منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   قسم التفسير (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=236)
-   -   تفسير حزب سبح (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=269318)

abchir 30-05-2014 08:28 PM

تفسير حزب سبح
 
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله
نواصل نقل تفسير ما بدأناه من آي القرآن الكريم، وقد إخترنا هذا الجزء لشيوع حفظه بيننا وهو ما بدأنا حفظه ونحن صغار فيحسُن بنا فهم ما نقرأه فالعبرة بالتدبر لا بكثرة الحفظ،فأرجوا لكم متابعة نافعة
نبدأ بأول سورة (( سبح اسم ربك الأعلى )) البسملة سبق الكلام عليها، وأنها آية من كتاب الله مستقلة ليست من الفاتحة ولا من البقرة، ولا من آل عمران، ولا من أي سورة من القرآن، لكنها آية مستقلة تنزل في ابتداء كل سورة ولهذا كان الصحيح من الفاتحة أن أول آية فيها (( الحمد لله رب العالمين ))، والثانية (( الرحمن الرحيم )) والثالثة )) مالك يوم الدين (( والرابعة ))إياك نعبد وإياك نستعين (( والخامسة )) إهدنا الصراط المستقيم (( والسادسة (( صراط الذين أنعمت عليهم )) والسابعة (( غير المغضوب عليهم ولا الضالين )) هذا هو القول الصحيح التي دلت عليه سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
يقول الله تعالى : (( سبح اسم ربك الأعلى )) الخطاب هنا للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والخطاب الموجه للرسول في القرآن الكريم على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يقوم الدليل على أنه خاص به فيختص به.
الثاني: أن يقوم الدليل على أنه عام فيعم.
الثالث: أن لا يدل دليل على هذا ولا على هذا، فيكون خاصًّا به لفظاً، عامًّا له وللأمة حكماً. مثال الأول: قوله تبارك وتعالى: (( ألم نشرح لك صدرك. ووضعنا عنك وزرك )) .ومثاله أيضاً قوله تعالى: (( وأرسلناك للناس رسولاً )). فإن هذا من المعلوم أنه خاص بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومثال الثاني الموجه للرسول عليه الصلاة والسلام، وفيه قرينة تدل على العموم: قوله تعالى: (( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن )). فوجه الخطاب أولاً للرسول عليه الصلاة والسلام،(( يا أيها النبي )) ولم يقل " يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم " قال: (( يا أيها النبي إذا طلقتم ))، ولم يقل: " يا أيها النبي إذا طلقت " قال: (( يا أيها النبي إذا طلقتم )) فدل هذا على أن الخطاب الموجه للرسول عليه الصلاة والسلام موجه له وللأمة. وأما أمثلة الثالث: فهي كثيرة جداً يوجه الله الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، والمراد الخطاب له لفظاً وللعموم حكماً. هنا يقول الله عز وجل: (( سبح اسم ربك الأعلى )) (( سبح )) يعني نزه الله عن كل ما لا يليق بجلاله وعظمته، فإن التسبيح يعني التنزيه، إذا قلت: سبحان الله، يعني أنني أنزه الله عن كل سوء، عن كل عيب، عن كل نقص، ولهذا كان من أسماء الله تعالى " السلام، القدوس " لأنه متنزه عن كل عيب. ونحن نضرب لكم أمثلة: من صفات الله تعالى: الحياة ، هل في حياته نقص؟ لا ، وحياة المخلوق فيها نقص، أولاً: لأنها مسبوقة بالعدم فالإنسان ليس أزلياً. وثانياً: أنها ملحوقة بالفناء (( كل من عليها فان )). السمع، سمع الله عز وجل ليس فيه نقص يسمع كل شيء، حتى إن المرأة التي جاءت تشتكي إلى النبي صلى الله عليه وسلّم والتي ذكر الله تعالى قصتها في سورة المجادلة، كانت تُحدث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعائشة في الحجرة يخفى عليها بعض حديثها، والله تعالى يقول في كتابه: (( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها )). ولهذا قالت عائشة: " الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات "، إن المرأة المجادلة لتشتكي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإنه ليخفى علي بعض حديثها. إذن معنى (( سبح )) سبحان الله معناها أيش أنزه الله عن كل عيب ونقص. وقوله: (( اسم ربك الأعلى )) قال بعض المفسرين: إن قوله (( اسم ربك )) يعني مسمى ربك؛ لأن التسبيح ليس للاسم بل لله نفسه، ولكن الصحيح أن معناها: سبح ربك ذاكراً اسمه، يعني لا تسبحه بالقلب فقط بل سبحه بالقلب واللسان، وذلك بذكر اسمه تعالى، ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: (( فسبح باسم ربك العظيم )). يعني سبح تسبيحاً مقروناً بالاسم، وذلك لأن تسبيح الله تعالى قد يكون بالقلب، بالعقيدة، وقد يكون باللسان، وقد يكون بهما جميعاً، والمقصود أن يسبح بهما جميعاً بقلبه لافظاً بلسانه. وقوله (( ربك )) الرب معناه الخالق المالك المدبر لجميع الأمور، فالله تعالى هو الخالق، وهو المالك، وهو المدبر لجميع الأمور، وهل المشركون يقرون بذلك؟ الجواب نعم يقرون بذلك (( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله )). (( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله )). وأخبر الله سبحانه وتعالى أنهم إذا سئلوا (( أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله}. فهم يقرون بأن الله له الملك، وله التدبير، وله الخلق، لكن يعبدون معه غيره، وهذا من الجهل، كيف تقر بأن الله وحده هو الخالق، المالك، المدبر للأمور كلها وتعبد معه غيره!! إذن معنى الرب هو الخالق، المالك، المدبر لجميع الأمور، وكل إنسان يقر بذلك يلزمه أن لا يعبد إلا الله، كما تدل عليه الايات الكثيرة: (( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم )). قال: (( اعبدوا ربكم الذي خلقكم )) يعني لا تعبدون غيره. (( سبح اسم ربك الأعلى )) الأعلى : من العلو، وعلو الله عز وجل نوعان: علو صفة، وعلو ذات، أما علو الصفة: فإن أكمل الصفات لله عز وجل، قال تعالى: (( ولله المثل الأعلى )).
وأما علو الذات: فهو أن الله تعالى فوق عباده مستو على عرشه، والإنسان إذا قال: يا الله أين يتجه؟ يتجه إلى السماء إلى فوق، فالله جل وعلا فوق كل شيء مستو على عرشه. إذن (( الأعلى )) إذا قرأتها فاستشعر بنفسك أن الله عال بصفاته، وعال بذاته، ولهذا كان الإنسان إذا سجد يقول: سبحان ربي الأعلى، يتذكر بسفوله هو، لأنه هو الآن نزل فأنزل شيء هو هذا، فأشرف ما في الإنسان وأعلى ما في الإنسان هو وجهه ومع ذلك ينزله يجعله في الأرض التي تداس بالأقدام، فكان من الحكمة أن تقول: سبحان ربي الأعلى، يعني أنزه ربي الذي هو فوق كل شيء، لأني نزلت أنا أسفل كل شيء، فتسبح الله الأعلى بصفاته، والأعلى بذاته، وتشعر عندما تقول: سبحان ربي الأعلى، أن ربك تعالى فوق كل شيء، وأنه أكمل كل شيء في الصفات. ثم قال: (( الذي خلق فسوى )) (( خلق )) يعني أوجد من العدم، كل المخلوقات أوجدها الله عز وجل، قال الله تبارك وتعالى: (( يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له (( سبحان الله ،الله يقول له )) يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا (( اسكتوا )) إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه(( . والله مثل عظيم، كل الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً، ولو اجتمعوا له، لو يجتمع جميع الآلهة التي تعبد من دون الله وجميع السلاطين وجميع الرؤساء وجميع المهندسين على أن يخلقوا ذباباً واحداً ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، و الآن ونحن في هذا العصر وقد تقدمت الصناعة هذا التقدم الهائل لو اجتمع كل هؤلاء الخلق أن يخلقوا ذباباً ما استطاعوا، حتى لو أنهم كما يقولون: إنهم صنعوا آدمياً آلياً ما يستطيعون أن يخلقوا ذبابة، هذا الآدمي الآلي ما هو إلا آلات تتحرك فقط، لكن لا تجوع، ولا تعطش، ولا تحتر، ولا تبرد، ولا تتحرك إلا بتحريك، الذباب لا يمكن أن يخلقه كل من سوى الله، فالله سبحانه وتعالى وحده هو الخالق وبماذا يخلق؟ بكلمة واحدة (( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون )). (( إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون )). كلمة واحدة، الخلائق كلها تموت وتفنى وتأكلها الأرض، وتأكلها السباع، وتحرقها النيران، وإذا كان يوم القيامة زجرها الله زجرة واحدة أخرجي فتخرج. (( فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة )). (( إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون )). كل العالم من إنس وجن، ووحوش وحشرات وغيرها كلها يوم القيامة تحشر بكلمة واحدة. إذن فالله عز وجل وحده هو الخالق ولا أحد يخلق معه، والخلق لا يعسره ولا يعجزه وهو سهل عليه ويكون بكلمة واحدة. وقوله (( فسوى )) خلق فسوى ، يعني سوى ما خلقه على أحسن صورة، وعلى الصورة المناسبة، الإنسان مثلاً قال الله تعالى في سورة الانفطار: (( الذي خلقك فسواك فعدلك. في أي صورة ما شاء ركبك )). (( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم )). لا يوجد في الخلائق شيء أحسن من خلقة الإنسان، رأسه فوق، وقلبه في الصدر، وعلى هيئة تامة، ولهذا أول من يدخل في قوله: (( فسوى )) هو تسوية الإنسان (( الذي خلق فسوى )) كل شيء يسوى على الوجه الذي يكون لائقاً به. (( والذي قدر فهدى )) قدر كل شيء عز وجل كما قال تعالى: (( وخلق كل شيء فقدره تقديراً )). قدره في حاله، وفي مآله، في ذاته، وفي صفاته، كل شيء له قدر محدود، فالآجال محدودة، والأحوال محدودة، والأجسام محدودة، كل شيء مقدر تقديراً كما قال تعالى: (( وخلق كل شيء فقدره تقديراً )). وقوله: (( فهدى )) يشمل الهداية الشرعية، والهداية الكونية،
الهداية الكونية: أن الله هدى كل شيء لما خلق له، قال فرعون لموسى: (( فمن ربكما يا موسى. قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى )). تجد كل مخلوق قد هداه الله تعالى لما يحتاج إليه، فالطفل الآن ـ انظر إلى الطفل ـ إذا خرج من بطن أمه وأراد أن يرضع يهديه الله عز وجل إلى هذا الثدي يرتضع منه، وانظر إلى أدنى الحشرات النمل مثلاً أين تضع بيوتها ؟ لا تضع بيوتها إلا في مكان مرتفع من الأرض على ربوة من الأرض ، لماذا ؟ تخشى من السيول تدخل بيوتها فتفسدها، أيضاً إذا جاء المطر وكان في جحورها، أو في بيوتها طعام من الحبوب تخرج به إذا طلعت الشمس تنشره لماذا ؟ لئلا يعفن، وهي قبل أن تدّخره تأكل أطرافها أطراف الحبة لئلا تنبت فتفسد عليهم، هذا الشيء مشاهد مجرب من الذي هداها لذلك؟ هداها الله عز وجل، هذه هداية كونية: أنه هدى كل مخلوق لما يحتاج إليه. أما الهداية الشرعية ـ وهي الأهم بالنسبة لبني آدم ـ فهي أيضاً بينها الله عز وجل حتى الكفار قد هداهم الله يعني بيّن لهم، قال الله تعالى: (( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى )). والعياذ بالله استحبوا الكفر على الإيمان والهداية الشرعية هي المقصود من حياة بني آدم (( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )). وإنما أخبرنا الله بذلك لأجل أن نلجأ إليه في جميع أمورنا، إذا علمنا أنه هو الخالق بعد العدم وأصابنا المرض إلى من نلجأ ؟ إلى الله ـ نلجأ إلى الله ـ لأن الذي خلقك وأوجدك من العدم قادر على أن يصحح بدنك، إذاً إلجأ إلى ربك، اعتمد عليه، ولا حرج أن تتناول ما أباح لك من الدواء، لكن مع اعتقاد أن هذا الدواء مثلاً سبب من الأسباب جعله الله عز وجل، وإذا شفيت بهذا السبب فمن الذي شفاك الله عز وجل، هو الذي جعل هذا الدواء سبباً لشفائك، ولو شاء لجعل هذا الدواء سبباً لهلاكك، فإذا علمنا أن الله هو الخالق فنحن نلجأ في أمورنا كلها إلى الله عز وجل، إذا علمنا أنه هو الهادي فإننا نستهدي بهدايته، بشريعته حتى نصل إلى ما أعد لنا ربنا عز وجل من الكرامة. نسأل الله تعالى أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم وأن يحلنا وإياكم دار كرامته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ........
يتبع...

abchir 31-05-2014 05:56 PM

رد: تفسير حزب سبح
 
نواصل والله المستعان، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
قال تعالى : (( سنقرئك فلا تنسى. إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى ونيسرك لليسرى )) هذا وعد من الله سبحانه وتعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه يقرئه القرآن ولا ينساه الرسول، يقرئه إياه و لا ينساه ، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يتعجل إذا جاء جبريل يُلقي عليه الوحي فقال الله له: (( لا تحرك به لسانك لتعجل به. إن علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه. ثم إن علينا بيانه )). فصار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينصت حتى ينتهي جبريل من قراءة الوحي ثم يقرأه، وهنا يقول: (( سنقرئك فلا تنسى. إلا ما شاء الله )) يعني إلا ما شاء أن تنساه فإن الأمر بيده عز وجل (( يمحو الله ما يشاء ويثبت )). (( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير. ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير )). وربما نُسّي النبي صلى الله عليه وآله وسلم آية من كتاب الله ولكنه سرعان ما يذكرها عليه الصلاة والسلام، وقوله تعالى: (( إنه يعلم الجهر )) أي أن الله تعالى يعلم الجهر، ما يجهر به الإنسان ويتكلم به مسموعاً. (( وما يخفى )) أي ما يكون خفيًّا لا يُظهر فإن الله يعلمه كما قال تعالى: (( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه )). فهو يعلم عز وجل الجهر ويعلم أيضاً ما يخفى. (( ونيسرك لليسرى )) وهذا أيضاً وعد من الله عز وجل لرسوله عليه الصلاة والسلام أن ييسره لليسرى، فما هي اليسرى ؟ اليسرى أن تكون أموره ميسرة، ولاسيما في طاعة الله عز وجل، ولما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه ما من أحد من الناس إلا وقد كتب مقعده من الجنة، ومقعده من النار، كل بني آدم مكتوب مقعده من الجنة إن كان من أهل الجنة، ومقعده من النار إن كان من أهل النار، قالوا: يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل ـ يعني على ما كتب ـ قال: ( لا. اعملوا فكلٌّ ميسر لما خلق له ) فأهل السعادة ييسرون لعمل أهل السعادة، وأهل الشقاوة ييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ قوله تعالى: (( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى )) وهذا الحديث يقطع حُجة من يحتج بالقدر على معاصي الله فيعصي الله ويقول: هذا مكتوب علي. نقول هذا غلط لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: ( اعملوا فكلٌّ ميسر لما خلق له ) هل أحد يحجزك عن العمل الصالح لو أردته؟ أبداً. هل أحد يجبرك على المعصية لو لم تردها؟ أبداً لا أحد، ولهذا لو أن أحداً أجبرك على المعصية وأكرهك عليها لم يكن عليك إثم، ولا يترتب على فعلك لها ما يترتب على فعل المختار لها، حتى إن الكفر وهو أعظم الذنوب، قال الله تعالى فيه: (( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم )). إذن نقول اعمل أيها الإنسان، اعمل الخير وتجنب الشر، حتى ييسرك الله لليسرى ويجنبك العسرى، فرسول الله صلى الله عليه وسلّم وعده الله بأن ييسره لليسرى فيسهل عليه الأمور، ولهذا لم يقع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في شدة وضنك إلا وجد له مخرجاً عليه الصلاة والسلام. ثم أمره تعالى أن يذكر فقال: (( فذكر إن نفعت الذكرى )) يعني ذكر الناس، ذكرهم بآيات الله، ذكرهم بأيام الله، عظهم، (( إن نفعت الذكرى )) يعني في محل تنفع فيه الذكرى، وعلى هذا فتكون (( إن )) شرطية والمعنى إن نفعت الذكرى فذكر، وإن لم تنفع فلا تذكر، لأنه لا فائدة من تذكير قوم نعلم أنهم لا ينتفعون، هذا ما قيل في هذه الآية. وقال بعض العلماء: المعنى ذكر على كل حال، إن كان هؤلاء القوم تنفع فيهم الذكرى فيكون الشرط هنا ليس المقصود به أنه لا يُذكر إلا إذا نفعت، بل المعنى ذكر إن كان هؤلاء القوم ينفع فيهم التذكير، فالمعنى على هذا القول: ذكر بكل حال، والذكرى سوف تنفع. تنفع المؤمنين، وتنفع الُمذكِّر أيضاً، فالمذكر منتفع على كل حال، والمذَّكر إن انتفع بها فهو مؤمن، وإن لم ينتفع بها فإن ذلك لا ينقص من أجر المذِّكر شيئاً، إذاً نحن نذكر سواء نفعت الذكرى أم لم تنفع. وقال بعض العلماء: إن ظن أن الذكرى تنفع وجبت، وإن ظن أنها لا تنفع فهو مخير إن شاء ذكر وإن شاء لم يذكر. ولكن على كل حال نقول: لابد من التذكير حتى وإن ظننت أنها لا تنفع، فإنها سوف تنفعك أنت، وسوف يعلم الناس أن هذا الشيء الذي ذكرت عنه إما واجب، وإما حرام، وإذا سكتَّ والناس يفعلون المحرم، قال الناس: لو كان هذا محرماً لذكَّر به العلماء، أو لو كان هذا واجباً لذكَّر به العلماء، فلابد من التذكير ولابد من نشر الشريعة سواء نفعت أم لم تنفع. (( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى )) أفلح مأخوذ من الفلاح والفلاح كلمة جامعة وهو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب هذا هو معنى الفلاح فهي كلمة جامعة لكل خير رادعة من كل شر وقوله (( من تزكى )) مأخوذ من التزكية وهو التطهير ومنه سميت الزكاة زكاة لأنها تطهر الإنسان من أخلاق الرذيلة وخلق البخل كما قال تعالى (( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم )) إذاً تزكى يعني تطهر، ومن أي شيء تزكى ؟ يتزكى أولاً من الشرك بالنسبة لمعاملة الله أي فيعبد الله مخلصاً له الدين لا يرائي ولا يسمع ولا يطلب جاهاً ولا رئاسة بما يتعبد به لله عز وجل وإنما يريد بهذا وجه الله والدار الآخرة ، تزكى باتباع الرسول عليه الصلاة والسلام حيث لا يبتدع في شريعته، لا بقليل ولا بكثير، لا بالاعتقاد، ولا بالأقوال، ولا بالأفعال، وهذا أعني التزكي بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام هو اتباع من غير ابتداع لا ينطبق تماماً إلا على الطريقة السلفية، طريقة أهل السنة والجماعة الذين يؤمنون بكل ما وصف الله به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على الطريقة السلفية الذين لا يبتدعون في العبادات القولية، ولا في العبادات الفعلية شيئاً في دين الله، تجدهم يتبعون ما جاء به الشرع خلافاً لما يصنعه بعض المبتدعة في الأذكار المبتدعة إما في نوعها، وإما في كيفيتها وصفتها، وإما في أدائها كما يفعله بعض أصحاب الطرق من الصوفية وغيرهم. كذلك يتزكى بالنسبة لمعاملة الخلق بحيث يطهر قلبه من الغل والحقد على إخوانه المسلمين فتجده دائماً طاهر القلب يحب لإخوانه ما يحب لنفسه لا يرضى لأحد أن يمسه سوء، بل يود أن جميع الناس سالمون من كل شر، موفقون لكل خير. فصارت التزكية لها ثلاثة متعلقات: الأول؟ منكم الجواب: في حق الله، والثاني؟ في حق الرسول، والثالث؟ في حق عامة الناس. في حق الله: يتزكى من الشرك فيعبد الله تعالى مخلصاً له الدين. في حق الرسول: يتزكى من الابتداع، فيعبد الله على مقتضى شريعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في العقيدة والقول والعمل. في معاملة الناس: يتزكى من الغل والحقد والعداوة والبغضاء وكل ما يجلب ذلك، كل ما يجلب العداوة والبغضاء بين المسلمين يتجنبه، ويفعل كل ما فيه المودة والمحبة ومن ذلك، من ذلك إفشاء السلام الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: ( والله لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم )، فالسلام من أقوى الأسباب التي تجلب المحبة والمودة بين المسلمين، وهذا شيء مشاهد: إن مر بك رجل ولم يسلم عليك صار في نفسك شيء، وإذا لم تسلم عليه أنت صار في نفسه شيء لكن لو سلمت عليه أو سلم عليك صار هذا كالرباط بينكما يوجب المودة والمحبة وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في السلام: ( وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف )، وأكثر الناس اليوم إذا سلم يسلم على من يعرف، وأما من لا يعرفه فلا يسلم عليه، وهذا غلط، لأنك إذا سلمت على من تعرف لم يكن السلام خالصاً لله، سلم على من عرفت ومن لم تعرف من المسلمين حتى تنال بذلك محبة المسلمين بعضهم لبعض، وتمام الإيمان، والنهاية دخول الجنة جعلنا الله وإياكم من أهلها.

يُتبع....

LILI.nas 31-05-2014 08:36 PM

رد: تفسير حزب سبح
 
بارك الله فيك

جعلها الله في ميزان حسناتك

abchir 01-06-2014 06:01 PM

رد: تفسير حزب سبح
 
وفيك بارك الله،اللهم إجعلنا ممن يستمع للقول فيتبع أحسنه

abchir 01-06-2014 06:14 PM

رد: تفسير حزب سبح
 
نواصل مع الجزء الأخير من صورة سبح
قال الله عزّ وجل بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
(( وذكر اسم ربه فصلى )) يعني ذكر اسم الله تعالى بالتعبد له، فصلى، ويدخل في ذكر اسم الله الوضوء مثلاً، فالوضوء من ذكر اسم الله، أولاً: لأن الإنسان لا يتوضأ إلا امتثالاً لأمر الله. وثانياً: أنه إذا ابتدأ وضوءه قال: بسم الله، وإذا انتهى قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. ومن ذكر الله عز وجل خطبة الجمعة، فإن خطبة الجمعة من ذكر الله، لقول الله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع )). وعلى هذا فقوله : (( وذكر اسم ربه )) يعني الخطيب يوم الجمعة (( فصلى )) أي صلاة الجمعة. فهذه الآية تشمل كل الصلوات التي يسبقها ذكر، وما من صلاة إلا ويسبقها ذكر في الغالب؛ نعم قد يصلي الإنسان صلاة قد توضأ فيها من قبل لكن الغالب أن الإنسان يتوضأ قبيل الصلاة فيذكر اسم الله ثم يصلي. وقول الله تبارك و تعالى في سورة الأعلى (( سيذكر من يخشى. ويتجنبها الأشقى )) إلى آخره ، أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يذكّر فقال (( فذكر إن نفعت الذكرى ) ثم قال (( سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى )) فبيّن تعالى أن الناس ينقسمون بعد الذكرى إلى قسمين:
القسم الأول: من يخشى الله عز وجل، أي يخافه خوفاً عن علم لعظمة الخالق جل وعلا، فهذا إذا ذكّر بآيات ربه تذكر كما قال تعالى في وصف عباد الرحمن: (( والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صمًّا وعمياناً )). فمن يخشى الله ويخاف الله إذا ذكر ووعظ بآيات الله اتعظ وانتفع.
أما القسم الثاني: فقال: (( ويتجنبها الأشقى )) أي يتجنب هذه الذكرى ولا ينتفع بها الأشقى و(( الأشقى )) هنا اسم تفضيل من الشقاء وهو ضد السعادة كما في سورة هود: (( فأما الذين شقوا ففي النار )). (( وأما الذين سعدوا ففي الجنة )). فالأشقى ـ والعياذ بالله ـ المتصف بالشقاوة يتجنب الذكرى ولا ينتفع بها، والأشقى هو البالغ في الشقاوة غايتها وهذا هو الكافر، فإن الكافر يذكر ولا ينتفع بالذكرى، ولهذا قال: (( الذي يصلى النار الكبرى. ثم لا يموت فيها ولا يحيى )) الذي يصلى النار الموصوفة بأنها (( الكبرى )) وهي نار جهنم؛ لأن نار الدنيا صغرى بالنسبة لها، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( أن نار الدنيا جزء من سبعين جزءاً من نار الآخرة )، أي أن نار الآخرة فضلت على نار الدنيا بتسع وستين جزءاً، والمراد بنار الدنيا كلها أشد ما يكون من نار الدنيا فإن نار الآخرة فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً ولهذا وصفها بقوله: (( النار الكبرى )) ثم إذا صلاها (( لا يموت فيها ولا يحيى )) المعنى لا يموت فيستريح، ولا يحيى حياة سعيدة، وإلا فهم أحياء في الواقع لكن أحياء يعذبون (( كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها )). كما قال الله عز وجل (( ونادوا يا مالك )) وهو خازن النار (( ليقض علينا ربك )) يعني ليهلكنا ويريحنا من هذا العذاب (( قال إنكم ماكثون )) ولا راحة ويقال لهم: (( لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون )). هذا معنى قوله: (( لا يموت فيها ولا يحيى )) لأنه قد يشكل على بعض الناس كيف يكون الإنسان لا حي ولا ميت؟ والإنسان إما حي وإما ميت؟ فيقال: لا يموت فيها ميتة يستريح بها، ولا يحيى حياة يسعد بها، فهو ـ والعياذ بالله ـ في عذاب وجحيم، وشدة يتمنى الموت ولكن لا يحصل له، هذا هو معنى قوله تعالى: (( ثم لا يموت فيها ولا يحيى )). وقد سبق الكلام على قوله تعالى (( قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى )) ، وبينا أن المراد بقوله تزكى أي بنفسه أي زكاها وأخرجها من رجس الشرك إلى زكاة التوحيد . وقول الله تبارك وتعالى : (( فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيى قد أفلح من تزكى. وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى )) بقي من قوله تعالى (( قد أفلح من تزكى )) هذه الجملة جملة فعلية مؤكدة بقد (( قد أفلح ))، والفلاح كلمة عامة يراد بها النجاة من المكروه والفوز بالمحبوب ، وقوله من تزكى أي من تطهر ظاهره وباطنه ، فتطهر باطنه من الشرك بالله عز وجل ومن الشك ومن النفاق ومن العداوة للمسلمين والبغضاء وغير ذلك من مما يتطهر القلب منه ، وتطهر ظاهره من إطلاق لسانه وجوارحه في العدوان على عباد الله عز وجل فلا يغتاب أحداً ولا ينم عن أحد ولا يسب أحداً ولا يعتدي على أحد بضرب أو جحد مال أو غير ذلك، فالتزكي كلمة عامة تشمل التطهر من كل درن ظاهر أو باطن (( وذكر اسم ربه فصلى)) ذكر اسم ربه فصلى : أي ذكر الله لكنه ذكر سبحانه وتعالى ذكر الاسم لأجل أن يكون الذكر باللسان لأن الذكر باللسان ينطق اللسان به فيه باسم الله فيقول مثلاً: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، فيذكر اسم الله، وقد ذكر بعض العلماء أن المراد بذكر اسم الله هنا خطبة الجمعة لقوله بعد ذلك (( فصلى )) ولكن الصحيح أنها أعم من هذا أن المراد به كل ذكر اسم الله عز وجل أي كلما ذكر الإنسان اسم الله اتعظ وأقبل إلى الله فصلى ، والصلاة معروفة هي عبادة ذات أقوال وأفعال، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم. ثم قال تعالى: (( بل تؤثرون الحياة الدنيا. والآخرة خير وأبقى )) (( بل )) هنا للإضراب الانتقالي، لأن بل تأتي للإضراب الإبطالي، وتأتي للإضراب الانتقالي، أي أنه سبحانه وتعالى انتقل ليبين حال الإنسان أنه مؤثر للحياة الدنيا لأنها عاجلة، والإنسان خلق من عجل، ويحب ما فيه العجلة، فتجده يؤثر الحياة الدنيا، وهي في الحقيقة على وصفها دنيا، دنيا زمناً، ودنيا وصفاً، أما كونها دنيا زمناً فلأنها سابقة على الآخرة فهي متقدمة عليها، والدنو بمعنى القرب. وأما كونها دنيا ناقصة فكذلك هو الواقع فإن الدنيا مهما طالت بالإنسان فإن أمدها الفناء، ومنتهاها الفناء، ومهما ازدهرت للإنسان فإن عاقبتها الذبول، ولهذا لا يكاد يمر بك يوم في سرور إلا وعقبه حزن، وفي هذا يقول الشاعر:
فيوم علينا ويوم لنا *** ويوم نساء ويوم نسر.
تأمل حالك في الدنيا تجد أنه لا يمر بك وقت ويكون الصفو فيه دائماً بل لابد من كدر، ولا يكون السرور دائماً بل لابد من حزن، ولا تكون راحة دائماً بل لابد من تعب، فالدنيا على اسمها دنيا. (( والآخرة خير وأبقى )) الآخرة خير من الدنيا وأبقى، خير بما فيها من النعيم والسرور الدائم الذي لا ينغص بكدر (( لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين )). كذلك أيضاً هي أبقى من الدنيا؛ لأن بقاء الدنيا كما أسلفنا قليل زائل مضمحل، بخلاف بقاء الآخرة فإنه أبد الآبدين. (( إن هذا لفي الصحف الأولى. صحف إبراهيم وموسى )) (( إن هذا )) أي ما ذكر من كون الإنسان يؤثر الحياة الدنيا على الآخرة وينسى الآخرة، وكذلك ما تضمنته الآيات من المواعظ (( في الصحف الأولى )) أي السابقة على هذه الأمة (( صحف إبراهيم وموسى )) وهي صحف جاء بها إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام، وفيها من المواعظ ما تلين به القلوب وتصلح به الأحوال، نسأل الله تعالى أن يجعلنا و إياكم ممن أوتي في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقاه الله عذاب النار .


فاللهم إنفعنا بما علمتنا وعلمنا ماينفعنا إنّك جواد كريم وبلإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير،وإلى لقاء آخر مع سورة أخرى أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

LILI.nas 01-06-2014 08:34 PM

رد: تفسير حزب سبح
 
أمين يارب العالمين

مشكورررررررررر

abchir 06-06-2014 09:18 AM

رد: تفسير حزب سبح
 
السلام عليكم
بسم الله وحده والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده وعلى آله وصحبه، نواصل نقل التفسير الممتع لشيخ العثيمين عليه رحمة الله ونصل اليوم إلى سورة الغاشية

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ )) والبسملة آية من كتاب الله مستقلة ليست من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها بل هي آية مستقلة ولهذا كان القول الراجح أنها ليست من الفاتحة وأن أول الفاتحة هي (( الحمد لله رب العالمين )) وهلم جرا، يقول الله تعالى (( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ )) والخطاب إما للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإما لمن يصح خطابه وهذا يأتي في القرآن كثيراً يوجه الله الخطاب ويكون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل من يتأتى خطابه ويصح خطابه إلا أنه أحياناً يتعين أن يكون للرسول عليه الصلاة والسلام مثل (( ألم نشرح لك صدرك )) (( ألم نشرح لك صدرك )) ، هذا لا يمكن أن يكون إلا للرسول عليه الصلاة والسلام (( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك )) هذا لا يمكن أن يكون إلا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأحياناً يترجح العموم مثل (( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء )) فهذا أول خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام وآخره ( إذا طلقتم) عام . فقوله (( هل أتاك حديث الغاشية )) يجوز أن يكون الخطاب موجه للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحده وأمته تبعاً له، ويجوز أن يكون عاماً لكل من يتأتى خطابه، والاستفهام هنا للتشويق فهو كقوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم )). ويجوز أن يكون للتعظيم لعظم هذا الحديث عن الغاشية. (( حديث الغاشية )) أي نبأها، و(( الغاشية )) هي الداهية العظيمة التي تغشى الناس، وهي يوم القيامة التي تحدث الله عنها في القرآن كثيراً، ووصفها بأوصاف عظيمة مثل قوله تعالى: (( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم. يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد )). ثم قسم الله سبحانه وتعالى الناس في هذا اليوم إلى قسمين فقال: (( وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة )) (( خاشعة )) أي ذليلة كما قال الله تعالى: (( وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي )). فمعنى خاشعة يعني ذليلة. (( عاملة ناصبة )) عاملة عملاً يكون به النصب وهو التعب. قال العلماء: وذلك أنهم يكلّفون يوم القيامة بجر السلاسل والأغلال، والخوض في نار جهنم ـ والعياذ بالله ـ ، كما يخوض الرجل في الوحل، فهي عاملة تعبة من العمل الذي تكلف به يوم القيامة؛ لأنه عمل عذاب وعقاب نسأل الله العافية ، وليس المعنى كما قال بعض الناس إن المراد بها: الكفار الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وذلك لأن الله قيد هذا بقوله: (( وجوه يومئذ )) أي يومئذ تأتي الغاشية، وهذا لا يكون إلا يوم القيامة. إذن فهي عاملة ناصبة بما تكلف به من جر السلاسل والأغلال، والخوض في نار جهنم أعاذنا الله وإياكم منها منها. (( تصلى ناراً حامية )) أي تدخل في نار جهنم – والعياذ بالله- ، في النار الحامية التي بلغت من حموها أنها فضلت على نار الدنيا بتسعة وستين جزءًا، يعني نار الدنيا كلها بما فيها من أشد ما يكون من حرارة نار جهنم أشد منها بتسعة وستين جزءًا، ويدلك على شدة حرارتها أن هذه الشمس حرارتها تصل إلينا مع بعد ما بيننا وبينها، ومع أنها تنفذ من خلال أجواء باردة غاية البرودة وتصل لنا هذه الحرارة التي تدركونها ولاسيما في أيام الصيف ، النار أعاذنا الله وإياكم منها ، نار حامية (( تسقى من عين آنية ليس لهم طعام إلا من ضريع ))، لما بين مكانهم والعياذ بالله ، وأنهم في نار جهنم الحامية، بين طعامهم وشرابهم فقال: (( تسقى )) أي هذه الوجوه (( من عين آنية )) أي شديدة الحرارة، هذا بالنسبة لشرابهم، ومع هذا لا يأتي هذا الشراب بكل سهولة، أو كلما عطشوا سقوا، لا وإنما يأتي كلما اشتد عطشهم واستغاثوا كما قال تعالى: (( وإن يستغيثوا يُغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب )). هذا الماء إذا قرب من وجوههم شواها وتساقط لحمها، وإذا دخل في أجوافهم ، يقول عز وجل: (( وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعائهم )). إذن لا يستفيدون منه لا ظاهراً ولا باطناً، لا ظاهراً بالبرودة يبرد الوجوه، ولا باطناً بالري، ولكنهم ـ والعياذ بالله ـ يغاثون بهذا الماء ولهذا قال: (( تسقى من عين آنية )). فإذا قال قائل: كيف تكون هذه العين في نار جهنم والعادة أن الماء يطفئ النار؟ أليس كذلك ، فالجواب: أن أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا، لو أنها قيست بأمور الدنيا ما استطعنا أن نتصور كيف يكون، أليس الشمس تدنو يوم القيامة من رؤوس الناس على قدر ميل، والميل إما ميل المكحلة وهو نصف الإصبع أو ميل المسافة كيلو وثلث أو نحو ذلك، وحتى لو كان كذلك فإنه لو كانت الآخرة كالدنيا لشوت الناس شيًّا، لكن الآخرة لا تقاس بالدنيا. أيضاً يحشر الناس يوم القيامة في مكان واحد، منهم من هو في ظلمة شديدة، ومنهم من هو في نور (( نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم )). يحشرون في مكان واحد ويعرقون، منهم من يصل العرق إلى كعبيه، ومنهم من يصل إلى ركبتيه، ومنهم من يصل إلى حِقويه، ومع ذلك هم في مكان واحد. إذن أحوال الآخرة لا يجوز أن تقاس بأحوال الدنيا. فلو قال قائل كيف يكون الماء في النار ؟ قلنا أولاً: أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا . ثانياً: أن الله على كل شيء قدير، ها نحن الآن نجد أن الشجر الأخضر توقد منه النار كما قال تعالى: (( الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون )). الشجر الأخضر رَطِب، ومع ذلك إذا ضرب بعضه ببعض، أو ضرب بالزند انقدح خرج منه نار حارة يابسة، وهو رطب بارد، فالله على كل شيء قدير، فهم يسقون من عين آنية في النار ولا يتنافى ذلك مع قدرة الله عز وجل. أما طعامهم فقال: (( ليس لهم طعام إلا من ضريع. لا يسمن ولا يغني من جوع )) الضريع قالوا: إنه شجر ذو شوك عظيم إذا يبس لا يرعاه ولا البهائم، وإن كان أخضر رعته الإبل ويسمى عندنا الشبرق، هذا الضريع شجر ذو شوك إذا يبس لا يرعى لأنه شوك وإذا كان أخضر ترعاه الأبل فهم ـ والعياذ بالله ـ في نار جهنم ليس لهم طعام إلا من هذا الضريع، ولكن لا تظن أن الضريع الذي في نار جهنم كالضريع الذي في الدنيا فهو يختلف عنه اختلافاً عظيماً، ولهذا قال: (( لا يسمن )) فلا ينفع الأبدان في ظاهرها {ولا يغني من جوع} فلا ينفعها في باطنها فهو لا خير فيه ليس فيه إلا الشوك، والتجرع العظيم، والمرارة، والرائحة المنتنة التي لا يستفيدون منها شيئاً.

يتبع....

abchir 07-06-2014 03:04 PM

رد: تفسير حزب سبح
 
نواصل....
ثم ذكر الله عز وجل القسم الثاني من أقسام الناس في يوم الغاشية فقال: و(( وجوه يومئذ ناعمة )) على قول الله تبارك وتعالى : {وجوه يومئذ ناعمة} على قول الله تعالى : (( وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية في جنة عالية لا تسمع فيها لاغية فيها عين )) قسم الله سبحانه وتعالى الناس يوم القيامة إلى قسمين ، القسم الأول: وجوه عاملة خاشعة ناصبة وسبق الكلام على ذلك ، والقسم الثاني: وجوه ناعمة أي ناعمة بما أعطاها الله عز وجل من السرور والثواب الجزيل؛ لأنها علمت ذلك وهي في قبورها، فإن الإنسان في قبره ينعم، يفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها، فهي ناعمة (( لسعيها راضية )) أي لعملها الذي عملته في الدنيا راضية لأنها وصلت به إلى هذا النعيم وهذا السرور وهذا الفرح، فهي راضية لسعيها بخلاف الوجوه الأولى فإنها غاضبة ـ والعياذ بالله ـ غير راضية على ما قدمت. (( في جنة عالية )) الجنة هي دار النعيم التي أعدّها الله عز وجل لأوليائه يوم القيامة، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال الله تبارك وتعالى: (( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون )). وقال تبارك وتعالى: (( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم للزكاة فاعلون )) إلى قوله: (( أولئك هم الوارثون. الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون )). وقال الله تعالى: (( وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون )). فهم في (( جنة عالية )) العلو ضد السفول فهي فوق السماوات السبع، ومن المعلوم أنه في يوم القيامة تزول السماوات السبع والأرضون ولا يبقى إلا الجنة والنار فهي عالية وأعلاها ووسطها الفردوس الذي فوقه عرش الرب جل وعلا. (( لا تسمع فيها لاغية )) أي لا تسمع في هذه الجنة قولةً لاغية، أو نفساً لاغية، بل كل ما فيها جد، كل ما فيها سلام، كل ما فيها تسبيح، تحميد، تهليل، تكبير، يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، أي أنه لا يشق عليهم ولا يتأثرون به، فهم دائماً في ذكر الله عز وجل، وتسبيح وأنس وسرور، يأتي بعضهم إلى بعض يزور بعضهم بعضاً في حبور لا نظير له نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها . (( فيها عين جارية )) وهذه العين بيّن الله عز وجل أنها أنهار (( فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى )). (( جارية )) أي تجري حيث أراد أهلها لا تحتاج إلى حفر ساقية، ولا إقامة أخدود كما قال ابن القيم رحمه الله:
أنهارها في غير أخدود جرت *** سبحان ممسكها عن الفيضان
(( فيها سرر مرفوعة. وأكواب موضوعة. ونمارق مصفوفة. وزرابي مبثوثة ))
انظر للتقابل (( فيها سرر مرفوعة )) عالية يجلسون عليها يتفكهون (( هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون )). (( وأكواب موضوعة )) الأكواب جمع كوب وهو الكأس ونحوه (( موضوعة )) يعني ليست مرفوعة عنهم، بل هي موضوعة لهم متى شاءوا شربوا فيها من هذه الأنهار الأربعة التي سبق ذكرها. (( ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة )) النمارق جمع نمرقة وهي الوسادة أو ما يتكىء عليه. (( مصفوفة )) على أحسن وجه تلتذ العين بها قبل أن يلتذ البدن بالاتكاء إليها. (( وزرابي مبثوثة )) الزرابي أعلى أنواع الفرش (( مبثوثة )) منشورة في كل مكان، ولا تظنوا أن هذه النمارق، وهذه الأكواب، وهذه السرر، وهذه الزرابي لا تظنوا أنها تشبه ما في الدنيا؛ لأنها لو كانت تشبه ما في الدنيا لكنا نعلم نعيم الآخرة، ونعلم حقيقته لكنها لا تشبهه لقول الله تعالى: (( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون )). إنما الأسماء واحدة والحقائق مختلفة، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: " ليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسماء فقط "، فنحن لا نعلم حقيقة هذه النعم المذكورة في الجنة وإن كنا نشاهد ما يوافقها في الاسم في الدنيا لكن فرق بين هذا وهذا. وقول الله تعالى (( أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ )).لما قرّر الله عز وجل في هذه السورة حديث الغاشية وهي يوم القيامة، وبيّن أن الناس ينقسمون إلى قسمين: وجوه خاشعة عاملة ناصبة تصلى ناراً حامية، ووجوه ناعمة لسعيها راضية، وبين جزاء هؤلاء وهؤلاء، قال: (( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت )) وهذا الاستفهام للتوبيخ، أي إن الله يوبخ هؤلاء الذين أنكروا ما أخبر الله به عن يوم القيامة، وعن الثواب والعقاب، أنكر عليهم إعراضهم عن النظر في آيات الله تعالى التي بين أيديهم، وبدأ بالإبل؛ لأن أكثر ما يلابس الناس في ذلك الوقت الإبل، فهم يركبونها، ويحلبونها، ويأكلون لحمها، وينتفعون من أوبارها إلى غير ذلك من المنافع فقال: (( أفلا ينظرون إلى الإبل )) وهي الأباعر (( كيف خلقت )) يعني كيف خلقها الله عز وجل، هذا الجسم الكبير المتحمل، تجد البعير تمشي مسافات طويلة التي لا يبلغها الإنسان إلا بشق الأنفس وهي متحملة، وتجد البعير أيضاً يحمل الأثقال وهو بارك ثم يقوم في حمله لا يحتاج إلى مساعدة، والعادة أن الحيوان لا يكاد يقوم إذا حُّمل وهو بارك لكن هذه الإبل أعطاها الله عز وجل قوة وقدرة من أجل مصلحة الإنسان، لأن الإنسان لا يمكن أن يحمل عليها وهي قائمة لطولها، ولكن الله تعالى يسر لهم الحمل عليها وهي باركة ثم تقوم بحملها، وكما قال الله تعالى في سورة يس: (( ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون )). منافعها كثيرة لا تحصى، وأهلها الذين يمارسونها أعلم منا بذلك، فلهذا قال: (( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت )) ولم يذكر سواها من الحيوان كالغنم والبقر والظبى وغيرها لأنها أعم الحيوانات نفعاً وأكثرها مصلحة للعباد. (( وإلى السماء كيف رفعت )) يعني وينظرون إلى السماء كيف رفعت بما فيها من النجوم، والشمس، والقمر وغير هذا من الآيات العظيمة التي لم يتبين كثير منها إلا الآن، ولا نقول إن هذه الآيات السماوية هي كل الآيات، بل لعل هناك آيات كبيرة عظيمة لا ندركها حتى الآن، وقوله: (( كيف رفعت )) أي رفعت هذا الارتفاع العظيم، ومع هذا فليس لها عمد مع أن العادة أن السقوف لا تكون إلا على عمد، لكن هذا السقف العظيم المحفوظ قام على غير عمد (( الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها )). (( وإلى الجبال كيف نصبت )) هذه الجبال العظيمة التي تحمل الصخور والقطع المتجاورات المتباينات، الجبال مكونة من أحجار كثيرة وأنواع كثيرة، فيها المعادن المتنوعة وهي متجاورة ومع ذلك تجد مثلاً هذا الخط في وسط الصخر تجده يشتمل على معادن لا توجد فيما قرب منه من هذا الصخر، ويعرف هذا أهل " الجيولوجيا " كيف نصب الله هذه الجبال العظيمة، ونصبها جل وعلا بهذا الارتفاع لتكون رواسي في الأرض لئلا تميد بالناس، لولا أن الله عز وجل خلق هذه الجبال لمادت الأرض بأهلها، لأن الأرض في وسط الماء، الماء محيط بها من كل جانب، وما ظنك بكرة تجعلها في وسط ماء سوف تتحرك وتضطرب، وتتدحرج أحياناً، وتنقلب أحياناً لكن الله جعل هذه الجبال رواسي تمسك الأرض كما تمسك الأطناب الخيمة، وهي راسية ثابتة على ما يحصل من الأرض من الأعاصير العظيمة التي تهدم البنايات التي بناها الآدميون لكن هذه الجبال لا تتزحزح راسية ولو جاءت الأعاصير العظيمة، بل إن من فوائدها: أنها تحجب الأعاصير العظيمة البالغة التي تنطلق من البحار، أو من غير البحار لئلا تعصف بالناس، وهذا شيء مشاهد تجد الذين في سفوح الجبال وتحتها في الأرض تجدهم في مأمن من أعاصير الرياح العظيمة التي تأتي من خلف الجبل، ففيها فوائد عظيمة، وهي رواسي لو أن الخلق اجتمعوا على أن يضعوا سلسلة مثل هذه السلسلة من الجبال ما استطاعوا إلى هذا سبيلاً مهما بلغت صنعتهم، وقوتهم، وقدرتهم، وطال أمدهم فإنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذه الجبال. وقد قال بعض العلماء: إن هذه الجبال راسية في الأرض بمقدار علوها في السماء، يعني مثلاً أن الجبل له جرثومة وجذر في داخل الأرض في عمق يساوي ارتفاعه في السماء، وليس هذا ببعيد أن يُمكّن الله لهذا الجبل في الأرض حتى يكون بقدر ما هو في السماء لئلا تزعزعه الرياح فلهذا يقول الله عز وجل: (( وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهاراً وسبلاً لعلكم تهتدون. وعلامات وبالنجم هم يهتدون )).


يتبع.....

abchir 08-06-2014 07:46 PM

رد: تفسير حزب سبح
 
السلام عليكم
نواصل اليوم مع الجزء الأخير من سورة الغاشية
يقول عز وجل: (( وإلى الجبال كيف نصبت )) (( وإلى الأرض كيف سطحت )) كيف سطح الله هذه الأرض الواسعة، وجعلها سطحاً واسعاً ليتمكن الناس من العيش فيه بالزراعة والبناء وغير هذا، وما ظنكم لو كانت الأرض صبباً غير مسطحة يعني مثل الجبال يرقى لها ويصعد لكانت شاقة، ولما استقر الناس عليها، لكن الله عز وجل جعلها سطحاً ممهداً للخلق، وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن الأرض ليست كروية بل سطح ممتد لكنّ هذا الاستدلال فيه نظر، لأن هناك آيات تدل على أن الأرض كروية، والواقع شاهد بذلك فيقول الله عز وجل: (( يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل )). والتكوير التدوير، ومعلوم أن الليل والنهار يتعاقبان على الأرض، فإذا كانا مكورين لزم أن تكون الأرض مكورة، وقال الله تبارك وتعالى: (( إذا السماء انشقت. وأذنت لربها وحقت. وإذا الأرض مدت. وألقت ما فيها وتخلت )). فقال: (( وإذا الأرض مدت )) وقد جاء في الحديث أنها يوم القيامة تمد مد الأديم أي مد الجلد حتى لا يكون فيها جبال، ولا أودية، ولا أشجار، ولا بناء، يذرها الرب عز وجل قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، فقوله: (( إذا السماء انشقت )) متى تنشق السماء ؟ كلنا يعرف أنها لا تنشق إلا يوم القيامة وهي الآن غير منشقة إذاً قوله: (( إذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت )) يعني يوم القيامة فهي إذاً الآن غير ممدودة، إذاً فما هي ! إذاً مكورة، والواقع المحسوس المتيقن الآن أنها كروية لا شك، والدليل على هذا أنك لو سرت بخط مستقيم من هنا من المملكة متجهاً غرباً لأتيت من ناحية الشرق، تدور على الأرض ثم تأتي إلى النقطة التي انطلقت منها، وكذلك بالعكس لو سرت متجهاً نحو المشرق وجدتك راجعاً إلى النقطة التي قمت منها من نحو المغرب، إذاً فهي الآن أمر لا شك فيه أنها كروية. فإذا قال الإنسان: إذا كانت كما ذكرت كروية فكيف تثبت المياه، مياه البحار عليها وهي كروية؟ نقول في الجواب عن ذلك: الذي أمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه يمسك البحار أن تفيض على الناس فتغرقهم، والله على كل شيء قدير، قال بعض أهل العلم: (( وإذا البحار سجرت )) أي حبست ومنعت من أن تفيض على الناس كالشيء الذي يُسجر يربط، وعلى كل حال القدرة الإلهية لا يمكن لنا أن نعارض فيها. نقول قدرة الله عز وجل أمسكت هذه البحار أن تفيض على أهل الأرض فتغرقهم، وإن كانت الأرض كروية. ثم قال عز وجل لما بين من آياته هذه الآيات الأربع: الإبل، والسماء، والجبال، والأرض قال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم (( فذكر )) أمره الله أن يذكر ولم يخصص أحداً بالتذكير، أي لم يقل ذكّر فلاناً وفلاناً فالتذكير عام، لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بُعث إلى الناس كافة، ذكّر كل أحد في كل حال وفي كل مكان، فذكّر النبي عليه الصلاة والسلام، وذكّر خلفاؤه من بعده الذين خلفوه في أمته في العلم والعمل والدعوة، ذكّروا، ولكن هذه الذكرى هل ينتفع بها كل الناس؟ الجواب: لا، (( ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين )). أما غير المؤمن فإن الذكرى تقيم عليه الحجة لكن لا تنفعه، لا تنفع الذكرى إلا المؤمن، ونقول إذا رأيت قلبك لا يتذكر بالذكرى فاتهمه، ليش ؟ لعدم الإيمان لعدم الإيمان ، لأن الله يقول: (( ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين )) فإذا ذُكرت ولم تجد من قلبك تأثراً وانتفاعاً فاتهم نفسك، واعلم أن فيك نقص إيمان، لأنه لو كان إيمانك كاملاً لانتفعت بالذكرى، لابد أن تنفع المؤمن. (( إنما أنت مذكر )) يعني أن محمداً عليه الصلاة والسلام ليس إلا مذكراً مبلغاً، وأما الهداية فبيد من ؟ بيد الله عز وجل، (( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء )). وقد قام صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالذكرى والتذكير إلى آخر رمق من حياته حتى أنه في آخر حياته يقول: ( الصلاة، الصلاة وما ملكت أيمانكم )، حتى جعل يغرغر بها عليه الصلاة والسلام، فذكّر صلوات الله وسلامه عليه منذ بعث وقيل له (( قم فأنذر )). إلى أن توفاه الله، لم يأل جهداً في التذكير في كل موقف، وفي كل زمان على ما أصابه من الأذى من قومه ومن غير قومه، والذي قرأ منكم التاريخ ـ السيرة النبوية ـ يعرف ما جرى له من أهل مكة من قومه الذين هم أقرب الناس إليه، والذين كانوا يعرفونه، ويسمونه بالأمين يلقبونه بذلك ويثقون به حتى حكّموه في وضع الحجر الأسود في الكعبة حينما هدموا الكعبة ووصلوا إلى حد الحجر قالوا من ينصب الحجر، فتنازعوا بينهم كل قبيلة تقول نحن الذين نتولى وضع الحجر في مكانه، حتى جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحكّموه فيما بينهم وأمر أن يوضع رداء وأن تمسك كل طائفة من هذه القبيلة أن يمسك كل واحد من هذه القبائل بطرف من هذا الرداء حتى يرفعوه، فإذا حاذوا محله أخذه هو بيده الكريمة ونصبه في مكانه، فكانوا يسمونه بالأمين لكن لما أكرمه الله تعالى بالنبوة انقلبت المعايير، فصاروا يقولون إنه ساحر وكاهن وشاعر ومجنون وكذاب، ورموه بكل سب، فالرسول عليه الصلاة والسلام يذكّر وليس عليه إلا التذكير، ومن هنا نأخذ أننا نحن لا يجب علينا أن نهدي الخلق ولا يمكننا أن نهدي الخلق أبداً ، لا يمكن أن نهدي أقرب الناس إلينا (( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء )). فلا نجزع إذا ذكّرنا إنساناً ووجدناه يعاند، أو يخاصم، أو يقول من أعرف من ، أنا أعمل ما شئت، أو ما أشبه ذلك. قال الله تعالى لنبيه: (( لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين )). لا تهلك نفسك إذا لم يؤمنوا، إيمانهم لهم وكفرهم ليس عليك ولهذا قال: (( لست عليهم بمصيطر )) يعني ليس لك سلطة عليهم، ولا سيطرة عليهم، لمن السلطة والسيطرة ؟ لله رب العالمين، أنت عليك البلاغ بلغ، أن يعمل الناس بذلك لا ، هذا إلى الله عز وجل ، والسلطان والسيطرة لله عز وجل. (( إلا من تولى وكفر. فيعذبه الله العذاب الأكبر )) قال العلماء: (( إلا )) هنا بمعنى لكن يعني أن الاستثناء في الآية منقطع وليس بمتصل، والفرق بين المتصل والمنقطع أن المتصل يكون فيه المستثنى من جنس المستنثى منه، والمنقطع يكون أجنبيًّا منه، فمثلاً لو قلنا إنه متصل لصار معنى الآية " لست عليهم بمصيطر إلا من تولى وكفر فأنت عليهم مصيطر " وليس الأمر كذلك بل المعنى: لكن من تولى وكفر بعد أن ذكرته فيعذبه الله العذاب الأكبر. فمن تولى وكفر بعد أن بلغه الوحي النازل على رسول الله صلى الله عليه وآله سلّم فإنه سيعذب (( إلا من تولى وكفر )) التولي يعني الإعراض فلا يتجه للحق، ولا يقبل الحق، ولا يسمع الحق، حتى لو سمعه بأذنه لم يسمعه بقلبه كما قال الله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون. ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون )). أي لا ينقادون. فهنا يقول عز وجل: (( إلا من تولى وكفر )) (( تولى )) أعرض، (( وكفر )) أي استكبر ولم يقبل ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام (( فيعذبه الله العذاب الأكبر )) يعذبه الله العذاب الأكبر يعني يوم القيامة قال الله تعالى(( ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر )) والعذاب الأكبر يوم القيامة ، وهنا قال (( الأكبر )) ولم يذكر المفضل عليه يعني لم يقل الأكبر من كذا فهو قد بلغ الغاية في الكبر والمشقة والإهانة والعياذ بالله ، وكل من تولى وكفر فإن الله يعذبه العذاب الأكبر. هل هناك عذاب أصغر ؟ نقول نعم هناك عذاب أصغر في الدنيا قد يبتلى المتولي المعرض بأمراض في بدنه، في عقله، في أهله، في ماله، في مجتمعه، وكل هذا بالنسبة لعذاب النار عذاب أصغر، لكن العذاب الأكبر إنما يكون يوم القيامة ولهذا قال بعدها: (( إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم )) يعني إلينا إيابهم أي مرجعهم، فالرجوع إلى الله مهما فرّ الإنسان فإنه راجع إلى ربه عز وجل لو طالت به الحياة راجع إلى الله، ولهذا قال تعالى: (( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه )). فاستعد يا أخي لهذه الملاقاة لأنك سوف تلاقي ربك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ـ مباشرة بدون مترجم يكلمه الله يوم القيامة ـ فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه ـ يعني على اليسار ـ فلا يرى إلا ما قدم، وينظر تلقاء وجهه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة )، كلنا سيخلو به ربه عز وجل يوم القيامة ويقرره بذنوبه، يقول: فعلت كذا في يوم كذا، حتى يقر ويعترف، فإذا أقر واعترف قال الله تعالى: ( قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم )، وكم من ذنوب سترها الله عز وجل، كم من ذنوب اقترفناها لم يعلم بها أحد ولكن الله تعالى علم بها، موقفنا من هذه الذنوب أن نستغفر الله عز وجل، وأن نكثر من الأعمال الصالحة المكفرة للسيئات حتى نلقى الله عز وجل ونحن على ما يرضيه سبحانه وتعالى. (( إنا إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم )) نحاسبهم، قال العلماء: وكيفية الحساب ليس مناقشة يناقش الإنسان، لأنه لو يناقش هلك، لو يناقشك الله عز وجل على كل حساب هلكت، لو ناقشك في نعمة من النعم كالبصر لا يمكن أن تجد أي شيء تعمله يقابل نعمة البصر، نعمة النَّفَس، الذي يخرج ويدخل بدون أي مشقة، وبدون أي عناء، الإنسان يتكلم وينام، يأكل ويشرب، ومع ذلك لا يحس بالنفس، ولا يعرف قدر النفس إلا إذا أصيب بما يمنع النفس، حينئذ يذكر نعمة الله، لكن مادام في عافية يقول هذا شيء طبيعي، لكن لو أنه أصيب بكتم النفس لعرف قدر النعمة، فلو نوقش لهلك كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة: ( من نوقش الحساب هلك ) أو قال ( عذب )، لكن كيفية الحساب: أما المؤمن فإن الله تعالى يخلو به بنفسه ليس عندهما أحد ويقرره بذنوبه فعلت كذا فعلت كذا، فعلت كذا حتى إذا أقر بها قال الله تعالى: ( قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم )، أما الكفار فلا يحاسبون هذا الحساب لأنه ليس لهم حسنات تمحو سيئاتهم لكنها تحصى عليهم أعمالهم، ويقررون بها أمام العالم، ويحصون بها، وينادى على رؤوس الأشهاد (( هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين )). ـ نعوذ بالله من الخذلان ـ

وبهذا ينتهي الكلام على هذه السورة العظيمة وهي إحدى السورتين اللتين كان النبي صلى الله عليه وآله سلّم يقرأ بهما في المجامع الكبيرة، فقد كان يقرأ في صلاتي العيدين (( سبح اسم ربك الأعلى )) و(( هل أتاك حديث الغاشية )) وكذلك في صلاة الجمعة، ويقرأ أحياناً في العيدين (( ق. والقرآن المجيد )) و(( اقتربت الساعة وانشق القمر ))، وفي الجمعة سورة الجمعة والمنافقين، ينوع مرة هذا، ومرة هذا، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن تكون وجوههم ناعمة لسعيها راضية، وأن يتولانا بعنايته في الدنيا والآخرة، إنه على كل شيء قدير. .


abchir 10-06-2014 07:19 PM

رد: تفسير حزب سبح
 
سورة الفجر
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم،بسم الله الرحمان الرحــــيم
قال الله سبحانه وتعالى : (( والفجر. وليال عشر. والشفع والوتر. والليل إذا يسر )) كل هذه إقسامات بالفجر، وليال عشر، والشفع والوتر، والليل إذا يسر، خمسة أشياء أقسم الله تعالى بها، الأول: الفجر (( والفجر )) هو النور الساطع الذي يكون في الأفق الشرقي قرب طلوع الشمس، وبينه وبين طلوع الشمس ما بين ساعة واثنتين وثلاثين دقيقة، إلى ساعة وسبع عشرة دقيقة، ويختلف باختلاف الفصول، يعني أحياناً تطول الحصة ما بين الفجر وطلوع الشمس، وأحياناً تقصر حسب الفصول، والفجر فجران: فجر صادق، وفجر كاذب، والمقصود بالفجر هنا الفجر الصادق، والفرق بين الفجر الصادق والكاذب من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: الفجر الكاذب يكون مستطيلاً في السماء ليس عرضاً ولكنه طولاً، وأما الفجر الصادق يكون عرضاً يمتد من الشمال إلى الجنوب. الفرق الثاني: أن الفجر الصادق لا ظلمة بعده، بل يزداد الضياء حتى تطلع الشمس، وأما الفجر الكاذب فإنه يكون بعده ظلمة، فإنه يحدث بعده ظلمة بعد أن يكون هذا الضياء، ولهذا سمي كاذباً؛ لأنه يضمحل ويزول. الفرق الثالث: أن الفجر الصادق متصل بالأفق، أما الفجر الكاذب فبينه وبين الأفق ظلمة، هذه ثلاثة فروق آفاقية حسية يعرفها الناس إذا كانوا في البر، أما في المدن فلا يعرفون ذلك، لأن الأنوار تحجب هذه العلامات. وأقسم الله بالفجر لأنه ابتداء النهار، وهو في الحقيقة انتقال ، انتقال من ظلمة دامسة إلى فجر ساطع، وأقسم الله به لأنه لا يقدر على الإتيان بهذا الفجر إلا الله عز وجل كما قال الله تبارك وتعالى: (( قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون )) وأقسم الله بالفجر لأنه يترتب عليه أحكام شرعية، مثل: إمساك الصائم، فإنه إذا طلع الفجر وجب على الصائم أن يمسك إذا كان صومه فرضاً أو نفلاً إذا أراد أن يتم صومه، ويترتب عليه أيضاً: دخول وقت صلاة الفجر، وهما حكمان شرعيان عظيمان، أهمهما دخول وقت الصلاة، أي أنه يجب أن نراعي الفجر من أجل دخول وقت الصلاة أكثر مما نراعيه من أجل الإمساك في حالة الصوم، لماذا ؟ لأننا في الإمساك عن المفطرات في الصيام لو فرضنا أننا أخطأنا فإننا بنينا على أصل وهو بقاء الليل، لكن في الصلاة لو أخطأنا وصلينا قبل الفجر لم نكن بنينا على أصل، لأن الأصل بقاء الليل وعدم دخول وقت الصلاة، ولهذا لو أن الإنسان صلى الفجر قبل دخول وقت الصلاة بدقيقة واحدة فصلاته نفل ولا تبرأ بها ذمته، ومن ثَمَّ ندعوكم ـ أيها الإخوة ـ إلى ملاحظة هذه المسألة، أعني العناية بدخول وقت صلاة الفجر، لأن كثيراً من المؤذنين يؤذنون قبل الفجر وهذا غلط، لأن الأذان قبل الوقت ليس بمشروع لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم )، ومتى يكون حضور الصلاة ؟ أسألكم ، إذا دخل وقتها، فلو أذن الإنسان قبل دخول وقت الصلاة فأذانه غير صحيح يجب عليه الإعادة، والعناية بدخول الفجر مهمة جداً من أجل مراعاة وقت الصلاة. وقوله تعالى: (( وليال عشر )) قيل المراد بـالليالي العشر عشر ذي الحجة، وأطلق على الأيام ليالي، لأن اللغة العربية واسعة، قد تطلق الليالي ويراد بها الأيام، والأيام يراد بها الليالي، وقيل المراد بـالليالي العشر، ليال العشر الأخيرة من رمضان. أما على الأول الذين يقولون المراد بالليال العشر عشر ذي الحجة، فلأن عشر ذي الحجة أيام فاضلة قال فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر ) قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ( ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء ). وأما الذين قالوا: إن المراد بالليال العشر هي ليال عشر رمضان الأخيرة، فقالوا: إن الأصل في الليالي أنها الليالي وما هي الأيام، وقالوا: إن ليال العشر الأخيرة من رمضان فيها ليلة القدر التي قال الله عنها أنها(( خير من ألف شهر ))، وقال: (( ليلة مباركة )).وقال ((فيها يفرق كل أمر حكيم )) ، وهذا القول أرجح من القول الأول، وإن كان القول الأول هو قول الجمهور، لكن اللفظ لا يسعف قول الجمهور، وإنما يرجح القول الثاني أنها الليالي العشر الأواخر من رمضان، وأقسم الله بها لشرفها، ولأن فيها ليلة القدر، ولأن المسلمين يختمون بها شهر رمضان الذي هو وقت فريضة من فرائض الإسلام وأركان الإسلام، فلذلك أقسم الله بهذه الليالي. وأما قوله: (( والشفع والوتر )) فقيل: إن المراد به كل الخلق، كل الخلق إما شفع وإما وتر، صح ، كل الخلق إما شفع وإما وتر والله عز وجل يقول: (( ومن كل شيء خلقنا زوجين )). فالعبادات إما شفع وإما وتر، فيكون المراد بالشفع والوتر كل ما كان مخلوقاً من شفع ووتر، وكل ما كان مشروعاً من شفع ووتر، وقيل: المراد بالشفع الخلق كلهم، والمراد بالوتر الله عز وجل. واعلموا أن قوله والوتر فيها قراءتان صحيحتان (( والوِتر )) و(( الوَتر )) يعني لو قلت (( والشفع والوِتر )) صح ولو قلت (( والشفع والوَتْر )) صح أيضاً، فقالوا إن الشفع هو الخلق؛ لأن المخلوقات كلها مكونة من شيئين (( ومن كل شيء خلقنا زوجين )) والوَتْر أو الوِتر هو الله لقول النبي صلى الله عليه وسلّم: ( إن الله وتر يحب الوتر )، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين ولا منافاة بينهما فلتكن لكل المعاني التي تحتملها الآية، وهذه القاعدة في علم التفسير أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين وأحدهما لا ينافي الآخر فهي محمولة على المعنيين جميعاً. قال تعالى: (( والليل إذا يسر )) أقسم الله أيضاً بالليل إذا يسري، والسري: هو السير في الليل، والليل ـ كما نعلم ـ يسير يبدأ بالمغرب وينتهي بطلوع الفجر فهو يمشي الزمن يمشي ما يتوقف، فهو دائماً في سريان، فأقسم الله به لما في ساعاته من العبادات كصلاة المغرب، والعشاء، وقيام الليل، والوتر وغير ذلك، ولأن في الليل مناسبة عظيمة وهي أن الله عز وجل ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: ( من يسألني فأعطيه، من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له ) ولهذا نقول: إن الثلث الآخر من الليل إنه وقت إجابة، فينبغي أن ينتهز الإنسان هذه الفرصة فيقوم لله عز وجل يتهجد ويدعو الله سبحانه وتعالى بما شاء من خير الدنيا والآخرة لعله يصادف ساعة إجابة ينتفع بها في دنياه وأخراه.............

abchir 11-06-2014 05:37 PM

رد: تفسير حزب سبح
 

يقول الله تبارك وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (( هل في ذلك قسم لذي حجر )) ، يقول الله تعالى (( ألم تر كيف فعل ربك بعاد. إرم ذات العماد )) الخطاب هنا لكل من يوجه إليه هذا الكتاب العزيز وهم البشر كلهم بل والجن أيضاً ألم تر أيها المخاطب ((كيف فعل ربك بعاد. إرم ذات العماد )) يعني ما الذي فعل بهم؟ وعاد قبيلة معروفة في جنوب الجزيرة العربية، أرسل الله تعالى إليهم هوداً عليه الصلاة والسلام فبلغهم الرسالة ولكنهم عتوا وبغوا وقالوا من أشد منا قوة قال الله تعالى: (( أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون )). فهم افتخروا في قوتهم ولكن الله بين أنهم ضعفاء أمام قوة الله ولهذا قال: (( أولم يروا أن الله الذي خلقهم )) ولم يقل أن الله أشد منهم قوة بل قال: (( الذي خلقهم )) ليبين ضعفهم وأنه جل وعلا أقوى منهم، لأن الخالق أقوى من المخلوق (( أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون. فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون )). كنا نقول: (( ألم تر كيف فعل ربك بعاد )) والذي فعل الله بهم أنه أرسل عليهم الريح العقيم (( سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً ، فترى القوى فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية ))، (( فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ))، وهذا الاستفهام الذي لفت الله فيه النظر إلى ما فعل بهؤلاء يراد به الاعتبار يعني اعتبر أيها المكذّب للرسول محمد صلى الله عليه وسلّم بهؤلاء كيف أُذيقوا هذا العذاب، وقد قال الله تعالى: (( وما هي من الظالمين ببعيد )). وقوله: (( إرم )) هذه اسم للقبيلة، وقيل اسم للقرية، وقيل غير ذلك، فسواء كانت اسما للقبيلة أو اسما للقرية فإن الله تعالى نكل بهم نكالاً عظيماً مع أنهم أقوياء. وقوله: (( ذات العماد ))، (( التي لم يخلق مثلها في البلاد )) يعني أصحاب (( العماد )): الأبنية القوية ،(( التي لم يخلق مثلها في البلاد )): أي لم يصنع مثلها في البلاد؛ لأنها قوية ومحكمة، وهذا هو الذي غرهم وقالوا: مَن أشد منا قوة؟ وفي قوله تعالى: (( لم يخلق مثلها في البلاد )) مع أن الذي صنعها الآدمي دليل على أن الآدمي قد يوصف بالخلق فيقال خلق كذا، ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام في المصورين ( يقال لهم أحيوا ما خلقتم )، لكن الخلق الذي ينسب للبشر بل الخلق الذي ينسب للمخلوق ليس هو الخلق المنسوب إلى الله. الخلق المنسوب إلى الله إيجاد بعد إعدام وتحويل وتغيير، أما الخلق المنسوب لغير الله فهو مجرد تحويل، تحويل وتغيير، وأضرب لكم مثلاً: هذا الباب من خشب، من الذي خلق الخشب؟ الله، لا يمكن للبشر أن يخلقوه، لكن البشر يستطيع أن يحول جذوع الخشب وأغصان الخشب إلى أبواب، إلى دواليب، وما أشبه ذلك، فالخلق المنسوب للمخلوق ليس هو الخلق المنسوب للخالق؛ والفرق ؟ أجيبوا، الخلق المنسوب للخالق إيجاد من عدم وهذا لا يستطيعه أحد، والمنسوب للمخلوق تغيير وتحويل يحول الشيء من صفة إلى صفة، أما أن يغير الذوات بمعنى يجعل الذهب فضة، أو الفضة حديداً، أو ما أشبه ذلك فهذا مستحيل لا يمكن إلا لله وحده لا شريك له. ثم قال: (( وثمود الذين جابوا الصخر بالواد )) ثمود :هم قوم صالح ومساكنهم معروفة الآن، كما قال تعالى: (( ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين )). في سورة (( الر )) ذكر الله أن ثمود كانوا في بلاد الحجر وهي معروفة مر عليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في طريقه إلى تبوك وأسرع وقنّع رأسه صلى الله عليه وسلّم وقال: ( لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم مثل ما أصابهم )، هؤلاء القوم أعطاهم الله قوة حتى صاروا يخرقون الجبال، والحصى، والصخور العظيمة ويصنعون منها بيوتاً ولهذا قال: (( جابوا الصخر بالواد )) أي: وادي ثمود، وهو معروف، هؤلاء أيضاً فعل الله بهم ما فعل من العذاب والنكال حيث قيل لهم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، ثم بعد الثلاثة الأيام أخذتهم الصيحة والرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، فعلينا أيها الأخوة أن نعتبر بحال هؤلاء المكذبين الذين صار مآلهم إلى الهلاك والدمار، وليُعلم أن هذه الأمة لن تُهلك بما أهلكت به الأمم السابقة بهذا العذاب العام، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سأل الله تعالى أن لا يُهلكهم بسنة بعامة ولكن قد تهلك هذه الأمة بأن يجعل الله بأسهم بينهم، فتجري بينهم الحروب والمقاتلة، ويكون هلاك بعضهم على يد بعض، لا بشيء ينزل من السماء كما صنع الله تعالى بالأمم السابقة، ولهذا يجب علينا أن نحذر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن نبتعد عن كل ما يثير الناس بعضهم على بعض، وأن نلزم دائماً الهدوء، وأن نبتعد عن القيل والقال وكثرة السؤال، فإن ذلك مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكم من كلمة واحدة صنعت ما تصنعه السيوف الباترة، فالواجب الحذر من الفتن، وأن نكون أمة متآلفة متحابة، يتطلب كل واحد منا العذر لأخيه إذا رأى منه ما يكره. نسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما فيه الخير والصلاح وأن يجمع قلوبنا على طاعته. قال الله تبارك وتعالى: (( ألم تر كيف فعل ربك بعاد. إرم ذات العماد. التي لم يخلق مثلها في البلاد . وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ))، قال: (( وفرعون ذي الأوتاد ))(( فرعون )) فرعون هو الذي أرسل الله إليه موسى عليه الصلاة والسلام، وكان قد استذل بني إسرائيل في مصر، يذبح أبنائهم ويستحيي نسائهم، وقد اختلف العلماء في السبب الذي أدّى به إلى هذه الفعلة القبيحة، لماذا يقتل الأبناء ويبقي النساء؟! فقال بعض العلماء: إن كهنته قالوا له إنه سيولد في بني إسرائيل رجل يكون هلاكك على يده فصار يقتل الأبناء ويستبقي النساء. ومن العلماء من قال: إنه فعل ذلك من أجل أن يضعف بني إسرائيل؛ لأن الأمة إذا قُتلت رجالها واستبقيت نسائها ذلت بلا شك، فالأول تعليل أهل الأثر، والثاني تعليل أهل النظر ـ أهل العقل ـ ولا يبعد أن يكون الأمران جميعاً قد صارا علة لهذا الفعل، ولكن بقدرة الله عز وجل أن هذا الرجل الذي كان هلاك فرعون على يده تربى في نفس بيت فرعون، فإن امرأة فرعون التقطته وربته في بيت فرعون، فرعون استكبر في الأرض وعلا في الأرض وقال لقومه: (( أنا ربكم الأعلى )) وقال لهم: (( ما علمت لكم من إله غيري )) وقال لهم: (( أم أنا خير من هذا الذي هو مهين )) يعني موسى (( ولا يكاد يبين )) ، قال الله تعالى: (( فاستخف قومه فأطاعوه )). وتعلمون أنه قال لقومه مقرراً لهم: (( أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون )). فافتخر بالأنهار وهي المياه فأغرق بالماء........

abchir 12-06-2014 10:50 AM

رد: تفسير حزب سبح
 
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
(( وفرعون ذي الأوتاد ))
: أي ذي القوة، لأن جنوده كانوا له بمنزلة الوتد، والوتد كما نعلم تربط به حبال الخيمة فتستقر وتثبت، فله جنود أمم عظيمة ما بين ساحر وكاهن وغير ذلك لكن الله سبحانه فوق كل شيء. قال تعالى: (( الذين طغوا في البلاد )) الطغيان مجاوزة الحد ومنه قوله تعالى: (( إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية )). أي لما زاد الماء حملناكم في الجارية يعني بذلك السفينة التي صنعها نوح عليه الصلاة والسلام، فمعنى (( طغوا في البلاد )) أي: زادوا عن حدهم واعتدوا على عباد الله. (( فأكثروا فيها الفساد )) الفساد، هل هو الفساد الحسي أو المعنوي؟ الجواب هو: الفساد المعنوي، والفساد المعنوي يتبعه الفساد الحسي،أنتم معنا؟ الفساد المعنوي يتبعه الفساد الحسي، ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: (( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون )). ولهذا قال بعض العلماء في قوله تعالى: (( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها )). قالوا: لا تفسدوها بالمعاصي، وعلى هذا فيكون قوله (( فأكثروا فيها الفساد )) أي: الفساد المعنوي، لكن الفساد المعنوي يتبعه الفساد الحسي، وكان فيما سبق من الأمم أن الله تعالى يدمر هؤلاء المكذبين عن آخرهم، لكن هذه الأمة رفع الله عنها هذا النوع من العقوبات، وجعل عقوبتها أن يكون بأسهم بينهم، هم فيما بينهم يدمر بعضهم بعضاً، وعلى هذا فما حصل من المسلمين من اقتتال بعضهم بعضاً، ومن تدمير بعضهم بعضاً إنما هو بسبب إيش؟ إنما سببه المعاصي والذنوب، يسلط الله بعضهم على بعض ويكون هذا عقوبة من الله سبحانه وتعالى. ولهذا قال :(( فأكثروا فيها الفساد )). (( فصب عليهم ربك سوط عذاب )) (( صب عليهم )): والصب معروف أنه يكون من فوق، والعذاب الذي أتى هؤلاء من فوق من عند الله عز وجل. و(( سوط عذاب )) السوط هو العصا الذي يضرب به، ومعلوم أن الضرب بالعصا نوع عذاب، لكن هل هذا السوط الذي صبه الله تعالى على عاد، وثمود، وفرعون، هل هو العصا المعروف الذي نعرف، أو أنه عصا عذاب أهلكهم؟ الجواب: الثاني عصا عذاب أهلكهم وأبادهم. نسأل الله تعالى أن يجعل لنا ولكم فيما سبق من الأمم عبرة نتعظ بها وننتفع بها، ونكون طائعين لله عز وجل غير طاغين، إنه على كل شيء قدير. قال الله تعالى: (( إن ربك لبالمرصاد )): الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو لكل من يتوجه إليه الخطاب، يبين الله عز وجل أنه بالمرصاد لكل من طغى واعتدى وتكبر، فإنه له بالمرصاد سوف يعاقبه ويؤاخذه، وهذا المعنى له نظائر في القرآن الكريم منها قوله تبارك وتعالى: (( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها )). وكقول شعيب لقومه: (( أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد )). فسنة الله سبحانه وتعالى واحدة في المكذبين لرسله، المستكبرين عن عبادته هو لهم بالمرصاد، وهذه الآية تفيد التهديد والوعيد لمن حاول، أو لمن استكبر عن عبادة الله، أو كذب خبره. ثم قال عز وجل: (( فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول رب أكرمن. وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن )) الابتلاء من الله عز وجل يكون بالخير وبالشر كما قال تعالى: (( ونبلوكم بالشر والخير فتنة )). فيُبتلى الإنسان بالخير ليبلوه الله عز وجل أيشكر أم يكفر، ويبتلى بالشر ليبلوه أيصبر أم يفجر، وأحوال الإنسان كما تعلمون جميعاً دائرة بين خير وشر، بين خير يلائمه ويسره، وبين شر لا يلائمه ولا يسره، وكله ابتلاء من الله، والإنسان بطبيعته الإنسانية المبنية على الظلم والجهل إذا ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه يقول (( رب أكرمن )): يعني أنني أهل للإكرام ولا يعترف بفضل الله عز وجل، وهذا كقوله تعالى: (( قال إنما أوتيته على علم عندي )). لما ذكر بنعمة الله عليه قال: (( إنما أوتيته على علم عندي )) ولم يعترف بفضل الله، وما أكثر الناس الذين هذه حالهم إذا أكرمهم الله عز وجل ونعمهم، قالوا: هذا إكرام من الله لنا؛ لأننا أهل لذلك، ولو أن الإنسان قال: إن الله أكرمني بكذا اعترافاً بفضله وتحدثاً بنعمته لم يكن عليه في ذلك بأس، لكن إذا قال: أكرمني، يعني أنني أهل للإكرام، كما يقول مثلاً كبير القوم إذا نزل ضيفاً على أحدهم قال: أكرمني فلان؛ لأنني أهل لذلك. (( وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه )): يعني ضيق عليه الرزق (( فيقول ربي أهانن )): يعني يقول إن الله تعالى ظلمني فأهانني، ولم يرزقني كما رزق فلاناً، ولم يكرمني كما أكرم فلاناً، فصار عند الرخاء لا يشكر، يعجب نفسه ويقول هذا حق لي، وعند الشدة لا يصبر بل يعترض على ربه ويقول (( ربي أهانن ))، وهذا حال الإنسان باعتباره إنساناً، أما المؤمن فليس كذلك، المؤمن إذا أكرمه الله ونعّمه شكر ربه على ذلك، ورأى أن هذا فضل من الله عز وجل وإحسان، وليس من باب الإكرام الذي يقدم لصاحبه على أنه مستحق، وإذا ابتلاه الله عز وجل وقدر عليه رزقه صبر واحتسب، وقال هذا بذنبي، والرب عز وجل لم يهني ولم يظلمني، فيكون صابراً عند البلاء، شاكراً عند الرخاء، وفي الآيتين إشارة إلى أنه يجب على الإنسان أن يتبصر فيقول مثلاً: لماذا أعطاني الله المال؟ ماذا يريد مني؟ يريد مني أن أشكر. لماذا ابتلاني الله بالفقر، بالمرض وما أشبه ذلك؟ يريد مني أن أصبر. فليكن محاسباً لنفسه حتى لا يكون مثل حال الإنسان المبنية على الجهل والظلم، ولهذا قال تعالى: (( كلا )) يعني لم يعطك ما أعطاك إكراماً لك لأنك مستحق ولكنه تفضل منه، ولم يهنك حين قدر عليك رزقه، بل هذا مقتضى حكمته وعدله. ثم قال تعالى: (( بل لا تكرمون اليتيم )) يعني أنتم إذا أكرمكم الله عز وجل بالنعم لا تعطفون على المستحقين للإكرام وهم اليتامى، فاليتيم هنا اسم جنس، ليس المراد يتيماً واحداً بل جنس اليتامى، واليتيم قال العلماء: هو الذي مات أبوه قبل بلوغه من ذكر أو أنثى، وأما من ماتت أمه فليس بيتيم (( بل لا تكرمون اليتيم )) ، وقوله تعالى: (( اليتيم )): يشمل الفقير من اليتامى، والغني من اليتامى، حتى الغني من اليتامى ينبغي الإحسان إليه وإكرامه لأنه انكسر قلبه بفقد أبيه ومن يقوم بمصالحه، فأوصى الله تعالى به حتى يزول هذا الكسر الذي أصابه. (( ولا تحاضون على طعام المسكين )): يعني لا يحض بعضكم بعضاً على أن يطعم المسكين، وإذا كان لا يحض غيره فهو أيضاً لا يفعله بنفسه، فهو لا يطعم المسكين ولا يحض على طعام المسكين، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي لنا أن نكرم الأيتام، وأن يحض بعضنا بعضاً على إطعام المساكين؛ لأنهم في حاجة، والله تعالى في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. (( وتأكلون التراث أكلاً لما. وتحبون المال حبًّا جًّما )) : (( التراث )) ما يورثه الله العبد من المال، سواء ورثه عن ميت، أو باع واشترى وكسب، أو خرج إلى البر وأتى بما يأتي به من عشب وحطب وغير ذلك، المهم أن التراث ما يرثه الإنسان، أو ما يورثه الله للإنسان من المال فإن بني آدم يأكلونه أكلاً لما، وأما المال فقال: (( وتحبون المال حبًّا جًّما )): أي عظيماً، وهذا هو طبيعة الإنسان، ولكن الإيمان له مؤثراته قد يكون الإنسان بإيمانه لا يهتم بالمال وإن جاءه شكر الله عليه، وأدّى ما يجب وإن ذهب لا يهتم به، لكن طبيعة الإنسان من حيث هو كما وصفه الله عز وجل في هاتين الآيتين، نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير والصلاح وأن يقينا شر أنفسنا إنه على كل شيء قدير........

abchir 13-06-2014 09:13 AM

رد: تفسير حزب سبح
 
قال تبارك وتعالى: (( كلا إذا دكت الأرض دكًّا دكًّا. وجاء ربك والملك صفًّا صفًّا. وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى )): يذكر الله سبحانه وتعالى الناس بيوم القيامة (( إذا دكت الأرض دكًّا دكًّا )): أي دكاً بعد دك حتى لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، تُدك الجبال، ولا بناء، ولا أشجار، تمد الأرض كمد الأديم، ويكون الناس عليها في مكان واحد يُسمعهم الداعي وينفذهم البصر في هذا اليوم (( يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى. يقول يا ليتني قدمت لحياتي )) ولكن قد فات الأوان، إلا أننا في الدنيا في مجال العمل في زمن المهلة يمكن للإنسان أن يكتسب لمستقره، كما قال مؤمن آل فرعون (( يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار )). متاع يتمتع به الإنسان كما يتمتع المسافر بمتاع السفر حتى ينتهي سفره، فهكذا الدنيا، واعتبر يا أخي، اعتبر ما يستقبل بما مضى، كل ما مضى كأنه ساعة من نهار، كأننا الآن مخلوقون، فكذلك ما يستقبل سوف يمر بنا سريعاً ويمضي جميعاً، وينتهي السفر إلى مكان آخر ليس مستقرًّا، إلى الأجداث إلى القبور ومع هذا فإنها ليست محل استقرار لقول الله تعالى: (( ألهاكم التكاثر. حتى زرتم المقابر )). سمع أعرابي رجلاً يقرأ هذه الآية فقال: " والله ما الزائر بمقيم ولابد من مفارقة لهذا المكان "، وهذا استنباط قوي وفهم جيد يؤيده الآيات الكثيرة الصريحة في ذلك كما في قوله تعالى: (( ثم إنكم بعد ذلك لميتون. ثم إنكم يوم القيامة تبعثون )). وذكر الله سبحانه وتعالى ما يكون في هذا اليوم فقال: (( وجاء ربك والملك صفًّا صفًّا )): أي صفًّا بعد صف، (( وجاء ربك )): وهذا المجيء هو مجيئه ـ عز وجل ـ لأن الفعل أسند إلى الله، وكل فعل يسند إلى الله فهو قائم به لا بغيره، هذه القاعدة في اللغة العربية، والقاعدة في أسماء الله وصفاته كل ما أسنده الله إلى نفسه فهو له نفسه لا لغيره، وعلى هذا فالذي يأتي هو الله عز وجل، وليس كما حرّفه أهل التعطيل حيث قالوا إنه جاء أمر الله، فإن هذا إخراج للكلام عن ظاهره بلا دليل، فنحن من عقيدتنا أن نجري كلام الله ، ورسوله على ظاهره وأن لا نحرف فيه. ونقول: إن الله تعالى يجيء يوم القيامة هو نفسه، ولكن كيف هذا المجيء؟ هذا هو الذي لا علم لنا به لا ندري كيف يجيء؟ والسؤال عن مثل هذا بدعة كما قال الإمام مالك ـ رحمه الله ـ حين سُئل عن قوله تعالى: (( الرحمن على العرش استوى ))، كيف استوى؟ سائل يسأل كيف استوى؟ كيف الاستواء؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء ـ يعني العرق ـ لشدة هذا السؤال على قلبه، لأنه سؤال عظيم سؤال متنطع، سؤال متعنت، أو مبتدع يريد السوء، ثم رفع رأسه وقال: " الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة "، الشاهد الكلمة الأخيرة ـ السؤال عنه بدعة ـ واعتبر هذا في جميع صفات الله فلو سألنا سائل قال: إن الله يقول: (( لما خلقت بيدي )). يعني آدم، كيف خلقه؟ كيف خلقه بيده؟ نقول: هذا السؤال بدعة، قال: أنا أريد العلم لا أحب أن يخفى علي شيء من صفات ربي فأريد أن أعلم كيف خلقه؟ نقول: نحن نسألك أسئلة سهلة هل أنت أحرص على العلم من الصحابة رضي الله عنهم؟ إما أن يقول نعم، وإما أن يقول لا، والمتوقع أن يقول لا. طيب، هل الذي وجهت إليه السؤال أعلم بكيفية صفات الله عز وجل أم الرسول عليه الصلاة والسلام؟ سيقول: الرسول، إذاً الصحابة أحرص منك على العلم والمسئول الذي يوجه إليه السؤال أعلم من الذي تسأله ومع ذلك ما سألوا؛ لأنهم يلتزمون الأدب مع الله عز وجل، ويقولون بقلوبهم وربما بألسنتهم إن الله أجل وأعظم من أن تحيط أفهامنا وعقولنا بكيفيات صفاته، والله عز وجل يقول في كتابه في الأمور المعقولة (( ولا يحيطون به علماً )). وفي الأمور المحسوسة: (( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار )). فنقول: يا أخي الزم الأدب، لا تسأل كيف خلق الله آدم بيده؟ فإن هذا بدعة، وكذلك بقية الصفات لو سأل كيف عين الله عز وجل؟ قلنا له: هذا بدعة، لو سأل كيف اليد؟ يد الله عز وجل قلنا: هذا بدعة وعليك أن تلزم الأدب، وأن لا تسأل عن كيفية صفات الله عز وجل. لما قال هنا في الآية الكريمة (( وجاء ربك )) وسأل كيف يجيء؟ ماذا نقول له؟ أجيبوا؟ نقول: هذا بدعة ـ هذه القاعدة التزموها ـ هذا السؤال بدعة، وكل إنسان يسأل عن كيفية صفات الله فهو مبتدع متنطع، سائل عما لا يمكن الوصول إليه، فموقفنا من مثل هذه الآية (( وجاء ربك )) أن نؤمن بأن الله سيجيء ولكن على أي كيفية ؟ الله أعلم. طيب، لو قال قائل: هل يحتمل أن يكون مجيئه كمجيء الإنسان؟ أو كمجيء الملك إلى مكان الاحتفال؟ الجواب: لا،هذا نعلم أنه لا يكون والدليل قوله تعالى: (( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير )). فنحن نعلم النفي ولا نعلم الإثبات، أي نعلم أنه لا يمكن أن يأتي على كيفية إتيان البشر، ولكننا لا نثبت الكيفية وهذا هو الواجب علينا، وقوله: (( والملك )) " أل " هنا للعموم يعني جميع الملائكة يأتون ينزلون ويحيطون بالخلق، تنزل ملائكة السماء الدنيا، ثم ملائكة السماء الثانية وهلم جرا يحيطون بالخلق إظهاراً للعظمة، وإلا فإن الخلق لا يمكن أن يفروا يميناً ولا شمالاً لكن إظهاراً لعظمة الله وتهويلاً لهذا اليوم العظيم، تنزل الملائكة يحيطون بالخلق، وهذا اليوم يوم مشهود يشهده الملائكة والإنس والجن والحشرات وكل شيء (( وإذا الوحوش حشرت )). فهو يوم عظيم لا ندركه الآن ولا نتصوره لأنه أعظم مما نتصور. الأمر الثالث مما به الإنذار في هذا اليوم بعد أن عرفنا الأمر الأول وهو مجيء الله، ثم صفوف الملائكة قال: (( وجيء يومئذ بجهنم )) (( جيء يومئذ )) ولم يذكر الجائي لكن قد دلت السنة أنه يؤتى بالنار تقاد بسبعين ألف زمام كل زمام منها يقوده سبعون ألف ملك، وما أدراك ما قوة الملائكة؟ قوة ليست كقوة البشر، ولا كقوة الجن بل هي أعظم وأعظم بكثير، ولهذا لما قال عفريت من الجن لسليمان (( أنا آتيك به )) بعرش بلقيس (( قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين. قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرًّا عنده )). قال العلماء: لأن الرجل هذا دعا الله، فحملته الملائكة فجاءت به إلى سليمان في الشام من اليمن ، فقوة الملائكة عظيمة، وهم يجرون هذه النار بسبعين ألف زمام، كل زمام يجره سبعون ألف ملك، إذاً هي عظيمة- نسأل الله العافية ونسأل الله أن يجيرنا وإياكم منها-، هذه النار إذا رأتهم أي رأت أهلها من مكان بعيد، سمعوا لها تغيظاً وزفيراً، وليست كزفير الطائرات أو المعدات، زفير تنخلع منه القلوب - والعياذ بالله-، (( كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير )). وقال الله عز وجل: (( تكاد تميز من الغيظ )) تكاد تقطع من شدة الغيظ على أهلها - والعياذ بالله-، فلهذا أنذرنا الله تعالى منها فهذه ثلاثة أمور كلها إنذار: مجيء الرب جل جلاله، صفوف الملائكة، الثالث: الإتيان بجهنم. (( يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى )) يتذكر: يتعظ، لكن أنى له الاتعاظ فات الأوان، انقطع الاتعاظ بحضور الأجل في الدنيا قبل أن يصل الإنسان إلى الآخرة، (( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار ))، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من المتعظين بآياته ونسأله تعالى أن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً ورزقاً طيباً واسعاً........

abchir 14-06-2014 03:21 PM

رد: تفسير حزب سبح
 
نواصل...

يقول: (( يا ليتني قدمت لحياتي. فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد )): وهذا هو آخر سورة الفجر يقول الله عز وجل: (( يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى )): يعني إذا جاء الله في يوم القيامة، وجاء الملك الملائكة صفوفاً صفوفاً، وأحاطوا بالخلق، وحصلت الأهوال والأفزاع يتذكر الإنسان، يتذكر أنه وعد بهذا اليوم، وأنه أعلم به من قبل الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنذروا وخوفوا، ولكن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن ولو جاءته كل آية - والعياذ بالله -، حينئذ يتذكر لكن يقول الله عز وجل (( وأنى له الذكرى )) أين يكون له الذكرى في هذا اليوم الذي رأى فيه ما أخبر عنه يقيناً؟! والإيمان عن المشاهدة لا ينفع، الإيمان عن المشاهدة لا ينفع، لأن كل إنسان يؤمن بما شاهد، الإيمان النافع هو الإيمان بالغيب (( الذين يؤمنون بالغيب )). فيصدق بما أخبرت به الرسل عن الله عز وجل وعن اليوم الآخر، في ذلك اليوم يتذكر الإنسان ولكن قال الله عز وجل: (( أنى له الذكرى )) أي بعيد أن ينتفع بهذه الذكرى التي حصلت منه حين شاهد الحق يقول الإنسان: (( يا ليتني قدمت لحياتي )) يتمنى أنه قدم لحياته وما هي حياته؟ أتظنون أنه يريد الحياة الدنيا؟ لا والله، الحياة الدنيا انتهت وقضت، وليست الحياة الدنيا حياة في الواقع، الواقع أنها هموم وأكدار، كل صفو يعقبه كدر، كل عافية يتبعها مرض، كل اجتماع يعقبه تفرق، انظروا ما حصل أين الآباء؟ أين الإخوان؟ أين الأبناء؟ أين الأزواج؟ هل هذه حياة؟ أبداً، ولهذا قال بعض الشعراء الحكماء:
لا طيب للعيش مادامت منغصة *** لذاته بادكار الموت والهرم
كل إنسان يتذكر أن مآله أحد أمرين: إما الموت، وإما الهرم، نحن نعرف أناساً كانوا شباباً في عنفوان الشباب عُمّروا لكن رجعوا إلى أرذل العمر، يَرقُ لهم الإنسان إذا رآهم في حالة بؤس، حتى وإن كان عندهم من الأموال ما عندهم، وعندهم من الأهل ما عندهم، لكنهم في حال بؤس، وهكذا كل إنسان إما أن يموت مبكراً، وإما أن يُعمّر فيرد إلى أرذل العمر فهل هذه حياة؟ الحياة هي ما بينه الله عز وجل: (( وإن الدار الآخرة لهي الحيوان )) يعني لهي الحياة التامة (( لو كانوا يعلمون )). يقول هذا: (( يا ليتني قدمت لحياتي )) يتمني لكن ما يحصل (( أنى له الذكرى )). قال تعالى: (( فيومئذ لا يعذِّب عذابه أحد، ولا يُوثَق وثاقه أحد )): يعني في هذا اليوم لا أحد يعذب عذابه، ولا أحد يوثق وثاقه، ومعلوم أن هذا الكافر، المؤمن يأتينا ذكر المؤمن إن شاء الله، الكافر لا يعذب أحد عذابه في ذلك اليوم و أخبركم لماذا؟ لأنه يُلقى على أهل النار في الموقف العطش الشديد، فينظرون إلى النار كأنها السراب، والسراب هو ما يشاهده الإنسان في أيام الصيف في شدة الحر من البقاع حتى يخيل إليه أنه الماء، ينظرون إلى النار كأنها سراب وهم عطاش، فيتهافتون عليها يذهبون إليها سراعاً يريدون أي شيء؟ يريدون الشرب، فإذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها: (( ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا )). قد قامت عليكم الحجة فيوبخونهم قبل أن يدخلوا النار، والتوبيخ عذاب قلبي وألم نفسي قبل أن يذوقوا ألم النار - أعاذنا الله وإياكم منها -، في النار يوبخهم الجبار عز وجل توبيخاً أعظم من هذا. ويقولون (( ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين. ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون )) قال الله تعالى وهو أرحم الراحمين: (( اخسئوا فيها ولا تكلمون )). أبلغ من هذا الإذلال،- والعياذ بالله -: (( اخسئوا فيها ولا تكلمون )) يقوله أرحم الراحمين، فمن يرحمهم بعد الرحمن؟! لا راحم لهم، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأن أهون أهل النار عذاباً من عليه نعلان يغلي منهما دماغه، ولا يرى أن أحداً أشد منه عذاباً يرى أنه أشد الناس عذاباً وهو أهونهم عذاباً، وعليه نعلان يغلي منهما الدماغ، النعلان في أسفل البدن والدماغ في أعلاه، فإذا كان أعلى البدن يغلي من أسفله، فالوسط من باب أشد ـ أجارنا الله وإياكم من النار ـ (( فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد )) لأنهم ـ والعياذ بالله ـ يوثقون (( ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه )). أدخلوه في هذه السلسلة تغل أيديهم ـ نسأل الله العافية ـ ولا أحد يتصور الآن ما هم فيه من البؤس والشقاء والعذاب، والله إن الإنسان أحياناً ليتمنى أنه لم يخلق خوفاً من النار، هذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: " ليت أمي لم تلدني، ليتني شجرة تعضد "، لأن الإنسان ما يدري، ما يدري ما هو عليه الآن هل هو على صواب أو هو على خطأ؟ هل في عباداته رياء؟ هل في عباداته بدعة؟ ثم لا يرى أيضاً وهو أخطر لا يرى ماذا يختم له به؟ ( إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها )، من الذي يأمن عند الموت أن يصد أو يضل ويأتيه الشيطان ويقول أنا أبوك، اترك يا بني الإسلام وكن نصرانياً أو يهودياً، إن بعض الناس - والعياذ بالله - عند الموت يفتن، تعرض عليه الأديان، ويقال له اختر النصارى اختر اليهود فأعرض عن الإسلام، ولهذا نعوذ من فتنة المحيا وإيش؟ والممات، ومن الذي يأمن؟ أسأل الله أن يحسن لي ولكم الخاتمة، من الذي يأمن؟ إذن على الإنسان أن يستعد قبل أن (( يقول يا ليتني قدمت لحياتي فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد )) . ثم ختم الله تعالى هذه السورة بما يبهج القلب ويشرح الصدر فقال: (( يا أيتها النفس المطمئنة ))- اللهم اجعل نفوسنا مطمئنة-، (( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية )) : (( ارجعي إلى ربك )) يقال هذا القول للإنسان عند النزع في آخر لحظة من الدنيا، يقال لروحه: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى رحمة من الله ورضوان، فتستبشر وتفرح، ويسهل خروجها من البدن، لأنها بشرت بما هو أنعم مما في الدنيا كلها، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها )، سوط الإنسان العصا القصير، موضع السوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، وليست دنياك أنت، بل الدنيا من أولها إلى آخرها، بما فيها من النعيم، والملك، والرفاهية وغيرها، موضع سوط خير من الدنيا وما فيها، فكيف بمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي عام، ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، نعيم لا يمكن أن ندركه بنفوسنا ولا بتصورنا (( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون ))............

abchir 16-06-2014 07:11 PM

رد: تفسير حزب سبح
 
نتم نقل آخر جزء من تفسير سورة الفجر،
معنى (( المطمئنة )): يعني المؤمنة الآمنة، المؤمنة الآمنة لأنك لا تجد أطمن نفسًا من نفس المؤمن أبداً، المؤمن يا أخواني نفسه طيبة مطمئنة، ولهذا تعجب الرسول صلى الله عليه وسلّم من المؤمن قال: ( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته ضَّراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سَّراء شكر فكان خيراً له )، مطمئن ماش مع الله في قضاءه وقدره، لا يسخط عند المصائب، ولا يبطر عند النعم، بل هو شاكر عند النعم، صابر عند البلاء، فتجده مطمئناً، لكن الكافر أو ضعيف الإيمان لا يطمئن، إذا أصابه البلاء جزع وسخط، ورأى أنه مظلوم من قبل الله ـ والعياذ بالله ـ حتى إن بعضهم ينتحر ولا يصبر، ولا يطمئن، بل يكون دائماً في قلق، ينظر إلى نفسه وإذا هو قليل المال، قليل العيال ليس عنده زوجة، ليس له قوم يحمونه، فيقول: أنا لست في نعمة، لأن فلانًا عنده مال، عنده زوجات، عنده أولاد، عنده قبيلة تحميه، أنا ليس عندي، فلا يرى لله عليه نعمة، لا يرى لله عليه نعمة لأنه ضعيف الإيمان فليس بمطمئن، دائماً في قلق، ولهذا نجد الناس الآن يذهبون إلى كل مكان ليرفهوا عن أنفسهم ليزيلوا عنها الألم والتعب، لكن ما في، لا يزيل ذلك عنك إلا الإيش؟ إلا الإيمان، الإيمان الحقيقي هو الذي يؤدّي إلى الطمأنينة، فالنفس المطمئنة هي المؤمنة الإيش؟ الآمنة، مؤمنة في الدنيا، آمنة من عذاب الله يوم القيامة - اللهم اجعل نفوسنا هكذا -، يا إخواني قال بعض السلف كلمة عجيبة قال: " لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف "، هل تجدون أنعم في الدنيا من الملوك وأبنائهم، أجيبوا؟ لا، لا يوجد أحد أنعم منهم في الظاهر يعني نعومة الجسد، لكن قلوبهم ليست كقلوب المؤمنين، المؤمن الذي ليس عليه إلا ثوب مرقع، وكوخ لا يحميه من المطر، ولا من الحر، ولكنه مؤمن، دنياه ونعيمه في الدنيا أفضل من الملوك وأبناء الملوك، لأن قلبه مستنير بنور الله، بنور الإيمان، وها هو شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ حبس وأوذي في الله عز وجل، فلما أدخل الحبس وأغلقوا عليه الحبس قال رحمه الله: (( فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب )). يقول هذا تحدثاً بنعمة الله لا افتخاراً ثم قال: " ما يصنع أعدائي بي ـ أي شيء يصنعون ـ إن جنتي في صدري ـ ما هي الجنة؟ الإيمان والعلم واليقين ـ وإن حبسي خلوة، ونفيي ـ إن نفوه من البلد ـ سياحة وقتلي شهادة " سبحان الله هذا اليقين، هذه الطمأنينة، الإنسان لو دخل الحبس عندنا كان يخمس ويسدس، بناء مستقبلي، ما مستقبل أولادي، أهلي، قومي، هذا يقول: " جنتي في صدري " وصدق. ولعل هذا هو السر في قوله تبارك وتعالى: (( لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى )) . يعني في الجنة لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى، ومعلوم أن الجنة لا موت فها لا أولى ولا ثانية، لكن لما كان نعيم القلب ممتداً من الدنيا إلى دخول الجنة صارت كأن الدنيا والآخرة كلها جنة وليس فيها إلا موتة واحدة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يحسن لنا ولكم الخاتمة، وأن يجمعنا وإياكم وعموم المسلمين الذين أنعم الله عليهم في الجنة من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إنه على كل شيء قدير.يقول الله تعالى: (( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية )) : (( راضية )): بما أعطاك الله من النعيم، (( مرضية )): عند الله عز وجل كما قال تعالى: (( رضي الله عنهم ورضوا عنه )). (( فادخلي في عبادي )) أي: ادخلي في عبادي الصالحين، من جملتهم، لأن الصالحين عباد الله هم خير طبقات البشر، والبشر طبقاته ثلاث: منعم عليهم، ومغضوب عليهم، وضالون، كل هذه الطبقات مذكورة في سورة، واش هي؟ سورة الفاتحة (( اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم. غير المغضوب عليهم ولا الضالين )).وأنا أسألكم، أنتم عندما تقرؤون هذه الآية في أحدكم يشعر بأن الذين أنعم الله عليهم هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، ويشعر بأنه يسأل الله أن يهديه صراط هؤلاء؟ أكثر الناس لا يشعر لكن ما يشعر أن هذه تاريخ يشير إلى تاريخ الأمم. وأما الطبقة الثانية: (( المغضوب عليهم )): هم اليهود وأشباه اليهود من كل من علم الحق وخالفه، فكل من علم الحق وخالفه ففيه شبه من اليهود، كما قال سفيان بن عيينة ـ رحمه الله ـقال : " من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ". و : (( الضالون )) من؟ النصارى، هم الذين جهلوا الحق، أرادوه لكن عموا عنه - والعياذ بالله -، ما اهتدوا إليه، قال ابن عيينة: و" كل من فسد من عبّادنا ففيه شبه من النصارى "؛ لأنهم العبّاد يريدون الخير يريدون العبادة لكن ما عندهم علم ، فهم ضالون. فأقول يا أخواني الناس طبقات ثلاثة :المنعم عليهم والمغضوب عليهم. والضالون. ولذا يقول:(( ادخلي في عبادي ))، من العباد؟ المراد أي الطبقات؟ الطبقة الأولى المنعم عليهم. (( وادخلي جنتي )) أي جنته التي أعدها الله عز وجل لأوليائه - نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها -، أضافها الله إلى نفسه تشريفاً لها وتعظيماً، وإعلاماً للخلق بعنايته بها جل وعلا، والله سبحانه وتعالى قد خلقها خلقاً غير خلق الدنيا، خلق لنا في الدنيا فاكهة، ونخلا، ورمانا، في الجنة فاكهة، ونخل، ورمان، أتظنون أن ما في الجنة كما في الدنيا؟ كلا، أبداً لا يمكن، لأن الله يقول: (( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين )). ولو كان ما في الجنة كالذي في الدنيا لكنا نعلم، إذاً هو مثله في إيش؟ في الاسم، لكن ليس مثله في الحقيقة ولا في الكيفية ولهذا قال: (( ادخلي جنتي )) فأضافها الله إلى نفسه للدلالة على شرفها وعناية الله بها، وهذا يوجب للإنسان أن يرغب فيها غاية الرغبة، كما أنه يرغب في بيوت الله التي هي المساجد، لأن الله أضافها إلى نفسه، فكذلك يرغب في هذه الدار التي أضافها الله إلى نفسه، والأمر يسير، قال رجل للرسول صلى الله عليه وسلّم: دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، فقال: ( لقد سألت عن عظيم )- وهو صحيح عظيم -، (( فمن زُحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز ))، ولكن- ( وإنه ليسير على من يسره الله عليه ) - اللهم يسرنا لليسرى-، ( تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة ... )، وذكر الحديث، المهم أن الدين والحمد لله يسير سهل، لكن النفوس الأمّارة بالسوء هي التي تحول بيننا وبين ديننا ، والشهوات، والشبهات، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب.

أقحوان 17-06-2014 09:53 AM

رد: تفسير حزب سبح
 
بارك الله فيك
شكرا لك

abchir 26-06-2014 06:37 PM

رد: تفسير حزب سبح
 
و فيك بارك الله
سأتوقف عن النقل طيلة أيام رمضـــان و هذا لغيابي ونتواصل إن شاء الله بعده،من أراد أن يتم ما بدأته فلهو ذلك
تحياتي أبشِـــــر

abchir 19-09-2014 04:11 PM

رد: تفسير حزب سبح
 
السلام عليكم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه
لعلّي مع هذا اليوم المبارك أواصل نقل تفسير حزب سبح (لشيخ إبن عثيمين رحمه الله وغفر لنا وله لعلّ الله ينفع به.....
سورة البلد
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
يقول الله عز وجل :(( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )) والبسملة: آية مستقلة وهي من كتاب الله، ولكن ليست من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، بل هي آية مستقلة تفتتح بها السور إلا سورة براءة، فإن افتتاح سورة براءة بالبسملة من البدع والخروج عن منهج الصحابة رضي الله عنهم، ونحن نعلم أنها لم تنزل البسملة بين سورة الأنفال وسورة التوبة لأنها لو نزلت لحفظت، لقول الله تبارك وتعالى: (( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ))، لكنها لم تنزل، إلا أن الصحابة عند جمع القرآن، إلا أن الصحابة عند كتابة القرآن الكتابة الأخيرة أشكل عليهم هل سورة براءة من الأنفال أم هي مستقلة؟ فوضعوا فاصلاً دون البسملة . يقول الله عز وجل : :(( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )) ، )) لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ . وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ((، ولي تعريجة يسيرة على ما سبق في الدرس الماضي في قوله تعالى: (( فيومئذ لا يعذّب عذابه أحد، ولا يُوثَق وثاقه أحد ): فإني قرأتها هكذا- بالفتح- وفسرتها على هذه القراءة لأن في الآيتين المذكورتين قرائتين: القراءة الأولى التي في المصحف: (( فيومئذ لا يعذّب عذابه أحد، ولا يُوثَق وثاقه أحد ))- بالكسر-: أي لا يعذب عذاب الله أحد بل عذاب الله أشد، ولا يوثق وثاق الله أحد بل هو أشد. أما على قراءة: (( لا يعذّب عذابه أحد، ولا يُوثَق وثاقه أحد )) - بالفتح-: أي لا يعذب عذاب هذا الرجل، ولا يوثق وثاق هذا الرجل، وهذا هو الذي قرأنا به الآية عليه وفسرناها به، لأجل هذا جرى التنبيه. يقول الله عز وجل :(( لا أقسم بهذا البلد )): (( لا )) هذه للاستفتاح، أي: استفتاح الكلام وتوكيد الكلام، وليست نافية، لأن المراد إثبات القسم، يعني أنا أقسم بهذا البلد لكن (( لا )) هذه تأتي هنا للتنبيه والتأكيد و(( أقسم )): القسم تأكيد الشيء بذكر معظم على وجه مخصوص. إذا كل شيء محلوف به لابد أن يكون معظماً لدى الحالف، وقد لا يكون معظمًا في حد ذاته. فمثلاً الذين يحلفون باللات والعزّى هي معظمة عندهم، لكن هي في الواقع ليست عظيمة ولا معظمة. فالحلف إذاً، أو القسم، أو اليمين المعنى واحد، هي تأكيد الشيء بذكر معظم عند من؟ عند الحالف على صفة مخصوصة. وحروف القسم هي: الباء، والواو، والتاء، والذي في الآية الكريمة هنا (( لا أقسم بهذا البلد )) أي الحروف؟ (( الباء )). (( بهذا البلد )) البلد هنا مكة، وأقسم الله بها لشرفها وعظمها، فهي أعظم بقاع الأرض حرمة وأحب بقاع الأرض إلى الله عز وجل، ولهذا بعث منها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم الذي هو سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه، فجدير بهذا البلد الأمين أن يقسم به، ولكن نحن لا نقسم به، لأنه مخلوق، وليس لنا الحق أن نقسم بمخلوق. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك )، أما الله عز وجل فإنه يقسم بما شاء، ولهذا أقسم هنا بمكة (( وأنت حل بهذا البلد )) قيل المعنى: أقسم بهذا البلد حال كونك حالاًّ فيه، لأن حلول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلّم في مكة يزيدها شرفاً إلى شرفها. وقيل المعنى: وأنت تستحل هذا البلد، فيكون إقسام الله تعالى بمكة حال كونها حلاًّ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك عام الفتح؛ لأن مكة عام الفتح أُحلت للرسول عليه الصلاة والسلام ولم تحل لأحد قبله، ولا تحل بعد ذلك لأحد، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس )، فيكون إقسام الله تعالى بهذا البلد مقيداً بما إذا كانت حلاًّ للرسول صلى الله عليه وسلّم، متى؟ عام الفتح؛ لأنها في ذلك اليوم تزداد شرفاً إلى شرفها، حيث طُهِّرت من الأصنام وهزم المشركون، وفتحت عليهم بلادهم عنوة، وصارت هذه البلد بعد أن كانت بلاد كفر صارت بلاد إيمان، وبعد أن كانت بلاد شرك صارت بلاد توحيد، وبعد أن كانت بلاد عناد صارت بلاد إسلام، فأشرف حال لمكة ، أشرف حال لها كانت؟ عند الفتح. إذاً: عند قوله: (( وأنت حل بهذا البلد )) معنيان، أرجوا أن يكون على بالكم.(( لا أقسم بهذا البلد . وأنت حل بهذا البلد )) (( ووالد وما ولد )): يعني وأقسم بالوالد وما ولد، فمن المراد بالوالد ومن المراد بالولد؟ قيل: المراد بالوالد آدم، وبالولد بنو آدم وعلى هذا تكون (( ما )) بمعنى " من " أي: ووالد ومن ولد، لأن " من " للعقلاء، و" ما " لغير العقلاء. وقيل: المراد بالوالد وما ولد كل والد وما ولد، الإنسان والبهائم وكل شيء، لأن الوالد والمولود كلاهما من آيات الله عز وجل، كيف يخرج هذا المولود حيًّا سويًّا سميعاً بصيراً من نطفة من ماء، فهذا دليل على كمال قدرة الله عز وجل، هذا الولد السوي يخرج من نطفة (( أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين )). كذلك الحشرات وغيرها تخرج ضعيفة هزيلة، ثم تكبر إلى ما شاء الله تعالى من حد. (( ووالد وما ولد )): إذاً، والصحيح أن هذه عامة تشمل كل والد وكل مولود . (( لقد خلقنا الإنسان في كبد )) اللام هنا واقعة في جواب القسم، لتزيد الجملة تأكيداً، و(( قد)) تزيد الجملة تأكيداً أيضاً فتكون جملة (( لقد خلقنا الإنسان )) مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم، والثاني؟ اللام، والثالث؟ قد. (( لقد خلقنا الإنسان في كبد )) الإنسان اسم جنس يشمل كل واحد من بني آدم .(( في كبد )) فيها معنيان:
المعنى الأول: في استقامة، يعني أنه خلق على أكمل وجه في الِخلقة، مستقيماً يمشي على قدميه، ويرفع رأسه، وبدنه معتدلاً. والبهائم بالعكس الرأس على حذاء الدبر، أما بنو آدم فالرأس مرتفع أعلى البدن، فهو كقوله تعالى: (( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم )).
وقيل: المراد بـ(( كبد )) مكابدة الأشياء ومعاناتها، وأن الإنسان يعاني المشقة في أمور الدنيا، في طلب الرزق، في إصلاح الحرث، إلى غير ذلك. ويعاني أيضاً معاناة أشد مع نفسه ومجاهدتها على طاعة الله، واجتناب معاصي الله، وهذا هو الجهاد الذي أشق من معاناة طلب الرزق، ولاسيما إذا ابتلي الإنسان ببيئة منحرفة وصار بينهم غريباً، فإنه سيجد المشقة في معاناة نفسه، وفي معاناة الناس أيضاً.
فإن قال قائل: أفلا يمكن أن تكون الآية شاملة للمعنيين؟ فالجواب: بلى، وهكذا ينبغي إذا وجدت في الكتاب العزيز آية تحتمل معنيين وليس بينهما مناقضة فاحملها أيش؟ على المعنيين، لأن القرآن أشمل وأوسع، فإن كان بينهما مناقضة فانظر الراجح. فمثلاً، قوله تعالى: (( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء )). (( قروء )) جمع قرء بفتح القاف فما هو " القرء "؟ قيل: هو الحيض، وقيل: هو الطهر. هنا لا يمكن أن تحمل الآية على المعنيين جميعاً لماذا؟ للتناقض، لكن اطلب المرجح لأحد القولين وخذ به. فهنا نقول: (( لقد خلقنا الإنسان في كبد )) يصح أن تكون الآية شاملة للمعنيين أي في حسن قامة واستقامة، و (( في كبد )) في معاناة لمشاق الأمور. في قوله تبارك وتعالى : (( لقد خلقنا الإنسان في كبد .أيحسب أن لن يقدر عليه أحد. يقول أهلكت مالاً لبداً . أيحسب أن لم يره أحد )) .وبينا أن قوله تعالى: (( لقد خلقنا الإنسان في كبد )) لها معنيان عند أهل العلم: المعنى الأول: الكبد يعني الاهتمام والرفعة في العقل والبدن وغير ذلك. والمعنى الثاني: أي مكابدة المشاق في الأعمال الدنيوية والأخروية. والقاعدة في تفسير كتاب الله عز وجل يا إخواننا، القاعدة أن الآية إذا كانت تحتمل معنيان ولا تناقض بينهما فإنها تحمل على المعنيين جميعاً لأن ذلك أوسع في التفسير والعلم.
يُتبع بإذن الله....



abchir 20-09-2014 08:12 AM

رد: تفسير حزب سبح
 
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
يقول الله تعالى: (( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد )) يعني: أن الإنسان في نفسه وقوته يظن أن لن يقدر عليه أحد، لأنه في عنفوان شبابه وقوته وكبريائه وغطرسته، فيقول لا أحد يقدر علي، أنا أعمل ما شئت، ومنه قوله تبارك وتعالى: (( فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة )). قال الله تعالى: (( أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة )). إذاً، فالإنسان في حال صحته وعنفوان شبابه يظن أنه لا يقدر عليه أحد، ، وهذا لا شك بالنسبة للكافر، حتى الرب عز وجل يظن أنه لا يقدر عليه، أما المؤمن فإنه يعلم أن الله قادر عليه، وأنه على كل شيء قدير فيخاف الله. (( يقول أهلكت مالاً لبداً )): يقول الإنسان أيضاً في حال غناه وبسط الرزق له (( أهلكت مالاً لبداً )) أي: مالاً كثيراً في شهواته وفي ملذاته. يقول الله عز وجل: (( أيحسب أن لم يره أحد )) أيظن هذا أنه لا يراه أحد في تبذيره المال، وصرفه في ما لا ينفع، وكل هذا تهديد للإنسان أن يتغطرس، وأن يستكبر من أجل قوته البدنية، أو كثرة ماله. قال الله تعالى: (( ألم نجعل له عينين. ولساناً وشفتين. وهديناه النجدين )). هذه ثلاث نعم من أكبر النعم على الإنسان (( ألم نجعل له عينين )): يعني يبصر بهما ويرى فيهما، وهاتان العينان تؤديان إلى القلب ما نظر إليه الإنسان، إن نظر نظرة محرمة كان آثماً، وإن نظر نظراً يقربه إلى الله كان غانماً، وإن نظر إلى ما يباح له فإنه لا يحمد ولا يذم ما لم يكن هذا النظر مفضياً إلى محظور شرعي فيكون آثماً بهذا النظر. (( ولساناً وشفتين )) لساناً ينطق به، وشفتين يضبط بهما النطق، وهذه من نعم الله العظيمة، لأنه بهذا اللسان والشفتين يستطيع أن يعبر عما في نفسه، ولولا هذا ما استطاع، لو كان لا يتكلم فكيف يؤدي ما في قلبه؟ كيف يعلم الناس بما في نفسه؟ اللهم إلا بإشارة تتعب، يتعب هو المشير ويتعب الذي أشير لهم. ولكن من نعمة الله أن جعل له لساناً ناطقاً، وشفتين يضبط بهما النطق، وهذا من نعمة الله، وهو أيضاً من عجائب قدرته: من أين يأتي النطق؟ من هواء يكون من الرئة يخرج من مخارج معينة، إن مر بشيء صار حرفاً، وإن مر بشيء آخر صار حرفاً آخر، وهو هواء واحد من مخرج واحد، لكن يمر بشعيرات دقيقة في الحلق، وفي الشفتين، وفي اللثة هذه الشعرات تُكوّن الحروف. فتجد مثلاً الباء والشين كلها بهواء يندفع من الرئة ومع ذلك تختلف باختلاف ما تمر عليه في هذا الفم، ومخارج الحروف المعروفة، هذا من تمام قدرة الله عز وجل. قال :(( وهديناه النجدين )) هديناه: أي بينا له طريق الخير، وطريق الشر، هذا قول. القول الثاني: (( هديناه النجدين )): دللناه على ما به غذاؤه وهو الثديان؛ فإنهما نجدان لارتفاعهما فوق الصدر، فهداه الله تعالى وهو رضيع لا يعرف، من حين أن يخرج وتضعه أمه يطلب الثدي، من الذي أعلمه؟ الله عز وجل، فبيّن الله عز وجل منته على هذا الإنسان من حين أن يخرج يهتدي إلى النجدين. وفي بطن أمه يتغذى عن طريق السرة؛ لأنه لا يستطيع أن يتغذى من غير هذا، فلو تغذى عن طريق الفم لاحتاج إلى بول وغائط، وكيف ذلك؟ لكنه عن طريق السرة يأتيه الدم من دم أمه وينتشر في عروقه حتى يحيا إلى أن يأذن الله تعالى بإخراجه. ثم قال الله تعالى: (( فَلاَ اقتَحَمَ الْعَقَبَةَ . وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ . فَكُّ رَقَبَةٍ ))الخ السورة.(( فلا اقتحم )): أي الإنسان الذي كان يقول : (( أهلكت مالاً لبداً )). (( فلا اقتحم العقبة )) يعني هلا اقتحم العقبة؟ والاقتحام هو التجاوز بمشقة، تجاوز الشيء بمشقة يسمى اقتحاماً، و(( العقبة )) هي الطريق في الجبل الوعر ولا شك أن اقتحام هذه العقبة لا شك أنه شاق، شاق على النفوس، لا يتجاوزه أو لا يقوم به إلا من كان عنده نية صادقة في تجاوز هذه العقبة. (( وما أدراك ما العقبة )): هذا الاستفهام للتشويق والتفخيم أيضاً، يعني: ما الذي أعلمك شأن هذه العقبة التي قال الله عنها : (( فلا اقتحم العقبة )) بيّنها الله في قوله : (( فك رقبة. أو إطعام في يوم ذي مسغبة. يتيماً ذا مقربة. أو مسكيناً ذا متربة. ثم كان من الذين آمنوا ))الخ.
فقوله: (( فك رقبة )) هي خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: " هي فك رقبة " وفك الرقبة له معنيان: المعنى الأول: فكها من الرق، بحيث يعتق الإنسان العبيد المملوكين سواء كانوا في ملكه فيعتقهم، أو كانوا في ملك غيره فيشتريهم ويعتقهم، هذا نوع. النوع الثاني: فك رقبة من الأسير، فإن فكاك الأسير من أفضل الأعمال إلى الله عز وجل. والأسير ربما لا يفكه العدو إلا بفدية مالية، وربما تكون هذه الفدية فدية باهظة كثيرة لا يقتحمها إلا من كان عنده إيمان بالله عز وجل بأن يخلف عليه ما أنفق، وأن يثيبه على ما تصدق. فصار فك الرقبة له معنيان: المعنى الأول: فك الرقبة من الرق، بحيث يحررها إن كانت في ملكه ففي ملكه وإلا اشتراها وحررها . والثاني: فك الرقبة من الأسر. قال: (( أو إطعام في يوم ذي مسغبة )): (( أو )) هذه للتنويع يعني : وإما (( إطعام في يوم ذي مسغبة )) أي: ذي مجاعة شديدة، لأن الناس قد يصابون بالمجاعة الشديدة، إما لقلة الحاصل من الثمار والزروع، وإما لأمراض في أجسامهم يأكل الإنسان ولا يشبع، وهذا قد وقع فيما نسمع عنه وقع في البلاد النجدية وربما في غيرها أيضاً، أن الناس يأكلون ولا يشبعون، يأكل الواحد مأكل العشرة ولا يشبع، ويموتون من الجوع في الأسواق ويتساقطون في الأسواق من الجوع، هذه من المساغب. أو قلة المحصول بحيث لا تثمر الأشجار، ولا تنبت الزروع، فيقل الحاصل وتحصل المسغبة، ويموت الناس جوعاً، وربما يهاجرون عن بلادهم، هذه إطعام في يوم ذي مسغبة.........

نواصل بعونه و توفيقه

abchir 20-09-2014 08:32 AM

رد: تفسير حزب سبح
 
ملاحظة

قد يعتبُ عليّ إخواني من الإطالة في النقل ولكن والله أعلم أني لمّا أجد من خير وغزارة علم في هذا التفسير البسيط لإبن عثيمين عليه رحمة الله تجدني لا أستطيع لذلك سبيلا وأقول لعلّ الإخوة والأخوات يصبرون مع كلام ربنا الدقيقة والدقيقتين خير من التجول في جنبات المنتدى لإرسال الابتسامات والردود هنا وهناك ،فالصبر مفتاح كل خير وبه يُحصّل العلم وخذ مثلا لذلك قصة موسى عليه السلام مع الخضر كيف أنه لم يصبر فلم يستفد من الخضر إلا ثلاث مسائل فقط؛ لأنه لم يصبر وقد قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في الصحيح «وددنا لو أن موسى صبر» يعني فتعلمنا وأخذنا وعلمنا ما عند عبد الله الخضر.
كما أن هذا التفسير يبقى هنا (في المنتدى) كمرجع كلما احتيج رُجِع له


والله الموفق ومعذرة
]

abchir 21-09-2014 08:09 PM

رد: تفسير حزب سبح
 
نتم بحول الله تفسير السورة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
(( يتيماً ذا مقربة. أو مسكيناً ذا متربة )) (( يتيماً (( : اليتيم هو من مات أبوه قبل أن يبلغ سواءً كان ذكراً أم أنثى. فإن بلغ لا يكون يتيماً؛ لأنه بلغ وانفصل. وكذلك لو ماتت أمه فإنه لا يكون يتيماً، خلافاً لما يظنه بعض العامة، أن اليتيم من ماتت أمه وهذا ليس بصحيح، فاليتيم من مات أبوه؛ لأنه إذا مات أبوه لم يكن له كاسب من الخلق يكسب عليه. وقوله: (( ذا مقربة )): ذا قرابة من الإنسان لأنه إذا كان يتيماً كان له حظ من الإكرام والصدقات، وإذا كان قريباً ازداد حظه من ذلك؛ لأنه يكون واجب الصلة، فمن جمع هذين الوصفين اليتم والقرابة فإن الإنفاق عليه من اقتحام العقبة إذا كان ذلك في يوم ذي مسغبة. (( أو مسكيناً ذا متربة )) يعني: أو إطعام في يوم ذي مسغبة (( مسكيناً ذا متربة ))، المسكين: هو الذي لا يجد قوته ولا قوت عياله. المتربة: مكان التراب، والمعنى: أنه مسكين ليس بيديه شيء إلا التراب. ومعلوم أنه إذا قيل عن الرجل: ليس عنده إلا التراب، فالمعنى: أنه فقير جداً ليس عنده طعام، وليس عنده كساء، وليس عنده مال فهو مسكين ذو متربة. (( ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة )) (( ثم كان )) يعني: ثم هو بعد ذلك ليس محسناً على اليتامى وعلى المساكين، بل هو ذو إيمان بالله،(( ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة )): الذين آمنوا بمن؟ آمنوا بكل ما يجب الإيمان به. وقد بين الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلّم من الذي يجب الإيمان به، فقال حين سأله جبريل عن الإيمان: ( الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره ).
وقوله جل وعلا: (( وعملوا الصالحات )) أي: عملوا الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحات: هي كل عمل مقرب إلى الله عز وجل، وهو مبني على الإخلاص والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلا يكون العمل عملاً صالحاً إلا إذا كان بنية ومتابعة، النية بأن يكون عملاً خالصاً لله، ومتابعة أي أن يكون العمل على وفق شريعة الله سبحانه وتعالى، فلو أن الإنسان عمل عملاً مخلصاً فيه غاية الإخلاص لكنه على خلاف هدي الرسول عليه الصلاة والسلام لم يقبل منه وذلك لعدم الاتباع، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ). وكذلك لو كان العمل على وفق الشريعة ظاهراً لكن فيه رياء فإنه لا يقبل، ولا يكون عملاً صالحاً، لقول الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ).
وقوله: (( وتواصوا بالصبر )): أي أوصى بعضهم بعضاً بالصبر، والصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، فهم صابرون متواصون بالصبر، وأي هذه الأنواع أفضل؟ الأفضل الصبر على طاعة الله، ثم الصبر عن معصية الله، ثم الصبر على أقدار الله المؤلمة. وقد اجتمعت هذه الأنواع الثلاثة، اجتمعت في الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم، فها هو الرسول عليه الصلاة والسلام صابر على طاعة الله، يجاهد في سبيل الله، ويدعو إلى الله، ويؤذى ويعتدى عليه بالضرب، حتى همّ المشركون بقتله وهو مع ذلك صابر محتسب، وهو أيضاً صابر عن معصية الله، لا يمكن أن يغدر بأحد، ولا أن يكذب أحداً، ولا أن يخون أحداً، وهو أيضاً متق لله تعالى بقدر ما يستطيع. كذلك صابر على طاعة الله، كم أوذي في الله عز وجل من أجل طاعته، أليست قريش قد آذوه حتى إذا رأوه ساجداً تحت الكعبة أمروا من يأتي بسلا ناقة فيضعه على ظهره، وهو ساجد عليه الصلاة والسلام؟! وهو صابر في ذلك كله. يوسف عليه الصلاة والسلام صبر، صبر على أقدار الله فقد أُلقي في البئر في غيابة الجب، وأوذي في الله بالسجن، ومع ذلك فهو صابر محتسب لم يتضجر ولم ينكر ما وقع به. وقوله: (( وتواصوا بالصبر. وتواصوا بالمرحمة )) أي: أوصى بعضهم بعضاً أن يرحم الآخر. والرحمة - رحمة الله عز وجل -، أعني رحمة الإنسان للمخلوقات تكون في البهائم وتكون في الناطق. فهو يرحم آباءَه، وأمهاته، وأبناءَه، وبناته، وإخوانه، وأخواته، وأعمامه، وعماته، وهكذا، ويرحم كذلك سائر البشر، وهو أيضاً يرحم الحيوان البهيم فيرحم ناقته، وفرسه، وحماره، وبقرته، وشاته، وغير ذلك، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». (( وتواصوا بالصبر. وتواصوا بالمرحمة )) (( أولئك أصحاب الميمنة )).(( أولئك )): أي هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات :(( أصحاب الميمنة )) أي: أصحاب اليمين، الذين يُؤتون كتابهم يوم القيامة بأيمانهم، فمن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً، وينقلب إلى أهله مسروراً. ثم قال عز وجل: (( والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة )): لما ذكر المؤمنين ذكر الكافرين، فقال: (( والذين كفروا بآياتنا )): أي جحدوا بها (( هم أصحاب المشئمة )) (( هم )): الضمير هنا جاء للتوكيد، ولو قيل في غير القرآن: والذين كفروا بآياتنا أصحاب المشئمة. لصح لكن هذا من باب التوكيد. و(( المشئمة )) يعني: الشمال أو الشؤم. (( عليهم نار مؤصدة )): أي عليهم نار مغلقة، لا يخرجون منها ولا يستطيعون، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، وتواصوا بالصبر، وتواصوا بالمرحمة.

نسأل الله أن ينفعنا بما علّمنا



abchir 02-10-2014 05:27 PM

رد: تفسير حزب سبح
 
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
يقول الله تبارك وتعالى:(( وَالشَّمْسِ وَضُحَهَا . وَالْقَمَرِ إِذَا تَلهَا . وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّهَا . وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَهَا . وَالسَّمَآءِ وَمَا بَنَهَا . وَالأرْضِ وَمَا طَحَهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا )) الخ . أما البسملة فلا يجب الكلام عليها لأنه معروف ومتكرر ولكن نبدأ بالآيات في قول الله تعالى : ( (والشمس وضحاها ((: أقسم الله تعالى بالشمس وضحاها وهو ضؤها لما في ذلك من الآيات العظيمة الدالة على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى، وكمال علمه ورحمته. فإن في هذه الشمس من الآيات ما لا يدركه بعض الناس، ونضرب لكم مثلاً: إذا طلعت الشمس فكم توفر على العالم من طاقة كهربائية؟ توفر آلاف الملايين، لأنهم يستغنون بها عن هذه الطاقة، وكم يحصل للأرض من حرارتها، من نضج الثمار، وطيب الأشجار، ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، ويحصل فيها فوائد كثيرة لا أستطيع أن أعدها؛ لأن غالبها يتعلق بعلم الفلك وعلم الأرض والجيولوجيا، ولا أستطيع أن أعدها، لكنها من آيات الله العظيمة. (( والقمر إذا تلاها )). قيل: إذا تلاها في السير، وقيل: إذا تلاها في الإضاءة، ومادامت الآية تحتمل هذا وهذا فإن القاعدة في علم التفسير أن الآية إذا احتملت معنيين لا تعارض بينهما وجب الأخذ بهما جميعاً، لأن الأخذ بالمعنيين جميعاً أوسع للمعنى. فنقول: إذا تلاها في السير؛ لأن القمر يتأخر كل يوم عن الشمس، فبينما تجده في أول الشهر قريباً منها في المغرب، إذا هو في نصف الشهر أبعد ما يكون عنها في المشرق، لأنه يتأخر كل يوم. أو إذا تلاها في الإضاءة، لأنها إذا غابت بدأ ضوء القمر لاسيما في الربع الثاني إلى نهاية الربع الثالث فإن ضوء القمر يكون بيناً واضحاً. يعني: إذا مضى سبعة أيام إلى أن يبقى سبعة أيام يكون الضوء قويًّا، وأما في السبعة الأولى والأخيرة فهو ضعيف، وعلى كل حال فإن إضاءة القمر لا تكون إلا بعد ذهاب ضوء الشمس كما هو ظاهر. فيكون الله أقسم بالشمس لأنها آية النهار، وأقسم بالقمر لأنه آية الليل.
(( والقمر إذا تلاها )). (( والنهار إذا جلاها. والليل إذا يغشاها )) (( والنهار )) : إذا جلا الأرض وبينها ووضحها؛ لأنه نهار تتبين به الأشياء وتتضح.(( والليل إذا يغشاها )) إذا يغطي الأرض حتى يكون كالعباءة المفروشة على شيء من الأشياء، وهذا يتضح جلياً فيما إذا غابت الشمس وأنت في الطائرة، إذا غابت الشمس وأنت في الطائرة تجد أن الأرض سوداء تحتك، لأنك أنت الآن تشاهد الشمس لارتفاعك، لكن الأرض من تحتك حيث غربت عليها الشمس تجدها سوداء كأنها مغطاة بعباءة سوداء وهذا معنى قوله:(( والليل إذا يغشاها )). (( والسماء وما بناها. والأرض... ) السماء والأرض متقابلات. (( والسماء وما بناها. والأرض وما طحاها. ونفس وما سواها )).(( والسماء وما بناها )) قال المفسرون: إنّ (( ما )) هنا مصدرية أي: والسماء وبنائها؛ لأن السماء عظيمة بارتفاعها وسعتها وقوتها، وغير ذلك مما هو من آيات الله فيها، وكذلك بناؤها بناء محكم، كما قال الله تبارك وتعالى: (( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور. ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير )). (( والأرض وما طحاها )) يعني: الأرض وما سواها حتى كانت مستوية، وحتى كانت ليست لينة جداً، وليست قوية جداً صلبة ، بل هي مناسبة للخلق على حسب ما تقوم به حوائجهم، وهذه من نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده أن سوى لهم الأرض وجعلها بين اللين والخشونة إلا في مواضع لكن هذا القليل لا يحكم به على الكثير. (( ونفس وما سواها )): نفس هنا وإن كانت واحدة لكن المراد العموم. يعني كل نفس .(( وما سواها )) يعني سواها خِلقة وسواها فطرة، سواها خلقة حيث خلق كل شيء على الوجه الذي يناسبه ويناسب حاله، قال الله تعالى: (( الذي أعطى كل شيء خلقه )) أي خلقه المناسب له (( ثم هدى )). أي: هداه لمصالحه، وكذلك سواه فطرة ولاسيما البشر فإن الله تعالى جعل فطرتهم هي الإخلاص والتوحيد كما قال تعالى: (( فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها )). (( فألهمها فجورها وتقواها )): من الملهم؟ الله عز وجل ألهم هذه النفوس. (( فألهمها فجورها وتقواها )): بدأ بالفجور قبل التقوى مع أن التقوى لا شك أفضل، قالوا: مراعاة لفواصل الآيات. (( فألهمها فجورها وتقواها )): طيب ما هو الفجور؟ الفجور هو ما يقابل التقوى، والتقوى طاعة الله، إذاً فالفجور معصية الله، فكل عاص فهو فاجر. وإن كان الفاجر خصَّ عرفاً بأنه من ليس بعفيف، لكن هو شرعاً يعم كل من خرج عن طاعة الله كما قال تعالى: (( كلا إن كتاب الفجار لفي سجين )).والمراد الكفار. وألهمها تقواها، ألهمها التقوى أيهما موافق للفطرة؛ الثاني أو الأول؟ الثاني، لأن الفجور خارج عن الفطرة، لكن قد يلهمه الله بعض النفوس لانحرافها لقوله تعالى: (( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم )). والله تعالى لا يظلم أحدًا، لكن من علم منه أنه لا يريد الحق أزاغ الله قلبه، نسأل الله العافية. (( قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها )): (( قد أفلح )) أي: فاز بالمطلوب ونجا من المرهوب، (( من زكاها )) أي: من زكى نفسه، وليس المراد بالتزكية هنا التزكية المنهي عنها في قوله: (( فلا تزكوا أنفسكم )). المراد بالتزكية هنا: أن يزكي نفسه بإخلاصها من الشرك وشوائب المعاصي، حتى تبقى زكية طاهرة نقية. (( وقد خاب من دساها )): أي من أرداها في المهالك والمعاصي، هذا في الواقع يحتاج إلى دعاء الله سبحانه وتعالى أن يثبت الله الإنسان على طاعته، و بالقول الثابت، فعليك يا أخي المسلم دائماً أن تسأل الله الثبات والعلم النافع، والعمل الصالح فإن الله تعالى قال في كتابه: (( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ))، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الراشدين والصالحين المصلحين.

abchir 03-10-2014 09:20 AM

رد: تفسير حزب سبح
 
نتابع بإذنه تعالى مع بقية السورة
وصلنا إلى قول الله تعالى: (( كذبت ثمود بطغواها. إذ انبعث أشقاها )): (( كذبت ثمود )): ثمود اسم قبيلة ونبيهم صالح عليه الصلاة والسلام، وديارهم في الحجر معروفة في طريق الناس، هؤلاء كذبوا نبيهم صالًحا. ونبيهم صالح عليه الصلاة والسلام كغيره من الأنبياء يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. كما قال الله تعالى: (( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون )). دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأعطاه الله سبحانه آية تدل على نبوته وهي الناقة العظيمة التي تشرب من البئر يوماً وتسقيهم لبناً في اليوم الثاني. وقد قال بعض العلماء: إنه كلما جاء إنسان وأعطاها من الماء بقدر أعطته من اللبن بقدره، ولكن الذي يظهر من القرآن خلاف ذلك، لقوله تعالى: (( لها شرب ولكم شرب يوم معلوم )). فالناقة تشرب من البئر يوماً، ثم تدر اللبن في اليوم الثاني، ولكن هل نفعتهم هذه الآية؟ استمع إلى قول الله تعالى: (( كذبت ثمود بطغواها )): أي بطغيانها وعتوها، والباء هنا للسببية، أي: بسبب كونها طاغية كذبت الرسول. (( إذ انبعث أشقاها )) هذا بيان للطغيان الذي ذكره الله عز وجل وذلك حين انبعث أشقاها. و(( انبعث )) يعني: انطلق بسرعة. و(( أشقاها )) أي : أشقى ثمود أي: أعلاهم في الشقاء ـ والعياذ بالله ـ يريد أن يقضي على هذه الناقة. (( فقال لهم )) صالح: (( ناقة الله وسقياها )): قال لهم ناقة، أي ذروا ناقة الله، لقوله تعالى في آية أخرى: (( فذروها تأكل في أرض الله )). يعني اتركوا الناقة لا تقتلوها ولا تتعرضوا لها بسوء ولكن كانت النتيجة بالعكس. (( فكذبوه )) أي: كذبوا صالحاً وقالوا: إنك لست برسول، وهكذا كل الرسل الذين أرسلوا إلى أقوامهم يسمهم أقوامهم بالعيب. كما قال الله تعالى: (( كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون )). كل الرسل قيل لهم هذا ساحر أو مجنون، كما قيل للرسول عليه الصلاة والسلام: إنه ساحر، كذاب، مجنون، شاعر، كاهن، ولكن هل ألقاب السوء التي يلقبها الأعداء لأولياء الله هل تضرهم؟ الجواب: لا، بل يزدادون بذلك رفعة عند الله سبحانه وتعالى، وإذا احتسبوا الأجر أثيبوا على ذلك. فيقول عز وجل: (( فكذبوه فعقروها )) أي: عقروا الناقة عقراً حصل به الهلاك. (( فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها )): فدمدم يعني: أطبق عليهم فأهلكهم كما تقول: دمدمت البئر: أي أطبقت عليها التراب. (( بذنبهم )) أي: بسبب ذنوبهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يظلم الناس شيئاً ولكنّ الناس أنفسهم يظلمون، فالذنوب سبب للهلاك والدمار والفساد لقول الله تبارك وتعالى: (( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون )). وقال تعالى: (( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً )). وقال الله تعالى يخاطب أشرف الخلق وخير القرون: (( أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم )).. فالإنسان يصاب بالمصائب من عند نفسه، ولهذا قال: (( فدمدم عليهم ربهم بذنبهم )) أي: بسبب ذنبهم. (( فسواها )) أي: عمها بالهلاك حتى لم يبق منهم أحد وأصبحوا في ديارهم جاثمين. قال تعالى: (( ولا يخاف عقباها )) أي: أن الله لا يخاف من عاقبة هؤلاء الذين عذبهم، ولا يخاف من تبعتهم، لأن له الملك وبيده كل شيء، بخلاف غيره من الملوك، الملوك لو انتصروا على غيرهم، أو عاقبوا غيرهم تجدهم في خوف يخشون أن تكون الكرة عليهم، أما الله عز وجل فإنه لا يخاف عقباها. أي: لا يخاف عاقبة من عذبهم، لأنه سبحانه وتعالى له الملك كله، وله الحمد كله، فسبحانه وتعالى ما أعظمه، وما أجل سلطانه.

اللهم إنفعنا بما علمتنا و علمنا ما ينفعنا
آميـــن

MoUrAd DeC 20-10-2014 10:46 PM

رد: تفسير حزب سبح
 
بارك الله فيك وجزاك خيرا

abchir 14-11-2014 09:05 AM

رد: تفسير حزب سبح
 
بسم الله وحده والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده،تتممةً لتفسير حزب سبح نقف اليوم مع سورة الليل وبالله التوفيق
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
قال الله تبارك وتعالى بعد بســم الله الرحمـــان الرحيم: (( وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى . وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى . وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنثَى . إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى )).فأقسم الله سبحانه وتعالى بالليل إذا يغشى يعني حين يغشى الأرض ويغطيها بظلامه، لأن الغشاء بمعنى الغطاء. (( والنهار إذا تجلى )) أي: إذا ظهر وبان، وذلك بطلوع الفجر الذي هو النور الذي هو مقدمة طلوع الشمس، والشمس هي آية النهار كما أن القمر آية الليل. ((وما خلق الذكر والأنثى )): يعني وخَلْق الذكر والأنثى على أحد التفسيرين الذي جعل (( ما )) هنا مصدرية، أو والذي خَلَق الذكر والأنثى وهو الله عز وجل على التفسير الآخر. فعلى المعنى الأول: يكون الله سبحانه وتعالى أقسم بخلق الذكر والأنثى. وعلى الثاني: يكون الله تعالى أقسم بنفسه، لأنه هو الذي خلق الذكر والأنثى. (( إن سعيكم لشتى )): يعني إن عملكم (( لشتى )) أي لمتفرق تفرقاً عظيماً.فأنت ترى الآن أن الله أقسم بأشياء متضادة على أشياء متضادة: الليل ضد النهار، الذكر ضد الأنثى، السعي متضاد صالح وسيء، فتناسب المقسم به والمقسم عليه، وهذا من بلاغة القرآن، فكأن الله عز وجل يقول: إن اختلاف الليل والنهار والذكر والأنثى أمر ظاهر لا يخفى، فكذلك الأعمال، أعمال العباد متباينة متفاوتة، منها الصالح، ومنها الفاسد، ومنها ما يخلط صالحاً وفاسداً، كل ذلك بتقدير الله عز وجل، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ثم فصّل هذا السعي المتفرق فقال: (( فأما من أعطى واتقى. وصدق بالحسنى. فسنيسره لليسرى )). (( فأما من أعطى )) أي: أعطى ما أمر بإعطائه من مال، أو جاه، أو علم. (( واتقى )) اتقى ما أمر باتقائه من المحرمات. (( وصدق بالحسنى )) أي: صدق بالقولة الحسنى وهي قول الله عز وجل، وقول رسوله صلى الله عليه وسلّم، لأن أصدق الكلام، وأحسن الكلام كلام الله عز وجل. (( فسنيسره لليسرى )) السين: هنا للتحقيق أي: أن من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسييسره الله عز وجل لليسرى في أموره كلها، في أمور دينه ودنياه، ولهذا تجد أيسر الناس عملاً هو من اتقى الله عز وجل، من أعطى واتقى وصدق بالحسنى. وكلما كان الإنسان أتقى لله كانت أموره أيسر له. قال تعالى: (( ومن يتق الله يجعل له من أمره يسًرا )). وكلما كان الإنسان أبعد عن الله كان أشد عسراً في أموره ولهذا قال:(( وأما من بخل )) فلم يعط ما أمر بإعطائه .(( واستغنى )) استغنى عن الله عز وجل، ولم يتق ربه، بل رأى أنه في غنى عن رحمة الله، نسأل الله العافية والسلامة. (( وكذب بالحسنى )) أي: بالقولة الحسنى، وهي قول الله، ورسوله. (( فسنيسره للعسرى )) ييسر للعسرى في أموره كلها، ولكن قد يأتي الشيطان للإنسان فيقول: نجد أن الكفار تيسر أمورهم فيقال: نعم. قد تيسر أمورهم، لكن قلوبهم تشتعل ناراً وضيقاً وحرجاً كما قال تعالى: (( ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء )). ثم ما ينعمون به فهو تنعيم جسد فقط، لا تنعيم روح، ثم هو أيضاً وبال عليهم لقول الله تعالى فيهم: (( سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين )). وقال النبي صلى الله عليه وسلّم: ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ). وتلا قوله تعالى: (( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد )). وهؤلاء عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ومع ذلك فإن هذه الدنيا جنة لهم بالنسبة للآخرة. وقد ذكروا عن ابن حجر العسقلاني شارح البخاري بالشرح الذي سماه " فتح الباري " وكان قاضي القضاة بمصر، أنه مر ذات يوم وهو على عربته تجره البغال والناس حوله، مر برجل يهودي سمان يعني: يبيع السمن والزيت –وتعلمون أن بيّاع السمن والزيت تكون ثيابه وسخة وحاله سيئة-، فأوقف العربة وقال لابن حجر: إن نبيكم يقول: ( الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر )، فكيف أنا أكون بهذه الحال وأنت بهذه الحال؟ فقال له ابن حجر على البديهة: أنا في سجن بالنسبة لما أعدّ الله للمؤمنين من الثواب والنعيم، لأن الدنيا بالنسبة للآخرة ليست بشيء كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ( لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها )، وأما أنت - يقول لليهودي -: فأنت في جنة بالنسبة لما أعد لك من العذاب إن مت على الكفر فاقتنع بذلك اليهودي وصار ذلك سبباً في إسلامه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. ثم قال عز وجل: (( وما يغني عنه ماله إذا تردى )): يعني أي شيء يغني عنه ماله إذا بخل به وتردى هو. أي: هلك أي شيء يغني المال؟ لا يغني شيئاً. حيث قال الله تبارك وتعالى : (( إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى . وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأولَى )). وقوله عز وجل: (( إن علينا للهدى )): فيه التزام من الله عز وجل أن يبين للخلق ما يهتدون به إليه. والمراد بالهدى هنا: هدى البيان والإرشاد فإن الله تعالى التزم على نفسه بيان ذلك حتى لا يكون للناس على الله حجة وهذا في قوله تعالى: (( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده )). إلى أن قال: (( رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل )). انتبهوا يا إخوان: لا يمكن للعقل البشري أن يستقل بمعرفة الهدى، ولذلك التزم الله عز وجل بأن يبين الهدى له، للإنسان :(( إن علينا للهدى ))، وليُعلم أن الهدى نوعان:
هدى توفيق : فهذا لا يقدر عليه إلا الله.
هدى إرشاد ودلالة، فهذا يكون من الله، ويكون من الخلق: من الرسل ، من العلماء، كما قال الله لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم )). أما هداية التوفيق فهي إلى الله لا أحد يستطيع أن يوفق شخصاً إلى الخير، كما قال الله تعالى: (( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء )). وإذا نظرنا إلى هذه الآية الكريمة (( إن علينا للهدى ))، وجدنا أن الله تعالى بين كل شيء، بين ما يلزم الناس في العقيدة، وما يلزمهم في العبادة، وما يلزمهم في الأخلاق، وما يلزمهم في المعاملات، وما يجب عليهم اجتنابه في هذا كله. حتى قال أبو ذر رضي الله عنه: " لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً ". وقال رجل من المشركين لسلمان الفارسي: " علمكم نبيكم حتى الخراءة، قال: أجل علمنا حتى الخراءة ". يعني: حتى آداب قضاء الحاجة علمها النبي صلى الله عليه وسلّم أمته، ويؤيد هذا قوله تعالى: (( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً )). (( وإن لنا للآخرة والأولى )) يعني: لنا الآخرة والأولى. الأولى متقدمة على الآخرة في الزمن، لكنه في هذه الآية أخرها فلماذا؟ نقول لفائدتين: الفائدة الأولى: معنوية. الفائدة الثانية: لفظية.أما المعنوية : فلأن الآخرة أهم من الدنيا، ولأن الآخرة يظهر فيها ملك الله تعالى تماماً. في الدنيا هناك رؤساء، وهناك ملوك، وهناك أمراء يملكون ما أعطاهم الله عز وجل من الملك، لكن في الآخرة لا ملك لأحد (( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار )). فلهذا قدم ذكر الآخرة من أجل هذه الفائدة المعنوية. أما الفائدة اللفظية: فهي مراعاة الفواصل يعني: أواخر الآيات كلها كما ترون آخرها ألف: (( والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى ))، ولو قال: إن لنا للأولى والآخرة، اختلفت رؤوس الآيات، فمن ثم قال: (( وإن لنا للآخرة والأولى )). هنا يتبين أن الله عز وجل قال: (( إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى )) فما الفرق؟ الفرق: أن الهدى التزم الله تعالى ببيانه وإيضاحه للخلق، أما الملك فهو لله ملك الآخرة والأولى، ولهذا قال: (( وإن لنا للآخرة والأولى )). ثم قال عز وجل: (( فأنذرتكم نارًا تلظى )): (( فأنذرتكم )) يعني: خوفتكم. والنار: يعني بها نار الآخرة. (( تلظى )): تشتعل، ولها أوصاف كثيرة في القرآن والسنة، أجارنا الله وإياكم منها. (( لا يصلاها إلا الأشقى )) يعني: لا يحترق بها :(( إلا الأشقى )) يعني الذي قدرت له الشقاوة، والعياذ بالله. والشقاوة ضد السعادة لقوله تعالى: (( فأما الذين شقوا ففي النار )). وقوله: (( وأما الذين سعدوا ففي الجنة )). فالمراد بالأشقى يعني: الذي لم تكتب له السعادة، هذا هو الذي يصلى النار التي تلظى. ثم بين هذا بقوله: (( الذي كذب وتولى )): التكذيب في مقابل الخبر، والتولي في مقابل الأمر والنهي. فهذا كذب الخبر ولم يصدق، قيل له: إنك ستبعث. قال: لا أبعث. قيل له: هناك جنة ونار. قال: ما هناك جنة ونار. قيل له: سيكون كذا وكذا، قال: ما يكون. هذا تكذيب. (( تولى )) يعني أعرض عن طاعة الله، وأعرض عما جاءت به رسله، فهذا هو الشقى، أعاذنا الله وإياكم من الشقاوة. (( وسيجنبها )) أي: يجنب هذه النار التي تلظى (( الأتقى )) والأتقى اسم تفضيل من التقوى يعني: الذي اتقى الله تعالى حق تقاته. (( الذي يؤتي ماله يتزكى )) يعني: يعطي ماله من يستحقه على وجه يتزكى به، أي: يتطهر به، قال الله تعالى: (( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم )). فقوله: (( الذي يؤتي ماله يتزكى )) يفيد أنه لا يبذر ولا يبخل، وإنما يؤتي المال على وجه يكون به التزكية، وضابط ذلك ما ذكره الله في سورة الفرقان (( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً ))، نجد بعض الناس يعطيه الله مالاً، ولكن يبخل يقتِّر حتى الواجب عليه لزوجته وأولاده وأقاربه لا يقوم به. ونرى بعض الناس قدر الله عليه الرزق وضيق عليه بعض الشيء، ومع هذا يذهب يتدين من الناس من أجل أن يكمل بيته حتى يكون مثل: بيت فلان وفلان، أو من أجل أن يشتري سيارة فخمة كسيارة فلان وفلان، وكلا المنهجين والطريقين منهج باطل. الأول: قصر. والثاني: أفرط. والواجب على الإنسان أن يكون إنفاقه بحسب حاله، فإن قال قائل: هل يجوز أن يتدين الإنسان ليتصدق؟ فالجواب: لا. لأن الصدقة تطوع، والتزام الدّين خطر عظيم، لأن الدين ليس بالأمر الهين، فالإنسان إذا مات فإن نفسه معلقة بدينه حتى يقضى عنه، وكثير من الورثة لا يهتم بدين الميت، تجده يتأخر يماطل وربما لا يوفيه - نسأل الله السلامة -، وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا قدمت إليه الجنازة سأل هل عليه دين له وفاء؟ فإن قالوا لا، قال: ( صلوا على صاحبكم )، وأخبر صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الشهادة في سبيل الله تكفر كل شيء إلا الدين، فالدين أمره عظيم، لا يجوز للإنسان أن يتهاون به. ثم قال: (( وما لأحد عنده من نعمة تجزى )): يعني أنه لا يعطي المال مكافأة على نعمة سابقة من شخص فليس لأحد عليه فضل حتى يعطيه مكافأة، ولكنه يعطي ابتغاء وجه الله. ولهذا قال: (( إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى )): فهو لا ينفق إلا طلب وجه الله، أي طلب الوصول إلى دار كرامة الله التي يكون بها رؤية الله عز وجل. (( ولسوف يرضى )) يعني سوف يرضيه الله عز وجل بما يعطيه من الثواب الكثير وقد بين الله ذلك في قوله: (( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم )). نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من هؤلاء البررة الأطهار الكرام، إنه على كل شيء قدير.


sun 24-12-2025 10:23 AM

Re: تفسير حزب سبح
 
مسابقة الاساتذة
شروط مسابقة الاساتذة
التسجيل في مسابقة الاساتذة 2026/2025
"""ahrefs"" -jobs -resume"
work
freelance
الدكتوراه
écoles doctorales
doctorat 2025/2026
doctorat 2026
doctorat
دكتوراه
محاضرات
Remote Work
Freelance
بحث جاهز بالمنهجية العلمية
بحث pdf word


الساعة الآن 10:00 AM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى