منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   منتدى القصة القصيرة (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=63)
-   -   زفاف الرحيل.. (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=60411)

ام سيرين 17-01-2009 02:09 PM

زفاف الرحيل..
 
-اصطحبني الفجر إلى الوضوء ، وعلى وقع حذاء تتبعت الأثر ، بلسان صامت و آذان متحركة أتقصى مصدر الوَقْعِ ، رويدا..رويدا وصلت إلى النافذة وجلت بناظري إلى الحارة أتفرسها بيتا بيتا. كان الظلام دامسا يعانقُ برودة شديدة َ َ، وهواء متجمد يقارعُ الملامسة...نظرت ُ هنا ،نظرت هناك ..وإذا بشبح ِ ِيستوقف ُ الرؤيا..يا إلاهي ما هذا ؟ ...بدأت الخطى في خفوت تتقدم وعينايا تترصد في خوفِِ ِ وتطلع .. اقترب الشبح من باب الجار "عمي محمود " .
ارتابني الفزع ، من عساه يكون ؟ لماذ ا في هذه الساعةِ بالضبط ؟ ، إن عمي محموديعيش وحيدا مع ابنته " رقية " التي سخرت شبابها لخدمة أبيها العجوز وأمها المريضة ، سنون طوال وهي تلازم الفراش أفناها المرض وتفننت الأوجاع في هضم قواها وذهبت بها بعيدا إلى رحم الآلام التي لا تبارحها ، وإلى الحاجة التي تمنعها من متابعة الأطباء والتخفيف بالادوية .
كان ساعتها عمي محمود- الذي يساعد الأسرة بمعاش زهيد افتكه من سنين التعب والشقاء - يتألم بين أقسام البوليسبين الحين والآخر تحت وطأة المساءلة:أين ابنك؟ ،هل يزوركم ؟، ستدفعون الثمن ،وغيرها من الأسئلة التي لا يجد لها جوابا ...
كان عمي محمود يعتقد أنه سيحضى بوسام التكريم ، والتشريف وهو الذي كان في يوم ما يعرٌج إلى الجبال حاملا المؤونة للثوار والرسائل والأخباروعندما يعود يشارك في توزيع البيانات ووثائق الثورة التحريرية ، كان يتعرض لضغوطات فرنسا ، تارة يزج به في السجن ، وأخرى إلى التعذيب .
ذكريات كثيرة تعبر كشريط عبر مخيلته وهو يتأمل فرقة البوليس وهي وراء المكاتب تمارس أعمالها . وبآهات لا بداية ولا نهاية لها يعود إلى بيته متأبطا وجها عبوسا شاحبا حفرت أخاديد الزمن عليه علامات الإغتراب يسأل القدر عونا وتفريجا !!!...
كانت رقية حائرة في أسمالها البالية ، كانت عفيفة ، صامتة ،تحوطها التساؤلات في صمت رهيب .. متى تُشفى والدتي ؟متى يعود أخي ؟ أين ذهب ؟ أهو لص أم إرهابي كما يقولون ؟ لماذا أذيت أباك وأذيتنا كلنا ؟ لماذا ..لماذا ؟....
أخي عرفته قلوقا ، متذمرا من الحياة ، من الفقر ، من البطالة ، من صدود الآخرين ، لم يسعفه الحظ في النجاح الدراسي ،ودائما يغرق في تفكير طويل أين أنت الآن يا أخي ؟
كانت رقية تحكي ...وتحكي ...وتحكي في صمت الجياع للكلمة ، للمواساة ، للشفقة ، تحكي في صمت اخترقت صيحاته صفحة وجهها الذي غادره غض الشباب وعلته صفرة التفكير في غد مجهول .
مرٌت الأيام ، وازداد المرض تكشيرا ، وخطره نخر آخر ملامح القوة فاستسلمت الأم للصمت الأبدي بعد معزوفات الأنين التي كانت تخترق الصمت المطبق ، رحلت إلى عالم الإستقرار...
حزنت رقية حزنا شديدا ، واصطدم الابن واسودت الدنيا في عينيه ، حمٌل نفسه المسؤولية ، لوكنت أعمل لأسعفت والدتي ، رحلت ْ ورحلت معها أحلامي ،كانت تقول : يا صالح عندما أ ُ شفى سأختار لك ابنة أختي كزوجة ،آمال ألا تتذكرها؟
إنها جميلة ومتخلقة، إنها تحبك يا صالح ..لا يا أمي توقفي ، أنا رجل فاشل لا أعمل ..لاافكر في الزواج..لكن مشاعري تتهلل إلى فرح قريب ...آه ...آه.
وبأهداب مرتعشة ونبضات سريعة تسافرُ رقية إلى والدها أين التوى ببرنوسه العتيد فوق فراشه الذي مل رؤيته ، وكلما هتف له بالمغادرة ليتحرر قليلا كلما أقعد والدي الروماتيزم الذي نخر ركبتيه ..ايه رحلت الأم...رحل صالح إلى المجهول..ورحل أبي بوجوده أكلمه فلا يسمعني إلا بعد الصراخ...كرهت ، ضقت وسافرت إلى الصمت هو الخيار ...الكثير قالوا خرساء ..نعم خرساء تسترق النطق نادرا. خرساء ..صماء ..لا أبالي فالكل مجهول جهل أيامي وغدي.
استفاقت رقية من الهواجس على طرقات خفيفة على الباب ...التفت إلى والدهاوهو يتهيأ لصلاة الصبح يتمتم بأذكار ِِ ِ وتسابيح .
أسرعت إلى خمارها فوضعته على رأسها ثمٌ أومأت لأبيها أن هناك شخص يدق على الباب وهي مذهولة في استفسار...افتح أبي ..اذهبي أنتِ ، رقية تقدمت ، تراجعت ..الوجوم يخنقها ..الرعشة تتسلط على أعضائها ، يارب من سيكون في هذا الوقت ؟ لص ..وماذا عندنا حتى يسرقنا ..ربما أخي صالح عاد ..نعم هو يا إلهي . من الطرق ؟ وفي صوت خافت ، أنا صديق صالح افتحي من؟ لا أفتح!!..
أنا علي ، افتحي ، لي خبر عن صالح ، ماذا ؟ صالح..صالح أخي وتفتح الباب
أنبهرتُ لمنظرالشبح وكانت رقيةتنظر إليه في استحياء ، سمعتها تحدثه بصوت خافت : أين أخي ؟ لماذا لم يأت معك؟ متى رأيته ؟...ظلٌ الشبح صامتا ، وقلق رقية يزداد ويلتهب ليعرف ويعرف ،ويحاول الشيخ جاهدا للوصول إلى الباب
لكن ما إن وصل رقية : صالح ، صالح بصوت مرتفع ويخترق سمع الشيخ فيذهل ويسقط ميتا.
تعالى صراخ رقية ، فُتِحتْ نوافذُ الجيران ، وقتلت الأضواء ظلمة الحي ،أسرع الجميع إلىبيت عمي محمود .
كانت ليلة حزينة أ ُسرع بالشيخ إلى المستشفى وبات ليته هناك تحت الإسعافات بين الموت والحياة ..إنه لم يمت ، كانت مجرد صدمة . عادت رقية إلى البيت لم تتعود البقاء لوحدها ، موت ..موت.. أبي ، أخي..آه نعم أين أنت يا أخي؟ أين علي ؟ رحل علي .. رحل الكل ..رحل الأمل ...آه .
أرسلت رقية آهات القنوط وهي تعصف بمشاعرها المحبطة .
وجاء الصباح ..، رقية لم تتعود الإعتماد على نفسها وكأنها غريبة في هذا المجتمع التي أصبحت المرأة فيه حيٌة نابضة تحمل تكاليف وأعباء كثيرة ...واستسلمت للدموع لتواسيها وتخفف عنها . دق الباب ، إنها الجارة ، إنها أنا طلبت منها الإستعداد لتزور والدها في المستشفى ..وكم كانت سعادتها كبيرة دعاء متواصل أرسله لسانها الذي تعود الصمت ..ارتجافة تعلو جسمها حتى أنها لم تقو على ارتداء الحجاب ، ربت على كتفها..الله معك..الله معك وانطلقنا.
وصلنا ..كانت الساعة العاشرة صباحا وبدأنا نسرع في الخطو عبر الرواق ..... رقية خطواتها تتراجع ...وجهها اصفر..ما بك ؟ رقية : لست أدري أحس بثقل ..بضيق في أنفاسي . أستغفري الله يا رقية وندخل الحجرة لم نجد عمي محمود ..إنه مات قبل قليل تعالت أصوات بعض الحناجر وتنطلق صرخات رقية أبتاه لمن تركتني ؟ لحظات صعبة...ألتف حولها الناس ..سقطت أرضا ولاذت بعدها في صمت ..كان علي بجوارها قد حضر ، أبي مات يا علي مات .
أين صالح ؟ قل لصالح أبي مات ...
وقف علي في ذهول يا ربه ماذا أقول ؟... وتمسكه رقية على غير عادتها ..في غير وعيها لماذا لا ترد ؟ قل لصالح...أين صالح ...؟
ويستجمع عليٌ قوته ...سيأتي اليوم صالح ، لكن ليس على رجليه بل محمولا
لقد غرق ..غرق في البحر على الحدود الإسبانية .

عزف الحنين 17-01-2009 03:36 PM

رد: زفاف الرحيل..
 
...لقد اعجبتني القصة لدرجة كنت اتمنى ان تطول ولا تكون هده النهاية....للاسف.... الدنيا دار بلاء وشكرا كثيرا....عزف الحنين

ام سيرين 18-01-2009 09:27 AM

رد: زفاف الرحيل..
 
شكرا لك يا أختاه على المرور الكريم ..الفكرة لا زالت ممتدة وماهو آت غير مسر في باقي القصة ...لذا فاجأت القارئ بختمها لأترك له التصور ..ما نهاية رقية ربما يكملها بنفسه .

آمال محمد 19-01-2009 06:21 PM

رد: زفاف الرحيل..
 
قصة للموت و الفجيعة فيها طعم مر جدا يا أم سرين...

تساءلت كثيرا إن كان الإنتظار موت بطيئ ...فيستحي الموت المفاجئ على بغتة ان يجيئ

ام ان للحياة الأليمة منذ البدء ألم آخر ينتظر في الرواق الأخير ...بين الإنتظار و الهجرة عبر البحر موت يشتهي أن ينقض على أنقاض الفرحة المرتسمة على الشفاه الصامتة و كانت رقية فريسة سهلة للألم .

لم يبقى لها سوى الله ....


رائعة ....جدااااا

نسيم الجزائر 20-01-2009 09:54 AM

رد: زفاف الرحيل..
 
ظننته صعد الجبال في بداية القصة و إذا به يركب امواج البحر العاتية ....... عندما تقتل احلام الشباب في أبكارها تصبح البحار في أعينهم الامل كالاسمنت المسلح ................... شكرا لك

زينب محمد 20-01-2009 10:58 AM

رد: زفاف الرحيل..
 
شكرا أم سيرين على القصة الرائعة
إلا أنها حزينة جدا في وقت نحتاج فيه لبعض الفرح

raafatalaa 23-01-2009 08:33 PM

رد: زفاف الرحيل..
 
جمال في التصوير ، روعة في الإختصار ، نباهة في التركيب ، عذوبة في البيان والبديع ، إلمام بعناصر القصة وتشخيص سلس لها بحبكة غائرة في العمق...
قليل من التمديد لها بسيناريو وتصبح فيلما رائعا ...
ألف شكر لك ودمت...

سُهَادْ 24-01-2009 07:51 AM

رد: زفاف الرحيل..
 
نهاية درامية مفجعة

تقبلي إعجابي بقلمك أيتها المبدعة

احترامي

سومية لصفر 24-01-2009 11:38 AM

Re: زفاف الرحيل..
 
قصة من الواقع تشكري أم سيرين
أختك سومية

بالـشـفـاء

محمد دلومي 27-01-2009 11:49 AM

رد: زفاف الرحيل..
 
اولا اقدم خالص اعتذاري على تأخري وعزائي في ترحيب ام سرين بي .
ولو علمت ام سرين السبب لتأخري لعذرتني .

المهم

يصعب الرد على مثل هذا الحكي، وعلى هذه الماساة ، لقد تسللت حروفك إلى القارئ لتقبض على كل وجدانه وتسيطر على لبه ، لتتركه في الأخير ودمعة تسقط رغما عنه .
فشاكر لكِ هذه القصة التي هي بحق تستحق مكانها ضمن مجموعة قصصية ، اتمنى فعلا ان اراها قريبا .

meriembatoul 27-01-2009 12:23 PM

رد: زفاف الرحيل..
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نسيم الجزائر (المشاركة 451602)
ظننته صعد الجبال في بداية القصة و إذا به يركب امواج البحر العاتية ....... عندما تقتل احلام الشباب في أبكارها تصبح البحار في أعينهم الامل كالاسمنت المسلح ................... شكرا لك

شكرا لك كانت قصة جميلة اتمنى ان تكمليها

ام سيرين 27-01-2009 03:34 PM

رد: زفاف الرحيل..
 
شكرا على الاستضافة الحسية والترحيب المعنوي الذي انبثق باعتذار الآملين لغد مشرق ورؤى غاية في الإشراق ................................. وإلى لقاء مع جليس جديد عن قريب : * ..... * / تحياتي .

soundos 21-04-2009 03:45 PM

رد: زفاف الرحيل..
 
oukhti ya3jazou allisan 3ani ta3bir lam ajid siwa an a9oula choukran la9ad katabti fa abda3ti min jadid choukran wa atamana laki mazidan mina ataalo9.

نبض غزة 21-04-2009 04:38 PM

رد: زفاف الرحيل..
 
قصة جميلة جدا شكرا وجزاك الله كل خير


الساعة الآن 08:50 AM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى