منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   منتدى تحريم دم المسلم (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=75)
-   -   شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=26017)

ولد برق 11-05-2008 09:47 PM

شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
الشبهة الأولى



فإن قيل: لقد أكثرتَ من قولك: لابد من الرجوع في النوازل إلى أهل العلم الراسخين، ولا عبرة بقول الشباب المتحمسين!! ونحن لا نُسَلِّم بأن ابن باز، وابن عثيمين، والألباني، والفوزان، ومن كان على شاكلتهم من جملة العلماء أصلًا، فلا نرجع إليهم فيما هو دون هذه المسائل التي تتصل بفقه الواقع، فكيف بهذه النوازل العامة ؟! على أن طَعْننا فيهم ليس طعنًا في العلماء أصلًا!!
فالجواب: هذه هي الفتنة في الدين!! فالخوارج لم يرضوا بعدالة ولا عِلْم الصحابة، فَضَلُّوا وأضلوا، وفي هذا العصر نجد شبابًا خالفوا العلماء، وطعنوا فيهم، بل كفَّروهم، فَضَلُّوا وأضلوا، ومنهم مَنْ وُفِّق للتوبة، فنسأل الله أن يثبتنا وإياهم على الحق، ويغفر لنا ولهم الذنوب.
هذا، وسأورد - إن شاء الله تعالى - على هؤلاء الشباب المنكرين مكانَةَ علمائنا حُجَّةً تُلزمهم بأن هؤلاء المذكورين من علمائنا - ومن جرى مجراهم - هم العلماء، وهم المرجع في النوازل، وذلك: أن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة عام من يجدد لها دينها ))([1]).
وقد جرى صنيع السلف في عَدِّ المجددين في كل قرن باعتبار رأس المئة الهجرية، فَعَدُّوا عمر بن عبد العزيز في المئة الأولى، والشافعي في المئة الثانية.
المهم أن المعتمد رأس المئة الهجرية، فنحن جميعًا قد عاصرنا رأس القرن الخامس عشر الهجري، وذلك بنهاية سنة 1400هـ وبداية سنة 1401هـ.
فإن قلتم: لم يوجد على رأس المئة الخامسة عشر هذه مجدد؛ كَذَّبتم خبر الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في قوله: ((... على رأس كل مئة عام))!!
وإن قلتم: هناك مجدد أو مجددون على رأس المئة الخامسة عشر، لكننا لا نعرفهم.
فالجواب: كيف يكون المجدد مجهولًا غير معروف ؟ وكيف يجدد وهو على هذا الحال ؟! فإذا كنتم تعدُّون أنفسكم من خواص الأمة، أو أنكم خواص الخواص!! وأنتم لا تعرفون المجدِّد لدينكم في زمانكم؛ فما ظنكم بالعامة ؟!
وقد قال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - في معرض رده على الروافض الذين يرون أن حجة الله قائمة بمهديِّهم!!: ((وحُجج الله لا تقوم بخَفِىٍّ مستور، لا يقع العالم له على خَبَرٍ، ولا ينتفعون به في شيء أصلا، فلا جاهل يتعلم منه، ولا ضالٌّ يهتدي به، ولا خائف يأمَن به، ولا ذليل يتعزَّر به، فأي حجة لله قامت بمن لا يُرى له شخص، ولا يُسمع منه كلمة، ولا يُعْلَم له مكان...)) إلى أن قال:

((المستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار))([2]).اهـ.

فتأمل كيف يؤدي الباطل بأهله إلى مشابهة أضل الفرق في المقالات الباطلة!!
فإن قلتم: نقر بأن هناك مجددين.
فالسؤال: من هم هؤلاء المجددون، سمّوهم لنا، والواقع حَكَم بيننا وبينكم!!
فإن قلتم: هم ابن باز، والألباني، وابن عثيمين، وغيرهم من كبار العلماء، الذين أدركهم ذلك التاريخ وهم أئمة، وعليهم تدور الفتوى، وتطير إليهم الرقاع من كل حَدَبٍ وصَوْب، ونُشِرَتْ كتبهم وفتاواهم في الآفاق، وتُرْجِمت كتبهم بلغات متعددة، فانتفع بهم المسلمون في كل قطر، وهم الذين تدور الفتوى الآن على طلابهم، أو طلاب طلبتهم، إن أقررتم بهذا؛ فقد أصبتم في هذا الإقرار.

وقد قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - ([3]): ((... ومن له في الأمة لسان صِدْق عام، بحيث يُثْنى عليه، ويُحْمد عليه في جماهير أجناس الأمة، فهؤلاء هم أئمة الهدى، ومصابيح الدُّجَى، وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم، وعامته من موارد الاجتهاد التي يُعذرون فيها، وهم الذين يتبعون العلم والعدل، فهم بُعَدَاء عن الجهل والظلم، وعن اتباع الظن وما تهوى الأنفس )).اهـ.
وقال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -: ((فقهاء الإسلام ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام: الذين خُصُّوا باستنباط الأحكام، وعنوا بضبط قواعد الحلال من الحرام)).اهـ.
فإن سلمتم بهذا، وأقررتم بأن المذكورين - ومن جرى مجراهم - على رأس هذه المئة هم المجددون؛ حُجِجْتُم، لأنه يقال لكم: إذا كان هؤلاء مجددين للدين؛ فلماذا تخالفون منهج المجددين ؟! لاسيما في هذا الأمر الذي أجمعوا عليه تبعًا لسلف الأمة، وأخذًا بالنصوص النبوية؟!
وإن قلتم: لا، ليس هؤلاء مجددين؛ عجزتم أن تُسَمُّوا لنا مَنْ هو من مراجعكم وأئمتكم اليوم، أنه كان بهذه المثابة العلمية - التي ذكرتها سابقًا - في نهاية سنة 1400هـ وبداية سنة 1401 هـ!! فإن أكثرهم كانوا طلابًا آنذاك، ومن كان منهم كبير السن آنذاك؛ فلم يشتهر بين الأمة بعلم، إنما عرفه من حوله فقط، فهل هذه صفة المجدد، وهل هم يصدق عليهم ما ذكر شيخ الإسلام – قبل قليل – في صفة أئمة الهدى؟!

إذًا يلزمكم أحد أمور: إما أن تخالفوا الخبر النبوي، وتُعرُّوا هذا القرن من مجدد!! وفي هذا ما فيه!!
أو أن تَدَّعوا وجود مجدد مع كونه مجهولًا، والأمة كلها لا تعرفه بعينه فضلًا عن آثاره!!، وهذا - أيضًا - فيه ما فيه!!
وإما أن تسموا مجددًا لم تتوافر فيه صفات المجدد، كما سبق ذكرها، فيه ما فيه - أيضًا!! وإما أن تُسَلِّموا بأن سماحة الشيخ ابن باز - رحمه الله تعالى - ومن جرى مجراه من كبار الأئمة في المملكة وغيرها هم المجددون لهذا القرن، وهذا قولنا، ويلزمكم إذًا أن تسلكوا سبيلهم، وتَدَعوا عقوقكم إياهم، وإما أن تكابروا؛ فتسقط حجتكم!!





([1]) وهو حديث صحيح، أخرجه أبو داود برقم (4291) عن أبي هريرة، وانظر ((الصحيحة)) برقم (599).

([2]) ((مفتاح دار السعادة)) (1/452) ط. دار ابن عفان.

([3])((مجموع الفتاوى))(11/43).

تليها الشبه الثانية

جمال البليدي 11-05-2008 10:04 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
جزاك الله خيرا وبارك الله فيك

ولد برق 11-05-2008 10:04 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
الشبهة الثانية



قولهم : نحن لا نقبل الفتاوى من العلماء الآمنين، المطمئنين، الذين هم خارج السجون!! ولا نقبل الفتاوى من العلماء الذين يأخذون الرواتب والمعاشات من الدولة، فلا زعامة للقاعدين!! ولا تُقْبَل فتواهم في أمر الجهاد، وذكر أنه وإخوانه لم يتعلموا علمهم في حلقات المساجد، ولا فوق مقاعد المدارس والجامعات، وإنما أخذوه في بطون الزنازين، وغياهب السجون، وأنهم تلقَّوْا العلم والقيودُ ترسف في أرجلهم... إلخ.
والجواب: أن هذا كلام ثوري حماسي، ليس فيه أثارة من علم، وهو قائم على جهل مُرَكَّب، وظن فاسد، وبيان ذلك من وجوه - إن شاء الله تعالى -:
الأول: لا يلزم من كون العالم آمنًا مطمئنًا بين أهله وطلابه، وكونه خارج السجن؛ أنه ليس بعالم رباني!!
والناظر في تاريخ المسلمين: يجد كثيرًا من علماء الأمة، قد جعل الله لهم مكانة ومهابة في نفوس بعض السلاطين، وكانوا يجلُّونهم، ويقبلون مشورتهم، فكم كان لمالك من هيبة ووقار في نفس بعض أمراء بني العباس - على ما فيهم - حتى ذكروا أن المنصور أو الرشيد طلب من مالك أن يجمع الناس على ((الموطأ ((؛ فأبى مالك - رحمه الله تعالى - وهذا من كمال عقله، فهل أنزل هذا من مكانته شيئًا ؟!
وهذا الزهري الذي يدور عليه الإسناد، وهو الإمام الثبت، كان يدخل على أمراء بني أمية، ويجالسهم، فهل أنزل هذا من مكانته ورتبته ؟
وهذا ابن المبارك، والأوزاعي، والليث، وغيرهم وغيرهم، كانوا أئمة الأمصار، وفقهاء الديار، وقد عايشوا زمن انحراف في الملك؛ ومع ذلك فقد كانوا مطمئنين بين أهليهم وطلابهم، خارج السجون، يُعَلِّمون الناس ما أمرهم الله به، وما عهدوا عليه أسلافهم، وهناك آلاف المحدثين والعلماء، كانوا آمنين في المدن والأمصار والبوادي، وترحل الألوف المؤلفة من طلاب العلم إليهم، ليأخذوا العلم عنهم، مع ما كان عليه حكام زمانهم من الانحراف والظلم؛ فهل طعن فيهم أحد بهذا الطعن السامج البارد ؟! فإلى الله المشتكى من هذه العقول التي تصادر تاريخ الأمة بهذه الشبهة الساقطة!!
الثاني: أن العالم المتمسك بدينه وعلمه إذا عافاه الله من السجون والمحن؛ فإن ذلك مما يعينه على زيادة الحصيلة العلمية، التي تظهر آثارها على فتواه ومنهجه، بخلاف الشباب الذين سلكوا مسلكًا غير مسلك كبار العلماء، وزُجَّ بهم في السجون - وهم لم يرسخوا بعد في العلم - ولا شك أن هذا يُفضي إلى تخبط في فتواهم، وتخليط في منهجهم الذي يُرَبُّون عليه أتباعهم، متأثِّرين في ذلك بأمور نفسية، وانتقامات شخصية، فأي الفريقين أحق بالاتباع والثقة في علمه ونهجه إن كنتم تعلمون ؟!
الثالث: أن الواقع خير شاهد على آثار الفريقين على الأمة: فالعلماء نشروا العلم والدعوة في المشارق والمغارب، بل إن هؤلاء المنحرفين على العلماء ثمرة من ثمراتهم - قبل أن يُبْتَلَوْا بهذا الفكر، ويستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير!! - وبالعلماء دخل من دخل في الإسلام أو السنة، وبهم عُرف التوحيد، ودخلت الدعوة في عقر ديار الكفار، أما آثار هؤلاء الشباب: فقد أزكمت الأنوف، وضيَّعتْ المئات والألوف، وحَسْبُ الواحد منهم إذا أحدث فتنة: أن ينجو بنفسه وأهله، وكثير منهم ما استقر له قرار، إلا في دول المشركين والكفار!!
الرابع: قول القائل: ((لا نقبل الفتاوى ممن لهم معاشات ورواتب في الدولة)) قول ساقط؛ لأنه لا يلزم من ذلك أن يكون العالم ممن يبيع دينه بيعًا رخيصًا.
ثم هل ثبت أن هؤلاء العلماء الكبار خالفوا الحق الجلي طمعًا في رضى السلطان ؟! )سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ( ([1]).
وأما أنهم خالفوا فَهْمَ هؤلاء الشباب؛ فلا يلزم من ذلك أنهم خالفوا الحق، فإن الأدلة النقلية، والعقلية، والتاريخية تدل على صحة مذهب هؤلاء العلماء، وصدق من قال:


فلا تَطَلَّبْ ليَ الأعواض بعدهمُ فإن قلبي لا يرضى بغيرهـمُ


هذا، مع أن كثيرًا من علماء السلف - رحمهم الله تعالى -كانت لهم أرزاق من بيت مال المسلمين، وذلك في أزمنة شاع فيها الظلم من كثير من الحكام وعُمّالهم، وعظمت فيها البلية باتباع الهوى، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، واختلط الحلال بالحرام في بيوت الأموال، ومن تنـزه من العلماء عن أخذ شيء من بيت المال آنذاك؛ لم يطعن فيمن أخذ، أو يُزَهِّد الناس فيه بسبب ذلك، ولو كان ماقاله هذا القائل معتبرًا؛ لشاع تحذير الأئمة من ذلك، ولذاع اختلافهم وتفرقهم بسبب ذلك!!
وأيضًا: فهؤلاء المنحرفون عن العلماءلم يقبلوا فتاوى بعض كبار العلماء الذين لم يأخذوا معاشًا ولا راتبًا من الدولة، بل ما سَلِموا من أذى وطَرْد بعض الحكام لهم!! كما هو حال محدث العصر، وريحانة الزمان، صاحب الفضيلة شيخنا محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله تعالى – فلم يكن له معاشٌ ولا وظيفة في الدولة، فهل شفع ذلك له عند هؤلاء الشباب الثوريين ؟! هل قالوا: إنه عالم مطرود من بلده، ومضيَّق عليه في الخطب والمحاضرات، وقد سُجن حيثُ سُجن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - وليس له معاش من حكام زمانه، فكل هذا يُسَوِّغ لنا الأخذ عنه ؟! هل راجعوا أنفسهم بهذه الأمور، أم أنهم لا يبالون بمن خالف فهمهم الفاسد، ولن يعجزوا عن إظهار علة - في نظرهم ونظر أتباعهم - تنفر الناس عن الأخذ من هذا الإمام وإخوانه أئمة الزمان ؟!
الخامس: ولو سألتَ كثيرًا من هؤلاء: من شيوخكم الذين أخذتم هذا الفكر عنهم ؟ لسَمَّوْا لك طبيبًا، أو مهندسًا، أو مدرسًا، ونحو ذلك، ولا شك أن هؤلاء موظفون في الدولة، أو لهم مشاريع خاضعة لنظام الدولة التي يعيشون فيها، تستلزم هذه المشاريع منهم عدم مقاومة الحاكم، وإلا ألغاها، أو ضيَّق عليها، فهل أَخْذُ مشايخهم الرواتب من الدولة جائز عندهم، ويكون وسيلة صالحة للاستعانة بها على الجهاد في سبيل الله - في نظرهم - أما غيرهم فرواتبهم عمالة وبيع للدين بالدنيا الفانية ؟! أليس هذا التناقض دليلًا على الخلط الذي وقع فيه هؤلاء ؟!
السادس: وكونهم لم يتعلموا علمهم في حلقات المساجد، ومقاعد المدارس والجامعات الإسلامية الموثوق بها!! فليس هذا مما يُحْمَدون به على الإطلاق، بل هذا إلى ذمهم أقرب منه إلى مدحهم!!
ولو سألت هؤلاء عن مشايخهم؛ لرأيتهم يُسَمُّون من درس في المساجد، والجامعات، والمعاهد، فيلزمهم - بناء على شبهتهم هذه - أن علم شيوخهم لا يوثق به!! وإذا كان علم شيوخهم - لذلك - ليس حجة، فما ظنك بطلابهم ؟!
هذا، مع ما سبق من بيان أن المكث في السجون لغير المتأهلين يكون سببًا - في كثير من الأحيان - إلى قلة الحصيلة العلمية، وتداخُل السبل، واشتباه الأمور على صاحبها، وتأثُّر الأحكام والفتاوى بما يحمله القلب من غيظ وبغض للمجتمعات... الخ، ولا شك أن لهذا كله أثره السيئ في التلاميذ والأتباع - كما لا يخفى - وقد ظهر أثر ذلك في كلمات صاحب هذه الشبهة، حيث عَدَّ ما ليس بمدح مدحًا، وما ليس بذم ذمًا، وهذا هو الجهل المركب!! وصدق من قال:


ذو العقل يَشْقَى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة يَنْعَمُ

ومن البلية عذْلُ من لا يرعوي عن غيّه وخطابُ من لا يفهم




السابع: ومنشأ هذه الشبهة: سوء الظن من هؤلاء الشباب بعلماء الأمة الأجلاء، وقد سبق أن العلماء هم المجددون لما اندرس من هذا الدين، فماذا بقي من خير إذا كان هؤلاء المجددون لا قيمة لفتواهم ؟ وفي أي شيء عُدَّ هؤلاء مجددين ؟ وأي خير يُرجى فيمن يلتمس التأويلات، ويتعسف ويتكلف في الاعتذار عن أخطاء الصغار، ولكنه يتهور ويسيء الظن بالشيوخ الكبار ؟! فإنّا لله وإنا إليه راجعون.
الثامن: ثم ألا يعتبر هؤلاء المتهورون بتراجع من سبقهم في هذا المضمار بعد إصرارهم على هذا المنهج نحو عشرين عامًا أو أكثر، ثم أدركوا أن السلامة والنفع للأمة في منهج كبار الأئمة ؟! ألم يسمعوا تراجع حملة هذه الشبهات - من قبل - في مصر وغيرها من بلاد المسلمين ؟! ألا يكفي المؤمن أن يُلدغ مرة واحدة - بل مرات - من جحر واحد ؟ ألا نستفيد من أخطاء غيرنا، ونعتبر بمن سبقنا ؟ ونبدأ من حيث انتهوا، لا من حيث بدؤوا ؟! إن هذا لشيء عجاب!!
( تتمة مهمة ): بعد تحرير هذا الجواب؛ وقفتُ على كلام للقاضي العلامة محمد بن علي الشوكاني - رحمه الله - في رسالة: ((رفع الأساطين في حكم الاتصال بالسلاطين)) ضمن مجموع ((الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني))([2]) فوجدته - رحمه الله تعالى - قد أتى على هذه الشبهة من أساسها، فاجتثها من جذورها، ورمى بلُبابها وقشورها، وكشف اللثام عن جهل، أو حسد، أو سوء ظن أصحاب هذه الشبهة بأهل العلم العاملين المصلحين، وها أنذا أقتطف من جنى هذه الشجرة المباركة، ما يكون زادًا لأهل الحق، ودعاة الصدق، وبالله التوفيق:
قال - رحمه الله تعالى -: ((وما زال عَمَلُ المسلمين على هذا، منذ قامت الملة الإسلامية إلى الآن، مع كل ملك من الملوك: فجماعة يلُون لهم القضاء، وجماعة يلُون لهم الإفتاء، وجماعة يلُون لهم على البلاد التي إليهم، وجماعة يلُون لهم إمارة الجيش، وجماعة يُدرِّسون في المدارس الموضوعة لذلك، وغالب جراياتهم من بيت المال )).
قال: ((فإن قلت: قد يكون من الملوك من هو ظالم جائر!!
قلت: نعم، ولكن هذا المتَّصل بهم لم يتصل بهم ليعينهم على ظلمهم وجورهم، بل ليقضي بين الناس بحكم الله، أو يفتي بحكم الله، أو يقبض من الدعاوَى ما أوجبه الله، أو يجاهد من يحق جهاده، ويعادي من تحق عداوته، فإن كان الأمر هكذا؛ فلو كان الملك قد بلغ من الظلم إلى أعلى درجاته؛ لم يكن على هؤلاء مِنْ ظلمه شيء، بل إذا كان لأحدهم مدخل في تخفيف الظلم - ولو أقل قليل، أو أحقر حقير - كان مع ما هو فيه من المنصب مأجورًا أبلغ أجر؛ لأنه قد صار مع منصبه في حكم من يطلب الحق، ويكره الباطل، ويسعى بما تبلغ إليه طاقاته في دفعه، ولم يُعِنْه على ظلمه، ولا سعى في تقرير ما هو عليه، أو تحسينه، أو إيراد الشبهة في تجويزه، فإذا أدخل نفسه في شيء من هذه الأمور؛ فهو في عداد الظلمة، وفريق الجَوَرة، ومن جملة الخونة، وليس كلامنا فيمن كان هكذا، إنما كلامنا فيمن قام بما وُكل إليه من الأمر الديني، غير مشتغل بما هم فيه، إلا ما كان من أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو تخفيف ظلم، أو تخويف من عاقبة، أو وعظ فاعله بما يندفع فيه بعض شره.
وكيف يُظن بحامل العلم، أو بذي دين: أن يداخل الظلمة فيما هو ظلم، وقد تبرأ الله سبحانه إلى عباده من الظلم...)).اهـ. ثم ذكر - رحمه الله تعالى - آيات وأحاديث في التحذير من عاقبة الظلم.
ويا ليت شعري أين صاحب هذه الشبهة العليلة أمام صنيع جمهور الأعيان من الأولين والآخرين ؟! وعلى هذا فيلزم صاحب هذه الشبهة أن يطعن في أئمة المسلمين منذ قامت الملة الإسلامية إلى الآن!!
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: ((لكن نقول: وجود الظلم والمعاصي من بعض المسلمين، وولاة أمورهم، وعامتهم؛ لا يمنع أن يُشارَك فيما يعمله من طاعة الله، وأهل السنة لا يأمرون بموافقة ولاة الأمور إلا في طاعة الله، لا في معصيته، ولا ضرر على من وافق رجلًا في طاعة الله، إذا انفرد ذلك عنه بمعصيته لم يَشْرُكْه فيها، كما أن الرجل إذا حج مع الناس، فوقف معهم، وطاف؛ لم يضره كونُ بعض الحجاج له مظالم وذنوب ينفرد بها، وكذلك إذا شهد مع الناس الجمعة، والجماعة، ومجالس العلم، وغزا معهم؛ لم يضره أن يكون بعض المشاركين له في ذلك ذنوب يختص بها .
فولاة الأمور بمنـزلة غيرهم: يُشارَكون فيما يفعلونه من طاعة الله، ولا يُشارَكون فيما يفعلونه من معصية الله... )). ([3]) .اهـ.
وقال - أيضًا - في سياق تولية الولاة لعمالهم الأمثل فالأمثل: ((... وكذلك يوسف كان نائبًا لفرعون مصر، وهو وقومه مشركون، وفَعَلَ من العدل والخير ما قَدَرَ عليه، ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان ))([4]) .اهـ.

وقد قال صاحب الفضيلة الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى - معلقًا على هذا الموضع في شرحه لرسالة الشوكاني - رحمه الله تعالى -([5]):
لا شك أن كلام الشوكاني هذا جيد، يعني - مثلًا - لكوننا لا نعمل ما ينفع المسلمين تحت ظل الولاة الظلمة، هذا غلط عظيم، بل الواجب أن نعمل ما يلزمنا، فيما فيه صلاح المسلمين، ونحاول نُصْح هؤلاء، وبيان الحق لهم.

لا شك أن الإنسان لو قال كلمة الحق بإخلاص؛ ستؤثِّر، ولا أدلَّ على ذلك من قول موسى -عليه السلام - حينما اجتمع السحرة، فقال لهم: )وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى ( ([6])، فماذا أثَّرتْ هذه الكلمة ؟ )فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ (([7]) والفاء تدل على الترتيب، والتعقيب، والسببية، أي بمجرد ما قال هكذا؛ تنازعوا أمرهم بينهم، وإذا تنازع القوم؛ فشلوا: )ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ( ([8]).
فالواجب على الإنسان: أن يعمل بما فيه مصلحة المسلمين، ويسأل الله الهداية للولاة الظَّلَمة.
وبهذا نعرف خطأ من يُنفِّرون من الوظائف في البلاد التي يكون فيها ولاتها غير مستقيمين على شرع الله: إما من العلمانيين، أو من المحكِّمين للأنظمة والقوانين المخالفة لشريعة الله، يجب علينا ألا نترك ما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين )).اهـ.
ولا شك أن المرء - في كثير من الأحيان - إذا أراد أن يفعل خيرًا قد اقترن به شر، أو يترك شرًّا قد اقترن به خير؛ فلا بد له من النظر إلى الأغلب منهما، وترجيح الإقدام أو الإحجام على ضوء ذلك.
قال شيخ الإسلام: ((فالواجب عليه: أن ينظر أغلب الأمرين: فإن كان المأمور أعظم أجرًا مِنْ تَرْكَ ذلك المحظور؛ لم يترك ذلك لما يخاف أن يقترن به ما هو دونه في المفسدة، وإن كان تَرْكُ المحظور أعظم أجرًا؛ لم يُفوِّتِ ذلك برجاء ثوابٍ بفعلِ واجبٍ يكون دون ذلك، فذلك يكون بما يجتمع له من الأمرين من الحسنات والسيئات، فهذا هذا، وتفصيل ذلك يطول ))([9]).اهـ.
فهذا كلام أهل العلم يشد بعضه بعضًا، فلا تلتفت إلى الكلام العاطفي البعيد عن الأصول العلمية، والطريقة السلفية!!
وقد ذكر القاضي العلامة الشوكاني - رحمه الله تعالى - أن الاتصال بالملوك قد يكون واجبًا أو مستحبًا حسب الحال، وذكر أن امتناع أهل العلم والدين عن ذلك يؤدي إلى تعطيل الشريعة المطهرة، لعدم وجود من يقوم بها، وبَسَط - رحمه الله تعالى - القول في ذلك، وذكر صنْفي الناس تجاه ملوكهم، وأن من الغلاة من ينتكس أقبح انتكاسة، ويتخلّى عما كان عليه، إذا وجد طريقًا إلى وَليّ أمره، أو من دونه!! ثم ذكر - رحمه الله تعالى - مقاصد أهل العلم والدين في دخولهم على السلاطين، وذكر قصصًا وعبرًا في ذلك... ثم قال:
((ثم هذا المُزْري على من يتصل بسلاطين الإسلام من أهل العلم والفضل، قد لزمه لزومًا بيِّنًا: أن يتناول هذا الطعنُ كلَّ من اتصل بسلاطين الإسلام، منذ انقراض خلافة النبوة إلى الآن؛ فإنه لا بد في كل زمان من طَعْن طاعن، ولا بد أيضًا من صدور ما يُنكَر من أهل الولايات، وإن كثر منهم ما يُعرف...)).
إلى أن قال: ((ولا يمكن حَصْر عدد من يتصل من أهل العلم والفضل بسلاطين قرْن من القرون، بل بسلاطين بعض القرن في جميع الأرض...)).
وقال: ((وإذا كان الأمر هكذا؛ فكم لهذا الطاعن المشؤوم من خصوم ؟!... )).
ثم قال: ((... ومع هذا: فالمتَّصل بهم من أهل المناصب الدينية، قد يُغْضي في بعض الأحوال عن شيء من المنكرات - لا لرضى به - بل لكونه قد اندفع بسعيه ماهو أعظم منه، ولا يتم له ذلك إلا بعدم التشدد فيما هو دونه، وهو يعلم أنه لو تشدد في ذلك الدُّون؛ لوقع هو وذلك الذي هو أشد منه، وأشنع، وأفظع، كما يُحكى عن بعض أهل المناصب الدينية: أن سلطان وقته، أراد ضرب عنق رجل لم يكن قد استحق ذلك شرعًا، فما زال ذلك العالم يدافعه، ويصاوله، ويحاوره، حتى كان آخر الأمر الذي انعقد بينهما: على أن ذلك الرجل يُضْرَب بالعصا، على شريطة اشترطها السلطان: وهو أن يكون الذي يَضْرِبه ذلك العالم، فأُخْرِج الرجل إلى مجمع الناس الذين يحضرون مثل ذلك للفُرْجة، فضربه ضربات، فتفرق ذلك الجمع، وهم يشتمون أقبح شتم، وهم غير ملومين؛ لأن هذا في الظاهر منكر، فكيف يتولاه من هو المرجو لإنكار مثل ذلك، ولو انكشفت لهم الحقيقة، واطلعوا على أنه بذلك أنقذه من القتل، وتفاداه بضرب العصا عن ضرب السيف؛ لرفعوا أيديهم بالدعاء له، والترضِّي عنه:


ويظن الجهول قد فسد الأمر وذاك الفسادُ عينُ الصـلاح )).


إلى أن قال - رحمه الله -: ((... إذا عرفت هذا، وتبين لك أن الأفعال المخالفة للشريعة في بعض الحالات، وكذلك الأحوال التي تكون ظاهرة المخالفة؛ قد تكون على خلاف ما يقتضيه الظاهر، ( ويَتَبَيَّن ) أنها من أعظم الطاعات، وأحسن الحسنات، فكيف ما كان منها محتملًا ؟!
هل ينبغي لمسلم أن يسارع بالإنكار، ويقتحم عقبة المحَرَّم من الغيبة أو البهت، وهو على غير ثقة من كون ما أنكره منكرًا، كون ما أمر به معروفًا، وهل هذا إلا الجهل الصراح، أو التجاهل البواح ؟!...)).اهـ.

قال: صاحب الفضيلة الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى - معلِّقًا على هذا الموضع في شرحه لرسالة الشوكاني - رحمه الله تعالى - ([10]): ((هذا صحيح، وهذه مسألة مهمة: أن بعض أهل العلم والفضل يتصل بالسلطان، ويعرف أنه يفعل المنكرات والمعاصي، لكن بعضها أخف من بعض، ويعلم أنه لو أنكر عليه هذا الصغير؛ لنفر منه السلطان، وقال: هذا متشدد، متزمِّت، لاسيما إذا وقع من الحوادث ما يقتضي ذلك، لأن هناك فرقًا بين أن يكون الناس راكدين، والجو بارد ومناسب، وبين أن يكون الجو مكهربا، ربما تنصح - مثلًا - سلطانًا من السلاطين في حال الجو المعتدل؛ فيقبل، لكن في حال الجو المتكهرب يحصل التماس، وحينئذ تنقطع الحبال، ويُحَوَّل هذا النصح في هذه المسألة الصغيرة على أنه تزمُّت وتشدُّد، ولا يُقبل النصح في هذه المسألة الصغيرة، ولا فيما هو أكبر منها.
ولكن الإنسان الحكيم يعرف كيف يتصرف، وكثير من السُّطحاء يَحْكُمون على الأمور بظاهر الحال، ويقولون: ليش يفعل كذا ؟ ليش ما يفعل كذا ؟ وليش يتصل بالسلاطين وهم يقولون كذا، ويفعلون كذا - التي هي صغيرة أو كبيرة - ؟!
لكن المتصل بالسلطان لا بد أن يكون على علم بحاله، وفكره، ونفسيته؛ فيراعى الأحوال إذا كان ناصحًا لله ورسوله )).اهـ.

ثم ذكر الشوكاني - رحمه الله تعالى - من يفرحون بزلة العالم، ويطيرون بها كل مطار، ويذيعونها في المدن والأمصار، أما إن كانت له حسنة؛ حرفوها، فإن عجزوا؛ كتموها، ثم قال: ((فما أحق من كان ذا عقل ودين ألا يرفع إلى مخرقتهم رأسًا، ولا يفتح لخزعبالاتهم أذُنُا، كما قلت من أبيات:

فما الشُّمُّ الشوامخ عند ريحٍ تمـرُّ علـى جوانبها تمـود

ولا البحر الخِضَمُّ يُعابُ يومًا إذا بالَتْ بجانبه القرود... )).




ثم قال - رحمه الله تعالى -: ((وبالجملة: فإني أظن أن الظَّلمة في الأعراض أجرأ من الظَّلَمة في الأموال؛ لأن ظالم المال قد صار له وازع على الظلم، وهو المال الذي به قيام المعاش، وبقاء الحياة، ثم قد حصل له من مظلمته ما ينتفع به في دنياه، وإن كان سحتًا (يجتاحه) حرامًا، وظالم الأعراض لم يقف إلا على الخيبة والخسران، مع كونه فَعَلَ جُهْدَ من لا جُهد له، وذلك مما تنفر عنه النفوس الشريفة، وتستصغر فاعلَه الطبائعُ العليَّة، والقوى الرفيعة )). اهـ كلامه - رحمه الله تعالى -.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في سياق كلامه على نوعي التعامل مع الولاة: ((الأول: تعاون على البر والتقوى: من الجهاد، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وإعطاء المستحقين، فهذا مما أمر الله به ورسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومن أمسك عنه خشية أن يكون من أعوان الظلمة؛ فقد ترك فرضًا على الأعيان، أو على الكفاية، متوهمًا أنه متورع، وما أكثر ما يشتبه الجبن والفشل والورع، إذْ كلُ منهما كَفٌّ وإمساك))([11]) .اهـ.
قلت: وليس لي بعد كلام هؤلاء الفحول تعليق، فقد قيل: لا عِطْر بعد عروس، وقطعت جهيزة قول كل خطيب، فلله دَرُّهم، وعليه أجرهم، وهو المرجو أن يهدينا وإخواننا سواء السبيل.




~~~


([1]) [ النور: 16 ].

([2]) (1) (9/4667-4684) تحقيق الشيخ أبي مصعب محمد صبحي حلاق ـ حفظه الله تعالى ـ ط / مكتبة الجيل الجديد.

([3]) ((منهاج السنة النبوية)) ( 4/113-114) وانظر ( 4/ 525-526).

([4]) ((مجموع الفتاوى)) ( 28/ 68).

([5]) الشريط (1/أ).

([6]) [ طه: 61 ].

([7]) [ طه: 62 ].

([8]) [ الأنفال: 46 ].

([9]) ((مجموع الفتاوى)) ( 28/ 168) وانظر ((منهاج السنة)) ( 4/ 527-528).

([10]) الشريط (2/أ).

([11]) ((مجموع الفتاوى)) (28/283).

تليها الشبهه الثالثة

ولد برق 11-05-2008 10:07 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة البليدي جمال (المشاركة 162337)
جزاك الله خيرا وبارك الله فيك


بارك الله فيك أخي جمال و حفظك

جزاك الله خيرا

ولد برق 12-05-2008 07:56 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
الشبهة الثالثة



قال كثير منهم: لقد رأينا تناقض هؤلاء العلماء الذين تَدْعُون الناس إلى لزوم غرزهم، فوجدناهم يفتون بالجهاد في أفغانستان ضد الروس، لما أَذِنت لهم أمريكا، ولم نرهم يفتون بذلك في العراق ضد التحالف الذي اجتاح العراق، لأن أمريكا هي الخصم الآن، ومن كان كذلك؛ فلا نأخذ بفتواه!!
والجواب على قسمين:
أ ـــ جواب مجمل: لو سلمنا جدلًا بخطأ العلماء في هذا؛ فمعلوم أن العلماء سلفًا وخلفًا - جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا - ليسوا بمعصومين إلا إذا أجمعوا، فهم بشر يجتهدون حسبما آتاهم الله من علم وفهم، وقد يخطئون، لكنهم في الغالب يصيبون، وإلا فلو كانت أغلب الفتاوى من نوع الخطأ؛ لزعزع ذلك في مكانة العالم من الناحية العلمية، بل لا يُعَدُّ - عندئذٍ - من العلماء الذين يُرْجَع إليهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في وصف العلماء الربانيين: (( ومن له في الأمة لسان صدق عام، بحيث يُثْنَى عليه، ويُحمَد عليه في جماهير أجناس الأمة؛ فهولاء أئمة الهدى، ومصابيح الدُّجى، وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم، وعامَّته في موارد الاجتهاد التي يُعذَرون فيها ...))([1]).
وإذا كان العالم يصيب ويخطئ - وهذا مقتضى البشرية - فلا بد أن نتعامل معه بالشرع لا بالهوى، ويتلخص الموقف الشرعي هنا في مواضع:
1 ـــ أن نُقِرَّ له - في الجملة - بالثواب الذي ورد في قول الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((إذا حَكمَ الحاكم، فأصاب؛ فله أجران، وإذا أخطأ؛ فله أجر))([2]) وهذا في علمائنا الصادقين الذين يهمهم أمر التوحيد والسنة، فجزاهم الله عنا وعن الإسلام والمسلمين خيرًا.
2 ـــ لا نتابعه على خطئه، ونستغفر له، ونناصحه بالتي هي أحسن بما يليق بمقامه، ولا يُضَيَّع حق الشريعة - أيضًا - بمجاملته وعدم نصحه، وبهذا نكون قد حافظنا على كرامة الشريعة وكرامة حملتها.
3 ـــ أن نجلّه ونكرمه، ولا نهدر حسناته لاجتهادٍ أخطأ فيه، ولا نُعْرِض عنه لاجتهادٍ جانَبَ فيه الصواب، وهذا مقتضى العدل الذي أمرنا الله - عز وجل - به خلافًا لأهل البدع: أهل الإفراط والتفريط.
فقال سبحانه: )وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا (([3])، وقال تبارك وتعالى: )إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ (([4])، وقال - عز وجل - : )وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ( ([5]) ويقول سبحانه وتعالى: ) وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ( ([6]).
وقد صرح السلف - رحمهم الله تعالى - بعدم إهدار حسنة من أخطأ من العلماء؛ لأن في ذلك فسادًا عظيمًا، فقال الإمام ابن القيم - رحمة الله عليه - ([7]): ((.....فلو كان كل من أخطأ أو غلط تُرك جملة، وأُهدرت محاسنه؛ لفسدت العلوم والصناعات والحِكَم، وتعطلت معالمها...)).اهـ.
وقال الذهبي في ((النبلاء ([8]): ((... ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده - مع صحة إيمانه، وتَوَخِّيه لاتباع السنة أهدرناه، وَبَدَّعْناه؛ لقلَّ مَنْ يَسْلَم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنِّه وكرمه )).اهـ.
وقال في ((النبلاء))- أيضًا - ([9]): ((ولو أن كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطًا مغفورًا له، قُمنا عليه، وبدَّعناه، وهجرناه؛ لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة )).اهـ.
وقال في ((النبلاء)) - أيضًا ([10]): ((ثم إن الكبير من أئمة العلم، إذا كثر صوابه، وعُلِمَ تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه؛ يُغْفر له زلَلُهُ، ولا نضَلِّله ونطرحه، وننسى محاسنه، نعم: ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجوا له التوبة من ذلك)).اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - ([11]) : ((ثم الناس في الحب والبغض، والمولاة والمعاداة: هم أيضًا مجتهدون، يصيبون تارة، ويخطئون تارة، وكثير من الناس إذا علم من الرجل ما يحبه؛ أحب الرجل مطلقًا، وأعرض عن سيئاته، وإذا عَلِمَ منه ما يبغضه؛ أبغضه مطلقًا، وأعرض عن حسناته، وهذا من أقوال أهل البدع، والخوارج، والمعتزلة، والمرجئة، وأهلُ السنة يقولون ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع...)).اهـ.
وقال الإمام المجدِّد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - ([12]) في رسالة له: ((... ومتى لم تتبين لكم المسألة؛ لم يحل لكم الإنكار على من أفتى أو عمل، حتى يتبين لكم خطؤه، بل الواجب السكوت والتوقف، فإذا تحققتم الخطأ؛ بينتموه، ولم تُهدروا جميع المحاسن لأجل مسألة، أو مائة، أو مائتين أخطأتُ فيهن، فإني لا أدعي العصمة )).اهـ.
والكلام في ذلك يطول، ولقد صنفت في هذا كتابًا لطيفًا - ردًّا على بعض دعاة الغلو في هذا العصر - وسميته ((القول المفْحِم لمن أنكر مقالة نصحح ولا نهدم)) فارجع إليه إن شئت.
ب ـــ الجواب المفصل:
هذا كله لو سلمنا بأن العلماء قد أخطؤوا، ويجب أن تعرف - أخي الكريم -: أن نظرة العلماء - جزاهم الله خيرًا عن الإسلام والمسلمين - للنوازل التي تنـزل بالأمة، والأمور المدلهمة؛ تختلف عن نظرة الحزْبي المتحرِّق، أو العامي صاحب الحماس المتدفق، أو الشاب الغيور مع قلة البصيرة في هذه الأمور.
وذلك: أن العلماء ينظرون للحال والمآل، ويرون ما يراه الناس من ظلم وبطش وغطرسة، لكنهم لا يَنْجَرُّون وراء عواطفهم، ولا عواطف العوام؛ لأنهم يعرفون ما لا يعرف الناس من عواقب الأمور، فيرجعون إلى فهم السلف، وقواعدهم، وتجاربهم، ونصائحهم، فيرون أن المواجهة المسلحة - في كثير من الحالات - تفضي إلى فساد عظيم، فيتسع الخرق على الراقع، ولا يُغيِّر ذلك مما هو واقع، إلا بما يزيل ما بقي من خير ومنافع!!
فعند ذلك يُوصُون الناس بالصبر الأذى، والاستكانة إلى الله -عز وجل - والتضرع والابتهال إليه، وإصلاح ما فسد من الأمة في عقيدتها وعباداتها ومعاملاتها، لأن ذلك هو سبب هذه الفتنة، لقوله تعالى: )ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (([13])ولقوله تعالى: )وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا(([14])وقوله تعالى )وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ !وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ(([15]) وقوله - عز وجل -: )لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ! كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ( ([16]) إلى غير ذلك من الآيات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: ((وحيث ظَهَر الكفار؛ فإنما ذاك لذنوب المسلمين التي أوجبت نقص إيمانهم، ثم إذا تابوا بتكميل إيمانهم؛ نصرهم الله، كما قال تعالى: )وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (([17]).
وقال: )أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ( ([18]). اهـ([19]).
وقال أيضًا: ((وإذا كان في المسلمين ضعف، وكان عدوهم مستظهرًا عليهم؛ كان ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم: إما لتفريط في أداء الواجبات باطنًا وظاهرًا، وإما لعدوانهم بتعدي الحدود باطنًا وظاهرًا، قال تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا (([20]) وقال تعالى: )أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ (([21])وقال تعالى: )وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ! الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ( ([22]).اهـ. ([23])
وقال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -: ((فلو رجع العبد إلى السبب والموجِب؛ لكان اشتغاله بدفعه أجدى عليه، وأنفع له من خصومة من جرى على يديه، فإنه - وإن كان ظالمًا - فهو الذي سلطه على نفسه بظلمه، قال الله تعالى: )أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ (([24])، فأخبر أن أذى عدوهم لهم، إنما هو بسبب ظلمهم، وقال تعالى: )وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (([25]) )).اهـ.
وقال الإمام ابن القيم أيضًا: ((وكذلك النصر والتأييد الكامل إنما هو لأهل الإيمان الكامل، قال تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) ([26]) وقال: )فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (([27]) فَمَنْ نَقَصَ إيمانه؛ نَقَصَ نصيبه من النصر والتأييد، ولهذا إذا أصيب العبد بمصيبة في نفسه أو ماله، أو بإدالة عَدُوٍّ عليه؛ فإنما هي بذنوبه: إما بترك واجب، أو فِعل محرم، وهو مِنْ نَقْص إيمانه )).

قال: ((وبهذا يزول الإشكال الذي يورده كثير من الناس على قوله تعالى: ) وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ( ([28]) ويجيب عنه كثير منهم بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلًا في الآخرة، ويجيب آخرون بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلًا في الحجة.
والتحقيق:... أن انتفاء السبيل عن أهل الإيمان الكامل، فإذا ضَعُف الإيمان؛ صار لعدوهم عليهم من السبيل بحسب ما نقص من إيمانهم، فهم جعلوا لهم عليهم السبيل بحسب ما تركوا من طاعة الله تعالى، فالمؤمن عزيز، غالب، مؤيَّد، منصور، مَكْفِيٌّ، مدفوع عنه بالذات أين كان ولو اجتمع عليه مَنْ بأقطارها، إذا قام بحقيقة الإيمان وواجباته، ظاهرًا وباطنًا، وقد قال تعالى: )وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (([29]) وقال تعالى: )فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (([30]) فهذا الضمان إنما هو بإيمانهم وأعمالهم، التي هي جُنْدٌ من جنود الله، يحفظهم بها، ولا يفردها عنهم، ويقتطعها عنهم، كما يَتِرُ الكافرين والمنافقين أعمالهم، إذا كانت لغيره، ولم تكن موافقة لأمره))([31]).اهـ.
هذه هي الخطوة الأولى لإصلاح الراعي والرعية، ويسلك العلماء لتحقيق هذه الغاية: طريق الدعوة إلى الله تعالى، وهكذا يسعون لتحقيق كل ما أوجبه الله - عز وجل - على الأمة من إعداد القوة الإيمانية والمادية، وتلاحم الصفوف - كل ذلك حسب الاستطاعة - أما غيرهم من الشباب المتحمس - بدون ضوابط شرعية - فيصرخ في الناس: أن هُبُّوا لإنقاذ إخوانكم، واحملوا السلاح، واجتازوا الحدود!! علمًا بأنه لو كان المسلمون قادرين على ذلك؛ لسبقه العلماء إلى هذه الفتوى، أو أن العلماء يرون أنهم صرَّحوا بذلك، جرُّوا على البلاد شرًّا أعظم، وعجزوا عن نصرة إخوانهم، فلا إخوانهم نصروا، ولا باستمرار الخير ظفروا، والله المستعان.
أقول هذا، وإن أحوال المسلمين وما يحل بهم ليعصر قلبي أسىً وحسرةً، لكن الأمر إذا لم يرجع إلى كبار أهل العلم؛ ازداد الطين بِلة، والله المستعان.
إن كثيرًا من الناس يُكثرون من وصف واقع المسلمين، وما فيه من ذلةٍ وضعف، ويذكرون ما يفعله الكفار بالمسلمين في مشارق الدنيا ومغاربها، وكل هذا معلوم للراسخين في العلم من علمائنا، ولكن كيف يكون العلاج ؟
هل يكون العلاج باقتحام الأهوال، وإن أدى ذلك إلى زيادة ضعف المسلمين، وشدة تسلط الكافرين ؟!
إن العلماء يرون أن الأمر إذا أدى إلى ذلك؛ فلايكون العلاج إلا بالصبر على الأذى، والابتهال إلى الله - عز وجل - مع التوبة النصوح، ونصح ولاة الأمور بالتي هي أحسن، وتذكيرهم بحق الله وحق العباد عليهم، مع الاشتغال بالدعوة إلى الله تعالى، ونشْر الفضيلة، ومحاربة الرذيلة ما أمكن، هذا الذي علينا، والأمور كلها بيد الله عز وجل، والعلماء متبعون في ذلك لنصوص الشريعة وقواعدها، وتجارب السلف والخلف.
أما الشباب فيرون إعلان الحرب على غير المسلمين، وإذا وقف حكام المسلمين بينهم وبين ذلك؛ بدؤوا بقتالهم!! وهكذا يتسع الخَرْق على الراقع، وهذا حال المنْبَتِّ: لا أرْضًا قَطَعَ، ولا ظَهْرًا أبقى!!
إذًا، فالعلماء ينطلقون من قواعد محكمة، لا عواطف مدمِّرة، والواقع يشهد بصحة اجتهادهم: فعندما كان المسلمون قادرين على إخراج الروس من أفغانستان؛ استعانوا بالله - عز وجل - أولًا، ثم استفادوا من وجود ظروف أخرى مساعدة على ذلك: كالتنافس الموجود بين الدولتين المتصارعتين - آنذاك- وكون الوهن قد دبّ دبيبه في صفوف الروس، ووجود شِبْه إجماع من الطوائف في داخل أفغانستان وخارجها على قتال الروس، وموافقة ولاة الأمور في عدة دول على ذلك، سواء كان ذلك منهم مباشرة أو بإيعاز من أمريكا.
المهم لقد تهيأت ظروف صالحة للفتوى بالجهاد ضد الروس، والعلماء ينطلقون من قوله تعالى: )فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (([32])وقوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((إذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم)) وينطلقون - أيضًا - من القاعدة الشرعية: ((ما لا يُدْرَك كله؛ لا يُتْرَك جُلُّه)) فمن أجل هذا وذاك وذلك؛ أفتى العلماء بالجهاد في أفغانستان، وأجرى الله بذلك خيرًا، وطُرِد الروس، ولولا أن قَدَّر الله أمورًا أخرى داخل الصفوف هناك - فكان من أمر الله ما كان - لكان لتلكلم الجهود شأن آخر )وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ( ([33]).
ولما لم تتهيأ الظروف السابقة فيما حدث بَعْدُ مِنْ فتن، بل اجتمع الأعداء جميعًا على الأمة بصور مختلفة، ورفعت الفتنة والاضطرابات عقيرتها بين الشعوب والحكام؛ رأى العلماء الإمساك عن الفتوى بذلك؛ خشية أن تجر هذه الفتوى على الأمة مالا طاقة لها به، وحذرًا من أن تكون الفتوى سببًا في اجتياح ما بقي من بقايا الخير في الأمة، فرأوا أن ارتكاب المفسدة الصغرى بالسكوت؛ أهون من ارتكاب المفسدة العظمى، وهذا موافق لقواعد السلف.
بل قد جرى نحو ذلك في تاريخ بعض السلف، عندما تفرق المسلمون دولًا ودويلات، وعندما استفحل شر العدو في الخارج، وانتشر شر أهل الأهواء في الداخل، وما أمر العُبيديين وأشباههم عنا ببعيد، فكان علماء السنة الذين أدركوا تلكم الأعصار والأحوال، وأحسوا بضعف المسلمين ماديًّا، وعدم قدرتهم على المواجهة لإخراج الباطنية والحلولية الزنادقة من بلادهم؛ كانوا ينصحون بالصبر وإصلاح ما أمكن إصلاحه، والحفاظ على ما بقي من خير- وإن كان شيئًا يسيرًا - وكذا موقف الإمام أحمد في الإنكار على من أراد الخروج على الواثق – على ما فيه - وهذا من باب الأخذ بالأسباب التي في الإمكان والطاقة، ومن أخذ بالأسباب التي يقدر عليها؛ فهو محسن غير مسيء، ومن كان كذلك؛ نزل تأييد الله له ونصره -إن شاء الله تعالى - والله تعالى يقول: )فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ( ([34]) ويقول سبحانه: )وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ( ([35]).
فلا بد أن يُعْلم: أن النصر إنما يكون بالصبر والسكوت عن إثارة الفتن عند العجز عن المواجهة، كما أنه يكون بإعداد القوة والرمي عند القدرة بدون مفسدة مماثلة أو أكبر تعود على الإسلام وأهله، أما المخالفون فيظهر من حالهم ومقال بعضهم أن الصبر، أو التضرع، أو الابتهال: سلاح العجائز، ولابد من مواجهة من لا طاقة للمسلمين بمواجهته، وإن أدى ذلك إلى ما لا تُحمد عاقبته، المهم لا بد - عندهم - مِنْ رَفْع عَلَم الجهاد المسلَّح في كل الأحوال، وإن أهلك الأعداء الحرث والنسل!!
والشباب يظنون أن علماء المسلمين اليوم يقدرون على أن يقوموا مقام شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - عندما غزا التتار الشام، ولكن العلماء أعرف بحالهم وقدراتهم،كما أنهم أعرف بقدرات أمة الإسلام وأحوالها من هؤلاء الشباب الذين يتسرعون في اتهام العلماء بما لا يجوز، والله المستعان.
فإذا تقرر هذا؛ فما هو الفرق بين صنيع علمائنا المعاصرين، وصنيع أئمتنا السابقين ؟! إلا أن المخالفين للعلماء لا يعرفون تفسيرًا لحكمة العلماء إلا رميهم بالتناقض، والخنوع، والخضوع للملوك والرؤساء والشيوخ في حق أو في باطل، وبيْع الدين بالدنيا، وعبادة العباد من دون رب العباد... إلى غير ذلك مما طفحت به صفحات الكتب، وبطون الأشرطة، وشاشات ((الإنترنت)) والفضائيات!!
إن هذا الأسلوب في ازدراء العلماء، وتنقُّصهم، وحمل مواقفهم على التي هي أسوأ: هو أسلوب الصحفيين العلمانيين، والمحَلِّليين السياسيين المفتونين ونحوهم، وليس من هَدْى العلماء، ولا وقار طلاب العلم مع علماء الأمة في شيء، حتى وإن سلمنا بخطأ العلماء، فإنا لله وإنا إليه راجعون!!
(تنبيه): لقد أمسك أبو هريرة - رضي الله عنه - عن ذكر أحاديث الفتن خشية على نفسه، ولأن كثيرًا من الناس لا يحسنون فهمها، وقد يؤول أمر بثِّها ونشرها في الناس إلى ما هو أعظم، فقد جاء في ((صحيح البخاري))([36]) قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: ((حَفِظْتُ مِنْ رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعائين؛ فأما أحدهما فبثَثْتُه، وأما الآخر فلو بثثْتُه؛ قُطع هذا البلعوم)) فهل رماه أحد من علماء الأمة - سلفًا وخلفًا - بما يرمي به هؤلاء علماءنا من جبن وضعف وعمالة ؟!
وعلى مذهب هؤلاء لا يَسْلَم أبو هريرة من أن يقال له: لم كتمت العلم الذي فيه مصلحة البيان، وإنهاء الفتن في أقرب وقت، وذلك إذا عُلم المصيب من المخطئ من خلال هذه الأحاديث ؟... الخ، لكن أبا هريرة - رضي الله عنه - يعلم أن تأويل المخالف للأدلة بَحْر لا ساحل له - لاسيما في زمن الفتنة - ولا يكون من وراء بثها خيرٌ يُذْكَر بجانب الشر الذي سيقع - والله أعلم -.
وقد أذن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لمعاذ في نحو ذلك بقوله: ((لا تبشرهم فيتكلوا))([37])وانظر ما نقله الحافظ في ((الفتح))([38]) عن بعض أئمة السنة من كراهية التحدث بما يُثير الفتنة، وهذا الذي عليه علماؤنا، فكان ماذا ؟!
وهذا الحديث - وغيره - فيه جواز كتمان العلم للمصلحة، أما المخالفون: فكتمان العلم الذي يتصل بالأمراء والفتن - عندهم - لا يكون إلا عمالة وركونًا إلى الدنيا!! مع أن أبا هريرة كتم ذلك للمصلحة.
والرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يُشْهِر وصْفَ الأغيلمة الذين يكون هلاك الأمة على أيديهم، فلم يجعل وصفهم عامًا للناس جميعًا، إنما خصَّ به أبا هريرة دون الصحابة، وهذا كله يدل على أن الهدْي النبوي عدم إشهار الكلام على الحكام، وأما اليوم فإنك تجد الجدل والنـزاع وارتفاع الأصوات في المساجد، والمجالس، وناقلات الركاب، وفي الأسواق، والشوارع، وغير ذلك بين الكبير والصغير، والذكر والأنثى في هذه الأمور!! فأين هؤلاء من خير الهدْى ؟!
هذا، وقد رأينا بعض الطاعنين في علمائنا عندما يقترب من الحكام ويدنو منهم؛ يفعل من المخالفات ما لا يُتصور من مثله، بدعوى: أن مصلحة الدعوة تقتضي هذا!! مع أن علماءنا لم يفعلوا ذلك، ولهم قدم صدْق، ويد بيضاء، ومواقف لا يجحدها إلا جاهل أو متحامل، لكن أعذارهم الشرعية مرفوضة عند القوم!! وتَعَلُّلات أصحابهم الحزبية،وتأويلاتهم الحركية مقبولة عندهم، وتشهد لها الأدلة والقواعد- في نظرهم -!!، وصدق من قال:


وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا

ومن قال:

نظـروا بـعين عـداوة لـو أنها عين الرضا لاستحسنوا ما استقبحوا


وإذا كان علماؤنا يتبعون منهج السلف، وعُدَّ ذلك من معايبهم؛ فماذا يقولون إذًا ؟!، وصدق من قال:


إذا محاسـنيَ الـلاتي أُدِلُّ بهـا عُدَّتْ ذنوبًا فقُل لي كيف أعتذر ؟!




خلاصة الجواب على هذه الشبهة مع زيادات مهمة :
1ـــ أن علماءنا يسيرون على منهج السلف في فتاواهم - لا سيما في فتاوى النوازل - ولا أَدَّعِي عصمتهم، ولا ادَّعَوْا هذا لأنفسهم، وكفى المرء نُبْلا أن تُعدَّ معايـبه، والأصل في الفتن قلة الكلام والخوض فيها، مع الإقبال على الطاعات، بخلاف حال كثير من الناس، والله المستعان.
2ـــ أن علماءنا لا تستفزُّهم عواطف العامة والمتحمسين، فيفتون بما يرضيهم، وإن أفضى إلى ما هو أسوأ، إنما يلزمون منهج السلف، رضى من رضى، وسخط من سخط!!
3ـــ أن العامة - وأشباههم - لا يدركون صحة مذهب العلماء؛ إلا بعد مرور فترة من الزمن، وقد قيل: الفتن إذا أقبلت؛ عرفها العلماء، وإذا أدبرت؛ عرفها الناس كلهم أو جلهم، فيدرك - عند ذاك - كثير منهم أن العلماء لو اتبعوهم على حماسهم؛ لَحَدَثَتْ أمور لا تُحْمَد عقباها:)وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ (([39]) ومع ذلك يا ليت هؤلاء يتعظون من هذه المواقف، فيتركوا رأيهم لاجتهاد العلماء في مسائل أخرى مشابهة لهذه الحوادث، لكنهم - وللأسف - يعودون لذلك مرات عديدة !!
فما على العلماء إلا التشبث بالحق الذي تشهد له الأدلة، وإرضاء الناس غاية لا تُدْرَك، ومن أصلح مابينه وبين الله؛ أصلح الله مابينه وبين الناس، وصدق الله - عز وجل - القائل: )فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ( ([40])والقائل سبحانه وتعالى: ) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ( ([41])والقائل - عز وجل -: ) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ( ([42])والقائل: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَاتِهِ يُؤْمِنُونَ َ (([43]) فالقسمة ثُنَاِئيَّة: إما حق؛ وإما باطل، إما استجابة لمنهج السلف؛ وإما اتباع الأهواء: )وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (([44]) وقد قيل فيمن يغتر ببضاعته المزجاة:

سوف يُرى إذا انجلى الغبارُ أفـرس تحتـك أم حمـارُ

4ـــ هناك من تخدعه جمهرة كثيرٍ من العوام وأشباههم، ويغتر بجحافلهم واجتماعاتهم - مع ما هم فيه من اتباع الأهواء، والولاء والبراء من أجل الدنيا، إلا من رحم الله - فيفتي بما يرضي العوام، وبما يمتص غضبهم وعاطفتهم، ويدعو إلى المواجهة المسلحة، ويتهم علماء الأمة - وهم المرجع منذ عقود من الزمان - بالضلالة والجبن، إن هذا الصنف لا يدرك سنة الله عز وجل في الفتن، ولا يعي طبيعة العوام وأشباههم، ولا الفرق بين حالهم في اليسر، وحالهم في العسر، والله المستعان.
5ــ لسان حال المدّعين تناقضَ العلماء في الفتوى: أنهم يُلْزِمون علماءنا بأن تكون فتواهم في القوة والضعف سواء، فإما أن يفتوا بالجهاد في كل الحالات ضد جميع الكفار، أو بالقعود في كل الحالات، وإلا فهم متناقضون!! ومعلوم أن هذا قياس فاسد، وفهم كاسد، والله المستعان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: ((... وما جاءت به الشريعة من المأمورات، والعقوبات، والكفارات، وغير ذلك: فإنه يُفْعل منه بحسب استطاعته، فإذا لم يقدر المسلم على جهاد جميع المشركين؛ فإنه يجاهد من يقدر على جهاده، وكذلك إذا لم يقدر على عقوبة جميع المعتدين؛ فإنه يعاقب من يقدر على عقوبته...)) إلى أن قال: ((فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فالقليل من الخير؛ خير من تركه، ودفع بعض الشر خير من تركه كله))([45]) .اهـ.
فتأمل فهم فقهاء الشريعة - حقًّا - واحذر الفتاوى التي تضر ولا تنفع!!
فالعلماء إذا وجدوا من يعينهم على تحقيق مراد الله عز وجل في باب من الأبواب - وإن كان المعين لهم على ذلك مشركًا - فإنهم لا يتأخرون عن الـمُضِيِّ في ذلك، طالما أن المصلحة الشرعية مـتحققة أو غالبة، وقد قال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - في ((زاد المعاد))([46]) في سياق كلامه على فوائد يوم الحديبية: ((ومنها أن المشركين، وأهل البدع، والفجور، والبغاة، والظلمة، إذا طلبوا أمرًا يُعظِّمون فيه حُرْمَةً مِنْ حرمات الله تعالى؛ أُجيبوا إليه، وأُعْطُوه، وأُعينوا عليه - وإن مُنعوا غيره - فيعاونون على ما فيه تعظيم حرمات الله، لا على كُفْرهم وبغيهم، ويُمنعون ما سوى ذلك، فكل من التمس المعاونة على محبوب لله تعالى، مُرْضٍ له؛ أُجيبَ إلى ذلك،كائنًا من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوضٌ لله أعظم منه...)).اهـ.
هذا هو الفقه في الدين، فإن تَغَيَّر الحال، ولم يجد العلماء المعين لهم على الحق، بل وجدوا أعداء الإسلام قد تكالبوا وتداعوا على هذه الأمة، ورأوا ضعف الأمة ووهنها؛ فإنهم لا يزيدون الطين بِلَّة، والأمة ذلة، ويمسكون - عندئذ - عن الكلام في ذلك، لأن كلامهم سيترتب عليه ما الله به عليم - بخلاف كلام غيرهم - وهم في هذا كله منطلقون من قواعد الشرع، لا من أوامر أمريكا ولا غيرها، وحسبنا الله ونعم الوكيل من التقوُّل على عباد الله وأوليائه، بغير هدى ولا كتاب منير!!
وقد قال صاحب الفضيلة الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله تعالى - جوابًا على من ذكر أن لعلماء المملكة - حرسها الله وجميع بلاد المسلمين- فتاوى خاطئة بسبب الضغوطات عليهم، فقال - حفظه الله -:
وأما قوله: ((إنهم يُفْتون بسبب ضغوطات؛ فهو قول باطل، وعلماء هذه البلاد - ولله الحمد - هم من أبعد الناس عن المجاملات، فهم يفتون بما يظهر لهم أنه هو الحق، وهذه فتاواهم موجودة - ولله الحمد ومدونة، وأشرطتهم موجودة، فليأتنا هذا المتكلم بفتوى واحدة تعمدوا فيها الخطأ بموجب ضغط، وأنهم أُجبروا على هذا الشيء!! أما الكلام والدعاوى واتهام الناس؛ فهذا لا يعجز عنه أحد، كل يقول، لكن الكلام في الحقائق!!))([47]) .اهـ.
فإن قيل: إننا نرى هؤلاء العلماء يتبعون ما جاءهم من قادتهم، فإذا جرى نزاع سياسي مع الروافض؛ فزع عبيد العبيد - يعنون بذلك العلماء!! - إلى ذِكْر الأدلة الكاشفة لستر الروافض، وإذا حصل انسجام سياسي بين قادتهم وقادة الروافض؛ سكتوا، أو غيَّروا كلامهم، وكذا وجدنا موقفهم مع غير الروافض!!
فالجواب: إن هذه نظرة من ساء ظنه في علماء الأمة، ولا خير في أمة يتهم صغارُها كبارَها، ويحتقر عوامُّها علماءَها، وقد سبق بيان الموقف الصحيح - مجملًا ومفصلًا - من العلماء، ومع ذلك؛ فسأجيب على هذه الشبهة -إن شاء الله تعالى - فأقول:
إذا اختلف قادة السنة السياسيون مع قادة الروافض، وبَيَّن العلماء عقيدة الروافض - في هذه الحالة - فالمقام لا يخلو من فائدة، ولا عيب على من كان عمله مفيدًا للإسلام والمسلمين، و((الأعمال بالنيات))، فلماذا لا تحملون ذلك الصنيع من العلماء الكبار إلا على القصد السيئ ؟!
فإذا اتفق القادة مع قادة الروافض من الناحية السياسية، فالمقام لا يخلو من حالتين:
الأولى: أن يكون القادة السياسيون من أهل السنة مصيبين في هذا الاتفاق، وأن المصلحة من ورائه راجحة للسنة وأهلها، سواء كانت جلبًا لمصلحة، أو درءًا لمفسدة.
وعلى ذلك: فسكوت العلماء - إن سلمنا بذلك في هذه الحالة - أمر يُساعد على الحفاظ على هذه المصلحة المرجوة من وراء هذا الصلح، ولا عيب عليهم في ذلك -إلا عند من يسيئون بهم الظن!!- فإن المصلحة تقتضي ذلك.
الثانية: أن يكون ما فعله القادة السياسيون من الصلح - على أسوأ الأحوال - مخالفًا لشرع الله - عز وجل - سواء كان ذلك في مسألة اجتهادية، أو أعظم من ذلك، فإذا رأى العلماء أن كلامهم سيأتي بشرٍّ أكبر، فسكتوا؛ فما العيب عليهم في ذلك ؟ أليس هذا موافقًا لقواعد الشريعة ؟!
ثم هل تراجعوا عن كلامهم الأول في الروافض وغيرهم ؟! هل مدحوا الروافض، ووصفوهم بوصفٍ يخالف ما عليه سلف الأمة ؟! هل يلزمهم أن يتكلموا في كل حال، سواء جرى بهذا الكلام خير أم شر؟! ألا يجوز كتمان العلم للمصلحة ؟ هل يلزم العلماء أن يأخذوا بتقديركم أنتم للمصالح والمفاسد ؟ وإلا كانوا متناقضين، يبيعون دينهم بيعًا رخيصًا؟!
فصحَّ أن موقف العلماء - حسب فهم من يعرف قَدْرَهم - لم يخرج عن منهج السلف - ولا أدعي عصمتهم في كل شيء - إلا أن المخالفين تُغْلَق أمامهم أبواب المخارج الشرعية لمخالفهم، وتكون أضيق من سَمِّ الخياط، وما أكثر هذه المخارج إذا أُوقِفوا على أخطاء قادتهم ومنَظِّريهم وشيوخهم!! فيصدق عليهم في حق قادتهم - لا في حق الراسخين من العلماء - قول من قال:


وإذا الحبيب أتى بذنبٍ واحدٍ جاءت محاسنه بألـف شفيع



(تنبيه): لو سلمت بما قال المخالفون في علمائنا؛ فهذا جوابي عن العلماء، ودفاعي عن عِرْضِهم وصِدْقهم وفهْمهم، إلا أنني لا أسلم لهؤلاء بأن علماءنالم يتكلموا في عقيدة الروافض وغيرهم إلا في الحالة التي ذكرها المخالفون، ففتاواهم وكتبهم ومجالسهم ودروسهم شاهدة بهذا كله، لكن سوء الظن يقلب الحقائق، ويجعل الحسَن قبيحًا، والله المستعان، وصدق من قال:


أتانا أن سهـلًا ذم جهلًا علومًا ليس يدريهن سهلُ

علومًا لو دراها ما قلاها ولكن الرضا بالجهل سهلُ




وصدق من قال:

لو كنتَ تعلم ما أقول عَذَرْتَني أو كنتَ تعلم ما تقول عَذَلْتُكاْ

لكنْ جَهِلْتَ مقـالتي فعذلْتني وعلمتُ أنك جاهلٌ فعذَرْتُكاْ





وأختم كلامي هنا بما قاله الحافظ ابن عساكر - رحمه الله - في ((تبيين كذب المفترى((([48])، فقد قال: ((وقد قيل في المثل:(لن تُعدم الحسناء ذامًّا) وقلّما انفك عصر من الأعصار من غاوٍ يقدح في الدين، ويُغوي إبهامًا، وعاوٍ يُجرِّح بلسانه أئمة المسلمين، ويَعْوِي إيهامًا ،ويستـزل من العامة طوائف جهالا؛ وزعانف أغتامًا، ويحمل - بجهله - على سب العلماء والتشنيع عليهم سفهاء طغامًا، لكن العلماء إذا سمعوا بمكرهم؛ عَدُّوه منهم عرامًا - يعني شغبًا - وإذا ما مَرُّوا بِلَغْوهم في الكبار من الأئمة؛ مرُّوا كرامًا، وإذا خاطبهم الجاهلون منهم؛ قالوا سلامًا... ((إلى أن قال - رحمه الله تعالى -:((واعلم - أخي، وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته -: أن لحوم العلماء - رحمة الله عليهم - مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء؛ أمر عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء؛ مرتع وخيم، والاختلاق على من اختاره الله منهم لنعش العلم؛ خُلُق ذميم، والاقتداء بما مدح الله به قول المتبعين من الاستغفار لمن سبقهم؛ وصْفٌ كريم، إذْ قال مُثْنيًا عليهم في كتابه - وهو بمكارم الأخلاق وضدها عليم- : )وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاَّ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ( ([49])والارتكاب لنهي النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الاغتياب وسب الأموات؛ جسيم)فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( ))([50]) .اهـ.


~~~




([1]) ((مجموع الفتاوى)) (11/43).

([2]) أخرجه البخاري برقم ( 7352) ومسلم برقم (1716).

([3]) [ الأنعام: 152 ].

([4]) [ النحل: 90 ].

([5]) [ المائدة: 8 ].

([6]) [ الشورى: 15 ].

([7]) ((مدارج السالكين)) (2/39-40).

([8]) (14/374-376)في ترجمة ابن خزيمة.

([9]) (14/39-40) في ترجمة محمد بن نصر المروزي.

([10]) (5/271) في ترجمة قتادة.

([11]) ((مجموع الفتاوى)) (11/15-16).

([12]) ((الدرر السنية))(10/57).


([13]) [ الروم: 41 ].

([14]) [ طه: 124 ].

([15]) [ الزخرف: 36 ـ 37 ].

([16]) [ المائدة: 78 ـ 79 ].

([17]) [ آل عمران: 139 ].

([18]) [ آل عمران: 165 ].

([19]) من ((الجواب الصحيح)) ( 6 / 450 ).

([20]) [ آل عمران: 155 ].

([21]) [ آل عمران: 165 ].

([22]) [ الحج: 40 – 41 ].

([23]) ((مجموع الفتاوى)) ( 11 / 645 ) نقلًا عن ((مهمات في الجهاد)) ( ص 19 – 20 ).

([24]) [ آل عمران: 165 ].

([25]) [ الشورى: 30 ].

([26]) [ غافر: 51 ].

([27]) [ الصف: 14 ].

([28]) [ النساء: 141 ].

([29]) [ آل عمران: 139 ].

([30]) [ محمد: 35 ].

([31]) ((إغاثة اللهفان)) ( 2 / 182 ) نقلًا عن ((مهمات في الجهاد)) ( ص 20 - 21 ) .

([32]) [ التغابن: 16 ].

([33]) [ البقرة: 216 ].

([34]) [الأنعام: 43 ].

([35]) [ الأعراف: 137 ].

([36]) ك/العلم , ب/ حفظ العلم برقم (120).

([37] ) أخرجه البخاري برقم (128).

([38]) (1/298).

([39]) [ المؤمنون: 71 ].

([40]) [ القصص: 50 ].

([41]) [ ق: 5 ].

([42]) [ يونس: 32 ].

([43]) [ الجاثية: 6 ].

([44]) [ الشعراء: 277 ].

([45]) ((مجموع الفتاوى)) (15/312-313).

([46]) (3/303).

([47]) نقلًا عن ((الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية)) ( ص 108 -109 ).

([48]) (ص29,27) ط/ دار الكتاب العربي.

([49]) [ الحشر: 10 ].

([50]) [ النور: 63 ].



تليها الشبهه الرابعة إلى الأربعين

ولد برق 12-05-2008 07:58 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

هذه الشبهات ان شاء الله تنزل كلها كل يوم شبهتين و إذا كانت الشبهه طويلة نستكفي بواحده فقط

و عدد الشبهات و الجواب عليها أربعين شبهه

اسأل الله ان ينفع بها

ولد برق 13-05-2008 08:24 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
الشبهة الرابعة



قال بعضهم: ((ومِنْ تناقُضِ هؤلاء العلماء - أيضًا-: أنهم كانوا يَدْعُون - هم والمسلمون - على أعداء الإسلام والمسلمين، ويسألون الله أن يذل الشرك والمشركين، وأن يُهلك اليهود ومَنْ وراءهم، فلما وقع شيء من ذلك بأمريكا؛ استنكروا، وأصدروا الفتاوى التي تشجب وتستنكر هذا الفعل، وحَذَّروا من هذا المنهج!! مع أن هذا الفعل جزء من استجابة الله - عز وجل - لدعائهم ودعاء المسلمين، فهل بعد هذا من تناقض ))؟!
والجواب: أن الدعاء على الكفار الذين يصدون عن سبيل الله، ويقاتلون المسلمين، ويخرجونهم من ديارهم، ويُظاهرون على إخراجهم؛ أمر مشروع، فإن كان المسلمون أقوياء؛ جمعوا بين الدعاء والمواجهة للدفاع عن دينهم وعِرضهم وأرضهم التي يعبدون الله عليها، وإن كان المسلمون ضعفاء؛ اكتفوا بالدعاء، لأنه الميسور لهم، ولأن غيره من الأساليب المخالفة سيضر أكثر وأكثر.
ويريدون بدعائهم - والحال هذه - أن الله عز وجل يُنـزل بِعَدُوِّهِمْ ما يشفي صدور قومٍ مؤمنين، ويُذْهب غيظ قلوبهم، أو أن الله عز وجل يَمُنُّ على المسلمين بقوة وبأس، ليدفعوا بذلك عن أنفسهم ودينهم، فإن يسر الله عز وجل لهم بذلك؛ فرح المؤمنون بنصر الله عز وجل، دون أن يجروا على أنفسهم شرًّا، أما أن يتعجل بعض المسلمين، ويقوموا بأمور تجرّ على المسلمين ويلاتٍ وفتنًا، فإذا أنكر عليهم العلماء؛ قالوا: هذا تناقض، لماذا تحزنون من استجابة الله دعاءكم ؟! إن هذا لشيء عُجَاب!!
وإذا نظرنا في هديه- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في هذا الباب العظيم ورأينا ما عليه علماؤنا؛ لرأينا علماءنا متَّبعين لهديه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: فقد دعا رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على قريش ، فقال : ((اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش)) لأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأُبيّ بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، قال ابن مسعود: ((فلقد رأيتهم في قليب بدر قتلى))([1]) وذلك عند ما وضعوا على رأسه الشريفة السَّلى، ومع ذلك لما استؤذن في قتالهم؛ قال ((لقد أُمِرْت بالعفو)) كما في ((سنن النسائي)) بسند صحيح، ولما بويع النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يوم بيعة العقبة الثانية؛ قال له العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق، لئن شئت لنمِيلَنَّ على أهل مِنى غدًا بأسيافنا، فقال الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((لم أُومَر بذلك))([2]).
فليس كل من شُرِع لنا أن ندعوا عليه؛ يَشْرُع لنا أن نواجهه بالسلاح في كل الأحوال، فقد لا نستطيع ذلك - كما هو حاصل الآن - والإنكار على المتعجلين في هذا الباب؛ ليس تناقضًا ولا اضطرابًا!!
وقد أُخْبِرْتُ بما جرى من بعض المخالفين، عندما صوَّر صورة((كاريكاتيرية)) وفيها أحد كبار أهل العلم - وقد كُفَّ بصره - صوَّره بصورة أعمى يقوده رئيس أمريكا!! فتبًّا للغلو، وسُحْقًا، وبُعْدًا لحال أفضى بأهله إلى أن يكون هذا قَدْر العلماء الكبار عندهم!!
فأين أنتم يا أمة الإسلام، إذا كان من أبنائكم من يُصَوِّر كبار علماء هذه الأمة بهذه الصورة المشينة، وبهذه الحالة المهينة ؟! وهل تفلح أمة يسبُّ حدثاؤها علماءَها ؟!



~~~




([1]) أخرجه البخاري برقم (2934)، ومسلم بنحوه برقم (1794).

([2]) أخرجه أحمد (1579) وسنده حسن.

تليها الشبهه الخامسة

جمال البليدي 13-05-2008 09:28 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
ماشاء الله تبارك الله
ردود قوية على تلك الشبهات الفتانة
بارك الله فيك وسدد خطاك
سا محني إن قلت إنني أشم فيك رائحة اليمانيين
الحكمة اليمانية والإيمان يماني

محبك في الله جمال من الجزائر

ولد برق 13-05-2008 09:37 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة البليدي جمال (المشاركة 163678)
ماشاء الله تبارك الله
ردود قوية على تلك الشبهات الفتانة
بارك الله فيك وسدد خطاك
سا محني إن قلت إنني أشم فيك رائحة اليمانيين
الحكمة اليمانية والإيمان يماني

محبك في الله جمال من الجزائر

بارك الله فيك أخي وشكرا على شد عضدي
سامحني إذا قلت إنك مزكوم و نصحتك بتجنب التفرس بحاسة الشم
أخوك و محبك

جمال البليدي 13-05-2008 09:40 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ولد برق (المشاركة 163691)
بارك الله فيك أخي وشكرا على الشد عضدي
سامحني إذا قلت إنك مزكوم و نصحنك بتجنب التفرس بحاسة الشم
أخوك و محبك

وفيك بارك الله
داويني إذا بدواء يشفي زكامي بإذن الله
أنا أنتظر الدواء
وفقك الله

ولد برق 13-05-2008 10:11 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
الشبهة الخامسة



فإن قال قائل: إن الدعوة النجدية هي التي أججت نار هذه الفتنة، لأن عقيدة علماء هذه الدعوة ومؤلفاتهم تقوّي هذا الاعتقاد الفاسد في قلوب الشباب، فلا بد من إطفاء نور هذه الدعوة!!
فالجواب: هذا الكلام فيه عدة مغالطات، ونعوذ بالله من كيد الكائدين، ولولا وجود من اغتر بهذه الشبهة، بل من روّج لها - حتى من أبناء هذه الدعوة ، ومن أبناء المملكة!!- لما اشتغلت بالرد عليها؛ لسقوطها، والله أعلم.
وذلك أن الذين يتكلمون على عقيدة هؤلاء العلماء بذلك: إما صوفية خرافية، أو رافضية باطنية، وإما علمانية ماكرة، أو صهيونية فاجرة، أو صليبية سافرة، أو أفراخ هؤلاء وأولئك، وقد ينال من هذه الدعوة: من هو محب للحق، لكنه اعتمد على أخبار فاسدة، وبضاعة كاسدة، وليس جَهْلُ مَنْ جَهِلَ حُجَّةً على عِلْم مَنْ عَلِم!!
وكذا قد ينتقد بعضُ العلماء بعضَ المسائل العلمية، وليس في هذا طعن في الدعوة وأئمتها، أو رميهم بهذه الفرية!! كما قد يدعي هذا من وقف على بعض المواضع من كلام الأئمة، ووجد من يسيئ فهمها، ومعلوم أن سوء فهم المتأخر؛ ليس دليلًا على فساد منهج المتقدم، أو خطأ كلامه!!
وكذا قد يتهم علماءَ هذه الدعوة من وقف على خطأ لعالم معين منهم، فإنهم غير معصومين، ثم - لجهله أو لظلمه - يجعل ذلك قاعدة عامة عند جميع علماء الدعوة!! ومع هذا كله: فليسوا بمعصومين، ومن أخطأ منهم؛ رُدَّ خطؤه مع معرفة قدْره وفضله، كما هو الشأن في التعامل مع أخطاء أهل العلم سلفًا وخلفًا.
وبالجملة: فلم يستطع هؤلاء - جماعاتٍ وأفرادًا - أن يقيموا حجة صحيحة على هذه الادعاءات العريضة، في كون هذه الدعوة سببًا في فتنة التفجيرات والعنف!! وإلا فأين في كتب كبار علماء هذه الدعوة الخروج على الحاكم الظالم، أو الطعن في العالم ؟! وهاتان بذرتا التكفير ثم التفجير، كما تقدم!!
وأين في كتبهم عدم مراعاة المصالح والمفاسد ؟! وأين في فتاواهم الاعتداء على المستأمنين؟‌! وأين في كلامهم الحكم على كثير من البلدان بأنها دول محاربة، والحكم على كثير من المجتمعات الإسلامية بأنها مجتمعات كافرة، ومِنْ ثَمَّ فلابد من تفجير منشآتهم، وإثارة الفتنة عندهم وعند غيرهم ؟!
إن الذي طفحت به كتبهم ودروسهم التحذير من الخروج على الحكام، والنهي عن إثارة الفتن، وزعزعة الأمن، والواقع أكبر دليل على ذلك.
وأيضًا فعلماء الدعوة لم ينشروا من المراجع إلا كتب أهل السنة سلفًا وخلفًا، ومؤلفاتهم مغترفة من بحر علوم السلف، ومع ذلك فليسوا بمعصومين، ولا نقلدهم، ولا نقلد غيرهم، إلا بالحق ودليله، ونقبل منهم الحق، ونرد عليهم الخطأ حسب الأدلة الشرعية، والقواعد المرضية، لا بهوى ولا عصبية.
فإذا كان من ينشر عِلْمَ السلف سَفَّاحًا للدماء إرهابيًّا؛ فالسلف الصالح سفاحون للدماء إرهابيون!! ومن اعتقد ذلك، أو تفوَّه به؛ فقد ضل ضلالا بعيدًا، وشاق الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- واتبع غير سبيل المؤمنين، والله تعالى يقول: )وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (([1]).
وأيضًا: فلو كانت عقيدة كبار علماء هذه الدعوة وسلفها كذلك - كما يزعم الزاعمون - فلماذا لم يكن على هذه الطريقة كل من سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، وصاحب الفضيلة الشيخ ابن عثيمين - رحمهما الله تعالى - وكذا سماحة المفتي عبدالعزيز آل الشيخ، وصاحب الفضيلة الشيخ صالح اللحيدان، وصاحب الفضيلة الشيخ صالح الفوزان، وصاحب الفضيلة الشيخ عبدالمحسن العباد، ومعالي وزير الشؤون الإسلامية صاحب الفضيلة الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ، وكبار علماء الدعوة في هذا العصر حفظهم الله جميعًا - ؟!
ألم يعلم القاصي والداني منهج هؤلاء الأئمة، واعتدالهم، وتوسطهم، وإنكارهم هذا الغلو قبل وقوعه في المملكة العربية السعودية، وبعد وقوعه فيها ؟
أليسوا يُرْمَوْن من الشباب المتحمس- في المملكة وخارجها- بالجبن، والضعف، والعمالة، والركون إلى الدنيا، والجهل بالواقع... الخ ؟!
فكيف يكونون سفاحين للدماء، وهم يُرْمَون من بعض الشباب بذلك، بل يُكفَّر بعضهم من بعض الغلاة!!
ألا يُعَدُّ دليلا كافيًا على صحة أصول هذه الدعوة: أن تخرِّج أجيالًا لم يُعرفوا بشئ من هذا الشذوذ إلا فئة قليلة، لم تأخذ هذه الأفكار عنهم ؟!
أليس من التحامل والظلم والمكر: أن تُنسب دعوة تَخَرَّجَ بها أجيال عبر قرون في العالم الإسلامي إلى الشذوذ والعنف من أجل قلة قليلة لم تُوَفَّق لمعرفة دعوتها في هذا الباب، وتتلمذوا على غير علمائهم في ذلك؟!
أليس الكثير من المخالفين يتهمون علماء الدعوة المعاصرين بالجبن والعمالة ؟!
إن هذا ليدلنا على أن العلماء لم يتعلموا من مشايخهم الأوائل هذا الفكر، ولو تعلموه من مشايخهم؛ لربّوْا عليه الطلاب، ولو كانوا كذلك؛ فلماذا يتهمهم الطلاب هؤلاء بأنهم مميعون؟!
واعلم بأن الدعوة في المملكة - حرسها الله وجميع بلاد المسلمين - سائرة منذ وقت بعيد، وقد اشتهر هذا الفِكْر الغالي في هذا العصر في غيرالمملكة، وكبار حملته كانوا ينكرون على علماء المملكة اشتغالهم بغير هذا الحماس، ويعدونهم من فقهاء الأوراق!! فلو كانت الدعوة تنشئ أجيالًا على هذا الفكر؛ فلمَاذا لم يظهر ذلك خلال هذه المدة الطويلة ؟ ولماذا عاب الحماسيون في العالم علماء المملكة وعَدُّوهم مداهنين مجاملين، وجهلة بالواقع... إلى غير ذلك من أوصاف الذم ؟! فمن العجب أن يأتي اليوم من يريد أن يحشرهم - ظلمًا وعدوانًا- في دعاة هذا الفكر، ويظلم عقيدتهم وشيوخهم، ويرميهم بأنهم دعاة فتنة ؟!
واعلم بأنه ليس من الغلو بيان العلماء لعقيدة الصوفية، والحلولية، والرافضة، والجهمية، وغيرهم، وكذا كلامهم في الولاء والبراء، وضوابط التكفير، والتحذير من نواقض كلمة التوحيد؛ فإن ذلك من الدين، طالما أن الكلام في ذلك وغيره لم يخرج عن منهج السلف الصالح وقواعدهم - رَضِي مَنْ رَضِي، وسَخِط مَنْ سَخِط!! -
ويقال لمن يريد أن ينال من العلماء بالزور والبهتان:

يا ناطح الجبل العالي ليوهنه أَشْفِقْ على الرأس لا تُشْفِقْ على الجبلِ

ويقال له أيضًا:

أَقِلُّوا عليهم لا أبا لأبيكمُ من اللوم أو سُدّوا المكان الذي سَدّوا

فإن قيل: فإذا كان ذلك كذلك؛ فلماذا انتشر هذا الفكر بين كثير من الشباب في المملكة العربية السعودية ؟!
فالجواب: اعلم أن فِكْر التفجيرات موجود عند عدد من الشباب هناك، وإلا فكثير من الشباب ينكر هذا، وإن كان بعضهم - وللأسف - ليس محصَّنًا ضد هذه الأفكار، وليست عنده مناعة كافية لدفع هذه الأقوال!!
ومع ذلك، فيوجد - ولله الحمد - في المملكة من العلماء والدعاة وذوي التخصصات في الجامعات والقضاء وغير ذلك ما تقرّ به عيون أهل السنة، وتسخن به عيون أهل الانحراف والفتنة!!
واعلم بأن هذه الأفكار الشاذة ليست من مؤلفات وتوجيهات أئمة الدعوة، فقد أنكرها علماء هذه الدعوة، قبل أن تقع في بلادهم، لكنها قد وفدت منذ سنوات على الشباب في المملكة من التوجُّهَات الحركية، والتنظيمات السرية، التي تعمل في الخفاء، فَجَرّأتهم على أمرائهم وعلمائهم، ولم تذكر لهم عنهم إلا المثالب، وزجَّت بهم في هذه السراديب والدهاليز المظلمة باسم التوحيد والسنة، وأُحْسِن الظن بحملة هذه الأفكار لإظهارهم الدعوة إلى التوحيد وعقيدة السلف، واسْتُبْعدَ وقوع فتنة من وراء دعوتهم، ولو بعد حين!! فشغلوا الشباب بهذه الأفكار، فصدّوهم عن علم علمائهم القائم على سعة الحصيلة العلمية، ولزوم غرز السلف، والاستفادة من تجارب الأمة سلفًا وخلفًا، والنظر في المصالح والمفاسد، ومراعاة واقع الأمة المسلمة بين أمم العالم، والصبر على نور فيه ظلمة؛ فإن ذلك خير من ظلمة لا نور فيها، إلا أن الشباب ضاقت صدور كثير منهم بطريقة علمائهم، وهرولوا وراء سراب الحماسيين، فكان ما كان ؟! والله المستعان.
وقد أجاب بنحو ما ذكرتُه صاحبُ الفضيلة الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله تعالى- جوابًا على سؤال حول السبب في فرقة الشباب وطلاب العلم، فقال - حفظه الله تعالى-:
((الجواب: يوم أن كان أهل هذه البلاد مرتبطين بعلمائهم: شبابًا وشيبًا؛ كانت الحالة حسنة ومستقيمة، وكانت لاتأتي إليهم أفكار من الخارج، وكان هذا هو السبب في الوحدة والتآلف، وكانوا يثقون بعلمائهم، وقادتهم، وعقلائهم، وكانوا جماعة واحدة، وعلى حالة طيبة، حتى جاءت الأفكار من الخارج عن سبيل الأشخاص القادمين، أو عن سبيل بعض الكتب، أو بعض المجلات، أو بعض الإذاعات، وتلقاها الشباب، وحصلت الفُرْقة، لأن هؤلاء الشباب الذين شذوا عن المنهج السلفي في الدعوة؛ إنما تأثروا بهذه الأفكار الوافدة من الخارج، أما الدعاة والشباب الذين بقُوا على صلةٍ بعلمائهم، ولم يتأثروا بهذه الأفكار الواردة؛ فهؤلاء - والحمد لله - على استقامة كسلفهم الصالح .
فالسبب في هذه الفرقة يرجع إلى الأفكار والمناهج الدعوية من غير علماء هذه البلاد، من أناس مشبوهين، أو أناس مضللين، يريدون زوال هذه النعمة التي نعيشها في هذه البلاد: من أمن، واستقرار، وتحكيم للشريعة، وخيرات كثيرة في هذه البلاد، لاتوجد في البلاد الأخرى، ويريدون أن يفرقوا بيننا، وأن ينتزعوا شبابنا، وأن ينـزعوا الثقة من علمائنا، وحينئذٍ يحصل - والعياذ بالله - مالا تحمد عقباه!!
فعلينا: علماء، ودعاة، وشبابًا، وعامة، بأن لا نتقبل الأفكار الوافدة، ولا المبادئ المشبوهة، حتى وإن تلبست بلباس الحق والخير - لباس السنة -.
فنحن لسنا على شك من وضعنا - ولله الحمد - نحن على منهج سليم، وعلى عقيدة سليمة، وعندنا كل خير - ولله الحمد - .
فلماذا نتلقى الأفكار الواردة من الخارج، ونروجها بيننا وبين شبابنا ؟!
فلا حل لهذه الفرقة: إلا بترك هذه الأفكار الوافدة، والإقبال على ماعندنا من الخير، والعمل به، والدعوة إليه.
نعم: عندنا نقص، وبإمكاننا أن نصلح أخطاءنا، من غير أن نستورد الأفكار المخالفة للكتاب والسنة وفهم السلف من الخارج، أو من أناس مشبوهين، وإن كانوا في هذه البلاد أو مضللين.
الوقت الآن وقت فتن، فكلما تأخر الزمان؛ تشتد الفتن، عليكم أن تدركوا هذا، ولاتصغوا للشبهات، ولا لأقوال المشبوهين والمضللين، الذين يريدون سلب هذه النعمة التي نعيشها، ونكون مثل البلاد الآخرى: في سلب، ونهب، وقتل، وضياع حقوق، وفساد عقائد، وعداوات، وحزبيات،... )).([2]) .اهـ.
هذا؛ ومن أراد الله به خيرًا؛ فقهه في الدين، وحبَّب إليه كبار أهل العلم، وسهَّل في قلبه إعذارهم - بالحق - وأجرى على لسانه ذِكرْ مناقبهم، وأعانه على ستْر خلتهم، وإقالة عثرتهم، وشرح صدره إلى طريقتهم - بما لا يخرجه عن شريعة الله تعالى - وفَرَّ من الأفكار الحزبية المقيتة، والاتجاهات الحركية المشينة فراره من الأسد، ونبذ ما خالف منهج السلف نبْذ النواة، وطَرَدَه كما يطرد البعير الضال عن إبله، فمن كان كذلك؛ فقد هُدِي إلى صراط مستقيم، قال تعالى: )وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(([3]) ومن لم تنفعه الأدلة، ولا التجارب؛ فلسنا بأرحم به من الله سبحانه وتعالى، والله تعالى يقول: )وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا (([4]))وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (([5]) وإلى الله المشتكى.



~~~




([1]) [ النساء: 115 ].

([2]) ((الأجوبة المفيدة عن أسئلة المناهج الجديدة)) ( ص 49 – 51 ) نقلًا عن ((الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية)) ( ص 100 – 101 ).

([3]) [ آل عمران: 101 ].

([4]) [ المائدة: 41 ].

([5]) [ النور: 40 ].

تليها الشبهه السادسة إلى الأربعين

ولد برق 14-05-2008 07:50 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
الشبهة السادسة



وهناك من يقول: لا نأخذ الفتاوى من القاعدين، ولكن نأخذها من أهل الثغور، ويستدل على ذلك بقول الأوزاعي وابن المبارك: ((إذا اختلف الناس في شيء؛ فانظروا ما عليه أهل الثغر )).
والجواب من وجوه - إن شاء الله تعالى -:
الأول: يُنظر في صحة هذا الأثر أولًا؛ فإنني لم أقف له على سند، والبحث عن إسناده وإثبات صحته مما يلزم من احتج به!!
وعلى التسليم بصحته: فإنه ليس فيه ما يدل على ترك الدليل الشرعي لقول أهل الثغور، ولو كان ذلك مرادهما - وحاشاهما - لَرُدَّ هذا على قائله كائنًا من كان!!
وقد سبق من الأدلة القاطعة نصًّا، وأثرًا، وواقعًا - ما يدل على الرجوع إلى أهل الذكر في معرفة الحلال والحرام، ولم يُخَصّ ذلك بأهل الثغور.

الثاني: لو قُصد به معرفة الحلال والحرام المعلومَيْن بالشرع؛ فيكون وجهه فيما إذا كان أهل الثغر من العلماء الراسخين، ولهم مزية الجهاد، التي لم يحصل عليها كثير من أهل المجاهدة، والواقع أن هؤلاء الشباب لا يحيلوننا إلى ملىء في العلم والمعرفة، بل نجدهم يفتون بما هو مصادم لأصول أهل السنة، أو يفتحون على الناس أبواب الفتنة والمحنة!!

الثالث: أن هذا الأثر محمول على الترجيح بما عليه أهل الثغور فيما يعرض للقلب من خواطر تشتبه عليه، لا في الحلال البين والحرام البين - فضلًا عما تعم به البلوى - وهذا فيما إذا لم يظهر للمرء من الجهة العلمية أي الطريقين أولى بالصواب.
وقد ذكر العلامة ابن القيم - رحمه الله -([1]) هذا الأثر في هذا المعنى، فقال: ((فإن الصادق يتحرى في سلوكه كله أحبَّ الطرق إلى الله، فإنه سالك به وإليه، فيعترضه طريقان، لا يدري أيهما أرْضى لله وأحبَّ إليه، فمنهم من يُحكِّم العلم بجهده استدلالًا ، فإن عجز فتقليدًا، فإن عجز عنهما؛ سكن ينتظر ما يحكم لديه القَدَر، ويُخلي باطنه من المقاصد جملة.
ومنهم من يُلقي الكل على شيخه، إن كان له شيخ.
ومنهم من يلجأ إلى الاستخارة والدعاء، ثم ينتظر ما يجري به القَدَر.
وأصحاب العزائم يبذلون وسعهم في طلب الأرضَى: علمًا ومعرفة، فإن أعجزهم؛ قنعوا بالظن الغالب، فإن تساوى عندهم الأمران؛ قدموا أرجحهما مصلحة.
ولترجيح المصالح رُتَبٌ متفاوتة: فتارة تترجح بعموم النفع، وتارة تترجح بزيادة الإيمان، وتارة تترجح بمخالفة النفس، وتارة تترجح باستجلاب مصلحة أخرى لا تحصل من غيرها، وتارة تترجح بأمنها من الخوف من مفسدة لا تؤمن في غيرها، فهذه خمس جهات من الترجيح، قَلَّ أن يُعْدَم واحدة منها.
فإن أعوزه ذلك كله؛ تخلى عن الخواطر جملة، وانتظر ما يحركه به محرك القَدَر، وافتقر إلى ربه افتقار مستنـزل ما يرضيه ويحبه، فإذا جاءته حركة؛ استخار الله، وافتقر إليه افتقارًا ثانيًا، خشية أن تكون تلك الحركة نفسية أو شيطانية، لعدم العصمة في حقه، واستمرار المحنة بعدوه، ما دام في عالم الابتلاء والامتحان، ثم أقدم على الفعل، فهذه نهاية ما في مقدور الصادقين.
ولأهل الجهاد في هذا من الهداية والكشف ماليس لأهل المجاهدة.
ولهذا قال الأوزاعي وابن المبارك: ((إذا اختلف الناس في شيء؛ فانظروا ما عليه أهل الثغر ((يعني: أهل الجهاد، فإن الله تعالى يقول: )وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ( ([2]).
ثم ذكر - رحمه الله تعالى- أن اعتراضات الأحكام التي ذكرها المؤلف، يجوز أن يريد بها الأحكام الكونية، أو الدينية، ثم قال: ((وإن كان المراد به الأحكام الدينية؛ فلا يجدون بُدًّا من القيام بأحكام الأمر...)).اهـ. ([3])
قلت: ولا شك أن من وقف على هذا التفصيل؛ علم الموضع الذي يُستعمل فيه هذا الأثر، وأن ذلك بمعنى ما يُروى مرفوعًا: ((استفت قلبك، وإن أفتاك الناس، وأفتوك))([4]) وليس هذا عامًا، فما ثبت فيه النص لا نحتاج بعده إلى استفتاء قلب فلان أو غيره،كذا لا نحتاج إلى الرجوع إلى أهل الثغر أو غيرهم!!
نعم؛ لأهل الثغر من صفاء البصيرة - لجهادهم العدو، وقهرهم للهوى - ماليس عند كثير ممن ليس كذلك، لكن لا يلزم من ذلك ترك الأدلة الواضحة - فضلًا عن الأصول الأصيلة لقولهم، فتأمل.
وكلام الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى- واضح في أن هذا يكون عندما تعرض للقلب خواطر، لا يدري المرء أيها أرْضى لله - عز وجل - وقد ذكر - رحمه الله تعالى- وجوه الترجيح، ومنها الاستخارة، والاستخارة لا تكون في قبول نص شرعي أو تركه، فضلًا عن قبول أصل من أصول أهل السنة والجماعة، أو رفضه!! ولذلك لما ذكر الإمام ابن القيم الأحكام الدينية؛ ذكر أن المكلفين لا يجدون بُدًّا من القيام بأحكام الأمر، وإن عرض لقلوبهم اعتراض خفي أو جلي، بحسب انقطاعهم عن الحال بالأمر، والله تعالى أعلم وأحكم.
فقارنْ بين فهم العلماء لهذا الأثر، وفهم الشباب الذين يريدون أن نترك الأدلة النيرات، والحجج القاطعات، ونترك منهج الأئمة سلفًا وخلفًا، ونفتح باب الفتنة والمحنة على الأمة، بحجة أن هذا ما عليه أهل الثغور!!
ويا ليت شعري من هم أهل الثغور - إن صح الأثر - الذين تطلبون منا الرجوع إليهم في هذه المسائل المصيرية، والتي تَعمُّ بها البلوى ؟!


~~~








([1]) ((مدارج السالكين)) (1/510-511/ ط. دار الرشاد الحديثة).


([2]) [ العنكبوت: 69 ].

([3]) قول الأوزاعي وابن المبارك قد ذكره بعض المفسرين في آخر سورة العنكبوت من قول سفيان ابن عيينة، وانظره أيضًا في ((بدائع الفوائد)) (3/110/ ط. دار الكتاب العربي).

([4]) انظر ما قاله محقق ((مسند أحمد)) (29/533،528،523) بأرقام (17999، 18001، 18006) ط/ دار الرسالة.

تليها الشبهه السابعة

جمال البليدي 14-05-2008 08:10 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
بارك الله فيك أخي وجزاك الله خيرا واصل رعاك الله

ولد برق 15-05-2008 01:28 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة البليدي جمال (المشاركة 164284)
بارك الله فيك أخي وجزاك الله خيرا واصل رعاك الله

و فيك بارك أخي الكريم

حفظك الله و رعاك

مع العلم ان الشبهات و الجواب عليها منقولة

ولد برق 15-05-2008 06:58 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
الشبهة السابعة


فإن قال قائل: نحن نسلِّم بقاعدة مراعاة المصالح والمفاسد، لكننا نرى عكس ما ترون، ونرى أن المصالح في التفجيرات والاغتيالات أكثر من المفاسد، وأنكم تعدون المصالح مفاسد، ولا تُلْزمونا برأيكم واجتهادكم!!
فالجواب: أن كل إنسان يستطيع أن يدَّعي هذه الدعوى، ولو حاججت أهل الباطل، وأنكرت عليهم كثيرًا من صنيعهم؛ لأنكروا عليك، ولو سألتهم: لماذا فعلتم هذا الفعل أو ذاك ؟ لظهر لك أنهم يرون المصلحة القطعية في صنيعهم، مع أن العقلاء متفقون على أنه فعلٌ باطل!!
إذًا، فليس كل من ادعى دعوى؛ سُلِّم له بقوله، إنما العمدة على الدلائل والبراهين، والآثار والنتائج، والفتن إذا أقبلت عرفها العلماء، وإذا أدبرت عرفها الناس كلهم أو جُلُّهم، وقد سبق ذكر عدد من المفاسد المردية، بما لا يختلف فيه منصفان!!
فهل نُصَدِّق رجلًا يقول: قَتْلُ المئات من المسلمين الأبرياء، فيه مصلحة عظمى للإسلام وأهله ؟!
وهل نقبل من رجل يقول: إن سقوط الدولة المسلمة - على ما فيها من جور - فيه مصلحة كبرى، لأننا سنقيم الدين كله بعدها، ونحن نرى أن من فعل ذلك؛ جرَّ ويلات أشد وأنكى مما كان يريد إزالته ؟ ونرى أن غير المسلمين يفرحون بهذه الفتن في بلاد الإسلام، لأنهم يتذرعون بها للتدخل في شئون المسلمين، تحت ستار: ((حقوق الإنسان)) و((المنظمات الدولية))، و((الأمم المتحدة))، و((مكافحة الإرهاب)) و((الديمقراطية)) ونحو ذلك!!

فأين الذين يدَّعون فقههم بالواقع، ويتجرؤون ويتطاولون بذلك على كبار العلماء مما جرى للمسلمين في عدة بلدان، حيث جرت حروب طاحنة، وبعد أن أكلتْ الأخضر واليابس بين المسلمين البين؛ جاءت الدول الأخرى، لتجني الثمرة، وتسلِّم الزمام لمن تريد!! ألا نعتبر بما حلَّ بالمسلمين في الدول الأخرى بسبب هذا الشَّغب ؟! أليس السعيد من وُعظ بغيره ؟ أليس الله قد حثنا على السير في الأرض للتدبر والاتعاظ بما حلَّ بغيرنا ؟! والله - عز وجل - يقول: )قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( ([1])ويقول سبحانه: )أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ( ([2]).
ويقول سبحانه: )فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( ([3])
فما هي ثمرة أفكاركم هذه في المغرب العربي، ومصر، واليمن، والسعودية، والكويت، والصومال، والباكستان، وأندونيسيا وغير ذلك من بلدان؟!
وهل نصدِّق من يكابر، وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى- يقول: ([4]) في سياق ذكر الصبر على جور الحكام، وترك الخروج عليهم، لما في الخروج على الحكام من مفسدة كبرى، فقال - رحمه الله تعالى-:
00((...ويقال: ستون سنة من إمام جائر؛ أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان؛ والتجربة تبين ذلك )).اهـ.

فهل نلغي عقولنا، ونُهمل اجتهادات علماء عصرنا - وهم أهل الاستنباط والمرجع في النوازل - ونرفض تجربة سلفنا، وأحاديث نبينا- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الصبر على الجور، لقول رجل لم تحصل له أهلية النظر في مثل هذه الأمور، ًاوْله أهلية - على أحسن الأحوال - إلا أنه أخطأ خطًا فاحشًا ؟!
وقد قال الإمام ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) ([5]): ((... وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر... ومن تأمل ما جرى للإسلام في الفتن الكبار والصغار؛ رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته، فتولَّد منه ما هو أكبر منه...)).اهـ.
وقد أنكر أحمد الخروج على الواثق - الداعية للقول بخلق القرآن، وهو كفر باتفاق - وعلّل ذلك بأنه يكره الخروج والفتنة والدماء، ولم يكن في زمانه منظمات دولية، أو تحالفات عالمية، تجيد الاستفادة من جهود وضحايا المسلمين في آخر المطاف، كما هو الآن!!
فهل بعد هذا التصريح من سلفنا الصالح، نقبل قول من يقول اليوم شيئًا، ويرجع عنه غدًا ؟ وهل نترك الجبال الرواسي، ونكون كمن يجري وراء رمال تقلبها الرياح، وتنقلها من أرض إلى أرض، ومن وجه إلى وجه ؟! ثم نجعل حرمة المسلمين من الدماء والأموال والأعراض، وأمنهم واستقرارهم حقل تجارب ! فنُجرب بمئات القتلى والجرحى، ونسعى في اضطراب الأمن وزوال النعمة، ثم بعد ذلك نقول: لقد استفدنا من هذه التجربة، بأن هذا المنهج لا يجوز!! ولكن بعد ماذا ؟! بعد أن يتسلط الكفار على المسلمين، وتقوى شوكة أهل الأهواء والمشركين، ويتمنى المرء أن يعود الأمر كما كان، ولكن ولات حين مندم!! ألا نستفيد من تجربة السلف ؟! ألا نتعظ بما يجري حولنا ؟! أم أننا لا بد أن نبدأ بما بدأ به غيرنا ؟! ولا بد أن نعيد الخطأ مرة أخرى أو مرات ؟ والنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: ((لا يُلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين))([6])ونحن قد لدغنا مرات ومرات!!
ألا يكفينا حال رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في مكة، وهو يرى عبادة الأصنام وغير ذلك من المكفِّرات الكبرى، وهو صابر لضعف قوة المسلمين آنذاك ؟!

ألا يكفينا حديث رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الصبر على الجور، وإنْ ضَرَب الولاة الظهور، وأخذوا الأموال ؟! ألا يكفينا قوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقد سئل عن الولاة الذين لا يعطون الناس حقهم، ومع ذلك يلزمونهم أداء ما عليهم، فقال - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((اسمع وأطع، فإنما عليهم ما حُمِّلوا، وعليكم ما حُمِّلتم ))؟!

فهذه أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهذا تاريخ السلف، وهذه تجربتهم، وهذه الآثار السيئة لهذه الأفعال بادية لكل ذي عينين، فماذا مع المخالفين من دليل ينهض لمقاومة بعض هذا - فضلًا عن كله - من أجل أن يكابروا، ويدَّعوا أنهم أعرف بتقدير المصالح والمفاسد من الأئمة الراسخين ؟!
وصدق من قال:

فأما ما عَلِمْتُ فقد كفاني و أما ما جَهِلْتُ فجنِّبوني


وإذا كان الحق واضحًا، بهذه المثابة، ومع ذلك يُقِابَل هذا كله بالإنكار - ممن يُكَفِّر العلماء أو يضللهم - والتعالم في تقدير مصالح ومفاسد الأمور الكبار؛ فما بقى إلا أن يتمثل المرء بما ذكره الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى- ([7]) وهو قول القائل:


وقُلْ للعيون العُمْي للشمس أعينٌ سواكِ تراها في مغيبٍ ومَطْلعِ
وسامحْ نفوسًا أطفأ اللهُ نورهـا بأهـوائها لا تستفيق ولا تعي


وأما الذين لا زالوا يبجِّلون العلماء، فهم وإن لم يكونوا كذلك؛ إلا أنه يُخشى عليهم أن يصلوا إلى هذا الحال، ومن جالس جانس، إلا من رحم الله، والله تعالى أعلم.


~~~






([1]) [ آل عمران: 137 ].

([2]) [ غافر: 21 ].

([3]) [ آل عمران: 137 ].

([4]) ((مجموع الفتاوى)) (28/391).

([5]) (3/15) ط. دار الفكر.

([6]) أخرجه البخاري برقم (6133) ومسلم برقم (7423) من حديث أبي هريرة.

([7]) ((مختصر الصواعق)) (ص265).

ولد برق 16-05-2008 07:10 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
الشبهة الثامنة





يقول بعض هؤلاء الثوريين: لماذا تقولون لنا: لو سلمنا لكم - جدلًا - بكفر الحاكم؛ فلا يلزم من ذلك الخروج عليه، إلا بتوافر شرط القدرة والاستطاعة على الخروج، لتكون المفاسد أقل ما يكون ؟!
قالوا: وهذا أبو بكر الصديق لما كفَر مَنْ كفر مِنَ العرب بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وكان المسلمون أضعف ما يكونون؛ لم يراعِ أبو بكر والصحابة - رضي الله عنهم - شرط القدرة والاستطاعة، بل جهَّزوا الجيوش لحرب المرتدين، وبعثوا البعوث، حتى رجع من رجع إلى الإسلام، وقُتِل مَنْ قُتِل، وهذا كله يدل - بإجماع الصحابة - على وجوب قتال المرتدين، وإن كان المسلمون قِلَّة: عَددًا وعتادًا، وكانوا أضعف من عدوهم!!

والجواب على ذلك من وجوه - إن شاء الله تعالى -:
الأول: نحن لا نسلِّم بأن المرتدين كانوا أكثر وأقوى من المؤمنين الصادقين الثابتين على ما تركهم عليه رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بل الأمر بخلاف ذلك، فإن الذين ارتدوا من العرب كانوا قلة بالنسبة لمن بقي على دين الله من المؤمنين، وقد قال ابن حزم - رحمه الله تعالى- في ((الملل والنحل ((: ((انقسمت العرب بعد موت النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على أربعة أقسام:
طائفة بقيت على ما كانت عليه في حياته - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهم الجمهور.
وطائفة بقيت على الإسلام أيضًا، إلا أنهم قالوا: نقيم الشرائع إلا الزكاة، وهم كثير، لكنهم قليل بالنسبة إلى الطائفة الأولى.
والثالثة: أعلنت بالكفر والردة، كأصحاب طليحة وسجاح، وهم قليل بالنسبة لمن قبلهم، إلا أنه كان في كل قبيلة من يقاوم من ارتد.
وطائفة توقفت، فلم تطع أحدًا من الطوائف الثلاث، وتربَّصوا لمن تكون الغلبة.
فأخرج أبو بكر إليهم البعوث، وكان فيروز ومن معه غلبوا على بلاد الأسود، وقتلوه، وقُتل مُسيلمة باليمامة، وعاد طُليحة إلى الإسلام، وكذا سجاح، ورجع غالب من كان ارتد إلى الإسلام، فلم يَحُلِ الحول إلا والجميع راجعوا دين الإسلام - لله الحمد -)).([1]) .اهـ.
فهذا يدل على أن المرتدين قلة بالنسبة للثابتين، وهذا بخلاف دعوى هؤلاء الشباب.
الثاني: كيف يَدَّعي المخالف بأن المسلمين كانوا أضعف ما يكونون زمن الردة، وهاهو يذكر أن أبا بكر - رضي الله عنه - جهّز الجيوش، وبعث البعوث هنا وهناك وهنالك لحرب المرتدين!! فهل من يفعل هذا يكون أضعف ما يكون ؟! فيا لله العجب!!
الثالث: الواقع يدل على صحة ما قال ابن حزم - رحمه الله تعالى- فلو كان الثابتون على دينهم قلة ضعفاء؛ لطال زمن الفتنة - في العادة - ولقويت شوكة المرتدين، وسقطت دولة الإسلام، ولكن كان الأمر بخلاف ذلك - ولله الحمد والمنة - وهذا بخلاف حال هؤلاء الشباب، فما يستطيعون أن يرسلوا جيشًا واحدًا، وإن فعلوا؛ فما يعود إلا بالخسارة - لضعفهم وتمزق المسلمين - ويكون غالب هَمِّ مَنْ سَلِمَ منهم: أن يهرب في الأرض، أو يختفي عن الأنظار، فأين هذا الحال من حال الجيوش المؤمنة زمن الردة ؟!
الرابع: لقد كان لأبي بكر ومن معه - رضي الله عنهم جميعًا - خلافة، ودولة، وأرض ينطلقون منها وإليها، وجمهور المسلمين يؤيدونهم، وقد أجمعت كلمة العلماء من الصحابة على قتال المرتدين، بعد المناظرة التي جرت بين أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - وانشرحت النفوس لقتال من ارتد من العرب، ولذا كانت العاقبة حميدة - ولله الحمد -.
أما المخالفون: فأين خلافتهم، وأين دولتهم، وأرضهم، وأين الجمهور من المسلمين الذين يؤيدونهم على ما يفعلون من إراقة الدماء، وإزهاق أرواح الأبرياء، وأين إجماع العلماء على الفتوى بصحة ما هم عليه ؟!
فإن قالوا: نحن نختلف عن أبي بكر ومن معه، فإنهم كانت لهم دولة وأرض، أما نحن فلسنا كذلك.
قيل: فلماذا تحتجون بحال من سبق، وأنتم على حال يخالف ما هم عليه، ومع ذلك تُلْزمون غيركم أن يكون معكم على طريقتكم، وإلا كَفَّرْتموه، أو بدَّعتموه، وطعنتم في صدقه وإخلاصه ؟!
الخامس: شرط القدرة والاستطاعة في القيام بالأوامر: شرط ثابت بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وقواعد الأئمة، والعقل، والواقع:
فالله - عز وجل - يقول: )فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (([2])، ويقول: )وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (([3]) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على رفع التكليف عند العجز، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((ما أمرتكم بأمر؛ فأْتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عن شيء؛ فاجتنبوه )). ([4])
وقد نص العلماء على أن من القواعد الخمس المتفق عليها، والتي تشمل نصوص الشريعة: قاعدة: لا تكليف مع العجز.
والعقل الصحيح يقضي بأن الضعيف إذا كان خروجه على ذي الشوكة يؤدي إلى شر أكبر؛ فإن هذا قبيح.
والواقع يدل على أن الذين خرجوا على الحاكم - وإن كان كافرًا، فضلًا عن كونه مسلمًا ظالمًا - وهم ضعفاء غير قادرين؛ فإن خروجهم يؤول إلى فساد أعظم، فلا عَدُوَّهم كَسَروا، ولا الإسلام نصروا.
والتاريخ يدل على هذا، كما سبق عن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - إذْ قال: ((... ويقال: ستون سنة من إمام جائر؛ أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان، والتجربة تبين ذلك )). ([5]) .اهـ.
وقال - رحمه الله تعالى-: ((... وقَلَّ من خرج على إمام ذي سلطان؛ إلا كان ما تولَّد على فِعْلِهِ من الشر، أعظم مما تولَّد من الخير )). ([6])
وقال أيضًا: ((ولعله لا يكاد يُعْرَف طائفة خرجت على ذي سلطان؛ إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته )).([7]) .اهـ.
وقال: الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى-: ))... ومن تأمَّل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار؛ رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على المنكر، فطلب إزالته، فتولد منهم ما هو أكبر منه... )). ([8]) والله تعالى أعلم.




~~~


([1]) انظر ((فتح الباري)) للحافظ ابن حجر (1/276)، وانظر كلامًا آخر لبعض العلماء في هذا الشأن في كتابي ((البيان الأمثل)).


([2]) [ التغابن: 16 ].

([3]) [ الحج: 78 ].

([4])((البخاري)) (7288) و ((مسلم )) (1337).

([5]) ((مجموع الفتاوى)) ( 28/391).

([6]) ((منهاج السنة النبوية)) (4/527).

([7]) ((منهاج السنة النبوية)) (3/391).

([8]) ((إعلام الموقعين))(3/15-16).



تليها التاسعة 0000000 نواصل حتى الأربعين

ولد برق 17-05-2008 09:39 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
الشبهة التاسعة



قد يقول قائل: إن الأدلة التي ذكرتَها من طاعة ولاة الأمور، والصبر على ظلمهم - وإن جاروا - إنما يكون ذلك في حق حكامٍ مسلمين، صحَّ لهم عقْد الإسلام - وإن خالفوا - أما ملوك، ورؤساء، وأمراء، وشيوخ زماننا فكفار ليسوا مسلمين، وعلى ذلك فلا صبر عليهم، ولا طاعة لهم، بل يجب الخروج عليهم؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بايع الصحابة على السمع والطاعة للأمراء في المنشط والمكْره، والعُسْر واليُسْر، إلا أن يروا كفرًا بواحًا،لهم فيه من الله برهان، وقد رأينا نحن في زماننا الكفر البواح، فلا سمع ولا طاعة، ولا صبر على هؤلاء الحكام، بل دماؤهم وأموالهم حلال!!

وكذلك لقد نهى الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الخروج عليهم بقوله: ((لا، ما صَلَّوْا)) وكثير من حكام زماننا لا يُصلون، ومن صلى منهم؛ كفر من باب آخر!!

والجواب - إن شاء الله تعالى - من وجوه:
الأول: أنني لست بصدد الكلام معكم على كُفر الحاكم أو إسلامه، فإن لهذا موضعًا آخر، وفيه تفاصيل أُخَر، وإن كنتُ لا أُسلِّم لكم بإطلاقكم تكفير جميع الحكام - دون تفصيل - كما لا أُسلِّم لكم بأن هذا الميدان كلأٌ مباح لكل من أراد أن يرعى فيه، فإن لكل مَلِكٍ حمى، وإن ملك هذا الحمى: هم العلماء الراسخون في العلم، لا الشباب المبتدئون، ولا الدعاة المتحمسون، الصادُّون أو المعرضون عن منهج السلف في هذا الأمر الخطير!!
الثاني: ومع هذا كله: فلو سلَّمْتُ لكم - جدلًا - بما تقولون؛ فهل يلزم من ذلك جواز قيامكم بالتفجيرات والاغتيالات - وقد سبق ذكر كثير من مفاسدها - ؟
ألا تُفرِّقون بين حالة القوة والضعف ؟ ألا تعلمون أن التكاليف الشرعية مقيدة بالاستطاعة، لقوله تعالى ): فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )([1]) وقوله- عز وجل -: )لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا( ([2])وقوله سبحانه: )لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا ءَاتَاهَا( ([3])وقوله سبحانه وتعالى: )وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (([4]) وقوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:((ما أمرتكم بأمر؛ فأْتوا منه ما استطعتم ))؟
وقد قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز - رحمه الله تعالى - وقد ذكر عدة أدلة في السمع والطاعة في المعروف، والصبر على الجور، ثم قال: ((هذا يدل على أنهم لا يجوز لهم منازعة ولاة الأمور، ولا الخروج عليهم، إلا أن يروا كفرًا بواحًا عندهم من الله فيه برهان، وما ذاك إلا لأن الخروج على ولاة الأمور يسبب فسادًا كبيرًا وشرًّا عظيمًا، فيختل به الأمن، وتضيع الحقوق، ولا يتيسر ردع الظالم، ولا نصرة المظلوم، وتختل السُّبُل ولا تُؤَمَّن، فيترتب على الخروج على ولاة الأمور فساد عظيم، وشر كبير.
إلا إذا رأى المسلمون كفرًا بواحًا عندهم من الله فيه برهان؛ فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالته إذا كان عندهم قدرة، أما إذا لم تكن عندهم قدرة؛ فلا يخرجون، أو كان الخروج يسبب شرًّا أكثر؛ فليس لهم الخروج؛ رعايةً للمصالح العامة، والقاعدة الشرعية المجمع عليها: أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه، بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه، أما درء الشر بشر أكثر؛ فلا يجوز بإجماع المسلمين.
فإذا كانت هذه الطائفة التي تريد إزالة السلطان، الذي فعل كفرًا بواحًا، عندها قدرة على أن تزيله، وتضع إمامًا صالحًا طيبًا، دون أن يترتب على ذلك فساد كبير على المسلمين، وشر أعظم من شر هذا السلطان؛ فلا بأس، أما إذا كان الخروج يترتب عليه فساد كبير، واختلال الأمن، وظلم الناس، واغتيال من لا يستحق الاغتيال، إلى غير هذا من الفساد العظيم؛ هذا لا يجوز، بل يجب الصبر والسمع والطاعة في المعروف، ومناصحة ولاة الأمور، والدعوة لهم بالخير، والاجتهاد في تخفيف الشر وتقليله، وتكثير الخير، هذا هو الطريق السويُّ الذي يجب أن يُسْلَكَ، لأن في ذلك مصالح المسلمين عامة، ولأن في ذلك تقليل الشر، وتكثير الخير، ولأن في ذلك حفظ الأمن، وسلامة المسلمين من شر أكثر، نسأل الله للجميع التوفيق والهداية )). ([5]).اهـ.
وقال صاحب الفضيلة الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله تعالى -: ((وأما التعامل مع الحاكم الكافر؛ فهذا يختلف باختلاف الأحوال: فإن كان في المسلمين قوة، وفيهم استطاعة لمقاتلته وتنحيته عن الحكم، وإيجاد حاكم مسلم؛ فإنه يجب عليهم ذلك، وهذا من الجهاد في سبيل الله، أما إذا كانوا لا يستطيعون إزالته؛ فلا يجوز لهم أن يتحرشوا بالظلمة والكفرة، لأن هذا يعود على المسلمين بالضرر والإبادة، والنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عاش في مكة ثلاث عشرة سنة بعد البعثة والولاية فيها للكفار، ومعه من أسلم من أصحابه، ولم ينازلوا الكفار، بل كانوا منهيين عن قتال الكفار في هذه الحقبة، ولم يُؤْمروا بالقتال إلا بعد ما هاجر - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وصار له دولة وجماعة يستطيع بهم أن يقاتل الكفار، هذا هو منهج الإسلام.
فإذا كان المسلمون تحت ولاية كافرة، ولا يستطيعون إزالتها؛ فإنهم يتمسكون بإسلامهم وبعقيدتهم، ولكن لا يخاطرون بأنفسهم، ويغامرون في مجابهة الكفار، لأن ذلك يعود عليهم بالإبادة والقضاء على الدعوة، أما إذا كانت لهم قوة يستطيعون بها الجهاد؛ فإنهم يجاهدون في سبيل الله على الضوابط الشرعية المعروفة )).([6]) .اهـ.
فإن سلمتم -كما يقول كل منصف- بأنكم ضعفاء غير مستطيعين؛ فلماذا تخرجون على الحكام الذين تكفرونهم - سواء أصبتم في تكفيرهم، أم أخطأتم - وأنتم غير قادرين ؟! وإن كابرتم، وقلتم: لسنا مستضعفين؛ فلماذا نسمع أن كثيرًا منكم - إذا كنتم أهل شوكة ومنعة - في بطون السجون، وتسيرون مُسْتَخْفين، ومنكم من يحلق لحيته، ويلبس لباسًا آخر، ولا تُصلُّون في المساجد، ولا يصل إليكم من أرادكم إلا بشق الأنفس ؟ أهذا حال قادر ممكَّن؟!.
وإن سلمتُ - جدلًا- بأن عندكم قوة وشوكة؛ فهل الخروج على الحكام - وهم لهم قوة وشوكة أعظم من قوتكم،كما هو ظاهر -مشروع مطلقًا دون النظر في المصالح والمفاسد ؟ أي: فهل الخروج عليهم مشروع، وإن جلب مفاسد أكثر ؟ وإن أدى إلى ضعف قوة الدعوة والدعاة - كما هو حاصل الآن - ؟
أم أن الشريعة تقضي بأن المفسدة إذا كانت أكبر؛ فيُترك الخروج، وكذا إذا كانت مماثلة، فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح- حينئذٍ - ؟
وهل تسلّمون بقاعدة مراعاة المصالح والمفاسد، أم لا تقيمون لها وزنًا ؟! فإن سلّمتم بها؛ فهل تطبيقكم هذا لها - مع المفاسد السابقة - صحيح ؟ وإن لم تقيموا لها وزنًا، فأين أنتم من الأدلة الدالة عليها ؟ وأين أنتم من سلف الأمة الذين أطبقوا على مراعاة ذلك ؟
( إشكال وجوابه ): فإن قيل: إن النصوص الدالة على العفو والإعراض عن الكفار والمشركين في حالة الضعف نُسخت بآية السيف، فلا بد من قتالهم!! وأن العهد المكي قد نُسخ بالعهد المدني، فلا بد من العمل بنصوص القتال للكفار!!
فالجواب: أن ذلك إنما يكون عند القوة والتمكين للمسلمين، كما أنه يكون عند الأمن من وقوع مفاسد أكثر، وسيأتي- إن شاء الله تعالى -تصريح شيخ الإسلام بذلك، أما في حالة ضعف المسلمين - كما هو حاصل - فإنهم يعملون بأدلة الصبر والإعراض، وذلك من وجهين:
1- أن الله - عز وجل - لم يكلف إلا المستطيع، وقد سبقت أدلة ذلك قريبًا، والمسلمون - بحالهم هذا - غير قادرين على مواجهة غيرهم.
2- أن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - قرّر ذلك ([7]) فذكر - رحمه الله تعالى - أن المسلم إذا كان في حال ضعف؛ فيأخذ بنصوص العفو والصفح والصبر، وإذا كان في حال قوة؛ فيأخذ بالنصوص الدالة على قتال الكفار، وقد ذكر شيخ الإسلام هذا وغيره في سياق الرد على من استدل بقول الله تعالى: )لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ( ([8]) فاستدل المعترض بذلك ونحوه على ترك قتل أهل الذمة، وإن طعنوا في كتاب الله، ودينه، ورسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-!!
فرد عليه شيخ الإسلام بردود كثيرة، ومنها قوله: ((إن الأمر بالصبر على أذاهم، وبتقوى الله؛ لا يمنع قتالهم عند المكنة، وإقامة حد الله عليهم عند القدرة...)) وذكر أن هذه الآية وما شابهها منسوخة من بعض الوجوه، ونقل أن الناسخ قوله تعالى: )وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ( ([9]) وقوله تعالى: )قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (([10])... إلى أن قال: ((... وصارت تلك الآية في حق كل مؤمن مستضعف لا يمكنه نصر الله ورسوله بيده ولا لسانه، فينتصر بما يقدر عليه من القلب ونحوه، وصارت آية الصَّغار على المعاهَدين في حق كل مؤمن قوي يَقْدِر على نصر الله ورسوله بيده أو لسانه، وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عُمُر رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعلى عهد خلفائه الراشدين، وكذلك هو إلى قيام الساعة، لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق ينصرون الله ورسوله النصر التام، فمَنْ كان من المؤمنين بأرضٍ هو فيها مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف؛ فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة: فإنما يعامِلون بآية قتال أئمة الكفر، الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب،حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون... )).اهـ.
فظهر من كلام شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - مراعاة القوة والضعف، وأن المسألة ليست مسألة العهد المكي أو المدني، إنما المسألة مسألة قوة وضعف، ومصلحة ومفسدة، فقد يكون في زمن القوة للمسلمين بعامة من هو يخفي إيمانه في بلده،كما قال تعالى: )وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ( ([11]) هذا حال بعض المؤمنين في مكة، مع وجود قوة للمؤمنين الآخرين في المدينة.
فمن كان قويًا؛ عمل بنصوص خُوطِب بها أهل القوة، ومن كان ضعيفًا؛ عمل بنصوص خُوطِب بها أهل الضعف، هذا في حق فرد أو طائفة دون النظر إلى الحال العام للمسلمين، فمسألة العهدين المكي والمدني ليست مرحلتين زمانيتين انتهت إحداهما بجميع أحكامها - في هذا الباب - وبقيت الأخرى بجميع أحكامها، فالحق: أن الدين قد اكتمل، والواجب الإيمان بكل مالم يُنسخ، سواء نزل في مكة أو المدينة، وإنما المسألة منوطة بالقوة والضعف في حق كل أحد، فقد يجب عليك ما لا يجب عليّ، فالغني يجب عليه من الزكاة والحج بخلاف الفقير، وكذا القتال يجب على القوي إذا لم يأت بمفسدة أكبر، ولا يجب على من ليس كذلك، بل الرجل الواحد قد يجب عليه الحكم في وقت دون آخر.
وقد قال صاحب الفضيلة الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى - ([12]) أثناء كلامه عن الجهاد: ((لا بد فيه من شرط، وهو: أن يكون عند المسلمين قدرة وقوة يستطيعون بها القتال، فإن لم يكن لديهم قدرة؛ فإن إقحام أنفسهم في القتال إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة، ولهذا لم يوجب الله سبحانه وتعالى القتال على المسلمين وهم في مكة، لأنهم عاجزون ضعفاء، فلما هاجروا إلى المدينة، وكوَّنوا الدولة الإسلامية، وصار لهم شوكة؛ أُمروا بالقتال، وعلى هذا فلا بد من هذا الشرط، وإلا سقط عنهم كسائر الواجبات، لأن جميع الواجبات يُشْترط فيها القدرة لقوله تعالى: )فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ( ([13]) وقوله:)لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ( ([14]) )).اهـ.
فتأمل تفصيل العلماء الموافق للآيات القرآنية ولحديثه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((إذا أمرتكم بأمر؛فأتوا منه ما استطعتم... ((فأين هذا ممن لا يرفع بذلك رأسًا، متمسكًا بظاهرآية أو حديث، أو مُصِرًّا على رأيه، أو فراسته وظنه، أو ما تمليه عليه عاطفته، أو قيادته، معرضا عن بقية الأدلة، وعن فهم سلف الأمة ؟!
( إشكال آخر وجوابه ): فإن قيل: إذا كنتم تقولون: هذه بلاد مسلمة ؟! أو هذا مجتمع مسلم، فمن كان له دولة؛ فهو قادر على تنفيذ كلام الله ورسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فلا يجوز ترك شيء من ذلك، وهؤلاء الحكام تركوا الكثير من ذلك، فتعين أَطرْهم على الحق أَطْرًا!!
فالجواب: أنه لا يلزم من كون المجتمع أو الحاكم مسلمًا؛ أن يكون قادرًا على تنفيذ الشريعة كلها في سلطانه - فضلًا عن إقامته في بقية الدول - فالنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كانت له دولة في المدينة، ومع ذلك لم يستطع أن يغير الأصنام التي حول الكعبة إلا في الفتح، وقد اعتمر قبل الفتح، ولم يُزِلْ ذَلكَ،كل هذا مراعاة منه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للمصالح والمفاسد.
وأيضًا: فالنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو في المدينة - كان يتعامل بالصفح عمن ألْحَقَ به أذى، حتى قويت الشوكة، وظهرت الهيبة، فلا يلزم من وجودِ دولة؛ وجودُ القوة بكاملها، أو وجودُ القدرة التامة على تغيير كل منكر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -([15]) جوابًا على من استدل بصبر رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على تحية اليهود المنكرة لرسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومعلوم أن هذا كان في المدينة، وفي زمن وجود الدولة المسلمة، فقال- رحمه الله تعالى - رادًّا عليه: ((قلنا: عن هذا أجوبة:
أحدها: أن هذا كان في حال ضعف الإسلام، ألا ترى أنه قال لعائشة: ((مهلا يا عائشة، فإن الله يحب الرفق في الأمر كله)) وهذا الجواب كما ذكرناه في الأذى الذي أمر الله بالصبر عليه، إلى أن أتى الله بأمره )).
قال: ((ذَكَرَ هذا الجواب طوائف من المالكية، والشافعية، والحنبلية، منهم: القاضي أبو يعلى، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو الوفاء بن عقيل وغيرهم...))إلى أن قال: ((نعم، قدْ قدّمنا أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وسلم كان يسمع من الكفار والمنافقين في أول الإسلام أذى كثيرًا، وكان يصبر عليه امتثالًا لقوله تعالى: )وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ (([16]) لأن إقامة الحدود عليهم كان يفضي إلى فتنة عظيمة، ومفسدة أعظم من مفسدة الصبر على كلماتهم )).
قال: ((فلما فتح الله مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وأنزل الله ((براءة)) قال فيها: )جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ (([17]) وقال تعالى: )لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ... (([18]) إلى قوله تعالى: )أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ( ([19])... )).
إلى أن قال - رحمه الله تعالى -: ((فهذا يفيد أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يحتمل من الكفار والمنافقين قبل ((براءة)) ما لم يكن يحتمل منهم بعد ذلك، كما قد كان يحتمل من أذى الكفار - وهو بمكة- ما لم يكن يحتمل بدار الهجرة والنصرة )).اهـ.
فهذا يدل على أن الحاكم قد يكون له دولة ومَنَعَةٌ، لكن مع ذلك يمرّ بمراحل لا يستطيع أن يواجه أعداءه بالسيف ونحوه، بل قد يحتاج إلى تأليف بعض رعيته، خشية إثارة مفسدة أعظم، فيترك إقامة بعض الحدود عليهم، ونحو ذلك، فتأمل فقْه السلف، وبركة علومهم، نفعنا الله بذلك.
ومع هذا، فإنني لا أستدل بما سبق على أن الكثير من الحكام اليوم غير مفرِّط في كثير مما أوجبه الله عليه!! فإن ذلك ظاهر لكل ذي عينين، بين مقل ومستكثر، وأسأل الله لنا ولهم الهداية والصلاح، فإن في صلاحهم صلاحًا للبلاد والعباد، إنما أردُّ بذلك على من يستدل بهذا على كُفْر مَنْ كانت له دولة، ولا يُعلن الجهاد - كذا أطلق،ولم يفصِّل!! - والله أعلم.
الثالث: إذا تقرر أن الخروج على الحاكم وقتاله مُقَيَّدٌ بوجود الكفر البواح، والقدرة على عزل الحاكم دون شر أكبر؛ فهناك عدة وقائع في التاريخ تدل على مراعاة ذلك أيضًا، فمن ذلك:
1 ــ أن الحجاج بن يوسف الثقفي، قد اشتهر أمره في الظلم والفساد، حتى كفّره بعض السلف، كإبراهيم النخعي، وطاووس، وسعيد بن جبير، وخرج عليه بعض من كفّره، أو فسّقه، ولم يخرج عليه آخرون، ولم يرجع من خرج عليه إلا بشر أعظم.
وقد أنكر من أنكر من السلف الخروج على الحجاج سواء كان ممن كفّره أم لا، ولم يبلغنا أنهم عللوا ذلك الإنكار بعدم كفره، لأن من كفَّره مجتهد متأول، ولا يلزم النكير عليه في مسألة اجتهادية - إذا كان أهلًا لذلك، ولم يقع بسبب فتياه مفسدة عظيمة، لا يستطيع العقلاء دفعها - إنما أنكروا عليهم بسبب المفاسد المترتبة على ذلك، وهذا قولنا إن سلَّمنا لكم بكفر من خرجتم عليه!!
2 ــ أن الإمام أحمد قد عاصر من قال بالتعطيل، واتفق العلماء على كفر الجهمية المعطلة الذين يقولون بخلق القرآن - كما مرّ بنا - ومع ذلك فقد أنكر الإمام أحمد على من أراد الخروج على الواثق، وعلّل ذلك بالدماء والفتنة، مع أنه لا خلاف في أن الذي يدعو إليه الأمراء - آنذاك- كُفْر، وإن لم يكفِّرهم العلماء بأعيانهم، ولم يردَّ أحمد على من أراد الخروج آنذاك بقوله لهم: ما دليلكم على التكفير ؟ إنما قال: لا يجوز لكم الخروج، أي سواء كفَّرتم أم لا، فإنزال الحكم العام على المعيَّن؛ من مسائل الاجتهاد التي قد تختلف فيها وجهة نظر العلماء المجتهدين.
3 ــ في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - كان هناك كثير من الحكام يقولون بقول الروافض الباطنية، أو بقول غلاة الصوفية الحلولية، أو بقول متكلمة الصوفية الجهمية المعطلة، ومع ذلك لم يعلن الجهاد على أمراء البلاد المسلمة، إنما كان ينصح ويأمر وينهى بالحكمة، ويرد على شبهات علماء هذه الفرق، ولم يرفع لواءً لحرب حكام زمانه - على ما فيهم بل لا أعلم أنه صرح بكفر هؤلاء الأمراء بأعيانهم، لأنه يعلم ما وراء ذلك من الفتن!!
وكذا كثير من دول الإسلام عبر التاريخ فيها أنواع من الكفر الأكبر، وإن لم تكن بصورة الاستهزاء بشريعة الله؛ فهي بالقول بالحلول والاتحاد، وهذا أشد من كفر اليهود والنصارى، أو بالقول بالتعطيل، أو عبادة القبور، ومع ذلك لم يُنْقَل عن علماء السنة أنهم صرخوا في الناس جميعًا بخلع أيديهم من طاعة هؤلاء الأمراء؛ لوقوع اشتباه على كثير من الأمراء في فهم هذه الأمور، وللمفاسد المترتبة على الخروج!!
فإن سلمتم بذلك؛ ففيه رد عليكم في إطلاق تكفير حكام المسلمين اليوم بدون تفصيل، والحكم على بلادهم بأنها بلاد كفر، كما فيه رد عليكم في أمر الخروج والتفجير!!
4 ــ في زمن الدولة العثمانية، حصلت أمور منكرة، من عبادة القبور، وجَلْب كثير من قوانين أوربا، وعُمل بأحكام مستوردة في ميادين كثيرة، وانظر ماذكر مؤلف ((مشكلة الغلو في الدين))([20])، ومع ذلك فالمخالفون هنا مُسَلِّمون بأنها خلافة إسلامية، ولا يجوز الخروج عليها، وعلماء المسلمين الراسخون لم يفتوا بالخروج عليهم - فيما أعلم- إنما رأوا التعاون معهم في المعروف، وإصلاح ما يقدرون على إصلاحه من الخطأ، وهذا دأب العلماء المصلحين سلفًا وخلفًا.
وقد رد محدِّث العصر الشيخ الألباني - رحمه الله تعالى - على من أطلق تكفير حكام المسلمين، ثم قال: ((ثم كنت - ولا أزل - أقول لهؤلاء الذين يدندنون حول تكفير حكام المسلمين: هَبُوا أن هؤلاء كفار كفر ردة، وأنهم لو كان هناك حاكم أعلى عليهم، واكتشف منهم أن كفرهم كفر ردة؛ لوجب على ذلك الحاكم أن يطبق فيهم الحد، فالآن ما تستفيدون أنتم من الناحية العملية إذا سلمنا - جدلًا - أن كل هؤلاء الحكام كفار كفر ردة ؟ ماذا يمكن أن تعملوه ؟ هؤلاء الكفار احتلوا من بلاد الإسلام، ونحن هنا - مع الأسف - ابتلينا باحتلال اليهود لفلسطين، فماذا نستطيع نحن وأنتم أن نعمل مع هؤلاء، حتى تستطيعوا أنتم مع الحكام الذين تظنون أنهم من الكفار ؟
هلا تركتم هذه الناحية جانبًا، وبدأتم بتأسيس القاعدة التي على أساسها تقوم قائمة الحكومة المسلمة، وذلك باتباع سنة رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- التي ربى أصحابه عليها، ونشّأهم على نظامها وأساسها، وذلك ما نُعَبّر عنه في كثير من مثل هذه المناسبة، بأنه لا بد لكل جماعة مسلمة تعمل بحق لإعادة حكم الإسلام - ليس فقط على أرض الإسلام - بل بحقٍّ ( على ) الأرض كلها، تحقيقًا لقوله تبارك وتعالى: )هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( ([21]).
وقد جاء في بعض الأحاديث الصحيحة أن هذه الآية ستُحَقّق فيما بعد؛ فلكي يتمكن المسلمون من تحقيق هذا النص القرآني، هل يكون الطريق بإعلان ثورة على هؤلاء الحكام الذين يظنون كفرهم كفر ردة ؟!
ثم مع ظنهم هذا - وهو ظن خاطئ - لا يستطيعون أن يعملوا شيئًا، ماهو المنهج ؟ ماهو الطريق ؟ لا شك أن الطريق: هو ما كان رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يدندن حوله، ويُذَكِّر أصحابه به في كل خطبة: ((وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-)).
فعلى المسلمين كافة - وبخاصة منهم من يهتم بإعادة الحكم الإسلامي - أن يبدأ من حيث بدأ رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو ما نُكَنّي نحن عنه بكلمتين خفيفتين: (التصفية والتربية) ذلك لأننا - نحن - نعلم حقيقة يغفل عنها أو يتغافل عنها- في الأصح أولئك ( الغلاة ) الذين ليس لهم إلا إعلان تكفير الحكام، ثم لا شيء، وسيظلون يعلنون كفر الحكام، ثم لا يصدر منهم إلا ( الفتن ) والواقع في هذه السنوات الأخيرة التي تعلمونها: بدءًا من فتنة الحرم المكي، إلى فتنة مصر، وقتل السادات، وذهاب دماء كثير من المسلمين الأبرياء، ثم أخيرًا في سوريا، ثم الآن في مصر، والجزائر - مع الأسف - كل هذا بسبب أنهم خالفوا كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة، وأهمها)لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ( ([22]).
إذا أردنا أن نقيم حكم الله في الأرض، هل نبدأ بقتال الحكام - ونحن لا نستطيع أن نقاتلهم - ؟ أم نبدأ بما بدأ به الرسول - عليه الصلاة والسلام - ؟ لا شك أن الجواب: )لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ( (2) بماذا بدأ رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ؟ تعلمون أنه بدأ بالدعوة بين الأفراد الذين كان يظن فيهم الاستعداد لتقَبُّل الحق، ثم استجاب له من استجاب، كما هو معروف في السيرة النبوية، ثم التعذيب والشِّدَّة التي أصابت المسلمين في مكة، ثم الأمر بالهجرة الأولى والثانية إلى آخر ما هناك، حتى وطَّد الله - عز وجل - الإسلام في المدينة المنورة، وبدأت هناك المناوشات، وبدأ القتال بين المسلمين والكفار من جهة، ثم اليهود من جهة أخرى، إذًا لا بد أن نبدأ نحن بتعليم الناس الإسلام، كما بدأ الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لكن نحن الآن لا نقتصر على التعليم، لأنه دخل الإسلام ما ليس منه، وما لا يمِتُّ إليه بصلة، بل دخل عليه ما كان سببًا في تَهَدُّمِ الصرح الإسلامي، فلذلك كان من الواجب على الدعاة: أن يـبدؤوا بتصفية هذا الإسلام مما دخل فيه، والشيء الثاني: أن يقترن مع هذه التصفية تربية الشباب المسلم الناشئ على هذا الإسلام المصفى، ونحن إذا درسنا الجماعات الإسلامية القائمة الآن، منذ نحو قرابة قرن من الزمان؛ لوجدنا كثيرًا منهم لم يستفيدوا شيئًا، رغم صياحهم، ورغم ضجيجهم بأنهم يريدونها حكومة إسلامية، وسفكوا دماء أبرياء كثيرين بهذه الحجة، دون أن يستفيدوا من ذلك شيئًا، فلا نزال نسمع منهم العقائد المخالفة للكتاب والسنة، والأعمال المنافية للكتاب والسنة.
وبهذه المناسبة نقول: هنالك كلمة لأحد الدعاة، كنت أتمنى من أتباعه أن يلتزموا بها، ويحققوها، وهي: ( أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم؛ تقم لكم على أرضكم ) لأن المسلم إذا صحح عقيدته بناءً على الكتاب والسنة؛ فلا شك أنه من وراء ذلك ستصلح عبادته، وستصلح أخلاقه وسلوكه...إلخ، لكن هذه الكلمة الطيبة - مع الأسف - لم يعمل بها هؤلاء الناس، فظلوا يصيحون بإقامة الدولة المسلمة دون جدْوَى، وصدق فيهم قول ذلك الشاعر:


ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس


لعل في هذا الذي ذكرته كفاية، جوابًا على هذا السؤال ([23]).اهـ.
وقد أقره سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله تعالى - ([24]) بقوله:
((الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه؛ أما بعد:
فقد اطلعت على الجواب المفيد القيم، الذي تفضل به صاحب الفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله تعالى - المنشور في ((صحيفة المسلمون)) الذي أجاب به فضيلته من سأله عن ( تكفير من حكم بغير ما أنزل الله من غير تفصيل ) فألفيتها كلمة قيمة أصاب فيها الحق، وسلك فيها سبيل المؤمنين، وأوضح - رحمه الله تعالى - أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يُكَفّر من حكم بغير ما أنزل الله بمجرد الفعل، من دون أن يعلم أنه استحل ذلك بقلبه، واحتج بما جاء في ذلك عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وعن غيره من سلف الأمة... )).اهـ.
فتأمل فهم العلماء من السلف والخلف، وتحذيرهم من الدخول في الفتن، واشتغالهم بما ينفع، وبما هو مستطاع، وصدق من قال:


إذا لم تستطـع شيـئًا فدعْـه وجـاوزه إلى مـا تستطيـعُ


الرابع: أن هذا كله يوضح لنا أن حديث رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((إلا أن تروا كفرًا بواحًا، لكم فيه من الله برهان ((ليس معناه: أنك إذا رأيت كفرًا من الحاكم، أو في دولته، ولم يغيره؛ فاخرج عليه، وإن جرى من الفساد ما جرى!! إنما في الأمر تفصيل، راجع إلى كون الحاكم كافرًا بعينه، أم لا ؟ فإنه لا يلزم من قول الكفر أو فِعْله؛ أن يكون القائل أو الفاعل كافرًا بعينه، إلا بعد استيفاء الشروط، وانتفاء الموانع، وهذا أمر يُراعى في حق آحاد المسلمين، فكيف برؤسائهم وأهل الشوكة فيهم ؟!
وأيضًا: ففي الأمر تفصيل ثانٍ - بعد الحكم بالكفر على الحاكم بعينه - راجع إلى القدرة أوالشوكة وعدمها أو ضعفها.
وأيضًا: ففي الأمر تفصيل ثالث - بعد وجود أصل القدرة والشوكة - راجع إلى كونها قدرة كافية، تجلب المصالح، وتدرأ المفاسد أم لا!! وكل هذا مستمد من الأدلة والقواعد الأخرى، لأننا لا نأخذ ديننا كله من نص واحد، ونترك النصوص الأخرى التي في الباب، كما هو دأب أهل الأهواء من قديم الزمان!!
وللأسف، فكثير من هذه التفاصيل لم تلق اهتمامًا عند المخالفين، فجرى بسبب هذا الإعراض ما يندى له الجبين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(تنبيه): ثم إن كثيرًا ممن يرون هذا الفكر يعيشون في البلاد الكافرة في الشرق والغرب، فهل هؤلاء المخالفون لم يروا هناك كفرًا بواحًا عندما نراهم ساكتين هناك وهنالك - وإن كانوا يُشْكَرون على ترك الفتن - ؟ أم أنهم لا يرون كفرًا بواحًا إلا في البلاد الإسلامية ؟! وجوابهم على ذلك؛ هو جوابنا عليهم من باب أولى، فالله المستعان، وإليه المشتكى، وعليه التكلان.



~~~





([1])[ التغابن: 16 ].

([2]) [ البقرة: 286 ].

([3]) [ الطلاق: 7 ].

([4]) [ الحج: 78 ].

([5])كما في: ((مراجعات في فقه الواقع السياسي والفكري على ضوء الكتاب والسنة)) ( ص 25 – 26 )

([6])من ((فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة)) (ص 76-77).


([7]) في ((الصارم المسلول على شاتم الرسول)) (2/402-418) ط/رمادي للنشر – الأولى.

([8]) [ آل عمران: 186 ].

([9]) [ النساء: 89 ].

([10]) [ التوبة: 29 ].

([11]) [ الفتح: 25 ].

([12])في ((الشرح الممتع)) ( 8 / 9 – 10 ).

([13]) [ التغابن: 16 ].

([14]) [ البقرة: 286 ].

([15]) ((الصارم المسلول)) (2/416-418).

([16]) [ الأحزاب: 48 ].

([17]) [ التحريم: 9 ].

([18]) [ الأحزاب: 60 ].

([19]) [ الأحزاب: 61 ].

([20]) ( 2/436- 437).

([21]) [ الصف: 9 ].

([22])، (2) [ الأحزاب: 21 ].

([23]) وانظر ((المجلة السلفية)) (1/1415هـ ) نقلًا من ((فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة)) (ص 157-160).

([24]) (ص161) من المصدر نفسه.


تليها العاشرة0000000 نواصل حتى الأربعين

ولد برق 18-05-2008 08:19 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
الشبهة العاشرة



فإن قال قائل: لو سلمنا لكم بأن الحكام ليسوا بكفار؛ فنحن نرى الخروج على الحكام؛ لأن هذا أمر قد اختلف فيه السلف، وطالما أن المسألة خلافية؛ فلا يجوز لكم أن تلزمونا برأيكم، وهو عدم الخروج على هؤلاء الولاة!!
والجواب: أن الخلاف بين السلف كان قبل أن تظهر مفاسد هذا الأمر بجلاء، وكان للحق أعوان وأنصاركُثُر- في نظر من خرج- ولمالم يأت الخروج بخير؛ اتفقت كلمة السلف على ترك الخروج على الأئمة - وإن جاروا -.
وقد نص غير واحد على هذا الاتفاق، فمن ذلك:
1 ـــ ما أخرجه اللالكائي في ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة ))([1]) بسنده إلى البخاري في ذكر ما يعتقده البخاري - رحمه الله تعالى - قال: ((لقيتُ أكثر من ألف رجل من أهل العلم: أهل الحجاز، ومكة، والمدينة، والكوفة، والبصرة، وواسط، وبغداد، والشام، ومصر، لقيتهم كرّاتٍ، قرنًا بعد قرن، ثم قرنًا بعد قرن ([2])، أدركتهم وهم متوافرون، منذ أكثر من ستة وأربعين سنة: أهل الشام، ومصر، والجزيرة مرتين، والبصرة أربع مرات، في سنين ذوي عدد، بالحجاز ستة أعوام، ولا أُحْصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدثي أهل خراسان، منهم:...))فذكر بعض أسمائهم، ثم ذكر بعض مسائل الاعتقاد، ومنها قوله: ))... وألا ننازع الأمر أهله... وألا يرى السيف على أمة محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقال الفضيل: لو كان لي دعوة مستجابة؛ لم أجعلها إلا في إمام؛ لأنه إذا صلح الإمام؛ أَمَّنَ البلاد والعباد، قال ابن المبارك: يا معلم الخير، من يجترئ على هذا غيرك )).اهـ.
2 ـــ وذكر اللالكائي - أيضًا- ([3]) سنده إلى ابن أبي حاتم الرازي في بيان معتقد أبيه وأبي زرعة، فقال: ((سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك ؟
فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار: حجازًا، وعراقًا، وشامًا، ويمنًا، فكان من مذهبهم... )) فذكر أمورًا كثيرة منها: ((ولا نرى الخروج على الأئمة، ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله - عز وجل - أمرنا، ولا ننـزع يدًا من طاعته، ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة )).اهـ.
3 ـــ وقال النووي - رحمه الله تعالى -: ((وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرام باجماع المسلمين - وإن كانوا فسقة ظالمين وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرتُهُ... )).اهـ.
ثم قال: ((قال القاضي: وقد ادعى أبو بكر بن مجاهد في هذا الاجماعَ، وقد رَدَّ عليه بعضهم هذا بقيام الحسين وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية، وبقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث... ثم قال: قال القاضي: وقيل: إن هذا الخلاف كان أولًا، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم )).([4]).اهـ.
4 ـــ قلّما تجد إمامًا مُصَنِّفًا في بيان معتقد أهل السنة؛ إلا ويذكر عدم الخروج على الولاة - وإن جاروا - والسمع والطاعة في المعروف، وجعلوا هذا من أصولهم، وأن من خالفهم في ذلك؛ فهو من أهل الأهواء والبدع، ومن المارقين عن الجماعة.
قال الأشعري في ((رسالة أهل الثغر))([5]): ((وأجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وعلى كل مَنْ وَليَ شيئًا من أمورهم عن رضًى أو غلبة، وامتدت طاعته - من برٍّ وفاجر- لا يلزم الخروج بالسيف جار أو عدل... )).اهـ.
وقال الإسماعيلي في ((اعتقاد أهل السنة)) ([6]): ((ويروْن الدعاء لهم بالإصلاح، والعطف إلى العدل، ولا يرون الخروج بالسيف عليهم )).اهـ.
5 ـــ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - ([7]): ((... كان من العلم والعدل المأمور به: الصبر على ظلم الأئمة وجورهم، كما هو من أصول أهل السنة والجماعة)).اهـ.
وذكر ([8]) كلامًا طويلًا، منه قوله - رحمه الله تعالى -: ((... ولهذا استقر أمر أهل السنة على تَرْك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وصاروا يَذْكُرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جَوْر الأئمة، وترْك قتالهم، وإن كان قد قاتل في الفتنة خَلْقٌ كثير من أهل العلم والدين... ((إلى أن قال: ))... ولم يُثْنِ - أي: النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على أحد لابقتال في فتنة، ولا بخروج على الأئمة، ولانَزْع يدٍ من طاعة، ولا مفارقة للجماعة )).اهـ.

وقال شيخ الإسلام ([9]) بعد أن بين أن مفسدة الخروج على الولاة تربو على مصلحته: ((ولهذا كان مذهب أهل الحديث: ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة، والصبر على ظلمهم، إلى أن يستريح برٌّ، أو يُستراح من فاجر )).اهـ.

وقال - أيضًا -: ((ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة: لزوم الجماعة، وترك قتال الأئمة، وترك القتال في الفتنة، وأما أهل الأهواء-كالمعتزلة- فيرون القتال للأئمة من أصول دينهم...)). ([10]) .اهـ.
وقال - رحمه الله تعالى -: ((وأما أهل العلم والدين والفضل؛ فلا يُرَخِّصون لأحد فيما نهى الله عنه: من معصية ولاة الأمور، وغشهم، والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما قد عُرِف من عادات أهل السنة والدين قديمًا وحديثًا، ومن سيرة غيرهم )).([11]) .اهـ.

وقال - رحمه الله تعالى -: ((ولا يُزال المنكر بما هو أنكر منه، بحيث يُخْرَج عليهم بالسلاح، وتقام الفتنة، كما هو معروف من أصول أهل السنة والجماعة، كما دلت عليه النصوص النبوية، لما في ذلك من الفساد الذي ( يربو ) على فساد ما يكون من ظلمهم... )).([12]) .اهـ.
وقال - رحمه الله تعالى -: ((ومن أصول هذا الموضع: أن مجرد وجود البغي من إمام أو طائفة؛ لا يوجب قتالهم، بل لا يبيحه، بل من الأصول التي دلت عليها النصوص: أن الإمام الجائر الظالم يُؤْمر الناس بالصبر على جوره، وظلمه، وبغيه، ولا يقاتلونه... ))([13]) .اهـ. كلامه - رحمه الله تعالى -.

6 ـــ وقال الإمام ابن القيم في ((حادي الأرواح))([14]):
((هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الآثار، وأهل السنة المتمسِّكين بها، المقْتَدَى بهم فيها من لدن أصحاب النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم - إلى يومنا هذا، وأدركتُ من أدركتُ من علماء أهل الحجاز، والشام، وغيرهم عليها، فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها؛ فهو مخالف، مبتدع، خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق.

وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم، وعبد الله بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسْنا، وأخذنا عنهم العلم، وكان من قولهم ...)) فذكر أمورًا، وفيها: ((... والانقياد لمن ولاّه الله - عز وجل - أمْركم، ولا تنـزع يدًا من طاعة، ولا تخرج عليه بسيف، حتى يجعل الله لك فرجًا ومخرجًا، ولا تخرج على السلطان، وتسمع وتطيع، ولاتنكث بيعته، فمن فعل ذلك؛ فهو مبتدع، مخالف، ومفارق للجماعة...)). .اهـ.
وقال- رحمه الله تعالى -:
((فصْل فيما اجتمعت عليه الأمة من أمور الديانة، من السنن التى خلافها بدعة وضلالة...)) فذكر أمورًا، ومنها:
(( والسمع والطاعة لأئمة المسلمين، وكُلُّ من وَلىَ أمر المسلمين عن رضًى أو عن غلبة، واشتدت وطْأته من بَرٍّ أو فاجر؛ فلا يُخرج عليه: جار، أو عدل... )).
إلى أن قال: ((وكل ما قَدمنا ذكره: فهو قول أهل السنة، وأئمة الدين، والفقه، والحديث على ما بيَّنَّاه )).([15]) .اهـ.
7 ـــ ذكر الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب))([16]) في ترجمة الحسن بن صالح بن حي، أن منهم من قال فيه: كان يرى السيف، فقال الحافظ: ((وقولهم:كان يرى السيف، يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك؛ لما رأَوْه قد أفضى إلى أشد منه، ففي وقعة الحَرَّة، ووقعة ابن الأشعث، وغيرهما؛ عِظةٌ لمن تدبّر )).اهـ.
8 ـــ وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ - رحمه الله تعالى -:
)) ولم يَدْرِ هؤلاء المفتونون: أن أكثر ولاة أهل الإسلام، من عهد يزيد بن معاوية - حاشا عمر بن عبد العزيز ومن شاء الله من بني أمية- قد وقع منهم من الجراءة، والحوادث العظام، والخروج، والفساد في ولاية أهل الإسلام، ومع ذلك فسيرة الأئمة الأعلام، والسادة العظام معهم معروفة مشهورة: لا ينـزعون يدًا من طاعة فيما أمر الله به ورسوله من شرائع الإسلام، وواجبات الدين... )).([17]) .اهـ.
ومعلوم أن هذا الحكم في السمع والطاعة ليس خاصًّا بالأمراء العادلين، بل هو شامل للجائرين أيضًا، وذلك لأمور:
أ ـــ أن هذا مقتضى الأدلة الواردة في الباب.
ب ـــ أن الأئمة الذين صرَّحوا بذلك لم يكونوا معاصرين لأمراء العدل والاستقامة، بل عاصروا الجَورة من الحكام، وما كانوا ليذكروا ما ذكروا على زمان قد مضى، ويبقى كلامهم بعيدًا عن الواقع، والناس في أمسِّ الحاجة إلى معرفة الحكم الشرعي في زمانهم الحاضر!!
ج ـــ أن من هؤلاء الأئمة من صرَّح بأن هذا الحكم شامل لأهل العدل والجوَرة من الحكام، ومنهم من أوصى بالصبر حتى يجعل الله للناس فرجًا ومخرجًا، ولا يكون ذلك في زمن الأئمة العادلين الصالحين، كما لا يخفى، والله أعلم.
والنصوص عن الأئمة في ذلك كثيرة مشتهرة، وقد سبق كلام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وفي كلاميهما ما يدل على أنه لا تكاد تُعْرف طائفة خرجت على إمام ظالم؛ إلا وجاءت بشَرٍّ مما أرادت إزالته، وأن ذلك سَبَبُ الفتن الكبار والصغار التي دخلت على الإسلام إلى آخر الدهر، فارجع إلى كلاميهما وكلام غيرهما في موضعه من هذا الكتاب.
فمن احتج بالخلاف القديم - بعد هذا وغيره - فهو محجوج بالإجماع اللاحق، ولا يخالف الإجماع هذا؛ إلا من ضل السبيل، كما صرح بذلك السلف، لاسيما وما سيترتب على هذه المخالفة من إهلاك الحرث والنسل، وانفلات الزمام، وتصدُّر الجهلة، وترؤس السفلة، وانفراط النظْم، والله المستعان.

(تنبيه ): قد يقول قائل: الإجماع اللاحق لا يرفع الخلاف السابق، لأن الأقوال لا تموت بموت أهلها!!
والجواب: نعم، لا تموت الأقوال بموت أصحابها، ولا زلنا نقول: كان ابن الأشعث يرى الخروج على الحجاج... وهكذا، لكن لا يلزم من ذلك بقاء كون المسألة خلافية اجتهادية بين أهل العلم إلى هذا الزمان، بعد ما أجمع العلماء على صحة أحد القولين، وفساد القول الآخر، وأنها أصبحت من مسائل الإجماع والأصول، لا من مسائل النـزاع السائغ بين الأئمة الفحول، فالأمة لا تجتمع على ضلالة،وفيها طائفة ظاهرة على الحق، فكيف تتفق الأمة على فساد قول - وفيهم تلك الطائفة - ثم يأتي من يقول: إذا كانت الأقوال لا تموت بموت أهلها، إذًا فليس ما اتفقت الأمة على فساده فاسدًا ؟! فهل هذا الكلام الذي يصادم ما عليه مجتهدو أهل السنة والجماعة طبقة بعد طبقة، له سمع أو قبول ؟! )نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( ([18]).
فإن قيل: لقد ذكر ابن الوزير - رحمه الله تعالى - في ((العواصم والقواصم ))([19]) أن الفقهاء لا يروْن الخارج على إمام الجور باغيًا، ولا آثمًا، وأن الكلام في ذلك عندهم من المسائل الظنِّية، وأن من خرج على الجائر مستحلًا لذلك فهو غير آثم!!
فالجواب على ذلك من وجوه- إن شاء الله تعالى - :
أ ـــأن ما ادعاه ابن الوزير- رحمه الله تعالى - مصادم لما سبق من نقلٍ عن الأئمة، ولما طفحتْ به كتب المصنفين في عقيدة أهل السنة، وكلام هؤلاء مقدم على من سماهم ابن الوزير - إن سلمنا بأن كلام جميعهم يدل على ما ذهب إليه -!!
ب ـــ لقد نقل ابن الوزير عن بعض العلماء كلامًا عامًّا، مع أنه قد جاء عن بعض هؤلاء الأئمة بأعيانهم كلام خاص في موضع النـزاع، والقاعدة أن الخاص من كلام الأئمة – أيضًا - يقضي على العام، وكذلك فقد نقل عن بعضهم كلامًا، ووجه الدلالة فيه على ما قاله ابن الوزير بالمفهوم لا المنطوق، هذا مع وجود كلام صريح عمن نقل عنه بخلاف ذلك.
مثال ذلك النووي - رحمه الله تعالى - فقد سبق كلامه الصريح في دعوى الاجماع، ونقل عنه ابن الوزير من ((روضة الطالبين )) أنه قال:
((الباغي في اصطلاح العلماء: هو المخالف لإمام العدل، الخارج عن طاعته بامتناعه من أداء واجب عليه، أو غيره )).اهـ.
ومعلوم أنه قد استدل بمفهوم قوله: ((لإمام العدل )) على أنه المخالف لإمام الجور لا يسمى باغيًا، ومن ثم لا يُنْكَر عليه، ولا يُؤَثَّم!! فأين هذا من قول النووي: ((وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرام باجماع المسلمين - وإن كانوا فسقة ظالمين وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرتُهُ... ))؟!
ثم نقل النووي - رحمه الله تعالى - عن غيره أن الخلاف كان أولًا، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم، فأين الاستدلال بذاك المفهوم أمام هذا المنطوق الصريح ؟!
كما نقل ابن الوزير - رحمه الله - فيما نقل كلامًا محتملًا، وليس نصًّا في موضع النـزاع، ويمكن حمله على أن من جوَّز الخروج يقيده بما إذا لم يكن في الخروج مفسدة، كاضطراب الأحوال، وإراقة الدماء، ولا شك أن هذا لا يعارض الإجماع السابق، ومع ذلك فهو كلام نظري، وإلا فالغالب الأشهر أن الخروج لا يأتي إلا بشر أعظم، وقد سبق أن التجربة تبين ذلك، وأنه سبب الفتن الكبار والصغار على الإسلام عبر التاريخ!!
على أننا نقول: لو سلمنا بصحة ما قاله ابن الوزير عمن نقل عنهم؛ فهم محجوجون بالإجماع المتقدم، وقد سبق أنه عن طبقة بعد طبقة من المتقدمين، فلا عبرة بخلاف من خالف من المتأخرين.
ج ـــ ونقل ابن الوزير عن النووي- رحمهما الله - أن القهر أحد طرق الإمامة، لكنه إن كان عادلًا لم يأثم، وإن كان جائرًا أَثِمَ، وعصى بالتغلُّب.
وهذا ليس فيه دليل على ما ذهب إليه ابن الوزير؛ لأن كلام النووي في العدل يحتمل أنه خرج بقوة وشوكة على جائر ضعيف جدًّا دون حدوث مفسدة، وتمكَّن من عزل الجائر، وأقام حكم الله في الأرض، وهذا لا يعارض الإجماع السابق، كما لا يخفى، وقد سبق أن هذه مسألة افتراضية في الجملة!!
أضف إلى ذلك أن قول النووي: ((وإن كان جائرًا أَثِمَ، وعصى بالتغلُّب ((دليل على ابن الوزير لا له، حيث أطلق كلامه في الخارج، ولم يُفصِّل، وقد فَصَّل النووي!!
د ـــ لقد نقل ابن الوزير- رحمه الله - هذا المذهب عن بعض المتكلمين كالرازي، والكيا الهرّاسي، وغيرهما، ولا شك أن نقل هؤلاء ليس حجة على من ادعى اجماع أهل الحديث والأثر على ترك الخروج، وعَدَّ ذلك من معتقَدهم، الذي من خالفه فهو مبتدع ضال، فلا يُدفع في نحْر ذلك بكلام المتكلمين!!
هـ ـــ كما صرح ابن الوزير بأن مذهب أهل البيت يقتضي ذلك، وهذا ليس بحجة على إجماع أهل الحديث، كما هو ظاهر.
و ـــ لقد عاش ابن الوزير- رحمه الله - بين معتزلة وزيدية وغيرهم ممن يرى الخروج على الإمام الجائر، وقد وفَّقه الله- عز وجل - وعافاه بالسنة من مصائب عظيمة، ومزمنات أليمة، ولا يمنع ذلك وجود بقايا، أو رواسب، أو مجرَّد التأثُّر - إلى حد ما - بما حوله، وهذا من ذاك، فقد سلَّم ابن الوزير للشيعي الذي أرجف على أهل السنة بافتراءاته وتهاويله ببعض ما يقول؛ ليدافع بذلك - في نظره - عن أهل السنة، والواجب ألا يُسَلم لأهل البدع بقليل أو كثير من باطلهم، والله أعلم.
فإن قيل: إذا كان مذهب أهل السنة لا يرى الخروج على الظلمة؛ فيلزم من ذلك أن أهل السنة راضون بما عليه الحكام الظلمة من ظلم وجور!!
فالجواب: ليس هذا بلازم، ولقد سبق إلى هذا الافتراء ذاك الشيعي الذي يرد عليه ابن الوزير، واتهم أهل السنة بأنهم شيعة الحجاج، ويزيد، والمنصور، والرشيد، وشيعة كل من يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس!! فَعَظُمَ ذلك على ابن الوزير، حتى سلَّم له ببعض ما يقول - كما سبق- ولكن أهل السنة أعلم من بقية الفرق بالنصوص الشرعية، وهم أهل العدل والإنصاف، وأهل السنة والاتباع، وأهل النكاية بأعداء الإسلام عبر التاريخ، وهم الذين يحسنون تقدير المصالح والمفاسد، ويرون أن الصبر على هذه المظالم - لا الرضى بها، مع النصح ما أمكن - أهون من الفتن التي تترتب على الخروج، والتجربة تبين ذلك، فماذا جنت الأمة من فتن الخروج على الأئمة؟ وما هي آثار الروافض على المسلمين وديارهم؟ وما هي نكايتهم أو مواطأتهم - قديمًا وحديثًا - بالكافرين ؟! )وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ( ([20]))سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (([21]).



~~~




([1]) ( 2/ 193- 197/برقم320).

([2]) أي: طبقة بعد طبقة.

([3]) في (2/197-198/برقم 321).

([4]) ((شرح مسلم)) (12/432-433).

([5]) (ص297/ط. مكتبة العلوم والحكم ).

([6]) (ص50/ ط. دار الريان ).

([7]) ((مجموع الفتاوى)) (28/279) .

([8]) (4 / 527-530) و ((الاستقامة)) (2/215-216).

([9]) ((مجموع الفتاوى)) (4/444).

([10]) ((مجموع الفتاوى)) (28/128).

([11]) ((مجموع الفتاوى)) (35/12).

([12]) ((مجموع الفتاوى)) (35/21).

([13]) ((الإستقامة)) (1/32) وانظر ((منهاج السنة)) (3/391).

([14]) (ص399،401) ط. مكتبة المدني.

([15]) ((إجتماع الجيوس الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية)) (ص108-113) ت. بشير محمد عون، ط. مكتبة المؤيد.

([16]) (2/263).

([17]) ((الدر السنية)) (7/177 – 178) وانظر ((معاملة الحكام)) (ص12) وغيرها، لأخينا الشيخ عبد السلام العبد الكريم - رحمه الله تعالى رحمة واسعة -.

([18]) [ الأنعام: 143 ].

([19]) (8/12 - 19، 75- 77 ) ط. مؤسسة الرسالة، ت: شعيب الأرناؤوط.

([20]) [ الشعراء: 227 ].

([21]) [ القمر: 26 ].

تليها الحادية عشرة 000000 نوصل إلى الأبعين

ولد برق 19-05-2008 08:37 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
الشبهة الحادية عشرة



قد يقول قائل: سَلَّمنا بأن الخروج على الحكام خلاف مذهب أهل السنة، إلا أننا لم نَخْرُج جميعًا على الحكام، بل بعضنا ينكر هذه التفجيرات، إلا أن بيان عيوب الحكام، وذكر مثالبهم، والتشهير بذلك لِيَحْذَرَ الناس منهم؛ ليس خروجًا!!
فالجواب: من المعلوم أن الفعل يسبقه الكلام، وأن الفتن العظام قد يكون أصلها كلامًا لا يبالي به قائله، وأصل الخوارج رجل قال: ((اعدل يا محمد)) ولم يُشْهِرْ سيفًا آنذاك، ثم جاء بعده مَنْ سلك منهجه في التعقُّب والإنكار؛ فكفَّر المبشَّرين بالجنة - عثمان وعليًّا وغيرهما رضي الله عنهم -وقتل أهل الإسلام، وترك أهل الأوثان!!
وقال صاحب الفضيلة الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى - في تعليقه على رسالة العلامة القاضي الشوكاني - رحمه الله تعالى - ((رفع الأساطين في حكم الاتصال بالسلاطين )): ((وقد قال الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((إنه يخرج من ضِئْضِئ هذا الرجل من يحقر أحدكم صلاته عند صلاته، يعني: مثله، وهذا أكبر دليل على أن الخروج على الإمام يكون بالسيف، ويكون بالكلام، هذا ما أَخَذَ السيفَ على الرسول - عليه الصلاة والسلام - لكنه أنكر عليه، وما يوجد في بعض كتب أهل السنة، من أن الخروج على الإمام: هو الخروج بالسيف، فمرادهم بذلك: هو الخروج النهائي الأكبر، كما ذكر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الزنى يكون بالعين، ويكون بالأُذُن، ويكون باليد، ويكون بالرجل، لكن الزنى الأعظم: هو زنى الحقيقة، هو زنى الفرج، ولهذا قال: ((الفرج يُصدِّقه أو يُكذِّبه)).
قال: ((فهذه العبارة من بعض العلماء: هذا مرادهم، ونحن نعلم علم اليقين بمقتضى طبيعة الحال: أنه لا يمكن خروج بالسيف إلا وقد سبقه خروج باللسان والقول.
الناس لا يمكن أن يأخذوا سيوفهم يحاربون الإمام بدون شيء يثيرهم، لا بد أن يكون هناك شيء يثيرهم، وهو الكلام، فيكون الخروج على الأئمة بالكلام خروجًا حقيقة، دلَّتْ عليه السنة، ودلّ عليه الواقع.
أما السنة فعرفتموها، وأما الواقع: فإنا نعلم علم اليقين: أن الخروج بالسيف فرع عن الخروج باللسان والقول، لأن الناس لم يخرجوا على الإمام ( بمجرد أخذِ السيف ) لا بد أن يكون توطئة وتمهيد: قدح في الأئمة، وستر لمحاسنهم، ثم تمتلئ القلوب غيظًا وحقدًا، وحينئِذٍ يحصل البلاء )). ([1]) .اهـ.
وقد مَرَّ بنا أن الفكر الذي أفضى إلى التفجيرات مَرَّ بمرحلتين قبل التنفيذ، ولم يكن فيهما إلا مجرد الكلام من فوق المنابر، وفي المحافل العامة والخاصة، فمن الذي أجاز لكم الكلام المفضي إلى الفساد ؟ أليس الإسلام يقضي بسد الذرائع ؟.
وإن هذا ليذكِّرني بما ذكره الذهبي: في ((النبلاء))([2]) أن نصر بن سيار أمير بني أمية في خراسان قال - عندما تأخَّر عليه مددهم ضد أبي مسلم الخراساني، الذي طوى فراش ملك بني أمية في أول الأمر بمجرد الكلام والكتمان - فقال نصر بن سيار:


أرى خلَـلَ الرمادِ وميضَ نارٍ خَليقٌ أن يكـون لـه ضرامُ

فإن النـار بالزَّنْـدَين تُورَى وإن الفعـل يسبقه الكـلامُ
و إن لم يُطْفـها عقـلاء قومٍ يكون وقودَها جثثٌ وهـامُ
أقول من التعجب ليت شعري أيقظانٌ أمـية أم نيـامُ ؟ !




بل قد قال ابن سعد في ((الطبقات الكبرى))([3]): أخبرنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن أبي أيوب عن هلال بن أبي حميد قال: سمعت عبد الله ابن عكيم يقول: لا أُعين على دم خليفة أبدًا بعد عثمان، فقيل له: يا أبا معبد، أوَ أعَنْتَ على دمه ؟ فيقول: ((إني أَعُدُّ ذِكْر مساويه عونًا على دمه ))([4]).اهـ.
ثم إن أهل السنة - أيضًا - لم يُرَخِّصوا لرجل أن يلعن أميرًا أو ذا سلطان، أو يدعو عليه - وهذا مجرد كلام، وليس بإشهار سيف - فقد قال البربهاري في ([5]): ((إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان؛ فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح؛ فاعلم أنه صاحب سنة - إن شاء الله تعالى - )).اهـ.
فأين هذا ممن يقول: اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، وأرنا فيه يومًا كيوم فرعون وهامان وقارون... إلى غير ذلك ؟!
وللأسف: أنك ترى كثيرًا من الناس لا يرفعون أصواتهم بالتأمين في القنوت وغيره في جميع الأدعية الأخرى، كما يرفعونها ويضجُّون بها عند الدعاء على ولي أمرهم، فهل هؤلاء على ملة أهدى من ملة محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أم أنهم مفتتحو باب ضلالة ؟!
وقد سئل صاحب الفضيلة الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله تعالى -: هل الخروج على الأئمة يكون بالسيف فقط، أم يدخل في ذلك الطعن فيهم، وتحريض الناس على منابذتهم والتظاهر ضدهم ؟
فأجاب - حفظه الله تعالى -بقوله: ((ذكرنا هذا لكم، قلنا: الخروج على الأئمة يكون بالسيف، وهذا أشد الخروج، ويكون بالكلام: بسبهم، وشتمهم، والكلام فيهم في المجالس، وعلى المنابر، هذا يهيج الناس ويحثهم على الخروج على ولي الأمر، وينقص قدر الولاة عندهم، فالكلام خروج )).([6]) .اهـ.
وقد قال فضيلة الشيخ صالح بن غانم السدلان - حفظه الله تعالى -([7]) جوابًا عن سؤال على من قَصَرَ الخروج على ما إذا كان بالسيف، وظن أن التهييج بالكلام ليس خروجًا!!
فقال - حفظه الله تعالى -: ((هذا السؤال مهم، فالبعض من الإخوان قد يفعل هذا بحسن نية، معتقدًا أن الخروج إنما يكون بالسلاح فقط، والحقيقة أن الخروج لايقتصر على الخروج بقوة السلاح، أو التمرد بالأساليب المعروفة فقط، بل إن الخروج بالكلمة أشد من الخروج بالسلاح، لأن الخروج بالسلاح والعنف لا يُرَبِّيه إلا الكلمة، فنقول للأخوة الذين يأخذهم الحماس، ونظن منهم الصلاح - إن شاء الله تعالى -: عليهم أن يتريثوا، ونقول لهم: رويدًا، فإن صَلَفكم وشدتكم تربي شيئًا في القلوب، تربي القلوب الطرية التي لاتعرف إلا الاندفاع، كما أنها تفتح أمام أصحاب الأغراض أبوابًا، ليتكلموا وليقولوا ما في نفوسهم- إن حقًّا، وإن باطلًا -.
ولا شك أن الخروج بالكلمة، واستغلال الأقلام بأي أسلوب كان، أو استغلال الشريط، أو المحاضرات، والندوات في تحميس الناس على غير وجه شرعي؛ أعتقد أن هذا أساس الخروج بالسلاح، وأُحَذِّر من ذلك أشد التحذير، وأقول لهؤلاء: عليكم بالنظر إلى النتائج، وإلى من سبقكم في هذا المجال، لينظروا إلى الفتن التي تعيشها بعض المجتمعات الإسلامية، ما سببها؟ وما الخطوة التي أوصلتهم إلى ما هم فيه ؟! فإذا عرفنا ذلك؛ ندرك أن الخروج بالكلمة، واستغلال وسائل الإعلام، والاتصال للتنفير والتحميس والتشديد؛ يربي الفتنة في القلوب )).اهـ.
ثم هل يرضى هؤلاء المخالفون إذا كانوا ولاة أمر أن يُشَهَّر بهم من فوق المنابر، وفي أعظم الاجتماعات، في الجمع والأعياد ؟! وهل يقبلون النهش في عرضهم في المجالس العامة والخاصة، كما هُمْ يقعون في أعراض المسلمين، وإن كان فيهم بعض ما يقولون ؟!


~~~






([1]) الشريط ( 2/أ).

([2]) (6/56)، وفي بعض المواضع: ((فإن النار بالعودَيْن تُذكى....)).

([3]) (6/115)ط/دار الصادر.

([4]) وهذا سند حسن، رجاله كلهم ثقات، ومحمد بن أبي أيوب صدوق، وابن عكيم: ثقة مخضرم، أدرك حياة النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ.

([5]) ((شرح السنة)) (ص 113).

([6]) نقلا عن ((الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية)) ( ص 107 ).

([7]) كما في ((مراجعات في فقه الواقع السياسي والفكري)) ( ص 88 ).

تليها الثانية عشرة

ولد برق 23-08-2008 07:45 AM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
الشبهة الثانية عشرة



قد يقول قائل: سَلَّمْنا لكم بأن هؤلاء الحكام مسلمون، ولا يجوز الخروج على الحاكم المسلم - وإن جار - لكن هذا الأصل عند أهل السنة إذا كان الأمير للمسلمين واحدًا، أما إذا تعدد الأمراء - كما هو حاصل الآن - فلا سمع لأحد منهم ولا طاعة، وإمارتهم غير شرعية، أو أن السمع والطاعة لواحد منهم فقط - عُلِم أو لم يُعْلَم - ومن هنا جاز لنا الخروج عليهم!!
فالجواب: الأصل أن المسلمين يجب عليهم أن يكونوا أمة واحدة، أُمة معتصمة بالكتاب والسنة، وليس لهم إلا أمير واحد يسوسهم بالكتاب المستبين، والسنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقد قال الله تعالى: )وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا( ([1]) وقال سبحانه )وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ! مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( ([2]) وقال - عز وجل -)إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ( ([3]).
لكن هذا الأمر إذا لم يتحقق - كما قد حصل من قبل، وكما هو حاصل الآن - فهل يُجيز أهل السنة الافتئات على جميع الحكام أو أكثرهم، وإن أدى ذلك إلى اشتعال الفتنة في كل دولة بين حاكمها وشعبها ؟! أم يجب عليهم أن يسمعوا لكل حاكم في المعروف، في حدود سلطانه، وأن يتعاونوا معه على البر والتقوى، ونصرة المظلوم، وردع الظالم ... إلى غير ذلك مما يجب على ولاة الأمور ؟
إن الذي يفقه روح الشريعة، ويعرف مقاصدها وكلياتها، ويقف على كلام السلف الذين أدركوا نحو هذا الحال؛ لا يتردد في القول بالمذهب الثاني، وهو السمع والطاعة فيما يرضي الله، والتعاون - ما أمكن - على إقامة المعروف، وإنكار المنكر وإزهاقه، كلٌّ مع من اجتمعت عليه الكلمة في قُطْرِهِ، فإن الشريعة جاءت بتكميل المصالح وتحصيلها، وبتعطيل المفاسد وتقليلها، وإذا أمكن اجتماع الخيرين؛ وإلا فليُقَدَّم أوكدهما بتفويت أدناهما، وإذا عجزنا عن دفع المفسدتين؛ وإلا فَلْيُرْتَكَب أدناهما، لتفويت أشدِّهما، وهذا كله مأخوذ من أدلة كثيرة، منها قوله تعالى: )فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ( ([4]) وقوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((إذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم )).
وقد صرح بعض العلماء بهذا الجواب، وقد جمع كثيرًا من كلامهم أخونا الفاضل الشيخ عبد السلام العبدالكريم - سلمه الله - في كتابه المبارك الجامع في بابه ((معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة))([5]) فجزاه الله تعالى خيرًا على ذلك، وقد نقلت عنه بعض المواضع، وزدت عليها مواضع أخرى، فمن ذلك:
1 ـــ قال شيخ الإسلام ابن تيمية([6]): ((والسنة أن يكون للمسلمين إمامٌ واحد، والباقون نوّابه، فإذا فُرِض أن الأمة خرجت عن ذلك- لمعصية من بعضها، وعَجْزٍ من الباقين - فكان لها عدة أئمة؛ لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق...)).اهـ.
2 ـــ وقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - ([7]):
((الأئمة مجمعون في كل مذهب: على أن من تغلَّب على بلد أو بلدان؛ له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا مااستقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل - قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا - ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرفون أحدًا من العلماء ذكر أن شيئًا من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم )).اهـ.
3 ـــوقال العلامة الصنعاني محمد بن إسماعيل الأمير - رحمه الله تعالى - في ((سبل السلام))([8]) في شرح قوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة، ومات؛ فَمِيتته جاهلية ((فقال - رحمه الله تعالى -: قوله: (عن الطاعة ) أي طاعة الخليفة الذي وقع الإجماع عليه، وكأنَّ المراد خليفة أي قطر من الأقطار، إذْ لم يجتمع الناس على خليفة في جميع البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسية، بل استقل أهل كل إقليم بقائم بأمورهم، إذ لو حُمِلَ الحديث على خليفة اجتمع عليه أهل الإسلام؛ لقلَّت فائدته...)).اهـ.
4 ـــ وقال العلامة الشوكاني - رحمه الله تعالى - في ((السيل الجرار))([9]) شارحًا قول صاحب ((الأزهار)): ( ولا يصح إمامان ) فقال الشوكاني:
((وأما بعد انتشار الإسلام، واتساع رقعته، وتباعد أطرافه؛ فمعلوم أنه قد صار في كل قطر - أو أقطار- الولاية إلى إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر كذلك، ولا ينعقد لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر أو أقطاره التي رجعت إلى ولايته، فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطرالآخر، فإذا قام من ينازعه في القطر الذي ثبتت فيه ولايته، وبايعه أهله؛كان الحكم فيه: أن يُقْتل إذا لم يتب، ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته، ولا الدخول تحت ولايته؛ لتباعد الأقطار، فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانه، ولا يُدرى من قام منهم أو مات، فالتكاليف بالطاعة - والحال هذا - تكليف بما لا يطاق، وهذا معلوم لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد.
فاعرف هذا، فإنه المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودعْ عنك ما يقال في مخالفته؛ فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام، وما هي عليه الآن؛ أوضح من شمس النهار، ومن أنكر هذا؛ فهو مباهت لا يستحق أن يُخاطب بالحجة؛ لأنه لا يعقلها )).اهـ.
قلت: وما ذكره العلامة الشوكاني - رحمه الله تعالى - من سبب في ذلك الأمر منتفٍ الآن؛ لسهولة الاتصال بأطراف العالم في أقل زمن وبأدنى تكلفة، لكن بقي أمر العجز عن الاجتماع،كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - فبقي الحكم قائمًا أيضًا، والله أعلم.
5 ـــ وقال صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله تعالى -: ((الأمة الإسلامية تفرقت من عهد الصحابة، تعلمون أن عبدالله بن الزبير في مكة، وبني أمية في الشام، وكذلك في اليمن أناس، وفي مصر أناس، ومازال المسلمون يعتقدون أن البيعة لمن له السلطة في المكان الذي هم فيه، ويبايعونه، ويدْعونه بأمير المؤمنين، ولا أحد ينكر ذلك، فهذا شاقٌّ لعصا المسلمين من جهة عدم التزامه بالبيعة، ومن جهة أنه خالف إجماع المسلمين من عهد قديم.
والرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: ((اسمعوا وأطيعوا؛ وإن استعمل عليكم عبد حبشي ... )).([10]) .اهـ.
وقال - رحمه الله تعالى - في شرح حديث: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة... )) الحديث:
((في حديث أبي هريرة: ((رجل بايع إمامًا، لا يبايعه إلا للدنيا، إن أعطاه؛ وَفَّى له بالبيعة، وإن لم يعطه؛لم يف بالبيعة)): هذا - أيضًا - من الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، وذلك أن بيعة الإمام واجبة، يجب على كل مسلم أن يكون له إمام، سواء كان إمامًا عامًّا - كما كان في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من الخلفاء - أو إمامًا في منطقة ، كما هو الحال الآن.
ومنذ أزمنة بعيدة من زمن الأئمة والناس متفرقون، كل جهة لها إمام، وكل إمام مسموع له ومطاع بإجماع المسلمين، لم يقل أحد من المسلمين إنه لا تجب الطاعة إلا إذا كان خليفة واحدًا لجميع بلاد الإسلام، ولا يمكن أن يقول أحد بذلك، لأنه لو قيل بهذا؛ ما بقي للمسلمين الآن إمام، ولا أمير، ولَمَاتَ الناس كلهم ميتة جاهلية، لأن الإنسان إذا مات فإنه يموت ميتة جاهلية، يُحْشَر مع أهل الجهل - والعياذ بالله - الذين كانوا قبل الرسالات، فالإمام في مكان وفي كل منطقة بحسبها )).([11]) .اهـ.
فهذه أقوال جماعة من الأئمة في موضع النـزاع، بل كل ما سبق نقله من نصوص الأئمة في جواب الشبهة العاشرة، من عدم منازعة ولي الأمر، وعدم الخروج عليه - بما في ذلك الإتفاق الذي حكاه البخاري وغيره كل ذلك قاطع لدابر هذه الدعوى، فإنها أقوال قيلت وحُكِيَتْ في حالٍ لم تكن الأمة فيه مجتمعة على إمام واحد، فتدبر.
واعلم بأن قواعدَ الشريعة تشهد لهذه الأقوال المأثورة عن أهل العلم، وما لا يُدرك كله؛ لا يُترك جُله، ومن سلك مسلك السلف؛ نجا، ومن شاقَّهم؛ هلك، قال الله تعالى:)وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا(([12]) لاسيما إذا كانت المشاقة في أمرٍ يترتب عليه فساد الخاصة والعامة.
وأيضًا، فإذا كان كل حاكم قد قنع بحدود ولايته، وخرج الناس على حاكمهم الذي له عليهم شوكة وقدرة، وسعوا للدخول تحت إمارة ذلك الحاكم الذي لا يرغب في ذلك - رِضًا منه بما تحت يده - فإن هذا يؤدي إلى فساد عريض!! لأنه لا يقبلهم، وهم لم يقبلوا حاكمهم!! وسيجرّ هذا على الناس شرًّا مستطيرًا!! فكيف إذا قبلهم الإمام الآخر؟!
فما بقي إلا أن يصبر كل تحت ولاية من ولاه الله عليه، ويتعاون معهم على البر والتقوى، دون إثارة النعرات الجاهلية بين الدول المسلمة، مع دعاء الله - عز وجل - أن يجمع المسلمين على البر والتقوى، والسعي في تحقيق ذلك، والله أعلم
فإن قيل: لقد جاء في ((مراتب الإجماع))([13]) لابن حزم، أنه قال: ((واتفقوا أنه لا يجوز أن يكون على المسلمين في وقت واحد في جميع الدنيا إمامان، لا مُتَّفقان، ولا مفترقان ولا في مكانين، ولا في مكان واحد )).اهـ.
وقال الذهبي: ((واتفق كل من ذكرْنا - يعني: ما ذكر من الفِرق - على أنه لا يكون في وقت إلا إمام واحد، إلامحمد بن كرام، وأبا الصباح السمرقندي، وأصحابهما، فإنهم ِأجازوا كون إمامين وأكثر في وقت واحد... )).([14]) .اهـ.
قلت: نعم، لا يجوز تفرق الأمة، والواجب عليهم أن يجتمعوا على الحق، وتحت إمام واحد، لكن البحث فيما إذا وقع التفرق، وسعى المصلحون لجمع الكلمة فعجزوا عن رأب الصدع؛ فهل يُتْرك الناس بلا إمام يأمرهم وينهاهم ؟! فإن قيل: نعم، فهذا فساد لا يغطيه ذيل، ولا يستره ليل، وقائل ذلك مخالف للمنقول والمعقول، ولا يستحق أن يخاطب بالحجة، لأنه إما مكابر، أو جاهل.
وإن قيل: لا بد من اتخاذ الإمارة دينا، لتحصيل ما أمكن من الخير، وتقليل ما أمكن من الشر؛ فهذا قول من سبق من العلماء الفقهاء في الشريعة، ومقاصدها، وكلياتها، ولا يتأتي هذا إلا بسمع وطاعة في المعروف، وتعاون على البر والتقوى، ويكون لكل أمير في سلطانه حقوق الأمير العام، إلا ما استثناه الدليل، والله أعلم.
وقد علَّق شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - على ما قال ابن حزم، فقال:
((قلت: النـزاع في ذلك معروف بين المتكلمين في هذه المسألة، كأهل الكلام والنظر، فمذهب الكرامية وغيرهم: جواز ذلك، وأن عليًّا كان إمامًا، ومعاوية كان إمامًا، وأما أئمة الفقهاء فمذهبهم: أن كلًا منهما يُنَفَّذُ حكمه في أهل ولايته، كما يُنَفَّذ حكم الإمام الواحد، وأما جواز العقد لهما ابتداءً؛ فهذا لا يُفْعَل مع اتفاق الأمة، وأما مع تفرقتها؛ فلم يَعْقِد كل من الطائفتين لإمامين، ولكن كل طائفة إما أن تسالم الأخرى، وإما أن تحاربها، والمسالَمَةُ خير من محاربةٍ يزيد ضررها على ضرر المسالمة، وهذا مما تختلف فيه الآراء والأهواء )).اهـ.
قلت: فإن استدل من يرى عدم السمع والطاعة للحكام عند التعدد بحديث: ((إذا بويع لخليفتين؛ فاقتلوا الآخر منهما))([15]).
فالجواب: أن هذا يكون عند قدرة المسلمين وقوتهم، واجتماع كلمتهم على خليفة ذي شوكة وسلطان، ثم جاء آخر ينازعه؛ فيُقْتل كائنًا من كان، لأنه بذلك يريد أن يشق عصا المسلمين، وأمرهم جميع على رجل، كما أخبر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.([16])
أما إذا كان المسلمون متفرقين، ولكل من الخليفتين شوكة، وستطحن رحى الفتن المسلمين هنا وهناك؛ فالمسالمة خير من المحاربة، كما قال شيخ الإسلام، وهذا هو المراد من الإجماع السابق.
فيُفَّرَّق بين حال الاجتماع وقوة الخليفة الأول، وبين حالة التفرق، وقوة الخليفة الآخر، أو ضعف الأول وعجزه، و)قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (. ([17])



~~~


([1]) [ آل عمران: 103 ].

([2]) [ الروم: 31 ـ 32 ].

([3]) [ الأنبياء: 92 ].

([4]) [ التغابن: 16 ].

([5])(ص 33-37).

([6])((مجموع الفتاوى)) (34/ 175- 176).

([7])"الدرر السنية)) (7/239).

([8]) (3/499).

([9]) ( 4/512).

([10]) نقلًا عن ((الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية)) ( ص 81 - 82 ).

([11]) ((شرح رياض الصالحين)) (4/503) ط/ دار البصيرة.

([12]) [ النساء: 115 ].

([13]) (ص124) ط. دار الكتب العلمية.

([14]) في ((المقدمة الزهرا في إيضاح الإمامة الكبرى)) (ص70-73) ط. مكتبة ابن عباس، ت: أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني.

([15]) أخرجه مسلم برقم (1853).

([16]) انظر ((صحيح مسلم)) رقم (1852).

([17]) [ الطلاق: 3 ].

ولد برق 23-08-2008 07:52 AM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
السلام عليكم

إخواني الكرام

كنت قد بدأت في ذكر شبهات أهل التفجيرات و الإغتيالات ثم توقفت و الان سأعود و سأواصل نقلها كلها و هي أربعين شبهه مع الرد عليها

أرجو من الأخوة التفاعل و التعاون حتى ينفع الله بها عسى يفيق هؤلاء الضلال الذين ليس لهم قلوب و لا رحمه و لا دين

ناصر الشريعة 24-08-2008 09:43 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
الحمد لله أنا أنتظر هذا بفارغ الصبر ولقد لقي موضوعك إعجاب الكثير من اهل السنة في المنتديات وأصبح شوكة في حلوق الحركيين والخوارج التكفيرين
واصل بارك الله فيك

ولد برق 26-08-2008 06:24 AM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
الشبهة الثالثة عشر


قد يقول قائل: نحن لم نخرج على الحكام، إنما أردنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك عندما رأينا شيوع المنكرات، وعدم إنكارها، وقد وردت أدلة كثيرة في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلماذا تنكرون علينا ونحن قد رأينا المنكر، والرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: ((من رأى منكم منكرًا؛ فليغيره بيده، فإن لم يستطع؛ فبلسانه، فإن لم يستطع؛ فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) وفي رواية: ((وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ))؟.

فالجواب: إن تسمية الأشياء بغير اسمها - بما يورث مفسدة، أو يخالف الشرع - ليس من عمل أهل العلم والفضل، ومع ذلك فلا يغير هذا من الحقيقة شيئًا، عند من آتاه الله بصيرة في الدين.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- : ((يأتي زمان على الناس يُسمّون فيه الخمر بغير اسمها...)).
وعند الخلال في ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر))([1]): ((وأخبرني محمد بن علي حدثنا صالح أن أباه - يعني أحمد بن حنبل - قال: التغيير باليد: ليس بالسيف والسلاح)).اهـ.
وقد نقل شيخ الإسلام ([2]) كلامًا لأبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن أبا مطيع الحكم بن عبد الله ، قال له: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، فيتبعه على ذلك أناس، فيخرج على الجماعة ؟ هل ترى ذلك ؟ قال: ((لا)) قلت: ولم، وقد أمر الله رسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي فريضة واجبة ؟ قال: ((هو كذلك، لكن ما يفسدون أكثر مما يصلحون: من سفْك الدماء، واستحلال إلى الحرام...)).اهـ.
وقال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: ((إنه لا يجوز إنكار المنكر بما هو أنكر منه، ولهذا حرم الخروج على ولاة الأمر بالسيف، لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنه يحصل بذلك من فِعْلِ المحرمات، وتَرْكِ ( الواجبات ) أعظم مما يحصل بفعلهم - أي بفعل الأئمة - المنكر والذنوب... )).([3]) .اهـ.
فهذا يدل على أن التفجيرات ليست من منهج أهل السنة والجماعة في تغيير المنكر على ولاة الأمور، هذا إن قلنا بقول من يرى أن التغيير باليد لآحاد الرعية في هذا الموضع، والله أعلم.
ولا يخفى أن المعتزلة سمّوا الخروج على الحكام الظلمة: أمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر!! وهذا أحد أصولهم الخمسة!! فما هو الفرق إذًا ؟! وسمّوا تعطيل الصفات توحيدًا، وسموا قولهم المنحرف في القدر عدلا، وكذا سمى الجهمية تعطيلهم تنـزيهًا وتوحيدًا، وسمَّوا أهلَ السنة مجسّمة ومشبهة، وسمى الصوفية خرافاتهم تخلية وتزكية، وسمى الروافض تكفير الصحابة حُبًّا لأهل البيت... وهكذا!!


فالدعاوى إن لم يقيموا عليها بينات فأبناؤهـا أدعيـاء!!


فمن ذا الذي يقبل منكم القول بأن قتل الحاكم الفلاني ليس خروجًا عليه، وإنما هو أمر له بالمعروف، ونهي عن المنكر - كما تزعمون - ؟ فأي شيء أبقيتموه له - بعد قتله - وأنتم تريدون له التحلي بالفضائل، والتخلي عن الرذائل ؟! وأيضًا من ذا الذي سيغتر بذلك وهو يرى دماء المسلمين: من أطفال، ونساء، وشيبان، وأبرياء تختلط بالثياب والتراب، وتتطاير لحومهم نتفًا نتفًا ؟! من ذا الذي سيقول: هذا هو الأمر بالمعروف الذي مدح الله به المسلمين، وجعله أصلًا في دينهم ؟!
أليس الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يُشترط فيه أن يكون عليمًا بما يأمر،حليمًا في ما يأمر به ؟ أي حلم في القتل والجرح وترويع الآمنين ؟!
ولقد قال شيخ الإسلام في ((منهاج السنة))([4])؛ وقد ذكر حديثًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ويُنظر حاله - ثم قال:
((وفي الحديث: من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر؛ فينبغي أن يكون عليمًا بما يأمر به، عليمًا بما ينهى عنه، رفيقًا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه، حليمًا فيما يأمر به، حليمًا في ما ينهى عنه )).
قال: ((فالعلم قبل الأمر، والرفق مع الأمر، والحلم بعد الأمر، فإن لم يكن عالمًا؛ لم يكن له أن يقفو ما ليس له به علم، وإن كان عالمًا ولم يكن رفيقًا؛ كان كالطبيب الذي لا رفق فيه، فيغلظ على المريض؛ فلا يقبل منه، وكالمؤدِّب الغليظ الذي لا يقبل منه الولد، وقد قال الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام -: )فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (([5]).
ثم إذا أمر ونهى؛ فلا بد أن يُؤْذَى في العادة، فعليه أن يصبر ويَحْلُم، قال الله تعالى: )وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ( وقد أمر الله نبيه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالصبر على أذى المشركين في غير موضع، وهو إمام الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، فإن الإنسان عليه أولًا: أن يكون أمره لله، وقصده طاعة الله فيما أمر به، وهو يحب صلاح المأمور، وإقامة الحجة عليه...)).اهـ.
فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد أن يكونا بعلم ورفق وحلم، فأين هذا من التفجيرات التي تُفضِي إلى تطاير الأشلاء والفزع والهلع ؟!
ثم أليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مُقَيَّدَيْن بعدم تجاوز الحدِّ في العقوبة، وبعدم زيادة الشر، فإن زاد بهما الشر؛ فلا يجوز الإقدام عليهما أو أحدهما ؟!
وقد سبق كلام كثير من الأئمة في مراعاة ماتؤول إليه الأمور، وأن تغيير المنكر إذا كان سيفضي إلى منكر مثله أو أكبر منه؛ فلا يُنهى عنه، ولا يُسمَّى تارك النهي عن المنكر - والحال هذه - مسيئًا، بل هو محسن، مُتّبع، غير مبتدع، والله أعلم.
هذا؛ ولا زال في بعض بلاد المسلمين كالمملكة العربية السعودية- حرسها الله وجميع بلاد الإسلام من كل مكروه - بقايا خير في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيجب الحفاظ على ذلك، والتعاون معهم في تقويم ما اعْوَجَّ - بالتي هي أحسن - لا هَدْم ما بقي من الخير، ويكون الحال: كمن بنى بيتًا، وشيَّده، وزخرفه، وأتقنه، ثم رأى فيه خَرْقًا؛ فلم يذهب إلى إصلاحه وترميمه، بل ذهب إلى هدمه وإزالته، والعزم على بناء غيره من جديد!! إلا أنه قصرت به النفقة؛ فلم يستطع البناء، أو تسلَّط عليه عدو - ولا بيت له يحميه - فظفر به عدوه، أو اختلف مع إخوانه في أي أمر من أمور الدنيا؛ فحيل بينه وبين ما يشتهي!!
فنعوذ بالله أن تذهب بقايا الخير على أيدينا، أو أن يستحكم الشر بنا!! فوالله لَبَطْن الأرض خير من ظهرها إذا كنا مطية لأعدائنا - ونحن نشعر أَوْلا نشعر - فتسيل بنا الدماء المعصومة، وتُزْهَق الأنفس المحرمة، وتُهْدَر الأموال، وتُنْتَهك الحرمات، والله المستعان!!



~~~



([1]) ( ص 44 ) برقم ( 28 ) ط / دار الكتب العلمية، ت / عبدالقادر أحمد عطا.

([2]) ((مجموع الفتاوى)) (5/47).

([3]) ((مجموع الفتاوى)) (14/472).

([4]) (5/253-254).

([5]) [ طه: 44 ].

ولد برق 26-08-2008 06:48 AM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ناصر الشريعة (المشاركة 235255)
الحمد لله أنا أنتظر هذا بفارغ الصبر ولقد لقي موضوعك إعجاب الكثير من اهل السنة في المنتديات وأصبح شوكة في حلوق الحركيين والخوارج التكفيرين
واصل بارك الله فيك

بارك الله فيك أخي و نفعني و إياكم بها و أنا كما لا يخفى لست إلا ناقل و هي لمؤلفها

و هذه مشاركة مني معي إخواني طلاب العلم في الجزائر في التصدي لهذا الفكر المارق

شكر الله مرورك

ولد برق 27-08-2008 06:27 AM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
الشبهة الرابعة عشر



فإن قال قائل مستدلا على جواز قتل المعاهَدين والمستأمنين: نحن اختلفنا معكم في الأصل، ألا وهو: ما حكم من يحكم بغير ما أنزل الله؟ فنحن نراهم كفارًا - بلا استثناء - وأنتم تخالفوننا في ذلك، ونحن بناءً على مذهبنا؛ فلا نرى الأمان الذي يعطيه هؤلاء الحكام الكفرة لليهود والنصارى وغيرهم في بلادنا أمانًا، وعلى ذلك فنحن نقتل هؤلاء الكفار، لأنهم لا أمان لهم، ولأنهم محارِبون، وأنتم تنكرون ذلك، طردًا لأصلكم الذي خالفناكم من أجله!!
فالجواب:
لقد سبق الرد على تسويغكم ما تفعلونه مستدلين بأنهم محاربون، بما يغني عن إعادته هنا.
وأيضًا فالحكام - وإن كفرتموهم جميعًا على أصلكم - فلا بد أن يُؤَمَّن من أمَّنه الحاكم وإن كفرتموه، لأن المعاهد عَدَّ ذلك أمانًا، ولو كان أمانًا فاسدًا - في نظركم - فهو أمان صحيح عند المعاهد، والعبرة في اعتبار الأمان وعدمه: ما يعتقده المعاهد، لا ما تتأولونه أنتم وغيركم، لأننا لو قتلناه أو آذيناه - والحال هذه - لَعُدَّ ذلك غدرًا من المسلمين، والمسلمون لا يغدرون، بل هم أهل الوفاء بالعقود والشروط والمواثيق، كما قال تعالى:)يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود(([1]) ويقول سبحانه: )وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا(([2])ويقول تبارك تعالى:) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ(([3])ويقول عز وجل:)وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا(([4]) وقوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((المؤمنون على شروطهم))([5]).
وإذا عُدَّ هذا غَدْرًا؛ شنَّع أعداء الإسلام على المسلمين بذلك، وصيانة عِرض الإسلام وأهله من شماتة المتربصين به واجب شرعي، فنقوم به في حدود الشرع؛ ولأجل هذا صرَّح أئمة الإسلام بأن العبرة في الأمان بما فهمه الكافر، فقد قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: ((إذا أُشير إليه - أي: إلى الكافر - بشيء غير الأمان، فظنه أمانًا؛ فهو أمان)) قال الفتوحي: ((وذلك تغليبًا لحقن الدماء، كما حُقن دم من له شبهة كتاب، تغليبًا لحقن دمه...))([6]) .اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: ((جاءت السنة بأن كل ما فَهِمَ الكافر أنه أمان؛ كان أمانًا، لئلا يكون مخدوعًا، وإن لم يُقصد خَدْعُه )). ([7]) .اهـ.
وقال - أيضًا -([8]): ((ومعلوم أن شبهة الأمان كحقيقته في حقن الدم...)).اهـ.
فإذا كان الكافر يقبل الأمان من الحاكم - الذي تكفِّرونه أنتم - لزمكم أن تُؤمِّنوه، لأن الكافر الداخل في الأمان؛ ليس فقيهًا في شريعتنا، ليدرك أن أمان هذا الحاكم يصلح له أم لا ؟ ثم لو صلح هذا الأمان عندكم، فما يُدريه أن ثمة طائفة أخرى أشد غلوًّا منكم لا يرون ما ترونه من صحة أمان ذلكم الحاكم، وهكذا!!
وعلى ذلك فلا بد من الوفاء له بالأمان، مالم يكن مستحقًّا لحد من حدود الله - غير مجرد الكفر - فهذا له حكم آخر ينظر فيه العلماء وأهل الحل والعقد، ويتخذون اللازم شرعًا، والله أعلم.
ولقد استفدت حكاية هذه الشبهة والتي بعدها وأصلَ الجواب عليهما من رسالة ((شبهات حول الجهاد)) فجزى الله مؤلفها خيرًا.



~~~






([1]) [ المائدة: 1 ].

([2]) [ الإسراء: 34 ].

([3]) [ الرعد: 20].

([4]) [ النحل: 91 ].

([5]) أخرجه أبو داود عن أبي هريرة برقم ( 3594) وانظره في ((الإرواء)) برقم ( 1303 ).

([6]) من ((المعونة)) للفتوحي (3/733) ط/دار خضر.

([7]) ((بيان الدليل)) (ص 64).

([8]) في ((الصارم المسلول)) (2/522) ط/ رمادي للنشر.

ولد برق 27-08-2008 06:38 AM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
الشبهة الخامسة عشر



فإن قال قائل: إن أمان هؤلاء الحكام للكفار لا ينعقد؛ لأنهم مُسْتَضْعفون مُكْرَهون عليه، والمكره لا يُعْتَمد على عقوده.
فالجواب من وجوه -إن شاء الله تعالى -:
1 ـــنحمد الله أنك قد سَلَّمْتَ بأن المسلمين - في هذه الأيام - مستضعفون أمام هذه الدول، وكثير منهم مكره على كثير من الأمور، وإذا كان هذا في حكامهم - كما صرحْتَ بذلك - فما ظنك بأفرادهم؟!
2 ـــ إذا كان المسلمون مستضعفين؛ فلماذا تتصرفون تصرفات أهل الشوكة والنكاية بالعدو ؟! فتجرون على الأمة شرًّا، وتزيدونها وهَنًا على وهن ؟!
3 ـــ معلوم أن عقود الأمان: إما أن تكون لجلب مصلحة، أو دفع مفسدة، والحاجة إلى دَفْعِ المفسدة - هنا - غالبًا تكون بسبب الضعف، فكيف تبطلون عقد المستضعف الذي يريد درء المفسدة العظمى بعقده ذلك ؟!
4 ـــ لو كنتم حكامًا مستضعفين - كما تقرون بذلك في حق حكام هذا الزمان - ولم تعقدوا هدنة مع الكفار: إما بعمل السفارات، أو بعقود أخرى، فماذا تفعلون لو كشَّروا لكم عن أنيابهم ؟! هل تدفعون المفسدة العظمى بعقود هدنة - على ما فيها من إجحاف - أم ستغامرون بشعوبكم ودياركم في دخول حرب مدمرة ؟!
فإن كان الأول: فما وجه إنكاركم على الحكام، وهم قد فعلوا ذلك لذلك، ولمصالح أخرى ؟! وما وجه إبطالكم عقدهم الأمان لكافر ؟!
وإن كان الثاني: فهل اعتبرتم بهذا القاعدة الشرعية العظمى في مراعاة المصالح والمفاسد؟!
هذا؛ مع علمي بأن من الولاة من قد ضَعُفَتْ عنده الغيرة الدينية جدًّا ، وإنا لله وإنا إليه راجعون، لكننا نلزم منهج السلف، ونسأل الله أن يصلحهم، وأن يقذف في قلوبهم الإيمان، إنه على كل شيء قدير.

وعلى كل حال: فمنشأ الفتنة: عندما تَصَرَّفَ الضعيف تصرف القوي المنيع!! ولا يقبل نصح أهل الذكر الذين أمر الله بالرجوع إليهم!!
وقد صدق قول القائل:


الحرب أول ما تكــون فَـِتَّيًة تسعى بـزينتها لكـل جهـولِ

حتى إذا اشتعلتْ وشَبَّ ضِرامُهَا ولَّتْ عجوزًا غيرَ ذاتِ حَليـل
شمطاء يُكْره لـونُها وتغـيرتْ مكروهة للـشم والتـقبـيل




5 ـــ ولو سلمنا بما قال هذا القائل في هذه الشبهة، وأن هذا الأمان فاسد؛ فبقي أن الكفار يَعُدُّون ذلك أمانًا، فيُؤَمَّنون به لما تقدم في الشبهة السابقة والجواب عنها.
6 ـــ وأيضًا: فلو سلمنا بعدم صحة هذه الوجوه؛ فبقي النظر في المفاسد التي تعود على المسلمين في ديار الإسلام وفي عموم بلاد الكفر من جرّاء إهدار هذا الأمان وإلغائه!! ولا شك أنها مفاسد عظيمة - كما تقدم - فنعوذ بالله من كيد الكائدين، وعبث العابثين، والله المستعان.
فإن قيل: سلَّمنا بأن عقد الأمان من المستضعف يُعمل به، إلا أن ذلك يكون إلى مدة مؤقتة، لا بصورة مطلقة،كما هو حاصل الآن!!
فالجواب: إذا زالت العلة التي من أجلها عُقِد الأمان للكفار، ولم تعد هناك مصلحة لذلك؛ فيُنْبذ إليهم على سواء، لكن إذا كانت العلة باقية؛ فالحكم باقٍ، والعبرة بجلب المصلحة، أو دفع المفسدة، وأما تحديد المدة فلا دليل عليه - والحال هذه - ومن كان عنده دليل على أن المستضعف لا يعقد هدنة إلا مدة محدودة، ثم بعد ذلك يزجّ بنفسه وشعبه وبلاده في فتنة الله بها عليم - مع ضعفه - فليأْت بحجة!! ودون ذلك خرْطُ القتاد!!
ولا يلزم من كون صلح الحديبية مدته عشر سنوات؛ ألا يُزاد على هذا القدر إذا دعت الحاجة إلى ذلك، فالعبرة بالحاجة والمصلحة، لا طول المدة وقصرها، أما عقد هدنة بقية الدهر، وإن تبدل الحال غير الحال؛ فلا يجوز، كما فصَّل ذلك العلماء، والله تعالى أعلم.
نعم: على الحاكم المسلم أن يجتهد في أمر الله عز وجل، ويسعى لإقامة الحق في سلطانه، وعند ذاك يُعزّه الله، ويُرغم أنف أعدائه، والله المستعان، وعليه التكلان.



~~~

ولد برق 29-08-2008 11:30 AM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
الشبهة السادسة عشر



فإن قيل: إن الحكم بغير ما أنزل الله هو السبب الوحيد في هذه التفجيرات، ولو أن الحكام استقاموا على شريعة الله؛ لما كان شيء من ذلك، فالبادي أظلم!!

فالجواب: نعم، إن الحكم بغير ما أنزل الله، وشيوع المنكرات، والتحديات السافرة الساخرة من الدين وحملته في كثير من البلدان؛ كل ذلك مخالف لأمر الله ورسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- والمخالفة هذه لا تأتي إلا بشرٍّ، فقد قال الله تعالى: )فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( ([1]) والغلو الحاصل من هؤلاء الشباب؛ أحد ثمرات هذه الفتنة!!
ولما وُجِد الإهمال أو الإعراض عن شرع الله في كثير أو قليل،ووُجد الامتناع عن تحكيم شريعة الله تعالى في كثير من البلدان، ووُجِد الاستهزاء بالدين - في بعض البلدان - أَدَّى ذلك إلى وجود غلوٍّ، فآل الأمر إلى التفجيرات والاغتيالات، فَحَكَم هؤلاء الشباب - أيضًا - بغير ما أنزل الله، ووقعت بذلك الفتنة!!
إلا أنه قد جاءنا الخبر الفصل في السنة النبوية فيما إذا جاء الخلل من الحكام - فيما بينهم وبين ربهم، أو بينهم وبين رعيتهم - بالصبر والسمع والطاعة لهم في المعروف، بل لو وقعوا في الكفر؛ ففي المقام تفصيل عند أهل السنة، وهذا التفصيل راجع إلى سبب الوقوع في الكفر: هل هو الشبهة التي يُعذر من وقع في الكفر بسببها، أم لا ؟ وهل المسلمون قادرون على تغيير هذا المنكر بدون مفاسد مساوية أو راجحة، أم لا ؟! وقد سبق أن المرجع المأمون في تقدير ذلك: هم كبار أهل العلم من أهل السنة، أهل العلم والحلم، والفهم الصحيح للمصالح والمفاسد.
إذًا، فهؤلاء الشباب قد خالفوا السنة بفعلهم هذا عندما خرجوا على الحكام بهذه الزلازل والفتن، ولا يصح أن يقال هنا: البادي أظلم - بمعنى: أن الراد بذلك على الحاكم الظالم ليس بظالم أيضًا -!! فإن الراد عليه بالخروج والتشهير - فضلًا عن التفجير والتدمير - ظالم بمخالفة السنة، كما أن الحاكم الذي يهمل العمل بالشرع؛ ظالم بتركه التحاكم لشريعة الله عز وجل، ولكل منهما حُكمه، حسب تفاصيل الشريعة!!
وأيضًا: فهل الحكم بغير ما أنزل الله هو السبب الوحيد لهذا الغلو، والوقوع في التفجير والتدمير ؟!
الجواب: لا، فها هي المملكة العربية السعودية - حرسها الله وجميع بلاد المسلمين من كيد الكائدين وعبث العابثين - لم تَسْلَم أيضًا من شر هذا الفِكْر المحْدَث، وهي تُحْكَم بالشريعة الإسلامية، وتُحيي التوحيد، ومذهب أهل السنة في مشارق الأرض ومغاربها - بقدر الاستطاعة، مع وجود بعض الأخطاء في الجملة، فنسأل الله أن يعينهم على إصلاحها -كما تدافع المملكة عن الإسلام في كثير من المواقع والثغور، ولا زالت الصدر الحنون العطوف الذي لم تجف ألبانه، ولم يتم الرضاعة بعد للعلماء والدعاة إلى الله وطلاب العلم، وحُفّاظ كتاب الله، واليتامى، والأرامل، والمرضى، والمعاويز، وذوي الحاجات من جميع أنحاء العالم، بما لا يُنكره إلا جاهل بهذه البلدة المباركة وأهلها الكرماء، أو جاحد مكابر قد عميت بصيرته في هذا المقام، وفسد مزاجه، حتى أصبح يجد طعم المر في الماء العذب الزلال!! كما قال القائل:


ومن يك ذا فمٍ مُرٍّ مريض يجدْ مُرًّا به المـاء الزلالا



وهل سَلِمَتْ مكة والمدينة: الحرمان الشريفان، اللذان يَسْلَمان من شر الدجال، هل سلمتا من غبار سيل هذه الفتنة وتلك الأفكار ؟! وهل سَلِمَتْ الرياض، عُقْر دار التوحيد، وقُطْب رَحَى السنة في هذا العصر الجديد، وقرة عيون المسلمين - مع الحرمين الشريفين - وبلد العقيدة الرشيدة، والمواقف السديدة في خدمة الإسلام من الرجال والنساء، فهل سلمت من آثار هذا الفكر المحْدَث ؟!
فلو سلَّمنا - جدلًا، ومعاذ الله - بأن في البلاد الأخرى من بلاد المسلمين ما يُسوِّغ هذه التفجيرات والاغتيالات، فهل اقتصر الأمر على ذلك ؟!
إن هذا ليدلُّنا على أن هذه المشكلة لها أسباب عدة، وجوانب متعددة غير الحكم بغير ما أنزل الله.
وإن هذا الجواب عن هذا الإيراد؛ لا يلزم منه تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله، أو التهوين من شأنه؛ فإن الحكم بغير ما أنزل الله - بدون عذر شرعي - جريمة نكراء، وجناية شوهاء، وقد يصل بصاحبه إلى الكفر الأكبر، وقد يَبقى صاحبه فاسقًا مع وجود أصل الإيمان عنده- على تفاصيل معلومة، ليس هذا موضعها - ولا يجوز لمسلم يخاف الله أن يسن سنة سيئة في الإسلام، وأن يعصي الله بإهمال شرعه، أو الإعراض عن حكمه، فقد قال تعالى:)وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا(([2])وقال تعالى:)فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(([3]) وإنما المراد بيان أن الحكم بغير ما أنزل الله ليس هو السبب الوحيد، وإن كان سببًا عظيمًا في كثير من الرزايا التي حلَّت بالمسلمين، ولو سلمنا بأنه السبب الوحيد؛ فلا يجوز أن نقابل الخطأ بخطأ، أو أن نُظْلَم فنَظِْلمَ، فـ((خير الهدي هدى محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وشر الأمور محدثاتها)) وقديمًا قيل:


وكل خيرٍ في اتباع من سلف وكل شرٍّ في ابتداع من خلف.



~~~




([1]) [ النور: 63 ].


([2]) [ الأحزاب: 36 ].

([3]) [ النساء: 65 ].

ولد برق 29-08-2008 11:35 AM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
الشبهة السابعة عشر



يقول بعضهم: إذا كنتم ترون جواز قتال العدو الذي احتل بلادنا، فهؤلاء الحكام مِنْ وَضْعِ وتنصيب هؤلاء الأعداء، ويُنَفِّذون أوامرهم في بلاد المسلمين، فلماذا تمنعوننا من قتالهم، وتعدُّون ذلك خروجًا عليهم، ومخالفة لمنهج السلف ؟!
والجواب على ذلك من وجوه - إن شاء الله تعالى -:
الأول: أن قتال المحتل الغاصب فرض عين على أهل البلد المغتصَب، شريطة القدرة على ذلك، وليس على الإطلاق كما يدَّعي هؤلاءوقد يتعدى هذا الحكم لغيرهم، كما هو موضح في موضعه، فمراعاة الاستطاعة، وعدم زيادة الشر عما هو حاصل، ورجاء حصول النكاية بالعدو، وتعطيل الشر أو تقليله؛ كل ذلك معتبر في هذا المقام.
الثاني: جرت العادة بأن أهل البلد المحتَلِّ يجتمعون - غالبًا - على إخراج العدو الغازي، ويؤازر بعضهم بعضًا على ذلك، كل حسب استطاعته، لكن إذا كان حاكمهم منهم - وإن سلمنا جدلًا بصحة إطلاق ما جاء في هذه الشبهة!! - فإن الصفوف تفترق، والآراء تختلف ولا تتفق، فترى مع الحاكم فئة، ومع خصومه فئة أخرى، ثم تجرّ هذه الفتن ويلات، وظلمات، ونكبات لا يعلم بها إلا رب الأرض والسماوات!!
فهل يقاس هذا بذاك ؟ وهل تُستباح الحُرمات، وتُهجر القواعد المحكمات، بمثل هذه الوساوس والشبهات ؟!
الثالث: هناك فرق بين من يُنفِّذ من الحكام وغيرهم بعض أوامر الأعداء عن رغبة وطواعية في مخالفة المقطوع به من الشريعة، وبين من يكره ذلك أشد الكراهية، لكنه يرى أن ذلك من ارتكاب المفسدة الصغرى لدفع المفسدة العظمى، وإنما يفعل هذا لأنه ضعيف، ولأن إخوانه الحكام المسلمين يخذلونه من حوله، وسواء أصاب في تقديره ذلك، أم لا، فإن هذا يوجب فرقًا واسعًا - ولا بد - في الحكم بين الأمرين، فلا يُسوِّى بينهما ويُفتى بإراقة الدماء بين الحكومات المسلمة وشعوبها؛ إلا من حُرِم التوفيق، وانحراف عن جادة الطريق، ولاحول ولاقوة إلا بالله.
ولقد حسن من قال:


شتان بين الحالتين فإن تُرِدْ جَمْعًا فما الضدانِ يجتمعانِ

والله ما استويا ولن يتلاقيا حتى تشيب مفارق الغربان




الرابع: ثم من الذي يُخَوَّل له أن يحكم بكُفْر الحكام بأعيانهم، ثم يُقَدِّر أن الخروج عليهم وقتالهم مما أوجبه الله على الشعوب، وأن المصلحة في ذلك راجحة أم لا ؟! هل يُرجع في ذلك إلى العلماء الراسخين المهديين، الذين عُرفت آثارهم الصالحة في المجتمعات، وعُرفوا بالغيرة المقيدة بالحكمة والتؤدة، وبُعْد النظر، وسعة الإدراك، وحُسْن تقدير المصالح والمفاسد، أم يُرجع في ذلك إلى الشباب المتهورين، الذين فتحوا على الأمة أبواب الفتنة في كل مكان، والذين يُحْدِثون الفتنة، ثم يهربون إلى أطراف الأرض، أو إلى بلاد الكفار، ويتركون الساحة خاليةً لأهل البدع والأهواء، فيعيثون في الأرض فسادًا، ويُهلكون الحرث والنسل، ويتذرعون بأعمال هؤلاء الهاربين لضرب ما بقي من خير في المسلمين ؟!
إن هذا كله ليؤكد أن المرجع في هذه الفتاوى المصيرية هم كبار أهل العلم، أهل الإدراك والفهم، كما قال تعالى: )وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ( ([1]) والله المستعان.



~~~




([1]) [ النساء: 83 ].

جمال البليدي 29-08-2008 05:10 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
بارك الله فيك
جعل الله تعالى ما تنقل في ميزان حسناتك
إن هذا الفكر خطره جسيم على الأمة وقد ذهب ضحياه الكثير من شباب أمتنا الغالية
علينا أن نجفف منابعه بالعلم والتوعية والإرشاد وذلك بأن نربط الشباب بالعلماء البارزين المعروفين بصحة المعتقد وسلامة المنهج بدلا من الطعن فيهم وتشويهم بالإفتراءات وقلب الحقائق وجعل باطلهم حقا وحقهم باطلا
وفقنا الله تعالى جميعا إلى التمسك بشرعه المطهر ووفق ولاة أمورنا حفظهم الله في محاربة هذا الفكر الفاسد الكاسد وجمع شمل المسلمين على الهدى

ولد برق 04-09-2008 04:09 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة البليدي جمال (المشاركة 239027)
بارك الله فيك
جعل الله تعالى ما تنقل في ميزان حسناتك
إن هذا الفكر خطره جسيم على الأمة وقد ذهب ضحياه الكثير من شباب أمتنا الغالية
علينا أن نجفف منابعه بالعلم والتوعية والإرشاد وذلك بأن نربط الشباب بالعلماء البارزين المعروفين بصحة المعتقد وسلامة المنهج بدلا من الطعن فيهم وتشويهم بالإفتراءات وقلب الحقائق وجعل باطلهم حقا وحقهم باطلا
وفقنا الله تعالى جميعا إلى التمسك بشرعه المطهر ووفق ولاة أمورنا حفظهم الله في محاربة هذا الفكر الفاسد الكاسد وجمع شمل المسلمين على الهدى

بارك الله فيك أخي

و أنت لك جهد كبير في محاربة غلاة التكفير و التفجير و هذا يسعدني و لذلك حزنت عندما دخلت و رأيتك موقف و الحمد لله على عودتك و بارك الله في جهودك

جمال البليدي 04-09-2008 04:15 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ولد برق (المشاركة 245487)
بارك الله فيك أخي

و أنت لك جهد كبير في محاربة غلاة التكفير و التفجير و هذا يسعدني و لذلك حزنت عندما دخلت و رأيتك موقف و الحمد لله على عودتك و بارك الله في جهودك

جزاك الله خيرا وقد نقلت من موضوعك الكثير ولله الحمد والمنة

ولد برق 04-09-2008 04:24 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
الشبهة الثامنة عشرة



يقول بعضهم: إن الحكام الموجودين الآن قد وصل كثير منهم إلى الحكم عن طريق الثورة والانقلاب، ولم يأخذوا الولاية عن مشورة المسلمين، وعلى ذلك فولايتهم غير شرعية، بل قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : ((فمن تأمَّرَ منكم على غير مشورة من المسلمين؛ فاضربوا عنقه)) فلماذا تنكرون خروجنا عليهم، وهم قد خرجوا على من سبقهم ؟! فنحن نخرج كما خرجوا، وليس لهم علينا حق السمع والطاعة!!

والجواب على ذلك من وجوه - إن شاء الله تعالى -:
الأول: أنهم وإن ثاروا على من قبلهم؛ فقد استقر لهم الأمر، وأصبح من أشرتم إليه بما سبق يُسَمَّى أحدهم رئيسًا لبلاده، أو ملكًا، أو أميرًا، أو شيخًا، أو قائدًا... ونحو ذلك.
فلا يجوز أن يُقتدَى به في هذا الفعل، ولا يحل لكم أن تخرجوا عليه، لأن من غلب على الإمارة بشوكته - وإن كان ظالمًا - وسُمِّي أميرًا، أو رئيسًا، أو ملكًا؛ فلا يجوز الخروج عليه، لأن في الخروج عليه فتنة وفسادًا في الأرض، وهذا الحكم عام فيمن ولاّه أهل الحل والعقد، أو غلب على الولاية بشوكته.

وقد قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - في ((رسالة عبدوس بن مالك العطار)): ((أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-...)) فذكر أمور، إلى أن قال: ((ومنْ ولي الخلافة، فأجمع عليه الناس، ورضُوا به، ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة، وسُمِّي أمير المؤمنين؛ فدَفْع الصدقات إليه جائز، برًّا كان أو فاجرًا )).([1]) .اهـ.
وقد قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب النجدي - رحمه الله -:
((الأئمة مجمعون في كل مذهب: على أن من تغلَّب على بلد أو بلدان؛ له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل - قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا- ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرفون أحدًا من العلماء ذكر أن شيئًا من الأحكام لا يصح إلى بالإمام الأعظم ))([2]).اهـ.
فكل هذا يدل على أن من غلب عليها بشوكته - ولا يكون ذلك إلا بخروج منه على من قبله - وسُمِّي أميرًا للناس؛ يجب التعاون معه على البر والتقوى، والسمع والطاعة له في المعروف، وهذا من باب تقليل المفاسد، وإذا كان النهي عن المنكر، يترتب عليه منكر أكبر؛ فمن المنكر النهي عن المنكر - والحالة هذه - والله أعلم.
الثاني: قد جرى نحو هذا في زمن الأئمة، ومع ذلك فلم ير أهل السنة الخروج على من غلب عليها بشوكة بهذه الشبهة، ولا يخفى أن دولة بني العباس ما قامت إلا بالخروج على بني أمية، وانتزاع الحكم منهم، ومع ذلك فسيرة السلف معهم معلومة في السمع والطاعة في المعروف، والتحذير من الخروج عليهم، بل عُدَّ الخروج على الحاكم- وإن ظلم - من مذاهب أهل البدع، وما جرى بعد ذلك من أحداث أشهر من أن تُذْكَر، ومع ذلك فسيرة الأئمة فيهم واحدة: لا ينـزعون يدًا من طاعة ولا يرون مناوأة ولاة أمورهم، مع النصح بالمعروف ما أمكن.
الثالث: أن من ثار من هؤلاء الحكام قد وصل بثورته إلى الحكم، واستقرت الأمور له بعد ذلك لشوكته، أما أنتم فلم تحصلوا على شيء من ذلك لضعفكم، مما أدى ذلك إلى فتن أعظم مما حققتم من أهدافكم، وقد سئل الشعبي - رحمه الله تعالى - عن فتنة ابن الأشعث، التي خرج عليه فيها عدد من القرّاء، فقال: ((أصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء))!! وقد سبق من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ما يدل على أن الطوائف التي خرجت على الحكام أتت بمفاسد أعظم مما أرادت إزالته من المفاسد، وهذا هو الحاصل الآن.
الرابع: أن من وصل إلى الحكم بهذه الطريقة من الحكام؛ لم ينسب ذلك - غالبًا - إلى الدين، وإنما سمى ذلك: ثورة، وحرية، وديمقراطية... الخ، أما أنتم فتنسبون أعمالكم إلى الدين - مع بُعدها عن منهج أهل السنة والجماعة - فكيف تقتدون بالحكام في ذلك وأنتم تكفِّرونهم ؟!
وصدق من قال:

فإن الجرح ينفر بعد حين ٍ إذا كان البناء على فسادِ

الخامس: أن أثر عمر - رضي الله عنه -محمول على من بُويع مع وجود أمير ذي سلطان وشوكة، ولم يُبايَعْ من خرج عليه من قِبَلِ أهل الحل والعقد؛ فيُقِْتل كائنًا من كان، كما هو معروف في السنة، أو يُحمل على من تأمَّر من الستة الذين اختارهم عمر لهذا الأمر قبل أن يبايعه بقية الستة، كما هو ظاهر من قول عمر: ((أمْهِلوا؛ فإن حَدَثَ بي حَدَثٌ؛ فليُصلِّ لكم صُهيب ثلاث ليال، ثم اجمعوا أمركم، فمن تأمّر منكم على غير مشورة من المسلمين؛ فاضربوا عنقه ))([3]).اهـ.
وقوله: ((فاضربوا عنقه)) يدلُّ على أن المسلمين قادرون على إطفاء فتنة من تأمَّر بغير مشورة منهم، وأن الضرر سيقع عليه – لا على الأمة – بضرب عنقه، وأين هذا من حالنا اليوم؟!.
واعلم أن من غَلب عليها بشوكته، واستقر له الأمر، ودانتْ له الدهماء؛ فلا بد أن يبايعه أهل الحل والعقد، حقنًا للدماء، قال ابن عبد البر:
((... وقال أهل الفقه: إنما يكون الاختيار في بدء الأمر، ولكن الجائر من الأئمة إذا أقام الجهاد والجمعة والأعياد، ( و ) سكنتْ له الدهماء، وأنصف بعضها من بعض في تظالمها؛ لم تجب منازعته، ولا الخروج عليه، لأن في الخروج عليه استبدال الأمن بالخوف، وإراقة الدماء، وشنَّ الغارات، والفساد في الأرض، وهذا أعظم من الصبر على جَوْره وفسقه، والنظر يشهد: أن أعظم المكروهين أولاهما بالترك... )). ([4]) .اهـ.
السادس: إذا كنتم ترون أن من وصل إلى الحكم بطريقة الانقلاب والخروج على من قبله، فيجوز أن يُخرج عليه لذلك، أو تُضْرب عنقه!! فهل إذا وصلتم إلى الحكم تُجَوِّزون لغيركم أن يخرج عليكم، وتُضْرَب أعناقكم - أيضًا - ؟! فإن أبيتم؛ تناقضتم، وإن أجزتم ذلك؛ فتحتم باب الشر على المسلمين، وجعلتم دماء، وأموال، وأعراض، وأمان، ومصالح، وثروات المسلمين في مهب ريح الفتنة، ويُشْغَل المسلمون بأنفسهم؛ فتسقط هيبتهم، وتُنتهك حرمتهم، ويستبيحهم عدوهم!! فكفى بهذا القول فسادًا وشرًّا، وصدق الله القائل: )وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا (([5])والقائل: )قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (([6]).




~~~




([1] ) من ((منهاج السنة)) ( 1/529) وانظره مع زيادةٍ في ((طبقات الحنابلة)) ( 1/241-242).

([2] ) انظر ((الدرر السنية)) (7/239).

([3]) أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (3/344) والبيهقي في ((الكبرى)) (8/17-18) وسنده صحيح.

([4]) انظر ((العواصم والقواصم)) لابن الوزير (8/17-18)ط. مؤسسة الرسالة.

([5]) [ النساء: 82 ].

([6]) [ الأعراف: 28 ].

ولد برق 05-09-2008 05:10 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
الشبهة التاسعة عشر



يقول بعضهم: إن هؤلاء الحكام لم يُجْمِع الناس على بيعتهم، فلازال هناك من يعارض ويطعن في إمارتهم، ونحن لم نبايعهم بأنفسنا، ولذا فلا حق لهم علينا في السمع والطاعة، ولا حرمة لهم، ويجب الخروج عليهم.
والجواب من وجوه بمشيئة الله تعالى:
الأول: أنه لا يُشترط فيمن يكون إمامًا يُسْمَع له ويُطاع: أن يُجْمِعَ الناس كلهم عليه فردًا فردًا، ولو كان ذلك كذلك؛ لما صحت بيعة أكثر الأئمة من الصحابة فمن دونهم؛ لِتَعَذُّرِ حصول ذلك!!

إنما المطلوب المجزئ في ذلك: بيعة جمهور أهل الشوكة، أو أهل الحل والعقد، وتَخَلُّف بعضهم بعد ذلك لا يضر، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - ([1]) في سياق رده على الرافضي الذي ادعى أن أبا بكر - رضي الله عنه - لم تكن ولايته إلا بمبايعة عمر، ورِضى أربعة فقط، فقال شيخ الإسلام مبينًا بما تثبت الإمامة عند أهل السنة:
((بل الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إمامًا حتى يوافقه أهل الشوكة عليها، الذي يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة، فإن المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان، فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان؛ صار إمامًا.
ولهذا قال أئمة السلف: من صار له قدرة وسلطان، يفعل بهما مقصود الولاية؛ فهو من أُولي الأمر الذين أمر الله بطاعتهم، مالم يأمروا بمعصية الله.
فالإمامة مُلْكٌ وسلطان، والملِكُ لا يصير مَلِكًا بموافقة واحد، ولا اثنين، ولا أربعة، إلا أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم، بحيث يصير مَلِكًا بذلك، وهكذا كُل أمر يفتقر إلى المعاونة عليه؛ لا يحصل إلا بحصول من يمكنهم التعاون عليه،ولهذا لما بويع علي، وصار معه شوكة؛ صار إمامًا...)).
ثم قال: ((فكون الرجل أميرًا، وقاضيًا، وواليًا، وغير ذلك من الأمور التي مبناها على القدرة والسلطان، متى حصل ما يحصل به من القدرة والسلطان ؛ حصلت، وإلا فلا، إذِ المقصود بها عمل أعمال لا تحصل إلا بقدرة، فمتى حصلت القدرة، التي يمكن بها تلك الأعمال؛ كانت حاصلة، وإلا فلا )).
إلى أن قال: ((والقدرة على سياسة الناس: إما بطاعتهم له، وإما بقهره لهم، فمتى صار قادرًا على سياستهم: بطاعتهم أو بقهره؛ فهو ذو سلطان مطاع، إذا أمر بطاعة الله... )).
ثم ذكر قول الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - الذي في ((رسالة عبدوس بن مالك العطار)) وقد سبق ذِكْره.
ثم قال - رحمه الله تعالى -: ((وأما نفس الولاية والسلطان: فهو عبارة عن القدرة الحاصلة، ثم قد تحصل على وجه يحبه الله ورسوله، كسلطان الخلفاء الراشدين، وقد تحصل على وجه فيه معصية، كسلطان الظالمين.
ولو قُدِّر أن عمر وطائفة معه بايعوه - يعني أبا بكر - وامتنع سائر الصحابة عن البيعة؛ لم يصر إمامًا بذلك، وإنما صار إمامًا بمبايعة جمهور الصحابة، الذين هم أهل القدرة والشوكة، ولهذا لم يضرَّ تخلُّفُ سعد بن عبادة؛ لأن ذلك لا يقدح في مقصود الولاية، فإن المقصود حصول القدرة والسلطان اللذين بهما تحصل مصلحة الإمامة، وذلك قد حصل بموافقة الجمهور على ذلك.
فمن قال: إنه يصير إمامًا بموافقة واحد، أو اثنين، أو أربعة، وليسوا هم ذوي القدرة والشوكة؛ فقد غلط، كما أن من ظن أن تخلف الواحد، أو الاثنين، والعشرة يضر؛ فقد غلط )).اهـ.
وقال - رحمه الله تعالى - بعد ذكره الأمر بطاعة السلطان - وإن جار -: ((... فتبيَّن أن الإمام الذي يُطاع: هو من كان له سلطان، سواء كان عادلًا أو ظالمًا )). ([2]) .اهـ.
الوجه الثاني: سبق من كلام شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - أن تخلف بعض أهل الشوكة - فضلًا عمن لا شوكة له - لا يضر بيعة الإمام، ولا يؤثر في السمع والطاعة له بالمعروف، لأن اشتراط اجتماع الجميع لا يجب شرعًا، ولا يتحقق واقعًا، فإذا كان أي تخلّف عن البيعة يضر بها؛ فلا تصح إذًا بيعة أبي بكر؛ لتخلف سعد بن عبادة وغيره!! كما لا تصح بيعة علي لتخلف أهل الشام!! وإذا كان هذا في هذين الخليفتين الراشدين؛ فما ظنك بمن جاء بعدهما من الأمراء الذين رفض بيعتهم عدد كثير من الناس، بل خرجوا عليهم ؟!
ومعلوم أن الأمور مستقرة لهؤلاء الحكام مع وجود من يكرههم، أو يخرج عليهم، وعلى ذلك فيجب السمع والطاعة لهم في المعروف.
وقد قال صاحب الفضيلة الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى - في ((شرح رياض الصالحين))([3]):
((قد يقول قائل مثلا: نحن لم نبايع الإمام، فليس كل واحد بايعه!!
فيقال: هذه شبهة شيطانية باطلة؛ فالصحابة - رضي الله عنهم - حين بايعوا أبا بكر: هل كل واحد منهم بايع، حتى العجوز في بيتها، والذي في سوقه ؟! أبدًا، المبايعة لأهل الحل والعقد، ومتى بايعوا؛ ثَبَتَتْ على كل أهل هذه البلاد، شاء أو أَبَى، ولا أظن أحدًا من المسلمين - بل العقلاء - يقول: إنه لا بد أن يبايع كل إنسان، ولو في جحر بيته، ولو عجوزًا، أو شيخًا كبيرًا، أو صبيًّا صغيرًا!! ما قال أحد بهذا...)).
إلى أن قال - رحمه الله تعالى -: ((في الدين الإسلامي: متى اتفق أهل الحل والعقد على الإمام؛ فهو الإمام، شاء الناس أو أبَوْا، فالأمر كله لأهل الحل والعقد، ولو جُعل الأمر لعامة الناس حتى للصغار، والكبار، والعجائز، والشيوخ، وحتى من ليس له رأي، ويحتاج أن يُوَلَّى عليه؛ ما بقي للناس إمام، لأنهم لا بد أن يختلفوا... )).اهـ.
وقال - رحمه الله تعالى - في تعليقه على رسالة العلامة الشوكاني: ((رفع الأساطين في حكم الاتصال بالسلاطين))([4]): ((... فلا أظن أنه يُوجد خليفة من الخلفاء ليس له منتقد في كل ما يفعل، أنتم تعرفون أن الانتقادات وُجِّهتْ إلى أبي بكر وعمر، وعثمان، وعلى، ولكن بعضها بحق، وبعضها بغير حق، وغالبها في الخلفاء الراشدين لم يكن أكثرها بحق، بل البعض وجَّه الطعن إلى رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقال له: اعدل، هذه قسمة ما أُريد بها وجه الله...)).اهـ.
قلت: قد سبق أن إجماع جميع أهل الحل والعقد - أيضًا - ليس شرطًا، إنما المقصود يحصل بجمهور أهل الشوكة، وإن تخلف بعضهم، والله أعلم.

الثالث: لو فرضنا أنكم وصلتم إلى الحكم، فهل سيُجمع الناس عليكم قاطبة ؟ أم سيوجد من لا يرضاكم أيضا ؟!
فإن قلتم: سيُجمعون علينا؛ كذَّبكم الواقع، فأنتم تعلمون أن كثيرًا من المشتغلين بالدعوة - فضلا عن غيرهم - لا يرضون طريقتكم، وربما لو ملكْتم؛ كان لهم شأن وشوكة، وخرجوا عليكم!!
وإن قلتم: لا يُجمعون علينا، قلت: فهل تُجوِّزون لهم الخروج عليكم، كما خرجتم على من سبقكم بحجة عدم الإجماع على بيعتهم، وأنتم لم يُجمع الناس عليكم بإقراركم هذا ؟!
فإن قلتم: لا؛ تناقضتم، وإن قلتم: نعم؛ فتحتم باب الفتن والهرج على المسلمين إلى يوم القيامة، وكفى فسادًا بقولٍ هذا حاله ومآله، والله أعلم.
فإن قال قائل: هناك قول لأحمد يدل على أن الإمام لا يكون إمامًا إلا إذا أُجْمع عليه، فقد جاء في رواية إسحاق بن منصور، أن أحمد سئل عن حديث النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((من مات وليس له إمام؛ مات مِيتة جاهلية)) ما معناه؟ فقال: تدري ما الإمام ؟ الإمام الذي يُجمع عليه المسلمون كلهم، يقولون: هذا إمام، فهذا معناه. اهـ ([5])
قالوا: وعلى ذلك فحكام زماننا لم يُجمع عليهم المسلمون كلهم، فلهم في كل بلد إمام، وفي البلد الواحد يوجد كثير لم يبايعوهم، فمن لم يبايعهم، ومن ثَم خرج عليهم؛ فلا حرج.
والجواب: ليس المراد من كلام الإمام أحمد إجماع جميع المسلمين فردًا فردًا على البيعة، بل لا يستقيم فَهْم كلام أحمد على أن المراد بذلك جميع أهل الحل والعقد، لأن ذلك لم يتوافر في إمامة معظم أئمة المسلمين!!
فهذا صدِّيق هذه الأمة - رضي الله عنه - قد امتنع عن بيعته بعض الصحابة من ذوي الشوكة - فضلا عن غيرهم -، فهل أبو بكر لا يُسَمَّى إمامًا عند أحمد وعندكم ؟!
وهذا علي بن أبي طالب قد امتنع عن بيعته أهل الشام من الصحابة والتابعين، فهل يَنقض ذلك كونه أمير المؤمنين ؟!
وقد ذكر شيخ الإسلام أن ثُلُثَ الأمة، أو أقل، أو أكثر، لم يبايعوا عليا، بل قاتلوه، والثلث الآخر لـم يقاتلوا معه، وفيهم من لم يبايعه أيضًا... ([6]) .اهـ.
وقد بدَّع الإمام أحمد - الذي نقلتم كلامه- من لم يُرَبِّع بإمامة علي ([7]).
هذا؛ مع علم أحمد بأن عليًا قد نازعه كثيرون في إمامته، بل قُتل- رضي الله عنه - من بعض خصومه وهم الخوارج، الأمر الذي يدل على قوة خصوم علي - رضي الله عنه -!!
وأكثر أمراء بني أمية، وبني العباس، وغيرهم من الأمراء لم يُسلَّم لكل أمير منهم بإمامته من جميع من هم تحت سلطانه، فضلا عمن أقام دولة في مكان آخر من البلاد، وخرج من سلطانه بالكلية.
فلو كان هذا الفهم لكلام أحمد صحيحًا؛ لما أنكر أحمد على من لم يُرَبِّع بخلافة عليّ، ولما قامت للمسلمين قائمة، لأن الوقع يشهد بعدم تحقق هذا الإجماع، إنما يُكتفى بموافقة جمهور أهل الشوكة، كما سبق، والله تعالى أعلم.
ويُضاف إلى ذلك: أنه قد سبق من كلام أحمد أنه قال: ((ومن ولي الخلافة، فأجمع عليه الناس، ورضُوا به، ومن غلبهم بالسيف، حتى صار خليفة، وسُمِّي أمير المؤمنين، فدَفْع الصدقات إليه جائز، برًا كان أو فاجرًا)) فقوله: ((ومن غلبهم بالسيف)) معلوم أن من كان كذلك لا يكون مجمعًا عليه، بل إن أحمد قد غاير بين من أجمع عليه الناس، وبين من غلب عليها بالسيف، فدل على أن من غلبهم بالسيف ليس مُجْمَعًا عليه، ومع ذلك فقد قَبِل أحمد تسميته بأمير المؤمنين، وأفتى بدَفْع الصدقات إليه.
بل جميع النصوص الآمرة بالصبر على جور الحكام، وأثرتهم على الناس، وضرْب الظهر، وأخذْ المال؛ كلُّ ذلك يدل على الصبر والسمع والطاعة مع وجود من لم يرض بالإمام لظلمه، وأثرته، فأين الإجماع المدَّعَى على فهم أصحاب هذه الشبهة ؟!
( تنبيه ) سبق الجواب على شبهة من لم ير لحكام المسلمين السمع والطاعة لتعددهم، فلا حاجة لإعادة الجواب عن هذا القدْر من هذه الشبهة، والعلم عند الله تعالى.



~~~





([1]) ((منهاج السنة)) (1/527-531) وانظر - أيضًا - ( 8/335، 356،336).


([2]) ((منهاج السنة النبوية)) (1/561) وانظر (4/112،106).


([3]) (4/503-504) ط / دار البصيرة، الحديث رقم (1835).

([4]) الشريط (2 / أ ).


([5]) ((منهاج السنة)) (1/529).

([6])((منهاج السنة )) (8/338).

([7]) انظر ((المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة)) جمع وتحقيق ودراسة د/ عبدالإله الأحمدي (1/381-384) ط/ دار طيبة.

جمال البليدي 05-09-2008 07:10 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
طاعة الحكام الدكتاتوري المسلم في غير المعصية



ظنهم أن الطاعة للحاكم لا تجب إلا للمبايع بنفسه



هل الخوارج هم الذين يخرجون على الحاكم العادل فقط؟



جناية السياسة على العلم في الجزائر..بركة التحزب


قولهم بأن الحكام أدخلو المشركين إلى الجزيرة العرب





طعنهم في الحكام بحجة أـنهم يوالون الكفار



قولهم بأن الحكام أماتو الجهاد

الطعن في الحكام بحجة إستحلال الربا

تكفيرهم للحكام بدعوى إعانتهم الكفار على المسلمين




طعنهم في الحكام بحجة أنهم أضاعو أموال الدولة



تكفيرهم للحكام بحجة أنهم طواغيت

تكفيرهم للحكام بحجة أنهم يسجنون الدعاة



شبهة تجويزهم الخروج على الحاكم الفاسق



شبهة تجويزهم الخروج على الحاكم المبتدع


ولد برق 06-09-2008 04:10 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
جزاك الله خيرا يا أخ جمال زدت الموضوع نور على نور نور الله حياتك بالهدى

ولد برق 06-09-2008 04:14 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
الشبهة العشرون



وممن ولعوا بالخروج على الحاكم المسلم من يقول: كثير من هؤلاء الحكام ليسوا من قريش، والخلافة في قريش ما بقي في الناس اثنان، ولذلك فلا بد من الخروج على هؤلاء الحكام، حتى يعود الأمر إلى نصابه!!
والجواب على ذلك، من وجوه - إن شاء الله تعالى -:
الأول: نعم، لقد وردت أدلة صحيحة، وآثار صريحة تدل على أن الخلافة في قريش، إلا أن ذلك ليس خاصًّا ببني هاشم، ولا بالبطنين، أو السبطين - كما يزعم بعضهم - فإن قريشًا أعم من ذلك - كما لا يخفى - ولذلك لم ينكر علماء السنة خلافة بني أمية، مع أنهم ليسوا هاشميين، ولا خلافة بني العباس، مع أنهم ليسوا علويين، أو من البطنين، فيجب أن يُعلم هذا.
الثاني: الأدلة الدالة على كون الأئمة من قريش يُعمل بها في حالة الاختيار، لا في حالة الاضطرار، أي أن غير القرشي إذا غلب عليها بشوكته، أو اختاره أهل الحل والعقد؛ لزم القرشيَّ وغيره أن يُذعن له، ويسمع له ويطيع في المعروف، وعلى هذا إجماع الأئمة، كما سبق.
فإذا خرج القرشي على غير القرشي الذي استقر له الأمر، وسُمي أميرًا للمؤمنين؛ فهو خارجي، ولزم المؤمنين أن يقاتلوا القرشي ومن معه وراء أميرهم - بعد نصح البغاة والسعي في إطفاء فتنتهم بالطرق الشرعية - لقوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- : ((من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يَشُقَّ عصاكم، أو يُفَرِّق جماعتكم؛ فاقتلوه)) وفي رواية: ((إنها ستكون هنَاتٌ وهنات، فمن أراد أن يُفرِّق هذه الأمة، وهي جميع؛ فاضربوه بالسيف كائنًا من كان ))([1]) أي سواء كان قرشيًّا، أم لا، وسواء كان أصلح في نفسه من الأمير الموجود أم لا!!
وللقرشي مثل غيره من الحقوق إذا اختاره أهل الحل والعقد، أو غلب عليها بشوكته، ويمتاز على غيره بأنه إذا استوى مع غيره في جميع شروط الإمامة؛ فإنه يُقدَّم لقرشيته - في حالة الاختيار لا الاضطرار - وليست أولويته مطلقة، وإن غلب عليها غيره، أو اختاره أهل الحل والعقد!!
الثالث: لو خُيِّر أهل الحل والعقد بين قرشي رافضي، أو قبوري خرافي، أومبتدع ضال، أو ظالم فاجر، وبين سُنِّي صالح قوي، وهو غير قرشي؛ فلا يسعهم إلا اختيار السني القوي، وإن لم يكن قرشيًّا؛ لأن هذا أعظم في تحصيل مقصود الخلافة من مجرد تحقُّق شرط النسب، وصدق من قال:

لا ينفع الأصلُ من هاشم إذا كانت النفس من باهلة

ومن قال:

إذا افتخَرْتَ بآباءٍ ذوي شرفٍ قلنا صَدَقْتَ ولكن بئس ما وَلَدُوا



إذًا، فلا يجوز الخروج على الحاكم المسلم - وإن لم يكن قرشيًّا، وإن كان ظالمًا - طالما قد استقر له الأمر، إما باختيار أهل الحل والعقد، أو بغلبته بشوكته عليها، كل هذا حفاظًا على ما بقي من خير في المسلمين - لا تزلُّفًا لحاكم - ويجب التعاون مع ذي السلطان على البر والتقوى ما أمكن ذلك، ومن خرج عليه من قريش أو غيرها - سواء كان سُنِّيًّا أم بدعيًّا، برًّا كان أم فاجرًا فهو خارجي، يُرَدُّ بغْيه بما أمكن من طرق، فإن لم يرجع إلا بالسيف وكان السكوت عليه أعظم شرًّا قاتله الإمام ومن معه من المؤمنين كائنًا من كان، ولقد أحسن من قال:


فما هو إلا الوحي أَوْحَدُّ مُرْهَفٍ تُميـل ظباه أخْدَعَيْ كـلِّ مائلِ

فهذا شفاء الداء مـن كل عاقلٍ و هذا دواء الداء من كل جاهـلِ




(تنبيه): هناك من ينظر إلى شرط القرشية في الإمامة نظرةً طائفية، أو عِرقية، أو نحو ذلك، ويردُّ هذا الشرط بلا دليل إلا مجرد شبهات عقلية، وهذا أسلوب غير شرعي، ولا يلزم من فساد حال من يذكر هذا الشرط ويدَّعيه لنفسه أن يكون هذا الشرط باطلًا.
فقد وردتْ أدلة في السنة بهذا الشرط لا يمكن ردُّها، لكن الصحيح أن من خرج على الجماعة، وأراق الدماء بشبهة القرشية؛ يجاب عليه بما سبق؛ لا بهذه الإيرادات الواهية، فلا يجوز ردُّ الباطل بباطل، إنما يُردُّ بالحق، كما قال تعالى: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق}، والله أعلم.


~~~




([1]) أخرجه مسلم برقم (1852).

جمال البليدي 07-09-2008 01:42 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
وفيك بارك الله أخي إليك موضوع ذات صلة بما قلت:
/
/
/
طعنهم في الحاكم الذي ليس من قريش

ولد برق 07-09-2008 04:19 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
جزا الله الجمالين خيرا

ولد برق 07-09-2008 04:23 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
الشبهة الحادية والعشرون



واستدل بعضهم على جواز قتل الكفار دون الرجوع إلى ولي الأمر بما أخرجه البخاري([1]) في قضية صلح الحديبية: أن أبا بصير قتل بعض الكفار، عندما دفعه النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى رجلين كافرين، وأن أحدهما رجع إلى المدينة، ودخل المسجد يَعْدُو، فقال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عند ما رآه:((لقد رأى هذا ذُعْرًا)) فلما انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: قُتِل والله صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال: يانبي الله، قد والله أوْفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم، فقال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: (( ويلُ أمِّه، مِسْعَرَ حربٍ لو كان له أحد)) فلما سمع ذلك؛ عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سِيفَ البحر، ولحق به أبو جَندل بن سهيل، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم؛ إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بِعيرٍ خرجتْ لقريش إلى الشام؛ إلا اعترضوا لها، فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تناشده الله والرحم، لما أرسل - أي إليهم - فمن أتاه؛ فهو آمن، فأرسل النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إليهم... .اهـ.
قالوا: فأبو بصير قد قَتل من قَتَل أولا، ثم قَتَل هو ومن معه، ونهبوا الأموال، كلُّ ذلك دون رجوع إلى رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فلماذا تنكرون علينا الاقتداء بهؤلاء الصحابة ؟!
والجواب من وجوه - إن شاء الله تعالى -:
الأول: أن أبا بصير ومن لحق به بعد ذلك كانوا غير داخلين في عهده - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مع قريش، وهذا مُصَرَّحٌ به في القصة، ولذا ردَّ النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أبا بصير وأبا جندل، لما أصر سهيل على إرجاع أبي جندل، ولما أرسلت قريش في طلب أبي بصير حسب صلح الحديبية، وعلى ذلك فليسوا داخلين في صلح النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مع قريش، وقد قال الحافظ في فوائد هذه القصة: ((ولا يُعَدُّ ما وقع من أبي بصير غَدْرًا؛ لأنه لم يكن في جملة من دخل في المعاقدة التي بين النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وبين قريش، لأنه إذ ذاك كان محبوساُ بمكة...))([2]).اهـ.
وعلى ذلك: فأي ضرر يأتي من تصرف أبي بصير؛ فليس على المسلمين منه شيء، وقد قال الحافظ بعد كلامه السابق: ((... وفيه: أن مَنْ فَعَلَ مثل فِعْل أبي بصير؛ لم يكن عليه قَوَدٌ ولا دية، وقد وقع عند ابن إسحاق: أن سهيل بن عَمْرو لما بلغه قتل العامري -أي الرجل الأول الذي قتله أبو بصير- طالب بديته، لأنه من رهطه، فقال له أبو سفيان: ليس على محمد مطالبة بذلك؛ لأنه وَفَّى بما عليه، وأسلمه لرسولكم، ولم يقتله بأمره، ولا على آل أبي بصير شيء؛ لأنه ليس على دينهم )).اهـ.
فمن نظر إلى مآل فِعْل أبي بصير - الذي لم يلحق المسلمين منه ضرر - ومآل فِعْل أصحاب هذه الشبهة، الذي ملأ ضرره بالمسلمين السهل والجبل؛ علم الفرق بين الدليل والدعوى!!
الوجه الثاني: أن أَمْرَ أبي بصير ومن معه آل إلى قوة شأنهم، حتى ناشدت قريش الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالله والرحم أن يرسل إليهم، وأن من أتاه؛ فهو آمن، ولا حرج على الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في قبولهم، وهذا بخلاف حال المخالفين، كما لا يخفى على أحد.
وبذلك فقد تحققت من وراء موقف أبي بصير ومن معه عدة مصالح، منها: وفاء الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعهده مع قريش، وأن الله جعل لأبي بصير ومن معه فرجًا ومخرجًا، وأن شوكة المسلمين قويت بانضمام هؤلاء إليهم، وكل هذا بخلاف حال أصحاب هذه الشبهة، والله أعلم.
الوجه الثالث: أن نكاية أبي بصير كانت على الكفار دون إضرار بالمسلمين، أما أنتم فتوقعون الضرر العاجل والآجل بالمسلمين، فكم من مسلم بريء قُتل، أو ذهب ماله بسبب فعالكم هذه، وكم من معاهَد مستأمَن غدرتم به، فأين هذا من حال أبي بصير وأصحابه- رضي الله عنهم- ؟! والله المستعان.

~~~


([1]) برقم (2732،2731) ك / الشروط، ب الشروط في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحرب.

([2]) ((الفتح)) (5/414).

ولد برق 08-09-2008 04:06 PM

رد: شبهات المجيزين للتفجيرات و الاغتيالات000 و الرد عليها
 
الشبهة الثانية والعشرون



واستدل بعضهم على الخروج بقصة تُرْوَى عن أحمد بن نصر الخزاعي في ذلك.
قالوا: ولماذا تنكرون علينا الخروج على الحكام، وقد خرج أحمد بن نصر الخزاعي - أحد العلماء الثقات - على الواثق حاكم زمانه، ولما قتله الواثق؛ وصفه أحمد بن حنبل - مادحًا له - بأنه قد جاد بنفسه في سبيل الله، ووصفه ابن معين بأنه شهيد!!
والجواب: أن قصة خروج الخزاعي لا تصح سندًا: فقد أخرجها الخطيب في ((تاريخ بغداد))([1]) فقال: حدثني القاضي أبو عبد الله الصميري قال حدثنا محمد بن عمران المزرباني قال أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال: كان نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي من أهل الحديث، وكان جده من رؤساء نقباء بني العباس، وكان أحمد وسهل بن سلامة - حين كان المأمون بخراسان - بايعا الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى أن يدخل المأمون بغداد، فرفق بسهل حتى لبس السواد، وأخذ الأرزاق، ولزم أحمد بيته، ثم أَمْرُه تحرك ببغداد في أيام الواثق، واجتمع إليه خَلْقٌ من الناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، إلى أن مَلَكُوا بغداد.
وتعدَّى رجلان من أصحابه، يقال لأحدهما: طالب في الجانب الغربي، ويقال للآخر: أبو هارون في الجانب الشرقي، وكانا موسرين، فبذلا مالًا، وعزما على الوثوب ببغداد في شعبان سنة ( 231 ) فَنَمَّ عليهم قوم إلى إسحاق بن إبراهيم، فأخذ جماعة فيهم أحمد بن نصر، وأخذ صاحبيه: طالبًا وأبا هارون، فقيدهما، ووجد في منـزل أحدهما أعلامًا، وضرب خادمًا لأحمد بن نصر، فأقر أن هؤلاء كانوا يصيرون إليه ليلا، فُيَعَرِّفونه ما عملوا، فحملهم إسحاق مقيدين إلى سُرَّ مَنْ رَأَى، فجلس لهم الواثق، وقال لأحمد بن نصر: دع ما أُخِذْتَ له، ما تقول في القرآن ؟ قال: كلام الله، قال: أفمخلوق هو ؟ هو كلام الله.
قال أَفَتَرى رَبَّك يوم القيامة ؟ قال: كذا جاءت الرواية، فقال: ويحك يُرى كما يُرَى المحدود المتجسم ؟ يحويه مكان، ويحصره الناظر ؟ أنا أَكْفُر برب هذه صفته، ما تقولون فيه ؟ فقال عبدالرحمن بن إسحاق - وكان قاضيًا على الجانب الغربي ببغداد، فعُزِل -: هو حلال الدم، وقال جماعة من الفقهاء كما قال، فأظهر ابن أبي دؤاد أنه كاره لقتله، فقال للواثق: يا أمير المؤمنين، شيخ مختل، لعل به عاهةً أو تَغَيُّرَ عَقْلٍ، يُؤَخَّر أَمْرُه، فقال الواثق: ما أراه إلا مؤدِّيًا لكفره، قائمًا بما يعتقده منه، ودعا الواثق بالصمصامة، وقال: إذا قُمْتُ إليه فلا يقومن أحد معي؛ فإني أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد ربًّا لا نعبده، ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها، ثم أمر بالنطع، فأُجلس عليه وهو مقيد، وأمر بشد رأسه بحبل، وأمرهم أن يمدوه، ومشى إليه حتى ضرب عنقه، وأمر بحمل رأسه إلى بغداد، فَنُصِبَ في الجانب الشرقي أيامًا، وفي الجانب الغربي أيامًا، وتتبع رؤساء أصحابه فوضعوا في الحبوس)).
قلت: وهذا سند لا يحتجُّ به: فإن محمد بن يحيى الصولي لم يدرك زمن هذه الواقعة، وليس له رواية عن أحمد بن نصر الخزاعي، وقد قُتِلَ أحمد بن نصر الخزاعي سنة 231هـ، فَبَيْنَ قَتْل أحمد بن نصر ووفاة الصولي خمس سنوات ومائة سنة، فمن المؤكد أنه لم يسمع منه، ولم يدرك هذه القصة، والصولي من جملة مشايخه أبو داود، وأبو داود نفسه لم يسمع من الخزاعي، إنما روى عنه بواسطة فما ظنك بتلميذه!!
فأقول لمن يحتج بهذه القصة: ثَبِّتْ العرش ثم انقش.
هذا من جهة الإسناد، وأما من جهة المتن ففيه نكارة: لأن المعروف عن السلف - في زمن الخزاعي - أنهم لا يخرجون على أمراء الجور، بل يصبرون على أذاهم، وينصحون لهم، قيامًا بواجب النصح، ودرءًا للفتنة والفساد، فكيف يمدحه أحمد بن حنبل في الخروج على الأئمة، وأحمد نفسه يَعُدُّ الخروج من الفتن، وقد حذر من ذلك أيما تحذير، كما مر من كلامه مع من أراد أن يخرج على الواثق.
ثم لماذا لا يُحمل مدح أحمد للخزاعي - رحمها الله تعالى - ووصف ابن معين له بالشهادة على ثبات الخزاعي في فتنة القول بخلق القرآن، لا فتنة الخروج على الولاة ؟ فتأمل كيف يستشهد القوم بالمتشابه من القول، وكيف يحاولون إقامة أَمْرٍ وإن هدموا به أمورًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
أضف إلى ذلك: أن في القصة - لو صحت- ما يدل على أن الواثق قتل الخزاعي لقوله: القرآن كلام الله غير مخلوق، لا لخروجه، فإنه قال له: ((دَعْ ما أُخِذْتَ له، ما تقول في القرآن؟ )) إلى أن قال - وقد طُلب منه العفو عنه -: ((ما أراه إلا مُؤَدِّيًا لكفره؛ قائمًا بما يعتقده منه...)).
فهذا كله - لو صحت القصة يدل على أنه قتله لذلك، وأن أحمد مدحه لذلك، لا للخروج، لما سبق من كلام الواثق، ولأن مذهب أحمد ذم الخروج، لا مدح من قام به، كما تقدم، والله أعلم.




~~~



([1]) (5/176) ترجمة أحمد بن نصر الخزاعي.


الساعة الآن 11:11 PM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى