منتديات الشروق أونلاين

منتديات الشروق أونلاين (http://montada.echoroukonline.com/index.php)
-   منتدى الجدل والمناظرة (http://montada.echoroukonline.com/forumdisplay.php?f=160)
-   -   منتدى الشروق الحضاري.. لكيلا يغرب!! (قسما.. الذباب الحركي.. وهموم أخرى!!) (http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=78177)

اليعقوبي 08-04-2009 02:43 PM

منتدى الشروق الحضاري.. لكيلا يغرب!! (قسما.. الذباب الحركي.. وهموم أخرى!!)
 
منتدى الشروق الحضاري...

لكيلا يغرب!!

قسماً.. الذُّباب الحركي.. وهموم أخرى!
(صفحات في النقد والأدب.. والسيرة الذاتية!!)

مُقَدِّمَاتٌ "سَامِطَاتٌ"...
(لا بدّ من قراءتها.. اسمحوا لي!!)
- أتذكر منتدى التراث المغربي والأندلسي؟

- "يا زمان الوصل بمنتدى التراث المغربي والأندلسي!"..
- (ضاحكاً) صدقتَ.. يا زمان الوصل، والفصل، والقطع! (ثم أردف)... أرأيتَ مبلغ عجزنا يا أخي؟ منتدى رائد مختص في تاريخ منطقتنا، وتراثها، كذلك المنتدى، يتوقّف هكذا من دون مقدمات، بسبب أزمة اقتصادية؟!!... "دُومَانٌ" (Domaine) من بضع جيقات.. لم نستطع المحافظة عليه؟! ولو أن كل فرد (بتفخيم الراء!) من أعضاء المنتدى شارك بأورو واحد، لغطينا تكلفة الموقع، وحفظنا تجربة رائدة كهذه من الفشل!
- لكن لم يكلمنا أحد.. بالرغم من أننا كنا أعضاء فاعلين في المنتدى، وبالرغم من أننا اِستجبنا لنداء المشرفين فاختصصنا المنتدى الفتـيَّ، بعدد لا بأس به من البحوث، والكتب المصورة، والمخطوطات النادرة.. فإن المنتدى لما "قضى"، لم يكلف السادة الكرام المشرفون عليه أنفسهم عناء إرسال رسالة، إلى جميع الأعضاء تشكر لهم صنيعهم، تطمئنهم على مستقبل المنتدى.. تدلهم على روابط جديدة للكتب.. لا شيء! هذا -واسمح لي- من قلة ذوق المشرفين...
-ربما.. وعلى كل فمنتدى التراث المغربي والأندلسي أصبح من الماضي، ولا أظنه ينشر بعدُ!... لكن، ألم يخطر ببالك إنشاء منتدى يقتبس فكرة "منتدى التراث المغربي والأندلسي" ويزيد عليها؟؟

- بلى، لكن ليس الأمر بالسهولة التي تتصور، لأجل ألا يقضي المنتدى الجديد كسابقه في شهور.. تحتاج إلى تصميم جيد ومبتكر، وكثير من التفرغ، وكثير من المشرفين المتفرغين، وتقني أو تقنيين.. ومِلاك ذلك كله "الكِيسُ"، ولا تضطرني إلى التفصيل.. فإن السكوت عن الشكوى وشرح "الحال" من علامات "الكَيْس"!!
- فإن وجدت كل ذلك حاضرا، ومحضرا.. أتشارك؟؟
- ذكرتني بسؤال قديم كان المفكر الإسلامي العظيم مالك بن نبي رحمه الله طرحه في أواسط ستينيات القرن الماضي.. حكى بعض تلاميذه أنه نظم ندوة عنوانها: "لماذا لا يسلم غارودي"؟! السؤال لم يكن: لماذا أسلم غارودي.. وقد فعل بعد سنوات.. لكن السؤال كان: "بالنظر إلى كل كتابات غارودي، وتوجهاته الجديدة، ودفاعه عن الفكرة الإسلامية.. لماذا لا يسلم؟" كان هذا هو السؤال العميق، الذي لا يطرحه إلا أمثال "مالك" رحمه الله؛ وأنا الآن أجيبك بنفس السؤال... لماذا لا أشارك؟!! أنا أظن أن استفادتي من مثل هذا المنتدى إن وجد.. ستكون كبيرة جدا، بِلِحَاظِ أن منتدًى كهذا، سيفتح لك أبواب التعرف على باحثين، وشيوخ، وطلبة علم مغمورين، لا يحبون الظهور، ولا الشهرة؛ وسيجمعك بإخوان كرام، من وطنك، ومن مغربك الكبير الذي تعتز بالانتماء إليه.. وسيتيح لك بعدها إن شاء الله، كثيرا من فرص التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق.. كما أن "المذاكرة إحياء العلم" كما قال الأقدمون...
- يعني؟
- يعني، باختصار، وبلا "تفلسف".. منتدى كهذا لا يحتاج إلى أمثالي، بل أنا المحتاج إليه!!
- ... زرتَ منتديات الشروق من قبل؟؟

- نعم، أزورها بانتظام، لاسيما منتدى الشعر الملحون، فلقد وجدتُ فيه قصائد أعياني البحث عنها سنوات... فلأجل هذا اعتدتُ زيارة المنتديات بين الفترة والفترة، لعلي أجد فيها من نفائس قصائد الملحون، ما أطرب له..
- أنت عضو في المنتديات إذن؟..
- لا والله! تَعْلَمُ، أني "أتمرمد" في مقاهي الأنترنت منذ سنوات، لأجل هذا، فأنا أقصد إلى ما أريد مباشرة، وليس يسعني الوقتُ -وإن رغبتُ- في التسجيل في المنتديات، والمشاركة فيها.. هذا يحتاج إلى شيء من الالتزام، وهو نوع من الحياة الاجتماعية جديد، حياة اجتماعية افتراضية، تستلزم منك السؤال عن جيرانك، ورد الزيارة، وصلة الرحم... وهذا كله يستوجب وقتاً، وشيئا من فراغ، وأنا يقطعني الأول، ويفر مني الثاني!.. فلأجل هذا لم أسجل في المنتديات.. على إفادتي الكبيرة منها، وإن تشأ فقل: كان لي الغُنْمُ، ولم يكن عليَّ الغُرْمُ!
- فإن علمتَ بأن بعض الإخوان المشرفين على منتديات الشروق قد أعلمني، بأنهم بصدد تجديد المنتديات الإسلامية، وتسميتها: بالمنتدى الحضاري، وأن مقصدهم هو أن يقوم هذا المنتدى مقام "منتدى التراث المغربي والأندلسي"، فيكون مَرْجِعاً لتاريخ مغربنا الكبير، وأعلامه، ومخطوطاته، وكتبه، يصدر عنه كل باحث، أو طالب فائدة من رواد الشابكة؛ ومَفْزِعًا للجزائريين خاصة، والمغاربة عموما، والعرب والمسلمين جميعا، يلتقون فيه، ويتداعون إليه.. يتطارحون فيه الفكر، ويتذاكرون العلم، ويتواصون بالحق، في جو صافٍ من الأخوة في الله، والأدب الرفيع، والتناصح الصادق، واطراح العصبيات والأفكار المسبقة الجاهزة...
- إذا كانَ ذلك كذلك.. فقد "وجبت"! وغدا -إن شاء الله- أسارع إلى التسجيل في منتديات الشروق..
- ماذا سيكون معرِّفُك؟

- اليعقوبي!
- هل لهذا علاقة بـ"محمد يعقوبي" رئيس تحرير الشروق اليومي؟!
- لا.. أبدا! أكتبُ كثيرا باسم "اليعقوبي" منذ سنوات!
- كنتُ أمازحك فقط! فملتقانا "الشروق" إذن؟..
- (أليس الصبح بقريب)؟؟!
(يتبع)

اليعقوبي 08-04-2009 02:53 PM

مقدمات سامطات.. الجزء الثاني والأخير!
 
مقدمات سامطات.. الجزء الثاني والأخير!

اعذروني.. يا قراء هذا الموضوع..

قرأتم ما يقارب ستين سطرا، ولم أصل بكم بعدُ إلى صلب الموضوع.. هذه هي المقدمات -قبحها الله-، وهذه دهاليزها التي تضطرنا إليها.. فلا تلوموا!

قد يقول أحدكم: ماله يكتب عن نفسه، هذا المجنون؟ من يعدُّ نفسه؟؟ وماله يقص علينا خبر تسجيله في المنتديات الشروقية.. كأنه مكسب عظيم للمنتديات، أو كأن دعوة رسمية جاءته من المسؤولين ليشرِّفَ الشروق ومنتدياته بطلعته البهية! وما لِهذا الحوار الطويل "السامط"؟؟!

ولستُ ألومُهُ، من قال هذا، أو أكثر من هذا.. لأنني لو كنت مكان "أحدكم"، لقلتُ ولزدتُ!!

لكن -علم الله- لم أكتب ما كتبتُ تنويها باليعقوبي، أو ذكرا له.. إنما أحببتُ أن أجعل هذا الحوار (وهو حوار حقيقي، بل ملخَّص حوارات حقيقية، وقعت بيني وبين أحد أساتذتنا الكرام الكبار، تصرفت فيها قليلا، وشذبتُ وهذبتُ) مقدمة بينَ يدي مقالي، لأَقِفَكَ -يا قارئي الكريم-

1- على إعجابي الأولبمنتديات الشروق (قبل أن تَزْرَقَّ سَحْنَتُهَا... يوم كانت "بَيْضَاءَ لَيْسَ بِهَا خَالٌ وَلاَ نَدَبُ" كما يقول غَيْلاَن ذو الرُّمَّة!!).

2- وعلى رغبة مشرفيها، في الرقي بها (ولا سيما منتدياتها الحضارية) إلى مصاف المنتديات العربية القوية.

3- وعلى اجتماع كل أسباب القوة والتميز والصدارة في هذا المنتدى؛ من نيات مخلصة، وأفكار مبدعة، وإمكانات متوفرة، وجهود مبذولة، وعضويات كثيرة، وتوجهات فكرية منوعة..

4- وعلى لهفتي للتسجيل بها؛ للاستفادة.. والتعلم، والتناصح، والمذاكرة، والتعرف على النجوم المتوارية وراء سحب هضم حقوق النفس، وإيثار الخمول، والبعد عن المظهريات الجوفاء... لعلي أقنعهم بأن أوان النتاج قد حان، وأنهم دفنوا وجودهم في أرض الخمول ما يكفي النخل الصغير ليصبح نخلا قرواحا، ويساقط رطبا جنيا!.. وأن واجبهم الآن هو أن "يخرجوا من الزوايا" ليَرْوُوا ما تحملوا من العلم والرواية، ويُرْوُوا العطاش، ويتولوا السقاية.. ويأخذوا بيد "الأصاغر" ليكفوهم عن تعالمهم ورعوناتهم، ويهدوهم إلى مهيع الرشاد، والفلاح، والنجاح، في الدنيا والآخرة.
(يتبع)

محمد ايوب 08-04-2009 03:01 PM

Re: منتدى الشروق الحضاري.. لكيلا يغرب!! (قسما.. الذباب الحركي.. وهموم أخرى!!)
 
متابع...لسوطك يا..يعقوبي..فخفف الجلد

المشرف العام 08-04-2009 03:03 PM

رد: منتدى الشروق الحضاري.. لكيلا يغرب!! (قسما.. الذباب الحركي.. وهموم أخرى!!)
 
شكرا على هذه المقدمة الشجية.. ونعدك بأن منتدى الشروق باق بقاء المؤسسة، وهذا هو الفرق بين مشروع ينجزه أفراد فتتفرق بهم السبل، لكن منتدى الشروق هو ركيزة أساسية في مفكرة مؤسسة الشروق وإدارتها ومن حرص المؤسسة على بقاء هذا الصرح تسخيرها لإمكانات مادية معتبرة للمشاريع الإلكترونية...
تحياتي

gamalove2002 08-04-2009 03:07 PM

رد: منتدى الشروق الحضاري.. لكيلا يغرب!! (قسما.. الذباب الحركي.. وهموم أخرى!!)
 


لازلت تبهرنا برقي كلماتك
عسى ان تبهرنا بما لك من علم
حللت اهلا و نزلت سهلا

اليعقوبي 08-04-2009 07:32 PM

حل فمك!...
 
حُلّ فمك!

كان أوّلَ نائل (النائل هو العطاء، ما نلتَه من معروف إنسان) أصابني من المنتدى، ضربةٌ وجهها أحد الإخوة بلا مناسبة إلى فمي مباشرة.. كادت تُطِير أسناني! وتردني على عقبيّ!! لولا أن "عَظْمِي صْحِيح"! وأني صرتُ "فِي غِشَاءٍ مِنْ نِبَالٍ"!...
"حل فمك، طاروا سنِّيك".. فتحتُ فمي، وأنا أكتب تعليقاتي الأُوَلَ في المنتدى، منذ أسبوعين؛ رغبتُ أن أنصح لأحد الإخوة بنوع من التعريض، في قالب من المزاح.. كتبتُ، ثم قرأتُ ما كتبتُ.. ثم أرسلتُ به! وغرضي أن أقول لهذا الأخ: لا تثريب أن تناقش فلانا أو علانا من هذا المذهب أو ذاك، لا ضيرَ أن تنتقد فكرة، أو منهجا، أو سلوكا... ولكن، لا تُنَاقَش المسائل هكذا، ولا يُنْقَد الفكر كذلك.. ولا تُقَوَّم السلوكات بهذا.. أحببتُ أن أقول للأخ الكريم أيضا: إن في العالم شرورا مستطيرة أخطر، وأشد، مما تصر عليه في كل مشاركة، وإن الإنصاف عزيز.. وإن التهجم على الناس بقلة الأدب، وسوء الطوية، واستبطان الحقد، سبيل سالكة لكل جاهل، ومتعالم.. وأن النقد، والنصح بالحسنى، والطمع في هداية الناس، ورجوعهم إلى الحق هو سبيل الكُمَّل من المؤمنين؛ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يؤمن أحدك حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".. فالمؤمن الكامل الإيمان يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الطاعة، والهداية، وخير الدنيا والآخرة.. قال الإمام النووي: "وذلك سهل قريب على القلب السليم، وإنما يعسر على القلب الدَّغِلِ عافانا الله تعالى وإخواننا أجمعين".
ولأن النصيحة ثقيلة على النفس أبَدًا، فقد أحببتُ أن أسوقها في قالب من المزاح، فكانت: "ورأيت في المنام"..

فتحتُ فمي، بما رأيتُه نصحا ملففا في مزاح، وموعظة مغلفة بتلطف، ففوجئتُ بالأخ ينقض عليَّ، إخاله لو ظفر بي، لخنقني بـعمامتي (!!!) لكنه لم يجد إلا الكلمات.. كلمات "ليست كالكلمات" التي اعتاد قراءتها في الرد عليه! كلمات ليس فيها تهجم عليه، ولا كلام بالسوء عنه، ولا جهر بالسوء من القول ممَّن ظُلِمَ.. كلمات ليس فيها إلا "منام" بريء.. بريء جدا!!... لم يظفر مني إلا بالكلمات، وبمعرِّفِي.. فانقضَّ عليها! وجَّه ضربة -ظنها قاضية- إلى كلامي، هجم عليه هجوما كاسرا، سريعا، أهوج، لا يلتفت إلى ما في كلامي من المعاني، ولا يهتم إلا بمعرّفي الخاص: "اليعقوبي"؛ وشرع يضرب، (ويطرح ويجمع ويقسم)!

حتى جعلني حسيبا نسيبا في بني إسرائيل!..

ثم... خضتُ معه في كلامه، أدافعه، و"أرافعه" (وهو فعل اشتققتُه من الرافعي.. أي أخاطبه بأسلوب الرافعي في نقداته!..). ثم رجعتُ البصر.. وقلبتُ صفحات المنتدى.. وقرأتُ.. فعلمتُ سرَّ انقضاض الأخ عليَّ!..

ذلك أنه عدَّني في "زمرة أعدائه"، وظن أنني أسخر منه، فكتبَ وتهجم!

ولستُ أعفيه من تبعات أسلوبه الغريب، ولستُ ألتمس له الأعذار.. لكني فهمتُ السبب.. فبطل عجبي!

ثم.... إني لا أريد أن أخوض في حديث هذا الأخ، فإنه غائب، لكني يومَها، بدأتُ أرصد حركة المنتدى، لعلي أفهم سر هذه الحروب الطاحنة، والمعارك المستعرة!

ولستُ أحمل على هذا الأخ الغائب أية ضغينة، بل أنا أدعو له، ولي، ولأعضاء المنتدى، وللمسلمين جميعا: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا فِي الإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}..
(يتبع)


اليعقوبي 08-04-2009 09:03 PM

المنقولات والمعقولات... [الجزء الأول]
 
"المنقولات".. والمعقولات!
"وأنادائماً أستهجن ممّن يدّعي التّحقيق من العلماء إعادةَ ماذكره الماضون، إذا لم يضم إلى الإعادة تنكيتاً عليهم، أوزيادة قيدٍ أهملوه، أوتحقيق ٍتركوه أونحو ذلك مما هو مرام المحققين..." [قاله السبكي في: طبقات الشافعية 1/99].



طليعة


(قَدْ عَرَفْنَاكَ بِاخْتِيَارِكَ إِذْ كَــــــانَ دَلِيلاً عَلَى اللَّبِيبِ اخْتِيَارُهْ)

أزعجني أوَّلُ اكتشاف بعد تصفح عجول للمنتدى:
إن أكثر ما في المنتدى الحضاري من موضوعات منقول بحذافيره من المنتديات الأخرى.. فلا جِدَّةَ إذن! ولا ابتكار!!
ولا مانع من النقل إن يكن مفيدا، موجَّهًا، عِلْمِيًّا، رصينا.. لا مانع منه البتة، بل قد يكون ضروريا، ولا سيما إن كان النقل خلال مقال كتبه أحد أعضاء المنتدى، قصد به شد عضد بحثه، أو الاستدلال على جزئية فيه، أو سياقته لنقده وتفنيده.. هذا التوثيق في النقل مندوب، بل واجب..
فلم الانزعاج؟
لم يكن انزعاجي من هذه الشاكلة من النقول، إنما من الموضوعات المنقولة بحذافيرها..
ولا كل كل منتدى يسلَم من الموضوعات المنقولة، ولا كل موضوع منقول مزعجٌ،

بيد أن استفحال "المنقول" (بالنسخ واللصق) في منتدى ما، وغلبته على "بنات الأفكار"، حتى يصبح ظاهرة لافتة للزائر العجلان، تسترعي حواسَّه الخمسة! نذير داء مُدْنِفٍ مهلك.. قد يتسرَّب إلى المنتدى، أول أعراضه نزيفٌ حادّ (بفرار أولي الأحلام والأقلام والنهى منه)، وآخرها الموت المحقق (وعافاكم الله وعافى منتديات الشروق!)..

إن استكثار بعض أعضاء المنتدى من المنقول، ليس في الغالب دليلَ نشاط، ولا ذكاء، ولا علم! إنه لا يدل على شيء أصلاً!.. ولا يدل خصوصا على حيوية المنتدى، أو نشاطه، أو قوته... لسبب واحد، هو أن كل هذه الحيوية وهمية.. لأنها منقولة هي أيضا!!

وتخيل أن المشرف على المنتدى الحضاري خطر بباله حذف "المنقول برمته" من المشاركات.. كم ترى يبقى في المنتدى من موضوع؟؟ وأي نوع من الموضوعات يبقى؟!!

إن غلبة المنقولات على "بنات الأفكار" تزهّد الناس في زيارة منتدانا، لأن العاقل لا يترك المنبع الصافي وهو متاح له، ليشرب ما كدرته الدلاء!

وكثرة المنقولات.. تجمد المعقولات!
وأعود فأقول، ما كل منقول مرغوب عنه، فاختيار الرجل من وفور عقله، وهو قطعة من علمه؛ ولكن، ما كل منقول مرغوب فيه أيضا، وإن بعض الأعضاء هداهم الله، يفضحون قصر باعهم، وقلة اطلاعهم في العشي والإشراق، باختياراتهم التي ينقلونها إلى المنتدى!!
أَخَلَت الشابكة من مقالات علمية رصينة، من كتابات شرعية قوية، من بحوث مؤصلة، من مواعظ مشجية، أخلت الشابكة من التواصي بالحق؟ ألم يبق في الشابكة شيء لينقل إلا "مثير الفتن النائمة"؟؟!
عجبي من بعض إخواني.. طوّف الشابكة كلها، بكل شبكاتها؛ فلم يؤب إلى المنتدى الحضاري إلا بمقال يشطح، أو مقال ينطح؟؟!
الشاطح من مقالاتهم، يستصنم الشيوخ، والدعاة، وأهل العلم والفضل، ويفيض في المدح والثناء، ما لو كان ذلك العالم حاضرا، لقرف منه، واشمأز.. فإذا قيل له: "اتق الله، ولا تغلُ".. قال: "أنتم تطعنون في علمائنا، وتتكلمون فيهم، ولا تحبونهم"!
أو ينقل رأيا له وجه عند عالم ما، بحثا شرعيا، أو فتوى، أو كلاما مرسلا، في فرعية فقهية، أو نازلة عقدية، أو واقعية.. فإذا ناقش أحد الأعضاء مقالة الشيخ، أو رأيه (وكل يؤخذ من قوله ويترك) شن الناقل حملة شعواء، على الناقد، واتهمه بالاستخفاف بأهل العلم، ورد أقوالهم، والتعالم، والافتئات، والجهل، والجمود والتعصب والتقليد الأعمى (مع أن الناقل -غالبا- أحق بهذه الصفات.. لا سيما الأربع الأخيرات!)..
وهذا من أكبر ما ابتليت به منتدياتنا من الشطح، كأن مقولة متأخري الصوفية الشهيرة: "من قال لشيخه لِمَ لَمْ يُفْلِحْ".. انتقلت إلى "السلفيين"! فأصبح من يناقش شيخا من "الرموز" كارها وقاليا لهم، حاقدا ومتحاملا عليهم، مع أن هؤلاء الرموز أنفسهم،لا يقرون مثل هذا الغلو، أو قل "الغباء"، بل لقد أمضوا حياتهم معلمين ومتعلمين، يسمعون كلمة الحق من كل أحد صغيرا كان أم كبيرا..
أما الناطح منها، فيهاجم شيخا، أو داعية، أو طالبَ علم، أو تنظيما إسلاميا، أو جماعةً، فينفي عنهم كل خير، ويدفع عنهم كل منقبة.. فإذا قيل له: "اتق الله، ولا تُفْرِط!" صاح: "أيها الحزبيون المفلسون، يا من تقدسون الأشخاص.. ألم تتعلموا أن الحق لا يعرف بالرجال!"..
ونسيَ -هداه الله- أنه يجعل شيوخه، الذين يكيل لهم المدائح دونَ ضابط شرعي، ولا وازع علمي، أعلاما وصُوىً في طريقه إلى الحق جل في علاه!
(الأعلام والصوى هي ما يعرف بالإشارات، التي يهتدى بها في الطريق)

ولو أن أصحاب هذه المقالات الشاطحة الناطحة، رجعوا إلى حكمة، وعلم، وتبصر؛ لنقلوا لنا كل ماتع من الكتابات، ومفيد، ومحكم! لكنها عين الرضا وعين السخط التي قال عنها عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة == ولكن عين السخط تبدي المساويا
ولو عرفوا عين الإنصاف، التي قال عنها فقيه الجلفة الشيخ الجابري السالت حفظه الله، مجيزا للبيت المتقدم:
وَلَكِنَّ لِلإِنْصَافِ عَيْنٌ إِذَا رَنَتْ == تَبَدَّتْ لَهَا الأَشْيَاءُ حَقًّا كَمَا هِيَا
لو عرفوا عين الإنصاف، لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من إجحاف!
ولا أدري، هل سمع أحدهم، وهو يرقم كلماته الظالمات في إخوانه، مقالة الإمام محمد بن سيرين رحمه الله: "ظلمت أخاك إذا ذكرت مساوئه ولم تذكر محاسنه".
وما أدري هل علموا بما روى الخطيب البغدادي في جامعه، عن الإمام الشعبي، قال: "كانت العرب تقول: إذا كانت محاسن الرجل تغلب مساوئه فذلكم الرجل الكامل، وإذا كانا متقاربين فذاكم المتماسك، وإذا كانت المساوئ أكثر من المحاسن فذالكم المتهتك"..

ولو علموه، أتراهم كانوا ينقلون كل تلك المقالات الظالمات... وأحسن أنموذج لها (المقالات الظالمات) هو مقال: "الذباب الحركي" الذي شرفنا أحد أعضاء المنتدى، بـ"نقله" إلينا؟؟!

(يتبع)

معتدل 08-04-2009 09:41 PM

رد: منتدى الشروق الحضاري.. لكيلا يغرب!! (قسما.. الذباب الحركي.. وهموم أخرى!!)
 
جميل ... تابع وأخوك متابع

سليم1 09-04-2009 02:16 AM

رد: منتدى الشروق الحضاري.. لكيلا يغرب!! (قسما.. الذباب الحركي.. وهموم أخرى!!)
 
السلام على من خاف على أسنانه ، و إفتقدناه و إفتقدنا قلمه الفذ cupidarrow
أين أنت يا رجل ؟

أحييك على قلمك المسلول شيخي الكريم "اليعقوبي" ، فأنا "سليم" كما عهدتني بالمعنى السليم أو السقيم كما تريد ، فلا أزال لديغا بنار الحق التي يراد لها الإطفاء من أصحاب الشطحات ، فلم نجد إلا رد الشطحات بالنطحات كالكباش ليعلم هؤلاء المتأخرين سلفيين و صوفيين معا أن كل من يصتصنم شيخا يجد ألف واحد يهين صنمه و يحيل عليه التراب بكل سهولة ، لا سبا للشيوخ حفظهم و رحمهم الله ، لكن إيضاحا لأخطاء البشر حتى تصحح عقائد المبتدئين في الدين الذين لا "باع" لهم و لا "موه" من العلم حتى "مَرمَدُونا" معهم "مَرمَدَة" لم أصل إليها من قبل و أنا أشرح كتابا بصعوبة العقيدة الطحاوية للقوم "الطَحَانيـَة" ، أو بالذوذ عن مؤلف الإمام مالك "المدونـة" لعقول باتت في جملتها "مُرَوّنـَـة" ، أو يالإستدلال بصحيح مسلم و البخاري لأجد أن الحديث ضعيف حديثا و رمي به في البراري ، أو تلك المرويات عن أبي داوود و أحمد و النسائي لأجد أن القوم تفضل الفتوى دون دليل من أي روائي ، تعلموا حرفا من بحر ، فهرعوا للمسجد يعتبرونه معركة بدر ، يقاتلون فيها كل من خالف مفاهيمهم و يصفون بالضلال و الكفر ...

و لقد أرسلت قائلا و مشكورا و برمزية كلاما جميلا قائلا :

اقتباس:

وإن التهجم على الناس بقلة الأدب، وسوء الطوية، واستبطان الحقد، سبيل سالكة لكل جاهل، ومتعالم.. وأن النقد، والنصح بالحسنى، والطمع في هداية الناس، ورجوعهم إلى الحق هو سبيل الكُمَّل من المؤمنين؛ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يؤمن أحدك حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".. فالمؤمن الكامل الإيمان يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الطاعة، والهداية، وخير الدنيا والآخرة.. قال الإمام النووي: "وذلك سهل قريب على القلب السليم، وإنما يعسر على القلب الدَّغِلِ عافانا الله تعالى وإخواننا أجمعين".
اقتباس:



ولأن النصيحة ثقيلة على النفس أبَدًا، فقد أحببتُ أن أسوقها في قالب من المزاح، فكانت: "ورأيت في المنام"..


فكان لزاما علي ايضا في طابع أخوي أن أقول أن السرائر تترك لله ، فلا احد يطلع على قلب أحد ، وسأُدرج نصيحتَك في عالم "ما بال أقوام" أفضل إقتداءا برسول الله صلى الله عليه و سلم حتى أكفي نفسي شر الدفاع عن مكنوناتها و أستعين بتضعيفها عليها حتى أتحكم في زمام أمرها ... و الحمد لله أنك ترى حتى هذا الوقت أن كلمة "سليم" تحمل معنى جميل كما حملها القرآن معنى سليما أكد علماء الصحابة و إن خالفهم الخلف رضي الله عنهم أجمعين ، و ما كان رد فعلي إلا أنك سيدي الكريم "اليعقوبي" ، بادرت و قلت معترفا أنك كنت "مازحا" في موضوع "جدي" لا زال يقطر منه دم إخوتنا في الجزائر و لم يجف بعد و يتكلم عن مجرمي الحرب الذين أفتوا بقتلنا ، و ما كان موضوعك في محله ، فقد دخلت في نعي جنازة مات فيها 200 ألف قتيل مسلم شهيد جزائري ، و لكنك دخلت "مازحا" ، فلم يكن لأحد أن يستقبل "المزاح" في دم ثكالاه ، و ها أنت ترى أن موضوع مجرمي الحرب أصبح محل جد من طرف كل الجزائريين و قد رد منهم الآلاف بل و الملايين على زيارة المشايخ السعوديين و غضبوا في أنهم هم من "أمروا بقتلنا" ... فلا مزاح في دم المسلمين سيدي الكريم

لكن

و بعدما قرأت لك هذا التحليل الرائع معظمه و قد أعيتني فعلا ال 60 سطرا كمقدمات ، لم أجد إلا أن أعجب بقلمك الفذ الجميل في تحليل الأمور و ترتيبها ترتيبا "سليما" بالمعنى الجميل للكلمة ، و الكمال لله ، فعفى الله عما سلف .... إبتسم و لا تخف على أسنانك بعد الآن icon30

نحن فعلا بحاجة إلى من لهم بنات أفكارهم ، نناقشهم و لو خالفونا في كل شيء ، لا نبحث فيهم عن إفحامهم و إن كنا نستفز أقلامهم لننال أم أفكارهم لا بناتها فقط ، بل نستكشف البشر فيهم و نسيح في أقرب خلق الله لنا و هو النفس البشرية التي جعلها الله في خليفته في الأرض ، فأعظم سياحة في نظري السياحة في أعماق البشر "و في أنفسكم أفلا تبصرون" ، و نتبادل معهم أطراف المعرفة و العلم و سقل الأفكار ، بل و طرح المشاكل على الطاولة لا الدفاع عنها بدل لمعالجتها ، فقد يئسنا من مناقشة من يغرقون المنتديات بالنسخ و اللصق و التقديس و التكفير و التضليل و كل ما ينفر العضو قبل المشرف

فتقبل إعتذاري لك سيدي الكريم أمام الملأ
و هنيئا لمنتدى الشروق بشخص مثلك

تحياتي الخاصة و الخالصة لك سيدي اليعقوبي

تابع ، و ستجدني لما ترسل متابع

شكرا لك و تصبح على خير



معتدل 09-04-2009 02:02 PM

رد: منتدى الشروق الحضاري.. لكيلا يغرب!! (قسما.. الذباب الحركي.. وهموم أخرى!!)
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سليم1 (المشاركة 581233)
و بعدما قرأت لك هذا التحليل الرائع معظمه و قد أعيتني فعلا ال 60 سطرا كمقدمات ، لم أجد إلا أن أعجب بقلمك الفذ الجميل في تحليل الأمور و ترتيبها ترتيبا "سليما" بالمعنى الجميل للكلمة ، و الكمال لله ، فعفى الله عما سلف .... إبتسم و لا تخف على أسنانك بعد الآن icon30

فتقبل إعتذاري لك سيدي الكريم أمام الملأ و هنيئا لمنتدى الشروق بشخص مثلك

تحياتي الخاصة و الخالصة لك سيدي اليعقوبي

تابع ، و ستجدني لما ترسل متابع

شكرا لك و تصبح على خير





هذا السيناريو ما كان متوقعا ... بداية موفقة ...
حلت المشكلة الأولى "حل فمك، طاروا سنِّيك"..
واستبدلت بــ"إبتسم و لا تخف على أسنانك بعد الآن"
في انتظار ما يأتي ...

أثمن تثبيت الموضوع ... كنت سأطالب به ولو لفترة ...
متابع ...

مصطفى فرحات 09-04-2009 02:20 PM

رد: منتدى الشروق الحضاري.. لكيلا يغرب!! (قسما.. الذباب الحركي.. وهموم أخرى!!)
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة معتدل (المشاركة 581888)
هذا السيناريو ما كان متوقعا ... بداية موفقة ...
حلت المشكلة الأولى "حل فمك، طاروا سنِّيك"..
واستبدلت بــ"إبتسم و لا تخف على أسنانك بعد الآن"
في انتظار ما يأتي ...

أثمن تثبيت الموضوع ... كنت سأطالب به ولو لفترة ...
متابع ... [/center]

وقد فعلت، لمّا استشعرتُ أهميته.. ووالله ما أحوجنا إلى لحظات الصفاء والتصافي، والنهل من العلم، بعيدا عن الغوغائية والجهل.. وللأسف.. مشكلة المنتديات هي أنها تجعل من لا يحسن كتابة اسمه يتطاول على من لو لقيهم في العالم الحقيقي لرضي بأن يكون تلميذا لتلاميذهم!!
في انتظار ما تجود به علينا أقلام اليعقوبي وابن باديس والمعتدل والمسترشد وغيرهم..


اليعقوبي 09-04-2009 04:45 PM

المنقولات والمعقولات [الجزء الثاني]
 
المنقولات والمعقولات
الذباب الحركي.. و"الناموس" السلفي!

"عن أحمد بن عمرو بن المقدام الرازي، قال: وقع الذباب على المنصور فذبَّه عنه، فعاد فذبَّه حتى أضجره، فدخل جعفر بن محمد عليه (الصادق، بن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنه وعن آبائه) فقال له المنصور: يا أبا عبد الله، لِمَ خَلَقَ اللَّهُ الذُّبَابَ. قال: لِيُذِلَّ بِهِ الْجَبَابِرَةَ!". [حلية الأولياء 1/482؛ وقد روي الخبر أيضا عن مُقاتل بن سليمان، لكنه بكلام الطَّالِبِيِّين أشبه!].


لو قيل لي التمس مقالا ظالما، غشوما، مجحفا، شاطحا، ناطحا، لا ينظر إلى شيء مما عند الناس إلا بعين خزراء ساخطة، كالذي كنتَ تحدّث عنه آنفا؛ لما وجدتُ خيرا من هذا المقال: "الذُّباب الحركي" الذي كتبه الدُّكتور حَمَد العثمان، ونقله أحد إخواننا أعضاء المنتدى (جمال البليدي).

لمن لا يعرف الدكتور حمد بن إبراهيم العثمان، فإنه أستاذ بكلية الشريعة بجامعة الكويت، وهو من تلاميذ الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، وقد كنتُ قرأت له بحثا حديثيا مستوفيا في تخريج آية الرجم المنسوخة، واطلعتُ على ملخَّص لبحثه: "كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم".. كما قرأتُ ثناء الشيخ الفاضل: أبي تيمية إبراهيم الميلي (وحسبُك به علما، وفضلا، وحكمة) عليه وعلى كتابه: "أصول الجدل والمناظرة في الكتاب والسنة" (في ملتقى أهل الحديث).. هذا ما كنتُ أعرف عن الشيخ حمد العثمان.. لكن، لم يكن يخطر ببالي أنه يكتب في الجرائد، بهذا الأسلوب!!

وسبحان المتفرد بصفات الكمال، وسبحان من خلق الإنسان ضعيفا!

ومن أعظم الدلائل على ضعف الإنسان، وعجزه، ظلمه الناس، وقلَّة إنصافه من نفسه، حتى أن هذا يقع من النبلاء والفضلاء وأهل العلم.. والمقال من هذه البابة!
وصدق الإمام الذهبي: "والإنصاف عزيز"!.. وإنصاف المرء لإخوانه -وإن كانوا مخالفين- دليل كمال إيمان، وتجرد، وهضم لحق النفس.
وليس الإنصاف يعني السكوت عن الباطل، أو إقرار الظالم على ظلامته، أو المبطل على باطله؛ أبدا لا يعني الإنصاف هذا، بل إنه يعني ذكر المحاسن والمساوئ (كما تقدم في مقالة الإمام ابن سيرين)، والنقد دون التجريح، والتماس الأعذار، وحسن العرض..

لو كتب أحدنا في هذه الأيام، يصفُ "فلانا" من "آيات الله" أو "حُجَجِ الإسلام"؛ بأنه "من فضلاء الشيعة"؛ أو يصفه بالعلامة، أو "الذكي الولي"، أو يصف بعض كتبه بأنها "ممتعة، تدل على سعة علمه".. أو يتأول له مقالةً ظاهرها الكفر نطق بها، أتراه كان يَسْلم من سِنَانِ بعض إخواننا؟؟
مع أن كل ما تقدم من العبارات -إلا "فضلاء الشيعة"-، هو للإمام الذهبي -رحمه الله-؛ أحد الأمثلة الكثيرة على إنصاف أئمتنا رضي الله عنهم؛ اقرأ في السير أو اللسان، ترجمتَه للشريفين: المرتضى [أبي طالب علي بن حسين بن موسى]، والرضيّ[أبي الحسن محمد بن حسين بن موسى]؛ أو ترجمته لأبي يعلى حمزة بن محمد الهاشمي الجعفري، عالم الإمامية (وهو الذي تأول له قوله في حدوث القرآن، مع أن الإمامية معتزلة في مجمل الأصول يرون خلقَ القرآن!)..
وقبل أن تستدرك علي: "ومن أين جئت بفضلاء الشيعة هذه"؟؟ أحيلك إلى "درء تعارض العقل والنقل" لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (1/ 89) فإنك واجدها ثم، قالها الإمام في حق ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة!

هؤلاء هم سلفنا الصالح، وهذا إنصافهم.. إنهم لم يكونوا ينطلقون في ردهم على المخالف من حقد، أو غل أو بغض؛ بل كانوا ينطلقون من بيعة نبوية سلسلها السادة عن السادة سندا متصلا: "بايعتُ رسول الله على النصح لكل مسلم"! كانوا ينطلقون من "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".. وهذا هو مفتاح الإنصاف: "من أراد أن ينصف الناس، فليحب لأخيه ما يحب لنفسه" [رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق 42/517 عن الإمام علي].

آسفنيأن أقرأ للأخ محمد أيوب -تعقيبا على مقال الذباب الحركي- يصف الشيخ حمد العثمان بالجاهل؛ ولكن الأخ محمدا معذور، فهو لا يعرف الشيخ حمد، ولم يقرأ له إلا هذا المقال، ولأجل هذا حكم بهذا الحكم، من خلال هذه الجزئية.. والشيخ حمد العثمان -وليعذرني- هو من جرَّ على نفسه هذا الأذى، كما قال الأحنف بن قيس: "من أسرع في الناس بما يكرهون، قالوا فيه ما لا يعلمون"، وهو ما وقع تماما!..
هل أنصف الشيخ حمد في موضوعه؟ اللهم لا! لا والله، ما أنصف من وصف جماعة كاملة يزيد تعداد المنتسبين إليها على الملايين بالإفلاس، ومن رمى قادتها -هكذا دون فرز، ولا تفصيل- بالاستنان بعمرو بن عبيد المعتزلي في ثلبه العلماءَ، ومن جعل الحركة الإسلامية: "مستنقعا عفنا".. لا والله ما أنصف، ولا عدل، ولا أتى الناس بما يحب أن يؤتى به! (أخرج في شعب الإيمان -11136- عن عبد الله بن مسعود : "من أحب أن ينصف الناس، من نفسه فليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه").
وأنا أسأل هذا الشيخ الفاضل، هل تنكر ما للشيخ الفاضل العلامة عمر سليمان الأشقر (الإخواني) من فضل على أهل الكويت خاصة، وعلى المسلمين، في تبسيط العقائد -على ضوء الكتاب والسنة-، وهل تنكر ما للعلامة محمد سليمان الأشقر (الإخواني) من فضل على طلبة العلم في الكويت خاصة، في تعليم الأصول والفقه؟ وهل تذكر ما للشيخ عبد الرحمن عبد الخالق (المجرح عندكم) من فضل على السلفية في الكويت؟
(وإذا كان الشيخ ابن باز رحمه الله قد راجع كتابه المنهجي الجامع: الصراط، وقدم له؛ ورد عليه وشنَّع ورفض الشيخ ربيع، فبأي القولين نأخذ؟؟!)؛
رحمك الله يا شمس الدين (ولا أعني به العاصمي!!)، يا أبا عبد الله، يا محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز، يا إمامنا الذهبي؛ رحمك الله، ما كان أعرفك وأخبرك بالناس يوم قلت: "والإنصاف عزيز".
حين تقرأ للشيخ حمد العثمان، يشتم الشيخين الفاضلين، العالم المفسر الدكتور أحمد نوفل، والداعية الفاضل المجاهد الشيخ وجدي غنيم؛ ويصفهم بالصفاقة والقبح (!!) تعجب.. تتساءل؟ لم هذان بالخصوص؟ ماذا نقم عليهما الشيخ العثمان؟
لكن حين تعلم، أن موقفه منهما، ليس مبنيا على أساس شرعي أو منهجي (فغيرهما من قادة الإخوان، ولاسيما في بلده أحق بهذه الشتائم)؛ بل على أساس من الشوفينية الوطنية المبالغ فيها.. يزول كل عجب!
ألم يكن أحجى، لو أن الشيخ الفاضل ترك بنيات الطريق، في مقاله ذاك، وخاض مباشرة (بدافع من الوطنية، لا تحت ستار من الدين والمنهج والدفاع عن العلماء) نحو هدفه ووجهته: "وجدي غنيم وأحمد نوفل"؟؟!
نعم، إن المتابع للصحافة الكويتية، يفهم ما أعني.. إن كثيرا من كتاب العمود الصحفي فيها (ليبراليهم، وإخوانيهم، وسلفيهم، وجهاديُّهم) اشتهروا بسب وشتم مخالفيهم، بأقذع الشتائم، وأفحشها.. لعلكم سمعتم عن مقال ذلك الليبرالي الخبيث في حق العلامة الشهيد الشيخ نزار ريان رحمه الله، لقد قال قولة، لم يجرؤ اليهود أنفسهم على قولها! وكذلك مقالات "محمد المليفي" ليس في أكثرها للأدب الرفيع أو الكلمة الراقية محل! وكذلك بعض مقالات الشيخ عبد الرزاق الشايجي، وكذلك بعض مقالات الشيخ حمد العثمان!! إنها طريقة ارتضاها كل ممثلي الطيف الفكري والسياسي في الكويت، واشتركوا فيها... والذي يخرج هذا المقال "الذباب الحركي" من سياقه العام، جاهل، أو متجاهل.
هذا أول ملحظ على مقال الشيخ حمد العثمان، أنه كتب بأسلوب، ارتضاه المختلفون فكريا وسياسيا في الكويت فيما بينهم؛
أما الملحظ الثاني، فهو الدافع الوطني الشوفيني للمقال؛ وأحب أن أذكر هنا، أن "سلفيي الكويت" هم أصحاب الفضل في "طرد" الشيخ وجدي غنيم من البحرين، وتشريده، ومحاربته من بلد لبلد، ومحاصرته في لقمة عيشه.. بسبب شريط مسجل (سنة 1990!) تحدّث فيه وجدي غنيم عن الغزو العراقي للكويت، وذكر فيه أن الله عاقب أهل الكويت على معاصيهم المتظاهرة بصدام، وأن انتشار الشذوذ وغيره من الموبقات بينهم أكبر سبب لهذا العقاب الرباني.. وبعيدا عن موافقة الشيخ أو معارضته في "التفصيلات"، واتهامه العامة بذنوب الخاصة، فإن أصل فكرته سليم صحيح لا غبار عليه: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ}؛ {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا}..
وكان على الشيخ حمد وغيره، أن يذكروا هذه الآيات التي احتجوا بها على الناس، يوم غضب الناس، لاحتلال أفغانستان، واحتلال العراق، ومأساة الجزائر وغيرها من الأحداث الدامية التي مرت علينا..
وهب أن الشيخ وجدي أخطأ، أتطاردونه بكلام قاله قبل 19 سنة؟؟! أتفتشون عن تسجيل لمحاضرة، لم يعد قائلها يذكر ما قال فيها، ثم توزعونه على أعضاء مجلس الشعب، وتطالبوا الدولة التي تضيفه بطرده وأهله منها؟؟! إن لم يكن هذا هو الظلم، بعينيه فما هو الظلم؟
في شعب الإيمان للإمام البيهقي (7/504): "قال الحليمي رحمه الله [يعني الإمام أبا عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الجرجاني الشافعي؛ رئيس المحدثين والمتكلمين بما وراء النهر -كما وصفه الذهبي في السير- (ت: 403هـ).. وله المنهاج في شعب الإيمان، وهو الذي يكثر الحافظ أبو بكر البيهقي النقل عنه]:
ولا ينبغي لمسلم أن يتمنى بقلبه لأخيه من الشر ما يكره لنفسه، أو يكره له من الخير ما يتمناه ويحبه لنفسه، وإذا عرضت لجماعة المسلمين بليَّة فلا ينبغي لأحد منهم أن يتسبب إلى الخلاص بإيلام الآخرين والإغراء بهم، بل ينظر لهم كما ينظر لنفسه. فإن عجز، نظر لنفسه من حيث لا يضرهم؛ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: مثل المؤمنين في تراحمهم و توادهم و تواصلهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -كما أفاد الشيخ حمد العثمان في مقاله-: "ومن أعظم خبث القلوب أن يكون في قلب العبد غل لخيار عباد الله".. ولا أدري ماذا يسمي الشيخ حمد عداءه لمن سماهم "الذباب الحركي"! ولا أدري، ما يعدُّ الشيخ حسن البنا، في الأولين، والشيخين عمر ومحمد الأشقر، والشيوخ: مناع القطان، وعبد الفتاح أبو غدة، وحسن أيوب، و... القائمة طويلة؛ ولولا أن الله سخرهم لخدمة شريعته، ووقفهم للدعوة إلى الله في الكويت وغيرها من أرض الإسلام، أترى الشيخ الفاضل حمد العثمان كان يستطيع الكتابة في الجرائد اليومية الكويتية؟؟!

"الإنصاف عزيز"!!

انظرإلى طريقة الشيخ حمد في تحامله على جماعة كبيرة من المسلمين، وفي مهاجمته لها بالجملة، وفي التشنيع عليها دون تفصيل.. واقرأ لشيخه (العلامة الإمام الشيخ محمد بن عثمين): [من حديث طويل، فرغ من سلسلة اللقاء المفتوح، حين سئل: هل تحذِّر من هذه الأحزاب؟!]:
"- لا؛ أنا أحذِّر من التحزب..
- السائل: ولكن واقع الأحزاب بنفس هذا المعنى!
- الشيخ: لا؛ لأني لو قلت: أحد الأحزاب، فقد يكون هذا الحزب على حق، فلا أحذِّر منه؛ بل أحذِّر من التحزب، وأرى أنه يجب على مَن يقال عنهم: إن هؤلاء من التبليغ، وهؤلاء من الإخوان، وهؤلاء من السَّلَفية، وهؤلاء من الإصلاح، وما أشبه ذلك؛ أرى أنه يجب أن يجتمع بعضُهم إلى بعض، وأن يتدارسوا الأمر، وأن يخرجوا بفكر واحد ورأي واحد.. أما أن يتعادَوا الآن كما هو في الساحة؛ فتجد هؤلاء يسبون هؤلاء، ويقعون في أعراضهم، فهذا يُوْهِنُ الجميع.. فالعامة إذا رأوا أنهم في عمىً؛ هذا يقول: الحق عندي، والباطل مع ذاك، وذاك يقول: الحق عندي، والباطل مع الآخر، فإنها تبقى متحيِّرة"...

واقرأ شهادة الشيخ الدكتور جعفر الشيخ إدريس، عن الشيخ ابن باز رحمه الله: "لقد عرفتُ علماء عدة من المسلمين عرباً وغير عرب، فكان مما يؤسف له أن تجد الكثير منهم ينتقد رموز المعاصرين، إلى درجة تصل به إلى احتقارهم. إلا الشيخ -رحمه الله- (ابن باز) فقد كان ينقد غيره بأدب قلَّ نظيره، لا يحتقر أحداً، ولا تجري على لسانه تلك الكلمات الشنيعة التي تسمعها اليوم هنا وهناك في حق الدعاة والعلماء؛ وكان -رحمه الله- يمدح الكثير من الدعاة أمثال المودودي والبنّا، ويحلُّ غيره من العلماء، فكان لا يذكر الشيخ الألباني إلا ويصفه بالعلامة، ويثني على زملائنا الموجودين حوله، وأذكر أنه سُئل مرة عن الشيخ المودودي وأنه يُؤَوِّل فأجاب قائلاً: إنه -أي المودودي- أخطأ، لكن هذه المسألة دقيقة، وإن الإنسان إذا اشتهر فضله ينتقد لكن لا يشنَّع عليه".

قارن بين حكمة وعلم وطريقة هذين الإمامين الجليلين، وبين كتابات الشيخ حمد العثمان، واحكم بنفسك هل كتابته من قبيل النقد أم التشنيع والاحتقار؟؟!..

هذا فرق ما بين الشيخ والتلميذ.. فهل أقِفُكَ على فرق ما بين الشيخ حمد العثمان (السلفي)، والسلف الصالح؟؟
أخرج البيهقي في شعب الإيمان (رقم: 11137): عن عبد الله بن يزيد قال: شتم رجل ابن عباس، فقال: إنك تشتمني وفيَّ ثلاثٌ:
1- إني لأسمع الحَكَمَ من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأحبه و لعله لا أقاضي إليه أبدا.
2- وإني لأسمع بالغيث يصيب البلدة من بلدان المسلمين، فأفرح به وما لي بها سائمة ولا راعية.
3- وإني لآتي على آية في كتاب الله، فوددت أن المسلمين كلهم يعلمون منها مثل ما أعلم.

ورضي الله عن ترجمان القرآن، ما كان أفقهه بقول الحق جل في علاه: {إنما المؤمنون إخوة} فكل هذه الخصال الثلاث من مصاديق هذه الآية.
وفي شعب الإيمان أيضا: (رقم: 11138): عن عتبة بن عبد الله بن مسعود قال: من ضمن لي ستا ضمنت له الجنة:
1- لا تجبنوا عن قتال عدوكم.
2- ولا تغلوا فيكم.
3- وأنصفوا الناس من أنفسكم.
4- وخذوا لمظلومكم من ظالمكم.
5- ولا تظالموا في قسمة مواريثكم.
6- ولا تحملوا ذنوبكم على ربكم.. فإذا فعلتم ذلك دخلتم الجنة
فهلا تركنا الغلو في شيوخنا؟ وأنصفنا من أنفسنا؟؟ وأخذنا من ظالمنا لمظلومنا؟؟ وأي ظلم أشد على النفس، من الصد والإعراض، والطعن في الأعراض؟!

هذا بالطبع غيض من فيض.. وما أحب أن أكون "نقالا" يكثر النسخ واللصق... لكنه الدين، والورع، والتقى، وكريم الأخلاق، يرثه الخلف عن السلف، فيفوزون، أو يُضِيعونه فيَضِيعون!

وقد كانتْ قلة الإنصاف، وظلم الناس تقع لبعض سلفنا الصالحين، رحمهم الله، وهذا طبيعي، لأنهم بشر، يخطئون ويصيبون، ولأن الحسد وغيره من أدواء النفس، كانت تعرض على قلوبهم كما تعرض الآن على قلوبنا.. لكن كان الأئمة، ينتصفون من الظالم للمظلوم، ويعدلون كفة القبان قبل فوات الأوان؛ وكثير منكم يذكر ما كان بين الإمام مالك رضي الله عنه، وابن إسحاق، أو بين محمد بن يحيى الذهلي والبخاري؛ فهل تعلمون ما قال الحافظ السليماني في الإمام الطبري؟ قال الذهبي: "أقذع أحمد بن علي السليماني الحافظ، فقال: كان يضع للروافض.. كذا قال السليماني وهذا رجم بالظن الكاذب، بل ابن جرير من كبار أئمة الإسلام المعتمدين، وما ندعي عصمته من الخطأ، ولا يحل لنا أن نوذيه بالباطل والهوى، فإن كلام العلماء بعضهم في بعض ينبغي أن يتأنى فيه، ولاسيما في مثل إمام كبير"..

الإنصاف عزيز أيها الكرام! ولكن إخواننا -هداهم الله- ساقوا مقالة الشيخ حمد العثمان الظالمة الجائرة، وصاروا يضربون لها الأمثال، ويحتجون لها، ويدافعون عنها.. حتى خاضوا في معنى الحركي، و"نقل" لنا الأخ جمال البليدي متفضلا تعريفا سامطا لا معنى له (غير الشتم، والسب، وقلة الإنصاف) للحركي، كتبه الشيخ عبد المالك رمضاني.. كأنه القول الفصل! ونسي أخونا "جمال" أن عبد المالك هو الخصم والحكم! وأن له موقفا معاديا للحركة الإسلامية كلها..
وقد فهمتُ على ضوء من مقالة الشيخ حمد العثمان، وتعريف الشيخ عبد المالك رمضاني؛ أن "ناموس" السلفيين (الناموس هو القانون أو الشريعة): هو تصيد "ذباب الحركيين"! وأن الحركيين مدانون، مجروحون بأعيانهم لمجرد انتمائهم للحركة الإسلامية.. فالحركة الإسلامية هي "أصل التهمة".

كل من انتسب إلى "الحَرَكة" (بفتحتين!!) مجروح مدان!

(هنا فقرة ضاعتْ بسبب انقطاع مفاجئ للتيار الكهربائي.. فأنا أحاول استجماع أفكاري لكتابتها من جديد!!)
ثم إن الشيخ حمد العثمان، ابتكر تقسيما جديدا، فجعل من الحركيين "ذُبَابا"!

اقتباس:

"الذباب الحركي معروف، له جناح ولا يطير، وكلما طار وقع، وهذا إما لفساد نيتهم أو نقص علمهم، أو الاثنين معا."

لاحظ! حتى الذباب لم يسلم من الطعن في النية!! وما الذي لا يعجب الشيخ الفاضل في الذباب، وقد تقدمت مقالة الإمام الصادق عليه رضوان الله: "خلقه الله، ليذل به الجبابرة"! فالشيخ حمد، من حيث لم يكن يدري، ولا يقصد، مدح "الحركيين" بأنهم خلقوا ليذل الله بهم الجبابرة، (لأنهم ذباب!) وهذا من أصح الصحيح، وأصدق الصدق.. فمن هذا الوجه وحده، صدق تشبيه الشيخ حمد العثمان!

ثم ما هذه الاستعارة العرجاء؟؟ ذباب.. لا يطير، وكلما طار وقع.. ومع هذا هو "ذباب" و"حركي" أيضا؟؟! ماذا بقي له من "زَفِّ" الذباب، و"الحركة"، إذا كان لا يطير، وكلما طار وقع.. لينسب إليهما معاً؟؟! مشكل!.. و"الأشكل" منه أن الشيخ حمد العثمان أحب بعدها أن يكمل دائرة تشبيهاته، فقال:
اقتباس:

"والذباب الحركي أنواع إلا أن أشده قبحا وصفاقة من لا يقع على شيء.. ويطلق العنان للسانه في سب وثلب خيار الأمة"!!

يا سلام! ذباب لا يقع على شيء... ومع هذا هو أشد الذباب صفاقة وقبحا؟؟ لعل الشيخ لم يُبْتَلَ (وهو المنعَّم بالحياة المكيفة!.. اللهم لا حسد!) بذلك الذباب الصيفي، الصفيق، الوقح.. السامط الذي "يلصق" بالإنسان، وهو نائم أو يقظان، يقع على وجهه، ويدخل إلى أذنه، وأنفه، وفمه!.. لعله لم يسمع به حتى، ما ألطف ذبابا يسلم الناس منه (إلا الجبابرة!)، فلا يقع على شيء!! ليتَ ذبابنا كله من "الذباب الحركي"!!..
ثم أحب أن يقفل دائرة الاستعارة والتشبيه.. فجعل للذباب لسانا، يطلقه في سب وثلب خيار الأمة! ما أجملها من استعارة.. وما أعجبه من أسلوب!

هذه ملاحظات خفيفات.. (عالماشي) على "الذباب الحركي".. ليتَ أحدا يوصلها إلى الشيخ حمد العثمان... مع التحية!
(إلى هنا جمعت شتات الفقرة الضائعة.. لعلي أكون قد تذكرت كل ما كان فيها.. فأحسنت صوغه!)


سمعتُ أحدهم في إحدى السنوات يقول: يعني هم حركة، ونحن ماذا؟؟ سكون؟.. قلتُ في نفسي (لأن كلامه كان مسجلا في شريط، من كنتُ أستمع إليه!): "ولم الإنكار، إن من يتحرك لنصرة الشريعة، والدعوة إلى الله، وهداية الناس، ورد الشبهات والدفاع عن هذا الدين وأهله، يتحرك في رضوان من الله، وتوفيق، ومن لا يحسن غير اتهام النيات، والنقد الظالم.. ليته كان ساكنا ساكتا!".
وهكذاصار استعمال هذه العبارة "الحركة الإسلامية" تهمةً عند هؤلاء!
مع أن أول من استعمل هذا المصطلح (كما استقريْتُ، ولعلي أكون مخطئا) هو الكاتب الإسلامي (السلفي) الكبير: محب الدين الخطيب رحمه الله: "إن الفتح أنشئت لمماشاة الحركة الإسلامية، وتسجيل أطوارها، ولسد الحاجة إلى حادٍ يترنم بحقائق الإسلام، مستهدفاً تثقيف النشء الإسلامي وصبغه بصبغة إسلامية أصيلة، يظهر أثرها في عقائد الشباب وأخلاقهم وتصرفاتهم؛ وحماية الميراث التاريخي الذي وصلت أمانته إلى هذا الجيل من الأجيال الإسلامية التي تقدمته" (العدد الأول من عام 1353هـ).

ومع أن كثيرا من العلماء المعاصرين من المحسوبين على "السلفية" لم يجدوا غضاضة من استعمال هذا المصطلح.. وابحث في أرشيف مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عن "الحركة الإسلامية" تجد الشيخ أبا بكر الجزائري، والشيخ عطية سالم، والشيخ الصباغ قد وظفوه في مقالاتهم من دون عقدة! فمن أهدى، ومن أعلم، ومن أحكم؟؟!

واعذروني أني أستشهد للمسلمات بكلام الرجال، فإني أحاجج أقواما بطريقتهم ومنهجهم.. وإلا فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ولم يستثن الإمام مالك رضي الله عنه بهذه الـ"إلا" غير صاحب القبر!).
واعذرونيأني أطلت "النقل" هذه المرة.. ولكنه التأصيل الذي يحبه إخواننا، فلا أحب أن يصدروا عن هذا المقال إلا بما يرضيهم.

ولي عودة إلى الحديث عن المبتدعة.. وتفضيل شاربي الخمر، ومعاقري الكبائر عليهم! ثم ننتقل –بإذن الله- إلى "قسما"، وما لم يسل من حبر عليها!!

(يتبع)

اليعقوبي 09-04-2009 04:50 PM

رد: منتدى الشروق الحضاري.. لكيلا يغرب!! (قسما.. الذباب الحركي.. وهموم أخرى!!)
 
إخواني الكرام.. أنا أتصل بالشابكة، بالـ1515.. ولأجل هذا، فأنا أدخل، لأضع مشاركتي.. ثم ألوذ بالفرار..
فاعذروني إن أخرت الجواب على تعقيباتكم وردودكم إلى الآخر..
والشكر للشيخ المشرف حفظه الله على تثبيت الموضوع؛
ولعل هذا الموضوع، هو محاولة لتطبيق ميثاق المنتدى على بعض المشاركات. فكان التثبيت من سداد رأي المشرف حفظه الله ورعاه ووفقه للعدل، والإحسان.
والسلام عليكم ورحمة الله

اليعقوبي 10-04-2009 04:10 AM

صَأْصَأَ وَلَمَّا يُفَقِّحْ!! [الجزء الأول]
 
صَأْصَأَ وَلَمَّا يُفَقِّحْ!!

قالت العرب: "لا يجترئ على الكلام إلا فائق، أو مائق" [بهجة المَجَالِس وأنس المُجَالس؛ لابن عبد البر] (والمائق: الأحمق، أو السيء الخلق).



أما المثل الثاني، فقد شرحت غريبَه (المائق)، وباقيه مفهوم. وأما عنوان هذا الفَصْل، فيدخل تحت أمثال العرب، التي افتخر بعض إخواننا الغرباء (.. ردَّهم الله وردَّنا إلى الحقّ ردًّا جميلا) بأنه لا يعرفها، ولا يحبُّ أن يعرفها! والعجب لا ينقضي من عاقل يفخر بجهله بهذه اللغة الشريفة، وأدبها، وأمثالها.. ولا أفهم، كيف يتوهم "أمثال" هذا الأخ في أنفسهم القدرة على فهم نصوص الكتاب والسنة، بَعْدَ بعدهم عن معرفة اللسان العربي؛ إن هذا لمن ظلم النفس!


ذكرتُ هذا تعريجا، على بعض ما يكتب في المنتدى، وليس قصدي إليه؛ إنما ذكرتُه لأجل سياقتي المثل المتقدم في عنوان هذا الجزء: "صأصأ ولما يفقح".. وحتى لا أفتح للقراء أبوابا من التوهم في معاني هذه الجملة! وحتى لا يسوء ظنهم بـ"ناقلها"!! أشرحها أولا، ثم أبيّن سبب تصديري مقالي هذا بها.

جاء في النهاية في غريب الحديث والأثر، [حرف الصاد مع الهمزة]: "(صَأْصَأَ) (هـ) [أي أنه ينقل عن غريب أبي عبيد القاسم بن سلام الهروي] فيه: "أن عُبَيْد اللّه بن جَحْش كان أسْلَم وهاجر إلى الحَبَشة، ثم ارتَدَّ وتنصَّر؛ فكانَ يَمُرُّ بالمسلمين فيقول: فَقَّحْنا وصَأْصَأْتُم!" أي أبْصَرْنا أمْرَنا ولم تُبْصِرُوا أمْرَكم [وفي جمهرة ابن دريد (ص-أ-ص-أ): أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر، وهو أدقّ]؛ يقال صَأْصَأَ الجرو إذ حَرَّك أجْفَانه لينظُر قبل أن يُفَقِّح، وذلك أن يُريد فَتْحها قبل أوانها".


وإذن فمعنى صأصأ ولما يُفَقِّح، فتح عينيه حين يولد ولما يقوَ بصره [جمهرة ابن دريد]!.. ولقد عرَّفني هذا الحرفَ الإمامُ أبو فهر رحمه الله، في إحدى كتابَاته (لعلها في "أباطيل وأسمار")؛ ومنه اقتبستها، لألمح بها إلى بعض الكَتَبَة، الذين أعجبتهم "نقولهم" التي ملؤوا بها الصفحات، فتوهموا أنهم بسقوا في علومهم وأخلاقهم [علوا وارتفعوا]، وسمقوا في الفضائل على إخوانهم.. فأخذوا يكتبون، ويفندون، ويردون، وينازعون.
هكذا أوهمتهم حظوظ النفس، وهكذا خدعهم جهلةٌ من الناس، وهكذا شَبَّه إليهم "الشبر الأول".. وما أدراك ما الشبر الأول! (ولعل مراجعة صغيرة لحلية طالب العلم تذكرهم بمقصدي!

صأصأ ولما يفقح.. تنطبق على كل من ظن من نفسه القدرة على تسنّم المسائل العويصات، وهو لم يبلغ السفح بعد! "وهو مثل لمَن يضع نفسه في الشيء قبل أن يكمُل فهمه وضبطه" [من شرح الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله لزاد المستقنع]..


وينطبق على هذا المصأصئ أيضاً، عبارتان شهيرتان، جرتا مجرى المثل؛ سمعتُهما أول مرة (ثم قرأتهما) من الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني، وكان كثير التكرارا لهما -لا سيما الأولى!-: "تَزَبَّبَ قَبْلَ أَنْ يَتَحَصْرَمَ" (أي أراد أن يصبح زبيبا، قبل أن ينضج عِنَبًا!!)؛ و"أَرَادَ أَنْ يَطِيرَ وَلَمَّا يُرَيِّشْ"!
ومن هؤلاء المصأصئين جاءت البلية! وبسببهم جرَّت كل مناقشة في المنتدى إلى مراء عقيم، وجدل بيزنطي، وقذف، وتراشق بالسباب والشتائم...
لأن الاختلاف بين المسلمين، ليس وليد يوم وليلة، ليس "نازلة" لم يعرفها سلف الأمة وخلفهم! الاختلاف جزء من تراثنا الثقافي والحضاري، وليس دليل مرض يفترس الأمة، إلا أن يؤدي إلى "اختلاف" تكتنفه العصبيات والأهواء المعمية المصمَّة، والمراءات التي لا جدوى منها غير حب الظهور، وترف القول والكتابة.
ولا أحبُّ أن أتنفَّس في "توضيح الواضحات" فقد أتعبتني! ولكن أعيد ما صدرتُ به مقالتي هذه: "قالت العرب: "لا يجترئ على الكلام إلا فائق أو مائق".. فقولوا لي بربكم، ما تعدُّون بعض كتبة منتدانا هذا، من المصأصئين، الخائضين في كبار علوم، لم يتعلموا صغارها!


ولست هنا أمنع ناسا أن يكتبوا، وليس بيدي أن أمنع أحدا، وليس لي من الأمر شيء.. ولكنني لُقِّنْتُ وأنا دون الثانية عشرة بيتين من الشعر:
وما من كاتب إلا سيفنى ** ويبقى الدهرَ ما كتبتْ يداهُ
فلا تكتب بكفك غير شيء ** يسرُّك في القيامة أن تراهُ
فاستذكرتُهما الآن، وأنا أكتب هاتا السطور، لعلَّهما ينصحان، ويعظان.. فيرجع بعض كَتَبَةِ منتدانا هذا، عن مرائهم، وجدالهم العقيم، وخوضهم فيما لا يحسنون.. إلى الكتابة فيما يسرهم في القيامة أن يروه في صحيفة أعمالهم.
ولستُ أزعم أني التزمتُ هذين البيتين التزاما تامًّا في حياتي!.. ولستُ أزعم أن كل ما كتبتُ مما يسرّني أن أراه في صحيفة أعمالي يوم القيامة؛ لكنني -يشهد الله- لم أستعلن يوما أمام الآلاف المؤلفة من القراء بطعن في عالم، أو تنقص من فاضل، أو خضت فيما لا أحسن من العلوم.. وأنا أستغفر الله من تقصيري، وعِثاري، وانتصافي لنفسي ولحقِّها الترابي أحيانا؛ وأسأل الله لي ولك يا قارئ المقال، ولرواد منتديات الشروق، وللمسلمين جميعا؛ أن يقفنا على "مدارج السالكين"، حتى لا نظلم مؤمنا، ولا نغمط حقا، ولا نُقِرَّ باطلا، ولا نبهرج ضلالا.. (قل آمين!)
ولعل قارئا، "مسترشدا" (أعني به أي طالب للرشد، لا العضوَ في منتدانا الأخَ "المسترشد"! وأنا أحييه بالمناسبة لأننا ذكرناه بخير، وأحيِّيه لأن أول ما لفت نظري إليه هو الصورة الرمزية على يمين معرّفه الفخم، وهي -إن لم يخطّئني- للإمام العَلَم محدِّث الشام بدر الدين البيباني الحسني رحمه الله؛ الذي كان بعض علماء الشام يصف الشيخ الإمام محمد ناصر الدين الألباني بأنه خليفته.. فهل يعرف شباب الطلبة اليوم: بدر الدين الحسني؟ وغيره من أئمة القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجري؟؟!)..
اعذروني على الاستطراد! كنتُ أقول: ولعل قارئا مسترشدا، يسألني: فمَنْ مِن كتبة المنتدى "صأصأ ولما يفقح"؟ ومن وجب عليه السكوت حتى يتعلم؟؟ ومن غسلتَ يديك منه بماء وصابون، وتراب؟!!
أما الأسماء.. أو الألقاب.. أو المعرفات؛ فلا تلمني يا قارئي المسترشد، إن عمَّيتُ عليها، فليس هذا محل التشهير، أو التعيير، أو "التحذير"!
كما أنني أحسب في كل كتاب المنتدى (والله حسيبهم ولا أزكي على الله أحدا)، خيراً كبيرا، وفضلا، وحبا لهذا الدين العظيم الذي أنعم الله به علينا، ورغبة في الدعوة إليه، والذود عن حياضه، والدفاع عنه..
أكاد أجزم بهذا الحسبان! ولأجل هذا، فإن أغلب من أسوق كلامهم من الكتاب ناقداً، أو معقبا، أو مصوّباً..(وهم ممن خلطوا مشاركات صوالحَ وأخرى طوالح، وأخرى توافه!) تعميتُهم خيرٌ من تسميتهم.. وأحسبهم لم يريدوا إلا خيرا، لكن "كم من مريد للخير لن يصيبه" كما قال ابن مسعود رضي الله عنه [سنن الدارمي، رقم 204؛ وجوَّد إسناده المحقق: حسين سليم أسد].


وحاشا أن "أتقمَّص الدور"، فأقوم في الناس مقام المرشد المتَّبَع، حتى أحجر على هذا، وأمنع هذا، وأشجّع هذا!.. ليس قَدَر نفسي ثَمَّ!! إنما هي نُقَيْدَات أوجّهها، أحاول ما استطعتُ تبرئتها من تضخم الأنا، والتعالم، وهوى النفس.. أرجو أن تصل -بما فيها من رحم الأخوة الإيمانية، وصدق النصيحة- إلى مستحقيها، بلا جرح، ولا قدح.


وإني أرى أن الداء الأدوى، في هذا المنتدى وغيره، والذي يلقي على نقاشاتنا ومناظراتنا، ومجادلاتنا كل هذه الظلال الثقيلة من قالة السوء، واتهام النيات والمقاصد، والتبديع، والتفسيق.... هو ذهابُ الحياء! فالحياء هو شِعار طالب العلم، وشعار كل مؤمن، وهو "لا يأتي إلا بخير" [كما في الصحيحين]؛ وهو الذي يقف الكاتب عند قدر نفسه لا يعدوه، وهو الذي يجمّل له القول الحسن، ويقبّح إليه سيء القول؛ وهو الذي يكبح جماح النفس أن تسترسل وراء "تحصيل حقها" و"رد اعتبارها"... وهو "شعبة من شعب الإيمان"...
قال الحافظ أبوحاتم محمد بن حبان البستي في روضة العقلاء ونزهة الفضلاء [ص: 56]: "الواجب على العاقل لزوم الحياء، لأنه أصل العقل وبَذْرُ الخير، وتركه أصل الجهل وبذر الشر؛ والحياء يدل على العقل، كما أن عدمه دال على الجهل.
ومن لم ينصف الناسَ منهُ حياؤه، لم ينصفه منهم قِحَتُه. ولقد أحسن الذي يقول:
وَلَيْسَ بِمَنْسُوبٍ إِلَى الْعِلْمِ وَالنُّهَى **** فَتًى لاَ تُرَى فِيهِ خَلاَئِقُ أَرْبَعُ
فَوَاحِدَةٌ تَقْوَى الإِلَهِ الَّتِي بِهَا **** يُنَالُ جَسِيمُ الْخَيْرِ وَالْفَضْلُ أَجْمَعُ
وَثَانِيَةٌ صِدْقُ الْحَيَاءِ فَإِنَّهُ **** طِبَاعٌ عَلَيْهَا ذُو الْمُروءَةُ يُطْبَعُ
وَثَالِثَةٌ حِلْمٌ إِذَا الْجَهْلُ أَطْلَعَتْ **** إِلَيْهِ خَبَايًا مِنْ فُجُورٍ تسَرَّعُ
وَرَابِعَةٌ جُودٌ بِمَلْكِ يَمِينِهِ **** إِذَا نَابَهُ الْحَقُّ الَّذِي لَيْسَ يُدْفَعُ".
فمن فقد الحياء، فذلك فاغسل يديك منه، سبعاً أو سبعين.. بماء وسِدر وصابون وتراب، وبكل مطهّر تطاله يداك، ولا يؤذي بشرتك!!
وليس في المنتدى -إن شاء الله- من يستأهل غسل اليدين منه! إنما لو اقتصر بعض الإخوة على ما يعلمون، أو حرصوا على ما ينفعهم، أو تجنبوا زلات العلماء، لا يكررونها كالبَبْغَاوَاتِ، ولا يرهقون الناس بها.. لكان أفضل، وأكمل، وأجمل!
وقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (رقم: 30335) عن الحارث بن عمير الزبيدي من أثر طويل، غزير العلم، كثير الفائدة، يذكر فيه خبر استشهاد سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه مطعونا (أي بمرض الطاعون): "فَأُغْشِيَ على معاذ غِشْيَةٌ، فأفاق معاذ، والحارث يبكي.. فقال معاذ: ما يبكيك؟ قلت: أبكي على العلم الذي يدفن معك! فقال: "فإن كنت طالبا للعلم لا محالة، فاطلبه من عبد الله بن مسعود، ومن عويمر أبي الدرداء، ومن سلمان الفارسي"، قال: "وإياك وزلة العالم". فقلت: "وكيف لي -أصلحك الله- أن أعرفها؟" قال: "إن للحق نورا يعرف به".


للحق نور يعرف به، ولم يكن -والله أعلم- على قول أحد إخواننا: "ولئن ألقى ربِّي شاربَ خمر، أحب إلي من أن ألقاه متحزبا" من نور أبداً!.. ما على هذه المقالة من نور، بل هي سوداء كالحة، تخبط خبط عمياء، في يهماء مظلمة! فهي ظلمات بعضُهَا فوق بعض!!
ولقد شبِّه على أخينا هذا قولُه بما اشتهر في كتب العقائد عن يونس بن عبيد، وغيره ممن ذكرَ الأخ الكريم: "لأن تكون فاسقا سنيا أحب إلي من أن تكون صاحب هوى"! فظنَّ أن كل "متحزب" صاحب هوى، كالذين عناهم من نقل عنهم من السلف، ورتب عليه نتيجته تيك.
وهذا سوء فهم لعبارة السلف، ولم يكن السَّلف يقصدون بصاحب الهوى، أو بالمبتدعة الذي يفضلون عليه فاسق أهل السنة، مَن يقرأ الحزب الراتب في المسجد قبل صلاة العصر!! هذا من أكبر الجهل عليهم رحمهم الله، ومن تقويلهم ما لم يقولوا..
هل سَمِع أخونا أن البدعة أقسام؟ وأن من البدع بدعا مكفرة وغير مكفرة؟؟ وأن البدع غير المكفرة منها الصغيرة ومنها الكبيرة (كيف تكون البدعة الصغيرة شرا من شرب الخمر أو الزنا، وهما من الكبائر)؟ وهل سمع أخونا بالبدعة الأصلية والبدعة الإضافية؟
وهل يعدُّ المجتهد الداعي إلى بدعته كالمقلد في البدعة؟
وكيف يصحُّ مطلقا أن يكون المبتدع شرًّا من شارب الخمر، وشاربُها فاسق تُرَدُّ روايته، أما المبتدع فيروى له إن يكن صدوقا لا يستحلُّ الكذب لنصرة بدعته (وهنا بحث يطول)، وتقبل شهادته عند الحنفية والشافعية ما لم تكن بدعَتُه مكفرة، والفاسق تردُّ شهادته قولا واحدا.

لقد عنى السلف بالبدع التي تكون مقارفة الكبائر خيرا منها، البدعَ المكفرة، ولعل البدع الكبائر غير المكفرة -أو الصغائر التي يصحبها الإصرار- تكون أخطر من الذنوب الكبائر أيضا (لأن كبائر الشبهات، أخطر من كبائر الشهوات).. هكذا الفهم عن سلفنا الصالح، وهكذا يجمع بين الأقوال.
لا يكون الفهم عن السلف بهذّ أقوالهم دون سياق ولا سباق ولا لحاق، ثم نلزم الناس بتصديقها، تحت سيف "وكل خير في اتباع من سلف"!
ومن شواهد هذا الفهم عن السلف رضي الله عنهم:
- رأى يونس بن عبيد ابنه وقد خرج من عند صاحب هوى فقال يا بني من أين خرجت قال من عند عمرو بن عبيد قال يا بني لأن أراك خرجت من بيت هيتي أحب إلي من أن أراك خرجت من بيت فلان وفلان ولأن تلقى الله زانيا سارقا خائنا أحب إلي من أن تلقاه بقول أهل الأهواء.[شرح السنة: ص 54]. عمرو بن عبيد القدري، كبير المعتزلة وأولهم (كما قال الذهبي).. هؤلاءِ هم أهل الأهواء الذين جعل "يونس بن عبيد، الزنى والسرقة والخيانة أحب إليه من أقوالهم".
- وقال أيوب السختياني: "إِنَّ أَهلَ الأَهْواءِ أَهلُ ضلالة، وَلاَ أَرى مَصيرهم إِلا النار" [الإبانة لابن بطة، وغيره]؛ فمن تراه يعني بهم غير أهل البدع المكفرة، ومن يرى السيف في أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)؟.
- عن الحسن قال: صاحب البدعة لا تقبل له صلاة، ولا صيام، ولا حج، ولا عمرة، ولا جهاد، ولا صرف، ولا عدل. [الشريعة للآجري]؛ أتظنه يعني بصاحب البدعة أصحاب البدع الإضافية؟ فماذا يقول من يكفر المسلمين؟؟
- وقد هجر أحمد من قالوا بخلق القرآن. وهي بدعة مكفرة عنده، وعند غيره من أهل السنة.
-وقال الإمام النووي: "وأما المبتدع، ومن اقترف ذنباً عظيماً (لاحظ الترتيب.. هذا من كفر ببدعته، أو أصرَّ على بدعة غيرِ مكفرة) ولَم يتبْ منه فلا يسلم عليهم ولا يرد عليهم السلام، كما قال جماعة من أهل العلم [فتح الباري].
واستقصاء الشواهد من كلام السلف يطول، لكن هذه شواهد قليلة، تدلُّ على مقصود السلف بأهل البدع وأهل الأهواء، وأنهم أطلقوه على المخالف في الأصول، ومن تبنى بدعا عقدية كالقول في القدر، أو خلق القرآن، أو التعطيل... ومن رأى السيف في أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

وأستغفر الله، وأعوذ به أن أهوّن من شأن البدعة، لكن ما يجزم به بعض الإخوة من بدعية بعض "الخلافيات" الفقهية (كقنوت الفجر مثلا) هو من الجهالات التي يأباها حتى الشداة في الفقه، والأصول. بل إن جزم بعضهم ببدعية الحزب الراتب فيه نظر! ولستُ أدافع عنه، أو عن طريقة تلاوته في بعض مناطقنا، ولا أقرُّ ما يقع أثناءها من الخطأ؛ لكن العلمَ والتحقيق، والبحث شيء، و"صأصأة" هؤلاء شيء آخر!


وما حكاية "قسما" عنكم ببعيدة!!...
(يتبع)

محمد ايوب 10-04-2009 08:34 PM

Re: صَأْصَأَ وَلَمَّا يُفَقِّحْ!! [الجزء الأول]
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اليعقوبي (المشاركة 583279)
صَأْصَأَ وَلَمَّا يُفَقِّحْ!!

قالت العرب: "لا يجترئ على الكلام إلا فائق، أو مائق" [بهجة المَجَالِس وأنس المُجَالس؛ لابن عبد البر] (والمائق: الأحمق، أو السيء الخلق).



أما المثل الثاني، فقد شرحت غريبَه (المائق)، وباقيه مفهوم. وأما عنوان هذا الفَصْل، فيدخل تحت أمثال العرب، التي افتخر بعض إخواننا الغرباء (.. ردَّهم الله وردَّنا إلى الحقّ ردًّا جميلا) بأنه لا يعرفها، ولا يحبُّ أن يعرفها! والعجب لا ينقضي من عاقل يفخر بجهله بهذه اللغة الشريفة، وأدبها، وأمثالها.. ولا أفهم، كيف يتوهم "أمثال" هذا الأخ في أنفسهم القدرة على فهم نصوص الكتاب والسنة، بَعْدَ بعدهم عن معرفة اللسان العربي؛ إن هذا لمن ظلم النفس!


ذكرتُ هذا تعريجا، على بعض ما يكتب في المنتدى، وليس قصدي إليه؛ إنما ذكرتُه لأجل سياقتي المثل المتقدم في عنوان هذا الجزء: "صأصأ ولما يفقح".. وحتى لا أفتح للقراء أبوابا من التوهم في معاني هذه الجملة! وحتى لا يسوء ظنهم بـ"ناقلها"!! أشرحها أولا، ثم أبيّن سبب تصديري مقالي هذا بها.

جاء في النهاية في غريب الحديث والأثر، [حرف الصاد مع الهمزة]: "(صَأْصَأَ) (هـ) [أي أنه ينقل عن غريب أبي عبيد القاسم بن سلام الهروي] فيه: "أن عُبَيْد اللّه بن جَحْش كان أسْلَم وهاجر إلى الحَبَشة، ثم ارتَدَّ وتنصَّر؛ فكانَ يَمُرُّ بالمسلمين فيقول: فَقَّحْنا وصَأْصَأْتُم!" أي أبْصَرْنا أمْرَنا ولم تُبْصِرُوا أمْرَكم [وفي جمهرة ابن دريد (ص-أ-ص-أ): أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر، وهو أدقّ]؛ يقال صَأْصَأَ الجرو إذ حَرَّك أجْفَانه لينظُر قبل أن يُفَقِّح، وذلك أن يُريد فَتْحها قبل أوانها".


وإذن فمعنى صأصأ ولما يُفَقِّح، فتح عينيه حين يولد ولما يقوَ بصره [جمهرة ابن دريد]!.. ولقد عرَّفني هذا الحرفَ الإمامُ أبو فهر رحمه الله، في إحدى كتابَاته (لعلها في "أباطيل وأسمار")؛ ومنه اقتبستها، لألمح بها إلى بعض الكَتَبَة، الذين أعجبتهم "نقولهم" التي ملؤوا بها الصفحات، فتوهموا أنهم بسقوا في علومهم وأخلاقهم [علوا وارتفعوا]، وسمقوا في الفضائل على إخوانهم.. فأخذوا يكتبون، ويفندون، ويردون، وينازعون.
هكذا أوهمتهم حظوظ النفس، وهكذا خدعهم جهلةٌ من الناس، وهكذا شَبَّه إليهم "الشبر الأول".. وما أدراك ما الشبر الأول! (ولعل مراجعة صغيرة لحلية طالب العلم تذكرهم بمقصدي!

صأصأ ولما يفقح.. تنطبق على كل من ظن من نفسه القدرة على تسنّم المسائل العويصات، وهو لم يبلغ السفح بعد! "وهو مثل لمَن يضع نفسه في الشيء قبل أن يكمُل فهمه وضبطه" [من شرح الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله لزاد المستقنع]..


وينطبق على هذا المصأصئ أيضاً، عبارتان شهيرتان، جرتا مجرى المثل؛ سمعتُهما أول مرة (ثم قرأتهما) من الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني، وكان كثير التكرارا لهما -لا سيما الأولى!-: "تَزَبَّبَ قَبْلَ أَنْ يَتَحَصْرَمَ" (أي أراد أن يصبح زبيبا، قبل أن ينضج عِنَبًا!!)؛ و"أَرَادَ أَنْ يَطِيرَ وَلَمَّا يُرَيِّشْ"!
ومن هؤلاء المصأصئين جاءت البلية! وبسببهم جرَّت كل مناقشة في المنتدى إلى مراء عقيم، وجدل بيزنطي، وقذف، وتراشق بالسباب والشتائم...
لأن الاختلاف بين المسلمين، ليس وليد يوم وليلة، ليس "نازلة" لم يعرفها سلف الأمة وخلفهم! الاختلاف جزء من تراثنا الثقافي والحضاري، وليس دليل مرض يفترس الأمة، إلا أن يؤدي إلى "اختلاف" تكتنفه العصبيات والأهواء المعمية المصمَّة، والمراءات التي لا جدوى منها غير حب الظهور، وترف القول والكتابة.
ولا أحبُّ أن أتنفَّس في "توضيح الواضحات" فقد أتعبتني! ولكن أعيد ما صدرتُ به مقالتي هذه: "قالت العرب: "لا يجترئ على الكلام إلا فائق أو مائق".. فقولوا لي بربكم، ما تعدُّون بعض كتبة منتدانا هذا، من المصأصئين، الخائضين في كبار علوم، لم يتعلموا صغارها!


ولست هنا أمنع ناسا أن يكتبوا، وليس بيدي أن أمنع أحدا، وليس لي من الأمر شيء.. ولكنني لُقِّنْتُ وأنا دون الثانية عشرة بيتين من الشعر:
وما من كاتب إلا سيفنى ** ويبقى الدهرَ ما كتبتْ يداهُ
فلا تكتب بكفك غير شيء ** يسرُّك في القيامة أن تراهُ
فاستذكرتُهما الآن، وأنا أكتب هاتا السطور، لعلَّهما ينصحان، ويعظان.. فيرجع بعض كَتَبَةِ منتدانا هذا، عن مرائهم، وجدالهم العقيم، وخوضهم فيما لا يحسنون.. إلى الكتابة فيما يسرهم في القيامة أن يروه في صحيفة أعمالهم.
ولستُ أزعم أني التزمتُ هذين البيتين التزاما تامًّا في حياتي!.. ولستُ أزعم أن كل ما كتبتُ مما يسرّني أن أراه في صحيفة أعمالي يوم القيامة؛ لكنني -يشهد الله- لم أستعلن يوما أمام الآلاف المؤلفة من القراء بطعن في عالم، أو تنقص من فاضل، أو خضت فيما لا أحسن من العلوم.. وأنا أستغفر الله من تقصيري، وعِثاري، وانتصافي لنفسي ولحقِّها الترابي أحيانا؛ وأسأل الله لي ولك يا قارئ المقال، ولرواد منتديات الشروق، وللمسلمين جميعا؛ أن يقفنا على "مدارج السالكين"، حتى لا نظلم مؤمنا، ولا نغمط حقا، ولا نُقِرَّ باطلا، ولا نبهرج ضلالا.. (قل آمين!)
ولعل قارئا، "مسترشدا" (أعني به أي طالب للرشد، لا العضوَ في منتدانا الأخَ "المسترشد"! وأنا أحييه بالمناسبة لأننا ذكرناه بخير، وأحيِّيه لأن أول ما لفت نظري إليه هو الصورة الرمزية على يمين معرّفه الفخم، وهي -إن لم يخطّئني- للإمام العَلَم محدِّث الشام بدر الدين البيباني الحسني رحمه الله؛ الذي كان بعض علماء الشام يصف الشيخ الإمام محمد ناصر الدين الألباني بأنه خليفته.. فهل يعرف شباب الطلبة اليوم: بدر الدين الحسني؟ وغيره من أئمة القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجري؟؟!)..
اعذروني على الاستطراد! كنتُ أقول: ولعل قارئا مسترشدا، يسألني: فمَنْ مِن كتبة المنتدى "صأصأ ولما يفقح"؟ ومن وجب عليه السكوت حتى يتعلم؟؟ ومن غسلتَ يديك منه بماء وصابون، وتراب؟!!
أما الأسماء.. أو الألقاب.. أو المعرفات؛ فلا تلمني يا قارئي المسترشد، إن عمَّيتُ عليها، فليس هذا محل التشهير، أو التعيير، أو "التحذير"!
كما أنني أحسب في كل كتاب المنتدى (والله حسيبهم ولا أزكي على الله أحدا)، خيراً كبيرا، وفضلا، وحبا لهذا الدين العظيم الذي أنعم الله به علينا، ورغبة في الدعوة إليه، والذود عن حياضه، والدفاع عنه..
أكاد أجزم بهذا الحسبان! ولأجل هذا، فإن أغلب من أسوق كلامهم من الكتاب ناقداً، أو معقبا، أو مصوّباً..(وهم ممن خلطوا مشاركات صوالحَ وأخرى طوالح، وأخرى توافه!) تعميتُهم خيرٌ من تسميتهم.. وأحسبهم لم يريدوا إلا خيرا، لكن "كم من مريد للخير لن يصيبه" كما قال ابن مسعود رضي الله عنه [سنن الدارمي، رقم 204؛ وجوَّد إسناده المحقق: حسين سليم أسد].


وحاشا أن "أتقمَّص الدور"، فأقوم في الناس مقام المرشد المتَّبَع، حتى أحجر على هذا، وأمنع هذا، وأشجّع هذا!.. ليس قَدَر نفسي ثَمَّ!! إنما هي نُقَيْدَات أوجّهها، أحاول ما استطعتُ تبرئتها من تضخم الأنا، والتعالم، وهوى النفس.. أرجو أن تصل -بما فيها من رحم الأخوة الإيمانية، وصدق النصيحة- إلى مستحقيها، بلا جرح، ولا قدح.


وإني أرى أن الداء الأدوى، في هذا المنتدى وغيره، والذي يلقي على نقاشاتنا ومناظراتنا، ومجادلاتنا كل هذه الظلال الثقيلة من قالة السوء، واتهام النيات والمقاصد، والتبديع، والتفسيق.... هو ذهابُ الحياء! فالحياء هو شِعار طالب العلم، وشعار كل مؤمن، وهو "لا يأتي إلا بخير" [كما في الصحيحين]؛ وهو الذي يقف الكاتب عند قدر نفسه لا يعدوه، وهو الذي يجمّل له القول الحسن، ويقبّح إليه سيء القول؛ وهو الذي يكبح جماح النفس أن تسترسل وراء "تحصيل حقها" و"رد اعتبارها"... وهو "شعبة من شعب الإيمان"...
قال الحافظ أبوحاتم محمد بن حبان البستي في روضة العقلاء ونزهة الفضلاء [ص: 56]: "الواجب على العاقل لزوم الحياء، لأنه أصل العقل وبَذْرُ الخير، وتركه أصل الجهل وبذر الشر؛ والحياء يدل على العقل، كما أن عدمه دال على الجهل.
ومن لم ينصف الناسَ منهُ حياؤه، لم ينصفه منهم قِحَتُه. ولقد أحسن الذي يقول:
وَلَيْسَ بِمَنْسُوبٍ إِلَى الْعِلْمِ وَالنُّهَى **** فَتًى لاَ تُرَى فِيهِ خَلاَئِقُ أَرْبَعُ
فَوَاحِدَةٌ تَقْوَى الإِلَهِ الَّتِي بِهَا **** يُنَالُ جَسِيمُ الْخَيْرِ وَالْفَضْلُ أَجْمَعُ
وَثَانِيَةٌ صِدْقُ الْحَيَاءِ فَإِنَّهُ **** طِبَاعٌ عَلَيْهَا ذُو الْمُروءَةُ يُطْبَعُ
وَثَالِثَةٌ حِلْمٌ إِذَا الْجَهْلُ أَطْلَعَتْ **** إِلَيْهِ خَبَايًا مِنْ فُجُورٍ تسَرَّعُ
وَرَابِعَةٌ جُودٌ بِمَلْكِ يَمِينِهِ **** إِذَا نَابَهُ الْحَقُّ الَّذِي لَيْسَ يُدْفَعُ".
فمن فقد الحياء، فذلك فاغسل يديك منه، سبعاً أو سبعين.. بماء وسِدر وصابون وتراب، وبكل مطهّر تطاله يداك، ولا يؤذي بشرتك!!
وليس في المنتدى -إن شاء الله- من يستأهل غسل اليدين منه! إنما لو اقتصر بعض الإخوة على ما يعلمون، أو حرصوا على ما ينفعهم، أو تجنبوا زلات العلماء، لا يكررونها كالبَبْغَاوَاتِ، ولا يرهقون الناس بها.. لكان أفضل، وأكمل، وأجمل!
وقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (رقم: 30335) عن الحارث بن عمير الزبيدي من أثر طويل، غزير العلم، كثير الفائدة، يذكر فيه خبر استشهاد سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه مطعونا (أي بمرض الطاعون): "فَأُغْشِيَ على معاذ غِشْيَةٌ، فأفاق معاذ، والحارث يبكي.. فقال معاذ: ما يبكيك؟ قلت: أبكي على العلم الذي يدفن معك! فقال: "فإن كنت طالبا للعلم لا محالة، فاطلبه من عبد الله بن مسعود، ومن عويمر أبي الدرداء، ومن سلمان الفارسي"، قال: "وإياك وزلة العالم". فقلت: "وكيف لي -أصلحك الله- أن أعرفها؟" قال: "إن للحق نورا يعرف به".


للحق نور يعرف به، ولم يكن -والله أعلم- على قول أحد إخواننا: "ولئن ألقى ربِّي شاربَ خمر، أحب إلي من أن ألقاه متحزبا" من نور أبداً!.. ما على هذه المقالة من نور، بل هي سوداء كالحة، تخبط خبط عمياء، في يهماء مظلمة! فهي ظلمات بعضُهَا فوق بعض!!
ولقد شبِّه على أخينا هذا قولُه بما اشتهر في كتب العقائد عن يونس بن عبيد، وغيره ممن ذكرَ الأخ الكريم: "لأن تكون فاسقا سنيا أحب إلي من أن تكون صاحب هوى"! فظنَّ أن كل "متحزب" صاحب هوى، كالذين عناهم من نقل عنهم من السلف، ورتب عليه نتيجته تيك.
وهذا سوء فهم لعبارة السلف، ولم يكن السَّلف يقصدون بصاحب الهوى، أو بالمبتدعة الذي يفضلون عليه فاسق أهل السنة، مَن يقرأ الحزب الراتب في المسجد قبل صلاة العصر!! هذا من أكبر الجهل عليهم رحمهم الله، ومن تقويلهم ما لم يقولوا..
هل سَمِع أخونا أن البدعة أقسام؟ وأن من البدع بدعا مكفرة وغير مكفرة؟؟ وأن البدع غير المكفرة منها الصغيرة ومنها الكبيرة (كيف تكون البدعة الصغيرة شرا من شرب الخمر أو الزنا، وهما من الكبائر)؟ وهل سمع أخونا بالبدعة الأصلية والبدعة الإضافية؟
وهل يعدُّ المجتهد الداعي إلى بدعته كالمقلد في البدعة؟
وكيف يصحُّ مطلقا أن يكون المبتدع شرًّا من شارب الخمر، وشاربُها فاسق تُرَدُّ روايته، أما المبتدع فيروى له إن يكن صدوقا لا يستحلُّ الكذب لنصرة بدعته (وهنا بحث يطول)، وتقبل شهادته عند الحنفية والشافعية ما لم تكن بدعَتُه مكفرة، والفاسق تردُّ شهادته قولا واحدا.

لقد عنى السلف بالبدع التي تكون مقارفة الكبائر خيرا منها، البدعَ المكفرة، ولعل البدع الكبائر غير المكفرة -أو الصغائر التي يصحبها الإصرار- تكون أخطر من الذنوب الكبائر أيضا (لأن كبائر الشبهات، أخطر من كبائر الشهوات).. هكذا الفهم عن سلفنا الصالح، وهكذا يجمع بين الأقوال.
لا يكون الفهم عن السلف بهذّ أقوالهم دون سياق ولا سباق ولا لحاق، ثم نلزم الناس بتصديقها، تحت سيف "وكل خير في اتباع من سلف"!
ومن شواهد هذا الفهم عن السلف رضي الله عنهم:
- رأى يونس بن عبيد ابنه وقد خرج من عند صاحب هوى فقال يا بني من أين خرجت قال من عند عمرو بن عبيد قال يا بني لأن أراك خرجت من بيت هيتي أحب إلي من أن أراك خرجت من بيت فلان وفلان ولأن تلقى الله زانيا سارقا خائنا أحب إلي من أن تلقاه بقول أهل الأهواء.[شرح السنة: ص 54]. عمرو بن عبيد القدري، كبير المعتزلة وأولهم (كما قال الذهبي).. هؤلاءِ هم أهل الأهواء الذين جعل "يونس بن عبيد، الزنى والسرقة والخيانة أحب إليه من أقوالهم".
- وقال أيوب السختياني: "إِنَّ أَهلَ الأَهْواءِ أَهلُ ضلالة، وَلاَ أَرى مَصيرهم إِلا النار" [الإبانة لابن بطة، وغيره]؛ فمن تراه يعني بهم غير أهل البدع المكفرة، ومن يرى السيف في أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)؟.
- عن الحسن قال: صاحب البدعة لا تقبل له صلاة، ولا صيام، ولا حج، ولا عمرة، ولا جهاد، ولا صرف، ولا عدل. [الشريعة للآجري]؛ أتظنه يعني بصاحب البدعة أصحاب البدع الإضافية؟ فماذا يقول من يكفر المسلمين؟؟
- وقد هجر أحمد من قالوا بخلق القرآن. وهي بدعة مكفرة عنده، وعند غيره من أهل السنة.
-وقال الإمام النووي: "وأما المبتدع، ومن اقترف ذنباً عظيماً (لاحظ الترتيب.. هذا من كفر ببدعته، أو أصرَّ على بدعة غيرِ مكفرة) ولَم يتبْ منه فلا يسلم عليهم ولا يرد عليهم السلام، كما قال جماعة من أهل العلم [فتح الباري].
واستقصاء الشواهد من كلام السلف يطول، لكن هذه شواهد قليلة، تدلُّ على مقصود السلف بأهل البدع وأهل الأهواء، وأنهم أطلقوه على المخالف في الأصول، ومن تبنى بدعا عقدية كالقول في القدر، أو خلق القرآن، أو التعطيل... ومن رأى السيف في أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).


وأستغفر الله، وأعوذ به أن أهوّن من شأن البدعة، لكن ما يجزم به بعض الإخوة من بدعية بعض "الخلافيات" الفقهية (كقنوت الفجر مثلا) هو من الجهالات التي يأباها حتى الشداة في الفقه، والأصول. بل إن جزم بعضهم ببدعية الحزب الراتب فيه نظر! ولستُ أدافع عنه، أو عن طريقة تلاوته في بعض مناطقنا، ولا أقرُّ ما يقع أثناءها من الخطأ؛ لكن العلمَ والتحقيق، والبحث شيء، و"صأصأة" هؤلاء شيء آخر!


وما حكاية "قسما" عنكم ببعيدة!!...
(يتبع)


اه ثم اه
لو جاز التصفيق لصفقت لك
ذكرتني بايام التعليم واللغة العربية واعراب حتي كتاب الله ثم طال الزمن فصرت اتعجب كيف وصل اليعقوبي لهذا الحد
ادركت اليوم ان الشبر ينقسم الي ثلاثة اشبار وكل كتاب الشروق باستثناءك في الشبر الاول من الشبر الاول او اقل
وعجبي لمن لا يفهم ....العربية الاصيلة كيف يتكلم في كتاب الله
واصل ابداعك اخي الكريم وكم اتمني مناقشتك يوما واعتقد ان اسلوبك وعلمك لرجل غير عادي فمن يتري هو اليعقوبي
؟؟

محمد ايوب 10-04-2009 08:47 PM

Re: المنقولات والمعقولات... [الجزء الأول]
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اليعقوبي (المشاركة 580961)
"المنقولات".. والمعقولات!
"وأنادائماً أستهجن ممّن يدّعي التّحقيق من العلماء إعادةَ ماذكره الماضون، إذا لم يضم إلى الإعادة تنكيتاً عليهم، أوزيادة قيدٍ أهملوه، أوتحقيق ٍتركوه أونحو ذلك مما هو مرام المحققين..." [قاله السبكي في: طبقات الشافعية 1/99].



طليعة


(قَدْ عَرَفْنَاكَ بِاخْتِيَارِكَ إِذْ كَــــــانَ دَلِيلاً عَلَى اللَّبِيبِ اخْتِيَارُهْ)
[right]
أزعجني أوَّلُ اكتشاف بعد تصفح عجول للمنتدى:
إن أكثر ما في المنتدى الحضاري من موضوعات منقول بحذافيره من المنتديات الأخرى.. فلا جِدَّةَ إذن! ولا ابتكار!!
ا

ذات مرة نقل احدهم هنا موضوعا طويلا عريضا باستدلالات كثيرة ولم اقرأ الموضوع لاني اعرف ان الشخص لص وهو من كتبت عنه ذات يوم قصيدة ونشرتها هنا تحت عنوان
قص من هاهنا والصق هاهنا
وقع تحته الفته انا

قلت نزلت اسفل مباشرة كي اري هل توجد الكلمة السحرية منقول فلم اجدها
قمت بنسخ عنوان الموضوع واعطيت اوامر مباشرة للشيخ قوقل ان ياتي بالمستور
فطلع لي الموضوع في اربع منتديات او اكثر وكل منتدي باسم ..
المشكلة اني اعرف صاحب الموضوع الاصلي وهو جزائري واعرف السارق وهو جزائري فلما نبهته للامر وقلت ان الموضوع لصاحبه فلا....رد علي وقال وما يدريك لعلي انا فلان ؟؟؟ ونسي اني اعرف بلده وولايته واعرف صاحب الموضوع

المسترشد 10-04-2009 09:29 PM

رد: صَأْصَأَ وَلَمَّا يُفَقِّحْ!! [الجزء الأول]
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اليعقوبي (المشاركة 583279)



ولعل قارئا، "مسترشدا" (أعني به أي طالب للرشد، لا العضوَ في منتدانا الأخَ "المسترشد"! وأنا أحييه بالمناسبة لأننا ذكرناه بخير، وأحيِّيه لأن أول ما لفت نظري إليه هو الصورة الرمزية على يمين معرّفه الفخم، وهي -إن لم يخطّئني- للإمام العَلَم محدِّث الشام بدر الدين البيباني الحسني رحمه الله؛ الذي كان بعض علماء الشام يصف الشيخ الإمام محمد ناصر الدين الألباني بأنه خليفته.. فهل يعرف شباب الطلبة اليوم: بدر الدين الحسني؟ وغيره من أئمة القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجري؟؟!)..

(يتبع)


الصورة كما ذكرت أخي اليعقوبي هي لبدرالدين الحسني رحمه الله .
كنت قد قرأت سيرته في موقع علماء سوريا وسمعت محاضرة عنه من أحد مشايخ الشام مع مداخلة في الأخير للشيخ البوطي
أما الصورة فوجدتها في موقع المستنير للشيخ محمد حسن هيتو .وتوجد فيه صورة أيضا للعلامة الجزائري السطايفي المكي محمد العربي التبّاني
رحمه الله
.
وأرى أنّي سأستفيد كثيرا بإذن الله من مشاركاتك وتوجيهاتك.
فكان الله في عونك أخي اليعقوبي

معتدل 10-04-2009 11:35 PM

رد: Re: صَأْصَأَ وَلَمَّا يُفَقِّحْ!! [الجزء الأول]
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد ايوب (المشاركة 584976)
اه ثم اه
لو جاز التصفيق لصفقت لك
ذكرتني بايام التعليم واللغة العربية واعراب حتي كتاب الله ثم طال الزمن فصرت اتعجب كيف وصل اليعقوبي لهذا الحد
ادركت اليوم ان الشبر ينقسم الي ثلاثة اشبار وكل كتاب الشروق باستثناءك في الشبر الاول من الشبر الاول او اقل
وعجبي لمن لا يفهم ....العربية الاصيلة كيف يتكلم في كتاب الله
واصل ابداعك اخي الكريم وكم اتمني مناقشتك يوما واعتقد ان اسلوبك وعلمك لرجل غير عادي فمن يتري هو اليعقوبي
؟؟
[/size]

آهات من عندي أيضا ...
وسأصفق باسمي وباسم محمد أيوب ...
اعتدال في الطرح ... عدل وانصاف ... مستوى راق ...
عجبت من حفاظك على التفاصيل والجزئيات ...
أضم صوتي لأخي محمد أيوب ... واصل إبداعك ...
وأعترف أنني لما كنت أقرأ تساءلت أيضا ...
من يكون اليعقوبي هذا ؟؟؟

معتدل 15-04-2009 08:07 PM

رد: صَأْصَأَ وَلَمَّا يُفَقِّحْ!! [الجزء الأول]
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اليعقوبي (المشاركة 583279)

وما حكاية "قسما" عنكم ببعيدة!!...




تراه قريبا ونراه بعيدا ...
طال الانتظار ... ونحن في الانتظار ...
كـمـبـيـوتـر

اليعقوبي 15-04-2009 09:23 PM

صأصأ ولما يفقح [الجزء الثاني]
 
صَأْصَأَ وَلَمَّا يُفَقِّحْ
[الجزء الثاني]
تصدير:
[السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
1- أحببتُ أن أعتذر -بين يدي هذه الأوْبة- إلى إخواني الكرام، من شيوخ وأساتذة وطلبة هذا المنتدى، عن تأخرٍ ما كان بيدي أن أستعجله!، ومع أن مادة هذه الصفحة (من النقدات) حاضرة من يومِ بدأت هذا الموضوع، وخطتها جاهزة.. إلا أني شغلني بعض الالتزامات، لم أستطع تأخيرها أكثر..
وبالرغم من أنني لم أفرغ بعدُ من التزاماتي كلِّها.. إلا أن مقالات الأخ "جمال البليدي"، شجعتني على المواصلة!.. خطر ببالي أولا أن أجيب اعتراضاته وأحلَّ استشكالاته قبل المواصلة، أو أن ألحق عنوانا جديدا لنقد بعض "الظواهر المتجددة" في منتدانا!.. غير أن الرأي استقرَّ على مواصلة الكتابة في موضوعي.. من دون أن أخلَّ بمنهجي، ولا بخطتي التي رسمتُها أوّل ما شرعتُ أكتب هذه الصفحات..
لأنني أرى أن الانطلاق من الكل إلى الجزء، ومن الأصول إلى الفروع (أو من الماكرو إلى الميكرو بتعبير علماء المنهجية)، هو المسلك العلمي الصحيح؛ وأرى أن اشتغال "أقوام" بالتفصيلات، والجزئيات، قبل أن تقرَّر الكليات في الأذهان وتستقرَّ في أذهانهم، هو سبب كل هذا الخلط، والخبط، والشطح والنطح، الذي نبتلى به منهم في الصبوح والغبوق!
ولأجل هذا، فإني غير مجدد خطة صفحاتي النقدية، وغير مضيف إليها شيئا، وغير مشير (تصريحا أو تلميحا) إلى ما جدَّ في المنتدى من موضوعات.. ذلك له مقال آخر!
2- لستُ أدري، لِمَ تهيبت الكتابة في هذا الموضوع، مع أن الأفكار التي سأوردها فيه مجتمع تصورها في نفسي منذ أول يوم! وليس فيها -كما أحسب- ما يتهيب!.. لعل لحساسية الموضوع الوطنية دورا، ولعلني أتَهيب أن أخوض في "التأصيل والتقعيد"، (لأني أعرف قدر نفسي، وأنه "لا يجترئ على الكلام إلا فائق أو مائق"!)، ولعل تأخري في جمع تلك الأفكار، وصوغها، ورقنها، هو السبب كله!
لستُ أدري لم أتهيب الكتابة في هذا الموضوع... لكنني أعلنتُ عنه، وألزمتُ نفسي به، فلا بد من ركوب الصعب!! وأنبِّه الكرام القراء بأن ما في هذا المقال خاصة، وفيما سبقه وما يلحقه إن شاء الله، رأيٌ بشري، قاصر مهما أراد له صاحبه له الكمال.. يقبل الأخذ والردَّ والمراجعة (لا المصارعة!)
3- وقد طال هذا التصدير، فلا أرهق به قارئا بعد الآن!]

اليعقوبي 15-04-2009 10:01 PM

قسما.. وأشراك الإشراك!
 
قَسَمًا.. وَأَشْرَاكُ الإِشْرَاكِ!


عجيب أمرك يا "قسما".. عجيب أمرك يا نشيدنا الوطني! لم يخطر ببال بعض إخواننا أن ينبّهوا إلى ما في أول أبياتك من "قسم بغير الله"، إلا حين قرؤوا أن الشيخ عائضا القرني بكى عند سماعه لك!! كأن الذي يهمهم في البداءة، هو "انتقاد" الشيخ عائض، وتتبع زلاته؛ وكأنك لا ذنب لك إلا أنك أثرت في الشيخ عائض فبكى.. فكان ضحيتك، وكنت ضحيته!! وإلا، أفلا كانوا تكلموا عنك، وأنت ينشدك الناس منذ عقود؟؟!

هذا الذي هَجَسَ في خاطري، وأنا أقرأ كل ما أثاره موضوعٌ عنوانه: ((عائض القرني يبكي عند سماع "قسما"!! الله المستعان))من هوامش، وتفريعات، وتأصيلات، وتقعيدات (وتعقيدات، واحتجاجات!)..

بدايةً، وقبل أن أخوض في حديث الهزات الارتدادية التي تسبب الموضوع الأصلي فيها؛ أحبُّ أن أشير إلى أن هذا الموضوع الأصلي، كان ظالما غيرَ منصف! فقد كان -فيما أذكر- يتعجّب، ويعجِّب القراء، من بكاء عائض القرني عند سماعه (أو استماعه.. والسماع يكون بقصد وبدونه، فلهذا فهو يشارك الاستماع في معنى الإصغاء.. أقول هذا لأن أحد الإخوة سأل: "سمع أو استمع"؟؟! وهذا تحذلق لا معنى له، وتفلسف لا طائل من ورائه، ولا سيما إن كان "السامع" ميتا لا يقدر على الإجابة على السؤال!!..) سماعه أو أو استماعه "قسما"... كيف يبكي هذا الشيخ الداعية، وهو يسمع قسما بغير الله؟!! مع أن الشيخ عائضا القرني، ذكر بدقة، لحظة بكائه!.. وأن دموعه نزلت على خديه حينما سمع:

يا فرنسا قد مضى وقت العتاب ** وطويناه كما يطوى الكتاب


يا فرنسا إن ذا يوم الحساب ** فاستعدي وخذي منا الجواب


إن في ثورتنا فصل الخطاب ** وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر


فاشهدوا

وهذا في ذوقي، أروع مقطع من النشيد الوطني! ومازلتُ أحسُّ بكهرباء تسري في جسدي كله، فتخضل مآقيَّ.. كلما ذكرتُ أو "اسمتعتُ": "يا فرنسا إن ذا يوم الحساب".. وإني إخال أن لو قال: "يا فرنسا إننا يوم الحساب" لكان أشعر المغاربة بهذا الشطر المعجز!!
ما أفخم، وما أفخر!.. وليتنا كُنَّا لفرنسا في الجزائر -كما أراد الشهداء الأبرار، وكتب مفدي- يومَ الحساب.. اليوم الآخر! فلم تقم لها قائمة في بلدنا بعد استرجاعنا السيادة الوطنية! (ولا لكل ما يمتُّ لها بصلة: أولادها، نظمها، عاداتها، ثقافتها...الخ)!! ليتنا التزمنا عهد الشهداء.. وقسمهم "بالدماء"!! (سأعود لهذا لاحقا)..
عائض القرني، بكى عند سماعه هذا المقطع، من "قسما".. بكى لأنه تذكر ملاحم المجاهدين في الجزائر أثناء الثورة الكبرى، وقبلها.. لأنه قرأها، واستمع إلى أمجادها.. لا كبعض الجزائريين المتنكرين لأصولهم، وجذورهم! (من العجب أن يقدم الدكتور الكبير الشريف الحسني محمد عقيل موسى -السعودي الجنسية- سلسلة تجاوز عدد حلقاتها أربعين عن تاريخ الجزائر، ويجتهد في جمع مادتها، وتنسيق فقراتها، وتبسيط عباراتها ليفهمها الجميع.. ولا نجد من دعاتنا وطلبة العلم عندنا، من يدرِّس تاريخ الجزائر العام للشيخ عبد الرحمن الجيلالي، أو تاريخ الجزائر في القديم والحديث للشيخ مبارك الميلي في المساجد!! مع أن الشيخ ابن باديس -الذي يزعم بعضٌ النسبة إليه- كان يدرِّسُ التاريخ في المسجد قبيل الفجر من كل يوم!!)
ولعل عائضا بكى، لأنه نظر إلى فلسطين، من خلال هذا المقطع... غيَّر كلمة أو كلمتين فيه.. فتطابقت الصورتان (الجزائر قبل 1962، وفلسطين في هذه الأيام) كأنهما نُسِخَتَا بالكاربون!!... (ما هذا التشبيه الأعرج المتخلف! أفي زمن التَّصوير الرقمي، والماسحات الضوئية، و"الاستنساخ".. مازلتُ أشبِّه بالـ"ديكالكاج" -كما يحلو للجزائريين القول؟!- "لعمري" إنني لَمُعْرِقٌ في التَّخلف!!) فاطمأن إلى أن طريق تحرير القدس ليس مفاوضات، أو سلما أو صلحا.. بل جهادا ودما ونارا، تحرق العدوَّ وتصليه نار الدنيا قبل الآخرة! واطمأنَّ إلى أن فرج فلسطين قريب، لأن جذوة الجهاد متقدة، ولأن سطوة الظالم شديدة.. وهكذا من يدنو إليه الموت، يمدُّه حب الحياة والتعلق بها بكل ما اختزنه جسده من قوة، وعرامة... ولكنه إلى الموت صائر بعد حُيَيْن!
..اعذروني -رحمكم الله- فإني أدافع الاستطراد كثيرا، فأغلبه حينا، ويغلبني أحيانا.. ولعل الشيخ الأديب علي الطنطاوي -رحمه الله- أوّل من نقل إلي هذا الداء.. فلما دخلتُ إلى رحاب الجاحظ استحال طبعا وعادة!!.. (وهذا من الاستطراد أيضا!)
والمهم الذي أردت أن ألفت القارئ إليه، أن عائضا، لم يبكِ حين سمع "القسم بغير الله" كما أوهم صاحب الموضوع الرئيس.. إنما أوضح متى وأين ولِمَ بكي!
ولكنها نفس الإنسان وسطوتُها:

إِنَّمَا أَنْفُسُ الأَنِيسِ سِبَاعٌ ** يَتَفَارَسْنَ جَهْرَةً وَاغْتِيَالاَ!

ولكن الموضوع فتح على الناس أبوابا من القول، والرد، والخوض في دقائق العلم بعلم وبجهل! ورصدتُ عدة موضوعاتٍ ميزها جميعها في الأعم الأغلب الحدة في الرد، والحيدة في الجدال، والخروج عن الموضوع، والتنابز بالألقاب...
من الموضوعات التي فتحت على هامش المقال الأصل:
- "أُخرجت الجزائر من الملّة.....!!! والله المستعان" لأبي أسامة،
- "أنواع القسم والحلف بالله" لجمال البليدي،
- "رفض واحتجاج" لأبي أسامة،
- "المشرك الجزائري الشهيد... أروع قصة قصيرة واقعية قرأتها" لـ القلم المسلول،
- "حكم ما جاء في النشيد الوطني...الرد الأخير ونتحدى" لجمال البليدي...الخ
وقبل أن أبدي رأيا في الموضوع.. أحب أن أسأل من أثار الموضوع الأصلي، ومن دافع عنه:
- لماذا الآن؟؟
- ولمن توجّه مقالك، وفتوى الحجوري عن "قسما، وألفاظه الشركية"؟
- وما هي الفائدة التي ترجوها من مقولك (أو منقولك)؟!
لا يقولنَّ لي قائل إن سبب كتابة المقال، هو أن الحاجة اقتضتْ البيان، وإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة! فوقت الحاجة هذا عرضَ من يوم صار "قسما" النشيد الوطني الجزائري!
ولا يقولنَّ آخر (وكل هذه الحجج ذكرها إخوان لنا في ثنايا مقالاتهم)، إن علماء الجزائر، كل علماء الجزائر، سكتوا عنه، وهو شرك أصغر كما قيل، جلبا لمصلحة ما، أو دفعا لمفسدة متوقعة لا نعرف بعد ماهيتها! فإنَّ سكوت كل أهل العلم في الجزائر، من دون استثناءٍ وصل إلينا، أو سمعنا به، أو ذكر لنا؛ عن بيان الحق في "قسما" وقتها.. هو شبه إقرار منهم له. "إذ يبعد سكوت الكل مع اعتقاد المخالفة" كما يقول الأصوليون!.. فعوام الجزائريين -إذن- يعذرون، إن يكن "قسما" شركا أصغر، بِتَوهُّم الجواز من سكوت العلماء الإقراري!.. وقد تكلَّم الإمام الشاطبي في الاعتصام عن أثر سكوت أهل العلم في تقرير البدع عند العامة، لأن العلماء ورثة الأنبياء يَدُلُّون على الأحكام بأقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم، فليرجع إليه من شاء (فصلٌ: فإن قيل أما الابتداع بمعنى أنه نوع من التشريع.. الخ، 1/364) فإني أكتفي بالإشارة إليه عن النقل المطول..
وعهْدُ الله إل العلماء -كما روي عن أبي حازم رحمه الله- (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ)
فإن قيل، إن سكوتهم عن "قسما" يندرج تحت عنوان "المسائل التي جوابها السكوت"، خشية الفتنة، ونظرا في المآلات.. فما الذي دعا إخواننا هؤلاء، ممن أثار الكلام حول "قسما" إلى الخوض فيما سكتَ عنه العلماء؟!!
ولا يقولنَّ آخر إن العلماء سنة 1963 كانوا قلة، قليلة.. فقد كان الإمام الإبراهيمي حيًّا يصدع بالحق، ويرد الباطل، وينصح للناس؛ وكذا كان الْمُفتون الأعلام، ومنهم أعضاء لجنة الإفتاء الشرعي الذين شهد لهم الإمام البشير (وحسبك بشهادته وتزكيته) بأنهم: "من العلماء المشهود لهم بسعة الاطلاع، وحسن الإدراك لحوادث هذا العصر"، وهم -كما رتبهم الشيخ-: "أحمد سحنون (الذي ذكر صاحب المدارك، أنه ليس عالماً فقيها.. فلم ندرِ أنأخذ بشهادته هو، أم بشهادة الإمام الإبراهيمي؟!!)؛ وعبد اللطيف القنطري (السلطاني)؛ ونعيم النعيمي؛ ومصطفى الفخار -مفتي المدية-؛ والفضيل اسكندر" رحمهم الله جميعا، وأجزل لهم المثوبة وحشرنا معهم (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيئِينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً).
ومعلوم أن الإمام الإبراهيمي، كان صداعا بالحق قائلا به، وما بيان 16 أفريل 1964 عنا ببعيد؛ وما محنته (مع نظام بن بلة) التي ختم بها سجله الحافل بالجهاد، والنضال، والبذل في سبيل الله بالتي تنسى.. فكيف يسكت الإمام، وهو أمير البيان والتبيين؟!!
ولا يقولنَّ آخر، إن العالم أسير من يستفتيه، فإن مثل هذه المسائل، لا تحتاج إلى استفتاء، حتى يفتوا فيها.. لأن علماءنا، لم يكونوا يعيشون في المريخ، ولم يكونوا في "الكُومَا"، حتى لا يعرفوا ما يدور حولهم في بلدهم! ولا يقولنَّ إن عدم سماعنا إنكارهم لا يعني أنهم لم ينكروا!! فقد كانت المعارضة الإسلامية -خاصة في السبعينيات- في أوج وعيها، وقوتها، ونشاطها، وحركتها؛ ولو كان الشيخ عبد اللطيف، رحمه الله، أو الشيخ سحنون رحمه الله، أو غيرهما من العلماء أفتيا في مثل هذا الموضوع المهم، ألا ترى أن "الحركة الإسلامية" كانت ستنشر هذه الفتوى؟ (ولو من باب التشنيع على النظام القائم! إن خطر ببال بعضٍ التشكيك في النيات؟؟).

وليسَ هذا كلُّه دفاعا عن "قسما"، أو رداًّ على من تكلم في القسم بغير الله، بلسان الشرع.. لكنها استشكالات أحببت أن أدفعها إلى من دخلوا في الموضوع بكل عدتهم المنقولة، وغير المنقولة!.. ليقولوا كلمة الفصل، ويتحدوا الناس أن يأتوا بما ينقض ردهم!

وقبل أن أعرض برأيٍ للموضوع (بالرغم من أن هذه الصفحات لا تلزمني بإبداء رأيي في تفصيلات الموضوعات، إذ أن هدفي منها -كما يفهم القارئ اللبيب- نقد طريقة العرض، وطريقة النقاش، في موضوعات بعض الإخوان.. لا نقد للموضوعات نفسها.. بالرغم من ذلك، فسأخرج عن شرطي، وأقول رأيي.. لئلا يقال: هرب، وتملص، وتمسك بالكليات دون الدخول في التفصيلات...الخ!).
أحب أن أشير إلى أنني قرأتُ منذ سنوات عدة (في حدود سنة 2000) في أسبوعية البصائر، التي تصدر عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (يوم كان الدكتور عبد الرزاق قسوم رئيس تحريرها) مقالا كتبه أحد الأساتذة (لم أعد أذكر اسمه) عن "قسما"..
وقد أعياني البحث عن عدد البصائر هذا في أكداس الجرائد المجتمعة عندي، والعجيب أنني وجدتُ أعداد السلسلة الثانية من "البصائر" [1947-1948]؛ ولم أجد أعداد سنة 2000 و 2001!! ولو أني وجدت المقال، لنقلتُه لكم بحرفه، لأنه من "النقل العزيز"!!
خلاصة هذا المقال، فيما أذكر، كلام عن النشيد الوطني، وما فيه من قسم بغير الخالق.. ونقد أدبي لنشيد مفدي، إذ سأل: كيف يقسم مفدي بالنازلات الماحقات؟.. وهل جاءنا البلاء إلا منها؟؟ وهل أحرق البشر والشجر والحجر والدْشُر، وشرد الأطفال، وروع الآمنين، إلا النازلات الماحقات؟!..
ثم إنه في الأخير رأى وجوب "تعديل" البيت الأول من النشيد الوطني، واقترح لذلك -فيما أذكر-:
- قسما بالله رب الماحقات
-باسم رب النازلات الماحقات
هذه خلاصة لما أذكر من هذا المقال.
وقبل أن يسألني سائل.. فلِمَ تُحرمون علينا، قول ما استجازت جمعية العلماء نشره في جريدتها؟ ولم هذه "الاستقصاد" للسلفيين بالذات؟؟!

أَحَرَامٌ عَلَى بَلاَبِلِهِ الـدَّوْحُ، حَلاَلٌ لِلطَّيْرِ مِنْ كُلِّ جِنْسِ؟؟

أقول له: أنا لا أملك إلا نفسي! فلا أتكلم إلا عنها.. لستُ أمنع أحدا من أن يناقش أي مسألة، وإننا نعتذر لمن يناقش في مسلمات الشريعة، وقضايا الاعتقاد الكلية، وقد تعرض لمسلم شبهة الإيمان بها، بل النطق بها كفر أكبر، موبق.. لكنها -إذ تكون شبهة- يسأل عنها أهل العلم، وينقل الكفر وليس بكافر، ويناظر ويذاكر.. من دون حرج، ولا عتب، ولا ضغينة! وليست مسلَّماتنا الوطنية بأعز علينا من مسلماتنا الشرعية، ولا أغلى، ولا أعلى، ولا أقدس!!
ولكن لا تعرض المسائل الشرعية هكذا، ولا تكثف النقول لأجلها كذلك، فيعرض ما له علاقة وما ليس له علاقة! ولا تساق فتوى لعالم -مهما بلغ من الرتبة والإمامة – في مسألة تعظم بها البلوى، هكذا، دون نظر في العواقب ولا المآلات..
والشيخ الحجوري في الفتوى التي نقلت عنه يقول: "هذا القسم شركي؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم "من كان حالفًا فلا يحلف إلابالله" ويجب إنكار هذا المنكر، بقدر ما يستطيع الإنسان بلسانه أو بقلبه، وحظورتحية العلم المصحوب بهذا النشيد لا يجوز".
فأنا أحب أن أسأل من أورد هذه الفتوى: هل ذُكِر للشيخ أن حضور "تحية العلم" في المدارس الجزائرية إلزامي؟ وأن المتخلف أو المتواني قد يطرد من المدرسة؟؟
وأسألهم أيضا، هل فكرتم فيما قد تجره الفتوى التي نقلتموها عن الحجوري على مقلدي الشيخ، من طلبة المتوسِّطات والثَّانويات؟ وماذا لو طرد أحد بسبب التزامه بهذه الفتوى، وتبعه بعد ذلك من العنت والضرر وتضييق الوالدين (حتى أنه قد يمنع من الصلاة في المسجد)؟؟..
سلسلة بنت سلسلة كما قال إمامنا مالك رضي الله عنها لأسد بن الفرات رحمه الله! أحببتُ من كشف أولها تذكير هؤلاء الإخوة، بأن المآلات معتبرة كما قرَّر الإمام الشاطبي وغيره، ولنفرض معاً أن "قسما بالنازلات الماحقات" قسم بغير الله من المخلوقين.. شرك أصغر؛ ألم تروْا إلى ما أدَّى إليه "هجومكم الكاسح" غير المتبصر بالعواقب، ولا الناظر في المآلات؟؟
كاتب فاضل، من كتاب المنتدى، قال لكم باللفظ الصريح:
اقتباس:

"خذوا جنّتكم واتركوا لنا الجزائر! أريد أن أدخل جهنم مع عبان رمضان يا أخي.. عندك مانع؟"!!

وما قصد -بلا أدنى شك- ما يلزم من هذه القولة الشنيعة، وإني لأجزم أنه استغفر الله منها مرارا! لكنه الاستفزاز حين يكون، والشيطان حين ينفخ، و"التاغنانت" الجزائرية حين تثور بصاحبها!!
(ملاحظة هامشية: عجبتُ جدا من الأخ الذي سأل: "مَنْ عبان رمضان؟" ولا أدري أهازئ هو أم جاد؟!! ولا يضرّه أن لا يعرف عبان، ولا يضرُّ الشهيد القائد الشيخ زيَّان رحمه الله، مثلا، أن لا يعرفه إلا قليل من قليل.. ولكن العجب ممن درس بالمدارس الجزائرية ولم يسمع بحياته بعبان!!)

فأسألك يا أخي الذي جررت كاتبا فاضلا إلى هذا القول.. ما رأيك، قوله هذا أشد وأخطر أم "قسما"؟!! وفي لازم مذهبك، ألا يناقض فعلك قول الله تعالى: (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) [واعذروني.. لا يفهمنِّي أحد كما يريد هو!! ما أريد إلا القياسَ الجزئي، وإنما نهى الله المسلمين أن يسبوا المشركين، وهم عبدة الأوثان، التي لا يؤمن أحد حتى يكفر بها، ويسفهها، ولا يصرف إليها وجها من وجوه العبادة والتعظيم، ويتبرَّأ منها، وممن يعبدها.. لئلاَّ يفضي ذلك بالمشركين إلى سبِّ الله تعالى.. وهذا هو اعتبار المآل الذي أشرتُ إليه... فكذلك، إذا كان الكلام عن "قسما" -وإن كان الحكم عليها، بجلاء ووضوح الحكم على المشركين ومعبوداتهم- يؤدي بالكبار من الكُتَّاب والحكماء من الناس إلى أن يقولوا -تحت الصدمة- خذوا جنتكم واتركوا لنا الجزائر.. فإن قسما وإن تكن شركا أصغر كما يقول الحجوري خيرٌ ألف مرة من هذه الكلمة!!]
هذه واحدة..
ثم إني أعود إلى ثالث أسئلة كنتُ وطأت بها لكلامي:
- وما هي الفائدة التي ترجوها من مقولك (أو منقولك)؟!
ليس في كتاب المنتدى -فيما نظن- نائب في البرلمان، أو مسؤول في الحكومة.. وليس "السي عبد القادر" عضوا في منتديات الشروق!!
ليس في المنتدى من بيده أن يغيِّرَ هذا "المنكر"! فما الفائدة المرجوَّة من هذا المقول والمنقول؟؟
المشكل أن هؤلاء الإخوة الذين أثاروا الموضوع ممن يرَوْن "وجوب طاعة ولي الأمر"، وعدم الخروج عليه، وعدم ذكره بسوء، وعدم الإشارة إليه بقدح أو انتقاد!! بل إن بعضهم بايعه قبل عشر سنوات بالسمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر!! (مع أنه لم يطلب منه أحد ذلك!) أليس في هذا بابا من أبواب إثارة الفتن النائمة، وتهييج العامة، والتشهير بأولياء الأمور؟؟!!
حينَ قرأتُ مقالات "قسما".. تذكَّرتُ النشيد الوطني السعودي، وتذكَّرتُ أني استبشعتُ جدا أحد أبياته حين سمعتُه أول مرة. "عَاشَ الْمَلِكْ == لِلْعَلَمْ وَالْوَطَنْ"!
فلما تذكَّرتها بحثت عمَّن نقد هذا البيت من علماء الجزيرة؛ ومن عجبي، لم أظفر بشيء، كأن هذا النشيد الوطني هو لدولة أخرى غير السعودية.. إلا كلاما للشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى.
واسمحوا لي هذه المرة أن أتقمَّص وجه "ناقل"، وأن أنقل الكلام على وجهه، [وهو من تفريغ الشبكة الإسلامية لسلسلة لقاءات الباب المفتوح الصوتية].. أنقله على وجهه (حتى نهاية كلامه عن النشيد الوطني السعودي، ثم إنه شرع في الكلام عن حب الوطن، وضوابطه الشرعية فهذا لا أنقله لعدم تعلقه بالموضوع، ومن أراد الفائد فليبحث عن الفتوى كاملة) لئلا أتهم بأنني أتصرف في فتاوى الشيوخ بما يخدم فكرتي! ولتبيين طريقة العثيمين في الإجابة عن استفتاء شبيه بقضيتنا، وتفصيله، ثم نصحه للمستفتي؛ وأنقله أيضا لسبب طريف، هو طريقة الشيخ العثيمين رحمه الله التعليمية، حتى في تحليله للنشيد الوطني وفك عباراته.. تماما كما يفعل بالمتون! رحمه الله وغفر له، وعفا بمنّه وكرمه عمّن قال من قراء هذا الموضوع: آمين!


اقتباس:

حكم النشيد الوطني:
اقتباس:


- السؤال: في بعض المدارس وفي نهاية الطابور الصباحي في المدارس يقوم الطلاب بترديد ما يسمى بالنشيد الوطني، فما رأيكم في هذا؟
- الشيخ: ما هو النشيد الوطني؟
- السائل: والله لا أحفظه؛ لستُ أدري إذا كان أحد الإخوان يحفظه! لكنَّه هو قولُهم:

سارعي للمجدِ والعلياءِ ** مَجِدِّي لخالق السماءِ

- الشيخ: سارعي! يخاطب مَن؟! امرأة؟! أم أنه يخاطب نفسه؟!
- السائل: وطنَه.
- مداخلة: العَلَم.
- الشيخ: إذا كان العَلَم فيقال: سارعْ، أليس العَلَم مذكَّراً؟!
- مداخلة: إذاً: الراية!
- الشيخ: الراية!
- السائل:
سارعي للمجدِ والعلياءِ ** مَجِدِّي لخالق السماءِ
وارفعي الخفَّاقَ أخضرْ ** يحمل النور المسطَّرْ
ردِّدي: الله أكبر *** يا موطني
عاش الملك للعَلَم والوطن.
- الشيخ: على كل حال، أرى أن الذي يجب أن يُسأل عنها هم الذين بيدهم إلغاؤه أو إبقاؤه، وهذه قاعدة أحب أن يتنبَّه لها من يُستفتَى.. يأتي مثلاً بعض الناس ممن هم تحت إدارة معينة، ويكون في هذه الإدارة بعض التجاوزات، وبعض المنكرات، فيأتي أحد الإخوة يسأل عنها، ربما يجيب المجيب بحسن نية، فيتخذ السائل من هذا الجواب سُلَّماً للمنازعة مع المسؤولين والتشويش عليهم، ولا يحصل المقصود؛ لأن المسؤولين إذا جاءهم الأمر من أسفل قد لا يخضعون ولا يستجيبون، ويزيدون في ما هم عليه؛ لكن يجب أن تُعالَج هذه الأمور من فوق، فيُنْظَر؛
أولاً: هل العَلَم وهو جماد يُخاطَب بمثل هذا الخطاب أم لا؟! هذه واحدة.
ثانياً: عندما يقال: عاش الملك للعَلَم والوطن
ما معنى هذه الكلمة؟! عاش المليك، لا بأس، ندعو له بالعيش الحميد، والحياة الطيبة، وأن يسدد الله خُطاه، وأن يدله على الخير.. هذا لا بأس، ندعو له بذلك.
لكن العبارة الثانية: ..... للعَلَم والوطن.. ما معنى للعَلَم والوطن؟! هل المعنى: عاش للعَلَم، وعاش للوطن؟! أم أن المعنى: أنني أقول ذلك تعظيماً للعَلَم وللوطن؟! ما ندري!... اهـ


لاحظ معي ما لوَّنتُه وسطَّرتُه وعرضت بنطه، ثم قارنه بثالث أسئلتي المفتاحية: "- وما هي الفائدة التي ترجوها من مقولك (أو منقولك)؟!"..


بالعربي الفصيح -كما يقول المصريون- من أراد الكلام على "قسما" فليتوجه إلى المسؤولين!!


ثم إني وجدت في فتاوى الشبكة الإسلامية (Islamweb.net) سؤالا وجهه إليهم أحد الأساتذة الجزائريين عن "قسما".. وقد أفتت الشبكة -التي يشرف على مركز الفتوى بها الشيخ عبد الله الفقيه الشنقيطي- بما يقرب من فتوى الحجوري (مع ملاحظة أن السؤال "انطلق" من مسلَّمة عند المستفتي أن النشيد الوطني يبدأ بـ"كلمات شركية" كأنه يوجه المفتي!! وما كان عليه إلا أن يذكر تحرجه مما فهمه من النشيد، وينتظر ما يقرره مفتوه! وأن المفتين أجابوا بجواب عام، ولم يتعرضوا بالتحليل أو المناقشة لكلمات النشيد الوطني نفسها)... لكن هناك فرقا يسيرا.. يصنع كل الفرق؛ تميز به بين المفتي العارف بصنعته، الناظر في المآلات المعتبر لها، وبين من يورد الناس الهلكة بأحكامه دون استفصال ولا تفصيل؛ أخذا بأحوط يعرفه كل أحد.
واسمحوا لي يا قرائي الكرام، ولقد أعلم أن المنقولات قد أسأمتكم و"أقهمتكم"، اسمحوا لي مرة ثانية أن أنقل الفتوى..
اقتباس:

رقم الفتوى : 18122
عنوان الفتوى: العاجز عن تغيير المنكر يسعه السكوت مع الإنكار بالقلب
تاريخ الفتوى: 15 ربيع الثاني 1423
السؤال: مؤسسة تربوية في مطلع كل سبت ترفع العلم الوطني، بحيث يجتمع الأساتذة والتلاميذ حول سارية العلم، ثم يقوم التلاميذ ينشدون قصيدة تبدأ بكلمات شركية (قسما بالنازلات الماحقات...) وهكذا يوم الخميس؛ هل يجوز لي بصفتي أستاذ في هذه المؤسسة أن أشاركهم في هذا العمل؟ مع العلم أنني في حالة الرفض قد أتعرض إلى عقوبات من بينها التخلي عن عملي.أفتونا جزاكم الله خيراً.
الفتوى:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" رواه مسلم وغيره.ومن علم شيئاً مما يجب على العباد وجهلوه، فالواجب عليه إبلاغهم إياه؛ فالواجب أولاً على هذا الأخ محاولة تغيير هذا المنكر شريطة القدرة على ذلك، وأن لا يؤدي إلى منكر أكبر، وذلك بالنصح لهيئة التدريس إن أمكن، فإن لم يتمكن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستطاع أن يعمل في مكان آخر فليبادر.. فإن الله ورسوله قد أمرنا باجتناب مكان المعصية، وإن لم تجد عملاً آخر، وكنت محتاجاً، وتتضرر بالإنكار، فإنه يسعك السكوت مع الإنكار بالقلب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها -وقال مرة أنكرها- كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها" رواه أبو داود.
والله أعلم.
المفتي: مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه



هذا نص فتوى الشبكة الإسلامية، وهي هيئة رسمية تابعة لوزارة الأوقاف القطرية، يشرف على مركز الفتوى فيها الدكتور عبد الله الفقيه، ويعمل به عشرات من أهل العلم والفقه والفتيا. قارن وناقش!
هذا رأيي في المسألة من زاوية جدوى إثارتها من عدمه.. وإذن، فإني أرى -استتباعاً- أن كل تلك الموضوعات، كانت عواقر عقمى لا طائل من ورائها، ولا فائدة!!.

(يتبع..)

اليعقوبي 16-04-2009 02:02 PM

رد: منتدى الشروق الحضاري.. لكيلا يغرب!! (قسما.. الذباب الحركي.. وهموم أخرى!!)
 
أشراك الإشراك
[الجزء الثاني]

... أما استدلالات المجيزين لـ"قسما" بأمثال قول المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم): "أفلح وأبيه إن صدق"، وردّ المانعين بسرد الخلاف المشهور في حديث مسلم، و"النقل" عن الفتح وغيره من الدواوين دون أدنى جهد! فلقد ظهر لي أن موضع النزاع -والله أعلم- لا تعلق له بتلك الأدلة من قريب ولا بعيد!
ذلك أن الأقسام التي وردت في حديث الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم، جريا على عادة للعرب مشهورة في كلامهم، من دون قصد للقسم بغير الله؛ إنما هي ألفاظ تعجبية، اعتراضية، ترد في ثنايا الكلام، لا يبتدأ بها.. وإنما تعرض وتعترض دون تقصد بين جمله، وخلال كلماته، توكيدا لعبارة، أو تنبيها لمعنى، أو إنباها للسامع.. وهي من قبيل أيمان اللغو التي تعرض في الكلام، ولا حنث فيها، ولا كفارة (ولا تكون عن سهو كما أوهم بعض إخواننا، بل يمين اللغو هي التي تعرض من غير قصد، من غير قصد عقد القسم؛ ومن لم يفرق في المعنى بين "من غير قصد" و"سهوا" لا يجدر به الكتابة في موضوعات كهاتا!).. ويشبهها تماما، أو (إنها إياها!) ما اعتاد الناس عندنا أن يقولوا تعجُّبا من كلام أو توكيدا لطلب: "وراسك!"، أو توكيدا لطلب: " أنا وراسك أرواح!" مثلا.. فأنا أحسب -ولا أجزم ولا أقطع-أنها من بابة ما جرى عليه عرف العرب في كلامهم، وليس فيه معنى اليمين، ولا قصده، ولا لفظه.. وهذا هو الذي يقاس على قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "أفلح وأبيه إن صدق" (وهو في صحيح الإمام مسلم بن الحجاج.. وليس شاذًّا في أقوى أقوال أهل الصنعة -كما حكم عليه الشيخ الألباني رحمه الله، متابعا لحافظ المغرب أبي عمر بن عبد البر..- بل صحيح، صرح بتصحيحه ابن حجر، وناضل عن ذلك السهيلي في الروض الأنف، ونقل الشيخ العلامة حماد الأنصاري رحمه الله، قولهما كالمقر له في بحثه الماتع عن "لعمرك"، وصححه الشيخ أبو إسحاق الحويني في فتاواه الحديثية)، هذه جمل اعتراضية، قد يستغنى عنها، ويبقى الكلام مفيدا، (أفلح إن صدق، مفيدة لم يختل المعنى بحذف تلك الجملة الاعتراضية، وهذه رواية الإمام مالك رضي الله عنه)، أما "قسما" فليست كذلك، بل إنها من آكد الأقسام.. فيها حرف القسم، وفعله المحذوف: "أقسم قسما بالنازلات.."
"قسما بالنازلات الماحقات" كلام مبتدأٌ، ويمين معقودة مقصودة.. لا يظهر لي إلحاقها أو قياسها بـ"أفلح -وأبيه- إن صدق" إلا بتعسف من القول ظاهر، وباب من التكلف مشرع!
وليس معنى هذا أن العرب لم تعرف هذا النوع من القسم في كلامها، فقد ذكّر المشرف الكريم الشيخ مصطفى فرحات في أحد تعقيباته بأن إمام البيان محمدا البشير الإبراهيمي، قد أكثر من استعماله في "سجع الكهان"، واستعمله أيضا -إلا أكن ناسيا- في "العزيمة" الظريفة التي أرسل بها إلى الشيخ العربي التبسي من منفاه في آفلو..
وهي من مثل قوله (في سجع الكهان): "أَلِيَّةً بتربة الكواهن ما حازم في أمره كواهن"، "والعتاقِ الضُّمَّر، والعقبان والحُمَّر، والهامة ودُمَّر.."، "أقسم بالذيب الأطلس، والثعبان الأملس، إن المتجر بالأحرار لمفلس، وإن العاقل بين الأشرار لمفلس"، "لا أقسم بذات الحفيف، والجماح الخفيف.."،...الخ
وهذا -في ظني- هو الذي من بابة "قسما"، ويصح القياس عليه، إن وجد في كلام العرب..
أما الإبراهيمي فقد كان في سجع الكهان يكتب بلسان "كاهن الحي"، لأجل ذلك "لبسته الشخصية" التي كان يتقصمها -كما يقال- فاستعمل عبارات كهان العرب القدامى، ومصطلحاتهم، وما تواضعوا عليه من طرق في السجع وتركيب الكلام والإغراب في العبارة.. موظفا هذا الأسلوب من الكتابة الأدبية في معانٍ يضيَّق على كاتبها إن صرَّح بها (ولا نعلم أحدا في القرن العشرين كتب على هذا النسق بهذه الجزالة، غير الإمام الإبراهيمي).. لكن لعل جواب سؤال الشيخ مصطفى أن البشير رحمه الله كتب بلسان الأديب المتقمص لدور شخصياته الأدبية (وهي هنا كاهن الحي)، لا بلسان محمد البشير الإبراهيمي، إمام النهضة الجزائرية.. والله أعلم!
ولكن العرب عرفوا مثل قسم "كاهن الحي" في مقالات الإمام البشير، في أشعارهم خاصة..
قال ابن دريد في مقصورته:
أَلِيَّةً بِالْيَعْمُلاَتِ تَرْتَمِي ... بِهَا النّجَاءُ بَيْنَ أَجْوَازِ الْفَلاَ
وقال أيضاً:
بَلْ قَسَمًا بِالشُّمِّ مِنْ يَعْرُبَ هَلْ ... لِمُقْسِمٍ مِنْ بَعْدِ هَذَا مُنْتَهَى؟
"فأقسم أولا بإبل الحجاج على طريقة العرب، ثم أضرب فأقسم بالشم من يعرب، والشم السادات والأشراف" [قاله الرضي الأستراباذي في شرح شافية ابن الحاجب، 4/507]
وأنعم النظر جيدا -قارئي الكريم- في قول الرضي: "على طريقة العرب".
فهذا النوع من الأقسام صحيح النسبة في لسان العرب، وطريقتهم في توكيد الكلام.
وقسم ابن دريد هو عين قول مفدي: "قسما بالنازلات الماحقات".. ولستُ أقول إنه قسم جائز.. لكنني أحبُّ أن أنبّه إلى أمور
- إن العرب قد استجازوا في الشعر من كلامهم ما لم يستجيزوا في غيره، لأن قالب الشعر الفني، يستصحب شيئا من المبالغات، والاشتطاط في الأخيلة (ولهذا قالوا أعذب الشعر أكذبه، ولم يكونوا يعنون بـ"أكذبه" المين المبين، بل كانوا يقصدون جموح الخيال، وتحليقه فوق حقائق الأشياء..).. ولأجل ذلك برَّأ الله رسوله من قول الشعر: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له).
وهذه الأقسام منها، من جموح أخيلة الشعراء.. كما قال الإبراهيمي رحمه الله في مناجاته المبتورة: "تلك معانٍ هامت بها أخيلة الشعراء، فنبذتهم بالعراء"!!
- إن مفدي شاعر وطني مناضل، هام بحبِّ وطنه، وترسَّم في شعره الوطني طريقا ذللها شوقي، وتبعه الشعراء فيها.. شوقي هو الذي سنَّ في الشعر العربي، هذا النوع من "الغلو في حب الأوطان".. طبعا، سبقه بعضٌ، لكن شوقي، هو المقتدر، وهوالأندى صوتا، وهو الذي اقتفى أثره الوطنيون من شعراء العرب، ومنهم مفدي..
شوقي هو الذي قال:
وطني لو شغلت بالخلد عنه ... نازعتني إليه بالخلد نفسي
وقال لمصر:
ولو أني دُعيتُ لكنتَ ديني ... عليه أقابلُ الحتْمَ المجابا
أُديرُ إليك قبلَ البيتِ وجهي ... إذا فُهْتُ الشهادةَ والمتابا
وقال مخاطباً شباب مصر:
وجه الكنانة ليس يغضب ربَّكم ... أن تجعلوه كوجهِهِ معبودا
ولُّوا إليه في الدروس وجوهكم ... وإذا فزعتم فاعبدوه هجودا
وبعض مقاطع الإلياذة -على جمالها- تقتفي آثار شوقي! ولعل الأدب يطرب لها، لكن الشرع لا يقرّها..
فإن تجوَّزنا، قلنا أن "قسما" من هذه الشاكلة، غلو في الوطن، وتقديسه.. وإلا كانت أقرب إلى الحجة الأولى، لم يقسم مفدي بالنازلات الماحقات، والبنود، والدماء.. إلا جريا على طريقة للعرب معروفة.
هذا كلُّه لا يجعل القسم من جهة الشرع سائغا، لكنه يعتذر لمفدي بأنه سلك سبيلا سبق إليها من قديم.. وأنها عادة للشعراء مألوفة.
هذا رأيي في جزئية القسم، لعل يكون فيه نوع جِدَّة، أو فائدة للقارئ الكريم.. ولعلّي أخطأت فيه فأنا أنتظر تحريرات الإخوة الكرام.

فهل انتهت صفحاتنا النقدية؟؟

لم يبق من الكثير إلا القليل.. مقالان أو ثلاث.. و"نعتقكم".. فترقبوا!!

مـحمد 16-04-2009 08:05 PM

رد: منتدى الشروق الحضاري.. لكيلا يغرب!! (قسما.. الذباب الحركي.. وهموم أخرى!!)
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اليعقوبي (المشاركة 593625)
ولكن العرب عرفوا مثل قسم "كاهن الحي" في مقالات الإمام البشير، في أشعارهم خاصة..
قال ابن دريد في مقصورته:
أَلِيَّةً بِالْيَعْمُلاَتِ تَرْتَمِي ... بِهَا النّجَاءُ بَيْنَ أَجْوَازِ الْفَلاَ
وقال أيضاً:
بَلْ قَسَمًا بِالشُّمِّ مِنْ يَعْرُبَ هَلْ ... لِمُقْسِمٍ مِنْ بَعْدِ هَذَا مُنْتَهَى؟

لقد "أقهمتنا" بسمن الماعز و مأكولات العرب في غياب الرطبين و الشاي بعدها لراحة البطون من غير فائدة تذكر صراحة مني ( أو وقاحة لا أقصدها حتما) سيدي اليعقوبي

أجبني عن سؤال واحد بسطر واحد أو سطران ، أما معلقات شعراء الجاهلية ( رغم ما فيه من نفع فوضوي ) فلا أريدها ، لأن من أتى بعدهم نسخ كل ما أرسلوه و صححه و وجه بعض الصحيح فيه و سمانا "مسلمين" عربا و عجما لا نقتفي أثر العرب في الجاهلية و نسير على عاداتهم حتى في الكلام الذي يشمل القسم ، و هو من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه و آله و سلم و لا يسهوا ( في تلبيغ الرسالة ) و لا يلهوا و معصوم من الخطأ و بعيد جدا عن الشبهات التي أمر بإتقائها و الإبتعاد عنها ، و أمر القول الحسن البين أو السكوت البين الواضح

و لعل معلقتك سيدي الكريم "المثبتة" هي مثبتة (معلقة) في هذا المنتدى لتماثلها مع معلقات شعراء الجاهلية ( و لا أصفك بالجهل سيدي الكريم ) طويلة "كالمريرة" ( ليس من المرارة بل من الممر أو "المحج" ) و لا يمكن لقراءتها إلا تعليقها ( تثبيتها ) فتوصف بالمعلقة ، فهل كل ما جاء في معلقات الكعبة يومها نافع ؟ أليس جله فيه جهل ناقع ؟
هذا عن معلقات "الكعبة" ، فما بالك بمعلقات "المنتدى" ؟

السؤال المباشر :

ما معنى "القسم" عندك ؟

يا الله ، ورينا "حنة يديك"

تحياتي الأخوية سيدي الكريم اليعقوبي

.

أبو اسامة 17-04-2009 06:10 AM

رد: منتدى الشروق الحضاري.. لكيلا يغرب!! (قسما.. الذباب الحركي.. وهموم أخرى!!)
 
السلام عليكم
قال الفرزدق:
ثلاث واثنتان فهن خمس ***وسادسة تميل الى الشّمام
خرجن اليّ لم يُطمثن قبلي***فهن أصح من بيض النعام
فبِتن بجانبيَّ مصرّعات ***وبتّ أفضّ أغلاق الختام
قال له سليمان بن عبد الملك:أقررت بالزنا فلا بد من إقامة الحد عليك، قال الفرزدق: ان أخذت بقول الله عزّ وجلّ لم تفعل.
قال سليمان: وما الآية ؟ قال الفرزدق: (.....وانهم يقولون ما لا يفعلون) فصرفه بجائزة ، وعجب من حسن تخلّصه.
وللحديث قياس.

أبو اليقظان 17-04-2009 10:07 AM

رد: منتدى الشروق الحضاري.. لكيلا يغرب!! (قسما.. الذباب الحركي.. وهموم أخرى!!)
 
الأستاذ اليعقوبي الفاضل : بارك الله فيك على هذا الطرح المتميز والممتع ، لا عدمانك ...

أمير الشروق 28-04-2009 09:39 AM

رد: منتدى الشروق الحضاري.. لكيلا يغرب!! (قسما.. الذباب الحركي.. وهموم أخرى!!)
 
أينك يا يعقوبي، فلقد انتظرنا البقية، وقطعنا الوقت بالتعلل، وقنعنا، في غيابك، بالطل عن الوبل..

اليعقوبي 03-05-2009 05:42 PM

رد: منتدى الشروق الحضاري.. لكيلا يغرب!! (قسما.. الذباب الحركي.. وهموم أخرى!!)
 
أخي أمير الشروق، إخوتي الكرام.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يعلم الله أني ما منعني عنكم، إلا الشديد القوي..
وما لا أقوى على رده من الالتزامات.
فلعلكم تلتمسون لأخيكم العذر، وتستغفرون له

وإني ما انقطعتُ عن الكتابة في المنتدى، وما أنهيت هذا الموضوع بعد..
لكنني لا أحب أن يشغلني جهد آخر، فأكتب لكم "سقط الكلام".. بل إنكم تستأهلون البحث، والتقفر في المعاني، والبحث، وحسن الجمع، وحسن السبك، وحسن العرض..
ولا أستطيع هذا هذه الأيام لظروف خاصة قاهرة
ولعل لنا موعدا مطلع الأسبوع القادم بإذن الله
والسلام عليكم ورحمة الله

بنت أبيها 11-05-2009 09:27 PM

رد: حل فمك!...
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اليعقوبي (المشاركة 580758)
حُلّ فمك!

كان أوّلَ نائل (النائل هو العطاء، ما نلتَه من معروف إنسان) أصابني من المنتدى، ضربةٌ وجهها أحد الإخوة بلا مناسبة إلى فمي مباشرة.. كادت تُطِير أسناني! وتردني على عقبيّ!!

"حل فمك، طاروا سنِّيك"

ثم... خضتُ معه في كلامه، أدافعه، و"أرافعه" (وهو فعل اشتققتُه من الرافعي.. أي أخاطبه بأسلوب الرافعي في نقداته!..). .


و على ذكر الرافعي و الفم 'المتوج' بالأسنان ،
استحضرت عبارة كتبها تعليقا على أبيات شعر
لطه حسين،كان قد نظمها أيام تدريسه بالجامعة :
[لا فُّضَّ فوه و بتعبير "المذهب الجديد ": لا أحوجه الله إلى تركيب أسنان! ]

و قد قالها 'سيد البيان' في مقام السخرية ، ولكني هنا أسوقها مدحًا لما أتحفتنا به من جمال اللفظ و رقي الأسلوب.

بارك الله فيكـ أخي الفاضل ،و 'لا فََّض فاك'.





icer 28-06-2009 01:40 PM

رد: منتدى الشروق الحضاري.. لكيلا يغرب!! (قسما.. الذباب الحركي.. وهموم أخرى!!)
 
السلام عليكم

أين روائعك يا سيدي اليعقوبي ... بارك الله فيك على ما قد نُشِر و نريد المزيد

اليعقوبي 11-08-2009 05:39 PM

رد: منتدى الشروق الحضاري.. لكيلا يغرب!! (قسما.. الذباب الحركي.. وهموم أخرى!!)
 
شكرا لكل من سأل عني
بارك الله فيكم
وحفظكم ورعاكم
كانت "هموما أخرى" شغلتني عن شبكة الإنترنت كلها حينا..
وأنا عند وعدي.. وقد كنت أعددت تتمة لهذه السلسلة من المقالات.. لكن رأيت أن أجيل فيها النظر مرة أخرى بعد أن طال عليها العهد.. وأن أضيف إليها مبحثا طريفا جديدا..
فإن قدر الله، فسيكون موعدنا قبل رمضان
وإلا.. فموعدنا "كي نشربو الما" بإذن الله


الساعة الآن 08:31 AM.

Powered by vBulletin
قوانين المنتدى