منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   المنتدى الاسلامي العام (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=90)
-   -   أقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى في بيان الفوقية (الرحمن على العرش استوى) (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=65813)

أبو عبد الرحمن2 06-02-2009 06:29 PM

أقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى في بيان الفوقية (الرحمن على العرش استوى)
 
اأقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى
قال أبو حنيفة: " ومن قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر، لأن الله تعالى يقول { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وعرشه فوق سبع سموات.
قلت: فإن قال إنه على العرش ولكنه يقول لا أدري العرش في السماء أم في الأرض، قال هو كافر، لأنه أنكر أن يكون في السماء لأنه تعالى في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل ".
وفي لفظ " سألت أبا حنيفة عمن يقول لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض قال فقد كفر، لأن الله يقول { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وعرشه فوق سبع سموات، قال

فإنه يقول { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ولكنه لا يدري العرش في الأرض أو في السماء، قال إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر ". وروي هذا عن شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري في كتابه الفاروق بإسناده.
قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد رحمه الله تعالى، ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة رحمه الله عند أصحابه أنه كفر الواقف الذي يقول لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فكيف يكون الجاحد النافي الذي يقول ليس في السماء ولا في الأرض، واحتج على كفره بقوله تعالى { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} قال وعرشه فوق سبع سموات، وبين بهذا أن قوله { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} بين في أن الله سبحانه فوق السماوات فوق العرش، وأن الاستواء على العرش، ثم أردف ذلك بكفر من توقف في كون العرش في السماء أو في الأرض قال " لأنه أنكر أن يكون في السماء، وأن الله في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل " وكل من هاتين الحجتين فطرية عقلية؛ فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله سبحانه في العلو وعلى أنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وكذلك أصحابه من بعده كأبي يوسف وهشام بن عبيد الله الرازي كما روى ابن أبي حاتم وشيخ الإسلام بأسانيدهما " أن هشام بن عبيد الله الرازي صاحب محمد بن الحسن قاضي الري حبس رجلا في التجهم فتاب فجيء به إلى هشام ليمتحنه فقال الحمد لله على التوبة فامتحنه هشام فقال أشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه فقال أشهد أن الله على عرشه، ولا أدري ما بائن من خلقه. فقال ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب " وسيأتي قول الطحاوي عند أقوال أهل الحديث.

(قول إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله تعالى) ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن حدثنا أحمد بن جعفر بن أحمد أن ابن مالك حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا شريح بن النعمان قال حدثنا عبد الله بن نافع قال: قال مالك بن أنس " الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو منه مكان " قال وقيل لمالك { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى فقال مالك رحمه الله تعالى استواؤه معقول وكيفيته مجهولة وسؤالك عن هذا بدعة وأراك رجل سوء )
(قول الإمام الحافظ أبي عمر بن عبد البر إمام السنة في زمانه ـ رحمه الله تعالى) قال في كتاب التمهيد في شرح الحديث الثامن لابن شهاب عن ابن سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ينزل ربنا في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له " هذا الحديث ثابت من جهة النقل صحيح الإسناد لا يختلف أهل الحديث في صحته، وفيه دليل على أن الله سبحانه في السماء على العرش من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة، وهو حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله في كل مكان وليس على العرش.
والدليل على صحة ما قال أهل الحق في ذلك قوله تعالى { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وقوله تعالى { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ} وقوله تعالى { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} وقوله تعالى { إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً} وقوله تبارك اسمه { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} وقوله تعالى { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً} وقوله تعالى { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ} وقوله تعالى { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} وهذا من العلو.

قول الإمام حجة الإسلام أبي أحمد) ابن الحسين الشافعي المعروف بابن الحداد رحمه الله تعالى قال:

إن جماهير المسلمين وسائر الملل قد وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله سبحانه من جهة الفوق في الدعاء والسؤال، واتفاقهم بأجمعهم على ذلك حجة، ولم يستجز أحد الإشارة إليه من جهة الأسفل ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق، وقال تعالى { يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} وقال تعالى { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} وقال تعالى { تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} وأخبر تعالى عن فرعون أنه قال { يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} فكأن فرعون قد فهم من موسى عليه الصلاة والسلام أنه يثبت إلها فوق السماء حتى رام بصرحه أن يطلع إليه، واتهم موسى عليه الصلاة والسلام بالكذب في ذلك، والجهمية لا تعلم أن الله فوقها بوجود ذاته، فهم أعجز فهما من فرعون بل وأضل.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل الجارية التي أراد مولاها عتقها أين الله؟ قالت في السماء وأشارت برأسها إلى السماء، وقال: من أنا؟ فقالت أنت رسول الله، فقال أعتقها فإنها مؤمنة، فحكم النبي صلى الله عليه وسلم بإيمانها حين قالت إن الله في السماء، وحكم الجهمي بكفر من يقول ذلك.
هذا كله كلام أبي القاسم التيمي رحمه الله تعالى.


قول الإمام أبي عمرو عثمان بن أبي الحسن بن الحسين السهروردي)

ومن صفاته تبارك وتعالى فوقيته واستواؤه على عرشه بذاته كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بلا كيف، ودليله قوله تعالى { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وقوله تعالى { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ} وقوله في خمس مواضع { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} وقوله في قصة عيسى عليه السلام { وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} وساق آيات العلو ثم قال: وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف لم يختلفوا في أن الله سبحانه مستو على عرشه، وعرشه فوق سبع سمواته، ثم ذكر كلام عبد الله بن المبارك: نعرف ربنا بأنه فوق سبع سمواته على عرشه بائن من خلقه وساق قول ابن خزيمة: من لم يقر بأن الله تعالى فوق عرشه قد استوى فوق سبع سمواته فهو كافر،


المصدر :


اجتماع الجيوش الإسلامية

لإبن القيم رحمه الله





ذكر أقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى





أختُ عبد الرحمان 06-02-2009 06:33 PM

رد: أقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى في بيان الفوقية (الرحمن على العرش استو
 
بورك فيكم

للأسف

سينقلب الموضوع رأسا على عقب.

أنس الجزائري 06-02-2009 07:33 PM

رد: أقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى في بيان الفوقية (الرحمن على العرش استو
 
http://barom11.jeeran.com/بارك%20الل...وفي%20قلمك.gif

ربي يستر هذا الموضوع من النقاش العقيم..........................

أبو عبد الرحمن2 07-02-2009 08:19 AM

رد: أقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى في بيان الفوقية (الرحمن على العرش استو
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مريم بنت الجزائر (المشاركة 485326)
بورك فيكم


للأسف


سينقلب الموضوع رأسا على عقب.


وفيك بارك الله أختي الكريمة

لاحجة لهم اليوم قد تبين الرشد من الغي

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا عذر لأحد في ضلاله ركبها حسبها هدى ولا في هدى تركه حسبه ضلاله فقد بينت الأمور وثبتت الحجة وانقطع العذر وذلك أن السنة والجماعة قد أحكما أمر الدين كله وتبين للناس فعلى الناس الاتباع



أبو عبد الرحمن2 07-02-2009 08:23 AM

رد: أقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى في بيان الفوقية (الرحمن على العرش استو
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أنس الجزائري (المشاركة 485452)
http://barom11.jeeran.com/بارك%20الل...وفي%20قلمك.gif

ربي يستر هذا الموضوع من النقاش العقيم..........................

آمين

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه
واعلم رحمك الله أن الدين إنما جاء من قبل الله تبارك وتعالى لم يوضع على عقول الرجال وآرائهم وعلمه عند الله وعند رسوله فلا تتبع شيئا بهواك فتمرق من الدين فتخرج من الإسلام فإنه لا حجة لك فقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته السنة وأوضحها لأصحابه وهم الجماعة وهم السواد الأعظم والسواد الأعظم الحق وأهله فمن خالف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من أمر الدين فقد كفر

حكيم حبيب 07-02-2009 11:50 AM

رد: أقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى في بيان الفوقية (الرحمن على العرش استو
 
الاخ عبد الرحمن ....كيف لا توجد خحة وانت تنقل كلاما موضوعا على الائمة الاربعة....واليك مثال بسيط
1 قول ابي حنيفة من قال لا اعرف ربي في السماء فقد كفر
هذا كذب على ابي حنيفة رواه ابوا مطيع البلخي وهو وضاع كذاب كما في ترجمة الحافظ الذهبي في الميزان1/574....قال الامام احمد لا ينبغي ان يروى عنه شيء
واليك الكلام الصحيح لابي حنيفة في هذا الباب
وقال ابو حنيفة أيضًا (10): " قلت: أرأيت لو قيل أين الله تعالى؟ فقال- أي أبو حنيفة-: يقال له كان الله تعالى ولا مكان قبل أن يخلق الخلق، وكان الله تعالى ولم يكن أين ولا خلق ولا شىء، وهو خالق كل شىء" اهـ.
وقال الإمام المجتهد محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه إمام المذهب الشافعي (204 ص) ما نصه (3): "إنه تعالى كان ولا مكان فخلق المكان وهو على صفة الأزلية كما كان قبل خلقه المكان لا يجوز عليه التغيير في ذاته ولا التبديل في صفاته " اهـ
(ص/ 54).
اما قول الامام مالك الاستواء معلوم ...اي معلوم المعاني ....والكيف مجهول اي المعنى المراد مجهول لان كيف كانت تستعمل للاستفهام عن المعنى المقصود كما في حديث عبدي مرضت فلم تعدني حيث ان العبد استحال في ذهنه مرض الله تعالى فسال عن المقصود بالمرض بكيف فبين الله معنى المرض المقصود...وعلى هذا يقاس قول الامام مالك
وما يدعمه هو قول الامام الشافعي ءامنت بما انزل الله على مراد الله...اي عندما يستحيل المعنى اللغوي الظاهر ويبقى المعنى المقصود مجهولا
- قال صباح التوحيد ومصباح التفريد الصحابي الجليل والخليفة الراشد سيدنا علي رضي الله عنه (40 هـ) ما نصه(1): (كان- الله- ولا مكان، وهو الان على ما- عليه- كان اهـ. أي بلا مكان
- وقال أيضا (2): "إن الله تعالى خلق العرش إظهارًا لقدرته لا مكانا
لذاته" أ هـ.
....................................(
(1) و (2) الفرق بين الفرق لأبي منصور البغدادي (ص/333).
(3) حلية الأولياء: ترجمة علي بن أي طالب (73/1)

(10) الفقه الأبسط ضمن مجموعة رسانل أبي حنيفة بتحقيق الكوثري (ص/ 25). ونقل ذلك أيضا المحدث الفقيه الشيخ عبد الله الهرري المعروف بالحبشي في كتابه الدليل القويم (ص/ 54).
الاخ عبد الرحمن..... بل لقد مللنا من مناقشتكم العقيمة فلا فائدة فيها
وانا شخصيا انتقلت الى دراسة الاعجاز العلمي في القرءان بدلا من مناقشة افكاركم العقيمة التي لا فائدة فيها
.



حكيم حبيب 07-02-2009 11:53 AM

رد: أقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى في بيان الفوقية (الرحمن على العرش استو
 
احتقظ بتفكيرك العقيم لنفسك

حكيم حبيب 07-02-2009 12:05 PM

رد: أقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى في بيان الفوقية (الرحمن على العرش استو
 
بالمناسبة يا اخ عبد الرحمن انت قد اتيت بموضوع سابق قلت فيه ان الشمس تدور حول الارض واستدليت بقوله تعالى والشمس تجري لمستقر لها ورحت تقول ان من يعتقد دوران الارض على الشمس فهو مخالف للقرءان ولكن المشكلة هي ان فهمك للاية كان سقيما وفق فهم القرون الوسطى.
...........
فاليك تفسير الاية بطريقة علمية حتى تعرف ان الشمس هي التي تدور على الارض وتفهم معنى تجري لمستقر لها فنحن في القرن21 ولسنا في القرون الحجرية حتى نفهم فهمهم الخاطىء لمعاني الايات
جريان الشمس ... إعجاز علمي جديد
أحبتي في الله! لن أطيل عليكم في هذه المقالة، فقط أحببت أن أبث إليكم هذه النفحة الإعجازية الرائعة، فالمؤمن الذي يحب القرآن يحب دائماً أن يحدث الآخرين عما يحب: عن عجائبه وأسراره والأشياء المذهلة فيه، وإذا ما تحدث عنه أحد بسوء تجده يغار على "حبيبه" ويدافع عنه وهذا ما يدعوني دائماً للاستمرار في هذه المقالات.
فالمشككون لم يتركوا كلمة في كتاب الله إلا وانتقدوها بغير حق، لم يتركوا حقيقة علمية إلا وحاولوا أن يثبتوا خطأها، ولكن هيهات أن يفعلوا ذلك، ومن الأشياء التي خرجوا بها علينا أن القرآن قد أخطأ علمياً في استخدام كلمة (يجري) بالنسبة للشمس والقمر، والأدق علمياً كما يقولون أن يستخدم كلمة (يدور) لأن القمر يدور حول الأرض والشمس تدور حول مركز المجرة.
لنتأمل أولاً كيف عبر القرآن عن حركة الشمس، يقول تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [يس: 38]. والآن لنذهب إلى علماء الغرب أنفسهم والذين لم يؤمنوا بالقرآن، ماذا يقولون؟ إن ظاهرة حركة الشمس لفتت انتباه أحد العلماء ففكر أن يدرس المسار الحقيقي للشمس فيما لو نظرنا إليه من خارج المجرة، وبالطبع الشمس هي نجم في مجرتنا التي تحوي أكثر من 100000000000 نجم!!
http://www.55a.net/firas/ar_photo/11...sdfgsdfgdf.jpg
هذه صورة لمجرة تشبه مجرتنا، وتحوي هذه المجرة أكثر من مئة ألف مليون نجم، وكل نجم يمكن أن يكون أصغر من الشمس أو أكبر منها أو بحجمها، وأريد أن أخبركم أن الكون يحوي أكثر من مئة ألف مليون مجرة كهذه!!! فهل تدركون معي عظمة هذا الكون وعظمة خلق السماوات والأرض؟ إذا اقرأوا قوله تعالى: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)[غافر: 57]. المصدر NASA.
إن حركة الشمس كانت لغزاً محيراً لآلاف السنين، فطالما نظر الناس إلى الأرض على أنها ثابتة وأن الشمس تدور حولها، ولكن تبين فيما بعد أن هذا الاعتقاد خاطئ، والسبب في ذلك هو ببساطة أن كتلة الشمس أكبر من كتلة الأرض بأكثر من مليون مرة، وبالتالي لا يمكن للأرض أن تجذب الشمس إليها بل العكس هو الصحيح.
فالشمس وبسبب كتلتها الكبيرة تجذب جميع الكواكب إليها تماماً كما تجذب الأرض القمر الذي هو أصغر من الأرض بكثير، ولذلك أيقن العلماء أن الشمس ثابتة والأرض تدور حولها! ولكن هل هذه هي الحقيقة كاملة؟
لقد اكتشفوا بعد ذلك أن هذه الشمس تنجذب باتجاه مركز مجرتنا (درب التبانة)، بل وتدور حوله بشكل دقيق ومحسوب تتراوح سرعة الشمس في دورانها حول مركز المجرة 200-250 كيلو متر في الثانية. فقالوا إن الشمس تدور حول مركز المجرة، وأخيراً وجدوا أن للشمس حركة أخرى صعوداً وهبوطاً، لقد أصبح الأمر أكثر تعقيداً.
لقد قام العلماء بدراسة حركة الشمس (المجموعة الشمسية) لمعرفة المسار الدقيق الذي ترسمه الشمس أثناء دورانها حول مركز المجرة. وقد وجدوا أن الشمس لا تدور دوراناً بل تجري جرياناً حقيقياً!! وأن جريانها يشبه جريان الخيل في حلبة السباق!
http://www.55a.net/firas/ar_photo/11...3565689898.jpg
هذه صورة للشمس بالأشعة السينية، إنها تمتد لأكثر من مليون كيلو متر وتظهر وكأنها فرن نووي ملتهب، إنها تزن أكثر من 99 % من وزن المجموعة الشمسية، لذلك فهي تجذب الكواكب إليها وتجعلها تدور حولها، وتتحرك الشمس وتسبح مع كواكبها ومنها الأرض والقمر. وتبلغ درجة الحرارة على سطحها 6000 درجة مئوية، وهي تبث من الطاقة في ثانية واحدة ما يكفي العالم بأكمله لمدة مئة ألف سنة!! المصدر NASA .
لقد وجد العلماء أن للشمس حركتين داخل المجرة: الأولى حركة دورانية حول مركز المجرة، والثانية حركة اهتزازية للأعلى وللأسفل، ولذلك فإن الشمس تبدو وكأنها تصعد وتنزل وتتقدم للأمام! وتتم الشمس دورة كاملة حول مركز المجرة خلال 250 مليون سنة! ويستغرق صعود الشمس وهبوطها بحدود 60 مليون سنة، وهكذا تصعد وتهبط وتتقدم مثل إنسان يجري.
أيها الأحبة لقد قمتُ بدراسة حركة جريان الخيول في السباق بهدف رؤية المسار الحقيقي لجريان هذه الخيول وقد وجدتُ أن المنحني الذي يرسمه الحصان في جريانه يتطابق مع ذلك المنحني الذي ترسمه الشمس في جريانها! هل هذه مصادفة!
نرى في هذه الصورة على اليمين المسار الذي ترسمه الشمس خلال حركتها في المجرة، فهي تتم دورة كاملة كل 250 مليون سنة، وتتم هزة كاملة للأعلى والأسفل كل 60 مليون سنة تقريباً. على اليسار نرى المسار الذي ترسمه الخيول أثناء جريانها، ونلاحظ أنه يشبه إلى حد بعيد مسار الشمس، ولذلك فإن كلمة (تجري) دقيقة جداً من الناحية العلمية. المصدر (Nature).
الجريان باتجاه المستقر
لقد وجد العلماء بعد دراسات معمقة أن الشمس تجري باتجاه محدد أسموه مستقر الشمس أو solar apex ويعرفه الفلكيون كما يلي:
A point toward which the solar system is moving; it is about 10° southwest of the star Vega.
أي هو النقطة التي تتحرك الشمس (مع كواكبها) باتجاهها أي بزاوية تميل 10 درجات جنوب غرب نجم النسر بسرعة تقدر بحدود 19.4 كيلو متر في الثانية. المهم أن القرآن قد أشار إلى وجود مستقر ما للشمس في قوله تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [يس: 38].
جريان النجوم
من عجائب المقالات التي قرأتها مقالة بعنوان Star Streaming أي "جريان النجوم"، فقد وجد العلماء بعد دراسات طويلة أن النجوم بما فيها الشمس جميعها تتدفق بما يشبه النهر أو الجدول، ووجدتهم يستخدمون كلمة (يجري) أو Stream للتعبير عن حركة الشمس والنجوم، وهي الكلمة القرآنية ذاتها!!! ووجدتهم يستخدمون كلمة Rest أي المستقر وهي نفس الكلمة القرآنية أيضاً!!
نرى في هذا الرسم كيف يعبر علماء الغرب عن حركة الشمس والنجوم، ويرسمونها ضمن مجرى يشبه مجرى النهر، ووجدوا أن حركة الشمس في هذا المجرى تشبه حركة الأمواج صعوداً وهبوطاً ولذلك يعبرون عن هذه الحركة بكلمة Stream أي تجري! المصدر Star Streaming, www.astrology.com
المجرات تجري...
ولذلك فإن علماء الغرب اليوم وفي أحدث الأبحاث العلمية يشبهون حركة المجرات أيضاً بحركة الماء داخل مجرى النهر، بل إنهم عندما رسموا خريطة للكون وجدوا أن الكون عبارة عن "شبكة طرق" تتدفق خلالها المجرات بشكل بديع يشهد على عظمة الخالق عز وجل.
تأملوا معي هذه الشبكة من المصابيح المضيئة، إن كل نقطة مضيئة هي عبارة عن مجرة تجري وتتدفق بنظام مذهل، ويقول العلماء إن المجرات تتشكل وتتدفق وتجري على طول هذه الخيوط الكونية. وتأملوا معي "العقدة" المضيئة في الوسط (وهي تجمع لآلاف المرجيات) وكأنها تربط بين هذه الخيوط في نسيج محكم لا يعلم مداه إلى الله تعالى! المصدر مختبرات ماكس بلانك – ألما
جريان القمر
يقول تعالى: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى) [الرعد: 2]. هذه الآية تؤكد بأن القمر يجري أيضاً، ولو تأملنا حركة القمر نلاحظ أنه يرسم مساراً متعرجاً يشبه مسار الشمس في دورانها حول مركز المجرة.
تتحرك الشمس مع الكواكب التابعة لها (مع الشمس والقمر) وتجري جميعها جرياناً حقيقياً حول مركز المجرة، ولذلك فقد عبَّر القرآن عن هذه الحركة بقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [لقمان: 29].
ونلاحظ من خلال الشكل أن الكواكب تدور حول الشمس وتنجرف أيضاً بحركة ثانية ضمن حركة الشمس الاهتزازية حول مركز المجرة، وبالتالي يمكننا القول إن القمر أيضاً يجري والأرض تجري والكواكب تجري، وكذلك النجوم تجري...
جريان السفينة
لقد عبَّر القرآن عن حركة الفُلك في البحر بكلمة (تجري) وهي الكلمة ذاتها التي استعملها القرآن من أجل التعبير عن حركة الشمس، يقول تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ) [إبراهيم: 32]. فهذه السفن والبواخر التي نراها في البحر هي من نعمة الله تعالى، وهي مسخرة بأمره، سخر الرياح وسخر الماء وسخر وسائل صناعة هذه السفن للإنسان من أجل السفر والتنقل وحمل المتاع.
وهنا نلاحظ أيضاً وجهاً إعجازياً يتجلى في كلمة (لِتَجْرِيَ) فلو تأملنا حركة السفن في البحر نلاحظ أنها تأخذ شكل الأمواج صعوداً وهبوطاً، ولكن هذه الحركة قد لا تظهر لنا مباشرة، إنما تظهر خلال المسافات الطويلة التي تقطعها السفينة في البحر. وهنا نجد أن التعبير القرآني دقيق علمياً
لو تأملنا حركة السفن في البحر نجد أنها أيضاً تشكل مساراً اهتزازياً صعوداً وهبوطاً، طبعاً قمنا بتكبير المسار المبين في الشكل باللون الأصفر بهدف إيضاح الحركة فقط
ولذلك فليس غريباً أن يعبر القرآن عن حركة الشمس بكلمة (تجري) لأن الله تعالى يحدثنا عن الحقائق وهو يراها من أعلى! وليس غريباً كذلك أن نجد بعض الملحدين يحاولون التشكيك في صحة هذا القرآن، فهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنه الحق، وهذا ما صوَّره لنا القرآن عندما أنكر فرعون آيات الله ومعجزاته وهم يعلمون أنها الحق، فكيف كانت عاقبتهم؟ تأملوا معي قول الحق تبارك وتعالى: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) [النمل: 13-14].
وأقول يا أحبتي إن القرآن فعلاً كتاب رائع، إنك تجد فيه ما تريد، وتجد فيه الرد المناسب للمعترضين عليه، إذا أردت أن تزداد إيماناً فمعجزات القرآن كفيلة بزيادة إيمانك، وإذا أردت أن تكون سعيداً في هذه الدنيا فالقرآن يضمن لك السعادة في الدنيا والآخرة، فما أجمل هذا القرآن وما أعظم كلماته، في كل كلمة تجد معجزة تستحق الوقوف طويلاً، اللهم انفعنا بهذه الحقائق، واجعلها حجة لنا في ظلمات هذا العصر!
ــــــــــــــــ
بقلم عبد الدائم الكحيل
www.kaheel7.com
بعض المراجع
1- Galactic Drift and Mass Extinction, Astrophysical Journa.
2- Rohde and Muller, “Cycles in fossil diversity,” Nature 434 (10 March 2005), pp. 208-210
3- The Galactic Environment of the Sun, American Scientist, 1-2, 2000.
4- The Sun. NASA.
5- Michael Erlewine, The Astrology of Space, http://www.astrology.com

حكيم حبيب 07-02-2009 12:35 PM

رد: أقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى في بيان الفوقية (الرحمن على العرش استو
 
دوران الأرض حول الشمس
وانطلاقها في الفضاء الكوني(1)
أ.د. منصور محمد حسب النبي(2)
مقدمة:
في المقال السابق شرحنا في ضوء القرآن الكريم شكل الأرض ودورانها حول نفسها بالتكوير والإيلاج والإغشاء والانسلاخ لليل والنهار بسبب هذه الحركة المغزلية للأرض ( وسباحتها في فلكها حول محور مائل على مستوى هذا الفلك دون أن تميد بنا أو تترنح! وختاماً لهذه الحركة المغزلية للأرض نذكر وصف الله سبحانه وتعالى الجبال أي الرواسي الراسخة كنعمة كبرى تمنع الأرض أن تميد أو تضطرب بالناس أثناء حركتها كما في قوله تعالى في آيات ثلاث هي على الترتيب حسب نزول الوحي:
)خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ([لقمان: 10].
)وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهاراً ([النحل: 15].
)وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم ([الأنبياء: 31].
والخطاب في آيتي لقمان والنحل للناس كافة أما ضمير الغائب في آية الأنبياء فراجع إلى الذين كفروا إذ يذكرهم الله بعجائب قدرته وحكمته عسى أن يؤمنوا به وحده كما في سياق الآية في قوله سبحانه:
)أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون. وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم ([الأنبياء: 30 ـ 31].
وهذه الآيات تشمل معجزات كونية خاصة بالجاذبية والانفجار العظيم ثم التمدد ( الرتق والفتق) ومعجزة الماء كأصل الحياة ثم الجبال الرواسي كأحد عوامل التوازن للكرة الأرضية أثناء حركتها لأن عبارة ( أن تميد ) أي: خشية أن تضطرب بكم وفي القاموس العربي ماد يميد ميداً وميداناً بمعنى تحرك وراغ وترنح كترنح السكران وهذه إشارة واضحة إلى حركة الأرض الأصلية دون ترنح كما يقول المرحوم الدكتور الغمراوي[3]وأن الذي يخشى منه أن يميد ويضطرب هو الجسم المتحرك وليس الساكن أي: أن الأرض التي تحملنا متحركة.
وكما ذكرنا سابقاً أن حركة الأرض لم تكن معروفة للمفسرين القدامى وإنما الأرض كانت في نظرهم ساكنة ( كما كانت عند الناس أجمعين حتى الفلاسفة ) ولذا ردوا احتمال اضطراب الأرض أثناء الزلازل إلى ما يحيط باليابسة من بحار وكأنما الأرض سفينة فوق الماء!! يخشى أن تضطرب بها لولا أن ثقلها الله بالجبال ولهذا قال المفسرون: بأن وتدية الجبال في قوله تعالى: )والجبال أوتاداً (بأنها تثبت الأرض كما تثبت الأوتاد الخيمة وبهذا كان ككب الأرض ساكناً في نظرهم ولم يدركوا أن الجبال تثبت الألواح القارية فقط وصحيح أن اضطراب الأرض كارثة كما نشعر به لحظة الزلزال المؤقت والمفاجىء تماماً كاضطراب السفينة في البحر أو الطائرة في الهواء عند العواصف.
وليتصور كل الناس ماذا يكون حالهم لو أن ذلك الاضطراب استمر بهم طوال الحياة على مدى حركة الأرض اليومية والسنوية وعليهم أن يشكروا لله على الأرض وهي تحملهم وتجري بهم لأنها حقاً سفينة فضاء إلهية متزنة على الدوام ( فيما عدا الزلازل المؤقتة ).
إن الأرض كرة ـ أو كالكرة ـ تدور مغزلياً أمام الشمس من المغرب إلى المشرق دورة كاملة يومياً حول محور مائل كما ذكرنا يصنع 23.5 درجة مع مستوى فلك دوراتها حول الشمس ولقد تم حديثاً اكتشاف ترنح هذا المحور ببطىء شديد في دورة تستغرق 26 ألف سنة ( وبهذا لا نشعر بهذا الميدان ) ويتوقع العلماء طبقاً لهذا الترنح المحوري البطيء الغير ملموس بأنه بحلول سنة 10000 ميلادية في المستقبل سيصبح هذا المحور مشيراً إلى نجم ساطع آخر يدعي ذنب الدجاجة ( بدلاً من النجم القطبي حالياً ) وفي سنة 13000 ميلادية سيكون مشيراً إلى نجم النسر الواقع ثم يعود سنة 28000 مشيراً إلى النجم القطبي مرة أخرى وبهذا فالأرض تترنح أو تميد ببطىء أثناء دورانها المغزلي وحتى لا نشعر بهذا الترنح فقد أرسى الله فيها الجبال كما في قوله تعالى: )وألقى في الأرض رواسيَ أن تميد بكم وأنهاراً([النحل: 15]....وهذا الدوران المغزلي يسمى لغوياً دروراً والدرور في الأرض ثابت المقدار والاتجاه طبقاً لسنة كشف عنها نيوتن بأن أي جسم متحرك بانتظام لا تتغير حركته في المقدار أو الاتجاه إلا بقوة خارجية تؤثر فيه.. ولقد صان الله الأرض منذ فطرها على تلك الحركة المغزلية اليومية المنتظمة عن كل قوة عارضة كي تدوم حركتها تلك إلى ما شاء الله أي: إلى أن يشاء الله طلوع الشمس من مغربها كما جاء في الحديث الشريف وهذا من الممكن علمياً أن يحدث... فالشمس وهي تجري بنا ( في الفضاء بسرعة 12 ميلاً في الثانية لأننا تابعون لها ) قد تقترب من نجم أكبر منها يغلبها على الأرض بالقدر الذي ينعكس به اتجاه دورانها المغزلي حول محورها فيصير المشرق مغرباً والمغرب مشرقاً!! وعندئذٍ لا ينفع نفساً إيمانها ما لم تكن آمنت من قبل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح.
ومن المعروف في قوانين الحركة المنتظمة أن الجسم المتماثل في الكتلة حول محور لا يضطرب ولا يميد إذا دار حول ذلك المحور بل ويبدو لنا ساكناً كما في حالة دوران الكرة الأرضية التي ما زال العامة ينكرون دورانها.
والأرض في الواقع لا تميد أثناء دورانها المغزلي... والله سبحانه فاطر الأرض ومرسي جبالها ينبىء عباده في الآيات الثلاث السابق ذكرها أنه أرسى الجبال فيها بحيث يمتنع ميدان الأرض واضطرابها... وهذا معناه إشارة علمية تؤكد أن الجبال موزعة على جانبي المحور بالتساوي بحيث تتماثل الكتلة في نصفي الأرض.. فهل أدرك العلماء هذه الحقيقة القرآنية التي تسبق العلم بالإشارة إلى حركة الأرض وأن الجبال ذات كتل متماثلة بالنسبة لمحور الأرض حتى لا تميد ولا تضطرب أثناء حركتها وتكون الأرض مستقراً متوازناً ومتاعاً إلى حين لكل البشرية في حركة منتظمة لدرجة أنهم يحسبونها ساكنة لا يدركون حركتها المغزلية حول نفسها أو الانتقالية في الفضاء الكوني.
ثالثاً: دوران الأرض حول الشمس:
لقد لبث الناس عامتهم وخاصتهم كما ذكرنا قروناً بعد نزول القرآن وهم يعتقدون أن الأرض ثابتة لا حراك بها، إذاً ليس للأرض حركة محسوسة في الظاهر كحركة الشمس الظاهرية من المشرق إلى المغرب. ولو أن القرآن الكريم صارح الناس عند نزوله بحركة الأرض وهم يحسبونها ساكنة لكذبوه وحيل بينهم وبين هدايته، فكان من الحكمة البالغة ومن الإعجاز البلاغي في الأسلوب أن ينبه الناس في كتاب الله إلى آياته سبحانه في حركة الأرض حول محورها كما ذكرنا في البند السابق وفي حركتها حول الشمس بمختلف الإشارات إلى نتائج هاتين الحركتين بأسلوب يحثنا على البحث فيهما ويشعرنا بنعمة الله علينا نتيجة تحرك الأرض ولقد أشار القرآن للحركة الانتقالية الدورانية للأرض حول الشمس في قوله تعالى.
)وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء ([النمل: 88].
والسحاب كما هو معروف لعلماء الطبيعة الجوية لا يتحرك بذاته ولكن ينتقل محمولاً على الرياح فكذلك الجبال يراها الرائي فيظنها جامدة في مكانها بينما هي في الحقيقة تمر مسرعة محمولة أيضاً ولا يراها الإنسان كذلك لأنه يركب نفس القطار، وليس للجبال والناظرين إليها حامل إلا الأرض التي تنطلق مسرعة في الفضاء الكوني كما تسرع الرياح بالسحاب وكلا الأمرين من صنع الله الذي أتقن كل شيء فهو سبحانه الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً وهو الذي يحرك الأرض فتحمل الجبال التي تمر مر السحاب وهذا تفسير علمي لظاهرة كونية فيها من إتقان الصنع ما يدل على جلال حكمة الله وقدرته سبحانه.
ولقد أخطأ المفسرون القدامى عندما اعتبروا هذه الآية إشارة إلى نسف الجبال نسفاً يوم القيامة! ولهم عذرهم في ذلك لأنهم لم يكونوا يعرفون أن للأرض حركة ما، لا يومية ولا سنوية، وبهذا حرفوا المعنى عما يقتضيه المعنى العلمي في الآية الكريمة وأهملوا الإعجاز البياني في التعبير القرآني الذي يمنع اللجوء للتفسير الأخروي للأسباب التالية:
1ـ الجبال يوم القيامة لا وجود لها لأنها سوف تتناثر وتنسف كما في قوله تعالى:
)ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً ([طه: 105].
)وإذا الجبال سيرت ([التكوير: 3].
فكيف ينظر الإنسان إلى الجبال المنسوفة وليس عنده مجال يومئذٍ للتأمل في الجبال أو غيرها في وقت تسوده الأهوال والشدائد كما في قوله تعالى:
)يوم يفرُّ المرءُ من أخيه ([عبس: 34].
)لكل امرىء منهم يومئذٍ شأن يغنيه ([عبس: 37].
2ـ قوله تعالى:)تحسبها جامدة (يكون في الدنيا وليس الآخرة فالدنيا دار الظن والحسبان بينما الآخرة دار اليقين كما في قوله تعالى:
)ثم لترونها عين اليقين ([التكاثر: 7].
3ـ قوله تعالى في ختم الآية: )إنه خبير بما تفعلون (.أي: عالم بما تفعلونه الآن في الدنيا فالآخرة دار جزاء وليست دار عمل أو فعل.
4ـ قوله تعالى: )صنع الله الذي أتقن كل شيء (. يشير إلى الدنيا لأن الخراب والدمار والنسف يوم القيامة لا يسمى صنعاً ولا يدخل في حيز الإتقان.
وكما يقول المرحوم الدكتور الغمراوي: والزمخشري وحده هو الذي أدرك بذوقه البياني عدم التلاؤم بين قوله تعالى: )صنع الله الذي أتقن كل شيء (وبين التفسير بما سيجل بالجبال من دمار بين يدي الساعة، فقدر محذوفاً يليق في رأيه بذلك الصنع المتقن إذ قال: ( والمعنى يوم ينفخ في الصور، وكان كيت وكيت، أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين ). ثم قال: ( صنع الله ) يريد به الإثابة والمعاقبة. وجعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على الحكمة والصواب، إلى آخر ما قال مما رفضه غيره مثل أبي حيان ولو أنهم جميعاً لم يدركوا إشارة هذه الآية لحركة الأرض!.
ولو عرف الزمخشري وأبو حيان ما نعرفه اليوم من دوران الأرض حول الشمس بتلك الكيفية الباهرة وجريانها في الفضاء، وما يحكمها من تلك السنن الإلهية الدقيقة وما يترتب عليها من المنافع للناس، إذن لكبروا الله وتسارعوا إلى المعنى المتبادر من الآية ومن تشبيهها التمثيلي ومن القرائن الحسية والبلاغية فيها ولفهموا الخطاب في: )وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب (على أنه خطاب للإنسان الآن في عصر العلم وفي كل عصر آت، يدله على آية من آيات الله الكبرى عله يهتدي بها إلى الله، كما دله سبحانه في الآية التي قبلها بآيتين على الحركة المغزلية للأرض في قوله تعالى: )ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً إن في ذلك لآياتٍ لقومٍ يؤمنون ([النمل: 86].
والسياق ودلالته على حركات الأرض في الدنيا يسقط حجة قدامى المفسرين بأن آية )ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين ([النمل: 87].
في موضعها بين الآيتين إشارة للتفسير الأخروي لزوال الجبال يوم القيامة [ ويقول فضيلة الإمام الشيخ الشعراوي أن التشبيه القرآني ( مر السحاب ) يجعلنا نتساءل.
لماذا لم يقل الله سبحانه ( مر الرياح ) أو ( مر العواصف ) أو ( مر الأمواج ) أو أي لفظ آخر.. لأن السحاب لا يتحرك بنفسه بل تدفعه قوة ذاتية هي قوة الريح وبهذا ينبهنا الله تعالى أن حركة الجبال هنا ليست حركة ذاتية كحركة الأرض وليست حركة ذاتية كحركة الرياح ولكنها تمر أمامكم مر السحاب أي: تتحرك بحركة الأرض وإلا فلماذا لم يقل الله... وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تسير أو وهي تجري أو وهي تتحرك...؟ لأنه سبحانه يستبعد الألفاظ التي تعطي للجبال ذاتية الحركة وهذا إعجاز.
وبهذا يتضح لنا أهمية مراجعة ما ورد في التفاسير القديمة للآيات الكونية من آراء فالمفسرون بشر يؤخذ من كلامهم ويرد... ولو تدبرنا سياق آيات [ سورة النمل: 86 ـ 88] لعرفنا الحكمة الإلهية للأسلوب القرآني في التعبير عن حركات الأرض بالإشارة وليس بصريح العبارة حتى لا يصدم الناس فيما يعتقدون من سكون الأرض فيكذبوه وبشرط ألا ينافي الحقيقة الكونية فيكون ذلك داعياً إلى تكذيبه إذا تقدم العلم وكشف عن حركات الأرض وهذا من أعجب عجائب القرآن الكريم التي لا تنتهي... هذا الأسلوب القرآني في التعبير عن الحقائق الكونية أو في دلالة أدلى العلم عليها أمر يعجز عنه البشر ولا يقدر عليه إلا الله الذي أنزل القرآن بالحق هدى للناس وأنزله سبحانه مفصلاً على علم كما في قوله تعالى: )ولقد جئناهم بكتابٍ فصلناه على علم هدًى ورحمة لقوم يؤمنون ([الأعراف: 52].
حقاً فلقد ثبت علمياً أن الأرض تدر حول الشمس مرة كل 365.25 يوماً بسرعة مدارية قدرها في المتوسط 67000 ميل / ساعة وذلك في مدار نصف قطره المتوسط 93 مليون ميل وبهذا فهي ترمح في مدارها دون أن تقذف بنا من على سطحها...
وبالرجوع لآيات النمل [86 ـ 88] نجد أن الآية الأولى تشير إلى ظاهرة تنشأ من إحدى حركتي الأرض وأعني الحركة المغزلية بتبادل الليل والنهار كما في قوله تعالى.
)ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً ([النمل: 86].بينما تشير الآية الثالثة إلى الحركة الأخرى للأرض في قوله تعالى:)وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ([النمل: 88].
رابعاً: حركة الأرض مع الشمس:
عرفنا منذ القرن السادس عشر أن الأرض تدور حول نفسها حول الشمس ثم أتضح في القرن العشرين: أن الشمس ليست ساكنة في مركز المجموعة الشمسية بل تتحرك حركتين داخل مجرة سكة التبانة كما يلي:
1ـ تتحرك الشمس فتجري بالنسبة لما حولها من نجوم المجرة بسرعة 43 ألف ميل / ساعة نحو نجم النسر الواقع.
2ـ تدور الشمس في نفس الوقت حول مركز المجرة بسرعة أخرى مدارية قدرها 54 ألف ميل / ساعة.
وحيث أن المجموعة الشمسية ( بكواكبها التسعة بما فيهم الأرض وأقمارها بما فيهم قمر الأرض وبحزام الكويكبات وكذلك المذنبات ) تابعة للشمس فإننا على الأرض سوف نجري مع الشمس في الحركة الأولى وندور مع الشمس في الحركة الثانية داخل المجرة.
ومن المدهش حقاً: أن هاتين الحركتين اللتين تم قياسهما حديثاً لأول مرة باستخدام الإزاحة الضوئية لدوبلر مذكورتان في القرآن الكريم بصريح العبارة كما يلي:
أـ جريان الشمس:
يقول سبحانه: )والشمس تجري لمستقرٍ لها ذلك تقدير العزيز العليم (]يس: 38].
والفعل (تجري ) ينطبق نسبياً في أعين الناس على حركة الشمس الظاهرة يومياً من المشرق إلى المغرب وهي حركة خادعة للشمس لأن المتحرك هو الأرض وهي تدور حول نفسها من المغرب إلى المشرق فتبدو لنا الشمس تجري نسبياً في الاتجاه المضاد تماماً لحركة الشجر إذا نظرت إليه من شباك القطار... ولم يدرك المفسرون القدماء أصل هذا التحرك الظاهري للشمس واعتبروه جرياناً حقيقياً للشمس حول الأرض يومياً تماماً كما في النظرة الإغريقية الخاطئة لسكون الأرض ودوران الشمس حولها... وللمفسرين عذرهم بترك حقيقة لفظ: (تجري) واللجوء إلى المجاز بينما الفعل في حرفيه يعبر عن حركة حقيقة ذاتية للشمس أثبتها العلم الحديث وقدرها بسرعة 43 ألف ميل / ساعة والفعل يدل، ليس فقط على حركة انتقالية ذاتية للشمس ولكن أيضاً على عظم تلك الحركة إذ الجري طبعاً أدل على السرعة من المشي أو السير... كما أن الانتقال الظاهري اليومي للشمس في قبة السماء أمام أعيننا ليس جرياً بل خداعاً... وبهذا فقوله سبحانه: )والشمس تجري (معجزة علمية عظمى لم تخطر لأحد على بال حتى كشف عنها علم الفيزياء الفلكية بعد أن تهيأ له من آلات الرصد والأطياف ومن المقدرة على تفسير النتائج بالإزاحة الدوبلرية مما أدى على هذا الكشف العظيم في منتصف هذا القرن العشرين وسبحان الله كتلة من النار قدر كتلة الأرض 333 ألف مرة تقريباً تجري في ملكوت الله بسرعة 43 ألف ميل / ساعة.
http://www.55a.net/firas/ar_photo/7/sun/sun1.jpg
الشمس تجري بالنسبة لما حولها من نجوم المجرة بسرعة 43 ألف ميل / ساعة نحو نجم النسر
ثم كيف لا يكون في إخبار القرآن بجري الشمس هكذا قبل العلم الحديث بحيث تمر القرون بعد نزول القرآن والبشرية كلها في غفلة عن جريها وجهل به دليل قاطع وبرهان ساطع على أن القرآن أنزله رب الشمس سبحانه الذي فطرها وقدر لها ذلك الجري وجعل أرضنا تجري تابعة لها ضمن أعضاء المجموعة الشمسية؟... إن في ذلك لآية لقوم يفعلون.
فانظر عزيزي القارىء كيف أثبت العلم الحديث صدق ما ينتجه الإيمان بالقرآن من قوله تعالى: )والشمس تجري (إذا اتبعت الدقة في تطبيق القاعدة البلاغية التي تقضي بألا نلجأ في تفهم الآيات القرآنية الكونية عن الحقيقة إلى المجاز إلا بقرينة كافية في سياق الكلام.. فإذا قال الله: إن الشمس تجري فإنها تجري حقيقة وليس مجازاً... ثم تأمل بالغ حكمة الله في أن جعل جري الشمس حقيقة في الفضاء يتفق خبرة مع الجري الظاهري كعبرة وهدى للناس حتى إذا كشف العلم عن جري الشمس الحقيقي نحو نجم النسر الواقع ظهر الإعجاز العلمي للقرآن ليقنع كل ذي عقل أن القرآن حقاً من عند الله ويثبت صدق النبوة وعالمية الرسالة. وانظر إلى المعجزة العلمية الكبرى المتمثلة في عبارة )والشمس تجري (وقد أخطأ علماء الفلك القديم حين فسروا الشروق والغروب بأن الشمس مثبتة في فلك كرى مادي يدور بها يومياً حول الأرض وبهذا اعتقد فلاسفة اليونان بأن حركة الشمس غير ذاتية ولقد وجد هذا التفسير الخاطىء طريقه إلى كتب التفسير ليس فقط فيما يتعلق بالشمس ولكن أيضاً بالقمر وقد اعتبرهما فلاسفة اليونان من الكواكب السيارة وهي كلها في نظرهم مثبتة في أفلاك كرية شفافة مجوفة بعضها داخل بعض ومركزها جميعاً الأرض الساكنة في نظرهم... وكان علينا نحن المسلمين فهم الجري في قوله تعالى: )والشمس تجري (والسبح في قوله تعالى: )كل في ذلك يسبحون (بالمعنى الحقيقي وليس المجازي فمستحيل أن يكون في القرآن شيء من الباطل أو الخداع... ولقد تمسك المفسرون للأسف بالأرض الساكنة ودوران الأجرام حولها ظاهرياً وعندما فسروا )والشمس تجري (وقالوا: إنها تجري من المشرق إلى المغرب يومياً وحين سألهم أهل عصرهم أن نص الآية يؤكد الجريان لمستقر ولكنها تطلع علينا في اليوم التالي دون أن تستقر؟ فقال البعض: تقرأ الآية: ( لا مستقر لها ) بدلاً من: ( لمستقر لها ؟)... وهكذا وصل الأمر إلى تغيير النص بدعوى اختلاف القراءات؟ وأنا أعترض بشدة على هذا لأن لفظ: ( لا مستقر لها ) يتعارض مع الآية الشاملة: )كل يجري لأجل مسمى (...وصدق الله تعالى: )والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (.والشطر الثاني من هذه الآية: )لمستقر لها (يؤكد جريها في اتجاه معين قد يكون نحو نجم النسر الواقع أو قد يكون نحو ثقب أسود لتستقر في باطنه إلى غير رجعة!.. وتنكير المستقر يشير إلى عظيم شأنه وهو آثاره... ومن الواضح أن هذا المستقر الذي ينتهي إلى جري الشمس أمر من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله العزيز العليم الذي قدر الجري على هيئته ينتهي إلى غايته في الوقت الذي استأثر سبحانه بعلمه مشيراً إلى وفاة الشمس في المستقبل قبل أو أثناء قيام الساعة.. وكما دل التنكير على عظم شأن المستقر الذي تنتهي إليه الشمس في جريها الحقيقي فإنه أيضاً قد سمح لأكثر المفسرين أن يذهبوا في معنى المستقر إلى ما يتفق وجري الشمس الظاهري وتغير مواقعها في الشروق والغروب على مدار العام وترددها الظاهري كل عام بين أقصى موقعين تبلغهما في الشتاء والصيف لا تتعداهما بحال فكل موقع من هذين الأقصيين هو لها مستقر في نظر المفسرين في الشتاء مرة وفي الصيف مرة لأنهم يقررون أن الشمس إذ تبلغ أحد الموقعين تبدأ ترجع أدراجها حتى تبلغ الموقع الآخر في ستة اشهر وليس هذا باستقرار إلا على وجه مجازي وللمفسرين عذرهم لأنهم لا يعرفون أن التحرك الظاهري للشمس هو نتيجة دوران الأرض حول نفسها كل يوم وحول الشمس كل عام... وبهذا يتضح من الإعجاز في آية سورة يس: )والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (صنوفاً لا حصر لها ولا يكاد الإنسان يقضي حقها عجباً: آية من أربع كلمات تحوي في كلمتين )والشمس تجري (معجزة علمية كبرى وتحوي في كلمتين أخريين )لمستقر لها (نبوءة مذهلة باكتشاف جريان الشمس نحو نجم النسر الواقع علاوة على الإعجاز البلاغي في مراعاة مقتضى الحال إذ تحمل في كل من شطريها تأويلاً يتفق مجازاً مع الظاهر للناس من حركة الشمس النسبية الخادعة حتى يهتدي بها عوام الناس العاديين في كل عصر وخواصهم من العلماء في عصر العلم وسبحان الله فالقرآن يخاطب كل الناس على اختلاف عقولهم وزمانهم والمهم هنا: أن الأرض تجري مع الشمس في الفضاء الكوني.
ب ـ سباحة الشمس في فلكها حول المجرة:
لقد أوضحت المراصد حديثاً: أن الشمس نجم في مجرة سكة التبانة التي تحتوي على 130 تليون نجم ( شمس ) مثل شمسنا موزعة على قرص المجرة المنتفخ في المركز بسمك عشرة آلاف سنة ضوئية وقطر المجرة مئة ألف سنة ضوئية وتقع الشمس على بعد 33 ألف سنة ضوئية عن المركز وذلك في أحد الأذرع الذي يدور بالشمس حول هذا المركز مرة كل 250 مليون سنة بسرعة مدارية للشمس قدرها 540 ألف ميل / ساعة شكل ( 2 ) فيا لها من سرعة هائلة ثابتة لشمسنا ولأرضنا المصاحبة لها دون أن نشعر بدوار لهذا الفلك الدوار والذي أشار إليه القرآن الكريم مرتين في قوله تعالى:
)لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ([يس: 40].
وقوله سبحانه:
)وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون ([الأنبياء: 33].
ولفظ السباحة في فلك تعبير عام لكل الأجرام السماوية فالطواف سنة الله في الكون والدوران انحناء المسار كنوع من أنواع السجود لله كما أن لفظ يسبح يؤدي المعاني العلمية التالية:
1ـ دوران الجرم حول نفسه وحول شيء آخر أي: دوران انتقالي للجرم مصحوباً بحركة مغزلية ذاتية من الجسم المتحرك وهذا يعطي مفهوم السباحة.
2ــ توازن الجرم في مداره بتعادل قوتين أحدهما الجذب العام لمركز الدوران والثانية رد الفعل وأعني القوة المركزية الطاردة خارج مركز الدوران تماماً كتعادل وزن الجسم السابح إلى أسفل مع الدفع إلى أعلا كما في قاعدة ارشميدس للطفو والسباحة.
3ـ وجود جميع الأجرام في الفضاء الكوني غارقة في إشعاعات الضوء المرئي وغير المرئي وأمواج الجاذبية والنيوترينو التي تملأ الكون وكأن الأفلاك كلها تعوم في وسط إشعاعي تموجي وهذا معنى السباحة في أمواج الإشعاع بدلاً من أمواج البحر فالأرض تسبح في مدارها حول الشمس والشمس تجرنا مع باقي أسرة المجموعة الشمسية لتسبح بنا في مدارها حول مركز المجرة وصدق تعالى:
)كل في فلك يسبحون ([يس: 40].
خامساً: جريان المجرة بشموسها في فضاء الكون:
لقد توصل العلم حديث أن مجرتنا سكة التبانة تحمل شموسها وتجري في الفضاء في إطار ظاهرة كونية مدهشة تدعى توسع الكون (the expanding universe)فلقد تبين أن المجرات تتباعد عن بعضها البعض حالياً بمعدل 38 ألف ميل / ساعة لكل مليون سنة ضوئية فيما يسمى بثابت هبل سنشرحه في مقال آخر مصداقاً لقوله تعالى:
)والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون ([الذاريات: 47].
وقوله تعالى في تعميم شامل لكل الكون من مادة وطاقة:
)كل يجري لأجل مسمى ([الرعد: 2].
فالكون لا يعرف السكون فكأن الحركة صفة سائدة تشمل حتى ما تراءى لنا ثباته وسكونه، كالحجر الذي يبدو على حد قول الشاعر المخدوع في سكونه ظناً وتوهماً:
( ما أحسن العيش لو أن الفتى حجر تنبو الحوادث عنه وهو ملموم
هذا الحجر ليس بساكن ولا ملموم لأن كل ذرة منه بها اليكترونات تدور حول نواة كأنها الكواكب تدور حول الشمس.


http://www.55a.net/firas/ar_photo/7/sun/2.jpg
إن المجرات تتباعد عن بعضها البعض حالياً بمعدل 38 ألف ميل / ساعة
وقد يكون الحجر قطعة من كوكب يدور أيضاً حول الشمس وصدق الله تعالى:
)وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب (.
والآن قد عرفنا ست حركات للأرض في ظلال العلم والقرآن وهي على الترتيب:
دوران الأرض حول محورها ـ درور المحور ـ دوران الأرض حول الشمس ـ دوران الشمس حول المجرة ـ جريان الشمس نحو نجم النسر الواقع ـ جريان الشمس مع المجرة في الفضاء الكوني في ظاهرة تمدد الكون.
والمدهش: أن لكل حركة آية قرآنية تشير إليها علاوة على وصف جميع الأجرام السماوية ومنها الأرض بالجري ( كل يجري لأجل مسمى ) وبالخنس الجواري الكنس في إطار القسم الإلهي بصدق القرآن... وللأسف ما زلنا نجد في الفكر الإسلامي المعاصر من يدافعون عن سكون الأرض شرعياً لفهم خاطىء للآيات المذكورة ولقوله تعالى: )والأرض وضعها للأنام (ويدعي هؤلاء أن الوضع معناه السكون.... وآخرون من بعض الدعاة في بعض البلاد الإسلامية يحرمون دراسة العديد من الحقائق العلمية مثل كروية الأرض وحركاتها بدعوى مخالفتها للنصوص الدينية في نظرهم والذين ضحكوا من منطق السماك في مسرحية السكرتير الفني لا بد أنهم سيجزعون عندما يعلمون أن بعض المدرسين في إحدى هذه البلاد تنقصهم الشجاعة ويجيبون على تلاميذهم إذا سألوهم عن كروية الأرض ودورانها بأن الكفرة الملحدين يقولون: أن الأرض كروية وأنها تدور!.. فهل نحن أمام جاهلية جديدة ترفع فوق موكبها الطالح أعلام الإسلام... فلا خوف يا سادة على الدين من العقل ولا حاجة لوصاية باسم الدين يفرضها الذين يجهلون حقائق العلم التجريبي على الذين يعلمونها وصدق الله تعالى:
)قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون (.
إن الذين أطلقوا للعقل العنان كي يبحث في ميدان العلوم قد وصلوا بالفعل المتحرر وحقائق العلم إلى حيث وطئت أقدامهم سطح القمر أما نحن فإن وصاية بعض الناس تمنعنا حتى اليوم من استخدام العلم في تحديد توقيت ظهور الهلال الجديد ولا زلنا نتمسك بأن العين المجردة هي وسيلة الرؤية الوحيدة! وأن الأرض ساكنة لا تتحرك بدعوى التمسك بالتراث كما فهموه بينما التراث بريء من هذه الجاهلية ولا تعارض بين القرآن والعلم كما أوضحنا إلا إذا ضل العلم طريقه أو أخطأ المفسرون في فهم الآية الكونية فهل تصدق الآن عزيزي القارىء أنك خلال ساعة واحدة قضيتها لتقرأ هذا المقال انتقلت ( دون أن تشعر ودون أن تغادر مكانك بالحجرة ) مئات الآلاف من الآميال دائراً حول محور الأرض أو حول الشمس أو حول مركز المجرة أو جرياً في الفضاء الكوني مع الشمس ومع المجرة وبسرعات تفوق أصغرها سرعة الطائرة النفاثة.. حقاً لقد نظرنا إلى الأرض فما رأينا فيها إلا سكوناً بينما هي تمر مر السحاب.. وهذا السكون الظاهري دليل العجز عن رؤية الحركة... وهل تعلم أن الله سبحانه وتعالى خاطب السماوات والأرض عند نشأتهما بلغة الحركة في قوله تعالى: )ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا: أتينا طائعين ([فصلت: 11].
والإتيان في ملك الله تعني الحركة وليس السكون... وهكذا عرضنا دلائل قرآنية لهذه الحركة بعلم اليقين بعيداً عن الظن والخداع والحسبان...
عموماً: الحركة عزيزي القارىء هي مظهر من مظاهر الوحدة في هذا الكون تشمل الصغير والكبير فهي في الذرة اليت صغرت حتى اختفت عن الأبصار وفي النجم الذي كبر وهال، والنجوم تجري بسرعات عظيمة ولكن العظيم له ما هو أعظم منه فلقد تبين أن السرعة العظمى في عالم الشهادة ( الكون المرصود ) هي سرعة الضوء في الفراغ طبقاً لمبدأ اينشتين كما سنبين ذلك علمياً وقرآنياً في المقال القادم إن شاء الله وبهذا تتحرك عقولنا نحو الله عن علم وتمتلىء قلوبنا بنور الله عز وجل عن معرفة وفكر وتأمل وهذا في نظري أسمى أنواع العبادة كما في قوله تعالى: )إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار([آل عمران: 190 ـ 191].
المرحوم الأستاذ الدكتور
منصور محمد حسب النبي
[1] – محاضرة ألقيت بالجمعية في الموسم الثقافي سنة 1989م.

[2] – أستاذ الفيزياء المتفرغ بكلية البنات جامعة عين شمس، ورئيس القسم الأسبق، ووكيل الكلية الأسبق، وعضو مجلس إدارة جمعية الإعجاز العلمي للقرآن والسنة، ومقرر لجنة الإعجاز العلمي للقرآن والسنة بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر.

[3] – الإسلام في عصر العلم ـ دار الكتب الحديثة ـ القاهرة 1970



أبو عبد الرحمن2 07-02-2009 03:36 PM

رد: أقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى في بيان الفوقية (الرحمن على العرش استو
 
ياحكيم أنت تدور في حلقة مفرغة
تكرار الردود فقط لم نرى شئ جديد

لم نرى ولا دليل واحد من الصحابة رضي الله عنهم أتيت به
قول أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه) قال " لما لعن الله إبليس وأخرجه من سمواته وأخزاه قال: رب أخزيتني ولعنتني وطردتني عن سمواتك وجوارك فوعزتك لأغوين خلقت ما دامت الأرواح في أجسادهم، فأجابه الرب تبارك وتعالى فقال: وعزتي وجلالي وارتفاعي على عرشي لو أن عبدي أذنب حتى ملأ السماوات والأرض خطايا ثم لم يبق من عمره إلا نفس واحد فندم على ذنوبه لغفرتها وبدلت سيئاته كلها حسنات " وقد روى هذا المتن مرفوعا، ولفظه " وعزتي وجلالي وارتفاعي لو أن عبدي " ـ وذكره. رواه ابن لهيعة عن بني الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الشيطان قال: وعزتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر ما استغفروني
قال العلامة الالباني رحمه الله
قوله صلى الله عليه وسلم : " أن الله معه حيث كان " . قال الإمام
محمد بن يحيى الذهلي : " يريد أن الله علمه محيط بكل مكان و الله على العرش " .
ذكره الحافظ الذهبي في " العلو " رقم الترجمة ( 73 ) بتحقيقي و اختصاري .
و أما قول العامة و كثير من الخاصة : الله موجود في كل مكان ، أو في كل الوجود
و يعنون بذاته ، فهو ضلال بل هو مأخوذ من القول بوحدة الوجود الذي يقول به غلاة
الصوفية الذين لا يفرقون بين الخالق و المخلوق و يقول كبيرهم : كل ما تراه
بعينك فهو الله ! تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا .

أقوال أئمة اللغة العربية الذين يحتج بقولهم فيها
(ذكر قول أبي عبيدة معمر بن المثنى) ذكر البغوي عنه في معالم التنزيل في قوله تعالى {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} قال أبو عبيدة صعد وحكاه عنه ابن جرير عند قوله تعالى {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ}.
(قول يحيى بن زياد الفراء) إمام أهل الكوفة، قال في قوله تعالى
{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} أي صعد، قاله ابن عباس، قال فهو كقول الرجل كان قاعدا فاستوى
قائما و كان قائما فاستوى قاعدا. ذكره البيهقي عنه في الأسماء والصفات قلت مراد الفراء اعتدال القائم والقاعد في صعوده على الأرض.
(قول أبي العباس ثعلب) روى الدارقطني عن إسحاق الكلابي قال سمعت أبا العباس ثعلبا يقول: استوى على العرش علا، واستوى الوجه اتصل، واستوى القمر امتلأ، واستوى زيد وعمرو تشابها، واستوى إلى السماء أقبل، هذا الذي نعرف من كلام العرب.
(قول أبي عبد الله محمد بن الأعرابي) قال ابن عرفة في كتاب " الرد على الجهمية " حدثنا داود بن علي قال: كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل فقال: ما معنى قوله تعالى
{ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } قال هو على عرشه كما أخبر، فقال يا أبا عبد الله إنما معناه استولى، فقال اسكت لا يقال استولى على الشيء ويكون له مصادقا إذا غلب أحدهما قيل استولى كما قال النابغة:
ألا لمثلك أو من أنت سابقهسبق الجواد إذا استولى على الأمد
قال محمد بن النضر: سمعت ابن الأعرابي صاحب اللغة يقول: أرادني ابن أبي داود أن أطلب له في بعض لغات العرب ومعانيها {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} استوى بمعنى استولى فقلت له والله ما يكون هذا ولا وجدته.
(قول الخليل بن أحمد شيخ سيبويه) ذكر أبو عمر بن عبد البر عنه في التمهيد قال الخليل بن أحمد استوى إلى السماء ارتفع إلى السماء.
(قول إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي المعروف بنفطويه) له كتاب في الرد على الجهمية أنكر فيه أن يكون استوى بمعنى استولى. وحكى فيه عن ابن الأعرابي ما قدمنا حكايته عنه ثم قال: وسمعت داود بن علي يقول، كان المريسي يقول: سبحان ربي الأسفل. وهذا جهل من قائله ورد لنص الكتاب إذ يقول الله
{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} ورحمه الله لقد لين القول في المريسي صاحب هذا التسبيح، ولقد كان جديرا بما هو أليق به من الجهم.
(قول الأخفش) قال الأزهري في كتاب التهذيب له في قوله تعالى
{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} قال الأخفش استوى أي علا، يقال استويت فوق الدابة وعلى ظهر البيت أي علوته.



فيما يخص دوران الشمس او الارض ماذا نعمل بهذا الحدث

"أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فيقال لها: ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها أتدرون متى ذاكم؟ حين {لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً}1".
"صحيح". "م" عن أبي ذر. مختصر مسلم 2138.


أبو عبد الرحمن2 07-02-2009 04:02 PM

رد: أقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى في بيان الفوقية (الرحمن على العرش استو
 
الرسالة العرشية
تأليف: أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني

سئل شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام العالم الرباني والعابد النوراني ابن تيمية الحراني أيده الله تعالى‏:‏
ما تقول في العرش هل هو كرى أم لا‏؟‏ وإذا كان كريًا والله من ورائه محيط به بائن عنه، فما فائدة أن العبد يتوجه إلى الله تعالى حين دعائه وعبادته، فيقصد العلو دون غيره، ولا فرق حينئذ وقت الدعاء بين قصد جهة العلو، وغيرها من الجهات التي تحيط بالداعي‏؟‏ ومع هذا نجد في قلوبنا قصدًا يطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، وقد فطرنا عليها‏.‏
وابسط لنا الجواب في ذلك بسطًا شافيًا، يزيل الشبهة ويحقق الحق إن شاء الله أدام الله النفع بكم وبعلومكم آمين‏.‏
فأجاب رحمه الله تعالى‏:‏
الحمد لله رب العالمين، الجواب عن هذا السؤال بثلاث مقامات‏:‏

أحدها‏:‏
إنه لقائل أن يقول‏:‏ لم يثبت بدليل يعتمد عليه أن العرش فلك من الأفلاك المستديرة الكرية الشكل، لا بدليل شرعي، ولا بدليل عقلي‏.‏
وإنما ذكر هذا طائفة من المتأخرين، الذين نظروا في علم الهيئة وغيرها من أجزاء الفلسفة، فرأوا أن الأفلاك تسعة، وأن التاسع وهو الأطلس محيط بها، مستدير كاستدارتها، وهو الذي يحركها الحركة المشرقية، وإن كان لكل فلك حركة تخصه غير هذه الحركة العامة، ثم سمعوا في أخبار الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ذكر عرش الله، وذكر كرسيه، وذكر السموات السبع، فقالوا بطريق الظن‏:‏إن العرش هو‏:‏الفلك التاسع، لاعتقادهم أنه ليس وراء التاسع شىء، إما مطلقًا وإما أنه ليس وراءه مخلوق‏.‏
ثم إن منهم من رأى أن التاسع هو الذي يحرك الأفلاك كلها، فجعلوه مبدأ الحوادث، وزعموا أن الله يحدث فيه ما يقدره في الأرض، أو يحدثه في النفس التي زعموا أنها متعلقة به، أو في العقل الذي زعموا أنه الذي صدر عنه هذا الفلك، وربما سماه بعضهم الروح، وربما جعل بعضهم النفس هي‏:‏الروح، وربما جعل بعضهم النفس هي‏:‏ اللوح المحفوظ، كما جعل العقل هو‏:‏القلم‏.‏
وتارة يجعلون الروح هو العقل الفعال العاشر الذي لفلك القمر، والنفس المتعلقة به، وربما جعلوا

ذلك بالنسبة إلى الحق سبحانه كالدماغ بالنسبة إلى الإنسان، يقدر فيه ما يفعله قبل أن يكون، إلى غير ذلك من المقالات التي قد شرحناها، وبينا فسادها في غير هذا الموضع‏.‏
ومنهم من يدعي أنه علم ذلك بطريق الكشف والمشاهدة، ويكون كاذبًا فيما يدعيه وإنما أخذ ذلك عن هؤلاء المتفلسفة تقليدًا لهم، أو موافقة لهم على طريقتهم الفاسدة، كما فعل أصحاب رسائل إخوان الصفا وأمثالهم‏.‏
وقد يتمثل في نفسه ما تقلده عن غيره فيظنه كشفًا، كما يتخيل النصراني التثليث الذي يعتقده، وقد يرى ذلك في منامه فيظنه كشفًا، وإنما هو تخيل لما اعتقده، وكثير من أرباب الاعتقادات الفاسدة إذا ارتاضوا صقلت الرياضة نفسوهم، فتتمثل لهم اعتقاداتهم، فيظنونها كشفًا، وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع‏.‏
والمقصود هنا أن ما ذكروه من أن العرش هو الفلك التاسع قد يقال‏:‏ إنه ليس لهم عليه دليل لا عقلي، ولا شرعي‏.‏
أما العقلي‏:‏ فإن أئمة الفلاسفة مصرحون بأنه لم يقم عندهم دليل على أنه ليس وراء الفلك التاسع شىء آخر، بل ولا قام عندهم دليل على أن الأفلاك هي تسعة فقط، بل يجوز أن تكون أكثر من ذلك، ولكن دلتهم الحركات المختلفة، والكسوفات ونحو ذلك على ما ذكروه، وما لم يكن لهم دليل على ثبوته فهم لا يعلمون لا ثبوته ولا انتفاءه‏.‏
مثال ذلك‏:‏أنهم علموا أن هذا الكوكب تحت هذا، بأن السفلي يكسف العلوي من غير عكس، فاستدلوا بذلك على أنه في فلك فوقه، كما استدلوا بالحركات المختلفة، على أن الأفلاك مختلفة، حتى جعلوا في الفلك الواحد عدة

أفلاك، كفلك التدوير وغيره‏.‏
فأما ما كان موجودًا فوق هذا ولم يكن لهم ما يستدلون به على ثبوته‏:‏ فهم لا يعلمون نفيه ولا إثباته بطريقهم‏.‏
وكذلك قول القائل‏:‏ إن حركة التاسع مبدأ الحوادث خطأ، وضلال على أصولهم، فإنهم يقولون‏:‏ إن الثامن له حركة تخصه بما فيه من الثوابت، ولتلك الحركة قطبان غير قطبي التاسع، وكذلك السابع، والسادس‏.‏
وإذا كان لكل فلك حركة تخصه والحركات المختلفة هي سبب الأشكال الحادثة المختلفة الفلكية، وتلك الأشكال سبب الحوادث السفلية كانت حركة التاسع جزء السبب، كحركة غيره‏.‏ فالأشكال الحادثة في الفلك لمقارنة الكوكب الكوكب، في درجة واحدة‏.‏ ومقابلته له إذا كان بينهما نصف الفلك، وهو مائة وثمانون درجة‏.‏ و تثليثه له إذا كان بينهما ثلث الفلك وهو مائة وعشرون درجة، وتربيعه له إذا كان بينهما ربعه تسعون درجة، وتسديسه له إذا كان بينهما سدس الفلك ستون درجة، وأمثال ذلك من الأشكال إنما حدثت بحركات مختلفة، وكل حركة ليست عين الأخرى، إذ حركة الثامن التي تخصه ليست عين حركة التاسع، وإن كان تابعًا له في الحركة الكلية، كالإنسان المتحرك في السفينة إلى خلاف حركتها‏.‏
وكذلك حركة السابع التي تخصه، ليست عن التاسع ولا عن الثامن، وكذلك سائر الأفلاك‏.‏ فإن حركة كل واحد التي تخصه ليست عما فوقه من الأفلاك، فكيف يجوز أن يجعل مبدأ الحوادث كلها مجرد حركة التاسع ‏!‏‏!‏ كما زعمه من ظن أن العرش كثيف والفلك التاسع عندهم بسيط متشابه الأجزاء، لا اختلاف فيه أصلا، فكيف يكون سببًا لأمور مختلفة، لا باعتبار القوابل وأسباب أخر‏؟‏ ولكن

هم قوم ضالون، يجعلونه مع هذا ثلاثمائة وستين درجة، ويجعلون لكل درجة من الأثر ما يخالف الأخرى، لا باختلاف القوابل، كمن يجىء إلى ماء واحد فيجعل لبعض جزئيه من الأثر ما يخالف الآخر، لا بحسب القوابل؛ بل يجعل أحد أجزائه مسخنًا، والآخر مبردًا، والآخر مسعدًا، والآخر مشقيًا، وهذا مما يعلمون هم وكل عاقل أنه باطل وضلال‏.‏
وإذا كان هؤلاء ليس عندهم ما ينفي وجود شىء آخر فوق الأفلاك التسعة، كان الجزم بأن ما أخبرت به الرسل هو أن العرش هو الفلك التاسع رجمًا بالغيب، وقولاً بلا علم‏.‏
هذا كله بتقدير ثبوت الأفلاك التسعة على المشهور عند أهل الهيئة، إذ في ذلك من النزاع والاضطراب،وفي أدلة ذلك ما ليس هذا موضعه، وإنما نتكلم على هذا التقدير، وأيضًا‏:‏ فالأفلاك في أشكالها، وإحاطة بعضها ببعض من جنس واحد؛ فنسبة السابع إلى السادس، كنسبة السادس إلى الخامس، وإذا كان هناك فلك تاسع فنسبته إلى الثامن كنسبة الثامن إلى السابع‏.‏
وأما العرش فالأخبار تدل على مباينته لغيره من المخلوقات، وأنه ليس نسبته إلى بعضها كنسبة بعضها إلى بعض، قال الله تعالى‏:‏‏
{‏الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ‏}‏الآية ‏[‏غافر‏:‏7‏]‏، وقال سبحانه‏:‏‏{‏وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ‏}‏‏[‏الحاقة‏:‏ 17‏]‏، فأخبر أن للعرش حملة اليوم ويوم القيامة، وأن حملته ومن حوله يسبحون ويستغفرون للمؤمنين‏.‏
ومعلوم أن قيام فلك من الأفلاك بقدرة الله تعالى كقيام سائر الأفلاك، لا فرق

- في ذلك بين كرة وكرة، وإن قدر أن لبعضها ملائكة في نفس الأمر تحملها، فحكمه حكم نظيره، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ‏}‏الآية ‏[‏الزمر‏:‏75‏]‏‏.‏
فذكر هنا أن الملائكة تحف من حول العرش، وذكر في موضع آخر أن له حملة، وجمع في موضع ثالث بين حملته ومن حوله، فقال‏:‏
‏{‏الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ‏}‏
وأيضًا، فقد أخبر أن عرشه كان على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض،كما قال تعالى‏:‏‏
{‏وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء‏}‏‏[‏هود‏:‏7‏]‏‏.‏
وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره،عن عمران بن حُصَيْن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏
‏"‏كان الله ولم يكن شىء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شىء، وخلق السموات والأرض‏"‏، وفي رواية له‏:‏‏"‏كان الله ولم يكن شىء قبله، وكان عرشه على الماء،ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شىء‏"‏، وفي رواية لغيره صحيحة‏:‏ ‏"‏كان الله ولم يكن شىء معه، وكان عرشه على الماء، ثم كتب في الذكر كل شىء‏"‏ وثبت في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء‏"‏ وهذا التقدير بعد وجود العرش وقبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة‏.‏
وهو سبحانه وتعالى متمدح بأنه ذو العرش، كقوله سبحانه‏:‏‏
{‏قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً‏}‏‏[‏الإسراء‏:‏24‏]‏، وقوله تعالى‏:
- {‏رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ‏}‏‏[‏غافر‏:‏15، 16‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏{‏وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ‏}‏‏[‏البروج‏:‏ 14 16‏]‏، وقد قرئ ‏{‏الْمَجِيدُ‏}‏ بالرفع صفة لله، وقرئ بالخفض صفة للعرش‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ّ‏} ‏[‏المؤمنون‏:‏ 86، 87‏]‏، فوصف العرش بأنه مجيد وأنه عظيم، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ‏}‏‏[‏المؤمنون 116‏]‏، فوصفه بأنه كريم أيضًا‏.‏
وكذلك في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب‏:‏‏
"‏لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم‏"‏، فوصفه في الحديث بأنه عظيم، وكريم أيضًا‏.‏
فقول القائل المنازع‏:‏ إن نسبة الفلك الأعلى إلى ما دونه كنسبة الآخر إلى ما دونه، لو كان العرش من جنس الأفلاك، لكانت نسبته إلى ما دونه كنسبة الآخر إلى ما دونه، وهذا لا يوجب خروجه عن الجنس وتخصيصه بالذكر، كما لم يوجب ذلك تخصيص سماء دون سماء، وإن كانت العليا بالنسبة إلى السفلى كالفلك على قول هؤلاء، وإنما امتاز عما دونه بكونه أكبر، كما تمتاز السماء العليا عن الدنيا، بل نسبة السماء إلى الهواء، ونسبة الهواء إلى الماء والأرض‏.‏ كنسبة فلك إلى فلك، ومع هذا فلم يخص واحدًا من هذه الأجناس عما يليه

بالذكر، ولا بوصفه بالكرم والمجد والعظمة‏.‏
وقد علم أنه ليس سببًا لذواتها ولا لحركاتها، بل لها حركات تخصها، فلا يجوز أن يقال‏:‏ حركته هي سبب الحوادث، بل إن كانت حركة الأفلاك سببًا للحوادث، فحركات غيره التي تخصه أكثر، ولا يلزم من كونه محيطًا بها أن يكون أعظم من مجموعها، إلا إذا كان له من الغلظ ما يقاوم ذلك، وإلا فمن المعلوم أن الغليظ إذا كان متقاربًا، فمجموع الداخل أعظم من المحيط، بل قد يكون بقدره أضعافًا، بل الحركات المختلفة التي ليست عن حركته أكثر، لكن حركته تشملها كلها‏.‏
وقد ثبت في صحيح مسلم عن جويرية بنت الحارث، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها، وكانت تسبح بالحصى من صلاة الصبح إلى وقت الضحى، فقال‏:‏
‏"‏لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلتيه لوزنتهن‏:‏ سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضي نفسه، سبحان الله مداد كلماته‏"‏، فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان، وهم يقولون‏:‏ إن الفلك التاسع لا خفيف ولا ثقيل، بل يدل على أنه وحده أثقل ما يمثل به، كما أن عدد المخلوقات أكثر ما يمثل به‏.‏
وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال‏:‏ جاء رجل من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد لُطِمَ وجهه، فقال‏:‏يا محمد،رجل من أصحابك لطم وجهي،فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:
‏‏"‏ادعوه‏"‏ فدعوه، فقال‏:‏ ‏"‏لم لطمت وجهه‏؟‏‏"‏ فقال‏:‏ يا رسول الله، إني مررت بالسوق وهو يقول‏:‏ والذي اصطفى موسى على البشر ‏!‏ فقلت‏:‏ يا خبيث ‏!‏ وعلى محمد ‏؟‏ فأخذتني غضبة فلطمته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تخيروا
بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذًا بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلى أم جوزي بصعقته‏"‏ فهذا فيه بيان أن للعرش قوائم،وجاء ذكر القائمة بلفظ الساق، والأقوال متشابهة في هذا الباب‏.‏
وقد أخرجا في الصحيحين عن جابر قال‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏
‏"‏اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ‏"‏ قال‏:‏ فقال رجل لجابر‏:‏ إن البراء يقول‏:‏ اهتز السرير، قال‏:‏ إنه كان بين هذين الحيين الأوس والخزرج ضغائن، سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ‏"‏ ورواه مسلم في صحيحه من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وجنازة سعد موضوعة‏:‏‏"‏اهتز لها عرش الرحمن‏"‏‏.‏
وعندهم أن حركة الفلك التاسع دائمة متشابهة، ومن تأول ذلك على أن المراد به استبشار حملة العرش وفرحهم، فلابد له من دليل على ما قال، كما ذكره أبو الحسن الطبري وغيره، مع أن سياق الحديث ولفظه ينفي هذا الاحتمال‏.‏
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏"‏من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة، وآتى الزكاة وصام رمضان، كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها‏"‏‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله، أفلا نبشر الناس بذلك‏؟‏ قال‏:‏‏"‏إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة‏"‏‏.‏
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏يا أبا سعيد، من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، وجبت له الجنة‏"‏ فعجب لها أبو سعيد فقال‏:‏ أعدها علي يا رسول الله، ففعل، قال‏:‏ ‏"‏وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض‏"‏ قال‏:‏ وما هي يا رسول الله ‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏الجهاد في سبيل الله‏"‏‏.‏
وفي صحيح البخاري‏:‏ أن أم الربيع بنت البراء وهي أم حارثة بن سُرَاقة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ يا نبي الله، ألا تحدثني عن حارثة وكان قتل يوم بدر أصابه سَهْمُ غَرْبٍ فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان في غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى‏"‏ ‏[‏وقوله‏:‏ سَهم غَرْب أي لا يعرف راميه‏]‏‏.‏
فهذا قد بين في الحديث الأول‏:‏ أن العرش فوق الفردوس الذي هو أوسط الجنة وأعلاها، وأن في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها‏.‏ والحديث الثاني‏:‏ يوافقه في وصف الدرج المائة‏.‏ والحديث الثالث‏:‏ يوافقه في أن الفردوس أعلاها‏.‏
وإذا كان العرش فوق الفردوس، فلقائل أن يقول‏:‏ إذا كان كذلك كان في هذا من العلو والارتفاع ما لا يعلم بالهيئة، إذ لا يعلم بالحساب أن بين التاسع والأول كما بين السماء والأرض مائة مرة، وعندهم أن التاسع ملاصق للثامن، فهذا قد بين أن العرش فوق

الفردوس، الذي هو أوسط الجنة وأعلاها‏.‏
و في حديث أبي ذر المشهور قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله، أيما أنزل عليك أعظم‏؟‏ قال‏:‏
‏"‏آية الكرسي‏"‏ثم قال‏:‏ ‏"‏يا أبا ذر، ما السموات السبع مع الكرسي إلا كحَلَقَة ملقاة بأرض فَلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة ‏"‏، والحديث له طرق، وقد رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه، وأحمد في المسند وغيرهما‏.‏
وقد استدل من استدل على أن العرش مقبب بالحديث الذي في سنن أبي داود وغيره عن جبير بن مطعم قال‏:‏ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال‏:‏ يا رسول الله، جهدت الأنفس، وجاع العيال، وهلك المال، فادع الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، وقال‏:‏
‏"‏ويحك ‏!‏ أتدري ما تقول‏؟‏ إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، إن الله على عرشه، وإن عرشه على سمواته وأرضه هكذا وقال بأصابعه مثل القبة ‏"‏ وفي لفظ‏:‏ ‏"‏وإن عرشه فوق سمواته، وسمواته فوق أرضه هكذا وقال بأصابعه مثل القبة‏"‏‏.‏
وهذا الحديث وإن دل على التقبيب، وكذلك قوله عن الفردوس أنها أوسط الجنة وأعلاها، مع قوله‏:‏ إن سقفها عرش الرحمن، وأن فوقها عرش الرحمن، والأوسط لا يكون الأعلى إلا في المستدير، فهذا لا يدل على أنه فلك من الأفلاك، بل إذا قدر أنه فوق الأفلاك كلها أمكن هذا فيه سواء قال القائل‏:‏ إنه محيط بالأفلاك، أو قال‏:‏ إنه فوقها وليس محيطًا بها، كما أن وجه
الأرض فوق النصف الأعلى من الأرض، وإن لم يكن محيطًا بذلك‏.‏
وقد قال إياس بن معاوية‏:‏ السماء على الأرض مثل القبة، ومعلوم أن الفلك مستدير مثل ذلك، لكن لفظ القبة يستلزم استدارة من العلو، ولا يستلزم استدارة من جميع الجوانب إلا بدليل منفصل‏.‏
ولفظ الفلك يدل على الاستدارة مطلقًا، كقوله تعالى‏:‏ ‏
{‏وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏}‏‏[‏الأنبياء‏:‏33‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏40‏]‏، يقتضى أنها في فلك مستدير مطلقًا، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ في فلكة مثل فلكة المغزل‏.‏
وأما لفظ القبة، فإنه لا يتعرض لهذا المعنى، لا بنفي ولا إثبات، لكن يدل على الاستدارة من العلو، كالقبة الموضوعة على الأرض‏.‏
وقد قال بعضهم‏:‏ إن الأفلاك غير السموات، لكن رد عليه غيره هذا القول، بأن الله تعالى قال‏:‏
‏{‏أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏15، 16‏]‏، فأخبر أنه جعل القمر فيهن، وقد أخبر أنه في الفلك، وليس هذا موضع بسط الكلام في هذا‏.‏
وتحقيق الأمر فيه، وبيان أن ما علم بالحساب علماً صحيحًا لا ينافى ما جاء به السمع، وإن العلوم السمعية الصحيحة لا تنافى معقولاً صحيحًا، إذ قد بسطنا الكلام على هذا وأمثاله في غير هذا الموضع، فإن ذلك يحتاج إليه في هذا ونظائره مما قد أشكل على كثير من الناس، حيث يرون ما يقال‏:‏ إنه معلوم بالعقل، مخالفًا لما يقال‏:‏ أنه معلوم بالسمع،

فأوجب ذلك إن كذبت كل طائفة بما لم تحط بعلمه، حتى آل الأمر بقوم من أهل الكلام إلى أن تكلموا في معارضة الفلاسفة في ‏[‏الأفلاك‏]‏ بكلام ليس معهم به حجة، لا من شرع ولا من عقل، وظنوا أن ذلك الكلام من نصر الشريعة، وكان ما جحدوه معلومًا بالأدلة الشرعية أيضًا‏.‏
وأما المتفلسفة وأتباعهم، فغايتهم أن يستدلوا بما شاهدوه من الحسيات، ولا يعلمون ما وراء ذلك، مثل أن يعلموا أن البخار المتصاعد ينعقد سحابًا، وأن السحاب إذا اصطك حدث عنه صوت، ونحو ذلك، لكن علمهم بهذا كعلمهم بأن المني يصير في الرحم، لكن ما الموجب لأن يكون المني المتشابه الأجزاء تخلق منه هذه الأعضاء المختلفة، والمنافع المختلفة، على هذا الترتيب المحكم المتقن الذي فيه من الحكمة والرحمة ما بهر الألباب‏.‏
وكذلك ما الموجب لأن يكون هذا الهواء، أو البخار منعقدًا سحابًا مقدرًا بقدر مخصوص في وقت مخصوص على مكان مختص به ‏؟‏ وينزل على قوم عند حاجتهم إليه فيسقيهم بقدر الحاجة لا يزيد فيهلكوا ولا ينقص فيعوزوا ‏؟‏ وما الموجب لأن يساق إلى الأرض الجرز التي لا تمطر، أو تمطر مطرًا لا يغنيها كأرض مصر إذ كان المطر القليل لا يكفيها، والكثير يهدم أبنيتها قال تعالى‏:‏‏
{‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ‏}‏‏[‏السجدة‏:‏27‏]‏‏.‏
وكذلك السحاب المتحرك، وقد علم أن كل حركة فإما أن تكون قسرية وهي تابعة للقاسر، أو طبيعية‏.‏ وإنما تكون إذا خرج المطبوع عن مركزه فيطلب عوده إليه، أو إرادية، وهي الأصل، فجميع الحركات تابعة للحركة الإرادية التي تصدر عن

ملائكة الله تعالى، التي هي ‏{‏فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا‏}‏‏[‏النازعات‏:‏5‏]‏، و‏{‏فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا‏}‏‏[‏ الذاريات‏:‏4‏]‏، وغير ذلك مما أخبر الله به عن الملائكة، وفي المعقول ما يصدق ذلك‏.‏
فالكلام في هذا وأمثاله له موضع غير هذا‏.‏
والمقصود هنا أن نبين أن ما ذكر في السؤال زائل على كل تقدير، فيكون الكلام في الجواب مبنيًا على حجج علمية لا تقليدية، ولا مسلمة، وإذا بينا حصول الجواب على كل تقدير كما سنوضحه لم يضرنا بعد ذلك أن يكون بعض التقديرات هو الواقع وإن كنا نعلم ذلك لكن تحرير الجواب على تقدير دون تقدير، وإثبات ذلك فيه طول لا يحتاج إليه هنا؛ فإن الجواب إذا كان حاصلاً على كل تقدير كان أحسن وأوجز‏.‏
المقام الثاني‏:‏ أن يقال‏:‏ العرش سواء كان هو الفلك التاسع، أو جسمًا محيطًا بالفلك التاسع، أو كان فوقه من جهة وجه الأرض غير محيط به،أو قيل فيه غير ذلك،فيجب أن يعلم أن العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى الخالق تعالى في غاية الصغر،كما قال تعالى‏:‏‏
{‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏‏[‏ الزمر‏:‏ 67‏]‏‏.‏
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏
‏"‏يقبض الله تبارك وتعالى الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول‏:‏ أنا الملك أين ملوك الأرض ‏؟‏ ‏"‏‏.
وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن عبد الله بن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يقبض الله تبارك وتعالى الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟"
وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن عبد الله بن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏"‏يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول‏:‏ أنا الملك، أين الجبارون ‏؟‏ أين المتكبرون‏؟‏ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول‏:‏ أنا الملك، أين الجبارون، أين المتكبرون‏؟‏‏"‏ .‏
وفي لفظ في الصحيح عن عبد الله بن مِقْسَم‏:‏ أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏
‏"‏يأخذ الله سمواته وأرضه بيده، ويقول‏:‏ أنا الملك ويقبض أصابعه ويبسطها‏:‏ أنا الملك‏"‏، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شىء منه، حتى إني أقول‏:‏ أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏‏!‏‏.‏
وفي لفظ قال‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يقول‏:‏
‏"‏يأخذ الجبار سمواته وأرضه، وقبض بيده وجعل يقبضها ويبسطها ويقول‏:‏ أنا الرحمن، أنا الملك، أنا القدوس، أنا السلام، أنا المؤمن، أنا المهيمن، أنا العزيز، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الذي بدأت الدنيا ولم تكن شيئًا، أنا الذي أعدتها، أين المتكبرون‏؟‏ أين الجبارون‏؟‏‏"‏ وفي لفظ‏:‏ ‏"‏أين الجبارون‏؟‏ أين المتكبرون‏؟‏‏"‏ ويميل رسول الله صلى الله عليه
وسلم على يمينه، وعلى شماله، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شىء منه، حتى إني لأقول‏:‏ أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏‏.‏
والحديث مروي في الصحيح والمسانيد وغيرها بألفاظ يصدق بعضها بعضًا، وفي بعض ألفاظه قال‏:‏ قرأ على المنبر‏:‏ ‏
{‏وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ‏}‏الآية ‏[‏ الزمر‏:‏67‏]‏‏.‏ قال‏:‏‏"‏مطوية في كفه يرمي بها كما يرمي الغلام بالكرة ‏"‏ وفي لفظ‏:‏ ‏"‏يأخذ الجبار سمواته وأرضه بيده فيجعلها في كفه، ثم يقول بهما هكذا كما تقول الصبيان بالكرة‏:‏ أنا الله الواحد‏!‏‏"‏‏.‏
وقال ابن عباس‏:‏ يقبض الله عليهما فما ترى طرفاهما بيده، وفي لفظ عنه‏:‏ ‏"‏ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن، إلا كخردلة في يد أحدكم‏"‏، وهذه الآثار معروفة في كتب الحديث‏.‏
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود فقال‏:‏ يا محمد، إن الله يجعل السموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، فيهزهن، فيقول‏:‏ أنا الملك، أنا الملك، قال‏:‏ فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ‏:‏‏"‏‏{
‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ‏}‏‏"‏ الآية ‏[‏الزمر‏:‏67‏]‏‏.‏
ففي هذه الآية والأحاديث الصحيحة المفسرة لها المستفيضة التي اتفق أهل العلم على صحتها وتلقيها بالقبول ما يبين أن السموات والأرض وما بينهما بالنسبة إلى عظمة الله تعالى، أصغر من أن تكون

مع قبضه لها إلا كالشىء الصغير في يد أحدنا، حتى يدحوها كما تدحى الكرة‏.‏

يتبع



أبو عبد الرحمن2 07-02-2009 04:05 PM

رد: أقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى في بيان الفوقية (الرحمن على العرش استو
 
قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجَشُون الإمام نظير مالك في كلامه المشهور الذي رد فيه على الجهمية ومن خالفها ومن أول كلامه قال ‏:‏ فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقًا وتكلفًا، فقد استهوته الشياطين في الأرض حيران، فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه، بأن قال‏:‏ لابد إن كان له كذا من أن يكون له كذا، فعمي عن البين بالخفي، فجحد ما سمى الرب من نفسه، بصمت الرب عما لم يسم منها، فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قول الله تعالى‏:‏‏{‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ‏}‏‏[‏ القيامة‏:‏22، 23‏]‏، فقال‏:‏ لا يراه أحد يوم القيامة، فجحد والله أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة، من النظر إلى وجهه ونضرته إياهم‏:‏ ‏{‏فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ‏}‏‏[‏القمر‏:‏55‏]‏، وقد قضى أنهم لا يموتون، فهم بالنظر إليه ينضرون‏.‏
إلى أن قال‏:‏ وإنما جحد رؤية الله يوم القيامة إقامة للحجة الضالة المضلة؛ لأنه قد عرف أنه إذا تجلى لهم يوم القيامة، رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين، وكان له جاحدًا‏.‏ وقال المسلمون‏:‏ يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏"‏هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب‏؟‏‏"‏قالوا‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏‏"‏فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب‏؟‏‏"‏ قالوا‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فإنكم ترون ربكم كذلك‏"‏‏.‏
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:
‏‏"‏لا تمتلئ النار حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول‏:‏ قط، قط، وينزوي بعضها إلى بعض ‏"‏، وقال لثابت بن قيس‏:‏
"‏قد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة‏"‏، وقال فيما بلغنا عنه‏:‏‏"‏إن الله يضحك من أزْلِكُم وقنوطكم وسرعة إجابتكم‏"‏، وقال له رجل من العرب‏:‏ إن ربنا ليضحك‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏نعم‏"‏ قال‏:‏ لن نعدم من رب يضحك خيرًا‏.‏ في أشباه لهذا مما لم نحصه‏.‏
وقال تعالى‏:
‏‏{‏وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ‏}‏‏[‏الشورى‏:‏11‏]‏، ‏{‏وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا‏}‏‏[‏الطور‏:‏48‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي‏}‏‏[‏طه‏:‏39‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ‏}‏‏[‏ص‏:‏75‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏67‏]‏‏.‏
فوالله ما دلهم على عظم ما وصف به نفسه، وما تحيط به قبضته، إلا صغر نظيرها منهم عندهم إن ذلك الذي ألقى في روعهم، وخلق على معرفته قلوبهم فما وصف الله من نفسه وسماه على لسان رسوله سميناه كما سماه، ولم نتكلف منه علم ماسواه، لا هذا، ولا هذا، لا نجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يصف انتهى‏.‏ وإذا كان كذلك، فإذا قدر أن المخلوقات كالكرة، وهذا قبضه لها ورميه بها، وإنما بين لنا من عظمته وصف المخلوقات بالنسبة إليه ما يعقل نظيره منا‏.‏
ثم الذي في القرآن والحديث يبين أنه إن شاء قبضها وفعل بها ما ذكر كما يفعل ذلك في يوم القيامة، وإن شاء لم يفعل ذلك، فهو قادر على أن يقبضها ويدحوها كالكرة، وفي ذلك من الإحاطة بها ما لا يخفى، وإن شاء لم يفعل ذلك، وبكل حال فهو مباين لها ليس بمحايث لها‏.‏
ومن المعلوم أن الواحد منا ولله المثل الأعلى إذا كان عنده خردلة، إن شاء قبضها فأحاطت بها قبضته، وإن شاء لم يقبضها بل جعلها تحته، فهو في الحالتين مباين لها، وسواء قدر

- أن العرش هو محيط بالمخلوقات كإحاطة الكرة بما فيها أو قيل‏:‏ إنه فوقها وليس محيطًا بها، كوجه الأرض الذي نحن عليه بالنسبة إلى جوفها، وكالقبة بالنسبة إلى ما تحتها، أو غير ذلك‏.‏
فعلى التقديرين، يكون العرش فوق المخلوقات، والخالق سبحانه وتعالى فوقه، والعبد في توجهه إلى الله يقصد العلو دون التحت، وتمام هذا ببيان‏:‏
المقام الثالث‏:‏ وهو أن نقول‏:‏ لا يخلو إما أن يكون العرش كريا كالأفلاك، ويكون محيطًا بها، وإما أن يكون فوقها وليس هو كريا، فإن كان الأول، فمن المعلوم باتفاق من يعلم هذا أن الأفلاك مستديرة كرية الشكل، وأن الجهة العليا هي جهة المحيط، وهي المحدب، وأن الجهة السفلى هو المركز، وليس للأفلاك إلا جهتان‏:‏ العلو والسفل فقط‏.‏
وأما الجهات الست فهي الحيوان، فإن له ست جوانب، يؤم جهة فتكون أمامه، ويخلف أخرى فتكون خلفه، وجهة تحاذى يمينه، وجهة تحاذي شماله، وجهة تحاذي رأسه، وجهة تحاذي رجليه، وليس لهذه الجهات الست في نفسها صفة لازمة، بل هي بحسب النسبة والإضافة، فيكون يمين هذا ما يكون شمال هذا، ويكون أمام هذا ما يكون خلف هذا، ويكون فوق هذا ما يكون تحت هذا‏.‏
لكن جهة العلو والسفل للأفلاك

لا تتغير، فالمحيط هو العلو والمركز هو السفل، مع أن وجه الأرض التي وضعها الله للأنام، وأرساها بالجبال، هو الذي عليه الناس والبهائم والشجر والنبات، والجبال والأنهار الجارية‏.‏
فأما الناحية الأخرى من الأرض فالبحر محيط بها، وليس هناك شيء من الآدميين وما يتبعهم، ولو قدر أن هناك أحدًا لكان على ظهر الأرض ولم يكن من في هذه الجهة تحت من في هذه الجهة، ولا من في هذه تحت من في هذه، كما أن الأفلاك محيطة بالمركز، وليس أحد جانبي الفلك تحت الآخر، ولا القطب الشمالي تحت الجنوبى، ولا بالعكس‏.‏
وإن كان الشمالي هو الظاهر لنا فوق الأرض وارتفاعه بحسب بعد الناس عن خط الاستواء، فما كان بعده عن خط الاستواء ثلاثين درجة مثلاً كان ارتفاع القطب عنده ثلاثين درجة، وهو الذي يسمى عرض البلد، فكما أن جوانب الأرض المحيطة بها وجوانب الفلك المستديرة ليس بعضها فوق بعض ولا تحته، فكذلك من يكون على الأرض من الحيوان والنبات والأثقال لا يقال‏:‏ إنه تحت أولئك، وإنما هذا خيال يتخيله الإنسان، وهو تحت إضافي؛ كما لو كانت نملة تمشي تحت سقف فالسقف فوقها، وإن كانت رجلاها تحاذيه‏.‏
وكذلك من علق منكوسا فإنه تحت السماء، وإن كانت رجلاه تلي السماء، وكذلك يتوهم الإنسان إذا كان في أحد جانبي الأرض، أو الفلك أن الجانب الآخر تحته، وهذا أمر لا يتنازع فيه اثنان، ممن يقول‏:‏ إن الأفلاك مستديرة‏.‏
واستدارة الأفلاك كما أنه قول أهل الهيئة والحساب فهو الذي عليه علماء المسلمين، كما ذكره أبو الحسن بن المنادي، وأبو محمد بن حزم، وأبو الفرج بن الجوزي

- وغيرهم أنه متفق عليه بين علماء المسلمين، وقد قال تعالى‏:‏‏{‏وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏}‏‏[‏ الأنبياء‏:‏33‏]‏، قال ابن عباس‏:‏ فلكة مثل فلكة المغزل‏.‏
والفلك في اللغة‏:‏ هو المستدير، ومنه قولهم‏:‏ تفلك ثدي الجارية إذا استدار، وكل من يعلم أن الأفلاك مستديرة يعلم أن المحيط هو العالي على المركز من كل جانب، ومن توهم أن من يكون في الفلك من ناحية يكون تحته من في الفلك من الناحية الأخرى في نفس الأمر، فهو متوهم عندهم‏.‏
وإذا كان الأمر كذلك، فإذا قدر أن العرش مستدير محيط بالمخلوقات كان هو أعلاها، وسقفها وهو فوقها مطلقا، فلا يتوجه إليه، وإلى ما فوقه الإنسان إلا من العلو، لا من جهاته الباقية أصلا‏.‏
ومن توجه إلى الفلك التاسع أو الثامن أو غيره من الأفلاك من غير جهة العلو، كان جاهلاً باتفاق العقلاء، فكيف بالتوجه إلى العرش أو إلى ما فوقه وغاية ما يقدر أن يكون كرى الشكل، والله تعالى محيط بالمخلوقات كلها إحاطة تليق بجلاله، فإن السموات السبع والأرض في يده أصغر من الحمصة في يد أحدنا‏.‏
وأما قول القائل‏:‏ إذا كان كريًا والله من ورائه محيط به بائن عنه، فما فائدة أن العبد يتوجه إلى الله حين دعائه وعبادته‏؟‏ فيقصد العلو دون التحت، فلا فرق حينئذ وقت الدعاء بين قصد جهة العلو وغيرها من الجهات التي تحيط بالداعي، ومع هذا نجد في قلوبنا قصدًا يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولايسرة، فأخبرونا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، وقد فطرنا عليها‏.‏

فيقال له‏:‏ هذا السؤال إنما ورد لتوهم المتوهم أن نصف الفلك يكون تحت الأرض، وتحت ما على وجه الأرض من الآدميين والبهائم، وهذا غلط عظيم، فلو كان الفلك تحت الأرض من جهة لكان تحتها من كل جهة، فكان يلزم أن يكون الفلك تحت الأرض مطلقًا، وهذا قلب للحقائق، إذ الفلك هو فوق الأرض مطلقًا‏.‏
وأهل الهيئة يقولون‏:‏ لو أن الأرض مخروقة إلى ناحية أرجلنا وألقي في الخرق شىء ثقيل كالحجر ونحوه لكان ينتهي إلى المركز، حتى لو ألقى من تلك الناحية حجر آخر لالتقيا جميعًا في المركز،ولو قدر أن إنسانين التقيا في المركز بدل الحجرين لالتقت رجلاهما ولم يكن أحدهما تحت صاحبه، بل كلاهما فوق المركز، وكلاهما تحت الفلك، كالمشرق والمغرب، فإنه لو قدر أن رجلاً بالمشرق في السماء أو الأرض ورجلاً بالمغرب في السماء أو الأرض، لم يكن أحدهما تحت الآخر، وسواء كان رأسه أو رجلاه أو بطنه أو ظهره أو جانبه مما يلي السماء أو مما يلي الأرض، وإذا كان مطلوب أحدهما ما فوق الفلك لم يطلبه إلا من الجهة العليا، لم يطلبه من جهة رجليه أو يمينه أو يساره لوجهين‏:‏
أحدهما‏:‏ أن مطلوبه من الجهة العليا أقرب إليه من جميع الجهات، فلو قدر رجل أو ملك يصعد إلى السماء، أو إلى ما فوق، كان صعوده مما يلي رأسه أقرب إذا أمكنه ذلك، ولا يقول عاقل‏:‏ إنه يخرق الأرض ثم يصعد من تلك الناحية، ولا إنه يذهب يمينًا أو شمالاً، أو أمامًا أو خلفًا، إلى

حيث أمكن من الأرض ثم يصعد؛ لأنه أي مكان ذهب إليه كان بمنزلة مكانه أو هو دونه، وكان الفلك فوقه، فيكون ذهابه إلى الجهات الخمس تطويلاً وتعبًا من غير فائدة‏.‏
ولو أن رجلا أراد أن يخاطب الشمس والقمر فإنه لا يخاطبه إلا من الجهة العليا، مع أن الشمس والقمر قد تشرق وقد تغرب، فتنحرف عن سمت الرأس، فكيف بمن هو فوق كل شىء دائمًا لا يأفل ولا يغيب سبحانه وتعالى‏؟‏
وكما أن الحركة كحركة الحجر تطلب مركزها بأقصر طريق وهو الخط المستقيم فالطلب الإرادي الذي يقوم بقلوب العباد كيف يعدل عن الصراط المستقيم القريب، إلى طريق منحرف طويل، والله تعالى فطر عباده على الصحة والاستقامة، إلا من اجتالته الشياطين فأخرجته عن فطرته التي فطر عليها‏.‏
الوجه الثاني‏:‏ أنه إذا قصد السفل بلا علو كان ينتهي قصده إلى المركز وأن قصده أمامه أو وراءه أو يمينه أو يساره، من غير قصد العلو، كان منتهى قصده أجزاء الهواء، فلا بد له من قصد العلو ضرورة، سواء قصد مع ذلك هذه الجهات أو لم يقصدها‏.‏
ولو فرض أنه قال‏:‏ أقصده من اليمين مع العلو، أو من السفل مع العلو، كان هذا بمنزلة من يقول‏:‏ أريد أن أحج من المغرب، فأذهب إلى خراسان، ثم أذهب إلى مكة، بل بمنزلة من يقول‏:‏ أصعد إلى الأفلاك، فأنزل في الأرض،

ثم أصعد إلى الفلك من الناحية الأخرى، فهذا وإن كان ممكنًا في المقدور، لكنه مستحيل من جهة امتناع إرادة القاصد له، وهو مخالف للفطرة، فإن القاصد يطلب مقصوده بأقرب طريق، لا سيما إذا كان مقصوده معبوده الذي يعبده ويتوكل عليه، وإذا توجه إليه على غير الصراط المستقيم كان سيره منكوسًا معكوسًا‏.‏
وأيضًا، فإن هذا يجمع في سيره وقصده بين النفي والإثبات، بين أن يتقرب إلى المقصود ويتباعد عنه، ويريده وينفر عنه، فإنه إذا توجه إليه من الوجه الذي هو عنه أبعد وأقصى وعدل عن الوجه الأقرب الأدنى، كان جامعًا بين قصدين متناقضين، فلا يكون قصده له تامًا، إذ القصد التام ينفي نقيضه وضده، وهذا معلوم بالفطرة‏.‏
فإن الشخص إذا كان يحب النبي صلى الله عليه وسلم محبة تامة ويقصده أو يحب غيره ممن يحب سواء كانت محبته محمودة أو مذمومة متى كانت المحبة تامة، وطلب المحبوب طلبه من أقرب طريق يصل إليه، بخلاف ما إذا كانت المحبة مترددة مثل‏:‏ أن يحب ما تكره محبته في الدين، فتبقى شهوته تدعوه إلى قصده، وعقله ينهاه عن ذلك، فتراه يقصده من طريق بعيد، كما تقول العامة‏:‏ رجل إلى قدام، ورجل إلى خلف‏.‏
وكذلك إذا كان في دينه نقص، وعقله يأمره بقصد المسجد أو الجهاد أو غير ذلك من القصودات التي تحب في الدين وتكرهها النفس، فإنه يبقى قاصدًا لذلك من طريق بعيد متباطئًا في السير، وهذا كله معلوم بالفطرة‏.‏
وكذلك إذا لم يكن القاصد يريد الذهاب بنفسه، بل يريد

خطاب المقصود ودعاءه ونحو ذلك، فإنه يخاطبه من أقرب جهة يسمع دعاءه منها، و ينال به مقصوده إذا كان القصد تامًا‏.‏
ولو كان رجل في مكان عال، وآخر يناديه؛ لتوجه إليه وناداه، ولو حط رأسه في بئر وناداه بحيث يسمع صوته لكان هذا ممكنًا،لكن ليس في الفطرة أن يفعل ذلك من يكون قصده إسماعه من غير مصلحة راجحة،ولا يفعل نحو ذلك إلا عند ضعف القصد ونحوه‏.‏
وحديث الإدلاء الذي روى من حديث أبي هريرة وأبى ذر رضي الله عنهما قد رواه الترمذي وغيره، من حديث الحسن البصري عن أبي هريرة وهو منقطع، فإن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، ولكن يقويه حديث أبى ذر المرفوع، فإن كان ثابتًا فمعناه موافق لهذا، فإن قوله‏:‏ ‏"‏لو أدلى أحدكم بحبل لهبط على الله ‏"‏ إنما هو تقدير مفروض، أي لو وقع الإدلاء لوقع عليه، لكنه لا يمكن أن يدلي أحد على الله شيئًا؛ لأنه عال بالذات وإذا أهبط شيء إلى جهة الأرض وقف في المركز ولم يصعد إلى الجهة الأخرى، لكن بتقدير فرض الإدلاء، يكون ما ذكر من الجزاء‏.‏
فهكذا ما ذكره السائل ‏:‏ إذا قدر أن العبد يقصده من تلك الجهة‏.‏ كان هو سبحانه يسمع كلامه، وكان متوجهًا إليه بقلبه، لكن هذا مما تمنع منه الفطرة ؛ لأن قصد الشيء القصد التام ينافى قصد ضده، فكما أن الجهة العليا بالذات تنافي الجهة السفلى فكذلك قصد الأعلى بالذات ينافى قصده من أسفل، وكما أن ما يهبط إلى جوف الأرض يمتنع صعوده إلى تلك الناحية لأنها عالية فترد الهابط بعلوها، كما أن الجهة العليا من عندنا ترد ما يصعد إليها

من الثقيل، فلا يصعد الثقيل إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوته من الهبوط، فكذلك ما يهبط من أعلى الأرض إلى أسفلها وهو المركز لا يصعد من هناك إلى ذلك الوجه إلا برافع يرفعه، يدافع به ما في قوته من الهبوط إلى المركز، فإن قدر أن الدافع أقوى كان صاعدًا به إلى الفلك من تلك الناحية، وصعد به إلى الله، وإنما يسمى هبوطًا باعتبار مافي أذهان المخاطبين أن ما يحاذى أرجلهم يكون هابطا، ويسمى هبوطًا مع تسمية إهباطه إدلاء، وهو إنما يكون إدلاء حقيقيًا إلى المركز، ومن هناك إنما يكون مدا للحبل، والدلو، لا إدلاء له، لكن الجزاء والشرط مقدران لا محققان‏.‏
فإنه قال‏:‏ لو أدلى لهبط؛ أي لو فرض أن هناك إدلاء لفرض أن هناك هبوطًا، وهو يكون إدلاء وهبوطا إذا قدر أن السموات تحت الأرض وهذا التقدير منتف، ولكن فائدته بيان الإحاطة والعلو من كل جانب، وهذا المفروض ممتنع في حقنا لا نقدر عليه، فلا يتصور أن يدلي ولا يتصور أن يهبط على الله شىء لكن الله قادر على أن يخرق من هنا إلى هناك بحبل، ولكن لا يكون في حقه إدلاء، فلا يكون في حقه هبوطًا عليه‏.‏
كما لو خرق بحبل من القطب إلى القطب، أو من مشرق الشمس إلى مغربها، وقدرنا أن الحبل مر في وسط الأرض، فإن الله قادر على ذلك كله، ولا فرق بالنسبة إليه على هذا التقدير من أن يخرق من جانب اليمين منا إلي جانب اليسار، أو من جهة أمامنا إلى جهة خلفنا، أو من جهة رؤوسنا إلى جهة أرجلنا إذا مر الحبل بالأرض، فعلى كل تقدير قد خرق بالحبل من جانب

- المحيط إلى جانبه الآخر، مع خرق المركز، وبتقدير إحاطة قبضته بالسموات والأرض، فالحبل الذي قدر أنه خرق به العالم وصل إليه، ولا يسمى شىء من ذلك بالنسبة إليه إدلاء ولا هبوطًا‏.‏
وأما بالنسبة إلينا فإن ما تحت أرجلنا تحت لنا، وما فوق رؤوسنا فوق لنا، وما ندليه من ناحية رؤوسنا إلى ناحية أرجلنا نتخيل أنه هابط، فإذا قدر أن أحدنا أدلى بحبل كان هابطًا على ما هناك، لكن هذا تقدير ممتنع في حقنا، والمقصود به بيان إحاطة الخالق سبحانه وتعالى، كما بين أنه يقبض السموات ويطوي الأرض ونحو ذلك مما فيه بيان إحاطته بالمخلوقات‏.‏
ولهذا قرأ في تمام هذا الحديث ‏:‏
‏{‏هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏3‏]‏‏.‏ وهذا كله على تقدير صحته، فإن الترمذي لما رواه قال‏:‏ وفسره بعض أهل الحديث بأنه هبط على علم الله، وبعض الحلولية والاتحادية يظن أن في هذا الحديث ما يدل على قولهم الباطل، وهو أنه حال بذاته في كل مكان، وأن وجوده وجود الأمكنة ونحو ذلك‏.‏
والتحقيق ‏:‏ أن الحديث لا يدل على شىء من ذلك إن كان ثابتًا، فإن قوله‏:‏ ‏"‏لو أدلى بحبل لهبط‏"‏ يدل على أنه ليس في المدلى ولا في الحبل، ولا في الدلو ولا في غير ذلك، وإنها تقتضي أنه من تلك الناحية، وكذلك تأويله بالعلم تأويل ظاهر الفساد، من جنس تأويلات الجهمية، بل بتقدير ثبوته يكون دالاً على الإحاطة‏.‏
والإحاطة قد علم أن الله قادر عليها، وعلم أنها تكون يوم القيامة بالكتاب والسنة، وليس في إثباتها في الجملة ما يخالف العقل ولا الشرع، لكن لا نتكلم إلا بما نعلم، ومالا نعلمه أمسكنا عنه، وما كان مقدمة

- دليله مشكوكَا فيها عند بعض الناس، كان حقه أن يشك فيه، حتى يتبين له الحق، وإلا فليسكت عما لم يعلم‏.‏
وإذا تبين هذا، فكذلك قاصده يقصده إلى تلك الناحية، ولو فرض أنا فعلناه لكنا قاصدين له على هذا التقدير، لكن قصدنا له بالقصد إلى تلك الجهة ممتنع في حقنا ؛ لأن القصد التام الجازم يوجب طلب المقصود بحسب الإمكان‏.‏
ولهذا قد بينا في غير هذا الموضع لما تكلمنا على تنازع الناس في النية المجردة عن الفعل هل يعاقب عليها أم لا يعاقب‏؟‏ بينا أن الإرادة الجازمة توجب أن يفعل المريد ما يقدر عليه من المراد، ومتى لم يفعل مقدوره لم تكن إرادته جازمة، بل يكون هما، ومن هم بسيئة فلم يفعلها لم تكتب عليه، فإن تركها لله كتبت له حسنة‏.‏
ولهذا وقع الفرق بين هم يوسف عليه السلام وهم امرأة العزيز، كما قال الإمام أحمد‏:‏ الهم همان‏:‏ هم خطرات وهم إصرار‏.‏ فيوسف عليه السلام هم هما تركه لله فأثيب عليه، وتلك همت هم إصرار ففعلت ما قدرت عليه من تحصيل مرادها، وإن لم يحصل لها المطلوب‏.‏
والذين قالوا‏:‏ يعاقب بالإرادة، احتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏"‏إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار‏"‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول‏؟‏ قال ‏:‏ ‏"‏إنه أراد قتل صاحبه‏"‏، وفي رواية ‏:‏ ‏"‏إنه كان حريصًا على قتل صاحبه‏"‏ ‏.‏ فهذا أراد إرادة جازمة، وفعل ما يقدر عليه، وإن لم يدرك مطلوبه، فهو بمنزلة امرأة العزيز، فمتى كان القصد جازمًا، لزم أن يفعل القاصد ما يقدر عليه من حصول المقصود، فإذا كان قادرًا على حصول مقصوده بطريق مستقيم امتنع مع القصد
التام أن يحصله بطريق معكوس من بعيد‏.‏
فلهذا امتنع في فعل العباد عند ضرورتهم، ودعائهم لله تعالى وتمام قصدهم له ألا يتوجهوا إليه إلا توجهًا مستقيمًا، فيتوجهوا إلى العلو دون سائر الجهات؛ لأنه الصراط المستقيم، القريب ‏.‏ وما سواه فيه من البعد والانحراف والطول ما فيه، فمع القصد التام الذي هو حال الداعي العابد، والسائل المضطر يمتنع أن يتوجه إليه إلا إلى العلو، ويمتنع أن يتوجه إليه إلى جهة أخرى، كما يمتنع أن يدلي بحبل يهبط عليه، فهذا هذا، والله أعلم‏.‏
وأما من جهة الشريعة فإن الرسل صلوات الله عليهم بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها، لا بتبديل الفطرة وتغييرها، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه‏:‏
‏"‏كل مولود يولد على الفطرة، فأبوه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمْعَاء، هل تُحسُّون فيها من جدعاء‏؟‏‏"‏‏.
وقال الله تعالى ‏:
‏‏{‏فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 30‏]‏، فجاءت الشريعة في العبادة والدعاء بما يوافق الفطرة، بخلاف ما عليه أهل الضلال من المشركين والصابئين المتفلسفة وغيرهم، فإنهم غيروا الفطرة في العلم والإرادة جميعًا وخالفوا العقل والنقل، كما قد بسطناه في غير هذا الموضع‏.‏
وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏
‏"‏إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقن قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكًا، ولكن عن يساره أو تحت قدمه‏"‏، وفي رواية ‏:‏ ‏"‏إنه أذن أن يبصق في ثوبه‏"‏ ‏.

أبو عبد الرحمن2 07-02-2009 04:09 PM

رد: أقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى في بيان الفوقية (الرحمن على العرش استو
 
تابع لرسالة العرشية


وفي حديث أبي رزين المشهور، الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما من أحد إلا سيخلوا به ربه ‏.‏ فقال له أبو رزين ‏:‏ كيف يسعنا يا رسول الله وهو واحد، ونحن جميع‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"‏سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله‏!‏ هذا القمر آية من آيات الله كلكم يراه مخليًا به، فالله أكبر‏"‏ ‏.‏
ومن المعلوم أن من توجه إلى القمر وخاطبه إذا قدر أن يخاطبه لا يتوجه إليه إلا بوجهه مع كونه فوقه، فهو مستقبل له بوجهه مع كونه فوقه، ومن الممتنع في الفطرة أن يستدبره ويخاطبه مع قصده التام له، وإن كان ذلك ممكنًا، وإنما يفعل ذلك من ليس مقصوده مخاطبته، كما يفعل من ليس مقصوده التوجه إلى شخص بخطاب، فيعرض عنه بوجهه ويخاطب غيره، ليسمع هو الخطاب، فأما مع زوال المانع فإنما يتوجه إليه، فكذلك العبد إذا قام إلى الصلاة، فإنه يستقبل ربه وهو فوقه، فيدعوه من تلقائه لا من يمينه ولا من شماله، ويدعوه من العلو لا من السفل، كما إذا قدر أنه يخطاب القمر‏.‏
وقد ثبت في الصحيحين أنه قال‏:‏ ‏
"‏لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم في الصلاة أو لا ترجع إليهم أبصارهم‏"‏، واتفق العلماء على أن رفع المصلي بصره إلى السماء منهي عنه، وروى أحمد عن محمد بن سيرين ‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع بصره في الصلاة إلى السماء حتى أنزل الله تعالى ‏:‏‏{‏قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏1، 2‏]‏ فكان بصره لا يجاوز موضع سجوده، فهذا مما جاءت به الشريعة تكميلاً للفطرة؛ لأن الداعي السائل الذي يؤمر بالخشوع وهو
الذل والسكوت لا يناسب حاله أن ينظر إلى ناحية من يدعوه ويسأله بل يناسب حاله الإطراق، وغض بصره أمامه‏.‏
وليس نهى المصلي عن رفع بصره في الصلاة ردًا على أهل الإثبات الذين يقولون‏:‏ إنه على العرش، كما يظنه بعض جهال الجهمية، فإن الجهمية عندهم لا فرق بين العرش وقعر البحر، فالجميع سواء، ولو كان كذلك لم ينه عن رفع البصر إلى جهة ويؤمر برده إلى أخرى، لأن هذه وهذه عند الجهمية سواء‏.‏
وأيضًا، فلو كان الأمر كذلك لكان النهي عن رفع البصر شاملاً لجميع أحوال العبد، وقد قال تعالى ‏:‏‏
{‏نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏144‏]‏، فليس العبد ينهى عن رفع بصره مطلقًا، وإنما نهى في الوقت الذي يؤمر فيه بالخشوع؛ لأن خفض البصر من تمام الخشوع، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏7‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ‏}‏ ‏[‏الشورى ‏:‏45‏]‏‏.‏
وأيضًا، فلو كان النهي عن رفع البصر إلى السماء وليس في السماء إله، لكان لا فرق بين رفعه إلى السماء ورده إلى جميع الجهات، ولو كان مقصوده أن ينهي الناس أن يعتقدوا أن الله في السماء، أو يقصدوا بقلوبهم التوجه إلى العلو، لبين لهم ذلك كما بين لهم سائر الأحكام، فكيف وليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا في قول سلف الأمة حرف واحد يذكر فيه أنه ليس الله فوق العرش أو أنه ليس فوق السماء، أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا محايث له

ولا مباين له، أو أنه لا يقصد العبد إذا دعاه العلو دون سائر الجهات‏؟‏‏!‏ بل جميع ما يقوله الجهمية من النفي ويزعمون أنه الحق ليس معهم به حرف من كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل الكتاب والسنة وأقوال السلف والأئمة مملوءة بما يدل على نقيض قولهم، وهم يقولون‏:‏
إن ظاهر ذلك كفر، فنؤول، أو نفوض، فعلى قولهم ليس في الكتاب والسنة، وأقوال السلف والأئمة في هذا الباب إلا ما ظاهره الكفر، وليس فيها من الإيمان في هذا الباب شىء، والسلب الذي يزعمون أنه الحق الذي يجب على المؤمن أو خواص المؤمنين اعتقاده عندهم لم ينطق به رسول، ولا نبي، ولا أحد من ورثة الأنبياء والمرسلين، والذي نطقت به الأنبياء وورثتهم ليس عندهم هو الحق، بل هو مخالف للحق في الظاهر، بل وحذاقهم يعلمون أنه مخالف للحق في الظاهر والباطن‏.‏
لكن هؤلاء منهم من يزعم أن الأنبياء لم يمكنهم أن يخاطبوا الناس إلا بخلاف الحق الباطن، فلبسوا وكذبوا لمصلحة العامة، فيقال لهم‏:‏ فهلا نطقوا بالباطن لخواصهم الأذكياء الفضلاء إن كان ما يزعمونه حقًا‏؟‏
وقد علم أن خواص الرسل هم على الإثبات أيضًا وأنه لم ينطق بالنفي أحد منهم إلا أن يكذب على أحدهم، كما يقال عن عمر‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر كانا يتحدثان وكنت كالزنجي بينهما، وهذا مختلق باتفاق أهل العلم، وكذلك ما نقل عن علي وأهل بيته‏:‏ أن عندهم علمًا باطنًا يخالف الظاهر الذي عند جمهور الأمة.

وقد ثبت في الصحاح وغيرها عن علي رضي الله عنه أنه لم يكن عندهم من النبي صلى الله عليه وسلم سر ليس عند الناس، ولا كتاب مكتوب إلا ما كان في الصحيفة، وفيها ‏:‏ الديات، وفِكَاك الأسير وألا يقتل مسلم بكافر ‏.‏
ثم إنه من المعلوم أن من جعله الله هاديًا مبلغًا بلسان عربي مبين، إذا كان لا يتكلم قط إلا بما يخالف الحق الباطن الحقيقي، فهو إلى الضلال والتدليس أقرب منه إلى الهدى والبيان، وبسط الرد عليهم له موضع غير هذا‏.‏والمقصود أن ماجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب وغيره كله حق يصدق بعضه بعضًا، وهو موافق لفطرة الخلائق، وما جعل فيهم من العقول الصريحة، والقصود الصحيحة، لا يخالف العقل الصريح، ولا القصد الصحيح، ولا الفطرة المستقيمة، ولا النقل الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وإنما يظن تعارضها‏:‏ من صدق بباطل من النقول، أو فهم منه ما لم يدل عليه، أو اعتقد شيئًا ظنه من العقليات وهو من الجهليات، أو من الكشوفات وهو من الكسوفات إن كان ذلك معارضا لمنقول صحيح وإلا عارض بالعقل الصريح، أو الكشف الصحيح، ما يظنه منقولاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون كذبًا عليه، أو ما يظنه لفظا دالا على شىء ولا يكون دالا عليه، كما ذكروه في قوله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏
"‏الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل
فكأنما صافح الله وقبل يمينه‏"‏ صريح في أن مصافحه ومقبله ليس مصافحًا لله ولا مقبلا ليمينه؛ لأن المشبه ليس هو المشبه به، وقد أتى بقوله‏:‏ ‏"‏فكأنما‏"‏، وهي صريحة في التشبيه، وإذا كان اللفظ صريحًا في أنه جعل بمنزلة اليمين، لا أنه نفس اليمين كان من اعتقد أن ظاهره أنه حقيقة اليمين قائلاً للكذب المبين‏.‏
فهذا كله بتقدير أن يكون العرش كرى الشكل، سواء كان هو الفلك التاسع أو غير الفلك التاسع، قد تبين أن سطحه هو سقف المخلوقات، وهو العالي عليها من جميع الجوانب، وأنه لا يجوز أن يكون شىء مما في السماء والأرض فوقه، وأن القاصد إلى ما فوق العرش بهذا التقدير إنما يقصد إلى العلو، لا يجوز في الفطرة ولا في الشرعة مع تمام قصده أن يقصد جهة أخرى من جهاته الست، بل هو أيضًا يستقبله بوجهه مع كونه أعلى منه، كما ضربه النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً من المثل بالقمر ولله المثل الأعلى وبين أن مثل هذا إذا جاز في القمر وهو آية من آيات الله تعالى فالخالق أعلى وأعظم‏.‏
وأما إذا قدر أن العرش ليس كرى الشكل، بل هو فوق العالم من

الجهة التي هي وجه الأرض، وأنه فوق الأفلاك الكرية، كما أن وجه الأرض الموضوع للأنام فوق نصف الأرض الكري، أو غير ذلك من المقادير التي يقدر فيها أن العرش فوق ما سواه وليس كري الشكل، فعلى كل تقدير لا نتوجه إلى الله إلا إلى العلو لا إلى غير ذلك من الجهات‏.‏
فقد ظهر أنه على كل تقدير لا يجوز أن يكون التوجه إلى الله إلا إلى العلو، مع كونه على عرشه مبايناً لخلقه، وسواء قدر مع ذلك أنه محيط بالمخلوقات كما يحيط بها إذا كانت في قبضته أو قدر مع ذلك أنه فوقها من غير أن يقبضها ويحيط بها، فهو على التقديرين يكون فوقها مباينًا لها، فقد تبين أنه على هذا التقدير في الخالق وعلى هذا التقدير في العرش، لا يلزم شىء من المحذور والتناقض، وهذا يزيل كل شبهة، وإنما تنشأ الشبهة في اعتقادين فاسدين‏.‏
أحدهما‏:‏ أن يظن أن العرش إذا كان كريًا والله فوقه، وجب أن يكون الله كريًا، ثم يعتقد أنه إذا كان كريا فيصح التوجه إلى ما هو كري كالفلك التاسع من جميع الجهات، وكل من هذين الاعتقادين خطأ وضلال، فإن الله مع كونه فوق العرش، ومع القول بأن العرش كري سواء كان هو التاسع أو غيره لا يجوز أن يظن أنه مشابه للأفلاك في أشكالها، كما لا يجوز أن يظن أنه مشابه لها في أقدارها، ولا في صفاتها سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرا بل قد تبين أنه أعظم وأكبر من أن تكون المخلوقات عنده

بمنزلة داخل الفلك في الفلك، وإنها عنده أصغر من الحمصة والفلفلة ونحو ذلك في يد أحدنا، فإذا كانت الحمصة أو الفلفلة ‏.‏ بل الدرهم والدينار، أو الكرة التي يلعب بها الصبيان ونحو ذلك، في يد الإنسان أو تحته أو نحو ذلك، هل يتصور عاقل إذا استشعر علو الإنسان على ذلك وإحاطته به أن يكون الإنسان كالفلك‏؟‏ والله ولله المثل الأعلى أعظم من أن يظن ذلك به، وإنما يظنه الذين ‏{‏وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏67‏]‏‏.‏
وكذلك اعتقادهم الثاني‏:‏ وهو أن ما كان فلكًا فإنه يصح التوجه إليه من الجهات الست خطأ باتفاق أهل العقل، الذين يعلمون الهيئة، وأهل العقل الذين يعلمون أن القصد الجازم يوجب فعل المقصود بحسب الإمكان‏.‏
لقد تبين أن كل واحد من المقدمتين خطأ في العقل والشرع، وأنه لا يجوز أن تتوجه القلوب إليه إلا إلى العلو، لا إلى غيره من الجهات على كل تقدير يفرض من التقديرات سواء كان العرش هو الفلك التاسع أو غيره، سواء كان محيطًا بالفلك كري الشكل أو كان فوقه من غير أن يكون كريًا، سواء كان الخالق سبحانه محيطًا بالمخلوقات كما يحيط بها في قبضته، أو كان فوقها من جهة العلو منا التي تلي رؤوسنا، دون الجهة الأخرى‏.‏
فعلى أي تقدير فرض، كان كل من مقدمتي السؤال باطلة،
وكان الله تعالى إذا دعوناه، إنما ندعوه بقصد العلو دون غيره، كما فطرنا على ذلك‏.‏
وبهذا يظهر الجواب عن السؤال من وجوه متعددة، والله أعلم‏.



حكيم حبيب 09-02-2009 11:48 AM

رد: أقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى في بيان الفوقية (الرحمن على العرش استو
 
ماذا تفعل بالحديث....شيء بسيط....افهمه كما فهمه علماء الاعجاز العلمي في القرءان...ارجع الى مواقع الاعجاز فسوف تجد معناه


الساعة الآن 01:02 AM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى