منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   منتدى القصة القصيرة (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=63)
-   -   " الرحيل " قصة فيصل الزوايدي (تونس ) (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=31130)

فيصل الزوايدي 18-07-2008 08:54 AM

" الرحيل " قصة فيصل الزوايدي (تونس )
 
الرحـيــلُ ..

يا الصابرونَ على الـهمِّ ، ضاقَت عِندَ العُمر أُمنِياتـي ، و ذَاقَت نَفسي وَجَعَ الفَجائِعِ ..
من جَنوبٍ كان الرحيلُ يومًا .. باردًا يومًا .. لكن لهيبًا ما يلفحُ وَجهـي ، و شتاتٌ مُبعثَرٌ مِني تعبثُ بِهِ رياحٌ شتى ، تقفُ أُمي عند عتبةِ البابِ و بيدها إناءُ ماءٍ لِتَصبه ورائي حتـى أعودَ إليها ، و فـي عَيْنَيْها بريقُ ماءٍ آخر .. لَـم تَقُل شيئًا لكن تـمتمات تصدرُ مُبهمةً عن شَفَتَيْها ، خـمنت أنـها أدعيةٌ بالـحفظِ و العودةِ .. أخي الصغير واقـفٌ حذوها بقميصهِ الـمتهدلِ و إصبعه تعبثُ بِأنفِهِ ، ينظرُ بغرابةٍ إلينا ، فهو لا يَـعلم بعدُ معنـى الرحيلِ .. مِنَ النافذةِ الـخشبية الزرقاء تُطل أختي و هـي تُلقي بيـن الـحين و الآخر بنظراتٍ جزعةٍ إلى داخلِ الغرفة ، هنالك أبـي على فراشٍ سقيمًا ، مرضٌ داهـمَه فلازَمَهُ فأقعَدَهُ .. تـحسَّنت حالُــه قبلَ يومين فأخبرتُه بـموعدِ الرحيل ، لَـم يقُل شيئًا لكني أحسستُ في صمتهِ الرهيبِ توسلا بالبقاءِ .. و مِن عَينَيْهِ اللتين تـهدَّلت عليهما الأجفان صَرَخَ استجداءٌ مزلزلٌُ بعَدَمِ الرحيلِ .. و لكن أنّى لـي ذلكَ و لَـم أبلُغ فرصة َ السـفرِ هَذِهِ إلا بعناءٍ قد لا أستطيعُه ثانيةً.. كذلك الـحصولُ على تأشيرةِ سفرٍ إلـى البلاد التي أقصدُ ليس متيسرًا دومًـا .. و يـتَعَثَّرُ تدفق الـدم عَبرَ الشرايين فأدركُ أن اِنـخِسافَ الأرضِ بـمَن عليها ليس دائمًـا أشدَّ الـمَصائِبِ ..
ارتفع صوتُ مُـحَرِّكِ السيارةِ الـمتوقفةِ أمامَ البـيت ، فقد ضغطَ السائقُ على دَواسةِ البنزين لِيَستَحِثَّني ، بابُ العربةِ مفتوحٌ يطلُبُني إلـى حياةٍ جديدةٍ .. حياة رسـمَتها أحلامٌ و أوهامٌ .. هنالك بعيدًا خلفَ سفرٍ طويلٍ إلـى أرضِ الوُجوهِ الشقراء و الـمالِ الوفير و الـمباهجِ .. ينفتحُ بـهدوءٍ بابُ منزلٍ مُـجاورٍ تـخرجُ مِنه فتاةٌ اتفقَت عائلتان يومًا على تزويـجي مِنها فهي ابنةُ خالـي .. لـم تَكُن الفتاةُ قبيحةً حتى أرفضَها زوجـةً بل على النقيض مِن ذلك كانت من ذوات الـحُسنِ خاصةً مَعَ ابتسامةٍ ساذجةٍ تُذكِّـرنـي كثيرًا بابتسامةِ أبيها الطيبِ .. لكني كُنتُ أرفُضُ ذلكَ الارتباطَ الذي يَشُدُّنـي إلى حياةِ البُؤس هنـا، تـمسَحُ أمي أنفَها بِطَرَفِ ردائِها و أَلـحَظُ غــيابَ أختي عن النافذةِ . يُصبِحُ التقاطُ الـهواءِ إلى صدري عمليةً أكثرَ صعوبةً ، تذَكَّرتُ كلامَ أبـي الكثير عن كَونـي رجلَ الدارِ بعدَه فكنت أُجيبُه بأن أدعوَ له بطولِ العُمرِ فيُجيبُنـي : يَطولُ العُمرُ أو يَقصُر فلابد للإنسانِ أن يُقبَـر .. تداخَلَت الصورُ أمامي مِن صبـيٍّ أسـمرَ يَلهو عند مَشارِف الصحراء إلـى شُقرِ الوجوهِ فـي بِلادٍ ثلجيةٍ و اختلطت الألوانُ فـي مزيجٍ غريبٍ ، أفقـدُ كلامًا كثيرًا كان مِنَ الـمُمكِنِ قولـه فـي هذا الـمقامِ ، فلا أجِـد مـا أقول فأصمتُ، لـم يَكُن للحظةِ و لا للزمنِ غـير معنى واحدٍ مُـختَلفٍ لا يعرِفُهُ الساعاتِِيّون .. و أخشى انفجارًا بداخلي فأُلقي حَقيبَتي الصغيرة على الـمقعدِ الـخَلفي و أهُـمُّ بإلقاءِ نفسي داخلَ السيارةِ و لَكن..
يسقُطُ إناءُ مـاءِ على الأرض فقد كان ولدي الصغيرُ قد أوقع قدحًـا من يَدَيْهِ .. تـمامًا مثلما سَقَطَ إناءُ الـماءِ من يَدَيْ أمي يومَها عندما ارتفَعَ صوتُ أختي مِن النافذةِ الخشبيةِ الـزرقاء بصيحةٍ مـجروحَةٍ تُعلِنُ وقوعَ الفادحةِ ..
تنحنـي زوجتي تُلَمْلِمُ شظايا القَدَحِ و تبتَسِمُ بطيبةٍ ساذجةٍ تُذَكِّرُنـي بـخالـي الطيب.

فيــــصل الزوايـــــــدي

nabil_faa1975 18-07-2008 06:47 PM

رد: " الرحيل " قصة فيصل الزوايدي (تونس )
 
سلام الله عليكم

أهلا وسهلا بقصصك أخي الكريم، لقد تطرقت بأسلوب هادئ لعرف من الأعراف ما زال يتداول عند البعض منا ، أهنئك على قصتك أخي الكريم

بوفاتح سبقاق 20-07-2008 10:02 AM

رد: " الرحيل " قصة فيصل الزوايدي (تونس )
 
نص جميل

سرد رائع

مع تمنياتي بمزيد من التألق

فيصل الزوايدي 11-08-2008 10:17 PM

رد: " الرحيل " قصة فيصل الزوايدي (تونس )
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة nabil_faa1975 (المشاركة 205745)
سلام الله عليكم

أهلا وسهلا بقصصك أخي الكريم، لقد تطرقت بأسلوب هادئ لعرف من الأعراف ما زال يتداول عند البعض منا ، أهنئك على قصتك أخي الكريم

و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته أخي nabil_faa
شكرا للحفاوة و للتفاعل مع القصة و اعتز برأيك
دمت في الخير
مع الود

فيصل الزوايدي 11-08-2008 10:18 PM

رد: " الرحيل " قصة فيصل الزوايدي (تونس )
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بوفاتح سبقاق (المشاركة 206907)
نص جميل

سرد رائع

مع تمنياتي بمزيد من التألق

أخي بوفاتح أعتز برأيك في القصة كثيرا و قد سرني اعجابك بها فشكرا للدعم و للمشاعرالراقية
دمت في الخير
مع الود الممتد

حمبراوي 12-08-2008 08:05 PM

رد: " الرحيل " قصة فيصل الزوايدي (تونس )
 
سلام الله عليك وبعد :
تبا لي كيف لم أنتبه لهذه السردية الرائعة
معذرة فيصل
شكرا لك


سليم يلل 12-08-2008 09:21 PM

رد: " الرحيل " قصة فيصل الزوايدي (تونس )
 
نص مُوجِع , مرصع بلمساتك الابداعية

مزيدا من التألق أخي فيصل

دمت

أرسطو طاليس 12-08-2008 10:02 PM

رد: " الرحيل " قصة فيصل الزوايدي (تونس )
 
نص رائع..
يذكرني بعادة إلقاء الماء التي تلاشت اليوم..
فقد كانت تعني الكثير للمفكر الكبير مالك بن نبي رحمه الله..
بدايته تفطر القلب..

حمبراوي 12-08-2008 10:17 PM

رد: " الرحيل " قصة فيصل الزوايدي (تونس )
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أرسطو طاليس (المشاركة 225642)
نص رائع..
يذكرني بعادة إلقاء الماء التي تلاشت اليوم..
فقد كانت تعني الكثير للمفكر الكبير مالك بن نبي رحمه الله..
بدايته تفطر القلب..

سلام الله عليك وبعد :
تقصد ما ذكره في يوميات شاهد على القرن حين القت أمه وهي تودعه ماء العودة
شكرا لك على تذكرك ظاهرة القرون الفكرية


فيصل الزوايدي 25-09-2008 04:25 PM

Re: رد: " الرحيل " قصة فيصل الزوايدي (تونس )
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حمبراوي (المشاركة 225551)
سلام الله عليك وبعد :
تبا لي كيف لم أنتبه لهذه السردية الرائعة
معذرة فيصل
شكرا لك


و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته أخي الحمبراوي .. اسعدني رأيك في القصة و انا ممتن لهذا الثناء الباذخ و اهلا بك دوما .. و المعذرة لتأخري عنك أيضا
دمت في الخير

فيصل الزوايدي 25-09-2008 04:32 PM

Re: رد: " الرحيل " قصة فيصل الزوايدي (تونس )
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سليم يلل (المشاركة 225598)
نص مُوجِع , مرصع بلمساتك الابداعية

مزيدا من التألق أخي فيصل

دمت

أخي سليم أعتز برأيك في القصة و بتفاعلك الراقي معها و انا ممتن لدعمك العفوي
دمت في الخير

فيصل الزوايدي 25-09-2008 04:40 PM

Re: رد: " الرحيل " قصة فيصل الزوايدي (تونس )
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أرسطو طاليس (المشاركة 225642)
نص رائع..
يذكرني بعادة إلقاء الماء التي تلاشت اليوم..
فقد كانت تعني الكثير للمفكر الكبير مالك بن نبي رحمه الله..
بدايته تفطر القلب..

أخي الكريم شكرا لهذه الاطلالة الراقية على النص و للاضافة .. عادة سكب الماء وراء المسافر مازالت منتشرة في بعض الاماكن ..
دمت في الخير

فيصل الزوايدي 25-09-2008 04:41 PM

Re: رد: " الرحيل " قصة فيصل الزوايدي (تونس )
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حمبراوي (المشاركة 225657)
سلام الله عليك وبعد :
تقصد ما ذكره في يوميات شاهد على القرن حين القت أمه وهي تودعه ماء العودة
شكرا لك على تذكرك ظاهرة القرون الفكرية


شكرا للمتابعة و للعودة أخي الكريم
دمت في الخير

إخلاص 25-09-2008 08:57 PM

رد: " الرحيل " قصة فيصل الزوايدي (تونس )
 
جميل منك هذا السّرد القصصي
و رائع منك هذا الحرف الهادف
عِشت معك تلك اللّحظات المعدودات بين ذاك الجوّ العائلي
و الوصف الدّقيق
دمتَ في ألق

فيصل الزوايدي 28-09-2008 09:35 AM

Re: رد: " الرحيل " قصة فيصل الزوايدي (تونس )
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة إخلاص (المشاركة 263905)
جميل منك هذا السّرد القصصي
و رائع منك هذا الحرف الهادف
عِشت معك تلك اللّحظات المعدودات بين ذاك الجوّ العائلي
و الوصف الدّقيق
دمتَ في ألق

أخت إخلاص أسعدني رأيك في القصة و ثناؤك عليها و كذلك تفاعلك العفوي معها
دمت في الخير


الساعة الآن 03:55 PM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى