منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   منتدى جواهر الأدب العربي (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=66)
-   -   من روائع المنفلوطي .. (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=27554)

algeroi 31-05-2008 09:39 PM

من روائع المنفلوطي ..
 
الحجــاب عِبرة وعَبـرة
"من منشورات دار القلم"
مصـطفـى لطفي المنفلوطـي

ذهب فلان إلى أوروبا وما ننكر من أمره شيئا، فلبث فيها بضع سنين، ثم عاد وما بقي مما كنا نعرفه منه شيء.
ذهب بوجه كوجه العذراء ليلة عرسها، وعاد بوجه كوجه الصخرة الملساء تحت الليلة الماطرة، وذهب بقلب نقي طاهر يأنس بالعفو ويستريح إلى العذر، وعاد بقلب ملفق مدخول لا يفارقه السخط على الأرض وساكنها، والنقمة على السماء وخالقها، وذهب بنفس غضّة خاشعة ترى كل نفس فوقها.. وعاد بنفس ذهابة نزاعة لا ترى شيئأ فوقها، ولا تلقي نظرة واحدة على ما تحتها، وذهب برأس مملوءة حكماً ورأيا، وعاد برأس كرأس التمثال المثقب لا يملأها إلا الهواء المتردد، وذهب وما على وجه الأرض أحب إليه من دينه ووطنه، وعاد وما على وجهها أصغر في عينيه منهما.

وكنت أرى أن هذه الصورة الغريبة التي يتراءى فيها هؤلاء الضعفاء من الفتيان العائدين من تلك الديار إلى أوطانهم إنما هي أصباغ مفرغة على أجسامهم إفراغا لا تلبث أن تطلع عليها شمس المشرق حتى تَنْصَل وتتطاير ذراتها في أجواء السماء، وأن مكان المدينة الغربية من نفوسهم مكان الوجه من المرآة، إذا انحرف عنها زال خياله منها، فلم أشأ أن أفارق ذلك الصديق، ولبسته على علاته وفاء بعهده السابق، ورجاء لغده المنتظر، محتملا في سبيل ذلك من حمقه ووسواسه وفساد تصوراته وغرابة أطواره، ما لا طاقة لمثلي باحتمال مثله، حتى جاءني ذات ليلة بداهية الدواهي.. ومصيبة المصائب، فكانت آخر عهدي به.
دخلت عليه فرأيته واجماً مكتئباً، فحييته فأومأ إلي بالتحية إيماء، فسألته ما باله
فقال: مازلت منذ الليلة من هذه المرأة في عناء لا أعرف السبيل إلى الخلاص منه، ولا أدري مصير أمري فيه.

قلت: وأي امرأة تريد؟
قال: تلك التي يسميها الناس زوجتي، وأسميها الصخرة العاتية في طريق مطالبي وآمالي. قلت: إنك كثير الآمال يا سيدي، فعن أي آمالك تتحدث؟ قال: ليس لي في الحياة إلا أمل واحد هو أن أغمض عيني ثم أفتحهما فلا أرى برقعاً على وجه امرأة في هذا البلد.

قلت: ذلك ما لا تملكه ولا رأي لك فيه.
قال: إن كثيراً من الناس يرون في الحجاب رأيي، ويتمنون في أمره ما أتمنى، ولا يحول بينهم وبين نزعه عن وجوه نسائهم وإبرازهن إلى الرجال يجالسنهم كما يجلس بعضهن إلى بعض إلا العجز والضعف والهيبة التي لا تزال تلم بنفس الشرقي كلما حاول الإقدام على أمر جديد، فرأيت أن أكون أول هادم لهذا البناء العاديّ القديم الذي وقف سداً دون سعادة الأمة وارتقائها دهراً طويلاً، وأن يتم على يدي ما لم يتم على يد أحد غيري من دعاة الحرية وأشياعها ، فعرضت الأمر على زوجتي فأكبرَته وأعظمته وخيّل إليها أنني جئتها بإحدى النكبات العظام، والرزايا الجسام، وزعمَتْ أنها إن برزت إلى الرجال فإنها لا تستطيع أن تبرز إلى النساء بعد ذلك حياء منهن وخجلاً، ولا خجل هناك ولا حياء، ولكنه الموت والجمود والذل الذي ضربه الله على هؤلاء النساء في هذا البلد أن يعشن في قبور مظلمة من خدورهن وخمرهن حتى يأتيهن الموت فينتقلن من مقبرة الدنيا إلى مقبرة الآخرة، فلا بد لي أن أبلغ أمنيتي، وأن أعالج هذا الرأس القاسي المتحجر علاجاً ينتهي بإحدى الحسنيين إما بكسره أو بشفائه!.. فورد علي من حديثه ما ملأ نفسي هماً وحزناً، ونظرت إليه نظرة الراحم الراثي
وقلت: أعالمٌ أنت أيها الصديق ما تقول؟
قال: نعم أقول الحقيقة التي أعتقدها وأدين نفسي بها واقعة من نفسك ونفوس الناس جميعاً حيث وقعت!..
قلت: هل تأذن لي أن أقول لك إنك عشتَ فترة طويلة في ديار قوم لا حجاب بين رجالهم ونسائهم، فهل تذكر أن نفسك حدثتك يوماً من الأيام وأنت فيهم بالطمع في شيء مما لا تملك يمينك من أعراض نسائهم فنلتَ ما تطمح فيه من حيث لايشعر مالكه؟
قال: ربما وقع لي شيء من ذلك فماذا تريد؟
قلت: أريد أن أقول لك إني أخاف على عرضك أن يلمّ به من الناس ما ألم بأعراض الناس منك.
قال: إن المرأة الشريفة تستطيع أن تعيش بين الرجال من شرفها وعفتها في حصن حصين لا تمتد إليه المطامع، فتداخلني ما لم أملك معه وقلت له: تلك هي الخدعة التي يخدعكم بها الشيطان أيها الضعفاء، والثلمة التي يعثر بها في زوايا رؤوسكم فينحدر منها إلى عقولكم، ومدارككم فيفسدها عليكم، فالشرف كلمة لا وجود لها إلا في قواميس اللغة ومعاجمها، فإن أردنا أن نفتش عنها في قلوب الناس وأفئدتهم قلما نجدها، والنفس الإنسانية كالغدير الراكد لا يزال صافياً رائقاً حتى يسقط فيه حجر فإذا هو مستنقعٌ كَدِر. والعفة لون من ألوان النفس لا جوهر من جواهرها، وقلّما تثبت الألوان على أشعة الشمس المتساقطة.
قال: أتنكر وجود العفة بين الناس؟
قلت: لا أنكرها لأني أعلم أنها موجودة بين البله الضعفاء والمتكلّفين ، ولكني أنكر وجودها عند الرجل القادر المختلب والمرأة الحاذقة المترفقة إذا سقط بينهما الحجاب وخلا وجه كل منهما لصاحبه.
في أي جو من أجواء هذا البلد تريدون أن تبرز نساؤكم لرجالكم؟
أفي جو المتعلمين، وفيهم من سئل مرة: لِم لَمْ يتزوج؟ فأجاب: نساء البلد جميعاً نسائي.
أم في جو الطلبة، وفيهم من يتوارى عن أعين خلانه وأترابه خجلا إن خلت محفظته يوماً من الأيام من صور عشيقاته وخليلاته، أو أقفرت من رسائل الحب والغرام؟
وبعد، فما هذا الولع بقصة المرأة، والتمطّق بحديثها، والقيام والقعود بأمرها وأمر حجابها وسفورها، وحريتها وأسرها، كأنما قد قمتم بكل واجب للأمة عليكم في أنفسكم، فلم يبق إلا أن تفيضوا من تلك النعم على غيركم؟!..
هذبوا رجالكم قبل أن تهذبوا نساءكم، فإن عجزتم عن الرجال، فأنتم عن النساء أعجز.
أبواب الفخر أمامكم كثيرة، فاطرقوا أيها شئتم، ودعوا هذا الباب موصداً، فإنكم إن فتحتموه فتحتم على أنفسكم ويلاً عظيماً.. وشقاء طويلا.
أروني رجلا واحدا منكم يستطيع أن يزعم في نفسه أنه يمتلك هواه بين يدي امرأة يرضاها، فأصدق أن امرأة تستطيع أن تملك هواها بين يدي رجل ترضاه.
إنكم تكلفون المرأة ما تعلمون أنكم تعجزون عنه وتطلبون عندها ما لا تعرفونه عند أنفسكم، فأنتم تخاطرون بها في معركة أحسبكم إلا خاسرين.
ما شكت المرأة إليكم ظلما، ولا تقدمت إليكم في أن تحلوا قيدها وتطلقوها من أسرها، فما دخولكم بينها وبين نفسها؟ وما تمضغكم ليلكم ونهاركم بقصصها وأحاديثها؟!..
إنها لا تشكو إلا فضولكم وإسفافكم ومضايقتكم لها ووقوفكم في وجهها حيثما سارت وأينما حلت، حتى ضاق بها وجه الفضاء فلم تجد لها سبيلا إلا أن تسجن نفسها بنفسها في بيتها فوق ما سجنها أهلها، فأوصدت من دونها بابها، وأسبلت أستارها، تبرماً بكم وفرارا من فضولكم، فواعجباً لكم تسجنونها بأيديكم، ثم تقفون على باب سجنها تبكونها وتندبون شقاءها !..
إنكم لا ترثون لها، بل ترثون لأنفسكم، ولا تبكون عليها، بل على أيام قضيتموها في ديار يسيل جوها تبرّجاً وسفورا، ويتدفق خلاعة واستهتارا، وتودون بجدع الأنف لو ظفرتم هنا بذلك العيش الذي خلفتموه هناك.
لقد كنا، وكانت العفة في سقاء من الحجاب موكوء ، فما زلتم به تثقبون في جوانبه، كل يوم ثقبا، والعفة تتسلل منه قطرة قطرة حتى تقبض وتكرّش ، ثم لم يكفكم ذلك منه حتى جئتم اليوم تريدون أن تحلّوا وكاءه حتى لا تبقى فيه قطرة واحدة.
عاشت المرأة المصرية حقبة من دهرها مطمئنة في بيتها، راضية عن نفسها وعن عيشها، ترى السعادة كل السعادة في واجب تؤديه لنفسها، أو وقفة تقفها بين يدي ربها، أو عطفة تعطفها على ولدها، أو جلسة تجلسها إلى جارتها تبثها ذات نفسها ، وتستبثها سريرة قلبها، وترى الشرف كل الشرف في خضوعها لأبيها وائتمارها بأمر زوجها، ونزولها عند رضاهما.
وكانت تفهم معنى الحب، وتجهل معنى الغرام، فتحب زوجها لأنه زوجها، كما تحب ولدها لأنه ولدها، فإن رأى غيرها من النساء أن الحب أساس الزواج، رأت هي أن الزواج أساس الحب. فقلتم لها إنَّ هؤلاء الذين يستبدون بأمرك من أهلك، ليسوا بأوفر منك عقلاً ولا أفضل رأياً ، ولا أقدر على النظر لك من نظرك لنفسك، فلاحق لهم في هذا السلطان الذي يزعمونه لأنفسهم عليك، فازدرت أباها، وتمرّدت على زوجها، وأصبح البيت الذي كان بالأمس عرساً من الأعراس الضاحكة، مناحة قائمة، لا تهدأ نارها، ولا يخبو أوارها .
وقلتم لها لا بد لك أن تختاري زوجك بنفسك حتى لا يخدعك أهلك عن سعادة مستقبلك، فاختارت لنفسها أسوأ مما اختار لها أهلها، فلم يزد عمر سعادتها على يوم وليلة، ثم الشقاء الطويل بعد ذلك، والعذاب الأليم.
قلتم لها إن الحب أساس الزواج فما زالت تقلب عينيها في وجوه الرجال مصعدة مصوبة، حتى شغلها الحب عن الزواج فعنيت به عنه.
وقلتم لها إن سعادة المرأة في حياتها أن يكون زوجها عشيقها ، وما كانت تعرف إلا أن الزواج غير العشيق، فأصبحت تطلب في كل يوم زوجاً جديداً يحيي من لوعة الحب ما أمات الزوج القديم.. فلا قديما استبقت ولا جديداً أفادت .
وقلتم لها لا بد أن تتعلمي لتحسني تربية ولدك، والقيام على شؤون بيتك، فتعلمت كل شيء إلا تربية ولدها، والقيام على شؤون بيتها.
وقلتم لها نحن لا نتزوج من النساء إلا من نحبها ونرضاها، ويلائم ذوقُها ذوقَنا، وشعورُها شعورَنا، فرأت أن لا بد لها أن تعرف مواقع أهوائكم، ومباهج أنظاركم، لتتجمل لكم بما تحبون، فراجعت فهرس حياتكم، صفحة صفحة، فلم تر فيه غير أسماء الخليعات المستهترات، والضاحكات اللاعبات، والإعجاب بهن والثناء على ذكائهن وفطنتهن، فتخلعت، واستهترت لتبلغ رضاكم، وتنزل عند محبتكم، ثم مشت إليكم بهذا الثوب الرقيق الشفاف، تعرض نفسها عليكم عرضاً، كما تُعرض الأَمَةُ في سوق الرقيق ، فأعرضتم عنها ونَبَوتُم بها، وقلتم لها:
- إنا لا نتزوج النساء العاهرات، كأنكم لا تبالون أن يكون نساء الأمة جميعاً ساقطات، إذا سلمت لكم نساؤكم، فرجعت أدراجها خائبة منكسرة، وقد أباها الخليع ، وتَرَفَّع عنها المحتشم ، فلم تجد بين يديها غير باب السقوط فسقطت.
وكذلك انتشرت الريبة في نفوس الأمة جميعاً وتمشّت الظنون بين رجالها ونسائها، فتعاجز الفريقان، وأظلم الفضاء بينهما، وأصبحت البيوت كالأديرة لا يرى فيها الرائي إلا رجالاً مترهبين، ونساءً عانسات.
ذلك بكاؤكم على المرأة أيها الراحمون.. وهذا رثاؤكم لها وعطفكم عليها!..
نحن نعلم كما تعلمون أن المرأة في حاجة إلى العلم، فليهذبها أبوها أو أخوها، فالتهذيب أنفع لها من العلم، وإلى اختيار الزوج العادل الرحيم، فليحسن الآباء اختيار الأزواج لبناتهم وليجمل الأزواج عِشرَةَ نسائهم. وإلى النور والهواء تبرز إليهما، وتتمتع فيهما بنعمة الحياة، فليأذن لها أولياؤها بذلك، وليرافقها رفيق منهم في غدواتها وروحاتها، كما يرافق الشاةَ راعيها، خوفاً عليها من الذئاب، فإن عجزنا عن أن نأخذ الآباء والأخوة والأزواج بذلك، فلننفض أيدينا من الأمّة جميعها نسائها ورجالها، فليست المرأة بأقدر على إصلاح نفسها من الرجل على إصلاحها.
أعجب ما أعجب له في شؤونكم أنكم تعلمتم كل شيء، إلا شيئاً واحداً هو أدنى إلى مدارككم أن تعلموه قبل كل شيء، وهو أن لكل تربة نباتاً ينبت فيها، ولكل نبات زمناً ينمو فيه.
رأيتم العلماء في أوروبا يشتغلون بكماليات العلوم بين أمم قد فرغت من ضرورياتها، فاشتغلتم بها مثلهم في أمة لا يزال سوادها الأعظم في حاجة إلى معرفة حروف الهجاء.
ورأيتم الفلاسفة فيها ينشرون فلسفة الكفر بين شعوب ملحدة، لها من عقولها وآدابها ما يغنيها بعض الغناء عن إيمانها، فاشتغلتم بنشرها بين أمة ضعيفة ساذجة لا يغنيها عن إيمانها شيء، إن كان هناك ما يغني عنه.
ورأيتم الرجل الأوروبي حراً مطلقاً يفعل ما يشاء ويعيش كما يريد، لأنه يستطيع أن يملك نفسه وخطواته في الساعة التي يعلم فيها أنه قد وصل إلى حدود الحرية التي رسمها لنفسه فلا يتخطاها، فأردتم أن تمنحوا هذه الحرية نفسها رجلاً ضعيف الإرادة والعزيمة، يعيش من حياته الأدبية في رأس مُنحدرٍ زَلقٍ إن زلّت به قدمُه مرة تدهور من حيث لا يستطيع أن يستمسك، حتى يبلغ الهوّة ويتردى في قرارتها.
ورأيتم الزوج الأوروبي الذي أطفأت البيئة غيرته.. وأزالت خشونة نفسه وحُرْشَتَهَا ، يستطيع أن يرى زوجته تخاصر من تشاء، وتصاحب من تشاء، وتخلو بمن تشاء، فيقف أمام ذلك المشهد موقف الجامد المتلبد. فأردتم الرجل الشرقي الغيور الملتهب أن يقف موقفه، ويستمسك استمساكه!..
ورأيتم المرأة الأوروبية الجريئة المتفتية في كثير من مواقفها من الرجال أن تحتفظ بنفسها وكرامتها، فأردتم من المرأة المصرية الضعيفة الساذجة أن تبرز للرجال بروزها، وتحتفظ بنفسها احتفاظها. وكل نبات يزرع في أرض غير أرضه، أو في ساعة غير ساعته، إما أن تأباه الأرض فتلفظه، وإما أن ينشب فيها فيفسدها.
إنا نضرع إليكم باسم الشرف الوطني ، والحرمة الدينية، أن تتركوا تلك البقية الباقية من نساء الأمة مطمئنات في بيوتهن، ولا تزعجوهن بأحلامكم وآمالكم كما أزعجتم من قبلهن، فكل جرح من جروح الأمة له دواء، إلا جرح الشرف، فإن أبيتم إلا أن تفعلوا، فانتظروا بأنفسكم قليلاً ريثما تنتزع الأيام من صدوركم هذه الغيرة التي ورثتموها عن آبائكم وأجدادكم لتستطيعوا أن تعيشوا في حياتكم الجديدة سعداء آمنين.
فما زاد الفتى على أن ابتسم في وجهي ابتسامة الهزء والسخرية،
وقال: تلك حماقات ما جئنا إلا لمعالجتها، فنصطبر عليها حتى يقضي الله بيننا وبينها.
فقلت له: لك أمرك في نفسك وفي أهلك فاصنع بهما ما تشاء.. وائذن لي أن أقول لك إني لا أستطيع أن أختلف إلى بيتك بعد اليوم إبقاءً عليك وعلى نفسي، لأني أعلم أن الساعة التي ينفرج لي فيها جانب ستر من أستار بيتك عن وجه امرأة من أهلك تقتلني حياءً وخجلاً. ثم انصرفت.. وكان هذا فراق ما بيني وبينه.
وما هي إلا أيام قلائل حتى سمعت الناس يتحدثون أن فلاناً هتك الستر في منزله بين نسائه ورجاله، وأن بيته أصبح مغشياً ، لا تزال النعال خافقة ببابه، فذرفت عيني دمعة، لا أعلم هل هي دمعة الغيرة على العرض المذال ، أو الحزن على الصديق المفقود!..
مرت على تلك الحادثة ثلاثة أعوام لا أزوره فيها، ولا يزورني، ولا ألقاه في طريقه إلا قليلا، فأحييه تحية الغريب للغريب من حيث لا يجري لما كان بيننا ذكر ثم أنطلق في سبيلي.
فإني لعائد إلى منزلي ليلة أمس، وقد مضى الشطر الأول من الليل، إذ رأيته خارجا من منزله يمشي مشية الذاهل الحائر وبجانبه جندي من جنود الشرطة كأنما هو يحرسه أو يقتاده فأهمّني أمره، ودنوت منه فسألته عن شأنه

فقال: - لا علم لي بشيء سوى أن هذا الجندي قد طرق الساعة بابي يدعوني إلى مخفر الشرطة، ولا أعلم لمثل هذه الدعوة في مثل هذه الساعة سببا، وما أنا بالرجل المذنب، ولا المريب . فهل أستطيع أن أرجوك يا صديقي بعد الذي كان بيني وبينك أن تصحبني الليلة في وجهي هذا علّني أحتاج إلى بعض المعونة فيما قد يعرض لي هناك من الشؤون؟
قلت: لا أحب إليّ من ذلك. ومشيت معه صامتا لا أحدثه ولا يقول لي شيئا، ثم شعرت كأنه يُزَوِّرُ في نفسه كلاما يريد أن يفضي به إلي فيمنعه الخجل والحياء، ففاتحته الحديث وقلت له:
- ألا تستطيع أن تتذكر لهذه الدعوة سببا؟ فنظر إليّ نظرة حائرة،

وقال: إن أخوف ما أخافه أن يكون قد حدث لزوجتي الليلة حادث، فقد رابني من أمرها أنها لم تعد إلى المنزل حتى الساعة، وما كان ذلك شأنها من قبل.
قلت: أما كان يصحبها أحد؟
قال: لا.
قلت: ألا تعلم المكان الذي ذهبت إليه؟
قال: لا.
قلت: وممّ تخاف عليها؟
قال: لا أخاف شيئاً ، سوى أني أعلم أنها امرأة غيور حمقاء، فلعل بعض الناس حاول العبث بها في طريقها فشرست عليه.. فوقعت بينهما واقعة انتهى أمرها إلى مخفر الشرطة.
وكنا قد وصلنا إلى المخفر فاقتادنا الجندي إلى قاعة المأمور فوقفنا بين يديه، فأشار إلى جندي أمامه إشارة لم نفهمها، ثم استدنى الفتى إليه وقال له:
يسوؤني أن أقول لك يا سيدي إن رجال الشرطة قد عثروا الليلة في مكان من أمكنة الريبة برجل وامرأة في حال غير صالحة، فاقتادوهما إلى المخفر، فزعمت المرأة أن لها بك صلة، فدعوناك لتكشف لنا الحقيقة في أمرها، فإن كانت صادقة أذنّا لها بالانصراف معك إكراماً لك، وإبقاء على شرفك، وإلا فهي امرأة عاهرة لا نجاة لها من عقاب الفاجرات.. وها هما وراءك فانظرهما. وكان الجندي قد جاء بهما من غرفة أخرى، فالتفت وراءه فإذا المرأة زوجته، وإذا الرجل أحد أصدقائه..
فصرخ صرخة رجفت لها جوانب المخفر، وملأت نوافذه وأبوابه عيوناً وآذاناً، ثم سقط في مكانه مغشياً عليه، فأشرت على المأمور أن يرسل المرأة إلى منزل أبيها ففعل، وأطلق سبيل صاحبها، ثم حملنا الفتى في مركبة إلى منزله، ودعونا له الطبيب فقرر أنه مصاب بحمى دماغية شديدة.. ولبث ساهراً بجانبه بقية الليل يعالجه حتى دنا الصبح، فانصرف على أن يعود متى دعوناه، وعهد إليّ بأمره فلبثت بجانبه أرثي لحاله.. وأنتظر قضاء الله فيه، حتى رأيته يتحرك في مضجعه، ثم فتح عينيه فرآني، فلبث شاخصاً إليَّ هنيهة كأنما يحاول أن يقول لي شيئاً فلا يستطيعه، فدنوتُ منه وقلت له:
- هل من حاجه يا سيدي؟
فأجاب بصوت ضعيف خافت: حاجتي ألا يدخل عليَّ أحد من الناس.
قلت: لن يدخل عليك إلا من تريد.
فأطرق هنيهة، ثم رفع رأسه فإذا عيناه مخضلتان بالدموع..
فقلت: ما بكاؤك يا سيدي؟
قال: أتعلم أين زوجتي الآن؟
قلت: وماذا تريد منها؟
قال: لا شيء، سوى أن أقول لها إني قد عفوت عنها.
قلت: إنها في بيت أبيها.
قال: وارحمتاه لها ولأبيها ولجميع قومها! فقد كانوا قبل أن يتصلوا بي شرفاء أمجاداً فألبستُهم مذ عرفوني ثوبا من العار لا تبلوه الأيام. مَن لي بمن يبلغهم عني جميعاً أنني مريض مشرف ، وأنني أخشى لقاء الله إن لقيتُه بدمائهم، وأنني أضرع إليهم أن يصفحوا عني ويغتفروا زلتي، قبل أن يسبق إليّ الأجل؟!.. لقد كنتُ أقسمت لأبيها يوم اهتديتها أن أصون عِرضها صيانتي لحياتي، وأن أمنعها مما أمنع منه نفسي، فحنثت في يميني، فهل يغفر لي ذنبي، فيغفر لي الله بغفرانه؟ نعم إنها قتلتني!.. ولكنني أنا الذي وضعت في يدها الخنجر الذي أغمدَته في صدري، فلا يسألها أحد عن ذنبي. البيت بيتي، والزوجة زوجتي، والصديق صديقي، وأنا الذي فتحت باب بيتي لصديقي إلى زوجتي، فلم يذنب إلي أحد سواي.
ثم أمسك عن الكلام هنيهة، فنظرت إليه فإذا سحابة سوداء تنتشر فوق جبينه شيئاً فشيئاً، حتى لبست وجهه، فزفر زفرة خِلتُ أنها خرقت حجاب قلبه، ثم أنشأ يقول:
- آه ما أشد الظلام أمام عيني!.. وما أضيق الدنيا في وجهي!.. في هذه الغرفة على هذا المقعد تحت هذا السقف كنت أراهما جالسين يتحدثان فتملأ نفسي غبطة وسروراً، وأحمد الله على أن رزقني بصديق وفيّ يؤنس زوجتي في وحدتها، وزوجة سمحة كريمة تكرم صديقي في غيبتي ، فقولوا للناس جميعاً: إن ذلك الرجل الذي كان يفخر بالأمس بذكائه وفطنته، ويزعم أنه أكْيَسُ الناس وأحزمهم، قد أصبح يعترف اليوم أنه أبله إلى الغاية من البلاهة، وغبي إلى الغاية التي لا غاية وراءها.
- وَالهفا على أم لم تلدني وأب عاقر لا نصيب له في البنين . لعل الناس كانوا يعلمون من أمري ما كنت أجهل، ولعلهم كانوا إذا مررت بهم يتناظرون ويتغامزون ويبتسم بعضهم إلى بعض، أو يحدقون إليّ ويطيلون النظر في وجهي ليروا كيف تتمثل البلاهة في وجوه البُله.. والغباوة في وجوه الأغبياء!..
ولعل الذين كانوا يتوددون إليّ ويتمسحون بي من أصدقائي، إنما كانوا يفعلون ذلك من أجلها لا من أجلي!.. ولعلهم كانوا يسمونني فيما بينهم قواداً ويسمون زوجتي مومساً!.. وبيتي ماخوراً .. وأنا عند نفسي أشرف الناس وأنبلهم.
فوارحمتاه لي إن بقيت على ظهر الأرض بعد اليوم ساعة واحدة، ووالهفا على زاوية منفردة في قبر موحش يطويني ويطوي عاري معي. ثم أغمض عينيه وعاد إلى ذهوله واستغراقه.
وهنا دخلت الحجرة مرضع ولده تحمله على يدها حتى وضعته بجانب فراشه، ثم تركَته وانصرفت، فما زال الطفل يدب على أطرافه حتى علا صدر أبيه فأحس به، ففتح عينيه فرآه فابتسم لمرآه وضمَّه إلى صدره ضمّة الرفق والحنان، وأدنى فمه من وجهه ليقبله، ثم انتفض فجأة واستسرَّ بِشْرُهُ ، ودفعه عنه بيده دفعة شديدة وأخذ يَصيح:
- أبعِدوه عني لا أعرفه!.. ليس لي أولاد ولا نساء، سلوا أمه عن أبيه من هو واذهبوا به إليه، لا ألبس العار في حياتي وأتركه أثراً خالداً ورائي بعد مماتي.
وكانت المرضع قد سمعت صياح الطفل فعادت إليه وحملته وذهبت به، فسمع صوته وهو يبتعد عنه شيئاً فشيئاً فأنصت إليه واستعبر باكياً وصاح:
- أرجعوه إليّ، فعادت به المرضع، فتناوله من يدها وأنشأ يقلب نظره في وجهه ويقول:
- في سبيل الله يابنيّ ما خلّف لك أبوك من اليتم، وما خلفت لك أمك من العار، فاغفر لهما ذنبهما إليك، فلقد كانت أمك امرأة ضعيفة فعجزت عن احتمال صدمة القضاء فسقطت، وكان أبوك حسن في جريمته التي اجترمها، فأساء من حيث أراد الإحسان. سواءً أكنتَ ولدي يا بني، أم ولد الجريمة، فإني قد سعدت بك حقبة من الدهر فلا أنسى يدك عندي حياً أو ميتاً، ثم احتضنه إليه، وقبله، في جبينه قبلة لا أعلم هل هي قبلة الأب الرحيم، أو المحسن الكريم!..
وكان قد بلغ منه الجهد فعاودته الحمّى، وغلت نارها في رأسه، وما زال يثقل شيئاً فشيئاً حتى خِفْتُ عليه التلف، فأرسلت وراء الطبيب، فجاء وألقى عليه نظره طويلة ثم استردها مملوءة يأساً وحزناً.
ثم بدأ ينزع نزعاً شديداً، ويئن أنيناً مؤلماً، فلم تبق عين من العيون المحيطة به إلا ارْفَضَّت عن كل ما تستطيع أن تجود به من مدامعها.
فإنا لجلوسٌ حوله وقد بدأ الموت يسبل أستاره السوداء على سريره، وإذا امرأة مؤتزرة بإزار أسود قد دخلت الحجرة، وتقدمت نحوه ببطء، حتى ركعت بجانبه، ثم أكبّت على يده الموضوعة فوق صدره فقبلتها وأخذت تقول له:
- لا تخرج من الدنيا وأنت مرتاب في ولدك، فإن أمه تعترف بين يديك وأنت ذاهب إلى ربك، أنها وإن كانت قد دنت من الجريمة، ولكنها لم ترتكبها، فاعف عني يا والد ولدي، واسأل الله عندما تقف بين يديه أن يلحقني بك، فلا خير لي في الحياة من بعدك.
ثم انفجرت باكية، ففتح عينيه، وألقى على وجهها نظرة باسمة، كانت هي آخر عهده بالحياة وقضى .
الآن عدتُ من المقبرة بعدما دفنتُ صديقي بيدي وأودعت حفرة القبر ذلك الشباب الناضر، والروض الزاهر، وجلست لكتابة هذه السطور وأنا لا أكاد أملك مدامعي وزفراتي، فلا يهوّن وجدي عليه إلا أنَّ الأمّة كانت على باب خطر عظيم من أخطارها، فتقدم هو أمامها إلى ذلك الخطر وحده، فاقتحمه.. فمات شهيداً .. فنجت بهلاكه.

algeroi 01-06-2008 05:44 PM

رد: من روائع المنفلوطي ..
 
الحب والزواج..!
مصطفى لطفي المنفلوطي
عن موقع رسالة الاسلام

قرأت في بعض المجلات قصة قصها أحد الكتاب، موضوعها أنَّ كاتبها غاب عن بلده بضعة أعوام، ثمَّ عاد إليها بعد ذلك، فزار صديقاً له من أثرياء الرجال ووجوههم ومن ذوي الأخلاق الكريمة والأنفس العالية، فوجده حزيناً كئيباً على غير ما يعهد من حاله قبل اليوم، فاستفهم منه عن دخيلة أمره، فعرف أنَّه كان متزوجاً من فتاة يحبها ويجلها ويفديها بنفسه وماله فلم تحفظ صنيعه ولم ترع عهده، وأنها فرَّت منه إلى عشيق لها رقيق الحال وضيع النسب، فاجتهد الكاتب أن يلقى تلك الفتاة ليعرف منها سر فرارها من بيت زوجها، فلقيها في منزل عشيقها، فاعتذرت إليه عن فعلتها بأنها لا تحب زوجها؛ لأنه في الأربعين من عمره وهي لم تبلغ العشرين،
وقالت: إنها جرت في ذلك على حكم الشرائع الطبيعية وإن خالفت الشرائع الدينية؛ لأنَّ الأولى عادلة، والثانية ظالمة.

وقالت: إنَّ ما يسميه الناس بالزنا والخيانة هو في الحقيقة طهارة وأمانة، ولا الجريمة ولا الغش ولا الخداع إلا أن تأذن المرأة لزوجها الذي تكرهه بالإلمام بها إلمام الأزواج بنسائهم ما دامت لا تحبه ولا تألف عشرته،

وقالت: لو أدرك الناس أسرار الديانات وأغراضها لعرفوا أنَّها متفقة في هذه المسألة مع الشرائع الطبيعية، وأنَّها ربما تعدُّ المرأة في بيت زوجها زانية، وفي بيت عشيقها طاهرة، إذا كانت تكره الأول.

هذا ملخص القصة على طولها، وأحسبها قصة موضوعة على نحو ما يضع الكتاب القصص الخيالية لنشر رأي من الآراء أو تأييد مذهب من المذاهب؛ لأنَّ الكاتب قد أعذر تلك الفتاة فيما فعلت، واقتنع بصحة أقوالها وصحة مذهبها، وأعداها على زوجها، وقضى لها فيما كان بينهما.

وسواء أكانت القصة حقيقية أم خيالية، فالحق أقول: إنَّ الكاتب أخطأ في وضعها، وما كنت أحسب إلا أنَّ مذهب الإباحية قد قضى وانقضى بانقضاء العصور المظلمة، حتى قرأت هذه القصة منشورة باللغة العربية بين أبناء الأمة العربية، فنالني من الهم والحزن ما الله عالم به.

قرأنا ما كتب الكاتبون في سبيل الدفاع عن المرأة الساقطة، وهي التي هفت في حياتها هفوة دفعها إليها دافع خداع أو سائق حاجة ثم ثاب إليها رشدها وهُداها، فقلنا: لا بأس بتهوينهم ذنباً جسّمته العادة، وألبسته ثوباً أوسع من ثوبه، ولا بأس برحمتهم فتاة مذنبة تحاول الرجوع إلى ربها، والتوبة من ذنبها، ويأبى المجتمع البشري إلا أن يسدّ عليها أبواب السماء المفتحة للقاتلين والمجرمين.

أما وقد وصل الحد إلى تزيين الزنا للزانية وتهوين إثمه عليها وإغراء العفيفة الصالحة بالتمرد على زوجها والخروج على طاعته كلما دعاها إلى ذلك داعٍ من الهوى، فهذا ما لا يطاق احتماله ولا يستطاع قبوله؛ إن فتاة الرواية لم تهف في جريمتها فقط كما يهفو غيرها من النساء؛ لأنها مقيمة في منزل عشيقها من زمن بعيد، وقد عقدت عزمها على البقاء فيه ما دامت روحها باقية في جسدها، ولم يسقها إلى ذلك سائق شهوة بشرية، إن صح أن تكون الشهوة البشرية عذراً يدفع مثلها إلى مثل ما صنعت؛ لأنَّها فرَّت من فراش زوجها، لا من وحشية خلوتها ولا سائق جوع؛ لأنها كانت أهنأ النساء عيشاً، وأروحهن بالاً، بل كانت على حالة من الرفاهية والنعمة والتقلب في أعطاف العيش البارد لم تر مثلها من قبل ولا من بعد، إذن فهي امرأة مجرمة لا يمنحها العدل من الرحمة ما منح المرأة الساقطة.

إن كانت هذه الفتاة عفيفة طاهرة كما يزعم الكاتب؛ فقد أخطأ علماء اللغة جميعاً في وضع كلمة الفساد في معاجمهم؛ لأنَّها لا مسمى لها في هذا العالم، عالم العفة والطهارة والخير والصلاح، ولا يمكن أن يكون المراد منها فتاة المواخير فإنها لم تترك وراءها زوجاً معذباً منكوباً، ولم ترض عن حياتها الجديدة التي انتقلت إليها قط ولا اغتبطت بعيشها فيها اغتباط تلك الفتاة.

كل الأزواج ذلك الزوج إلا قليلاً، فإذا جاز لكل زوجة أن تفر من زوجها إلى عشيقها كلما وقع في نفسها الضجر من معاشرة الأول وبرقت لها بارقة الأنس من بين ثنايا الثاني، فويل لجميع الرجال من جميع النساء، وعلى النظام البيتي والرابطة الزوجية بعد اليوم ألف سلام.
أيها الكاتب! ليس في استطاعتي ولا في استطاعتك ولا في استطاعة أحد من الناس أن يقف دورة الفلك ويصدّ كرّ الغداة ومرّ العشى حتى لا يبلغ الأربعين من عمره مخافة أن تراه زوجته غير أهل لعشرتها إذا علمت أنَّ في الناس من هو أصغر منه سناً وأكثر منه رونقاً وأنضر شباباً.

إنَّ الضجر والسآمة من الشيء المتكرر المتردد طبيعة من طبائع النوع الإنساني، فهو لا يصبر على ثوب واحد أو طعام واحد أو عشير واحد، وقد علم الله سبحانه وتعالى ذلك منه، وعلم أنَّ نظام الأسرة لا يتم إلا إذا بني على رجل وامرأة تدوم عشرتهما، ويطول ائتلافهما، فوضع قاعدة الزواج الثابت ليهدم قاعدة الحب المضطرب، وأمر الزوجين أن يعتبرا هذا الرباط مقدساً حتى يحول بينهما وبين رجوعهما إلى طبيعتهما، وذهابهما في أمر الزوجية مذهبهما في المطاعم والمشارب، من حيث الميل لكل جديد، والشغف بكل غريب.
هذا هو سر الزواج وهذه حكمته، فمن أراد أن يجعل الحب قاعدة العشرة بدلاً من الزواج، فقد خالف إرادة الله وحاول أن يهدم ما بناه ليهدم بهدمه السعادة البيتية.
أي امرأة متزوجة بأجمل الرجال لا تحدثها نفسها في استبداله بأجمل منه؟ وأي رجل متزوج بأجمل النساء لا يتمنى أن يكون في منزله أجمل منها، لولا هذا الرباط المقدس: رباط الزوجية، فهو الذي يعالج أمثال هذه الأماني وتلك الهواجس، وهو الذي يعيد إلى النفوس الثائرة سكونها وقرارها.

لا بأس أن يتثبَّت الرجل قبل عقد الزواج من وجود الصفة المحبوبة لديه في المرأة التي يختارها لنفسه، ولا بأس أن تصنع المرأة صنيعه، ولكن لا على معنى أن يكون الحب الشهوي هو قاعدة الزواج، يحيا بحياته ويموت بموته. فالقلوب متقلبة، والأهواء نزَّاعة، بل بمعنى أن يكون كلّ منهما لصاحبه صديقاً أكثر منه عشيقاً، فالصداقة ينمو بالمودة غرسها، ويمتد ظلها، أمَّا الحب فظلُّ ينتقل؛ وحال تتحوَّل*.

algeroi 08-06-2008 01:09 PM

رد: من روائع المنفلوطي ..
 
ايها المحزون ...

مصطفى لطفي المنفلوطي

ان كنت تعلم انك اخذت على الدهر عهدا ان يكون لك كما تريد في جميع شؤونك واطوارك والا يعطيك ولا يمنعك الا كما تحب وتشتهي فجدير بك ان تطلق لنفسك في سبيل الحزن عنانها كلما فاتك مارب او استعصى عليك مطلب وان كنت تعلم اخلاق الايام في اخذها وردها وعطائها ومنعها وانها لا تنام عن منحة تمنحها حتى تكر عليها راجعة فتستردها وان هذه سنتها وتلك خلتها في جميع ابناء آدم سواء في ذلك ساكن القصر وساكن الكوخ ومن يطا بنعله هام الجوزاء ومن ينام على بساط الغبراء فخفض من حزنك وكفكف من دمعك فما انت باول غرض اصابه سهم الزمان وما مصابك باول بدعة طريفة في جريدة المصائب والاحزان ..

انت حزين لان نجما زاهرا من الامل كان يتراءى لك في سماء حياتك فيملؤ عينيك نورا وقلبك سرورا ..

وماهي الا كرة الطرف ان افتقدته فما وجدته ولو انك اجملت في املك لما غلوت في حزنك ولو انت امعنت نظرك فيما يتراءى لك لرايت برقا خاطفا ما تظنه نجما زاهرا وهنالك لا يبهرك طلوعه كما لا يفجعك افوله

اسعد الناس في هذه الحياة من اذا وافته النعمة تنكر لها ونظر اليها نظرة المستريب بها وترقب في كل ساعة زوالها وفناءها فان بقيت في يده فذاك والا فقد اعد لفراقها عدته من قبل

لولا السرور في ساعة الميلاد ما كان البكاء في ساعة الموت ولولا الوثوق بدوام الغنى ما كان الجزع من الفقر ولولا فرحة التلاقي ما كانت قرحة الفراق ...

algeroi 12-06-2008 01:27 PM

رد: من روائع المنفلوطي ..
 
الانصاف ....
مصطفى لطفي المنفلوطي


اذا كان لك صديق تحبه وتواليه ثم هجمت منه على مالم يحل في نظرك ولم يتفق مع ما علمت من حاله واطرد عندك من اعماله او كان لك عدو تذم طباعه وتنقم منه شؤونه ثم برقت لك من جانب اخلاقه بارقت خير فتحدثت بما قام في نفسك من مؤاخذة صديقك على الخصلة التي تذمها وحمد عدوك على الخصلة التي حمدتها عد ك الناس متلونا مخادعا او ذا وجهين تمدح اليوم من تذم بالامس وتذم في ساعة من تمدح في اخرى وقالو اانك تظهرمالاتظمر وتخفي غير ما تبدي ولو انصفوك لاعجبوا بك وبصدقك ولاكبروا سلامة قلبك من هوى النفس وضلالها ولسموا ما بدا لهم منك اعتدالا لا نفاقا وانصافا لا خداعا لانك لم تغلو في حب صديقك غلو من يعميه الهوى من رؤية عيوبه ولم تتمسك بصداقتك بالسبب الضعيف فعنيت بتعهد اخلاقه وتفقد خلاله لاصلاح ما فسد من الاولى واعوج من الثانية

ان صديقك الذي يبسم لك في حالي رضاك وغضبك وحلمك وجهلك وصوابك و سقطك ليس ممن يغتبط بمودته او يوثق بصداقته لانه لا يصلح ان يكون مرآتك التي تتراءى فيها فتكشف لك عن نفسك وتصدقك عن زينك وشينك وحلوك ومرك
وهو اما جاهل متهور في ميوله واهوائه فلا يرى غير ما تريد ان ترى نفسه لا ما يجب ان تراه
واما منافق مخادع قد علم ان هواك في الصمت عن عيوبه وتجرير الذيول
فجاراك فيما تريد ليبلغ منك ما يريد

فها انت ذا ترى ان الناس يعكسون القضايا ويقلبون الحقائق فيسمون الصادق كاذبا والكاذب صادقا ولكن الناس لا يعلمون

algeroi 23-06-2008 05:02 PM

رد: من روائع المنفلوطي ..
 
الغني والفقير
مصطفى لطفي المنفلوطي

مررت ليلة أمس برجل بائس فرأيته واضعاً يده على بطنه كأنما يشكو ألماً، فرثيت لحاله وسألته ما باله فشكا إلي الجوع ففثأته عنه، ثم تركته وذهبت إلى زيارة صديق لي من أرباب الثراء والنعمة، فأدهشني أني رأيته واضعاً يده على بطنه وأنه يشكو من الألم ما يشكو ذلك البائس الفقير، فسألته عما به فشكا إلي البِطنة، فقلت: يا للعجب! لو أعطى الغني الفقير ما فضل عن حاجته من الطعام ما شكا واحد منهما سقماً ولا ألماً.
لقد كان جديراً به أن يتناول من الطعام ما يشبع جوعته،ويطفئ غلته، ولكنه كان محباً لنفسه مغالياً بها، فضم إلى مائدته ما اختلسه من صحفة الفقير فعاقبه الله على قسوته بالبطنة حتى لا يهنيء للظالم ظلمه، ولا يطيب له عيشه، وهكذا يصدق المثل القائل: بطنة الغني انتقام لجوع الفقير.

ما ضنت السماء بمائها ولا شحت الأرض بنباتها، ولكن حسد القوي الضعيف عليهما فزواهما عنه واحتجنهما دونه فأصبح فقيراً معدماً، شاكياً متظلماً، غرماؤه المياسير الأغنياء، لا الأرض والسماء.

ليتني أملك ذلك العقل الذي يملكه هؤلاء الناس فأستطيع أن أتصور كما يتصورون حجة الأقوياء في أنهم أحق بإحراز المال وأولى بامتلاكه من الضعفاء، إن كانت القوة حجتهم عليهم فلم لا يملكون بهذه الحجة سلب أرواحهم كما ملكوا سلب أموالهم؟ وما الحياة في نظر الحي بأثمن قيمة من اللقمة في يد الجائع.

وإن كانت حجتهم أنهم ورثوا ذلك المال من آبائهم قلنا لهم: إن كانت الأبوة علة الميراث، فلم ورثتم آباءكم في أموالهم ولم ترثوهم في مظالمهم؟! فلقد كان آباءكم أقوياء فاغتصبوا ذلك المال من الضعفاء، وكان حقاً عليهم أن يردوا إليهم ما اغتصبوا منهم، فإن كنتم لا بد ورثاءهم فاخلفوهم في رد المال إلى أربابه لا في الاستمرار على اغتصابه.

ما أظلم الأقوياء من بني الإنسان! وما أقسى قلوبهم! ينام أحدهم ملء جفنيه على فراشه الوثير ولا يقلقه في مضجعه أنه يسمع أنين جاره وهو يرعد برداً، ويجلس أمام مائدة حافلة بصنوف الطعام: قديده وشوائه، حلوه ومره، ولا ينغص عليه شهوته علمه أن بين أقربائه وذوي رحمه من تثب أحشاؤه شوقاً إلى فتات تلك المائدة ويسيل لعابه تلهفاً على فضلاتها. بل إن بينهم من لا تخالط الرحمة قلبه ولا يعقد الحياء لسانه، فيظل يسرد على مسمع الفقير أحاديث نعمته، وربما استعان به على عد ما تشتمل عليه خزائنه من الذهب وصناديقه من الجوهر وغرفه من الفراش والرياش؛ ليكسر قلبه وينغص عليه عيشه ويبغض إليه حياته وكأنه في كل كلمة من كلماته وحركة من حركاته يقول له: (أنا سعيد لأني غني وأنت شقي لأنك فقير).

أحسب لولا أن الأقوياء في حاجة إلى الضعفاء؛ يستخدمونهم في مرافقهم وحاجاتهم كما يستخدمون أدوات منازلهم ويسخرونهم في مطالبهم كما يسخرون مراكبهم ولولا أنهم يؤثرون الإبقاء عليهم ليمتعوا أنفسهم بمشاهدة عبوديتهم لهم وسجودهم بين أيديهم؛ لامتصوا دماءهم كما اختلسوا أرزاقهم، ولحرموهم الحياة كما حرموهم لذة العيش فيها.

لا أستطيع أن أتصور أن الإنسان إنسان حتى أراه مُحسِناً؛ لأني لا أعتمد فصلاً صحيحاً بين الإنسان والحيوان إلا الإحسان. وإني أرى الناس ثلاثة؛ رجل يحسن إلى غيره ليتخذ إحسانه إليه سبيلاً إلى الإحسان نفسه، وهو المستبد الجبار الذي لا يفهم من الإحسان إلا أنه يستعبد الإنسان، ورجل يحسن إلى نفسه ولا يحسن إلى غيره، وهو الشره المتكالب الذي لو علم أن الدم السائل يستحيل إلى ذهب جامد لذبح في سبيله الناس جميعاً! ورجل لا يحسن إلى نفسه ولا إلى غيره، وهو البخيل الأحمق الذي يجيع بطنه ليشبع صندوقه.

أما الرابع الذي يحسن إلى غيره ويحسن إلى نفسه فلا أعلم له مكاناً ولا أجد إليه سبيلاً، وأحسب أنه هو ذلك الذي كان يفتش عنه الفيلسوف اليوناني ديوجين الكلبي حينما سئل ما يصنع بمصباحه وكان يدور به في بياض النهار فقال: أفتش عن إنسان!.

عبد الله أحمد 24-06-2008 01:18 PM

رد: من روائع المنفلوطي ..
 
فعلا روائع..........
بارك الله فيك.

سعاد.س 24-06-2008 02:10 PM

رد: من روائع المنفلوطي ..
 
أحسنت الإختيار أخي

المنفلوطي أديب راق جدا..

و كتاباته تدل على ذلك

رومانسية ممزوجة بالحكمة..

من بين الكتاب الذين لا أشبع من القراءة لهم


أشكرك أخي على هذا الإنتقاء الجميل

تحياتي

سعاد

gamalove2002 24-06-2008 02:14 PM

رد: من روائع المنفلوطي ..
 



مشكور اخي جزيل الشكر
احسنت باختيارك لادب المنفلوطي
و احسنت في انتقاء النصوص
ننتظر دوما المزيد
تحياتي لك:)

algeroi 24-06-2008 03:08 PM

رد: من روائع المنفلوطي ..
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد الله أحمد (المشاركة 188275)
فعلا روائع..........
بارك الله فيك.

وفيك بارك الله

algeroi 24-06-2008 03:11 PM

رد: من روائع المنفلوطي ..
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سعاد.س (المشاركة 188334)
أحسنت الإختيار أخي


المنفلوطي أديب راق جدا..

و كتاباته تدل على ذلك

رومانسية ممزوجة بالحكمة..

من بين الكتاب الذين لا أشبع من القراءة لهم


أشكرك أخي على هذا الإنتقاء الجميل

تحياتي

سعاد


هل لكونه ... صديق "المراة" ام لروعة كتاباته ?
ترقبي "النظامون" ولست منهم طبعا !!
فهي في طور "الاعداد"

algeroi 24-06-2008 03:13 PM

رد: من روائع المنفلوطي ..
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة gamalove2002 (المشاركة 188340)


مشكور اخي جزيل الشكر
احسنت باختيارك لادب المنفلوطي
و احسنت في انتقاء النصوص
ننتظر دوما المزيد

تحياتي لك:)

الشكر لك لحيويتك وروعة تعليقاتك وقد سبقتني الى "تحت الظلال .." وان كنت افضل "في سبيل التاج" عليها

gamalove2002 24-06-2008 03:22 PM

رد: من روائع المنفلوطي ..
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة algeroi (المشاركة 188388)
الشكر لك لحيويتك وروعة تعليقاتك وقد سبقتني الى "تحت الظلال .." وان كنت افضل "في سبيل التاج" عليها

يا اخي لولا ان خشيت ان احرجك
لكنت طلبت منك ان تسعى في نقل روابط لروايات المنفلوطي
التي كتبها او التي ترجمها
او تنقل نقلا مباشرا لاجزاء منها
فانا من عشاق الرواية
وخاصة الرومنسية منها
و اضيف الى اللتين ذكرتهما رواية الشاعر
فهي من اجمل ما قرات
سلامي لك:)

algeroi 26-06-2008 08:58 AM

رد: من روائع المنفلوطي ..
 
النظّامون
مصطفى لطفي المنفلوطي

ما لهؤلاء النظّامين لا يهدؤون ساعة واحدة عن تصديع رؤوسنا ، وتمزيق أفئدتنا بهذه الصواعق التي يمطرونها علينا كل يومٍ من سماء الصحف ، حتى صرنا كلّما فتحنا صحيفة ورأينا في وسطها جدولاً أبيضَ مستطيلاً ، تخيلناه حية رقطاء ، ففزعنا وألقينا الصحيفة كما ألقاها الشاعر المتلمس ، لينجو بنفسه ويسلم بحياته .

من لي بذلك القلم العريض الذي يكتب به كتّاب الصُّحف السياسية عناوين مقالتهم في معرض التهويل والتفخيم ، فأكتب به إلى هؤلاء المساكين هذه الكلمات الآتية :

أيها القوم :
إن علماء الضّاد الذين عرّفوا الشعر بأنه الكلام الموزون المقفّى ، لم يكونوا شعراء ولا أدباء ، ولا يعرفون من الشعر أكثر من إعرابه وبنائه واشتقاقه وتصريفه ، وإنما جروا في ذلك التعريف مجرى علماء العروض الذين لا مناص لهم من أن يقفوا في تعريف الشّعر عند هذا القدر ما دام لا يتعلق لهم غرضٌ منه بغير أوزانه ، وقوافيه ، وعلله ، وزخارفه .

لا تظنوا أن الشعر كما تظنون، وإلا لاستطاع كل قارئ، بل كل ناطق أن يكون شاعراً، لأنه لا يوجد في الناس من يعجزه تصوُّرُ النغمة الموسيقية والتوقيع عليها من أقصر طريق.

أيها القوم:
ما الشعر إلا رُوح يودعها الله فطرة الإنسان من مبدأ نشأته، ولا تزال كامنة فيه كُمُون النار في الزند، حتى إذا شدا، فاضت على أسلات أقلامه كما تفيض الكهرباء على أسلاكها ، فمن أحسَّ منكم بهذه الروح في نفسه ، فليعلم أنه شاعر ، أو لا ، فليكفِ نفسه مؤونة لتخطيط والتسطير ، وليصرفها إلى معاناة ما يلائم طبعه ، ويناسب فطرته من أعمال الحياة .

فو الله المحراث في يد الفلاح ، والقدوم في يد النجار ، والمِسبر في يد الحدَّاد : أشرف ، وأنفع من القلم في يد النَّظام .

فإن غَم عليكم الأمر ، وأعجزكم أن تعلموا مكان تلك الروح الشعريّة من نفوسِكُم ، فأعرضوا أنفسكم على من يرشِدُكم إليكم ، ويدلكم عليكم ، حتى تكونوا على بينة من أمرِكُم .

algeroi 26-06-2008 02:25 PM

رد: من روائع المنفلوطي ..
 
اخي gamalove2002 بامكانك تحميل الروايات المطلوبة على الرابط اسفله تحميل كتب المنفلوطي المجموعة الكاملة 1-2

انسخ الرابط واخبرني لاحذفه

http://ia360917.us.archive.org/1/items/Manfloty/

algeroi 26-06-2008 03:23 PM

رد: من روائع المنفلوطي ..
 
الخُلُق ...
مصطفى لطفي المنفلوطي

ما زالت الأخلاق بخير حتى خذلها الضمير وتخلى عنها، وتولت قيادتها العادات والمصطلحات، والقواعد والأنظمة ففسد أمرها واضطرب حبلها، واستحالت إلى صور ورسوم وأكاذيب وألاعيب...
فرأينا الحاكم الذي يقف بين يدي الله ليؤدي صلاته وأسواط جلاديه تمزق على مرأى منه ومسمع جسم رجل مسكين لا ذنب له عنده إلا أنه يملك صبابة من المال يريد أن يسلبه إياها والأمير الذي يتقرب إلى الله ببناء مسجد قد هدم في سبيله ألف بيت من بيوت المسلمين، والفقيه الذي يتورع عن تدخين غليونه في مجلس القرآن، ولا يتورع عن مخالفة القرآن نفسه من فاتحته إلى خاتمته والغني الذي يسمع أنين جاره في جوف الليل من الجوع فلا يرق له ولا يحفل به، فإذا أصبح الصباح ذهب إلى ضريح من أضرحة الأولياء، ووضع في صندوق النذور بذرة من الذهب (بما يقدر بعشرة آلاف درهم) قد ينتفع بها من لا حاجة به إليها....
إلى كثير من أمثال هذه النقائض التي يزعم أصحابها ويزعم لهم كثير من الناس أنهم ذوو الأخلاق الفاضلة والسيرة المستقيمة .
إنما الخلق هو الدمعة التي تترقرق في عين الرحيم كلما وقع نظره على منظر من مناظر البؤس، أو مشهد من مشاهد الشقاء .

وهو القلق الذي يساور قلب الكريم ويحول بين جفنه والاغتماض كلما ذكر أنه رد سائلاً محتاجاً، أو أساء إلى ضعيف مسكين .

والخلق هو أيضاً الحمرة التي تلبس وجه الحيي خجلاً من الطارق الذي يكون محتاجاً ولا يستطيع رده، وأيضا لا يستطيع مد يد المعونة إليه .

هو اللجلجة التي تعتري لسان الشريف حينما تحدثه نفسه بأكذوبة ربما دفعته إليها ضرورة من ضرورات الحياة .

هو الشرر الذي ينبعث من عيني الغيور حينما تمتد يد من الأيدي إلى العبث بعرضه أو بكرامته .

هو الصرخة التي يصرخها الأبيُّ في وجه من يحاول مساومته على خيانة وطنه أو ممالأة الأعداء .

الخلق هو أداء الواجب لذاته، بقطع النظر عما يترتب عليه من النتائج فمن أراد أن يعلم الناس مكارم الأخلاق ....
فليحي ضمائرهم وليبث في نفوسهم الشعور بحب الفضيلة والنفور من الرذيلة بأية وسيلة شاء، ومن أي طريق أراد...

فليست الفضيلة طائفة من المحفوظات تُحشى بها الأذهان بل ملكات تصدر عنها آثارها صدور الشعاع عن الكوكب، والأريج عن الزهر .

سعاد.س 27-06-2008 01:32 PM

رد: من روائع المنفلوطي ..
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة algeroi (المشاركة 188385)
هل لكونه ... صديق "المراة" ام لروعة كتاباته ?
ترقبي "النظامون" ولست منهم طبعا !!
فهي في طور "الاعداد"

هل هو صديق المرأة؟ :)

لم أكن أعلم :)

لأسلوبه طبعا..و خاصة فلسفته الراقية

تحياتي

سعاد

algeroi 06-10-2008 03:26 PM

رد: من روائع المنفلوطي ..
 
الجمال
مصطفى لطفي المنفلوطي

الجمال هو التناسب بين اجزاء الهيئات المركبة سواء اكان ذلك في الماديات ام في المعقولات وفي الحقائق ام في الخيالات.

ما كان الوجه الجميل جميلا الا للتناسب بين اجزائه وماكان الصوت الجميل جميلا الا للتناسب بين نغماته ولولا التناسب بين بات العقد ما افتتنت به الحسناء ولولا التناسق في ازهار الروض ما هام به الشعراء.

ليس للتناسب قاعدة مضطردة يستطيع الكاتب ان يبينها فالتناسب في المرئيات غيره في المسموعات وفي الرسوم غيره في الخطوط وفي الشؤون العلمية غيره في القصائد الشعرية على انه لا حاجة الى بيانه ما دامت الاذواق السليمة تدرك بفطرتها ما يلائمها فترتاح اليه وما لا يلائمها فتنفر منه.

ان كثيرا من الناس يستحسنون الانف الصغير في الوجه الكبير والراس الكبير في الجسم الصغير ولا يفرقون بين البرص في الجسم الاسود
والخال في الخد الابيض ويطربون لنقيق الضفادع كما يطربون لخرير المياه ويفضلون
اصوات النواعير على انغام العيدان ويعجبون بشعر ابن الفارض وابن معتوق والبرعي اكثر مما يعجبون بشعر ابي الطيب وابي تمام والبحتري ويضحكون لما يبكي ويبكون مما يضحك ويرضون بما يغضب ويغضبون مما يرضى!

اولئك هم اصحاب الاذواق المريضة واولئك الذين تصدر عنهم افعالهم واقوالهم مشوهة غير متناسبة ولا متلائمة لانهم لم يدركوا سر الجمال فيصدر عنهم ولم تالفه نفوسهم فيصبح غريزة من غرائزهم.

ان رايت شاعرا يبتدئ قصائد التهنئة بالبكاء على الاطلال ويودع القصائد الرثائية بالنكات الهزلية ويتغزل بممدوحه كما يتغزل بمعشوقه او متكلما يقتضب الاحاديث اقتضابا ويهزل في موضع الجد ويجد في موضع الهزل او صحفيا يضع العنوان الضخم للخبر التافه ويكتب مقدمة في السماء لموضوع في الارض او حاكما يضع الندى في موضع السيف والسيف في موضع الندى او ماشيا يتلوى في طريقه من رصيف الى رصيف كانما يرسم خطا متعرجا او لابسا في الشتاء غلالة الصيف وفي الصيف فروة الشتاء فاعلم ان ذوقه مريض وانه في حاجة الى معالجة ذوقه كحاجة امجنون الى علاج عقله والمريض الى علاج جسمه.

كما انه ليس كل مجنون يرجى شفاؤه ولا كل مريض يرجى ابلاله
كذلك ليس كل من فسد ذوقه يرجى صلاحه فان رايت من تؤمل في اصلاحه خيرا وتجد في نفسه استعدادا لتقويم ذوقه فعلاجه ان تحفه بانواع الجمال وتداب على تنبيهه الى متناسباته ومؤتلفاته وان استطعت ان تعلمه فنا من الفنون الجميلة كالشعر والتصوير والموسيقى فافعل فانها المقومات للاذواق والغارسات في النفوس ملكات الجمال*
........................
* اخطا الكاتب في اطلاقاته والا فلابد من مراعات العلاقة بين الفن والدين ..

algeroi 07-10-2008 06:08 PM

رد: من روائع المنفلوطي ..
 
الكذب ..!!
مصطفى لطفي المنفلوطي

كذب اللسان من فضول كذب القلب فلا تامن الكاذب على ود ولا تثق منه بعهد واهرب من وجهه الهرب كله واخوف ما اخاف عليك من خلائك وسجرائك : الرجل الكاذب.

عرف الحكماء الكذب بانه مخالفة الكلام للواقع ولعلهم اروا في هذا التعريف الحقيقة العرفية ولو شاءوا لأضافوا الى كذب الاقوال كذب الافعال.

لافرق بين كذب الاقوال و كذب الافعال في تضيل العقول والعبث بالاهواء وخذلان الحق واستعلاء الباطل عليه ولافرق بين ان يكذب الرجل فيقول:
اني ثقة امين لا اخون ولا اغدر فاقرضني مالا ارده اليك ثم لا يؤديه بعدذلك وبين ان ياتيك بسبحة يهمهم بها فتنطق سبحته بما سكت عنه لسانه من دعوى الامانة والوفاء فيخدعك في الثانية كما خدعك في الاولى
لا بل يستطيع كاذب الافعال ان يخدعك الف مرة قبل ان يخدعك كاذب الاقوال مرة واحدة لانه لا يكتفي بقول الزور بلسانه حتى يقيم على قضيته بينة كاذبة من جميع حركاته وسكناته .

ليس الكذب شيئا يستهان به فهو اس الشرور ورذيلة الرذائل فكأنه اصل والرذائل فرع له بل هو الرذائل نفسها وانما ياتي في اشكال مختلفة ويتمثل في صور متنوعة.

المنافق كاذب لان لسانه ينطق بغير ما في قلبه والمتكبر كاذب لانه يدعي لنفسه منزلة غير منزلته والفاسق كاذب لانه كذب في دعوى الايمان ونقض ما عاهد الله عليه والنمام كاذب لانه لم يتق الله في فتنته فيتحرى الصدق في نميمته والمتملق كاذب لان ظاهره ينفعك وباطنه يلذعك.

لقد هان على الناس امر الكذب حتى انك لتجد الرجل الصادق فتعرض على الناس امره وتطرفهم بحديثه كأنك تعرض عجائب المخلوقات وتتحدث بخوارق العادات .

فويل للصادق من حياة نكدة لا يجد فيها حقيقة مستقيمة وويل له من صديق يخون العهد ورفيق يكذب الود ومستشار غير امين وجاهل يفشي السر وعالم يحرف الكلم عن مواضعه وشيخ يدعي الولاية كذبا وتاجر يغش في سلعته ويحنث في ايمانه وصحفي يتجر بعقول الاحرار كما يتجر النخاس بالعبيد والاماء ويكذب على نفسه وعلى الله وعلى الناس في كل صباح ومساء .

esprit-rebelle 07-10-2008 11:20 PM

رد: من روائع المنفلوطي ..
 
قد تستغربون ...لكن أكثر ماعلق بدهني من مؤلفات المنفلوطي بعد أن قرات أغلب كتبه
هو مقدمة كتابه الشاعر .
أحييك أخي algeroi على هده المختارات...

algeroi 08-10-2008 03:17 PM

رد: من روائع المنفلوطي ..
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة esprit-rebelle (المشاركة 277248)
قد تستغربون ...لكن أكثر ماعلق بدهني من مؤلفات المنفلوطي بعد أن قرات أغلب كتبه
هو مقدمة كتابه الشاعر .
أحييك أخي algeroi على هده المختارات...

جزيتي خيرا اختي الكريمة

algeroi 08-10-2008 03:19 PM

رد: من روائع المنفلوطي ..
 
الضاد ..
مصطفى لطفي المنفلوطي

كان العرب الاولون احرارا في لغتهم يعون لكل ما يخطر ببالهم من المعاني ما يريدون من الالفاظ ولا يتقيدون بقاعدة ولا شرط ونحن عرب مثلهم تجري في عرقنا دماؤهم كما تجري في عروقهم دماء آبائهم من قبل فسهمنا في الضاد سهمهم وحقنا فيها حقهم فلم يضعون الالفاظ للتفاهم والتخاطب ولا نضعها مثلهم لمثل ما وضعوا وحاجاتنا اكثر من حاجاتهم ومرافقنا اوفر عددا من مرافقهم واوسع فصولا وانواعا ؟

اين باديتهم الخلاء المقفرة التي لا يعمرها الا الليل من الخيام المبعثرة بين معاطن الابل ومرابض الشاء من مدائننا الفاخرة الزاخرة الحافلة بصنوف الموجودات وانواع الآلات وغرائب المصنوعات واكثرها مستحدث متطرف لم تتداوله السنون والايام ولم تعصف به القرون والاعوام

اليس من الظلم المبين والغبن الفاحش ان تضيق حاجاتهم عن لغتهم فيتفكهون بوضع خمسمائة اسم للاسد واربعمائة للداهية و ثلاثمائة للسيف ومائتان للحية وخمسين للناقة؟ وتضيق حاجاتنا فلا نعرف لاداة واحدة من آلاف الادوات التي يضمها المعمل اسما عربيا واحدا ؟ اللهم الا القليل التافه من امثال: المسبر و المبرد والمنشار والمسمار؟

ايكون لسفينة البر وهي لاتحمل الا الرجل او الرل ورديفه مائتا اسم و مائتان من الاسماء لاعضائها واوصالها ورحلها وكورها ولا يكون لسفينة البحر -وهي المدينة المتنقلة في الدأماء -القليل من ذلك الحظ الكثير؟

كان لعرب الجاهلية الاوى مؤتمر لغوي يعقدونه في كل عا م بالحجاز بين نخلة والطائف يجتمع فيه شعراؤهم وخطباؤهم وتناشدون ويتساجلون ويتحاورون ويتطارحون ويعرضون انفسهم على قضاة منهم يوازنون بينهم ويحكمون لمبرزهم على مقصرهم حكما لا يرد ولا يعارض ولقد شعروا بضرورة عقد هذاالمؤتمر عندما احسوا بتشعب لغتهم بين اليمن والشام ونجد وتهامة لصعوة التوال في تلك البقاع وبعد ما بين قصيها ودانيها فكان مطمح انظارهم في ذلك المجتمع توحيد لغتهم وجمع شتاتهم والرجوع الى لغة قريش التي هي افصح اللغات واقربها مأخذا واسهلها مساغا واحسنها بيانا.

ايقدر هؤلاء العجزة الضعفاء في جاهليتهم الاولى على ما نعجز عن نحن؟

ونحن الى مؤتمرهم احوج نهم اليه لان تشعب اللغة في عصرهم لا يمكن ان يبلغ مبلغه في عصرنا بين لغة الادباء ولغة العلماء ولغة الدواوين ولغة المتصوفين ولغة المترجمين ولغات العامة التي لا صر لها.

ان كان الجاهليون في حاجة الى مجتمع لتوحيد اللغات المتشعبة فنحن في حاجة الى مجتمعات كثيرة:مجتمعلجمع فردات العربية المأثورة وشرح اوجه اتعمالها الحقيقية والمجازية* في كتاب واحد يقع الاتفاق عليه والاجماع على العمل به ومجتمع دائم لوضع اسماء للمسيات الحديثة
بطريق التعريب او النحت او الاشتقاق وآخر للاشرافعلى الاساليب العربة المستعملة وتهذيبها وتصفيتها من المبتذل والساقط والمستغلق السافر والوقوف بها عند الحد الملائم للعقول والاذهان وآخر للمفاضلة بين الكتاب والشعراء والخطباء ومجازاة المبرز منهم والمقصر ان خيرا فخيرا ان شرا فشر.
........................
* العديد من العلماء يعتبرون المجاز من آثار الغزو الثقافي القديم

algeroi 09-10-2008 09:20 AM

رد: من روائع المنفلوطي ..
 
السياسة ..
مصطفى لطفي المنفلوطي

حضرة السيد الفاضل:
لم لا تكثر الكتابة في الشؤون السياسية اكثارك منها في الشؤون الاخلاقية والاجتماعية؟ وكيف يضيق بالسياسة قلمك وقد وسع ماهوادق مذهبا منها فاكتب لنا في السياسة فأمتك تحب ان تراك سيايا والسلام.
(فلان)

ايها الكاتب:

يعلم الله اني ابغض السياسة واهلها بغضي للكذب والغش والخيانة والغدر.

انا لا احب ان اكون سياسيا لاني لا احب ان اكون جلادا لا فرق عندي بين السياسيين والجلادين الا ان هؤلاء يقتلون الافراد واولئك يقتلون الامم والشعوب.

هل السياسي الا رجل قد عرفت امته انه لا يوجد بين افرادها من هو اقسى منه قلبا ولا اعظم كيدا ولا اكثر دهاءا ومكرا فنصبته للقضاء على الامم الضعيفة وسلبها ما وهبها الله من الحسنات واجزللها من الخيرات؟

اليس اكبر السياسيين مقاما واعظمهم فخرا واسيرهم ذكرا
ذلك الذي تقرأ صفحات تاريخه فنرى حروفها اشلاء القتلى ونقطها قطرات الدماء؟

ايستطيع الرجل ان يكون سياسيا الا اذا كان كاذبا في اقواله وافعاله يبطن مالايظهر ويظهر ما لا يبطن ويبسم في مواطن البكاء ويكي في مواطن الابتسام؟

ايستطيع الرجل ان يكون سياسيا .. الا اذا عرف ان بين جنبيه قلبا متحجرا لا يقلقه بؤس البائسين ولا تزعجه نكبات المنكوبين؟

كثيرا ما يسرق السارق فاذا قضى مأربه من عمله .. رفع يديه الى السماء متضرعا الى الله ان يرزقه المال حلالا حتى لا يتناوله حراما وكثيرا ما يقتل القاتل فاذا فرغ من امره جلس بجانب قتيله يبكي عليه بكاء الثاكل وحيدها ويتمنى بجدع الانف لو رد اليه حياته وافتداه بنفسه اما السياسي فلا يرى يوما في حياته اسعد من اليوم الذي يعلم فيه ان قد تم له تدبيره في هلاك شعب وقتل امة وآية ذلك
انه في يوم انتصاره-كما يسميه هو-او في يوم جريمته- كما اسميه انا وتسميه العدالة الانسانية*-يسمع هتاف الهاتفين باسمه واسم الجريمة التي ارتكبها
مطمئن القلب مثلج الصدر حتى ليخيل اليه ان الفضاء بارضه وسمائه اضيق من ان يسع قلبه الطائر المحلق فرحا وسرورا.

يقولون: ان السياسة ليست علما من العلوم التي يتلقاها الانسان في مدرسة او يدرسها في كتاب وانما هي مجموعة من افكار قانونها التجارب
وقاعدتها العمل .. اتدري لماذا؟

لان العلماء اشرف من ان يدونوا المكايد والحيل في كتاب .. ولان المدارس اجل من ان تجعل بجانب دروس الاخلاق والآداب دروس الاكاذيب والاباطيل والا فكل طائفة من المعلومات المتشابهة تدخل بطبيعتها تحت نظام عام يؤلفها ويجمع شتاتها ويسمى علما.

هؤلاء هم السياسيون وهذه هي اخلاقهم وغرائزهم فهل تظن يا سيدي ان رجلا نصب نفسه لخدمة الحقيقة ومناصرتها على الباطل واستنقاذ الفضيلة من مخالب الرذيلة ووقف قلمه على تهذيب النفوس وترقية الاخلاق .. وملأفي رسائله فضاء الار والماء بكاء على الضعفاء والمساكين والمظلومين والمضطهدين يستطيع ان يكون سياسيا او محاسبا للسياسيين؟
........................................
*بعض المفكرين يعتبر مصطلح "انسانية" مصطلحا ماسونيا دخيلا

Hambraoui 09-10-2008 04:00 PM

Re: من روائع المنفلوطي ..
 
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته ,.


قيل عنه أنه أبلغ كاتب في العصر الحديث من حيث رشاقة العبارة ورقة التعبير
وتصوير الحوادث تصويراً حقيقياً..
وهو صاحب القلم البديع الجذاب المتفوق في جميع الأغراض والمقاصد
حتى سمي بحق " أمير البيان " ..
لأسلوبه تأثير خاص على نفوس القارئين كأنه يكتب بكل لسان ..
ويترجم عن كل قلب ..


مصطفى لطفي المنفلوطي


مولده ونشأته

هو مصطفى لطفي المنفلوطي المولود في بلدة منفلوط المصرية في السنة

1877م . كان والده قاضياً شرعياً لبلدته ونقيباً لاشرافها وزعيماً لأسرته

حفظ القرآن منذ حداثة سنه والتحق بالأزهر الشريف حيث أمضى عشر سنوات تلقى خلالها عن مشايخه ثقافه علمية واسعة , وبفضل حبه للأدب والأدباء

انصرف الى تحصيل ما أتيح له منه .. فلم يترك ساعة يخلو فيها بنفسه إلا أنصرف

الى القراءة فاستطاع أن ينمي ذوقه الأدبي وأن يجمع ثثقافة أتاحت له الشهرة

التي بلغها في مجال الأدب .

في السنة 1907م , راح المنفلوطي يكتب أسبوعياً لجريدة ( المؤيد ) رسائله

الأدبية التي وفرت له شهرة أدبية واسعة بفضل أسلوبها وبلاغة إنشائها .

صفاته وأخلاقه

عن أخلاق المنفلوطي يقول الأديب الناقد حسن الزيات

في كتابه تاريخ الأدب العربي : " إنه كان مؤتلف الخلق .. متلائم الذوق

متناسق الفكر متسق الأسلوب .. منسجم الزي وكان صحيح الفهم في بطء

سليم الفكر في جهد دقيق الحسن في سكون ..هيوب اللسان في تحفظ

وهو الى ذلك رقيق القلب عّف الضمير سليم الصدر صحيح العقيدة

موزع الفضل والعقل والهوى بين أسرته ووطنيته وانسانيته .

سياسته

قال عنه محمد عبدالفتاح في كتابه أشهر مشاهير أدباء الشرق :

وطنّي يتهالك وجداً على حب وطنه ويذري الدمع حزناً عليه وعلى ما حل به

من صنعة الحال وفقدان الأستقلال .

ليس له حزب خاص ينتمي اليه ولا جريدة خاصة يتعصب لها

وليس بينه وبين جريدة من الجرائد علاقة خاصة حتى الجرائد التي كان يكتب

فيها رسائله فلم يكن بينه وبينها أكثر مما يكون بين أي كاتب يكتب رسائله

له مطلق الحرية في أي صحيفة يتوسل بانتشلرها الى نشر آرائه وأفكاره

فان لاقاها في شيء من مبادئها ومذاهبها لاقاها مصادفة واتفاقاً

وإن فارقها في ذلك فارقها طوعاً واختياراً .

مؤلفاته :

كتب المنفلوطي الكتب التالية :

1- النظرات

2- في سبيل التاج

3- تحت ظلال الزيزفون ( ماجدولين )

4- الفضيلة ( بول وفرجيني )

5- الشاعر ( سبرانودي برجراك )

6- العبرات

7- أشعار ومنظومات رومانسية كتبها في بداية نشأته الأدبية

8- مختارات المنفلوطي .. وهي مختارات شعرية ونثرية انتقاها المنفلوطي

من أدب الأدباء العرب في مختلف العصور .

مكانته الأدبية : لاقت روايات المنفلوطي وكتبه الأدبية شهرة واسعة في جميع الأقطار العربية فطبعت مرات متعددة وتهافت الناس من كل الأعمار والأجناس على قراءتها .. لكن صاحبها لم يسلم من النقد ومن ألسنة النقاد وأقلامهم

إذ انقسم الناس حوله بين مؤيد ومعارض وهذا شأن جميع الكبار في ميادين

الأدب والفن والسياسة وغيرها .

أما الأديب اللبناني عمر فاخوري فكان أشد الناس قسوة على المنفلوطي فقد

قال : إن مذهبه الأدبي غامض وآراءه في صنعة الأدب مبهمة .

الى جانب هذا النقد الجارح اتفق مؤيدوه على ان انشاءه فريد في اسلوبه

وأن ما كتبه كان له الأثر الكبير في تهذيب الناشئة أخلاقاً ولغة وسلوكاً

فالدكتور طه حسين يقول إنه كان يترقب اليوم الذي تنشر فيه مقالات المنفلوطي

الأسبوعية في جريدة المؤيد ليحجز لنفسه نسخته منها وكان يقبل

على قراءتها بكل شغف .

وقد قال عنه العقاد إنه أول من أدخل المعنى والقصد في الإنشاء العربي .

ولقد أجمع الذين عرفوا المنفلوطي وعاشروه على أنه متحل بجميع الصفات التي كان يتكلم عنها كثيراً في رسائله وأن أدبه النفسي وكرم أخلاقه وسعة صدره وجود يده وأنفته وعزة نفسه وترفعه عن الدنايا وعطفه على المنكوبين والمساكين

ورقة طبعه ودقة ملاحظاته ولطف حديثه إنما هي بعينه كتبه ورسائله

لا تزيد ولا تنقص شيئاً .


وفاته :

لم يعمر المنفلوطي طويلاً .. فقد وافته المنية يوم الخميس 10 ذي الحجة

سنة 1342 ه يوم جرت فيه محاولة اغتيال الزعيم سعد زغلول

حيث نجا من تلك المحاولة لكنه جرح جرحاً بليغاً فانشغل الناس بتلك الحادثة

ولم يلتفتوا كثيراً الى مأتم المنفلوطي كما ينبغي .

وحين أبلغ سعد زغلول بوفاة الأديب الكبير حزن عليه أعمق الحزن

وذرف عليه الدموع السخية

أما أحمد شوقي وحافظ ابراهيم فقد رثياه في مأتم مهيب أقيم له في وقت لاحق

ولحق بهما كثير من شعراء الأقطار العربية في العراق والشام ولبنان

فرثوه بأعذب الأشعار وأرق الكلمات .





يحتوي المجلد الأول على مؤلفات المنفلوطي الموضوعة وهي: العبرات والنظرات.
ويحتوي المجلد الثاني على أعماله المترجمة أو المقتبسة:
المقتبس من العبرات- المقتبس من النظرات- الفضيلة- الشاعر- في سبيل التاج- ماجدولين.

الجزء الأول


الجزء الثاني




algeroi 11-10-2008 10:27 AM

رد: من روائع المنفلوطي ..
 
حوانيت الأعراض ..
مصطفى لطفي المنفلوطي

انا لا استطيع ان اتصور الفرق بين رجل يمد يده الى خزانة بيتي فيسرق مالي وبين آخر يمد لسانه او قلمه الى شرفي فيستلبه كلاهما مجرم فاتك وكلاما لص مغتال وان كان اولهما من نظر القانون وفي عرف الناس اكبرهما إثما وأسوأهما أثرا.

المال خادم من خدام الشرف وحاجب من حجابه والوقوف على بابه ولولا مكان الشرف والكلف بصيانته والن به ان يعبث بجوهره عابث ما كان لامرئ في هذا المعدن الصامت ارب اكثر من ان يقيم به صلبه ويمسك به حباءه فان كان سارق المال مجرما من حيث كونه هاتكا لذلك الحجاب المسبل دون الشرف فجدير بمن يسرق الشرف
نفسه ان يكون راس الجانين واكبر المجرمين.

يكون الرجل -من الصحفيين مثلا- عند الرجل من كرام الناس وسراتهم وذوي السيرة الصالحة فيهم مأرب من المآرب التي لا يعرف لنفسه فيها حقا ولا يمت اليها بسبب من الاسباب الظاهرة اوالباطنة فما هو الا ان يمتنع عليه حتى يرميه بسهم جارح من سهامه النافذات يصيب به مقتلا من شرفه وكرامته ولا ذنب له عنده الا انه لم يكن من لحيته يلف عثنونها على يده ثم يقوده بها الى حيث شاء كما تقاد السائمة الى مصرعها.

يحب الرجل المجد حبا يملأ ما بين جوانحه ويكلف به حتى يصبح آثر عنده من نفسه التي بين جنبيه ويقضي لكلفه به ورصه عليه سواد ليله يساهر الكوكب حتى ينحدر الى مغربه وبياض نهاره يساير الشمس حتى تغرب في حمأتها ويقيم بينه و بين شهوات نفسه ونزعات قلبه حربا عوانا يحمل في سبيلها ما لا يستطيع ان يحمله بشر حتى اذا امكنه المقدار منه وبدأ ينهل اول نهلة من مورده الباردالعذب رآها ممزوجة بذلك العلقم المر الذي صبه له في إنائه ذلك المجرم الأثيم.

ان بين جدران تلك القاعات التي يسمونها ((ادارات)) قوما مفاليك قد دارت الأيام دورتها وسلبتهم المواهب التي يعيش بها امثالهم ممن ولد مولدهم ونشا منشأهم فاقت بهم سبل العيش التي ما كانت تضيق لو ان الله ابقى لهم بعد ان سلبهم فضيلة الفهم والعلم فضية العمل الصالح والسيرة المستقيمة فلم يجدوا بين ايديهم منفذا ينفذون منه الى القوت فتحوا حوانيت للاتجار بأعراض الناس وكرامتهم سموها صحفا واكثر مشتملاتها اعراض الاشراف والعظماء وارباب الجدوالعمل الذين سبقوهم الى فردوس السعادة وخلفوهم وراءهم يتأكلون غيظا لحرمانهم مما أفاض الله عليهم فهم ان فتشت عنهم وكشفت عن دخائل نفوسهم علمت ان لا فرق بينهم وبين اولئك الفوضويين الذين يدينون بقتل الملوك والأمراء واستغفر الله فللفوضويين راي يرونه في لك الجرائم يرونه وفكرة خاة يعتقدون صحتها ل م كقطاع الطريق
الذين يهاجمو ن الغادين والرائحين ولا نب لهم عندهم الا انهم مزودون وهم مقفرو الأيادي من الزاد.

ولقد يكون خطبهم سهلا ومصابهم محتملا لو انهم صرحوا عن انفسهم وابدوا للناس صفحات وجوههم وطلبوا قوتهم من طريق الكدية الواضحة البنية ولكنهم مراؤون مخادعون يشتمون باسم الموعظة ويقرضون الاعراض باسم النصيحة ويتهمون الابرياء باسم الغيرة الدينية او الادبية ووالله ما بهم من ادب ولا دين ولاعظة ولا نصيحة ولكنهم قوم محددون قد بلغت الفلاكة منهم مبلغا وضاقت بهم الارض الفضاء على رحبها فهم يروحون عن نفوسهم بالنيل من شرف الشرفاء وتنغيص لذة السعداء ويطلبون قوتهم فيما بين هذا وذاك من يد تلك الفئة الساذجة التي لا تستطيع ان تفرق بين الكاتب الذي يكتب ليقوم معوجا او يصلح مختلا او يرفع بدعة باطلة او يكشف عن حقيقة خافية وبين الآخر الذي يدور مع الدنيا دورة الحرباء مع الشمس لا يفارقه حتى يفارقها والذي لا يلذه شرب الماء الا ممزوجا بدم.ووالله ما ادري ما الذي اقامهم هذا المقام وعهد اليهم هذا العهد ومن الذي وكل اليهم النظر في شؤون الناس والفصل في قضاياهم والقيام على حسناتهم وسيئاتهم وماهم بالبررة الاتقياء الذين ليصلحون ان يكونو امثلة حسنة في منازلهم فيكونو قدوة صالحة في امتهم ولا بالعلماء الفضلاء فنهتدي بهداهم ونستن بسنتهم ولا بالصادقين المخلصين فنبتعد باجلالهم واعظامهم بل ليس لواحد منهم فضل الصانع في مصنعه او التاجر في حانوته او العامل في معمله فيصلح ان يكون حكما في قضايا الاشراف والنبلاء وميزانا لحسناتهم وسيئاتهم وعندي ان لو جمعت عيوب الناس في كفة ميزان ووضعت في الكفة الاخرى عيوبهم الجامعة للسفاهة والكذب والنميمة والتجسس وهتك الاعراض واتهام الابرياء واستهواء الضعفاء لثقلت كفتهم امام كفة الذين يزعمون انهم يقومون معوجهم ويثقفون منآدهم ويصلحون ما فسد من شؤونهم.

Hambraoui 11-10-2008 12:23 PM

ابنتي الذئاب لا تعرف الوفاء
 
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أنا- يا ابنتي- رجل خبرت الحياة وخبرتني، وعاركت الأيام وعاركتني، وصارعت الليالي وصارعتني، وسحت في الديار شرقها وغربها، وتعاملت مع النفوس شريفها ووضيعها، فخذي مني نصيحة أب مشفق، يحب لك الخير ويتمنى لك الرفعة، نصيحة من يرى كرامتك وشرفك ورفعتك أعز وأغلى عليه من نفسه التي بين جانحتيه.
إي والله- يا بنتي- هذا هو شعور أي أب نحو ابنته، فخذيها واقبليها وضعيها نصب عينيك، لأني أرى سهاماً نحوك مرصودة قد أصابت حرابها، وأرى شباكاً حولك منصوبة قد امتلأت فخاخها، وأرى الترائي بالرذيلة قد جرت ثيابها، وأرى البراءة من الفضيلة قد اتسع خرقها، وأرى حولك قلوباً من الرحمة قد اقفرت، وأرى أمامك عيوناً عن البكاء قد جمدت، وأرى بوناً شاسعاً بين دخائل القلوب وملامح الوجوه، وأرى كذب الأسماء عن حقائقها، فالإجرام والفجور فتوة، والتبذل والتفسخ حرية، والرذيلة فناً، والربا فائدة، وأم الخبائث- الخمر- مشروباً روحياً، والانحلال حضارة، ألا ساء ما يزرون،
كل هذا- يا ابنتي- لكي يستمتع بجسدك الطاهر ودمائك النقية ذئاب، بك متربصة، قد سخروا أقلاماً غلب جهلها على علمها، لبست لك ثياب النصح والإرشاد، فأقبلوا يخلطون بالبيان شبهاً، وبالدواء سماً نقاعاً، وبالسبيل الواضح جرداً مضلاً، فالجلود جلود الضأن، والقلوب قلوب الذئاب، فترى وتسمع منهم حشفاً وسوء كيله، قد بيتوا أمراً تكالبوا عليه مجمعين على غير هدى ولا مثال سابق حتى وقع الحافر على الحافر، ألا ساء ما يزرون.
إنهم يخطون نحوك خطواتهم الأولى ثم يدعونك تكملين الطريق، فلولا لينك ما اشتد عودهم، ولولا رضاك ما أقدموا، أنت فتحت لهم الباب حين طرقوا فلما نهشوا نهشتهم صرخت \"أغيثوني \"، ولو أنك أوصدت دونهم أبوابك، ورأوا منك الحزم والإعراض لما جرؤ بعدها فاجر أن يقتحم السوار المنيع، لكنهم صوروا لك الحياة حباً في حب، وغراماً في غرام، وعشقاً في عشق، فلا تسير ولا تصح الحياة بدون هذا الحب الجنسي الذي يزعمون، وبه يتشدقون قالوا: لابد من الحب الشريف العذري بين الشاب والفتاة، والله يقول:((فلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَّعْرُوفاً (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (33))) فأي حب هذا الذي يزعمون، وأي شرف هذا الذي يتشدقون، (( قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ))
لا- يا ابنتي- لا تصدقيهم، ولا تصدقي الذئب، لا تصدقيه بأنه يطلب منك الحديث فقط، أتراه يكتفي به، لا، سيطلب المقابلة، فهل يكتفي بهذا؟ لا، سيطلب النظر، ثم العناق، وثم وثم.،.
فما حديث الحب العذري الشريف إلا شهوة لم تقض، ورغبة لم تتحقق
وما دون ذلك وهم وضلال وكذلك وتدليس على النفس، إن حديث الحب العذري بين شاب وفتاة خرافة لا تروج شوقه إلا على المجانين والمراهقين وأهل الدياثة والخنا.
فلا تستمعي بما زخرفه الشعراء في أمثال، عنترة وعبلة، وقيس وليلى، وجميل وبثينة، والفرزدق والنوار، وكثير وعزة، وغيرهم.
ولا بما زوره الأدباء في مجدولين، وبول وفرجيني، وكرازبيلا، والأجنحة المتكسرة، فما هذا إلا صورة من صور الرغبة في الاتصال الجنسي لم تجد طريقها إلى التنفيذ، إنها غريزة النوع فلا يرويها إلا ما يتم به، هذه حقيقة ومن أنكرها وجد الرد عليه داخل نفسه، ففي كل نفس الدليل على أنها حقيقة لا سبيل إلى إنكارها، و\"ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما\" أخرجه البخاري .
فالحب العذري الذي يزعمون جوع جنسي، فهل يصدق الجائع إذا حلف بأغلظ الأيمان أنه لا يريد من المائدة الشهية إلا أن ينظر إليها، ويشم ريحها من على البعد فقط، كي ينظم في وصفها ا لأشعار ويصوغ القوافي.
فالضحية أخيراً أنت- يا ابنتي- يأتي الشاب فيغوي الفتاة، فإذا اشتركا في الإثم ذهب هو خفيفاً نظيفاً، وحملت هي ثمرة الإثم في حشاها، ثم يتوب هو فينسى المجتمع حوبته، ويقبل توبته، وتتوب هي فلا يقبل لها المجتمع توبة أبدا، وإذا أراد هذا الشاب الزواج أعرض عن تلك الفتاة التي أفسدها مترفعا عنها، ومدعيا أنه لا يتزوج البنات الفاسدات، ولسان حاله يقول: أميطوا الأذى عن الطريق؟ فإنه من شعب الإيمان،
أين ما أخذه على نفسه من وعود؟ أين ما قطعه من عهود؟ كتبت إحداهن وكانت سليلة مجد ومن بيت عز تستعطف الذئب بعد أن سلبها عذريتها،
فقالت: \"لو كان بي أن أكتب إليك لأجدد عهداً دارساً أو وداً قديماً ما كتبت سطراً، ولا خططت حرفاً، لأني لا أعتقد أن عهداً مثل عهدك الغادر، ووداً مثل ودك الكاذب، يستحق أن أحفل به فأذكره، أو آسف عليه فأطلب تجديده، إنك عرفت حين تركتني أن بين جنبي ناراً تضطرم، وجنيناً يضطرب، تلك للأسف على الماضي، وذاك للخوف من المستقبل، فلم تبل بذلك، وفررت مني حتى لا تحمل نفسك مؤونة النظر إلى شقاء أنت صاحبه، ولا تكلف يدك مسح دموع أنت مرسلها، فهل أستطيع بعد ذلك أن أتصور أنك رجل شريف لا بل لا أستطيع أن أتصور أنك إنسان، لأنك ما تركت خلة من الخلال المتفرقة في نفوس العجماوات والوحوش الضارية إلا جمعتها في نفسك، وظهرت بها جميعها في مظهر واحد، كذبت علي في دعواك أنك تحبني وما كنت تحب إلا نفسك، وكل ما في الأمر أنك رأيتني السبيل إلى إرضاء نفساً، فممرت بي في طريقك إليها، ولولا ذلك ما طرقت لي باباً، ولا رأبت لي وجهاً، خنتني إذا عاهدنني على الزواج، فأخلفت وعدك ذهاباً بنفسك أن تتزوج امرأة مجرمة ساقطة، وما هذه الجريمة ولا تلك السقطة إلا صورة نفسك، وصنعة يدك، ولولاك ما كنت مجرمة ولا ساقطة، فقد دفعتك - جهدي- حتى عييث بأمرك، فسقطت بين يديك سقوط الطفل الصغير، بين يدي الجبار الكبير، سرقت عفتي، فأصبح ذليلة النفس حزينة القلب، أستثقل الحياة وأستبطئ الأجل، وأي لذة في العيش لامرأة لا تستطيع أن تكون زوجة لرجل ولا أماً لولد! بل لا تستطيع أن تعيش في مجتمع من هذه المجتمعات البشرية إلا وهي خافضة رأسها، ترتعد أوصالها، وتذوب أحشاؤها، خوفاً من تهكم المتهكمين، سلبتني راحتي لأني أصبحت مضطرة بعد تلك الحادثة إلى الفرار من ذلك القصر... وتلك النعمة الواسعة وذلك العيش الراغد إلى منزل لا يعرفني فيه أحد... قتلت أبي وأمي، فقد علمت أنهما ماتا، وما أحسب موتهما إلا حزناً لفقدي، ويأساً من لقائي، قتلتني لأن ذلك العيش المر الذي شربته من كأسك، وذلك الهم الذي عالجته بسببك، قد بلغا مبلغهما من جسمي ونفسي فأصبحت في فراش الموت كالذبالة المحترقة... فأنت كاذب خادع ولص قاتل، ولا أحسب أن الله تاركك بدون أن يأخذ لي بحقي منك...

ذئب آخر: \"كان من شباب الخلاعة واللهو، علم أن المنزل الذي يجاور منزله يشتمل على فتاة حسناء من ذوات الثراء والنعمة والرفاهية والرغد، فرما إليها النظرة الأولى فتعلقها، فكررها أخرى، فبلغت منه، فتراسلا، تم تزاورا، ثم افترقا، وقد خيمت روايتهما بما تختم به كل رواية غرامية يمثلها أبناء آدم وحواء على مسرح هذا الوجود، عادت الفتاة تحمل بين جانحتيها هما يضطرم في فؤادها، وجنيناً يضطرب في أحشائها، ولقد يكون لها إلى كتمان الأول سبيل، أما الثاني فسرٌّ مذاع، وحديث مُشاع، إن اتسعت له الصدور، فلا تتسع له البطون، وإن ضن به اليوم فلا يضن به الغد... فلما أسهر الهم ليلها، وأقض مضجعها، لم تر لها بداً من الفرار بنفسها، والنجاة بحياتها، فعمدت إلى ليلة من الليالي الداجية فلبستها وتلفعت بردائها، ثم رمت بنفسها في بحرها الأسود، فمازالت أمواجها تتلقفها وتترامى بها حتى قذفت بها إلى شاطىء الفجر، فإذا هي في غرفة مهجورة في إحدى المنازل البالية، في بعض الأحياء الخاملة وإذا هي وحيدة في غرفتها لا مؤنس لها إلا ذلك الهم المضطرم.
وتدور عجلة الزمان دورتها، تلك العجلة التي لا حيلة لنا في إيقافها فماذا كان؟ يغفر المجتمع لهذا الذئب، ويقبل توبته، وينسى زلته، ويعين قاضيا، وتضع المسكينة طفلتها في تلكم الغرفة المتهالكة، باعت جميع ما تملك يدها وما يحمل بدنها وما تشتمل عليه غرفتها من حلي وثياب وأثاث، حتى إذا طار غراب الليل عن مجثمه أسدلت برقعها على وجهها وائنزرت بمئزرها، وأنشأت تطوف شوارع المدينة وتقطع طرقها، لا تبغي مقصداً ولا ترى غاية سوى الفرار بنفسها من همها، وهمها لا يزال يسايرها ويترسم مواقع أقدامها.،. وفي إحدى الليالي سيق إليها رجل، كان ينقم عليها شأناً من شؤون لشهواته ولذاته، فزعم أنها سرقت كيس دراهمه... ورفع أمرها إلى القضاء... وجاء يوم الفصل.. فسيقت إلى المحكمة، وفي يدها فتاتها، وقد بلغت السابعة من عمرها فأخذ القاضي ينظر في القضايا ويحكم فيها... حتى أتى دور الفتاة، فما وقع بصره عليها حتى شدهت عن نفسها وألم بها من الاضطراب والحيرة ما كاد يذهب برشدها، ذلك أنها عرفته وعرفت أنه ذلك الفتى الذي كان سبب شقائها، وعلة بلائها، فنظرت إليه نظرة شزراء، ثم صرخت صرخة دوى بها المكان دويا وقالت: \"رويدك أيها القاضي، ليس لك أن تكون حكماً في قضيتي، فكلانا سارق، وكلانا خائن، والخائن لا يقضي على الخائن، واللص لا يصلح أن يكون قاضيا بين اللصوص \" فعجب القاضي والحاضرون لهذا المنظر الغريب... وهم أن يدعو الشرطي لإخراجها، فحسرت قناعها عن وجهها، فنظر إليها نظرة ألم فيها بكل شيء.،، وعادت الفتاة إلى إتمام حديثها فقالت: \"أنا سارقة المال، وأنت سارق العرض، والعرض أثمن من المال، فأنت أكبر مني جناية، وأعظم جرمة، وإن الرجل الذي سرق ماله ليستطيع أن يعزي نفسه باسترداده أو الاعتياض عنه، أما الفتاة التي سرقت عرضها فلا عزاء لها؟ لأن العرض الذاهب لا يعود، لولاك لما سرقت، ولا وصلت إلى ما إليه وصلت، فاترك كرسيك لغيرك، وقف بجانبي ليحاكمنا القضاء العادل على جريمة واحدة، أنت مدبرها وأنا المسخرة فيها... رأيتك حين دخلت هذا المكان، وسمعت الحاجب يصرخ لمقدمك، ويستنهض الصفوف للقيام لك ! ورأيت نفسي حين دخلت والعيون تتخطاني والقلوب تقتحمني، فقلت يا للعجب، كم تكذب العناوين، وكم تخدع الألقاب.،. أتيت بي إلى هنا، لتحكم علي بالسجن كأن لم يكفك ما أسلفت إلي من الشقاء حتى أردت أن تجيء بلاحق لذلك السابق،.. ألم تك إنسانا، فترثى لشقائي وبلائي؟ إن لم تكن عندي وسيلة أمت بها إليك، فوسيلتي إليك اب! نتك هذه فهي الصلة الباقية بيني وبينك.
وهنا رفع \"الذئب \"- عفوا- رفع القاضي رأسه، ونظر إلى ابنته الصغيرة وأعلن أن المرأة قد طاف بها طائف من الجنون، وأن لابد من إحالتها على الطبيب فصدق الناس قوله، تم قام من مجلسه... \" المصدر السابق \". يا الله؟
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى *** وصوت إنسان فكدت أطير
أرأيت- يا ابنتي- كيف تنكر الذئب من فعلته بكل يسر وسهولة، إن كل فتاة من هاتين الفتاتين كانت لها أم تحنو عليها، وتتفقد شأنها، وتجزع لجزعها، وتبكي لبكائها، ففارقتها، وكان لها أب لا هم له في حياته إلا أن يراها سعيدة في آمالها، مغتبطة بعيشها، فهجرت منزله، وكان لها خدم يقمن عليها ويسهرن بجانبها فأصبحت لا تسامر إلا الوحدة، ولا تساهر إلا الوحشة، وكان لها شرف يؤنسها ويملأ قلبها غبطة وسروراً ورأسها عظة وافتخارا ففقدته، وكان لها أمل في زواج سعيد مع زوج محبوب، فرزأتها الأيام في أملها، كل هذا لأنها صدقت ما وعدها، وانساقت وراء نزوة عابرة
ولم تمتثل قول الله عز جل ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً )) الأحزاب 1590.
فلا تغرنك- يا ابنتي- الصورة البشرية التي يتصور فيها الذئب وتلك الملابس التي يتسربل بداخلها، فلو كشف لك عن أنيابه لرأيت الدم الأحمر يترقرق فيها، أو عن أظفاره لرأيت تحتها مخالب حادة، أو عن قلبه لرأيت حجراً صلدا من أحجار الغرانيت لا يبض بقطرة من الرحمة، ولا تخلص إليه نسمة من العظة، فهم سباع مفترسة، وذئاب ضارية، فكم حفلوا من فتاة شقاء وآلاماً لا قبل لها ولا لمخلوق باحتماله، وكم قرحوا من كبد لأب لو عرضها في سوق الهموم والأحزان ما وجد من يبتاعها منه بدرهم، وكم سرقوا فرحة زوج في ليلة عرسه فطلق زوجته قبل أن يبني بها غير آسف ولا حزين. جاء رسول البريد بكتاب إلى زوج في ليلة بنائه على زوجته فإذا فيه الرسالة التالية: \"علمت أنك خطبت \"فلانة\" إلى أبيها وأنك عما قليل ستكون زوجها، ولعمري لقد كذبك نظرك وخدعك، من قال لك: إنك ستكون سعيداً بها، فإنها لن تكون لك بعد أن صارت لغيرك، ولا يخلص حبك إلى قلبها بعد أن امتلأ بحب عاشقها، فاعدل عن رأيك فيها، وانفض يدك منها، وإن أردت أن تعرف من هو ذلك العاشق وتتحقق صدق خبري وإخلاصي إليك في نصيحتي، فانظر إلى الصورة المرسلة مع هذا الكتاب \". التوقيع وقصص الذئاب أكثر من أن يحصيها العد، ولكن اللبيب بالإشارة يفهم، وقلما تتزوج فتاة ذات صلات فاسدة مع رجل إلا وردت عليها ليلة البناء بها أو صبيحتها كتب الوشاية بها والسعاية من الأشخاص الذين أحبتهم وأخلصت إليهم، فينتهي أمرها في حياتها الجديدة إلى الشقاء والعار، وليس هناك فتاة
إلا بدأت حياتها بحب وغرام استطاعت أن تتمتع بالحب في زواج سعيد شريف جزاء وفاقاً ولا يظلم ربك أحدا.
والآن آن لك- يا ابنتي- أن تفرقي بقوة بين من يريدك مستترة فتعزى، وممتنعة فتطلبي، وبين من يريدك معروضة فتهوني، وكل معروض مهان، قد آن لك أن تتشبثي بحجابك وسترك وعفافك وطهرك امتثالاً لقول ربك عز وجل: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً )) الأحزاب :59. لا تسمعي للناعقين، الذين يغمزون ويلمزون، فمازالوا بأختك في أماكن أخر حتى نزعوا عنها حجابها، فهل رضوا بهذا ؟ لا، نزلوا إلى ثوبها، حتى قصرت من هنا أصبعاً ومن هناك أصبعاً، إلى أن ألقوا بها على شاطئ البحر عارية تماماً من كل شيء، إلا الشيء الذي يقبح مرآه، ويجمل ستره، ثم تركوها تمشي في الشارع، كاسية عارية، مائلة مميلة، لا يكلف أحدهم نيل إحداهن (من هذا الكائن المشوه) إلا أن يشير بيده، فتترامى عليه، لا يحجزها دين، ولا يمنعها عرف، ولا يمسكها حياء، قد هانت حتى صار عرضها يبذل في ملء بطنها وستر جسدها، ويل لها من النار، أين هي من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: \"صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وأن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا\" رواه مسلم

ولكن القوم خدعوها قالوا لها: هذه هي الحضارة والمدنية، فصدقتهم، وكذبوا والله، أيكون الطهر عيباً، والعفاف عارا، والخير شرا، والنور ظلاما ؟ وما لنا وللغرب، ليذهب الغرب بنسائه إلى الجحيم، أما كفانا تفكيراً برؤوس غيرنا، أما كفانا نظراً بعيون عدونا، أما كفانا تقليداً كتقليد القردة، ليصنع بنات الغرب ما شئن وشاء لهن رجالهن، فما لنا ولهم، وتكوني أنت - يا ابنتي- كما نريد نحن ويريد لك الله.
فليس في الدنيا أكرم منك وأطهر، ما تمسكت بدينك، وحافظت على حجابك، وتخلقت بأخلاقك الحسنة، فمن نساء الغرب من تحارش الرجال صناعاتهم الثقيلة، إنها ممتهنة في عقر دارها، تربح المال من لديها جمال، فإن ذهب جمالها رموها كما ترمى ليمونة امتص ماؤها لكننا قلدناهم، تركنا الحسن، وأخذنا القبيح، من تمثيل، وغناء ؟، وفن، ورقص ، كأننا ما خلقنا إلا للغناء والطرب والفن والرقص.
ولابد من شكوى إلى ذي مروءة *** يواسيك أو يسليك أو يتوجع
وأخيراً: أهمس إليك- يا ابنتي- بكلمة لابد منها بعد أن خبرت الذئب وفعاله، أقول لك:
أنت الآن صبية جميلة، وأنت إلى الخامسة والعشرين تطلبين وبعد ذلك تطلبين فإن طرق داركم من ترضين دينه وخلقه، فلا تترددي في قبوله ولا تتمنعي ولا تسوفي، فإن الجمال والصبا لا يدومان، فإما المرض، وإما القبر، نعم القبر الذي لابد لكل حي منه، القبر، يا ابنتي الذي يفد إليه كل يوم وفود البشر محمولين على أيدي آبائهم وأمهاتهم وأحبابهم، ليقدموهم بأنفسهم هدايا ثمينة إلى الدود، تم يخلون بينهم وبينه يأكل لحومهم ويمتص دماءهم ويتخذ من أحداق عيونهم، ومباسم ثغورهم مراتع يرتع فيها كما يشاء بلا رقبى ولا حذر من حيث لا يملك مالك، عن نفسه دفعا، ولا يعرف إلى النجاة سبيلا، نعم يا ابنتي.
هو الموت ما منه مـلاذ ومهـرب *** إذا حط ذا عن نعشه ذاك يركب نـؤمل آمـالاً ونـرجو نتـاجها *** لعـل الردي فيما نرجيه أقرب ونبني القصور المشمخرات في الفضا *** وفي علـمنا أنا نمـوت وتخرب
الموت- يا ابنتي- يقتحمك بلا موعد ويدخل بلا استئذان: (( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ))لقمان: 34
فرب فتاة كانت فتنة القلب وبهجة النظر، تفيض بالجمال وتنثر السحر والفتون، جاءت عليها لحظة، فإذا هي قد آلت إلى النتن والبلى، ورتع الدود في هذا الجسد البض، وأكل ذلك الثغر الجميل، فهل تظنينه عنك ببعيد؟
لبست ثياب السقم في صغر وقد ** ذاقت شـراب الموت وهو مرير جاء الطبيب ضحى وبشر بالشفا ** إن الطبـيب بـطبـه مغـرور وصف التجرع وهو يـزعم أنه ** بالبرء من كـل السـقام بشير فتنفسـت للحـزن قائـلة له ** عجل ببرئي حيث أنـت خبير وارحم شبابي إن والدتي غـدت ** ثكلى يشير لهـا الجوى وتشير لما رأت يأس الطبيب وعـجزه ** قالت ودمـع المقـلتين غزير أماه قـد كـل الطبيب وفاتني ** ممـا أؤمـل في الحياة نصير أمـاه قد عز اللقـاء وفي غـد **سترين نعشي كالعروس يسير وسينتهي المسعى إلى اللحد الذي ** هـو منزلي وله الجموع تصير قولي لرب اللحـد رفقـا بابنتي ** جاءت عـروساً ساقها التقدير وتجلدي بـإزاء لحـدي بـرهة ** فتـراك روح راعـها المقدور أمـاه قـد سلفـت لنـا أمنية ** يا حسـنها لو سـاقها التيسير كانت كأحلام مضت وتخلفت ** مذ بان يوم البين وهـو عسير جرت مصائب فرقتي لك بعد ذا ** لبس السـواد ونفـذ المسطور أمـاه لا تنسـي بحـق بنـوتي ** قبـري لئـلا يحـزن المقبور
وهاكي جواب الأم:
بنتاه يا كبدي ولـوعة مهـجتي **قد زال صفـو شـأنه التكدير لا توصي ثكلي قد أذاب فؤادها ** حزن عليك وحسـرة وزفيـر وبقبـلتي ثغـراً تقـضي نحـبه ** فحرمت طيب شذاه وهو عطير والله لا أسلو التـلاوة والـدعا ** ما غردت فوق الغصون طيور كلا ولا أنسى زفـير تـوجعي ** والقـد منك لدي الثرى مدثور إني ألفت الحـزن حـتى أنني ** لـو غاب عني ساءني التأخير قد كنت لا أرضى التباعد برهة ** كيف التصـبر والبعاد دهـور أبكيـك حتى نلتقي في جنـة ** برياض خـلد زينـتها الحـور
فبادري يا ابنتي بالتوبة وامتثلي لأوامر الله عز وجل وغضي البصر عن النظر المحرم طاعة لقول ربك عز وجل: (( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء ولا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )) : النور: 31
فللسان زنا، وللبصر زنا، واستمعي إلى قول نبيك صلى الله عليه وسلم وهو يقول: \"إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه \" أخرجه البخاري .
وقد رأى عليه الصلاة والسلام عذاب أهل الزنا عياذاً بالله فقال: \"فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع، يتوقد تحته نار، فإذا اقترب ارتفعوا حتى كاد أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا، فيها رجال ونساء عراة، فقلت: من هذا؟ قالا: انطلق \" فلما أخبراه قالا: \"... والذي رأيته في الثقب هم الزناة\" أخرجه البخاري برقم
فالبدار البدار يا ابنتي وباب التوبة مازال مفتوحا و\"إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.. \" أخرجه مسلم
ويقول سبحانه: (( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )) الزمر: 153.
لبيك يا رب، فعجلي- يا ابنتي- ولا تسوفي فلا تساوي هذه اللذة بتلك الآلام ولا تشتري هذه البداية بتلك النهاية.
فسمو هذا الدين وشرفه أنه يبني النفس الإنسانية ويربيها على قاعدة ( (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10) )الشمس : 10،9 .
وأن مبدأ الثواب والعقاب فيه مرتكز على قاعدة: ((فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8) )) الزلزلة: 7، 8،.
هذه نصيحتي لك- يا بنيتي-، نصيحة من يحب لك الخير، ويتمنى لك الرفعة، ففكري فيها، وضعيها نصب عينيك، واحملي عقلك دائماً في رأسك، لا تنسيه أبداً، لا تنسيه في قصة غرام، أو ديوان غزل، أو بين صفحات مجلة، أو عبر حرارة الهاتف، أو أمام شاشة التلفاز، أو عند نظرات ذئب جائع أو بين معسول حديثه ، ضعي عفتك وكرامتك وشرف أهلك بين عينيك، تعرفين جيداً كيف تردين أي شيطان، فإن أفسق الرجال وأجرأهم على الشر، يخنس ويبلس ويتوارى إن رأى أمامه فتاة متسترة، مرفوعة الهامة، ثابتة النظر، تمشي بجد وقوة وحزم، لا تلتفت تلفت الخائف ولا تضطرب اضطراب الخجل، حينئذ يطرح الذئب عن جلده فروة السباع، وينزل من على الجدار، تائباً مستغفراً ليطرق الباب في الحلال، رجلاً وسط أهله وعشيرته، بل ويستشفع بأهل الخير والصلاح ليشفعوا له عند أبيك، كي يمدحوه بالدين والخلق، فكفى بالدين والخلق مدحاً أنه ينسب إليهما كل أحد، وكفى بالرذيلة والخديعة مذمة أن يتبرأ منهما كل أحد.
هنالك تزفين وسط قبلات الأهل، ودموع الأم، وحنان الأب، مرفوعة هامتك، عزيز جانبك، إلى بيت الشرف والكرامة... يا صانعة الرجال ...


الساعة الآن 04:15 PM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى