![]() |
كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,,,,,, مع ان ما تمر به الامة الاسلامية اليوم من ضعف و هوان ، يدعوان و يلحان على العقلاء ان يراجعوا الاسباب الحقيقية التي تقف وراء هذا الواقع المرير ، و يبحثوا عن العوامل الاساسية التي تعيد لهم قوتهم و هيبتهم ، و تجمع شملهم ، وتوحد صفهم ، و تضمهم في وحدة اسلامية حقيقية ، تعيد لهم الصورة المشرقة و الذهبية التي كانوا عليها في صدر الاسلام الاول. و هذه المهمة الاصلاحية الخطيرة هي المهمة الاولى الواجبة على قيادات الامة من اهل العلم و الراي ، فهؤلاء على وجه الخصوص من يقع على عاتقهم أمر اصلاح الامة ، و تجديد امر دينها و علمها و منهجها و عزتها و منعتها و وحدتها ، و ان خذلت الامة من قبل علمائها فليس لكسرها من جبر ، و ليس لمصيبتها من حل. قال شيخ الاسلام ابن تيمية :( ... أن من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين تأليف القلوب و اجتماع الكلمة و صلاح ذات البين ، فان الله تعالى يقول { فاتقوا الله و اصلحوا ذات بينكم } [الانفال :1] و يقول : { و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا} [ آل عمران :103] و يقول : { و لا تكونوا كالذين تفرقوا و اختلفوا من بعد ما جاءهم البينت و اولئك لهم عذاب عظيم } [ آل عمران] و امثال ذلك من النصوص التي تامر بالجماعة و الائتلاف و تنهى عن الفرقة و الاختلاف ، و اهل هذا الاصل هم اهل الجماعة كما ان الخارجين عنه هم اهل الفرقة ) و لقد ادرك اعداء الامة ان هذه الامة بوحدتها على دينها تشكل قوة لا يقف في وجهها احد، و هم يتوقعون تلك الوحدة و يرونها قريبة، و هم ينطلقون في ادراكهم هذا من قراءتهم التاريخية الفاحصة التي تخبرهم ان الامة الاسلامية حينما حققت اسباب الوحدة في عصورها الاولى توحدت بعد الشتات ، و صارت سيدة الدنيا و مركز العالم ، و قائدة الناس ، و هادية العالمين. يقول المؤرخ الانجليزي ( ارنولد توينبي ) بكل صراحة : ( إن الوحدة الاسلامية نائمة ،لكن يجب أن نضع في حسابنا ان النائم قد يستيقظ ). و يقول ( مورو بيرجر ) : ( إن الخوف من العرب و اهتمامنا بالامة العربية ، ليس ناتجا عن وجود البترول بغزارة عند العرب ،بل بسبب الاسلام. يجب محاربة الاسلام ، للحيلولة دون وحدة العرب ، التي تؤدي الى قوة العرب، لان قوت العرب تتصاحب دوما مع قوة الاسلام و عزته و انتشاره) و يقول المبشر ( لورنس براون): ( اذا اتحد المسلمون في امبراطورية عربية، امكن ان يصبحوا لعنة على العالم و خطرا، او امكن ان يصبخوا ايضا نعمة له ، اما اذا بقوا متفرقين ،فانهم يظلون حينئذ بلا وزن و لا تاثير) فما احوج الامة العربية و الاسلامية اليوم الى الوحدة التي تجمعها على الحق، و تؤلف بين قلوب المسلمين، و تجعلهم نعمة و مثالا يحتذي به العالم في اخلاقه و سلوكه و ايمانه و قوته. و ما اشد حاجة الامة العربية و الاسلامية الى البعد عن كل اسباب الفرقة و التمزق، التي تشتت قلوبها ، و تزيد من ضعفها و هوانها . == منقول للكاتب عائض بن سعد الدوسري |
رد: كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
بل كلام رائع ودرر أستاذي كريم ،، لكن بيت القصيد كيف ستتوحد الأمة ! الجواب في غاية البساطة ! بما توحدت به سابقا !! إنه التوحيد أولا ! وفقك الباري |
رد: كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
اقتباس:
نعم ..... و هذا ما ندعوا اليه دوما بل و نصر على ذلك بطريقة مهذبه سلسة و بالحجة و بالاقناع و ليس بالاكراه == تحياتي اخي ابن باديس ادامك الله للخير و التقوى و احسن لك الخاتمة |
رد: كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
شكرا على الموضوع ..................... ينبغي توحيد الكلمة حول كلمة التوحيد ومن التوحيد توحيد الحاكمية لله وحده . فصلة تحكيم الشريعة بتوحيد الربوبية في قوله تعالى : {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54]. وقال جل وعلا {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص: 68]. قال ابن القيم رحمه الله في قوله {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ} "فكما أنه هو المتفرد بالخلق، فهو المتفرد بالاختيار؛ فليس لأحد أن يخلق ولا يختار سواه" ثم قال "نزه نفسه سبحانه عما اقتضاه شركهم من اقتراحهم واختيارهم فقال {مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} ولم يكن شركهم مقتضيا لإثبات خالق سواه، حتى نزه نفسه عنه. فتأمله فإنه في غاية اللطف" وقال "فإذا تأملت أحوال هذا الخلق رأيت هذا الاختيار والتخصيص فيه، دالا على ربوبيته تعالى ووحدانيته وكمال حكمته وعلمه وقدرته. وأنه الله الذي لا إله إلا هو، فلا شريك له يخلق كخلقه، ويختار كاختياره، ويدبر كتدبيره". وقال ابن كثير رحمه الله: "يخبر تعالى أنه المنفرد بالخلق والاختيار، وأنه ليس له في ذلك منازع ولا معقب". وقال القاسمي رحمه الله: "وقوله تعالى: {سُبْحَانَ اللَّهِ} أي تنزيها لله الذي لا يزاحم اختياره اختيار {وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}" (4) فمن نازع الله في اختياره فقد نازعه في ربوبيته. وقال تعالى: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبه: 31]. قال الشيخ الأمين الشنقيطي رحمه الله: "وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى الذي بينا في الحديث لما سأله عدي بن حاتم رضي الله عنه - عن قوله: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا } كيف اتخذوهم أربابا؟ وأجابه صلى الله عليه وسلم أنهم أحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم، وبذلك الاتباع اتخذوهم أربابا". (5) وقال الشيخ العثيمين رحمه الله: "إن الحكم بما أنزل الله -تعالى- من توحيد الربوبية، لأنه تنفيذ لحكم الله الذي هو مقتضى ربوبيته، وكمال ملكه وتصرفه، ولهذا سمى الله تعالى المتبوعين في ما أنزل الله أرباباً لمتبعيهم، فقال سبحانه {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] فسمى الله تعالى المتبوعين أرباباً حيث جعلوا مشرعين مع الله تعالى، وسمى المتبعين عباداً حيث إنهم ذلوا لهم وأطاعوهم في مخالفة حكم الله سبحانه وتعالى". (6) صلة تحكيم الشريعة بتوحيد الألوهيه قال تعالى {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40]. قال الشنقيطي رحمه الله: "فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته، قال في حكمه: { وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف: 26]وفي قراءة ابن عامر من السبعة {ولا تُشرك في حكمه أحدا} بصيغة النهي. وقال في الإشراك به في عبادته: { فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]، فالأمران سواء كما ترى وبذلك تعلم أن الحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حرمه الله، والدين هو ما شرعه الله، فكل تشريع من غيره باطل، والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه كفر بواح لا نزاع فيه. وقد دل القرآن في آيات كثيرة على أنه لا حكم لغير الله، وأن اتباع تشريع غيره كفر به، فمن الآيات الدالة على أن الحكم لله وحده قوله تعالى {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} [يوسف: 40] وقوله تعالى {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [يوسق: 67] وقوله تعالى {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام: 57] وقوله {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] وقوله تعالى {وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف: 26] وقوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88] وقوله تعالى {لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 70]. والآيات بمثل ذلك كثيرة". صلة تحكيم الشريعة بتوحيد الأسماء والصفات ورد اسم الله الحكم في آيه واحده وهي قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [الأنعام: 114]. قال الطبري رحمه الله: "أي قل: فليس لي أن أتعدى حكمه وأتجاوزه، لأنه لا حكم أعدل منه، ولا قائل أصدق منه" صلة تحكيم الشريعة بأصل بالإيمان قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا} [النساء: 59-61] إلى قوله {وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء 64] . وقال جل وعلا {لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (46) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ (48) وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 46-51] وقال سبحانه {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا} [الأحزاب 36] ودلالة الآيات واضحة على ارتباط التحاكم إلى شرع الله بأصل الإيمان - قال الإمام المروزي رحمه الله في شرح حديث جبريل عليه السلام: "قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الإيمان أن تؤمن بالله» وما ذكر معه كلام جامع مختصر له غور، وقد أوهمت المرجئة في تفسيره فتأولوه على غير تأويله، قلة معرفة منهم بلسان العرب، وغور كلام النبي صلى الله عليه وسلم، الذي قد أعطي جوامع الكلم وفواتحه، واختصر له الحديث اختصارا صلى الله عليه وسلم. أما قوله: «الإيمان أن تؤمن بالله» أن توحده وتصدق به بالقلب واللسان، وتخضع له ولأمره، بإعطاء العزم للأداء لما أمر، مجانبا للاستنكاب والاستكبار والمعاندة، فإذا فعلت ذلك لزمت محابه، واجتنبت مساخطه". فجعل من الإيمان بالله الخضوع لأوامر الله جل وعلا والعزم على أدائها وترك العناد والإستكبار. وقال الشيخ ابن باز رحمه الله في رسالة وجوب تحكيم الشريعة : "فلا يتم إيمان العبد إلا إذا آمن بالله ورضي حكمه في القليل والكثير، وتحاكم إلى شريعته وحدها في كل شأن من شئونه، في الأنفس والأموال والأعراض، وإلا كان عابدا لغيره، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] فمن خضع لله سبحانه وأطاعه وتحاكم إلى وحيه، فهو العابد له، ومن خضع لغيره، وتحاكم إلى غير شرعه، فقد عبد الطاغوت، وانقاد له، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 60] والعبودية لله وحده والبراءة من عبادة الطاغوت والتحاكم إليه، من مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، فالله سبحانه هو رب الناس، وإلههم، وهو الذي خلقهم وهو الذي يأمرهم وينهاهم، ويحييهم ويميتهم، ويحاسبهم ويجازيهم، وهو المستحق للعبادة دون كل ما سواه قال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] فكما أنه الخالق وحده، فهو الآمر سبحانه، والواجب طاعة أمره" . |
رد: كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
---
الكلام عن توحيد الحاكمية لله وحده كلام قد يطول .... وإن شاء الإخوة هنا أن أتابع ما جاء في البحث فلهم ذلك .....وفيه تفصيل لعقيدة اهل الإيمان في الحكم بغير ما أنزل الرحمن ................ والسلام عليكم |
رد: كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
اقتباس:
أعتقد أني سأكمل البحث ....................لتعم الفائدة فإنه يصب في التوحيد يا أهل التوحيد |
رد: كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
صلة تحكيم الشريعة بأصل الإسلام فالإسلام أصله الإستسلام والإنقياد، قال تعالى {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 85] أي استسلم وانقاد. أما شرعًا فهو الإستسلام لله بالتوحيد والخضوع له بالطاعه والخلوص من الشرك. قال ابن جرير في تفسير قوله جل في علاه {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ}[البقرة: 112]: "وأما قوله: {مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله} فإنه يعني بإسلام الوجه التذلل لطاعته والإذعان لأمره، وأصل الإسلام: الاستسلام؛ لأنه مِن استسلمت لأمره، وهو الخضوع لأمره، وإنما سمي المسلم مسلما بخضوع جوارحه لطاعة ربه". وقال رحمه الله في تفسير قوله تعالى مخبرًا عن إبراهيم وإسماعيل عليهم السلام {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} [البقرة: 128]: "يعنيان بذلك: واجعلنا مستسلمين لأمرك خاضعين لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحدا سواك، ولا في العبادة غيرك، وقد دللنا فيما مضى على أن معنى الإسلام الخضوع لله بالطاعة". وقال في تأويل قوله تعالى {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]: "وكذلك الإسلام، وهو الانقياد بالتذلل والخشوع، والفعل منه أسلم، بمعنى: دخل في السلم، وهو الانقياد بالخضوع وترك الممانعة، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} إن الطاعة التي هي الطاعة عنده الطاعة له، وإقرار الألسن والقلوب له بالعبودية والذلة، وانقيادها له بالطاعة فيما أمر ونهى، وتذللها له بذلك من غير استكبار عليه ولا انحراف عنه دون إشراك غيره من خلقه معه في العبودية والألوهية". وقال شيخ الإسلام رحمه الله: "فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده، وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت". ولأن الطبري شيخ المفسرين وهو حجه في اللغه والقراءات فنزيد في النقل عنه في هذه المسألة: يقول رحمه في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة: 208] بعد ذكر خلاف العلماء في تفسيرها والقراءات فيها: "فإن قيل فما وجه دعاء المؤمن بمحمد وبما جاء به إلى الإسلام؟ قيل: وجه دعائه إلى ذلك الأمر له بالعمل بجميع شرائعه، وإقامة جميع أحكامه، وحدوده، دون تضييع بعضه والعمل ببعضه. وإذا كان ذلك معناه، كان قوله {كافة} من صفة السلم، ويكون تأويله: ادخلوا في العمل بجميع معاني السلم، ولا تضيعوا شيئا منه يا أهل الإيمان بمحمد وما جاء به. فقد صرح عكرمة، بمعنى ما قلنا في ذلك من أن تأويل ذلك دعاء للمؤمنين إلى رفض جميع المعاني التي ليست من حكم الإسلام، والعمل بجميع شرائع الإسلام، والنهي عن تضييع شيء من حدوده". |
رد: كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
صلة تحكيم الشريعة بالشهادتين أما شهادة ان لا إله إلا الله فقد سبق في أدلة توحيد الألوهية أما شهادة محمد رسول الله: فقوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 31-32]. قال ابن كثير رحمه الله في قوله {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}: "هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله، ثم قال: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي: باتباعكم للرسول صلى الله عليه وسلم يحصل لكم هذا كله ببركة سفارته. ثم قال آمرا لكل أحد من خاص وعام: {قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ} أي: خالفوا عن أمره {فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه يحب لله ويتقرب إليه، حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل، ورسول الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس الذي لو كان الأنبياء -بل المرسلون، بل أولو العزم منهم-في زمانه لما وسعهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته، واتباع شريعته". وقال تعالى {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء 65]. قال الشيخ ابن باز رحمه الله في مجموع الفتاوى 2/337: "وأما شهادة أن محمدا رسول الله فكثير من الناس لا يفهمها على حقيقتها، وحكموا القوانين الوضعية وأعرضوا عن شريعة الله، ولم يبالوا بها، جهلا بها أو تجاهلا لها. إن شهادة أن محمدا رسول الله تقتضي الإيمان برسول الله - عليه الصلاة والسلام -، وطاعته في أوامره واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره وأن لا يعبد الله إلا بالشريعة التي جاء بها عليه الصلاة والسلام، كما قال الله عز وجل: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} وقال سبحانه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} فالواجب على جميع المسلمين، وعلى جميع الثقلين أن يعبدوا الله وحده، وأن يحكموا نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام كما قال سبحانه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}" قول الشيخ ابن باز رحمه الله في وجب تحكيم الشريعة ص7: "والعبودية لله وحده والبراءة من عبادة الطاغوت والتحاكم إليه، من مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، فالله سبحانه هو رب الناس، وإلههم، وهو الذي خلقهم وهو الذي يأمرهم وينهاهم، ويحييهم ويميتهم، ويحاسبهم ويجازيهم، وهو المستحق للعبادة دون كل ما سواه قال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] فكما أنه الخالق وحده، فهو الآمر سبحانه، والواجب طاعة أمره". يقول الإمام ابن القيم رحمه الله أعلام الموقعين (51/1). في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2] "فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببا لحبوط أعمالهم فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياستهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه أليس هذا أولى أن يكون محبطا لأعمالهم" |
رد: كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
اخي المهلهل .....
بارك الله فيك على اثراء الموضوع لنا عودة ان شاء الله لاثراء الموضوع في النقاش == تحياتي |
رد: كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
اقتباس:
مرحبا ...وفيك بارك الله .... في انتظار أي سؤال للإخوة حول الموضوع ....لمناقشة أي أمر مبهم بالنسبة لما جاء في المبحث الأول ...للإنتقال إلى المبحث الثاني ... هلموا إلى توحيد الكلمة حول كلمة التوحيد .... |
رد: كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
السلام عليكم بارك الله في صاحب الموضوع يبدو أننا مازلنا تائهين في الأعراض و الحمد لله أن أخينا المهلهل استرسل في تشريح المرض فجزاه الله خيرا فتفرقنا حول كلمة التوحيد هو سبب عدم وحدتنا غير أني أسأل و أنا العبد الضعيف توحيد الربوبية و كما هو معلوم لا نقاش فيه حتى في الملل الأخرى لكن أيهما أولى تحقيق توحيد الألوهية أم توحيد الحاكمية ؟ طبعا أعني توحيد العبادات وتصفيتها من الشرك أم إقامة الشرع ؟ بورك فيكم |
رد: كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
اقتباس:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ........ توحيد الحاكمية لا يمكن فصله عن توحيد العبادات ... لأن قضية التسليم بالشرع الرباني هي جوهر الإنقياد والإستسلام لأوامر الله ونواهيه أما قضية التقديم والتأخير وأيهما أولى ....فاظن أن كلاهما مكمل للآخر فإخلاص العبادات لله و تصفيتها من الشرك تستلزم توحيد الله في الحكم والتشريع ...كما تستلزم توحيد الله في باقي العبادات -------- وكلا الأمران من التوحيد الخالص ...فاستبعاد اي طرف من أقسام التوحيد فيه إخلال به وهذا ما يجب علينا أن ندركه ونسعى إلى أن يفهمه عامة المسلمين ------- وسؤالك أيتها الأخت الكريمة يقودنا إلى طرح تساؤل آخر هل التحاكم إلى القوانين المخالفة للشرع يطعن في اصل التوحيد ؟ رمضانكم مبارك ....وتقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام |
رد: كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
السلام عليكم
لعل أعظم نكبة تعرضت لها الأمة الإسلامية في العصور الحديثة سقوط الخلافة الإسلامية ، تلك الخلافة التي كانت الوعاء الجامع لأقطاب الأمة ، تلك الخلافة التي كان محركها الأساس ونقطة الانطلاق فيها الشريعة الإسلامية ، ولذا كانت فكرة الدعوة إلى الحاكمية منعدمة الوجود في ظل خلافة إسلامية مبناها الأساس الحكم يشرع الله . لكن سقوط الخلافة الإسلامية على يد الآثم مصطفى كمال أتاتورك سنة 1924 م ، كان الحجر الأساس في انبعاث فكر الحاكمية ، وحق له أن يبعث ، وليس من مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر يرتضي أن يبدل شرع الله بشرع غيره . ولذا ظهر من ابناء الامة من جاهر بعدائه لهذه الخطوة الغبية ، وحذر من عواقب سقوط الخلافة الاسلامية ، فليس سقوط الخلافة مذهبة لهيبة الامة وسيادتها فقط ، بل هو فتح باب شر يود كل ذي عقل منحرف ولوجه . ومن هؤلاء الذين تصدوا لأتاتورك الشيخ سعيد النورسي ( 1379هـ ), وقد قام بنقد حكومة أتاتورك ومجالس نوابها, وجاهر بعداوة جمعية الاتحاد والترقي, والتحذير منها, بما جعلت حكومة أتاتورك تتخذ إجراءات تعسفية ضد الشيخ, حيث أصدرت باعتقاله ونفيه إلى مدينة ( بوردور)، ثم إلى ( بارلا) فظل في منفاه عشر سنين, ثم انتقل إلى سجن (أفيون), واشتد عليه المرض وتوفي في أورفة سنة 1379هـ ولا يفوتنا ان نذكر ان غالب البلدان الاسلامية بعد سقوط خلافتهم سقطت في شرك الاستعمار مما سهل رسميا الانتقال من مرحلة التحاكم بالشريعة الى مرحلة التحاكم بالقوانين الوضعية . ................................منقول == تحياتي |
رد: كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
المبحث الثاني أسباب نزول آيات سورة المائده وأن العبره بعموم اللفظ قال تعالى {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} [المائده 41-50] ذكر الواحدي في "أسباب النزول" (أسباب نزول القرأن، للواحدي (195/1). ) أن سبب نزول الآيات ما أخرجه مسلم عن البراء بن عازب أنه قال قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمما مجلودا، فدعاهم صلى الله عليه وسلم، فقال: "هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟"، قالوا: نعم، فدعا رجلا من علمائهم، فقال: "أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم" قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم، والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه" فأمر به فرجم، فأنزل الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} [المائدة: 41] إلى قوله {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ} [المائدة: 41]، يقول: ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} في الكفار كلها. (صحيح مسلم، حديث رقم (1700). ) وللآيات سبب أخر رواه أحمد في المسند عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال إن الله عز وجل أنزل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمِ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] وَ {أُولَئِكَ هُمِ الظَّالِمُونَ} [النور: 50] وَ {أُولَئِكَ هُمِ الْفَاسِقُونَ} [الحشر: 19] قال: قال ابن عباس: " أنزلها الله في الطائفتين من اليهود، وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وذلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ لم يظهر، ولم يوطئهما عليه وهو في الصلح، فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة: أن ابعثوا إلينا بمائة وسق، فقالت الذليلة: وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض؟ إنا إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا، وفرقا منكم، فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم ذلك، فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، ثم ذكرت العزيزة، فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم، ولقد صدقوا، ما أعطونا هذا إلا ضيما منا، وقهرا لهم، فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه: إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم حذرتم، فلم تحكموه، فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخبر الله رسوله بأمرهم كله وما أرادوا، فأنزل الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الذِينَ قَالُوا آمَنَّا} [المائدة: 41] إلى قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمِ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] ثم قال فيهما: والله نزلت، وإياهما عنى الله عز وجل. (أخرجه أحمد في المسند (246/1) ) الشاهد أن هذه الآيات التي نزلت بما فيها من فضح لليهود ومن يواليهم من المنافقين، وما فيها من حكم بالكفر والفسق والظلم لمن حكم بغير ما أنزل الله، وما فيها من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالحكم بما أنزل الله والحذر أن يُفتن عن بعض ما انزل الله إليه؛ إنما نزلت بسبب حكم واحد فقط اتفق اليهود على على الحكم فيه بغير ما أنزل الله وجعلوه تشريعًا عامًا، وهكذا كل ما شابه حال اليهود في أي زمان ومكان، فالعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. يقول شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله: "فإن نصوص الكتاب والسنة اللذين هما دعوة محمد صلى الله عليه وسلم يتناولان عموم الخلق بالعموم اللفظي والمعنوي أو بالعموم المعنوي . وعهود الله في كتابه وسنة رسوله تنال آخر هذه الأمة كما نالت أولها . وإنما قص الله علينا قصص من قبلنا من الأمم لتكون عبرة لنا . فنشبه حالنا بحالهم ونقيس أواخر الأمم بأوائلها . فيكون للمؤمن من المتأخرين شبه بما كان للمؤمن من المتقدمين . ويكون للكافر والمنافق من المتأخرين شبه بما كان للكافر والمنافق من المتقدمين" (مجموع الفتاوى (425/28).) ويقول الشاطبي رحمه الله في الموافقات "فلقائل أن يقول: إن السلف الصالح مع معرفتهم بمقاصد الشريعة وكونهم عربا قد أخذوا بعموم اللفظ وإن كان سياق الاستعمال يدل على خلاف ذلك، وهو دليل على أن المعتبر عندهم في اللفظ عمومه بحسب اللفظ الإفرادي وإن عارضه السياق، وإذا كان كذلك عندهم صار ما يبين لهم خصوصه كالأمثلة المتقدمة مما خص بالمنفصل، لا مما وضع في الاستعمال على العموم المدعى. ولهذا الموضع من كلامهم أمثلة، منها أن عمر بن الخطاب كان يتخذ الخشن من الطعام، كما كان يلبس المرقع في خلافته؛ فقيل له: لو اتخذت طعاما ألين من هذا. فقال: أخشى أن تعجل طيباتي، يقول الله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا}[الأحقاف: 20] الحديث". ثم ذكر أمثله كثيره على هذا إلى أن قال "ومثل هذا كثير، وهو كله مبني على القول باعتبار عموم اللفظ لا خصوص السبب". (انظر الموافقات (34/4-39). ) وقال القرطبي رحمه الله " فإن قيل: فعلى هذا يجوز الاستدلال على المسلمين بما أنزل في الكافرين، ومعلوم أن أحكامهم مختلفة. قيل له: لا يستبعد أن ينتزع مما أنزل الله في المشركين أحكام تليق بالمسلمين. وقد قال عمر: إنا لو شئنا لاتخذنا سلائق وشواء وتوضع صحفة وترفع أخرى ولكنا سمعنا قول الله تعالى{أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا} [الأحقاف: 20]. وهذه الآية نص في الكفار، ومع ذلك ففهم منها عمر الزجر عما يناسب أحوالهم بعض المناسبة، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة. فيمكن أن تكون هذه الآية من هذا النوع. وهذا نفيس وبه يزول الإشكال ويرتفع الإبهام، والله أعلم". (تفسير القرطبي (92/8).) وخلاصة هذا المبحث المختصر بيان أنه وإن كان سبب النزول في الكفار كما سبق من قول البراء، إلا أنه العبرة بعموم اللفظ، فكل من شابهه اليهود في مثل حالهم يشمله مثل حكمهم من الكفر أو الظلم أو الفسوق. وقد اختلفت النقولات عن السلف جامعها قولان، أحدهما أن الآيات في الكفار خاصة، والثاني أنها في الكفار والمسلمين، ولا تعارض بإذن الله، فمن قال أنها في الكفار خاصة فهو يعني سبب النزول، ومن قال انها في الكفار والمسلمين فهو يعني دلالة الآيات |
رد: كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
بارك الله فيك
اخي المهلهل جزاك الله خيرا |
رد: كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
اقتباس:
وفيك بارك الله وجزاك بالمثل .................... |
رد: كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
المبحث الثالث تفصيل حالات الحكم بغير ما انزل الله الذي عليه جمهور العلماء أن الحكم بغير ما أنزل الله له حالات فليس كل حكم بغير ما أنزل الله كفر أكبر مخرج من المله ، كذلك ليس كله كفر أصغر من قبيل المعاصي، يقول الشيخ العثيمين رحمه الله: "قوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}[المائدة: 44] وقوله [وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] [المائدة: 45] وقوله {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] وهل هذه الأوصاف الثلاثة تتنزل على موصوف واحد؟ بمعنى أن كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر، ظالم، فاسق، لأن الله تعالى وصف الكافرين بالظلم والفسق فقال تعالى {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254] وقال تعالى {إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 84] فكل كافر ظالم فاسق، أو هذه الأوصاف تتنزل على موصوفين بحسب الحامل لهم على عدم الحكم بما أنزل الله؟ هذا هو الأقرب عندي والله أعلم". (فتاوى أركان الإسلام ص145) فالحكم بغير ما أنزل قد يكون كفرًا أكبر وقد يكون كفرًا أصغر، وهذا ما نبينه في هذا المبحث إن شاء الله، وفيه مطالب: المطلب الأول الكفر المخرج من المله وهو أقسام: القسم الأول:كفر الإعتقاد. القسم الثاني: التشريع العام المخالف لما أنزل الله. القسم الثالث: التحاكم إلى الشرع المبدل. المطلب الثاني: الكفر الأصغر. ------------------------------------------------------------------------------------- المطلب الأول الكفر المخرج من الملة . القسم الأول كفر الإعتقاد: ومبناه على قاعدة إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة سواء كان أصل من أصول الدين أو فرعًا من الفروع، ويلحق به عدة صور وبيان ذلك، ما قاله سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله وهو يعدد أنواع الكفر المخرجة من المله: "أما الأول: وهو كفر الاعتقاد، فهو أنواع: أحدها: أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله. الثاني: أن لا يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله كون حكم الله ورسوله حقا، لكن اعتقد أن حكم غير الرسول صلى الله عليه وسلم أحسن من حكمه وأتم وأشمل، لما يحتاجه الناس. الثالث: أن لا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله، لكن اعتقد أنه مثله؛ فهذا كالنوعين اللذين قبله، في كونه كافرا الكفر الناقل عن الملة. الرابع: أن لا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلا لحكم الله ورسوله، فضلا عن أن يعتقد كونه أحسن منه؛ لكن اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله؛ فهذا كالذي قبله، يصدق عليه ما يصدق عليه، لاعتقاده جواز ما علم بالنصوص الصحيحة الصريحة القاطعة تحريمه". (رسالة تحكيم القوانين (8-9) وقال شيخ الإسلام رحمه الله: "ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر ; فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله سبحانه وتعالى، كسوالف البادية، وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة. وهذا هو الكفر، فإن كثيرا من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار، وإلا كانوا جهالا، كمن تقدم أمرهم". (منهاج السنه (130/5)) وقال الشيخ ابن باز رحمه الله؛ بعد أن ذكر نواقض الإسلام العشر للإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "ويدخل في القسم الرابع: من اعتقد أن الأنظمة والقوانين التي يسنها الناس أفضل من شريعة الإسلام أو أنها مساوية لها، أو أنه يجوز التحاكم إليها، ولو اعتقد أن الحكم بالشريعة أفضل أو أن نظام الإسلام لا يصلح تطبيقه في القرن العشرين، أو أنه كان سببا في تخلف المسلمين، أو أنه يحصر في علاقة المرء بربه دون أن يتدخل في شئون الحياة الأخرى، ويدخل في الرابع أيضا: من يرى أن إنفاذ حكم الله في قطع يد السارق، أو رجم الزاني المحصن لا يناسب العصر الحاضر، ويدخل في ذلك أيضا كل من اعتقد أنه يجوز الحكم بغير شريعة الله في المعاملات أو الحدود أو غيرهما، وإن لم يعتقد أن ذلك أفضل من حكم الشريعة؛ لأنه بذلك يكون قد استباح ما حرمه الله إجماعا، وكل من استباح ما حرم الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة، كالزنا والخمر والربا والحكم بغير شريعة الله فهو كافر بإجماع المسلمين". (مجموع فتاوى ابن باز (132/1).) وقال ابن أبي العز رحمه الله: "إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر". (شرح العقيدة الطحاوية (ص 323). ) وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "من اعتقد أن غير هدى الرسول صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أوأن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه، فهو كافر" (مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان (ص 386). ) وقال الألوسي رحمه الله في تفسيره: "لاشك في كفر من يستحسن القانون ويفضله على الشرع، ويقول؛ هو أوفق بالحكمة وأصلح للأمة، ويتميز غيظاً ويتقصف غضباً إذا قيل له في أمر أمر الشارع، كما شهدنا ذلك في بعض من خذلهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ...... فلا ينبغي التوقف في تكفير من يستحسن ما هو بيِّن المخالفة للشرع منها - أي القوانين - ويقدمه على الأحكام الشرعية منتقصاً لها". (انظر روح المعاني (28/ 20-21). ) يتبين لنا بعد هذه النقولات أن من صور كفر الإعتقاد المخرج من الملة: 1- جحد ما أنزل الله. 2- تفضيل غير حكم الله على حكم الله ورسوله. 3- مساواة حكم الله ورسوله بحكم غيرهما. 4- اعتقاد جواز الحكم بغير ما أنزل الله. 5- الإستهانة بحكم الله ورسوله. 6- اعتقاد أن تحكيم الشريعه لا يناسب العصر. 7- أو انه سبب لتخلف المسلمين. ويلحق بذلك صور أخرى لم تذكر، كبغض ما أنزل الله وغيرها. مسأله: هل الحكام الذين يشرعون لبلادهم قانون عام يضاد ما أنزل الله هل يلزمهم شيء من نواقض الإعتقاد هذه؟ نجيب على هذا السؤال في الرد المقبل بإذن الله ............ إلى ذلكم الحين تقبلوا تحياتي والسلام عليكم |
رد: كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
تتمة هل الحكام الذين يشرعون لبلادهم قانون عام يضاد ما أنزل الله هل يلزمهم شيء من نواقض الإعتقاد هذه؟ قال الشيخ العثيمين رحمه الله: "من لم يحكم بما أنزل الله استخفافاً به، أواحتقاراً له، أواعتقاداً أن غيره أصلح منه وأنفع للخلق، فهو كافر كفراً مخرجاً عن الملة، ومن هؤلاء من يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهاجاً يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق، إذ من المعلوم بالضرورة العقلية والجبلة الفطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه". (فتاوى أركان الإسلام (ص 145-146) فالشيخ رحمه الله يرى أن من عدل عن شرع الله إلى تشريع عام مخالف لا يفعل ذلك إلا لتفضيل هذا التشريع على شرع الله؛ وكلام الشيخ رحمه الله واضح ولله الحمد. وفوق ذلك أن من عدل عن شرع الله إلى قانون وضعي فيه ما يخالف الشرع فقد أحل ما حرم الله، وبيان ذلك ما قاله المستشار علي جريشة: "وإذا كان رد الأمر إلى الله من مقتضيات الايمان وموجبات العقيدة ، كان النكوص عن ذلك كفر وشركا ، وظلما وفسقا كما عبر القرآن ... فما هي صور ذلك النكوص ؟ عدول أو تعديل: إن من عدل عن شرع الله إلى شرع غيره فقد عدل بشرع الله شرعا آخر ، ومن ثم عدل بالله آلهة أو أربابا آخرين ... لأن الشرع ابتداء خالص حق الله ، باعتباره من خصائص الربوبية والألوهية ، كذلك من لم يعدل عن شرع الله كله ولكنه عدل فيه.! ذلك أنه لايملك التعديل إلا سلطة في نفس المستوي أو سلطة أعلى ، فمن فعل ذلك فقد جعل من نفسه ندا لله ... تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فالتحريم والتحليل - اللذان أشارت إلهما الآيات الكريمة يتخذ صورة العدول أو التعديل ، فمن عدل عن تحريم الخمر إلى إباحتها فقد أحل ما حرم الله ، ووقع في الكفر والشرك ، وكما يكون العدول صريحا، بأن قال عن الحرام حلال . فإنه يكون كذلك ضمنيا بتغيير وصف الحكم من الحرام إلى الحلال، ففي مثل الخمر جاء تحريمها بالنص والاجماع، فإذا جاءت نصوص وضعية خالية من العقاب فقد غيرت وصف الحكم وجعلته مباحا، والمباح أحد أقسام الحلال ، ومن ثم فإنها تكون بذلك قد أحلت ما حرم الله. كذلك الزنا حرمته الشريعة بالنص والإجماع فإذا جاءت نصوص وضعية خالية من النص على العقاب عليه ولو في بعض الأحوال .فإنها تكون قد أباحته في هذه الحالات أي تكون قد أحلت ما حرم الله . هذه صور من العدول. أما صور التعديل: فإن الحكم يبقي على وصفه الأصلى فلا ينقلب من الحرام إلى الحلال ولكن مثلا يجري التعديل في العقوبة التي وضعها الله سبحانه وتعالى للفعل كأن يحتفظ النص الوضعي بتحريم الفعل وتجريمه ولكنه يعدل في العقوبة المقررة له شرعا فيجعلها الحبس بدلا من الجلد أو الرجم، ويمكن أن يقال إن مثل تلك النصوص الوضعية التي تتضمن تعديلا في الحكم الشرعي تتضمن كذلك عدولا فإن وضع عقوبة مكان أخري عدول عن العقوبة الأصلية التي شرعها الشارع الحكيم علاجا للداء، وهو أعلم بمن خلق وهو اللطيف الخبير !! وعلى ذلك فالعدول والتعديل هو من قبيل التحليل والتحريم الذي دمغه القرآن بالكفر والشرك ... وتلك أقصي صور عدم الشرعية !!". (انظر كتابه المشروعية الإسلامية العليا (ص 37).) إن شاء الله نفصل القول في التشريع العام المخالف لما أنزل الله في القسم التالي. |
رد: كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
السلام عليكم
شكرا للمهلهل على هذا المجهودات نفع الله به |
رد: كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
اقتباس:
وفيك بارك الله أخي الكريم |
رد: كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
القسم الثاني التشريع العام المخالف لما أنزل الله هذا القسم أحد حالات الحكم بغير ما أنزل الله الداخلة ضمن حالات الكفر الأكبر المخرج من المله بإجماع العلماء كما سيأتي إن شاء الله، وقد تبين من المبحث الأول أن الحكم والتشريع وما يتبع ذلك حق خالص لله جل وعلا وهو من مفرادات الربيوبيه - ونقلنا في ذلك كلام الشنقيطي في صفات من له الحكم - وأن من نازع الله في حق التشريع فقد نازعه في ربوبيته، فيرجع في هذا للمبحث الأول. وهذا القسم مخرج من المله من وجوه: أحدها: منازعة الله في ربوبيته، والتعدي على حق من حقوقه جل وعلا وهو حق الحكم والتشريع حيث ادعاه لنفسه، وهذا شرك في الربوبية، وهو عين ما فعله أحبار اليهود إذ جعلوا لأنفسهم حق التشريع. الثاني: رفض شريعه الله، واستبدلها بغيرها. الثالث:تفضيل زباله أفكار الناس على أحكام الله جل وعلا، إذ لو لم يفضلها لما جعلها تشريع عام يلزم به الأخرين. الرابع: التعديل على أحكام الله. الخامس: اصدار تشريعات عامة تكون لها السيادة في الأمة بدلا من سيادة الكتاب والسنة وتصبح هي المرجع في الحكم عند التنازع ، ويقدم العمل بها على العمل بأحكام الشريعة المطهرة، فجعل سيادة القانون الوثني أعلى من سيادة الله ورسوله؛ وكما سيأتي أن هذا من أعظم الكفر. ولذلك نجد كثير من أهل العلم جعل هذا القسم مستلزم لكفر الإعتقاد كما سبق عن العثيمين رحمه الله أنه قال: "من لم يحكم بما أنزل الله استخفافاً به، أواحتقاراً له، أواعتقاداً أن غيره أصلح منه وأنفع للخلق، فهو كافر كفراً مخرجاً عن الملة، ومن هؤلاء من يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهاجاً يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق، إذ من المعلوم بالضرورة العقلية والجبلة الفطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه". (فتاوى أركان الإسلام ( 145-146).) وصوره هذا القسم - التشريع العام - والفرق بينه وبين الحكم في قضية معينة ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله: "فإن الحاكم إذا كان دَيِّنًا لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار، وإن كان عالما لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه كان من أهل النار، وإذا حكم بلا عدل ولا علم كان أولى أن يكون من أهل النار، وهذا إذا حكم في قضية معينة لشخص. وأما إذا حكم حكما عاما في دين المسلمين فجعل الحق باطلا والباطل حقا والسنة بدعة والبدعة سنة والمعروف منكرا والمنكر معروفا ونهى عما أمر الله به ورسوله وأمر بما نهى الله عنه ورسوله: فهذا لون آخر . يحكم فيه رب العالمين وإله المرسلين مالك يوم الدين الذي {لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}{الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم". (مجموع الفتاوى (388/35).) نجد أن شيخ الإسلام رحمه الله حكم على القاضي الذي يحكم في قضية معينة بخلاف الحق الذي يعلمه أنه من أهل النار لحديث النبي صلى الله عليه وسلم المشهور القضاة ثلاثة (حديث صحيح، أخرجه الترمذي في الجامع (1322)) ولم يدخل في ذلك من حكم في دين الإسلام حكمًا عامًا وهذه الصوره التي هي التشريع العام، كمن أباح الربا ولم يعاقب عليه وأباح الخمر ولم يعاقب عليها وأباح الزنا ولم يعاقب عليه إلا في حالات معينة، كذلك منع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل أمر بالمنكر ونهى عن المعروف، وأطلق العنان لمن أراد التطاول على الدين وأهله، عطل حدود الله بل وعدل عليها وكل هذا جعله في اطار تشريع عام ألزم الناس بالتحاكم إليه؛ وجعل سيادة هذا القانون فوق سيادة الشرع، وهذا ما قاله ابن تيمية رحمه الله "وأما إذا حكم حكما عاما في دين المسلمين فجعل الحق باطلا والباطل حقا والسنة بدعة والبدعة سنة والمعروف منكرا والمنكر معروفا ونهى عما أمر الله به ورسوله وأمر بما نهى الله عنه ورسوله: فهذا لون آخر . يحكم فيه رب العالمين وإله المرسلين مالك يوم الدين الذي {لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}{الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا}والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم". فينبغي التفريق بين هاتين الصورتين، من حكم في قضيه معينه بغير ما أنزل الله لشهوة أو رشوة لكنه لم يجعل حكمه تشريعًا عامًا، ومن استبدل شرع الله بالقوانين الطاغوتية الوثنية وجعلها تشريعًا عامًا يُرجع إليه عند النزاع وأحكامه فوق أحكام الكتاب والسنه؛ فهذه الصوره لا يشك أحد في كفر فاعلها! لذلك نجد الشيخ العثيمين رحمه الله بعد أن ذكر أن الحكم بغير ما أنزل الله قسمين، الأول كفر أكبر مخرج من المله والثاني كفر أصغر سُئل "هل هناك فرق في المسألة المعينة التي يحكم فيها القاضي بغير ما أنزل الله وبين المسائل التي تعتبر تشريعًا عامًا؟ فأجاب بقوله: نعم هناك فرق فإن المسائل التي تعتبر تشريعًا عامًا لا يتأتى فيها التقسيم السابق وإنما هي من القسم الأول فقط". (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (2/144). أي أن التشريع العام ليس فيه كفر أكبر وكفر أصغر، لا تقسيم فيه؛ إنما هو كفر أكبر منقل من المله فقط، وهذا محل اتفاق أهل العلم، لم يخالف في ذلك إلا المرجئه وأذنابهم من مطية الطواغيت فليس عندهم كفر إلا الإستحلال فقط! ولا عبرة بقولهم. وقد فصل الشيخ العثيمين رحمه الله قوله هذا في موضع أخر فقال: "إن الذين يحكمون القوانين الآن، ويتركون وراءهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما هم بمؤمنين؛ ليسوا بمؤمنين، لقول الله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) [النساء: 65] ولقوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] ، وهؤلاء المحكمون للقوانين لا يحكمونها في قضية معينة خالفوا فيها الكتاب والسنة، لهوى أو لظلم، ولكنهم استبدلوا الدين بهذا القانون، وجعلوا هذا القانون يحل محل شريعة الله، وهذا كفر؛ حتى لو صلوا وصاموا وتصدقوا وحجوا، فهم كفار ما داموا عدلوا عن حكم الله ـ وهم يعلمون بحكم الله ـ وإلى هذه القوانين المخالفة لحكم الله. {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [النساء: 65] ، فلا تستغرب إذا قلنا: إن من استبدل شريعة الله بغيرها من القوانين فإنه يكفر ولو صام وصلى؛ لأن الكفر ببعض الكتاب كفر بالكتاب كله، فالشرع لا يتبعض، إما تؤمن به جميعاً، وإما أن تكفر به جميعاً، وإذا آمنت ببعض وكفرت ببعض، فأنت كافر بالجميع، لأن حالك تقول: إنك لا تؤمن إلا بما لا يخالف هواك. وأما ما خالف هواك فلا تؤمن به. هذا هو الكفر. فأنت بذلك اتبعت الهوى، واتخذت هواك إلهاً من دون الله". (شرح رياض الصالحين، محمد بن صالح العثيمين، دار الوطن (261/2-262). وتأمل قوله "وهؤلاء المحكمون للقوانين لا يحكمونها في قضية معينة خالفوا فيها الكتاب والسنة، لهوى أو لظلم، ولكنهم استبدلوا الدين بهذا القانون، وجعلوا هذا القانون يحل محل شريعة الله، وهذا كفر؛ حتى لو صلوا وصاموا وتصدقوا وحجوا، فهم كفار ما داموا عدلوا عن حكم الله ـ وهم يعلمون بحكم الله ـ وإلى هذه القوانين المخالفة لحكم الله". إلى أخر ما قال رحمه الله، فافهم هذا الفرق وعض عليه بالنواجذ، يسلم لك دينك. وتأكيد ذلك قول الحافظ ابن كثير رحمه الله عند تفسير قوله تعالى {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]: "ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان، الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير". (تفسير ابن كثير (131/3).) وما أشبه اليوم بالبارحة فالأن عندهم ياسق أخر لكن تغير اسمه إلى الدستور بعض أحكامه من الشريعة الإسلامية وأخرى من القانون الفرنسي وغيرها من اليوناني وبعضه وفق زبالة أفكار البشر وصاروا يقدمونه على الكتاب والسنة؛ فمثلا حكم الخمر في الإسلام حرام عندهم لاقيمة لحكم الإسلام فالخمر في الدستور مباح فتباع في الطرقات ولا يستطيع أحد الإنكار، ويقدمون حكم الدستور على حكم الله ورسوله، الربا في الإسلام حرام، أما في الياسق فمباح وهكذا، فيقدمون حكم الياسق على حكم الله ورسوله، فالسيادة في دينهم للدستور والقسم عندهم على احترام الدستور، أما احترام القرآن والسنة وقول الله وقول رسوله فليس في دينهم، فكما قال ابن كثير "فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير" يقول العلامة أحمد شاكر رحمه الله معقبًا على كلام ابن كثير السابق: " أفيجوز مع هذا أن يحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس من تشريعات أوروبا الوثنيّة الملحدة؟ بل تشريع تدخله الاهواء والآراء الباطلة يغيّرونه ويبدّلونه كما يشاءون، ولا يبالي واضعه أوافق شريعة الاسلام أو خالفها؟" إلى أن قال "أفرأيتم هذا الوصف القوي من الحافظ ابن كثير - في القرن الثامن - لذلك القانون الوضعي، الذي وضعه عدو الإسلام جنكيز خان؟ ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر، في القرن الرابع عشر إلا في فرق واحد أشرنا إليه آنفا؛ أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام، أتى عليها الزمن سريعاً، فاندمجت في الأمة الإسلامية وزال أثر ما صنعت، ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالاً وأشد ظلماً وظلاماً منهم، لأنّ أكثر الأمم الإسلامية الآن تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة والتي هي أشبه شيء بذلك الياسق، الذي اصطنعه رجل كافر ظاهر الكفر، هذه القوانين التي يصنعها ناس ينتسبون للإسلام، ثم يتعلمها أبناء المسلمين ويفخرون بذلك آباء وأبناء، ثم يجعلون مرد أمرهم إلى معتنقي هذا الياسق العصري!" ثم قال رحمه الله "إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بوّاح، لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام - كائنا من كان - في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها، فليحذر امروٌ لنفسه، وكل امرئ حسيب نفسه". (انظر هامش عمده التفسير (696/1-697).) وقد نقل سماحة الشيخ حمد بن عتيق كلام ابن كثير السابق في "سبيل النجاة والفكاك" ثم عقب بقوله: "قلت: ومثل هؤلاء ما وقع فيه عامة البوادي ومن شابههم، من تحكيم عادات آباءهم، وما وضعه أوائلهم من الموضوعات الملعونة التي يسمونها ( شرع الرفاقة ) يقدمونها على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن فعل ذلك فهو كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله". (سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك (83-84). وقد ذكر هذه الصوره -التشريع العام المخالف لما أنزل الله - سماحه الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله وهو يعدد أنواع الكفر الأكبر المخرج من المله، فقال بعد أن ذكر أربع أنواع من كفر الإعتقاد (سبق في قسم كفر الإعتقاد. "الخامس: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه ومشاقة لله ولرسوله ومضاحاة بالمحاكم الشرعية إعدادا وإمدادا وأرصادا وتأصيلا وتفريعا وتشكيلاً وتزيغا وحكما وإلزاما ومراجع مستمدات فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع ومستمدات مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم، فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتى وقوانين كثيرة في القانون الفرنسي والقانون الأمريكي والقانون البريطاني وغيرها من القوانين ومن مذاهب بعض المدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك. فهذه المحاكم إلأن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة مفتوحة إلابواب والناي إليها أسراب إثر أسراب، يحكم بينهم بما يخالف السنة والكتاب من أحكام ذلك القانون وتلزمهم به وتقرهم وتحتمه عليهم فأي كفر فوق الكفر وأي مناقضة لشهادة أن محمداً رسول الله بعد هذه المناقضة؟!!". (رسالة تحكيم القوانين (6-7). كذلك ذكرها فضيله الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله من الحالات المنقله عن الملة، فقال في رساله الحكم بغير ما أنزل الله بعد أن ذكر حالتين: "الثالثة: من كان منتسبا للإسلام؛ عالما بأحكامه، ثم وضع للناس أحكاما، وهيأ لهم نظما؛ ليعلموا بها ويتحاكموا إليها؛ وهو يعلم أنها تخالف أحكام الإسلام؛ فهو كافر، خارج من ملة الإسلام. وكذا الحكم فيمن أمر بتشكيل لجنة أو لجان لذلك، ومن أمر الناس بالتحاكم إلى تلك النظم والقوانين أو حملهم على التحاكم إليها وهو يعلم أنها مخالفة لشريعة الإسلام. وكذا من يتولى الحكم بها، وطبقها في القضايا، ومن أطاعهم في التحاكم إليها باختياره، مع علمه بمخالفتها للإسلام فجميع هؤلاء شركاء في الإعراض عن حكم الله. لكن بعضهم يضع تشريعا يضاهي به تشريع الإسلام ويناقضه على علم منه وبينه، وبعضهم يأمر بتطبيقه، أو يحمل الأمة على العمل به، أو ولي الحكم به بين الناس أو نفذ الحكم بمقتضاه. وبعضهم يأمر بطاعة الولاة والرضا بما شرعوا لهم مما لم يأذن به الله ولم ينزل به سلطانا. فكلهم قد اتبع هواه بغير هدى من الله، وصدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه، وكانوا شركاء في الزيغ؛ والإلحاد، والكفر، ولا ينفعهم علمهم بشرع الله، واعتقادهم ما فيه، مع إعراضهم عنه، وتجافيهم لأحكامه، بتشريع من عند أنفسهم، وتطبيقه، والتحاكم إليه؛ كما لم ينفع إبليس علمه بالحق، واعتقاده إياه، مع إعراضه عنه، وعدم الاستسلام والانقياد إليه، وبهذا قد اتخذوا هواهم إلها". (الحكم بغير ما أنزل الله، ضمن فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي (268-269). وقال الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله وهو يعدد كفريات أهل الحجاز قبل دعوه الشيخ محمد بن عبد الوهاب "ووضعوا قوانين ينفذونها في الرعية مخالفة لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وقد علم أن هذه كافية وحدها في إخراج من أتى بها من الإسلام". (الدرر السنيه في الأجوبة النجدية (257/9). وقال الشيخ ابن باز رحمه الله: "الوجه الرابع: من الوجوه الدالة على بطلان الدعوة إلى القومية العربية أن يقال: إن الدعوة إليها والتكتل حول رايتها يفضي بالمجتمع ولا بد إلى رفض حكم القرآن؛ لأن القوميين غير المسلمين لن يرضوا تحكيم القرآن، فيوجب ذلك لزعماء القومية أن يتخذوا أحكاما وضعية تخالف حكم القرآن، حتى يستوي مجتمع القومية في تلك الأحكام، وقد صرح الكثير منهم بذلك كما سلف، وهذا هو الفساد العظيم، والكفر المستبين والردة السافرة، كما قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] وقال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] وكل دولة لا تحكم بشرع الله، ولا تنصاع لحكم الله، ولا ترضاه فهي دولة جاهلية كافرة، ظالمة فاسقة بنص هذه الآيات المحكمات، يجب على أهل الإسلام بغضها ومعاداتها في الله، وتحرم عليهم مودتها وموالاتها حتى تؤمن بالله وحده، وتحكم شريعته، وترضى بذلك لها وعليها، كما قال عز وجل: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4]". (مجموع فتاوى ابن باز (305/1). وقد أفرد الإمام الشوكاني رحمه الله رساله سماها الدواء العاجل في دفع العدو الصائل وصف فيها بلايا أهل زمانه وما وصلوا إليه من الكفر، وقد قسمها إلى ثلاثه أقسام وضح في كل قسم بعض الكفريات التي وقعوا فيها فقال في القسم الثاني: "ومع هذا ففيهم من المصائب العظيمة، والقبائح الوخيمة، والبلايا الجسيمة أمور غير موجودة في القسم الأول، منها: أنهم يحكمون بالطاغوت، ويتحاكمون إلى من يعرف الأحكام الطاغوتية منهم، في جميع الأمور التي تنوبهم وتعرض لهم، من غير إنكار ولا حياء من الله ولا من عباده، ولا مخافة من أحد، بل قد يحكمون بذلك بين من يقدرون على الوصول إليه من الرعايا، ومن كان قريبا منهم، وهذا الأمر معلوم لكل أحد من الناس، لا يقدر أحد على إنكاره ودفعه، وهو أشهر من نار على علم. ولا شك ولا ريب أن هذا كفر بالله - سبحانه - وبشريعته التي أنزلها على رسوله، واختارها لعباده في كتابه، وعلى لسان رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بل كفروا بجميع الشرائع من عند آدم عليه السلام إلى الآن، وهؤلاء جهادهم واجب، وقتالهم متعين، حتى يقبلوا أحكام الإسلام ويذعنوا لها، ويحكموا بينهم بالشريعة المطهرة، ويخرجوا من جميع ما هم فيه من الطواغيت الشيطانية". (رساله الدواء العاجل في دفع العدو الصائل، ضمن الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني (5748/11). فالأمر كما ترى أخي الموحد من الخطورة بمكان فإما إيمان وإما كفر، إما أن تكون من أهل التوحيد أو تكون مطية الطواغيت، فاختر لنفسك. وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على كفر من بدل الشرع او تحاكم لغير الكتاب والسنه منهم: شيخ الإسلام رحمه الله قال: "والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه، كان كافرا مرتدا باتفاق الفقهاء". (مجموع الفتاوى (267/3). ومن شرع تشريعًا عام ألزم الناس به خلاف ما أنزل الله قد اجتمعت فيه الثلاث تحليل الحرام وتحريم الحلال وتبديل الشرع، فإزداد كفرًا على كفر. ويقول أيضًا رحمه الله: "ومعلوم أن من أسقط الأمر والنهي الذي بعث الله به رسله فهو كافر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى". (المصدر السابق (106/8). وقال ابن كثير رحمه الله بعد أن ذكر عدة أحكام من الياسق: "وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى " الياساق " وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين، قال الله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] وقال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء: 65]". (البداية والنهاية (162/17). والقوانين الوثنية الطاغوتية ليست شرائع منسوخة وإنما هي أشد كفرًا من ياسق التتار، فالحكم فيها أولى كما أشار العلامة أحمد شاكر والشنقيطي وغيرهم. وقد كثر النقل في هذه المسأله عن اهل العلم سلفًا وخلفًا وترك الكثير، لنعلم أن تبديل شرع الله وسن قانون عام يخالف ما أنزل الله كفر أكبر ينقل عن المله بإجماع المسلمين، وليس من قبيل المعاصي كما يزعم أهل الإرجاء، ومطية الطواغيت، المنافحين عن أهل الأوثان المغيرين بألسنتهم على أهل الإيمان، ولا تعجب من ذلك فقد نبأنا الله من أخبارهم {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً} [النساء: 51]. فإن قال قائل فأين حكاية الإجماع قبل ابن تيمية وابن كثير؟! فأقول وبالله تعالى التوفيق: لم تعرف الأمة الإسلامية تغييرًا للشرع وتبديلا لأحكامه وحكمًا بقوانين وثنية طاغوتية قبل مجيء التتار ودخولهم الإسلام وجعلهم الياسق قانون يتحاكمون إليه، مع ملاحظة أنهم لم يلزموا بقية الأمة الإسلامية بالتحاكم إليه، بل بقيت باقي الأقطار الإسلامية في زمنهم لا تحكم إلا بالشرع المنزل، فأجمعت الأمة على كفرهم ووجوب قتالهم لإستبدالهم الشرع المنزل بالقوانين الطاغوتية، فكيف بمن يحكم الأن بهذه القوانين الوثنية ويلزم غيره بالإحتكام إليها بل ويعاقب من يخرج عنها! (سيأتي مزيد تفصيل عند الكلام على أثر ابن عباس وقصة أبي مجلز مع الإباضية في المبحث الرابع إن شاء الله) ولذلك نجد الشيخ الأمين الشنقيطي رحمه الله يقول: "والعجب ممن يحكم غير تشريع الله ثم يدعي الإسلام". (أضواء البيان (41/3). انتهى بفضل الله القسم الثاني من المبحث الثالث. |
رد: كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
نحن في المتابعة اخي المهلهل
و عيد مبارك تقبل الله منا ومنكم |
رد: كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
اقتباس:
بارك الله فيك أخي الكريم ........................وتقبل الله منك الصيام والقيام وكل عام وأنت إلى الله أقرب ... |
رد: كلام جميل ... عن اسباب تفرق الامة
نواصــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــل القسم الثالث الرضا بالتحاكم إلى الشرع المبدل هذا القسم قد غلط فيه قوم، فذهبوا إلى تكفير المجتمعات الإسلامية المحكومة بهذه القوانين ولم يستثنوا إلا من حاربها أو أعلن مفاصلته للمجتمع كله، ولا شك أن هذا غلو وضلال كبير، إذ الأصل في من نطق الشهادتين أنه مسلم ما لم يأت بناقض واضح صريح لا يحتمل التأويل، لذلك جعلت عنوان القسم الرضا بالتحاكم إلى الشرع المبدل، فنفرق بين من رضي بالتحاكم إلى القوانين الطاغوتية مقدمًا إياها على حكم الله بعد أن تيقن أنه حكم الله لكنه أعرض وقدم أحكام الجاهلية على حكم العلي الحميد فهذا لا شك في كفره، وبين من أبغض هذه القوانين الطاغوتية الجاهلة ولم يدع إليها ولم يرضى بها، ولم يظاهر أهلها على أهل التوحيد، ولكن وقع في بعض ما أحلته هذه القوانين من غير استحلال لها ما لم يكن ناقضًا، كمن يعمل في البنوك الربوية مع علمه أنه آثم بهذا العمل، كذلك من يعمل في بيع الخمر مع علمه أنه مجرم أثم يقترف الكبائر ويستحق العقاب؛ فهؤلاء حكمهم حكم عصاة المسلمين. فهؤلاء ليسوا كمن شرع من دون الله، فنفرق أيضًا بين من يشرع للناس القوانين الطاغوتية فيحل ما حرم الله، ويبدل شرع الله وفق هواه فهذا لايشترط في كفره الإستحلال كما سبق في القسم الثاني، وبين من لم يشرع من الأتباع فهذا يشترط في تكفيره أن يظهر الرضا بهذه القوانين أو يستحل التحاكم إليها، أو يمتنع من التحاكم إلى الشرع مقدمًا هذه القوانين على حكم الله. فمن صور التحاكم إلى الشرع المبدل المنقلة من الملة ما قاله محمد حامد الفقي رحمه الله: "من اتّخذ من كلام الفرنجة قوانين يتحاكم إليها في الدّماء والفروج والأموال ويقدّمها على ما علم، وتبيّن له من كتاب الله وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، فهو بلا شكّ كافر مرتدّ إذا أصرّ عليها، ولم يرجع إلى الحكم بما أنزل الله ولا ينفعه أيّ اسم تسمّى به ولا أيّ عمل من ظواهر أعمال الصّلاة والصيّام والحجّ ونحوها". (فتح المجيد شرح كتاب التّوحيد، طبعة أنصار السنة المحمدية، (هامش ص 396 ). قلت هنا قيدان، أحدهما أن يتبين حكم الله في المسألة، الثاني تقديم القوانين الجاهلية على حكم الله، فمن فعل هذا لا شك في كفره بإجماع العلماء كما سيأتي بإذن الله. والعمده في هذا الباب آيات سورة النساء {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا (63) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا (64) فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء: 60-65]. يقول الشيخ الشنقيطي رحمه الله: "ومن أصرح الأدلة في هذا: أن الله جل وعلا في «سورة النساء» بين أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب ; وذلك في قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا} [النساء: 60]. وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم". (أضواء البيان (259/3). وقال رحمه الله: "وقد عجب نبيه صلى الله عليه وسلم بعد قوله: {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ} من الذين يدعون الإيمان مع أنهم يريدون المحاكمة إلى من لم يتصف بصفات من له الحكم، المعبر عنه في الآية بالطاغوت، وكل تحاكم إلى غير شرع الله فهو تحاكم إلى الطاغوت، وذلك في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا} [النساء: 60] فالكفر بالطاغوت الذي صرح الله بأنه أمرهم به في هذه الآية، شرط في الإيمان كما بينه تعالى في قوله {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ} [البقره: 256]. فيفهم منه أن من لم يكفر بالطاغوت لم يتمسك بالعروة الوثقى، ومن لم يستمسك بها فهو مترد مع الهالكين" ثم قال "وعلى كل حال فلا شك أن كل من أطاع غير الله في تشريع مخالف لما شرعه الله - فقد أشرك به مع الله". (انظر المصدر السابق (49/7-56). وقال ابن كثير رحمه الله: "{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} وهذا أمر من الله عز وجل، بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشُّورَى:10] فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال تعالى {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} أي: ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} فدل على أن من لم يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر". (تفسير ابن كثير ( 345/2). وقال الشيخ السعدي رحمه الله: "ثم أمر برد كل ما تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه إلى الله وإلى رسوله أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله؛ فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية، إما بصريحهما أو عمومهما؛ أو إيماء، أو تنبيه، أو مفهوم، أو عموم معنى يقاس عليه ما أشبهه، لأن كتاب الله وسنة رسوله عليهما بناء الدين، ولا يستقيم الإيمان إلا بهما. فالرد إليهما شرط في الإيمان فلهذا قال: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} فدل ذلك على أن من لم يرد إليهما مسائل النزاع فليس بمؤمن حقيقة، بل مؤمن بالطاغوت، كما ذكر في الآية بعدها". (تفسير السعدي (183/1). يقول ابن القيم رحمه الله: "أنه جعل هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين فإنه من الطرفين وكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر ثم أخبرهم أن هذا الرد خير لهم وأن عاقبته أحسن عاقبة ثم أخبر سبحانه أن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه". (إعلام الموقعين (50/1). وقال الشيخ سليمان بن عبد الوهاب رحمه الله: " فكل ما تحاكم إليه متنازعان غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو طاغوت إذ قد تعدى به حده". ثم قال: "وقوله تعالى: {وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} أي بالطاغوت وهو دليل على أن التحاكم إلى الطاغوت مناف للإيمان مضاد له، فلا يصح الإيمان إلا بالكفر به، وترك التحاكم إليه فمن لم يكفر بالطاغوت لم يؤمن بالله. وقوله: {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً} أي: لأن إرادة التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من طاعة الشيطان، وهو إنما يدعو أحزابه ليكونوا من أصحاب السعير. وفي الآية دليل على أن ترك التحاكم إلى الطاغوت، الذي هو ما سوى الكتاب والسنة من الفرائض وأن التحاكم إليه غير مؤمن بل ولا مسلم. وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً} أي: إذا دُعوا إلى التحاكم إلى ما أنزل الله وإلى الرسول أعرضوا إعراضًا مستكبرين كما قال تعالى: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} قال ابن القيم: هذا دليل على أن من دعي إلى تحكيم الكتاب والسنة، فلم يقبل، وأبى ذلك أنه من المنافقين. ويصدون هنا لازم لا متعد، وهو بمعنى يعرضون، لا بمعنى يمنعون غيرهم، ولهذا أتى مصدره على صدوداً، ومصدر المتعدي صدًّا. فإذا كان المعرض عن ذلك قد حكم الله سبحانه بنفاقهم، فكيف بمن ازداد إلى إعراضه منع الناس من تحكيم الكتاب والسنة، والتحاكم إليهما بقوله وعمله وتصانيفه؟! ثم يزعم مع ذلك أنه إنما أراد الإحسان والتوفيق؛ الإحسان في فعله ذلك، والتوفيق بين الطاغوت الذي حكمه، وبين الكتاب والسنة. قلت: وهذا حال كثير ممن يدعي العلم والإيمان في هذه الأزمان، إذا قيل لهم: تعالوا نتحاكم إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيتهم يصدون وهم مستكبرون، ويعتذرون أنهم لا يعرفون ذلك، ولا يعقلون، بل لعنهم الله بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون". (انظر تيسير العزيز الحميد (ص481). وقال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله: "وقد قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} الآيات إلى قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً} قال الشعبي: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، عرف أنه لا يأخذ الرشوة، ولا يميل في الحكم. وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود، لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، ويميلون في الحكم. ثم اتفقا على أنهما يأتيان كاهنا في جهينة، فيتحاكمان إليه، فنَزلت {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ}. وقيل نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف; ثم بعد ذلك ترافعا إلى عمر بن الخطاب، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله صلى الله عليه وسلم: أكذلك؟ قال: نعم، فضربه بالسيف فقتله، فنزلت الآية. وهكذا ينبغي أن يفعل بالمتحاكمين إلى الطواغيت؛ فإذا كان هذا الخليفة الراشد، قد قتل هذا الرجل، بمجرد طلبه التحاكم إلى الطاغوت، فمن هذا عادته التي هو عليها، ولا يرضى لنفسه وأمثاله سواها، أحق وأولى أن يقتل، لردته عن الإسلام، وعموم فساده في الأرض". (الدرر السنية في الأجوبة النجدية (506/10-507). قال الجصاص رحمه الله: "وفي هذه الآية دلالة على أن من رد شيئا من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم فهو خارج من الإسلام سواء رده من جهة الشك فيه أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم". (أحكام القرآن، للجصاص (181/3). وقال شيخ الإسلام رحمه الله: "الحلال ما حلله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله ؛ وليس لأحد أن يخرج عن شيء مما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الشرع الذي يجب على ولاة الأمر إلزام الناس به ويجب على المجاهدين الجهاد عليه ويجب على كل واحد اتباعه ونصره. ولا يجب على عالم من علماء المسلمين أن يقلد حاكما لا في قليل ولا في كثير إذا كان قد عرف ما أمر الله به ورسوله، بل لا يجب على آحاد العامة تقليد الحاكم في شيء، بل له أن يستفتي من يجوز له استفتاؤه وإن لم يكن حاكما ومتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله كان مرتدا كافرا يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة". (مجموع الفتاوى (372/35). يقول الشيخ الشنقيطي في تفسير قوله تعالى: {وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [ الكهف: 26]: "ويفهم من هذه الآيات كقوله: {وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله، وهذا المفهوم جاء مبينا في آيات أخر". (أضواء البيان (259/3) وقال رحمه الله: " وقد دل القرآن في آيات كثيرة على أنه لا حكم لغير الله، وأن اتباع تشريع غيره كفر به". (المصدر السابق (48/7). وقال أيضًا: "ومن هدي القرآن للتي هي أقوم بيانه أنه كل من اتبع تشريعا غير التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فاتباعه لذلك التشريع المخالف كفر بواح، مخرج عن الملة الإسلامية". (المصدر السابق (40/3). وقال الشيخ العثيمين رحمه الله: "من الشرك بالربوبية أن يتخذ الإنسان أندادا يشرعون تشريعات تخالف شرع الله، فيوافقهم فيها مع علمه بمخالفتها للشريعة، ولهذا ترجم الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله - ترجم على ذلك في كتاب التوحيد بقوله: (باب من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذهم أربابا) فإذا وجد قوم يتبعون القوانين الوضعية المخالفة للشريعة الإسلامية مع علمهم بمخالفتها للشريعة فإننا نقول: هؤلاء قوم مشركون لأنهم اتخذوا حاكما يحكم بين الخلق غير الله -عز وجل- ومن المعلوم أن الحكم بين الخلق من مقتضيات الربوبية فقد اتخذوهم أربابا من دون الله". (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (285/7). وقد نقل ابن كثير رحمه الله الإجماع على ذلك فقال بعد أن ذكر بعض أحكام الياسق: "وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى " الياساق " وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين. قال الله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} [المائدة: 50] وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65]" فعلى الخلق الخضوع والرضوخ لحكم من خلقهم تعالى ليعبدوه، فكما لا يسجد الخلق إلا لله، ولا يعبدون إلا إياه، ولا يعبدون المخلوق، فكذلك يجب أن لا يرضخوا، ولا يخضعوا، أو ينقادوا، إلا لحكم الحكيم، العليم الحميد، الرؤوف الرحيم، دون حكم المخلوق الظلوم الجهول، الذي أهلكته الشكوك والشهوات والشبهات، واستولت على قلوبهم الغفلة والقسوة، والظلمات. فيجب على العقلاء أن يربؤوا بنفوسهم عنه، لما فيه من الاستعباد لهم، والتحكم فيهم بالأهواء والأغراض، والأغلاط والأخطاء، فضلا عن كونه كفرا بنص قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44].البدايه والنهايه (163/17). انتهى بفضل الله المطلب الأول بأقسامه الثلاث، وبإذن الله يتبع بالمطلب الثاني "حالات الكفر الأصغر". |
| الساعة الآن 11:54 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى