمسكين كل المسكين من ضاع عمره في علم لم يعمل به ففاتته لذات الدنيا وخيرات الآخرة فقدم مفلساً مع قوة الحجة عليه. |
رد: عن صيد الخاطر ..
جزاك الله خيرا اخي الحبيب
|
رد: عن صيد الخاطر ..
اقتباس:
|
رد: عن صيد الخاطر ..
ابن الجوزي رحمه الله عن صيد الخاطر
فصل إضاعة الوقت رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعاً عجيباً. إن طال الليل فبحديث لا ينفع أو بقراءة كتاب فيه غزاة وسمر. وإن طال النهار فبالنوم. وهم في أطراف النهار على دجلة أو في الأسواق. فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة وهي تجري بهم وما عندهم خبر. ورأيت النادرين قد فهموا معنى الوجود فهم في تعبئة الزاد والتأهب للرحيل. إلا أنهم يتفاوتون وسبب تفاوتهم قلة العلم وكثرته بما ينفق في بلد الإقامة. والغافلون منهم يحملون ما اتفق وربما خرجوا لا مع خفير. فكم ممن قد قطعت عليه الطريق فبقي مفلساً. فالله الله في مواسم العمل. والبدار البدار قبل الفوات. واستشهدوا العلم واستدلوا الحكمة ونافسوا الزمان وناقشوا النفوس واستظهروا بالزاد. فكأن قد حدا الحادي فلم يفهم صوته من وقع مع الندم. |
رد: عن صيد الخاطر ..
ابن الجوزي رحمه الله عن صيد الخاطر
فصل بين العلم والعمل تأملت المراد من الخلق فإذا هو الذل واعتقاد التقصير والعجز. ومثلت العلماء والزهاد العاملين صنفين فأقمت في صف العلماء مالكاً وسفيان وأبا حنيفة والشافعي وأحمد وفي صف العباد مالك بن دينار ورابعة ومعروف الكرخي وبشر بن الحارث. فكلما جد العباد في العبادة وصاح بهم لسان الحال. عباداتكم لا يتعداكم نفعها وإنما يتعدى نفع العلماء وهم ورثة الأنبياء وخلفاء الله في الأرض هم الذين عليهم المعول ولهم الفضل إذا أطرقوا وانكسروا وعلموا صدق تلك الحال وجاء مالك بن دينار إلى الحسن يتعلم منه ويقول: الحسن أستاذنا. وإذا رأى العلماء أن لهم بالعلم فضلاً صاح لسان الحال بالعلماء: وهل المراد من العلم إلا العمل وقال أحمد بن حنبل: وهل يراد بالعلم إلا ما وصل إليه معروف وصح عن سفيان الثوري قال: وددت أن يدي قطعت ولم أكتب الحديث. وقالت أم الدرداء لرجل: هل عملت بما علمت قال: لا. قالت: فلم تستكثر من حجة الله عليك. وقال أبو الدرداء: ويل لمن يعلم ولم يعمل مرة وويل لمن علم ولم يعمل سبعين مرة. وقال الفضيل: يغفر للجاهل سبعون ذنباً. قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد. فما يبلغ من الكل قوله تعالى: " هَلْ يَسْتَوِي الَّذِيْنَ يَعْلَمُون والَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ". وجاء سفيان إلى رابعة: فجلس بين يديها ينتفع بكلامها فدل العلماء العلم على أن المقصود منه العمل به وأنه آلة فانكسروا واعترفوا بالتقصير. فحصل الكل على الاعتراف والذل فاستخرجت المعرفة منهم حقيقة العبودية باعترافهم فذلك هو المقصود من التكليف. |
رد: عن صيد الخاطر ..
ابن الجوزي رحمه الله عن صيد الخاطر .....
فصل تجارب مع الناس من أعظم الغلط الثقة بالناس والاسترسال إلى الأصدقاء. فإن أشد الأعداء وأكثرهم أذى الصديق المنقلب عدواً لأنه قد اطلع على خفي السر قال الشاعر: احذر عدوك مرة.... واحذر صديقك ألف مرة فلربما انقلب الصديق ... فكان أعم بالمضرة واعلم أن من الأمر الموضوع في النفوس الحسد على النعم أو الغبطة وحب الرفعة فإذا رآك من يعتقدك مثلاً له وقد ارتقيت عليه فلا بد أن يتأثر وربما حسد. فإن قلت: كيف يبقى الإنسان بلا صديق قلت لك أتراك ما تعلم أن المجانس يحسد وأن أكثر العوام يعتقدون في العالم أنه لا يتبسم ولا يتناول من شهوات الدنيا شيئاً فإذا رأوا بعض انبساطه في المباح هبط من أعينهم. لا بل والله ما تصح المعاشرة مع النفس لأنها متلونة. وليس إلا المداراة للخلق والاحتراز منهم واتخاذ المعارف من غير طمع في صديق صادق. فإن ندر فيكن غير مماثل لأن الحسد إليه أسبق. وليكن مرتفعاً عن رتبة العوام غير طامع في نيل مقامك. وإن كانت معاشرة هذا لا تشفي لأن المعاشرة ينبغي ان تكون بين العلماء للمجانس فلزمهم من الإشارات في المخالطة ما تطيب به المجالسة ولكن لا سبيل إلى الوصال. ومثل هذه الحال أنك إن استخدمت الأذكياء عرفوا باطنك وإن استخدمت البله انعكست مقاصدك. فاجعل الأذكياء لحوائجك الخارجة. والبله لحوائجك في منزلك لئلا يعلموا أسرارك. واقنع من الأصدقاء بمن وصفته لك ثم لا تلقه إلا متدرعاً درع الحذر ولا تطلعه على باطن يمكن أن يستر عنه وكن كما يقال عن الذئب: ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بأخى الأعادي فهو يقظان هاجع فصل علماء الدنيا رأيت نفراً ممن أفنى أوائل عمره وريعان شبابه في طلب العلم يصبر على أنواع الأذى وهجر فنون الراحات أنفقه من الجهل ورذيلته وطلباً للعلم وفضيلته. فلما نال منه طرفاً رفعه عن مراتب أرباب الدنيا ومن لا علم له إلا بالعاجل ضاق به معاشه أو قل ما ينشده لنسفه من حظوظ. فسافر في البلاد يطلب من الأرذال ويتواضع للسفلة وأهل الدناءة والمكاس وغيرهم. فخاطبت بعضهم وقلت: ويحك أين تلك الأنفة من الجهل التي سهرت لأجلها. وأظمأت نهارك بسببها فلما ارتفعت وانتفعت عدت إلى أسفل سافلين. أفما بقي عندك ذرة من الأنفة تنبو به عن مقامات الأرذال. ولا معك يسير من العلم يسير بك عن مناخ الهوى. ولا حصلت بالعلم قوة تجذب بها زمام النفس عن مراعي السوء. على أنه يبين لي أن سهرك وتعبك كأنهما كانا لنيل الدنيا. ثم إني أراك تزعم أنك تريد شيئاً من الدنيا تستعين به على طلب العلم فاعلم أن التفاتك إلى نوع كسب تستغني به عن الأرذال أفضل من التزيد في علمك. فلو عرفت ما ينقص به دينك لم تر ف ما قد عزمت عليه زيادة بل لعله كله مخاطرة بالنفس وبعيد أن تقنع بعد شروعك في هذا الأمر بقدر الكفاف وقد علمت ما في السؤال بعد الكفاف من الإثم. وأبعد منه أن تقدر على الورع في المأخوذ. ومن لك بالسلامة والرجوع إلى الوطن. وكم رمى قفر في بواديه من هالك. ثم ما تحصله يفنى ويبقى منه ما أعطى وعيب المتقين إياك واقتداء الجاهلين بك. ويكفيك أنك عدت على ما علمت من ذم الدنيا بشينه إذ فعلت ما يناقضه خصوصاً وقد مر أكثر العمر. ومن أحسن فيما مضى يحسن فيما بقي. |
رد: عن صيد الخاطر ..
ابن الجوزي رحمه الله عن صيد الخاطر
فصل حقيقة زهد العلماء تأملت التحاسد بين العلماء فرأيت منشأه من حب الدنيا فإن علماء الآخرة يتوادون ولا يتحاسدون كما قال عز وجل: " وَلاَ يَجدُون في صُدُورِهِمْ حَاجَة مِمَّا أُوتُوا ". وقال تعالى: " والّذِيْنَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ: رَبَّنَا أغْفِرْ لَنَا ولإِخْوَانِنا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالاِْيمَانِ وقد كان أبو الدرداء: يدعو كل ليلة لجماعة من إخوانه. وقال الإمام أحمد بن حنبل لولد الشافعي: أبوك من الستة الذين أدعو لهم كل ليلة وقت السحر. والأمر الفارق بين الفئتين: أن علماء الدنيا ينظرون إلى الرياسة فيها ويحبون كثرة الجمع والثناء. وعلماء الآخرة بمعزل من إيثار ذلك وقد كانوا يتخوفونه ويرحمون من بلي به. وكان النخعي: لا يستند إلى سارية. وقال علقمة: أكره أن يوطأ عقبي. وكان بعضهم: إذا جلس إليه أكثر من أربعة قام عنهم. وكانوا يتدافعون الفتوى ويحبون الخمول مثل القوم كمثل راكب البحر وقد خب فعنده إلى أن يوقن بالنجاة. وإنما كان بعضهم يدعو لبعض ويستفيد منه لأنهم ركب تصاحبوا فتوادوا فالأيام والليالي مراحلهم إلى سفر الجنة. من أحب تصفية الأحوال فليجتهد في تصفية الأعمال. قال الله عز وجل: " وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ". وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل: لو أن عبادي أطاعوني لسقيتهم المطر بالليل وأطلعت عليهم الشمس بالنهار ولم أسمعهم صوت الرعد. وقال صلى الله عليه وسلم: البر لا يبلى والإثم لا ينسى والديان لا ينام وكما تدين تدان. وقال أبو سليمان الداراني: من صفى صفي له ومن كدر كدر عليه ومن أحسن في ليله كوفىء في نهاره ومن أحسن في نهاره كوفىء في ليله. وكان شيخ يدور في المجالس ويقول: من سره أن تدوم له العافية فليتق الله عز وجل. وكان الفضيل بن عياض يقول: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي. واعلم - وفقك الله - أنه لا يحس بضربة مبنج وإنما يعرف الزيادة من النقصان المحاسب لنفسه. ومتى رأيت تكديراً في حال فاذكر نعمة ما شكرت أو زلة قد فعلت واحذر من نفار النعم ومفاجأة النقم ولا تغتبت بسعة بساط الحلم فربما عجل انقباضه. وقد قال الله عز وجل: " إِنَّ اللّه لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم ". وكان أبو علي الروذباري يقول: من الاغترار أن تسيء فيحسن إليك فتترك التوبة توهماً أنك .... تُسامح في الهفوات وترى أن ذلك من بسط الحق لك" |
رد: عن صيد الخاطر ..
فالله الله في العلم بالعمل فإنه الأصل الأكبر. والمسكين كل المسكين من ضاع عمره في علم لم يعمل به ففاتته لذات الدنيا وخيرات الآخرة فقدم مفلساً مع قوة الحجة عليه. بارك الله فيك على هذه الوريقات القيّمة جزاك الله الفردوس الأعلى |
رد: عن صيد الخاطر ..
ابن الجوزي عن صيد الخاطر
فصل حسن التدبر قرأت من غرائب العلم وعجائب الحكم على بعض من يدعي العلم فرأيته يتلوى من سماع ذلك ولا يطلع على غوره ولا يشرئب إلى ما يأتي فصرفت عن إسماعه شيئاً آخر وقلت: إنما يصلح مثل هذا لذي لب يتلقاه تلقي العطشان الماء. ثم أخذت من هذه إشارة هي إنه لو كان هذا يفهم ما جرى ومدحني لحسن ما صنعت لعظم قدره عندي ولأريته محاسن مجموعاتي وكلامي. ولكني لما لم أره لها أهلاً صرفتها عنه وصدفت بنظري إليه. وكانت الإشارة: أن الله عز وجل قد صنف هذه المخلوقات فأحسن التركيب وأحكم الترتيب ثم عرضها على الألباب فأي لب أوغل في النظر مدح على قدر فهمه فأحبه المصنف وكذلك أنزل القرآن يحتوي على عجائب الحكم فمن فتشه بيد الفهم. وحادثه في خلوة الفكر. استجلب رضى المتكلم به وحظى بالزلفى لديه. ومن كان للذهن مستغرق الفهم بالحسيات صرف عن ذلك المقام. قال الله عز وجل: " سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الذِينَ يَتَكَبَّرونَ في الأرض بِغَيْرِ الْحَقَّ ". |
رد: عن صيد الخاطر ..
ابن الجوزي عن صيد الخاطر
فصل بين السر والعلانية نظرت في الأدلة على الحق سبحانه وتعالى فوجدتها أكثر من الرمل ورأيت من أعجبها أن الإنسان قد يخفي ما لا يرضاه الله عز وجل فيظهره الله سبحانه عليه ولو بعد حين وينطق الألسنة به وإن لم يشاهده الناس. وربما أوقع صاحبه في آفة يفضحه بها بين الخلق فيكون جواباً لكل ما أخفى من الذنوب وذلك ليعلم الناس أن هنالك من يجازي على الزلل ولا ينفع من قدره وقدرته حجاب ولا استتار ولا يضاع لديه عمل. وكذلك يخفي الإنسان الطاعة فتظهر عليه ويتحدث الناس بها وبأكثر منها حتى إنهم لا وإن قلوب الناس لتعرف حال الشخص وتحبه أو تأباه وتذمه أو تمدحه وفق ما يتحقق بينه وبين الله تعالى فإنه يكفيه كل هم ويدفع عنه كل شر. وما أصلح عبد ما بينه وبين الخلق دون أن ينظر الحق إلا انعكس مقصوده وعاد حامده ذاماً. |
رد: عن صيد الخاطر ..
بارك الله فيك جزاك الله خيرا ابن الجوزي عن صيد الخاطر فصل بين السر والعلانية نظرت في الأدلة على الحق سبحانه وتعالى فوجدتها أكثر من الرمل ورأيت من أعجبها أن الإنسان قد يخفي ما لا يرضاه الله عز وجل فيظهره الله سبحانه عليه ولو بعد حين وينطق الألسنة به وإن لم يشاهده الناس. وربما أوقع صاحبه في آفة يفضحه بها بين الخلق فيكون جواباً لكل ما أخفى من الذنوب وذلك ليعلم الناس أن هنالك من يجازي على الزلل ولا ينفع من قدره وقدرته حجاب ولا استتار ولا يضاع لديه عمل. وكذلك يخفي الإنسان الطاعة فتظهر عليه ويتحدث الناس بها وبأكثر منها حتى إنهم لا وإن قلوب الناس لتعرف حال الشخص وتحبه أو تأباه وتذمه أو تمدحه وفق ما يتحقق بينه وبين الله تعالى فإنه يكفيه كل هم ويدفع عنه كل شر. وما أصلح عبد ما بينه وبين الخلق دون أن ينظر الحق إلا انعكس مقصوده وعاد حامده ذاماً. |
رد: عن صيد الخاطر ..
ابن الجوزي عن صيد الخاطر
فصل فلسفة الصبر والرضا ليس في التكليف أصعب من الصبر على القضاء ولا فيه أفضل من الرضى به. فأما الصبر: فهو فرض. وأما الرضا فهو فضل. وإنما صعب الصبر لأن القدر يجري في الأغلب بمكروه النفس وليس مكروه النفس يقف على المرض والأذى في البدن بل هو يتنوع حتى يتحير العقل في حكمة جريان القدر. فمن ذلك أنك إذا رأيت مغموراً بالدنيا قد سالت له أوديتها حتى لا يدري ما يصنع بالمال فهو يصوغه أواني يستعملها. ومعلوم أن البلور والعقيق والشبه قد يكون أحسن منها صورة غير أن قلة مبالاته بالشريعة جعلت عنده وجود النهي كعدمه. ويلبس الحرير ويظلم الناس والدنيا منصبة عليه. ثم يرى خلقاً من أهل الدين وطلاب العلم مغمورين بالفقر والبلاء مقهورين تحت ولاية ذلك الظالم. فحينئذ يجد الشيطان طريقاً للوسواس ويبتدي بالقدح في حكمة القدر. فيحتاج المؤمن إلى الصبر على ما يلقى من الضر في الدنيا وعلى جدال إبليس في ذلك. وكذلك في تسليط الكفار على المسلمين والفساق على أهل الدين. وأبلغ من هذا إيلام الحيوان وتعذيب الأطفال ففي مثل هذه المواطن يتمحص الإيمان. ومما يقوي الصبر على الحالتين النقل والعقل. أما النقل فالقرآن والسنة أما القرآن فمنقسم إلى قسمين أحدهما بيان سبب إعطاء الكافر والعاصي فمن ذلك قوله تعالى: " إِنَّمَا نُملي لهمْ ليزْدَادُوا إثماً ". " وَلَوْلاَ أَنْ يَكونَ الناسُ أمة واحة لجَعْلنا لمنْ يكفُرُ بالرَّحمن لبُيوتهم سقفاً مِنْ فِضَّةٍ " " وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيْهَا فَفَسَقُوا فِيهَا ". وفي القرآن من هذا كثير. والقسم الثاني: ابتلاء المؤمن بما يلقى كقوله تعالى: " أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَم اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمُ " " أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا " " أًمْ حَسِبْتُمُ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ " وفي القرآن من هذا كثير. وأما السنة فمنقسمة إلى قول وحال. أما الحال: فإنه صلى الله عليه وسلم كان يتقلب على رمال حصير تؤثر في جنبه فبكى عمر رضي الله عنه وقال: كسرى وقيصر في الحرير والديباج فقال له صلى الله عليه وسلم: أفي شك أنت يا عمر ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا. وأما القول فكقوله عليه الصلاة والسلام: لو أن الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء. وأما العقل: فإنه يقوي عساكر الصبر بجنود منها أن يقول: قد ثبتت عندي الأدلة القاطعة على حكمة المقدر. فلا أترك الأصل الثابت لما يظنه الجاهل خللاً. ومنها أن يقول: ما قد استهولته أيها الناظر من بسط يد العاصي هي قبض في المعنى وما قد أثر عندك من قبض يد الطائع بسط في المعنى لأن ذلك البسط يوجب عقاباً طويلاً وهذا القبض يؤثر انبساطاً في الأجر جزيلاً فزمان الرجلين ينقضي عن قريب. والمراحل تطوى. والركبان في السير الحثيث. ومنها أن يقول: قد ثبت أن المؤمن بالله كالأجير وأن زمن التكليف كبياض نهار ولا ينبغي للمستعمل في الطين إن يلبس نظيف الثياب بل ينبغي أن يصابر ساعات العمل فإذا فرغ تنظف ولبس أجود ثيابه. فمن ترفه وقت العمل ندم وقت تفريق الأجرة وعوقب على التواني فيما كلف فهذه النبذة تقوي أزر الصبر. وأزيدها بسطاً فأقول: أترى إذا أريد اتخاذ شهداء فكيف لا يخلق أقوام يبسطون أيديهم لقتل المؤمنين أفيجوز أن يفتك بعمر إلا مثل أبي لؤلؤة وبعلي إلا مثل ابن ملجم: أفيصح أن يقتل يحيى بن زكريا إلا جبار كافر ولو أن عين الفهم زال عنها غشاء العشا. لرأيت المسبب لا الأسباب والمقدر لا الأقدار فصبرت على بلائه. إيثاراً لما يريد ومن ههنا ينشأ الرضى. كما قيل لبعض أهل البلاء: ادع الله بالعافية فقال: أحبه إلي أحبه إلى الله عز وجل. إن كان رضاكم في سهري فسلام اللّه على وسني لما أنهيت كتابة الفصل المتقدم. هتف بي هاتف من باطني. دعني من شرح الصبر على الأقدار فإني قد اكتفيت بأنموذج ما شرحت. وصف حال الرضى. فإني أجد نسيماً من ذكره فيه روح للروح. فقلت: أيها الهاتف اسمع الجواب. وافهم الصواب. إن الرضى من جملة ثمرات المعرفة فإذا عرفته رضيت بقضائه وقد يجري في ضمن القضاء مرارات يجد بعض طعمها الراضي. أما العارف فتقل عنده المرارات لقوة حلاوة المعرفة. فإذا ترقى بالمعرفة إلى المحبة صارت مرارة الأقدار حلاوة كما قال القائل: عذابه فيك عذب وبعده فيك قرب وأنت عندي كروحي بل أنت منها أحب حسبي من الحب أني لما تحبّ أحبّ وقال بعض المحبين في هذا المعنى: ويقبح من سواك الفعل عندي فتفعله فيحسن منك ذاك فصاح بي الهاتف. حدثني بماذا أرضى قدر أني أرضى في أقداره بالمرض والفقر أفأرضى بالكسل عن خدمته والبعد عن أهل محبته فبين لي ما الذي يدخل تحت الرضى مما لا يدخل. فقلت له: نعم ما سألت فاسمع الفرق سماع من ألقى السمع وهو شهيد. إرضى بما كان منه. فأما الكسل والتخلف فذاك منسوب إليك فلا ترضى به من فعلك. وكن مستوفياً حقه عليك مناقشاً نفسك فيما يقربك منه غير راض منها بالتواني في المجاهدة. فأما ما يصدر من أقضيته المجردة التي لا كسب لك فيها. فكن راضياً بها كما قالت رابعة رحمة الله عليها - وقد ذكر عندها رجل من العباد يلتقط من مزبلة فيأكل فقيل: هلا سأل الله تعالى أن يجعل رزقه من غير هذا - فقالت: إن الراضي لا يتخير ومن ذاق طعم المعرفة. وجد فيه طعم المحبة فوقع الرضى عنده ضرورة. فينبغي الاجتهاد في طلب المعرفة بالأدلة ثم العمل بمقتضى المعرفة بالجد في الخدمة لعل ذلك يورث المحبة. فقد قال سبحانه وتعالى: لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه. فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به. فذلك الغنى الأكبر. ووافقراه. رأيت جمهور العلماء يشغلهم طلبهم للعلم في زمن الصبا عن المعاش فيحتاجون إلى ما لا بد منه فلا يصلهم من بيت المال شيء ولا من صلات الإخوان ما يكفي فيحتاجون إلى التعرض للإذلال فلم أر في ذلك من الحكمة إلا سببين. أحدهما: قمع إعجابهم بهذا الإذلال والثاني: نفع أولئك بثوابهم. ثم أمعنت الفكر فتلمحت نكتة لطيفة وهو أن النفس الأبية إذا رأت حال الدنيا كذلك. لم تساكنها بالقلب ونبت عنها بالعزم ورأت أقرب الأشياء شبهاً بها. مزبلة عليها الكلاب أو غائطاً يؤتى لضرورة. فإذا نزل الموت بالرحلة عن مثل هذه الدار. لم يكن للقلب بها متعلق متمكن فتهون حينئذ. |
رد: عن صيد الخاطر ..
ابن الجوزي عن صيد الخاطر
فصل السلوك الحق والعلم رأيت جمهور الناس حائدين عن الشريعة جائزين على ما ألفوا من العادة. وقد يخلص منهم فريقان علماء وعباد. فتأملت جمهور العلماء فرأيتهم في تخليط منهم من يقتصر على علم معاملات الدنيا ويعرض عن معاملات الآخرة. إما لجهله بها أو لثقل أمرها عليه فهو لا يجري على ما يثقل عليه مما يوجبه العلم ويتبع في الباقي العادات. ومنهم من هو واقف مع صورة العلم غافل عن المقصود وهو العمل وفيهم من يخالط السلطان فيتأذى المخالط بما يرى من الذنوب والظلم ولا يمكنه الإنكار. وربما مدح هؤلاء ويتأذى السلطان بصحبته فيقول: لولا أني على صواب ما جالسني هذا. ويتأذى العوام فيقولون: لولا أن أمر السلطان قريب ما خالطه هذا العالم. ورأيت الأشراف يثقون بشفاعة آبائهم وينسون أن اليهود من بني إسرائيل. وأما الفريق الثاني وهم العباد فرأيت أكثرهم في تخليط. أما الصحيحو القصد منهم فعلى غير الجادة في أكثر عملهم قد وضع لهم جماعة من المتقدمين كتبا فيها دفائن قبيحة وأحاديث غير صحيحة ويأمرون فيها بأشياء تخالف الشريعة. مثل كتب الحارث المحاسبي وأبي عبد الله الترمذي وقوت القلوب لأبي طالب المكي وكتاب الإحياء لأبي حامد الطوسي. فإذا فتح المبتدىء عينه وهم بسلوك الطريق بهذه الكتب حملته إلى الخطايا لأنهم قد بنوا على أحاديث محالة. ويذمون الدنيا ولا يدرون ما المذموم منها. فيتصور المبتدىء ذم ذات الدنيا فيهرب المنقطع إلى الجبل وربما فاتته الجماعة والجمعة ويقنع بعضهم بشرب اللبن فينحل الطبع أو يأكل الباقلاء والعدس فيحدث له قراقر. وإنما ينبغي لقاصد الحج أن يرفق أولاً بالناقة ليصل. ألا ترى للفطن من الأتراك يهتم بفرسه قبل تحصيل قوت نفسه. وربما تصدى القاص لشرح أحوال قوم من السلف والمتزهدين فيتبعهم المريد فيتأذى بذلك. ومتى رددنا ذلك المنقول وبينا خطأ فاعله قال الجهال: أترد على الزهاد. وإنما ينبغي اتباع الصواب ولا ينظر إلى أسماء المعظمين في النفوس. فإنا نقول: قال أبو حنيفة ثم يخالفه الشافعي وإنما ينبغي أن يتبع الدليل. قال المروزي: مدح أحمد بن حنبل النكاح فقلت له قد قال: إبراهيم بن أدهم فصاح وقال: وقعنا في بنيات الطريق عليك بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وتكلم أحمد في الحارث المحاسبي ورد على سري السقطي حين قال: لما خلق الله الحروف وقف الألف وسجدت الياء فقال: نفروا الناس عنه. فالحق لا ينبغي أن يحابى فإنه جد. وإني أرى أكثر الناس قد حادوا عن الشريعة وصار كلام المتزهدين كأنه شريعة لهم فيقال: قال أبو طالب المكي: كان من السلف من يزن قوته بكربة فينقص كل يوم!!!. وهذا شيء ما عرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه وإنما كانوا يأكلون دون فأما الحمل على النفس بالجوع فمنهيٌ عنه. ويقول قاد داود الطائي لسفيان: إذا كنت تشرب الماء البارد متى تحب الموت. وكان ماؤه في دن. وما علم أن للنفس حظاً وأن شرب الماء الحار يرهل المعدة ويؤذي وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبرد الماء. ويقول آخر منهم: منذ خمسين سنة أشتهي الشواء ما صفا لي درهمه. ويقول آخر: أشتهي أن أغمس جزرة في دبس فما صح لي. أتراهم أرادوا حبة منذ خرجت من المعدن ما دخلت في شبهة. هذا شيء ما نظر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان الورع حسناً ولكن لا على حمل المشاق الشديدة. وهذا بشر الحافي يقول: لا أحدث لأني أشتهي أن أحدث وهذا تعليل لا يصلح لأن الإنسان مأمور بالنكاح وهو من أكبر المشتهى وكان بشر حافياً حتى قيل له الحافي ولو ستر أمره بنعلين كان أصلح. والحفاء يؤذي العين وليس من أمر الدنيا في شيء. فقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وما كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على مال والمتزهدون عليه اليوم. . فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ويمزح ويختار المستحسنات ويسابق عائشة رضي الله عنها وكان يأكل اللحم ويحب الحلوى ويستعذب له الماء. وعلى هذا كان طريقة أصحابه فأظهر المتزهدون طرائق كأنها ابتداء شريعة وكلها على غير الجادة. ويحتجون بقول المحاسبي والمكي ولا يحتج أحد منهم بصحابي ولا تابعي ولا بإمام من أئمة الإسلام. فإن رأوا عالماً لبث ثوباً جميلاً أو تزوج مستحسنة أو أفطر بالنهار أو ضحك عابوه. فينبغي أن يعلم أن أكثر من صح قصده منهم على غير الجادة لقلة علمهم. حتى أن بعضهم يقول: منذ ثمانين سنة ما اضطجعت. ويقول آخر: حلفت لا أشرف الماء سنة. وهؤلاء على غير الصواب فإن للنفس حقاً. فأما من ساء قصده ممن نافق وراءى لاجتلاب الدنيا وتقبيل الأيدي فلا كلام معه وهم جمهور المتصوفة فإنهم رفعوا الثياب الملونة ليراهم الناس بعين الترك للزينة وما معهم أحسن من وإنما رقع القدماء للفقر. فهم في اللذات وجمع المال وأخذ الشبهات واستعمال الراحة واللعب ومخالطة السلاطين. وهؤلاء قد كشفوا القناع وباينوا زهد أوائلهم بلى. أعجب منهم من ينفق عليهم!!. |
رد: عن صيد الخاطر ..
ابن الجوزي عن صيد الخاطر
فصل التسليم للحكمة العليا تأملت حالاً عجيبة وهي أن الله سبحانه وتعالى قد بنى هذه الأجسام متقنة على قانون فدل بذلك المصنوع على كمال قدرته ولطيف حكمته. ثم عاد فنقضها فتحيرت العقول بعد إذعانها له بالحكمة في سر ذلك الفعل. فأعلمت أنها ستعاد للمعاد وأن هذه البنية لم تخلق إلا لتجوز في مجاز المعرفة وتتجر في موسم المعاملة فسكنت العقول لذلك. ثم رأت أشياء من هذا الجنس أظرف منه مثل اخترام شاب ما بلغ بعض المقصود بنيانه. وأعجب من ذلك أخذ طفل من أكف أبويه يتململان. ولا يظهر سر سلبه والله الغني عن أخذه وهما أشد الخلق فقراً إلى بقائه. وأظرف منه إبقاء هرم لا يدري معنى البقاء وليس له فيه إلا مجرد أذى. ومن هذا الجنس تقتير الرزق على المؤمن الحكيم وتوسعته على الكافر الأحمق. وفي نظائر لهذه المذكورات يتحير العقل في تعليلها فيبقى مبهوتاً. فلم أزل أتلمح جملة التكاليف فإذا عجزت قوي العقل عن الاطلاع على حكمة ذلك وقد ثبت لها حكمة الفاعل علمت قصورها عن درك جميع المطلوب فأذعنت مقرة بالعجز. وبذلك تؤدي مفروض تكليفها. فلو قيل للعقل: قد ثبت عندك حكمة الخالق بما بني أفيجوز أن ينقدح في حكمته أنه نقض لقال. لأني عرفت بالبرهان أنه حكيم وأنا أعجز عن إدراك علله فأسلم على رغمي مقراً بعجزي |
رد: عن صيد الخاطر ..
|
| الساعة الآن 01:45 AM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى