![]() |
معادلة المسار والعرب
معادلة المسار والعرب عندما نتحرك في خط مستقيم تتراءى معالمه واضحة وضوح الشمس المشرقة ، ولكن أول عائق ينتابنا هو طول الطريق أو افتقادنا للصبر على مواصلته، لأن النفس البشرية بطبعها عجولة ، فهي تستعجل الوصول إلى الهدف وقطف ثماره ومن هنا وقعت الاختلافات في المراتب بين الناس ، فالنفس الحازمة تربط جأشها وتتجرع مرارة الصبر حتى تصل إلى هدفها الذي يسكن تفكيره ويستولي عليه كله، فهي تعيش به في الحلم واليقظة وتستلهم من لذة اللقاء مكابدة المشقة على طول الطريق، إذ هي لا تفكر قي طول الطريق بقدر ما تفكر في النتائج المذهلة التي ستقطفها بصبرها، ونجد النفس الأقل همة تصل إلى نصف الطريق وعندما تستبطئ الوصول إلى الهدف يوحي لها ارتيابها بأنها قد أخطأت الطريق فتعود أدراجها وتنكص على أعقابها لتسلك سبيلا أقرب ولكن في الحقيقة ليس إلى الهدف المنشود وإنما هو سراب يلذ للعين وتزينه النفس حتى إذا وصلت إليه هوت في مكان سحيق، أما النوع الثالث فإنه لا يضع قدمه أبدا على حافة الطريق الصحيح، بل تجده مغمور العيون بغشاوة البريق الجذاب لأهداف دنيئة، فتجده مشتت النفس بين هذا الهدف وذاك لا يدري بأيها يبدأ ولا إلى أيها ينتهي. فكلما اجتذبه هدف دنيء وقطع المسافة القصيرة في الوصول إليه، إذ بهدف آخر يلوح له براقا من مكان قريب، فهو لا يعرف الراحة و لا الاستقرار النفسي، حيث تراه لاهثا خلف لذة عابرة تحققها له خطوة لا يحسب حسابها وقد تكون فيها هلكته، فقد صار كالتائه في البحر تتقاذفه أمواجه يمينا وشمالا فلا يعرف هدوء ولا استقرارا حتى ينتهي به المطاف إلى حتفه. والمتأمل لحال العرب اليوم يجد أنها تؤطرها مثل هذه التصرفات الناجمة عن رغبة جامحة في تحقيق ما حققه الغرب دون مراعاة ما يفرضه الواقع من ضرورة إتباع خط معين أو المرور بمراحل معينة ومتسلسلة في نفس الوقت ، إذ هو يريد أن يقفز على كل المراحل ليصل إلى ما برق أمام عينيه من الحضارة التي تلمع، فيجد نفسه في الواقع أنه لم يحقق شيئا بل هو قفز مبني أساسا على نية سليمة ليلتقط قشورا مرة تلمع من بعيد بألوان زاهية ولكن طعمها مر كالريحانة مظهرها جميل وعبيرها عطر ولكن مذاقها علقم، وفي سيره هذا "المجنون" سيفقد هويته ومساره السليم ليلقي بنفسه في متاهات وتفاهات ستجرده من شخصيته وما يحفظ له من ماء الوجه ليتميز عن غيره من الأمم بل ويكون من الأمة القائدة كما أرادها الله تعالى : "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر و تؤمنون بالله" هذا من جهة، ومن جهة أخرى نجد أن مسار هذا الشباب العربي قد تجاذبته الأهواء، فهو شباب يسير في طريق رسمه له غيره وكما أريد له ويتحلى بسلوك قد حيكت له ألبسته بإحكام، فصار كعبد ضعيف لا يملك إرادته ويوهم في نفس الوقت بأنه هو الملك ولكن في الحقيقة ما هو إلا عبد مملوك تتحكم في تفكيره وسلوكه أياد خفية تظهر بشكل واضح من خلال تأطيرها له عن طريق ما تفرضه عليه من برامج دراسية تضمن أجيالا ستخدم أهدافها على المدى القريب والبعيد، وتحيطه في نفس لوقت بسياج من الغفلة والتيهان بما تعرضه على الشاشات من خلال الفضائيات من برامج تسهر على انسلاخ الفرد العربي من هويته ومن قوميته ومن أخلاقه ودينه. فهي بذلك تصنع أجيالا خاوية الروح والتفكير لا يهمها سوى إشباع الجانب المادي ، وهنا ستنجح في تعطيل المنبع الأول للوعي فقد أضحى شبابنا كالريشة في مهب الريح تتقاذفه الأهواء ولا يعرف إلى ضميره سبيلا. ولهذا نجد أن المسار العربي قد حاد عن سبيله حيادا عظيما لأن الهدف الأول والأصيل له هو تبليغ رسالة الله في الكون التي اختار العرب لتبليغها وفضّلهم على غيرهم ليكون لهم التمكين في الأرض كما كان أسلافهم حيث يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لقد أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله". بقلم ج. ميهوبي(أم أنس) |
| الساعة الآن 03:11 PM. |
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى